######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000077 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن تيمية #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية #META# 011.AuthorBORN :: 661 #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الزهد والورع والعبادة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: مجموعة ابن تيمية في التزكية والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الزهد والورع والعبادة #META# 030.LibURI :: JK_000077 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: حماد سلامة ,‏محمد عويضة #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المنار #META# 044.EdPLACE :: الأردن #META# 045.EdYEAR :: 1407 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الزهد والورع والعبادة PageV01P001 # | الفصل الاول الصراط المستقيم في الزهد والعبادة والورع # قال الشيخ رحمه الله أهمية لزوم السنة فصل في الصراط المستقيم في الزهد ~~والعبادة والورع في ترك المحرمات والشهوات والاقصتاد في العبادة وأن لزوم ~~السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة فإن أصحابها لا بد ~~أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد لهم من اتباع الهوى ~~ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء فإن طريق السنة علم وعدل وهدى وفي ~~البدعة جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس معنى الضلال والغي ~~والرشد والرسول ما ضل وما غوى والضلال مقرون بالغي فكل غاو ضال والرشد ضد ~~الغي والهدى ضد الضلال وهو مجانبة طريق الفجار وأهل البدع كما كان السلف ~~ينهون عنهما قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا PageV01P009 والغي في الأصل مصدر غوى يغوي غيا كما يقال لوى ~~يلوي ليا وهو ضد الرشد كما قال تعالى وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ~~وان سبيل الغي يتخذوه سبيلا والرشد العمل الذي ينفع صاحبه والغي العمل الذي ~~يضر صاحبه فعمل الخير رشد وعمل الشر غي ولهذا قالت الجن وإنا لا ندري أشر ~~أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا فقابلوا بين الشر وبين الرشد وقال ~~في آخر السورة قل اني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ومنه الرشيد الذي يسلم إليه ~~ماله وهو الذي يصرف ماله فيما ينفع لا فيما يضر وقال الشيطان ولأعوينهم ~~أجمعين الا عبادك منهم المخلصين وهو أن يأمرهم بالشر الذي يضرهم فيطيعونه ~~كما قال تعالى وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي وقال ~~وبرزت الجحيم للغاوين إلى أن قال فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس ~~أجمعون وقال قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغويناهم غوينا ~~وقال ما ضل ضاحبكم وما غوى PageV01P010 ثم ان الغي اذا كان اسما لعمل الشر ~~الذي يضر صاحبه فإن عاقبة العمل أيضا تسمى ms001 غيا كما ان عاقبة الخير تسمى ~~رشدا كما تسمى عاقبة الشر شرا وعاقبة الخير خيرا وعاقبة الحسنات حسنات ~~وعاقبة السيئات سيئات فالحسنات والسيئات في كتاب الله يراد بها أعمال الخير ~~وأعمال الشر كما يراد بها النعم والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل ~~خيرا وحسنات لقي خيرا وحسنات ومن عمل شرا وسئيات لقي شرا وسيئات كذلك من ~~عمل غيا لقي غيا وترك الصلاة واتباع الشهوات غي يلقى صاحبه غيا فلهذا قال ~~الزمخشري كل شر عند العرب غي وكل خير رشاد كما قيل فمن يلق خيرا يحمد الناس ~~أمرهومن يغولا يعدم على الغي لائما وقال الزجاج جزاؤه غي لقوله يلق أثاما ~~أي مجازاة آثام وفي الحديث المأثور ان غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها ~~وهذا تعبير عن ملاقاة الشر وقال سبحانه أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فإن ~~الصلاة فيها ارادة وجه الله كما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه أي يصلون صلاة الفجر والعصر والداعي يقصد ربه ~~ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء مريدة لربها محبة له PageV01P011 اتباع ~~الشهوات واتباع الشهوات هو اتباع ما تشتهيه النفس فإن الشهوات جمع شهوة ~~والشهوة هي في الأصل مصدر ويسمى المشتهى شهوة تسمية للمفعول باسم المصدر ~~قال تعالى ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاعظيما فجعل التوبة في ~~مقابلة اتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا أي فالله يحب لنا ذلك ويرضاه ~~ويأمر به ويريد الذين يتبعون الشهوات وهم الغاوون أن تميلوا ميلا عظيما ~~يعدل بكم عن الصراط المستقيم إلى اتباع الشهوات عدولا عظيما فإن أصل الميل ~~العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال صلى الله عليه وسلم ~~استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء ~~الا مؤمن رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان فأخبر أنا لا نطيق الاستقامة ~~أو ثوابها اذا استقمنا وقال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فقوله كل الميل أي يريد ms002 نهاية الميل ~~يريد الزيغ عن الطريق والعدول عن سواء الصراط إلى نهاية الشر بل اذا بليت ~~بذلك فتوسط وعد إلى الطريق بالتوبة كما في الحديث عن النبي صلى اله عليه ~~وسلم مثل المؤمن كمثل PageV01P012 الفرس في آخيته يجول ثم يرجع إلى آخيته ~~كذلك المؤمن يجول ثم يرجع إلى ربه قال تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين إلى قوله ونعم أجر العاملين فلم ~~يقل لا يظلمون ولا يذنبون بل قال اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم أي بذنب ~~آخر غير الفاحشة فعطف العام على الخاص كما قال موسى رب اني ظلمت نفسي وقالت ~~بلقيس رب اني ظلمت نفسي وقال تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة وما ظلمناهم ~~ولكم ظلموا أنفسهم فظلموا أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه وبعصيانهم ~~لأنبيائهم وبتركهم التوبة إلى ربهم وقوله تعالى ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ولهذا قال والله يريد أن يتوب عليكم ثم قال يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الانسان ضعيفا قال مجاهد وغيره يتبعون الشهوات الزنا وقال PageV01P013 ~~ابن زيد هم أهل الباطل وقال السدي هم اليهود والنصارى والجميع حق فإنهم قد ~~يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية ثم ذكر أنه خلق ~~الانسان ضعيفا وسياق الكلام يدل على أنه ضيف عن ترك الشهوات فلا بد له من ~~شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة ولهذا قال طاووس ومقاتل ضعيف في قلة ~~الصبر عن النساء وقال الزجاج وابن كيسان ضعيف العزم عن قهر الهوى وقيل ضعيف ~~في أصل الخلقة ولأنه خلق من ماء مهين يروى ذلك عن الحسن لكن لا بد أن يوجد ~~مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر يناسب ما ذكر في الآية فانه قال يريد الله أن ~~يخفف عنكم وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون اليه ولا تصبروا عنه ~~كما أباح نكاح الفتيات وقد قال قبل ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير ~~لكم والله غفور رحيم فهو سبحانه مع اباحته نكاح الاماء عند ms003 عدم الطول وخشية ~~العنت قال وأن تصبروا خير لكم فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت ~~وأنه ليس النكاح كاباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه حكم ~~الاستمناء وكذلك من أباح الاستمناء عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل ~~فقد روي عن ابن عباس أن نكاح الاماء خير منه وهو خير من PageV01P014 الزنا ~~فإذا كان الصبر عن نكاح الاماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل لا ~~سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في ~~مذهب أحمد واختاره ابن عقيل في المفردات والمشهور عنه يعني عن أحمد أنه ~~محرم الا اذا خشي العنت والثالث أنه مكروه الا اذا خشي العنت فإذا كان الله ~~قد قال في نكاح الاماء وأن تصبروا خير لكم ففيه أولى وذلك يدل على أن الصبر ~~عن كلاهما ممكن فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف ~~كما قال تعالى يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا والاستمناء لا ~~يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك وكلام ابن ~~عباس وما روي عن أحمد فيه انما هو لمن خشي العنت وهو الزنا واللواط خشية ~~شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته ~~وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة بأن يتذكر في حال استمناءه صورة ~~كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم ~~الحد والصبر عن هذا من الواجبات لابد من المستحبات وجوب الصبر عن المحرمات ~~وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها قال تعالى ~~وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والاستعفاف هو ترك ~~المنهي عنه كما في الحديث PageV01P015 الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن ~~يتصبر يصبره الله وما أعطي لأحد ms004 عطاء خيرا وأوسع من الصبر فالمستغني لا ~~يستشرف بقلبه والمستعف هو الذي لا يسأل الناس بلسانه والمتصبر هو الذي لا ~~يتكلف الصبر فأخبر أنه من يتصبر يصبره الله وهذا كأنه في سياق الصبر على ~~الفاقة بأن يصبر على مرارة الحاجة لا يجزع مما ابتلي به من الفقر وهو الصبر ~~في البأساء والضراء قال تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ~~الصبر على البلاء والضراء والمرض وهو الصبر على ما ابتلي به من حاجة ومرض ~~وخوف والصبر على ما ابتلي به باختياره كالجهاد فإن الصبر عليه أفضل من ~~الصبر على المرض الذي يبتلى به بغير اختياره ولذلك اذا ابتلي بالعنت في ~~الجهاد فالصبر على ذلك أفضل من الصبر عليه في بلده لأن هذا الصبر من تمام ~~الجهاد وكذلك لو ابتلي في الجهاد بفاقة أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه ~~أفضل كما قد بسط هذا في مواضع PageV01P016 الصبر على الطاعات وكذلك ما يؤذي ~~الانسان به في فعله للطاعات كالصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب ~~العلم من المصائب فصبره عليها أفضل من صبره على ما ابتلي به بدون ذلك وكذلك ~~اذا دعته نفسه إلى محرمات من رئاسة وأخذ مال وفعل فاحشة كان صبره عنه أفضل ~~من صبره على ما هو دون ذلك فإن أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم ~~مما دونهما فإن في العلم والامارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والصلاة والحج والصوم والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في ~~غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس إلى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس ~~غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب ~~تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل ~~هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة أوجه أحدهما أن الصبر عن المحرمات أفضل ~~من الصبر على المصائب الثاني أن ترك المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس ~~لها أفضل من تركها بدون ذلك الثالث أن طلب ms005 النفس لها اذا كان بسبب أمر ديني ~~كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد فابتلي بما يميل اليه من ذلك فإن صبره عن ~~ذلك يتضمن فعل المأمور وترك المحظور بخلاف ما اذا مالت نفسه إلى ذلك بدون ~~عمل صالح ولهذا كان يونس بن عبيد يوصي بثلاث PageV01P017 يقول لا تدخل على ~~سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب ~~الله ولا تصنع أذنك إلى صاحب بدعة وان قلت أرد عليه فأمره بالاحتراز من ~~أسباب الفتنة فإن الانسان اذا تعرض لذلك فقد يفتتن ولا يسلم فإذا قدر أنه ~~ابتلي بذلك بغير اختياره أو دخل فيه باختياره وابتلي فعليه أن يتقي الله ~~ويصبر ويخلص ويجاهد وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب من أفضل ~~الأعمال كمن تولى ولاية وعدل فيها أو رد على أصحاب البدع بالسنة المحضة ولم ~~يتفنوه أو علم النساء الدين على الوجه المشروع من غير فتنة الابتلاء لكن ~~الله اذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه واذا تعرض العبد بنفسه إلى البلاء ~~وكله الله إلى نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة ~~لا تسأل الامارة فإنك ان أعطيتها عن مسألة وكلت اليها وإن أعطيتها عن غير ~~مسألة أعنت عليها وكذلك قال في الطاعون اذا ببلد وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منه واذا سمعتم به PageV01P018 بأرض فلا تقدموا عليه فمن فعل ما أمره ~~الله به فعرضت له فتنة من غير اختياره فإن الله يعينه عليها بخلاف من تعرض ~~لها التوبة لكن باب التوبة مفتوح فإن الرجل قد يسأل الامارة فيوكل اليها ثم ~~يندم فيتوب من سؤاله فيتوب الله عليه ويعينه اما على اقامة الواجب واما على ~~الخلاص منها وكذلك سائر الفتن كما قال قل يا عباري الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذه الأمور تحتاج إلى ~~بسط لا يتسع له هذا الموضع الهداية والمقصود أن الله سبحانه يريد أن يبين ~~لنا ويهدينا ms006 سنن الذين من قبلنا الذين قال فيهم أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده وهم الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله اهدنا ~~الصراط المستقيم صرط الذين أنعمت عليهم فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط ~~هؤلاء وهو سبيل من أناب اليه فذكر هنا ثلاثة أمور البيان والهداية والتوبة ~~PageV01P019 المراد بالسنن وقيل المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل أي ~~يريد أن يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء فيهدي عباده المؤمنين إلى الحق ويضل ~~آخرين فإن الهدى والضلال انما يكون بعد البيان كما قال وما أرسلنا من رسول ~~الا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز ~~الحكيم وقال وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ~~فتكون سنن متعلقا بيبين يعني سنن أهل الباطل لا بيهدي وأهل الحق متعلق ~~بقوله ويهديكم وقال الزجاج السنن الطرق فالمعنى بدلكم على طاعته كما دل ~~الأنبياء وتابعيهم وهذا أولى لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هو العامل ~~وحده بل العامل اما الثاني وحده واما الاثنان كقوله آتوني أفرغ عليه قطرا ~~أو اذا أريد هذا التقدير يبين لكم سنن الذين من قبلكم ويهديكم سننا فدل على ~~أنه يهدينا سننهم والمراد بذلك سنن أهل الحق بخلاف قوله قد خلت من قبلكم ~~سنن فإنه قال بعدها فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فإنه ~~أراد تعريف عقوبة PageV01P020 الظالمين بالعيان وهنا فأنزل علينا من القرآن ~~ما يهدينا به سنن الذين من قبلنا وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر ثلاثة ~~أمور التبيين والهدى والتوبة لأن الانسان أولا يحتاج إلى معرفة الخير والشر ~~وما أمر به وما نهي عنه ثم يحتاج بعد ذلك إلى أن يهدي فيقصد الحق ويعمل به ~~دون الباطل وهو سنن الأنبياء والصالحين ثم لا بد له بعد ذلك من الذنوب ~~فيريد أن يتطهر منها بالتوبة فهو محتاج إلى العلم والعمل به والى التوبة مع ~~ذلك فلا بد له من التقصير أو الغفلة في سلوك ms007 تلك السنن التي هداه الله ~~اليها فيتوب منها بما وقع من تفريط في كل سنة من تلك السنن وهذه السنن تدخل ~~فيها الواجبات والمستحبات فلا بد للسالك فيها من تقصير وغفلة فيستغفر الله ~~ويتوب اليه فإن العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحق ~~الذي أوجبه عليه فما يسعه الا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة تفسير ~~الهداية وقد يقال الهداية هنا البيان والتعريف أي يعرفكم سنن الذين من ~~قبلكم من أهل السعادة والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى ~~وهديناه النجدين قال علي وابن مسعود سبيل الخير والشر وعن ابن عباس سبيل ~~الهدى والضلال وقال مجاهد سبيل السعادة والشقاوة أي فطرناه على ذلك وعرفناه ~~اياه والجميع واحد والنجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض ~~فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر ونبينه له كتبيين الطريقين العاليين ~~لكن الهدى والتبيين والتعريف في هذه الآية يشترك فيه بنو آدم ويعرفونه ~~بعقولهم وأما طريق من تقدم من الأنبياء فلا بد من اخبار الله تعالى عنها ~~كما PageV01P021 قال تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا ~~قومك من قبل هذا لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال يريد الله ~~ليبين لكم سنن الذين من قبلكم ولم يحتج أن يذكر الهدى اذا كان المعنى واحدا ~~فلما ذكر أنه يريد التبيين والهدى علم أن هذا غير هذا فالتبيين التعريف ~~والتعليم والهدى هو الأمر والنهي وهو الدعاء إلى الخير كما قال تعالى ولكل ~~قوم هاد أي داع يدعوهم إلى الخير كما قال تعالى وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~أي تدعوهم اليه دعاء تعليم الارادة الشرعيه والارادة الكونية وهداه هنا ~~يتعدى نفسه لأن التقدير ولزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها وليس ~~المراد هنا بالهدى الالهام كما في قوله اهدنا الصراد المستقيم لكونه لو ~~أراد ذلك لوقع ولم يكن فينا ضال بل هذه ارادة شرعيه أمرية بمعنى المحبة ~~والرضا ولهذا قال الزجاج يريد أن يدلكم على ما يكون ms008 سببا لتوبتكم فعلق ~~الارادة بفعل نفسه فإن الزجاج ظن الارادة في القرآن ليست الا كذلك وليس كما ~~ظن بل الارادة المتعلقة بفعله يكون مرادها كذلك فإنه ما شاء كان وما لم يشأ ~~لم يكن وأما الإرادة وشرعه فهو كقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم الآية وقوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ونحو ~~ذلك PageV01P022 فهذه ارادته لما أمر به بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله ~~لا بمعنى أنه أراد أن يخلقه فيكون كما قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا الآية وكما قال نوح ولا ~~ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم واليه ~~ترجعون فهذه ارادة لما يخلقه ويكونه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما ~~لم يشأ لم يكن وهذه الارادة متعلقة بكل حادث والارادة الشرعيه الأمرية لا ~~تتعلق الا بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح يفعل شيئا ما يريده ~~الله مع قولهم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن هذه الارادة نوعان ~~كما قد بسط في موضع آخر وقد يراد بالهدى الالهام ويكون الخطاب للمؤمنين ~~المطيعين الذين هداهم الله إلى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ~~ويهديهم فاهتدوا ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جائت رسل ربنا بالحق لكن ~~الخطاب في الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء والخطاب لأهل البيت ~~بقوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ولهذا يهدد من لم يطعه وكا في ~~الصيام يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فهذه ارادة شرعية أمرية ~~بمعنى المحبة والرضا لا ارادة PageV01P023 الخلق المستلزمة للمراد لأنه لو ~~كان كذلك لم تكن الآية خطابا الا لمن أخذ باليسر ولمن فعل ما أمر به وليس ~~كذلك بل الحكم الشرعي لازم لجميع المسلمين فمن ms009 أطاع أثيب ومن عصى عوقب ~~والذين أطاعوه انما أطاعوه بهداه لهم هدى الامام والاعانة بأن جعلهم مهتدين ~~كما أنه هو الذي جعل المصلي مصليا والمسلم مسلما ولو كانت الارادة هنا من ~~الانسان مستلزمة لوقوع المراد لم يقل ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما فأنه حينئذ لا تأثير لارادة هؤلاء بل وجدها وعدمها سواء كما في ~~قول نوح ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم ~~فإنه شاء الله كان وان لم يشاء الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس ~~اتباع الشهوات والأهواء والمقصود بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون ~~الشهوات والمعنى اني أريد لكم الخير الذي ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر ~~الذي يضركم كالشيطان الذي يريد أن يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا ~~تتخذوه وذريته أولياء من دوني بل اسلكوا طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق ~~الغي والفساد كما قال تعالى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى الآيات وقوله ~~يتبعون الشهوات في الموضعين فاتباع الشهوة من جنس اتباع الهوى كما قال ~~تعالى انما PageV01P024 يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله وقال ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهم وقال تعالى ~~ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وقال تعالى أفمن كان على بينة من ربه ~~كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم وقال تعالى ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون وهذا في القرآن كثير والهوى مصدر هوى يهوى هوى ونفس المهوي يسمى هوى ~~ما يهوى فاتباعه كاتباع السبيل كما قال تعالى ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ~~من قبل وكما في لفظ الشهوة فاتباع الهوى يراد به نفس مسمى المصدر أي اتباع ~~ارادته ومحبته التي هي هواه واتباع الارادة هو فعل ما تهواه النفس كقوله ~~تعالى واتبع سبيل من أناب الي وقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال ولا تتبعوا من دونه أولياء فلفظ ~~الاتباع يكون ms010 للآمر الناهي وللأمر والنهي وللمأمور به والمنهي عنه وهو ~~الصراط المستقيم كذلك يكون للهوى أمر ونهي وهو أمر النفس ونهيا كما قال ~~PageV01P025 تعالى ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ~~ولكن ما يأمر به من الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم للآخر فاتباع الأمر هو ~~فعل المأمور واتباع أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى هذه يعلم أن اتباع ~~الشهوات واتباع الأهواء هو اتباع شهوة النفس وهواها وذلك يفعل ما تشتهيه ~~وتهواه بل قد يقال هذا هو الذي يتعين في لفظ اتباع الشهوات والأهواء لأن ~~الذي يشتهي ويهوى انما يصير موجودا بعد أن يشتهي ويهوى وإنما يذم الانسان ~~اذا فعل ما يشتهى ويهوى عند وجود فهو حينئذ قد فعل ولا ينهى عنه بعد وجوده ~~ولا يقال لصاحبه لا تتبع هواك وأيضا فالفعل المراد المشتهى الذي يهواه ~~الانسان هو تابع لشهوته وهواه فليست الشهوة والهوى تابعة له فاتباع الشهوات ~~هو اتباع شهوة النفس واذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة الأصل ~~يحتاج إلى أن يجعل في الخارج ما يشتهى والانسان يتبعه كالمرأة المطلوبة أو ~~الطعام المطلوب وإن سميت المرأة شهوة والطعام أيضا كما في قوله صلى الله ~~عليه وسلم كل عمل ابن آدم له الا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه ~~طعامه وشرابه وشهوته من أجلي أي بترك شهوته وهو إنما يترك ما يشتهيه كما ~~يترك الطعام لا أنه يدع طعامه بترك الشهوتة الموجودة في نفسه PageV01P026 ~~فإن تلك مخلوقة فيه مجبول عليها وإنما يثاب اذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة و ~~حقيقة الأمر أنهما متلازمان فمن اتبع نفس شهوته القائمة بنفسه اتبع ما ~~يشتهيه وكذلك من اتبع الهوى القائم بنفسه اتبع ما يهواه فإن ذلك من آثار ~~الارادة واتباع الارادة هو امتثال أمرها وفعل ما تطلبه كالمأمور الذي يتبع ~~أمر أميره ولابد أن يتصور مراده الذي يهواه ويشتهيه في نفسه ويتخيله قبل ~~فعله فيبقى ذلك المثال كالإمام مع المأموم يتبعه حيث كان وفعله في الظاهر ms011 ~~تبع لاتباع الباطن فتبقى صورة المراد المطلوب المشتهى التي في النفس هي ~~المحركة للانسان الآمرة له ولهذا يقال العلة الغائية علة فاعلية فإن ~~الانسان للعلة الغائية بهذا التصور والارادة صار فاعلا للنفعل وهذه الصورة ~~المرادة المتصورة في النفس هي التي جعلت الفاعل فاعلا فيكون الانسان متبعا ~~لها والشيطان يمده في الغي فهو يقوي تلك الصورة ويقوي أثرها ويزين للناس ~~اتباعها وتلك الصورة تتناول صورة العين المطلوبة كالمحبوب من الصور والطعام ~~والشراب وتتناول نفس الفعل الذي هو المباشرة لذلك المطلوب المحبوب والشيطان ~~والنفس تحب ذلك وكلما تصور ذلك المحبوب في نفسه أراد وجوده في الخارج فإن ~~أول الفكر آخر العمل وأول البغية آخر الدرك ولهذا يبقى الانسان عند شهوته ~~وهواه أسيرا لذلك مقهورا تحت سلطان الهوى أعظم من قهر كل قاهر فإن هذا ~~القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه لا يمكنه مفارقته البتة ~~والصورة الذهنية تطلبها النفس فإن المحبوب تطلب النفس أن تدركه وتمثله لها ~~في نفسها فو متبع للارادة وإن كانت الذهنية والتزين من الزين والمراد ~~التصور في نفسه والمشتهى الموجود في الخارج له محركان التصور والمشتهى هذا ~~PageV01P027 يحركه تحريك طلب وأمر وهذا يأمره أن يتبع طلبه وأمره فاتباع ~~الشهوات والأهواء يتناول هذا كله بخلاف كل قاهر ينفصل عن الانسان فإنه ~~يمكنه مفارقته مع بقاء نفسه على حالها وهذا انما يفارقه بتغير صفة نفسه ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب ~~المرء بنفسه وثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر ~~والغنا وكلمة الحق في الغضب والرضا وقوله في الحديث هوى متبع فيه دليل على ~~أن المتبع هو ما قام في النفس كقوله في الشح المطاع وجعل الشح مطاعا لأنه ~~هو الآمر وجعل الهوى متبعا لأن المتبع قد يكون اماما يقتدى به ولا يكون ~~آمرا وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اياكم الشح فإن ~~الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا ms012 وأمرهم ~~بالقطيعة فقطعوا فبين أن الشح يأمر بالبخل والظلم والقطيعة فالبخل منع ~~منفعة الناس بنفسه وماله والظلم هو الاعتداء عليهم فالأول هو التفريط فيما ~~يجب فيكون قد فرط فيما يجب واعتدى عليهم بفعل ما يحرم وخص قطيعة الرحم ~~بالذكر اعظاما لها لأنها تدخل في الأمرين المتقدمين قبلها PageV01P028 ~~تفسير البخل والشح والحسد وقال المفسرون في قوله تعالى ومن يوق شح نفسه هو ~~أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنه شيئا أمره الله بأدائه فالشح ~~يأمر بخلاف أمر الله ورسوله فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالاحسان والشح ~~يأمر باظلم وينهى عن الاحسان وقد كان عبد الرحمن بن عوف يكثر في طوافه ~~بالبيت وبالوقوف بعرفه أن يقول اللهم قنى شح نفسي فسئل عن ذلك فقال اذا ~~وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة وفي رواية عنه قال اني أخاف أن ~~أكون قد هلكت قال وما ذلك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه وأنا رجل ~~شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن ~~انما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما وانما يكن بالبخل وبئس الشيء البخل وقد ~~ذكر تعالى الشح في سياق ذكر الحسد والايثار في قوله ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ثم قال ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون فمن وقى شح نفسه لم يكن حسودا باغيا على المحسود ~~والحسد أصله بغض المحسود والشح يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في ~~المال وبغض للغير وظلم له كما قال تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا أشحة عليكم الآيات ~~PageV01P029 الى قوله أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ~~فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه وبغض الخير يأمر بالشر ~~وبغض الانسان يأمر بظلمه وقطيعته كالحسد فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم ~~المحسود ولقطيعته كابني آدم واخوة يوسف فالحسد والشح ms013 يتضمنان بغضا وكراهية ~~فيأمران بمنع الواجب وبظلم ذلك الشخص فإن الفعل صدر فيه عن بغض بخلاف الهوا ~~فإن الفعل صدر فيه عن حب أحب شيئا فأتبعه ففعله وذلك مقصوده أمر عدمي ~~والعدم لا ينفع ولكن ذلك القصد أمر بأمر وجودي فأطيع أمره وابن مسعود جعل ~~البخل خارجا عن الشح والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل ومن ~~الناس من يقول الشح والبخل سواء كما قال ابن جرير الشح في كلام العرب هو ~~البخل ومنع الفضل من المال وليس كما قال بل ما قاله النبي صلى الله عليه ~~وسلم وابن مسعود أحق أن يتبع فإن البخيل قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له ~~به من اللذة والتنعم وقد لا يكون متلذذا به ولا متنعما بل نفسه تضيق عن ~~انفاقه وتكره ذلك حتى يكون يكره أن ينفع نفسه منه مع كثره ماله وهذا قد ~~يكون مع التذاذة بجمع المال ومحبته لرؤيته وقد لا يكون هناك لذة أصلا بل ~~يكره أن يفعل احسانا إلى أحد حتى لو أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه بغضا ~~للخير لا للمعطي ولا للمعطي بل بغضا منه للخير وقد يكون بغضا وحسدا للمعطي ~~أو للمعطى وهذا هو الشح وهذا هو الذي يأمر بالبخل قطعا ولكن كل بخل يكون عن ~~شح فكل شحيح بخيل وليس كل بخيل شحيحا PageV01P030 قال الخطابي الشح أبلغ في ~~المنع من البخل والبخل انما هو من أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام ~~فهو كالوصف اللآزم للانسان من قبل الطبع والجبلة وحكى الخطابي عن بعضعهم ~~أنه قال البخل أن يضن الانسان بماله والشح أن يضن بماله ومعروفه وقيل الشح ~~أن يشح بمعروف غيره على غيره والبخل أن يبخل بمعروفه على غيره والذين ~~يتبعون الشهوات ويتبعون أهواءهم يحبون ذلك ويريدونه فاتبعوا محبتهم ~~وارادتهم من غير علم فلم ينظروا هل ذلك نافع لهم في العاقبة أو ضار درجات ~~اتباع الهوى ولهذا قال فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ثم قال ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى ms014 من الله واتباع الهوى درجات فمنهم المشركون والذين يعبدون من ~~دون الله ما يتسحسنون بلا علم ولا برهان كما قال أفرأيت من أتخذ اله هواه ~~أي يتخذ الهه الذي يعبده وهو ما يهواه من آلهة ولم يقل ان هواه نفس الهه ~~فليس كل من يهوى شيئا يعبده فإن الهوى أقسام بل المراد أنه جعل المعبود ~~الذي يعبده هو ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى نفسه في العبادة فإنه لم ~~يعبد ما يحب أن يعبد ولا عبد العبادة التي أمر بها وهذه حال أهل البدع ~~فإنهم عبدوا غير الله وابتدعوا عبادات PageV01P031 زعموا أنهم يعبدون الله ~~بها فهم انما اتبعوا أهواؤهم فإن أحدهم يتبع محبة نفسه وذوقها ووجدها ~~وهواها من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير فلو اتبع العلم والكتاب المنير لم ~~يعبد الا الله بما شاء لا بالحوادث والبدع والمقصود أن الآلهة كثيرة ~~والعبادات لها متنوعة وبالجملة فكل ما يريده الانسان ويحبه لا بد أن يتصوره ~~في نفسه فتلك الصورة العلمية محركة له إلى محبوبة ولوازم الحب فمن عبده عبد ~~غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من يعبده وهذا كثير ما زال ولم يزل ~~ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما يعبد الشيطان ولهذا يقارن الشيطان ~~الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ليكون سجود من يعبدها له وقد كانت ~~الشياطين تتمثل في صورة من يعبد كما كانت تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها ~~وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين إلى الاسلام والنصارى والمشركين ممن ~~أشرك ببعض من يعظمه من الأحياء والآموات من المشايخ ويرهم فيدعوه ويستغيث ~~به في حياته وبعد مماته فيراه قد أتاه وكلمه وقضى حاجته وإنما هو شيطان ~~تمثل على صورته ليغوي هذا المشرك والمبتلون بالعشق لا يزال الشيطان يمثل ~~لأحدهم صورة المعشوق أو يتصور بصورته فلا يزال يرى صورته مع مغيبه عنه بع ~~موته فإنما جلاه الشيطان على قبله ولهذا اذا ذكر العبد الله الذكر الذي ~~يخنس منه الوسواس الخناس خنس هذا المثال الشيطاني وصورة ms015 المحبوب تستولي على ~~المحب أحيانا حتى لا يرى غيرها ولا يسمع غير كلامها فتبقى نفسه مشتغله بها ~~والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصا يحصل لأحدهم نوع من PageV01P032 ~~ذلك يسمى الاصطلام والفناء يغيب بمحبوبه عن محبته وبمعروفه عن معرفته ~~وبمذكوره عن ذكره حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه وأمره ~~ونهيه ومنهم من قد ينتقل من هذا إلى الاتحاد فيقول أنا هو وهو أنا وانا ~~الله ويظن كثير من المساكين أن هذا هو غاية السالكين وأن هذا هو التوحيد ~~الذي هو نهاية كل سالك وهم غالطون في هذا بل هذا من جنس قول النصارى ولكن ~~ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعيه في الباطن في خبر الله وأمره وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع والمقصود أن المتبعين لشهواتهم من الصور ~~والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ~~ويبقى أسيرا ما يهواه يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب ولهذا قال بعض السلف ما ~~أنا على الشاب الناسك بأخوف مني عليه من سبع ضار يثب عليه من صبي حدث يجلس ~~اليه وذلك أن النفس الصافية التي فيها رقة الرياضة ولم تنجذب إلى محبة الله ~~وعبادته انجذابا تاما ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها ~~متى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها كما يستولي السبع على ~~ما يفترسه فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على الامتناع منه ~~كذلك ما يمثله الانسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قبله وتقهره فلا ~~يقدر قلبه على الامتناع منه فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة أعظم من ~~استغراق الفريسة في جوف الأسد لأن المحبوب المراد هو غاية النفس له عليها ~~سلطان قاهر PageV01P033 القلب بين الحب والخوف والقلب يغرق فيما يستولي ~~عليه اما من محبوب وإما من مخوف كما يوجد من محبة المال والجاه والصور ~~والخائف من غيره يبقى قلبه وعقله مستغرقان فيه كما يغرق الغريق في الماء ~~فلا بد أن يستولي ms016 عليها ما يحيط بها من الأجسام والقلوب يستولي عليها ما ~~يتمثل لها من المخاوف والمحبوبات والمكروهات فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه ~~والرجاء يتعلق بالمحبوب والخوف يتعلق بالمكروه ولا يأتي بالحسنات الا الله ~~ولا يذهب السيئات الا الله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وما بكم من ~~نعمة فمن الله ثم اذا مسكم الضر فإليه تجئرون واذا دعا العبد ربه باعطاء ~~المطلوب ودفع المرهوب جعل له من الايمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ~~ورجائه وحياة قلبه واستنارته بنور الايمان ما قد يكون أنفع له من ذلك ~~المطلوب ان كان عرضا من الدنيا وأما إذا طلب منه أن يعينه على ذكره وشكره ~~وحسن عبادته وما يتبع ذلك فهنا المطلوب قد يكون أنفع من الطلب وهو الدعاء ~~والمطلوب الذكر والشكر وقيام العبادة على أحسن الوجوه وغير ذلك وهذا لبسطه ~~موضع آخر استيلاء الشهوات والأهواء على القلوب والمقصور أن القلب قد يغمره ~~فيستولي عليه ما يريده العبد ويحبه وما يخافه ويحذره كائنا من كان ولهذا ~~قال تعالى بل قلبوبهم في PageV01P034 غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم ~~لها عاملون فهي فيما يغمرها عما أنذرت به فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار ~~الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم قال الله تعالى فذرهم في غمرتهم ~~حتى حين أي فيما يغمر قلوبهم من حب المال والبنين المانع لهم من المسارعة ~~في الخيرات والأعمال الصالحة وقال تعالى قتل الخراصون الذين هم في غمرة ~~ساهون الآيات أي ساهون عن أمر الآخرة فهم في غمرة عنها أي فيما يغمر قلبوهم ~~من حب الدنيا ومتاعها ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له وهذا يشبه قوله ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا فالغمرة تكون من ~~اتباع الهوى والسهو من جنس الغفلة ولهذا قال من قال السهو الغفلة عن الشيء ~~وذهاب القلب عنه وهذا جماع الشر الغفلة والشهوة ms017 فالغفلة عن الله والدار ~~الآخرة تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة والشهوة تفتح باب الشر والسهو ~~والخوف فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ~~ساهيا عن ذكره قد اشتغل بغير الله قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه ~~كما روي في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد PageV01P035 القطيفة تعس ~~عبد الخميصة تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ان أعطي رضي وإن منع سخط جعله ~~عبد ما يرضيه وجوده ويسخطه فقده حتى يكون عبد الدرهم وعبد ما وصف في هذا ~~الحديث والقطيفة هي التي يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض السلف البس من ~~الثياب ما يخدمك ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه وهي كالبساط الذي تجلس ~~عليه والخميصة هي التي يرتدي بها وهذا من أقل المال وإنما نبه به النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما هو أعلى منه فهو عبد لذلك فيه أرباب متفرقون وشركاء ~~متشاكسون ولهذا قال ان أعطي رضي وإن منع سخظ فما كان يرضي الانسان حصوله ~~ويسخطه فقده فهو عبده اذ العبد يرضى باتصاله بهما ويسخط لفقدهما والمعبود ~~الحق الذي لا اله الا هو اذا عبده المؤمن وأخيه حصل للمؤمن بذلك في قلبه ~~ايمان وتوحيد ومحبة وذكر وعبادة فيرضى بذلك واذا منع من ذلك غضب وكذلك من ~~أحب شيئا فلا بد من أن يتصوره في قلبه ويريد اتصاله به بحسب الامكان قال ~~الجنيد لا يكون العبد عبدا حتى يكون مما سوى الله تعالى PageV01P036 حرا ~~وهذا مطابق لهذا الحديث فإنه لا يكون عبدا لله خالصا مخلصا دينه لله كله ~~حتى لا يكون عبدا لما سواه ولا فيه شعبة ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى ~~الله فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير ففيه من الشرك ~~بقدر محبته وعبادته لذلك الغير زيادة قال الفضيل بن عياض والله ما صدق ms018 الله ~~في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية وقال زيد بن عمرو بن نفيل ~~أربا واحدا أم ألف ربأدين اذا انقسمت الأمور روى الامام أحمد والترمذي ~~والطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه بئس ~~العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي ~~الجبار الأعلى بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد ~~بغى واعتدى ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد ال دنيا بالدين بئس العبد ~~عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد رغب يذله ويزيله عن الحق بئس العبد ~~عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله قال PageV01P037 الترمذي غريب وفي ~~الحديث الصحيح المتقدم ما يقويه والله أعلم وكذلك أحاديث وآثار كثيرة رويت ~~في معنى ذلك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وطالب الرئاسة ولو بالباطل ترضيه الكلمة ~~التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا وتغضبه الكلمة التي فيها ذمة وان كانت حقا ~~والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه وتغضيه كلمة الباطل له وعليه لأن الله ~~تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم فإذا قيل الحق والصدق ~~والعدل الذي يحبه الله أحبه وان كان فيه مخالفة هواه لأن هواه قد صار تبعا ~~لما جاء به الرسول واذا قيل الظلم والكذب فالله يبغضه والمؤمن يبغضه ولو ~~وافق هواه وكذلك طالب المال ولو بالباطل كما قال تعالى ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون وهؤلاء هم ~~الذين قال فيهم تعس عبد الدينار الحديث فكيف اذا استولى على القلب ما هو ~~أعظم استعبادا من الدرهم والدينار من الشهوات والأهواء والمحبوبات التي ~~تجذب القلب عن كمال محبته لله وعبادته لما فيها من المزاحمة والشرك ~~بالمخلوقات كيف تدفع القلب وتزيغه عن كمال محبته لربه وعبادته وخشيته لأن ~~كل محبوب يجذب قلب محبه اليه ويزيغه عن محبة غير محبوبة ms019 وكذلك المكروه ~~يدفعه ويزيله ويشغله عن عبادة الله تعالى PageV01P038 ولهذا روى الامام ~~أحمد في مسنده وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه الفقر تخافون ~~لا أخاف عليكم الفقر انما أخاف عليكم الدنيا حتى ان قلب أحدكم اذا زاغ لا ~~يزيغه الا هي وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه والذين يبغضونه كأعدائه ~~فالذين يحبونه يجذبونه اليهم فاذا لم تكن المحبة منهم له لله كان ذلك مما ~~يقعطه عن الله والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله ولو ~~أحسن اليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب احسانهم اليه محبته لهم ~~وانجذاب قلبه اليهم ولو كان على غير الاستقامة وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه ~~عن الله وعبادته خلاص القلب من الفتنة فلا تزول الفتنة عن القلب الا اذا ~~كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون حبه لله ولما يحبه الله وبغضبه لله ~~ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته والا فمحبة المخلوق تجذبه وحب ~~الخلق له سبب يجذبهم به اليه ثم قد يكون هذا أقوى وقد يكون هذا أقوى فإذا ~~كان هو غالبا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ولا محبوباته اليها لكونه غالبا ~~لهواه ناهيا لنفسه عن الهوى لما في قلبه من خشية الله ومحبته التي تمنعه عن ~~انجذابه إلى المحبوبات وأما حب الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم ~~اليهم فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيته وإلا ~~جذبوه وأخذوه اليهم كحب امرأة العزيز ليوسف فإن قوة يوسف ومحبته لله ~~PageV01P039 وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه ~~لها هذا اذا أحب أحدهم صورته مع أن هنا الداعي قوي منه ومنهم فهنا المعصوم ~~من عصمه الله وإلا فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض ~~الشر بينهم ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة ~~الا كان ثالثهما الشيطان حال المواليه لغير الله وقد يحبونه لعلمه أو دينه ~~أو احسانه أو غير ذلك فالفتنة في ms020 هذا أعظم الا اذا كانت فيه قوة ايمانية ~~وخشية وتوحيد تام فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون وهم مع ذلك ~~يطلبون منه مقاصدهم ان لم يفعلها والا نقص الحب أو حصل نوع بغض وربما زاد ~~أو أدى إلى الانسلاخ من حبه فصار مبغوضا بعد أن كان محبوبا فأصدقاء الانسان ~~يحبون استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم وأعداؤه يسعون في ~~أذاه واضراره وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وان كان مضرا له مفسدا لدينه لا ~~يفكون في ذلك وقليل منهم الشكور فاطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا ~~دفع ضرره وانما يقصدون أغراضهم به فإن لم يكون الانسان عابدا الله متوكلا ~~عليه مواليا له ومواليا فيه ومعاديا وإلا أكلته الطائفتان وأدى ذلك إلى ~~هلاكه في الدينا والآخرة وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم ~~من المحاربات والمخاصمات والاختلاف والفتن قوم يوالون زيدا ويعادون عمروا ~~PageV01P040 وآخرون بالعكس لأجل أغراضهم فإذا حصلوا على أغراضهم ممن ~~يوالونه وما هم طالبوه من زيد انقلبوا إلى عمرو وكذلك أصحاب عمرو كما هو ~~الواقع بين أصناف الناس وكذلك الرأس من الجانبين يميل إلى هؤلاء الذين ~~يوالونه وهم اذا لم تكن الموالاة لله أضر عليك من اولئك فإن أولئك انما ~~يقصدون افساد دنياه اما بقتله أو بأخذ ماله وإما بإزالة منصبه وهذا كله ضرر ~~دنيوي لا يعتد به اذا سلم العبد وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا ~~يعتدون بفساد دينهم مع سلامة دنياهم فهم لا يبالون بذلك وأما دين العبد ~~الذي بينه وبين الله فهم لا يقدرون عليه ضرر الموالاة لأجل المصلحة وأما ~~أولياؤه الذين للأغراض فإنما يقصدون منه فساد دينه بمعاونته على أغراضهم ~~وغير ذلك فإن لم أعداء فدخل بذلك عليه الأذى من جهتين من جهة مفارقتهم ومن ~~جهة عداوتهم وعداوتهم أشد عليه من عداوة أعدائه لأنهم قد شاهدوا منه وعرفوا ~~ما لم يعرفه أعداؤه فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة وان لم يجب ~~مفارقتهم احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ms021 ما يريدونه وإن كان فيه فساد ~~دينه فإن ساعدهم على نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيبا وافرا ~~وحظا تاما من ظلمهم وجورهم وطلبوا منه أيضا أن يعاونهم على أغراضهم ولو ~~فاتت أغراضه الدنيوية فكيف PageV01P041 بالدينية ان وجدت فيه أو عنده فإن ~~الانسان ظالم جاهل لا يطلب الا هواه فإن لم يكن هذا في الباطن يحسن اليهم ~~ويصبر على أذاهم ويقضي حوائجهم لله وتكون استعانته عليهم بالله تامة وتوكله ~~على الله تام وإلا أفسدوا دينه ودنياه كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن ~~يطلب الرئاسة الدنيوية فإنه يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به تلك ~~الرئاسة ويحسن له هذا الرأي ويعاديه ان لم يقم معه كما قد جرى ذلك مع غير ~~واحد وذلك يجري فيمن يحب شخصا لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ويعطيه ما يقدر ~~عليه ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه وفيمن يحب صاحب بدعة لكونه له داعية ~~إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ينصر الباطل الذي يعلم أنه باطل والا عاداه ~~ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك ~~الباطل لأجل الأتباع والمحبين ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم فمن أحب غير ~~الله ووالى غيره كره محب الله ووليه ومن أحب أحدا لغير الله كان ضرر ~~أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين ~~هذا المحبوب الدنيوي والحيلوله بينه وبينه رحمة في حقه وأصدقاؤه يساعدونه ~~على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه فأي صداقة هذه ويحبون بقاء ذلك المحبوب ~~ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ضرر عليه قال تعالى اذ تبرأ ~~الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا الغذاب PageV01P042 وتقطعت بهم الأسباب ~~قال الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد هي المودات التي كانت لغير الله ~~والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كره ~~فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم ~~بخارجين من النار فالأعمال التي أراهم الله ms022 حسرات عليهم هي الأعمال التي ~~يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا كانت لغير الله ومنها الموالاة والصحبة ~~والمحبة لغير الله فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ولا ~~حول ولا قوة الا بالله سبب المحبة ومما يحقق هذه الأمور أن المحب يجذب ~~والمحبوب يجذب فمن أحب شيئا جذبه اليه بحسب قوته ومن أحب صورة جذبته تلك ~~الصورة إلى المحبوب الموجود في الخارج بحسب قوته فإن المحب علته فاعلية ~~والمحبوب علته غائية وكل منهما له تأثير في وجود المعلول والمحب انما يجذب ~~المحبوب بما في قلب المحب من صورته التي يتمثلها فتلك الصورة تجذبه بمعنى ~~انجذابه اليها لأنها هي في نفسها قصد وفعل فإن في المحبوب من المعنى ~~المناسب ما يقتضي انجذاب المحب اليه كما ينجذب الانسان إلى الطعام ليأكله ~~والى امرأة ليباشرها والى صديقه ليعاشره وكما تنجذب قلوب المحبين لله ~~ورسوله إلى الله ورسوله والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات ~~التي يستحق لأجلها أن يحب ويعبد بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته ~~الا هو سبحانه وبحمده فكل محبوب في العالم انما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته ~~والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه وهذا من معاني الهيته ولو كان فيهما ~~PageV01P043 آلهة الا الله لفسدتا ف الله فغن ذلك من خصائص اليهيته فلا ~~يستحق ذلك الا الله وحده وكل محبوب سواه ان لم يحب لأجله أو لما يحب لأجله ~~فمحبته فاسدة والله تعالى خلف في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك ~~من حفظ الأبدان وبقاء الانسان ف ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل ~~والمقصود بوجود ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب ~~المعبود لذاته الذي لا يستحق ذلك غيره وانما تحب الأنبياء والصالحوب تبعا ~~لمحبته فإن من تمام حبه حب ما يحبه وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب ~~الأعمال الصالحة فحبها لله هو من تمام حبه وأما الحب معه فهو حب المشركين ~~الذين يحبون ms023 أنندادهم كحب الله فالمخلوق اذا أحب لله كان حبه جاذبا إلى حب ~~الله واذا تحاب الرجلان في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه كان لكل منهما ~~جاذبا للآخر إلى حب الله كما قال تعالى حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي ~~للمتجالسين في وحقت محبتي للمتباذلين في وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا ~~شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله ~~على غير أموال يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها ان لوجوههم لنورا وإنهم ~~لعلى كراس من نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس ~~PageV01P044 فإنك اذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته فكلما ~~تصورته في قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته فازداد حبك لله كما اذا ذكرت ~~النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين ~~وتصورتهم في قبلك فإن ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله المنعم عليهم وبهم اذا ~~أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى وكل من ~~المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله وهكذا اذا كان الحب لغير الله كما ~~اذا أحب كل من الشخصين الآخر بصورة كالمرأة مع الرجل فإن المحب يطلب ~~المحبوب والمحبوب يطلب المحب بانجذاب المحبوب فإذا كانا متحابين صار كل ~~منهما جاذبا مجذوبا من الوجهين فيجب الاتصال ولو كان الحب من أحد الجانبين ~~لكان المحب يجذب المحبوب والمحبوب يجذبه لكن المحبوب لا يقصد جذبه والمحب ~~يقصد جذبه وينجذب وهذا سبب التأثير في المحبوب اما تمثل يحصل في قلبه ~~فينجذب وإما أن ينجذب بلا محبة كما يأكل الرجل الطعام ويلبس الثوب ويسكن ~~الدار ونحو ذلك من المحبوبات التي لا ارادة لها وأما الحيوان فيحب ببعضه ~~بعضا بكونه سببا للاحسان اليه وقد جبلت النفوس على حب من أحسن اليها لكن ~~هذا في الحقيقة انما هو محبة الاحسان لا نفس المحسن ولو قطع ذلك لضمحل ذلك ~~الحب وربما أعقب بغضا فإنه ليس لله عز وجل فإن من أحب انسانا لكونه يعطيه ms024 ~~فما أحب الا العطاء ومن قال انه يحب من يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من ~~القول وكذلك من أحب انسانا لكونه ينصره انما أحب النصر لا الناصر وهذا كله ~~من اتباع ما تهوى الأنفس فإنه لم يحب في الحقيقة الا ما يصل اليه من جلب ~~منفعة PageV01P045 أو دفع مضرة فهو انما أحب تلك المنفعة ودفع المضرة وانما ~~أحب ذلك لكونه وسيلة إلى محبوبه وليس هذا حبا لله ولا لذات المحبوب وعلى ~~هذا تجري عامة محبة الخلق بعضهم مع بعض وهذا لا يثابون عليه في الآخرة ولا ~~ينفعهم بل ربما أدى ذلك إلى النفاق والمداهنة فكانوا في الآخرة من الأخلاء ~~الذين بعضهم لبعض عدو الا المتقين وإنما ينفعهم في الأخرة الحب في الله ~~ولله وحده وأما من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من ~~دسائس النفوس ونفاق الأقوال وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من ~~خلقه كالأنبياء والصالحين لكون حبهم يقرب إلى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين ~~يستحقون محبة الله لهم ونبينا كان يعطي المؤلفة قلبوهم ويدع آخرين هم أحب ~~اليه من الذي يعطي يكلهم إلى ما في قلوبهم من الايمان وإنما كان يعطي ~~المؤلفة قلوبهم لما في قلوبهم من الهلع والجزع ليكون ما يعطيهم سببا لجلب ~~قلوبهم إلى أن يحبوا الاسلام فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب إلى ~~حب الله عز وجل وصرفها عن ضد ذلك ولهذا كان يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله ~~على وجوههم في النار فمنعهم بذلك العطاء عما يكرهه منهم فكان يعطي لله ~~ويمنع لله وقد قال من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل ~~الايمان وفي صحيح البخاري عنه صلى الله PageV01P046 عليه وسلم أنه قال اني ~~والله انما أنا قاسم لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا ولكن أضع حيث أمرت سيطرة ~~المحبوب على المحب وصورة المحبوب المتمثلة في النفس يتحرك لها المحب ويريد ~~لها ويحب ويبغض ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أي جنس ms025 كانت فتبقى هي كالآمر ~~الناهي له ولهذا يجد في نفسه كأنها تخاطبه بأمر ونهي وغير ذلك كما يرى كثير ~~من الناس من يحبه ويعظمه في منامه وهو يأمره وينهاه ويخبره بأمور تدليس ~~ابليس على المحبين والمشركون تتمثل لهم الشياطين في صور من يعبدونه تأمرهم ~~وتنهاهم والقائلون بالشاهد والمنتسبون إلى السلوك يقول أحدهم انه يخاطب في ~~باطنه على لسان الشاهد فمنهم من يصلي بالليل وذلك بازائه ليشاهده في الضوء ~~ومنهم من يشاهده في حال السماع في غيره ويظنون أنهم يخاطبون ويجدون المريد ~~في قلوبهم بذلك وذلك لأنهم يتمثلونه في أنفسهم وربما كان الشيطان يتمثل في ~~صورته فيجدون في نفوسهم خطابا من تلك الصورة فيقولون خوطبنا من جهته وهذا ~~وإن كان موجودا في المخاطب فمن المخاطب له فالفرقان هنا فأما ذلك المخاطب ~~من وسواس الشيطان والنفس وقد يخاطبون بأشياء حسنة رشوة منه لهم ولا يخاطبون ~~بما يعرفون PageV01P047 أنه باطل لئلا ينفرون منه بل الشيطان يخاطب أحدهم ~~بما يرى أنه حق والراهب اذا راض نفسه فمرة يرى في نفسه صورة التثليث وربما ~~خوطب منها لأنه كان قد يتمثلها قبل ذلك فلما انصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له ~~والمؤمن الذي يحب الله ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب ايمانه وكذلك يرى ~~الله تعالى في منامه بحسب ايمانه كما قد بسط في غير هذا الموضوع ولهذا كثير ~~من أهل الزهد والعبادة يكون من أعوان الكفار ويزعم أنه مأمور بذلك ويخاطب ~~به ويظن أن الله هو الذي أمره بذلك والله منزه عن ذلك وإنما الآمر له بذلك ~~النفس والشيطان وما في نفسه من الشرك اذ لو كان مخلصا لله الدين لما عرض له ~~شيء من ذلك فإن هذا لا يكون الا لمن فيه شرك في عبادته أو عنده بدعة ولا ~~يقع هذا لمخلص متمسك بالسنة البتة واذا كانت الرؤيا على ثلاثة أقسام رؤيا ~~من الله ورؤيا من حديث النفس ورؤيا من الشيطان فكذلك ما يلقى في نفس ~~الانسان في حال يقظته ثلاثة أقسام ولهذا كانت الأحوال ثلاثة ms026 رحماني ونفساني ~~وشيطاني وما يحصل من نوع المكاشفة والتصرف ثلاثة أصناف ملكي ونفسي وشيطاني ~~فإن الملك له قوة والنفس لها قوة والشيطان له قوة وقلب المؤمن له قوة فما ~~كان من الملك ومن قلب المؤمن فهو حق وما كان من الشيطان ووسوسة النفس فهو ~~باطل وقد اشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة فلم يفرقوا بين أولياء الله ~~PageV01P048 وأعداء الله بل صاروا يظنون في من هو من جنس المشركين والكفار ~~أهل الكتاب من وجوه كثيرة أنه من أولياء الله المتقين والكلام في هذا مبسوط ~~في موضع آخر ولهذا في هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ومنهم من يرى أنه ~~أفضل من الأنبياء إلى أنواع آخر وذلك لأنه حصل لهم من الأنواع الشيطانية ~~والنفسانية ما ظنوا أنها من كرامات الأولياء فظنوا أنهم منهم فكان الأمر ~~بالعكس وأصل هذا أنهم تعبدوا بما تحبه النفس وأما العبادة بما يحبه الله ~~ويرضاه فلا يحبونه ولا يريدونه وحده ويرون أنهم اذا عبدوا الله بما أمر به ~~ورسله حط لهم عن منصب الولاية فيحدثون محبة قوية وتألها وعبادة وشوقا وزهدا ~~ولكن فيه شرك وبدعة ومحبة التوحيد انما تكون لله وحده على متابعة رسوله كما ~~قال تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم يحبون لله ويبغضون له وهم ~~على ملة إبراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في ~~سبيل الله فليست هي المحبه الاخلاصية فإنها مقرونة بالتوحيد ولهذا سمى أبو ~~طالب المكي كتابه قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام ~~التوحيد والله سبحانه أعلم PageV01P049 الزهد والورع قال شيخ الاسلام رحمه ~~الله قد كتبت في كراسة الحوادث فضلا في جماع الزهد والروع وأن الزهد هو عما ~~لا ينفع اما لانفاء نفعه أو لكونه مرجوحا ms027 لأنه مفوت لما هو أنفع منه أو ~~محصل لما يربو ضرره على نفعه وأما المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها ~~حمق وأما الورع فإنه الامساك عما قد يضر فتدخل فيه المحرمات والشبهات لأنها ~~قد تضر فإنه من اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يواقعه وأما الورع عما لا مضرة فيه أو ~~فيه مضرة مرجوحة لما تقترن به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة ~~فجل وظلم وذلك يتضمن ثلاثة أقسام لا يتورع عنها المنافع المكافأة والراجحة ~~والخالصة كالمباح المحص أو المستحب أو الواجب فان الورع عنها ضلالة وأنا ~~أذكر هنا تفصيل ذلك فأقول الزهد خلاف الرغبة يقال فلان زاهد في كذا وفلان ~~راغب فيه والرغبة هي من جنس الارادة والكراهة بحيث لا يكون لا مريدا له ~~كارها ولا كارها له وكل من لم يرغب في الشيء ويريده فهو زاهد فيه وكما أن ~~سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما زهد الله فيه من فضول الدنيا فتحمد فيه ~~الرغبة والارادة لما حمد الله ارادته والرغبة فيه ولهذا كان أساس الطريق ~~الارادة كما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة PageV01P050 ~~والعشي يريدون وجهه وقال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا ونظائره متعددة الزهد بين الذم والمدح كما رغب في ~~الزهد وذم ضده في قوله من كان يريد الحياة الدينا وزينتها نوف اليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار ~~وقال تعالى ألهكم التكاثر السورة وقال تعالى وتأكلون التراث أكلا لما ~~وتحبون المال حبا جما وقال ان الانسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه ~~لحب الخير لشديد وقال تعالى انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ~~بينكم الآية وهذا باب واسع وإما المقصود هنا تميز الزهد الشرعي من غيره وهو ~~الزهد المحمود وتميز الرغبة الشرعيه من غيرها وهي الرغبة المحمودة فإنه ~~كثيرا ما يشتبه الزهد ms028 بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية وكثيرا ما ~~تشتبه الرغبة الشرعيه بالحرص والطمع والعمل الذي ضل سعي صاحبه وأما الورع ~~فهو اجتناب الفعل واتقاؤه والكف والامساك عنه PageV01P051 والحذر منه وهو ~~يعود إلى كراهة الأمر والنفرة منه والبغض له وهو أمر وجودي أيضا وإن كان قد ~~اختلف في المطلوب بالنهي هل هو عدم المنهي عنه أو فعل ضده وأكثر أهل ~~الاثبات على الثاني فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ومتورعا ومتقيا الا اذا وجد ~~منه الامتناع والامساك الذي هو فعل ضد المنهي عنه والتحقيق أنه مع عدم ~~المنهي عنه يحصل له عدم مضرة الفعل المنهي عنه وهو ذمة وعقابه ونحو ذلك ومع ~~وجود الامتناع والاتفاء والاجتناب يكون قد وجد منه عمل صالح وطاعة وتقوى ~~فيحصل له منفعة هذا العمل من حمده وثوابه وغير ذلك فعدم المضرة لعدم ~~السيئات ووجود المنفعة لوجود الحسنات الفرق بين الزهد والورع فتلخص أن ~~الزهد من باب عدم الرغبة والارادة في المزهود فيه والورع من باب وجود ~~النفرة والكراهة للمتورع عنه وانتفاء الارادة انما يصلح فيهما ليس فيه ~~منفعة خالصة أو راجحة وأما وجود الكراهية فانما يصلح فيهما فيه مضرة خالصة ~~أو راجحة وأما وجود الكراهة فانما يصلح فيما فيه مضرة خالصة أو راجحة فأما ~~اذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته سواء من كل وجه فهذا لا ~~يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا يصلح فيه الورع فظهر ~~بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير عكس وهذا بين فإن ما ~~صلح أن يكره وينفر عنه صلح أن لا يراد ولا يرغب فيه فإن عدم الارادة أولى ~~من وجود الكراهة ووجود الكراهة مستلزم عدم الارادة من غير عكس وليس كل ما ~~صلح أن لا يراد يصلح أن يكره بل قد يعرض من الأمور ما لا تصلح ارادته ولا ~~كراهته ونلا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهي عنه وبهذا يتبين أن ~~الواجبات والمستحبات ms029 لا يصلح فيها زهد ولا ورع PageV01P052 وأما المحرمات ~~المكروهات فيصلح فيها الزهد والورع وأما المباحات فيصلح فيها الزهد دون ~~الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل وانما الشأن فيما اذا تعارض في ~~الفعل هل هو مأمور به أو منهي عنه أو مباح وفيما اذا اقترن بما جنسه مباح ~~ما يجعله مأمورا به أو منهيا عنه أو اقترن بالمأمور به ما يجعله منهيا عنه ~~وبالعكس فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار وتعارضها يحتاج إلى ~~الفرقان # | هل الثواب على قدر المشقة # وقال قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الاطلاق كما ~~قد يستدل به طوائق على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتعدة التي لم ~~يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ~~ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال هلك ~~المتنطعون وقال لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم مثل ~~الجوع أو العطش PageV01P053 المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء ~~واجبات أو مستحبات أنفع منه وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر ~~الانسان بلا فائدة مثل حديث أبي اسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن وأن يقوم ~~قائما ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه ~~فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه رواه البخاري وهذا باب واسع وأما الأجر ~~على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على ~~أهل الاسلام الكلمتين وهما أفضل الأعمال ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن ~~سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أخرجاه في الصحيحين ولو قيل الأجر على ~~قدر منفعة العمل وفائدة ه لكان صحيحا اتصاف الأول باعتبار تعلقة بالأمر ~~والثاني باعتبار صفته في نفسه والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة ~~الأمر فقط وتارة من جهة صفته في نفسه وتارة من كلا الأمرين فبالاعتبار ~~الأول ينقسم إلى طاعة ومعصية PageV01P054 وبالثاني ينقسم إلى حسنة ms030 وسيئة ~~والطاعة والمعصية اسم له من جهة الأمر والحسنة والسئة اسم له من جهة نفسه ~~وان كان كثير من الناس لا يثبت الا الأول كما تقوله الأشعرية وطائفة من ~~الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ومن الناس من لا يثبت الا الثاني كما تقوله ~~المعتزلة وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم والصواب اثبات الاعتبارين ~~كما تدل عليه نصوص الأثمة وكلام السلف وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم ~~فأما كونه مشقا فليس هو سببا لفضل العمل ورجحانه ولكن قد يكون العمل الفاضل ~~مشقا فضله لمعنى غير مشقته والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره فيزاداد ~~الثواب بالمشقة كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر يكون ~~أجره أعظم من القريب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة ~~أجرك على قدر نصبك لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة وبالبعد يكثر ~~النصب فيكثر الأجر وكذلك الجهاد وقوله صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن ~~مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأه ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران ~~PageV01P055 فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب لا لأن التعب ~~والمشقة مقصود من العمل ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب هذا في شرعنا ~~الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال ولم يجعل علينا فيه حرج ولا أريد بنا ~~فيه العسر وأما في شرع من قبلنا قد تكون المشقة مطلوبة منهم وكثير من ~~العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبا مقربا إلى الله لما فيه من ~~نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد ~~وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من ~~الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديده المتعبة من أنواع العبادات ~~والزهادات مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة الا أن يكون شيئا ~~يسيرا لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض ~~الجهال بأن يقول فلان ما نكح ولا ذبح وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ms031 ولا ~~يذبون وأما الحنفاء فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر ~~وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني وهذه الأشياء من الدين ~~الفاسد وهو مذموم كما أن الطمأنينة إلى الحياة الدنيا مذموم PageV01P056 ~~أقسام الناس والناس أقسام أصحاب دنيا محضة وهم المعرضون عن الآخرة وأصحاب ~~دين فاسد وهم الكفار والمبتعدة الذين يتدينون بما لم يشرعه الله من أنواع ~~العبادات والزهادات والقسم الثالث وهم أهل الدين الصحيح أهل الاسلام ~~المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة والحمد لله الذي هدانا إلى لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق PageV01P057 # | الفصل الثاني تزكية النفس وكيف تزكو # وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى فصل في تزكية النفس وكيف ~~تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات قال تعالى قد أفلح من زكاها و قد أفلح ~~من تزكى معنى التزكية قال قتادة وابن عيينة وغيرهما قد أفلح من زكى نفسه ~~بطاعة الله وصالح الأعمال وقال الفراء والزجاج قد أفلحت نفس زكاها الله وقد ~~خابت نفس دساها الله وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس وهو منقطع وليس هو ~~مراد من الآية بل المراد بها الأول قطعا لفظا ومعنى أما اللفظ فقوله من ~~زكاها اسم موصول ولا بد فيه من عائد على من فإذا قيل قد أفلح الشخص الذي ~~زكاها كان ضمير الشخص في زكاها يعود على من هذا وجه الكلام الذي لا ريب في ~~صحته كما يقال قد أفلح من اتقى الله وقد أفلح من أطاع ربه وأما اذا كان ~~المعنى قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير PageV01P059 يعود على ~~من فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو من وضمير المفعول يعود على ~~النفس المتقدمة فلا يعود على من لا ضمير الفاعل ولا المفعول فتخلو الصلة من ~~عائد وهذا لا يجوز نعم لو قيل قد أفلح من زكى الله نفسه أو من زكاها الله ~~له ونحو ذلك صح الكلام وخفاء هذا على ms032 من قال به من النحاة عجب وهو لم يقل ~~قد أفلحت نفس زكاها فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة بل قال قد ~~أفلح من زكاها فالجملة صلة لمن لا صفة لها ولا قال أيضا قد أفلحت النفس ~~التي زكاها فإنه لو قيل ذلك وجل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح فإذا ~~تكلفوا وقالوا التقدير قد أفلح من زكاها هي النفس التي زكاها وقالوا في زكى ~~ضمير المفعول يعود على من وهي تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد فالضمير ~~عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي ولهذا قيل قد أفلح ولم يقل قد ~~أفلحت قيل لهم هذا مع أنه خروج من اللغة الفصيحة فإنما يصح اذا دل الكلام ~~على ذلك في مثل ومن على أن المراد لنا وكذا قوله ومنهم من يستمعون اليك ~~ونحو ذلك وأما هنا فلس في لفظ من وما بعدها ما يدل على أن المراد به النفس ~~المؤنثه فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على ارادته فإن مثل هذا ~~مما يصان كلام الله عز وجل عنه فلو قدر احتمال عود ضمير زكاها إلى نفس والى ~~من مع أن لفظ من لا دليل يوجب عوده عليه لكان إلى المؤنث أولى من اعادته ~~إلى ما يحتمل التذكير والتأنيث PageV01P060 وهو في التذكير أظهر لعدم ~~دلالته على التأنيث فان الكلام اذا احتمل معنيين وجب حمله على أظهرهما ومن ~~تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب المعروف والقرآن منزه عن ذلك والعدول ~~عما يدل عليه ظاهر الكلام إلى ما لا يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة فكيف ~~اذا كان نصا من جهة المعنى فقد أخبر الله أنه يلهم التقوى والفجور ولبسط ~~هذا موضع آخر التزكية في الكتاب السنة والمقصود هنا أمر الناس بتزكية ~~أنفسهم والتحذير من تدسيتها كقوله قد أفلح من تزكى فلو قدر أن المعنى قد ~~أفلح من زكى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ولا ينهي ولا ترغيب ولا ترهيب ~~والقرآن ms033 اذا أمر أو نهى لا يذكر مجرد القدر فلا يقول من جعله الله مؤمنا بل ~~يقول قد أفلح المؤمنون قد أفلح من تزكى اذ ذكر مجرد القدر في هذا يناقض ~~المقصود ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلا فكيف بكلام الله ألا ترى أنه في ~~مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر القدر عند بيان نعمه عليهم اما ~~بما ليس من أفعالهم وإما بإنعامه بالايمان والعمل الصالح ويذكره في سياق ~~قدرته ومشيئته وأما في معرض الأمر فلا يذكره الا عند النعم كقوله ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكى الآية فهذا مناسب وقوله قد أفلح من تزكى وهذه ~~الآية من جنس الثانية لا الأولى والمقصود ذكر التزكية قال تعالى قل ~~للمؤمنين يغضوا PageV01P061 الآية وقال فارجعوا هو أزكى لكم وقال الذين لا ~~يؤتون الزكاة وقال وما عليك ألا يزكى وأصل الزكاة الزيادة في الخير ومنه ~~يقال زكا الزرع وزكا المال اذا نما ولن ينمو الخير الا بترك الشر والزرع لا ~~يزكو حتى يزال عنه الدغل فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما ~~يناقضها ولا يكون الرجل متزكيا الا مع ترك الشر فإنه يدنس النفس ويدسيها ~~قال الزجاج دساها جعلها ذليلة حقيرة خسيسة وقال الفراء دساها لأن البخيل ~~يخفي نفسه ومنزله وماله قال ابن قتيبة أي أخفاها بالفجور والمعصية فالفاجر ~~دس نفسه أي قمعها وخباها وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب ~~تنزل الربى لتشهر أنفسها واللئام تنزل الأطارف والوديان فالبر والتقوى يبسط ~~النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الانسان في نفسه اتساعا وبساطا عما كان عليه ~~قبل ذلك فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والاحسان بسطه الله وشرح صدره والفجور ~~والبخل يقمع النفس ويضعها ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق وقد بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح فقال مثل البخيل والمتصدق ~~كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فجعل ~~المتصدق كلما هم بصدقة اتسعت وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله PageV01P062 ~~وتعفو أثره وجعل ms034 البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها ~~فلا تتسع أخرجاه وإخفاء المنزل واظهاره تبعا لذلك قال تعالى يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به الآية فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها ~~في بدنه بعضها في بعض ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من ~~الصوف المبتل والنفس البرة التقية النقية التي قد زكاها صاحبها فارتفعت ~~واتسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء ~~وكالشعرة من العجين قال ابن عباس ان للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه ~~وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وان للسيئة لظلمة في ~~القلب وسوادا في الوجه وهونا في البدن وضيقا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ~~قال تعالى والبلد الطيب الآية وهذا مثل البخيل والمنفق قال فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره الآية وقال الله ولي الذين آمنوا الآية PageV01P063 وقال ~~له في سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب اظهارها في المؤمنين والمتكلم بما لا ~~يعلم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا الآية فبين أن ~~الزكاة انما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~الآية وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس فإنها تعلم أن السيئات مذمومة ~~ومكروه فعلها ويجاهد نفسه اذا دعته اليها ان كان مصدقا لكتاب ربه مؤمنا بما ~~جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم ولهذا التصديق والايمان والكراهة وجهاد ~~النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو بذلك أيضا بخلاف ما اذا عملت ~~السيئات فانها تتدنس وتدنس وتنقمع كالزرع اذا نبت منه الدغل والثواب انما ~~يكون على عمل موجود وكذلك العقاب فأما العدم المحض فلا ثواب فيه ولا عقاب ~~لكن فيه عدم الثواب والعقاب والله سبحانه أمر بالخير ونهى عن الشر واتفق ~~الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود واختلفوا في النهي هل المطلوب ms035 أمر ~~وجودي أم عدمي فقيل وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثر وقيل المطلوب عدم الشر ~~وهو أن لا يفعله والتحقيق أن المؤمن اذا نهى عن النكر فلا بد أن لا يقربه ~~ويعزم على تركه ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ريب فلا يتصور أن المؤمن ~~الذي يعلم أنه وجودي لكن قد لا يكون مريدا له كما يكره أكل الميتة طبعا ومع ~~ذلك فلا بد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه لطاعة الشارع وهذا قدر ~~زائد على كراهة الطبع وهو أمر وجودي يثاب عليه PageV01P064 ولكن ليس كثواب ~~من كف نفسه وجاهدها عن طلب المحرم ومن كانت كراهته للمحرمات كراهة ايمان ~~وقد غمر ايمانه حكم طبعه فهذا أعلى الأقسام الثلاثة وهذا صاحب النفس ~~المطمئنة وهو أرفع من صاحب اللوامة التي تفعل الذنب وتلوم صاحبها عليه ~~وتتلوم وتتردد هل تفعله أم لا وأما من لم يخطر بباله أن الله حرمه ولا هو ~~مريد له بل لم يفعله فهذا لا يعاقب ولا يثاب اذ لم يحصل منه أمر وجودي يثاب ~~عليه أو يعاقب فمن قال المطلوب أن لا يفعل ان أراد أن هذا المطلوب يكفي في ~~عدم العقاب فقد صدق وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس كذلك والكافر اذا ~~لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن الايمان وترك ~~الأعمال كفر يعاقب عليها ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في النار ذكر ~~أمروا وجودية وتلك تددس تفس النفس ولهذا كان التوحيد والايمان أعظم ما تزكو ~~به النفس وكان الشرك أعظم ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا ~~كله مما ذكره السلف قالوا في قد أفلح من تزكى تطهر من الشرك ومن المعصية ~~بالتوبة وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة صدقة الفطر ولم يريدوا أن الآية لم ~~تتناول الا هي بل مقصودهم أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد فقد ~~تناولته وما بعدها ولهذا كان يزيد بن حبيب كلما خرج إلى الصلاة خرج بصدقة ~~ويتصدق بها قبل الصلاة ms036 ولو لم يجد الا بصلا قال الحسن قد أفلح من تزكى من ~~كان عمله زاكيا وقال أبو الأحوص زكاة الأمور كلها وقال الزجاج تزكى بطاعة ~~الله عز وجل ومعنى الزاكي النامي الكثير PageV01P065 وكذلك قالوا في قوله ~~وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة قال ابن عباس لا يشهدون أن لا اله الا ~~الله وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم أي ليست زاكية وقيل لا يطهرونها بالاخلاص ~~كأنه أراد والله أعلم أهل الرياء فإنه شرك وعن الحسن لا يؤمنون بالزكاة ولا ~~يقرون بها وعن الضحاك لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة وعن ابن السائب لا ~~يعطون زكاة من أموالهم قال كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون والتحقيق أن ~~الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من التوحيد والأعمال الصالحة كقوله هل ~~لك إلى أن تزكي وقوله قد أفلح من تزكى والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند ~~نزولها فإن قيل يؤتى فعل متعد قيل هذا كقوله ثم سئلوا الفتنة لأتوها وتقدم ~~قبلها أن الرسول دعاهم وهو طلب منه فكان هذا اللفظ متضمنا قيام الحجة عليهم ~~بالرسل والرسل إنما يدعونهم لما تزكو به أنفسهم ومما يليق أن الزكاة تستلزم ~~الطهارة لأن معناها معنى الطهارة قوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم من الشر ~~وتزكيهم بالخير قال صلى الله عليه وسلم اللهم طهرني بالماء والبرد والثلج ~~PageV01P066 كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع والغسل فهذه ~~الأمور توجب تبريد المغسول بها والبرد يعطي قوة وصلابة وما يسر يوصف بالبرد ~~وقرة العين ولهذا كان دمع السرور باردا ودمع الحزن حارا لأن ما يسوء النفس ~~يوجب حزنها وغمها وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن فسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد ~~يكون بما فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب ~~وقوله بالثلج والبرد والماء البارد تمثيل بما فيه من هذا الجنس والا فنفس ~~الذنوب لا تغسل بذلك كما يقال أذقنا برد عفوك وحلاوة ms037 مغفرتك ولما قضى أبو ~~قتادة دين المدين قال صلى الله عليه وسلم الآن بردت جلدته ويقال برد اليقين ~~وحرارة الشك ويقال هذا الأمر يثلج له الصدر اذا كان حقا يعرفه القلب ويفرح ~~به حتى يصير في مثل برد الثلج ومرض النفس اما شبهة واما شهوة أو غضب ~~والثلاثة توجب السخونة ويقال لمن نال مطلوبه برد قلبه فان الطالب فيه حرارة ~~الطلب وقوله خذ من أموالهم دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من ~~الذنوب السالفة فإنه قاله بعد قوله وآخرون اعترفوا الآية فالتوبة والعمل ~~الصالح يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله قل للمؤمنين ~~يغضوا الآيات وتوبوا الى PageV01P067 الله الآية فأمرهم جيمعا بالتوبة في ~~سياق ما ذكره لأنه لا يسلم أحد من هذا الجنس كما في الصحيح ان الله كتب على ~~ابن آدم حظه من الزنا الحديث وكذلك في الصحيح أن قوله ان الحسنات يذهب ~~السيئات نزلت بسبب رجل نال من امرأة كل شيء الا الجماع ثم ندم فنزلت ويحتاج ~~المسلم في ذلك إلى أن يخاف الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى والشهوة ~~لا يعاقب عليه بل على اتباعه والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها ~~كان نهيه عبادة لله وعملا صالحا وثبت عنه أنه قال المجاهد من جاهد نفسه في ~~ذات الله فيؤمر بجهادها كما يؤمر بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو اليها وهو ~~إلى جهاد نفسه أحوج فإن هذا فرض عين وذاك فرض كفاية والصبر في هذا من أفضل ~~الأعمال فإن هذا الجهاد حقيقة ذلك الجهاد فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد ~~كما قال والمهاجر من هجر السيئات PageV01P068 ثم هذا لا يكون محمودا فيه ~~الا اذا غلب بخلاف الأول فإنه من يقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة الخ وذلك لأن الله أمر الانسان ~~أن ينهى النفس عن الهوى وأن يخاف مقام ربه فحصل له من الايمان ما يعينه على ~~الجهاد فإذا غلب كان ms038 لضعف ايمانه في كون مفرطا بترك المأمور بخلاف العدو ~~الكفار فإنه قد يكون بدنه أقوى فالذنوب انما تقع اذا كانت النفس غير ممتثلة ~~لما أمرت به ومع امتثال المأمور لا تفعل المحظور فإنهما ضدان قال تعالى ~~كذلك لنصرف عنه السوء الآية وقال ان عبادي ليس لك عليهم سلطان فعباد الله ~~المخلصون لا يغويهم الشيطان والغي خلاف الرشد وهو اتباع الهوى فإن ذلك يصرف ~~عنه السوء والفحشاء خشية ومحبة والعبادة له وحده وهذا يمنع من السيئات فإذا ~~كان تائبا فإن كان ناقصا فوقعت السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع ~~فهو كالترياق الذي يدفع أثر السم ويرفعه بعد حصوله وكالغذاء من الطعام ~~والشراب وكالاستمتاع بالحلال الذي يمنع PageV01P069 النفس على طلب الحرام ~~فإذا حصل له طلب ازالته وكالعلم الذي يمنع من الشك ويرفعه بعد وقوعه ~~وكالطلب الذي يحفظ الصحة ويدع المرض وكذلك ما في القلب من الايمان يحفظ ~~بأشباهه مما يقوم به واذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات أزيل بهذه ولا ~~يحصل المرض الا لنقص أسباب الصحة كذلك القلب لا يمرض الا لنقص ايمانه وكذلك ~~الايمان والكفران متضادان فكل ضدين فأحدهما يمنع الآخر تارة ويرفعه أخرى ~~كالسواد والبياض حصل موضعه ويرفعه اذا كان حاصلا كذلك الحسنات والسيئات ~~والاحباط والمعتزلة أن الكبيرة تحبط الحسنات حتى الايمان وان من مات عليها ~~لم يكن الجبائي وابنه بالموازنة لكن قالوا من رجحت سيئاته خلد في النار ~~والموازنة بلا تخليد قول الاحباط ما أجمع عليه وهو حبوط الحسنات كلها ~~بالكفر كما قال ومن يرتدد منكم عن دينه الآية وقوله ومن يكفر بالايمان فقد ~~حبط عمله الآية وقال ولو أشركوا الحبط عنهم ما كانوا يعملون وقال لئن أشركت ~~ليحبطن عملك الآية وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف فإنه سبحانه ذكر ~~حد الزاني PageV01P070 وغيره ولم يجعلهم كفارا حابطي الأعمال ولا أمر ~~بقتلهم كما أمر بقتل المرتدين والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه ولو كانوا كفارا ~~ومنافقين ms039 لم تجز الصلاة عليه فعلم أنهم لم يحبط ايمانهم كله وقال عمن شرب ~~الخمر لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وذلك الحب من أعظم شعب الايمان فعلم ~~أن ادمانه لا يذهب الشعب كلها وثبت من وجوه كثيرة يخرج من النار من في قلبه ~~مثقال ذرة من ايمان ولو حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه وقال تعالى ثم أورثنا ~~الكتاب الآية فجعل من المصطفين فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل ~~تبط بقدرهاوهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى ~~السنة منهم من ينكره ومنهم من يثبته كما دلت عليه النصوص مثل قوله لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى الآية دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة وضرب ~~مثله بالمرائي وقالت عائشة أبلغي زيدا أن جهاده بطل الحديث PageV01P071 ~~وأما قوله أن تحبط أعمالكم وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع وقال تعالى ولا ~~تبطلوا أعمالكم قال الحسن بالمعاصي والكبائر وعن عطاء بالشرك والنفاق وعن ~~ابن السائب بالرياء والسمعة وعن مقاتل بالمن وذلك أن قوما منوا باسلامهم ~~فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال فإن قيل لم يرد ~~الا ابطالها بالكفر قيل ذلك منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم فالنهي ~~عنه لا يعبر عنه بهذا بل على وجه التغليظ كقوله ومن يرتد منكم عن دينه ~~ونحوها والله سبحانه في هذه وفي آية المن سماها ابطالا ولم يسمه احباطا ~~ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا ~~وهم كفار الآية فان قيل المراد اذا دخلتم فيها فأتموها وبها احتج من قال ~~يلزم التطوع بالشروع فيه قيل لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن ابطال ~~بعبض العمل فابطاله كله أولى بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ~~ولا صوما ثم يقال الابطال يوجد قبل الفراغ أو بعده وما ذكره وأمر بالاتمام ~~والابطال هو ابطال الثواب ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه ~~بل ms040 يقال انه يثاب على ما فعل من ذلك وفي الصحيح حديث المفلس الذي يأتي ~~بحسنات أمثال الجبال PageV01P072 # | الفصل الثالث حكم السياحة مع قطيعة الرحم # سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما ~~نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام ~~والشبهات وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله وساح في أرض الله والبلدان فهل ~~يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا فأجاب الحمد لله وحده الزهد ~~المشروع الزهد المشروع هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة وثقة القلب ~~بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي ليس الزهد في الدنيا بتحريم ~~الحلال ولا اضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك ~~وأن تكون في ثواب المصيبة اذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك لأن الله ~~تعالى يقول لكيلا لا تأسوا على ما فتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فهذا صفة ~~القلب PageV01P073 وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة ~~الله من مطعم وملبس ومال وغير ذلك كما قال الامام أحمد انما هو طعام دون ~~طعام ولباس دون لباس وصبر أيام قلائل زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وجماع ~~ذلك خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول ~~خير كلام الله وخير الهدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكان ~~عادته في المطعم أنه لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ويلبس من اللباس ما ~~تيسر من قطن وصوف وغير ذلك وكان القطن أحب اليه وكان اذا بلغه أن بعض ~~أصحابه يريد أن يعتدي فيزيد في الزهد أو العبادة على المشروع ويقول أينا ~~مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب لذلك ويقول والله اني لأخشاكم لله ~~وأعلمكم بحدود الله تعالى وبلغه أن بعض أصحابه قال أما أنا فأصوم فلا أفطر ~~وقال الآخر أما أنا فأقوم فلا ms041 أنام وقال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء وقال ~~الآخر أما أنا فلا آكل اللحم فقال صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر ~~وأقوم وأنام وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني فأما ~~الاعراض عن الأهل والأولاد فليس مما يحبه الله ورسوله ولا هو من دين ~~الأنبياء بل قد قال تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك PageV01P074 وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية والانفاق على العيال والكسب لهم يكون واجبا تارة ومستحبا أخرى ~~فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين أنواع السياحة وأحكامها وكذلك ~~السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك أمر منهى عنه ~~قال الامام أحمد ليست السياحة من الاسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا ~~الصالحين وأما السياحة المذكورة في القرآن من قوله التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون ومن قوله مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدت سائحات ~~ثيبات وأبكارا فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة فان الله قد وصف ~~النساء اللآتي يتزوجهن رسوله بذلك والمرأة المزوجة لا يشرع لها أن تسافر في ~~البراري سائحة بل المراد بالسياحة شيئان أحدهما الصيام كما روى عمرو بن ~~دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحلال بين ~~والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك الشبهات ~~فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي ~~PageV01P075 يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن ~~حمى الله محارمه ألا وان في الجسد مضعة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت ~~فسد الجسد كله ألا وهي القلب متفق عليه لكن اذا ترك الانسان الحرام أو ~~الشبهة بترك واجب أو مستحب وكان الاثم أو النقص الذي عليه في الترك أعظم من ~~الاثم الذي عليه في الفعل لم يشرع ذلك كما ذكر أبو طالب المكي وأبو حامد ~~الغزالي عن الامام أحمد بن حنبل أنه سئل عمن ترك ما لا شبهة فيه وعليه دين ~~فسأله ولده أترك ms042 هذا المال الذي فيه شبهة فلا أقضيه فقال له اتدع ~~PageV01P076 # | الفصل الرابع معنى حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين # سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى حق ~~اليقين وعين اليقين و علم اليقين فما معنى كل مقام منها وأي مقال أعلى ~~فأجاب الحمد لله رب العالمين للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة منها أن ~~يقال علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر وعين اليقين ما ~~شاهده وعاينه بالبصر وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار ~~فالأولى مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل ~~على وجوده والثاني مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين PageV01P077 والثالث مثل من ذاق ~~العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ولهذا يشير أهل ~~المعرفة إلى ما عندهم من الذوب والوجد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب ~~اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع ~~إلى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وقال صلى الله ~~عليه وسلم ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا ~~فالناس فيما يجده أهل الايمان ويذوقونه من حلاوة الايمان وطعمه على ثلاث ~~درجات درجات أهل الايمان الأولى من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه ~~أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ~~ذلك والثانية من يشاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة ~~والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وان كان هذا في الحقيقة لم ~~يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ من المخبر ~~والمستدل بآثارهم PageV01P078 والثالثة أن يحصل له من الذوق ms043 والوجه في نفسه ~~ما كان سمعه كما قال بعض الشيوخ لقد كنت في حال أقول فيها ان كان أهل الجنة ~~في الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيش طيب وقال آخر انه ليمر على القلب ~~أوقات يرقص منها طربا وقال الآخر لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في ~~لهوهم درجات الناس في الايمان بالآخرة والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة ~~على ثلاث درجات احداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على ~~وجود ذلك الثانية اذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار ~~والثالثة اذا باشروا ذلك فدخل أهل الجنة الجنة وذاقوا ما كانوا يوعدون ودخل ~~أهل النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب وفيما ~~يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث درجات الناس فيما يخبروا بن من ~~أمور الدنيا وكذلك في أمور الدنيا فان من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ~~ولم يذقه كان له علم به فان شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه ~~بنفسه كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فان العبارة ~~انما تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة الا ~~لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ولهذا يسمون أهل المعرفة ~~لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفي الحديث ~~الصحيح أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فهل يرجع PageV01P079 أحد منهم دينه سخطة له ~~بعد أن يدخل فيه قال لا قال وكذلك الايمان اذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه ~~أحد القلب بين زيادة الايمان وزيادة المحبة فالايمان اذا باشر القلب ~~وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب ~~واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس ~~متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب ms044 له من البشاشة ما هو بحسبه ~~واذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ~~هو خير مما يجمعون وقال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ~~ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون فأخبر ~~سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن والاستبشار هو الفرح والسرو وذلك ~~لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذه والبهجة بما أنزل الله واللذة أبدا ~~تتبع المحبة فمن أحب شيئا ونال ما أحبه وجد اللذة به فالذوق هو ادراك ~~المحبوب اللذة الظاهرة كالأكل مثلا حال الانسان فيها أنه يشتهي الطعام ~~ويحبه ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته وحلاوته وكذلك النكاح وأمثال ذلك ~~PageV01P080 وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم ~~وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه الا الله تعالى وكل ما يحب ~~سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام انما يحب لأجل الله ~~ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله وفي الحديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني ~~لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي وقال تعالى قل ان كان آباؤكم إلى قوله أحب ~~اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون ~~أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي حديث الترمذي وغيره من أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وقال تعالى ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع ~~متعددة والمقصود هنا أن أهل الايمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله ms045 ~~PageV01P081 من حلاوة الايمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يجدونه بالمحبة فقال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان ~~أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله ~~وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ومن ذلك ما يجدونه من ~~ثمرة التوحيد والاخلاص والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب ~~على ثلاث درجات درجات الناس فيا يجدونه من ثمرة التوحيد منهم من علم ذلك ~~سماعا واستدلالا ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم ومنهم من وجد حقيقة ~~الاخلاص والتوكل على الله والالتجاء اليه والاستعانة به وقطع التعلق بما ~~سواه وجرب من نفسه أنه اذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له ~~منفعة أو يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من جهتهم ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل ~~لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته اليهم فلا ~~ينفعونه اما لعجزهم واما لانصارف قلوبهم عنه واذا توجه إلى الله بصدق ~~الافتقار اليه واستغاث به مخلصا له الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له ~~أبواب الرحمة فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يدق غيره ~~وكذلك من ذاق طعم إخلاص لله وارادة وجهه دون ما سواه يجد من الأحوال ~~والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك بل من اتبع هواه في مثل طلب ~~الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من ~~الهموم والغموم والأحزان PageV01P082 والآلام وضيف الصدر ما لا يعبر عنه ~~وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره بل هو في خوف وحزن ~~دائما ان كان طالبا لما يهواه فهو قبل ادراكه حزين متألم حيث لم يحصل فإذا ~~أدركه كان خائفا من زواله وفراقه وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة الاخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ms046 ومناجاته ~~وفهم كتابه وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون عمله صالحا ويكون لوجه الله ~~خالصا فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي ~~المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره ~~فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا ~~أنفع للقلب من التوحيد واخلاص الدين لله ولا أضر عليه من الاشراك فإذا وجد ~~حقيقة الاخلاص التي هي حقيقة اياك نعبدمع حقيقة التوكل التي هي حقيقة اياك ~~نستعين كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا والله أعلم PageV01P083 # | الفصل الخامس الوصية الصغرى سؤال أبي القاسم المغربي # يتفضل الشيخ الامام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق ~~والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ~~ديني ودنياي ويرشدني إلى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث وكذلك في ~~غيره من العلوم الشرعية وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ~~ويبين لي أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الايماء والاختصار والله تعالى يحفظه ~~والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته فأجاب الحمد لله رب العالمين وصية ~~الله في كتابنه أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن ~~عقلها واتبعها قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ووصى النبي صلى الله عليه ~~وسلم معاذا لما بعثه إلى اليمن فقال PageV01P085 يا معاذ اتق الله حيثما ~~كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وكان معاذ رضي الله ~~عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة عليه فإنه قال له يا معاذ والله ~~اني لأحبك وكان يردفه وراءه وروى فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام وأنه ~~يحشر أمام العلماء برتوة أي بخطوة ومن فضله أنه بعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما إلى أهل اليمن ms047 وكان يشبهه ~~بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم امام الناس وكان ابن مسعود رضي الله ~~عنه يقول ان معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له ~~بإبراهيم PageV01P086 شرح وصية الرسول ثم انه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه ~~الوصية فعلم أنها جامعة وهي كذلك لمن عقلها مع أنها تفسير الوصية القرآنية ~~أما بيان جمعها فلأن العبد عليه حقان حق لله عز وجل وحق لعباده ثم الحق ~~الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا اما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم اتق الله حيثما كنت وهذه كلمة جامعة وفي ~~قوله حيثما كنت تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية ثم قال واتبع ~~السيئة الحسنة تمحها فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا هو الذي مضرا أمره ~~بما يصلحه والذنب للعبد كأنه أمر حتم فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من ~~الحسنات بما يمحو السيئات وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة ~~لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعربي صبوا عليه ~~ذنوبا من ماء الأشياء التي تزول بموجبها الذنوب وينبغي أن تكون الحسنات من ~~جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول موجبها بأشياء أحدها التوبة ~~PageV01P087 والثاني الاستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له ~~اجابة لدعائة وان لم يتب فاذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال الثالث ~~الأعمال الصالحة المكفرة اما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان ~~والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك بعض واجباته أو قاتل الصيد ~~بالكفارات المقدرة وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام وإما الكفارات ~~المطلقة كما قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكقرها الصلاة ~~والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد دل على ذلك القرآن ~~والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر ~~الأعمال التي يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ms048 ~~ذنبه وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصا ما صنف من السنن خصوصا ما صنف في ~~فضائل الأعمال العناية بمزيلات الذنوب واعلم أن العناية بهذا من أشد ما ~~بالانسان الحاجة اليه فإن الانسان من حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها ~~من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فان الانسان الذي ينشأ ~~بين أهل علم ودين قد يتطلخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ~~لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ~~قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى ~~فاستمتعتم PageV01P088 بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم ~~كالذي خاضوا ولهذا شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين ~~إلى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة فإن كثيرا ~~من أحوال اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى العلم وكثيرا من أحوال ~~النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين إلى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين ~~الاسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ثم نزله على أحوال ~~الناس واذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه ~~وكان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال ~~الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن ~~قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه ~~الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله اليه على لسان ~~خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات المصائب المكفرة للذنوب ومما ~~يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في ~~مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد فلما قضى بهاتين ms049 ~~الكلمتين حق الله من عمل الصالح واصلاح الفاسد قال وخالق الناس بخلق حسن هو ~~حق الناس PageV01P089 جماع الخلق الحسن مع الناس وجماع الخلق الحسن مع ~~الناس أن تصل من قطعك بالسلام والاكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه ~~والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في ~~دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحق معنى الخلق العظيم وأما الخلق ~~العظيم الذي وصف الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ~~ما أمر الله به مطلقا هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت ~~عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحبه ~~الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر اسم التقوى وما يجمعه وأما بيان أن هذا ~~كله في وصية الله فهو أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به ايجابا ~~واستحبابا وما نهى عنه تحريما وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد ~~لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم ~~جاء مفسرا في حديث معاذ وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه ~~الترمذي وصححه قيل يا رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى ~~PageV01P090 الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس النار قال ~~الأجوفان الفم والفرج وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين اسيمانا أحسنهم خلقا فجعل ~~كمال الايمان في كمال حسن الخلق ومعلوم أن الايمان كله تقوى الله شمول ~~التقوى وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع فإنها الدين كله ~~لكن ينبوع الخير وأصله اخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله اياك ~~نعبد واياك نستعين وفي قوله فاعبده وتوكل عليه وفي قوله عليه توكلت واليه ~~أنيب وفي قوله فابتغو عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له بحيث يقطع العبد ~~تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعا بهم عملا لأجلهم ms050 ويجعل همته ربه تعالى وذلك ~~PageV01P091 بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك ~~والعمل لله بكل محبوب ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك أفضل ~~الأعمال بعد الفرائض وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه ~~يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب ~~جامع مفصل لكل أحد لكن مما هو كالاجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ~~ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفس في الجملة وعلى ذلك دل حديث ~~أبي هريرة الذي رواه مسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون ~~قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم ~~وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من اعطاء الذهب الورق ومن ~~أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله ~~قال ذكر الله والدلائل القرآنية والايمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة ~~وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وامام PageV01P092 ~~المتقين صلى الله عليه وسلم كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند أخذ ~~المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ما ~~يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء ~~والخروج من ذلك وعند المطر والرعد إلى غير ذلك وقد صنفت له الكتب المسماة ~~بعمل اليوم والليلة أفضل الذكر ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله لا اله الا ~~الله وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة الا بالله أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان ~~وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهي عن ~~منكر فهو من ذكر الله ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض ~~أو جلس مجلسا يتفقه أو ms051 يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها فهذا ~~أيضا من أفضل ذكر الله وعلى ذلك اذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم ~~في أفضل الأعمال كبير اختلاف وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة ~~المشروعة فما ندم من PageV01P093 استخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن ~~الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد دعوت لم يستجب لي وليتحر ~~الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ~~ونحو ذلك أرجح المكاسب وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته ~~وحسن الظن به وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ~~ويدعوه كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه كلكم جائع الا من أطعمته ~~فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني أكسكم وفيما ~~رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعلمه اذا انقطع فإنه ان لم ييسره لم ~~يتيسر وقد قال الله تعالى في كتابه وأسألوا الله من فضله وقال سبحانه فإذا ~~قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وهذا وإن كان في الجمعه ~~فمعناه قائم في جميع الصلوات ولهذا والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج أن يقول ~~اللهم اني أسألك من PageV01P094 فضلك وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم ~~فابتغوا عند الله الزرق واعبدوه واشكروا له وهذا أمر والأمر يقتضي الايجاب ~~فالاستعانة بالله واللجوء اليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم ثم ينبغي له أن ~~يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ولا يأخذه بإشراف وهلع بل يكون المال ~~عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج اليه من غير أن يكون له في القلب مكانة ~~والسعي فيه اذا سعى كاصلاح الخلاء وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي ~~وغيره من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته ms052 ولم ~~يأته من الدنيا الا ماكتب له ومن أصبح والأخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله ~~وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة وقال بعض السلف أنت محتاج إلى ~~الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على ~~نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ان الله وهو الرزاق ذو ~~القوة المتين PageV01P095 فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو ~~بناية أو حراثة أو غير ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئا ~~عاما لكن اذا عن للانسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة ~~عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم فإن فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما ~~تيسر له فلا يتكلف غيره الا أن يكون منه كراهة شرعية الكتب التي يعتمد ~~عليها في العلوم وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو ~~أيضا يختلف باختلاف نشء الانسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من ~~العلم أو من طريقة ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن ~~يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علما وما سواه اما أن يكون علما فلا يكون نافعا ~~وإما أن لا يكون علما وان سمي به ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ~~ميراث محمد صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه ولتكن ~~همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه فاذا اطمأن قلبه أن هذا ~~هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس اذا ~~أمكنه ذلك وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم واذا اشتبه عليه ms053 مما قد اختلف فيه الناس فليدع بما رواه ~~مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول اذا قام يصلي من الليل اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بي عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من PageV01P096 الحق باذنك انك نهدي من تشاء إلى صراط ~~مستقيم فإن الله تعالى قد قال فيما رواه عنه رسوله يا عبادي كلكم ضال الا ~~من هديته فاستهدوني أهدكم وأما وصف الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء ~~المذاكرة ما يسره الله سبحانه وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من ~~صحيح محمد بن اسماعيل البخاري لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم ولا يقول ~~بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم اذ لا بد من معرفة أحاديث أخر وكلام ~~أهل الفقه وأهل العلم في الأمور التي يختص بعلمها بعض العلماء وقد أوعبت ~~الأمة في كل فن من فنون العلم ايعابا فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ~~ذلك ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب الا حيرة وضلالا كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي لبيد الأنصاري أو ليست التوراة والأنجيل عند اليهود ~~والنصارى فماذا تغني عنهم PageV01P097 فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى ~~والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد اذ هدانا ~~ويهب لنا من لدنه رحمة انه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على ~~أشرف المرسلين PageV01P098 # | الفصل السادس الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل # وأقسام التقوى والصبر وسئل الشيخ الامام العالم العامل الحبر الكامل شيخ ~~الاسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم ~~عن الصبر الجميل و الصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر ~~الذي عليه الناس فأجاب رحمه الله الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه ~~بالهجر الجميل والصفر الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى ~~والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر ms054 الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام انما أشكو بثي وحزني إلى الله مع قوله فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن ~~موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد واليك المستكى وأنت ~~المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت PageV01P099 رب ~~المستضعفين وأنت ربي الله إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته ~~أمري ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور ~~وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك ~~أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ ~~في صلاة الفجر انما أشكو بثي وحزني إلى الله ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر ~~الصفوف بخلاف الشكوى إلى المخلوق قرىء على الامام أحمد في مرض موته أن ~~طاووسا كره أنين المريض وقال انه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب ~~بلسان الحال اما ازالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه ~~دون خلقه كما قال تعالى فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب وقال صلى الله عليه ~~وسلم لابن عباس اذا سألت فاسأل الله واذا استغنت فاستعن بالله ولا بد ~~للانسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من ~~القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا إلى قوله وان تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيظ وقال تعالى بلى ان ~~تصبروا وتتقوا PageV01P100 ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين وقال تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ms055 كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور وقد قال يوسف أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من ~~يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين وصية الشيخ عبد القادر ولهذا كان ~~الشيخ عبد القادر ونحوه من المشائح المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين ~~الأصلين المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا ~~بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضوع غلط فيه كثير من العامة بل ومن ~~السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى ~~أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ~~ويبغضه وان قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية ~~فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي ~~يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبيء ~~PageV01P101 الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة ~~المقربون والمردة الشياطين أفهام خاطئة في القضاء والقدر فإن هؤلاء كلهم ~~يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ربهم وخالقهم ~~ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه ~~وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو ~~توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما ~~يحبه ويرضاه وهو ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب وترك ما ~~نهى الله عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم ~~يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة ~~الدينية والا فهو من جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى اقرار ~~المشركين بالحقيقة الكونية فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية اذ هم ~~يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله ms056 ~~قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل ~~أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون ولهذا قال سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله الا ~~وهم PageV01P102 مشركون قال بعض السلف تسألهم من خلق السموات والأرض ~~فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر ~~والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة ~~والرسل الذي جاءوا بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما ~~قال تعالى ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم ~~الكافرون حقا وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل ~~للخليقة ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق ~~بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى ~~الله ورسوله من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من ~~الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن ~~والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض ~~الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الايمان بحسب ~~ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الايمان بدين الله تعالى الفرق ~~بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون ~~القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة ~~فهؤلاء يشبهون المجوس وولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ~~PageV01P103 ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع ابليس الذي اعترض ~~على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم في القول والاعتقاد ~~أقسام الناس في العبادة وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة ~~المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ms057 ما يصيبه من ~~المقدور فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما ~~قال تعالى اياك نعبد واياك نستعين واذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر ~~على ما يفعله من السيئات ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن ~~بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصيحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول ~~العبد اللهم أنت ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ~~ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو ~~هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك ~~بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي PageV01P104 ~~وانقطاع حجتي الا غفرت لي وفي الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن الا نفسه وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع وآخرون قد ~~يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من ~~مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون يشهدون ~~القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم ~~لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة ~~من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن ~~يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينة والقسم الرابع شر الأقسام وهو ~~من لا يعبده ولا يستعينة فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني ~~وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ~~ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر ~~الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام أقسام الناس ~~في التقوى والصبر ms058 أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من ~~أهل السعادة في الدنيا والآخرة والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر ~~مثل الذين يمتثلون PageV01P105 ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات ~~لكن اذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي ~~بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل ~~الفجار الذين يصبرون على ما يصبيهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين ~~يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل ~~الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة ~~وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من ~~الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من ~~أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى ~~والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة ~~والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور ~~المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس ~~لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ~~ما يصيبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى اذا قدر ~~وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون اذا قدروا ولا يصبرون اذا ~~ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى ان الانسان خلق هلوعا واذا مسه الشر جزوعا ~~واذا مسه الخير منوعا فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم اذا قدروا ومن ~~أذل الناس وأجزعهم اذا قهروا ان قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ~~ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول وان ~~PageV01P106 فهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة واحسانا ~~وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار ~~الذين قاتلهم المسلمون ms059 ومن يشبههم في كثير من أمورهم وان كان متظاهرا بلباس ~~جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم قالاعتبار بالحقائق فإن ~~الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى ينظر إلى قلوبكم ~~وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من ~~هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من ~~الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين ~~للإسلام من هو أعظم ردة وأولي بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق ~~الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ~~في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها ~~وكل مبدعة صلالة وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من ~~كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ~~ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان ~~لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم ~~موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل ~~من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك PageV01P107 الصبر والتقوى في ~~الكتاب والسنة وقد ذكر الله الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين ~~أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى من ~~ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى بلى ان تصبروا ~~وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ~~وقال الله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا ~~يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ms060 وما تخفي صدورهم ~~أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله واذا لقوكم قالوا آمنا واذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ~~من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور ان تمسسكم حسنة تسؤهم ~~وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله ~~بما يعملون محيط وقال اخوة يوسف له أانك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي ~~قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقد قرن ~~الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى واتبع ما يوحى اليك واصبر ~~حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين PageV01P108 وفي اتباع ما أوحي اليه التقوى ~~كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين وقال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح ~~بحمد ربك بالعشي والأبكار وقال تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل وقال تعالى واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشيعن وقال تعالى استعينوا بالصبر والصلاة ~~ان الله مع الصابرين فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة ~~والصبر في مثل قوله تعالى وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وفي الرحمة ~~الاحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية اذ من الناس من ~~يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف ~~واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل ~~القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ~~ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم ~~وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم انما يرحم الله من ms061 عباده PageV01P109 الرحماء ~~وقال من لا يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة الا من شقي وقال الراحمون ~~يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء والله أعلم انتهى ~~PageV01P110 # | الفصل السابع تفسير كلام القشيري في الرضا # معنى الرضا وسئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عما ذكر الأستاذ القشيري في ~~باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا ~~يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح فأجاب الحمد لله رب العالمين الكلام ~~على هذا القول من وجهين أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ والثاني من جهة صحته ~~في نفسه وفساده أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم ~~يذكر هذا PageV01P111 عن الشيخ أبي سليمان باسناد وانما ذكره مرسلا عنه وما ~~يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين ~~والمشائخ وغيرهم تارة يذكره باسناد وتاره يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول وقيل ~~كذا ثم الذي يذكره باسناد تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل ~~موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات ~~الفقهاء فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ~~ما هو موضوع حال أحاديث كتب الرقائق فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من ~~الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع وهذا الأمر متفق ~~عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل ~~نفس الكتب المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب إلى ~~معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم والمصنفون قد يكونون أئمة ~~في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو ~~الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه ~~وان علموا أنه كذب اذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث ~~المذكوبة مع بيان كونها كذبا جائزا وأما روايتها مع الامساك عن ms062 ذلك رواية ~~عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وقد فعل كثير ~~من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل ~~اذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه PageV01P112 ~~رأي ابن تيمية في رسالة القشيري والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة ~~وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي ~~قامت الدلالة على صدقة والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبة والضعيف الذي ~~رواه من لم يعلم صدقة اما لسوء حفظه واما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا ~~فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام ~~الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الأستاذ لم يذكر أن ~~مسلما رواه لكنه رواه باسناد صحيح وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل ~~موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن ~~محمد بن المنكدر عن جابر فهو وان كان أول حديث ذكره في الباب PageV01P113 ~~فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة ~~أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يتعمد ~~الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب ~~وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب ~~السختياني لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال ~~الامام أحمد والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال ms063 أبوحاتم وأبو ~~زرعة منكر الحديث وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد ~~حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال اذا سلا العبد عن ~~الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي باسناده ~~والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشائخ وحكاياتهم ~~وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في ~~الأبواب كتاب مقامات الأولياء و غير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام ~~الثلاثة وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادي يقول من ~~أراد أن يبلغ محل الرضا فيلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا PageV01P114 ~~الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه لا سيما اذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم ~~محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصيحيح الذي في البخاري من عادى ~~لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته الحديث وذلك أن ~~الرضا نوعان نوعا الرضا أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ~~ويتناول ما أباحه الله من غير تعهد إلى المحظور كما قال والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا إلى الله راغبون وهذا الرضا واجب ولهذا ذم ~~من تركه بقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا ~~منها اذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض ~~والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل أنه واجب ~~والصحيح أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن الرضا غريزة ولكن الصبر معول ms064 ~~المؤمن وقد روي في حديث ابن عباس أن النبي صلى PageV01P115 الله عليه وسلم ~~قال ان استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فالفعل فإن لم تستطع فان في الصبر ~~على ما تكره خيرا كثيرا وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه ~~أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال ولا يرضى لعباده ~~الكفروقال والله لا يحب الفساد وقال تعالى فإن ترضوا عنهم فان الله لا يرضى ~~عن القوم الفاسقين وقال تعالى فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذاما عظيما وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ~~فأحبط أعمالهم وقال تعالى وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم ~~خالدين فيها هي حسبهم وقال تعالى لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون وقال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهمفاذا كان ~~الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم ~~فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه ~~PageV01P116 أفهام في الرضا والارادة وانما ضل هنا فريقان من الناس قوم من ~~أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه ~~وغضبه وسخطه يرجع إلى ارادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا ~~للقدرية وقالوا هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~فقالوا لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى ~~لعباده الكفر أي لا يريده لعباده المؤمنين وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم ~~بمنزلة أن يقال لا يحب الايمان ولا يرضى لعباده الايمان أي لا يريده ~~للكافرين ولا يرضاه للكافرين وقد اتفق أهل الاسلام على أن ما أمر الله به ~~فإنه بكون مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب ~~سواء فعل أو لم يفعل والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع والفريق ~~الثاني من غالطي المتصوفة شربوا من ms065 هذه العين فشهدوا أن الله رب الكائنات ~~جميعها وعلموا أنه قدر على كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى ~~يرضوا بكل ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم المحبة ~~نار تحرق من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا والكون كله مراد المحبوب ~~وضل هؤلاء ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الارادة الدينية والكونية والاذن ~~الكوني والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والارسال ~~الكوني والديني كما بسطناه في غير هذا الموضع وهؤلاء يؤول الأمر بهم إلى أن ~~لا يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعداءه والأنبياء والمتقين ~~ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين ~~كالفجار ويجعلون المسلمين PageV01P117 كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا حقيقة ولعمري انه حقيقة كونية لكن ~~هذه الحقية الكونية قد عرفها عباد الأصنام كما قال ولئن سألتهمم من خلق ~~السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون الآيات فالمشركون الذين يعبدون الأصنام ~~كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه ~~كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام والمؤمن انما فارق الكفر بالايمان بالله ~~وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ~~ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه ~~من المصائب لا بما فعله من المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر ~~فهو كما قال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك فيجمع بين طاعة ~~الأمر والصبر على المصائب كما قال تعالى وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا وقال تعالى وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال يوسف انه من ~~يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين PageV01P118 مما روي في الرضا عن ~~الفضيل والجنيد والمقصود هنا أن ما ذكره القشيري عن النصر آبادي من أحسن ~~الكلام حيث قال من أراد أن يبلغ محل الرضا ms066 فليلزم ما جعل الله رضاه فيه ~~وكذلك قول الشيخ أبي سليمان اذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض وذلك أن ~~العبد انما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضلول شهواتها فاذا لم يحصل ~~سخط فاذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من الرزق وكذلك ما ذكره عن ~~الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن ~~الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل ~~وكذلك ما ذكره معلقا قال قال الشبلي بين يدي الجنيد لا حول ولا قوة الا ~~بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فإن هذا ~~من أحسن الكلام وكان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة ومن أحسنهم تعليما ~~وتأديبا وتقويما وذلك أن هذه الكلمة كلمة استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من ~~الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد ~~أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله له اذ كانت حالا ينافي الرضا ولو قالها ~~على الوجه المشروع لم ينكر عليه PageV01P119 مما روي في الرضا عن موسى عليه ~~السلام وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره معلقا قال وقيل قال موسى الهي ~~دلني على عمل اذا عملته رضيت عني فقال انك لا تطيق ذلك فخر موسى ساجدا ~~متضرعا فأوحى الله اليه يا ابن عمران رضائي في رضاك عني فهذه الحكاية ~~الاسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح أن يحكى مثلها عن موسى بن عمران ~~ومعلوم أن هذه الاسرائيليات ليس لها اسناد ولا يقوم بها حجة في شيء من ~~الدين الا اذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن نبينا أنه حدثنا ~~به عن بني اسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى من أعظم أولي ~~العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال أنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى الله به عنه ~~والله تعالى راض عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين ms067 اتبعوهم ~~باحسان أفلايرضى عن موسى بن عمران كليم الرحمن وقال تعالى ان الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ومعلوم أن موسى بن ~~عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ان الله خص موسى ~~بمزية فوق الرضا حيث قال وألقيت عليك محبة مني ولتصنع علي عيني ثم ان قوله ~~له في الخطاب يا ابن عمران مخالف لما ذكره الله من خطابه في القرآن حيث قال ~~يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر ومثل ما ذكر أنه قيل كتب عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري PageV01P120 أما بعد فان ~~الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى والا فاصبر فهذا الكلام كلام حسن ~~وان لم يعلم اسناده واذا تبين أن فيما ذكره مستندا ومرسلا ومعلقا ما هو ~~صحيح وغيره فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان الا مرسلة وبمثل ذلك لا ~~تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس فإنه وان قال بعض الناس ان المرسل حجة ~~فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما اذا عرف ذلك فلا ~~يبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم أنه تارة يحفظ الاسناد وتارة يغلط فيه مما ~~قال أبو سليمان في الرضا والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشائخ وكلامهم ~~مثل كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن صفوة ~~الصفوة لابن الجوزي وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ أبي ~~سليمان ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال قال لأحمد بن أبي الحواري يا ~~أحمد لقد أوتيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنه بذلك راضيا فهذا ~~الكلام مأثور عن أبي سليمان بالاسناد ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه ~~أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ ~~أبي سليمان ثم ان القشيري قرن ms068 هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن ~~منها فإنه قبل أن يرويها قال وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري PageV01P121 ~~عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال لأن الرضا ~~بعد القضاء هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد ثم أسند ~~بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا ~~لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا ما قاله أبو سليمان عزم على الرضا ~~فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وانما هو عزم على الرضا وانما ~~الرضا ما يكون بعد القضاء وان كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما ~~أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم بماذا عرفت ربك ~~قال بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشائخ ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقال ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص وفي الترمذي أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا ~~أي العمل أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد قال تعالى ~~ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا PageV01P122 أخرتنا إلى أجل قريب الآية ~~فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد وأحبوه لما ابتلوا به كرهوه وفروا ~~منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل ~~هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان يقول وليس لي في سواك حظ فكيفما شئت ~~فاختبرني فأخذه العسر من ساعته أي حسر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق ms069 ~~المحب أنه كان يقول وليس لي في سواك حظفكيفما شئت فاختبرني فأخذة العسر من ~~ساعته أي حصر بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول ~~ادعوا لعمكم الكذاب امتحان سمنون وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي بكر ~~الواسطي أنه قال سمنون يا رب قد رضيت بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله أربعة ~~عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية يتلوى يمينا وشمالا فلما أطلق بوله ~~قال رب قد تبت اليك قال أبو نعيم فهذا الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه ~~بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب به المثل وله في المحبة مقام مشهور ~~حتى روي عن إبراهيم بن فاتك أنه قال رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد ~~الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب ~~بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات الطائر وقال رأيته يوما يتكلم في المحبة ~~فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها بعضا PageV01P123 قول رويم والفضيل ~~والأعرابي وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري رفيق سمنون حكاية ~~تناسب هذا حيث قال قال رويم ان الراضي لو جعل جهنم عن يمينه ما سأل الله أن ~~يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ماشئت فامتحني واذا لم يطق الصبر ~~على عسر البول أفيطيق أن تكون النار عن يمينة والفضيل بن عياض كان أعلى ~~طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى قال بحبي لك الا فرجب عني ~~ففرج عنه ورويم وان كان من رفقاء الجنيد فليس هو عندهم من هذه الطبقة بل ~~الصوفية يقولون انه رجع إلى الدنيا وترك التصوف حتى روي عن جعفر الخلدي ~~صاحب الجنيد أنه قال من أراد أن يستكتم سرا فليفعل كما فعل رويم كتم حب ~~الدنيا أربعين سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولي اسماعيل بن إسحاق القاضي ~~قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه اليه وجعله وكيلا على بابه فترك ~~لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقي ms070 وأكل الطيبات وبنى الدور واذا هو كان ~~يكتم حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها هذا مع ~~أنه رحمه الله كان له من العبادات ماهو معروف وكان على مذهب داود وهذه ~~الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله PageV01P124 ~~وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما لصالحبها ~~من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق الطريق وما ~~يقدر عليه من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر والرسل ~~صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن سنتهم ~~وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا ويشبه ~~هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض كالفرخ فقال ~~هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ماكنت معذبني به في الآخرة ~~فاجعله في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فهذا أيضا حمله خوفه من ~~عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا وكان ~~مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل وفضله ~~ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما ~~من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له لما ~~عبر الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا PageV01P125 أبا سليمان لما قال هذه ~~الكلمة لو ألقاني في النار لكنت بذلك رضيا أن يكون بعض الناس حكاه بما فهمه ~~من المعني أنه قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار وتلك ~~الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا تدل على رضاه لذلك ولكن تدل على ~~عزمه بالرضا ms071 بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم لا يستمر بل ينفسخ وأن هذه الكلمة ~~كان تركها أحسن من قولها وأنها مستدركة كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ~~ذلك فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا عظيما فإن تلك الكلمة مضمونها إن من سأل ~~الله الجنة واستعاذ من النار لا يكون راضيا وفرق بين من يقول أنا اذا فعل ~~كذا كنت راضيا وبين من يقول لا يكون راضيا الا من يطلب خيرا ولا يهرب من شر ~~وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ أبا سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام ~~فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء المشائخ وساداتهم ومن اتبعهم للشريعة حتى ~~أنه قال انه ليمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها الا بشاهدين الكتاب ~~والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه الا بشاهدين يقول مثل هذا الكلام وقال الشيخ ~~أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر ~~فأذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من ~~اتبع المشائخ للسنة فكيف أبو سليمان وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام ~~تظهر بالكلام في المقام الثاني وهو قول القائل كائنا من كان الرضا أن لا ~~تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار PageV01P126 ظن بعض الناس أن الجنة ~~التنعم بالمخلوق ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها أصل ما وقع في مثل هذه ~~الكلمات من الاشتباه والاضطراب وذلك أن قوما كثيرا من الناس من المتفقهة ~~والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم بالمخلوق من أكل وشرب ~~ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم يدخلوا في مسمى الجنة ~~نعيما غير ذلك ثم صاروا ضربين بعض المذاهب في رؤية الرب ضرب أنكروا أن يكون ~~المؤمنون يرون ربهم كما ذهب إلى ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومنهم من ~~أقر بالرؤية اما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ~~مذهب أهل السنة والجماعة واما برؤية فسروها بزيادة كشف أو ms072 علم أو جعلها ~~بحاسة سادسة ونحو ذلك من الأقوال التي ذهب اليها ضرار بن عمرو وطوائف من ~~أهل الكلام المنتسبين إلى نصر أهل السنة في مسألة الرؤية وان كان ما ~~يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ونزاعهم مع ~~أهل السنة معنوي ولهذا كان بشر وأمثاله يفسرون الرؤية بنحو من تفسير هؤلاء ~~والمقصور هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤيته ~~ربه قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر PageV01P127 ذلك ~~الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو الوفاء بن ~~عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول أسالك لذة النظر ~~إلى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر الية وذكر أبو ~~المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية فأما النعيم ~~بنفس الرؤية فانكره وجعل هذا من أسرار التوحيد مذهب سلف الأمة في رؤية الرب ~~وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب سلف الأمة ~~وأئمتها ومشائخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا كانت الحياة ~~خيرا لي وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك في الغيب ~~والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى ~~وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد ~~العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك من غير ~~ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة ~~PageV01P128 مهتدين وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال اذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون ms073 اليه فما أعطاهم ~~شيئا أحب اليهم من النظر اليه وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم ~~وهذا متفق عليه بين السلف والأئمة ومشائخ الطريق كما روي عن الحسن البصري ~~أنه قال لو علم العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في ~~الدنيا شوقا اليه وكلامهم في ذلك كثير ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة ~~والمشائخ على التنعم بالنظر إلى الله تعالى تنازعوا في مسألة المحبة التي ~~هي أصل ذلك فذهب طوائف من والفقهاء إلى أن الله لا يحب نفسه وانما المحبة ~~طاعته وعبادته وقالوا هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وانما محبته ارادته ~~للاحسان اليهم وولايتهم ودخل في هذا القول من انتسب إلى نصر السنة من أهل ~~الكلام حتى وقع في طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي بكر ~~والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء PageV01P129 من أنكر ~~صفة المحبة ولذة النظر إلى الله وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم والاعتزال ~~فإن أول من أنكر المحبة في الاسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان ~~فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ~~فإني مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم ~~موسى تكليما ثم نزل فذبحه ما دل عليه الكتاب والسنة في ذلك والذي دل عليه ~~الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق أن الله يحب ~~ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام كأبي القاسم القشيري وأبي ~~حامد الغزالي وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الاحياء وغيره وكذلك أبو ~~القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في كتاب أبي طالب المسمى ب ~~قوت القلوب وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده ~~من كتب الفلاسفة من اثبات نحو ذلك حيث قالوا يعشق ويعشق وقد بسط الكلام على ~~هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى ms074 ~~يحبهم ويحبونه وقال تعالى والذين PageV01P130 آمنوا أشد حبا لله وقال أحب ~~اليكم من الله ورسوله وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان لله ورسوله أحب اليه مما سواهما ~~ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد اذ ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة ~~من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ ~~بنظر اليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم الا التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك ~~وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ومشائخها فهذا أحد ~~الحزبين الغالطين أفهام بعض المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة والضرب الثاني ~~طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة وافقوا هؤلاء على أن الجنة ليست ا ~~لا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق ولكن وافقوا السلف والأئمة على اثبات ~~رؤية الله والتنعم بالنظر اليه وأصابوا في ذلك وجعلوا يطلبون هذا النعيم ~~وتسمو اليه همتهم ويخافون فوته وصار أحدهم يقول ما عبدتك شوقا إلى جنتك ~~أوخوفا من نارك ولكن لأنظر اليك واجلالا لك وأمثال هذه الكلمات مقصودهم ~~بذلك هو أعلى من الأكل والشرب والتمتع بالمخلوق لكن غلطوا في اخراج ذلك من ~~الجنة وقد يغلطون أيضا في ظنهم أنهم يعبدون الله بلا حظ ولا ارادة وأن كل ~~ما يطلب منه فهو حظ النفس وتوهموا أن البشر يعمل بلا ارادة ولا مطلوب ولا ~~محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة الايمان والدين والآخرة PageV01P131 وسبب ذلك ~~أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبة ومعبوده تفنية عن نفسه حتى لا يشعر ~~بنفسه وإرادتها فيظن أنه يفعل لغير مراده والذي طلب وعلق به همته غاية ~~مراده ومطلوبه ومحبوبه وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين وأرباب ~~الأحوال والمقامات يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له عبارة تبين ~~كلامه فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده وان كان من الناس من يقع ~~منه في مراده ms075 واعتقاده فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام اذا عنوا به طلب ~~رؤية الله تعالى أصابوا في ذلك لكن أخطأوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا عن ~~الجنة فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك أمور منكرة نظير ما ذكر عن ~~الشبلي رحمه الله أنه سمع قارئا يقرأ منكم من يريد الدنيا ومنكم من ير يد ~~الآخرة فصرخ وقال أين مريد الله فيحمد منه كونه أراد الله ولكن غلط في ظنه ~~أن الذين أرادوا الأخرة ما أرادوا الله وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذين ما أرادوا الله وهذه الآية فيأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم أفضل الخلق فإن لم يريدوا الله أفيريد الله ~~من هو دونهم كالشبلي وأمثاله ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض المشائخ أنه سأل مرة ~~عن قوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقلتون ويقتلون قال فاذا كانت الأنفس والأموال في ~~ثمن الجنة فالرؤية بم تنال فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال والواجب أن ~~يعلم أن كل ما أعده الله للأولياء من نعيم بالنظر اليه وما سوى ذلك هو في ~~الجنة كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار وقد PageV01P132 قال تعالى ~~فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وفي الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم عليه واذا علم أن ~~جميع ذلك داخل في الجنة فالناس في الجنة على درجات متفاوتة كما قال انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاوكل مطلوب للعبد ~~بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في الجنة طلب الجنة ~~والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وطلب الجنة والاستعاذة من ~~النار طريق أنبياء الله ورسله وجميع أولياءه السابقين المقربين ms076 وأصحاب ~~اليمين كما في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بعض أصحابه كيف تقول ~~في دعائك قال أقول اللهم اني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما اني لا ~~أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولهما ندندن فقد أخبر أنه هو صلى ~~PageV01P133 الله عليه وسلم ومعاذ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في ~~حياة النبي صلى الله عليه وسلم انما يدندنان حول الجنة أفيكون قول أحد فوق ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين ~~والأنصار ولو طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة أهل الجنة نوعان وأهل ~~الجنة نوعان سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين قال تعالى كلا ان كتاب ~~الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان ~~الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من ~~رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا ~~يشرب بها المقربون قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون ~~صرفا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه ~~عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من ~~عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسلية حلت عليه ~~شفاعتي يوم القيامة فقد أخبر أن الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد واحد من ~~عباد الله ورجا أن يكون هو ذ لك العبد هي درجة في الجنة فهل بقي بعد ~~الوسيلة شيء أعلى منها يكون خارجا عن الجنة يصلح للمخلوقين PageV01P134 ~~وثبت في الصحيح أيضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس الذكر ~~قال فيقولون للرب تبارك وتعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قال ~~فيقول وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا ~~قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا يستعيذون ms077 من النار قال فيقول وهل رأوها قال ~~فيقولون لا قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا لو رأوها لكانوا أشد منها ~~استعاذة قال فيقول أشهدكم اني أعطيتهم ما يطلبون وأعذتهم مما يستعيذون أو ~~كما قال قال فيقولون فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم ~~القوم لا يشقى بهم جليسهم فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم ~~الجنة ومهربهم من النار والنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة ~~العقبة وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء ~~المشائخ كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك ~~قال أشترط لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي ~~أن تواسوهم قالوا فاذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا مد يدك ~~فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك وقد قالوا له في أثناء البيعة ان بيننا وبين ~~القوم حبالا وعهودا وانا ناقضوها PageV01P135 فهؤلاء الذين بايعوه من أعظم ~~خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم وأموالهم في رضا الله ورسوله على ~~وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة ~~فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ولكن علموا أن في الجنة كل محبوب ~~ومطلوب بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه فإن الطلب والحب والارادة ~~فرع عن الشعور والاحساس والتصور فما لا يتصوره الانسان ولا يسحه ولا يشعر ~~به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده فالجنة فيها هذا وهذا كما قال تعالى لهم ما ~~يشاءون فيها ولدينا مزيد وقال وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ففيها ما ~~يشتهون وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه كما قال صلى الله ~~عليه وسلم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا باب واسع ~~غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار فاذا عرفت ~~هذه المقدمة فقول القائل الرضا أن لا ms078 تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار ~~ان أراد بذلك أن لا تسأل الله ما هو داخل في مسمى الجنة الشرعية فلا تسأله ~~النطر اليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب جميع الأنبياء والأولياء وأنك لا ~~تستعيذ به من احتجابه عنك ولا من تعذيبك في النار فهذا الكلام مع كونه ~~مخالفا لجميع الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد ~~في صريح العقول وذلك أن الرضا الذي لا يسأل انما لا يسأله لرضاه عن الله ~~PageV01P136 ورضاه عنه انما هو بعد معرفته به ومحبته له واذا لم يبق معه ~~رضا عن الله ولا محبة لله فكأنه قال يرضى أن لا يرضى وهذا جمع بين النقيضين ~~ولا ريب أنه كلام من لم يتصور ما يقول ولا عقله يوضح ذلك أن الراضي انما ~~يحمله على احتمال المكاره والآلام ما يجده من لذة الرضا وحلاوته فاذا فقد ~~تلك الحلاوة واللذة امتنع أن يتحمل ألما ومرارة فكيف يتصور أن يكون راضيا ~~وليس معه من حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة المكاره وإنما هذا من جنس كلام ~~السكران والفاني الذي وجد في نفسه حلاوة الرضا فظن أن هذا يبقى معه على أي ~~حال كان وهذا غلط عظيم منه كغلط سمنون كما تقدم وان أراد بذلك أن لا يسأل ~~التمتع بالمخلوق بل يسأل ما هو أعلى من ذلك فقد غلط من وجهين من جهة أنه لم ~~يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة ومن جهة أنه أيضا أثبت أنه ~~طالب مع كونه راضيا فاذا كان الرضا لا ينافي هذا الطلب فلا ينافي طلبا آخر ~~اذا كان محتاجا إلى مطلوبه ومعلوم أن تمتعه بالنظر لا يتم الا بسلامته من ~~النار وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر وما لا يتم المطلوب الا به فهو ~~مطلوب فيكون طلبه للنظر طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه ~~لا ينافي طلب حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ~~ولا غيرهما مما هو ms079 من لوازم النظر فتبين تناقض قوله وأيضا فاذا لم يسأل ~~الله الجنة ولم يستعذ به من النار فاما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما ~~يحتاج اليه من طلب منفعة ودفع مضرة واما أن لا يطلبه فان طلب ما هو دون ذلك ~~واستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه للجنة أولى واستعاذته من النار أولى وان كان ~~الرضا أن لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا اليه ولا يستعيذ من شيء قط وان كان ~~مضرا PageV01P137 فلا يخلوا اما أن يكون ملتفتا بقلبه إلى الله في أن يفعل ~~به ذلك واما أن يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه إلى الله فهو طالب ~~مستعيذ بحاله ولا فرق بين الطلب بالحال والقال وهو بهما أكمل وأتم فلا يعدل ~~عنه وان كان معرضا عن جميع ذلك فمن المعلوم أنه لا يحيى ويبقى الا بما يقيم ~~حياته ويدفع مضاره بذلك والذي به يحيى من المنافع ودفع المضار اما أن يحبه ~~ويطلبه ويريده من أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن أحبه وطلبه ~~وأراده من غير الله كان مشركا مذموما فضلا عن أن يكون محمودا وان قال لا ~~أحبه وأطلبه وأريده لا من الله ولا من خلقه قيل هذا ممتنع في الحي فإن الحي ~~ممتنع عليه أن لا يحب ما به يبقى وهذا أمر معلوم بالحس ومن كان بهذه ~~المثابة امتنع أن يوصف بالرضا فإن الراضي موصوف بحب وارادة خاصة اذ الرضا ~~مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك كله فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام ~~وأما في سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه أحدهما أن يقال الراضي لا بد أن ~~يفعل ما يرضاه الله والا فكيف يكون راضيا عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله ~~وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ويسخطه ويذمه وينهي عنه وبيان هذا أن الرضا ~~المحمود اما أن يكون الله يحبه ويرضاه واما أن لا يحبه ويرضاه فإن لم يكن ~~يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا ms080 مأمورا به لا أمر ايجاب ولا أمر استحباب فإن ~~من الرضا ما هو كفر كرضا الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم ورضاهم بما ~~يسخطه الله ويكرهه قال تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ~~فأحبط PageV01P138 أعمالهم فمن اتبع ما أسخط الله برضاه وعمله فقط أسخط ~~الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الخطيئة اذا عملت في الأرض كان من ~~غاب عنها ورضيها كمن حضرها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها وقال ~~صلى الله عليه وسلم سيكون بعدي أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن ~~كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع هلك وقال تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فن ~~ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين فرضنا عن القوم الفاسقين ~~ليس مما يحبه الله ويرضاه وهو لا يرضى عنهم وقال تعالى أرضيتم بالحياة ~~الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدينا في الآخرة الا قليل فهذا رضا قد ~~ذمة الله وقال تعال ان الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها فهذا أيضا رضا مذموم وسوى هذا وهذا كثير فمن رضي بكفره وكفر ~~غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصي غيره فليس هو متبعا لرضا الله ولا هو ~~مؤمن بالله بل هو مسخط لربه وربه غضبان عليه لا عن له ذام له متوعد له ~~بالعقاب وطريق الله التي يأمر بها المشائخ المهتدون انما هي الأمر بطاعة ~~الله PageV01P139 والنهي عن معصيته فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي ~~يكرهه الله ويذمه وينهي عنه ويعاقب أصحابه فهو عدو لله لأولى لله وهو يصد ~~عن سبيل الله وطريقه ليس بسالك لطريقه وسبيله واذا كان الرضا الموجوده في ~~بني آدم منه ما يحبه الله ومنه ما يكرهه ويسخطه ومنه ما هومباح لا من هذا ~~ولا من هذا كسائر أعمال القلوب من الحب والبغض وغير ذلك لكها تنقسم إلى ~~محبوب لله ومكروه لله مباح فاذا كان الأمر كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله ~~الجنة ولا يستعيذه من النار ms081 يقال له سؤال الله الجنة واستعاذته من النار ~~اما أن تكون واجبة واما أن تكون مستحبة واما أن تكون مباحة واما أن تكون ~~مكروهة ولا يقول مسلم انها محرمة ولا مكروهة وليست أيضا مباحة مستوية ~~الطريفين ولو قيل انها كذلك ففعل المباح المستوي الطرفين لا ينافي الرضا اذ ~~ليس من شرط الراضي أن لا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور ~~فاذا كان ما يفعله من هذه الأمور لا ينافي رضاه أينافي رضاه دعاء وسؤال هو ~~مباح واذا كان السؤال والدعاء كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم أن الله يرضى ~~بفعل الواجبات والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي من أولياء الله لا يفعل ما ~~يرضاه ويحبه بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله ~~احتجاج القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به ورد أهل السنة على ذلك ~~والقشيري قد ذكره في أوائل باب الرضا فقال اعلم أن الواجب على العبد أن ~~يرضى بقضاء الله الذي أمر بالرضا به اذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو ~~يجب على العبد الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين وهذا الذي قاله قاله ~~قبله وبعده ومعه غير واحد من PageV01P140 العلماء كالقاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وأمثالهما لما احتج عليهم القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به ~~فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها والرضا بما نهى الله ~~عنه لا يجوز فأجابهم أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة أحدها وهو جواب هؤلاء ~~وجماهير الأئمة أن هذا العموم ليس بصحيح فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضى ~~وقدر ولم يجىء في الكتاب والسنة أمر بذلك ولكن علينا أن نرضى بما أمرنا أن ~~نرضى به كطاعة الله ورسوله وهذا هو الذي ذكره أبو القاسم والجواب الثاني ~~أنهم قالوا انا نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله لا بالمقضي الذي هو ~~مفعوله وفي هذا الجواب ضعف قد بيناه في غير هذا الموضع الثالث أنهم قالوا ~~هذه المعاصي لها ms082 وجهان وجه إلى العبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه ووجه إلى ~~الرب من حيث هو خلقها وقضاها وقدرها فيرضى من الوجه الذي يضاف به إلى الله ~~ولا يرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد اذ كونها شرا وقبيحة ومحرما ~~وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك انما هو من جهة كونها مضافة إلى العبد وهذا ~~مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ما قد ذكرنا منه ما قد ذكرناه في غير هذا ~~الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن هذا متعلق بمسائل الصفات PageV01P141 ~~والقدر وهي من أعظم مطالب الدين وأشرف علوم الأولين والآخرين وأدقها على ~~عقول أكثر العالمين والمقصود هنا أن مشائخ الصوفية والعلماء وغيرهم قد ~~بينوا أن من الرضا ما يكون جائزا ومنه ما لا يكون جائزا فضلا عن كونه ~~مستحبا أو من صفات المقربين وأن أبا القاسم ذكر في الرسالة أيضا فن قيل هذا ~~الذي ذكرتموه أمر بين واضح فمن أين غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ~~ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا من كان قيل ~~غلطوا في ذلك لأنهم رأوا أن الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الأمر فالعبد اذا ~~كان في حال من الأحوال فمن رضاه أن لا يطلب غير تلك الحال ثم انهم رأوا أن ~~أقصى المطالب الجنة وأقصى المكاره النار فقالوا ينبغي أن لا يطلب شيئا ولو ~~أنه الجنة ولا يكره ما يناله ولو أنه النار وهذا وجه غلطهم ودخل عليهم ~~الضلال من وجهين أحدهما ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه ~~وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال ~~يكون فيها للعبد طريقا إلى الله فضلوا ضلالا مبينا والطريق إلى الله انما ~~هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه ~~هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا أحبه بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على ~~أعيان أفعال موجودة ms083 لا يحصيها الا هو وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب ~~وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من ~~يعادي فاذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه وكان كل ذم نال ~~من رضي ما أسخط الله قد نالك PageV01P142 فتدبر هذا فإنه ينبه على أصل عظيم ~~ضل فيه من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم الا الله ~~الوجه الثاني أنهم لا يفرقون بين الدعاء الذي أمروا به أمر ايحاب وأمر ~~استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء ~~العبد لربه ومسألته اياه ثلاثة أنواع أنواع دعاء العبد لربه نوع أمر العبد ~~به اما أمر ايجاب واما أمر استحباب مثل قوله اهدنا الصراط المستقيم ومثل ~~دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به ~~أصحابه فقال اذا قعد أحدكم في الصلاة فليستعذ بالله من أربع من عذاب جهنم ~~وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال فهذا دعاء أمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا به في آخر صلاتهم وقد اتفقت الأمة على ~~أنه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس وطائفة ~~هذا مستحب والأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بها لا تخرج عن ~~أن تكون واجبة أو مستحبة وكل واحد من الواجب والمستحب يحبه الله ويرضاه ومن ~~فعله رضي الله عنه وأرضاه فهل يكون من الرضا ترك ما يحبه ويرضاه و نوع من ~~الدعاء ينهى عنه كالاعتداء مثل أن يسأل الرجل ما لا يصلح من خصائص الأنبياء ~~وليس هو بنبي وربما هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى مثل أن يسأل لنفسه ~~الوسيلة التي PageV01P143 لا تصلح الا لعبد من عباده أو يسأل الله تعالى أن ~~يجعله بكل شيء عليما أو على كل شيء قدير وأن يرفغ عنه كل حجاب يمنعه من ~~مطالعة الغيوب وأمثال ذلك أو مثل من يدعوه ظانا أنه ms084 محتاج إلى عباده وأنهم ~~يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل ويذكر أنه اذا لم يفعله حصل له من ~~الخلق ضير وهذا ونحوه جهل بالله واعتداء في الدعاء وان وقع في ذلك طائفة من ~~الشيوخ ومثل أن يقولوا اللهم اغفر لي ان شئت فيظن أن الله قد يفعل الشيء ~~مكرها وقد يفعل مختارا كالملوك فيقول اغفر لي ان شئت وقد نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك وقال لايقل أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ~~ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له ومثل أن يقصد السجع في ~~الدعاء ويتشهق ويتشدق وأمثال ذلك فهذه الأدعية ونحوها منهي عنها ومن الدعاء ~~ما هو مباح كطلب الفضول التي لا معصية فيها آراء في الرضا والمقصود أن ~~الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحق فالدعاء الذي ~~هو واجب أو مستحب لا يكون تركه من الرضا كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون ~~من الرضا المشروع ولا فعل المحرمات من المشروع فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ~~ظنهم أن الرضا PageV01P144 مشروع بكل مقدور ومن جهة أنهم لم يميزوا بين ~~الدعاء المشروع ايجابا واستحبابا والدعاء غير المشروع وقد علم بالاضطرار من ~~دين الاسلام أن طلب الجنة من الله والاستعاذة به من النار هو من أعظم ~~الأدعية المشروعة لجميع المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وأن ذلك لا يخرج عن كونه واجبا أو مستحبا وطريق أولياء الله التي يسلكونها ~~لا تخرج عن فعل واجبات ومستحبات اذ ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا ~~منفعة فيه في الدين ثم انه لما أوقع هؤلاء في هذا الغلط أنهم وجدوا كثيرا ~~من الناس لا يسألون الله جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة ~~من النار من جهة كون ذلك عبادة وطاعة وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك ~~فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره النفس وتريده وأن لايكون لأحدهم ارادة ~~أصلا بل يكون مطلوبه ms085 الجريان تحت القدر كائنا من كان وهذا هو الذي أدخل ~~كثيرا منهم في الرهبانية والخروج عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب ~~واللباس والنكاح ما يحتاجون اليه وما لا تتم مصلحة دينهم الا به فإنهم رأوا ~~العامة تعد هذه الأمور بحكم الطبع والهوى والعاده ومعلوم أن الأفعال التي ~~على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا طاعة ولا قربة فرأى أولئك الطريق إلى الله ~~ترك هذه العبادات والأفعال الطبعيات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة ~~والصمت وغير ذلك مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك ~~واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ومحرمات وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ~~ولا طريق إلى الله طريق المفرطين الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج اليها ~~على غير وجه العبادة والتقرب إلى الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه ~~الأفعال بل المشروع أن تفعل بنية التقرب إلى الله وأن يشكر الله قال الله ~~تعالى كلوا من PageV01P145 الطيبات واعملوا صالحا وقال تعالى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم واشكروا لله فأمر بالأكل والشرب فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ~~ومن لم يأكل ولم يشكر كان مذموما وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ان الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة ~~فيحمده عليها وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي ~~بها وجه الله الا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك وفي ~~الصحيح أيضا أنه قال نفقة المؤمن على أهله يحتسبها صدقة فكذلك الأدعية هنا ~~من الناس من يسأل الله جلب المنفعة له ودفع المضرة عنه طبعا وعادة لا شرعا ~~وعبادة فليس من المشروع أن ادع الدعاء مطلقا لتقصير هذا وتفريطه بل أفعله ~~أنا شرعا وعبادة ثم اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة انما يسعى في مصلحة ~~نفسه وطلب حظوظه المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته بخلاف الذي يفعله ~~طبعا فإنه انما يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعال فمن الناس من ~~PageV01P146 يقول ربنا ms086 آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من ~~يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار ~~انما يطلب حسنة الآخرة فهو محمود ومما يبين الأمر في ذلك أن يرد قول هؤلاء ~~بأن العبد لا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا ~~يحج ولا يجاهد ولا يفعل شيئا من القربات فإن ذلك انما فائدته حصول الثواب ~~ودفع العقاب الذي هو النار فلا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا ويقول أنا راض ~~بكل ما يفعله بي وان كفرت وفسقت وعصيت بل يقول أنا أكفر وأفسق وأعصي حتى ~~يعاقبني وأرضى بعقابه فأنال درجة الرضا بقضائه وهذا قول من هو من أجهل ~~الخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم أما جهلة وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر ~~لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وأما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله ~~الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت ~~كثيرا من أهل الارادة من المتصوفة في أن تركوا من المأمور وفعلوا من ~~المحظور ما صاروا به اما ناقصين محرومين واما عاصين فاسقين واما كافرين وقد ~~رأيت من ذلك ألوانا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وهؤلاء ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية طرفا نقيض هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن ~~الأمر وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن PageV01P147 القدر والطائفتان تظن ~~أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر كما أن طائفة تجعل ذلك مخالفا للحكمة والعدل ~~وهذه الأصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية والقدرية المشركية والقدرية ~~الابليسية وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا الموضع وأصل ما يبتلى به ~~السالكون أهل الارادة العامة في هذا الزمان هي القدرية المشركية فيشهدون ~~القدر ويعرضون عن الأمر كما قال فيهم بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري وعند ~~المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وانما المشروع العكس وهو أن يكون ~~عند الطاعة يستعين ms087 الله عليها قبل الفعل ويشكره عليها بعد الفعل ويجتهد أن ~~لا يعصي فاذا أذنب وعصى بادر إلى التوبة والاستغفار كما في حديث سيد ~~الاستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وكا في الحديث الصحيح الالهي يا ~~عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكما ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد ~~الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ومن هذا الباب دخل قوم من أهل ~~الادارة في ترك الدعاء وآخرون جعلوا التوكل والمحبة من مقامات العامة ~~وأمثال هذه الأغاليط التي تكلمنا عليها في غير هذا الموضع وبينا الفرق بين ~~الصواب والخطأ في ذلك ولهذا يوجد في كلام هؤلاء المشايخ الوصية باتباع ~~العلم والشريعة حتى قال سهل بن عبد الله التستري كل وجد لا يشهد له الكتاب ~~والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد علمنا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم ~~يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم في علمنا والله أعلم PageV01P148 # | الفصل الثامن الهم والعزم # سؤال ما تقوم السادة العلماء في من عزم على فعل محرم كالزنا والسرقة وشرب ~~الخمر عزما جازما فعجز عن فعله اما بموت أو غيره هل يأثم بمجرد العزم أم لا ~~وان قلتم يأثم فما جواب من يحتج على عدم الاثم بقوله اذا هم عبدي بسيئة ولم ~~يعملها لم تكتب عليه وبقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ~~تعمل أو تتكلم واحتج به من وجهين أحدهما أنه أخبر بالعفو عن حديث النفس ~~والعزم داخل في العموم والعزم والهم واحد قاله ابن سيده PageV01P149 الثاني ~~أنه جعل التجاوز ممتدا إلى أن يوجد كلام أو عمل وما قبل ذلك داخل في حد ~~التجاوز ويزعم أن لا دلالة في قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار لأن الموجب لدخول المقتول في ~~النار مواجهته أخيه لأنه عمل لا مجرد قصد وأن لا دلالة في قوله صلى الله ~~عليه وسلم في الذي قال لو أن لي مالا لفعلت وفعلت انهما في ms088 الاثم سواء وفي ~~الأجر سواء لأنه تكلم والنبي صلى الله عليه وسلم قال ما لم تعمل به أو ~~تتكلم وهذا قد تكلم وقد وقع في هذه المسألة كلام كثير واحتيج إلى بيانها ~~مطولا مكشوفا مستوفى الاجابة فأجاب شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه ~~ونور ضريحه الحمد لله هذه المسأله ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى ~~حسن التصور لها فإن اضراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين سببا ~~الاضطراب أحدهما عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها التي هي مورد الكلام ~~PageV01P150 والثاني عدم اعطاء الأدلة الشرعية حقها ولهذا كثر اضطرات كثير ~~من الناس في هذا الباب حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون اجماعات ~~متناقضة في الظاهر تفاوت الأفعال والصفات فينبغي أن يعلم أن كل واحد من ~~صفات الحي التي هي العلم والقدرة والارادة ونحوها له من المراتب ما بين ~~أوله وآخره ما لا يضبطه العباد كالشك ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ومراتبه ~~وكذلك الهم والارادة والعزم وغير ذلك ولهذا كان الصواب عند جماهير أهل ~~السنة وهو ظاهر مذهب أحمد وهو أصح الروايتين عنه وقول أكثير أصحابه ان ~~العلم والعقل ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان بل وكذلك الصفات التي تقوم ~~بغير الحي كالألوان والطعوم والأرواح الارادة الجازمة وحكمها فنقول أولا ~~الارادة الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها اذا كانت القدرة حاصلة فإنه ~~متى وجدت الارادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود ~~المقتضى السالم عن المعارض المقاوم ومتى وجدت الارادة والقدرة التامة ولم ~~يقع الفعل لم تكن الارادة جازمة وهو ارادات الخلق لما يقدرون عليه من ~~الأفعال ولم يفعلوه وان كانت هذه الارادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتا ~~كثيرا لكن حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الارادة ~~جازمة جزما تاما وهذه المسألة انما كثر فيها النزاع لأنهم قدروا ارادة ~~جازمة للفعل لا يقترن بها شيء من الفعل وهذا لا يكون وانما يكون ذلك في ~~العزم على أن يفعل فقد يعزم على الفعل ms089 في المستقبل من لا يفعل منه شيئا في ~~الحال والعزم على أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل بل ~~PageV01P151 لا بد عند وجود من حدوث تمام الارادة المستلزمة للفعل وهذه هي ~~الارادة الجازمة والارادة الجازمة اذا فعل معها الانسان ما يقدر عليه كان ~~في الشرع بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام ~~الذي فعل جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته ~~مثل المشتركين والمتعاونين على أفعال البر ومنها ما يتولد عن فعل الانسان ~~كالداعي إلى هدى أو ضلالة والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليى وسلم أنه قال من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص أوزارهم شيء وثبت عنه في الصححين ~~أنه قال من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء PageV01P152 ارادة الداعي إلى الهدى والضلال ~~فالداعي إلى الهدى والى الضلالة هو طالب مريد كامل الطلب والارادة لما دعا ~~اليه لكن قدرته بالدعاء والأمر وقدرة الفاعل بالاتباع والقبول ولهذا قرن ~~الله تعالى في كتابه بين الأفعال المباشرة والمتولدة فقال ذلك بأنهم لا ~~يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فذكر في الآية الأولى ما يحدث عن ~~أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة وهو ما يصيبهم من العطش والجوع والتعب وما ~~يحصل للكفار بهم من الغيط وما ينالونه من العدو وقال كتب لهم به عمل صالح ~~فأخبر أن هذه الأمور التي تحدث ms090 وتتولد من فعلهم وفعل آخر منفصل عنهم يكتب ~~لهم بها عمل صالح وذكر في الآية الثانية نفس أعمالهم المباشرة التي باشروها ~~بأنفسهم وهي الانفاق وقطع المسافة فلهذا قال فيها الا كتب لهم فإن هذه ~~نفسها عمل صالح وارادتهم في الموضعين جازمة على مطلوبهم الذي هو أن يكون ~~الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فما حدث مع هذه الارادة ~~الجازمة من الأمور التي تعين فيها قدرتهم بعض الاعانة هي لهم عمل صالح ~~وكذلك الداعي إلى الهدى والضلالة لما كانت ارادتهم جازمة كاملة PageV01P153 ~~في هدى الأتباع وضلالهم وأتى من الاعانة على ذلك بما يقدر عليه كان بمنزلة ~~العامل الكامل فله من الجزاء مثل جزاء كل من اتبعه للهادي مثل أجور ~~المهتدين وللمضل مثل أوزار الضالين وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة فان ~~السنة هي مارسم للتحري فإن السان كامل الارادة لكل ما يفعل من ذلك وفعله ~~بحسب قدرته ومن هذا قوله في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من ~~دمها لأنه أول من سن القتل فالكفل النصيب مثل نصيب القاتل كما فسره الحديث ~~الآخر وهو كما استباح جنس قتل المعصوم لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة ~~فصار شريكا في قتل كل نفس ومنه قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني ~~اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ويشبه هذا أنه من كذب رسولا معينا ~~كتكذيب جنس الرسل كما قيل فيه كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين ~~ونحو ذلك ومن هذا الباب قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~PageV01P154 سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء انهم ~~لكاذبون وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون فأخبر أن أمة الضلال لا يحملون من خطايا الأتباع شيئا ms091 وأخبر أنهم ~~يحملون أثقالهم وهي أوزار الأتباع من غير أن ينقص من أوزار الأتباع شيء لأن ~~ارادتهم كانت جازمة بذلك وفعلوا مقدورهم فصار لهم جزاء كل عامل لأن الجزاء ~~على العمل يستحق مع الارادة الجازمة وفعل المقدور منه وهو كما ثبت في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ~~إلى هرقل فإن توليت فإن عليك اثم الأريسيين فأخبر أن هرقل لما كان امامهم ~~المتبوع في دينهم أن عليه اثم الأربسيين وهم الأتباع وان كان قد قيل ان أصل ~~هذه الكلمة من الفلاحين والأكرة كلفظ الطاء بالتركي فإن هذه الكلمة تقلب ~~إلى ما هو أعم من ذلك ومعلوم أنه اذا تولى عن أتباع الرسول كان عليه مثل ~~آثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء كما دل عليه سائر نصوص الكتاب والسنة ~~ومن هذا قوله تعالى الهكم اله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون انه لا يحب ~~المستكبرين واذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم PageV01P155 ~~فقوله ومن أوزار الذين يضلونهم هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع وهي حاصلة ~~من جهة الآمر ومن جهة المأمور المتثل فالقدرتان مشتركتان في حصول ذلك ~~الضلال فلهذا كان على هذا بعضه وعلى هذا بعضه الا أن كل بعض من هذين ~~البعضين هو مثل وزر عامل كامل كما دلت عليه سائر النصوص مثل قوله من دعا ~~إلى الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن هذا الباب ~~قوله تعالى قال ادخلوا في أمم قد قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف العذاب كما ms092 أخبر عنهم ~~بذلك في قوله تعالى وقالوا ربنا انا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وأخبر سبحانه أن لكل من ~~المتبعين والأتباع تضعيفا من العذاب ولكن لا يعلم الأتباع التضعيف ولهذا ~~وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى وعظيم الذم واللعنة لأئمة الضلال حتى ~~روي في أثر لا يحضرني اسناده انه ما من عذاب في النار الا يبدأ فيه بابليس ~~ثم يصعد بعد ذلك إلى غيره وما من نعيم في الجنة الا يبدأ فيه بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم ينتقل إلى غيره فإنه PageV01P156 هو الامام المطلق في ~~الهدى لأول بني آدم وآخرهم كما قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر آدم ومن دونه ~~تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وهو شفيع الأولين والآخرين في الحساب بينهم ~~وهو أول من يستفتح باب الجنة وذلك أن جميع الخلائق أخذ الله عليهم ميثاق ~~الايمان به كما أخذ على كل نبي أن يؤمن بمن قبله من الأنبياء ويصدق بمن ~~بعده قال تعالى واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه الآية فافتتح الكلام باللام ~~الموطئة للقسم التي يؤتى بها اذا اشتمل الكلام على قسم وشرط وأدخل اللام ~~على ما الشرطية ليبين العموم ويكون المعنى مهما آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم ~~اذا جاءكم ذلك النبي المصدق الايمان به ونصره كما قال ابن عباس ما بعث الله ~~نبيا الا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه والله ~~تعالى قد نوه بذكره وأعلنه في الملأ الأعلى ما بين خلق جسد آدم ونفخ الروح ~~فيه كما في حديث ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا وفي رواية ~~متى كتبت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد رواه أحمد وكذلك في حديث العرباض ~~بن سارية PageV01P157 الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال اني عند الله الخاتم النبيين وان ms093 آدم لمنجدل في طينته الحديث ~~فكتب الله وقدر في ذلك الوقت وفي تلك الحال أمر امام الذرية كما كتب وقدر ~~حال المولود من ذرية آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه كما ثبت ذ لك في ~~الصحيحين من حديث ابن مسعود فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك ~~وان كان ثواب من آمن به وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت ~~الا بالايمان المجمل على أنه امام مطلق لجميع الذرية وأن له نصيبا من ايمان ~~كل مؤمن من الأولين والآخرين كما أن كل ضلال وغواية في الجن والانس لابليس ~~منه نصيب فهذا يحقق الأثر المروي ويؤيد ما في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن ~~الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا اما من مراسيل الزهري واما من ~~مراسيل من فوقه من التابعين قال بعثت داعيا وليس الي من الهداية شيء وبعث ~~ابليس مزينا ومغويا وليس اليه من الضلالة شيء ومما يدخل في هذا الباب من ~~بعض الوجوه قوله في الحديث الذي في PageV01P158 السنن وزنت بالأمة فرجحت ثم ~~وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة فرجح ثم رفع الميزان فأما كون ~~النبي صلى الله عليه وسلم راجحا بالأمة فظاهر لأن له مثل أجر جميع الأمة ~~مضافا إلى أجره وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما معاونة مع الارادة الجازمة في ~~ايمان الأمة كلها وأبو بكر كان في ذلك سابقا لعمر وأقوى ارادة منه فإنهما ~~هما اللذان كانا يعاونان النبي صلى الله عليه وسلم على ايمان الأمة في دقيق ~~الأمور وجليلها في محياه وبعد وفاته ولهذا سأل أبو سفيان يوم أحد أفي القوم ~~محمد أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن الخطاب فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تجيبوه فقال أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال ~~كذبت يا عدو الله ان الذي ذكرت لأحياء وقد بقي لك ما يسوءك رواه البخاري ~~ومسلم حديث البراء بن عازب فأبو سفيان رأس ms094 الكفر حينئذ لم يسأل الا عن ~~هؤلاء الثلاثة لأنهم قادة المؤمنين كما ثبت في الصحيحين أن علي بن أبي طالب ~~لما وضعت جنازة عمر قال والله ما على وجه الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله ~~من هذا المسجى والله اني لأرجو أن يحشرك الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت ~~أسمع PageV01P159 النبي صلى الله عليه وسلم يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر ~~وخرجت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر وأمثال هذه النصوص كثيرة ~~تبين سبب استحقاقهما ان كان لهما مثل أعمال جميع الأمة لوجود الارادة ~~الجازمة مع التمكن من القدرة على ذلك كله بخلاف من أعان على بعض ذلك دون ~~بعض ووجدت منه ارادة في بعض ذلك دون بعض وأيضا فالمريد ارادة جازمة مع فعل ~~المقدور هو بمنزلة العامل الكامل وان لم يكن اماما وداعيا كما قال سبحانه ~~لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ~~وكلا وعد الله الحسني وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات ~~منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما الارادة الجازمة مع العجز عن الفعل ~~فالله تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز ولم ينف ~~المساواة بين المجاهد وبين القاعد العاجز بل يقال دليل الخطاب يقتضي ~~مساواته اياه ولفظ الآية صريح استثنى أولو الضرر من نفي المساواة ~~فالأستثناء هنا هو من النفي وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون القاعدين ~~وان لم يساووهم في الجميع ويوافقه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في غزوة تبوك ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا ~~كانوا معكم قالوا وهم بالمدينة قال وهم PageV01P160 بالمدينة حبسهم العذر ~~فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه الا العذر هو مثل من معهم في هذه ~~الغزوة ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد منهم ثواب غاز على قدر ~~نيته فكذلك القاعدون الذين لم ms095 يحبسهم الا العذر ومن هذا الباب ما ثبت في ~~الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا مرض العبد ~~أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم فإنه اذا كان يعمل في الصحة ~~والاقامة عملا ثم لم يتركه الا لمرض أو سفر ثبت أنه انما ترك لوجود العجز ~~والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الارادة الجازمة التي لم يتخلف ~~عنها الفعل الا لضعف القدرة ما للعامل والمسافر وان كان قادرا مع مشقة كذلك ~~بعض المرض الا أن القدرة الشرعية هي التي يحصل بها الفعل من غير مضرة راجحة ~~كما في قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا وقوله فمن ~~لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ونحو ذلك ليس المعتبر في الشرع القدرة التي ~~يمكن وجود PageV01P161 الفعل بها على أي وجه كان بل لا بد أن تكون المكنة ~~خالية عن مضرة راجحة بل أو مكافية ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وقوله من ~~فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء فإن الغزو يحتاج إلى ~~جهاد بالنفس وجهاد بالمال فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الارادة ~~الجازمة في كل منهما كان كل منهما مجاهدا بارادته الجازمة ومبلغ قدرته ~~وكذلك لا بد للغازي من خليفة في الأهل فاذا خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز ~~وكذلك الصيام لا بد فيه من امساك ولا بد فيه من العشاء الذي به يتم الصوم ~~والا فالصائم الذي لا يستطيع العشاء لا يتمكن من الصوم وكذلك قوله في ~~الحديث الصحيح اذا أنفقت المرأة من مال زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما ~~أنفقت ولزوجها مثل ذلك لا ينقص بعبضهم من أجور بعض شيئا وكذلك قوله في حديث ~~أبي موسى PageV01P162 الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة ~~به ms096 نفسه أحد المتصدقين أخرجاه وذلك أن اعطاء الخازن الأمين الذي يعطي ما ~~أمر به موفرا طيبة به نفسه لا يكون الا مع الارادة الجازمة الموافقة لارادة ~~الآمر وقد فعل مقدوره وهو الامتثال فكان أحد المصتدقين ومن هذا الباب حديث ~~أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال انما الدنيا لأربعة رجل آتاه الله علما ومالا فهو يعمل فيه بطاعة الله ~~فقال رجل لو أن لي مثل فلان لعملت بعمله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهما في الأجر سواء وقد رواه الترمذي مطولا وقال حديث حسن صحيح فهذا ~~التساوي مع الأجر والوزر هو في حكاية حال من قال ذلك وكان صادقا فيه وعلم ~~الله منه ارادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل الا لفوات القدرة فلهذا استويا ~~في الثواب والعقاب وليس هذه الحال تحصل لكل من قال لو أن لي ما لفلان لفعلت ~~مثل ما يفعل الا اذا كانت ارادته جازمة يجب وجود الفعل معها اذا كانت ~~القدرة حاصلة والا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لا ~~نفسخت عزيمته كعامة الخلق يعاهدون وينقضون PageV01P163 وليس كل من عزم على ~~شيء عزما جازما قبل القدرة عليه وعدم الصوارف عن الفعل تبقى تلك الارادة ~~عند القدرة المقارنة للصوارف كما قال تعالى ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ~~أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وكما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون وحديث أبي كبشة ~~في النيات مثل حديث البطاقة في الكلمات وهو الحديث الذي رواه الترمذي وغيره ~~عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ينشر الله له يوم القيامة تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مدى ~~البصر ويقال له هل تنكر من هذا شيئا ms097 هل ظلمتك فيقول لا يا رب فيقال له لا ~~ظلم عليك اليوم فيؤتى ببطاقة فيها التوحيد فتوضع في كفة والسجلات في كفة ~~فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والاخلاص ~~والصفاء وحسن النية اذ الكلمات والعبادات وان اشتركت في الصورة الظاهرة ~~فإنها تتفاوت بحسب أحوال القلوب تفاوتا عظيما ومثل هذا الحديث في حديث ~~المرأة البغي التي سقت كلبا PageV01P164 فغف الله لها فهذا لما حصل في ~~قلبها من حسن النية والرحمة اذ ذاك ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ان العبد ~~ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها ~~رضوانه إلى يوم القيامة وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن ~~تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة العبد بين الهم والعمل ~~وأمثله لذلك وبهذا تبين أن الأحاديث التي بها التفريق بين الهام والعامل ~~وأمثالها انما هي فيما دون الارادة الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل ~~كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال أن الله كتب الحسنات والسيئات ~~ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها ~~وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله له ~~حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة وفي الصحيحين ~~نحوه من حديث أبي هريرة PageV01P165 فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل ~~لهذا قال فعملها فلم يعملها ومن أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن ارادته جازمة ~~فإن الارادة الجازمة مع القدرة مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود ~~الفعل وموجب له اذ لو توقف على شيء آخر لم تكن الارادة الجازمة مع القدرة ~~تامة كافية في وجود الفعل ومن المعلوم والمحسوس أن الأمر بخلاف ذلك ولا ريب ~~أن الهم والعزم والارادة ms098 ونحو ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل الا ~~للعجز وقد لا يكون هذا على هذا الوجه من الجزم فهذا القسم الثاني يفرق فيه ~~بين المريد والفاعل بل يفرق بين ارادة وارادة اذ الارادة هي عمل القلب الذي ~~هو ملك الجسد كما قال أبو هريرة القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك ~~طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت جنوده وتحقيق ذلك ما في الصحيحين من حديث ~~النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم ان في الجسد مضغة اذا صلحت ~~صلح لها سائر الجسد واذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فاذا هم ~~بحسنة فلم يعملها كان قد أتى بحسنة وهي الهم بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة ~~فإن ذلك طاعة وخير وكذلك هو في عرف الناس كما قيل لأشكرن لك معروفا هممت به ~~ان اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك ان لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم ~~مصروف فإن عملها كتبها الله له عشر حسنات لما مضى من رحمته أن من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف كما قال تعالى مثل PageV01P166 ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن جاء ~~بناقة لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة إلى أضعاف كثيرة وقد ~~روي عن أبي هريرة مرفوعا انه يعطى به ألف ألف حسنة وأما الهام بالسيئة الذي ~~لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث ~~الصحيح وسواء سمي همه ارادة أو عزما أو لم يسم متى كان قادرا على الفعل وهم ~~به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست ارادته جازمة وهذا موافق لقوله في ~~الحديث الصحيح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز ~~لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به فإن ما هم به العبد من ~~الأمور التي ms099 يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها ولم يعملها لم تكن ~~ارادته لها جازمة فتلك مما لم يكتبها الله عليه كما شهد به قوله من هم ~~بسيئة فلم يعملها ومن حكى الاجماع كابن عبد البر وغيره في هذه المسألة على ~~هذا الحديث فهو صحيح بهذا الاعتبار وهذا الهام بالسيئة فاما أن يرتكها ~~لخشية الله وخوفه أو يتركها لغير PageV01P167 ذلك فإن تركها لخشية الله ~~كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به في الحديث وكما قد جاء في ~~الحديث الآخر اكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي أو قال من جرائي وأما ان ~~تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة كما جاء في الحديث الآخر فإن لم يعملها ~~لم تكتب عليه وبهذا تتفق معاني الأحاديث وان عملها لم تكتب عليه الا سيئة ~~واحدة فإن الله تعالى لا يضعف السيئات بغير عمل صاحبها ولا يجزي الانسان في ~~الآخرة الا بما عملت نفسه ولا تمتلىء جهنم الا من أتباع ابليس من ا لجنة ~~والناس كما قال تعالى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ولهذا ثبت في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وأنس أن الجنة يبقى فيها فضل فينشىء الله لها ~~أقواما في الآخرة وأما النار فإنه ينزوي بعضها إلى بعض حتى يضع عليها قدمه ~~فتمتلىء بمن دخلها من أتباع ابليس ولهذا كان الصحيح المنصوص عن أئمة العدل ~~كأحمد وغيره الوقف في أولاد المشركين وأنه لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار ~~بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديثين الصحيحين حديث ~~أبي هريرة وابن عباس الله أعلم بما كانوا عاملين فحديث PageV01P168 أبي ~~هريرة في الصحيحين وحديث ابن عباس في البخاري وفي حديث سمرة بن جندب الذي ~~رواه البخاري أن منهم من يدخل الجنة وثبت أن منهم من يدخل النار كما في ~~صحيح مسلم في قصة الغلام الذي قتله الخضر وهذا يحقق ما روي من وجوه أنهم ~~يمتحنون يوم القيامة فيظهر على علم الله فيهم فيجزيهم ms100 حينئذ على الطاعة ~~والمعصية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث واختاره وأما ~~أئمة الضلال الذين عليهم أوزار من أضلوه ونحوهم فقد بينا أنهم انما عوقبوا ~~لوجود الارادة الجازمة مع التمكن من الفعل بقوله في حديث أبي كبشة فهما في ~~الوزر سواء وقوله من دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه ~~فاذا وجدت الارادة الجازمة والتمكن من الفعل صاروا بمنزلة الفاعل التام ~~والهام بالسيئة التي لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه ارادة جازمة ~~وفاعل السيئة التي تمضي لا يجزي بها الا سيئة واحدة كما شهد به النص وبهذا ~~يظهر قول الأئمة حيث قال الامام أحمد الهم همان هم خطرات وهم اصرار فهم ~~الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه اصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل ~~ومن هذا الباب هم يوسف حيث قال تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه الآية وأما هم المرأة التي راودته فقد قيل انه كان هم اصرار ~~لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن PageV01P169 المنافقين في قوله تعالى ~~وهموا بما لم ينالوافهذا الهم المذكور عنهم هم مذموم كما ذمهم الله عليه ~~ومثله يذم وان لم يكن جازما كما سنبينه في آخر الجواب من الفرق بين ما ~~ينافي الايمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على السيئات الجازم بارادة ~~فعلها اذا لم يمنعه الا مجرد العجز فهذا يعاقب على ذلك عقوبة الفاعل لحديث ~~أبي كبشة ولما في الحديث الصحيح اذا التفى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال انه كان حريصا على ~~قتل صاحبه وفي لفظ انه أراد قتل صاحبه فهذه الارادة هي الحرص وهي الارادة ~~الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو القتال لكن عجز عن القتل وليس هذا من ~~الهم الذي لا يكتب ولا يقال انه استحق ذلك بمجرد قوله لو أن لي ما لفلان ~~لعملت مثل ما عمل فإن تمني الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد ms101 التكلم ~~بل لا بد من أمر آخر وهو لم يذكر أنه يعاقب على كلامه وانما ذكر أنهما في ~~الوزر سواء وعلى هذا فقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ~~تكلم به أو تعمل لا ينافي العقوبة على الارادة الجازمة التي لا بد أن يقترن ~~بها الفعل فان الارادة الجازمة هي التي يقترن بها المقدور من الفعل والا ~~فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة فالمريد الزنا والسرقة ~~وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت ارادته جازمة عازمة فلا بد أن يقترن ~~بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه إلى جهة PageV01P170 المعصية مثل ~~تقرب السارق إلى مكان المال المسروق ومثل نظر الزاني واستماعه إلى المزني ~~به وتكلمه معه ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا بد مع الارادة ~~الجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل توجد بدون الارادة ~~الجازمة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ~~العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق واليد تزني وزناها ~~البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه وكذلك حديث أبي بكرة المتفق عليه اذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ~~قال انه أراد قتل صاحبه وفي رواية في الصحيحين انه كان حريصا على قتل صاحبه ~~فانه أراد ذلك ارادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها من قتل صاحبه العجز ~~وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فاستحق حينئذ النار كما قدمنا ~~من أن الارادة الجازمة التي أتى معها بالممكن يجري صاحبها مجرى الفاعل ~~التام والارادة التامة قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتي معها بالمقدور أو بعضه ~~وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة فيما فعل دون ما ترك ~~مع القدرة مثل الذي يأتي بمقدمات الزنا من اللمس والنظر والقبلة ويمتنع عن ~~الفاحشة الكبرى لهذا قال ms102 في حديث PageV01P171 أبي هريرة الصحيح العين تزني ~~والأذن تزني واللسان يزني إلى أن قال والقلب يتمنى ويشتهي أي يتمنى الوطء ~~ويشتهيه ولم يقل يريد ومجرد الشهوة والتمني ليس ارادة جازمة ولا يستلزم ~~وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك وانما يعاقب اذا أراد ارادة جازمة مع القدرة ~~والارادة الجازمة التي يصدقها الفرج ومن هذا الحديث الذي في الصحيحين عن ~~ابن مسعود أن رجلا أصاب من أمرأة قبلة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان ~~الحسنات يذهبن السيئات الآية فقال الرجل ألي هذه فقال لمن عمل بها من أمتي ~~فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في الغالب أن يهم بما هو أكبر من ذلك كما قال ~~والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه لكن ارادته القلبية للقبله ~~كانت ارادة جازمة فاقترن بها فعل القبلة بالقدرة وأما ارادته للجماع فقد ~~تكون غير جازمة وقد تكون جازمة لكن لم يكن قادرا والأشبه في الذي نزلت فيه ~~الآية أنه كان متمكنا لكنه لم يفعل فتفريق أحمد وغيره بين هم الخطرات وهم ~~الاصرار هو الذي عليه الجواب فمن لم يمنعه من الفعل الا العجز فلا بد أن ~~يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وان فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ~~ولهذا قال ابن المبارك المصر الذي يشرب الخمر اليوم ثم لا يشربها إلى شهر ~~وفي رواية إلى ثلاثين سنة ومن نيته أنه ااذا قدر على شربها شربها وقد يكون ~~مصرا اذا عزم على الفعل في وقت دون وقت كمن يعزم على ترك PageV01P172 ~~المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب مطلقا ولكنه تارك للفعل في ~~شهر رمضان ويثاب اذا كان ذلك الترك لله وتعظيم شعائر الله واجناب محارمه في ~~ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا ~~هو مصر مطلقا وأما الذي وصفه ابن المبارك فهو مصر اذا كان من نيته العود ms103 ~~إلى شربها قلت والذي قد ترك المعاصي في شهر رمضان من نيته العود اليها في ~~غير شهر رمضان مصر أيضا لكن نيته أن يشربها اذا قدر عليها غير النية مع ~~وجود القدرة فاذا قدر قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا ارادة ~~جازمة لا يمنعه الا العجز فهو معاقب على ذلك كما تقدم وتقدم أن مثل هذا لا ~~بد أن يقترن بارادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث ~~المحاسبي أنه حكى الاجماع على أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له فهذا ~~الإجماع صحيح مع القدرة فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل ~~وأما الناوي الجازم الآتي بما يمكن فانه بمنزلة الفاعل التام كما تقدم ومما ~~يوضح هذا أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد الارادة ~~كقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا وقال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا ~~النار وقال من PageV01P173 كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب فرتب الثواب والعقاب ~~على كونه يريد العاجلة ويريد الحياة الدنيا ويريد حرث الدنيا وقال في آية ~~هود نوف اليهم أعمالهم فيها إلى أن قال وباطل ما كانوا يعملون فدل على أنه ~~كان لهم أعمال بطلت وعوقبوا على أعمال أخرى عملوها وأن الارادة هنا مستلزمة ~~للعمل ولما ذكر ارادة الآخرة قال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~وذلك لأن ارادة الآخرة وان استلزمت عملها فالثواب انما هو على العمل ~~المأمور به لا كل سعي ولا بد مع ذلك من الايمان ومنه قوله يا أيها النبي قل ~~لأزواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية وان كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فهذا نظير تلك الآية التي ms104 في سورة هود وهذا يطابق ~~قوله اذا التقى المسلمان بسيفيهما الا أنه قال فانه أراد قتل صاحبه أو انه ~~كان حريصا على قتل صاحبه فذكر الحرص والارادة على القتل وهذا لا بد أن ~~يقترن به فعل وليس هذا مما دخل في حديث العفو ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت ~~به أنفسها PageV01P174 ومما يبنى على هذا مسألة معروفة بين أهل السنة وأكثر ~~العلماء وبين بعض القدريه وهي توبة العاجز عن الفعل كتوبة المجبوب عن الزنا ~~وتوبة الأقطع العاجز عن السرقة ونحوه من العجز فانها توبة صحيحة عند جماهير ~~العلماء من أهل السنة وغيرهم وخالف في ذلك بعض القدرية بناء على أن العاجز ~~عن الفعل لا يصح أن يثاب على تركه الفعل بل يعاقب على تركه وليس كذلك بل ~~ارادة العاجز عليها الثواب والعقاب كما بينا وبينا أن الارادة الجازمة مع ~~القدرة تجري مجرى الفاعل التام فهذا العاجز اذا أتى بما يقدر عليه من ~~مباعدة أسباب المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه كالتائب القادر ~~عليها سواء فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل كاصرار العاجز عن كمال الفعل ~~ومما يبنى على هذا المسألة المشهورة في الطلاق وهو أنه لو طلق في نفسه وجزم ~~بذلك ولم يتكلم به فانه لا يقع به الطلاق عند جمهور العلماء وعند مالك في ~~احدى الروايتين يقع وقد استدل أحمد وغيره من الأئمة على ترك الوقوع بقوله ~~ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها فقال المنازع هذا المتجاوز عنه ~~انما هو حديث النفس والجازم بذلك في النفس ليس من حديث النفس فقال المنازع ~~لهم قد قال ما لم تكلم به أو تعمل به فأخبر أن التجاوز عن حديث النفس امتد ~~إلى هذه الغاية التي هي الكلام به والعمل به كما ذكر ذلك في صدر السؤال من ~~استدلال بعض الناس وهو استدلال حسن فانه لو كان حديث النفس اذا صار عزما ~~ولم يتكلم به أو يعمل يواخذ به لكان خلاف النص لكن يقال هذا في المأمور ~~صاحب المقدرة التي ms105 يمكن فيها الكلام والعمل اذا لم يتكلم ولم يعمل وأما ~~الارادة الجازمة PageV01P175 المأتي فيها بالمقدور فتجري مجرى التي أتى ~~معها بكمال العمل بدليل الأخرس لما كان عاجزا عن الكلام وقد يكون عاجزا عن ~~العمل باليدين ونحوهما لكنه اذا أتى بمبلغ طاقته من الاشارة جرى ذلك مجرى ~~الكلام من غيره والأحكام والثواب والعقاب وغير ذلك وأما الوجه الآخر الذي ~~احتج به وهو أن العزم والهم داخل في حديث النفس المعفو عنه مطلقا فليس كذلك ~~بل اذا قيل ان الارادة الجازمة مستلزمة لوجود فعل ما يتعلق به الذم والعقاب ~~وغير ذلك يصح ذلك فإن المراد ان كان مقدورا مع الارادة الجازمة وجب وجوده ~~وان كان ممتنعا فلا بد مع الارادة الجازمة من فعل بعض مقدماته وحيث لم يوجد ~~فعل أصلا فهو هم وحديث النفس ليس ارادة جازمة ولهذا لم يجيء في النصوص ~~العفو عن مسمى الارادة والحب والبغض والحسد والكبر والعجب وغير ذلك من ~~أعمال القلوب اذ كانت هذه الأعمال حيث وقع عليهم ذم وعقاب فلأنها تمت حتى ~~صارت قولا وفعلا وحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي ~~الحديث حق والمؤاخذة بالارادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق ولكن طائفة من ~~الناس قالوا ان الارادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ثم تنازعوا في ~~العقاب عليها فكان القاضي أبو بكر ومن تبعه كأبي حامد وأبي الفرج ابن ~~الجوزي يرون العقوبة على ذلك وليس معهم دليل على أنه يؤاخذ اذا لم يكن هناك ~~قول أو عمل والقاضي بناها على أصله في الايمان الذي اتبع فيه جهما والصالحي ~~وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري وهو أن الايمان مجرد تصديق القلب ولو كذب ~~بلسانه وسب الله ورسوله بلسانه وأن سب الله ورسوله انما هو كفر في الظاهر ~~وأن كلما كان كفرا في نفس الأمر فانه PageV01P176 يمتنع أن يكون معه شيء من ~~تصديق القلب وهذا أصل فاسد في الشرع والعقل حتى ان الأئمة كوكيع بن الجراح ~~وأحمد بن حنبل وأبي عبيدة وغيرهم كفروا من ms106 قال في الايمان بهذا القول بخلاف ~~المرجئة من الفقهاء الذين يقولون هو تصديق القلب واللسان فان هؤلاء لم ~~يكفرهم أحد من الأئمة وانما بدعوهم وقد بسط الكلام في الايمان وما يتعلق ~~بذلك في غير هذا الموضع وبين أن من الناس من يعتقد وجود الأشياء بدون ~~لوازمها فيقدر مالا وجود له أوجه خطأ جهم في الايمان وأصل جهم في الايمان ~~تضمن غلطا من وجوه أمنها ظنه مجرد تصديق القلب ومعرفته بدون أعمال القلب ~~كحب الله وخشيته ونحو ذلك ب ومنها ظنه ثبوت ايمان قائم في القلب بدون شيء ~~من الأقوال والأعمال جومنها ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده في النار ~~فانه يمتنع أن يكون في قلبه شيء من التصديق وجزموا بأن ابليس وفرعون ~~واليهود ونحوهم لم يكن في قلوبهم شيء من ذلك وهذا كلامهم في الارادة ~~والكراهة والحب والبغض ونحو ذلك فان هذه الأمور اذا كانت هما وحديث نفس ~~فانه معفو عنها واذا صارت ارادة جازمة وحبا وبغضا لزم PageV01P177 وجود ~~الفعل ووقوعه وحينئذ فليس لأحد أن يقدر وجودها مجردة ثم يقول ليس فيها اثم ~~وبهذا يظهر الجواب عن حجة السائل محبة الله ورسوله واقترانها بالارادة فان ~~الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله والحب فيه والبغض فيه ~~ويعاقب على بغضه وبغض رسوله وبغض أوليائه وعلى محبة الأنداد من دونه وما ~~يدخل في هذه المحبة من الارادات والعزوم فان المحبة سواء كانت نوعا من ~~الارادة أو نوعا آخر مستلزما للارادة فلا بد معها من ارادة وعزم فلا يقال ~~هذا من حديث النفس المعفو عنه بل كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي أوثق ~~عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصيحيحن عن أنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه ~~من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد ms107 عمر بن الخطاب فقال عمر ~~لأنت يا رسول الله أحب الي من كل شيء الا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب اليك من نفسك فقال عمر فانك الآن أحب ~~الي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر بل قد قال تعالى قل ~~ان كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخسون كسادها ومساكن PageV01P178 ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربضوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان أهله وماله أحب ~~اليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله ~~والجهاد في سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل والمال والمساكن والمتاجر ~~والأصحاب والأخوان والا لم يكن مؤمنا حقا ومثل هذا ما في الصحيحين عن أنس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجد أحدحلاوة الايمان حتى يحب ~~المرء لا يحبه الا الله وحتى أن يقذف في النار أحب اليه من أن يرجع في ~~الكفر وحتى يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وهذا لفظ البخاري فأخبر ~~أنه لا يجد أحد حلاوة الايمان الا بهذه المحبات الثلاث أحدهما أن يكون الله ~~ورسوله أحب اليه من سواهما وهذا من أصول الايمان المفروضة التي لا يكون ~~العبد مؤمنا بدونها الثاني أن يحب العبد لا يحبه الا لله وهذا من لوازم ~~الأول والثالث أن يكون القاؤه في النار أحب اليه من الرجوع إلى الكفر وكذلك ~~التائب من الذنوب من أقوى علامات صدقة في التوبة هذه الخصال محبة الله ~~ورسوله ومحبة المؤمنين فيه وان كانت متعلقة بالأعيان ليست من أفعالنا ~~كالارادة المتعلقة بأفعالنا فهي مستلزمة لذلك فان من كان الله ورسوله أحب ~~اليه من نفسه وأهله وماله لا بد أن يريد من العمل PageV01P179 ما تقتضيه ~~هذه المحبة مثل ارادته نصر الله ورسوله ودينه والتقريب إلى الله ورسوله ms108 ~~ومثل بغضه لمن يعادي الله ورسوله ومن هذا الباب ما استفاض عنه صلى الله ~~عليه وسلم في الصحاح من حديث ابن مسعود وأبي موسى وأنس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال المرء مع من أحب وفي رواية الرجل يحب القوم ولما يلحق لهم أي ~~ولما يعمل بأعمالهم فقال المرء مع من أحب قال أنس فما فرح المسلمون بشيء ~~بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~وعمر وأرجو أن يجعلني الله معهم وان لم أعمل عملهم وهذا الحديث حق فان كون ~~المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك وكونه معه هوعلى محبته اياه فان ~~كانت المحبة متوسطة أو قريبا من ذلك كان معه بحسسب ذلك وان كانت المحبة ~~كاملة كان معه كذلك والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة للمحبوب في محابه ~~اذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من ~~المحبة بقدر ذلك وان كانت موجودة وحب الشيء وارادته يستلزم بغض ضده وكراهته ~~مع العلم بالتضاد ولهذا قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله والموادة من أعمال القلوب فان الايمان بالله ~~يستلزم مودته ومودة رسوله وذلك يناقض موادة من حاد الله ورسوله وما ناقض ~~الايمان بالله يستلزم العزم والعقاب لأجل PageV01P180 عدم الايمان فان ما ~~ناقض الايمان كالشك والاعراض وردة القلب وبغض الله ورسوله يستلزم الذم ~~والعقاب لكونه تضمن ترك المأمور مما أمر الله به رسوله فاستحق تاركه الذم ~~والعقاب وأعظم الواجبات ايمان القلب فما ناقضه استلزم الذم والعقاب لتركه ~~هذا الواجب بخلاف ما استحق الذم لكونه منهيا عنه كالفواحش والظلم فان هذا ~~هو الذي يتكلم في الهم به وقصده اذا كان هذا لا يناقض أصل الايمان وان كان ~~يناقض كماله بل نفس فعل الطاعات يتضمن ترك المعاصي ونفس ترك المعاصي يتضمن ~~فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فالصلاة تضمنت ~~شيئين أحدهما نهيها عن الذنوب والثاني تضمنها ذكر ms109 الله وهو أكبر الأمرين ~~فما فيها من ذكر الله أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر والبسط هذا ~~موضع آخر والمقصود هنا أن المحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته ~~ولهذا جاء في الحديث الذي في الترمذي من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع ~~لله فقد استكمل الايمان فانه اذا كان حبه لله وبغضه لله وهما عمل قلبه ~~وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل بدنه دل على كمال محبته لله ودل ذلك على ~~كمال الايمان وذلك أن كمال الايمان أن يكون الدين كله لله وذلك عبادة الله ~~وحده لا شريك له والعبادة تتضمن كما الحب وكمال الذل والحب مبدأ جميع ~~الحركات الارادية ولا بد لكل حي من حب وبغض فاذا كانت محبته لمن يحبه الله ~~وبغضه لمن يبغضه الله دل ذلك على صحة الايمان في قلبه لكن قد يقوى ذلك وقد ~~يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها الذي يظهر PageV01P181 في بذل ~~المال الذي هو مادة النفس فاذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله دل على ~~كمال الايمان باطنا وظاهرا وأصل الشرك في الشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا انما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كحب الله كما قال تعالى ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ومن كان حبه لله وبغضبه لله لا ~~يحب الا الله ولا يبغض الا الله ولايعطي الا الله ولا يمنع الا الله فهذه ~~حال السابقين من أولياء الله كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله من عادى لي وليا فقد آذنته ~~بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ms110 ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكثره مساءته ولا بد له منه ~~فهؤلاء الذين أحبوا الله محبة كاملة تقربوا بما يحبه من النوافل بعد تقربهم ~~بما يحبه من الفرائض أحبهم الله محبة كاملة حتى بلغوا ما بلغوه وصار أحدهم ~~يدرك بالله ويتحرك بالله بحيث أن الله يحيب مسألته ويعذه مما استعاذ منه ~~وقد ذم في كتابه من أحب أندادا من دونه قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل ~~بكفرهم وذم من اتخذ الهه هواه وهو أن يتأله ما يهواه ويحبه وهذا قد يكون ~~فعل القلب فقط وقد مدح تعالى وذم في كتابه في غير موضع على المحبة والارادة ~~والبغض والسخط والفرح والغم ونحو PageV01P182 ذلك من أفعال القولب كقوله ~~والذين آمنوا أشد حبا لله وقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وقوله ~~يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا وقوله ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها وقوله وقوله واذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون وقوله واذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين ~~يتلون عليهم آياتنا وقوله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم ~~كفارا حسدا من عند أنفسهم وقوله ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقوله وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم وقوله وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون وقوله ~~ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط PageV01P183 أعمالهم وقوله وأذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايماناالآية وقوله والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقوله قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا وقال اذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب ~~الفرحين وقال ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض ms111 بغير الحق وبما كنتم تمرحون ~~وقال ان الله لا يحب كل مختال فخور وقال وانا اذا أذقنا الانسان منا رحمة ~~فرح بها وقال ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه انه ليؤوس كفور ~~ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني انه لفرح فخور الا ~~الذين صبروا وعملوا الصالحات وقال وتحبون المال حبا جما وقال ان الانسان ~~لربه لكنود وانه على ذلك لشهيد وانه لحب الخير لشديد وقال ولا تيأسوا من ~~روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون وقال ومن يقنط من ~~رحمة ربه الا الضالون PageV01P184 اعمال القلب وقال وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرادكم فأصبحتم من الخاسرين وقال بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما ~~بورا وقال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وقال ومن شر حاسد اذا ~~حسد وقال ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا وقال لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي ~~صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وقال ان يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم وقال اذا بعثر ما ~~في القبور وحصل ما في الصدور وقال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال ~~فيطمع الذي في قلبه مرض وقال واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض وقال ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وقال قد جاءتكم موعظة من ~~PageV01P185 ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ومثل هذا كثير ~~في كتاب الله وسنة رسوله واتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ما شاء الله من ~~مساعي القلوب وأعمالها مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق عليه لا تباغضوا ~~ولا تحاسدوا وقوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه ~~وقوله مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا ~~اشتكى منه ms112 عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وقوله لا يدخل الجنة من ~~في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من الايمان ~~وقوله لا تسموا العنب الكرم وانما الكرم قلب المؤمن وأمثال هذا كثير ~~PageV01P186 بل قول القلب وعمله هو الأصل مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ~~ذلك ما يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة ومنه ما لا ~~يقترن به ذلك الا مع الفعل بالجوارح الظاهرة اذا كانت مقدورة وأما ما ترك ~~فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل فأقوال القلب ~~وأفعاله ثلاثة أقسام أقسام أعمال القلب أحدهما ما هو حسنة وسيئة بنفسه ~~وثانيها ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل وهو السيئة المقدورة كما تقدم وثالثها ~~ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة وليس هو مع القدرة كالحسنة ~~والسيئة المفعولة كما تقدم فالقسم الأول هو ما يتعلق بأصول الايمان من ~~التصديق والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فاذن هذه الأمور يحصل فيها ~~الثواب والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه ~~الأمور وان لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال ~~والأعمال الصالحة وانما عقابهم وكونهم في ا لدرك الأسفل من النار على ما في ~~قلوبهم من الأمراض وان كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ~~ليست العقوبة مقصورة على ذلك البغض اليسير وانما ذلك البغض دلالة كما قال ~~تعالى ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول فأخبر ~~أنهم لا بد أن يعرفوا في لحن القول PageV01P187 وأما القسم الثاني والثالث ~~فمظنة الأفعال التي لا تنافي أصول الايمان مثل المعاصي الطبعية مثل الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من مات يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة وان زنا وان ~~سرق وان شرب الخمر وكما شهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~للرجل ms113 الذي كان يكثر شرب الخمر وكان يجلده كلما جيء به فلعنه رجل فقال لا ~~تلعنه فانه يحب الله ورسوله وفي رواية قال بعضهم أخزاه الله ما أكثر ما ~~يؤتي به في شرب الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكونوا أعوانا ~~للشيطان على أخيكم وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة حديث النفس ~~والوسوسة ولهذا قال ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به ~~أو تعمل به والعفو عن حديث النفس انما وقع لأمة محمد المؤمنين بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو فيما يكون من ~~الأمور التي لا تقدح في الايمان فأما ما نافى الايمان فذلك لا يتناوله لفظ ~~الحديث لأنه اذا نافى الايمان لم يكن صاحبه من أمة محمد في الحقيقة ويكون ~~بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو عمله وهذا فرق ~~بين يدل عليه الحديث وبه تألفت الأدلة الشرعيه وهذا كما عفا PageV01P188 ~~الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة فمن صح ~~ايمانه عفي له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ~~ليس معه الايمان فان هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخظئه ~~ونسيانه ولهذا جاء نية المؤمن خير من عمله هذا الأثر رواه أبو الشيخ ~~الأصبهاني في كتاب الأمثال من مراسيل ثابت البناني وقد ذكره ابن القيم في ~~النية من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضعفها فالله أعلم فان النية ~~يثاب عليها المؤمن بمجردها وتجري مجرى العمل اذا لم يمنع من العمل بها الا ~~العجز ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة ~~وذلك لا يكون إلا قليلا ولهذا قال بعض السلف قوة المؤمن في قلبه وضعفه في ~~بدنه وقوة المنافق في بدنه وضعفه في قلبه وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى ~~وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ms114 فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاءالآية وهذه الآية وان كان قد قال طائف من السلف انها منسوخة كما روى ~~البخاري في صحيحه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو ابن عمر أنها نسخت فالنسخ في لسان PageV01P189 السلف أعم مما هو ~~في لسان المتأخرين يريدون به رفع الدلالة مطلقا وان كان تخصيصا للعام أو ~~تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو معروف في عرفهم وقد أنكر آخرون نسخها لعدم ~~دليل ذلك وزعم قوم أن ذلك خبر والخبر لا ينسخ ورد آخرون بأن هذا خبر عن حكم ~~شرعي كالخبر الذي بمعنى الأمر والنهي والقائلون بنسخها يجعلون الناسخ لها ~~الآية التي بعدها وهي قوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها كما روى مسلم في ~~صحيحه من حديث أنس في هذه الآية فيكون المرفوع عنهم ما فسرت به الأحاديث ~~وهو ما هموا به وحدثوا به أنفسهم من الأمور المقدورة ما لم يتكلموا به أو ~~يعملوا به ورفع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه كما روى ابن ماجه ~~وغيره باسناد حسن ان الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اتستكرهوا ~~عليه وحقيقة الأمر أن قوله سبحانه ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه لم يدل ~~على المؤخذة بذلك بل دل على المحاسبة به ولا يلزم من كونه يحاسب أن يعاقب ~~ولهذا قال فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا يستلزم أنه قد يغفر ويعذب بلا ~~سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شيء أو يعذب على كل شيء مع العلم بأنه لا ~~يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به الا مع التوبه ونحو ذلك PageV01P190 ~~والأصل أن يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الايمان وما كان منافيا له ويفرق ~~أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم يترك الا للعجز عنه فهذان ~~الفرقان هما فصل في هذه المواضيع المشتبهة وقد ظهر بهذا التفصيل أن أصل ~~النزاع في المسألة انما وقع لكونهم رأوا عزما جازما لا يقترن به ms115 فعل قط ~~وهذا لا يكون الا اذا كان الفعل مقارنا للعزم وان كان العجز مقارنا للارادة ~~الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الارادة الجازمة يوجد ما يقدر ~~عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وان لم يوجد الفعل نفسه والانسان يجد من نفسه ~~أن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه وارادته ومع العجز عنه يضعف ~~ذلك الطمع وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله على السواء ولا عما يظهر على صفحات ~~وجهه وفلتات لسانه مثل بسط الوجه وتعبسه واقباله على الشيء والاعراض عنه ~~وهذه وما يشبهها من أعمال الجوارح التي يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب ~~عليها الحمد والثواب وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا ~~لا يكون الا لعجز يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل في ~~المستقبل عزما جازما ولا نزاع في اطلاق الألفاظ فان من الناس من يفرق بين ~~العزم والقصد فيقول ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم ومنهم من ~~يجعل الجميع سواء وقد تنازعوا هل تسمى ارادة الله لما يفعله في المستقبل ~~فلا بد حين فعله من تجدد ارادة غير العزم المتقدم وهي الارادة المستلزمة ~~لوجود الفعل مع القدرة وتنازعوا أيضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعي ~~وقد ذكروا أيضا في ذلك قولان PageV01P191 والأظهر أن القدرة مع الداعي ~~التام تستلزم وجود المقدور والارادة مع القدرة تستلزم وجود المراد ~~والمتنازعون في هذه أراد أحدهم اثبات العقاب مطلقا على كل عزم على فعل ~~مستقبل وان لم يقترن به فعل وأراد الآخر رفع العقاب مطلقا عن كل ما في ~~النفس من الارادات الجازمة ونحوها مع ظن الاثنين أن ذلك الواحد لم يظهر ~~بقول ولا عمل وكل من هذين انحراف عن الوسط فاذا عرف أن الارادة الجازمة لا ~~يتخلف عنها الفعل مع القدرة الا لعجز يجري صاحبها مجرى الفاعل التام في ~~الثواب والعقاب وأما اذا تخلف عنها ما يقدر عليها فذلك المتخلف لا يكون ~~مرادا ارادة ms116 جازمة بل هو الهم الذي وقع العفو عنه وبه ائتلفت النصوص ~~والأصول ثم هنا مسائل كثيرة فيما يجتمع في القلب من الارادات المتعارضة ~~كالاعتقادات المتعارضة وارادة الشيء وضدة مثل شهوة النفس للمعصية وبغض ~~القلب لها ومثل حديث النفس الذي يتضمن الكفر اذا قارنه بعض ذلك والتعوذ منه ~~كما شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه فقالوا ان أحدنا يجد في ~~نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب اليه من ~~أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه فقالو نعم قال ذلك صريح الإيمان رواه مسلم ~~من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وفيه الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ~~PageV01P192 وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على ~~الجواب فان له موارد واسعة فهنا لما اقترن بالوسواس هذا البغض وهذه الكراهة ~~كان هو صريح الايمان وهو خالصة ومحضه لأن المنافق الكافر لا يجد هذا البغض ~~وهذه الكراهة مع الوسوسة بذلك بل إن كان في الكفر البسيط وهو الاعراض عما ~~جاء به الرسول وترك الايمان به وإن لم يعتقد تكذيبه فهذا قد لا يوسوس له ~~الشيطان بذلك اذ الوسوسة بالمعارض المنافي للايمان انما يحتاج اليها عند ~~وجود مقتضيه فاذا لم يكن معه ما يتقضي الايمان لم يحتج إلى معارض يدفعه وان ~~كان في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق الوسوسة وليس معه ايمان يكره ~~به ذلك ولهذا لما كانت هذه الوسوسسة عارضة لعامة المؤمنين كما قال تعالى ~~أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا وممايوقدون ~~عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله الآيات فضرب الله المثل لما ~~ينزله من الايمان والقرآن بالماء الذي ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب ~~كالأودية منها الكبير ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث ~~أصاب أرضا فكانت منها طائفة ms117 قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت ~~منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وشربوا وكانت منها طائفة انما هي قيعان ~~لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما ~~بعثني به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله ~~الذي أرسلت به فهذا أحد المثلين PageV01P193 والمثل الآخر ما يوقد عليه ~~لطلب الحلية والمتاع من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه وأخبر أن السيل ~~يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار زبد مثله ثم قال كذلك يضرب ~~الله الحق والباطل فأما الزبدالرابي على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ~~ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في العقائد والارادات الفاسدة ~~كما شكاه الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى فيذهب جفاء يجفوه ~~القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه وأما ما ينفع الناس فيمكث ~~في الأرض وهو مثل ما ثبت في القلوب من اليقين والايمان كما قال تعالى ومثل ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة الآية إلى قوله يثبت الله الذين آمنوابالقول الثابت ~~في الحياة الدينا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء فكل ما ~~وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد ايمانا ~~ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد ~~صلاحا وبرا وتقوى وأما المنافق فأذا وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة ~~بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها فانه قد وجدت منه سيئة الكفر من غير حسنة ~~ايمانية تدفعها أو تنفيها والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق فتارة يغلب هذا ~~وتارة يغلب هذا PageV01P194 وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي ~~عما وسوست أو حدثت به أنفسها كما في بعض ألفاظه في الصحيح هو مقيد بالتجاوز ~~للمؤمنين دون من كان مسلما في الظاهر وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في ~~المتظاهرين بالاسلام قديما وحديثا وهم في هذه الأزمان المتأخرة في بعض ~~الأماكن أكثر منهم في ms118 حال ظهور الايمان في أول الأمر فمن أظهر الإيمانوكان ~~صادقا مجتنبا ما يضاده أو يضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به ~~دون ما ليس كذلك كما دل عليه لفظ الحديث فالقسمان اللذان بينا أن العبد ~~يثاب فيهما ويعاقب على أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث وكذلك قوله من هم ~~بحسنة و من هم بسيئة انما هو في المؤمن الذي يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها ~~فربما فعلها وربما تركها لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف إلى أضعاف ~~كثيرة وهذا انما هو لمن يفعل الحسنات لله كما قال تعالى مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله و ابتغاء مرضاة الله وابتغاء وجه ربه وهذا للمؤمنين ~~فان الكافر وان كان الله يطعمه بحسناته في الدنيا وقد يخفف عنه بها في ~~الآخرة كما خفف عن أبي طالب لاحسانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبشفاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P195 فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا ~~التضعيف وقد جاء ذلك مقيدا في حديث آخر أنه في المسلم الذي هو حسن الاسلام ~~والله سبحانه أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله ~~وصحبه وسلم PageV01P196 ms119