######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006826 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الزهد والورع والعبادة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006826 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6826 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6826 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: حماد سلامة , محمد عويضة #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1407 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المنار - الأردن #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | الفصل الاول الصراط المستقيم في الزهد والعبادة والورع # قال الشيخ رحمه الله أهمية لزوم السنة فصل في الصراط المستقيم في الزهد ~~والعبادة والورع في ترك المحرمات والشهوات والاقصتاد في العبادة وأن لزوم ~~السنة هو يحفظ من شر النفس والشيطان بدون الطرق المبتدعة فإن أصحابها لا بد ~~أن يقعوا في الآصار والأغلال وإن كانوا متأولين فلا بد لهم من اتباع الهوى ~~ولهذا سمي أصحاب البدع أصحاب الأهواء فإن طريق السنة علم وعدل وهدى وفي ~~البدعة جهل وظلم وفيها اتباع الظن وما تهوى الأنفس معنى الضلال والغي ~~والرشد والرسول ما ضل وما غوى والضلال مقرون بالغي فكل غاو ضال والرشد ضد ~~الغي والهدى ضد الضلال وهو مجانبة طريق الفجار وأهل البدع كما كان السلف ~~ينهون عنهما قال تعالى فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا # PageV01P009 # والغي في الأصل مصدر غوى يغوي غيا كما يقال لوى يلوي ليا وهو ضد الرشد ~~كما قال تعالى وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا والرشد العمل الذي ينفع صاحبه والغي العمل الذي يضر صاحبه فعمل الخير ~~رشد وعمل الشر غي ولهذا قالت الجن وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا فقابلوا بين الشر وبين الرشد وقال في آخر السورة قل اني ~~لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ومنه الرشيد الذي يسلم إليه ماله وهو الذي يصرف ~~ماله فيما ينفع لا فيما يضر وقال الشيطان ولأعوينهم أجمعين الا عبادك منهم ~~المخلصين وهو أن يأمرهم بالشر الذي يضرهم فيطيعونه كما قال تعالى وما كان ~~لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي وقال وبرزت الجحيم للغاوين ~~الى أن قال فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود ابليس أجمعون وقال قال الذين حق ~~عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغويناهم غوينا وقال ما ضل ضاحبكم وما غوى # PageV01P010 # ثم ان الغي اذا كان اسما لعمل الشر الذي يضر صاحبه فإن عاقبة العمل أيضا ~~تسمى غيا كما ان ms001 عاقبة الخير تسمى رشدا كما تسمى عاقبة الشر شرا وعاقبة ~~الخير خيرا وعاقبة الحسنات حسنات وعاقبة السيئات سيئات فالحسنات والسيئات ~~في كتاب الله يراد بها أعمال الخير وأعمال الشر كما يراد بها النعم ~~والمصائب والجزاء من جنس العمل فمن عمل خيرا وحسنات لقي خيرا وحسنات ومن ~~عمل شرا وسئيات لقي شرا وسيئات كذلك من عمل غيا لقي غيا وترك الصلاة واتباع ~~الشهوات غي يلقى صاحبه غيا فلهذا قال الزمخشري كل شر عند العرب غي وكل خير ~~رشاد كما قيل فمن يلق خيرا يحمد الناس أمرهومن يغولا يعدم على الغي لائما ~~وقال الزجاج جزاؤه غي لقوله يلق أثاما أي مجازاة آثام وفي الحديث المأثور ~~ان غيا واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها وهذا تعبير عن ملاقاة الشر وقال ~~سبحانه أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فإن الصلاة فيها ارادة وجه الله كما ~~قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أي يصلون ~~صلاة الفجر والعصر والداعي يقصد ربه ويريده فتكون القلوب في هذه الأشياء ~~مريدة لربها محبة له # PageV01P011 # اتباع الشهوات واتباع الشهوات هو اتباع ما تشتهيه النفس فإن الشهوات جمع ~~شهوة والشهوة هي في الأصل مصدر ويسمى المشتهى شهوة تسمية للمفعول باسم ~~المصدر قال تعالى ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاعظيما فجعل ~~التوبة في مقابلة اتباع الشهوات فإنه يريد أن يتوب علينا أي فالله يحب لنا ~~ذلك ويرضاه ويأمر به ويريد الذين يتبعون الشهوات وهم الغاوون أن تميلوا ~~ميلا عظيما يعدل بكم عن الصراط المستقيم الى اتباع الشهوات عدولا عظيما فإن ~~أصل الميل العدول فلا بد منه للذين يتبعون الشهوات كما قال صلى الله عليه ~~وسلم استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على ~~الوضوء الا مؤمن رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان فأخبر أنا لا نطيق ~~الاستقامة أو ثوابها اذا استقمنا وقال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ~~ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فقوله كل الميل أي يريد ~~نهاية الميل يريد ms002 الزيغ عن الطريق والعدول عن سواء الصراط الى نهاية الشر ~~بل اذا بليت بذلك فتوسط وعد الى الطريق بالتوبة كما في الحديث عن النبي صلى ~~اله عليه وسلم مثل المؤمن كمثل # PageV01P012 # الفرس في آخيته يجول ثم يرجع الى آخيته كذلك المؤمن يجول ثم يرجع الى ربه ~~قال تعالى وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت ~~للمتقين الى قوله ونعم أجر العاملين فلم يقل لا يظلمون ولا يذنبون بل قال ~~اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم أي بذنب آخر غير الفاحشة فعطف العام على ~~الخاص كما قال موسى رب اني ظلمت نفسي وقالت بلقيس رب اني ظلمت نفسي وقال ~~تعالى عموما عن أهل القرى المهلكة وما ظلمناهم ولكم ظلموا أنفسهم فظلموا ~~أنفسهم بارتكابهم ما نهوا عنه وبعصيانهم لأنبيائهم وبتركهم التوبة الى ربهم ~~وقوله تعالى ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ولهذا قال والله يريد أن يتوب ~~عليكم ثم قال يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا قال مجاهد وغيره ~~يتبعون الشهوات الزنا وقال # PageV01P013 # ابن زيد هم أهل الباطل وقال السدي هم اليهود والنصارى والجميع حق فإنهم ~~قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية ثم ذكر أنه ~~خلق الانسان ضعيفا وسياق الكلام يدل على أنه ضيف عن ترك الشهوات فلا بد له ~~من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة ولهذا قال طاووس ومقاتل ضعيف في قلة ~~الصبر عن النساء وقال الزجاج وابن كيسان ضعيف العزم عن قهر الهوى وقيل ضعيف ~~في أصل الخلقة ولأنه خلق من ماء مهين يروى ذلك عن الحسن لكن لا بد أن يوجد ~~مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر يناسب ما ذكر في الآية فانه قال يريد الله أن ~~يخفف عنكم وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون اليه ولا تصبروا عنه ~~كما أباح نكاح الفتيات وقد قال قبل ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير ~~لكم والله غفور رحيم فهو سبحانه مع اباحته نكاح الاماء عند عدم الطول وخشية ms003 ~~العنت قال وأن تصبروا خير لكم فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت ~~وأنه ليس النكاح كاباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه حكم ~~الاستمناء وكذلك من أباح الاستمناء عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل ~~فقد روي عن ابن عباس أن نكاح الاماء خير منه وهو خير من # PageV01P014 # الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الاماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى ~~أفضل لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد ~~الأقوال في مذهب أحمد واختاره ابن عقيل في المفردات والمشهور عنه يعني عن ~~أحمد أنه محرم الا اذا خشي العنت والثالث أنه مكروه الا اذا خشي العنت فإذا ~~كان الله قد قال في نكاح الاماء وأن تصبروا خير لكم ففيه أولى وذلك يدل على ~~أن الصبر عن كلاهما ممكن فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل ~~التكليف كما قال تعالى يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ~~والاستمناء لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ~~ذلك وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه انما هو لمن خشي العنت وهو الزنا ~~واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة ~~عنته وشهوته وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة بأن يتذكر في حال ~~استمناءه صورة كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد ~~أوجب فيه بعضهم الحد والصبر عن هذا من الواجبات لابد من المستحبات وجوب ~~الصبر عن المحرمات وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها ~~وتهواها قال تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~والاستعفاف هو ترك المنهي عنه كما في الحديث # PageV01P015 # الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي لأحد ~~عطاء خيرا وأوسع ms004 من الصبر فالمستغني لا يستشرف بقلبه والمستعف هو الذي لا ~~يسأل الناس بلسانه والمتصبر هو الذي لا يتكلف الصبر فأخبر أنه من يتصبر ~~يصبره الله وهذا كأنه في سياق الصبر على الفاقة بأن يصبر على مرارة الحاجة ~~لا يجزع مما ابتلي به من الفقر وهو الصبر في البأساء والضراء قال تعالى ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس الصبر على البلاء والضراء والمرض ~~وهو الصبر على ما ابتلي به من حاجة ومرض وخوف والصبر على ما ابتلي به ~~باختياره كالجهاد فإن الصبر عليه أفضل من الصبر على المرض الذي يبتلى به ~~بغير اختياره ولذلك اذا ابتلي بالعنت في الجهاد فالصبر على ذلك أفضل من ~~الصبر عليه في بلده لأن هذا الصبر من تمام الجهاد وكذلك لو ابتلي في الجهاد ~~بفاقة أو مرض حصل بسببه كان الصبر عليه أفضل كما قد بسط هذا في مواضع # PageV01P016 # الصبر على الطاعات وكذلك ما يؤذي الانسان به في فعله للطاعات كالصلاة ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم من المصائب فصبره عليها أفضل ~~من صبره على ما ابتلي به بدون ذلك وكذلك اذا دعته نفسه الى محرمات من رئاسة ~~وأخذ مال وفعل فاحشة كان صبره عنه أفضل من صبره على ما هو دون ذلك فإن ~~أعمال البر كلما عظمت كان الصبر عليها أعظم مما دونهما فإن في العلم ~~والامارة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة والحج والصوم ~~والزكاة من الفتن النفسية وغيرها ما ليس في غيرها ويعرض في ذلك ميل النفس ~~الى الرئاسة والمال والصور فإذا كانت النفس غير قادرة على ذلك لم تطمع فيه ~~كما تطمع مع القدرة فإنها مع القدرة تطلب تلك الأمور المحرمة بخلاف حالها ~~بدون القدرة فإن الصبر مع القدرة جهاد بل هو من أفضل الجهاد وأكمل من ثلاثة ~~أوجه أحدهما أن الصبر عن المحرمات أفضل من الصبر على المصائب الثاني أن ترك ~~المحرمات مع القدرة عليها وطلب النفس لها أفضل من تركها بدون ذلك الثالث أن ~~طلب النفس لها اذا ms005 كان بسبب أمر ديني كمن خرج لصلاة أو طلب علم أو جهاد ~~فابتلي بما يميل اليه من ذلك فإن صبره عن ذلك يتضمن فعل المأمور وترك ~~المحظور بخلاف ما اذا مالت نفسه الى ذلك بدون عمل صالح ولهذا كان يونس بن ~~عبيد يوصي بثلاث # PageV01P017 # يقول لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله ولا تدخل على امرأة وإن ~~قلت أعلمها كتاب الله ولا تصنع أذنك الى صاحب بدعة وان قلت أرد عليه فأمره ~~بالاحتراز من أسباب الفتنة فإن الانسان اذا تعرض لذلك فقد يفتتن ولا يسلم ~~فإذا قدر أنه ابتلي بذلك بغير اختياره أو دخل فيه باختياره وابتلي فعليه أن ~~يتقي الله ويصبر ويخلص ويجاهد وصبره على ذلك وسلامته مع قيامه بالواجب من ~~أفضل الأعمال كمن تولى ولاية وعدل فيها أو رد على أصحاب البدع بالسنة ~~المحضة ولم يتفنوه أو علم النساء الدين على الوجه المشروع من غير فتنة ~~الابتلاء لكن الله اذا ابتلى العبد وقدر عليه أعانه واذا تعرض العبد بنفسه ~~الى البلاء وكله الله الى نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد ~~الرحمن بن سمرة لا تسأل الامارة فإنك ان أعطيتها عن مسألة وكلت اليها وإن ~~أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وكذلك قال في الطاعون اذا ببلد وأنتم بها ~~فلا تخرجوا فرارا منه واذا سمعتم به # PageV01P018 # بأرض فلا تقدموا عليه فمن فعل ما أمره الله به فعرضت له فتنة من غير ~~اختياره فإن الله يعينه عليها بخلاف من تعرض لها التوبة لكن باب التوبة ~~مفتوح فإن الرجل قد يسأل الامارة فيوكل اليها ثم يندم فيتوب من سؤاله فيتوب ~~الله عليه ويعينه اما على اقامة الواجب واما على الخلاص منها وكذلك سائر ~~الفتن كما قال قل يا عباري الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~ان الله يغفر الذنوب جميعا وهذه الأمور تحتاج الى بسط لا يتسع له هذا ~~الموضع الهداية والمقصود أن الله سبحانه يريد أن يبين لنا ويهدينا سنن ~~الذين من ms006 قبلنا الذين قال فيهم أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وهم ~~الذين أمرنا أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله اهدنا الصراط المستقيم صرط ~~الذين أنعمت عليهم فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط هؤلاء وهو سبيل من ~~أناب اليه فذكر هنا ثلاثة أمور البيان والهداية والتوبة # PageV01P019 # المراد بالسنن وقيل المراد بالسنن هنا سنن أهل الحق والباطل أي يريد أن ~~يبين لنا سنن هؤلاء وهؤلاء فيهدي عباده المؤمنين الى الحق ويضل آخرين فإن ~~الهدى والضلال انما يكون بعد البيان كما قال وما أرسلنا من رسول الا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم وقال ~~وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فتكون سنن ~~متعلقا بيبين يعني سنن أهل الباطل لا بيهدي وأهل الحق متعلق بقوله ويهديكم ~~وقال الزجاج السنن الطرق فالمعنى بدلكم على طاعته كما دل الأنبياء وتابعيهم ~~وهذا أولى لأنه قد يقدم فعلين فلا يجعل الأول هو العامل وحده بل العامل اما ~~الثاني وحده واما الاثنان كقوله آتوني أفرغ عليه قطرا أو اذا أريد هذا ~~التقدير يبين لكم سنن الذين من قبلكم ويهديكم سننا فدل على أنه يهدينا ~~سننهم والمراد بذلك سنن أهل الحق بخلاف قوله قد خلت من قبلكم سنن فإنه قال ~~بعدها فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فإنه أراد تعريف ~~عقوبة # PageV01P020 # الظالمين بالعيان وهنا فأنزل علينا من القرآن ما يهدينا به سنن الذين من ~~قبلنا وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر ثلاثة أمور التبيين والهدى والتوبة ~~لأن الانسان أولا يحتاج الى معرفة الخير والشر وما أمر به وما نهي عنه ثم ~~يحتاج بعد ذلك الى أن يهدي فيقصد الحق ويعمل به دون الباطل وهو سنن ~~الأنبياء والصالحين ثم لا بد له بعد ذلك من الذنوب فيريد أن يتطهر منها ~~بالتوبة فهو محتاج الى العلم والعمل به والى التوبة مع ذلك فلا بد له من ~~التقصير أو الغفلة في سلوك تلك السنن التي ms007 هداه الله اليها فيتوب منها بما ~~وقع من تفريط في كل سنة من تلك السنن وهذه السنن تدخل فيها الواجبات ~~والمستحبات فلا بد للسالك فيها من تقصير وغفلة فيستغفر الله ويتوب اليه فإن ~~العبد لو اجتهد مهما اجتهد لا يستطيع أن يقوم لله بالحق الذي أوجبه عليه ~~فما يسعه الا الاستغفار والتوبة عقيب كل طاعة تفسير الهداية وقد يقال ~~الهداية هنا البيان والتعريف أي يعرفكم سنن الذين من قبلكم من أهل السعادة ~~والشقاوة لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه كما قال تعالى وهديناه النجدين قال علي ~~وابن مسعود سبيل الخير والشر وعن ابن عباس سبيل الهدى والضلال وقال مجاهد ~~سبيل السعادة والشقاوة أي فطرناه على ذلك وعرفناه اياه والجميع واحد ~~والنجدان الطريقان الواضحان والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ألم نعرفه ~~طريق الخير والشر ونبينه له كتبيين الطريقين العاليين لكن الهدى والتبيين ~~والتعريف في هذه الآية يشترك فيه بنو آدم ويعرفونه بعقولهم وأما طريق من ~~تقدم من الأنبياء فلا بد من اخبار الله تعالى عنها كما # PageV01P021 # قال تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل ~~هذا لكن يجاب عن هذا بأنه لو أريد هذا المعنى لقال يريد الله ليبين لكم سنن ~~الذين من قبلكم ولم يحتج أن يذكر الهدى اذا كان المعنى واحدا فلما ذكر أنه ~~يريد التبيين والهدى علم أن هذا غير هذا فالتبيين التعريف والتعليم والهدى ~~هو الأمر والنهي وهو الدعاء الى الخير كما قال تعالى ولكل قوم هاد أي داع ~~يدعوهم الى الخير كما قال تعالى وإنك لتهدي الى صراط مستقيم أي تدعوهم اليه ~~دعاء تعليم الارادة الشرعيه والارادة الكونية وهداه هنا يتعدى نفسه لأن ~~التقدير ولزمكم سنن الذين من قبلكم فلا تعدلوا عنها وليس المراد هنا بالهدى ~~الالهام كما في قوله اهدنا الصراد المستقيم لكونه لو أراد ذلك لوقع ولم يكن ~~فينا ضال بل هذه ارادة شرعيه أمرية بمعنى المحبة والرضا ولهذا قال الزجاج ~~يريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم فعلق ms008 الارادة بفعل نفسه فإن الزجاج ~~ظن الارادة في القرآن ليست الا كذلك وليس كما ظن بل الارادة المتعلقة بفعله ~~يكون مرادها كذلك فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأما الإرادة وشرعه ~~فهو كقوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم الآية وقوله ~~انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ونحو ذلك # PageV01P022 # فهذه ارادته لما أمر به بمعنى أنه يحبه ويرضاه ويثيب فاعله لا بمعنى أنه ~~أراد أن يخلقه فيكون كما قال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا الآية وكما قال نوح ولا ينفعكم نصحي ان ~~أردت أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم واليه ترجعون فهذه ~~ارادة لما يخلقه ويكونه كما يقول المسلمون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ~~يكن وهذه الارادة متعلقة بكل حادث والارادة الشرعيه الأمرية لا تتعلق الا ~~بالطاعات كما يقول الناس لمن يفعل القبيح يفعل شيئا ما يريده الله مع قولهم ~~ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن هذه الارادة نوعان كما قد بسط في ~~موضع آخر وقد يراد بالهدى الالهام ويكون الخطاب للمؤمنين المطيعين الذين ~~هداهم الله الى طاعته فإن الله تعالى أراد أن يتوب عليهم ويهديهم فاهتدوا ~~ولولا إرادته لهم ذلك لم يهتدوا كما قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جائت رسل ربنا بالحق لكن الخطاب في ~~الآية لجميع المسلمين كالخطاب بآية الوضوء والخطاب لأهل البيت بقوله انما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس ولهذا يهدد من لم يطعه وكا في الصيام يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فهذه ارادة شرعية أمرية بمعنى المحبة والرضا ~~لا ارادة # PageV01P023 # الخلق المستلزمة للمراد لأنه لو كان كذلك لم تكن الآية خطابا الا لمن أخذ ~~باليسر ولمن فعل ما أمر به وليس كذلك بل الحكم الشرعي لازم لجميع المسلمين ~~فمن أطاع أثيب ومن ms009 عصى عوقب والذين أطاعوه انما أطاعوه بهداه لهم هدى ~~الامام والاعانة بأن جعلهم مهتدين كما أنه هو الذي جعل المصلي مصليا ~~والمسلم مسلما ولو كانت الارادة هنا من الانسان مستلزمة لوقوع المراد لم ~~يقل ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما فأنه حينئذ لا تأثير ~~لارادة هؤلاء بل وجدها وعدمها سواء كما في قول نوح ولا ينفعكم نصحي ان أردت ~~أن أنصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم فإنه شاء الله كان وان لم يشاء ~~الناس وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس اتباع الشهوات والأهواء والمقصود ~~بالآية تحذيرهم من متابعة الذين يتبعون الشهوات والمعنى اني أريد لكم الخير ~~الذي ينفعكم وهؤلاء يريدون لكم الشر الذي يضركم كالشيطان الذي يريد أن ~~يغويكم وأتباعه هم أهل الشهوات فلا تتخذوه وذريته أولياء من دوني بل اسلكوا ~~طرق الهدى والرشاد وإياكم وطرق الغي والفساد كما قال تعالى فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى الآيات وقوله يتبعون الشهوات في الموضعين فاتباع الشهوة ~~من جنس اتباع الهوى كما قال تعالى انما # PageV01P024 # يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله وقال ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهم وقال تعالى ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وقال تعالى أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء ~~عمله واتبعوا أهواءهم وقال تعالى ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون وهذا في ~~القرآن كثير والهوى مصدر هوى يهوى هوى ونفس المهوي يسمى هوى ما يهوى ~~فاتباعه كاتباع السبيل كما قال تعالى ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ~~وكما في لفظ الشهوة فاتباع الهوى يراد به نفس مسمى المصدر أي اتباع ارادته ~~ومحبته التي هي هواه واتباع الارادة هو فعل ما تهواه النفس كقوله تعالى ~~واتبع سبيل من أناب الي وقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله وقال ولا تتبعوا من دونه أولياء فلفظ الاتباع ~~يكون للآمر الناهي وللأمر ms010 والنهي وللمأمور به والمنهي عنه وهو الصراط ~~المستقيم كذلك يكون للهوى أمر ونهي وهو أمر النفس ونهيا كما قال # PageV01P025 # تعالى ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي ان ربي غفور رحيم ولكن ما ~~يأمر به من الأفعال المذمومة فأحدها مستلزم للآخر فاتباع الأمر هو فعل ~~المأمور واتباع أمر النفس هو فعل ما تهواه فعلى هذه يعلم أن اتباع الشهوات ~~واتباع الأهواء هو اتباع شهوة النفس وهواها وذلك يفعل ما تشتهيه وتهواه بل ~~قد يقال هذا هو الذي يتعين في لفظ اتباع الشهوات والأهواء لأن الذي يشتهي ~~ويهوى انما يصير موجودا بعد أن يشتهي ويهوى وإنما يذم الانسان اذا فعل ما ~~يشتهى ويهوى عند وجود فهو حينئذ قد فعل ولا ينهى عنه بعد وجوده ولا يقال ~~لصاحبه لا تتبع هواك وأيضا فالفعل المراد المشتهى الذي يهواه الانسان هو ~~تابع لشهوته وهواه فليست الشهوة والهوى تابعة له فاتباع الشهوات هو اتباع ~~شهوة النفس واذا جعلت الشهوة بمعنى المشتهى كان مع مخالفة الأصل يحتاج الى ~~أن يجعل في الخارج ما يشتهى والانسان يتبعه كالمرأة المطلوبة أو الطعام ~~المطلوب وإن سميت المرأة شهوة والطعام أيضا كما في قوله صلى الله عليه وسلم ~~كل عمل ابن آدم له الا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه طعامه وشرابه ~~وشهوته من أجلي أي بترك شهوته وهو إنما يترك ما يشتهيه كما يترك الطعام لا ~~أنه يدع طعامه بترك الشهوتة الموجودة في نفسه # PageV01P026 # فإن تلك مخلوقة فيه مجبول عليها وإنما يثاب اذا ترك ما تطلبه تلك الشهوة ~~وحقيقة الأمر أنهما متلازمان فمن اتبع نفس شهوته القائمة بنفسه اتبع ما ~~يشتهيه وكذلك من اتبع الهوى القائم بنفسه اتبع ما يهواه فإن ذلك من آثار ~~الارادة واتباع الارادة هو امتثال أمرها وفعل ما تطلبه كالمأمور الذي يتبع ~~أمر أميره ولابد أن يتصور مراده الذي يهواه ويشتهيه في نفسه ويتخيله قبل ~~فعله فيبقى ذلك المثال كالإمام مع المأموم يتبعه حيث كان وفعله في الظاهر ~~تبع لاتباع الباطن فتبقى ms011 صورة المراد المطلوب المشتهى التي في النفس هي ~~المحركة للانسان الآمرة له ولهذا يقال العلة الغائية علة فاعلية فإن ~~الانسان للعلة الغائية بهذا التصور والارادة صار فاعلا للنفعل وهذه الصورة ~~المرادة المتصورة في النفس هي التي جعلت الفاعل فاعلا فيكون الانسان متبعا ~~لها والشيطان يمده في الغي فهو يقوي تلك الصورة ويقوي أثرها ويزين للناس ~~اتباعها وتلك الصورة تتناول صورة العين المطلوبة كالمحبوب من الصور والطعام ~~والشراب وتتناول نفس الفعل الذي هو المباشرة لذلك المطلوب المحبوب والشيطان ~~والنفس تحب ذلك وكلما تصور ذلك المحبوب في نفسه أراد وجوده في الخارج فإن ~~أول الفكر آخر العمل وأول البغية آخر الدرك ولهذا يبقى الانسان عند شهوته ~~وهواه أسيرا لذلك مقهورا تحت سلطان الهوى أعظم من قهر كل قاهر فإن هذا ~~القاهر الهوائي القاهر للعبد هو صفة قائمة بنفسه لا يمكنه مفارقته البتة ~~والصورة الذهنية تطلبها النفس فإن المحبوب تطلب النفس أن تدركه وتمثله لها ~~في نفسها فو متبع للارادة وإن كانت الذهنية والتزين من الزين والمراد ~~التصور في نفسه والمشتهى الموجود في الخارج له محركان التصور والمشتهى هذا # PageV01P027 # يحركه تحريك طلب وأمر وهذا يأمره أن يتبع طلبه وأمره فاتباع الشهوات ~~والأهواء يتناول هذا كله بخلاف كل قاهر ينفصل عن الانسان فإنه يمكنه ~~مفارقته مع بقاء نفسه على حالها وهذا انما يفارقه بتغير صفة نفسه ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء ~~بنفسه وثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الفقر والغنا ~~وكلمة الحق في الغضب والرضا وقوله في الحديث هوى متبع فيه دليل على أن ~~المتبع هو ما قام في النفس كقوله في الشح المطاع وجعل الشح مطاعا لأنه هو ~~الآمر وجعل الهوى متبعا لأن المتبع قد يكون اماما يقتدى به ولا يكون آمرا ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اياكم الشح فإن الشح ~~أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم ~~بالقطيعة فقطعوا فبين ms012 أن الشح يأمر بالبخل والظلم والقطيعة فالبخل منع ~~منفعة الناس بنفسه وماله والظلم هو الاعتداء عليهم فالأول هو التفريط فيما ~~يجب فيكون قد فرط فيما يجب واعتدى عليهم بفعل ما يحرم وخص قطيعة الرحم ~~بالذكر اعظاما لها لأنها تدخل في الأمرين المتقدمين قبلها # PageV01P028 # تفسير البخل والشح والحسد وقال المفسرون في قوله تعالى ومن يوق شح نفسه ~~هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنه شيئا أمره الله بأدائه ~~فالشح يأمر بخلاف أمر الله ورسوله فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالاحسان ~~والشح يأمر باظلم وينهى عن الاحسان وقد كان عبد الرحمن بن عوف يكثر في ~~طوافه بالبيت وبالوقوف بعرفه أن يقول اللهم قنى شح نفسي فسئل عن ذلك فقال ~~اذا وقيت شح نفسي وقيت الظلم والبخل والقطيعة وفي رواية عنه قال اني أخاف ~~أن أكون قد هلكت قال وما ذلك قال اسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه وأنا رجل ~~شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء فقال ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن ~~انما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما وانما يكن بالبخل وبئس الشيء البخل وقد ~~ذكر تعالى الشح في سياق ذكر الحسد والايثار في قوله ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ثم قال ومن يوق شح ~~نفسه فأولئك هم المفلحون فمن وقى شح نفسه لم يكن حسودا باغيا على المحسود ~~والحسد أصله بغض المحسود والشح يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في ~~المال وبغض للغير وظلم له كما قال تعالى قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس الا قليلا أشحة عليكم الآيات # PageV01P029 # الى قوله أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم فشحهم على ~~المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه وبغض الخير يأمر بالشر وبغض ~~الانسان يأمر بظلمه وقطيعته كالحسد فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم المحسود ~~ولقطيعته كابني آدم واخوة يوسف فالحسد والشح يتضمنان بغضا وكراهية فيأمران ms013 ~~بمنع الواجب وبظلم ذلك الشخص فإن الفعل صدر فيه عن بغض بخلاف الهوا فإن ~~الفعل صدر فيه عن حب أحب شيئا فأتبعه ففعله وذلك مقصوده أمر عدمي والعدم لا ~~ينفع ولكن ذلك القصد أمر بأمر وجودي فأطيع أمره وابن مسعود جعل البخل خارجا ~~عن الشح والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الشح يأمر بالبخل ومن الناس من يقول ~~الشح والبخل سواء كما قال ابن جرير الشح في كلام العرب هو البخل ومنع الفضل ~~من المال وليس كما قال بل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود أحق ~~أن يتبع فإن البخيل قد يبخل بالمال محبة لما يحصل له به من اللذة والتنعم ~~وقد لا يكون متلذذا به ولا متنعما بل نفسه تضيق عن انفاقه وتكره ذلك حتى ~~يكون يكره أن ينفع نفسه منه مع كثره ماله وهذا قد يكون مع التذاذة بجمع ~~المال ومحبته لرؤيته وقد لا يكون هناك لذة أصلا بل يكره أن يفعل احسانا الى ~~أحد حتى لو أراد غيره أن يعطي كره ذلك منه بغضا للخير لا للمعطي ولا للمعطي ~~بل بغضا منه للخير وقد يكون بغضا وحسدا للمعطي أو للمعطى وهذا هو الشح وهذا ~~هو الذي يأمر بالبخل قطعا ولكن كل بخل يكون عن شح فكل شحيح بخيل وليس كل ~~بخيل شحيحا # PageV01P030 # قال الخطابي الشح أبلغ في المنع من البخل والبخل انما هو من أفراد الأمور ~~وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللآزم للانسان من قبل الطبع والجبلة ~~وحكى الخطابي عن بعضعهم أنه قال البخل أن يضن الانسان بماله والشح أن يضن ~~بماله ومعروفه وقيل الشح أن يشح بمعروف غيره على غيره والبخل أن يبخل ~~بمعروفه على غيره والذين يتبعون الشهوات ويتبعون أهواءهم يحبون ذلك ~~ويريدونه فاتبعوا محبتهم وارادتهم من غير علم فلم ينظروا هل ذلك نافع لهم ~~في العاقبة أو ضار درجات اتباع الهوى ولهذا قال فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ~~ثم قال ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله واتباع الهوى ms014 درجات فمنهم ~~المشركون والذين يعبدون من دون الله ما يتسحسنون بلا علم ولا برهان كما قال ~~أفرأيت من أتخذ اله هواه أي يتخذ الهه الذي يعبده وهو ما يهواه من آلهة ولم ~~يقل ان هواه نفس الهه فليس كل من يهوى شيئا يعبده فإن الهوى أقسام بل ~~المراد أنه جعل المعبود الذي يعبده هو ما يهواه فكانت عبادته تابعة لهوى ~~نفسه في العبادة فإنه لم يعبد ما يحب أن يعبد ولا عبد العبادة التي أمر بها ~~وهذه حال أهل البدع فإنهم عبدوا غير الله وابتدعوا عبادات # PageV01P031 # زعموا أنهم يعبدون الله بها فهم انما اتبعوا أهواؤهم فإن أحدهم يتبع محبة ~~نفسه وذوقها ووجدها وهواها من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير فلو اتبع ~~العلم والكتاب المنير لم يعبد الا الله بما شاء لا بالحوادث والبدع ~~والمقصود أن الآلهة كثيرة والعبادات لها متنوعة وبالجملة فكل ما يريده ~~الانسان ويحبه لا بد أن يتصوره في نفسه فتلك الصورة العلمية محركة له الى ~~محبوبة ولوازم الحب فمن عبده عبد غير الله وتمثلت له الشياطين في صورة من ~~يعبده وهذا كثير ما زال ولم يزل ولهذا كان كل من عبد شيئا غير الله فإنما ~~يعبد الشيطان ولهذا يقارن الشيطان الشمس عند طلوعها وغروبها واستوائها ~~ليكون سجود من يعبدها له وقد كانت الشياطين تتمثل في صورة من يعبد كما كانت ~~تكلمهم من الأصنام التي يعبدونها وكذلك في وقتنا خلق كثير من المنتسبين الى ~~الاسلام والنصارى والمشركين ممن أشرك ببعض من يعظمه من الأحياء والآموات من ~~المشايخ ويرهم فيدعوه ويستغيث به في حياته وبعد مماته فيراه قد أتاه وكلمه ~~وقضى حاجته وإنما هو شيطان تمثل على صورته ليغوي هذا المشرك والمبتلون ~~بالعشق لا يزال الشيطان يمثل لأحدهم صورة المعشوق او يتصور بصورته فلا يزال ~~يرى صورته مع مغيبه عنه بع موته فإنما جلاه الشيطان على قبله ولهذا اذا ذكر ~~العبد الله الذكر الذي يخنس منه الوسواس الخناس خنس هذا المثال الشيطاني ~~وصورة المحبوب تستولي على المحب ms015 أحيانا حتى لا يرى غيرها ولا يسمع غير ~~كلامها فتبقى نفسه مشتغله بها والذين يسلكون في محبة الله مسلكا ناقصا يحصل ~~لأحدهم نوع من # PageV01P032 # ذلك يسمى الاصطلام والفناء يغيب بمحبوبه عن محبته وبمعروفه عن معرفته ~~وبمذكوره عن ذكره حتى لا يشعر بشيء من أسماء الله وصفاته وكلامه وأمره ~~ونهيه ومنهم من قد ينتقل من هذا الى الاتحاد فيقول أنا هو وهو أنا وانا ~~الله ويظن كثير من المساكين أن هذا هو غاية السالكين وأن هذا هو التوحيد ~~الذي هو نهاية كل سالك وهم غالطون في هذا بل هذا من جنس قول النصارى ولكن ~~ضلوا لأنهم لم يسلكوا الطريق الشرعيه في الباطن في خبر الله وأمره وقد بسط ~~الكلام على هذا في غير هذا الموضع والمقصود أن المتبعين لشهواتهم من الصور ~~والطعام والشراب واللباس يستولي على قلب أحدهم ما يشتهيه حتى يقهره ويملكه ~~ويبقى أسيرا ما يهواه يصرفه كيف تصرف ذلك المطلوب ولهذا قال بعض السلف ما ~~أنا على الشاب الناسك بأخوف مني عليه من سبع ضار يثب عليه من صبي حدث يجلس ~~اليه وذلك أن النفس الصافية التي فيها رقة الرياضة ولم تنجذب الى محبة الله ~~وعبادته انجذابا تاما ولا قام بها من خشية الله التامة ما يصرفها عن هواها ~~متى صارت تحت صورة من الصور استولت تلك الصورة عليها كما يستولي السبع على ~~ما يفترسه فالسبع يأخذ فريسته بالقهر ولا تقدر الفريسة على الامتناع منه ~~كذلك ما يمثله الانسان في قلبه من الصور المحبوبة تبتلع قبله وتقهره فلا ~~يقدر قلبه على الامتناع منه فيبقى قلبه مستغرقا في تلك الصورة أعظم من ~~استغراق الفريسة في جوف الأسد لأن المحبوب المراد هو غاية النفس له عليها ~~سلطان قاهر # PageV01P033 # القلب بين الحب والخوف والقلب يغرق فيما يستولي عليه اما من محبوب وإما ~~من مخوف كما يوجد من محبة المال والجاه والصور والخائف من غيره يبقى قلبه ~~وعقله مستغرقان فيه كما يغرق الغريق في الماء فلا بد أن يستولي عليها ما ~~يحيط بها ms016 من الأجسام والقلوب يستولي عليها ما يتمثل لها من المخاوف ~~والمحبوبات والمكروهات فالمحبوب يطلبه والمكروه يدفعه والرجاء يتعلق ~~بالمحبوب والخوف يتعلق بالمكروه ولا يأتي بالحسنات الا الله ولا يذهب ~~السيئات الا الله وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو وإن يردك بخير فلا ~~راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وما بكم من نعمة فمن ~~الله ثم اذا مسكم الضر فإليه تجئرون واذا دعا العبد ربه باعطاء المطلوب ~~ودفع المرهوب جعل له من الايمان بالله ومحبته ومعرفته وتوحيده ورجائه وحياة ~~قلبه واستنارته بنور الايمان ما قد يكون أنفع له من ذلك المطلوب ان كان ~~عرضا من الدنيا وأما إذا طلب منه أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته وما ~~يتبع ذلك فهنا المطلوب قد يكون أنفع من الطلب وهو الدعاء والمطلوب الذكر ~~والشكر وقيام العبادة على أحسن الوجوه وغير ذلك وهذا لبسطه موضع آخر ~~استيلاء الشهوات والأهواء على القلوب والمقصور أن القلب قد يغمره فيستولي ~~عليه ما يريده العبد ويحبه وما يخافه ويحذره كائنا من كان ولهذا قال تعالى ~~بل قلبوبهم في # PageV01P034 # غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون فهي فيما يغمرها عما ~~أنذرت به فيغمرها ذلك عن ذكر الله والدار الآخرة وما فيها من النعيم ~~والعذاب الأليم قال الله تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين أي فيما يغمر ~~قلوبهم من حب المال والبنين المانع لهم من المسارعة في الخيرات والأعمال ~~الصالحة وقال تعالى قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون الآيات أي ساهون ~~عن أمر الآخرة فهم في غمرة عنها أي فيما يغمر قلبوهم من حب الدنيا ومتاعها ~~ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له وهذا يشبه قوله ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا فالغمرة تكون من اتباع الهوى والسهو من ~~جنس الغفلة ولهذا قال من قال السهو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه وهذا ~~جماع الشر الغفلة والشهوة فالغفلة عن الله والدار ms017 الآخرة تسد باب الخير ~~الذي هو الذكر واليقظة والشهوة تفتح باب الشر والسهو والخوف فيبقى القلب ~~مغمورا فيما يهواه ويخشاه غافلا عن الله رائدا غير الله ساهيا عن ذكره قد ~~اشتغل بغير الله قد انفرط أمره قد ران حب الدنيا على قلبه كما روي في صحيح ~~البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعس عبد ~~الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد # PageV01P035 # القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش ان أعطي رضي وإن ~~منع سخط جعله عبد ما يرضيه وجوده ويسخطه فقده حتى يكون عبد الدرهم وعبد ما ~~وصف في هذا الحديث والقطيفة هي التي يجلس عليها فهو خادمها كما قال بعض ~~السلف البس من الثياب ما يخدمك ولا تلبس منها ما تكن أنت تخدمه وهي كالبساط ~~الذي تجلس عليه والخميصة هي التي يرتدي بها وهذا من أقل المال وإنما نبه به ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أعلى منه فهو عبد لذلك فيه أرباب ~~متفرقون وشركاء متشاكسون ولهذا قال ان أعطي رضي وإن منع سخظ فما كان يرضي ~~الانسان حصوله ويسخطه فقده فهو عبده اذ العبد يرضى باتصاله بهما ويسخط ~~لفقدهما والمعبود الحق الذي لا اله الا هو اذا عبده المؤمن وأخيه حصل ~~للمؤمن بذلك في قلبه ايمان وتوحيد ومحبة وذكر وعبادة فيرضى بذلك واذا منع ~~من ذلك غضب وكذلك من أحب شيئا فلا بد من أن يتصوره في قلبه ويريد اتصاله به ~~بحسب الامكان قال الجنيد لا يكون العبد عبدا حتى يكون مما سوى الله تعالى # PageV01P036 # حرا وهذا مطابق لهذا الحديث فإنه لا يكون عبدا لله خالصا مخلصا دينه لله ~~كله حتى لا يكون عبدا لما سواه ولا فيه شعبة ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى ~~الله فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير ففيه من الشرك ~~بقدر محبته وعبادته لذلك الغير زيادة قال الفضيل بن عياض والله ما صدق الله ~~في عبوديته من ms018 لأحد من المخلوقين عليه ربانية وقال زيد بن عمرو بن نفيل ~~أربا واحدا أم ألف ربأدين اذا انقسمت الأمور روى الامام أحمد والترمذي ~~والطبراني من حديث أسماء بنت عميس قالت قال رسول الله صلى الله عليه بئس ~~العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي ~~الجبار الأعلى بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد ~~بغى واعتدى ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد ال دنيا بالدين بئس العبد ~~عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد رغب يذله ويزيله عن الحق بئس العبد ~~عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله قال # PageV01P037 # الترمذي غريب وفي الحديث الصحيح المتقدم ما يقويه والله أعلم وكذلك ~~أحاديث وآثار كثيرة رويت في معنى ذلك كما قال تعالى ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله وطالب الرئاسة ~~ولو بالباطل ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه وإن كانت باطلا وتغضبه الكلمة ~~التي فيها ذمة وان كانت حقا والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه وتغضيه كلمة ~~الباطل له وعليه لأن الله تعالى يحب الحق والصدق والعدل ويبغض الكذب والظلم ~~فإذا قيل الحق والصدق والعدل الذي يحبه الله أحبه وان كان فيه مخالفة هواه ~~لأن هواه قد صار تبعا لما جاء به الرسول واذا قيل الظلم والكذب فالله يبغضه ~~والمؤمن يبغضه ولو وافق هواه وكذلك طالب المال ولو بالباطل كما قال تعالى ~~ومنهم من يلمزك في الصدقات فان أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم ~~يسخطون وهؤلاء هم الذين قال فيهم تعس عبد الدينار الحديث فكيف اذا استولى ~~على القلب ما هو أعظم استعبادا من الدرهم والدينار من الشهوات والأهواء ~~والمحبوبات التي تجذب القلب عن كمال محبته لله وعبادته لما فيها من ~~المزاحمة والشرك بالمخلوقات كيف تدفع القلب وتزيغه عن كمال محبته لربه ~~وعبادته وخشيته لأن كل محبوب يجذب قلب محبه اليه ويزيغه عن محبة غير محبوبة ~~وكذلك المكروه يدفعه ويزيله ms019 ويشغله عن عبادة الله تعالى # PageV01P038 # ولهذا روى الامام أحمد في مسنده وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأصحابه الفقر تخافون لا أخاف عليكم الفقر انما أخاف عليكم الدنيا حتى ان ~~قلب أحدكم اذا زاغ لا يزيغه الا هي وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه ~~والذين يبغضونه كأعدائه فالذين يحبونه يجذبونه اليهم فاذا لم تكن المحبة ~~منهم له لله كان ذلك مما يقعطه عن الله والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه ~~فيشغلونه بأذاهم عن الله ولو أحسن اليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله ~~أوجب احسانهم اليه محبته لهم وانجذاب قلبه اليهم ولو كان على غير الاستقامة ~~وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله وعبادته خلاص القلب من الفتنة فلا تزول ~~الفتنة عن القلب الا اذا كان دين العبد كله لله عز وجل فيكون حبه لله ولما ~~يحبه الله وبغضبه لله ولما يبغضه الله وكذلك موالاته ومعاداته والا فمحبة ~~المخلوق تجذبه وحب الخلق له سبب يجذبهم به اليه ثم قد يكون هذا أقوى وقد ~~يكون هذا أقوى فإذا كان هو غالبا لهواه لم يجذبه مغلوب مع هواه ولا ~~محبوباته اليها لكونه غالبا لهواه ناهيا لنفسه عن الهوى لما في قلبه من ~~خشية الله ومحبته التي تمنعه عن انجذابه الى المحبوبات وأما حب الناس له ~~فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم اليهم فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن ~~نفسه من محبة الله وخشيته وإلا جذبوه وأخذوه اليهم كحب امرأة العزيز ليوسف ~~فإن قوة يوسف ومحبته لله # PageV01P039 # وإخلاصه وخشيته كانت أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها هذا اذا ~~أحب أحدهم صورته مع أن هنا الداعي قوي منه ومنهم فهنا المعصوم من عصمه الله ~~وإلا فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بينهم ولهذا ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخلون رجل بامرأة الا كان ثالثهما ~~الشيطان حال المواليه لغير الله وقد يحبونه لعلمه أو دينه أو احسانه أو غير ~~ذلك فالفتنة في هذا أعظم الا اذا ms020 كانت فيه قوة ايمانية وخشية وتوحيد تام ~~فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون وهم مع ذلك يطلبون منه ~~مقاصدهم ان لم يفعلها والا نقص الحب أو حصل نوع بغض وربما زاد أو أدى الى ~~الانسلاخ من حبه فصار مبغوضا بعد أن كان محبوبا فأصدقاء الانسان يحبون ~~استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم وأعداؤه يسعون في أذاه ~~واضراره وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وان كان مضرا له مفسدا لدينه لا يفكون ~~في ذلك وقليل منهم الشكور فاطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه ولا دفع ~~ضرره وانما يقصدون أغراضهم به فإن لم يكون الانسان عابدا الله متوكلا عليه ~~مواليا له ومواليا فيه ومعاديا وإلا أكلته الطائفتان وأدى ذلك الى هلاكه في ~~الدينا والآخرة وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم من ~~المحاربات والمخاصمات والاختلاف والفتن قوم يوالون زيدا ويعادون عمروا # PageV01P040 # وآخرون بالعكس لأجل أغراضهم فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم ~~طالبوه من زيد انقلبوا الى عمرو وكذلك أصحاب عمرو كما هو الواقع بين أصناف ~~الناس وكذلك الرأس من الجانبين يميل الى هؤلاء الذين يوالونه وهم اذا لم ~~تكن الموالاة لله أضر عليك من اولئك فإن أولئك انما يقصدون افساد دنياه اما ~~بقتله أو بأخذ ماله وإما بإزالة منصبه وهذا كله ضرر دنيوي لا يعتد به اذا ~~سلم العبد وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا يعتدون بفساد دينهم مع ~~سلامة دنياهم فهم لا يبالون بذلك وأما دين العبد الذي بينه وبين الله فهم ~~لا يقدرون عليه ضرر الموالاة لأجل المصلحة وأما أولياؤه الذين للأغراض ~~فإنما يقصدون منه فساد دينه بمعاونته على أغراضهم وغير ذلك فإن لم أعداء ~~فدخل بذلك عليه الأذى من جهتين من جهة مفارقتهم ومن جهة عداوتهم وعداوتهم ~~أشد عليه من عداوة أعدائه لأنهم قد شاهدوا منه وعرفوا ما لم يعرفه أعداؤه ~~فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة وان لم يجب مفارقتهم احتاج الى ~~مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدونه وإن كان ms021 فيه فساد دينه فإن ساعدهم على ~~نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيبا وافرا وحظا تاما من ظلمهم ~~وجورهم وطلبوا منه أيضا أن يعاونهم على أغراضهم ولو فاتت أغراضه الدنيوية ~~فكيف # PageV01P041 # بالدينية ان وجدت فيه أو عنده فإن الانسان ظالم جاهل لا يطلب الا هواه ~~فإن لم يكن هذا في الباطن يحسن اليهم ويصبر على أذاهم ويقضي حوائجهم لله ~~وتكون استعانته عليهم بالله تامة وتوكله على الله تام وإلا أفسدوا دينه ~~ودنياه كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن يطلب الرئاسة الدنيوية فإنه ~~يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به تلك الرئاسة ويحسن له هذا الرأي ~~ويعاديه ان لم يقم معه كما قد جرى ذلك مع غير واحد وذلك يجري فيمن يحب شخصا ~~لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ويعطيه ما يقدر عليه ويطلب منه من المحرم ما يفسد ~~دينه وفيمن يحب صاحب بدعة لكونه له داعية الى تلك البدعة يحوجه الى أن ينصر ~~الباطل الذي يعلم أنه باطل والا عاداه ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع ~~مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك الباطل لأجل الأتباع والمحبين ~~ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم فمن أحب غير الله ووالى غيره كره محب الله ~~ووليه ومن أحب أحدا لغير الله كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه فإن ~~أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي والحيلوله بينه ~~وبينه رحمة في حقه وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه فأي ~~صداقة هذه ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه ~~وكلاهما ضرر عليه قال تعالى اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ~~الغذاب # PageV01P042 # وتقطعت بهم الأسباب قال الفضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد هي المودات التي ~~كانت لغير الله والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا وقال الذين اتبعوا لو ~~أن لنا كره فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم وما هم بخارجين من النار فالأعمال التي أراهم الله حسرات عليهم هي ~~الأعمال ms022 التي يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا كانت لغير الله ومنها الموالاة ~~والصحبة والمحبة لغير الله فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا ولا حول ولا قوة الا بالله سبب المحبة ومما يحقق هذه الأمور أن المحب ~~يجذب والمحبوب يجذب فمن أحب شيئا جذبه اليه بحسب قوته ومن أحب صورة جذبته ~~تلك الصورة الى المحبوب الموجود في الخارج بحسب قوته فإن المحب علته فاعلية ~~والمحبوب علته غائية وكل منهما له تأثير في وجود المعلول والمحب انما يجذب ~~المحبوب بما في قلب المحب من صورته التي يتمثلها فتلك الصورة تجذبه بمعنى ~~انجذابه اليها لأنها هي في نفسها قصد وفعل فإن في المحبوب من المعنى ~~المناسب ما يقتضي انجذاب المحب اليه كما ينجذب الانسان الى الطعام ليأكله ~~والى امرأة ليباشرها والى صديقه ليعاشره وكما تنجذب قلوب المحبين لله ~~ورسوله الى الله ورسوله والصالحين من عباده لما اتصف به سبحانه من الصفات ~~التي يستحق لأجلها أن يحب ويعبد بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته ~~الا هو سبحانه وبحمده فكل محبوب في العالم انما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته ~~والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه وهذا من معاني الهيته ولو كان فيهما # PageV01P043 # آلهة الا الله لفسدتا ف الله فغن ذلك من خصائص اليهيته فلا يستحق ذلك الا ~~الله وحده وكل محبوب سواه ان لم يحب لأجله أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة ~~والله تعالى خلف في النفوس حب الغذاء وحب النساء لما في ذلك من حفظ الأبدان ~~وبقاء الانسان ف ولولا حب النساء لما تزوجوا فانقطع النسل والمقصود بوجود ~~ذلك بقاء كل منهم ليعبدوا الله وحده ويكون هو المحبوب المعبود لذاته الذي ~~لا يستحق ذلك غيره وانما تحب الأنبياء والصالحوب تبعا لمحبته فإن من تمام ~~حبه حب ما يحبه وهو يحب الأنبياء والصالحين ويحب الأعمال الصالحة فحبها لله ~~هو من تمام حبه وأما الحب معه فهو حب المشركين الذين يحبون أنندادهم كحب ~~الله فالمخلوق ms023 اذا أحب لله كان حبه جاذبا الى حب الله واذا تحاب الرجلان في ~~الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه كان لكل منهما جاذبا للآخر الى حب الله ~~كما قال تعالى حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتجالسين في وحقت محبتي ~~للمتباذلين في وإن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يقربهم من الله وهم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال ~~يتباذلونها ولا أرحام يتواصلون بها ان لوجوههم لنورا وإنهم لعلى كراس من ~~نور لا يخافون اذا خاف الناس ولا يحزنون اذا حزن الناس # PageV01P044 # فإنك اذا أحببت الشخص لله كان الله هو المحبوب لذاته فكلما تصورته في ~~قلبك تصورت محبوب الحق فأحببته فازداد حبك لله كما اذا ذكرت النبي صلى الله ~~عليه وسلم والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين وتصورتهم في قبلك ~~فإن ذلك يجذب قلبك الى محبة الله المنعم عليهم وبهم اذا أحب شخصا لله فإن ~~الله هو محبوبه فهو يحب أن يجذبه الى الله تعالى وكل من المحب لله والمحبوب ~~لله يجذب الى الله وهكذا اذا كان الحب لغير الله كما اذا أحب كل من الشخصين ~~الآخر بصورة كالمرأة مع الرجل فإن المحب يطلب المحبوب والمحبوب يطلب المحب ~~بانجذاب المحبوب فإذا كانا متحابين صار كل منهما جاذبا مجذوبا من الوجهين ~~فيجب الاتصال ولو كان الحب من أحد الجانبين لكان المحب يجذب المحبوب ~~والمحبوب يجذبه لكن المحبوب لا يقصد جذبه والمحب يقصد جذبه وينجذب وهذا سبب ~~التأثير في المحبوب اما تمثل يحصل في قلبه فينجذب وإما أن ينجذب بلا محبة ~~كما يأكل الرجل الطعام ويلبس الثوب ويسكن الدار ونحو ذلك من المحبوبات التي ~~لا ارادة لها وأما الحيوان فيحب ببعضه بعضا بكونه سببا للاحسان اليه وقد ~~جبلت النفوس على حب من أحسن اليها لكن هذا في الحقيقة انما هو محبة الاحسان ~~لا نفس المحسن ولو قطع ذلك لضمحل ذلك الحب وربما أعقب بغضا فإنه ليس لله عز ~~وجل فإن من أحب انسانا لكونه يعطيه فما أحب الا العطاء ms024 ومن قال انه يحب من ~~يعطيه لله فهذا كذب ومحال وزور من القول وكذلك من أحب انسانا لكونه ينصره ~~انما أحب النصر لا الناصر وهذا كله من اتباع ما تهوى الأنفس فإنه لم يحب في ~~الحقيقة الا ما يصل اليه من جلب منفعة # PageV01P045 # أو دفع مضرة فهو انما أحب تلك المنفعة ودفع المضرة وانما أحب ذلك لكونه ~~وسيلة الى محبوبه وليس هذا حبا لله ولا لذات المحبوب وعلى هذا تجري عامة ~~محبة الخلق بعضهم مع بعض وهذا لا يثابون عليه في الآخرة ولا ينفعهم بل ربما ~~أدى ذلك الى النفاق والمداهنة فكانوا في الآخرة من الأخلاء الذين بعضهم ~~لبعض عدو الا المتقين وإنما ينفعهم في الأخرة الحب في الله ولله وحده وأما ~~من يرجو النفع والنصر من شخص ثم يزعم أنه يحبه لله فهذا من دسائس النفوس ~~ونفاق الأقوال وإنما ينفع العبد الحب لله لما يحبه الله من خلقه كالأنبياء ~~والصالحين لكون حبهم يقرب الى الله ومحبته وهؤلاء هم الذين يستحقون محبة ~~الله لهم ونبينا كان يعطي المؤلفة قلبوهم ويدع آخرين هم أحب اليه من الذي ~~يعطي يكلهم الى ما في قلوبهم من الايمان وإنما كان يعطي المؤلفة قلوبهم لما ~~في قلوبهم من الهلع والجزع ليكون ما يعطيهم سببا لجلب قلوبهم الى أن يحبوا ~~الاسلام فيحبوا الله فكان مقصوده بذلك دعوة القلوب الى حب الله عز وجل ~~وصرفها عن ضد ذلك ولهذا كان يعطي أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في ~~النار فمنعهم بذلك العطاء عما يكرهه منهم فكان يعطي لله ويمنع لله وقد قال ~~من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وفي صحيح ~~البخاري عنه صلى الله # PageV01P046 # عليه وسلم أنه قال اني والله انما أنا قاسم لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا ~~ولكن أضع حيث أمرت سيطرة المحبوب على المحب وصورة المحبوب المتمثلة في ~~النفس يتحرك لها المحب ويريد لها ويحب ويبغض ويبتهج وينشرح عند ذكرها من أي ~~جنس كانت فتبقى هي كالآمر ms025 الناهي له ولهذا يجد في نفسه كأنها تخاطبه بأمر ~~ونهي وغير ذلك كما يرى كثير من الناس من يحبه ويعظمه في منامه وهو يأمره ~~وينهاه ويخبره بأمور تدليس ابليس على المحبين والمشركون تتمثل لهم الشياطين ~~في صور من يعبدونه تأمرهم وتنهاهم والقائلون بالشاهد والمنتسبون الى السلوك ~~يقول أحدهم انه يخاطب في باطنه على لسان الشاهد فمنهم من يصلي بالليل وذلك ~~بازائه ليشاهده في الضوء ومنهم من يشاهده في حال السماع في غيره ويظنون ~~أنهم يخاطبون ويجدون المريد في قلوبهم بذلك وذلك لأنهم يتمثلونه في أنفسهم ~~وربما كان الشيطان يتمثل في صورته فيجدون في نفوسهم خطابا من تلك الصورة ~~فيقولون خوطبنا من جهته وهذا وإن كان موجودا في المخاطب فمن المخاطب له ~~فالفرقان هنا فأما ذلك المخاطب من وسواس الشيطان والنفس وقد يخاطبون بأشياء ~~حسنة رشوة منه لهم ولا يخاطبون بما يعرفون # PageV01P047 # أنه باطل لئلا ينفرون منه بل الشيطان يخاطب أحدهم بما يرى أنه حق والراهب ~~اذا راض نفسه فمرة يرى في نفسه صورة التثليث وربما خوطب منها لأنه كان قد ~~يتمثلها قبل ذلك فلما انصقلت نفسه بالرياضة ظهرت له والمؤمن الذي يحب الله ~~ورسوله يرى الرسول في منامه بحسب ايمانه وكذلك يرى الله تعالى في منامه ~~بحسب ايمانه كما قد بسط في غير هذا الموضوع ولهذا كثير من أهل الزهد ~~والعبادة يكون من أعوان الكفار ويزعم أنه مأمور بذلك ويخاطب به ويظن أن ~~الله هو الذي أمره بذلك والله منزه عن ذلك وإنما الآمر له بذلك النفس ~~والشيطان وما في نفسه من الشرك اذ لو كان مخلصا لله الدين لما عرض له شيء ~~من ذلك فإن هذا لا يكون الا لمن فيه شرك في عبادته أو عنده بدعة ولا يقع ~~هذا لمخلص متمسك بالسنة البتة واذا كانت الرؤيا على ثلاثة أقسام رؤيا من ~~الله ورؤيا من حديث النفس ورؤيا من الشيطان فكذلك ما يلقى في نفس الانسان ~~في حال يقظته ثلاثة أقسام ولهذا كانت الأحوال ثلاثة رحماني ونفساني وشيطاني ~~وما ms026 يحصل من نوع المكاشفة والتصرف ثلاثة أصناف ملكي ونفسي وشيطاني فإن ~~الملك له قوة والنفس لها قوة والشيطان له قوة وقلب المؤمن له قوة فما كان ~~من الملك ومن قلب المؤمن فهو حق وما كان من الشيطان ووسوسة النفس فهو باطل ~~وقد اشتبه هذا بهذا على طوائف كثيرة فلم يفرقوا بين أولياء الله # PageV01P048 # وأعداء الله بل صاروا يظنون في من هو من جنس المشركين والكفار أهل الكتاب ~~من وجوه كثيرة أنه من أولياء الله المتقين والكلام في هذا مبسوط في موضع ~~آخر ولهذا في هؤلاء من يرى جواز قتال الأنبياء ومنهم من يرى أنه أفضل من ~~الأنبياء الى أنواع آخر وذلك لأنه حصل لهم من الأنواع الشيطانية والنفسانية ~~ما ظنوا أنها من كرامات الأولياء فظنوا أنهم منهم فكان الأمر بالعكس وأصل ~~هذا أنهم تعبدوا بما تحبه النفس وأما العبادة بما يحبه الله ويرضاه فلا ~~يحبونه ولا يريدونه وحده ويرون أنهم اذا عبدوا الله بما أمر به ورسله حط ~~لهم عن منصب الولاية فيحدثون محبة قوية وتألها وعبادة وشوقا وزهدا ولكن فيه ~~شرك وبدعة ومحبة التوحيد انما تكون لله وحده على متابعة رسوله كما قال ~~تعالى قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم فلهذا ~~يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم يحبون لله ويبغضون له وهم على ~~ملة ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله ~~وحده وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل ~~الله فليست هي المحبه الاخلاصية فإنها مقرونة بالتوحيد ولهذا سمى أبو طالب ~~المكي كتابه قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد الى مقام ~~التوحيد والله سبحانه أعلم # PageV01P049 # الزهد والورع قال شيخ الاسلام رحمه الله قد كتبت في كراسة الحوادث فضلا ~~في جماع الزهد والروع وأن الزهد هو عما لا ينفع اما لانفاء نفعه أو لكونه ~~مرجوحا لأنه مفوت لما هو ms027 أنفع منه أو محصل لما يربو ضرره على نفعه وأما ~~المنافع الخالصة أو الراجحة فالزهد فيها حمق وأما الورع فإنه الامساك عما ~~قد يضر فتدخل فيه المحرمات والشبهات لأنها قد تضر فإنه من اتقى الشبهات ~~استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى ~~يوشك أن يواقعه وأما الورع عما لا مضرة فيه أو فيه مضرة مرجوحة لما تقترن ~~به من جلب منفعة راجحة أو دفع مضرة أخرى راجحة فجل وظلم وذلك يتضمن ثلاثة ~~أقسام لا يتورع عنها المنافع المكافأة والراجحة والخالصة كالمباح المحص أو ~~المستحب أو الواجب فان الورع عنها ضلالة وأنا أذكر هنا تفصيل ذلك فأقول ~~الزهد خلاف الرغبة يقال فلان زاهد في كذا وفلان راغب فيه والرغبة هي من جنس ~~الارادة والكراهة بحيث لا يكون لا مريدا له كارها ولا كارها له وكل من لم ~~يرغب في الشيء ويريده فهو زاهد فيه وكما أن سبيل الله يحمد فيه الزهد فيما ~~زهد الله فيه من فضول الدنيا فتحمد فيه الرغبة والارادة لما حمد الله ~~ارادته والرغبة فيه ولهذا كان أساس الطريق الارادة كما قال تعالى ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة # PageV01P050 # والعشي يريدون وجهه وقال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا ونظائره متعددة الزهد بين الذم والمدح كما رغب في ~~الزهد وذم ضده في قوله من كان يريد الحياة الدينا وزينتها نوف اليهم ~~أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار ~~وقال تعالى ألهكم التكاثر السورة وقال تعالى وتأكلون التراث أكلا لما ~~وتحبون المال حبا جما وقال ان الانسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه ~~لحب الخير لشديد وقال تعالى انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر ~~بينكم الآية وهذا باب واسع وإما المقصود هنا تميز الزهد الشرعي من غيره وهو ~~الزهد المحمود وتميز الرغبة الشرعيه من غيرها وهي الرغبة المحمودة فإنه ~~كثيرا ما يشتبه الزهد بالكسل والعجز والبطالة عن ms028 الأوامر الشرعية وكثيرا ما ~~تشتبه الرغبة الشرعيه بالحرص والطمع والعمل الذي ضل سعي صاحبه وأما الورع ~~فهو اجتناب الفعل واتقاؤه والكف والامساك عنه # PageV01P051 # والحذر منه وهو يعود الى كراهة الأمر والنفرة منه والبغض له وهو أمر ~~وجودي أيضا وإن كان قد اختلف في المطلوب بالنهي هل هو عدم المنهي عنه أو ~~فعل ضده وأكثر أهل الاثبات على الثاني فلا ريب أنه لا يسمى ورعا ومتورعا ~~ومتقيا الا اذا وجد منه الامتناع والامساك الذي هو فعل ضد المنهي عنه ~~والتحقيق أنه مع عدم المنهي عنه يحصل له عدم مضرة الفعل المنهي عنه وهو ذمة ~~وعقابه ونحو ذلك ومع وجود الامتناع والاتفاء والاجتناب يكون قد وجد منه عمل ~~صالح وطاعة وتقوى فيحصل له منفعة هذا العمل من حمده وثوابه وغير ذلك فعدم ~~المضرة لعدم السيئات ووجود المنفعة لوجود الحسنات الفرق بين الزهد والورع ~~فتلخص أن الزهد من باب عدم الرغبة والارادة في المزهود فيه والورع من باب ~~وجود النفرة والكراهة للمتورع عنه وانتفاء الارادة انما يصلح فيهما ليس فيه ~~منفعة خالصة أو راجحة وأما وجود الكراهية فانما يصلح فيهما فيه مضرة خالصة ~~أو راجحة وأما وجود الكراهة فانما يصلح فيما فيه مضرة خالصة أو راجحة فأما ~~اذا فرض ما لا منفعة فيه ولا مضرة أو منفعته ومضرته سواء من كل وجه فهذا لا ~~يصلح أن يراد ولا يصلح أن يكره فيصلح فيه الزهد ولا يصلح فيه الورع فظهر ~~بذلك أن كل ما يصلح فيه الورع يصلح فيه الزهد من غير عكس وهذا بين فإن ما ~~صلح أن يكره وينفر عنه صلح أن لا يراد ولا يرغب فيه فإن عدم الارادة أولى ~~من وجود الكراهة ووجود الكراهة مستلزم عدم الارادة من غير عكس وليس كل ما ~~صلح أن لا يراد يصلح أن يكره بل قد يعرض من الأمور ما لا تصلح ارادته ولا ~~كراهته ونلا حبه ولا بغضه ولا الأمر به ولا النهي عنه وبهذا يتبين أن ~~الواجبات والمستحبات لا يصلح فيها زهد ms029 ولا ورع # PageV01P052 # وأما المحرمات المكروهات فيصلح فيها الزهد والورع وأما المباحات فيصلح ~~فيها الزهد دون الورع وهذا القدر ظاهر تعرفه بأدنى تأمل وانما الشأن فيما ~~اذا تعارض في الفعل هل هو مأمور به أو منهي عنه أو مباح وفيما اذا اقترن ~~بما جنسه مباح ما يجعله مأمورا به أو منهيا عنه أو اقترن بالمأمور به ما ~~يجعله منهيا عنه وبالعكس فعند اجتماع المصالح والمفاسد والمنافع والمضار ~~وتعارضها يحتاج الى الفرقان ### | هل الثواب على قدر المشقة # وقال قول بعض الناس الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الاطلاق كما ~~قد يستدل به طوائق على أنواع من الرهبانيات والعبادات المبتعدة التي لم ~~يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات ~~ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال هلك ~~المتنطعون وقال لو مد لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم مثل ~~الجوع أو العطش # PageV01P053 # المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه ~~وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الانسان بلا فائدة مثل حديث أبي ~~اسرائيل الذي نذر أن يصوم وأن وأن يقوم قائما ولا يجلس ولا يستظل ولا يتكلم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه ~~رواه البخاري وهذا باب واسع وأما الأجر على قدر الطاعة فقد تكون الطاعة لله ~~ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الاسلام الكلمتين وهما أفضل ~~الأعمال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ~~ثقيلتان في الميزان حبيبتان الى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله ~~العظيم أخرجاه في الصحيحين ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدة ه ~~لكان صحيحا اتصاف الأول باعتبار تعلقة بالأمر والثاني باعتبار صفته في نفسه ~~والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط وتارة من جهة صفته في ~~نفسه وتارة من كلا الأمرين فبالاعتبار الأول ينقسم الى طاعة ومعصية # PageV01P054 # وبالثاني ينقسم الى حسنة وسيئة والطاعة والمعصية اسم ms030 له من جهة الأمر ~~والحسنة والسئة اسم له من جهة نفسه وان كان كثير من الناس لا يثبت الا ~~الأول كما تقوله الأشعرية وطائفة من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ومن الناس ~~من لا يثبت الا الثاني كما تقوله المعتزلة وطائفة من الفقهاء من أصحابنا ~~وغيرهم والصواب اثبات الاعتبارين كما تدل عليه نصوص الأثمة وكلام السلف ~~وجمهور العلماء من أصحابنا وغيرهم فأما كونه مشقا فليس هو سببا لفضل العمل ~~ورجحانه ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقا فضله لمعنى غير مشقته والصبر عليه ~~مع المشقة يزيد ثوابه وأجره فيزاداد الثواب بالمشقة كما أن من كان بعده عن ~~البيت في الحج والعمرة أكثر يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة في العمرة أجرك على قدر نصبك لأن الأجر على قدر ~~العمل في بعد المسافة وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر وكذلك الجهاد وقوله ~~صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأه ~~ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران # PageV01P055 # فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب لا لأن التعب والمشقة مقصود ~~من العمل ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب هذا في شرعنا الذي رفعت عنا ~~فيه الآصار والأغلال ولم يجعل علينا فيه حرج ولا أريد بنا فيه العسر وأما ~~في شرع من قبلنا قد تكون المشقة مطلوبة منهم وكثير من العباد يرى جنس ~~المشقة والألم والتعب مطلوبا مقربا الى الله لما فيه من نفرة النفس عن ~~اللذات والركون الى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد وهذا من جنس زهد ~~الصابئة والهند وغيرهم ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون ~~الأعمال الشاقة الشديده المتعبة من أنواع العبادات والزهادات مع أنه لا ~~فائدة فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة الا أن يكون شيئا يسيرا لا يقاوم العذاب ~~الأليم الذي يجدونه ونظير هذا الأصل الفاسد مدح بعض الجهال بأن يقول فلان ~~ما نكح ولا ذبح وهذا مدح الرهبان الذين لا ينكحون ولا يذبون وأما الحنفاء ms031 ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل ~~اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني وهذه الأشياء من الدين الفاسد وهو مذموم ~~كما أن الطمأنينة الى الحياة الدنيا مذموم # PageV01P056 # أقسام الناس والناس أقسام أصحاب دنيا محضة وهم المعرضون عن الآخرة وأصحاب ~~دين فاسد وهم الكفار والمبتعدة الذين يتدينون بما لم يشرعه الله من أنواع ~~العبادات والزهادات والقسم الثالث وهم أهل الدين الصحيح أهل الاسلام ~~المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة والحمد لله الذي هدانا الى لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق # PageV01P057 ### | الفصل الثاني تزكية النفس وكيف تزكو # وقال شيخ الاسلام احمد بن تيمية رحمه الله تعالى فصل في تزكية النفس وكيف ~~تزكو بترك المحرمات مع فعل المأمورات قال تعالى قد أفلح من زكاها وقد أفلح ~~من تزكى معنى التزكية قال قتادة وابن عيينة وغيرهما قد أفلح من زكى نفسه ~~بطاعة الله وصالح الأعمال وقال الفراء والزجاج قد أفلحت نفس زكاها الله وقد ~~خابت نفس دساها الله وكذلك ذكره الوالبي عن ابن عباس وهو منقطع وليس هو ~~مراد من الآية بل المراد بها الأول قطعا لفظا ومعنى أما اللفظ فقوله من ~~زكاها اسم موصول ولا بد فيه من عائد على من فإذا قيل قد أفلح الشخص الذي ~~زكاها كان ضمير الشخص في زكاها يعود على من هذا وجه الكلام الذي لا ريب في ~~صحته كما يقال قد أفلح من اتقى الله وقد أفلح من أطاع ربه وأما اذا كان ~~المعنى قد أفلح من زكاه الله لم يبق في الجملة ضمير # PageV01P059 # يعود على من فإن الضمير على هذا يعود على الله وليس هو من وضمير المفعول ~~يعود على النفس المتقدمة فلا يعود على من لا ضمير الفاعل ولا المفعول فتخلو ~~الصلة من عائد وهذا لا يجوز نعم لو قيل قد أفلح من زكى الله نفسه أو من ~~زكاها الله له ونحو ذلك صح الكلام وخفاء هذا على من قال به من النحاة ms032 عجب ~~وهو لم يقل قد أفلحت نفس زكاها فإنه هنا كانت تكون زكاها صفة لنفس لا صلة ~~بل قال قد أفلح من زكاها فالجملة صلة لمن لا صفة لها ولا قال أيضا قد أفلحت ~~النفس التي زكاها فإنه لو قيل ذلك وجل في زكاها ضمير يعود على اسم الله صح ~~فإذا تكلفوا وقالوا التقدير قد أفلح من زكاها هي النفس التي زكاها وقالوا ~~في زكى ضمير المفعول يعود على من وهي تصلح للمذكر والمؤنث والواحد والعدد ~~فالضمير عائد على معناها المؤنث وتأنيثها غير حقيقي ولهذا قيل قد أفلح ولم ~~يقل قد أفلحت قيل لهم هذا مع أنه خروج من اللغة الفصيحة فإنما يصح اذا دل ~~الكلام على ذلك في مثل ومن على أن المراد لنا وكذا قوله ومنهم من يستمعون ~~اليك ونحو ذلك وأما هنا فلس في لفظ من وما بعدها ما يدل على أن المراد به ~~النفس المؤنثه فلا يجوز أن يراد بالكلام ما ليس فيه دليل على ارادته فإن ~~مثل هذا مما يصان كلام الله عز وجل عنه فلو قدر احتمال عود ضمير زكاها الى ~~نفس والى من مع أن لفظ من لا دليل يوجب عوده عليه لكان الى المؤنث أولى من ~~اعادته الى ما يحتمل التذكير والتأنيث # PageV01P060 # وهو في التذكير أظهر لعدم دلالته على التأنيث فان الكلام اذا احتمل ~~معنيين وجب حمله على أظهرهما ومن تكلف غير ذلك فقد خرج عن كلام العرب ~~المعروف والقرآن منزه عن ذلك والعدول عما يدل عليه ظاهر الكلام الى ما لا ~~يدل عليه بلا دليل لا يجوز البتة فكيف اذا كان نصا من جهة المعنى فقد أخبر ~~الله أنه يلهم التقوى والفجور ولبسط هذا موضع آخر التزكية في الكتاب السنة ~~والمقصود هنا أمر الناس بتزكية أنفسهم والتحذير من تدسيتها كقوله قد أفلح ~~من تزكى فلو قدر أن المعنى قد أفلح من زكى الله نفسه لم يكن فيه أمر لهم ~~ولا ينهي ولا ترغيب ولا ترهيب والقرآن اذا أمر أو نهى لا ms033 يذكر مجرد القدر ~~فلا يقول من جعله الله مؤمنا بل يقول قد أفلح المؤمنون قد أفلح من تزكى اذ ~~ذكر مجرد القدر في هذا يناقض المقصود ولا يليق هذا بأضعف الناس عقلا فكيف ~~بكلام الله ألا ترى أنه في مقام الأمر والنهي والترغيب والترهيب يذكر القدر ~~عند بيان نعمه عليهم اما بما ليس من أفعالهم وإما بإنعامه بالايمان والعمل ~~الصالح ويذكره في سياق قدرته ومشيئته وأما في معرض الأمر فلا يذكره الا عند ~~النعم كقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى الآية فهذا مناسب وقوله قد ~~أفلح من تزكى وهذه الأية من جنس الثانية لا الأولى والمقصود ذكر التزكية ~~قال تعالى قل للمؤمنين يغضوا # PageV01P061 # الآية وقال فارجعوا هو أزكى لكم وقال الذين لا يؤتون الزكاة وقال وما ~~عليك ألا يزكى وأصل الزكاة الزيادة في الخير ومنه يقال زكا الزرع وزكا ~~المال اذا نما ولن ينمو الخير الا بترك الشر والزرع لا يزكو حتى يزال عنه ~~الدغل فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها ولا يكون ~~الرجل متزكيا الا مع ترك الشر فإنه يدنس النفس ويدسيها قال الزجاج دساها ~~جعلها ذليلة حقيرة خسيسة وقال الفراء دساها لأن البخيل يخفي نفسه ومنزله ~~وماله قال ابن قتيبة أي أخفاها بالفجور والمعصية فالفاجر دس نفسه أي قمعها ~~وخباها وصانع المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربى لتشهر ~~أنفسها واللئام تنزل الأطارف والوديان فالبر والتقوى يبسط النفس ويشرح ~~الصدر بحيث يجد الانسان في نفسه اتساعا وبساطا عما كان عليه قبل ذلك فإنه ~~لما اتسع بالبر والتقوى والاحسان بسطه الله وشرح صدره والفجور والبخل يقمع ~~النفس ويضعها ويهينها بحيث يجد البخيل في نفسه أنه ضيق وقد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك في الحديث الصحيح فقال مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين ~~عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما الى تراقيهما فجعل المتصدق كلما هم ~~بصدقة اتسعت وانبسطت عنه حتى تغشى أنامله # PageV01P062 # وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت ms034 وأخذت كل حلقة بمكانها وأنا ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيتها يوسعها ~~فلا تتسع أخرجاه وإخفاء المنزل واظهاره تبعا لذلك قال تعالى يتوارى من ~~القوم من سوء ما بشر به الآية فهكذا النفس البخيلة الفاجرة قد دسها صاحبها ~~في بدنه بعضها في بعض ولهذا وقت الموت تنزع من بدنه كما ينزع السفود من ~~الصوف المبتل والنفس البرة التقية النقية التي قد زكاها صاحبها فارتفعت ~~واتسعت ومجدت ونبلت فوقت الموت تخرج من البدن تسيل كالقطرة من في السقاء ~~وكالشعرة من العجين قال ابن عباس ان للحسنة لنورا في القلب وضياء في الوجه ~~وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وان للسيئة لظلمة في ~~القلب وسوادا في الوجه وهونا في البدن وضيقا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق ~~قال تعالى والبلد الطيب الآية وهذا مثل البخيل والمنفق قال فمن يرد الله أن ~~يهديه يشرح صدره الآية وقال الله ولي الذين آمنوا الآية # PageV01P063 # وقال له في سياق الرمي بالفاحشة وذم من أحب اظهارها في المؤمنين والمتكلم ~~بما لا يعلم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا الآية ~~فبين أن الزكاة انما تحصل بترك الفاحشة ولهذا قال قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم الآية وذلك أن ترك السيئات هو من أعمال النفس فإنها تعلم أن ~~السيئات مذمومة ومكروه فعلها ويجاهد نفسه اذا دعته اليها ان كان مصدقا ~~لكتاب ربه مؤمنا بما جاء عن نبيه صلى الله عليه وسلم ولهذا التصديق ~~والايمان والكراهة وجهاد النفس أعمال تعملها النفس المزكاة فتزكو بذلك أيضا ~~بخلاف ما اذا عملت السيئات فانها تتدنس وتدنس وتنقمع كالزرع اذا نبت منه ~~الدغل والثواب انما يكون على عمل موجود وكذلك العقاب فأما العدم المحض فلا ~~ثواب فيه ولا عقاب لكن فيه عدم الثواب والعقاب والله سبحانه أمر بالخير ~~ونهى عن الشر واتفق الناس على أن المطلوب بالأمر فعل موجود واختلفوا في ~~النهي هل المطلوب أمر وجودي أم عدمي فقيل ms035 وجودي وهو الترك وهذا قول الأكثر ~~وقيل المطلوب عدم الشر وهو أن لا يفعله والتحقيق أن المؤمن اذا نهى عن ~~النكر فلا بد أن لا يقربه ويعزم على تركه ويكره فعله وهذا أمر وجودي بلا ~~ريب فلا يتصور أن المؤمن الذي يعلم أنه وجودي لكن قد لا يكون مريدا له كما ~~يكره أكل الميتة طبعا ومع ذلك فلا بد له من اعتقاد التحريم والعزم على تركه ~~لطاعة الشارع وهذا قدر زائد على كراهة الطبع وهو أمر وجودي يثاب عليه # PageV01P064 # ولكن ليس كثواب من كف نفسه وجاهدها عن طلب المحرم ومن كانت كراهته ~~للمحرمات كراهة ايمان وقد غمر ايمانه حكم طبعه فهذا أعلى الأقسام الثلاثة ~~وهذا صاحب النفس المطمئنة وهو أرفع من صاحب اللوامة التي تفعل الذنب وتلوم ~~صاحبها عليه وتتلوم وتتردد هل تفعله أم لا وأما من لم يخطر بباله أن الله ~~حرمه ولا هو مريد له بل لم يفعله فهذا لا يعاقب ولا يثاب اذ لم يحصل منه ~~أمر وجودي يثاب عليه أو يعاقب فمن قال المطلوب أن لا يفعل ان أراد أن هذا ~~المطلوب يكفي في عدم العقاب فقد صدق وإن أراد أنه يثاب على هذا العدم فليس ~~كذلك والكافر اذا لم يؤمن بالله ورسوله فلا بد لنفسه من أعمال يشتغل بها عن ~~الايمان وترك الأعمال كفر يعاقب عليها ولهذا لما ذكر الله عقوبة الكفار في ~~النار ذكر أمروا وجودية وتلك تددس تفس النفس ولهذا كان التوحيد والايمان ~~أعظم ما تزكو به النفس وكان الشرك أعظم ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة ~~والصدقة هذا كله مما ذكره السلف قالوا في قد أفلح من تزكى تطهر من الشرك ~~ومن المعصية بالتوبة وعن أبي سعيد وعطاء وقتادة صدقة الفطر ولم يريدوا أن ~~الآية لم تتناول الا هي بل مقصودهم أن من أعطى صدقة الفطر وصلى صلاة العيد ~~فقد تناولته وما بعدها ولهذا كان يزيد بن حبيب كلما خرج الى الصلاة خرج ~~بصدقة ويتصدق بها قبل الصلاة ولو لم يجد الا بصلا ms036 قال الحسن قد أفلح من ~~تزكى من كان عمله زاكيا وقال أبو الأحوص زكاة الأمور كلها وقال الزجاج تزكى ~~بطاعة الله عز وجل ومعنى الزاكي النامي الكثير # PageV01P065 # وكذلك قالوا في قوله وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة قال ابن عباس ~~لا يشهدون أن لا اله الا الله وقال مجاهد لا يزكون أعمالهم أي ليست زاكية ~~وقيل لا يطهرونها بالاخلاص كأنه أراد والله أعلم أهل الرياء فإنه شرك وعن ~~الحسن لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها وعن الضحاك لا يتصدقون ولا ينفقون ~~في الطاعة وعن ابن السائب لا يعطون زكاة من أموالهم قال كانوا يحجون ~~ويعتمرون ولا يزكون والتحقيق أن الآية تتناول كل ما يتزكى به الإنسان من ~~التوحيد والأعمال الصالحة كقوله هل لك الى أن تزكي وقوله قد أفلح من تزكى ~~والصدقة المفروضة لم تكن فرضت عند نزولها فإن قيل يؤتى فعل متعد قيل هذا ~~كقوله ثم سئلوا الفتنة لأتوها وتقدم قبلها أن الرسول دعاهم وهو طلب منه ~~فكان هذا اللفظ متضمنا قيام الحجة عليهم بالرسل والرسل إنما يدعونهم لما ~~تزكو به أنفسهم ومما يليق أن الزكاة تستلزم الطهارة لأن معناها معنى ~~الطهارة قوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم من الشر وتزكيهم بالخير قال صلى ~~الله عليه وسلم اللهم طهرني بالماء والبرد والثلج # PageV01P066 # كان يدعو به في الاستفتاح وفي الاعتدال من الركوع والغسل فهذه الأمور ~~توجب تبريد المغسول بها والبرد يعطي قوة وصلابة وما يسر يوصف بالبرد وقرة ~~العين ولهذا كان دمع السرور باردا ودمع الحزن حارا لأن ما يسوء النفس يوجب ~~حزنها وغمها وما يسرها يوجب فرحها وسرورها وذلك مما يبرد الباطن فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يغسل الذنوب على وجه يبرد القلوب أعظم برد يكون بما ~~فيه من الفرح والسرور الذي أزال عنه ما يسوء النفس من الذنوب وقوله بالثلج ~~والبرد والماء البارد تمثيل بما فيه من هذا الجنس والا فنفس الذنوب لا تغسل ~~بذلك كما يقال أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك ولما قضى أبو قتادة ms037 دين المدين ~~قال صلى الله عليه وسلم الآن بردت جلدته ويقال برد اليقين وحرارة الشك ~~ويقال هذا الأمر يثلج له الصدر اذا كان حقا يعرفه القلب ويفرح به حتى يصير ~~في مثل برد الثلج ومرض النفس اما شبهة واما شهوة أو غضب والثلاثة توجب ~~السخونة ويقال لمن نال مطلوبه برد قلبه فان الطالب فيه حرارة الطلب وقوله ~~خذ من أموالهم دليل على أن عمل الحسنات يطهر النفس ويزكيها من الذنوب ~~السالفة فإنه قاله بعد قوله وآخرون اعترفوا الآية فالتوبة والعمل الصالح ~~يحصل بهما التطهير والتزكية ولهذا قال في سياق قوله قل للمؤمنين يغضوا ~~الآيات وتوبوا الى # PageV01P067 # الله الآية فأمرهم جيمعا بالتوبة في سياق ما ذكره لأنه لا يسلم أحد من ~~هذا الجنس كما في الصحيح ان الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا الحديث ~~وكذلك في الصحيح أن قوله ان الحسنات يذهب السيئات نزلت بسبب رجل نال من ~~امرأة كل شيء الا الجماع ثم ندم فنزلت ويحتاج المسلم في ذلك الى أن يخاف ~~الله وينهى النفس عن الهوى ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليه بل على اتباعه ~~والعمل به فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملا صالحا ~~وثبت عنه أنه قال المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله فيؤمر بجهادها كما يؤمر ~~بجهاد من يأمر بالمعاصي ويدعو اليها وهو الى جهاد نفسه أحوج فإن هذا فرض ~~عين وذاك فرض كفاية والصبر في هذا من أفضل الأعمال فإن هذا الجهاد حقيقة ~~ذلك الجهاد فمن صبر عليه صبر على ذلك الجهاد كما قال والمهاجر من هجر ~~السيئات # PageV01P068 # ثم هذا لا يكون محمودا فيه الا اذا غلب بخلاف الأول فإنه من يقتل أو يغلب ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة ~~الخ وذلك لأن الله أمر الانسان أن ينهى النفس عن الهوى وأن يخاف مقام ربه ~~فحصل له من الايمان ما يعينه على الجهاد فإذا غلب كان لضعف ايمانه في كون ~~مفرطا ms038 بترك المأمور بخلاف العدو الكفار فإنه قد يكون بدنه أقوى فالذنوب ~~انما تقع اذا كانت النفس غير ممتثلة لما أمرت به ومع امتثال المأمور لا ~~تفعل المحظور فإنهما ضدان قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء الآية وقال ان ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان فعباد الله المخلصون لا يغويهم الشيطان والغي ~~خلاف الرشد وهو اتباع الهوى فإن ذلك يصرف عنه السوء والفحشاء خشية ومحبة ~~والعبادة له وحده وهذا يمنع من السيئات فإذا كان تائبا فإن كان ناقصا فوقعت ~~السيئات من صاحبه كان ماحيا لها بعد الوقوع فهو كالترياق الذي يدفع أثر ~~السم ويرفعه بعد حصوله وكالغذاء من الطعام والشراب وكالاستمتاع بالحلال ~~الذي يمنع # PageV01P069 # النفس على طلب الحرام فإذا حصل له طلب ازالته وكالعلم الذي يمنع من الشك ~~ويرفعه بعد وقوعه وكالطلب الذي يحفظ الصحة ويدع المرض وكذلك ما في القلب من ~~الايمان يحفظ بأشباهه مما يقوم به واذا حصل منه مرض من الشبهات والشهوات ~~أزيل بهذه ولا يحصل المرض الا لنقص أسباب الصحة كذلك القلب لا يمرض الا ~~لنقص ايمانه وكذلك الايمان والكفران متضادان فكل ضدين فأحدهما يمنع الآخر ~~تارة ويرفعه أخرى كالسواد والبياض حصل موضعه ويرفعه اذا كان حاصلا كذلك ~~الحسنات والسيئات والاحباط والمعتزلة أن الكبيرة تحبط الحسنات حتى الايمان ~~وان من مات عليها لم يكن الجبائي وابنه بالموازنة لكن قالوا من رجحت سيئاته ~~خلد في النار والموازنة بلا تخليد قول الاحباط ما أجمع عليه وهو حبوط ~~الحسنات كلها بالكفر كما قال ومن يرتدد منكم عن دينه الآية وقوله ومن يكفر ~~بالايمان فقد حبط عمله الآية وقال ولو أشركوا الحبط عنهم ما كانوا يعملون ~~وقال لئن أشركت ليحبطن عملك الآية وما ادعته المعتزلة مخالف لأقوال السلف ~~فإنه سبحانه ذكر حد الزاني # PageV01P070 # وغيره ولم يجعلهم كفارا حابطي الأعمال ولا أمر بقتلهم كما أمر بقتل ~~المرتدين والمنافقون لم يكونوا يظهرون كفرهم والنبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بالصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه ولو كانوا كفارا ومنافقين لم تجز الصلاة ~~عليه فعلم ms039 أنهم لم يحبط ايمانهم كله وقال عمن شرب الخمر لا تلعنه فإنه يحب ~~الله ورسوله وذلك الحب من أعظم شعب الايمان فعلم أن ادمانه لا يذهب الشعب ~~كلها وثبت من وجوه كثيرة يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من ايمان ولو ~~حبط لم يكن في قلوبهم شيء منه وقال تعالى ثم أورثنا الكتاب الآية فجعل من ~~المصطفين فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل تبط بقدرهاوهل يحبط ~~بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين الى السنة منهم من ينكره ~~ومنهم من يثبته كما دلت عليه النصوص مثل قوله لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى الآية دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة وضرب مثله بالمرائي وقالت ~~عائشة أبلغي زيدا أن جهاده بطل الحديث # PageV01P071 # وأما قوله أن تحبط أعمالكم وحديث صلاة العصر ففي ذلك نزاع وقال تعالى ولا ~~تبطلوا أعمالكم قال الحسن بالمعاصي والكبائر وعن عطاء بالشرك والنفاق وعن ~~ابن السائب بالرياء والسمعة وعن مقاتل بالمن وذلك أن قوما منوا باسلامهم ~~فما ذكر عن الحسن يدل على أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال فإن قيل لم يرد ~~الا ابطالها بالكفر قيل ذلك منهي عنه في نفسه وموجب للخلود الدائم فالنهي ~~عنه لا يعبر عنه بهذا بل على وجه التغليظ كقوله ومن يرتد منكم عن دينه ~~ونحوها والله سبحانه في هذه وفي آية المن سماها ابطالا ولم يسمه احباطا ~~ولهذا ذكر بعدها الكفر بقوله ان الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا ~~وهم كفار الآية فان قيل المراد اذا دخلتم فيها فأتموها وبها احتج من قال ~~يلزم التطوع بالشروع فيه قيل لو قدر أن الآية تدل على أنه منهي عن ابطال ~~بعبض العمل فابطاله كله أولى بدخوله فيها فكيف وذلك قبل فراغه لا يسمى صلاة ~~ولا صوما ثم يقال الابطال يوجد قبل الفراغ أو بعده وما ذكره وأمر بالاتمام ~~والابطال هو ابطال الثواب ولا نسلم أن من لم يتم العبادة يبطل جميع ثوابه ~~بل يقال انه يثاب على ما ms040 فعل من ذلك وفي الصحيح حديث المفلس الذي يأتي ~~بحسنات أمثال الجبال # PageV01P072 ### | الفصل الثالث حكم السياحة مع قطيعة الرحم # سئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عن رجل تفقه وعلم ما أمر الله به وما ~~نهى عنه ثم تزهد وترك الدنيا والمال والأهل والأولاد خائفا من كسب الحرام ~~والشبهات وبعث الآخرة وطلب رضا الله ورسوله وساح في أرض الله والبلدان فهل ~~يجوز له أن يقطع الرحم ويسيح كما ذكر أم لا فأجاب الحمد لله وحده الزهد ~~المشروع الزهد المشروع هو ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة وثقة القلب ~~بما عند الله كما في الحديث الذي في الترمذي ليس الزهد في الدنيا بتحريم ~~الحلال ولا اضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك ~~وأن تكون في ثواب المصيبة اذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك لأن الله ~~تعالى يقول لكيلا لا تأسوا على ما فتكم ولا تفرحوا بما آتاكم فهذا صفة ~~القلب # PageV01P073 # وأما في الظاهر فترك الفضول التي لا يستعان بها على طاعة الله من مطعم ~~وملبس ومال وغير ذلك كما قال الامام أحمد انما هو طعام دون طعام ولباس دون ~~لباس وصبر أيام قلائل زهد الرسول صلى الله عليه وسلم وجماع ذلك خلق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول خير كلام الله ~~وخير الهدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكان عادته في المطعم ~~أنه لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا ويلبس من اللباس ما تيسر من قطن وصوف ~~وغير ذلك وكان القطن أحب اليه وكان اذا بلغه أن بعض أصحابه يريد أن يعتدي ~~فيزيد في الزهد أو العبادة على المشروع ويقول أينا مثل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يغضب لذلك ويقول والله اني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله تعالى ~~وبلغه أن بعض أصحابه قال أما أنا فأصوم فلا أفطر وقال الآخر أما أنا فأقوم ~~فلا أنام وقال آخر أما أنا ms041 فلا أتزوج النساء وقال الآخر أما أنا فلا آكل ~~اللحم فقال صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء ~~وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني فأما الاعراض عن الأهل والأولاد فليس ~~مما يحبه الله ورسوله ولا هو من دين الأنبياء بل قد قال تعالى ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك # PageV01P074 # وجعلنا لهم أزواجا وذرية والانفاق على العيال والكسب لهم يكون واجبا تارة ~~ومستحبا أخرى فكيف يكون ترك الواجب أو المستحب من الدين أنواع السياحة ~~وأحكامها وكذلك السياحة في البلاد لغير مقصود مشروع كما يعانيه بعض النساك ~~أمر منهى عنه قال الامام أحمد ليست السياحة من الاسلام في شيء ولا من فعل ~~النبيين ولا الصالحين وأما السياحة المذكورة في القرآن من قوله التائبون ~~العابدون الحامدون السائحون ومن قوله مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدت ~~سائحات ثيبات وأبكارا فليس المراد بها هذه السياحة المبتدعة فان الله قد ~~وصف النساء اللآتي يتزوجهن رسوله بذلك والمرأة المزوجة لا يشرع لها أن ~~تسافر في البراري سائحة بل المراد بالسياحة شيئان أحدهما الصيام كما روى ~~عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحلال ~~بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن ترك ~~الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي # PageV01P075 # يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله ~~محارمه ألا وان في الجسد مضعة اذا صلحت صلح الجسد كله واذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب متفق عليه لكن اذا ترك الانسان الحرام أو الشبهة بترك ~~واجب أو مستحب وكان الاثم أو النقص الذي عليه في الترك أعظم من الاثم الذي ~~عليه في الفعل لم يشرع ذلك كما ذكر أبو طالب المكي وأبو حامد الغزالي عن ~~الامام أحمد بن حنبل أنه سئل عمن ترك ما لا شبهة فيه وعليه دين فسأله ولده ~~أترك هذا المال الذي فيه شبهة ms042 فلا أقضيه فقال له اتدع # PageV01P076 ### | الفصل الرابع معنى حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين # سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى حق ~~اليقين وعين اليقين وعلم اليقين فما معنى كل مقام منها وأي مقال أعلى فأجاب ~~الحمد لله رب العالمين للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة منها أن يقال ~~علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر وعين اليقين ما شاهده ~~وعاينه بالبصر وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار فالأولى ~~مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده ~~والثاني مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين # PageV01P077 # والثالث مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ~~ولهذا يشير أهل المعرفة الى ما عندهم من الذوب والوجد كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان ~~الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن ~~كان يكره أن يرجع الى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في ~~النار وقال صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام ~~دينا وبمحمد رسولا فالناس فيما يجده أهل الايمان ويذوقونه من حلاوة الايمان ~~وطعمه على ثلاث درجات درجات أهل الايمان الأولى من علم ذلك مثل من يخبره به ~~شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار ~~أحوالهم ما يدل على ذلك والثانية من يشاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من ~~أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وان كان ~~هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ ~~من المخبر والمستدل بآثارهم # PageV01P078 # والثالثة أن يحصل له من الذوق والوجه في نفسه ما كان سمعه ms043 كما قال بعض ~~الشيوخ لقد كنت في حال أقول فيها ان كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا ~~الحال انهم لفي عيش طيب وقال آخر انه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربا ~~وقال الآخر لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم درجات الناس في ~~الايمان بالآخرة والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات ~~احداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك ~~الثانية اذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار والثالثة ~~اذا باشروا ذلك فدخل أهل الجنة الجنة وذاقوا ما كانوا يوعدون ودخل أهل ~~النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب وفيما يوجد ~~خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث درجات الناس فيما يخبروا بن من أمور ~~الدنيا وكذلك في أمور الدنيا فان من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم ~~يذقه كان له علم به فان شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه ~~كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فان العبارة انما ~~تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة الا لمن ~~يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ولهذا يسمون أهل المعرفة ~~لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفي الحديث ~~الصحيح أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال فهل يرجع # PageV01P079 # أحد منهم دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه قال لا قال وكذلك الايمان اذا ~~خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد القلب بين زيادة الايمان وزيادة المحبة ~~فالايمان اذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن ~~له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن ~~لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من ~~البشاشة ما هو بحسبه ms044 واذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقال تعالى والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقال تعالى وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~ايمانا وهم يستبشرون فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن ~~والاستبشار هو الفرح والسرو وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذه ~~والبهجة بما أنزل الله واللذة أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئا ونال ما أحبه ~~وجد اللذة به فالذوق هو ادراك المحبوب اللذة الظاهرة كالأكل مثلا حال ~~الانسان فيها أنه يشتهي الطعام ويحبه ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته ~~وحلاوته وكذلك النكاح وأمثال ذلك # PageV01P080 # وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم وليس في ~~الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه الا الله تعالى وكل ما يحب سواه ~~فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة والسلام انما يحب لأجل الله ويطاع ~~لأجل الله ويتبع لأجل الله كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله وفي الحديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله ~~وأحبوا أهل بيتي لحبي وقال تعالى قل ان كان آباؤكم الى قوله أحب اليكم من ~~الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي حديث الترمذي وغيره من أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وقال تعالى ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فالذين ~~آمنوا أشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع ~~متعددة والمقصود هنا أن أهل الايمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله # PageV01P081 # من حلاوة الايمان ما يناسب هذه ms045 المحبة ولهذا علق النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما يجدونه بالمحبة فقال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون ~~الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله وأن يكره ~~أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة ~~التوحيد والاخلاص والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب على ~~ثلاث درجات درجات الناس فيا يجدونه من ثمرة التوحيد منهم من علم ذلك سماعا ~~واستدلالا ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم ومنهم من وجد حقيقة الاخلاص ~~والتوكل على الله والالتجاء اليه والاستعانة به وقطع التعلق بما سواه وجرب ~~من نفسه أنه اذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو ~~يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من جهتهم ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل لهم من ~~الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته اليهم فلا ينفعونه ~~اما لعجزهم واما لانصارف قلوبهم عنه واذا توجه الى الله بصدق الافتقار اليه ~~واستغاث به مخلصا له الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة ~~فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يدق غيره وكذلك من ذاق ~~طعم إخلاص لله وارادة وجهه دون ما سواه يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ~~ما لا يجده من لم يكن كذلك بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو ~~وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم ~~والأحزان # PageV01P082 # والآلام وضيف الصدر ما لا يعبر عنه وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ~~ولا يحصل له ما يسره بل هو في خوف وحزن دائما ان كان طالبا لما يهواه فهو ~~قبل ادراكه حزين متألم حيث لم يحصل فإذا أدركه كان خائفا من زواله وفراقه ~~وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة ~~الاخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه وأسلم وجهه لله ms046 وهو ~~محسن بحيث يكون عمله صالحا ويكون لوجه الله خالصا فإنه يجد من السرور ~~واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ~~ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له ~~من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد واخلاص الدين ~~لله ولا أضر عليه من الاشراك فإذا وجد حقيقة الاخلاص التي هي حقيقة اياك ~~نعبدمع حقيقة التوكل التي هي حقيقة اياك نستعين كان هذا فوق ما يجده كل أحد ~~لم يجد مثل هذا والله أعلم # PageV01P083 ### | الفصل الخامس الوصية الصغرى سؤال أبي القاسم المغربي # يتفضل الشيخ الامام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق ~~والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ~~ديني ودنياي ويرشدني الى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث وكذلك في ~~غيره من العلوم الشرعية وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ~~ويبين لي أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الايماء والاختصار والله تعالى يحفظه ~~والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته فأجاب الحمد لله رب العالمين وصية ~~الله في كتابنه أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن ~~عقلها واتبعها قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ووصى النبي صلى الله عليه ~~وسلم معاذا لما بعثه الى اليمن فقال # PageV01P085 # يا معاذ اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق ~~حسن وكان معاذ رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة عليه فإنه ~~قال له يا معاذ والله اني لأحبك وكان يردفه وراءه وروى فيه أنه أعلم الأمة ~~بالحلال والحرام وأنه يحشر أمام العلماء برتوة أي بخطوة ومن فضله أنه بعثه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما الى أهل ~~اليمن وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام ms047 وإبراهيم امام الناس وكان ~~ابن مسعود رضي الله عنه يقول ان معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين تشبيها له بإبراهيم # PageV01P086 # شرح وصية الرسول ثم انه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية فعلم أنها ~~جامعة وهي كذلك لمن عقلها مع أنها تفسير الوصية القرآنية أما بيان جمعها ~~فلأن العبد عليه حقان حق لله عز وجل وحق لعباده ثم الحق الذي عليه لا بد أن ~~يخل ببعضه أحيانا اما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم اتق الله حيثما كنت وهذه كلمة جامعة وفي قوله حيثما كنت تحقيق ~~لحاجته الى التقوى في السر والعلانية ثم قال واتبع السيئة الحسنة تمحها فإن ~~الطبيب متى تناول المريض شيئا هو الذي مضرا أمره بما يصلحه والذنب للعبد ~~كأنه أمر حتم فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات ~~وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا ~~فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعربي صبوا عليه ذنوبا من ماء الأشياء التي ~~تزول بموجبها الذنوب وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في ~~المحو والذنوب يزول موجبها بأشياء أحدها التوبة # PageV01P087 # والثاني الاستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له اجابة لدعائة ~~وان لم يتب فاذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال الثالث الأعمال ~~الصالحة المكفرة اما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر ~~والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات ~~المقدرة وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام وإما الكفارات المطلقة كما ~~قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكقرها الصلاة والصيام ~~والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث ~~الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال ~~التي يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ذنبه وهي ~~كثيرة لمن تلقاها من ms048 السنن خصوصا ما صنف من السنن خصوصا ما صنف في فضائل ~~الأعمال العناية بمزيلات الذنوب واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالانسان ~~الحاجة اليه فإن الانسان من حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة ~~الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فان الانسان الذي ينشأ بين أهل ~~علم ودين قد يتطلخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا وفي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول ~~الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى فاستمتعتم # PageV01P088 # بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ولهذا ~~شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين الى الدين من ~~الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة فإن كثيرا من أحوال ~~اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين الى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ~~ابتلي به بعض المنتسبين الى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الاسلام الذي ~~بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ثم نزله على أحوال الناس واذا كان ~~الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه ~~الله وجعل له نورا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق ~~الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن قد ابتلي ببعض ~~ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو ~~اتباع السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله اليه على لسان خاتم النبيين من ~~الأعمال والأخلاق والصفات المصائب المكفرة للذنوب ومما يزيل موجب الذنوب ~~المصائب المكفرة وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد ~~أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من ~~عمل الصالح ms049 واصلاح الفاسد قال وخالق الناس بخلق حسن هو حق الناس # PageV01P089 # جماع الخلق الحسن مع الناس وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك ~~بالسلام والاكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من ~~حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض ~~هذا واجب وبعضه مستحق معنى الخلق العظيم وأما الخلق العظيم الذي وصف الله ~~به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا ~~هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها كان ~~خلقه القرآن وحقيقته المبادرة الى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس ~~وانشراح صدر اسم التقوى وما يجمعه وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو ~~أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به ايجابا واستحبابا وما نهى عنه ~~تحريما وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد لكن لما كان تارة يعني ~~بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ ~~وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي وصححه قيل يا ~~رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى # PageV01P090 # الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس النار قال الأجوفان الفم ~~والفرج وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين اسيمانا أحسنهم خلقا فجعل كمال الايمان ~~في كمال حسن الخلق ومعلوم أن الايمان كله تقوى الله شمول التقوى وتفصيل ~~أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع فإنها الدين كله لكن ينبوع الخير ~~وأصله اخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله اياك نعبد واياك نستعين ~~وفي قوله فاعبده وتوكل عليه وفي قوله عليه توكلت واليه أنيب وفي قوله ~~فابتغو عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من ~~المخلوقين انتفاعا بهم عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك # PageV01P091 # بملازمة ms050 الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك والعمل لله ~~بكل محبوب ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك أفضل الأعمال بعد ~~الفرائض وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف باختلاف ~~الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل ~~أحد لكن مما هو كالاجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائما ~~هو أفضل ما شغل العبد به نفس في الجملة وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي ~~رواه مسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذاكرون الله ~~كثيرا والذاكرات وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ~~وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من اعطاء الذهب الورق ومن أن تلقوا عدوكم ~~فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله ~~والدلائل القرآنية والايمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة وأقل ذلك أن ~~يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وامام # PageV01P092 # المتقين صلى الله عليه وسلم كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند ~~أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ~~ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء ~~والخروج من ذلك وعند المطر والرعد الى غير ذلك وقد صنفت له الكتب المسماة ~~بعمل اليوم والليلة أفضل الذكر ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله لا اله الا ~~الله وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة الا بالله أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان ~~وتصوره القلب مما يقرب الى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهي عن ~~منكر فهو من ذكر الله ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض ~~أو جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ms051 ورسوله فقها فهذا ~~أيضا من أفضل ذكر الله وعلى ذلك اذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم ~~في أفضل الأعمال كبير اختلاف وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة ~~المشروعة فما ندم من # PageV01P093 # استخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل ~~فيقول قد دعوت لم يستجب لي وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار ~~الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك أرجح المكاسب وأما أرجح ~~المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به وذلك أنه ينبغي ~~للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه الى الله ويدعوه كما قال سبحانه فيما يأثر ~~عنه نبيه كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا ~~من كسوته فاستكسوني أكسكم وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعلمه ~~اذا انقطع فإنه ان لم ييسره لم يتيسر وقد قال الله تعالى في كتابه وأسألوا ~~الله من فضله وقال سبحانه فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله وهذا وإن كان في الجمعه فمعناه قائم في جميع الصلوات ولهذا والله ~~أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول اللهم افتح لي ~~أبواب رحمتك وإذا خرج أن يقول اللهم اني أسألك من # PageV01P094 # فضلك وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم فابتغوا عند الله الزرق واعبدوه ~~واشكروا له وهذا أمر والأمر يقتضي الايجاب فالاستعانة بالله واللجوء اليه ~~في أمر الرزق وغيره أصل عظيم ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك ~~له فيه ولا يأخذه بإشراف وهلع بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج ~~اليه من غير أن يكون له في القلب مكانة والسعي فيه اذا سعى كاصلاح الخلاء ~~وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره من أصبح والدنيا أكبر همه شتت ~~الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته ولم يأته من الدنيا الا ماكتب ms052 له ومن أصبح ~~والأخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي ~~راغمة وقال بعض السلف أنت محتاج الى الدنيا وأنت الى نصيبك من الآخرة أحوج ~~فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما قال ~~الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد ~~أن يطعمون ان الله وهو الرزاق ذو القوة المتين # PageV01P095 # فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ~~ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئا عاما لكن اذا عن ~~للانسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير صلى ~~الله عليه وسلم فإن فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما تيسر له فلا يتكلف ~~غيره الا أن يكون منه كراهة شرعية الكتب التي يعتمد عليها في العلوم وأما ~~ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو أيضا يختلف باختلاف ~~نشء الانسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقة ~~ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن يستعين بالله ~~سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي ~~يستحق أن يسمى علما وما سواه اما أن يكون علما فلا يكون نافعا وإما أن لا ~~يكون علما وان سمي به ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه ولتكن همته فهم مقاصد ~~الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه فاذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول ~~فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس اذا أمكنه ذلك ~~وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم واذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس فليدع ms053 بما رواه مسلم في ~~صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~اذا قام يصلي من الليل اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بي عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من # PageV01P096 # الحق باذنك انك نهدي من تشاء الى صراط مستقيم فإن الله تعالى قد قال فيما ~~رواه عنه رسوله يا عبادي كلكم ضال الا من هديته فاستهدوني أهدكم وأما وصف ~~الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما يسره الله سبحانه وما في ~~الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن اسماعيل البخاري لكن هو ~~وحده لا يقوم بأصول العلم ولا يقول بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم ~~اذ لا بد من معرفة أحاديث أخر وكلام أهل الفقه وأهل العلم في الأمور التي ~~يختص بعلمها بعض العلماء وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم ايعابا ~~فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب الا ~~حيرة وضلالا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبيد الأنصاري أو ليست ~~التوراة والأنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم # PageV01P097 # فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر ~~أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد اذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة انه هو ~~الوهاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على أشرف المرسلين # PageV01P098 ### | الفصل السادس الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل # وأقسام التقوى والصبر وسئل الشيخ الامام العالم العامل الحبر الكامل شيخ ~~الاسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم ~~عن الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي ~~عليه الناس فأجاب رحمه الله الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر ~~الجميل والصفر الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح ~~الجميل صفح بلا عتاب والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه ms054 الصلاة ~~والسلام انما أشكو بثي وحزني الى الله مع قوله فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون فالشكوى الى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه ~~الصلاة والسلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد واليك المستكى وأنت المستعان ~~وبك المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اليك ~~أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت # PageV01P099 # رب المستضعفين وأنت ربي الله الى من تكلني الى بعيد يتجهمني أم الى عدو ~~ملكته أمري ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي ~~سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقرأ في صلاة الفجر انما أشكو بثي وحزني الى الله ويبكي حتى يسمع نشيجه من ~~آخر الصفوف بخلاف الشكوى الى المخلوق قرىء على الامام أحمد في مرض موته أن ~~طاووسا كره أنين المريض وقال انه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب ~~بلسان الحال اما ازالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه ~~دون خلقه كما قال تعالى فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب وقال صلى الله عليه ~~وسلم لابن عباس اذا سألت فاسأل الله واذا استغنت فاستعن بالله ولا بد ~~للانسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من ~~القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا الى قوله وان تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيظ وقال تعالى بلى ان ~~تصبروا وتتقوا # PageV01P100 # ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال ~~تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من ms055 عزم الأمور وقد ~~قال يوسف أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله ~~لايضيع أجر المحسنين وصية الشيخ عبد القادر ولهذا كان الشيخ عبد القادر ~~ونحوه من المشائح المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين المسارعة ~~الى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور ~~وذلك أن هذا الموضوع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد ~~القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء ~~وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وان قدره ~~وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي ~~يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن ~~والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبيء # PageV01P101 # الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون ~~والمردة الشياطين أفهام خاطئة في القضاء والقدر فإن هؤلاء كلهم يشتركون في ~~هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب ~~لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه وبين ~~المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية ~~وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما ~~أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب وترك ما نهى الله عنه ورسوله ~~وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد ~~الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية ~~الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة الدينية والا فهو من جنس ~~المشركين وهو شر من اليهود والنصارى اقرار المشركين بالحقيقة الكونية فإن ~~المشركين يقرون بالحقيقة الكونية اذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال ~~تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن ~~الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب ~~السموات ms056 السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى ~~تسحرون ولهذا قال سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم # PageV01P102 # مشركون قال بعض السلف تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع ~~هذا يعبدون غيره فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو ~~أكفر من اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذي جاءوا ~~بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى ان الذين ~~يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأما ~~الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن العباد ~~كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين ~~الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله من الكفار ~~والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في ~~بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر ~~والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين ~~اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الايمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ~~ويكون معه من الايمان بدين الله تعالى الفرق بحسب ما فرق به بين أوليائه ~~وأعدائه ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية ~~كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وولئك ~~يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس # PageV01P103 # ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع ابليس الذي اعترض على الرب ~~سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم في القول والاعتقاد أقسام ~~الناس في العبادة وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن ~~الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور ~~فهو عند الأمر ms057 والنهي والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى ~~اياك نعبد واياك نستعين واذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله ~~من السيئات ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج ~~به كما في الحديث الصيحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ~~ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ ~~بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر ~~الذنوب الا أنت فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره ~~لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك ~~والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي # PageV01P104 # وانقطاع حجتي الا غفرت لي وفي الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ~~ذلك فلا يلومن الا نفسه وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع وآخرون قد ~~يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من ~~مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون يشهدون ~~القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم ~~لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة ~~من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن ~~يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينة والقسم الرابع شر الأقسام وهو ~~من لا يعبده ولا يستعينة فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني ~~وانقسامهم الى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ~~ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر ~~الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام أقسام الناس ~~في التقوى والصبر أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم ms058 الله عليهم من ~~أهل السعادة في الدنيا والآخرة والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر ~~مثل الذين يمتثلون # PageV01P105 # ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن اذا أصيب أحدهم في بدنه ~~بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه ~~والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما ~~يصبيهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما ~~يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك ~~في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو ~~على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس ~~وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما ~~يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون ~~علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال ~~بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون ~~على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من ~~المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ~~ذلك ولا يكون فيه تقوى اذا قدر وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون ~~اذا قدروا ولا يصبرون اذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى ان الانسان خلق ~~هلوعا واذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا فهؤلاء تجدهم من أظلم ~~الناس وأجبرهم اذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم اذا قهروا ان قهرتهم ذلوا ~~لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع ~~الكذب والذل وتعظيم المسؤول وان # PageV01P106 # فهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة واحسانا وعفوا كما ~~قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار الذين ~~قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وان ms059 كان متظاهرا بلباس جند ~~المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم قالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ~~ينظر الى صوركم ولا الى أموالكم وإنما ينظر الى ينظر الى قلوبكم وأعمالكم ~~فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا ~~الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام ~~وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من ~~هو أعظم ردة وأولي بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته خير الكلام ~~كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل مبدعة صلالة وإذا ~~كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان الى ذلك أقرب وهو ~~به أشبه كان الى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف ~~كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه ~~أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ~~ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه ~~من النقص بحسب ذلك # PageV01P107 # الصبر والتقوى في الكتاب والسنة وقد ذكر الله الصبر والتقوى جميعا في غير ~~موضع من كتابه وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين ~~والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى ~~بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين وقال الله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي ~~صدورهم أكبر قد بينا لكم ms060 الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله واذا لقوكم قالوا آمنا واذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور ان تمسسكم حسنة ~~تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان ~~الله بما يعملون محيط وقال اخوة يوسف له أانك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا ~~أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقد ~~قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى واتبع ما يوحى اليك ~~واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين # PageV01P108 # وفي اتباع ما أوحي اليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال ~~تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ~~ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقال تعالى فاصبر ~~ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار وقال تعالى ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء ~~الليل وقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشيعن ~~وقال تعالى استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين فهذه مواضع قرن ~~فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة وفي الرحمة الاحسان الى الخلق بالزكاة وغيرها فإن ~~القسمة أيضا رباعية اذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم ~~من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم ~~من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما ~~قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف ~~فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة ~~يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم انما يرحم الله من ~~عباده # PageV01P109 # الرحماء وقال من لا يرحم لا ms061 يرحم وقال لا تنزع الرحمة الا من شقي وقال ~~الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء والله أعلم ~~انتهى # PageV01P110 ### | الفصل السابع تفسير كلام القشيري في الرضا # معنى الرضا وسئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عما ذكر الأستاذ القشيري في ~~باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا ~~يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح فأجاب الحمد لله رب العالمين الكلام ~~على هذا القول من وجهين أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ والثاني من جهة صحته ~~في نفسه وفساده أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم ~~يذكر هذا # PageV01P111 # عن الشيخ أبي سليمان باسناد وانما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم ~~في رسالته عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين والمشائخ وغيرهم تارة ~~يذكره باسناد وتاره يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول وقيل كذا ثم الذي يذكره ~~باسناد تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما يذكره مرسلا ~~ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن فيها من ~~الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع حال ~~أحاديث كتب الرقائق فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة ~~فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع وهذا الأمر متفق عليه بين جميع ~~المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب ~~المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب الى معرفة ~~المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم والمصنفون قد يكونون أئمة في ~~الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو ~~الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه ~~وان علموا أنه كذب اذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث ~~المذكوبة مع بيان كونها كذبا جائزا وأما روايتها مع الامساك عن ذلك رواية ~~عمل فإنه حرام عند العلماء ms062 كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وقد فعل كثير ~~من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل ~~اذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه # PageV01P112 # رأي ابن تيمية في رسالة القشيري والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة ~~وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي ~~قامت الدلالة على صدقة والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبة والضعيف الذي ~~رواه من لم يعلم صدقة اما لسوء حفظه واما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا ~~فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام ~~الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الأستاذ لم يذكر أن ~~مسلما رواه لكنه رواه باسناد صحيح وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل ~~موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن ~~محمد بن المنكدر عن جابر فهو وان كان أول حديث ذكره في الباب # PageV01P113 # فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة ~~أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يتعمد ~~الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب ~~وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب ~~السختياني لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال ~~الامام أحمد والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال أبوحاتم وأبو ~~زرعة منكر الحديث وكذلك ما ms063 ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد ~~حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال اذا سلا العبد عن ~~الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي باسناده ~~والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشائخ وحكاياتهم ~~وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في ~~الأبواب كتاب مقامات الأولياء وغير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة ~~وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادي يقول من أراد أن ~~يبلغ محل الرضا فيلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا # PageV01P114 # الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب ~~نواهيه لا سيما اذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم ~~محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصيحيح الذي في البخاري من عادى ~~لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ~~ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته الحديث وذلك أن ~~الرضا نوعان نوعا الرضا أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ~~ويتناول ما أباحه الله من غير تعهد الى المحظور كما قال والله ورسوله أحق ~~أن يرضوه وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا الى الله راغبون وهذا الرضا واجب ولهذا ذم ~~من تركه بقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا ~~منها اذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض ~~والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل أنه واجب ~~والصحيح أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن الرضا غريزة ولكن الصبر معول ~~المؤمن وقد روي في حديث ابن عباس أن ms064 النبي صلى # PageV01P115 # الله عليه وسلم قال ان استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فالفعل فإن لم ~~تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأما الرضا بالكفر والفسوق ~~والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما ~~قال ولا يرضى لعباده الكفروقال والله لا يحب الفساد وقال تعالى فإن ترضوا ~~عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين وقال تعالى فجزاؤه جهنم خالدا ~~فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاما عظيما وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما ~~أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال تعالى وعد الله المنافقين ~~والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم وقال تعالى لبئس ما قدمت ~~لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون وقال تعالى فلما آسفونا ~~انتقمنا منهمفاذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو ~~يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن يسخط ويغضب لما ~~يسخط الله ويغضبه # PageV01P116 # أفهام في الرضا والارادة وانما ضل هنا فريقان من الناس قوم من أهل الكلام ~~المنتسبين الى السنة في مناظرة القدرية ظنوا أن محبة الحق ورضاه وغضبه ~~وسخطه يرجع الى ارادته وقد علموا أنه مريد لجميع الكائنات خلافا للقدرية ~~وقالوا هو أيضا محب لها مريد لها ثم أخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه فقالوا ~~لا يحب الفساد بمعنى لا يريد الفساد أي لا يريده للمؤمنين ولا يرضى لعباده ~~الكفر أي لا يريده لعباده المؤمنين وهذا غلط عظيم فإن هذا عندهم بمنزلة أن ~~يقال لا يحب الايمان ولا يرضى لعباده الايمان أي لا يريده للكافرين ولا ~~يرضاه للكافرين وقد اتفق أهل الاسلام على أن ما أمر الله به فإنه بكون ~~مستحبا يحبه ثم قد يكون مع ذلك واجبا وقد يكون مستحبا ليس بواجب سواء فعل ~~أو لم يفعل والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع والفريق الثاني من ~~غالطي المتصوفة شربوا من هذه العين فشهدوا أن الله رب الكائنات جميعها ms065 ~~وعلموا أنه قدر على كل شيء وشاءه وظنوا أنهم لا يكونون راضين حتى يرضوا بكل ~~ما يقدره ويقضيه من الكفر والفسوق والعصيان حتى قال بعضهم المحبة نار تحرق ~~من القلب كل ما سوى مراد المحبوب قالوا والكون كله مراد المحبوب وضل هؤلاء ~~ضلالا عظيما حيث لم يفرقوا بين الارادة الدينية والكونية والاذن الكوني ~~والديني والأمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني ~~والديني كما بسطناه في غير هذا الموضع وهؤلاء يؤول الأمر بهم الى أن لا ~~يفرقوا بين المأمور والمحظور وأولياء الله وأعداءه والأنبياء والمتقين ~~ويجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين ~~كالفجار ويجعلون المسلمين # PageV01P117 # كالمجرمين ويعطلون الأمر والنهي والوعد والوعيد والشرائع وربما سموا هذا ~~حقيقة ولعمري انه حقيقة كونية لكن هذه الحقية الكونية قد عرفها عباد ~~الأصنام كما قال ولئن سألتهمم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال ~~تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون ~~الآيات فالمشركون الذين يعبدون الأصنام كانوا مقرين بأن الله خالق كل شيء ~~وربه ومليكه فمن كان هذا منتهى تحقيقه كان أقرب أن يكون كعباد الأصنام ~~والمؤمن انما فارق الكفر بالايمان بالله وبرسله وبتصديقهم فيما أخبروا ~~وطاعتهم فيما أمروا واتباع ما يرضاه الله ويحبه دون ما يقدره ويقضيه من ~~الكفر والفسوق والعصيان ولكن يرضى بما أصابه من المصائب لا بما فعله من ~~المعائب فهو من الذنوب يستغفر وعلى المصائب يصبر فهو كما قال تعالى فاصبر ~~ان وعد الله حق واستغفر لذنبك فيجمع بين طاعة الأمر والصبر على المصائب كما ~~قال تعالى وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا وقال تعالى وان تصبروا ~~وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال يوسف انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين # PageV01P118 # مما روي في الرضا عن الفضيل والجنيد والمقصود هنا أن ما ذكره القشيري عن ~~النصر آبادي من أحسن الكلام حيث قال من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما ~~جعل الله رضاه فيه وكذلك قول ms066 الشيخ أبي سليمان اذا سلا العبد عن الشهوات ~~فهو راض وذلك أن العبد انما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضلول ~~شهواتها فاذا لم يحصل سخط فاذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم الله له من ~~الرزق وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي الرضا أفضل من ~~الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته كلام حسن لكن أشك في سماع ~~بشر الحافي من الفضيل وكذلك ما ذكره معلقا قال قال الشبلي بين يدي الجنيد ~~لا حول ولا قوة الا بالله فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك ~~الرضا بالقضاء فإن هذا من أحسن الكلام وكان الجنيد رضي الله عنه سيد ~~الطائفة ومن أحسنهم تعليما وتأديبا وتقويما وذلك أن هذه الكلمة كلمة ~~استعانة لا كلمة استرجاع وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة ~~الاسترجاع ويقولها جزعا لا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله ~~له اذ كانت حالا ينافي الرضا ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه # PageV01P119 # مما روي في الرضا عن موسى عليه السلام وفيما ذكره آثار ضعيفة مثل ما ذكره ~~معلقا قال وقيل قال موسى الهي دلني على عمل اذا عملته رضيت عني فقال انك لا ~~تطيق ذلك فخر موسى ساجدا متضرعا فأوحى الله اليه يا ابن عمران رضائي في ~~رضاك عني فهذه الحكاية الاسرائيلية فيها نظر فإنه قد يقال لا يصلح أن يحكى ~~مثلها عن موسى بن عمران ومعلوم أن هذه الاسرائيليات ليس لها اسناد ولا يقوم ~~بها حجة في شيء من الدين الا اذا كانت منقولة لنا نقلا صحيحا مثل ما ثبت عن ~~نبينا أنه حدثنا به عن بني اسرائيل ولكن منه ما يعلم كذبه مثل هذه فإن موسى ~~من أعظم أولي العزم وأكابر المسلمين فكيف يقال أنه لا يطيق أن يعمل ما يرضى ~~الله به عنه والله تعالى راض عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم باحسان أفلايرضى عن موسى بن عمران كليم ms067 الرحمن وقال تعالى ~~ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات ~~عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~ومعلوم أن موسى بن عمران عليه السلام من أفضل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~ثم ان الله خص موسى بمزية فوق الرضا حيث قال وألقيت عليك محبة مني ولتصنع ~~علي عيني ثم ان قوله له في الخطاب يا ابن عمران مخالف لما ذكره الله من ~~خطابه في القرآن حيث قال يا موسى وذلك الخطاب فيه نوع غض منه كما يظهر ومثل ~~ما ذكر أنه قيل كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى أبي موسى الأشعري # PageV01P120 # أما بعد فان الخير كله في الرضا فإن استطعت أن ترضى والا فاصبر فهذا ~~الكلام كلام حسن وان لم يعلم اسناده واذا تبين أن فيما ذكره مستندا ومرسلا ~~ومعلقا ما هو صحيح وغيره فهذه الكلمة لم يذكرها عن أبي سليمان الا مرسلة ~~وبمثل ذلك لا تثبت عن أبي سليمان باتفاق الناس فإنه وان قال بعض الناس ان ~~المرسل حجة فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف وغير الضعيف فأما اذا عرف ~~ذلك فلا يبقى حجة باتفاق العلماء كمن علم أنه تارة يحفظ الاسناد وتارة يغلط ~~فيه مما قال أبو سليمان في الرضا والكتب المسندة في أخبار هؤلاء المشائخ ~~وكلامهم مثل كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم وطبقات الصوفية لأبي عبد الرحمن ~~صفوة الصفوة لابن الجوزي وأمثال ذلك لم يذكروا فيها هذه الكلمة عن الشيخ ~~أبي سليمان ألا ترى الذي رواه عنه مسندا حيث قال قال لأحمد بن أبي الحواري ~~يا أحمد لقد أوتيت من الرضا نصيبا لو ألقاني في النار لكنه بذلك راضيا فهذا ~~الكلام مأثور عن أبي سليمان بالاسناد ولهذا أسنده عنه القشيري من طريق شيخه ~~أبي عبد الرحمن بخلاف تلك الكلمة فإنها لم تسند عنه فلا أصل لها عن الشيخ ~~أبي سليمان ثم ان القشيري قرن هذه الكلمة الثانية عن أبي سليمان بكلمة أحسن ms068 ~~منها فإنه قبل أن يرويها قال وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري # PageV01P121 # عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أسألك الرضا بعد القضاء فقال لأن الرضا ~~بعد القضاء هو الرضا فهذا الذي قاله الشيخ أبو عثمان كلام حسن سديد ثم أسند ~~بعد هذا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا ~~لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا ما قاله أبو سليمان عزم على الرضا ~~فتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا وانما هو عزم على الرضا وانما ~~الرضا ما يكون بعد القضاء وان كان هذا عزما فالعزم قد يدوم وقد ينفسخ وما ~~أكثر انفساخ العزائم خصوصا عزائم الصوفية ولهذا قيل لبعضهم بماذا عرفت ربك ~~قال بفسخ العزائم ونقض الهمم وقد قال تعالى لمن هو أفضل من هؤلاء المشائخ ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقال ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص وفي الترمذي أن بعض الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو علمنا ~~أي العمل أحب الى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقد قال تعالى ~~ألم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما ~~كتب عليهم القتال اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ~~ربنا لم كتبت علينا القتال لولا # PageV01P122 # أخرتنا الى أجل قريب الآية فهؤلاء الذين كانوا قد عزموا على الجهاد ~~وأحبوه لما ابتلوا به كرهوه وفروا منه وأين ألم الجهاد من ألم النار وعذاب ~~الله الذي لا طاقة لأحد به ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب أنه كان ~~يقول وليس لي في سواك حظ فكيفما شئت فاختبرني فأخذه العسر من ساعته أي حسر ~~بوله فكان يدور على المكاتب ويفرق المحب أنه كان يقول وليس لي في سواك ms069 ~~حظفكيفما شئت فاختبرني فأخذة العسر من ساعته أي حصر بوله فكان يدور على ~~المكاتب ويفرق الجوز على الصبيان ويقول ادعوا لعمكم الكذاب امتحان سمنون ~~وحكى أبو نعيم الأصبهاني عن أبي بكر الواسطي أنه قال سمنون يا رب قد رضيت ~~بكل ما تقضيه علي فاحتبس بوله أربعة عشر يوما فكان يتلوى كما تتلوى الحية ~~يتلوى يمينا وشمالا فلما أطلق بوله قال رب قد تبت اليك قال أبو نعيم فهذا ~~الرضا الذي ادعى سمنون ظهر غلطه فيه بأدنى بلوى مع أن سمنونا هذا كان يضرب ~~به المثل وله في المحبة مقام مشهور حتى روي عن ابراهيم بن فاتك أنه قال ~~رأيت سمنونا يتكلم على الناس في المسجد الحرام فجاء طائر صغير فلم يزل يدنو ~~منه حتى جلس على يده ثم لم يزل يضرب بمنقاره الأرض حتى سقط منه دم ومات ~~الطائر وقال رأيته يوما يتكلم في المحبة فاصطفقت قناديل المسجد وكسر بعضها ~~بعضا # PageV01P123 # قول رويم والفضيل والأعرابي وقد ذكر القشيري في باب الرضا عن رويم المقري ~~رفيق سمنون حكاية تناسب هذا حيث قال قال رويم ان الراضي لو جعل جهنم عن ~~يمينه ما سأل الله أن يحولها عن يساره فهذا يشبه قول سمنون فكيف ماشئت ~~فامتحني واذا لم يطق الصبر على عسر البول أفيطيق أن تكون النار عن يمينة ~~والفضيل بن عياض كان أعلى طبقة من هؤلاء وابتلي بعسر البول فغلبه الألم حتى ~~قال بحبي لك الا فرجب عني ففرج عنه ورويم وان كان من رفقاء الجنيد فليس هو ~~عندهم من هذه الطبقة بل الصوفية يقولون انه رجع الى الدنيا وترك التصوف حتى ~~روي عن جعفر الخلدي صاحب الجنيد أنه قال من أراد أن يستكتم سرا فليفعل كما ~~فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة فقيل وكيف يتصور ذلك قال ولي اسماعيل بن ~~اسحق القاضي قضاء بغداد وكان بينهما مودة أكيدة فجذبه اليه وجعله وكيلا على ~~بابه فترك لبس التصوف ولبس الخز والقصب والديبقي وأكل الطيبات وبنى الدور ~~واذا هو كان يكتم ms070 حب الدنيا ما لم يجدها فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من ~~حبها هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ماهو معروف وكان على مذهب ~~داود وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله # PageV01P124 # وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلا ولكن قد يستدل بها على ما ~~لصالحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك وما معه من التقصير في معرفة حقوق ~~الطريق وما يقدر عليه من التقوى والصبر وما لا يقدر عليه من التقوى والصبر ~~والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح فمن خرج عن ~~سنتهم وسبيلهم كان منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عاصيا أو فاسقا أو كافرا ~~ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مريض ~~كالفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشيء قال كنت أقول اللهم ماكنت معذبني به في ~~الآخرة فاجعله في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه ولا تطيقه هلا قلت ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فهذا أيضا حمله ~~خوفه من عذاب النار ومحبته لسلامة عاقبته على أن يطلب تعجيل ذلك في الدنيا ~~وكان مخطئا في ذلك غالطا والخطأ والغلط مع حسن القصد وسلامته وصلاح الرجل ~~وفضله ودينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فليس من شرط ولي الله أن يكون ~~معصوما من الخطأ والغلط بل ولا من الذنوب وأفضل أولياء الله بعد الرسل أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له ~~لما عبر الرؤيا أصبت بعضا وأخطأت بعضا # PageV01P125 # أبا سليمان لما قال هذه الكلمة لو ألقاني في النار لكنت بذلك رضيا أن ~~يكون بعض الناس حكاه بما فهمه من المعني أنه قال الرضا أن لا تسأل الله ~~الجنة ولا تستعيذه من النار وتلك الكلمة التي قالها أبو سليمان مع أنها لا ~~تدل على رضاه لذلك ولكن تدل على عزمه بالرضا بذلك فنحن نعلم أن هذا العزم ~~لا يستمر ms071 بل ينفسخ وأن هذه الكلمة كان تركها أحسن من قولها وأنها مستدركة ~~كما استدركت دعوى سمنون ورويم وغير ذلك فإن بين هذه الكلمة وتلك فرقا عظيما ~~فإن تلك الكلمة مضمونها إن من سأل الله الجنة واستعاذ من النار لا يكون ~~راضيا وفرق بين من يقول أنا اذا فعل كذا كنت راضيا وبين من يقول لا يكون ~~راضيا الا من يطلب خيرا ولا يهرب من شر وبهذا وغيره يعلم أن الشيخ أبا ~~سليمان كان أجل من أن يقول مثل هذا الكلام فإن الشيخ أبا سليمان من أجلاء ~~المشائخ وساداتهم ومن اتبعهم للشريعة حتى أنه قال انه ليمر بقلبي النكتة من ~~نكت القوم فلا أقبلها الا بشاهدين الكتاب والسنة فمن لا يقبل نكت قلبه الا ~~بشاهدين يقول مثل هذا الكلام وقال الشيخ أبو سليمان أيضا ليس لمن ألهم شيئا ~~من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر فأذا سمع فيه بأثر كان نورا على نور ~~بل صاحبه أحمد بن أبي الحواري كان من اتبع المشائخ للسنة فكيف أبو سليمان ~~وتمام تزكية أبي سليمان من هذا الكلام تظهر بالكلام في المقام الثاني وهو ~~قول القائل كائنا من كان الرضا أن لا تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار # PageV01P126 # ظن بعض الناس أن الجنة التنعم بالمخلوق ونقدم قبل ذلك مقدمة يتبين بها ~~أصل ما وقع في مثل هذه الكلمات من الاشتباه والاضطراب وذلك أن قوما كثيرا ~~من الناس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وغيرهم ظنوا أن الجنة التنعم ~~بالمخلوق من أكل وشرب ونكاح ولباس وسماع أصوات طيبة وشم روائح طيبة ولم ~~يدخلوا في مسمى الجنة نعيما غير ذلك ثم صاروا ضربين بعض المذاهب في رؤية ~~الرب ضرب أنكروا أن يكون المؤمنون يرون ربهم كما ذهب الى ذلك الجهمية من ~~المعتزلة وغيرهم ومنهم من أقر بالرؤية اما الرؤية التي أخبر بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما هو مذهب أهل السنة والجماعة واما برؤية فسروها بزيادة ~~كشف أو علم أو جعلها بحاسة سادسة ونحو ذلك من ms072 الأقوال التي ذهب اليها ضرار ~~بن عمرو وطوائف من أهل الكلام المنتسبين الى نصر أهل السنة في مسألة الرؤية ~~وان كان ما يثبتونه من جنس ما تنفيه المعتزلة والضرارية والنزاع بينهم لفظي ~~ونزاعهم مع أهل السنة معنوي ولهذا كان بشر وأمثاله يفسرون الرؤية بنحو من ~~تفسير هؤلاء والمقصور هنا أن مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ~~ينعم بنفس رؤيته ربه قالوا لأنه لا مناسبة بين المحدث والقديم كما ذكر # PageV01P127 # ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية وكما ذكره أبو ~~الوفاء بن عقيل في بعض كتبه ونقلوا عن ابن عقيل أنه سمع رجلا يقول أسالك ~~لذة النظر الى وجهك فقال يا هذا هب أن له وجها أله وجه يتلذذ بالنظر الية ~~وذكر أبو المعالي أن الله يخلق لهم نعيما ببعض المخلوقات مقارنا للرؤية ~~فأما النعيم بنفس الرؤية فانكره وجعل هذا من أسرار التوحيد مذهب سلف الأمة ~~في رؤية الرب وأكثر مثبتي الرؤية يثبتون تنعم المؤمنين برؤية ربهم وهو مذهب ~~سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق كما في الحديث الذي في النسائي وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني اذا ~~كانت الحياة خيرا لي وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك ~~في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر ~~والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء ~~وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر الى وجهك وأسألك الشوق الى لقائك من ~~غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة # PageV01P128 # مهتدين وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا ~~دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم ~~من النظر ms073 اليه وكلما كان الشيء أحب كانت اللذة بنيله أعظم وهذا متفق عليه ~~بين السلف والأئمة ومشائخ الطريق كما روي عن الحسن البصري أنه قال لو علم ~~العابدون بأنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقا اليه ~~وكلامهم في ذلك كثير ثم هؤلاء الذين وافقوا السلف والأئمة والمشائخ على ~~التنعم بالنظر الى الله تعالى تنازعوا في مسألة المحبة التي هي أصل ذلك ~~فذهب طوائف من والفقهاء الى أن الله لا يحب نفسه وانما المحبة طاعته ~~وعبادته وقالوا هو أيضا لا يحب عباده المؤمنين وانما محبته ارادته للاحسان ~~اليهم وولايتهم ودخل في هذا القول من انتسب الى نصر السنة من أهل الكلام ~~حتى وقع في طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد كالقاضي أبي بكر والقاضي ~~أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأمثال هؤلاء # PageV01P129 # من أنكر صفة المحبة ولذة النظر الى الله وهذا في الحقيقة شعبة من التجهم ~~والاعتزال فإن أول من أنكر المحبة في الاسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن ~~صفوان فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم فانه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه ما دل عليه الكتاب والسنة في ذلك والذي ~~دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ومشائخ الطريق أن الله ~~يحب ويحب ولهذا وافقهم على ذلك من تصوف من أهل الكلام كأبي القاسم القشيري ~~وأبي حامد الغزالي وأمثالهما ونصر ذلك أبو حامد في الاحياء وغيره وكذلك أبو ~~القاسم ذكر ذلك في الرسالة على طريق الصوفية كما في كتاب أبي طالب المسمى ب ~~قوت القلوب وأبو حامد مع كونه تابع في ذلك الصوفية استند في ذلك لما وجده ~~من كتب الفلاسفة من اثبات نحو ذلك حيث قالوا يعشق ويعشق وقد بسط الكلام على ~~هذه المسألة العظيمة في القواعد الكبار بما ليس هذا موضعه وقد قال تعالى ~~يحبهم ويحبونه وقال تعالى والذين # PageV01P130 # آمنوا أشد حبا ms074 لله وقال أحب اليكم من الله ورسوله وفي الصحيحين عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان لله ~~ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان ~~يكره أن يرجع في الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ~~والمقصود هنا أن هؤلاء المتجهمة من المعتزلة ومن وافقهم الذين ينكرون حقيقة ~~المحبة يلزمهم أن ينكروا التلذذ بنظر اليه ولهذا ليس في الحقيقة عندهم الا ~~التنعم بالأكل والشرب ونحو ذلك وهذا القول باطل بالكتاب والسنة واتفاق سلف ~~الأمة ومشائخها فهذا أحد الحزبين الغالطين أفهام بعض المتصوفة والمتفقرة ~~والمتبتلة والضرب الثاني طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة وافقوا ~~هؤلاء على أن الجنة ليست الا هذه الأمور التي يتنعم بها المخلوق ولكن ~~وافقوا السلف والأئمة على اثبات رؤية الله والتنعم بالنظر اليه وأصابوا في ~~ذلك وجعلوا يطلبون هذا النعيم وتسمو اليه همتهم ويخافون فوته وصار أحدهم ~~يقول ما عبدتك شوقا الى جنتك أوخوفا من نارك ولكن لأنظر اليك واجلالا لك ~~وأمثال هذه الكلمات مقصودهم بذلك هو أعلى من الأكل والشرب والتمتع بالمخلوق ~~لكن غلطوا في اخراج ذلك من الجنة وقد يغلطون أيضا في ظنهم أنهم يعبدون الله ~~بلا حظ ولا ارادة وأن كل ما يطلب منه فهو حظ النفس وتوهموا أن البشر يعمل ~~بلا ارادة ولا مطلوب ولا محبوب وهو سوء معرفة بحقيقة الايمان والدين ~~والآخرة # PageV01P131 # وسبب ذلك أن همة أحدهم المتعلقة بمطلوبه ومحبوبة ومعبوده تفنية عن نفسه ~~حتى لا يشعر بنفسه وإرادتها فيظن أنه يفعل لغير مراده والذي طلب وعلق به ~~همته غاية مراده ومطلوبه ومحبوبه وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين ~~وأرباب الأحوال والمقامات يكون لأحدهم وجد صحيح وذوق سليم لكن ليس له عبارة ~~تبين كلامه فيقع في كلامه غلط وسوء أدب مع صحة مقصوده وان كان من الناس من ~~يقع منه في مراده واعتقاده فهؤلاء الذين قالوا مثل هذا الكلام اذا عنوا ms075 به ~~طلب رؤية الله تعالى أصابوا في ذلك لكن أخطأوا من جهة أنهم جعلوا ذلك خارجا ~~عن الجنة فأسقطوا حرمة اسم الجنة ولزم من ذلك أمور منكرة نظير ما ذكر عن ~~الشبلي رحمه الله أنه سمع قارئا يقرأ منكم من يريد الدنيا ومنكم من ير يد ~~الآخرة فصرخ وقال أين مريد الله فيحمد منه كونه أراد الله ولكن غلط في ظنه ~~أن الذين أرادوا الأخرة ما أرادوا الله وهذه الآية في أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذين ما أرادوا الله وهذه الآية فيأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذين كانوا معه بأحد وهم أفضل الخلق فإن لم يريدوا الله أفيريد الله ~~من هو دونهم كالشبلي وأمثاله ومثل ذلك ما أعرفه عن بعض المشائخ أنه سأل مرة ~~عن قوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقلتون ويقتلون قال فاذا كانت الأنفس والأموال في ~~ثمن الجنة فالرؤية بم تنال فأجابه مجيب بما يشبه هذا السؤال والواجب أن ~~يعلم أن كل ما أعده الله للأولياء من نعيم بالنظر اليه وما سوى ذلك هو في ~~الجنة كما أن كل ما وعد به أعداءه هو في النار وقد # PageV01P132 # قال تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ~~وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله أعددت لعبادي ~~الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتهم ~~عليه واذا علم أن جميع ذلك داخل في الجنة فالناس في الجنة على درجات ~~متفاوتة كما قال انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلاوكل مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة هو في ~~الجنة طلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وطلب الجنة ~~والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله وجميع أولياءه السابقين ~~المقربين وأصحاب اليمين كما في السنن أن النبي صلى الله ms076 عليه وسلم سأل بعض ~~أصحابه كيف تقول في دعائك قال أقول اللهم اني أسألك الجنة وأعوذ بك من ~~النار أما اني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال حولهما ندندن فقد أخبر ~~أنه هو صلى # PageV01P133 # الله عليه وسلم ومعاذ وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم انما يدندنان حول الجنة أفيكون قول أحد فوق قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ ومن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار ولو ~~طلب هذا العبد ما طلب كان في الجنة أهل الجنة نوعان وأهل الجنة نوعان ~~سابقون مقربون وأبرار أصحاب يمين قال تعالى كلا ان كتاب الأبرار لفي عليين ~~وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الأبرار لفي نعيم على ~~الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون قال ~~ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشربها المقربون صرفا وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ~~ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي ~~الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ~~أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسلية حلت عليه شفاعتي يوم القيامة فقد ~~أخبر أن الوسيلة التي لا تصلح الا لعبد واحد من عباد الله ورجا أن يكون هو ~~ذ لك العبد هي درجة في الجنة فهل بقي بعد الوسيلة شيء أعلى منها يكون خارجا ~~عن الجنة يصلح للمخلوقين # PageV01P134 # وثبت في الصحيح أيضا في حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس في مجالس ~~الذكر قال فيقولون للرب تبارك وتعالى وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك ~~قال فيقول وما يطلبون قالوا يطلبون الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون ~~لا قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا يستعيذون من النار قال فيقول وهل رأوها ~~قال فيقولون لا ms077 قال فيقول فكيف لو رأوها قالوا لو رأوها لكانوا أشد منها ~~استعاذة قال فيقول أشهدكم اني أعطيتهم ما يطلبون وأعذتهم مما يستعيذون أو ~~كما قال قال فيقولون فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة فجلس معهم قال فيقول هم ~~القوم لا يشقى بهم جليسهم فهؤلاء الذين هم من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم ~~الجنة ومهربهم من النار والنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة ~~العقبة وكان الذين بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين هم أفضل من هؤلاء ~~المشائخ كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك ~~قال أشترط لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي ~~أن تواسوهم قالوا فاذا فعلنا ذلك فما لنا قال لكم الجنة قالوا مد يدك ~~فوالله لا نقيلك ولا نستقيلك وقد قالوا له في أثناء البيعة ان بيننا وبين ~~القوم حبالا وعهودا وانا ناقضوها # PageV01P135 # فهؤلاء الذين بايعوه من أعظم خلق الله محبة لله ورسوله وبذلا لنفوسهم ~~وأموالهم في رضا الله ورسوله على وجه لا يلحقهم فيه أحد من هؤلاء المتأخرين ~~قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة فلو كان هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ~~ولكن علموا أن في الجنة كل محبوب ومطلوب بل وفي الجنة ما لا تشعر به النفوس ~~لتطلبه فإن الطلب والحب والارادة فرع عن الشعور والاحساس والتصور فما لا ~~يتصوره الانسان ولا يسحه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويريده فالجنة ~~فيها هذا وهذا كما قال تعالى لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد وقال وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ففيها ما يشتهون وفيها مزيد على ذلك وهو ما لم ~~يبلغه علمهم ليشتهوه كما قال صلى الله عليه وسلم ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا باب واسع غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله ~~الجنة ولا تستعيذه من النار فاذا عرفت هذه المقدمة فقول القائل الرضا أن لا ~~تسأل الله الجنة ولا تستعيذه من النار ان أراد ms078 بذلك أن لا تسأل الله ما هو ~~داخل في مسمى الجنة الشرعية فلا تسأله النطر اليه ولا غير ذلك مما هو مطلوب ~~جميع الأنبياء والأولياء وأنك لا تستعيذ به من احتجابه عنك ولا من تعذيبك ~~في النار فهذا الكلام مع كونه مخالفا لجميع الأنبياء والمرسلين وسائر ~~المؤمنين فهو متناقض في نفسه فاسد في صريح العقول وذلك أن الرضا الذي لا ~~يسأل انما لا يسأله لرضاه عن الله # PageV01P136 # ورضاه عنه انما هو بعد معرفته به ومحبته له واذا لم يبق معه رضا عن الله ~~ولا محبة لله فكأنه قال يرضى أن لا يرضى وهذا جمع بين النقيضين ولا ريب أنه ~~كلام من لم يتصور ما يقول ولا عقله يوضح ذلك أن الراضي انما يحمله على ~~احتمال المكاره والآلام ما يجده من لذة الرضا وحلاوته فاذا فقد تلك الحلاوة ~~واللذة امتنع أن يتحمل ألما ومرارة فكيف يتصور أن يكون راضيا وليس معه من ~~حلاوة الرضا ما يحمل به مرارة المكاره وإنما هذا من جنس كلام السكران ~~والفاني الذي وجد في نفسه حلاوة الرضا فظن أن هذا يبقى معه على أي حال كان ~~وهذا غلط عظيم منه كغلط سمنون كما تقدم وان أراد بذلك أن لا يسأل التمتع ~~بالمخلوق بل يسأل ما هو أعلى من ذلك فقد غلط من وجهين من جهة أنه لم يجعل ~~ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة ومن جهة أنه أيضا أثبت أنه طالب ~~مع كونه راضيا فاذا كان الرضا لا ينافي هذا الطلب فلا ينافي طلبا آخر اذا ~~كان محتاجا الى مطلوبه ومعلوم أن تمتعه بالنظر لا يتم الا بسلامته من النار ~~وبتنعمه من الجنة بما هو دون النظر وما لا يتم المطلوب الا به فهو مطلوب ~~فيكون طلبه للنظر طلبا للوازمه التي منها النجاة من النار فيكون رضاه لا ~~ينافي طلب حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ولا طلب حصول الجنة ودفع النار ولا ~~غيرهما مما هو من لوازم النظر فتبين تناقض قوله وأيضا فاذا لم ms079 يسأل الله ~~الجنة ولم يستعذ به من النار فاما أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج ~~اليه من طلب منفعة ودفع مضرة واما أن لا يطلبه فان طلب ما هو دون ذلك ~~واستعاذ مما هو دون ذلك فطلبه للجنة أولى واستعاذته من النار أولى وان كان ~~الرضا أن لا يطلب شيئا قط ولو كان مضطرا اليه ولا يستعيذ من شيء قط وان كان ~~مضرا # PageV01P137 # فلا يخلوا اما أن يكون ملتفتا بقلبه الى الله في أن يفعل به ذلك واما أن ~~يكون معرضا عن ذلك فإن التفت بقلبه الى الله فهو طالب مستعيذ بحاله ولا فرق ~~بين الطلب بالحال والقال وهو بهما أكمل وأتم فلا يعدل عنه وان كان معرضا عن ~~جميع ذلك فمن المعلوم أنه لا يحيى ويبقى الا بما يقيم حياته ويدفع مضاره ~~بذلك والذي به يحيى من المنافع ودفع المضار اما أن يحبه ويطلبه ويريده من ~~أحد أو لا يحبه ولا يطلبه ولا يريده فإن أحبه وطلبه وأراده من غير الله كان ~~مشركا مذموما فضلا عن أن يكون محمودا وان قال لا أحبه وأطلبه وأريده لا من ~~الله ولا من خلقه قيل هذا ممتنع في الحي فإن الحي ممتنع عليه أن لا يحب ما ~~به يبقى وهذا أمر معلوم بالحس ومن كان بهذه المثابة امتنع أن يوصف بالرضا ~~فإن الراضي موصوف بحب وارادة خاصة اذ الرضا مستلزم لذلك فكيف يسلب عنه ذلك ~~كله فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام وأما في سبيل الله وطريقه ودينه ~~فمن وجوه أحدهما أن يقال الراضي لا بد أن يفعل ما يرضاه الله والا فكيف ~~يكون راضيا عن الله من لا يفعل ما يرضاه الله وكيف يسوغ رضا ما يكرهه الله ~~ويسخطه ويذمه وينهي عنه وبيان هذا أن الرضا المحمود اما أن يكون الله يحبه ~~ويرضاه واما أن لا يحبه ويرضاه فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا الرضا ~~مأمورا به لا أمر ايجاب ولا أمر استحباب فإن ms080 من الرضا ما هو كفر كرضا ~~الكفار بالشرك وقتل الأنبياء وتكذيبهم ورضاهم بما يسخطه الله ويكرهه قال ~~تعالى ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط # PageV01P138 # أعمالهم فمن اتبع ما أسخط الله برضاه وعمله فقط أسخط الله وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم ان الخطيئة اذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن ~~حضرها ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها وقال صلى الله عليه وسلم ~~سيكون بعدي أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن ~~من رضي وتابع هلك وقال تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فن ترضوا عنهم فان ~~الله لا يرضى عن القوم الفاسقين فرضنا عن القوم الفاسقين ليس مما يحبه الله ~~ويرضاه وهو لا يرضى عنهم وقال تعالى أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما ~~متاع الحياة الدينا في الآخرة الا قليل فهذا رضا قد ذمة الله وقال تعال ان ~~الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها فهذا أيضا رضا ~~مذموم وسوى هذا وهذا كثير فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ~~ومعاصي غيره فليس هو متبعا لرضا الله ولا هو مؤمن بالله بل هو مسخط لربه ~~وربه غضبان عليه لا عن له ذام له متوعد له بالعقاب وطريق الله التي يأمر ~~بها المشائخ المهتدون انما هي الأمر بطاعة الله # PageV01P139 # والنهي عن معصيته فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي يكرهه الله ويذمه ~~وينهي عنه ويعاقب أصحابه فهو عدو لله لأولى لله وهو يصد عن سبيل الله ~~وطريقه ليس بسالك لطريقه وسبيله واذا كان الرضا الموجوده في بني آدم منه ما ~~يحبه الله ومنه ما يكرهه ويسخطه ومنه ما هومباح لا من هذا ولا من هذا كسائر ~~أعمال القلوب من الحب والبغض وغير ذلك لكها تنقسم الى محبوب لله ومكروه لله ~~مباح فاذا كان الأمر كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه من ~~النار يقال له سؤال الله الجنة واستعاذته من النار اما ms081 أن تكون واجبة واما ~~أن تكون مستحبة واما أن تكون مباحة واما أن تكون مكروهة ولا يقول مسلم انها ~~محرمة ولا مكروهة وليست أيضا مباحة مستوية الطريفين ولو قيل انها كذلك ففعل ~~المباح المستوي الطرفين لا ينافي الرضا اذ ليس من شرط الراضي أن لا يأكل ~~ولا يشرب ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور فاذا كان ما يفعله من هذه ~~الأمور لا ينافي رضاه أينافي رضاه دعاء وسؤال هو مباح واذا كان السؤال ~~والدعاء كذلك واجبا أو مستحبا فمعلوم أن الله يرضى بفعل الواجبات ~~والمستحبات فكيف يكون الراضي الذي من أولياء الله لا يفعل ما يرضاه ويحبه ~~بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة أعداء الله لا أولياء الله احتجاج ~~القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به ورد أهل السنة على ذلك والقشيري قد ~~ذكره في أوائل باب الرضا فقال اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله ~~الذي أمر بالرضا به اذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز للعبد أو يجب على العبد ~~الرضا به كالمعاصي وفنون محن المسلمين وهذا الذي قاله قاله قبله وبعده ومعه ~~غير واحد من # PageV01P140 # العلماء كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأمثالهما لما احتج عليهم ~~القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكنا ~~مأمورين بالرضا بها والرضا بما نهى الله عنه لا يجوز فأجابهم أهل السنة عن ~~ذلك بثلاثة أجوبة أحدها وهو جواب هؤلاء وجماهير الأئمة أن هذا العموم ليس ~~بصحيح فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضى وقدر ولم يجىء في الكتاب والسنة ~~أمر بذلك ولكن علينا أن نرضى بما أمرنا أن نرضى به كطاعة الله ورسوله وهذا ~~هو الذي ذكره أبو القاسم والجواب الثاني أنهم قالوا انا نرضى بالقضاء الذي ~~هو صفة الله أو فعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله وفي هذا الجواب ضعف قد ~~بيناه في غير هذا الموضع الثالث أنهم قالوا هذه المعاصي لها وجهان وجه الى ~~العبد من حيث هي فعله وصنعه ms082 وكسبه ووجه الى الرب من حيث هو خلقها وقضاها ~~وقدرها فيرضى من الوجه الذي يضاف به الى الله ولا يرضى من الوجه الذي يضاف ~~به الى العبد اذ كونها شرا وقبيحة ومحرما وسببا للعذاب والذم ونحو ذلك انما ~~هو من جهة كونها مضافة الى العبد وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ما ~~قد ذكرنا منه ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع ولا يحتمله هذا المكان فإن ~~هذا متعلق بمسائل الصفات # PageV01P141 # والقدر وهي من أعظم مطالب الدين وأشرف علوم الأولين والآخرين وأدقها على ~~عقول أكثر العالمين والمقصود هنا أن مشائخ الصوفية والعلماء وغيرهم قد ~~بينوا أن من الرضا ما يكون جائزا ومنه ما لا يكون جائزا فضلا عن كونه ~~مستحبا أو من صفات المقربين وأن أبا القاسم ذكر في الرسالة أيضا فن قيل هذا ~~الذي ذكرتموه أمر بين واضح فمن أين غلط من قال الرضا أن لا تسأل الله الجنة ~~ولا تستعيذه من النار وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كائنا من كان قيل ~~غلطوا في ذلك لأنهم رأوا أن الراضي بأمر لا يطلب غير ذلك الأمر فالعبد اذا ~~كان في حال من الأحوال فمن رضاه أن لا يطلب غير تلك الحال ثم انهم رأوا أن ~~أقصى المطالب الجنة وأقصى المكاره النار فقالوا ينبغي أن لا يطلب شيئا ولو ~~أنه الجنة ولا يكره ما يناله ولو أنه النار وهذا وجه غلطهم ودخل عليهم ~~الضلال من وجهين أحدهما ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه ~~وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله فجعلوا الرضا بكل حادث وكائن أو بكل حال ~~يكون فيها للعبد طريقا الى الله فضلوا ضلالا مبينا والطريق الى الله انما ~~هي أن ترضيه بأن تفعل ما يحبه ويرضاه ليس أن ترضى بكل ما يحدث ويكون فإنه ~~هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك ولا أحبه بل هو سبحانه يكره ويسخط ويبغض على ~~أعيان أفعال موجودة لا يحصيها الا هو وولاية الله موافقته بأن تحب ms083 ما يحب ~~وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من ~~يعادي فاذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه كنت عدوه لا وليه وكان كل ذم نال ~~من رضي ما أسخط الله قد نالك # PageV01P142 # فتدبر هذا فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك والصوفية ~~والعباد والعامة من لا يحصيهم الا الله الوجه الثاني أنهم لا يفرقون بين ~~الدعاء الذي أمروا به أمر ايحاب وأمر استحباب وبين الدعاء الذي نهوا عنه أو ~~لم يؤمروا به ولم ينهوا عنه فإن دعاء العبد لربه ومسألته اياه ثلاثة أنواع ~~أنواع دعاء العبد لربه نوع أمر العبد به اما أمر ايجاب واما أمر استحباب ~~مثل قوله اهدنا الصراط المستقيم ومثل دعائه في آخر الصلاة كالدعاء الذي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يأمر به أصحابه فقال اذا قعد أحدكم في الصلاة ~~فليستعذ بالله من أربع من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات ~~وفتنة المسيح الدجال فهذا دعاء أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوا به ~~في آخر صلاتهم وقد اتفقت الأمة على أنه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه ~~وتنازعوا في وجوبه فأوجبه طاووس وطائفة هذا مستحب والأدعية التي كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدعو بها لا تخرج عن أن تكون واجبة أو مستحبة وكل واحد ~~من الواجب والمستحب يحبه الله ويرضاه ومن فعله رضي الله عنه وأرضاه فهل ~~يكون من الرضا ترك ما يحبه ويرضاه ونوع من الدعاء ينهى عنه كالاعتداء مثل ~~أن يسأل الرجل ما لا يصلح من خصائص الأنبياء وليس هو بنبي وربما هو من ~~خصائص الرب سبحانه وتعالى مثل أن يسأل لنفسه الوسيلة التي # PageV01P143 # لا تصلح الا لعبد من عباده أو يسأل الله تعالى أن يجعله بكل شيء عليما أو ~~على كل شيء قدير وأن يرفغ عنه كل حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب وأمثال ذلك ~~أو مثل من يدعوه ظانا أنه محتاج الى عباده وأنهم يبلغون ضره ونفعه فيطلب ~~منه ذلك ms084 الفعل ويذكر أنه اذا لم يفعله حصل له من الخلق ضير وهذا ونحوه جهل ~~بالله واعتداء في الدعاء وان وقع في ذلك طائفة من الشيوخ ومثل أن يقولوا ~~اللهم اغفر لي ان شئت فيظن أن الله قد يفعل الشيء مكرها وقد يفعل مختارا ~~كالملوك فيقول اغفر لي ان شئت وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~وقال لايقل أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت ولكن ليعزم ~~المسألة فإن الله لا مكره له ومثل أن يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق ~~وأمثال ذلك فهذه الأدعية ونحوها منهي عنها ومن الدعاء ما هو مباح كطلب ~~الفضول التي لا معصية فيها آراء في الرضا والمقصود أن الرضا الذي هو من ~~طريق الله لا يتضمن ترك واجب ولا ترك مستحق فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب ~~لا يكون تركه من الرضا كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون من الرضا المشروع ~~ولا فعل المحرمات من المشروع فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم أن الرضا # PageV01P144 # مشروع بكل مقدور ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع ايجابا ~~واستحبابا والدعاء غير المشروع وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن طلب ~~الجنة من الله والاستعاذة به من النار هو من أعظم الأدعية المشروعة لجميع ~~المرسلين والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن ذلك لا يخرج عن كونه ~~واجبا أو مستحبا وطريق أولياء الله التي يسلكونها لا تخرج عن فعل واجبات ~~ومستحبات اذ ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح لا منفعة فيه في الدين ثم ~~انه لما أوقع هؤلاء في هذا الغلط أنهم وجدوا كثيرا من الناس لا يسألون الله ~~جلب المنافع ودفع المضار حتى طلب الجنة والاستعاذة من النار من جهة كون ذلك ~~عبادة وطاعة وخيرا بل من جهة كون النفس تطلب ذلك فرأوا أن من الطريق ترك ما ~~تختاره النفس وتريده وأن لايكون لأحدهم ارادة أصلا بل يكون مطلوبه الجريان ~~تحت القدر كائنا من كان وهذا هو الذي أدخل ms085 كثيرا منهم في الرهبانية والخروج ~~عن الشريعة حتى تركوا من الأكل والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون اليه وما ~~لا تتم مصلحة دينهم الا به فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمور بحكم الطبع ~~والهوى والعاده ومعلوم أن الأفعال التي على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا ~~طاعة ولا قربة فرأى أولئك الطريق الى الله ترك هذه العبادات والأفعال ~~الطبعيات فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك مما فيه ترك ~~الحظوظ واحتمال المشاق ما أوقعهم في ترك واجبات ومستحبات وفعل مكروهات ~~ومحرمات وكلا الأمرين غير محمود ولا مأمور به ولا طريق الى الله طريق ~~المفرطين الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج اليها على غير وجه العبادة ~~والتقرب الى الله وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال بل المشروع أن ~~تفعل بنية التقرب الى الله وأن يشكر الله قال الله تعالى كلوا من # PageV01P145 # الطيبات واعملوا صالحا وقال تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله ~~فأمر بالأكل والشرب فمن أكل ولم يشكر كان مذموما ومن لم يأكل ولم يشكر كان ~~مذموما وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ان الله ليرضى عن ~~العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لسعد انك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا ازددت ~~بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك وفي الصحيح أيضا أنه قال ~~نفقة المؤمن على أهله يحتسبها صدقة فكذلك الأدعية هنا من الناس من يسأل ~~الله جلب المنفعة له ودفع المضرة عنه طبعا وعادة لا شرعا وعبادة فليس من ~~المشروع أن ادع الدعاء مطلقا لتقصير هذا وتفريطه بل أفعله أنا شرعا وعبادة ~~ثم اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة انما يسعى في مصلحة نفسه وطلب حظوظه ~~المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته بخلاف الذي يفعله طبعا فإنه انما ~~يطلب مصلحة دنياه فقط كما قال تعال فمن الناس من # PageV01P146 # يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم ms086 من يقول ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما ~~كسبوا والله سريع الحساب وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار انما يطلب ~~حسنة الآخرة فهو محمود ومما يبين الأمر في ذلك أن يرد قول هؤلاء بأن العبد ~~لا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق ولا يحج ولا ~~يجاهد ولا يفعل شيئا من القربات فإن ذلك انما فائدته حصول الثواب ودفع ~~العقاب الذي هو النار فلا يفعل مأمورا ولا يترك محظورا ويقول أنا راض بكل ~~ما يفعله بي وان كفرت وفسقت وعصيت بل يقول أنا أكفر وأفسق وأعصي حتى ~~يعاقبني وأرضى بعقابه فأنال درجة الرضا بقضائه وهذا قول من هو من أجهل ~~الخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم أما جهلة وحمقه فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر ~~لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين وأما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله ~~الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت ~~كثيرا من أهل الارادة من المتصوفة في أن تركوا من المأمور وفعلوا من ~~المحظور ما صاروا به اما ناقصين محرومين واما عاصين فاسقين واما كافرين وقد ~~رأيت من ذلك ألوانا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور وهؤلاء ~~المعتزلة ونحوهم من القدرية طرفا نقيض هؤلاء يلاحظون القدر ويعرضون عن ~~الأمر وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن # PageV01P147 # القدر والطائفتان تظن أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر كما أن طائفة تجعل ~~ذلك مخالفا للحكمة والعدل وهذه الأصناف الثلاثة هي القدرية المجوسية ~~والقدرية المشركية والقدرية الابليسية وقد بسطنا الكلام عليهم في غير هذا ~~الموضع وأصل ما يبتلى به السالكون أهل الارادة العامة في هذا الزمان هي ~~القدرية المشركية فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر كما قال فيهم بعض العلماء ~~أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به وانما ~~المشروع العكس وهو أن يكون عند الطاعة يستعين الله عليها قبل الفعل ويشكره ~~عليها بعد الفعل ويجتهد أن ms087 لا يعصي فاذا أذنب وعصى بادر الى التوبة ~~والاستغفار كما في حديث سيد الاستغفار أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي وكا ~~في الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكما ثم أوفيكم ~~اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه ومن ~~هذا الباب دخل قوم من أهل الادارة في ترك الدعاء وآخرون جعلوا التوكل ~~والمحبة من مقامات العامة وأمثال هذه الأغاليط التي تكلمنا عليها في غير ~~هذا الموضع وبينا الفرق بين الصواب والخطأ في ذلك ولهذا يوجد في كلام هؤلاء ~~المشايخ الوصية باتباع العلم والشريعة حتى قال سهل بن عبد الله التستري كل ~~وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل وقال الجنيد بن محمد علمنا مقيد ~~بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم في علمنا ~~والله أعلم # PageV01P148 ### | الفصل الثامن الهم والعزم # سؤال ما تقوم السادة العلماء في من عزم على فعل محرم كالزنا والسرقة وشرب ~~الخمر عزما جازما فعجز عن فعله اما بموت أو غيره هل يأثم بمجرد العزم أم لا ~~وان قلتم يأثم فما جواب من يحتج على عدم الاثم بقوله اذا هم عبدي بسيئة ولم ~~يعملها لم تكتب عليه وبقوله ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم ~~تعمل أو تتكلم واحتج به من وجهين أحدهما أنه أخبر بالعفو عن حديث النفس ~~والعزم داخل في العموم والعزم والهم واحد قاله ابن سيده # PageV01P149 # الثاني أنه جعل التجاوز ممتدا الى أن يوجد كلام أو عمل وما قبل ذلك داخل ~~في حد التجاوز ويزعم أن لا دلالة في قول النبي صلى الله عليه وسلم اذا ~~التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار لأن الموجب لدخول ~~المقتول في النار مواجهته أخيه لأنه عمل لا مجرد قصد وأن لا دلالة في قوله ~~صلى الله عليه وسلم في الذي قال لو أن لي مالا لفعلت وفعلت انهما في الاثم ~~سواء وفي الأجر سواء لأنه تكلم والنبي صلى الله ms088 عليه وسلم قال ما لم تعمل ~~به أو تتكلم وهذا قد تكلم وقد وقع في هذه المسألة كلام كثير واحتيج الى ~~بيانها مطولا مكشوفا مستوفى الاجابة فأجاب شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله ~~روحه ونور ضريحه الحمد لله هذه المسأله ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها ~~الى حسن التصور لها فإن اضراب الناس في هذه المسائل وقع عامته من أمرين ~~سببا الاضطراب أحدهما عدم تحقيق أحوال القلوب وصفاتها التي هي مورد الكلام # PageV01P150 # والثاني عدم اعطاء الأدلة الشرعية حقها ولهذا كثر اضطرات كثير من الناس ~~في هذا الباب حتى يجد الناظر في كلامهم أنهم يدعون اجماعات متناقضة في ~~الظاهر تفاوت الأفعال والصفات فينبغي أن يعلم أن كل واحد من صفات الحي التي ~~هي العلم والقدرة والارادة ونحوها له من المراتب ما بين أوله وآخره ما لا ~~يضبطه العباد كالشك ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ومراتبه وكذلك الهم ~~والارادة والعزم وغير ذلك ولهذا كان الصواب عند جماهير أهل السنة وهو ظاهر ~~مذهب أحمد وهو أصح الروايتين عنه وقول أكثير أصحابه ان العلم والعقل ~~ونحوهما يقبل الزيادة والنقصان بل وكذلك الصفات التي تقوم بغير الحي ~~كالألوان والطعوم والأرواح الارادة الجازمة وحكمها فنقول أولا الارادة ~~الجازمة هي التي يجب وقوع الفعل معها اذا كانت القدرة حاصلة فإنه متى وجدت ~~الارادة الجازمة مع القدرة التامة وجب وجود الفعل لكمال وجود المقتضى ~~السالم عن المعارض المقاوم ومتى وجدت الارادة والقدرة التامة ولم يقع الفعل ~~لم تكن الارادة جازمة وهو ارادات الخلق لما يقدرون عليه من الأفعال ولم ~~يفعلوه وان كانت هذه الارادات متفاوتة في القوة والضعف تفاوتا كثيرا لكن ~~حيث لم يقع الفعل المراد مع وجود القدرة التامة فليست الارادة جازمة جزما ~~تاما وهذه المسألة انما كثر فيها النزاع لأنهم قدروا ارادة جازمة للفعل لا ~~يقترن بها شيء من الفعل وهذا لا يكون وانما يكون ذلك في العزم على أن يفعل ~~فقد يعزم على الفعل في المستقبل من لا يفعل منه شيئا في الحال والعزم ms089 على ~~أن يفعل في المستقبل لا يكفي في وجود الفعل بل # PageV01P151 # لا بد عند وجود من حدوث تمام الارادة المستلزمة للفعل وهذه هي الارادة ~~الجازمة والارادة الجازمة اذا فعل معها الانسان ما يقدر عليه كان في الشرع ~~بمنزلة الفاعل التام له ثواب الفاعل التام وعقاب الفاعل التام الذي فعل ~~جميع الفعل المراد حتى يثاب ويعاقب على ما هو خارج عن محل قدرته مثل ~~المشتركين والمتعاونين على أفعال البر ومنها ما يتولد عن فعل الانسان ~~كالداعي الى هدى أو ضلالة والسان سنة حسنة وسنة سيئة كما ثبت في الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليى وسلم أنه قال من دعا الى هدى كان له من الأجر مثل ~~أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن دعا الى ضلالة كان عليه من ~~الوزر مثل أوزار من تبعه من غير أن ينقص أوزارهم شيء وثبت عنه في الصححين ~~أنه قال من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيء # PageV01P152 # ارادة الداعي الى الهدى والضلال فالداعي الى الهدى والى الضلالة هو طالب ~~مريد كامل الطلب والارادة لما دعا اليه لكن قدرته بالدعاء والأمر وقدرة ~~الفاعل بالاتباع والقبول ولهذا قرن الله تعالى في كتابه بين الأفعال ~~المباشرة والمتولدة فقال ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في ~~سبيل الله ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا الا كتب لهم ~~به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا الا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون فذكر في ~~الآية الأولى ما يحدث عن أفعالهم بغير قدرتهم المنفردة وهو ما يصيبهم من ~~العطش والجوع والتعب وما يحصل للكفار بهم من الغيط وما ينالونه من العدو ~~وقال كتب لهم به عمل صالح فأخبر أن هذه الأمور التي تحدث وتتولد من فعلهم ~~وفعل آخر منفصل عنهم يكتب لهم بها ms090 عمل صالح وذكر في الآية الثانية نفس ~~أعمالهم المباشرة التي باشروها بأنفسهم وهي الانفاق وقطع المسافة فلهذا قال ~~فيها الا كتب لهم فإن هذه نفسها عمل صالح وارادتهم في الموضعين جازمة على ~~مطلوبهم الذي هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فما ~~حدث مع هذه الارادة الجازمة من الأمور التي تعين فيها قدرتهم بعض الاعانة ~~هي لهم عمل صالح وكذلك الداعي الى الهدى والضلالة لما كانت ارادتهم جازمة ~~كاملة # PageV01P153 # في هدى الأتباع وضلالهم وأتى من الاعانة على ذلك بما يقدر عليه كان ~~بمنزلة العامل الكامل فله من الجزاء مثل جزاء كل من اتبعه للهادي مثل أجور ~~المهتدين وللمضل مثل أوزار الضالين وكذلك السان سنة حسنة وسنة سيئة فان ~~السنة هي مارسم للتحري فإن السان كامل الارادة لكل ما يفعل من ذلك وفعله ~~بحسب قدرته ومن هذا قوله في الحديث المتفق عليه عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من ~~دمها لأنه أول من سن القتل فالكفل النصيب مثل نصيب القاتل كما فسره الحديث ~~الآخر وهو كما استباح جنس قتل المعصوم لم يكن مانع يمنعه من قتل نفس معصومة ~~فصار شريكا في قتل كل نفس ومنه قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني ~~اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ~~ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ويشبه هذا أنه من كذب رسولا معينا ~~كتكذيب جنس الرسل كما قيل فيه كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين ~~ونحو ذلك ومن هذا الباب قوله تعالى وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا # PageV01P154 # سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء انهم لكاذبون ~~وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ~~فأخبر أن أمة الضلال لا يحملون من خطايا الأتباع شيئا وأخبر أنهم يحملون ~~أثقالهم وهي أوزار الأتباع من غير أن ms091 ينقص من أوزار الأتباع شيء لأن ~~ارادتهم كانت جازمة بذلك وفعلوا مقدورهم فصار لهم جزاء كل عامل لأن الجزاء ~~على العمل يستحق مع الارادة الجازمة وفعل المقدور منه وهو كما ثبت في ~~الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب ~~الى هرقل فإن توليت فإن عليك اثم الأريسيين فأخبر أن هرقل لما كان امامهم ~~المتبوع في دينهم أن عليه اثم الأربسيين وهم الأتباع وان كان قد قيل ان أصل ~~هذه الكلمة من الفلاحين والأكرة كلفظ الطاء بالتركي فإن هذه الكلمة تقلب ~~الى ما هو أعم من ذلك ومعلوم أنه اذا تولى عن أتباع الرسول كان عليه مثل ~~آثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء كما دل عليه سائر نصوص الكتاب والسنة ~~ومن هذا قوله تعالى الهكم اله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ~~وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون انه لا يحب ~~المستكبرين واذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم # PageV01P155 # فقوله ومن أوزار الذين يضلونهم هي الأوزار الحاصلة لضلال الأتباع وهي ~~حاصلة من جهة الآمر ومن جهة المأمور المتثل فالقدرتان مشتركتان في حصول ذلك ~~الضلال فلهذا كان على هذا بعضه وعلى هذا بعضه الا أن كل بعض من هذين ~~البعضين هو مثل وزر عامل كامل كما دلت عليه سائر النصوص مثل قوله من دعا ~~الى الضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة ومن هذا الباب ~~قوله تعالى قال ادخلوا في أمم قد قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~فأخبر سبحانه أن الأتباع دعوا على أئمة الضلال بتضعيف العذاب كما أخبر عنهم ~~بذلك في قوله تعالى وقالوا ربنا انا أطعنا ms092 سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ~~ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وأخبر سبحانه أن لكل من ~~المتبعين والأتباع تضعيفا من العذاب ولكن لا يعلم الأتباع التضعيف ولهذا ~~وقع عظيم المدح والثناء لأئمة الهدى وعظيم الذم واللعنة لأئمة الضلال حتى ~~روي في أثر لا يحضرني اسناده انه ما من عذاب في النار الا يبدأ فيه بابليس ~~ثم يصعد بعد ذلك الى غيره وما من نعيم في الجنة الا يبدأ فيه بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم ينتقل الى غيره فإنه # PageV01P156 # هو الامام المطلق في الهدى لأول بني آدم وآخرهم كما قال أنا سيد ولد آدم ~~ولا فخر آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر وهو شفيع الأولين ~~والآخرين في الحساب بينهم وهو أول من يستفتح باب الجنة وذلك أن جميع ~~الخلائق أخذ الله عليهم ميثاق الايمان به كما أخذ على كل نبي أن يؤمن بمن ~~قبله من الأنبياء ويصدق بمن بعده قال تعالى واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~الآية فافتتح الكلام باللام الموطئة للقسم التي يؤتى بها اذا اشتمل الكلام ~~على قسم وشرط وأدخل اللام على ما الشرطية ليبين العموم ويكون المعنى مهما ~~آتيكم من كتاب وحكمة فعليكم اذا جاءكم ذلك النبي المصدق الايمان به ونصره ~~كما قال ابن عباس ما بعث الله نبيا الا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو ~~حي ليؤمنن به ولينصرنه والله تعالى قد نوه بذكره وأعلنه في الملأ الأعلى ما ~~بين خلق جسد آدم ونفخ الروح فيه كما في حديث ميسرة الفجر قال قلت يا رسول ~~الله متى كنت نبيا وفي رواية متى كتبت نبيا فقال وآدم بين الروح والجسد ~~رواه أحمد وكذلك في حديث العرباض بن سارية # PageV01P157 # الذي رواه أحمد وهو حديث حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اني ~~عند الله الخاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته الحديث فكتب الله وقدر في ~~ذلك ms093 الوقت وفي تلك الحال أمر امام الذرية كما كتب وقدر حال المولود من ذرية ~~آدم بين خلق جسده ونفخ الروح فيه كما ثبت ذ لك في الصحيحين من حديث ابن ~~مسعود فمن آمن به من الأولين والآخرين أثيب على ذلك وان كان ثواب من آمن به ~~وأطاعه في الشرائع المفصلة أعظم من ثواب من لم يأت الا بالايمان المجمل على ~~أنه امام مطلق لجميع الذرية وأن له نصيبا من ايمان كل مؤمن من الأولين ~~والآخرين كما أن كل ضلال وغواية في الجن والانس لابليس منه نصيب فهذا يحقق ~~الأثر المروي ويؤيد ما في نسخة شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مرسلا اما من مراسيل الزهري واما من مراسيل من فوقه من ~~التابعين قال بعثت داعيا وليس الي من الهداية شيء وبعث ابليس مزينا ومغويا ~~وليس اليه من الضلالة شيء ومما يدخل في هذا الباب من بعض الوجوه قوله في ~~الحديث الذي في # PageV01P158 # السنن وزنت بالأمة فرجحت ثم وزن أبو بكر بالأمة فرجح ثم وزن عمر بالأمة ~~فرجح ثم رفع الميزان فأما كون النبي صلى الله عليه وسلم راجحا بالأمة فظاهر ~~لأن له مثل أجر جميع الأمة مضافا الى أجره وأما أبو بكر وعمر فلأن لهما ~~معاونة مع الارادة الجازمة في ايمان الأمة كلها وأبو بكر كان في ذلك سابقا ~~لعمر وأقوى ارادة منه فإنهما هما اللذان كانا يعاونان النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ايمان الأمة في دقيق الأمور وجليلها في محياه وبعد وفاته ولهذا ~~سأل أبو سفيان يوم أحد أفي القوم محمد أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ~~ابن الخطاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تجيبوه فقال أما هؤلاء فقد ~~كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال كذبت يا عدو الله ان الذي ذكرت لأحياء ~~وقد بقي لك ما يسوءك رواه البخاري ومسلم حديث البراء بن عازب فأبو سفيان ~~رأس الكفر حينئذ لم يسأل الا عن هؤلاء الثلاثة لأنهم قادة ms094 المؤمنين كما ثبت ~~في الصحيحين أن علي بن أبي طالب لما وضعت جنازة عمر قال والله ما على وجه ~~الأرض أحد أحب أن ألقى الله بعمله من هذا المسجى والله اني لأرجو أن يحشرك ~~الله مع صاحبيك فإني كثيرا ما كنت أسمع # PageV01P159 # النبي صلى الله عليه وسلم يقول دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو ~~بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر وأمثال هذه النصوص كثيرة تبين سبب ~~استحقاقهما ان كان لهما مثل أعمال جميع الأمة لوجود الارادة الجازمة مع ~~التمكن من القدرة على ذلك كله بخلاف من أعان على بعض ذلك دون بعض ووجدت منه ~~ارادة في بعض ذلك دون بعض وأيضا فالمريد ارادة جازمة مع فعل المقدور هو ~~بمنزلة العامل الكامل وان لم يكن اماما وداعيا كما قال سبحانه لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد ~~الله الحسني وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ~~ورحمة وكان الله غفورا رحيما الارادة الجازمة مع العجز عن الفعل فالله ~~تعالى نفى المساواة بين المجاهد والقاعد الذي ليس بعاجز ولم ينف المساواة ~~بين المجاهد وبين القاعد العاجز بل يقال دليل الخطاب يقتضي مساواته اياه ~~ولفظ الآية صريح استثنى أولو الضرر من نفي المساواة فالأستثناء هنا هو من ~~النفي وذلك يقتضي أن أولي الضرر قد يساوون القاعدين وان لم يساووهم في ~~الجميع ويوافقه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة تبوك ~~ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا الا كانوا معكم قالوا وهم ~~بالمدينة قال وهم # PageV01P160 # بالمدينة حبسهم العذر فأخبر أن القاعد بالمدينة الذي لم يحبسه الا العذر ~~هو مثل من معهم في هذه الغزوة ومعلوم أن الذي معه في الغزوة يثاب كل واحد ~~منهم ثواب غاز على قدر نيته فكذلك القاعدون الذين لم يحبسهم الا العذر ومن ~~هذا الباب ما ثبت في الصحيحين ms095 عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال اذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم فإنه اذا كان ~~يعمل في الصحة والاقامة عملا ثم لم يتركه الا لمرض أو سفر ثبت أنه انما ترك ~~لوجود العجز والمشقة لا لضعف النية وفتورها فكان له من الارادة الجازمة ~~التي لم يتخلف عنها الفعل الا لضعف القدرة ما للعامل والمسافر وان كان ~~قادرا مع مشقة كذلك بعض المرض الا أن القدرة الشرعية هي التي يحصل بها ~~الفعل من غير مضرة راجحة كما في قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع اليه سبيلا وقوله فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ونحو ذلك ليس ~~المعتبر في الشرع القدرة التي يمكن وجود # PageV01P161 # الفعل بها على أي وجه كان بل لا بد أن تكون المكنة خالية عن مضرة راجحة ~~بل أو مكافية ومن هذا الباب ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من جهز ~~غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وقوله من فطر صائما فله مثل ~~أجره من غير أن ينقص من أجره شيء فإن الغزو يحتاج الى جهاد بالنفس وجهاد ~~بالمال فإذا بذل هذا بدنه وهذا ماله مع وجود الارادة الجازمة في كل منهما ~~كان كل منهما مجاهدا بارادته الجازمة ومبلغ قدرته وكذلك لا بد للغازي من ~~خليفة في الأهل فاذا خلفه في أهله بخير فهو أيضا غاز وكذلك الصيام لا بد ~~فيه من امساك ولا بد فيه من العشاء الذي به يتم الصوم والا فالصائم الذي لا ~~يستطيع العشاء لا يتمكن من الصوم وكذلك قوله في الحديث الصحيح اذا أنفقت ~~المرأة من مال زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها مثل ذلك لا ~~ينقص بعبضهم من أجور بعض شيئا وكذلك قوله في حديث أبي موسى # PageV01P162 # الخازن الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد ~~المتصدقين أخرجاه وذلك أن اعطاء الخازن الأمين الذي ms096 يعطي ما أمر به موفرا ~~طيبة به نفسه لا يكون الا مع الارادة الجازمة الموافقة لارادة الآمر وقد ~~فعل مقدوره وهو الامتثال فكان أحد المصتدقين ومن هذا الباب حديث أبي كبشة ~~الأنماري الذي رواه أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انما ~~الدنيا لأربعة رجل آتاه الله علما ومالا فهو يعمل فيه بطاعة الله فقال رجل ~~لو أن لي مثل فلان لعملت بعمله فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهما في ~~الأجر سواء وقد رواه الترمذي مطولا وقال حديث حسن صحيح فهذا التساوي مع ~~الأجر والوزر هو في حكاية حال من قال ذلك وكان صادقا فيه وعلم الله منه ~~ارادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل الا لفوات القدرة فلهذا استويا في الثواب ~~والعقاب وليس هذه الحال تحصل لكل من قال لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما ~~يفعل الا اذا كانت ارادته جازمة يجب وجود الفعل معها اذا كانت القدرة حاصلة ~~والا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لا نفسخت عزيمته ~~كعامة الخلق يعاهدون وينقضون # PageV01P163 # وليس كل من عزم على شيء عزما جازما قبل القدرة عليه وعدم الصوارف عن ~~الفعل تبقى تلك الارادة عند القدرة المقارنة للصوارف كما قال تعالى ولقد ~~كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وكما قال تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا ~~وهم معرضون وحديث أبي كبشة في النيات مثل حديث البطاقة في الكلمات وهو ~~الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن رجلا من أمة النبي صلى الله عليه وسلم ينشر الله له يوم ~~القيامة تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مدى البصر ويقال له هل تنكر من هذا ~~شيئا هل ظلمتك فيقول لا يا رب فيقال له لا ظلم ms097 عليك اليوم فيؤتى ببطاقة ~~فيها التوحيد فتوضع في كفة والسجلات في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ~~فهذا لما اقترن بهذه الكلمة من الصدق والاخلاص والصفاء وحسن النية اذ ~~الكلمات والعبادات وان اشتركت في الصورة الظاهرة فإنها تتفاوت بحسب أحوال ~~القلوب تفاوتا عظيما ومثل هذا الحديث في حديث المرأة البغي التي سقت كلبا # PageV01P164 # فغف الله لها فهذا لما حصل في قلبها من حسن النية والرحمة اذ ذاك ومثله ~~قوله صلى الله عليه وسلم ان العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن ~~تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه الى يوم القيامة وان العبد ليتكلم ~~بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه الى يوم ~~القيامة العبد بين الهم والعمل وأمثله لذلك وبهذا تبين أن الأحاديث التي ~~بها التفريق بين الهام والعامل وأمثالها انما هي فيما دون الارادة الجازمة ~~التي لا بد أن يقترن بها الفعل كما في الصحيحين عن أبي رجاء العطاردي عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى أنه ~~قال أن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها ~~كتبها الله عنده حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها الله عنده عشر حسنات ~~ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة فإن هم بها وعملها كتبها ~~الله له عنده سيئة واحدة وفي الصحيحين نحوه من حديث أبي هريرة # PageV01P165 # فهذا التقسيم هو في رجل يمكنه الفعل لهذا قال فعملها فلم يعملها ومن ~~أمكنه الفعل فلم يفعل لم تكن ارادته جازمة فإن الارادة الجازمة مع القدرة ~~مستلزمة للفعل كما تقدم أن ذلك كاف في وجود الفعل وموجب له اذ لو توقف على ~~شيء آخر لم تكن الارادة الجازمة مع القدرة تامة كافية في وجود الفعل ومن ~~المعلوم والمحسوس أن الأمر بخلاف ذلك ولا ريب أن الهم والعزم والارادة ونحو ~~ذلك قد يكون جازما لا يتخلف عنه الفعل الا ms098 للعجز وقد لا يكون هذا على هذا ~~الوجه من الجزم فهذا القسم الثاني يفرق فيه بين المريد والفاعل بل يفرق بين ~~ارادة وارادة اذ الارادة هي عمل القلب الذي هو ملك الجسد كما قال أبو هريرة ~~القلب ملك والأعضاء جنوده فاذا طاب الملك طابت جنوده واذا خبث الملك خبثت ~~جنوده وتحقيق ذلك ما في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح لها سائر الجسد واذا فسدت ~~فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فاذا هم بحسنة فلم يعملها كان قد أتى ~~بحسنة وهي الهم بالحسنة فتكتب له حسنة كاملة فإن ذلك طاعة وخير وكذلك هو في ~~عرف الناس كما قيل لأشكرن لك معروفا هممت به ان اهتمامك بالمعروف معروف ولا ~~ألومك ان لم يمضه قدرفالشيء بالقدر المحتوم مصروف فإن عملها كتبها الله له ~~عشر حسنات لما مضى من رحمته أن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الى سبعمائة ~~ضعف كما قال تعالى مثل # PageV01P166 # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لمن جاء ~~بناقة لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة مزمومة الى أضعاف كثيرة وقد ~~روي عن أبي هريرة مرفوعا انه يعطى به ألف ألف حسنة وأما الهام بالسيئة الذي ~~لم يعملها وهو قادر عليها فإن الله لا يكتبها عليه كما أخبر به في الحديث ~~الصحيح وسواء سمي همه ارادة أو عزما أو لم يسم متى كان قادرا على الفعل وهم ~~به وعزم عليه ولم يفعله مع القدرة فليست ارادته جازمة وهذا موافق لقوله في ~~الحديث الصحيح حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز ~~لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به فإن ما هم به العبد من ~~الأمور التي يقدر عليها من الكلام والعمل ولم يتكلم بها ولم يعملها ms099 لم تكن ~~ارادته لها جازمة فتلك مما لم يكتبها الله عليه كما شهد به قوله من هم ~~بسيئة فلم يعملها ومن حكى الاجماع كابن عبد البر وغيره في هذه المسألة على ~~هذا الحديث فهو صحيح بهذا الاعتبار وهذا الهام بالسيئة فاما أن يرتكها ~~لخشية الله وخوفه أو يتركها لغير # PageV01P167 # ذلك فإن تركها لخشية الله كتبها الله له عنده حسنة كاملة كما قد صرح به ~~في الحديث وكما قد جاء في الحديث الآخر اكتبوها له حسنة فإنما تركها من ~~أجلي أو قال من جرائي وأما ان تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة كما جاء في ~~الحديث الآخر فإن لم يعملها لم تكتب عليه وبهذا تتفق معاني الأحاديث وان ~~عملها لم تكتب عليه الا سيئة واحدة فإن الله تعالى لا يضعف السيئات بغير ~~عمل صاحبها ولا يجزي الانسان في الآخرة الا بما عملت نفسه ولا تمتلىء جهنم ~~الا من أتباع ابليس من الجنة والناس كما قال تعالى لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأنس أن الجنة ~~يبقى فيها فضل فينشىء الله لها أقواما في الآخرة وأما النار فإنه ينزوي ~~بعضها الى بعض حتى يضع عليها قدمه فتمتلىء بمن دخلها من أتباع ابليس ولهذا ~~كان الصحيح المنصوص عن أئمة العدل كأحمد وغيره الوقف في أولاد المشركين ~~وأنه لا يجزم لمعين منهم بجنة ولا نار بل يقال فيهم كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديثين الصحيحين حديث أبي هريرة وابن عباس الله أعلم بما ~~كانوا عاملين فحديث # PageV01P168 # أبي هريرة في الصحيحين وحديث ابن عباس في البخاري وفي حديث سمرة بن جندب ~~الذي رواه البخاري أن منهم من يدخل الجنة وثبت أن منهم من يدخل النار كما ~~في صحيح مسلم في قصة الغلام الذي قتله الخضر وهذا يحقق ما روي من وجوه أنهم ~~يمتحنون يوم القيامة فيظهر على علم الله فيهم فيجزيهم حينئذ على الطاعة ~~والمعصية وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل ms100 السنة والحديث واختاره وأما ~~أئمة الضلال الذين عليهم أوزار من أضلوه ونحوهم فقد بينا أنهم انما عوقبوا ~~لوجود الارادة الجازمة مع التمكن من الفعل بقوله في حديث أبي كبشة فهما في ~~الوزر سواء وقوله من دعا الى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه ~~فاذا وجدت الارادة الجازمة والتمكن من الفعل صاروا بمنزلة الفاعل التام ~~والهام بالسيئة التي لم يعملها مع قدرته عليها لم توجد منه ارادة جازمة ~~وفاعل السيئة التي تمضي لا يجزي بها الا سيئة واحدة كما شهد به النص وبهذا ~~يظهر قول الأئمة حيث قال الامام أحمد الهم همان هم خطرات وهم اصرار فهم ~~الخطرات يكون من القادر فإنه لو كان همه اصرارا جازما وهو قادر لوقع الفعل ~~ومن هذا الباب هم يوسف حيث قال تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه الآية وأما هم المرأة التي راودته فقد قيل انه كان هم اصرار ~~لأنها فعلت مقدورها وكذلك ما ذكره عن # PageV01P169 # المنافقين في قوله تعالى وهموا بما لم ينالوافهذا الهم المذكور عنهم هم ~~مذموم كما ذمهم الله عليه ومثله يذم وان لم يكن جازما كما سنبينه في آخر ~~الجواب من الفرق بين ما ينافي الايمان وبين ما لا ينافيه وكذلك الحريص على ~~السيئات الجازم بارادة فعلها اذا لم يمنعه الا مجرد العجز فهذا يعاقب على ~~ذلك عقوبة الفاعل لحديث أبي كبشة ولما في الحديث الصحيح اذا التفى المسلمان ~~بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل هذا القاتل فما بال المقتول قال ~~انه كان حريصا على قتل صاحبه وفي لفظ انه أراد قتل صاحبه فهذه الارادة هي ~~الحرص وهي الارادة الجازمة وقد وجد معها المقدور وهو القتال لكن عجز عن ~~القتل وليس هذا من الهم الذي لا يكتب ولا يقال انه استحق ذلك بمجرد قوله لو ~~أن لي ما لفلان لعملت مثل ما عمل فإن تمني الكبائر ليس عقوبته كعقوبة ~~فاعلها بمجرد التكلم بل لا بد من أمر آخر وهو لم يذكر أنه ms101 يعاقب على كلامه ~~وانما ذكر أنهما في الوزر سواء وعلى هذا فقوله ان الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل لا ينافي العقوبة على الارادة ~~الجازمة التي لا بد أن يقترن بها الفعل فان الارادة الجازمة هي التي يقترن ~~بها المقدور من الفعل والا فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن ~~جازمة فالمريد الزنا والسرقة وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت ارادته ~~جازمة عازمة فلا بد أن يقترن بها من الفعل ما يقدر عليه ولو أنه يقربه الى ~~جهة # PageV01P170 # المعصية مثل تقرب السارق الى مكان المال المسروق ومثل نظر الزاني ~~واستماعه الى المزني به وتكلمه معه ومثل طلب الخمر والتماسها ونحو ذلك فلا ~~بد مع الارادة الجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور بل مقدمات الفعل ~~توجد بدون الارادة الجازمة عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتفق عليه العينان تزنيان وزناهما النظر واللسان يزني وزناه النطق ~~واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والقلب يتمنى ويشتهي ~~والفرج يصدق ذلك او يكذبه وكذلك حديث أبي بكرة المتفق عليه اذا التقى ~~المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل ~~فما بال المقتول قال انه أراد قتل صاحبه وفي رواية في الصحيحين انه كان ~~حريصا على قتل صاحبه فانه أراد ذلك ارادة جازمة فعل معها مقدوره منعه منها ~~من قتل صاحبه العجز وليست مجرد هم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل فاستحق ~~حينئذ النار كما قدمنا من أن الارادة الجازمة التي أتى معها بالممكن يجري ~~صاحبها مجرى الفاعل التام والارادة التامة قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتي معها ~~بالمقدور أو بعضه وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة بل قد تكون جازمة ~~فيما فعل دون ما ترك مع القدرة مثل الذي يأتي بمقدمات الزنا من اللمس ~~والنظر والقبلة ويمتنع عن الفاحشة الكبرى لهذا قال في حديث # PageV01P171 # أبي هريرة الصحيح العين تزني والأذن تزني واللسان يزني ms102 الى أن قال والقلب ~~يتمنى ويشتهي أي يتمنى الوطء ويشتهيه ولم يقل يريد ومجرد الشهوة والتمني ~~ليس ارادة جازمة ولا يستلزم وجود الفعل فلا يعاقب على ذلك وانما يعاقب اذا ~~أراد ارادة جازمة مع القدرة والارادة الجازمة التي يصدقها الفرج ومن هذا ~~الحديث الذي في الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من أمرأة قبلة فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأنزل الله تعالى أقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات الآية فقال الرجل ألي ~~هذه فقال لمن عمل بها من أمتي فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد في الغالب أن ~~يهم بما هو أكبر من ذلك كما قال والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه لكن ارادته القلبية للقبله كانت ارادة جازمة فاقترن بها فعل القبلة ~~بالقدرة وأما ارادته للجماع فقد تكون غير جازمة وقد تكون جازمة لكن لم يكن ~~قادرا والأشبه في الذي نزلت فيه الآية أنه كان متمكنا لكنه لم يفعل فتفريق ~~أحمد وغيره بين هم الخطرات وهم الاصرار هو الذي عليه الجواب فمن لم يمنعه ~~من الفعل الا العجز فلا بد أن يفعل ما يقدر عليه من مقدماته وان فعله وهو ~~عازم على العود متى قدر فهو مصر ولهذا قال ابن المبارك المصر الذي يشرب ~~الخمر اليوم ثم لا يشربها الى شهر وفي رواية الى ثلاثين سنة ومن نيته أنه ~~ااذا قدر على شربها شربها وقد يكون مصرا اذا عزم على الفعل في وقت دون وقت ~~كمن يعزم على ترك # PageV01P172 # المعاصي في شهر رمضان دون غيره فليس هذا بتائب مطلقا ولكنه تارك للفعل في ~~شهر رمضان ويثاب اذا كان ذلك الترك لله وتعظيم شعائر الله واجناب محارمه في ~~ذلك الوقت ولكنه ليس من التائبين الذين يغفر لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ولا ~~هو مصر مطلقا وأما الذي وصفه ابن المبارك فهو مصر اذا كان من نيته العود ~~الى شربها قلت والذي قد ترك المعاصي في شهر رمضان من ms103 نيته العود اليها في ~~غير شهر رمضان مصر أيضا لكن نيته أن يشربها اذا قدر عليها غير النية مع ~~وجود القدرة فاذا قدر قد تبقى نيته وقد لا تبقى ولكن متى كان مريدا ارادة ~~جازمة لا يمنعه الا العجز فهو معاقب على ذلك كما تقدم وتقدم أن مثل هذا لا ~~بد أن يقترن بارادته ما يتمكن من الفعل معه وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث ~~المحاسبي أنه حكى الاجماع على أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له فهذا ~~الإجماع صحيح مع القدرة فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل ~~وأما الناوي الجازم الآتي بما يمكن فانه بمنزلة الفاعل التام كما تقدم ومما ~~يوضح هذا أن الله سبحانه في القرآن رتب الثواب والعقاب على مجرد الارادة ~~كقوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا ~~له جهنم يصلاها مذموما مدحورا وقال من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~اليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا ~~النار وقال من # PageV01P173 # كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~وما له في الآخرة من نصيب فرتب الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة ويريد ~~الحياة الدنيا ويريد حرث الدنيا وقال في آية هود نوف اليهم أعمالهم فيها ~~الى أن قال وباطل ما كانوا يعملون فدل على أنه كان لهم أعمال بطلت وعوقبوا ~~على أعمال أخرى عملوها وأن الارادة هنا مستلزمة للعمل ولما ذكر ارادة ~~الآخرة قال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وذلك لأن ارادة الآخرة ~~وان استلزمت عملها فالثواب انما هو على العمل المأمور به لا كل سعي ولا بد ~~مع ذلك من الايمان ومنه قوله يا أيها النبي قل لأزواجك ان كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها الآية وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فهذا نظير ~~تلك الآية التي في سورة هود وهذا يطابق قوله اذا التقى المسلمان بسيفيهما ~~الا ms104 أنه قال فانه أراد قتل صاحبه أو انه كان حريصا على قتل صاحبه فذكر ~~الحرص والارادة على القتل وهذا لا بد أن يقترن به فعل وليس هذا مما دخل في ~~حديث العفو ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها # PageV01P174 # ومما يبنى على هذا مسألة معروفة بين أهل السنة وأكثر العلماء وبين بعض ~~القدريه وهي توبة العاجز عن الفعل كتوبة المجبوب عن الزنا وتوبة الأقطع ~~العاجز عن السرقة ونحوه من العجز فانها توبة صحيحة عند جماهير العلماء من ~~أهل السنة وغيرهم وخالف في ذلك بعض القدرية بناء على أن العاجز عن الفعل لا ~~يصح أن يثاب على تركه الفعل بل يعاقب على تركه وليس كذلك بل ارادة العاجز ~~عليها الثواب والعقاب كما بينا وبينا أن الارادة الجازمة مع القدرة تجري ~~مجرى الفاعل التام فهذا العاجز اذا أتى بما يقدر عليه من مباعدة أسباب ~~المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه كالتائب القادر عليها سواء ~~فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل كاصرار العاجز عن كمال الفعل ومما يبنى على ~~هذا المسألة المشهورة في الطلاق وهو أنه لو طلق في نفسه وجزم بذلك ولم ~~يتكلم به فانه لا يقع به الطلاق عند جمهور العلماء وعند مالك في احدى ~~الروايتين يقع وقد استدل أحمد وغيره من الأئمة على ترك الوقوع بقوله ان ~~الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها فقال المنازع هذا المتجاوز عنه انما ~~هو حديث النفس والجازم بذلك في النفس ليس من حديث النفس فقال المنازع لهم ~~قد قال ما لم تكلم به أو تعمل به فأخبر أن التجاوز عن حديث النفس امتد الى ~~هذه الغاية التي هي الكلام به والعمل به كما ذكر ذلك في صدر السؤال من ~~استدلال بعض الناس وهو استدلال حسن فانه لو كان حديث النفس اذا صار عزما ~~ولم يتكلم به أو يعمل يواخذ به لكان خلاف النص لكن يقال هذا في المأمور ~~صاحب المقدرة التي يمكن فيها الكلام والعمل اذا لم يتكلم ولم يعمل وأما ~~الارادة ms105 الجازمة # PageV01P175 # المأتي فيها بالمقدور فتجري مجرى التي أتى معها بكمال العمل بدليل الأخرس ~~لما كان عاجزا عن الكلام وقد يكون عاجزا عن العمل باليدين ونحوهما لكنه اذا ~~أتى بمبلغ طاقته من الاشارة جرى ذلك مجرى الكلام من غيره والأحكام والثواب ~~والعقاب وغير ذلك وأما الوجه الآخر الذي احتج به وهو أن العزم والهم داخل ~~في حديث النفس المعفو عنه مطلقا فليس كذلك بل اذا قيل ان الارادة الجازمة ~~مستلزمة لوجود فعل ما يتعلق به الذم والعقاب وغير ذلك يصح ذلك فإن المراد ~~ان كان مقدورا مع الارادة الجازمة وجب وجوده وان كان ممتنعا فلا بد مع ~~الارادة الجازمة من فعل بعض مقدماته وحيث لم يوجد فعل أصلا فهو هم وحديث ~~النفس ليس ارادة جازمة ولهذا لم يجيء في النصوص العفو عن مسمى الارادة ~~والحب والبغض والحسد والكبر والعجب وغير ذلك من أعمال القلوب اذ كانت هذه ~~الأعمال حيث وقع عليهم ذم وعقاب فلأنها تمت حتى صارت قولا وفعلا وحينئذ ~~قوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي الحديث حق والمؤاخذة ~~بالارادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق ولكن طائفة من الناس قالوا ان ~~الارادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ثم تنازعوا في العقاب عليها فكان ~~القاضي أبو بكر ومن تبعه كأبي حامد وأبي الفرج ابن الجوزي يرون العقوبة على ~~ذلك وليس معهم دليل على أنه يؤاخذ اذا لم يكن هناك قول أو عمل والقاضي ~~بناها على أصله في الايمان الذي اتبع فيه جهما والصالحي وهو المشهور عن أبي ~~الحسن الأشعري وهو أن الايمان مجرد تصديق القلب ولو كذب بلسانه وسب الله ~~ورسوله بلسانه وأن سب الله ورسوله انما هو كفر في الظاهر وأن كلما كان كفرا ~~في نفس الأمر فانه # PageV01P176 # يمتنع أن يكون معه شيء من تصديق القلب وهذا أصل فاسد في الشرع والعقل حتى ~~ان الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيدة وغيرهم كفروا من قال ~~في الايمان بهذا القول بخلاف المرجئة من الفقهاء الذين يقولون ms106 هو تصديق ~~القلب واللسان فان هؤلاء لم يكفرهم أحد من الأئمة وانما بدعوهم وقد بسط ~~الكلام في الايمان وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وبين أن من الناس من ~~يعتقد وجود الأشياء بدون لوازمها فيقدر مالا وجود له أوجه خطأ جهم في ~~الايمان وأصل جهم في الايمان تضمن غلطا من وجوه أمنها ظنه مجرد تصديق القلب ~~ومعرفته بدون أعمال القلب كحب الله وخشيته ونحو ذلك ب ومنها ظنه ثبوت ايمان ~~قائم في القلب بدون شيء من الأقوال والأعمال جومنها ظنه أن من حكم الشرع ~~بكفره وخلوده في النار فانه يمتنع أن يكون في قلبه شيء من التصديق وجزموا ~~بأن ابليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن في قلوبهم شيء من ذلك وهذا كلامهم ~~في الارادة والكراهة والحب والبغض ونحو ذلك فان هذه الأمور اذا كانت هما ~~وحديث نفس فانه معفو عنها واذا صارت ارادة جازمة وحبا وبغضا لزم # PageV01P177 # وجود الفعل ووقوعه وحينئذ فليس لأحد أن يقدر وجودها مجردة ثم يقول ليس ~~فيها اثم وبهذا يظهر الجواب عن حجة السائل محبة الله ورسوله واقترانها ~~بالارادة فان الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله والحب ~~فيه والبغض فيه ويعاقب على بغضه وبغض رسوله وبغض أوليائه وعلى محبة الأنداد ~~من دونه وما يدخل في هذه المحبة من الارادات والعزوم فان المحبة سواء كانت ~~نوعا من الارادة أو نوعا آخر مستلزما للارادة فلا بد معها من ارادة وعزم ~~فلا يقال هذا من حديث النفس المعفو عنه بل كما جاء في الحديث الذي رواه ~~الترمذي أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله وفي الصيحيحن عن أنس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى ~~أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي صحيح البخاري عن عبد الله ~~بن هشام قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن ~~الخطاب فقال عمر لأنت يا رسول الله أحب الي ms107 من كل شيء الا من نفسي فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب اليك من نفسك ~~فقال عمر فانك الآن أحب الي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا ~~عمر بل قد قال تعالى قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخسون كسادها ومساكن # PageV01P178 # ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربضوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين فانظر الى هذا الوعيد الشديد الذي قد ~~توعد الله به من كان أهله وماله أحب اليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فعلم أنه يجب أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب الى المؤمن من ~~الأهل والمال والمساكن والمتاجر والأصحاب والأخوان والا لم يكن مؤمنا حقا ~~ومثل هذا ما في الصحيحين عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يجد أحدحلاوة الايمان حتى يحب المرء لا يحبه الا الله وحتى أن يقذف في ~~النار أحب اليه من أن يرجع في الكفر وحتى يكون الله ورسوله أحب اليه مما ~~سواهما وهذا لفظ البخاري فأخبر أنه لا يجد أحد حلاوة الايمان الا بهذه ~~المحبات الثلاث أحدهما أن يكون الله ورسوله أحب اليه من سواهما وهذا من ~~أصول الايمان المفروضة التي لا يكون العبد مؤمنا بدونها الثاني أن يحب ~~العبد لا يحبه الا لله وهذا من لوازم الأول والثالث أن يكون القاؤه في ~~النار أحب اليه من الرجوع الى الكفر وكذلك التائب من الذنوب من أقوى علامات ~~صدقة في التوبة هذه الخصال محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه وان كانت ~~متعلقة بالأعيان ليست من أفعالنا كالارادة المتعلقة بأفعالنا فهي مستلزمة ~~لذلك فان من كان الله ورسوله أحب اليه من نفسه وأهله وماله لا بد أن يريد ~~من العمل # PageV01P179 # ما تقتضيه هذه المحبة مثل ارادته نصر الله ورسوله ودينه والتقريب الى ~~الله ورسوله ومثل بغضه لمن يعادي الله ورسوله ومن هذا الباب ما استفاض ms108 عنه ~~صلى الله عليه وسلم في الصحاح من حديث ابن مسعود وأبي موسى وأنس أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال المرء مع من أحب وفي رواية الرجل يحب القوم ولما ~~يلحق لهم أي ولما يعمل بأعمالهم فقال المرء مع من أحب قال أنس فما فرح ~~المسلمون بشيء بعد الاسلام فرحهم بهذا الحديث فأنا أحب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن يجعلني الله معهم وان لم أعمل عملهم وهذا ~~الحديث حق فان كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك وكونه معه ~~هوعلى محبته اياه فان كانت المحبة متوسطة أو قريبا من ذلك كان معه بحسسب ~~ذلك وان كانت المحبة كاملة كان معه كذلك والمحبة الكاملة تجب معها الموافقة ~~للمحبوب في محابه اذا كان المحب قادرا عليها فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة ~~يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك وان كانت موجودة وحب الشيء وارادته يستلزم ~~بغض ضده وكراهته مع العلم بالتضاد ولهذا قال تعالى لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله والموادة من أعمال القلوب ~~فان الايمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله وذلك يناقض موادة من حاد الله ~~ورسوله وما ناقض الايمان بالله يستلزم العزم والعقاب لأجل # PageV01P180 # عدم الايمان فان ما ناقض الايمان كالشك والاعراض وردة القلب وبغض الله ~~ورسوله يستلزم الذم والعقاب لكونه تضمن ترك المأمور مما أمر الله به رسوله ~~فاستحق تاركه الذم والعقاب وأعظم الواجبات ايمان القلب فما ناقضه استلزم ~~الذم والعقاب لتركه هذا الواجب بخلاف ما استحق الذم لكونه منهيا عنه ~~كالفواحش والظلم فان هذا هو الذي يتكلم في الهم به وقصده اذا كان هذا لا ~~يناقض أصل الايمان وان كان يناقض كماله بل نفس فعل الطاعات يتضمن ترك ~~المعاصي ونفس ترك المعاصي يتضمن فعل الطاعات ولهذا كانت الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر فالصلاة تضمنت شيئين أحدهما نهيها عن الذنوب والثاني ~~تضمنها ذكر الله وهو أكبر الأمرين فما فيها من ذكر الله أكبر من ms109 كونها ~~ناهية عن الفحشاء والمنكر والبسط هذا موضع آخر والمقصود هنا أن المحبة ~~التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته ولهذا جاء في الحديث الذي في ~~الترمذي من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان فانه ~~اذا كان حبه لله وبغضه لله وهما عمل قلبه وعطاؤه لله ومنعه لله وهما عمل ~~بدنه دل على كمال محبته لله ودل ذلك على كمال الايمان وذلك أن كمال الايمان ~~أن يكون الدين كله لله وذلك عبادة الله وحده لا شريك له والعبادة تتضمن كما ~~الحب وكمال الذل والحب مبدأ جميع الحركات الارادية ولا بد لكل حي من حب ~~وبغض فاذا كانت محبته لمن يحبه الله وبغضه لمن يبغضه الله دل ذلك على صحة ~~الايمان في قلبه لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس ~~وأهوائها الذي يظهر # PageV01P181 # في بذل المال الذي هو مادة النفس فاذا كان حبه لله وعطاؤه لله ومنعه لله ~~دل على كمال الايمان باطنا وظاهرا وأصل الشرك في الشركين الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا انما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كحب الله كما قال تعالى ومن الناس ~~من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ومن كان حبه لله وبغضبه لله ~~لا يحب الا الله ولا يبغض الا الله ولايعطي الا الله ولا يمنع الا الله ~~فهذه حال السابقين من أولياء الله كما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله من عادى لي وليا فقد آذنته ~~بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر ~~به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي ~~يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ~~ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكثره مساءته ولا ms110 بد له منه ~~فهؤلاء الذين أحبوا الله محبة كاملة تقربوا بما يحبه من النوافل بعد تقربهم ~~بما يحبه من الفرائض أحبهم الله محبة كاملة حتى بلغوا ما بلغوه وصار أحدهم ~~يدرك بالله ويتحرك بالله بحيث أن الله يحيب مسألته ويعذه مما استعاذ منه ~~وقد ذم في كتابه من أحب أندادا من دونه قال تعالى وأشربوا في قلوبهم العجل ~~بكفرهم وذم من اتخذ الهه هواه وهو أن يتأله ما يهواه ويحبه وهذا قد يكون ~~فعل القلب فقط وقد مدح تعالى وذم في كتابه في غير موضع على المحبة والارادة ~~والبغض والسخط والفرح والغم ونحو # PageV01P182 # ذلك من أفعال القولب كقوله والذين آمنوا أشد حبا لله وقوله كلا بل تحبون ~~العاجلة وتذرون الآخرة وقوله يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا وقوله ~~ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وقوله وقوله واذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم ~~يستبشرون وقوله واذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا وقوله ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم وقوله ما يود ~~الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ~~وقوله وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم وقوله وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم الا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ~~ينفقون الا وهم كارهون وقوله ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط # PageV01P183 # أعمالهم وقوله وأذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~ايماناالآية وقوله والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب ~~من ينكر بعضه وقوله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وقال اذ قال له ~~قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين وقال ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض ~~بغير الحق وبما كنتم تمرحون وقال ان الله لا يحب كل ms111 مختال فخور وقال وانا ~~اذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وقال ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه انه ليؤوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب ~~السيئات عني انه لفرح فخور الا الذين صبروا وعملوا الصالحات وقال وتحبون ~~المال حبا جما وقال ان الانسان لربه لكنود وانه على ذلك لشهيد وانه لحب ~~الخير لشديد وقال ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا ~~القوم الكافرون وقال ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون # PageV01P184 # اعمال القلب وقال وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم فأصبحتم من ~~الخاسرين وقال بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى أهليهم أبدا وزين ~~ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وقال أم يحسدون الناس على ~~ما آتاهم الله من فضله وقال ومن شر حاسد اذا حسد وقال ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا وقال لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ~~ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وقال ان يسألكموها ~~فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم وقال اذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ~~وقال في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال فيطمع الذي في قلبه مرض وقال واذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض وقال أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم وقال قد جاءتكم موعظة من # PageV01P185 # ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ومثل هذا كثير في كتاب ~~الله وسنة رسوله واتفاق المؤمنين يحمد ويذم على ما شاء الله من مساعي ~~القلوب وأعمالها مثل قوله في الحديث الصحيح المتفق عليه لا تباغضوا ولا ~~تحاسدوا وقوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه وقوله ~~مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه ~~عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر وقوله لا يدخل الجنة ms112 من في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من الايمان وقوله لا ~~تسموا العنب الكرم وانما الكرم قلب المؤمن وأمثال هذا كثير # PageV01P186 # بل قول القلب وعمله هو الأصل مثل تصديقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ذلك ما ~~يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل الجوارح الظاهرة ومنه ما لا يقترن به ~~ذلك الا مع الفعل بالجوارح الظاهرة اذا كانت مقدورة وأما ما ترك فيه فعل ~~الجوارح الظاهرة للعجز عنه فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل فأقوال القلب وأفعاله ~~ثلاثة أقسام أقسام أعمال القلب أحدهما ما هو حسنة وسيئة بنفسه وثانيها ما ~~ليس سيئة بنفسه حتى يفعل وهو السيئة المقدورة كما تقدم وثالثها ما هو مع ~~العجز كالحسنة والسيئة المفعولة وليس هو مع القدرة كالحسنة والسيئة ~~المفعولة كما تقدم فالقسم الأول هو ما يتعلق بأصول الايمان من التصديق ~~والتكذيب والحب والبغض وتوابع ذلك فاذن هذه الأمور يحصل فيها الثواب ~~والعقاب وعلو الدرجات وأسفل الدركات بما يكون في القلوب من هذه الأمور وان ~~لم يظهر على الجوارح بل المنافقون يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال ~~الصالحة وانما عقابهم وكونهم في الدرك الأسفل من النار على ما في قلوبهم من ~~الأمراض وان كان ذلك قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل لكن ليست العقوبة ~~مقصورة على ذلك البغض اليسير وانما ذلك البغض دلالة كما قال تعالى ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول فأخبر أنهم لا بد أن ~~يعرفوا في لحن القول # PageV01P187 # وأما القسم الثاني والثالث فمظنة الأفعال التي لا تنافي أصول الايمان مثل ~~المعاصي الطبعية مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر كما ثبت في الصحاح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من مات يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول ~~الله دخل الجنة وان زنا وان سرق وان شرب الخمر وكما شهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر وكان يجلده كلما ~~جيء به فلعنه رجل ms113 فقال لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله وفي رواية قال بعضهم ~~أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به في شرب الخمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي ~~هريرة حديث النفس والوسوسة ولهذا قال ان الله تجاوز لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به والعفو عن حديث النفس انما وقع لأمة محمد ~~المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فعلم أن هذا العفو هو ~~فيما يكون من الأمور التي لا تقدح في الايمان فأما ما نافى الايمان فذلك لا ~~يتناوله لفظ الحديث لأنه اذا نافى الايمان لم يكن صاحبه من أمة محمد في ~~الحقيقة ويكون بمنزلة المنافقين فلا يجب أن يعفى عما في نفسه من كلامه أو ~~عمله وهذا فرق بين يدل عليه الحديث وبه تألفت الأدلة الشرعيه وهذا كما عفا # PageV01P188 # الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان كما دل عليه الكتاب والسنة فمن صح ~~ايمانه عفي له عن الخطأ والنسيان وحديث النفس كما يخرجون من النار بخلاف من ~~ليس معه الايمان فان هذا لم تدل النصوص على ترك مؤاخذته بما في نفسه وخظئه ~~ونسيانه ولهذا جاء نية المؤمن خير من عمله هذا الأثر رواه أبو الشيخ ~~الأصبهاني في كتاب الأمثال من مراسيل ثابت البناني وقد ذكره ابن القيم في ~~النية من طرق عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضعفها فالله أعلم فان النية ~~يثاب عليها المؤمن بمجردها وتجري مجرى العمل اذا لم يمنع من العمل بها الا ~~العجز ويمكنه ذلك في عامة أفعال الخير وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة ~~وذلك لا يكون إلا قليلا ولهذا قال بعض السلف قوة المؤمن في قلبه وضعفه في ~~بدنه وقوة المنافق في بدنه وضعفه في قلبه وقد دل على هذا الأصل قوله تعالى ~~وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاءالآية وهذه الآية وان كان قد قال ms114 طائف من السلف انها منسوخة كما روى ~~البخاري في صحيحه عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو ابن عمر أنها نسخت فالنسخ في لسان # PageV01P189 # السلف أعم مما هو في لسان المتأخرين يريدون به رفع الدلالة مطلقا وان كان ~~تخصيصا للعام أو تقييدا للمطلق وغير ذلك كما هو معروف في عرفهم وقد أنكر ~~آخرون نسخها لعدم دليل ذلك وزعم قوم أن ذلك خبر والخبر لا ينسخ ورد آخرون ~~بأن هذا خبر عن حكم شرعي كالخبر الذي بمعنى الأمر والنهي والقائلون بنسخها ~~يجعلون الناسخ لها الآية التي بعدها وهي قوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها ~~كما روى مسلم في صحيحه من حديث أنس في هذه الآية فيكون المرفوع عنهم ما ~~فسرت به الأحاديث وهو ما هموا به وحدثوا به أنفسهم من الأمور المقدورة ما ~~لم يتكلموا به أو يعملوا به ورفع عنهم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ~~كما روى ابن ماجه وغيره باسناد حسن ان الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان ~~وما اتستكرهوا عليه وحقيقة الأمر أن قوله سبحانه ان تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه لم يدل على المؤخذة بذلك بل دل على المحاسبة به ولا يلزم من كونه ~~يحاسب أن يعاقب ولهذا قال فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء لا يستلزم أنه قد ~~يغفر ويعذب بلا سبب ولا ترتيب ولا أنه يغفر كل شيء أو يعذب على كل شيء مع ~~العلم بأنه لا يعذب المؤمنين وأنه لا يغفر أن يشرك به الا مع التوبه ونحو ~~ذلك # PageV01P190 # والأصل أن يفرق بين ما كان مجامعا لأصل الايمان وما كان منافيا له ويفرق ~~أيضا بين ما كان مقدورا عليه فلم يفعل وبين ما لم يترك الا للعجز عنه فهذان ~~الفرقان هما فصل في هذه المواضيع المشتبهة وقد ظهر بهذا التفصيل أن أصل ~~النزاع في المسألة انما وقع لكونهم رأوا عزما جازما لا يقترن به فعل قط ~~وهذا لا يكون الا اذا كان الفعل مقارنا للعزم وان ms115 كان العجز مقارنا للارادة ~~الجازمة لما هو عاجز عنه ممتنعة أيضا فمع الارادة الجازمة يوجد ما يقدر ~~عليه من مقدمات الفعل ولوازمه وان لم يوجد الفعل نفسه والانسان يجد من نفسه ~~أن مع قدرته على الفعل يقوى طلبه والطمع فيه وارادته ومع العجز عنه يضعف ~~ذلك الطمع وهو لا يعجز عما يقوله ويفعله على السواء ولا عما يظهر على صفحات ~~وجهه وفلتات لسانه مثل بسط الوجه وتعبسه واقباله على الشيء والاعراض عنه ~~وهذه وما يشبهها من أعمال الجوارح التي يترتب عليها الذم والعقاب كما يترتب ~~عليها الحمد والثواب وبعض الناس يقدر عزما جازما لا يقترن به فعل قط وهذا ~~لا يكون الا لعجز يحدث بعد ذلك من موت أو غيره فسموا التصميم على الفعل في ~~المستقبل عزما جازما ولا نزاع في اطلاق الألفاظ فان من الناس من يفرق بين ~~العزم والقصد فيقول ما قارن الفعل فهو قصد وما كان قبله فهو عزم ومنهم من ~~يجعل الجميع سواء وقد تنازعوا هل تسمى ارادة الله لما يفعله في المستقبل ~~فلا بد حين فعله من تجدد ارادة غير العزم المتقدم وهي الارادة المستلزمة ~~لوجود الفعل مع القدرة وتنازعوا أيضا هل يجب وجود الفعل مع القدرة والداعي ~~وقد ذكروا أيضا في ذلك قولان # PageV01P191 # والأظهر أن القدرة مع الداعي التام تستلزم وجود المقدور والارادة مع ~~القدرة تستلزم وجود المراد والمتنازعون في هذه أراد أحدهم اثبات العقاب ~~مطلقا على كل عزم على فعل مستقبل وان لم يقترن به فعل وأراد الآخر رفع ~~العقاب مطلقا عن كل ما في النفس من الارادات الجازمة ونحوها مع ظن الاثنين ~~أن ذلك الواحد لم يظهر بقول ولا عمل وكل من هذين انحراف عن الوسط فاذا عرف ~~أن الارادة الجازمة لا يتخلف عنها الفعل مع القدرة الا لعجز يجري صاحبها ~~مجرى الفاعل التام في الثواب والعقاب وأما اذا تخلف عنها ما يقدر عليها ~~فذلك المتخلف لا يكون مرادا ارادة جازمة بل هو الهم الذي وقع العفو عنه وبه ~~ائتلفت النصوص والأصول ms116 ثم هنا مسائل كثيرة فيما يجتمع في القلب من الارادات ~~المتعارضة كالاعتقادات المتعارضة وارادة الشيء وضدة مثل شهوة النفس للمعصية ~~وبغض القلب لها ومثل حديث النفس الذي يتضمن الكفر اذا قارنه بعض ذلك ~~والتعوذ منه كما شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه فقالوا ان ~~أحدنا يجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء الى الأرض ~~أحب اليه من أن يتكلم به فقال أو قد وجدتموه فقالو نعم قال ذلك صريح ~~الإيمان رواه مسلم من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وفيه الحمد لله الذي رد ~~كيده الى الوسوسة # PageV01P192 # وحين كتبت هذا الجواب لم يكن عندي من الكتب ما يستعان به على الجواب فان ~~له موارد واسعة فهنا لما اقترن بالوسواس هذا البغض وهذه الكراهة كان هو ~~صريح الايمان وهو خالصة ومحضه لأن المنافق الكافر لا يجد هذا البغض وهذه ~~الكراهة مع الوسوسة بذلك بل إن كان في الكفر البسيط وهو الاعراض عما جاء به ~~الرسول وترك الايمان به وإن لم يعتقد تكذيبه فهذا قد لا يوسوس له الشيطان ~~بذلك اذ الوسوسة بالمعارض المنافي للايمان انما يحتاج اليها عند وجود ~~مقتضيه فاذا لم يكن معه ما يتقضي الايمان لم يحتج الى معارض يدفعه وان كان ~~في الكفر المركب وهو التكذيب فالكفر فوق الوسوسة وليس معه ايمان يكره به ~~ذلك ولهذا لما كانت هذه الوسوسسة عارضة لعامة المؤمنين كما قال تعالى أنزل ~~من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا وممايوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله الآيات فضرب الله المثل لما ينزله ~~من الايمان والقرآن بالماء الذي ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب كالأودية ~~منها الكبير ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب ~~أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها ~~طائفة أمسكت الماء فسقى ms117 الناس وشربوا وكانت منها طائفة انما هي قيعان لا ~~تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ~~به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي ~~أرسلت به فهذا أحد المثلين # PageV01P193 # والمثل الآخر ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع من معادن الذهب والفضة ~~والحديد ونحوه وأخبر أن السيل يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ~~زبد مثله ثم قال كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبدالرابي على الماء ~~وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في ~~العقائد والارادات الفاسدة كما شكاه الصحابة الى النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال تعالى فيذهب جفاء يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ~~ويجفوه وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو مثل ما ثبت في القلوب من ~~اليقين والايمان كما قال تعالى ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة الآية الى قوله ~~يثبت الله الذين آمنوابالقول الثابت في الحياة الدينا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشاء فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر ~~والنفاق فكرهه وألقاه ازداد ايمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب ~~فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحا وبرا وتقوى وأما المنافق فأذا ~~وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها فانه قد ~~وجدت منه سيئة الكفر من غير حسنة ايمانية تدفعها أو تنفيها والقلوب يعرض ~~لها الإيمان والنفاق فتارة يغلب هذا وتارة يغلب هذا # PageV01P194 # وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به ~~أنفسها كما في بعض ألفاظه في الصحيح هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين دون من كان ~~مسلما في الظاهر وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في المتظاهرين بالاسلام ~~قديما وحديثا وهم في هذه الأزمان المتأخرة في بعض الأماكن أكثر منهم في حال ~~ظهور الايمان في أول الأمر فمن أظهر الإيمانوكان صادقا مجتنبا ما ms118 يضاده أو ~~يضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به دون ما ليس كذلك كما دل ~~عليه لفظ الحديث فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب على ~~أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث وكذلك قوله من هم بحسنة ومن هم بسيئة ~~انما هو في المؤمن الذي يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما فعلها وربما ~~تركها لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف الى أضعاف كثيرة وهذا انما ~~هو لمن يفعل الحسنات لله كما قال تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله وابتغاء مرضاة الله وابتغاء وجه ربه وهذا للمؤمنين فان الكافر وان كان ~~الله يطعمه بحسناته في الدنيا وقد يخفف عنه بها في الآخرة كما خفف عن أبي ~~طالب لاحسانه الى النبي صلى الله عليه وسلم وبشفاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV01P195 # فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا التضعيف وقد جاء ذلك مقيدا في حديث آخر ~~أنه في المسلم الذي هو حسن الاسلام والله سبحانه أعلم والحمد لله رب ~~العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم PageV01P196 ms119