######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023613 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري (المتوفى: 850هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 850 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: غرائب القرآن ورغائب الفرقان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023613 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23613 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23613 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الشيخ زكريا عميرات #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1416 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلميه - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الاول ### | مقدمة المصنف # بسم الله الرحمن الرحيم إلى الله الكريم أرغب في إبداع غرائب القرآن، ~~وبفضله العميم أتأهب لإيداع رغائب الفرقان، فإليه منتهى الأمل والسؤال، ~~وهذا حين أفتتح فأقول: # الحمد لله الذي جعلنا ممن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه وجبلني ذا ~~نفس أبية وهمة علية لا تكاد تستأنس إلا بذكر حبه. أعاف سفساف الأمور، وأخاف ~~الموبقات الموجبات للثبور. أميل عن زخرف الدنيا وزبرجها، وأكبح النفس أن ~~تحوم حول مخرجها ومولجها. ### | هي النفس ما حملتها تتحمل # إن أرسلت استرسلت وإن قدعت انقدعت في الأول. ولله در السلف الشرر العيون ~~إلى الأماني الفارغة الفانية، والأضاليل الملهية المنبئة عن السعادات ~~الباقية. تاقت قلوبهم إلى الكرامات الدائمات واشتاقت أرواحهم إلى اللذات ~~الحقيقيات، وتاهت ضمائرهم في بيداء عظمة الملك والملكوت وتلاشت سرائرهم في ~~دأماء ديمومية العزة والجبروت، فخلصوا من الناسوت ووصلوا إلى اللاهوت، ~~وفنوا بشهوده وبقوا بوجوده ورضى كل منهم بقضاء معبوده، فتجلت لهم الذات ~~واتحدت عندهم المختلفات فطابت لهم الغدوات واعتدلت لهم العشيات، ولم تطمح ~~أعينهم إلا إلى تحصيل لما يقرب إلى الله زلفى وما جرت ألسنتهم إلا بذكر ~~الحق طوبى لهم وبشرى. أسألك اللهم الاقتداء بأولئك، والتوفيق لشكر ما أسبغت ~~علي من عطائك وأتممت من نعمائك، وأعوذ بك أن أزل أو أضل فيما آتي وأذر، وأن ~~أركن إلى الذين ظلموا فتمسني النار يوم العرض الأكبر. ثبت أقدام أقلامي على ~~الصدق، ولا تقض أن ينطق فمي بكلام سوى الحق، واجعلني بفضلك ممن لا ينظر إلا ~~إليك ولا يرغب إلا فيما لديك. بريتني من غير سابقة علم مني، وربيتني من غير ~~حق يوجب ذلك عليك، # PageV01P003 # فإن افتخرت فيما أنعمت علي وقد أمرت وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] ، ~~وإن استغفرت فمما أسرفت على نفسي وقد قلت ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم ~~يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110] . # فيا من لا يوجد في جوده شوب غرض ولا علة، شرفني في الآخرة بالعزة، ~~واحرسني في دنياي من الذلة، ولا تؤاخذني بالنقصان ms0001 الإمكاني ولا تعاقبني ~~بالنسيان الإنساني حتى يكون لك الفضل في الآخرة والأولى، والثناء في المبدأ ~~والمحمدة في العقبى. أدعوك دعاء البائس الفقير المستعين، وأتضرع إليك تضرع ~~الذليل المهين المستكين الماثل بين يدي مولاه الآيس بالكلية عمن سواه فاسمع ~~فإنك سميع الدعاء وأجب فإنك قادر على ما تشاء. والصلاة والسلام على عبيدك، ~~المخصوصين بتأييدك، المنزهين عن الأدناس الجسمية، المطهرين عن الأرجاس ~~النفسية، الفائزين بأشرف مراتب الأنس، الواصلين إلى أعلى مدارج الأنس، ~~الضاربين في أرقى معارج القدس، ولا سيما المصطفى محمد الذي أشرق في سماء ~~النبوة بدرا، وأشرف على بساط الرسالة صدرا، سيد الثقلين وسند الخافقين، ~~إمام المتقين ورسول رب العالمين الكائن نبيا وآدم بين الماء والطين، المعفر ~~له جباه الأملاك، المشرف بلولاك لما خلقت الأفلاك، صلى الله عليه وعلى آله ~~مفاتيح الجنة وأصحابه مصابيح الدحنة وسلم تسليما كثيرا. # وبعد، فإن المفتقر إلى عفو ربه الكريم الحسن بن محمد القمي المشتهر بنظام ~~النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه يقول: من المعلوم عند ذوي ~~الأفهام أن كلام الملوك ملوك الكلام، وبقدر البون بين الواجب الذات والممكن ~~الذات يوجد التفاوت بين كلام الله تعالى وكلام المخلوقات. ولا سيما إذا وقع ~~في معرض التحدي الذي يظهر النبي هنا لك من المتنبي، وهذا شأن القرآن العظيم ~~والفرقان الكريم الذي أخرس شقاشق المناطق، قضهم بقضيضهم، وأوقر مسامع ~~المصاقع فيما بين أوجهم وحضيضهم حتى اختاروا المقارعة بالسيوف على المعارضة ~~بالحروف، والمقاتلة بالأسنة على المقاولة بالألسنة، والملاكمة باللهاذم على ~~المكالمة باللهازم، ومبارزة الأقران على الإتيان بأقصر سورة من القرآن. قال ~~الله تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله [الإسراء: 88] وقال تعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله مفتريات [هود: 13] وقال تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله [البقرة: 23] . درج لهم الأمر فأوقع التحدي على القرآن ~~جملة ثم على عشر سور ثم على سورة، فاضطرهم التعجيز إلى إيثار الأصعب على ~~الأسهل فتبين أن ms0002 الأسهل # PageV01P004 # في النظر هو الأصعب في نفس الأمر. وذلك من أذل دليل على حقية المنزل وصدق ~~المنزل عليه وكيف لا وفيه نبأ الأولين وخبر الآخرين وحكم ما بين الخلائق ~~أجمعين؟! # قال صلى الله عليه وسلم في وصفه: «هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار ~~قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. هو حبل الله المتين، وهو ~~الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا ~~تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا ~~تنقضي عجائبه. هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به ~~عدل، ومن ناظر به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» . # ولقد انتصب جم غفير وجمع كثير من الصحابة والتابعين ثم من العلماء ~~الراسخين والفضلاء المحققين والأئمة المتقنين في كل عصر وحين، للخوض في ~~تيار بحاره والكشف عن أستار أسراره والفحص عن غرائبه والاطلاع على رغائبه ~~نقلا وعقلا وأخذا واجتهادا، فتباينت مطامح هماتهم، وتباعدت مواقع نياتهم، ~~وتشعبت مسالك أقدامهم وتفننت مقاطر أقلامهم فمن بين وجيز وأوجز ومطنب ~~وملغز، ومن مقتصر على حل الألفاظ، ومن ملاحظ مع ذلك حظ المعاني والبيان ~~ونعم اللحاظ، فشكر الله تعالى مساعيهم وصان عن إزراء القادح معاليهم. ومنهم ~~من أعرض عن التفسير وأقبل على التأويل، وهو عندي ركون إلى الأضاليل وسكون ~~على شفا جرف الأباطيل إلا من عصمه الله وإنه لقليل، ومنهم من مرج البحرين ~~وجمع بين الأمرين. فللراغب الطالب أن يأخذ العذب الفرات ويترك الملح ~~الأجاج، ويلقط الدر الثمين ويسقط السبج والزجاج. # وإذ وفقني الله تعالى لتحريك القلم في أكثر الفنون المنقولة والمعقولة ~~كما اشتهر بحمد الله تعالى ومنه فيما بين أهل الزمان. وكان علم التفسير من ~~العلوم بمنزلة الإنسان من العين والعين من الإنسان. وكان قد رزقني الله ~~تعالى من إبان الصبا وعنفوان الشباب حفظ لفظ القرآن وفهم ms0003 معنى الفرقان. ~~وطالما طالبني بعض أجلة الإخوان وأعزة الأخدان ممن كنت مشارا إليه عندهم ~~بالبنان في البيان- والله المنان يجازيهم عن حسن ظنونهم ويوفقنا لإسعاف ~~سؤلهم وإنجاح مطلوبهم- أن أجمع كتابا في علم التفسير مشتملا على المهمات ~~مبنيا على ما وقع إلينا من نقل الأثبات وأقوال الثقات، من الصحابة ~~والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين- ~~جعل الله تعالى سعيهم مشكورا وعملهم مبرورا- فاستعنت بالمعبود وشرعت في ~~المقصود، معترفا بالعجز والقصور في هذا # PageV01P005 # الفن وفي سائر الفنون، لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون. كيف وقد قال عز من ~~قائل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85] ، ومن أصدق من الله قيلا ~~[النساء: 122] وكفى بالله وليا [النساء: 45] وكفى بالله وكيلا [النساء: 81، ~~132، 171 والأحزب 3، 48] ولما كان التفسير الكبير المنسوب إلى الإمام ~~الأفضل والهمام الأمثل، الحبر النحرير والبحر الغزير، الجامع بين المعقول ~~والمنقول الفائز بالفروع والأصول، أفضل المتأخرين فخر الملة والحق والدين ~~محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة ~~جنانه، اسمه مطابق لمسماه وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يحصى، ومن الزوائد ~~والغثوث ما لا يخفى، فإنه قد بذل مجهوده ونثل موجوده حتى عسر كتبه على ~~الطالبين وأعوز تحصيله على الراغبين، فحاذيت سياق مرامه، وأوردت حاصل ~~كلامه، وقربت مسالك أقدامه، والتقطت عقود نظامه، من غير إخلال بشيء من ~~الفرائد أو إهمال لما يعد من اللطائف والفوائد، وضممت إليه ما وجدت في ~~الكشاف وفي سائر التفاسير من اللطائف المهمات، أو رزقني الله تعالى من ~~البضاعة المزجاة، وأثبت القراآت المعتبرات والوقوف المعللات، ثم التفسير ~~المشتمل على المباحث اللفظيات والمعنويات، مع إصلاح ما يجب إصلاحه وإتمام ~~ما ينبغي إتمامه من المسائل الموردة في التفسير الكبير والاعتراضات، ومع حل ~~ما يوجد في الكشاف من المواضع المعضلات سوى الأبيات المعقدات، فإن ذلك ~~يوردها من ظن أن تصحيح القراآت وغرائب القرآن إنما يكون بالأمثال ~~والمستشهدات كلا، فإن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، فلا علينا ~~أن نقتصر في غرائب القرآن على تفسيرها بالألفاظ المشتهرات ms0004 وعلى إيراد بعض ~~المتجانسات التي تعرف منها أصول الاشتقاقات. وذكرت طرفا من الإشارات ~~المقنعات والتأويلات الممكنات والحكايات المبكيات والمواعظ الرادعة عن ~~المنهيات الباعثة على أداء الواجبات، والتزمت إيراد لفظ القرآن الكريم أولا ~~مع ترجمته على وجه بديع وطريق منيع مشتمل على إبراز المقدرات وإظهار ~~المضمرات وتأويل المتشابهات وتصريح الكنايات وتحقيق المجازات والاستعارات ~~فإن هذا النوع من الترجمة مما تسكب فيه العبرات وترن «1» المترجمون هنا لك ~~إلى العثرات، وقلما يفطن له الناشئ الواقف على متن اللغة العربية فضلا عن ~~PageV01P006 # الدخيل القاصر في العلوم الأدبية. واجتهدت كل الاجتهاد في تسهيل سبيل ~~الرشاد، ووضعت الجميع على طرف التمام ليكون الكتاب كالبدر في التمام ~~وكالشمس في إفادة الخاص والعام، من غير تطويل يورث الملام ولا تقصير يوعر ~~مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قل ودل، وحسبك من الزاد ما ~~بلغك المحل. والتكلان في الجميع على الرحمن المستعان والتوفيق مسؤول ممن ~~بيده مفاتيح الفضل والإحسان وخزائن البر والامتنان. وهذا أوان الشروع في ~~تفسير القرآن، ولنقدم أمام ذلك مقدمات. # PageV01P007 ### | المقدمة الأولى ### | في فضل القراءة والقارئ، وآداب القراءة وجواز اختلاف القراآت، وذكر القراء المشهورين المعتبرين # عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من قرأ القرآن فاستظهره وأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة ~~وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار» «1» # وعنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ~~«2» # . وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أي الأعمال أحب ~~إلى الله؟ قال: «الحال المرتحل» ، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: «يضرب من ~~أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل» «3» # . وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ~~ويتتعتع فيه وهو عليه شاق، له أجران» # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ms0005 «ما ~~اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى يتلون كتاب الله عز وجل ~~ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده» «4» . # وعن سهل بن معاذ الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ ~~القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من PageV01P008 # ضوء الشمس في بيوت الدنيا وكانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» «1» # وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثل ~~صاحب القرآن مثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ~~ذهبت» «2» . # وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» «3» . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يقال لصاحب القرآن أقرأ وراق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند ~~آخر آية تقرأ» «4» . # وفي الصحاح كلها عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم ~~بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت ~~لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم فلبيته بردائه فقلت: «من أقرأك ~~هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما ~~قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول ~~الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أرسله اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته ~~يقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت» . ثم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول ms0006 الله ~~صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما ~~تيسر منه» . # إذا تقرر ذلك فنحن نذكر في الكتاب من القراآت السبع المنسوبة إلى القراء ~~السبعة، والأربع المنسوبة إلى الأئمة المختارين، ونرى أن نفصل هاهنا ~~أساميهم وأسامي رواتهم ليتعين ما نسب في أثناء التفسير إلى كل منهم والله ~~ولي التوفيق. ### | ذكر القراء السبعة وتسمية نقلتهم من الرواة وطرقهم من الثقات: ### | 1- # أبو عمرو زبان بن العلاء البصري. روى عن مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير عن ~~ابن عباس، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات سنة أربع ~~وخمسين ومائة. ورواته ثلاثة: أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، روى عنه ~~أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري طريق أبي الزعراء، عبد الرحمن بن ~~عبدوس، وأبو الفتح عامر بن صالح الموصلي PageV01P009 # المعروف بأوقية طريق أبي قبيصة حاتم بن إسحق الموصلي، وأبو شعيب صالح بن ~~زياد السوسي طريق أبي الحرث محمد بن أحمد الرقي، وأبو إسحق إبراهيم بن حماد ~~طريق أبي عيسى موسى بن عبد الله الهاشمي. وأبو نعيم شجاع بن أبي نصر ~~الخراساني، روى عنه أبو جعفر محمد بن غالب طريق أبي علي الحسن بن الحسين ~~الصواف. وعباس بن فضل الأنصاري، روى عنه أبو عمرو محمد بن رومي طريق أبي ~~إسحق إبراهيم بن كعب الموصلي وطريق شباب بن خليفة، وهو الأصح، وطريق أبي ~~إسحق أيضا عن أوقية. ### | 2- # ابن كثير هو أبو محمد عبد الله بن كثير المكي. روى عن مجاهد بن جبر عن ~~ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة عشرين ~~ومائة، ورواته أربعة: أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن ~~نافع بن أبي بزة البزي، وبينه وبين ابن كثير رجال لأنه يروي عن عكرمة بن ~~سليمان بن كثير عن شبل بن عباد، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين عن ابن ~~كثير. وروى عن البزي أبو ربيعة محمد بن ms0007 إسحق بن أعين الربعي طريق الزينبي- ~~وهو الهاشمي- وطريق أبي بكر محمد بن الحسن المعروف بالنقاش الموصلي، وأبو ~~محمد الهاشمي- وطريق أبي بكر محمد بن الحسن المعروف بالنقاش الموصلي، وأبو ~~محمد إسحق بن أحمد الخزاعي المكي طريق ابن شنبوذ وطريق الهاشمي وطريق أبي ~~بكر أحمد بن محمد الطوابيقي وطريق أبي القاسم السرنديبي وطريق أبي الحسن ~~علي بن زوابة القزاز وطريق أبي بكر محمد بن عيسى بن بندار الجصاص، وأبو علي ~~الحسين بن محمد الحداد طريق الهاشمي عن البزي. عبد الله بن فليح عن رجاله ~~عن ابن كثير، ورجاله: محمد بن سبعون، وداود بن شبل عن إسماعيل بن عبد الله ~~عن ابن كثير. وروى عن ابن فليج أبو علي الحداد طريق النقاش وطريق الهاشمي ~~وطريق الخزاعي وطريق ابن شنبوذ. أبو الحسن أحمد بن محمد بن عون القواس، ~~وبينه وبين ابن كثير أيضا رجال، لأنه يروي عن أبي الاخريط وهب بن واضح عن ~~إسماعيل بن عبد الله عن عبد الله بن عامر الأموي ومعروف بن مشكان، وشبل بن ~~عباد عن ابن كثير. وروى عن القواس قنبل طريق الزينبي طريق أبي ربيعة طريق ~~أبي نجاح طريق ابن أبي عون القاضي طريق ابن شنبوذ طريق أبي القاسم ~~السرنديبي. # زمعة بن صالح عن ابن كثير طريق عبد الله بن سعوة وطريق شعيب بن مرة. ### | 3- # نافع بن أبي نعيم المدني، قرأ على أبي جعفر القاري وعلى سبعين من ~~التابعين على ابن عباس وأبي هريرة على أبي بن كعب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتوفي سنة تسع وستين ومائة، ورواته ثلاثة: إسماعيل بن جعفر بن كثير ~~الأنصاري، روى عنه أبو الزعراء وأبو بكر # PageV01P010 # الحسن بن علي بن بشار النحوي، وأبو جعفر أحمد بن فرج الضرير. ورش، اسمه ~~عثمان بن سعيد المصري، روى عنه محمد بن عبد الرحيم الأصفهاني طريق أبي ~~الحسن محمد بن أحمد المروزي وطريق أبي القاسم هبة الله بن جعفر بن محمد بن ~~الهيثم، وأبو عبد الله محمد بن إسحق البخاري طريق أبي الأسد أحمد بن ~~إبراهيم ms0008 الفقيه وطريق أبي بكر محمد بن مرثد التميمي. قالون: واسمه عيسى بن ~~مينا النحوي، روى عنه أبو علي الحسن بن عباس الرازي طريق أبي بكر أحمد بن ~~حماد المقري، وأبو إبراهيم مصعب بن إبراهيم الزهري طريق أبي بكر محمد بن ~~عبد الله بن فليح، وأبو نشيط محمد بن هارون المروزي طريق أبي حسان محمد بن ~~أحمد بن الأشعث الجيزي، وأبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني طريق الحسن بن ~~العباس الرازي وطريق أبي عون القاضي. ### | 4- # عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي ~~على عثمان بن عفان رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي ~~رضي الله عنه سنة ثمان عشرة ومائة وله راويان. روى عنه من رجاله أبو محمد ~~عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، ورجاله أيوب بن تميم عن يحيى ~~بن الحرث عن ابن عامر، روى عنه أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد طريق الحسن ~~بن عبد الله المقري، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش الموصلي المفسر طريق ~~الحسن بن عبد الله أيضا، وأبو الحسن محمد بن النضر بن مر بن الحر الربعي ~~المعروف بابن الأخرم عن الأخفش عن ابن ذكوان. هشام بن عمار عن رجاله عن ابن ~~عامر، ورجاله أيوب بن تميم وسويد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحرث، روى عنه ~~البخاري عن الحلواني عن هشام طريق أبي علي الحسن بن مهران، وأبو الحسين ~~أحمد بن يزيد الحلواني الصفار طريق أبي عبد الله الحسين بن علي بن حماد ~~الأزرق، وأبو إسحق إبراهيم بن يونس الرازي طريق البخاري. ### | 5- # عاصم بن بهدلة الأسدي، قرأ عاصم على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله ~~بن حبيب السلمي معلم الحسن والحسين على علي رضي الله عنه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائة ورواته أربعة: أبو عمر حفص ms0009 ~~ابن أبي داود سليمان بن المغيرة البزاز الأسدي وكان شريك أبي حنيفة. روى ~~عنه أبو محمد هبيرة بن محمد التمار طريق الحسنون بن الهيثم طريق أحمد بن ~~علي الخراز وأبو حفص عمرو بن الصباح طريق عبد الصمد بن محمد. أبو بكر شعبة ~~بن عياش روى عنه عبد الحميد بن صالح البرجمي طريق جعفر بن غالب اليشكري، ~~وأبو زكريا يحيى بن آدم القرشي طريق أبي حمدون الطيب بن إسماعيل وطريق شعيب ~~بن # PageV01P011 # أيوب بن زريق الصريفيني، وأبو يوسف يعقوب بن خليفة بن سعد بن هلال الأعشى ~~وله راويان، روى عنه أبو جعفر محمد بن غالب ومحمد بن حبيب الشموني. حماد بن ~~أبي زياد طريق يحيى بن محمد العليمي الأنصاري رحمه الله تعالى. المفضل بن ~~محمد الضبي روى عنه جبلة بن مالك النضري طريق أبي زيد عمرو بن شيبة، وأبو ~~زيد سعيد بن أوس الأنصاري طريق محمد بن يحيى القطفي رحمه الله تعالى. ### | 6- # حمزة بن حبيب الزيات العجلي: قرأ على سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن ~~وثاب على زر بن حبيش على علي بن أبي طالب وعثمان وابن مسعود على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتوفي سنة ست وخمسين ومائة، ورواته أربعة: أبو إسحق ~~إبراهيم بن زربي طريق أبي المستنير رجاء بن عيسى بن رجاء الجوهري. عبد ~~الرحمن قلوقا طريق أبي المستنير أيضا. أبو محمد عبد الله بن صالح العجلي ~~طريق أبي حمدون الطيب بن إسماعيل وطريق أبي إسحق إبراهيم بن نصر بن عبد ~~العزيز المقري ويروى نصير بن عبد الله المقري وهو الأصح. سليم بن عيسى ~~الحنفي، روى عنه خلاد بن خالد الصيرفي طريق محمد بن شاذان الجوهري وطريق ~~القاسم بن يزيد الوزان، وأبو محمد خلف بن هشام البزاز طريق أبي الحسين ~~إدريس بن عبد الكريم الحداد، وأبو جعفر محمد بن سعدان النحوي طريق محمد بن ~~سليمان وطريق أبي واصل أحمد بن واصل، وأبو عمرو الدوري طريق أبي الزعراء. ### | 7- # علي بن حمزة الكسائي: قرأ على حمزة بن حبيب على يحيى ms0010 بن وثاب على زر بن ~~حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة ~~تسع وثمانين ومائة رضي الله عنه وله ستة رواة: أبو عبد الرحمن قتيبة بن ~~مهران الآزاذاني، روى عنه أبو الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم المقرئ طريق ~~أبي الفضل العباس بن الوليد بن مرداس، وأبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران ~~طريق أحمد بن حدي. أبو المنذر نصر بن يوسف النحوي روى عنه محمد بن إدريس ~~الأشعري المعروف بالديداني طريق أبي عبد الله الحسين بن علي بن حماد ~~المعروف بالأزرق وأبو عبد الله محمد بن عيسى الأصفهاني طريق أبي علي الحسن ~~بن العباس الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري طريق بكار بن ~~أحمد المقري، وأبو جعفر علي بن أبي نصير النحوي طريق الأزرق المذكور. أبو ~~الحرث الليث بن خالد طريق أبي عبد الله محمد بن يحيى الكسائي. حمدويه بن ~~ميمون الزجاج طريق أبي العباس أحمد بن يعقوب السمسار. أبو حمدون الطيب بن ~~إسماعيل طريق أبي علي الحسن بن الحسين الصواف. أبو عمر حفص بن عمر بن عبد ~~العزيز الدوري روى عنه # PageV01P012 # أبو بكر الحسن بن علي بن بشار النحوي طريق أبي الفرج محمد بن أحمد بن ~~إبراهيم، وأبو الزعراء طريق أبي بكر بن مجاهد، وأبو الحسن علي بن سليم طريق ~~أبي القاسم هبة الله بن جعفر، وطريق إبراهيم بن أحمد الخرقي، وأبو جعفر ~~أحمد بن فرح الضرير طريق أبي بكر النقاش الموصلي. ### | ذكر الأئمة المختارين وتسمية رواتهم: # أبو جعفر يزيد بن القعقاع القاري المدني، وقار موضع من المدينة، ورواته ~~اثنان: أبو موسى عيسى بن وردان الحذاء طريق قالون عيسى بن مينا النحوي، ~~وأبو مسلم سليمان بن مسلم الجماز الزهري طريق أبي عبد الرحمن قتيبة بن ~~مهران. أبو محمد يعقوب بن إسحق الحضرمي توفي في ذي الحجة سنة خمس ومائتين، ~~وقرأ على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل على عاصم وأبي عمر، ورواته ~~ثلاثة: روح بن عبد الملك طريق ms0011 أحمد بن يحيى المعدل، أبو بكر محمد بن ~~المتوكل اللؤلؤي الملقب برويس طريق أبي بكر محمد بن هارون وطريق أبي الحسن ~~أحمد بن محمد بن يعقوب بن مقسم الفقيه، أبو أحمد زيد بن أحمد بن إسحق طريق ~~المعدل أيضا وطريق محمد بن هارون. أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار ~~طريق أبي الحسن إدريس بن عبد الكريم، ونقله أبو بكر محمد بن يعقوب بن مقسم ~~العطار، وقرأ خلف على سليم على حمزة. أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان ~~السجستاني طريق أبي علي الحسن بن تميم وطريق أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد ~~وطريق مسيح بن حاتم، وقرأ سهل على يعقوب وأيوب بن المتوكل. # فهذا هو المعول عليه من القراآت وأما الشواذ فلا نتعرض منها إلا لما فيه ~~نكتة أو غرابة وذلك في أثناء التفسير لا في خلال القراآت. والله أعلم ~~بالصواب. # PageV01P013 ### | المقدمة الثانية # الاستعاذة المندوب إليها في قوله عز من قائل: فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم [النحل: 98] قرأها أبو عمرو ويعقوب وابن كثير غير ~~الهاشمي وعاصم غير هبيرة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن ~~الرحيم» ، وروى الهاشمي عن ابن كثير: «أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم ~~بسم الله الرحمن الرحيم» ، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم: «أعوذ بالله العظيم ~~السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» ، وقرأها أبو ~~جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وعلي الكسائي وخلف: «أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم إن الله هو السميع العليم» . وقد يروى عن حمزة: «أستعيذ بالله» أو ~~«نستعيذ بالله» مخيرا. وقرأ سهل: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم» . ومنشأ هذه الاختلافات أنه قد جاء في سورة ~~النحل فإذا قرأت القرآن فاستعذ [النحل: 98] الآية وفي حم السجدة فاستعذ ~~بالله إنه هو السميع العليم [فصلت: 36] # وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: ~~«الله أكبر كبيرا- ثلاث مرات- والحمد لله كثيرا- ثلاث مرات- وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا- ثلاث مرات-» ثم ms0012 قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ~~ونفخه ونفثه» . # وروى البيهقي في كتاب السنن عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثلاثا وقال: «أعوذ بالله السميع ~~العليم من الشيطان الرجيم» . # وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم قال: قل يا محمد أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم ~~قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذي خلق. # ثم في المقدمة مسائل: # الأولى: الأكثرون على أن وقت الاستعاذة قبيل القراءة، إذ المراد من قوله ~~تعالى: فإذا قرأت القرآن [النحل: 98] : إذا أردت قراءة القرآن كما في قوله ~~تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا [المائدة: 6] المراد: إذا أردتم القيام ~~إلى الصلاة. والأخبار المذكورة أيضا تؤيد ذلك. وعن النخعي وقد يروى عن حمزة ~~وابن سيرين أيضا، أن وقتها بعيد القراءة نظرا إلى # PageV01P014 # ظاهر اللفظ، ولأنه قد يدخل المرء إعجاب بسبب القراءة حيث إنها طاعة موجبة ~~للثواب فيناسب أن يستعيذ من ذلك. # الثانية: الأكثرون على أن الاستعاذة مندوبة، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة، وزيف بأن الخبر غير ~~مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم ~~وجوبها. وعن عطاء أن الاستعاذة واجبة في كل قراءة في الصلاة وغيرها، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم واظب عليها. وقال تعالى: فاتبعوه [الأنعام: 153 و ~~155] «1» ولأن الأمر في «فاستعذ» للوجوب. وإنما تجب عند كل قراءة لأنه قال: ~~فإذا قرأت القرآن فاستعذ وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل، ~~والحكم يتكرر بتكرر العلة. ولأن الاستعاذة لدفع شر الشيطان، ودفعه واجب، ~~وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وعن ابن سيرين وجوبها في العمر مرة ~~واحدة وعن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة إلا في قيام رمضان. # الثالثة: المستحب فيها الإسرار في الصلاة وإن كانت جهرية إلحاقا لها بما ~~قبلها ms0013 من الذكر وهو دعاء الاستفتاح، ولأن الجهر كيفية وجودية، والإخفاء ~~عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو العدم، وأنها تستحب في كل ركعة لما مر ~~من أن الحكم يتكرر بتكرر العلة لكنها آكد في الأولى. # الرابعة: اعلم أن الكلام في معنى قول القائل: «أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم» ، يتعلق بخمسة أركان: الاستعاذة، والمستعيذ، والمستعاذ له، ~~والمستعاذ منه، وما لأجله الاستعاذة. فههنا أبحاث: # البحث الأول: معنى العوذ الالتجاء أو الالتصاق. قال الجوهري: أطيب اللحم ~~عوذه وهو ما التصق منه بالعظم. أي التجئ إلى رحمة الله، أو التصق بفضله. ~~والباء في «بالله» للإلصاق، كما أن «من» في «من الشيطان» للابتداء، لأنه ~~ابتدأ بالتبري من الشيطان والتصق برحمة الله تعالى وإعانته. واستعاذة لا ~~تتم إلا بأن يعلم العبد كونه عاجزا عن جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع ~~المضار العاجلة والآجلة، وأن الله تعالى قادر على إيصال المنافع ~~PageV01P015 # ودفع المضار لا قدرة على ذلك لأحد سواه تعالى. ويتولد عن هذا العلم في ~~القلب حالة هي انكسار وخضوع، ويحصل منها في القلب أن يصير العبد مريدا لأن ~~يصونه الله تعالى عن الآفات ويفيض عليه الخيرات، ثم يصير بلسانه طالبا لذلك ~~فيقول: «أعوذ بالله» . فالركن الأعظم في الاستعاذة هو أن يعلم العبد أن ~~الله تعالى عالم بكل المعلومات، وإلا جاز أن لا يعلم حاله فتقع الاستعاذة ~~عبثا وأن يعلم أنه قادر على جميع الممكنات، وإلا فربما كان عاجزا عن تحصيل ~~مراد العبد وأن يعلم أنه جواد معطاء، وإلا لجاز أن يبخل بمقصوده وأن يعلم ~~أنه لا يقدر أحد سوى الله على تحصيل مرامه، وإلا لم يكن صادق الرغبة في ~~الاستعاذة به. والحاصل أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية لم ~~تصح منه الاستعاذة. ومما يدل على ذلة الإنسان وعجزه أن بعض الأكياس ربما ~~يبقى في شبهة واحدة طول عمره ولا تنكشف له إلى أن يجيء بعده من يحلها. ~~ولهذا وقع الاختلاف في الأديان والمذاهب، ولولا إعانة الله تعالى وإرشاده ~~لم تتخلص سفينة فكره من أمواج ms0014 الضلالات. # وأيضا كل واحد يريد أن يحصل له الدين الحق ولا يرضى لنفسه الجهل والكفر، ~~ولكم من مضل مبطل في الدنيا، فلا خلاص من ظلمات الشبهات إلا بإعانة رب ~~الأرض والسموات. # ولا يقع الحد الأوسط للمطالب في الذهن إلا بهداية من بيده مفاتيح ~~الخيرات. وأيضا البدن يشبه الجحيم وعليها تسعة عشر من الزبانية وهي: الحواس ~~الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة، والقوى الطبيعية السبع، والشهوة، والغضب ~~ومجال تصرف كل منها غير متناه بحسب الشخص والعدد، ويحصل من كل منها أثر في ~~القلب يجره من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض الجسمانيات فلا خلاص للقلب عن ~~هذه الظلمات إلا بنور الله تعالى. وأيضا كما أنه لا نهاية لمراتب الكمالات ~~فلا نهاية لدرجات الحرص على اللذات الحسيات والخيالات، وكما أنه لا يمكن ~~تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذا لا يمكن إزالة مرض الحرص على اللذات ~~فيجب الرجوع إلى واهب السعادات الحقيقات. وفي بعض الكتب الإلهية قال الله ~~تعالى: # «وعزتي وجلالي لأقطعن أمل من يؤمل غيري باليأس، وألبسنه ثوب المذلة عند ~~الناس، ولأجنبنه من قربي، ولأبعدنه من وصلي، ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل ~~غيري في الشدائد، والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري ~~وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني» . # ثم الكلام في صحة الاستعاذة كالكلام في سائر الأدعية والعبادات التي ~~جعلها الله تعالى سببا وواسطة لحصول الكمالات العاجلة والآجلة للعبد. وذلك ~~أنه تعالى: فعال لما يريد [هود: 107] خالق لما يشاء كما يشاء لا اعتراض ~~لأحد من خلقه عليه وعلى أفعاله وعلى # PageV01P016 # النظام الذي اخترعه، الكل منه وبه، وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل ~~عليه، إذا أمرك بالاستعاذة فاستعذ، لأنه جعلها سببا لدفع الوساوس والهواجس. ~~كما أنه إذا جعل الأكل والشرب سببا لدفع الجوع والعطش فإنك تأكل وتشرب ولا ~~تقول ما الفائدة في الأكل والشرب إن كان الإشباع والإرواء من الله تعالى ~~وإن كانا بقدرة الله تعالى. وبهذا التحقيق تسقط الاعتراضات المشهورة ~~للجبرية والمعتزلة لأنها تحوم حول ما أشرنا إليه. ولا ينبئك ms0015 على سر ~~الاستعاذة مثل # قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» . # البحث الثاني: المستعيذ ليس شخصا معينا بل كل مخلوق مفتقر إلى الاستعاذة ~~به. # ولهذا قال نوح: رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم [هود: 47] ، ~~فأعطي السلام والبركات في قوله: يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك [هود: ~~48] وقال يوسف: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي [يوسف: 23] ، فصرف عنه السوء ~~والفحشاء وقال موسى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ~~[غافر: 27] فأغرق الله تعالى عدوه وأورثه أرضهم وديارهم وأموالهم وقالت ~~امرأة عمران: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم [آل عمران: 36] «1» ~~فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا [آل عمران: 37] . وقد أمر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم قل أعوذ برب الفلق [الفلق: # 1] وقل أعوذ برب الناس [الناس: 1] فوقي شر النفاثات في العقد وكفي شر ~~الوسواس الخناس. # البحث الثالث: المستعاذ له إنما هو الله أو كلمات الله كما # جاء في الأخبار: «أعوذ بكلمات الله التامة» . # أما البحث عن اسم الله فسيجيء في تفسير البسملة. وأما كلمات الله فالمراد ~~بها المبدعات الصادرة عنه تعالى بكلمة كن [البقرة: 217 آل عمران: 47 و 59 ~~الأنعام: 73 النحل: 40 مريم: 35 يس: 82 غافر: 68] من غير مادة ومدة، فكأن ~~الأرواح البشرية تستعيذ وتستعين بالأرواح العلوية المقدسة في دفع شرور ~~الأرواح الخبيثة. وإنما تحسن الاستعاذة بالكلمات إذا كان قد بقي في نظره ~~التفات إلى ما سوى الله تعالى. وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد لم يستعذ إلا ~~بالله ومن الله كما # قال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك منك» ، وإذا فني عن نفسه وفني أيضا عن ~~فناء نفسه قال: «أنت كما أثنيت على نفسك» . # البحث الرابع: المستعاذ منه الشيطان، وما لأجله الاستعاذة دفع شره. ~~فنقول: أما PageV01P017 # اشتقاقه فمن ش ط ن، ويقال شطن الدار أي بعدت، والشيطان بعيد ms0016 عن السداد ~~والرشاد، وقد يسمى كل متمرد من إنس أو دابة شيطانا. قال تعالى: وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن [الأنعام: 112] وركب عمر برذونا فطفق ~~يتبختر فجعل يضربه ولا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه فقال: ما حملتموني إلا ~~على شيطان. هذا أحد قولي سيبويه. # وعلى هذا ف «نونه» أصلية، ووزنه «فيعال» ، وقد جعل سيبويه في موضع آخر ~~النون زائدة وجعله فعلان من شاط يشيط إذا بطل. ولما كان كل متمرد كالباطل ~~في نفسه لأنه مبطل لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا. والرجيم معناه المرجوم ~~كاللعين بمعنى الملعون. ومعنى المرجوم إما الملعون من قبل الله تعالى، وإما ~~لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشيطان بالشهب الثواقب، ثم وصف بذلك كل شرير ~~متمرد. وأما من ضم إلى الاستعاذة قوله: «إن الله هو السميع العليم» فوجه ~~ذلك بعد الاقتداء بما ورد في القرآن أن العبد كأنه يقول: يا من يسمع كل ~~مسموع ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها، وأنت ~~القادر على دفعها عني، فادفعها عني بفضلك. # ولنتكلم في الجن والشياطين فنقول: من الناس من أنكرهم لوجوه: # الأول: لو كان موجودا فإن كان جسما كثيفا لوجب أن يراه كل من كان سليم ~~الحس، لكنا لا نراه وإن كان جسما لطيفا لوجب أن يتمزق ويتفرق عند هبوب ~~الريح العاصفة، ولزم أيضا أن لا يقدر على الأعمال الشاقة التي ينسبها إليه ~~المثبتون. والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون جوهرا مجردا وبتقدير أن يكون ~~جسما كثيفا فلم لا يجوز أن يصرف الله تعالى عنه أبصار الإنسان لحكمة في ~~ذلك، كما قال عز من قائل: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم [الأعراف: ~~27] . وعلى تقدير كونه جسما لطيفا فلم لا يجوز أن يكون تركيبه محكما ~~كالأفلاك. # الوجه الثاني: قالوا: الظاهر الغالب أنهم لو كانوا في العالم لخالطوا ~~الناس وشوهدت منهم العداوة والصداقة وليس كذلك، وأهل التعزيم إذا تابوا من ~~صنعتهم يكذبون أنفسهم فيما نسبوه إليهم. ومجال المنع في هذا الوجه لا ms0017 يخفى ~~لثبوت الاختلاط والعداوة والصداقة منهم بالنسبة إلى كثيرين. قال عز من ~~قائل: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن [الأحقاف: 27] ، قل أوحي ~~إلي أنه استمع نفر من الجن [الجن: 1] ومن الجن من يعمل بين يديه [سبأ: 12] ~~امعشر الجن والإنس # [الأنعام: 130 والرحمن: 33] # PageV01P018 # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» «1» «إن الشيطان ~~يجري من ابن آدم مجرى الدم» «2» «ما منكم أحد إلا وله شيطان» . قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فاسلم» «3» . # الوجه الثالث: قالوا: إخبار الأنبياء عنهم لا تفيد إثباتهم، إذ على تقدير ~~ثبوتهم يجوز أن يقال: كل ما أتى به الأنبياء فإنما حصل بإعانة الجن فمن ~~الجائز أن حنين الجذع كان بسبب نفوذ الجن في الجذع، وكل فرع أدى إلى إبطال ~~الأصل فهو باطل. والجواب أن الدليل الدال على صحة نبوة الأنبياء، كما يجيء، ~~يدل على صدق أخبارهم. ومن جملة ما أخبروا عنه وجود الجن والشياطين فصح ~~وجودهم. واعلم أن كثيرا من الناس أثبتوا موجودات لا متحيزة ولا حالة في ~~المتحيز وزعموا أنها مجردات عن شوائب الجسمانيات وهم الملائكة المقربون ~~الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون [الأنبياء: 19] ، ويليها مرتبة ~~الأرواح المتعلقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش، ثم الحافون من حول ~~العرش، ثم ملائكة الكرسي، ثم ملائكة السموات طبقة فطبقة، ثم ملائكة كرة ~~الأثير، ثم ملائكة كرة النسيم، ثم ملائكة كرة الزمهرير، ثم الملائكة ~~المسلطة على البحار، ثم على الجبال ثم مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في ~~هذه الأجسام النباتية والحيوانية. وهذه الأرواح قد تكون مشرقة خيرة وهم من ~~قبيل الملائكة، وقد تكون مظلمة شريرة وهم شياطين الإنس والجن. ولفظ الجن ~~مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار لاستتارهم عن العيون، ومنه المجنون لاستتار ~~عقله، والجنة لكونها ساترة للإنسان. وطوائف المكلفين أربعة: الملائكة ~~والإنس والجن والشياطين. والاختلاف بين الجن والشياطين قيل بالذاتيات كما ~~بين الإنسان والفرس، وقيل بالعوارض، فالجن خيارهم والشياطين أشرارهم. # والمشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في ms0018 بواطن البشر، لأنهم لو كانوا ~~مجردين فلا استبعاد في كونهم متصرفين في باطن الإنسان وإن كانوا أجساما ~~لطيفة، فكذلك لا يبعد نفودهم في باطن الآدمي. كيف وقد ورد في القرآن: لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس [البقرة: 275] ، ~~PageV01P019 # وفي الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «1» # ولا خلاف في أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون، وأما الجن والشياطين فخلاف ذلك. # قال صلى الله عليه وسلم في العظم: «إنه زاد إخوانكم من الجن» «2» # وفي القرآن أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني [الكهف: 50] . # وأما كيفية الوسوسة # فيروى أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم، ~~فأراه ذلك فإذا رأسه الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر الله خنس وأيس، ~~وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم ~~لنظروا إلى ملكوت السموات» «3» # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة ~~فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير ~~وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى ~~فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ثم قرأ صلى الله عليه وسلم الشيطان يعدكم ~~الفقر ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268] # الآية، فمن الخواطر ما هو أصل العادة، ومنها ما هو أصل الشقاوة. وسبب ~~اشتباه خطأ الخواطر بصوابها أحد أربعة أشياء: إما ضعف اليقين، أو قلة العلم ~~بصفات النفس وأخلاقها، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى، أو محبة الدنيا ~~وجاهها ومالها. فمن عصم من هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ~~ومن ابتلى بها فلا. واتفق المحققون على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق ~~بين الإلهام والوسوسة وفرقوا بين هواجس النفس ووسوسة الشيطان بأن النفس ~~تطالب وتلح، فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها. # والشيطان إذا دعا إلى زلة ولم يجب، يوسوس بأخرى إذ ms0019 مراده الإغواء كيف ~~أمكن. # وحقيقة الوسوسة راجعة إلى أن الإنسان بينما هو ذاهل عن الشيء ذكره ~~الشيطان ذلك فيحدث له ميل، ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل فكأن الذي أتى ~~به الشيطان من خارج ليس إلا ذلك التذكير. وإليه الإشارة في القرآن حكاية عن ~~إبليس وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي [إبراهيم: 22] ~~، ولا يتسلسل هذا التذكير وإنما يقدم PageV01P020 # الشيطان على ذلك لعدم قابلية دفع في فطرته الأولى لحكمة علمها الله تعالى ~~فيه. والمقصود من الاستعاذة لا ينحصر في دفع وسوسة الشيطان إلا أن ذلك معظم ~~المقاصد ولهذا خص بالذكر في القرآن، ولو نوى المستعيذ دفع جميع المضار ~~الدنيوية والأخروية فلا ضير. ### | نكت في الاستعاذة # الأولى: «أعوذ بالله» ، عروج من الخلق إلى الحق ومن الممكن إلى الواجب، ~~لأن «أعوذ» إشارة إلى الحاجة التامة وب «الله» إشارة إلى المعبود القادر ~~على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ومن عرف نفسه بالضعف والقصور عرف الله ~~بأنه قادر على كل مقدور. ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالجلال ~~والكمال، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب. # الثانية: سر الاستعاذة الالتجاء إلى قادر يدفع عنك الآفات، وقراءة القرآن ~~من أعظم الطاعات. ولذلك جاء: # «من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» «1» # ، فلهذا خصت الاستعاذة بالقراءة. # الثالثة: عند الفرار من العدو الغدار يقول: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. وبعد الاستقرار في حضرة الملك الجبار يقول: بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # الرابعة: الاستعاذة تطهر اللسان عما جرى عليه من ذكر غير الله، وإذا حصل ~~الطهور استعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله فيقول: بسم الله. # الخامسة: العبد مأمور بمحاربة العدو الظاهر: قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر [التوبة: 29] ، وبمحاربة العدو الباطن: إن الشيطان ~~لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] فإذا حاربت العدو الظاهر كان مددك الملك: ~~يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [آل عمران: 125] وإذا حاربت ~~العدو الباطن كان مددك الملك إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: ms0020 42] ~~ومحاربة العدو الباطن أولى لأن العدو الظاهر إن غلب بقي الدين واليقين وكنا ~~مأجورين، وإن غلب العدو الباطن كنا مفتونين، ومن قتله العدو الظاهر كان ~~شهيدا، ومن قتله العدو الباطن كان طريدا، ولا خلاص من شره إلا بأن يقول: ~~«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . PageV01P021 # السادسة: # قال الله تعالى: «يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل علي ~~ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه لم أبخل عليك ببستاني وأنزلك فيه» . # وهاهنا لطيفة وهي أن الله تعالى كأنه يقول للعبد أنت الذي أنزلت سلطان ~~المعرفة في حجرة قلبك ومن أراد أن ينزل سلطانا في حجرة نفسه يجب عليه كنس ~~الحجرة وتنظيفها فنظف حجرة قلبك من تلوث الوسوسة وقل: «أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم» . # السابعة: أقسم في حق أبويك أنه لمن الناصحين فدلاهما بغرور، وأقسم فيك ~~لأغوينهم أجمعين. فما ظنك بعاقبة معاملته معك فقل: «أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم» . # الثامنة: إنما اختص اسم الله للاستعاذة به من بين سائر الأسماء لأن العدو ~~كلما كان أشد احتيج إلى عدة أكثر، والاسم الجامع لجميع الصفات الكمالية ~~إنما هو الله فكأن العبد قال: # أعوذ بالقادر العالم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات من الشيطان ~~الرجيم. # التاسعة: الشيطان اسم والرجيم صفة له. ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم ~~بل ذكر صفته تنبيها للعبد أن الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين ولم ~~يقدر على مضرتنا، ومع ذلك رجمناه وطردناه. وأنت لو صاحبك الشيطان لحظة ~~واحدة أخلدك في النار فكيف لا تشتغل بطرده فقل: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. # العاشرة: # يقول الله تعالى: «عبدي إنه يراك وأنت لا تراه فينفذ كيده فيك» # ، فتمسك بمن يرى الشيطان ولا يراه الشيطان، وقل: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم. # الحادية عشرة: الألف واللام في «الشيطان» للجنس لتفيد الاستعاذة من هذا ~~الجنس مطلقا مرئيا وغير مرئي، ولو جعل للعهد جاز وتدخل ذريته فيه تبعا. # الثانية عشرة: الشيطان بعيد وأنت قريب ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: ~~16] فكما أن الشيطان لا ms0021 يجعله الله قريبا لقوله تعالى: ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا [الأحزاب 62 والفتح: 23] فاعرف أنه لا يجعلك الله تعالى بعيدا حين ~~جعلك قريبا. # الثالثة عشرة: إن الشيطان رجيم، وإن الله رحمن رحيم، فاحذر من الشيطان ~~الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم. # الرابعة عشرة: الشيطان عدو غائب إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ~~[الأعراف: 27] والله تعالى حبيب غالب والله غالب على أمره [يوسف: 21] فإذا ~~قصدك العدو الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب. # PageV01P022 ### | المقدمة الثالثة في مسائل مهمة # المسألة الأولى: القراآت السبع متواترة لا بمعنى أن سبب تواترها إطباق ~~القراء السبعة عليها، بل بمعنى أن ثبوت التواتر بالنسبة إلى المتفق على ~~قراءته من القرآن كثبوته بالنسبة إلى كل من المختلف في قراءته، ولا مدخل ~~للقارىء في ذلك إلا من حيث أن مباشرته لقراءته أكثر من مباشرته لغيرها حتى ~~نسبت إليه. وإنما قلنا: إن القراآت متواترة لأنه لو لم تكن كذلك لكان بعض ~~القرآن غير متواتر كملك ومالك ونحوهما إذ لا سبيل إلى كون كليهما غير ~~متواتر، فإن أحدهما قرآن بالاتفاق، وتخصيص أحدهما بأنه متواتر دون الآخر ~~تحكم باطل لاستوائهما في النقل، فلا أولوية فكلاهما متواتر. وإنما يثبت ~~التواتر فيما ليس من قبيل الأداء كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها. # الثانية: اتفقوا على أنه لا تجوز القراءة في الصلاة بالوجوه الشاذة، لأن ~~الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لبلغت في ~~الشهرة إلى حد التواتر عدلنا عن الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة ~~للاحتمال، فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع. # الثالثة: السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن في # قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، لكل آية منه ~~ظهر وبطن ولكل حد مطلع» . # عند أكثر العلماء أنها سبع لغات من لغات قريش لا تختلف ولا تتضاد بل هي ~~متفقة المعنى. وغير جائز عندهم أن يكون في القرآن لغة لا تعرفها قريش لقوله ~~تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ms0022 [إبراهيم: 4] وذلك أن ~~قريشا تجاور البيت، وكانت أحياء العرب تأتي إليهم للحج ويستمعون لغاتهم ~~ويختارون من كل لغة أحسنها، فصفا كلامهم واجتمع لهم مع ذلك العلم بلغة ~~غيرهم. ومما يدل على أن السبعة الأحرف هي سبع لغات متفقة المعنى ما روي عن ~~ابن سيرين أن ابن مسعود قال: اقرءوا القرآن على سبعة أحرف وهو كقول أحدكم ~~هلم # PageV01P023 # وتعال وأقبل. وقال بعضهم: إنها سبع قبائل من العرب قريش وقيس وتميم وهذيل ~~وأسد وخزاعة وكنانة لمجاورتهم قريشا. وقيل سبع لغات من أي لغة كانت من لغات ~~العرب مختلفة الألفاظ متفقة المعاني # لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه قد وسع لي أن أقرئ كل قوم بلغتهم» . # وقيل: معناه أن يقول في صفات الرب تبارك وتعالى مكان قوله غفورا رحيما ~~عزيزا حكيما سميعا بصيرا لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن على سبعة أحرف ما لم ~~تختموا مغفرة بعذاب أو عذابا بمغفرة، أو جنة بنار أو نارا بجنة» . # وقيل: إن لفظ «السبعة» في الخبر جاء على جهة التمثيل، لأنه لو جاء في ~~كلمة أكثر من سبع قراءات جاز أن يقرأ بها. وعن مالك بن أنس أنه كان يذهب في ~~معنى «السبعة الأحرف» إلى أنه كالجمع والتوحيد في مثل: # وتمت كلمة ربك و «كلمات ربك» [الأنعام: 115 والأعراف: 137 وهود: 119] ~~وكالتذكير والتأنيث في مثل: ولا يقبل ولا «تقبل» [البقرة: 48] وكوجوه ~~الإعراب في مثل: هل من خالق غير الله و «غير الله» [فاطر: 3] وكوجوه ~~التصريف في مثل: # يعرشون و «يعرشون» [الأعراف: 137] وكاختلاف الأدوات في مثل قوله: ولكن ~~الشياطين [البقرة: 102] بالتشديد ونصب ما بعدها، وبالتخفيف والرفع وكاختلاف ~~اللفظ في الحروف نحو: يعلمون بالتاء والياء [يونس: 123] ، وننشزها [البقرة: # 259] بالراء والزاي وكالتخفيف والتفخيم والإمالة والمد والقصر والهمز ~~وتركه والإظهار والإدغام ونحوها. وذهب جماعة إلى حملها على المعاني ~~والأحكام التي ينتظمهما القرآن دون الألفاظ من حلال وحرام، ووعد ووعيد، ~~وأمر ونهي، ومواعظ وأمثال واحتجاج، وغير ذلك، واستبعده المحققون من قبل أن ~~الأخبار الواردة في مخاصمة الصحابة في ms0023 القراءة تدل على أن اختلافهم كان في ~~اللفظ دون المعنى. # قال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تتخالف بها لغات العرب فوجدتها ~~على سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص وبجميع ذلك نزل القرآن. # الوجه الأول: إبدال لفظ بلفظ ك «الحوت» ب «السمك» وبالعكس، وكالعهن ~~المنفوش [المعارج: 9 والقارعة: 5] قرأها ابن مسعود «كالصوف المنفوش» . ~~الثاني: # إبدال حرف بحرف ك التابوت و «التابوة» [البقرة: 248 وطه: 39] . الثالث: ~~تقديم وتأخير إما في الكلمة نحو «سلب زيد ثوبه» و «سلب ثوب زيد» ، وإما في ~~الحروف نحو: # أفلم ييأس الذين [الرعد: 31] و «أفلم يأيس» . الرابع: زيادة حرف أو ~~نقصانه نحو: # ماليه [الحاقة: 28] وسلطانيه [الحاقة: 29] وفلا تك في مرية [هود: 109] . # الخامس: اختلاف حركات البناء نحو تحسبن [آل عمران: 169 و 188 وإبراهيم: ~~42 # PageV01P024 # و 47 والنور: 57] بفتح السين وكسرها. السادس: اختلاف الإعراب نحو: ما هذا ~~بشرا [يوسف: 31] وقرأ ابن مسعود «بشر» بالرفع. السابع: التفخيم والإمالة ~~وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند ~~فصحاء العرب. # فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل الله باختلافها ~~القرآن متفرقا فيه ليعلم بذلك أن من زل عن ظاهر التلاوة بمثله، أو من تعذر ~~عليه ترك عادته فخرج إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه. وكل ~~هذا فيما إذا لم تختلف فيه المعاني فإن قيل: فما قولكم في القراآت التي ~~تختلف بها المعاني؟ قلنا: إنها صحيحة منزلة من عند الله ولكنها خارجة من ~~هذه السبعة الأحرف، وليس يجوز أن يكون فيما أنزل الله من الألفاظ التي ~~تختلف معانيها ما يجري اختلافها مجرى التضاد والتناقض، لكن مجرى التغاير ~~الذي لا تضاد فيه. ثم إنها تتجه على وجوه: فمنها أن يختلف بها الحكم الشرعي ~~على المبادلة بمنزلة قوله: وأرجلكم [المائدة: 6] بالجر والنصب جميعا، وإحدى ~~القراءتين تقتضي فرض المسح والأخرى فرض الغسل، وقد بينهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فجعل المسح للابس الخف في وقته، والغسل لحاسر الرجل وهذا ~~الضرب هو ms0024 الذي لا تجوز قراءته إلا إذا تواتر نقله وثبت من الشارع بيانه، ~~وليس يعذر من زل في مثله عما هو المنزل حتى يراجع الصواب ويفزع إلى ~~الاستغفار. وقد يكون ما يختلف الحكم فيه على غير المبادلة لكن على الجمع ~~بين الأمرين بمنزلة ولا تقربوهن حتى يطهرن [البقرة: 222] من الطهر و «حتى ~~يطهرن» مشددة الطاء من التطهر، فإن القراءتين هاهنا تقتضيان حكمين مختلفين ~~يلزم الجمع بينهما، وذلك أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها ~~وحتى تطهر بالاغتسال. ولا تجوز القراءة في أمثال هذه إلا بالنقل الظاهر. ~~ومن زل في مثله إلى ما يقتضي أمرا وقد علم ثبوته ولم يقرأ به، لم يلزمه فيه ~~حرج كقوله تعالى: ولا تقربوا الزنى [الإسراء: 32] لو صحفه أحد فقرأه ~~«الربا» بالراء، والباء من الربا في المال، فإنه منهي عنه كالزنا فإن كان ~~عدوله عن ظاهر التلاوة على سبيل التعمد فهو ملوم على ذلك. وأما التضاد ~~والتنافي فغير موجود في كتاب الله. والنسخ ليس من هذا القبيل لأن اتحاد ~~الزمان شرط التنافي وعند ورود الناسخ ينتهي المنسوخ، ويتبين أن في علم الله ~~حكم المنسوخ كان مؤجلا إلى ورود الناسخ، والله أعلم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «لكل آية ظهر وبطن» # أي ظاهر وباطن، فالظاهر ما يعرفه العلماء، والباطن ما يخفى عليهم. فنقول ~~في ذلك كما أمرنا ونكل علمه إلى الله تعالى وقيل: هو أن نؤمن به باطنا كما ~~نؤمن به ظاهرا. # وقوله: «ولكل حد مطلع» # أي لكل طرف من حدود الله التي يوقف # PageV01P025 # هنالك ولا يتجاوز عنه من مأمور أو منهي أو مباح، مصعد ومأتي يؤتى منه ~~ويفهم كما هو، أو مقدار من الثواب والعقاب يعاينه في الآخرة ويطلع عليه، ~~كما قال عمر: «لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول ~~المطلع» يعني ما يشرف عليه من أمر الله بعد الموت. # PageV01P026 ### | المقدمة الرابعة في كيفية جمع القرآن # روي عن زيد بن ثابت أنه قال: «أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل ms0025 اليمامة وإذا ~~عنده عمر. # فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم ~~اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن ~~كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. # قال: فقلت: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~لي: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له فرأيت ~~فيه الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا ~~نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن ~~فاجمعه فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، ~~وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند ~~حفصة مدة إلى أن أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلي بالصحف ننسخها في ~~المصاحف ثم نردها عليك. فأرسلت إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت ~~وإلى عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، ~~فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف. ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما ~~اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. قال: ففعلوا ~~حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف، ~~وأمر بما سوى ذلك من القرآن أن يحرق أو يخرق. قال زيد بن ثابت: فرأيت أصحاب ~~محمد يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان. # وقال علي: لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان. # إلا أن عبد الله بن مسعود كره أن ولي زيد بن ثابت نسخ المصاحف، فقال: يا ~~معشر المسلمين أأعزل عن نسخ كتاب الله ويولاها رجل، والله، لقد أسلمت وإنه ~~لفي صلب رجل كافر، يعني زيدا، فكان أول من أمر بجمع القرآن في المصحف أبو ~~بكر مخافة أن يضيع منه شيء غير أنه لم يجمع الناس عليه. وكان الناس يقرءون ~~بقراءات مختلفة على ms0026 سبيل ما أقرأهم # PageV01P027 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى وقت عثمان. ثم إن عثمان جمع ~~الناس على مصحف واحد وحرف واحد، ولذلك نسب المصحف إليه وجعل ذلك إماما. # واعلم أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~ما أنزلت آية إلا وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يكتب له أن ~~يضعها في موضع كذا من سورة كذا، ولا نزلت سورة إلا وقد أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الكاتب أن يضعها بجنب سورة كذا. # روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلت عليه ~~سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا ~~وكذا. # وعن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة من ~~الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد. قيل لأنس: من أبو زيد؟ # قال: أحد عمومتي. غير أنهم لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين ولم ~~يلزموا القراء توالي سورها وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أنزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتبها، ثم خرج في سرية فنزلت في وقت مغيبه ~~سورة، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته ويتتبع ما ~~فاته على حسب ما يتسهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير من هذا الوجه. وقد ~~كان منهم من يعتمد على حفظه فلا يكتب على ما كان من عادة العرب في حفظ ~~أنسابها وأشعار شعرائها من غير كتابة. ومنهم من كان كتبها في مواضع مختلفة ~~من قرطاس وكتف وعسب ثقة منهم بما كانوا يعهدونه من جد المسلمين في حفظ ~~القرآن، فلا يرون بأكثرهم حاجة إلى مصحف ينظر فيه. فلما أن مضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لسبيله، وجند المهاجرون والأنصار أجنادا فتفرقوا في ~~أقطار الدنيا واستحر القتل في بعضهم، كما مر، خيف حينئذ أن يتطرق إليه ms0027 ضياع ~~فأمروا بجمعه في المصحف. # PageV01P028 ### | المقدمة الخامسة في معاني المصحف والكتاب والقرآن والسورة والآية والكلمة والحرف وغير ذلك # المصحف: مفعل من أصحف أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع الصحيفة، والصحيفة ~~قطعة من جلد أو ورق يكتب فيه. وقد يقال: «مصحف» بكسر الميم. وروي أن أبا ~~بكر الصديق استشار الناس بعد جمع القرآن في اسمه فسماه مصحفا. والكتاب ~~معناه ضم الحروف الدالة على معنى بعضها إلى بعض لأنه مصدر «كتب» أي جمع. ~~قال الله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] أي جمع حتى آمنوا بجميع ما ~~يجب عليهم. فالكتاب فعل الكاتب، ولكنه قد يسمى الشيء باسم الفعل نحو: هذا ~~الدرهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله. والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبينا ~~محمد، كما أن التوراة اسم للكتاب المنزل على موسى، والإنجيل للمنزل على ~~عيسى، والزبور للمنزل على داود عليه السلام. والقرآن يهمز ولا يهمز فمن ~~همزه، وهو الأكثر، فوزنه «فعلان» مثل قربان. # والتركيب يدل على الجمع والضم، ومنه «القرء» للحيض لاجتماع الدم في ذلك ~~الوقت، ومنه قولهم: قرأت الماء في الحوض. فالقرآن نزل شيئا بعد شيء فلما ~~جمع بعضه إلى بعض سمي «قرآنا» . وقيل: سمي «قرآنا» لأنه جمع السورة وضمها. ~~قال تعالى: إن علينا جمعه وقرآنه # [القيامة: 17] أي تأليفه وضم بعضه إلى بعض. وقولك: «قرأت» معناه جمعت ~~الحروف بعضها إلى بعض. ومن لم يهمز القرآن، وهو قراءة أهل مكة، فإما على ~~تخفيف الهمزة فأصله كما مر، وإما على أن وزنه «فعال» من «قرنت» والنون لام ~~الكلمة سمي بذلك لأنه قرن السورة وما فيها بعضها إلى بعض. وقيل: إن ~~«القرآن» اسم موضوع على «فعال» من غير اشتقاق كالتوراة والإنجيل. ويسمى ~~القرآن «فرقانا» لأنه يفرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، والحلال ~~والحرام. # وأما السورة من القرآن فإنها تهمز ولا تهمز وهذا أكثر وعليه القراءة. ~~والسورة اسم لآي جمعت وقرنت بعضها إلى بعض حتى تمت وكملت وبلغت في الطول ~~المقدار الذي # PageV01P029 # أراد الله تعالى، ثم فصل بينها وبين سورة أخرى ب «بسم الله ms0028 الرحمن ~~الرحيم» . ولا تكون السورة إلا معروف المبتدأ معلوم المنتهى. قيل: اشتقاقها ~~من سورة البناء والمدينة، لأن السور يوضع بعضه فوق بعض حتى ينتهي إلى ~~الارتفاع الذي يراد، فالقرآن أيضا وضع آية إلى جنب آية حتى بلغت السورة في ~~عدد الآي المبلغ الذي أراد الله تعالى. وقيل: سميت سورة لأنها وصفت بالعلو ~~والرفعة، كما أن سور المدينة سمي سورا لارتفاعه. قال النابغة: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # أي شرفا ورفعة. وقيل سميت سورة لإحاطتها بما فيها من الآيات كما أن سور ~~المدينة محيط بمساكنها وأبنيتها. وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو مثل ~~«جملة وجمل» ، وجمع سورة البناء «سور» بالسكون مثل «صوفة وصوف» . ومن همز ~~«سورة» جعلها من أسأرت في الإناء سؤرا أي أفضلت منه بقية، ومنه «سؤر ~~الدواب» إذ كلها قطعة من القرآن على حدة. # وأما الآية فقد قال جمع من العلماء: إنها في القرآن عبارة عن كلام متصل ~~إلى انقطاعه وانقطاع معناه «فصلا فصلا» ، ولا يخفى توقف الآية على التوقيف. ~~وقال غيرهم: معناها العلامة، لأنها تدل على نفسها بانفصالها عن الآية ~~المتقدمة عليها والمتأخرة عنها. وقيل معناه «جماعة حروف» من قولهم: «خرج ~~القوم بآيتهم» ، أي بجماعتهم ولم يدعوا وراءهم شيئا. وقيل: معناها ~~«العجيبة» لأنها عجيبة لمباينتها كلام المخلوقين من قولهم: «فلان آية من ~~الآيات» واختلف في وزنها، فقال الفراء: وزنها «فعلة» بالفتح وبسكون العين، ~~وأصلها «أية» فاستثقلوا التشديد فأتبعوه الفتحة التي قبله وقال الخليل ~~وأصحابه: وزنها «فعلة» بالفتح والأصل «أيية» قلبت الياء ألفا لتحركها ~~وانفتاح ما قبلها، وقال الكسائي: أصلها «آيية» «فاعلة» كضاربة وكان يلزمه ~~للياءين الإدغام على نحو «دابة وخاصة» ويكون مستثقلا فحذفوا إحدى الياءين. # وأما الكلمة، فإن تراكيب ك ل م تفيد القوة والشدة وتقاليب هذه الحروف ~~الثلاثة بحسب الاشتقاق الكبير ستة، واحد مهمل والبواقي معتبرة منها «ك ل م» ~~فمنه الكلام لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه، وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة ~~المعنى، ومنه الكلم للجرح وفيه شدة ومنها «ك ms0029 ل م» لأن الكامل أقوى من ~~الناقص ومنها «ل ك م» ومعنى الشدة فلي اللاكم واضح، ومنها «م ك ل» ومنه ~~«بئر مكول» إذا قل ماؤها، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة ~~عند ورودها، وأيضا إنها تدل على شدة منابعها ومنها «م ل ك» # PageV01P030 # ملكت العجين إذا أنعمت عجنه ومنه «ملك الإنسان» لأنه نوع قوة. ولفظ ~~«الكلمة» قد يستعمل في اللفظة الواحدة وقد يراد بها الكلام الكثير المرتبط ~~بعضه ببعض، ومنه قولهم للقصيدة «كلمة» ، ومنه «كلمة الشهادة» و «كلمة ~~الطيبة صدقة» . ولأن المجاز خير من الاشتراك فإطلاق الكلمة على الكلام ~~المركب مجاز إما من باب إطلاق الجزء على الكل، وإما من باب المشابهة، لأن ~~الكلام المرتبط يشبه المفرد في الوحدة. وأفعال الله تعالى كلماته إما لأنه ~~حدث بقوله كن أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك. # وعند النحويين الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد. وفائدة القيود تذكر في ذلك ~~العلم والكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد. ومنكر والكلام النفسي اتفقوا على ~~أن الكلام اسم لهذه الألفاظ والكلمات. والأشاعرة يثبتون الكلام النفسي ~~ويقولون: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وقد تسمى الكلمات والعبارات أحاديث لأن كل واحدة منها تحدث عقيب صاحبتها، ~~قال تعالى: فليأتوا بحديث مثله [الطور: 34] وجمع الكلمة «كلم» والتاء في ~~الكلمة ليست للوحدة كاللبنة واللبن، والرطبة والرطب، لأن الرطب واللبن ~~مذكر، والكلم مؤنث. # وتصغير رطب «رطيب» ، وتصغير «كلم» «كليمات» بالرد إلى كلمة، ثم جمعه ~~بالألف والتاء. وقد يكون الكلام مصدرا بمعنى التكليم كالسلامة بمعنى ~~التسليم، قال تعالى: يسمعون كلام الله ثم يحرفونه [البقرة: 75] فسره ابن ~~عباس بتكليم الله موسى وقت المناجاة وأما الحرف، فهو الواحد من حروف المعجم ~~سمي «حرفا» لقلته ودقته، ولذلك قيل: «حرف الشيء» لطرفه، لأنه آخره والقليل ~~منه. والحرف أيضا الناقة المهزولة، وقد يقال للسمينة أيضا حرف فهو من ~~الأضداد. والحرف اللغة أيضا، # قال عليه السلام: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» «1» . # والحرف أيضا القراءة بكمالها والقصيدة بتمامها. والحرف ms0030 أيضا أحد أقسام ~~الكلمة، وذلك أن الكلمة إن احتاجت في الدلالة على معناها الإفرادي إلى ~~ضميمة نحو «من وقد» فهو حرف، وإلا فإن كانت في أصل الوضع بهيئتها التصريفية ~~على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي والحال والاستقبال فهو فعل نحو «نصر وينصر» ~~، وإلا فهو اسم كالإنسان فإن معناه لا يقترن بالزمان أصلا، ومثل «اليوم ~~والساعة والزمان» فإن الزمان كل معناه، ومثل «الصبوح والغبوق» لأن الزمان ~~جزء معناه، ومثل «علم وجهل وضرب» فإن PageV01P031 # معناه يدل على الزمان عقلا لا بحسب الهيئة، ومثل «ضارب ومضروب» فإنه لو ~~سلم أن معناه يدل على الزمان بحسب الهيئة إذ لكل منهما هيئة مخصوصة لكنها ~~ليست في أصل الوضع ولا يخرج من حد الفعل نحو عسى مما لا يدل على زمان لأن ~~تجرده عن الزمان عرض لغرض الإنشاء، ولا الفعل المستقبل لكونه معناه مقترنا ~~بزمانين الحال والاستقبال لأن قولنا بأحد الأزمنة تحديد لأدنى درجات ~~الاقتران ولو سلم أنه يجب الاقتران بأحد الأزمنة فقط فذلك في أصل الوضع ولا ~~مانع من اقترانه بعد ذلك بزمان آخر مجازا. # PageV01P032 ### | المقدمة السادسة في ذكر السبع الطول والمثاني والمئين والطواسيم والحواميم والمفصل والمسبحات وغير ذلك # فالسبع الطول، مضمومة الطاء مفتوحة الواو وجمع الطولى كالفضلى والفضل، هي ~~البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال مع التوبة ~~لأنهما نزلتا جميعا في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانتا تدعيان ~~القرينتين ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة. وقال بعضهم: السابعة من السبع ~~سورة يونس لا الأنفال مع التوبة. وأما المثاني فسبع سور تتلو السبع الطول: ~~أولها سورة يونس وآخرها سورة النحل، لأنها ثنت الطول أي تلتها، واحدها مثنى ~~مثل معنى ومعان. وقد يكون المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها من قوله ~~تعالى: كتابا متشابها مثاني [الزمر: 33] وقوله: ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني [الحجر: 87] . وقيل: المثاني في هذه الآية آيات الفاتحة لأنها نزلت ~~مرتين أو لأنها تثنى في كل صلاة. وأما المئون فهن سبع: أولها سورة بني ~~إسرائيل وآخرها سورة المؤمنون، لأن كل سورة منها ms0031 نحو من مائة آية، وقيل: ~~المئون ما ولي السبع الطول ثم المثاني بعدها، وقيل: إن ما بعد السبع الطول ~~من المئين إلى الحواميم، وبعد الحواميم المفصل. وأما الطواسيم فإن شئت قلت ~~هكذا، وإن شئت قلت الطواسين قال الراجز: # وبالطواسين التي قد ثلثت # وفي الحديث: «وأعطيت طه والطواسيم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب» . # وأما الحواميم فإن شئت قلت هكذا وإن شئت قلت آل حم. # قال ابن عباس: إن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن آل حم # وقال: الحواميم. فكأن من قال «آل حم» نسب السور كلها إلى «حم» وهو من ~~أسماء الله تعالى بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون» # وتسمى الحواميم عرائس القرآن # عن عاصم عن زر بن حبيش الأسدي قال: قرأت على علي بن أبي طالب القرآن في ~~المسجد الجامع بالكوفة فلما بلغت الحواميم قال: يا زر بن حبيش عرائس ~~القرآن، فلما بلغت رأس العشرين من حم عسق والذين آمنوا وعملوا # PageV01P033 # الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير # [الشورى: 22] بكى حتى ارتفع نحيبه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا زر ~~أمن على دعائي، ثم قال: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين وإخلاص الموقنين ~~ومرافقة الأبرار واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من ~~كل إثم ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك، والفوز بالجنة والخلاص من النار يا زر ~~إذا ختمت القرآن فادع بهؤلاء الدعوات فإن حبيبي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن. # وأما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن لكثرة ~~التفصيل فيها بالبسملة. وأما المسبحات، فسورة الحديد والحشر والصف والجمعة ~~والتغابن والأعلى، لأن في فواتحهن ما يدل على التسبيح. # وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات ~~ويقول: # «إن فيها آية كألف آية» . وأفضل المسبحات سبح اسم ربك الأعلى [الأعلى: 1] # فقد كان العلماء يقرءون هذه السورة في التهجد والجمعة ويتعرفون ms0032 بركتها. ~~وأما المقشقشتان فسورة الكافرون والإخلاص، لأنهما تبرئان من النفاق والشرك. ~~يقال: قشقشه إذا برأه، وقشقش المريض من علته إذا أفاق منها وبرىء. وأما ~~المعوذتان فالفلق والناس وقد يضم إليهما الإخلاص فيقال المعوذات. # PageV01P034 ### | المقدمة السابعة في ذكر الحروف التي كتب بعضها على خلاف بعض في المصحف وهي في الأصل واحدة. # فأول ذلك «بسم الله» كتب بحذف «الألف» التي قبل «السين» . وكتب اقرأ باسم ~~ربك [العلق: 1] وسبح اسم ربك [الأعلى: 1] ، وبئس الاسم الفسوق [الحجرات: ~~11] ، ومنه اسمه بالألف. والأصل في ذلك كله واحد وهو أن يكتب بالألف، وإنما ~~حذفت من «باسم الله» فقط لأنها ألف وصل ساقطة من اللفظ. كثيرا قد كثر ~~استعمال الناس إياها في صدور الكتب وفواتح السور وعند كل أمر يبدأ به، ~~فأمنوا أن يجهل القارئ معناها. وكتب «فيما» موصولا في كل القرآن إلا في ~~«البقرة» فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف [الآية: 234] ، وفيها [سورة البقرة] ~~. في ما فعلن في أنفسهن من معروف [الآية: 240] وفي «الأنعام» : في ما أوحي ~~إلي محرما [الآية: 145] وفيها [سورة الأنعام] ليبلوكم في ما آتاكم [الآية: ~~165] وفي «الأنفال» فيما أخذتم عذاب عظيم [الآية: 68] وفي «الأنبياء» في ما ~~اشتهت أنفسهم [الآية: 102] وفي «النور» فيما أفضتم [الآية: 14] وفي الشعراء ~~في ما هاهنا آمنين وفي الروم في ما رزقناكم وفي «الزمر» في ما هم فيه ~~يختلفون [الآية: 3] وفيها [سورة الزمر] في ما كانوا فيه يختلفون [الآية: ~~46] وفي الواقعة في ما لا تعلمون # [الآية: 61] . فذلكن اثنا عشر حرفا مقطوع «1» ، وما سوى ذلك موصول. # وكتب «مما» موصولا في كل القرآن إلا ثلاثة مواضع: في «النساء» فمن ما ~~ملكت أيمانكم [الآية: 25] ، وفي «الروم» من ما ملكت أيمانكم [الآية: 28] ، ~~وفي «المنافقين» من ما رزقناكم [الآية: 10] . وكتب «أنما» موصولا في كل ~~القرآن إلا في PageV01P035 # «الحج» وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [الآية: 62] ، وفي «لقمان» وأن ما ~~يدعون من دونه الباطل [الآية: 30] ، وفيها [سورة الحج] ولو أنما في الأرض ~~[الآية: 27] . # وكتب «إنما» موصولة في كل القرآن إلا في «الأنعام» إن ما توعدون لآت ~~[الآية: ms0033 134] . # وكتب «لكي لا» مقطوعة في كل القرآن إلا ثلاثة مواضع: في «الحج» لكيلا ~~يعلم [الآية: # 5] ، وفي «الأحزاب» لكيلا يكون عليك حرج [الآية: 50] ، وفي «الحديد» ~~لكيلا تأسوا [الآية: 23] . وكتب «بئس ما» مقطوعا حيث كان إلا ثلاثة مواضع: ~~في «البقرة» بئسما يأمركم به إيمانكم [الآية: 93] ، وفيها [سورة البقرة] ~~ولبئس ما شروا به أنفسهم [الآية: 102] ، وفي «الأعراف» بئسما خلفتموني ~~[الآية: 150] «1» . وكتب «أينما» مقطوعا في جميع القرآن إلا أربعة مواضع: ~~في «البقرة» فأينما تولوا [الآية: 115] ، وفي «النحل» أينما يوجهه [الآية: ~~76] ، وفي «الشعراء» أين ما كنتم [الآية: 92] ، وفي «الأحزاب» أين ما ثقفوا ~~[الآية: 61] . # وكتب «ألا» موصولا في كل القرآن إلا عشرة مواضع: في «الأعراف» أن لا أقول ~~على الله إلا الحق [الآية: 105] ، وفيها [سورة الأعراف] أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق [الآية: 169] ، وفي «التوبة» أن لا ملجأ من الله إلا إليه ~~[الآية: 118] ، وفي «هود» أن لا تعبدوا إلا الله [الآية: 26] ، وفيها [سورة ~~هود] وأن لا إله إلا هو [الآية: 14] ، وفي «الحج» أن لا تشرك بي شيئا ~~[الآية: 26] ، وفي «يس» أن لا تعبدوا الشيطان [الآية: # 60] ، وفي «الدخان» وأن لا تعلوا على الله [الآية: 19] وفي «الممتحنة» أن ~~لا يشركن بالله شيئا [الآية: 12] ، وفي القلم أن لا يدخلنها اليوم [الآية: ~~24] ، واختلف في «يوسف» ألا تعبدوا إلا إياه [الآية: 40] . وما سواهن فهو ~~«ألا» مدغما بغير «نون» . # وكتب «إلا» بإسقاط ال «نون» في كل القرآن من غير استثناء مثل: إلا تفعلوه ~~[الأنفال: 73] وإلا تغفر لي [هود: 47] . وكتب «ألم» موصولا في كل القرآن ~~إلا في «الأنعام» أن لم يكن ربك [الآية: 131] ، وفي «البلد» أن لم يره أحد ~~[الآية: 7] . # وكتب في «هود» فإلم يستجيبوا لكم [الآية: 14] موصولا مدغما، وفي «القصص» ~~فإن لم يستجيبوا لك [الآية: 50] مقطوعا. وكتب «أمن» موصولا في كل القرآن ~~إلا أربعة مواضع: في سورة «النساء» أم من يكون عليهم وكيلا # وفي «التوبة» أم من أسس بنيانه وفي «الصافات» أم من خلقنا [الآية: 11] ، ~~وفي «حم السجدة» أم من يأتي آمنا PageV01P036 # [فصلت: 40] چ وكتب «إما» و «أما» موزصولا إلا في ms0034 «الرعد» وإن ما نرينك ~~[الآية: # 40] . وكتب «عما» موصولا في «الأعراف» عن ما نهوا عنه [الآية: 166] . ~~وكتب «أن لن» مقطوعا إلا ثلاث مواضع: في «الكهف» لن نجعل لكم موعدا # [الآية: 48] . وكتب «كلما» موصولا إلا في خمسة مواضع: في «النساء» كلما ~~ردوا إلى الفتنة أركسوا [الآية: 91] ، وفي «الأعراف» كلما دخلت أمة [الآية: ~~38] ، وفي «سبحان» كلما خبت [الإسراء: 97] ، وفي «الملك» كلما ألقي فيها ~~[الآية: 8] ، وفي «نوح» كلما دعوتهم [الآية: 7] . وكتب «يومهم» موصولا إلا ~~في «المؤمن» يوم هم بارزون [غافر: 16] ، وفي «الذاريات» يوم هم على النار ~~يفتنون [الآية: 13] . # وكتبت «الرحمة» في مواضع القرآن بالهاء إلا سبعة مواضع: في «البقرة» ~~أولئك يرجون رحمت الله [الآية: 218] ، وفي «الأعراف» إن رحمت الله قريب ~~[الآية: 56] ، وفي «هود» رحمت الله وبركاته [الآية: 73] ، وفي «مريم» ذكر ~~رحمت ربك [الآية: # 2] ، وفي «الروم» إلى آثار رحمت الله [الآية: 50] ، وفي «الزخرف» أهم ~~يقسمون رحمت ربك [الآية: 32] ، فإنها [المواضع السبعة] بالتاء. وكتبت ~~«النعمة» بالهاء إلا أحد عشر موضعا: في «البقرة» واذكروا نعمت الله عليكم ~~[الآية: 231] ، وفي «آل عمران» واذكروا نعمت الله عليكم [الآية: 103] ، وفي ~~«المائدة» اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم [الآية: 7] ، وفي «إبراهيم» بدلوا ~~نعمت الله كفرا [الآية: 28] ، وفيها [سورة إبراهيم] وإن تعدوا نعمت الله ~~[الآية: 34] ، وفي «النحل» وبنعمت الله هم يكفرون [الآية: 72] ، وفيها ~~[سورة النحل] يعرفون نعمت الله [الآية: 83] ، وفيها [سورة النحل] واشكروا ~~نعمت الله [الآية: 114] ، وفي «لقمان» في البحر بنعمت الله [الآية: 31] ، ~~وفي «الملائكة» اذكروا نعمت الله [فاطر: 3] ، وفي «الطور» بنعمة ربك بكاهن ~~[الآية: 29] . # وكتب «امرأة» بالهاء إلا سبعة مواضع: في «آل عمران» إذ قالت امرأت عمران ~~[الآية: 35] ، وفي «يوسف» امرأت العزيز تراود فتاها [الآية: 30] ، وفيها ~~[سورة يوسف] امرأة العزيز الآن [الآية: 51] ، وفي «القصص» وقالت امرأت ~~فرعون [الآية: 9] ، وفي «التحريم» امرأت نوح وامرأت لوط [الآية: 10] وامرأت ~~فرعون [الآية: 11] . وكتب «سنة» بالهاء في كل القرآن إلا خمسة مواضع: في ~~«الأنفال» مضت سنت الأولين [الآية: 38] ، وفي «فاطر» إلا سنت الأولين فلن ~~تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا [الآية: 43] ، وفي «المؤمن» ms0035 ~~سنت الله التي قد خلت [غافر: # PageV01P037 # 85] . وكتب «معصية» بالهاء حيث كانت إلا موضعين: في «المجادلة» ومعصية ~~الرسول [الآيتان: 8 و 9] . وكتب «لعنة» بالهاء في كل القرآن إلا في «آل ~~عمران» فنجعل لعنت الله [الآية: 61] ، وفي «النور» أن لعنت الله [الآية: 7] ~~. وكتب «جنة» بالهاء إلا في «الواقعة» وجنة نعيم [الآية: 89] . وكتب «شجرة» ~~بالهاء إلا في «الدخان» إن شجرة الزقوم [الآية: 43] . وكتب «قرة» بالهاء ~~إلا في «القصص» قرت عين لي ولك [الآية: # 9] . وكتب «بقية» بالهاء إلا في «هود» بقيت الله [الآية: 86] . وكتب «من ~~ثمرة» بالهاء إلا في «حم السجدة» من ثمرات من أكمامها [فصلت: 47] . وكتب ~~«كلمة» بالهاء إلا في أربعة مواضع: في «الأنعام» وتمت كلمت ربك [الآية: ~~115] ، وفي «يونس» حرفان كلمة ربك [الآيتان: 33 و 96] ، وفي «المؤمن» حقت ~~كلمة ربك [غافر: 6] . # وكتب غيابت الجب بالتاء [يوسف: 10 و 15] ، فهم على بينة منه بالتاء ~~[فاطر: 40] . وكتب كل ما في القرآن من ذكر «الآية» بالهاء إلا في ~~«العنكبوت» لولا أنزل عليه آيات [الآية: 50] فإنها بالتاء. وكتب فطرت ~~[الروم: 30] وعفريت [النمل: # 39] واللات والعزى [النجم: 19] ولات حين مناص [ص: 3] وذات بهجة [النحل: ~~60] وهيهات [المؤمنون: 36] ومريم ابنت عمران [التحريم: 12] ومرضات [البقرة: ~~207 و 265، والنساء: 114، والتحريم: 1] كلها بالتاء. وكتب «الملأ» بالألف ~~إلا أربعة مواضع: في «المؤمنون» فقال الملأ الذين كفروا [الآية: 24] ، وفي ~~«النمل» يا أيها الملأ إني [الآية: 29] ويا أيها الملأ أفتوني [الآية: 32] ~~ويا أيها الملؤا أيكم يأتيني [الآية: 38] ، فإنها كتبت بالواو. وكتب في ~~«البقرة» يبصط [الآية: 245] بالصاد، وما سواه بالسين. وكتب في «البقرة» ~~بسطة [الآية: 247] بالسين، وفي «الأعراف» [الآية: 69] بالصاد. وكتب في «آل ~~عمران» منهم تقاة [الآية: # 28] بالياء، وحق تقاته [الآية: 102] بالألف. وكتب في أول «يوسف» و ~~«الزخرف» قرآنا عربيا بغير ألف، وسائر القرآن قرآنا بألف. # وكتب في الأعراف» [الآية: 112] و «يونس» [الآية: 79] بكل ساحر عليم بغير ~~ألف، وفي «الشعراء» سحار عليم [الآية: 37] بالألف بعد الحاء. وكتب في ~~«الذاريات» ساحر أو مجنون [الآية: 39] بالألف، وما سواه بغير ألف. وكتب في ~~«يونس» لننظر كيف تعملون [الآية: 14] بنون واحدة. ms0036 واختلف في قوله: إنا ~~لننصر رسلنا في «المؤمن» [غافر: 51] . وكتب في «يونس» ننج المؤمنين [الآية: ~~103] بنونين وحذف الياء، وفي آخر «يوسف» فنجي من نشاء [الآية: 110] بنون ~~واحدة، وفي «الأنبياء» # PageV01P038 # وكذلك ننجي المؤمنين [الآية: 88] بالياء وبنون واحدة. وكتب جميع ما في ~~القرآن من ذكر ال «أيدي» بياء واحدة إلا في «الذاريات» والسماء بنيناها ~~بأيد [الآية: 47] فإنها كتبت بياءين، والأصل كتبه بياء واحدة. وكتب «الن» ~~بغير ألف في كل القرآن إلا في «الجن» فمن يستمع الآن [الآية: 9] فإنه ~~بالألف. وكتب في «حم السجدة» سماوات [فصلت: 12] بالألف، وما سواه كتب ~~«سموت» بغير ألف. وكتب في أول «سبأ» علم الغيب [الآية: 3] بغير ألف. وكتب ~~في «البقرة» خطاياكم بحرف واحد بين الطاء والكاف، وفي «الأعراف» خطاياكم ~~[الآية: 261] بحرفين بينهما. # وكتب «رأ» بغير ياء في كل القرآن إلا في «النجم» لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى [الآية: 18] وما كذب الفؤاد ما رأى [الآية: 11] . وكتب في «يونس» ~~وما تغني الآيات بالياء على الأصل، وفي «القمر» فما تغن النذر [الآية: 5] ~~بغير ياء على اللفظ. وكتب في «البقرة» يؤتي الحكمة [الآية: 269] بالياء، ~~وفي «النساء» وسوف يؤت الله [الآية: 146] بغير ياء. وكتب ويمح الله الباطل ~~[الشورى: 24] بغير واو، ويمحوا الله ما يشاء [الرعد: 39] بالواو والألف. ~~وكتب الداع بغير ياء حيث كان إلا قوله أجيبوا داعي الله وكتب «ثمود» بالألف ~~في حال النصب وهي في أربعة مواضع: في «هود» [الآية: 68] ، و «الفرقان» ~~[الآية: 38] ، و «العنكبوت» [الآية: 38] ، و «النجم» [الآية: 51] . وكتب ~~ثمود الناقة [الإسراء: 59] بغير ألف. وكتب في «النمل» وما أنت بهادي ~~[الآية: 81] بالياء، وفي «الروم» بهاد [الآية: 53] بغير ياء، والأصل فيهما ~~الياء. وكتب في «الحج» ولؤلؤا [الآية: 23] بألف، وفي «فاطر» [الآية: 33] ~~بألف، وفي «فاطر» [الآية: 33] بغير ألف. وكتب في «الأعراف» قال ابن أم ~~[الآية: 150] بالألف مقطوعا، وفي «طه» ابن أم # بالواو موصولا. وكتب في «الحجر» [الآية: 78] و «ق» [الآية: 14] أصحاب ~~الأيكة بالألف، وفي «الشعراء» [الآية: 176] و «ص» [الآية: 13] ليكة بغير ~~ألف. # وكتب في «يوسف» لذو علم لما علمناه [الآية: 68] ، وفي «المؤمن» ms0037 ذو العرش ~~[غافر: 15] ، وفي «السجدة» لذو مغفرة وذو عقاب أليم [فصلت: 43] ، وفي ~~«الجمعة» ذو الفضل العظيم [الآية: 4] ، وفي «البروج» ذو العرش [الآية: 15] ~~. # بغير ألف في هذه المواضع، وما سواها «ذوا» بالألف. وكتب «الربوا» بواو ~~بعدها ألف في كل القرآن إلا قوله: وما آتيتم من ربا [الروم: 39] فإنه بغير ~~واو. وكتب لدى الباب [يوسف: 25] بالألف، ولدى الحناجر [غافر: 18] بالياء. ~~وكتب ولأوضعوا خلالكم [التوبة: 47] ولأذبحنه [النمل: 21] بزيادة ألف، وفي ~~مصاحف الشام و # PageV01P039 # لأمة مؤمنة # [البقرة: 221] بزيادة ألف أيضا. وكتب أيها المؤمنون [النور: 31] وأيها ~~الساحر [الزخرف: 49] وأيه الثقلان [الرحمن: 31] بغير ألف، وما سواها «يا ~~أيها» و «يا أيتها» بالألف. وكتب في «الأحزاب» الظنونا [الآية: 10] ~~والرسولا [الآية: # 66] والسبيلا [الآية: 67] بالألف، وفي «الفرقان» أم هم ضلوا السبيل ~~[الآية: 17] وفي «الأحزاب» وهو يهدي السبيل [الآية: 4] وهما رأس آية. وكتب ~~في «الإنسان» قواريرا [الآية: 15] بالألف، قواريرا من فضة [الآية: 16] بغير ~~ألف. # وكتب في «الأنعام» أإنكم لتشهدون [الآية: 19] ، وفي «الأعراف» إنكم ~~لتأتون الرجال [الآية: 81] ، وفي «العنكبوت» أإنكم لتأتون الرجال [الآية: ~~29] ، وفي «حم السجدة» أإنكم لتكفرون [فصلت: 9] بالياء، وما سواها بغير ~~ياء. وكتب في «الأعراف» إن لنا لأجرا [الآية: 113] بغير ياء، وفي «الشعراء» ~~أإن لنا لأجرا [الآية: 41] بالياء. وكتب في «النمل» أإنا لمخرجون [الآية: ~~67] بالياء، وكذلك في «الصافات» أإنا لتاركوا [الآية: 36] ، وما سواهما فهو ~~«أءنا» بغير ياء. وكتب في «الواقعة» أإذا [الآية: 47] بالياء، وفي سائر ~~القرآن «أءذا» بغير ياء. وكتب في «هود» في أموالنا ما نشؤا [الآية: 87] ~~بالألف بعد الواو، ومثله في «الأنعام» يأتيهم أنباء [الآية: 5] ، وفيها ~~[سورة الأنعام] أنهم فيكم شركاء [الآية: 94] . وفي «حم عسق» أم لهم شركاء ~~[الشورى: 21] ، وفي «الروم» من شركائهم شفعاء [الآية: 13] ، وفي «إبراهيم» ~~فقال الضعفاء [الآية: 21] ، وفي «الشعراء» فسيأتيهم أنبؤا [الآية: 6] وفيها ~~[سورة الشعراء] أيضا أن يعلمه علماء [الآية: 197] ، وفي «فاطر» من عباده ~~العلماء [الآية: 28] ، وفي «الصافات» لهو البلاء [الآية: 106] . وفي «حم» ~~الأولى وما دعاء الكافرين [غافر: 50] ، وفي «الدخان» ما فيه بلؤا [الآية: ~~33] بالواو، وفي «الممتحنة» . إنا برآؤا [الآية: 4] . وكتب «جزاؤ» بالواو ~~إلا في ms0038 «الكهف» فله جزاء الحسنى [الآية: # 88] . # وكتب إن امرؤ هلك [النساء: 176] ، ويتفيؤا ظلاله [النحل: 48] ، ويعبؤا ~~بكم [الفرقان: 77] ، وأتوكؤا عليها [طه: 18] ، وتفتؤا تذكر [يوسف: 85] ، وو ~~يدرؤا عنها [النور: 8] ، ونبؤا الذين [التوبة: 70 إبراهيم: 9 والتغابن: 5] ~~، ونبأ الخصم [ص: 21] ، وينشؤا في الحلية [الزخرف: 18] ، ولا تظمؤا فيها ~~[طه: 119] ، ويبدؤا الخلق [يونس: 4 و 34 النمل: 64 والروم: 11 و 27] وما ~~أشبهها بواو وألف ليقووا بها الهمزة المضمومة، أو على لغة من لا يهمز، ولو ~~كتب كلها بالواو وحدها أو بالألف وحدها لجاز وكتب في «الأنعام» من نبإ ~~المرسلين [الآية: # PageV01P040 # 34] بياء بعد الهمزة، وكذلك في «يونس» تلقاء نفسي [الآية: 15] ، وفي ~~«النحل» وإيتاء ذي القربى [الآية: 90] ، وفي «طه» ومن آناء الليل [الآية: ~~130] ، وفي «حم عسق» أو من وراء حجاب [الشورى: 51] . # وكتب ما في القرآن من كل ذوات الواو بالألف مثل «دعا، عفا، وتلا» إلا ~~دحاها [النازعات: 30] وتلاها [الشمس: 2] ، وضحاها [الشمس: 6] ، وسجى ~~[الضحى: 2] وما زكى [النور: 21] ، وذوات الياء يكتب بالياء مثل «هدى، ورمى، ~~وقضى» إلا أحرفا هي: ومضى مثل الأولين [الزخرف: 8] ، وجنى الجنتين دان ~~[الرحمن: 54] وطغى الماء [الحاقة: 11] ، وأقصا المدينة [القصص: 20 ويس: 20] ~~، وأحيا الناس [المائدة: 32] . وكل ياءين اجتمعتا في كلمة مثل «الدنيا» و ~~«العليا» جعلت الأخيرة ألفا كراهة الجمع بين الياءين إلا في قوله تعالى ~~«يحيي» و «أمات» و «أحيي» في بعض المصاحف. وكتب «الزكوة» و «الحيوة» و ~~«منوة» و «مشكوة» و «بالغدوة» بالواو. وكتب «الصلاة» بالواو إلا في ~~«الأنعام» وهم على صلاتهم يحافظون [الآية: 92] إن صلاتي ونسكي [الآية: 162] ~~، وفي «الأنفال» وما كان صلاتهم [الآية: 35] ، وفي أول «المؤمنين» في ~~صلاتهم خاشعون [الآية: 2] ، وفي «المعارج» على صلاتهم دائمون [الآية: 23] ، ~~وفيها [سورة المعارج] على صلاتهم يحافظون [الآية: 34] ، وفي «أرأيت» عن ~~صلاتهم ساهون [الماعون: 5] . وكتب فإذا لا يؤتون الناس نقيرا [النساء: 53] ~~، وليكونا من الصاغرين [يوسف: 32] ، ولنسفعا بالناصية [العلق: # 15] ، بالألف والوقوف عليها بالألف. وكتب في «البقرة» واخشوني ولأتم ~~[الآية: 150] بالياء، وفي «المائدة» واخشون اليوم [الآية: 3] واخشون ولا ~~[الآية: 44] بغير ياء. # وكتب في «يوسف» ومن اتبعني وسبحان الله [الآية: 108] بالياء، وفي ms0039 «آل ~~عمران» ومن اتبعن وقل [الآية: 20] بغير ياء. وكتب في «سبحان الذي» لئن ~~أخرتن [الآية: 10] بغير ياء وفي المنافقون لولا أخرتني بالياء. وكتب في ~~يوسف ما نبغي [الآية: 65] بالياء، وفي «الكهف» ما كنا نبغ [الآية: 64] بغير ~~ياء، وفي «هود» يوم يأت لا تكلم [الآية: 105] بغير ياء، وفي «النحل» يوم ~~تأتي كل نفس [الآية: 111] بالياء، وفي «الدخان» يوم تأتي السماء [الآية: ~~10] بالياء. وفي «الأنعام» وقد هدان [الآية: 80] بغير ياء، وإنني هداني ~~[الآية: 161] بالياء، وفي «الأعراف» ثم كيدون [الآية: 195] بغير ياء، وفي ~~«هود» فكيدوني جميعا [الآية: 55] بالياء. وفي «هود» فلا تسئلن [الآية: 46] ~~بغير ياء، وفي «الكهف» فلا تسئلني [الآية: 70] بالياء. وفي # PageV01P041 # «الكهف» أن يهدين ربي [الآية: 34] بغير ياء، وفي «القصص» أن يهديني سواء ~~السبيل [الآية: 22] بالياء. وفي «طه» فاتبعوني وأطيعوا أمري [الآية: 90] ~~بالياء، وفي «الزخرف» واتبعون هذا [الآية: 61] بغير ياء. وكذلك في «المؤمن» ~~وفي «الأعراف» فهو المهتدي [غافر: 38 والأعراف: 178] بالياء، وفي «سبحان ~~الذي» وسورة الكهف فهو المهتد [الإسراء: 97 والكهف: 17] بغير ياء. وفي ~~«إبراهيم» قل لعبادي الذين آمنوا [الآية: 31] بالياء، وفي «الزمر» فبشر ~~عباد الذين [الآية: 17] بغير ياء. # وكتب «الذي» و «الذين» بلام واحدة، و «اللذان» و «اللذين» بلامين. وكتب ~~«جزاء» بغير واو، و «هزوا» و «كفوا» بالواو. وكتب بين المرء [البقرة: 152 ~~والأنفال: 24] ، وجزء مقسوم [الحجر: 44] ، ويخرج الخبء [النمل: 25] ، وملء ~~الأرض [آل عمران: 91] ، ودف [النحل: 5] بإسقاط الهمزة. # ومن غرائب الهجاء ونوادره ما كتب في «الفرقان» وعتوا عتوا كبيرا [الآية: ~~21] بغير ألف، وفي «سبأ» والذين سعوا [الآية: 5] بغير ألف، وفي «الحشر» ~~والذين تبوؤا الدار [الآية: 9] بواوين من غير ألف، وفي «المعصرات» نت ترابا # [النبأ: 40] بغير ألف، وفي «القلم» بأيكم المفتون [الآية: 6] بياءين، وفي ~~«آل عمران» أفإن مات [الآية: 144] بالياء، وفي «الأنبياء» أفإن مت [الآية: ~~34] بغير ياء. وكتب اثاقلتم [التوبة: 38] ونحوه بالألف. وكتب فادارأتم ~~[البقرة: 72] ليس بين الدال والراء، ولا بين الراء والتاء، ألف في جميع ~~المصاحف. وكتب في «الحاقة» لبيان الحركة كتابيه [الآية: 19] وحسابيه ~~[الآيتان: 20 و 26] وماليه [الآية: 28] وسلطانيه [الآية: ms0040 # 29] ، وفي «القارعة» ما هيه [الآية: 10] بإثبات الهاء. واختلف في لم ~~يتسنه [البقرة: 259] وفبهداهم اقتده [الأنعام: 90] أن الهاء فيها لبيان ~~الحركة أو لغير ذلك. # وكتب في سورة النساء فمال هؤلاء القوم [الآية: 78] ، وفي «الكهف» مال هذا ~~الكتاب [الآية: 49] ، وفي «الفرقان» مال هذا الرسول [الآية: 7] ، وفي ~~«المعارج» فمال الذين كفروا [الآية: 36] باللام مع «ما» مقطوعة عما بعدها. # واعلم أن هجاء المصحف كثير وقد ذكرنا منها ما هو أنفع للقارىء وأكثر ~~فائدة. وأما الحركات كلها فقد راعيناها إلا ما شاء الله في كتابة متن ~~القرآن من هذا الكتاب كما بلغنا عمن تقدمنا من السلف الصالحين والعلماء ~~المتقين ورووا أنهم وجدوها في الإمام كذلك، وستراها في مواضعها إن شاء ~~الله. وإنما كتبت هذه الحروف بعضها خلاف بعض وفي الأصل واحدة، لأن الكتابة ~~بالوجهين كانت جائزة عندهم فكتبوا بعضها على وجه وبعضها # PageV01P042 # على وجه آخر جمعا بين المذهبين، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل. وكل ما ~~كتب في المصحف على أصل لا يقاس عليه غيره من الكلام، لأن القرآن يلزمه ~~لكثرة الاستعمال ما لا يلزم غيره. واتباع المصحف في هجائه واجب ومن طعن في ~~شيء من هجائه فهو كالطاعن في تلاوته لأنه بالهجاء يتلى، والفائدة للقارىء ~~في معرفته أن يكون على يقين أن الذي يقرأ هو القرآن الذي أنزله الله على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بلا خلل فيه من جهة من الجهات. وقال جماعة من ~~الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في ~~خط المصحف فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم ~~غيره فما كتب شيئا من ذلك إلا العلة لطيفة وحكمة بليغة، وإن قصر عنها ~~رأينا. ألا ترى أنه لو كتب على صلواتهم وان صلواتك بالألف بعد الواو أو ~~بالألف من غير واو لما دل ذلك إلا على جه واحد وقراءة واحدة؟ وكذلك وسيعلم ~~الكفار لمن ms0041 عقبى الدار وكتب وسيعلم الكفار بغير ألف قبل الفاء ولا بعدها ~~ليدل على القراءتين والله تعالى أعلم. # PageV01P043 ### | المقدمة الثامنة في أقسام الوقف # الوقف قطع الكلمة اسما أو فعلا أو حرفا عما بعدها ولو فرضا، وله عند أكثر ~~الأئمة خمس مراتب: لازم، ومطلق وجائز، ومجوز لوجه، ومرخص ضرورة. # فاللازم من الوقف ما لو وصل طرفاه غير المرام وشنع الكلام، كقوله تعالى: ~~وما هم بمؤمنين [البقرة: 8] إذ لو وصل بقوله يخادعون الله [البقرة: 9] صارت ~~الجملة صفة «للمؤمنين» ، فانتفى الخداع عنهم وتقرر الإيمان خالصا عن ~~الخداع، كما تقول: ما هو بمؤمن مخادع. ومراد الله جل ذكره نفي الإيمان ~~وإثبات الخداع. وفي نظائر ذلك كثرة يوصلك المرور بها إلى العثور عليها. # والمطلق ما يحسن الابتداء بما بعده كالاسم المبتدأ به، نحو الله يجتبي ~~إليه من يشاء [الشورى: 13] وكالفعل المستأنف مع السين، نحو سيقول السفهاء ~~[البقرة: # 142] سيجعل الله بعد عسر يسرا [الطلاق: 9] وبغير السين، نحو يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا [النور: 55] إلى غير ذلك من النظائر. # والجائز ما يتجاذب فيه طرفا الوصل والوقف، مثل وما أنزل من قبلك [النساء: # 60] ، لأن واو العطف تقتضي الوصل، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم ~~فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة. # والمجوز لوجه، مثل أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة [البقرة: ~~86] لأن الفاء في قوله فلا يخفف عنهم [البقرة: 86] والتعقيب يتضمن معنى ~~الجواب والجزاء وذلك يوجب الوصل. إلا أن نظم الفعل على الاستئناف يرى للفصل ~~وجها. # والمرخص ضرورة، ما لا يستغني ما بعده عما قبله، لكن يرخص الوقف ضرورة ~~انقطاع النفس لطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود، لأن ما بعده جملة ~~مفهومة، كقوله والسماء بناء [البقرة: 22] لأن قوله «وأنزل» لا يستغني عن ~~سياق الكلام فإن فاعله # PageV01P044 # ضمير يعود إلى الصريح المذكور قبله. غير أنها جملة مفهومة لكون الضمير ~~مستكنا، وإن كان لا يبرز إلى النطق. وأما ما لا يجوز الوقف عليه ففي مواجبه ~~ومواقعه كثرة. وسيتلى عليك مواقع الفصل والوصل في جميع القرآن مع علل ذلك ~~مفصلة إن شاء الله تعالى. # وبعضهم ms0042 قسم مراتب الوقوف إلى ثلاث: التام، والكافي، والحسن. ولا مشاحة في ~~الاصطلاحات بعد رعاية المعنى. وليكن علامة اللازم «م» وعلامة المطلق «ط» ~~والجائز «ج» ، والمجوز «ز» والمرخص «ص» ، وما لا وقف عليه فعلامته «لا» ~~وعلامة الآية دائرة صغيرة هكذا «ه» . وإنما التزمنا إيراد هذه الوقوف لدقة ~~مسلكها وبلوغها في الغموض إلى حيث قصروا البلاغة على معرفة الفصل والوصل، ~~إلا أن ذلك بحسب الصياغة وما نحن فيه بطرق الصناعة وكل منهما تابع لارتباط ~~المعنى بالمعنى وانفصاله عنه بالكل أو بالبعض. # وسيتلى عليك تفاصيلها وبالله التوفيق. # PageV01P045 ### | المقدمة التاسعة في تقسيمات يعرف منها اصطلاحات مهمة # اللفظ إما أن يعتبر دلالته على تمام مسماه، أو على جزء مسماه، أو على ~~لازمه الذهني. الأول: دلالة مطابقة كدلالة البيت على مجموع الحائط والسقف، ~~والثاني: دلالة تضمن كدلالة البيت على السقف أو الحائط والثالث: دلالة ~~الالتزام كدلالة السقف على الحائط. والدلالة الأولى وضعية صرفة، والباقيتان ~~بمشاركة من الوضع والعقل. # تقسيم آخر: اللفظ إما أن يقصد بجزء منه دلالة على جزء معناه، وهو المركب، ~~كعبد الله غير علم أو لا يقصد، وهو المفرد، ويشمل ما لا جزء له أصلا، مثل ق ~~علما، وما كان له جزء ولكن لا يدل على معنى أصلا، نحو زيد وما كان له جزء ~~دال على معنى لكن لا في ذلك المسمى، نحو: أسد الله علما لشخص إنساني، وما ~~له جزء دال على معنى في ذلك المسمى لكنه لم يقصد، مثل عبد الله علما له. # تقسيم آخر: اللفظ المفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة ~~أقسام: # الأول: اللفظ واحد والمدلول واحد. الثاني: مقابل ذلك أي اللفظ كثير ~~والمعنى كثير. # الثالث: اللفظ واحد والمعنى كثير. الرابع: عكسه المعنى واحد واللفظ كثير. # فالأول: إن اشترك في مفهومه كثيرون مجردا عن سبب من خارج فهو الكلي، ~~ويقال له اسم الجنس وهو أقسام ستة، لأنه إما موجود أو معدوم. والموجود إما ~~واحد أو كثير. # والواحد إما أن يكون مثله ممكنا كالشمس، أو غير ممكن كالإله. والكثير إما ~~متناه ms0043 كالكواكب، أو غير متناه كالعدد. والمعدوم إما ممكن الوجود في الخارج ~~كجبل من ذهب، أو غير ممكن كشريك الإله. وعلى التقادير، فإن تفاوت وقوعه على ~~أفراده بأن يكون لبعضها أولى أو أول أو أشد، كالوجود للخالق والمخلوق فإن ~~وقوعه على الخالق أول وأولى وأشد، وكالأبيض على الثلج والعاج فإن وقوعه على ~~الثلج أشد. فاللفظ مشكك لأنه يشكك بالنسبة إلى السامع في أنه متواطىء نظرا ~~إلى اشتراك الكل في أصل المعنى، أو # PageV01P046 # مشترك نظرا إلى اختلافها في ذلك. وإن لم يكن في وقوعه تفاوت فمتواطئ، ~~كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فإن كلها متوافقة في الإنسانية مستوية فيها. ~~وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون فهو الجزئي: علم إن استقل في الدلالة بحيث ~~لا يحتاج إلى أمر ينضم إليه من قرينة التخاطب والتكلم وتقدم الذكر ولام ~~العهد والإشارة، مضمر، إن احتاج إلى إحدى القرائن الثلاث الأول، ومبهم إن ~~احتاج إلى شيء من الباقيتين. والعلم إما اسم كإبراهيم وموسى وعيسى، وإما أن ~~يكون لقبا اشتهر المسمى به مدحا أو ذما كإسرائيل، أو كنية ويختص بما في ~~أوله الأب أو الأم أو البنت أو الابن نحو: أبي لهب، وأم القرى، وابنة ~~عمران، وابن مريم. وقد يكون العلم علما لجنس بأسره بحيث لا يكون بعض أفراده ~~الخارجة أولى بذلك من بعض، لكونه للحقيقة الذهنية ليس فيها معنى الاستغراق ~~ولا الوحدة الخارجية. وإذا أطلق على فرد من أفراده الخارجية، نحو هذا أسامة ~~مقبلا، فليس ذلك بالوضع بل لمطابقة الحقيقة الذهنية لكل فرد خارجي مطابقة ~~كل كلي طبيعي لجزئياته. فهذه تمام أقسام القسم الأول، وهو أن اللفظ واحد ~~والمعنى واحد. # الثاني: من الأربعة متباينة، كالإنسان والفرس. # الثالث: إن كان اللفظ حقيقة للمتعدد من مدلولاته بأن كان موضوعا للجميع ~~فمشترك، وإلا فمنقول إن نقل من الموضوع له إلى معنى آخر لعلاقة واشتهر فيه: ~~عرفي إن كان الناقل هو العرف العام، واصطلاحي إن كان العرف الخاص، وشرعي إن ~~كان الشرع. # وإلا فبالنسبة إلى المنقول عنه حقيقة، وبالنسبة إلى المنقول إليه مجاز ms0044 إن ~~انتقل من الملزوم إلى اللازم، وكناية إن كان العكس، وإن نقل لا لعلاقة ~~فمرتجل. # الرابع: من الأقسام: مترادفة، كالليث والأسد. # ولا يخفى أن القسمين الأولين والقسم الرابع ثلاثتها نصوص في معناها أما ~~الأول فلاتحاد المعنى الموجب لعدم احتمال الغير وهو معنى النص. وأما ~~المتكثر في اللفظ والمعنى، فلأنه حينئذ يكون لكل معنى لفظ فيتحد المعنى فلا ~~يحتمل اللفظ غير ذلك. وأما الرابع فلاشتراط الاتحاد في المعنى. وأما القسم ~~الثالث، وهو أن اللفظ واحد والمعنى كثير، فينقسم إلى مجمل وظاهر ومؤول لأن ~~اللفظ بالنسبة إلى تلك المعاني إن كان متساوي الدلالة فهو المجمل وبإزائه ~~المبين، وإن كانت متفاوتة فالراجح هو الظاهر والمرجوح هو المؤول. # فالأول كقول تعالى ثلاثة قروء [البقرة: 228] ، فإن دلالة القرء بالنسبة ~~إلى الطهر والحيض على السواء. # PageV01P047 # والثاني نحو أقيموا الصلاة [الأنعام: 72] فإن الأمر كما يحتمل الوجوب ~~يحتمل الندب، والصلاة كما يحتمل ذات الأركان يحتمل الدعاء، إلا أن الأمر ~~بالنسبة إلى الوجوب راجح، والصلاة بالنسبة إلى الهيآت المخصوصة راجحة. # والثالث نحو يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] فإن اليد تحتمل القدرة ~~والجارحة لكنها بالنسبة إلى القدرة مرجوحة فالرجحان مشترك بين النص والظاهر ~~ويسمى بالمحكم، وعدم الرجحان مشترك بين المجمل والمؤول ويشملهما المتشابه. ~~والنص يمتاز عن الظاهر بأنه لا يحتمل الغير، والظاهر يحتمله احتمالا ~~مرجوحا، والمجمل يتميز بكونه غير مرجوح، والمؤول مرجوح، والتأويل اشتقاقه ~~من آل يؤول أي رجح. وفي الاصطلاح، كما تقرر، حمل الظاهر على المحتمل ~~المرجوح فيشمل التأويل الفاسد والتأويل الصحيح فإن أريد التأويل الصحيح فقط ~~فقد زيد في الرسم بدليل يصيره راجحا أي بحسب ذلك الدليل وإن كان مرجوحا ~~بحسب مفهوم اللفظ وضعا أو عرفا كما قلنا في اليد بمعنى القدرة. # وإذا عرفت الأقسام الأربعة بأسرها فنقول: كل منها قد يكون مشتقا إن وجد ~~له أصل يرجع إليه كالموجود والضارب بالإضافة إلى الوجود والضرب فإن معنى ~~الاشتقاق أن تحد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى ~~الآخر. وقد يكون غير مشتق إن فقد له أصل ms0045 كالوجود والإنسان. وغير المشتق صفة ~~إن دل على معنى قائم بالذات كالعلم والكتابة، وغير صفة إن لم يدل كالجسم ~~مثلا. # تنبيه: العلاقة المعتبرة في المجاز إنما تقع بحكم الاستقراء على نيف ~~وعشرين وجها منها الاشتراك في صفة ظاهرة كالأسد على الرجل الشجاع لا على ~~الأبخر لخفاء ذلك. وهذا معظم أنواع المجاز لأنه إطلاق اسم الملزوم على ~~اللازم. وأكثر المجازات بل جميعها يرجع إلى ذلك. ومنها الاشتراك في الشكل ~~كالإنسان للصورة المنقوشة. ومنها كونه آئلا إلى ذلك كالخمر للعصير، أو ~~كائنا عليه كالعبد على من أعتق. ومنها المجاورة مثل جرى الميزاب إذ الجاري ~~في الحقيقة هو الماء لا الميزاب المجاور له. ومنها إطلاق اسم الحال على ~~المحل مثل وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون [آل ~~عمران: 107] أي في الجنة لأنها محل الرحمة. ومنها عكسه # كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك» # أي أسنانك، إذ الفم محل الأسنان. ومنها إطلاق اسم السبب على المسبب # كقوله صلى الله عليه وسلم: «بلوا أرحامكم ولو بالسلام» # أي صلوها فإنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل بالنداوة استعار صلى الله عليه ~~وسلم البل للوصل. # ومنها عكس ذلك كقولهم للخمر إثم، ليكون الإثم مسببا عنها. ومنها إطلاق ~~الكل على الجزء، نحو يجعلون أصابعهم في آذانهم [البقرة: 19] أي أناملهم. ~~ومنها العكس نحو # PageV01P048 # كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] أي ذاته. ومنها اسم المطلق على المقيد ~~كقوله: # فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس قبل اليوم يلتقيان # أي قبل يوم القيامة. ومنها العكس كقول شريح: أصبحت ونصف الخلق علي غضبان، ~~يريد المحكوم عليهم وظاهر أنهم ليسوا النصف سواء. ومنها اسم الخاص على ~~العام كقوله سبحانه وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] أي رفقاء له تعالى. ~~ومنها العكس، كقوله سبحانه حكاية عن محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أول ~~المسلمين [الأنعام: 163] لأن الأنبياء قبله كانوا كذلك. ومنها كون المضاف ~~محذوفا نحو وسئل القرية [يوسف: 82] ومنها كون المضاف إليه محذوفا كقوله: ~~«أنا ابن جلا وطلاع الثنايا» . أي ms0046 أنا ابن رجل جلا. # ومنها إطلاق اسم آلة الشيء عليه مثل واجعل لي لسان صدق [الشعراء: 84] أي ~~ذكرا حسنا، لأن اللسان آلة الذكر. ومنها إطلاق اسم الشيء على بدله، كما ~~يقال: فلان أكل الدم، أي ديته قال: «يأكلن كل ليلة إكافا» . أي ثمن إكاف. ~~ومنها إطلاق النكرة للعموم كقوله عز من قائل علمت نفس ما أحضرت [التكوير: ~~14] أي كل نفس. ومنها إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر مثل وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها [الشورى: 40] إذ جزاء السيئة حسنة، ومنه قولهم: قاتله الله ما أحسن ~~ما قال، يريدون الدعاء له. ومنها إطلاق المعرف باللام وإرادة واحد منكر ~~كقوله تعالى ادخلوا الباب سجدا [النساء: 154] ، أي بابا من أبوابها وسيجيء. ~~ومنها الحذف نحو يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] ، أي لئلا تضلوا. # ومنها الزيادة نحو ليس كمثله شيء [الشورى: 11] . # واعلم أن المجاز بالحقيقة فرع من فروع التشبيه لأنك إذا قلت: زيد أسد، ~~فكأنك قلت: زيد كالأسد في الجراءة، فيستدعي مشبها ومشبها به ووجه شبه ~~بينهما. # والمشبه والمشبه به قد يكونان حسيين كقولك: خده كالورد أو عقليين كالعلم ~~إذا شبه بالحياة أو أحدهما محسوسا والآخر معقولا كالعطر إذا شبه بخلق كريم، ~~أو كالعدل إذا شبه بالقسطاس، والخياليات كالشقيق إذا شبه بأعلام ياقوت ~~منشرة ملزوزة في قرن، والوهميات في قولك: نطقت الحال بشيء هو لها شبيه ~~باللسان، فإنه صورة وهمية محضة. # وكذا الوجدانيات كاللذة والألم والشبع والجوع ملحقة بالعقليات. # ووجه التشبيه إما أن يكون أمرا واحدا أو لا، وحينئذ إما أن لا يكون في ~~حكم الواحد كما إذا شبهت إنسانا بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن وعلو ~~الرتبة، أو يكون. وذلك # PageV01P049 # لكونه إما حقيقة ملتئمة من أوصاف، كسقط النار إذا شبه بعين الديك في ~~الهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكروي والمقدار المخصوص، وإما أوصافا ~~مقصودا من مجموعها هيئة واحدة كقوله: # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # فليس المراد تشبيه النقع بالليل ثم تشبيه السيوف بالكواكب، إنما المراد ~~تشبيه الهيئة الحاصلة من النقع الأسود ms0047 والسيوف البيض حال كون السيوف ~~متفرقات فيه، بالهيئة الحاصلة من الليل المظلم والكواكب المشرقة في جوانب ~~منه. ويسمى هذا تشبيه المركب بالمركب. # ومتى كان وجه التشبيه وصفا غير حقيقي وكان منتزعا من عدة أمور خص باسم ~~التمثيل كما في قوله عز من قائل: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا الآية ~~[البقرة: 17] وسيجيء تفسيرها. # ثم إن التشبيه التمثيلي إذا فشا استعماله على سبيل الاستعارة لا غير سمي ~~مثلا، كقولك لمن تردد في أمر: يقدم رجلا ويؤخر أخرى. وذلك أن الاستعارة هي ~~أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبه في جنس ~~المشبه به، دالا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخص المشبه به، كما تقول: في ~~الحمام أسد، وأنت تريد به الشجاع مدعيا أنه من جنس الأسد، فتثبت للشجاع ما ~~يخص المشبه به وهو اسم جنسه، أعني الأسد مع سد طريق التشبيه بإفراده في ~~الذكر، لأن التشبيه لا بد له من طرفين: مشبه ومشبه به. # فإذا أفردت بالذكر أحدهما فكأنك قد سددت طريق التشبيه. # فإذن الاستعارة نوع من المجاز لأن المستعار له، وهو زيد مثلا في قولك: ~~زيد أسد، يبرز في معرض المستعار منه، وهو الأسد، نظرا إلى الدعوى. وهذا شأن ~~العارية. وإنما جرأهم على الدعوى ما رأوا بينهما من الاشتراك في اللازم وهو ~~الشجاعة. والاستعارة في نحو: عندي أسد، إذا لم تعقب بصفات ملائمة أو تفريع ~~كلام لا تكون مجردة ولا مرشحة لفقد موضوعي التجريد والترشيح. وإنما يلحقها ~~التجريد والترشيح إذا عقبت بذلك. فمتى عقبت بصفات ملائمة للمستعار له سميت ~~مجردة، نحو: ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة: وإذا عقبت بصفات ملائمة ~~للمستعار منه سميت مرشحة، نحو: ساورت أسدا وافي البراثن هصورا. # وقد بقي من الاصطلاحات قولهم: هذا عام أو خاص أو مطلق أو مقيد. فالعام: ~~ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة. فقولنا «ما دل» ليشمل ~~العموم باللفظ # PageV01P050 # والمعنى جميعا، فإن العموم من عوارض المعاني أيضا حقيقة، كقولهم: عم ~~المطر والخصب، وكذلك المعنى الكلي ms0048 كالإنسان لشموله الجزئيات التي تحته. ~~وقولنا «على مسميات» ليخرج المسمى وليدخل في العام المعدوم والمستحيل، إذ ~~لو قلنا «على أشياء» لخرجا بناء على أنهما ليسا بشيء: وقولنا «باعتبار أمرا ~~اشتركت تلك المسميات فيه» ليخرج نحو عشرة وغيرها من أسماء العدد النكرات، ~~فإنها وإن دلت على مسميات هي آحادها لكن لا باعتبار أمر اشتركت هي فيه بل ~~باعتبار وضع اسم العدد للمجموع. وكذا الكلام في كل ذي أجزاء حسية أو عقلية. ~~وقولنا «مطلقا» ليخرج الرجال المعهودون فإنها بقرينة العهد، و «ضربة» ~~احتراز من نحو رجل فإنه وإن دل على مسميات باعتبار كون كل منها ذكرا من بني ~~آدم مطلقا، لكن لا دفعة بل على سبيل البدل. ولهذا يخرج نحو رجال. # إذا تأملت فهذا حد العام والخاص بخلافه، وهو ما دل لا على مسميات إلى ~~آخره. # فمن صيغ العموم أسماء الشرط والاستفهام مثل «من وما» ، والموصلات نحو ~~«الذي والتي» ، والجموع المعرفة تعريف جنس ك «الرجال والمسلمات» والجموع ~~المضافة نحو «عبيدي أحرار» ، واسم الجنس المضاف أو المعرف تعريف الجنس مثل ~~«غلامي والغلام» ، والنكرة في سياق النفي نحو ما في الدار أحد. والتخصيص ~~قصر العام على بعض مسمياته. # وقد يطلق التخصيص أيضا على قصر اللفظ على بعض ما يتناوله وإن لم يكن ذلك ~~اللفظ عاما. كما يطلق عليه أيضا أنه عام لتعدده وتكثره وإن لم يكن من صيغ ~~العموم كعشرة والمسلمين للمعهودين، وكضمائر الجمع. ولا يستقيم تخصيص إلا ~~فيما يستقيم توكيده بكل لكونه ذا أجزاء يصح افتراقها حسا أو حكما، إلا ~~النكرة مثل قوله تعالى تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] ونحو: جاءني رجال ~~كرماء. # والمخصص أحد أربعة أشياء: الأول الاستثناء ب «إلا» ونحوها. والثاني ~~الشرط، وهو ما يتوقف تأثير المؤثر عليه لا وجوده كالإحصان، فإنه يتوقف عليه ~~اقتضاؤه الرجم لا وجود الزنا. والثالث الصفة، مثل فتحرير رقبة مؤمنة ~~[النساء: 92] والرابع الغاية نحو أتموا الصيام إلى الليل [البقرة: 187] هذا ~~هو التخصيص بالمتصل. وقد يخص بالمنفصل وذلك إما العقل كقوله تعالى الله ~~خالق كل شيء [الرعد: 16 ms0049 والزمر: 62] وإما الحس نحو: أوتيت من كل شيء. وإما ~~الدليل السمعي كقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: ~~228] خصصته الآية الأخرى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] ~~ويوصيكم الله في أولادكم [النساء: 11] خصصه # قوله صلى الله عليه وسلم: «القاتل لا يرث» . # PageV01P051 # والمطلق هو اللفظ الدال على الماهية، من حيث هي هي. ويلزم منه تمكن ~~المأمور من الإتيان بفرد منها، أي فرد كان، لأنه لا يمكن الإتيان بالماهية ~~إلا بالإتيان بفرد منها. # وذلك إما في معرض الأمر مثل: أعتق رقبة، أو مصدر الأمر كقوله تعالى ~~فتحرير رقبة [النساء: 92] أو الإخبار عن المستقبل مثل سأعتق رقبة. ولا ~~يتصور الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، مثل رأيت رجلا، ضرورة تعينه ~~بإسناد الرؤية إليه. # والمقيد بخلاف المطلق فهو لفظ دال على مدلول غير شائع في جنسه فيدخل فيه ~~الدال على المتعين مطلقا، نحو زيد وهذا الرجل وأنا وأنت، والدال على الشائع ~~لا في جنسه بل في أفراده كالعام فهو مقيد لغة لا اصطلاحا. ويطلق المقيد على ~~ما أخرج من شياع بوجه بأن يذكر الدال على الماهية بوصف زائد عليها ك رقبة ~~مؤمنة [النساء: 92] ، فإنها، وإن كانت مطلقة في جنسها من حيث هي رقبة ~~مؤمنة، إلا أنها مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقبة، فهي مطلقة من وجه ومقيدة ~~من وجه. وتقييد المطلق شبيه بتخصيص العام. فيجوز التقييد بالمتصل، استثناء ~~كان أو صفة أو شرطا أو غاية أو بدل بعض، وبالمنفصل، عقلا كان أو نقلا كتابا ~~وسنة. # وتقسيم آخر: التركيب المفيد، أعني الكلام، قسمان: أحدهما الذي يحتمل أن ~~يقال لقائله صدقت أو كذبت من حيث ذات التركيب لا من أمر خارج عن ذات ~~التركيب. ويقال له الخبر. وإذا بلغ رواة الخبر مبلغا أحال العقل تواطؤهم ~~على الكذب فهو متواتر، وإلا فخبر الواحد. والثاني ما لا يحتمل ذلك، ويقال ~~له الطلب. والأول عبارة عن الجمل الأربع: الاسمية والفعلية والشرطية ~~والظرفية. والثاني نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول وهو ~~التمني. ونوع يستدعي في مطلوبه ذلك. ms0050 ثم إن كان طلب فعل فأمر، وإن كان طلب ~~ترك فنهي. وإن كان طلب فهم فاستفهام. وإن كان طلب إقبال فنداء. فمتى امتنع ~~إجراء هذه الأبواب على الأصل تولد منها ما ناسب المقام كالاستبطاء والإغراء ~~والتعجب والتوبيخ ونحو ذلك. # تقسيم آخر: الحكم خطاب الله أو من أذن له الله متعلقا بأفعال المكلفين ~~بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. أما التخيير فيراد به الإباحة. وأما ~~الاقتضاء فإما اقتضاء فعل مع امتناع الترك وهو الوجوب، أو مع جواز الترك ~~وهو الندب وإما اقتضاء ترك مع امتناع الفعل، وهو الحظر والتحريم، أو مع ~~جوازه وهو الكراهة وأما الوضع فيراد به ما جعله الشارع بوضعه دليلا على شيء ~~كدلوك الشمس على وجوب الصلاة، أو سببا لشيء كالزنا لوجوب الحد، أو شرطا ~~كالوضوء لصحة الصلاة. # PageV01P052 # وأما الصحة والبطلان أو الحكم بهما فأمر عقلي لا حكم شرعي، لأن صحة ~~العبادات إما كون الفعل مسقطا للقضاء كالفقهاء، وإما موافقة أمر الشرع ~~كالمتكلمين. ولا شك أن العبادات إذا اشتملت على أركانها وشرائطها حكم العقل ~~بصحتها بكل من التفسيرين سواء حكم الشارع بها أو لا. والصحة في المعاملات ~~أيضا حكم عقلي لأنها فيها كون الشيء بحيث يترتب عليه أثر. وإذا كان البيع ~~مشتملا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع حكم العقل بترتب أثره عليه ~~سواء حكم الشرع بها أو لم يحكم. وقس البطلان والفساد على ما قلنا. وكل حكم ~~ثبت على خلاف الدليل لعذر فهو رخصة كحل الميتة للمضطر، والقصر والفطر ~~للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا وإلا فعزيمة. # وإذا عرفت ما ذكرنا من التقسمات لا يخفى عليك المقصود من إيرادها لأن ~~معاني كتاب الله تعالى منها محكم ومتشابه، ومنها مجمل ومبين، ويندرج فيهما ~~المنسوخ والناسخ باعتبار، لأن النسخ بيان انتهاء أمد الحكم الشرعي ومنها ~~عام وخاص، ومنها مطلق ومقيد ومنها أمر ونهي ومنها ظاهر ومؤول ومنها حقيقة ~~ومجاز ومنها تشبيه وتمثيل ومنها كناية وتصريح ومنها الكلي والجزئي، ومنها ~~الخبر والطلب بأقسامهما ومنها الأحكم بأصنافها. ولا ريب أن تصور هذه ~~الاصطلاحات وتذكرها في ms0051 علم التفسير أمر مهم والله أعلم. # PageV01P053 ### | المقدمة العاشرة في أن كلام الله تعالى قديم أولا # ذكر قوم من أئمة الأمة أن كلام الله تعالى قديم بعد أن عنوا بكلامه هذه ~~الحروف المنتظمة المسموعة أما أن كلامه تعالى هو هذه الحروف فلقوله تعالى ~~وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله [التوبة: 6] . ~~ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف. وأما أنها قديمة فلأن الكلام صفة ~~الله تعالى، ومن المحال قيام الحادث بالقديم. وأيضا كل حادث متغير والتغير ~~على ذات الله تعالى وصفاته محال. وزعم قوم أن الكلام المؤلف من الحروف ~~والأصوات يمتنع أن يكون قديما بالبديهة وكيف لا وإنها أصوات تحدث قارئها ~~يئا بعد شيء فلو قلنا: إنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة ~~الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى، وحالة في بدن هذا الإنسان وهذا ~~معلوم الفساد. وجمع قوم بين المذهبين فقالوا: للشيء وجود في الأعيان، ووجود ~~في الأذهان، ووجود في العبارة، ووجود في الكتابة. فللقرآن وجود عيني وهو ~~القائم بذات الله تعالى، وأنه قديم لا محالة لا يتطرق إليه شيء من سمات ~~النقص ووجود ذهني كالحافظ للقرآن، ووجود في العبارة وهو على لسان القارئ ~~ووجود كتابي وهو المثبت في المصاحف. ولا ريب أن القرآن من حيثيات هذه ~~الوجودات حادث بل القرآن إنما يطلق على المحفوظ والمتلو والمكتوب بالمجاز ~~من حيث إنها دالة على الكلام القائم بذات الله تعالى. # واعلم أنه لا برهان على أن كل صوت فإنه يقوم بجسم ولا على أن كل حرف ~~فإنما يقدر عليه ذو جارحة بل لعل في ذلك الشاهد فقط. فالكلام للقديم كمال ~~قديم نطق وسمع وبصر ولا آلة ولا جارحة كما أنه إدراك وعلم من غير ما قوى ~~وعضو، ومن لم يدركه كما ينبغي لم يدرك إدراكه كما ينبغي فلا يلومن إلا ~~نفسه. كلامه كتاب، وكتابه صواب، وقوله فصل، وحكمه عدل، ونوره ظهور، ووجوده ~~شهود، وعيانه بيان، والكفر بما سواه إيمان كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ~~ذو ms0052 الجلال والإكرام [الرحمن: 26 و 27] . # PageV01P054 ### | المقدمة الحادية عشرة في كيفية استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة # إذا شرعنا مثلا في تفسير قول القائل «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ~~فههنا مباحث لفظية ومباحث معنوية. # أما اللفظية فمنها ما يتعلق بالقراءة، ومنها ما يتعلق باللغة، ومنها ما ~~يتعلق بعلم الاشتقاق، ومنها ما يتعلق بعلم الصرف، ومنها ما يتعلق بالنحو، ~~ومنها ما يتعلق بعلم البديع أعني المحسنات اللفظية. # وأما المعنوية فمنها ما يتعلق بالمعاني، ومنها ما يتعلق بالبيان، ومنها ~~ما يتعلق بالاستدلال، ومنها ما يتعلق بأصول الدين، ومنها ما يتعلق بأصول ~~الفقه، ومنها ما يتعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بعلم الأحوال. # أما القراءة فكما مر. وأما اللغة فإذا قلنا العوذ كذا، واسم الله معناه ~~كذا والشيطان كذا، والرجيم كذا، والباء ومن واللام معانيها هاهنا كذا، فكل ~~واحد منها مسألة. وأما الاشتقاق فإن اعتبرنا الاشتقاق الكبير وقلنا: إن ~~التراكيب الستة الممكنة من ع وذ هل هي مستعملة أو مهملة؟ وكذا كل من تراكيب ~~ال ش ط ن، أو ش ي ط، ومن تراكيب ر ج م، وإذا كانت مستعملة، فأصل المعنى في ~~كل من المستعملات كيف يعتبر فيحصل مسائل كثيرة، وإن اعتبرنا الاشتقاق ~~الصغير فهل للعوذ معنى آخر غير الالتجاء وإن كان فما له الاشتراك بينهما أي ~~شيء هو؟ فيحصل مسائل. # وأما الصرف فكأن نقول: «أعوذ» فعل مضارع متكلم وأصله أعوذ مثل أطلب، نقلت ~~الضمة من الواو إلى ما قبلها تخفيفا. والله أصله الإله كالناس أصله الإناس ~~فعال بمعنى مفعول، نقلت الكسرة من الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة للتخفيف ~~فاجتمعت لامان فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية. وقالوا: يا الله، في ~~النداء خاصة بالقطع لأنها كالعوض من المحذوفة، فكأنك قلت: يا إله. وقيل: ~~أصله لاه، ألحقوا بها الألف واللام وأنشدوا: # PageV01P055 # كحلفة من أبي رياح ... يسمعها لاهه الكبار # ولو عد هذه المسألة من اللغة جاز، لأنها غير قياس. والشيطان فعلان أو ~~فيعال، والرجيم فعيل بمعنى مفعول، وكلاهما للمبالغة. فهذه مسائل. # وأما النحو ف «أعوذ» فعل فاعله ms0053 ضمير المتكلم المستتر وهو أنا، والمجموع ~~جملة فعلية. وبالله متعلق به. وكذا من الشيطان الرجيم، نحو سرت من البصرة ~~إلى الكوفة. # والرجيم صفة للشيطان معرف مثله، وشيطان منصرف لأنه اسم جنس لا علم. فهذه ~~مسائل. # وأما البديع فأن نقول: إنما اختير الرجيم دون اللعين أو المرجوم مثلا ~~ليوافق الفاصلة الأخرى وهو الرحيم إذا ابتدأ القارئ بعد الاستعاذة ~~بالبسملة، وهو الأكثر، مع أن أول القرآن أيضا البسملة واعتبار الاستعاذة ~~هاهنا أولى ليكون تجنيسا خطيا وترصيعا. # وأما المعاني فأن نقول: إنما اختير المضارع على الماضي ليدل على ~~الاستمرار والدوام. أي: شأني أني أعوذ، كقولك: يشرب الخطيب. وإنما لم يقل: ~~أنا أعوذ وأنا عائذ، وإن كانت الجملة الاسمية تدل على الثبات، لأن المراد ~~أني على تجدد هذا القول مني لحظة فلحظة ثابت مستمر، لا أن عوذي مستمر. ~~ويمكن أن يقال: المراد أني أعوذ في حال القراءة لقوله تعالى فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ [النحل: 98] فتعين إيراد لفظ المضارع لأنه مشترك بين الحال ~~والاستقبال. وإنما لم يقل «بالله أعوذ» ليفيد الحصر، كما يقال في «بسم الله ~~أبتدىء» لأن الاستعاذة هاهنا أهم امتثالا للأمر، ولأنه لا يعوذ إلا ~~بالانقطاع عن الغير والتبري عن سوى الحق جل ذكره، فلا حاجة إلى التخصيص ~~ولأنه موافق لما ورد في القرآن فاستعذ بالله [النحل: 98] . وإنما اختير اسم ~~«الله» لأنه كالعلم والمقام مقام إحضار له في ذهن السامع بعينه ليكون أدل ~~على انقطاعه عما سواه. وإنما ذكر «الشيطان» معرفا باللام الجنسي ليدل على ~~هذه الحقيقة التي هي مادة كل شر، ويشمل كل فرد منها ضرورة وجود الحقيقة في ~~أي فرد يفرض. ولو أريد العهد أيضا جاز كما مر. ولو نكرت بأن قلت: «من شيطان ~~رجيم» لم يفد العموم وإن قلت: «من كل شيطان» لأطلت، والمقام مقام اختصار. ~~وإنما وصف ب «الرجيم» لأن المقام مقام تأكيد وذم، ولا ذم أبلغ من البعد عن ~~حضرة من هو منشأ كل كمال ومصدر كل خير. # وأما البيان، فإن قوله «أعوذ» معناه ألتصق. ولا ريب أن ms0054 الالتصاق بالله ~~محال لأن ذلك من شأن الأجسام. والمراد: ألتصق برحمة الله وفضله. فهو إذن ~~مجاز لغوي. وفي نفس الالتصاق أيضا بعد تقدير الرحمة تجوز بعيد على ما لا ~~يخفى. ولو أريد بالشيطان شيطان الإنس أيضا ويثبت كون اللفظ موضوعا لشيطان ~~الجن فقد كان استعارة. وإذا قدرنا # PageV01P056 # الاستعاذة من شر الشيطان، كما مر، كان مجازا بالنقصان أيضا. # وأما ما يتعلق بالاستدلال فإما من جهة التصور وإما من جهة التصديق. أما ~~الأول فنحو كيفية اقتناص التصورات الواقعة في التركيب من مفهوم العوذ ~~ومفهوم اسم الله ومفهوم الشيطان ومفهوم الرجيم وأن كلا منها كيف يعرف بالحد ~~أو الرسم فإن عرف بالحد فكيف يرتب جنسه وفصله؟ وإن عرف بالرسم فكيف يركب ~~لوازمه؟ وأما معرفة الجنس والفصل واللوازم أنفسها لكل منها فمن الأمور ~~العامة. وأما الثاني فإن قولنا: «أعوذ» لفظه خبر ومعناه إما دعاء أي اللهم ~~أعذني، وإما إنشاء نحو بعت واشتريت. وإذا كان كذلك فلا يتطرق إليه احتمال ~~الصدق والكذب فلا يحتاج إلى البرهان على أحدهما. واستعمال الخبر في معنى ~~الطلب من مسائل علم المعاني أيضا. # وأما ما يتعلق بأصول الدين فأن تعلم ذات الله تعالى وصفاته من أنه قادر ~~مختار عليم إلى غير ذلك من الصفات التي بها يتمكن المستعاذ به من دفع ~~المضار والشرور عن المستعيذ بحيث لا يمنعه مانع ولا يغلبه منازع، وتصور ~~الشيطان ولوازمه وكيفية وسوسته بنحو مما سبق في المقدمة الثانية. # وأما ما يتعلق بأصول الفقه فأن يعرف أن الاستعاذة الواردة في الكتابة ~~والسنة واجبة أم لا بل مندوبة، وإن كانت واجبة فتتكرر بتكرر القراءة أم لا، ~~وإنها تقتضي الفور أو تحتمل التراخي. وأما ما يتعلق بالفقه فإنها تستحب في ~~الصلاة أم لا، وإن استحبت فتجوز في المكتوبة أم لا، وإن جازت ففي كل ركعة ~~أم في الأولى وحدها، ويسر بها أم يجهر؟ # وأما ما يتعلق بعلم الأحوال فكالنكت التي ذيلنا بها المقدمة الثانية ~~وأنها لا تكاد تنحصر. فهكذا يجب أن تستنبط المسائل من كل كلام يراد تفسيره ms0055 ~~من غير أن يتخطى في شيء من ذلك إلى ما ليس من العلم، كأن تقول في كل قراءة ~~الاستعاذة، والقراآت المشهورة سبع هي كذا وكذا، ورواة كل قراءة من هم وما ~~منشأ كل قراءة؟ وفي اللغة أن واضعها من هو؟ وكيف نشأت اللغات؟ وما معنى ~~الاشتقاق؟ وما فائدته؟ وفي الصرف أنه معرفة أحوال الكلم التي ليست بإعراب. ~~ومن جملة الأحوال صيغة المضارع وما معناها، وما حد الفعل والكلمة؟ إلى غير ~~ذلك من قواعد الصرف بل ما فوق ذلك من مباحث الحرف والصوت بل مقولة الكيف. ~~وفي النحو أن التركيب مشتمل على الاسم والفعل والحرف، والاسم معرب منصرف ~~وغير منصرف، ومبني، وما سبب الإعراب والبناء والصرف ومنع الصرف، وأنواع ~~الإعراب كم هي؟ وكل منها يختص بأي شيء من الفاعل والمفعول # PageV01P057 # والمضاف إليه ولم يختص بكل صنف ما يختص، وأصناف الفعل كم هي؟ وأصناف ~~الحرف كم هي، ولا سيما حروف الجر، وما معنى كل منها؟ إلى غير ذلك. # وبالجملة فمن كل علم يؤخذ نكت مخصوصة بهذه المادة يلزمنا إيرادها فقط إذ ~~لو تعدينا إلى ما فوق ذلك من القواعد والقوانين لزم إيراد كل العلوم أو ~~أكثرها في تفسير كلام واحد، وإنه محال شنيع إذ يلزم تداخل العلوم واضطراب ~~القوانين. وأيضا لو فسر «الشيطان الرجيم» بما يلزمه من أنواع الضلالات ~~والجهالات والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة في الملة الإسلامية وغيرها، ~~أو فسر بما هو مباين عنه كأنواع الآفات وأصناف المخافات حتى يلزم تكثير ~~المسائل، لم يخل عن التعسف والإعنات. ومن ارتكب شيئا من ذلك فقد نطق بالخلف ~~وزاغ عن الجادة وانحرف عن سواء السبيل. نعم لو أورد طرف من الاصطلاحات أو ~~المسائل على سبيل التصوير من غير إشارة إلى مآخذها الأصلية ودلائلها الكلية ~~إلا نادرا، جاز ما لم يتجاوز حد الضرورة ومقدار الواجب، كما أشرنا إليها في ~~المقدمات. وقد بقي مما يمكن أن يعد من المقدمات ذكر ابتداء الوحي وكيفية ~~نزول القرآن شيئا بعد شيء، وبيان كيفية إعجاز القرآن. ونحن قد رأينا الأليق ~~بها ms0056 إيرادها في مواضعها إذا أفضت النوبة إليها. # فلنشرع الآن في المقصود وهو التفسير المسمى بغرائب القرآن ورغائب الفرقان ~~والله المستعان وعليه التكلان. # PageV01P058 ### | (سورة فاتحة الكتاب) # (مكية ويقال مدنية وهي سبع آيات إلا أن المكي والكوفي عدا التسمية آية ~~دون أنعمت عليهم ومذهب المدني والبصري والشامي بالعكس وكلماتها خمس وعشرون ~~وحروفها مائة وثلاثة وعشرون.) ### | [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم (1) # الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم (3) مالك يوم الدين (4) إياك ~~نعبد وإياك نستعين (5) # اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين (7) ### | القراآت: # «مالك» : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك: # الرحيم ملك مدغما: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا ~~كانا من جنس واحد مثل قال لهم [البقرة: 249] أو مخرج واحد مثل ولتأت طائفة ~~[النساء: # 102] أو قريبي المخرج مثل خلقكم [لقمان: 28] ولقد جاءكم [البقرة: 92] ~~سواء كان الحرف المدغم ساكنا مثل أنبتت سبع سنابل [البقرة: 261] ويسمى ~~بالإدغام الصغير، أو متحركا فأسكن للإدغام مثل قيل لهم [البقرة: 11] ولذهب ~~بسمعهم [البقرة: 20] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفا نحو أحل لكم ~~[البقرة: 187] ومس سقر [القمر: 48] أو منقوصا مثل وما كنت ترجوا [القصص: ~~86] ونت ترابا # [النبأ: 40] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحا قبله ساكن ~~مثل البحر لتأكلوا [النحل: 14] والحمير لتركبوها [النحل: 8] إلا في مواضع ~~أربعة كاد يزيغ [التوبة: 117] وقال رب [المؤمنون: 26] في كل القرآن والصلاة ~~طرفي النهار [هود: 114] وبعد توكيدها [النحل: 91] أو يكون الإظهار أخف من ~~الإدغام نحو أفأنت تهدي [يونس: 43] أفأنت تسمع [الزخرف: 40] وعن يعقوب ~~إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. «الصراط» بإشمام الراء ~~هاهنا وفي جميع # PageV01P059 # القرآن: حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين ~~كل القرآن، والباقون بالصاد. «عليهم» : وإليهم ولديهم بضم الهاءات كل ~~القرآن: حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم ~~الميم عند ألف القطع فقط نحو أأنذرتهم أم [يس: 10] . ### | الوقوف: # العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم ms0057 (لا) لذلك. الدين (ط) ~~للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين (ط) لابتداء الدعاء. المستقيم (لا) ~~لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين ~~(ه) . ### | التفسير: # روي عن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في كتاب الله عز ~~وجل برأيه فأصاب فقد أخطأ» «1» # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن ~~بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» » # فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون ~~المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر ~~آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما ~~سمعه فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على ~~وجوه. وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف # وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس «اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل» «3» # فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟! وإنما النهي ~~يحمل على وجهين: # أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأول القرآن ~~على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا ~~يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ~~ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه. وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية ~~محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه ~~وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وقد يكون له غرض صحيح ~~فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما PageV01P060 # أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله ~~تعالى اذهب إلى فرعون إنه طغى [النازعات: 17] هو النفس. # الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار ~~بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة ~~والاختصار ms0058 والحذف والإضمار والتقديم والتأخير. فالنقل والسماع لا بد منه في ~~ظاهر التفسير أولا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم ~~والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله تعالى وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها [الإسراء: 59] معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم ~~بقتلها. فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن ~~عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم. وما عدا هذين ~~الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد ~~الأصلية والفرعية. واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤول المسلم شيئا من ~~القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور ~~والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما ~~جاءت. ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزا ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن ~~الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما ~~خلق شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب ~~الغيب، وما خلق في العالمين شيئا إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله ~~تعالى أعلم. # والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه. من ذلك: سفرت المرأة ~~كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف ~~به عن ماله حينئذ. والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه ~~واضح. # فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني ~~أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة ~~العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك. ونحن على أن ~~نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير ~~الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما ~~هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان. فلنشتغل ms0059 بتفسير الفاتحة فنقول: # في البسملة مسائل: # الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدرا وأنه ~~يكون فعلا أو اسما فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدما أو ~~مؤخرا نحو: أبدأ # PageV01P061 # بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدىء، أو بسم الله ابتدائي ~~أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ~~ببسم الله يكون مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك ~~الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر هاهنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، ~~لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: ~~بسم الله متبركا، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره ~~في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء ~~أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى بسم الله مجراها ~~ومرساها [هود: 41] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق ~~في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئا إلا ~~ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم ~~اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل ~~بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في إياك نعبد صرح بتقديم الاسم ~~إرادة الاختصاص. قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في اقرأ باسم ربك [العلق: ~~1] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة ~~أهم. وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى اقرأ أوجد القراءة، ثم يكون ~~باسم ربك متعلقا باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: ~~إما تعلق القلم بالكتبة في قولك «كتبت بالقلم» كان فعله لا يجيء معتدا به ~~شرعا إلا بعد تصديره بذكر الله # قال صلى الله عليه وسلم: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» # وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى ms0060 تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] أي ~~متبركا باسم الله أقرأ كما في قوله «بالرفاء والبنين» أي أعرست متلبسا ~~بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من ~~له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن ~~جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود ~~بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد ~~تعليما لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين ~~إلى آخره. # الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ «الله» بعد الفتحة ~~والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن ~~التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر ~~بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في ~~التوراة: أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام ~~الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدوا اللام ~~الغليظة حرفا والرقيقة حرفا آخر كما عدوا الدال حرفا والطاء حرفا آخر مع أن # PageV01P062 # نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان ~~والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق ~~الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال. # الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، ~~وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر ~~بن عبد العزيز لكتابه: # طولوا الباء وأظهروا السين ودوروا الميم تعظيما لكتاب الله. وقال أهل ~~الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ «الله» ارتفعت ~~واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه. # الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر ~~الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف ~~المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه ms0061 يشبه اللات في الكتابة. قال أهل ~~الإشارة: الأصل في قولنا «الله» الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة ~~في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، ~~والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدىء من النكرة والجهالة ويترقى ~~قليلا قليلا في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ~~ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلا قليلا حتى ينتهي إلى ~~الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف ~~قبل النون من لفظ «الرحمن» فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن. # الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو ~~عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سمي وتصريفه ~~على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه ~~بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على ~~المعرف في المعلومية فهو عال عليه حذفوا عجزه كما في «يد» و «دم» فبقي ~~حرفان أو لهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك ~~للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا ~~على الساكن حذرا من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين ~~بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال: ~~«سم» كأن الأصل عنده «سمو» . وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، ~~لأن الاسم كالعلامة المعرفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيما ~~وجمعه أو ساما. # PageV01P063 # السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير ~~التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجودا والمسمى معدوما كلفظ المعدوم ~~والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأن ~~الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحدا كالأسماء المترادفة وكأسماء ~~الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسما ~~للمسمى وكون المسمى مسمى له من باب ms0062 الإضافة كالمالكية والمملوكية، ~~والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالما بنفسه لأنهما ~~متغايران اعتبارا، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد ~~يكون باقيا بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود ~~الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة: الاسم ~~نفس المسمى لقوله تعالى تبارك اسم ربك [الرحمن: 78] مكان «تبارك ربك» : ~~والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه ~~مما لا ينبغي. وأيضا قد يزاد لفظ الاسم مجازا كقوله: إلى الحول ثم اسم ~~السلام عليكما. قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب ~~طلقت شرعا. قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع ~~الطلاق عليها، والتسمية أيضا مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين ~~اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع ~~وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا. # السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة ~~بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال ~~على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان ~~معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعا فيكون ~~سابقا عليه وضعا وأيضا الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى ~~الفعل. وأيضا الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء ~~الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية ~~مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة ~~بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم ~~قبل المعرف فيناسب السبق في الذكر. # الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع ~~على الذات. # ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان ~~ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحار. رابعها: ~~الواقع عليه بحسب صفة # PageV01P064 # إضافية كقولنا ms0063 للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها: الواقع عليه ~~بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع ~~صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة ~~إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها: # صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء ~~وعالم لا يجهل شيئا. ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه ~~سابق غير مسبوق. # تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد ~~تجد اسما خارجا عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته. # التاسعة: هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟ ذكر بعضهم أن ~~حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟ وما ~~الفائدة في ذلك؟ أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، ~~والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبدا، وأنه تعالى بكل شيء محيط فلا يدركه ~~شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ~~ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقا. فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه ~~هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضا إذا كان الواضع هو الله تعالى ~~وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسما مخصوصا لا ~~يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكنا ~~فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف ~~العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور. فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين ~~الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له ~~عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا ~~فيه على وجوه. منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» «1» # ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن ~~حقيقته المخصوصة مغايرة ms0064 للسلوب والإضافات. ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم # لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب ~~الله؟ # فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال صلى الله عليه وسلم: «ليهنك ~~العلم يا أبا المنذر» . # وزيف بأن الحي هو الدراك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما ~~القيوم فمعناه كونه قائما بنفسه مقوما لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو ~~استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي. ومنهم من قال: # إن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مر من ~~أن اسم الذات PageV01P065 # أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الاسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، ~~لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه سبحانه، ~~وإذا كان كذلك كان دالا على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما # روت أسماء بنت زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اسم الله ~~الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ~~[البقرة: 163] وفاتحة سورة آل عمران الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~[آل عمران: ### | 1- 2 # وعن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني ~~أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: # «والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي بهن أجاب وإذا ~~سئل به أعطى» . # ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما ~~الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله تعالى، لأن ~~ذاته تعالى مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه. وأما الاسم الدال بحسب ~~صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما ~~أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ~~ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة ms0065 أقسام: # القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على ~~الله تعالى عند الأكثرين لقوله تعالى قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد ~~بيني وبينكم كل شيء هالك إلا وجهه [الأنعام: 19] أي ذاته. # وفي الخبر «كان الله ولم يكن شيء غيره» # ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته تعالى كذلك. حجة ~~المخالف قوله تعالى الله خالق كل شيء [الرعد: 16] فلو كان الله تعالى شيئا ~~لزم أن يكون خالق نفسه. ومثله وهو على كل شيء قدير [التغابن: 1] قلنا: خص ~~بالدليل العقلي. قالوا: ليس من صفات المدح. قلنا: نعم هو خير من لا شيء، ~~وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلا ~~منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو ~~وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود. # وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه تعالى وكيف لا؟ ومعنى قول الموحد لا ~~إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله. ومنها الذات ولا شك في جواز ~~إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة ~~بها، ويؤيد ذلك ما # روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم لم ~~يكذب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله» «1» - # أي في PageV01P066 # طلب مرضاته- ومنها النفس قال تعالى: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ~~[المائدة: 116] # وقال صلى الله عليه وسلم «أنت كما أثنيت على نفسك» # أي على ذاتك وحقيقتك. ومنها الشخص # قال: «لا شخص أغير من الله تعالى ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن» «ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ~~ومنذرين» «ولا شخص أحب إليه المدحة من الله» «1» # والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها. ومنها النور قال عز ~~من قائل: الله نور السماوات والأرض [النور: 35] وليس المراد به ما يشبه ~~الكيفية المبصرة ms0066 وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره. وإذ لا ~~ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلا وأبدا، ~~ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود. فإذن هو نور الأنوار تعالى ~~وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق ~~الأمور. ومنها الصورة وقد # ورد في الخبر «أن الله خلق آدم على صورته» «2» # فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم ~~وما كان جنينا، ورضيعا بل خلقه الله تعالى رجلا كاملا دفعة واحدة. # وقيل في حديث آخر «لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة ~~الرحمن» # المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته ~~في كونه خليفة في أرضه متصرفا في جميع الأجسام الأرضية كما أنه تعالى نافذ ~~القدرة في جميع العالم. ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ~~ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، ~~وكنا قد كتبنا في هذا رسالة. ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود ~~لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني ~~المحل عنه، لأن ذلك ينبىء عن كون وجوده زائدا على ماهيته. # وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائما بذاته غير مفتقر إلى ~~شيء في شيء أصلا لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه. ومنها ~~الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد ~~الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه ~~موجودا قائما بالنفس غنيا عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع. ~~ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي PageV01P067 # وثبوته الدال عليه لفظ «ان» ، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما ~~الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع. ومنها الحق فإنه تعالى أحق ~~الأشياء بهذا الاسم، ms0067 إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، ~~والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا ~~الله باطل. وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، ~~وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب ~~الاعتقادات المطابقة. # القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في ~~اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له ~~في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل. وكذا السرمدي واشتقاقه من ~~السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة. ونعني بالنسبة في هذه ~~الألفاظ أنه تعالى منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد ~~الوهمي المسمى بالزمان. ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء ~~وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة ~~على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد ~~التوقيف. ومنها الباقي قال تعالى: كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام [الرحمن: 26، 27] وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم. ومنها ~~الدائم وهو كالباقي. ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما ~~بالذات لا ينفك عنه أبدا فهو ممتنع الفناء والعدم أزلا وأبدا ولهذا قيل: ~~خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه. ومنها الكائن قال تعالى: وكان الله ~~عليما حكيما [الفتح: 4] # وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم «يا كائنا قبل كل ~~كون، ويا حاضرا مع كل كون، ويا باقيا بعد انقضاء كل كون» # واعلم: أن لفظة «كان» تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: ~~منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء. ~~والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر ~~شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالما أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا ~~القسمين يجوز إطلاقه عليه تعالى. # القسم الثالث في الصفات الحقيقية ms0068 المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود. ~~الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله تعالى أشد إنكار ~~لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحدا من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو ~~كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين ~~كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود ~~فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله تعالى # PageV01P068 # لأنه قابل لها فلا يكون فاعلا لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك ~~الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن ~~كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود. حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن ~~يكون عالما قادرا حيا، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: «ذات الله تعالى ~~ذات» وبين قولنا: «ذاته عالم قادر» وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه ~~الصفات. وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها ~~متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور. والصفة ~~الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه تعالى ليست إلا صفة الحياة إن ~~لم نقل إنها عبارة عن الدراكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح ~~أن يكون عالما وقادرا، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر ~~عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود ~~تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات ~~الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله ~~تعالى به نفسه قائلا الله لا إله إلا هو الحي القيوم [البقرة: 255] وعنت ~~الوجوه للحي القيوم [طه: 111] وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، ~~فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكون. وقال غيرهم: إنه ~~غيره. حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة ~~وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب. ويلزم كونه موجبا بالذات لا فاعلا ~~بالاختيار. وأيضا إن كانت قديمة لزم ms0069 قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى ~~تكوين آخر وتسلسل الآخرون. قالوا: كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة ~~الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول ~~من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا، فإن القادر على الفعل قد يوجد ~~وقد لا يوجد. ومنها كونه تعالى معلوما ومذكورا مسبحا ممجدا فيقال: يا أيها ~~المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في ~~كل حين وأوان. ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء ~~الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية. ومنها ألفاظ متقاربة ~~تدل على مجرد كونه موجدا مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو ~~أخص لأنه الذي جعله موجودا بعد العدم، والمكون وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ~~ينشىء على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا ~~الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله ~~تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق ~~للمصلحة. يقال: # برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد ~~شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع ~~الفلاني لأجل الحكمة # PageV01P069 # الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعا، وإذا خلق الألم سمي ضارا، وإذا ~~خلق الحياة سمي محييا، وإذا خلق الموت سمي مميتا، وإذا خصهم بالإكرام سمي ~~برا لطيفا، وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا، وإذا أقل العطاء سمي قابضا، ~~وإذا أكثر سمي باسطا، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقما، وإذا ترك ذلك ~~الجزاء سمي عفوا غفورا رحمانا رحيما، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي ~~قابضا باسطا، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا. # وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهرا ولا ~~جسما ولا مكانيا ولا زمانيا ولا حالا ولا محلا ولا مفتقرا إلى شيء غيره، ~~تعالى في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم ms0070 يولد ولم يكن له كفوا أحد. ومنها ~~ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله ~~عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~[البقرة: 255] وكنفي النسيان وما كان ربك نسيا [مريم: 64] وكنفي الجهل لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض [سبأ: 3] وكأن لا يمنعه العلم ~~ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن. وإما راجع إلى أضداد ~~القدرة ككونه منزها في أفعاله عن التعب والنصب وما مسنا من لغوب [ق: 38] ~~وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدة إنما قولنا لشيء ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] وأنه لا يتفاوت في قدرته ~~القليل والكثير وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب [النحل: 77] وأنه ~~لا تنتهي قدرته إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ~~[إبراهيم: 19] وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد ليس كمثله ~~شيء [الشورى: 11] ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله [المؤمنون: 91] ~~أو إلى صفة الاستغناء وهو يطعم ولا يطعم وهو يجير ولا يجار عليه [الأنعام: ~~14] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل وما خلقنا السماء والأرض وما ~~بينهما باطلا [ص: 27] لا يخلق اللعب وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين [الأنبياء: 17] لا يخلق العبث أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا [المؤمنون: ~~115] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة ~~جرم ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم [النساء: 146] لا ينتفع بطاعات ~~المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها [الإسراء: 7] ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه لا يسئل عما ~~يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23] لا يخلف الميعاد [آل عمران: 9] ومن أسماء ~~السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان. # PageV01P070 # ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا ~~يعاجل ms0071 بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع ~~القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون ~~صفة الصبور. وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: ~~القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو ~~القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم ولا يحيطون بشيء ~~من علمه [البقرة: 255] عالم الغيب والشهادة [التغابن: 18] وهو بكل شيء عليم ~~[البقرة: 29] علام الغيوب [المائدة: 109] الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~[الأنعام: 124] علم الله أنكم كنتم تختانون [البقرة: 187] والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون [النحل: 19] وعلم آدم الأسماء [البقرة: 31] ولم يرد علامة ~~وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة. والخبير يقرب من ~~العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهدا لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من ~~وصف الكلام. والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي ~~وتباينه بأنها أيضا صدور الأشياء عنه كما ينبغي. # واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق ~~أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء. ومنها ما يرجع إلى الكلام وكلم الله ~~موسى تكليما [النساء: # 164] وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [الشورى: 51] وإذ قال ربك ~~[البقرة: # 30] ما يبدل القول لدي [ق: 30] ومن أصدق من الله قيلا [النساء: 122] إنما ~~أمره [يس: 81] إن الله يأمركم [النساء: 58] وعد الله حقا [النساء: 122] ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 9] وكان الله شاكرا عليما [النساء: 147] كان سعيكم مشكورا ~~[الدهر: 22] وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون [الذاريات: 18، 19] وهذا صورة الشكر. ومنها ~~ما يرجع إلى الإرادات يريد الله بكم اليسر [البقرة: 185] رضي الله عنهم أي ~~صار مريدا لأفعالهم يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] والله يحب المطهرين ~~[التوبة: 108] يريد إيصال الخير إليهم كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ~~[الإسراء: 38] . الأشعرية: # الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل. المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة. ~~ومنها ما يرجع إلى ms0072 السمع والبصر إنني معكما أسمع وأرى [طه: 46] إنه هو ~~السميع البصير [الإسراء: 1] لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار [الأنعام: ~~103] وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما ~~أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد ~~غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه # PageV01P071 # الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر هو إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا ~~الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية. وأما الاسم الدال على ~~مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالاله، ولا يجوز إطلاق ~~هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم. وقد بقي ~~هاهنا أسماء يطلقها عليه تعالى أهل التشبيه ككونه متحيزا أو حالا في ~~المتحيز استبعادا منهم أنه كيف يكون موجود خاليا عن كلا الوصفين وهو عند ~~أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا ~~يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله ~~تعالى في موضع وهو العلي العظيم [البقرة: 255] وفي آخر وهو العلي الكبير ~~[سبأ: 23] وقد يفرق بينهما بأنه # ورد «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» «1» # والرداء أرفع من الإزار. وأيضا اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله ~~أعظم. ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله تعالى بحسب الحجمية ~~والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة. ومنها العلي والمتعالي، ~~فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه ~~الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه ~~الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله تعالى، وإما أن نستمد في ~~إدراكها بضرب من الكشف والعيان. # (العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا [طه: # 14] ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية. وما جاء من قول بعض أهل الكمال: ~~أنا من أهوى ومن أهوى أنا. إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة ~~المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: لا إله ms0073 إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين [الأنبياء: 87] ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة. ~~وقال لا إله إلا هو [البقرة: # 255] وإنما يصح هذا من الغائبين. واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب ~~والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك ~~الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل: # أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الغائب الحاضر PageV01P072 # وفي لفظة «هو» أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما ~~للتراب ورب الأرباب؟ وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين ~~الموصوف بالأزلية والقدم؟ # فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو. ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد ~~حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان ~~لكان قوله «هو» صالحا لهما جميعا فلا يتعين النداء. ومنها إذا قال: يا رحمن ~~فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات. ~~فأما إذا قال: «يا هو» فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات. ~~ومنها إذا قال: «يا هو» فكأنه يقول: أجل حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب ~~نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في ~~المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتبا ~~للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث ~~هي. ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا ~~بالإشارة العقلية. ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه ~~إلا عن هذه الإشارة. ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله ~~إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص. وذلك أن قوله «لا هو» ~~معناه كل شيء هالك، وقوله «إلا هو» معناه إلا وجهه. ومن جملة الأذكار ~~الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد ms0074 يا دهر يا ديهور يا من ~~هو الحي الذي لا يموت. ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو ~~يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو. فالأول فناء عما سوى الله، ~~والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء ~~عما سوى الذات. # الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله تعالى توقيفية ~~أم لا. فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالما ولا نصفه ~~بكونه طبيبا وفقيها ومستيقنا، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان ~~على سبيل التجوز. القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله تعالى ~~وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئا منها لم يرد في القرآن ولا في ~~الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها. والجواب أن عدم التوقيف ~~في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله تعالى قال: ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: 180] وكل اسم دل على صفات الكمال ~~ونعوت الجلال كان حسنا ويجوز إطلاقه. والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم ~~قلتم إنه ليس كذلك؟ والغزالي فرق بين # PageV01P073 # اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوز الثاني. واعلم أنه قد ورد ~~في القرآن ألفاظ دالة على معان لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله تعالى ~~منها: الاستهزاء الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] والاستهزاء مذموم لكونه جهلا ~~قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين [البقرة: 67] . ~~ومنها المكر ومكروا ومكر الله [آل عمران: # 54] ومنها الغضب وغضب الله عليهم [الفتح: 6] ومنها التعجب بل عجبت ~~ويسخرون [الصافات: 12] فيمن قرأ بضم التاء. والتعجب حالة للقلب تعرض عند ~~الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر الجبار المتكبر [الحشر: 23] ومنها الحياء إن ~~الله لا يستحيي أن يضرب مثلا [البقرة: 26] والحياء تغير يعرض للقلب والوجه ~~عند فعل شيء قبيح. والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه ~~الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها ms0075 في النهاية مثاله: ~~الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها ~~في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه. # فالغضب في حقه تعالى محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن ~~في البداية، وقس على هذا. قيل: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف منها في ~~القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور. وقد ~~يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، ~~فإن أقسام صفات الله تعالى بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من ~~كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم العلوي والعالم ~~السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر. وإن قلنا: إن له بكل مخلوق ~~اسما وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، ~~خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: وإن تعدوا نعمة ~~الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكارا غير ~~معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضا غير معلومة، فما بال تلك ~~الأذكار والرقى؟ قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلا لم ~~تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئا من هذه الأدعية. ولا ~~ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن ~~أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب ~~بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق ~~أنوارها ولهذا قد # ورد «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» # نعوذ بالله من هذه الحالة. أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم ~~يفهموا منها شيئا وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب ~~على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى ~~الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة. ~~واعلم أن # PageV01P074 # بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات ms0076 عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية ~~علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك ~~الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق. حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي ~~كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ ~~عليه الأسماء التسعة والتسعين. وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند ~~قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت ~~لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ~~ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق. وذلك أن ~~الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا ~~تستولي على الإنسان ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» «1» # «الأرواح جنود مجندة» «2» # «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» «3» # فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء. # (الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه ~~وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق البتة، وأنه اسم علم ~~له سبحانه وتعالى. لأنه لو كان مشتقا لكان معناه معنى كليا لا يمنع نفس ~~مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا «إلا الله» موجبا للتوحيد ~~المحض. فلا يدخل الكافر بقوله: «أشهد أن لا إله إلا الله» في الإسلام كما ~~لو قال: «أشهد أن لا إله إلا الرحمن» أو «إلا الملك» لا يدخل بذلك في ~~الإسلام بالاتفاق. وأيضا الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: ~~زيد الفقيه الأصولي النحوي. ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ~~ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن «الله» اسم علم. وقراءة من قرأ إلى صراط ~~العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض [إبراهيم: 1، 2] ~~بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفا وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: ~~«مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد» . وأيضا قال تعالى: # هل تعلم له سميا [مريم: 65] وليس المراد به الصفة ms0077 والإلزام خلاف الواقع، ~~فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله. حجة القائلين باشتقاقه ~~قوله عز من قائل PageV01P075 # وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] فإنه لا يجوز أن يقال هو ~~زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك ~~جاريا مجرى قولك «هو زيد الذي لا نظير له في البلد» ؟ قالوا: لما كانت ~~الإشارة ممتنعة في حقه تعالى، كان اسم العلم له ممتنعا. وأيضا العلم ~~للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز. قلنا: وضع العلم لتعيين الذات ~~المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن ~~النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله ~~مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع ~~على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل ~~كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة ~~والكتاب على كتاب سيبويه. وأما «الله» بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم ~~يطلق على غيره. وينبغي أن يكون المراد من كون الله تعالى معبودا كونه ~~مستحقا ومستأهلا لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق ~~بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات. ولا يخفى أن الاستحقاق ~~والاستئهال حاصل له أزلا وأبدا، فيكون إلها أزلا وأبدا وإن كل من سواه عابد ~~له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق وإن ~~من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم [الإسراء: 44] إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] والعبد الصالح من يعبد ~~الله تعالى لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول ~~المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابدا، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن ~~عبادته أيضا. # وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه. فالنفوس لا تسكن إلا إليه ms0078 ~~تعالى، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب الذين آمنوا [الرعد: 28- 29] وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل ~~سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه ~~الخذلان. وقيل: من لاه ارتفع لأنه تعالى ارتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة ~~المحدثات. # وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ~~ذاته نظرا إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، ~~فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه ~~الجلال والجمال، وهاهنا العجز عن درك الإدراك إدراك. # وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول. فإنا ~~إنما # PageV01P076 # نستدل على كون الشعاع مستفادا من الشمس بدورانه معها وجودا وعدما وشروقا ~~وأفولا، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع ~~مستفادا منها، ولما كان ذاته تعالى باقيا على حاله وكذا الممكنات التابعة ~~له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب ~~لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب. # وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في ~~البليات وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه [الروم: 33] هذا شأن ~~الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبدا. شكا بعض المريدين كثرة ~~الوسواس فقال الشيخ: كنت حدادا عشر سنين وقصارا عشرا وبوابا عشرا. فقيل: ~~وكيف وما رأينا منك؟ قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشرا، ثم شرعت في ~~غسله عن الأوضار والأوزار عشرا، ثم وقفت على باب القلب عشرا أسل سيف «لا ~~إله إلا الله» فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما ~~خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الحلال قطرة من ~~النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر ~~«لا إله إلا الله» . # وقيل: من أله ms0079 الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره. والمجير ~~للخلائق من كره المضار هو الله وهو يجير ولا يجار عليه [المؤمنون: 88] ومن ~~لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي «الله» ولله جنود السماوات ~~والأرض [الفتح: 4] فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على ~~صورة «له» له ما في السماوات وما في الأرض [البقرة: 255] وإن تركت اللام ~~الباقية أيضا بقي الهاء المضمومة من «هو» قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] ~~والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم. هذا بحسب اللفظ، وأما ~~بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر ~~الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله تعالى أعلم. # (الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم ~~فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير ~~لأهله. وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها. ~~واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة ~~كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء ~~فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في ~~الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو # PageV01P077 # القياس على أخوته من بابه نحو: عطشان وغرثان. وزعم قوم أنهما بمعنى واحد ~~كندمان ونديم، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجد قال طرفة. # متى أدن منه ينأ عني ويبعد وقال قوم: الرحمن أشد مبالغة استدلالا ~~بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى. # قالوا: ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، وربما يقال رحمن ~~الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر ~~والفاجر، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين. فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى ~~والرحيم بالعكس. أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله تعالى لأنه ~~من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع ~~الموجودات من طريق الخلق والرزق ms0080 والنفع. وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية ~~الخلق به، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق. الضحاك: # الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم ~~بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات، والرحيم بأهل ~~الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. فقال عكرمة: الرحمن برحمة ~~واحدة والرحيم بمائة رحمة كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة ~~واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعا ~~وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» «1» # قال ابن المبارك: الرحمن الذي إذا سئل أعطى، والرحيم الذي إذا لم يسأل ~~غضب. # قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» «2» # الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى. ~~الرحمن بالإنقاذ من النار وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها [آل ~~عمران: 103] والرحيم بإدخالهم الجنان ادخلوها بسلام آمنين [الحجر: 46] ~~الرحمن الراحم القادر على كشف الضر، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف ~~الضر. وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله ~~تعالى. قال عطاء: ولذلك قرنه الله تعالى بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم ~~غيره. وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم، والعادة التدرج من الأدنى ~~إلى الأعلى، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها، فإردافه بالرحيم ~~كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف. واعلم أن الأشياء التي أنعم الله تعالى ~~بها على الخلق أربعة أقسام: PageV01P078 # الأول: ما يكون نافعا وضروريا معا وذلك في الدنيا التنفس، فإنه لو انقطع ~~لحظة واحدة مات، وفي الآخرة معرفة الله فإنها إذا زالت عن القلب لحظة واحدة ~~مات القلب واستوجب عذاب الأبد. # الثاني: أن يكون نافعا لا ضروريا كالمال في الدنيا وكسائر العلوم ~~والمعارف في الآخرة. # الثالث: أن يكون ضروريا لا نافعا كالآفات والعلل ولا نظير لهذا القسم في ~~الآخرة الرابع: أن لا يكون نافعا ولا ضروريا كالفقر في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة. وبالجملة فكل نعمة أو نقمة دنيوية ms0081 أو أخروية فإنما تصل إلى العبد ~~أو تندفع عنه برحمة الله تعالى وفضله من غير شائبة غرض ولا ضميمة علة، لأنه ~~الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا يخشى ~~إلا عقابه. (الرابع عشر في نكت شريفة) . الأولى: # كل العلوم تندرج في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلوم القرآن في ~~الفاتحة، وعلوم الفاتحة في «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وعلومها في الباء، ~~من بسم الله، وذلك أن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه ~~الباء للإلصاق، فهو يوصل العبد إلى الرب وهو نهاية المطلب وأقصى الأمد. ~~وقيل: إنما وقع ابتداء كتاب الله تعالى بالباء دون الألف، لأن الألف تطاول ~~وترفع والباء انكسر وتساقط ومن تواضع لله رفعه الله. # الثانية: مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه، فشكا إلى الله فدله على ~~عشب في المفازة فأكله فعوفي بإذن الله، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ~~ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أولا فاشتفيت به وأكلته ثانيا ~~فضرني. فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء. ~~وفي الثانية: ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض. أما علمت أن الدنيا كلها سم ~~وترياقها اسمي. # الثالثة: باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة، فلما انفجر الصبح نامت فدخل ~~السارق دارها وأخذ ثيابها، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب فوضعها فوجد ~~الباب، وفعل ذلك ثلاث مرات فنودي من زاوية البيت: ضع القماش واخرج فإن نام ~~الحبيب فالسلطان يقظان. # الرابعة: كان بعض العارفين يرعى غنما فحضر في غنمه الذئب ولا يضر أغنامه، ~~فمر عليه رجل وناداه متى اصطلح الغنم والذئب؟ قال الراعي: من حين اصطلح ~~الراعي مع الله. # الخامسة: روي أن فرعون قبل أن ادعى الإلهية قصد أو أمر أن يكتب باسم الله ~~على بابه الخارج، فلما ادعى الإلهية وأرسل الله إليه موسى ودعا فلم ير به ~~أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيرا، فقال تعالى: يا موسى لعلك ~~تريد إهلاكه، ms0082 أنت تنظر إلى كفره # PageV01P079 # وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه. والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه ~~الخارج صار آمنا من الهلاك وإن كان كافرا، فالذي كتبه على سويداء قلبه من ~~أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله!؟ # السادسة: سمى نفسه رحمانا ورحيما فكيف لا يرحم؟ روي أن سائلا وقف على باب ~~رفيع فسأل شيئا فأعطي قليلا فجاء بفأس وأخذ يخرب الباب، فقيل له: لم تفعل؟ ~~قال: إما أن تجعل الباب لائقا بالعطية أو العطية لائقة بالباب. إلهي كما ~~أثبت في أول كتابك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين من فضلك. # السابعة: إذا اشترى العبيد شيئا من الدواب أو المتاع وضعوا عليه سمة ~~الملك لئلا يطمع فيه العدو، فالله تعالى يقول: عبدي عدوك الشيطان فإذا شرعت ~~في عمل وطاعة فاجعل عليها سمتي وقل: «بسم الله الرحمن الرحيم» . # الثامنة: اجعل ذكر الله قرينك حتى لا تبعد عنه في أحوالك. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خاتما إلى أبي بكر وقال: اكتب فيه ~~«لا إله إلا الله» فدفعه إلى النقاش وقال: اكتب فيه «لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» فكتب النقاش ذلك، فأتى أبو بكر بذلك الخاتم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى النبي فيه «لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق» فقال: يا أبا بكر ما هذه الزوائد؟ ~~فقال: يا رسول الله ما رضيت أن أفرق اسمك من اسم الله فما رضي الله أن يفرق ~~اسمي عن اسمك. # التاسعة: أن نوحا صلى الله عليه وسلم لما ركب السفينة قال: بسم الله ~~مجراها ومرساها [هود: 41] فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنك بمن واظب على ~~الكلمة طول عمره كيف يبقى محروما عن النجاة؟ # العاشرة: الناس ثلاثة: سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه. فقال: الله ~~للسابقين، الرحمن للمقتصدين، الرحيم للظالمين. الله معطي العطاء، الرحمن ~~المتجاوز عن زلات الأولياء، الرحيم الساتر لعيوب الأغنياء. يعلم منك ما لو ~~علمه أبواك لفارقاك، ms0083 ولو علمت المرأة لجفتك، ولو علمت الأمة لأقدمت على ~~الفرار، ولو علم الجار لسعى في تخريب الدار. الله يوجب ولايته الله ولي ~~الذين آمنوا [البقرة: 257] الرحمن يستدعي محبته إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا [مريم: 96] الرحيم يفيض رحمته وكان ~~بالمؤمنين رحيما [الأحزاب: 43] هو رحيم بهم في ستة مواضع: في القبر ~~وحسراته، والقيامة وظلماته، وقراءة الكتب وفزعاته، والصراط ومخافاته، ~~والنار ودركاته، والجنة ودرجاته. # PageV01P080 # الحادية عشرة: مر عيسى عليه السلام بقبر فرأى ملائكة العذاب يعذبون ميتا، ~~فلما انصرف من حاجته مر بالقبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور. ~~فتعجب من ذلك فصلى ودعا الله فأوحى الله تعالى إليه: يا عيسى، كان هذا ~~العبد عاصيا وكان قد ترك امرأة حبلى فولدت وربت ولده حتى كبر فسلمته إلى ~~الكتاب فلقنه المعلم «بسم الله الرحمن الرحيم» فاستحييت من عبدي أن أعذبه ~~بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على ظهر الأرض. # الثانية عشرة: كتب عارف «بسم الله الرحمن الرحيم» وأوصى أن تجعل في كفنه. # فقيل له في ذلك؟ فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتابا وجعلت عنوانه ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» فعاملني بعنوان كتابك. # الثالثة عشرة: «بسم الله الرحمن الرحيم» تسعة عشر حرفا والزبانية تسعة ~~عشر، فالله تعالى يدفع بليتهم بهذه الحروف التسعة عشر. # الرابعة عشرة: اليوم بليلته أربع وعشرون ساعة، ثم فرض خمس صلوات في خمس ~~ساعات فبقي التسعة عشرة ساعة لا تستغرق بذكر الله تعالى، وهذه التسعة عشر ~~حرفا تقع كفارات للذنوب الواقعة في تلك التسع عشرة. # الخامسة عشرة: لما كانت سورة التوبة مشتملة على القتال والبراءة لم يكتب ~~في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم» وأيضا السنة أن يقال عند الذبح: «بسم ~~الله والله أكبر» ولا يقال: # «بسم الله الرحمن الرحيم» فلما وفقك الله لذكر هذه الكلمات كل يوم سبع ~~عشرة مرة في الصلوات المفروضة دل ذلك على أنه ما خلقك للقتل والعذاب وإنما ~~خلقك للرحمة والثواب. # السادسة عشرة: # قال صلى الله عليه وسلم: «من رفع قرطاسا من الأرض ms0084 فيه بسم الله الرحمن ~~الرحيم إجلالا لله تعالى كتب عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وإن كانا ~~من المشركين» # وعن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت «بسم الله الرحمن الرحيم» قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أول ما نزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذريتي من ~~العذاب ما داموا على قراءتها، ثم رفعت فأنزلت على إبراهيم عليه السلام ~~فتلاها وهو في كفة المنجنيق فجعل الله عليه النار بردا وسلاما، ثم رفعت ~~بعده فما أنزلت إلا على سليمان وعندها قالت الملائكة: الآن تم والله ملكك، ~~ثم رفعت فأنزلها الله تعالى علي، ثم يأتي أمتي يوم القيامة وهم يقولون: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجحت حسناتهم. # وعن أبي هريرة # PageV01P081 # أنه صلى الله عليه وسلم قال «يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» فإن حفظتك لا يستريحون أن يكتبوا لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا ~~غشيت أهلك فقل: «بسم الله الرحمن الرحيم» فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى ~~تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك المواقعة ولد كتبت له من الحسنات بعدد ~~نفس ذلك الولد وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد. يا ~~أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: «باسم الله والحمد لله» يكتب لك الحسنات حتى ~~تخرج منها» # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستر ما بين أعين الجن ~~وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم» # والإشارة فيه إذا صار هذا الاسم حجابا بينك وبين أعدائك من الجن في ~~الدنيا أفلا يصير حجابا بينك وبين الزبانية في العقبى؟. # كانت لنفسي أهواء مفرقة ... فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولاي # تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي # هذا تمام الكلام في تفسير البسملة. # وأما تفسير الفاتحة ففيه أيضا مسائل: الأولى: في أسماء هذه السورة وهي ~~كثيرة، وكثرة الأسماء ms0085 تدل على شرف المسمى. # فالأول: فاتحة الكتاب سميت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف وفي التعليم ~~وفي القراءة في الصلاة، ولأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. ~~وقيل: لأنها أول سورة نزلت من السماء. # الثاني: سورة الحمد لأن أولها الحمد. # الثالث: أم الكتاب وأم القرآن لأنها أصل القرآن وأصل كل كتاب منزل ~~لاشتمالها على الإلهيات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والنبوات، أو لأن ~~فيها حاصل جميع الكتب السماوية وذلك هو الثناء على الله والاشتغال بالخدمة ~~والطاعة وطلب المكاشفات والمشاهدات، أو لأن المقصود من جميع العلوم معرفة ~~عزة الربوبية وذلة العبودية، أو لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة وهي أم ~~القرى أشرف البلدان، أو أصل لجميع البلدان حيث دحيت من تحتها، وكما أن ~~الحمى سميت أم ملدم لأنهم جعلوها معظم الأوجاع واللدم الضرب. # PageV01P082 # الرابع: السبع المثاني لأنها سبع آيات ولأنها تثنى في كل صلاة، أو لأن ~~نصفها ثناء العبد للرب والنصف الآخر إعطاء الرب العبد، أو لأنها مستثناة ~~لهذه الأمة # قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة والإنجيل ~~ولا في الزبور مثل هذه السورة وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم» «1» # أو لأنها نزلت مرتين، أو لأنها أثنية ومدائح لله تعالى. # الخامس: الوافية لأنها تجب قراءة كلها ولا يجزىء بعضها في الصلاة. # السادس: الكافية # قال صلى الله عليه وسلم: «أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضا عنها» ~~. # السابع: الشفاء والشافية # لقوله صلى الله عليه وسلم «فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم» «2» . # الثامن: الأساس لأنها أول سور القرآن فهي كالأساس، أو لأنها تشتمل على ~~أساس العبادات والمطالب. # قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس يقول: أساس الكتب القرآن، وأساس ~~القرآن فاتحة الكتاب، وأساس الفاتحة «بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا اعتللت ~~أو اشتكيت فعليك بالأساس تشف بإذن الله تعالى. # التاسع: الصلاة # قال النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني ~~وبين عبدي نصفين» «3» . # يعني الفاتحة وهو من باب تسمية الشيء بمعظم أركانه. ومنه ms0086 يعلم وجوب قراءة ~~الفاتحة في الصلاة. # العاشر: سورة تعليم المسألة لأن الله تعالى علم عباده فيها آداب السؤال ~~فبدأ بالثناء ثم بالإخلاص ثم بالدعاء. # الحادي عشر: سورة الكنز لما # روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: نزلت فاتحة الكتاب بمكة من ~~كنز تحت العرش # ولهذا قال أكثر العلماء: إنها مكية وخطؤا مجاهدا في قوله: إنها مدنية، ~~وكيف لا؟ # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب أنها من أول ما ~~نزل من القرآن وأنها السبع المثاني، # وسورة الحجر مكية بلا خلاف وفيها قوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني [الحجر: 87] ولا يسعنا القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث ~~بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب. وقد جمع طائفة من العلماء بين القولين ~~فقالوا إنها PageV01P083 # نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وعلى هذا فإنها لم تثبت في المصحف مرتين ~~لأنه لم يقع التواتر على نزولها مرتين. # ومن فضائل هذه السورة أنه لم يوجد فيها الثاء وهو الثبور لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان: 14] والجيم وهو جهنم وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين [الحجر: 43] والخاء وهو الخزي يوم لا يخزي الله النبي ~~والذين آمنوا معه [التحريم: 8] والزاء وهو الزفير والزقوم. والشين وهو ~~الشهيق لهم فيها زفير وشهيق [هود: 106] والظاء وهو لظى كلا إنها لظى ~~[المعارج: 15] والفاء وهو الفراق ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون [الروم: ~~14] فلما أسقط الله تعالى من الفاتحة هذه الحروف الدالة على العذاب وهي ~~بعدد أبواب جهنم لقوله تعالى: لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ~~[الحجر: 44] غلب على الظن أن من قرأ الفاتحة نجا من جهنم ودخول أبوابها ~~وتخلص من دركات النار وعذابها. # الثانية: في المباحث اللفظية. # الحمد مبتدأ والله خبره أي الحمد ثابت لله. وأصله النصب الذي هو قراءة ~~بعضهم بإضمار فعله كقولهم شكرا وعجبا وسبحانك ومعاذ الله، فعدل إلى الرفع ~~للدلالة على ثبات المعنى واستقراره نحو قوله تعالى فقالوا سلاما قال سلام ~~[الذاريات: 25] ولهذا كان تحية ms0087 إبراهيم عليه السلام أحسن من تحيتهم كما جاء ~~وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها. # [النساء: 86] ومما يدل على أن أصله النصب أن قوله إياك نعبد وإياك نستعين ~~بيان لحمدهم فكأنه قيل: كيف يحمدون؟ فقيل: إياك نعبد. والأصل توافق ~~الجملتين. واللام في «الحمد» لتعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل ~~أحد من أن الحمد ما هو. # والاستغراق وهم لأنه لو سلم كونه اللام للاستغراق فحمد أبويه مثلا لا ~~يدخل فيه. وأيضا نحو نحمد الله لا يفهم منه إلا حقيقة الحمد من حيث هي فكذا ~~ما ناب منابه وهو الحمد لله. # وقرأ بعضهم بكسر الدال اتباعا، وبعضهم بضم اللام. # الرب المالك، ربه يربه فهو رب، أو مصدر وصف به للمبالغة كالعدل. وهو ~~مطلقا مختص بالله تعالى، ومضافا يجوز إطلاقه على غيره نحو: رب الدار ارجع ~~إلى ربك [يوسف: 50] وقرىء بالنصب على المدح أو بتقدير نحمد. والعالم اسم ~~موضوع للجمع كالأنام والرهط، وهو ما يعقل من الملائكة والثقلين قاله ابن ~~عباس والأكثرون. وقيل: كل ما علم به الخالق من الجواهر والأعراض كقوله ~~تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال # PageV01P084 # رب السماوات والأرض وما بينهما # [الشعراء: 23، 24] فعلى الأول مشتق من العلم وخصوا بالذكر للتغليب، وعلى ~~الثاني من العلامة وجمع ليشمل كل جنس مما سمي به، وجمع بالواو والنون ~~تغليبا لما فيه من صفات العقلاء. مالك يوم الدين صفة أخرى. # واليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها، أو من ابتداء ~~طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في عرف ~~الشرع. # ويراد به في الآية الوقت لعدم الشمس ثمة. والدين الجزاء بالخير والشر # «كما تدين تدان» «1» # وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف اتساع وإجراء للظرف مجرى المفعول به مثل: يا ~~سارق الليلة أهل الدار. وإنما أفادت التعريف حتى جاز وقوعه صفة للمعرفة ~~لأنه إما بمعنى الماضي نحو ونادى أصحاب الأعراف [الأعراف: 48] وسيق الذين ~~اتقوا ربهم [الزمر: 73] أو بمعنى الاستمرار نحو: زيد مالك العبيد. فيكون ~~بمعنى من ms0088 يملك المفيد للاستمرار نحو: فلان يعطي ويمنع. وحينئذ لا تعمل، ~~فتكون الإضافة حقيقية، وقرىء بنصب الكاف ورفعها مدحا، وبسكون اللام مخفف ~~ملك مكسور اللام وبجعله فعلا ماضيا ونصب يوم ومليك رفعا ونصبا وجرا. «ايا» ~~ضمير منصوب منفصل ولا محل لكاف الخطاب نحو «أرأيتك» وهو مذهب الأخفش ~~والمحققين وحكاية الخليل «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وايا الشواب» شاذ. ~~والأصل نعبدك ونستعينك، فلما قدم الضمير المتصل للاختصاص صار منفصلا. وقرىء ~~إياك بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء، ~~قال طفيل: # فهياك والأمر الذي إن تراحبت ... موارده ضاقت عليك مصادره # فإن قيل: لم عدل عن الغيبة إلى الخطاب؟ قلنا: هذا يسمى الالتفات في علم ~~البيان وذلك على عادة افتنانهم في الكلام والتنقل من أسلوب إلى أسلوب تطرية ~~لنشاط السامع. # وقد يختص مواقعه بفوائد وسننظم لك في سلك التقرير فائدته في هذا الموضع. ~~والعبادة أقصى غاية الخضوع. طريق معبد أي مذلل، وثوب ذو عبدة في غاية ~~الصفاقة وقوة النسج هدى يتعدى باللام أو بإلى إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم [الإسراء: 9] وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] فعومل معاملة ~~اختار في قوله تعالى واختار موسى قومه [الأعراف: 155] والأصل فيه الإمالة ~~ومنه إنا هدنا إليك [الأعراف: # 156] أي ملنا والهدية لأنها تمال من ملك إلى ملك والهدي للذي يساق إلى ~~الحرم أي أمل PageV01P085 # قلوبنا إلى الحق. والصراط الجادة، وأصله السين من سرط الشيء ابتلعه لأنه ~~يسرط السابلة إذا سلكوه كما سمي لقما لأنه يلتقمهم، ومثله مسيطر ومصيطر. ~~والصراط يذكر ويؤنث كالطريق والسبيل وصراط الذين أنعمت عليهم بدل الكل من ~~الصراط المستقيم وفائدته التوكيد كقولك: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم ~~فلان؟ ويكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان ~~الأكرم الأفضل، لأنك بينت ذكره مجملا أولا ومفصلا ثانيا. وقراءة ابن مسعود ~~صراط من أنعمت عليهم وغير المغضوب بدل من «الذين» أو صفة. وإنما جاز وقوعه ~~صفة للمعرفة لأنه تعريف الذين كلا تعريف # كقوله: «ولقد أمر على اللئيم ms0089 يسبني» . # أو لأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم فهو كقولك: عليك ~~بالحركة غير السكون ويجوز أن يكون بدلا وإن كان نكرة من معرفة ولا نعت ~~للإفادة. والفرق بين عليهم الأولى والثانية، أن الأولى محلها النصب على ~~المفعولية، والثانية محلها الرفع على أنها مفعول أقيم مقام الفاعل. وأصل ~~النعمة المبالغة والزيادة يقال: دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه. ~~وكل ما في القرآن من ذكر النعمة بكسر النون فهي المنة والعطية. والنعمة ~~بفتح النون التنعم وسعة العيش ونعمة كانوا فيها فاكهين [الدخان: 27] والغضب ~~في اللغة الشدة وقد عرفت معناه بحسب إطلاقه على الخلق وعلى الخالق. وأصل ~~الضلال الغيبوبة ضل الماء في اللبن إذا غاب فيه، وضل الكافر غاب عن الحق. ~~قال تعالى: أإذا ضللنا في الأرض [السجدة: 10] و «غير» هاهنا بمعنى «لا» و ~~«لا» بمعنى «غير» ولذلك جاز عطف أحدهما على الآخر. تقول: أنا زيدا غير ضارب ~~كما تقول: أنا زيدا لا ضارب. ويعضده ما قرىء وغير الضالين وقرأ أيوب ~~السختياني ولا الضألين بالهمزة كما قرأ عمرو بن عبيد ولا جأن وآمين مدا ~~وقصرا معناه استجب، كما أن رويد معناه أمهل. # وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معناه إفعل. # (الثالث في المباحث الفقهية) . البحث الأول: أجمع الأكثرون ومنهم الشافعي ~~على أن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وإن ترك منها حرفا واحدا وهو يحسنها ~~لم تصح صلاته. # وعند أبي حنيفة قراءتها غير واجبة لنا أنه صلى الله عليه وسلم واظب طول ~~عمره على قراءتها في الصلاة # فتجب علينا لقوله تعالى فاتبعوه [الأنعام: 153] وأيضا أقيموا الصلاة ~~معناه الصلاة التي أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه كان يقرأ ~~الفاتحة فيها فتجب. وأيضا روي في ذلك أخبار كثيرة مثل # «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» # «كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» «1» PageV01P086 # وروى رفاعة بن مالك أن رجلا دخل المسجد وصلى، فلما فرغ من صلاته وذكر ~~الخبر إلى أن قال الرجل: علمني الصلاة يا رسول الله. ms0090 فقال صلى الله عليه ~~وسلم: إذا توجهت إلى القبلة فكبر واقرأ بفاتحة الكتاب، # وظاهر الأمر للوجوب ولا سيما في معرض التعليم. وأيضا الخلفاء الراشدون ~~واظبوا على قراءتها طول العمر # وقال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» «1» # وأيضا المواظبة على قراءة الفاتحة توجب هجران سائر السور وذلك غير جائز ~~إن لم تكن واجبة فثبت أنها واجبة. حجة أبي حنيفة فاقرؤا ما تيسر من القرآن ~~[المزمل: 20] قلنا: الفاتحة هي المتيسرة المحفوظة على جميع الألسنة. ثم ~~قال: إذا قرأ آية واحدة كفت مثل الم أو حم [الدخان: 1] والطور [الطور: 1] ~~ومدهامتان [الرحمن: 64] . أبو يوسف ومحمد: لا بد من قراءة ثلاث آيات أو آية ~~واحدة طويلة مثل آية الدين. # البحث الثاني: قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها على أن التسمية ليست ~~بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك وهو مذهب ~~أبي حنيفة ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة ~~والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه لما # روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فاتحة الكتاب فعد «بسم الله الرحمن الرحيم» آية، «الحمد لله رب ~~العالمين» آية، «الرحمن الرحيم» آية، «مالك يوم الدين» آية، «إياك نعبد ~~وإياك نستعين» آية، «اهدنا الصراط المستقيم» آية «صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين» آية. # وعن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن «بسم الله الرحمن الرحيم» «2» # وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود ~~غيري؟ # فقلت: بلى فقال: بأي شيء تفتتح القرآن إذ افتتحت الصلاة؟ قلت: ببسم الله ~~الرحمن الرحيم. قال: هي هي. # وبإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0091 ~~قال له: كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟ قال: أقول «الحمد لله» قال: قل «بسم ~~الله الرحمن الرحيم» # وبإسناده عن علي بن أبي طالب أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص في صلاته # وبإسناده عن ابن عباس في قوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 87] ~~قال: فاتحة الكتاب. فقيل لابن عباس: فأين السابع؟ فقال: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» . # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: PageV01P087 # يقول الله سبحانه «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. فإذا قال العبد ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» قال الله: مجدني عبدي وإذا قال: «الحمد الله رب ~~العالمين» قال الله: حمدني عبدي وإذا قال: «الرحمن الرحيم» قال الله: أثنى ~~علي عبدي وإذا قال: «مالك يوم الدين» قال الله: فوض إلي عبدي وإذا قال: ~~«إياك نعبد وإياك نستعين» قال الله: هذا بيني وبين عبدي وإذا قال: «اهدنا ~~الصراط المستقيم» قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «1» # إلى غير ذلك من الأخبار. وأيضا التسمية مكتوبة بخط القرآن في مصاحف السلف ~~مع توصيتهم بتجريد القرآن عما ليس منه ولذلك لم يثبتوا «آمين» . وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: ما أعظم آية في كتاب الله؟ قال: بسم ~~الله الرحمن الرحيم، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم. # ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم [النمل: 30] فتكون آية في غير هذا الموضع. وأيضا إن أكثر الأنبياء ~~أوجبوا على أنفسهم الابتداء بذكر الله قال نوح عند ركوب السفينة: بسم الله ~~مجراها ومرساها [هود: 41] وكتب سليمان إلى بلقيس «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~وقوله إنه من سليمان من قول بلقيس قبل فتح الكتاب، فلما فتحت الكتاب قرأت ~~التسمية فقالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ولما ثبت الابتداء بالتسمية في ~~حقهم ثبت في حق نبينا أيضا أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: ~~90] وعن عبد الله بن مسعود قال: كنا لا ms0092 نعلم فصل ما بين السورتين حتى تنزل ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» . وعن ابن عمر قال: نزلت «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» في كل سورة. وأيضا البسملة من القرآن في النمل ثم إنا نراه مكررا ~~بخط القرآن فوجب أن نعتقد كونه من القرآن مثل فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~[الرحمن: 13] ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات: 15] حجة المخالف # خبر أبي هريرة أيضا في رواية أخرى قال: يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين ~~عبدي نصفين فإذا قال العبد «الحمد لله رب العالمين» يقول الله حمدني عبدي» ~~«2» إلى آخره. # قال: لم يذكر التسمية، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها. قلنا: إذا تعارضت ~~الروايتان فالترجيح للمثبت لا للنافي. # قالوا: التنصيف إنما يحصل إذا لم تعد التسمية آية حتى يحصل للرب ثلاث ~~آيات ونصف وللعبد ثلاث ونصف من «إياك نستعين» إلى آخر السورة. أما إذا قلنا ~~التسمية آية صار القسم الأول أربع آيات ونصفا فينخرم التنصيف. قلنا: نحن ~~نعد التسمية آية ولا نعد «أنعمت عليهم» وهذا أولى رعاية لتشابه المقاطع، ~~ولأن غير صفة أو بدل ويختل الكلام بجعله PageV01P088 # منقطعا عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط ~~كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالا بدليل قوله تعالى: ألم تر إلى ~~الذين بدلوا نعمت الله كفرا [إبراهيم: 28] فهذا المجموع كلام واحد، وهذا ~~بخلاف «الرحمن الرحيم» فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف ~~غير مختل النظام. قالوا: # روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير ~~والقراءة بالحمد لله رب العالمين. قلنا: قال الشافعي: # لعل عائشة جعلت «الحمد لله رب العالمين» # اسما لهذه السورة كما يقال قرأ فلان «الحمد لله الذي خلق السموات والأرض» ~~. قالوا: لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في «الرحمن الرحيم» قلنا: التكرار ~~للتأكيد غير عزيز في القرآن. فإن قيل: إذا عد التسمية آية من كل سورة على ~~ما يروى عن ابن عباس، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله. # فما وجه ما ms0093 # روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سورة الملك: إنها ~~ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات # مع أن العدد حاصل بدون التسمية؟ قلنا: إما أن تعد التسمية مع ما بعدها ~~آية وذلك غير بعيد، ألا ترى أن قوله «الحمد لله رب العالمين» آية تامة، وفي ~~قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] بعض آية؟ وإما أن ~~يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات، فإن التسمية كالشيء المشترك فيه بين ~~السور. # البحث الثالث: عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة، ويسر بها في ~~كل ركعة. أبو حنيفة: ليست بآية ويسر بها. مالك: لا ينبغي أن يقرأها في ~~المكتوبة لا سرا ولا جهرا. الشافعي: آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها ~~من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ~~ويجهر بذلك. وأيضا إنه ثناء على الله وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به ~~مشروعا لقوله عز من قائل فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [البقرة: ~~200] وأيضا الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة ~~وفضيلة. # قال صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر الله» # وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين. # وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات، وقد ثبت هذا منه تواترا ومن اقتدى ~~به لن يضل. # قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم أدر الحق معه حيث دار» «1» # وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. وروي عن عمر وابنه وابن ~~عباس وابن الزبير مثل ذلك، # وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ «بسم الله ~~الرحمن الرحيم» ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلم ناداه ~~المهاجرون والأنصار: يا معاوية سرقت من PageV01P089 # الصلاة أين «بسم الله الرحمن الرحيم» أين التكبير عند الركوع ms0094 والسجود؟ ثم ~~إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير. قال: وكان معاوية شديد الشكيمة ذا ~~شوكة، فلولا أن الجهر بالتسمية كان مقررا عند كل الصحابة لم يجسروا على ذلك ~~حجة المخالف ما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: صليت خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد ~~لله رب العالمين. وفي رواية ولم أسمع أحدا منهم قال: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم» وفي رواية ولم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم. وعن عبد ~~الله بن المغفل أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام! وقد صليت خلف أبي بكر فقال: «الحمد ~~لله رب العالمين» وصليت خلف عمر فقال: # «الحمد لله رب العالمين» . وصليت خلف عثمان فقال: «الحمد لله رب ~~العالمين» فإذا صليت فقل: «الحمد لله رب العالمين» . والجواب أن حديث أنس ~~معارض بما يروى عنه أيضا أن معاوية لما ترك التسمية في الصلاة أنكر عليه ~~المهاجرون والأنصار. # وروى أيضا أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ~~وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. # ويروى أيضا أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: ~~لا أدري هذه المسألة، وإذا اضطربت الروايات عنه وجب الرجوع إلى سائر ~~الدلائل. وأيضا ففيها تهمة أخرى وهي # أن عليا رضي الله عنه كان يبالغ في الجهر بالتسمية # ، فلما كان زمن بني أمية بالغوا في المنع من الجهر سعيا في إبطال آثار ~~علي بن أبي طالب، فلعل أنسا خاف منهم فلهذا اضطربت أقواله. وأيضا من ~~المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم أولى الأحلام والنهي ~~والأكابر والعلماء على غيرهم، ولا شك أن عليا وابن عباس وابن عمر كانوا ~~أعلى حالا من أنس وابن المغفل وأقرب موقفا، # وأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يبالغ في الجهر لقوله تعالى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا [الإسراء: ms0095 110] فلهذا لم يسمعا. # ورواية المثبت أولى من رواية النافي، والدلائل العقلية معنا ويؤيدها عمل ~~علي بن أبي طالب كما مر. # البحث الرابع: تقديم التسمية على الوضوء سنة عند عامة العلماء وليست ~~بواجبة خلافا لبعض أهل الظاهر حيث قالوا: لو تركها عمدا أو سهوا لم تصح ~~صلاته لنا # قوله صلى الله عليه وسلم «توضأ كما أمرك الله» # والتسمية غير مذكورة في آية الوضوء. والصحيح عندنا أن الجنب والحائض لا ~~يقولها بقصد القراءة، والتسمية عند الذبح وعند الرمي إلى الصيد وعند إرسال ~~الكلب مستحبة، فلو تركها عامدا أو ناسيا، لم تحرم الذبيحة عند الشافعي ولكن ~~تركها عمدا مكروه، وعند أبي حنيفة إن ترك التسمية عمدا لم يحل، وإن نسي حل. ~~والعلماء أجمعوا على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا أن يقول: ~~باسم الله، فإذا نام قال باسم الله، وإذا انتبه قال: باسم الله، وإذا قام ~~من المقام قال: باسم الله، وإذا أكل أو شرب قال: # PageV01P090 # باسم الله، وإذا أعطى أو أخذ قال: باسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت ~~الولد من الأم أن تقول باسم الله وهذا أول أحواله من الدنيا وإذا مات وأدخل ~~القبر قيل باسم الله وهذا آخر أحواله من الدنيا، وإذا قام من القبر قال: ~~باسم الله، وإذا حضر الموقف قال: باسم الله، فلا جرم يدخل الجنة ببركة اسم ~~الله. # البحث الخامس: قال الشافعي: ترجمة القرآن لا تكفي في صحة الصلاة لا في حق ~~من يحسن القراءة ولا في حق من لا يحسنها. وقال أبو حنيفة: إنها كافية في حق ~~القادر والعاجز. وقال أبو يوسف ومحمد: كافية في حق العاجز لا القادر لنا ~~أنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده وجميع الصحابة ما قرأوا في الصلاة ~~إلا هذا القرآن العربي فوجب علينا اتباعهم، وكيف يجوز عاقل قيام الترجمة ~~بأي لغة كانت وهي كلام البشر مقام كلام خالق القوى والقدر؟ # وقالوا: وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يعلم رجلا أن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم ms0096 والرجل لا يحسنه. فقال: قل طعام الفاجر، ثم قال عبد الله: ليس ~~الخطأ في القرآن أن تقرأ مكان العليم الحكيم إنما الخطأ بأن تضع آية الرحمة ~~مكان آية العذاب. قلنا: الظن بابن مسعود غير ذلك. قالوا وإنه لفي زبر ~~الأولين [الشعراء: 196] إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ~~[الأعلى: 18، 19] ولا ريب أن القرآن بهذا اللفظ ما كان في زبر الأولين لكن ~~بالعبرية والسريانية. قلنا: إن القصص والمواعظ موجودة لا باللفظ بل ~~بالمعنى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الموجود فيها قرآنا، فإن النظم المعجز ~~جزء من ماهية القرآن والكل بدون الجزء مستحيل. # البحث السادس: الشافعي في القول الجديد قال: تجب قراءة الفاتحة على ~~المقتدي سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها. وفي القديم: تجب إذا أسر ~~الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وأحمد أبو حنيفة: تكره القراءة خلف ~~الإمام بكل حال لنا قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن [المزمل: 20] # وقوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» «1» # يشمل المنفرد والمقتدي، وأيضا # روى الترمذي في جامعه بإسناده عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم قال: ~~إني أراكم تقرءون خلف إمامكم قلنا: أي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم ~~القرآن فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها. قال: # وهذا حديث حسن. # وأيضا قراءتها لا تبطل الصلاة عندهم ولكن يجوزون تركها ويبطلها عدم ~~القراءة عندنا، فالأحوط قراءتها. احتج المخالف بقوله تعالى وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا [الأعراف: 204] PageV01P091 # وبأخبار بين ضعفها البيهقي في كتابه، ونحن نقول: أما القرآن فمخصوص بغير ~~الفاتحة لما مر، وأما الأخبار فهب أنها صحيحة إلا أن الترجيح معنا لأن ~~الاشتغال بقراءة القرآن من أعظم الطاعات ولأنه أحوط. # البحث السابع: مذهب الشافعي أن الفاتحة واجبة في كل ركعة فإن تركها في ~~ركعة بطلت صلاته، وبه قال أبو بكر وعمر وعلي عليهم السلام وابن مسعود ومعظم ~~الصحابة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأوها في ms0097 كل ركعة، ولأنه قال ~~للأعرابي الذي علمه الصلاة وكذلك فأفعل في كل ركعة. # وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقرأ ~~فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة. # وأيضا القراءة في كل ركعة أحوط فيجب المصير إليها. وقيل: # غير واجبة أصلا، وقيل: تجب في كل صلاة في ركعة واحدة فقط وبه يحصل امتثال # قوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» «1» # وعند أبي حنيفة القراءة تجب في الركعتين الأوليين لقول عائشة: فرضت ~~الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر. فهما أصل والزائد ~~تبع. قلنا: ما ذكرنا أحوط، وقيل: تجب الفاتحة في الأوليين وتكره في ~~الآخرتين. # وعند مالك تجب في أكثر الركعات، ففي الثنائية فيهما وفي الثلاثية في ~~اثنتين وفي الرباعية في ثلاث. # البحث الثامن: إذا ثبت أن القراءة شرط في الصلاة فلو تركها أو حرفا من ~~حروفها عمدا بطلت صلاته وكذا سهوا على الجديد. وما روي أن عمر بن الخطاب ~~صلى المغرب فترك القراءة فقيل له: تركت القراءة. قال: كيف كان الركوع ~~والسجود؟ قالوا: حسنا. قال: # فلا بأس، معارض بما روى الشعبي عنه أنه أعاد الصلاة. وأيضا لعله ترك ~~الجهر بالقراءة لا نفس القراءة. # البحث التاسع: يجب رعاية الترتيب في أجزاء الفاتحة وما وقع غير مرتب فغير ~~محسوب. # البحث العاشر: إن لم يحفظ شيئا من الفاتحة قرأ بقدرها من غيرها من ~~القرآن، ثم من ذكر من الأذكار، ثم عليه مثل وقفة بقدرها فإن تعلم قرأ ما لم ~~يفرغ منه. # البحث الحادي عشر: نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر أن تكون الفاتحة ~~والمعوذتان من جملة القرآن والظن به أن هذا النقل عنه كذب وإلا فجحد ~~المتواتر كيف يليق بحاله؟ PageV01P092 # الرابع فيما يختص بتفسير الحمد لله من الفوائد. الفائدة الأولى في الفرق ~~بين الحمد والمدح والشكر. المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة ~~الثمينة، والحمد للحي فقط. # والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده، والحمد إنما يكون بعد ~~الإحسان. والمدح قد يكون ms0098 منهيا عنه # قال صلى الله عليه وسلم: «احثوا التراب في وجوه المداحين» «1» # والحمد مأمور به مطلقا # قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» # والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل ~~باختياره وبغير اختياره، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية ~~معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل ~~لا على سبيل التهكم والاستهزاء، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو ~~باللسان، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا # والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده» # وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع ~~لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في ~~عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي. ~~والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل: الشعير يؤكل ويذم. والمدح نقيضه الهجاء، ~~والشكر نقيضه الكفران، إذا عرفت ذلك فنقول: إذا قال المدح لله لم يدل ذلك ~~على كونه تعالى فاعلا مختارا لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار. ولو ~~قال: الشكر لله كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل. وإذا قال: الحمد ~~لله فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين ~~وأنت مستحق للحمد العظيم، ولا ريب أن هذا أولى. وقيل: # الحمد لله على ما دفع من البلاء، والشكر لله على ما أعطى من النعماء، ~~والنعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء، فكأنه يقول: أنا شاكر ~~لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما؟ # ويمكن أن يقال: إن المنع غير متناه والإعطاء متناه، والابتداء بشكر دفع ~~البلاء الذي لا نهاية له أولى، وأيضا دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه ~~أحرى. # الثانية: لو قال: أحمد الله أفاد كون ذلك القائل على حمده، وإذا قال: ms0099 ~~الحمد لله أفاد أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين. وأيضا ~~الحمد لله معناه أن مطلق الحمد PageV01P093 # والثناء حق لله وملكه كما ينبىء عنه اللام الجنسية واللام الجارة وذلك ~~بسبب كثرة إيلائه أنواع آلائه على عبيده وإمائه. ولا يخفى أن هذا أولى من ~~أن يحمده شخص واحد فقط، ولهذا لو سئلت هل حصل لفلان عليك نعمة؟ فإن قلت نعم ~~فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا، ولو قلت في الجواب بل نعمه على كل الخلائق كان ~~أكمل. فإن قيل: أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه؟ فالأستاذ يستحق ~~الحمد من التلميذ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية، # وقال صلى الله عليه وسلم: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» ؟ # قلنا: المنعم في الحقيقة هو الله لأنه خلق تلك الداعية في ذلك المنعم بعد ~~أن خلق تلك النعمة وسلط المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع وأمنه ~~من فوات الانقطاع، ولهذا قال عز من قائل وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: ~~53] وأيضا كل مخلوق ينعم على غيره فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضا إما ثوبا أو ~~ثناء، أو تحصيل خلق أو تخلصا من رذيلة البخل. وطالب العوض لا يكون منعما ~~ولا مستحقا للحمد في الحقيقة، أما الله سبحانه فإنه كامل لذاته والكامل ~~لذاته لا يطلب الكمال، لأن تحصيل الحاصل محال فكان عطاؤه جودا محضا، فثبت ~~أن لا مستحق للحمد إلا الله تعالى. # الثالثة: إنما لم يقل «احمدوا الله» لأن الإنسان عاجز عن الإتيان بحمد ~~الله وشكره فلم يحسن أن يكلف فوق ما يستطيعه، وذلك أن نعم الله على العباد ~~غير محصورة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وإذا امتنع الوقوف ~~عليها امتنع اقتداره على الشكر والثناء اللائق بها. وأيضا إنما يمكنه ~~القيام بحمد الله وشكره إذا أقدره الله على ذلك الحمد والشكر وخلق في قلبه ~~داعية ذلك وأزال عنه العوائق والصوارف، وكل ذلك إنعام من الله فيتسلسل. ~~وأيضا الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل إنعام المنعم ~~بشكر ms0100 نفسه، ومن اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعمة الله فقد أشرك، وهذا معنى ~~قول الواسطي «الشكر شرك» أما إذا قال: «الحمد لله» فالمعنى أن كمال الحمد ~~حقه وملكه سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا. ونقل أن داود عليه ~~السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك علي وهو أن ~~توفقني لذلك الشكر؟ فقال: يا داود لما علمت عجزك عن شكري فقد شكرتني بحسب ~~قدرتك وطاقتك. # الرابعة: # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا أنعم الله على عبد فقال: «الحمد لله» ~~يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي أعطيته ما لا قدر له فأعطاني ما لا قيمة ~~لا» # ومعناه أن ما أنعم الله على العبد شيء واحد، وإذا قال: الحمد لك فمعناه ~~المحامد التي أتى بها الأولون والآخرون من الملائكة # PageV01P094 # والثقلين لله تعالى، وكذا المحامد التي سيذكرونها إلى وقت قوله تعالى ~~دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين [يونس: 10] وإلى أبد الآبدين ودهر الداهرين فالمنعم به متناه ~~والحمد غير متناه، وإذا أسقط المتناهي من غير المتناهي بقي غير المتناهي. ~~فالذي بقي للعبد طاعات غير متناهية فلا بد من مقابلتها بنعم غير متناهية، ~~فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي والخير السرمدي. # الخامسة: لا شك أن الوجود خير من العدم، وأن وجود كل ما سوى الله فإنه ~~حصل بإيجاد الله وجوده، فإنعام الله تعالى واصل إلى كل من سواه، فإذا قال ~~العبد: «الحمد لله» فكأنه قال: الحمد لله على كل مخلوق خلقه، وعلى كل محدث ~~أحدثه من نور وظلمة وسكون وحركة وعرش وكرسي وجني وإنسي وذات وصفة وجسم وعرض ~~من أزل الآزال إلى أبد الآباد، وأنا أشهد أنها بأسرها لك لا شركة لأحد فيها ~~معك. # السادسة: التسبيح مقدم على التحميد لأنه يقال: سبحان الله والحمد لله. ~~فما السبب في وقوع البداءة بالتحميد؟ والجواب أن التسبيح داخل في التحميد ~~دون العكس، فإن التسبيح يدل على كونه مبرأ في ذاته وصفاته عن النقائص، ms0101 ~~والتحميد يدل على كونه محسنا إلى العباد، ولا يكون محسنا إليهم إلا إذا كان ~~عالما بجميع المعلومات ليعلم مواقع الحاجات وإلا إذا كان قادرا على ~~المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، وإلا إذا كان غنيا في نفسه ~~وإلا شغله حاجة نفسه عن حاجة غيره، فثبت أن كونه محسنا لا يتم إلا بعد كونه ~~منزها عن النقائص والآفات. # السابعة: الحمد له تعلق بالماضي وهو وقوعه شكرا على النعم السابقة، وتعلق ~~بالمستقبل وهو اقتضاء تجدد النعم لقوله تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم [إبراهيم: ~~7] فبالأول يغلق عنك أبواب النيران، وبالثاني يفتح لك أبواب الجنان، فإن ~~الحمد لله ثمانية أحرف بعدد أبواب الجنة. # الثامنة: الحمد لله كلمة جليلة لكنه يجب أن تذكر في موضعها ليحصل ~~المقصود. قال السري: منذ ثلاثين سنة أستغفر الله لقولي مرة واحدة الحمد ~~لله. وذلك أنه وقع الحريق في بغداد وأحرقت دكاكين الناس فأخبرني واحد أن ~~دكاني لم يحترق فقلت: الحمد لله. وكان من حق الدين والمروءة أن لا أفرح ~~بذلك، فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة. فالحمد على نعم الدين أفضل من ~~الحمد على نعم الدنيا، والحمد على أعمال القلوب أولى من الحمد على أعمال ~~الجوارح، والحمد على النعم من حيث إنها عطية المنعم أولى من الحمد عليها من ~~حيث هي نعم، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يقع الحمد في موضعه اللائق به. # PageV01P095 # التاسعة: أول ما بلغ الروح إلى سرة آدم عطس فقال: «الحمد لله رب ~~العالمين» وآخر دعوى أهل الجنة «الحمد لله رب العالمين» . ففاتحة العالم ~~مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد، فاجتهد أن يكون أول أعمالك وآخرك ~~مقرونا بكلمة الحمد. # العاشرة: لا يحسن عندنا أن يقدر قولوا: «الحمد لله» لأن الإضمار خلاف ~~القياس، ولأن الوالد إذا قال لولده: أعمل كذا وكذا فلم يمتثل كان عاقا، ~~فالأولى أن يقول الأمر الفلاني ينبغي أن يفعل. ثم إن كان الولد بارا فإنه ~~يجيبه ويطيعه وإن كان عاقا كان إثمه أقل، فكذلك إذا قال: الحمد لله فمن كان ~~مطيعا حمده ms0102 ومن كان عاصيا كان إثمه أقل، بخلاف ما لو قدر «قولوا الحمد لله» ~~. # الحادية عشرة: شنعت الجبرية على المعتزلة ومن يجري مجراهم بأنكم تثبتون ~~للعبد فعلا واختيارا، واستحقاق الحمد إنما يكون على أشرف النعم وهو ~~الإيمان، فلو كان الإيمان بفعل العبد لكان المستحق للحمد هو العبد. والجواب ~~أن الإيمان باختيار العبد لكن الاختيار أيضا مستند إلى الله تعالى فاستحق ~~الحمد لذلك. وشنعت المعتزلة على الجبرية بأن قوله «الحمد لله» لا يتم إلا ~~على مذهبنا لأن المستحق للحمد على الإطلاق هو الذي لا قبح في فعله ولا جور ~~في قضيته، وعندكم لا قبح إلا وهو فعله، ولا جور إلا وهو حكمه. # والجواب أن القبح والجور إنما يثبتان لو أمكن تصور الفعل المخصوص في ~~القابل المخصوص أحسن وأتم مما صدر لكنه محال، فإنه تعالى حكيم وكل ما يصدر ~~عن الحكيم كان على أفضل ما يمكن بالنسبة إلى المحل المخصوص. # الثانية عشرة: اختلفوا في أن شكر المنعم واجب عقلا أو شرعا. فمنهم من قال ~~عقلا ومن جملة أدلتهم قوله «الحمد لله» فإنه يدل على ثبوت الاستحقاق على ~~الإطلاق. وأيضا عقبه بقوله «رب العالمين» وترتيب الحكم على الوصف المناسب ~~يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، فدل ذلك على أن استحقاقه للحمد ~~ثابت بكونه ربا للعالمين قبل مجيء الشرع وبعده. والجواب أن استحقاقه لمثل ~~هذا الحمد عرفناه من قبل الشرع. واعلم أن الحمد سبيله سبيل سائر الأذكار ~~والعبادات في أنها إنما يؤتى بها لا لأن الله تعالى مستكمل بها ولا لأنه ~~تعالى مجازي بها، ولكنها لتحقيق نسبة العبودية وإضافة الإمكان الله حسبي ~~الخامس في فوائد قوله رب العالمين. # الأولى: الموجود إما واجب لذاته وهو الله سبحانه وتعالى فقط، وإما ممكن ~~لذاته وهو كل ما سواه ويسمى العالم كما مر، وذلك إما متحيز أو صفة للمتحيز ~~أو لا هذا ولا ذاك. # PageV01P096 # القسم الأول: إن كان قابلا للقسمة فهو الجسم وإلا فالجوهر الفرد. فالجسم ~~إما علوي أو سفلي، والعلوي كالسماويات ويندرج فيها العرش والكرسي وسدرة ms0103 ~~المنتهى واللوح والقلم والجنة والكواكب، والسفلي إما بسيط وهو العناصر ~~الأربعة: الأرض بما عليها وفيها والماء وهو البحر المحيط وما يتشعب منه في ~~القدر المكشوف من الأرض، والهواء ومنه كرة البخار وكرة النسيم ومنه الهواء ~~الصافي والنار. وإما مركب وهو المعادن والنبات والحيوان على تباين أنواعها ~~وأصنافها. القسم الثاني: الأعراض بأجناسها وأنواعها. القسم الثالث: # الأرواح وهي إما سفلية خيرة كالجن، أو شريرة كالشياطين. وإما علوية ~~متعلقة بالأجسام كملائكة السموات # قال صلى الله عليه وسلم: «ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو ~~قاعد» # أو غير متعلقة وهي الملائكة المقربون وما يعلم جنود ربك إلا هو [المدثر: ~~31] ولأن كل موجود سوى الواجب يحتاج إلى الواجب في الوجود. وفي البقاء أيضا ~~فهو إله العالمين من حيث إنه أخرجها من العدم إلى الوجود، ورب العالمين من ~~حيث إنه يبقيها حال استقرارها. # فكل من كان أكثر إحاطة بأحوال الموجودات وتفاصيلها كان أكثر وقوفا على ~~تفسير قوله رب العالمين. # الثانية: المربي قسمان: أحدهما أن يربي ليربح عليهم، والثاني أن يربي ~~ليربحوا عليه. والأول شأن المخلوقين الذين غرضهم من التربية إما ثواب أو ~~ثناء أو تعصب أو غير ذلك، والثاني دأب الحق سبحانه وتعالى كما # قال: «خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم» # وكيف لا يربحون عليه وأنه متعال عن الاستكمال منزه عن أن يحدث في خزائنه ~~بسبب التربية والإفادة والإفاضة اختلال يحب الملحين في الدعاء ويزيد في ~~الخلق ما يشاء [فاطر: 1] يكفي علمه من المقال ويغني كرمه عن السؤال وسع كل ~~شيء علما [طه: # 98] ويربي كل حي كرما وحلما ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين [المؤمنون: 12، 13، 14] فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء ~~صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق ~~غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم # [عبس: 24- 32] ألم نجعل الأرض ms0104 مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم أزواجا ~~وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم ~~سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ~~ونباتا وجنات ألفافا [النبأ: 6- 16] . # الثالثة: لما كان الله أحسن الأسماء عقبه بأكمل الصفات وهو رب العالمين ~~إذ # PageV01P097 # معناه أن وجود ما سواه فائض عن تربيته، وإحسانه وجوده وامتنانه، فالأول ~~يدل على التمام والثاني على أنه فوق التمام. # الرابعة: رب العالمين ثم إنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وهو الله الواحد ~~الأحد الصمد، وأنت تخدمه كأن لك أربابا غيره فما إنصافك أيها الإنسان؟ قل ~~من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن [الأنبياء: 42] خلقت لعبادة الرب فلا ~~تهدم حقيقتك بمعصية الرب، الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب. # السادس: في فوائد قوله الرحمن الرحيم. # الأولى: الرحمن بما لا يتصور صدوره من العباد، والرحيم بما يقدر عليه ~~العباد. أنا الرحمن لأنك تسلم إلي نطفة مذرة فأسلمها إليك صورة حسنة، أنا ~~الرحيم لأنك تسلم إلي طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة. # الثانية: ذهب بعضهم إلى ملك فقال: جئتك لمهم يسير. فقال: أطلب المهم ~~اليسير من الرجل اليسير. فكأن الله تعالى يقول: لو اقتصرت على الرحمن ~~لاحتشمت مني ولتعذر عليك سؤالي الأمور اليسيرة، فأنا الرحمن لتطلب مني ~~الأمور العظيمة، وأنا الرحيم لتطلب مني شراك نعلك وملح قدرك. # الثالثة: الولد إذا أهمل حال ولده ولم يؤدبه ظن أن ذلك رحمة وهو في ~~الحقيقة عذاب. من لم يؤدبه الأبوان أدبه الملوان، وعكسه حال من تقطع يده ~~لأكلة فيها، أو يضرب لتعليم حرفة، أو لتأدب بخصلة شريفة. فكل ما في العالم ~~من محنة وبلية فهو في الحقيقة رحمة ونعمة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم [البقرة: 216] وقصة موسى مع الخضر كما تجيء ~~في موضعها تؤيد ما ذكرناه، والحكيم المحقق هو الذي يبني الأمور على الحقائق ~~لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. # الرابعة: أعطى مريم ms0105 عليها السلام رحمة ولنجعله آية للناس ورحمة منا ~~[مريم: # 21] فصارت سببا لنجاتها من توبيخ الكفار والفجار، وأعطانا رحمة وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] فكيف لا ننجو بسببه من عذاب ~~النار. # الخامسة: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة فكان من حاله أنه لما ~~كسرت أسنانه # قال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون، وأنه يوم القيامة يقول: أمتي أمتي. # فلما وصف نفسه بكونه # PageV01P098 # رحمانا رحيما أيضا فكأنه يقول: الرحمة الواحدة لا تكفي لصلاح المخلوقات ~~فذرني وعبيدي فإني أنا الرحمن الرحيم، رحمتي غير متناهية ومعصيتهم متناهية ~~والمتناهي لا يدرك غير المتناهي فستغرق معصيتهم في بحار رحمتي ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى [الضحى: 5] . # السادسة: حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: كنت ضيفا لبعض القوم، فقدم ~~المائدة فنزل غراب وسلب رغيفا فاتبعته تعجبا، فنزل في بعض التلال فإذا هو ~~برجل مقيد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه. وعن ذي النون ~~أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت في قلبي داعية أن أخرج من البيت، فانتهيت ~~إلى شط النيل فرأيت عقربا قويا يعدو، فلما وصل إلى النيل فإذا هو بضفدع على ~~طرف النهر، فقفز العقرب عليه وأخذ الضفدع يسبح، فركبت السفينة فاتبعته حتى ~~إذا وصل الضفدع إلى الطرف الآخر نزل العقرب عن ظهره وأخذ يعدو، فتبعته ~~فرأيت شابا نائما تحت شجرة وعنده أفعى يقصده، فلما قرب الأفعى من ذلك الشاب ~~وصلت العقرب إلى الأفعى ولدغتها والأفعى أيضا لدغتها وماتتا معا. وفي أدعية ~~العرب: يا رازق النعاب في عشه. وحكايته أن ولد الغراب لما يخرج من البيض ~~يكون كأنه قطعة لحم فتهجره أمه تنفرا منه، حتى إذا خرج ريشه عادت إليه، ~~فيبعث الله تعالى إليه في تلك المدة ذبابا يغتذي به. # وروي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فقام فدخل عليه وكان يعرض عليه الشهادة ~~ولا يعمل لسانه فقال صلى الله عليه وسلم: أما كان يصلي أما كان يزكي ms0106 أما ~~كان يصوم؟ فقالوا: بلى. # فقال: فهل عق والدته؟ قالوا: نعم. فقال: هاتوا أمه. فأتي بعجوز عوراء. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # هلا عفوت عنه؟ فقالت: لا أعفو عنه لأنه لطمني ففقأ عيني. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: هاتوا بالحطب والنار فقالت: وما تصنع بالنار؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم: أحرقه بالنار بين يديك جزاء بما عمل. فقالت: # عفوت عفوت أللنار حملته تسعة أشهر أللنار أرضعته سنتين فأين رحمة الأم؟ ~~فعند ذلك انطلق لسانه وذكر «أشهد أن لا إله إلا الله» # والنكتة أنها كانت رحيمة فقط ولم تجوز الإحراق، فالرحمن الرحيم كيف يجوز ~~إحراق عبد واظب على ذكر الرحمن الرحيم سبعين سنة؟ # قال صلى الله عليه وسلم: إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة ~~بين الإنس والجن والطير والبهائم والهوام فيها يتعاطفون ويتراحمون، وأخر ~~تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» «1» # ولعل هذا على سبيل التفهيم والتمثيل وإلا فكرمه بلا غاية ورحمته بلا ~~نهاية. PageV01P099 # السابع: في فوائد قوله «مالك يوم الدين» . # الأولى: من قضية العدالة الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، ~~والموافق والمخالف، ولا يظهر ذلك إلا في يوم الجزاء إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى [طه: 15] يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا ~~أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: ~~6- 8] # روي أنه يجاء برجل يوم القيامة وينظر في أحوال نفسه فلا يرى لنفسه حسنة ~~البتة، فيأتيه النداء يا فلان ادخل الجنة بعملك. فيقول: إلهي ماذا عملت؟ ~~فيقول الله: ألست لما كنت نائما تقلب من جنب إلى جنب ليلة كذا فقلت في خلال ~~ذلك «الله» ، ثم غلبك النوم في الحال فنسيت؟ أما أنا فلا تأخذني سنة ولا ~~ولا نوم، فما نسيت ذلك. ويجاء برجل وتوزن حسناته بسيئاته فتخف حسناته ~~فتأتيه بطاقة فتثقل ميزانه فإذا فيها شهادة «أن لا إله إلا الله» فلا يثقل ~~مع ذكر الله غيره. # واعلم أن حقوق الله تعالى على المسامحة لأنه غني عن ms0107 العالمين، وأما حقوق ~~العباد فهي أولى بالاحتراز عنها. # روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما ~~المفلس؟ قالوا: # المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفلس من يأتي يوم القيامة ~~بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا ~~وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت ~~حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار» ~~«1» . # الثانية: من قرأ «مالك» احتج بوجوه: الأول أن فيه حرفا زائدا فيكون ثوابه ~~أكثر. # الثاني: في القيامة ملوك ولا مالك إلا الله. الثالث: المالكية سبب لإطلاق ~~التصرف والملكية ليست كذلك. الرابع: العبد أدون حالا من الرعية فيكون القهر ~~في المالكية أكثر منه في الملكية. الخامس: الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن ~~كونهم رعية لذلك الملك بالاختيار بخلاف المملوك. السادس: الملك يجب عليه ~~رعاية حال الرعية # «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «2» # ولا يجب على الرعية خدمة الملك، أما المملوك فيجب عليه خدمة مالكه وأن لا ~~يستقل في الأمر إلا بإذنه حتى إنه لا يصح منه القضاء والإمامة والشهادة، ~~ويصير مسافرا PageV01P100 # إذا نوى مولاه السفر، ومقيما إذا نوى الإقامة. حجة من قرأ «ملك» أن كل ~~واحد من أهل البلد يكون مالكا، والملك لا يكون إلا أعلاهم شأنا. وأيضا قل ~~أعوذ برب الناس ملك الناس [الناس: 1، 2] لم يقرأ فيه غير «ملك» فتعين. ~~وأيضا الملك أقصر ومالك يلزم منه تطويل الأمل فإنه يمكن أن يدركه الموت قبل ~~تمام التلفظ به. وأجيب بأن العزم يقوم مقام الفعل لو مات قبل الإتمام، كما ~~لو نوى بعد غروب الشمس صوم يوم يجب صومه بخلاف ما لو نوى في النهار عن ~~الغد. ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة ~~«مالك» أرجى من قراءة «ملك» لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف وأن ~~ينجو الإنسان منه رأسا برأس، والمالك ms0108 يطلب العبد منه الكسوة والطعام ~~والتربية والإنعام # «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلكم عار ~~إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم» «1» # والملك يطمع فيك والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل ~~قوي سوي ويترك من كان مريضا عاجزا، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف ~~أعانه. الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة ~~والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة. وأما المتفرعة على الثانية ~~فإنه في الدنيا ملك الملوك قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء [آل عمران: 26] وفي الآخرة لا ملك إلا هو لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار [غافر: 16] وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا ~~قلت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه سبحانه كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا. ~~فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد. ومن لوازم ملكه كمال الرحمة ~~فلهذا قرن بقوله «ملك يوم الدين» قوله «رب العالمين الرحمن الرحيم» ومثله ~~الملك يومئذ الحق للرحمن [الفرقان: 26] قل أعوذ برب الناس ملك الناس ~~[الناس: 1، 2] فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في ~~الأرض. الكفر سبب لخراب العالم تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا. أن دعوا للرحمن ولدا [مريم: 90] والطاعة تتضمن صلاح المعاش ~~والمعاد من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] فعلى الناس أن يطيعوا ~~ملوكهم، وعلى الملوك أن يطيعوا مالك الملك حتى تنتظم أمور معاشهم ومعادهم ~~لما وصف نفسه بأنه «ملك يوم الدين» أظهر للعالمين كمال عدله بنفي الظلم ~~تارة وما ربك بظلام للعبيد [ق: 29] وبثبوت العدل أخرى ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة [الأنبياء: 47] فلا PageV01P101 # خلة للملك أعم نفعا وأتم وقعا من أن يكون عادلا. ومن هنا تظهر البركة في ~~العالم أو ترتفع إن كان السلطان عادلا أو جائرا. يحكى أن أنوشروان خرج يوما ~~إلى الصيد وانقطع ms0109 عن عسكره واستولى عليه العطش، فرأى بستانا فيه رمان. فلما ~~دخله قال لصبي فيه: أعطني رمانة، فأعطاه فعصرها وأخرج منها ماء كثيرا، ~~فشربه وأعجبه ذلك، فعزم على أن يأخذ ذلك البستان من مالكه. ثم قال لذلك ~~الصبي: أعطني رمانة أخرى، فأعطاه فعصرها فخرج منها ماء قليل فشربه فوجده ~~عفصا. فقال: أيها الصبي، لم صار الرمان هكذا؟ فقال الصبي: # فلعل ملك البلد عزم على الظلم فلشؤم ظلمه صار هكذا، فتاب أنو شروان في ~~قلبه وأناب، وقال للصبي: أعطني رمانة أخرى فعصرها فوجدها أطيب من الأولى ~~فقال للصبي: لم بدلت هذه الحالة؟ فقال: لعل الملك تاب عن ظلمه. فلما وجد ~~أنو شروان مقالة الصبي مطابقة لأحواله في قلبه تاب بالكلية، فكان من ميامن ~~عدله أن # ورد في حقه قول نبينا صلى الله عليه وسلم «ولدت في زمن الملك العادل» . # الثالثة: كونه مالكا وملكا معناه أنه قادر على ترجيح جانب وجود الممكنات ~~على عدمها، وأنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة كما يشاء من غير مانع ولا ~~منازع. وعلى قضية الحكمة والعدالة فهو الملك الحق وأنه ملك يوم الدين أيضا، ~~لأن القدرة على إحياء الخلق بعد إماتتهم والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من ~~أبدان الناس لا يختص به أحد غيره، فإذا كان الحشر والنشور لا يتأتى إلا ~~بعلم يتعلق بجميع المعلومات وقدرة تنفذ في كل الممكنات، فلا مالك ليوم ~~الدين إلا الله. فإن قيل: لا يكون مالكا إلا إذا كان المملوك موجودا لكن ~~القيامة غير موجودة فينبغي أن يقال «مالك يوم الدين» بالتنوين بدليل أنه لو ~~قال: أنا قاتل زيد كان إقرارا، ولو قال: أنا قاتل زيدا كان تهديدا. قلنا: ~~لما كان قيام القيامة أمرا حقا لا يجوز الإخلال به في الحكمة، جعل وجوده ~~كالشيء القائم في الحال. # ولو قيل: من مات فقد قامت قيامته زال السؤال. # الرابعة: قالت القدرية: إن كان الكل من الله فثواب الرجل على ما لم يعمله ~~عبث وعقابه على ما لم يفعله ظلم، فيبطل كونه مالكا ليوم الدين. ms0110 قلنا: خلق ~~الجنة وخلق أهلا لها، وخلق النار وخلق أهلا لها، وذلك أن له صفة لطف وصفة ~~قهر كما ينبغي لكل ملك. # فخلق لكل صفة مظهرا ولا يسأل عما يفعل، لأن كل سؤال ينقلب فهو باطل. # الخامسة: في هذه السورة من أسماء الله تعالى خمسة: الله، الرب، الرحمن، ~~الرحيم، المالك. كأنه يقول: خلقتك أولا فأنا الله، ثم ربيتك بأصناف النعم ~~فأنا الرب، ثم # PageV01P102 # عصيت فسترت عليك فأنا الرحمن، ثم تبت فغفرت لك فأنا الرحيم، ثم أجازيك ~~بما عملت فأنا مالك يوم الدين وذكر الرحمن الرحيم مرة في التسمية ومرة أخرى ~~في السورة دليل على أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأوصاف، ومع ذلك ~~عقبها بقوله «مالك يوم الدين» كيلا يغتروا بها. ونظيره غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب [غافر: 3] . # السادسة: الحمد والمدح والتعظيم فيما بين الناس إنما يكون لكونه كاملا في ~~ذاته وإن لم يكن له إحسان إليك، وإما لكونه محسنا إليك، وإما رجاء وطمعا في ~~المستقبل، وإما خوفا ورهبة، فكأنه سبحانه يقول: إن كنتم تعظمون للكمال ~~الذاتي فاحمدوني فإني أنا الله، وإن كنتم تعظمون للإحسان السالف فأنا رب ~~العالمين، وإن كنتم تعظمون للإحسان المترقب فأنا الرحمن الرحيم، وإن كنتم ~~تعظمون رهبة عن العقاب فأنا مالك يوم الدين. # الثامن: في فوائد قوله «إياك نعبد» . # الأولى: لا شك أن تقديم المفعول مفيد للاختصاص أي لا نعبد أحدا سواك ~~والحاكم فيه الذوق السليم. واستحقاق هذا الاختصاص لله تعالى ظاهر، لأن ~~العبادة عبارة عن نهاية التعظيم فلا تليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو ~~الله تعالى. وذلك أن للعبد أحوالا ثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. أما ~~الماضي فقد كان معدوما فأوجده وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا [مريم: 9] أومن ~~كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 122] وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: 28] وكان ~~جاهلا فعلمه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا [النحل: 78] ثم أسمعه ~~وأبصره وأعقله وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة [الملك: 23] فهو إله بهذه ~~المعاني. وأما الحاضر فحاجاته كثيرة، ووجوه افتقاره غير محصورة من أول ms0111 عمره ~~إلى آخره مع انفتاح أبواب المعصية وانخلاع ربقة الطاعة، فهو رب رحمن رحيم ~~من هذه الوجوه. وأما المستقبل فأموره المتعلقة بما بعد الموت وأنه مالك يوم ~~الدين بهذه الحيثية، فلا مفزع للعبد في شيء من أحواله إلا إليه، فلا يستحق ~~عبادة العبد إلا هو. وأيضا ثبت بالدلائل القاطعة وجوب كونه تعالى عالما ~~قادرا جوادا غنيا حكيما إلى غير ذلك من الصفات الكمالية، وأما كون غيره من ~~الفلكيات والطبائع والنفوس كذلك فمشكوك فيه وإن كنا نجزم بأنه لا تأثير لها ~~فوجب طرح المشكوك والأخذ باليقين، فلا معبود بالحق إلا الله سبحانه، وأيضا ~~العبودية ذلة ومهانة، فكلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية أهنأ ~~وأمرأ. ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها وأولاها بالصفات العلى، ~~فعبوديته أولى، وأيضا كل ما سوى الواجب الغني ممكن فقير، والفقير مشغول ~~بحاجة نفسه # PageV01P103 # فلا يمكنه إفادة غيره. فدافع الحاجات هو الله فلا يستحق العبادة إلا هو ~~وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] . # الثانية: تقديم ذكر الله تعالى يورث الخشية والمهابة حتى لا يلتفت في ~~العبادة يمينا وشمالا بخلاف العكس. (يحكى) أن واحدا من المصارعين الأستاذين ~~صارع بعض من هو دونه ولا يعرفه، فصرع الأستاذ مرارا فقيل له: فلان الأستاذ ~~فانصرع في الحال وما ذاك إلا لاحتشامه بعد عرفانه. وأيضا ذكره تعالى أولا ~~مما يورث العبد قوة يسهل بها عليه ثقل العبودية فوجب تقديمه، كما أن من ~~أراد حمل ثقيل يقدم عليه دواء أو غذاء بعينه على ذلك، كما أن العاشق يسهل ~~عليه جميع الآلام عند حضور معشوقه. وأيضا إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] فالنفس إذا مسها طائف ~~الشيطان من الكسل والغفلة والبطالة طلع لها جلال الله من مشرق «إياك نعبد» ~~فتصير مبصرة مستعدة لأداء حق العبودية. وأيضا إن بدأ بالعبادة فض إبليس ~~قلبه أن المعبود من هو فيلقي في نفسه وساوس، أما إذا غير هذا الترتيب وقال: ~~«إياك نعبد» كان بعيدا عن احتمال الشرك. وأيضا الواجب ms0112 لذاته متقدم في ~~الوجود فيناسب أن يكون مقدما في الذكر. وأيضا المحققون نظرهم على المعبود ~~لا على العبادة، وعلى المنعم لا على النعمة، ولهذا قيل لبني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي [البقرة: 40] ولأمة محمد فاذكروني [البقرة: 152] فذكر المعبود عندهم ~~أولى من ذكر العبادة. # الثالثة: النون في قوله «نعبد» فيه وجوه من الحكمة منها: أنه تشريف من ~~الله تعالى للعبد حيث لقنه لفظا ينبىء عن التعظيم والتكريم كقوله حكاية عن ~~نفسه نحن نقص عليك أحسن القصص [يوسف: 2] كأنه قال: لما أظهرت عبوديتي ولم ~~تستنكف أن تكون عبدا لي جعلناك أمة إن إبراهيم كان أمة [النحل: 120] ومنها ~~أنه لو قال: إياك أعبد كان إخبارا عن كونه عبدا فقط، ولما قال: «إياك نعبد» ~~صار معناه إني واحد من عبيدك، ولا ريب أن الثاني أدخل في الأدب والتواضع. ~~ومنها أن يكون تنبيها على أن الصلاة بالجماعة أولى # قال صلى الله عليه وسلم: «التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا ~~وما فيها» # وهاهنا نكتة وهي أن الإنسان إذا أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر ~~الجماعة كيلا يتأذى منه جاره، وإذا كان ثواب الجماعة لا يفي بهذا القدر من ~~الإيذاء فكيف يفي بما هو أكثر من ذلك إيذاء للمسلمين من الغيبة والتهمة ~~والنميمة والسعاية وسائر أنواع الظلم؟ ومنها أن يكون المراد أعبدك ~~والملائكة معي والحاضرون بل جميع عبادك الصالحين. ومنها أن المؤمنين إخوة ~~فكأن الله تعالى قال: لما أثنيت علي بقولك «الحمد صلى الله عليه وسلم رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين» # PageV01P104 # ارتفعت منزلتك عندنا، فلا تقتصر على إصلاح حالك بل عليك بالسعي في إصلاح ~~حال جميع إخوانك فقل: «إياك نعبد وإياك نستعين» . ومنها أن العبد يقول: ~~إلهي عبادتي مخلوطة بالتقصير وإني أخلطها بعبادة جميع العابدين، فلا يليق ~~بكرمك أن تميز بين العبادات، ولا أن ترد الكل وفيها عبادة الأنبياء ~~والأولياء بل الملائكة المقربين. وهذا كما أن الرجل إذا باع من غيره عشرة ~~أعبد، فالمشتري إما أن يقبل الكل أو يرد الكل وليس له ms0113 أن يقبل البعض دون ~~البعض في تلك الصفقة. # الرابعة: من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها وثقل عليه الاشتغال ~~بغيرها لأن الكمال محبوب لذاته وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بخدمة مولاه، ~~فإنه يستنير قلبه بنوره ويشرق عليه من جماله ولهذا قد # ورد «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» # وأيضا التكاليف أمانة إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان [الأحزاب: 72] وأداء الأمانة ~~واجب عقلا وشرعا إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [النساء: 58] ~~وأداء الأمانات من أحد الجانبين سبب لأدائها من الجانب الآخر. قال بعض ~~الصحابة: أتى أعرابي باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد وصلى ~~بالسكينة والوقار ودعا بما شاء فتعجبنا، فلما خرج لم يجد الناقة فقال: إلهي ~~أديت أمانتك فأين أمانتي؟ قال الراوي: فزدنا تعجبا، فلم يمكث حتى جاء رجل ~~على ناقته وقد قطع يده وسلم الناقة إليه. # وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام احفظ الله في الخلوات يحفظك ~~في الفلوات» . # وأيضا الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى دار السرور، وركون من ~~الخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة. (يحكى) عن أبي حنيفة ~~أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس وهو في الصلاة فلم يشعر به. ووقعت الأكلة ~~في بعض أعضاء عبد الله بن الزبير واحتاجوا إلى قطع ذلك العضو فقطع وهو في ~~الصلاة ولم يشعر به. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يشرع في الصلاة كانوا ~~يسمعون من صدره أزيزا كأزيز المرجل. # ومن استبعد فليقرأ قوله تعالى فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن [يوسف: # 31] فإذا كان لجمال البشر مثل هذا التأثير فكيف جلال الله وعظمته إذا ~~تجلى على قلب الموحد العابد؟! وقد تحدث الحيرة والدهش عن رؤية بعض السلاطين ~~فكيف إذا كان الوقوف بين يدي رب العالمين؟! واعلم أن العبادة لها ثلاث ~~درجات، لأنه إما أن يعبد الله رغبة في ثوابه أو رهبة من عقابه، ويختص باسم ~~الزاهد حيث ms0114 يعرض عن متاع الدنيا وطيباتها طمعا فيما هو أشرف منها وأدوم، ~~وهذه مرتية نازلة عند المحققين. وإما أن يعبد الله تشرفا بعبادته أو بقبول ~~تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمى بالعبودية. وإما أن # PageV01P105 # يعبد الله لكونه إلها ولكونه عبدا له، والإلهية توجب العزة والهيبة، ~~والعبودية تقتضي الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات وتسمى بالعبودية وإليها ~~الإشارة بقول المصلي: # أصلي لله فإنه لو قال: أصلي لثواب الله أو هربا من عقابه فسدت صلاته. ~~(يحكى) أن عابدا في بني إسرائيل اعتزل وعبد الله تعالى سبعين سنة، فأرسل ~~الله تعالى إليه ملكا فقال: إن عبادتك غير مقبولة فلا تشق على نفسك ولا ~~تجاهد، فأجاب العابد بأن الذي علي هو العبودية وإني لا أزال أفعل ما علي، ~~فأما القبول وعدم القبول فموكول إلى المعبود. فرجع الملك فقال الله: بم ~~أجاب العابد؟ فقال: أنت أعلم يا رب، إنه قال كذا وكذا. فقال الله تعالى: ~~ارجع إليه وقل له: قبلنا طاعتك بسبب ثبات نيتك. والتحقيق أن إثبات نسبة ~~الإمكان هو قصارى مجهود العابدين ونهاية مطامح أبصار العارفين. وفي العبادة ~~انشراح صدور المؤمنين وإنها عاقبة حال المتقين. قال عز من قائل ولقد نعلم ~~أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين [الحجر: ### | 97- 99 # ] ولأن العبودية أشرف المقامات. مدح الله تعالى نبيه في قوله سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] وافتخر عيسى بذلك أول ما نطق فقال: إني عبد ~~الله [مريم: 30] وكان علي يقول: كفاني فخرا أن أكون لك عبدا وكفاني شرفا أن ~~تكون لي ربا. # اللهم إني وجدتك إلها كما أردت، فاجعلني عبدا كما أردت. ومنهم من قال: ~~العبودية أشرف من الرسالة، فبالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ~~ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينعزل عن التصرفات، وبالرسالة يقبل ~~على التصرفات، ولهذا نال شرف التقدم في قول الموحد «أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» ن يستنكف المسيح أن ms0115 يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون # [النساء: # 172] . # التاسع: في فوائد قوله «وإياك نستعين» . # الأولى: لا شك أن للعبد قدرة بها يتمكن من الفعل والترك، وإنما يحصل ~~الرجحان بمرجح. ولو كان ذلك المرجح من عند العبد عاد التقسيم، فلا بد أن ~~ينتهي إلى الله تعالى. # وأيضا كل الخلائق يطلبون طريق الحق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد ~~والطلب، ولا يفوز به إلا بعضهم، فليس ذلك إلا بإعانة الحق. وأيضا قد يطلب ~~الإنسان حاجة من غيره ويدافعه مدة مديدة ثم يقضي حاجته، فإلقاء تلك الداعية ~~في القلب ليس إلا من الله، فثبت أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ~~ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله. وتظهر فائدة الاستعانة في أنه ربما ~~جعل الله تعالى ذلك واسطة إلى نيل المطلوب كالشبع الحاصل عقيب أكل الطعام ~~ونحوه، فيسقط اعتراض الجبري والقدري فافهم. # PageV01P106 # الثانية: لقائل أن يقول: الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه ~~لا بعده، فهلا قدمت الاستعانة على ذكر العبادة؟ والجواب كأنه يقول: شرعت في ~~العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف، فإن ~~قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن. وأيضا إن قيل: الاستعانة مطلقة ~~تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج ~~وتقديم الوسيلة مناسب. # الثالثة: لا أريد بالإعانة غيرك اقتداء بالخليل صلى الله عليه وسلم حيث ~~قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال: هل لك حاجة؟ ~~فقال له: أما إليك فلا. قال: فاسأل الله. # قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وهاهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة ~~مقيدة رجلاه عن المشي، ويداه عن البطش، ولسانه إلا عن القراءة والذكر، فكما ~~أن الله قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم [الأنبياء: 69] فكذلك ~~تقول له نار جهنم: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. # الرابعة: لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته، فأنا ~~أقطع الواسطة ولا أنظر إلا إلى إعانتك. # الخامسة: ms0116 «إياك نعبد» تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله «وإياك نستعين» ~~لإزالة ذلك. # السادسة: هاهنا مقامان: معرفة الربوبية ومعرفة العبودية، وعند اجتماعهما ~~يحصل الربط المذكور في قوله أوفوا بعهدي أوف بعهدكم [البقرة: 40] أما معرفة ~~الربوبية فكمالها مذكور في قوله «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك ~~يوم الدين» فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلها، ~~وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه ربا رحمانا رحيما، وأحوال ~~معاده تدل على أنه مالك يوم الدين، وأما معرفة العبودية فمبدؤها «إياك ~~نعبد» وكمالها «إياك نستعين» في جميع المطالب، وإذا تم الوفاء بالعهدين ~~ترتبت عليه الثمرة وهو قوله: «اهدنا» إلى آخره. وهذا ترتيب لا يتصور أحسن ~~منه. # السابعة: في الالتفات الوارد في السورة وجوه: منها أن المصلي كان أجنبيا ~~عند الشروع في الصلاة، فلا جرم أثنى على الله بالألفاظ الغائبة إلى قوله: ~~«مالك يوم الدين» . # ثم الله تعالى كأنه يقول: حمدتني وأقررت بأني إله، رب العالمين، رحمن ~~رحيم، مالك يوم الدين، فنعم العبد أنت يا عبد. رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد ~~بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل «إياك نعبد» . ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد ~~وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه # PageV01P107 # ربا لا يخرج شيء من ملكوته منعما على الخلق بأنواع النعم- جلائلها ~~ودقائقها- مالكا للأمر كله في العاقبة، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق ~~بغاية الخضوع والاستعانة في المهام، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات ~~فقيل «إياك» يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، ليكون الخطاب أدل ~~على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به. # ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى، وهكذا ~~فعل الأنبياء عليهم السلام ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] رب هب لي حكما ~~[الشعراء: 83] رب زدني علما [طه: 114] رب أرني [الأعراف: 143] رب لا تذرني ~~فردا وأنت خير الوارثين [الأنبياء: 89] ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى ~~القربة فأثنى على الله بما هو أهله، فاستجاب الله دعاءه في تحصيل تلك ~~القربة ونقله إلى مقام ms0117 الحضور من مقام الغيبة. # الثامنة: اعلم أن المشركين طوائف، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية ~~كالحجر والذهب والفضة والنحاس، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين، ~~ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير، ومنهم من اتخذه من الأجسام ~~البسيطة، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية كعبدة الشمس ~~والقمر وسائر الكواكب. # ومنهم من قال: مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية، ومنهم من قال: ~~الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية ~~يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم، فيتخذون لتلك الأرواح صورا ~~وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة. ومنهم من قال: للعالم إلهان، أحدهما ~~خير وهو الله، والآخر شرير وهو إبليس. إذا عرفت ذلك فنقول: قد مر أن «الحمد ~~لله» يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع «الحمد ~~لله» «وإياك نعبد» يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون ~~الله، وأن الله أكبر من جميع المعبودين، فيقوم مقام قوله «لا إله إلا الله ~~والله أكبر» «وإياك نستعين» يدل على قوله «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم» فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور «سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم» . # العاشر في فوائد قوله «اهدنا الصراط المستقيم» . # الأولى: سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل. وأجيب بأن ~~المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل ~~مرضاة الله تعالى. يحكى أن نوحا عليه السلام كان يضرب في كل يوم مرات بحيث ~~يغشى عليه وكان # PageV01P108 # يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وأيضا إن في كل خلق من الأخلاق ~~طرفي إفراط وتفريط هما مذمومان، والحق هو الوسط والصواب. فالمؤمن بعد أن ~~عرف الله بالدليل صار مهتديا، لكنه لا بد مع ذلك من حصول الملكات والأخلاق ~~الفاضلة التي هي وسط بين الطرفين ومستقيم بين المنحرفين. ففي ms0118 القوة الشهوية ~~طرف الإفراط فجور وطرف التفريط خمود وهما مذمومان، والوسط وهو استعمالها في ~~مواضعها على قضية العدالة والشريعة محمود وهو العفة، وكذا في القوة الغضبية ~~طرفا التهور والجبن مذمومان والوسط وهو الشجاعة محمود، وفي القوة النفسانية ~~الجربزة والبله مذمومان والوسط وهو الحكمة محمود. وبالجملة فإنه يحصل من ~~توسيط استعمال القوة الشهوية الحياء والرفق والصبر والقناعة والورع والحرية ~~والسخاء، ومن توابع السخاء الكرم والإيثار والعفو والمروءة والمسامحة، ~~ويلزم من توسط استعمال القوة الغضبية كبر النفس وعلو الهمة والثبات والحلم ~~والسكون والتحمل والتواضع والحمية والرقة، ومن توسط استعمال القوة النطقية ~~الذكاء وسرعة الفهم وصفاء الذهن وسهولة التعلم وحسن التعقل والتحفظ ~~والتذكر، ويحصل من كمال التوسط في القوى الثلاث كمال العدالة ويتبعها ~~الصداقة والألفة والوفاء والشفقة وصلة الرحم والمكافأة وحسن الشركة ~~والتسليم والتوكل وتعظيم المعبود الحق وملائكته وأنبيائه وأولي الأمر ~~والانقياد لأوامرهم ونواهيهم. والتقوى تكمل هذه المعاني وتتممها، ولأن ~~القوة النطقية ذاتية للإنسان، والشهوية والغضبية حصلتا له بواسطة التعلق ~~البدني، فكمال التوسط في النطقية أن يستعملها بحيث لا يمكن أزيد منها. ~~وكمال التوسط في الأخريين أن يستعملهما بحيث لا يمكن أقل من ذلك ليفضي إلى ~~تحصيل سعادة الدارين. وأيضا العلم النظري يقبل الزيادة بمعنى تواصل أوقاته ~~وقلة الفترات، وبمعنى زيادة الأدلة فليس من علم بدليل كمن علم بأدلة، فلا ~~موجود من أقسام الممكنات إلا وفيه دلالة على وجود الله وعلمه وقدرته، وجوده ~~ورحمته وحكمته. وربما صح دين الإنسان بالدليل الواحد وبقي غافلا عن سائر ~~الدلائل فكأنه يقول: عرفنا إلهنا ما في كل شيء من كيفية دلالته على ذاتك ~~وصفاتك وعلمك وقدرتك. وأيضا قد يراد بالصراط المستقيم الاقتداء بالأنبياء، ~~وهو أن يكون الإنسان معرضا عما سوى الله مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على ~~الله، حتى لو أمر بذبح ولده لأطاع كالخليل، ولو أمر أن يذبح لانقاد ~~كإسماعيل، ولو أمر بإلقاء نفسه في البحر امتثل كيونس، ولو أمر بتلمذة من هو ~~أعلم منه بعد بلوغه أعلى منصب ائتمر كموسى مع الخضر. # وعن خباب قال: ms0119 شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له ~~في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم ~~يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه ~~ويجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون # PageV01P109 # لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه. # وأيضا كأن العبد يقول: الأحباب يدعونني إلى طريق، والأعداء إلى طريق ثان، ~~والشيطان إلى ثالث. وكذا القول في الشهوة والغضب والاعتقادات والآراء، ~~والعقل ضعيف، والعمر قصير، والقضاء عسير، فاهدني هذا الطريق السوي الذي لا ~~أزيغ به. حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي ~~على ناقة له. فقال: يا شيخ إلى أين؟ فقال: إلى بيت الله. قال: كأنك مجنون، ~~لا أرى لك مركبا ولا زادا والسفر طويل! فقال إبراهيم: إن لي مراكب كثيرة ~~ولكنك لا تراها. قال: وما هي؟ قال: إذا نزلت علي بلية ركبت مركب الصبر، ~~وإذا أسديت إلي نعمة ركبت مركب الشكر، وإذا ألم بي القضاء ركبت مركب الرضا، ~~وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى. فقال ~~الأعرابي: سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل. # وقيل: الصراط القرآن أو الإسلام وليس بشيء، إذ يصير المعنى اهدنا صراط ~~المتقدمين، مع أنه لم يكن لهم قرآن ولا إسلام، اللهم إلا أن يراد أصول هذه ~~الشريعة وقوانينها كما قال فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] . # وعن علي كرم الله وجهه: ثبتنا على الهداية كقوله ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا [آل عمران: 8] # فكم من عالم يزل ومهتد يضل. وفي اختيار لفظ الصراط دون الطريق أو السبيل، ~~تذكير للصراط الذي هو الجسر الممدود بين طرفي جهنم، سهل الله تعالى علينا ~~عبوره ووروده. # الثانية: إنما قبل «اهدنا» بلفظ الجمع لأن الدعاء متى كان أعم كان إلى ~~الإجابة أقرب، ولهذا قال بعض العلماء لتلميذه: إذا قلت قبل القراءة «رضي ~~الله عنك، وعن جماعة المسلمين» فإياك وأن تنساني في قولك ms0120 «وعن جماعة ~~المسلمين» فإن ذلك أوقع عندي من قولك «رضي الله عنك» ، لأن هذا تخصيص ~~بالدعاء ويجوز أن لا يقبل، وأما قولك «وعن المسلمين» فإنه أرجى لأنه لا بد ~~أن يكون في المسلمين من يستحق الإجابة، وإذا أجاب الله دعاء في البعض فهو ~~أكرم من أن يرده في الباقي. ومن هنا # ورد في السنة أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قبل كل دعاء وبعده # ، لأن الدعاء في الطرفين مستجاب البتة لأنه في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيستجاب الوسط بتبعية ذلك لا محالة. وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم: «ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها» . # قالوا: يا رسول الله، ومن لنا بتلك الألسنة؟ قال: يدعو بعضكم لبعض لأنك ~~ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك» وأيضا «الحمد لله» شامل لحمد جميع ~~الحامدين، و «إياك نعبد» لعبادة الجميع، «وإياك نستعين» لاستعانة الكل، فلا ~~جرم لما طلب الهداية طلبها للكل كما طلب الاقتداء بالصالحين جميعا في قوله: ~~«صراط الذين أنعمت عليهم» والفرار من الطالحين جميعا في قوله: «غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين» . وإذا كان كذلك في الدنيا # PageV01P110 # يرجى أن يكون كذلك في الآخرة ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~[النساء: 69] . # الثالثة: الخط المستقيم أقرب خط يصل بين النقطتين، والعبد عاجز فلا يليق ~~بضعفه إلا الطريق المستقيم. وأيضا المستقيم واحد وما سواه معوجة يشبه بعضها ~~بعضا في الاعوجاج، فكان أبعد من الخوف وأقرب إلى الخلاص. وأيضا ميل الطباع ~~إلى الاستقامة أكثري فلهذه الأسباب سئل الصراط المستقيم. # الحادي عشر في فوائد قوله «صراط الذين أنعمت عليهم» . # الأولى: حد النعمة بأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، ~~لأنه لو قصد الفاعل منفعة نفسه أولا على جهة الإحسان لم يكن نعمة فلا يستحق ~~الشكر. ثم نقول: كل ما يصل إلى الخلق من نفع أو دفع ضر فهو من الله تعالى ~~لقوله وما بكم من نعمة فمن الله [النحل: 53] ولأن الواصل ms0121 من جهة غير الله ~~ينتهي إليه أيضا لأنه الخالق لتلك النعمة، وكذلك للمنعم ولداعية ذلك ~~الإنعام فيه. والنعم الواصلة إلينا بطاعاتنا هي أيضا من الله تعالى لأنها ~~بتوفيقه وإعانته بأن أتاح الأسباب وأزاح الأعذار. وأول نعمة من الله تعالى ~~على عبيده نعمة الحياة التي بها يمكن الانتفاع بالمنافع والاحتراز عن ~~المضار قال تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: 28] ثم ~~عقب ذلك بقوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [البقرة: 29] . # الثانية: هل لله تعالى على الكافر نعمة أم لا؟ أنكر ذلك بعض أصحابنا ~~لوجوه منها: # قوله «صراط الذين أنعمت عليهم» فإنه لو كان له على الكفار نعمة لزم طلب ~~صراط الكفار لأن المبدل منه وهو الصراط المستقيم في حكم المنحى. والجواب أن ~~قوله «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» يدفع ذلك، ومنها قوله ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما [آل ~~عمران: 178] والجواب أنه لا يلزم من أن لا يكون الإملاء خيرا ونعمة لهم أن ~~لا يكون أصل الحياة وسائر أسباب الانتفاع نعمة، فإن الإملاء تأخير النقمة ~~بعد ثبوت استحقاقها، فما قبل هذه الحالة لا يكون كذلك. على أن نفس الإملاء ~~أيضا تمتيع حالي قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~[البقرة: 126] وليس هذا كمن جعل السم في الحلواء على ما ظن، وإنما هو كمن ~~ناول شخصا حلواء لذيذة غير مسمومة ولكن ذلك الشخص لفساد مزاجه أو لاستعماله ~~الحلواء لا كما ينبغي أفسد مزاج الحلواء أيضا وصيره كالسم القاتل بالنسبة ~~إليه، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «نعم # PageV01P111 # المال الصالح للرجل الصالح» «1» # وكيف لا تعم نعم الله تعالى وقد قال على العموم: يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~والسماء بناء وأنزل من السماء ماء [البقرة: 21، 22] وقال: وكنتم أمواتا ~~فأحياكم [البقرة: 28] كل ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم. وقال: وقليل من ~~عبادي الشكور [سبأ: 13] ولا تجد أكثرهم شاكرين ms0122 [الأعراف: 17] والشكر لا ~~يكون إلا بعد النعمة. # الثالثة: ما المراد بالنعمة المذكورة في قوله «أنعمت عليهم» ؟ قلنا: ~~يتناول كل من كان لله عليه نعمة دينية ودنيوية. ثم إنه يخرج بقوله «غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين» كل من عليه نعمة دنيوية فقط ويبقى الذين أنعم ~~الله عليهم في الدنيا والآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ~~وكما أن أصل النعم الدنيوية هي الحياة المستتبعة لكل المنافع، فكذلك أصل ~~النعم الدينية هو الإيمان المستلزم لجميع الخيرات والسعادات. وكما أن كمال ~~البدن بالحياة فكمال النفس بالإيمان وموتها بفقده إنك لا تسمع الموتى ~~[النمل: 80] وما أنت بمسمع من في القبور [فاطر: 22] وكما أن حياة البدن من ~~الله فكذا الإيمان منه وبتوفيقه. وإضافة الإيمان إلى العبد إضافة الأثر إلى ~~القابل وبذلك القبول يستأهل الثواب. والمؤمن لا يبقى مخلدا في النار، فإن ~~من شرفه الله تعالى بأعظم الأنعام لن يعاقبه بأشد الآلام، فما الإنعام إلا ~~بالإتمام. قيل: لو كان رعاية الأصلح على الله واجبا لم يكن ذلك إنعاما لأن ~~أداء الواجب لا يسمى إنعاما. قلت: النزاع لفظي لأن الأصلح لا بد أن يصدر ~~عنه، ولا يليق بحكمته وكماله خلاف ذلك ثم ما شئت فسمه. # الثاني عشر في فوائد قوله «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» . # الأولى: من المغضوب عليهم ومن الضالون؟ قلت: المغضوب عليهم هم المائلون ~~في كل خلق أو اعتقاد إلى طرف التفريط ومنهم اليهود، والضالون هم المائلون ~~إلى طرف الإفراط ومنهم النصارى. وإنما خص الأولون بالغضب عليهم لأن الغضب ~~يلزمه البعد والطرد، والمفرط في شيء هو المعرض عنه غير مجد بطائل فهو بعيد ~~عن ذلك. وأما المفرط فقد أقبل عليه وجاوز حد الاعتدال، فغاب عن المقصود ~~ومني بالحرمان كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران [الأنعام: 71] ~~فاليهود فرطوا في شأن نبي الله ولم يطيعوه وآذوه حتى قالوا بعد أن نجاهم ~~الله من عدوهم يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة [البقرة: 55] ولهذا قال عز PageV01P112 # من قائل يا أيها ms0123 الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا [الأحزاب: # 69] والنصارى أفرطوا وقالوا المسيح ابن الله [التوبة: 30] إن الله ثالث ~~ثلاثة [المائدة: # 73] # روي عن عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غير المغضوب ~~عليهم اليهود والضالون النصارى» # وتصديق ذلك من كتاب الله حيث قال في اليهود وباؤ بغضب من الله [آل عمران: # 112] وفي النصارى وضلوا عن سواء السبيل [المائدة: 77] هذا شأن الفريقين. ~~وأما المؤمنون فطلبوا الوسط بين المنحرفين وذلك من لطف الله تعالى بهم ~~وفضله عليهم وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس [آل عمران: 110] وخير الأمور أوسطها. # الثانية: الآية تدل على أن أحدا من الملائكة والأنبياء ما أقدم على عمل ~~أو اعتقاد يخالف الحق وإلا لكان ضالا لقوله تعالى فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال [يونس: 32] يصلح للاقتداء به والاهتداء بطريقه. # الثالثة: ما الفائدة في أن عدل من أن يقول اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إلى ما عدل؟ قلت: الإيمان إنما ~~يكمل بالرجاء والخوف كما # قال صلى الله عليه وسلم: «لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» # فقوله «صراط الذين أنعمت عليهم» يدل على الرجاء، وباقي الآية يدل على ~~الخوف، فيكمل الإيمان بطرفيه وركنيه. # الثالث عشر: في تفسير السورة مجموعة وفيه مناهج: # المنهج الأول: نسبة عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ونسبة الأصل إلى الفرع، ~~والنور إلى الظلمة، فكل شاهد. فله في الغائب أصل وإلا كان كسراب زائل وخيال ~~باطل، وكل غائب فله في الشاهد مثال وإلا كان كشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا ~~دليل، وكل شريف فهو بالنسبة إلى ما دونه مطاع كما قال عز من قائل ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين [التكوير: 20، 21] والمطاع في عالم ~~الروحانيات مطاع في عالم الجسمانيات، والمطاع في عالم الأرواح هو المصدر، ~~والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر. ولا بد من أن يكون بينهما ملاقاة ~~ومجانسة وبهما تتم سعادة الدارين لأنهما يدعوان إلى الله بالرسالة. # وحاصل الدعوة أمور سبعة ms0124 تشتمل عليها خواتيم سورة البقرة، أربعة منها ~~تتعلق بالمبدأ وهي معرفة الربوبية أعني معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ~~ورسله آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: # 285] واثنان منها تتعلق بالوسط أحدهما مبدأ العبودية وقالوا سمعنا وأطعنا ~~[البقرة: # PageV01P113 # 285] والثاني كمال العبودية وهو الالتجاء إلى الله وطلب المغفرة منه ~~غفرانك ربنا [البقرة: 285] وواحد يتعلق بالمعاد وهو الذهاب إلى حضرة الملك ~~الوهاب وإليك المصير [البقرة: 285] ويتفرع على هذه المراتب سبع مراتب في ~~الدعاء والتضرع أولها ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [البقرة: 286] ~~فضد النسيان هو الذكر واذكر ربك إذا نسيت [الكهف: 24] وهذا الذكر إنما يحصل ~~بقوله «بسم الله الرحمن الرحيم» . وثانيها ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا [البقرة: 286] ودفع الإصر والثقل يوجب «الحمد لله ~~رب العالمين» . وثالثها: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به [البقرة: 286] ~~. وذلك إشارة إلى كمال رحمته «الرحمن الرحيم» ورابعها واعف عنا [البقرة: ~~286] لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين «مالك يوم الدين» . # وخامسها واغفر لنا [البقرة: 286] لأنا التجأنا بكليتنا إليك وتوكلنا في ~~جميع الأمور عليك «إياك نعبد وإياك نستعين» . وسادسها وارحمنا [البقرة: ~~286] لأنا طلبنا الهداية منك «اهدنا الصراط المستقيم» وسابعها أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين [البقرة: 286] «صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين» . فهذه المراتب ذكرها محمد صلى الله عليه وسلم ~~في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج، فلما نزل من المعراج فاض أثر ~~المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة، فمن قرأها في صلاته ~~صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت في عهد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من المصدر إلى المظهر، فلهذا السبب # قال صلى الله عليه وسلم: «الصلاة معراج المؤمن» . # المنهج الثاني: المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة: ~~الشهوة والغضب والهوى. الشهوة بهيمية، والغضب سبعية، والهوى شيطانية أرضية، ~~ولهذا قال: # فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم ms0125 منها، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه. قال ~~تعالى وينهى عن الفحشاء [النحل: 9] أي الشهوة، والمنكر الغضب، والبغي ~~الهوى، فبالشهوة يصير الإنسان ظالما لنفسه، وبالغضب ظالما لغيره، وبالهوى ~~لربه، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم ~~عسى الله أن يتركه، فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والظلم الذي لا ~~يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضا، والظلم الذي عسى الله أن يتركه هو ظلم ~~الإنسان نفسه» # ونتيجة الشهوة الحرص والبخل، ونتيجة الغضب العجب والكبر، ونتيجة الهوى ~~الكفر والبدعة. ويحصل من اجتماع هذه الست في بني آدم خصلة سابعة هي الحسد ~~وهو نهاية الأخلاق الذميمة، كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص ~~المذمومة، ولهذا السبب ختم الله تعالى مجامع الشرور الإنسانية بالحسد في ~~قوله تعالى: # PageV01P114 # ومن شر حاسد إذا حسد [الفلق: 5] كما ختم جوامع الخبائث الشيطانية ~~بالوسوسة في قوله يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس [الناس: 5، 6] # روي أن إبليس أتى باب فرعون وقرع الباب فقال فرعون: من هذا؟ قال: إبليس ~~ولو كنت إلها ما جهلت. فلما دخل قال فرعون: أتعرف في الأرض شرا مني ومنك؟ ~~قال: نعم، الحاسد، وبالحسد وقعت فيما وقعت. # ثم نقول: الأسماء الثلاثة في التسمية دافعة للأخلاق الثلاثة الأصلية، ~~والآيات السبع التي هي الفاتحة دافعة للأخلاق السبعة، بيان ذلك من عرف الله ~~تباعد عنه شيطان الهوى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23] يا موسى ~~خالف هواك فإني ما خلقت خلقا نازعني في ملكي إلا هواك. ومن عرف أنه رحمن لم ~~يغضب لأن منشأ الغضب طلب الولاية والولاية للرحمن الملك يومئذ الحق للرحمن ~~[الفرقان: 26] ومن عرف أنه رحيم صحح نسبته إليه فلا يظلم نفسه ولا يلطخها ~~بالأفعال البهيمية. وأما الفاتحة فإذا قال «الحمد لله» فقد شكر الله واكتفى ~~بالحاصل فزالت شهوته، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله ~~فيما وجد، ومن عرف أنه «مالك يوم الدين» بعد أن عرف إنه «الرحمن الرحيم» ~~زال غضبه، ومن قال: ms0126 «إياك نعبد وإياك نستعين» زال كبره بالأول وعجبه ~~بالثاني، وإذا قال «اهدنا الصراط المستقيم» اندفع عنه شيطان الهوى، وإذا ~~قال «صراط الذين أنعمت عليهم» زال عنه كفره، وإذا قال «غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين» اندفعت بدعته، وإذا زالت عنه الأخلاق الستة اندفع عنه الحسد، ~~ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة وكذا جميع الأخلاق الذميمة ~~كالنتائج والشعب من تلك السبعة، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق ~~الذميمة. وهنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله وبسببها ختم القرآن عليها، ~~كأنه قال: إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس، وإن أتاك من ~~قبل الغضب فقل ملك الناس، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس. # المنهج الثالث: في أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يفتقر إليه الإنسان في ~~معرفة المبدأ والوسط والمعاد «الحمد لله» إشارة إلى إثبات الصانع المختار ~~العليم الحكيم المستحق للحمد والثناء والتعظيم. «رب العالمين» يدل على أن ~~ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه، ولهذا ~~جاء في القرآن الاستدلال بخلق الخلائق كثيرا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت [البقرة: 258] الذي خلقني فهو يهدين [الشعراء: 78] ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] ربكم ورب آبائكم الأولين [الشعراء: 26] اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم [البقرة: 21] اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق ~~الإنسان من علق [العلق: 1، 2] وهذه الحالة كما أنها # PageV01P115 # في نفسها دليل على وجود الرب فكذلك هي في نفسها إنعام عظيم، وذلك أن تولد ~~الأعضاء المختلفة الطبائع والصور من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا ~~إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع، وكل منها مطابق ~~للمطلوب وموافق للغرض كما يشهد به علم تشريح الأبدان. فلا أحق بالحمد ~~والثناء من هذا المنعم المنان الكريم الرحمن الرحيم الذي شمل إحسانه قبل ~~الموت وعند الموت وبعد الموت. «مالك يوم الدين» يدل على أن من لوازم حكمته ~~ورحمته أن يقدر بعد هذا اليوم يوما آخر يظهر فيه تمييز المحسن ms0127 من المسيء ~~والمظلوم من الظالم، وهاهنا تمت معرفة الربوبية. ثم إن قوله «إياك نعبد» ~~إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي نوعان: ~~الأعمال والآثار المتفرعة على الأعمال أما الأعمال فلها ركنان: أحدهما ~~الإتيان بالعبادة وهو قوله «إياك نعبد» والثاني علمه بأنه لا يمكنه ذلك إلا ~~بإعانة الله وهو قوله «وإياك نستعين» . وأما الآثار المتفرعة على الأعمال ~~فهي حصول الهداية والتحلي بالأخلاق الفاضلة المتوسطة بين الطرفين المستقيمة ~~بين المنحرفين «اهدنا الصراط المستقيم» إلى آخره وفي قوله «صراط الذين ~~أنعمت عليهم» دليل على أن الاستضاءة بأنوار أرباب الكمال خلة محمودة وسنة ~~مرضية «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله [آل عمران: 31] وفي قوله «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» ~~إشارة إلى أن التجنب عن مرافقة أصحاب البدع والأهواء واجب. # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي # والجمر يوضع في الرماد فيخمد المنهج الرابع: # قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين فإذا قال العبد «بسم الله الرحمن الرحيم» يقول الله: ذكرني عبدي. ~~وإذا قال: «الحمد لله رب العالمين» يقول الله: حمدني عبدي وإذا قال: ~~«الرحمن الرحيم» يقول الله: عظمني عبدي. وإذا قال: «مالك يوم الدين» يقول ~~الله: مجدني عبدي- # وفي رواية فوض إلي عبدي- وإذا قال: «إياك نعبد» يقول الله: عبدي عبدي ~~وإذا قال: «وإياك نستعين» يقول الله: # توكل علي عبدي- # وفي رواية وإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم» يقول الله: هذا لعبدي ما ~~سأل «1» # فقوله «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» # إشارة إلى أن أهم مهمات العبد أن يستنير PageV01P116 # قلبه بمعرفة الربوبية ثم بمعرفة العبودية، لأنه إنما خلق لرعاية هذا ~~العهد وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم [البقرة: 40] فلا جرم أنزل الله تعالى هذه السورة جامعة لكل ما ~~يحتاج إليه العبد في الوفاء بذلك العهد # وقوله «إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله ذكرني عبدي» # مناسب ms0128 لقوله تعالى فاذكروني أذكركم «1» # «أنا جليس من ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ~~ذكرته في ملأ خير منه» # والذكر مقام عال شريف ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا [الأحزاب: 41] واذكر ربك في نفسك [الأعراف: ~~205] تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] الذين يذكرون الله قياما وقعودا ~~وعلى جنوبهم [آل عمران: 191] ولهذا وقع الابتداء به. # وقوله «ذكرني عبدي» # دل على أن ذاته المخصوصة صارت مذكورة بقوله «بسم الله الرحمن الرحيم» ~~وهذا يدل على أن الله اسم علم. # وقوله «إذا قال: الله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي» # يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر لأنه أو كلام في أول خلق ~~العالم حيث قالت الملائكة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة: 30] وآخر ~~كلام في الجنة وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] ولأن الفكر ~~في ذات الله تعالى غير ممكن # «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» # وكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه ~~أكثر فيحمد الله تعالى أكثر، # فقوله «حمدني عبدي» # شهادة من الله تعالى على وقوف العبد بعقله وفكره على وجوه فضله وإنعامه ~~في ترتيب العالم وتربية العالمين، وأنه أقر بقلبه ولسانه بكرمه وإحسانه. # قوله «وإذا قال: الرحمن الرحيم» «يقول الله: عظمني عبدي» # يدل ذلك على أن الإله الكامل المكمل المنزه عن الشريك والنظير والمثل ~~والند والضد، هو في غاية الرحمة والفضل والكرم مع عباده. ولا شك أن غاية ما ~~يصل العقل والفهم والوهم إليه من تصور معنى الكمال والجلال ليس إلا هذا ~~المقام وهو التعظيم لله. # وقوله «وإذا قال: مالك يوم الدين يقول الله: مجدني عبدي» # أي نزهني وقدسني عن الظلم وعن شبهة الظلم حيث قضيت معادا يحشر إليه ~~العباد ويقضي فيه بين الظالم والمظلوم والقوي والضعيف. # أيحسب الظالم في ظلمه ... أهمله القادر أم أمهلا # ما أهملوه بل لهم موعد ... لن يجدوا من دونه موئلا PageV01P117 # وقوله «وإذا قال ms0129 العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين ~~عبدي» # معناه أن «إياك نعبد» يدل على إقدام العبد على الطاعة والعبادة ولا يتم ~~ذلك إلا بإعانة الله بخلق داعية فيه خالصة عن المعارض، فإن العبد غير مستقل ~~بالإتيان بذلك العمل فهو المراد من قوله «وإياك نستعين» # وقوله «وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم يقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما ~~سأل» # تقريره أن أهل العلم مختلفون بالنفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية أو ~~أكثرها، وفي المعاد والنبوات وغيرها مع استواء الكل في العقل والنظر. ~~فالاهتداء إلى ما هو الحق في الأمر نفسه ليس إلا بهداية الله تعالى وإرشاده ~~كما قالت الملائكة سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] وقال ~~إبراهيم عليه السلام لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين [الأنعام: ~~77] وقال موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري [طه: # 25، 26] . # المنهج الخامس: آيات الفاتحة سبع والأعمال المحسوسة في الصلاة أيضا سبعة: # القيام والركوع والانتصاب منه والسجود الأول والانتصاب منه والسجود ~~الثاني والقعدة. # فهذه الأعمال كالشخص والفاتحة لها كالروح، وإنما يحصل الكمال عند اتصال ~~الروح بالجسد، فقوله «بسم الله الرحمن الرحيم» بإزاء القيام، ألا ترى أن ~~الباء في بسم الله لما اتصل باسم الله حصل قائما مرتفعا. وأيضا التسمية ~~لبداية الأمور # «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أبتر» # والقيام أيضا أول الأعمال. وقوله «الحمد لله رب العالمين» بإزاء الركوع ~~لأن الحمد في مقام التوحيد نظرا إلى الحق وإلى الخلق والمنعم والنعمة، لأنه ~~الثناء على الله بسبب الإنعام الصادر منه إلى العبد، فهو حالة متوسطة بين ~~الإعراض والاستغراق، كما أن الركوع متوسط بين القيام والسجود، وأيضا ذكر ~~النعم الكثيرة مما يثقل الظهر فينحني وقوله «الرحمن الرحيم» مناسب ~~للانتصاب، لأن العبد لما تضرع إلى الله بالركوع فاللائق برحمته أن يرده إلى ~~الانتصاب ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قال العبد: سمع الله لمن حمده نظر الله ~~إليه بالرحمة» # وقوله «مالك يوم الدين» مناسب للسجدة الأولى لدلالته على كمال ms0130 القهر ~~والجلال والكبرياء وذلك يوجب الخوف الشديد المستتبع لغاية الخضوع. وقوله ~~«إياك نعبد وإياك نستعين» مناسب للقعدة بين السجدتين لأن إياك نعبد إخبار ~~عن السجدة التي تقدمت و «إياك نستعين» استعانة بالله في أن يوفقه للسجدة ~~الثانية، وقوله «اهدنا الصراط المستقيم» سؤال لأهم الأشياء فيليق به السجدة ~~الثانية ليدل على نهاية الخشوع. وقوله «صراط الذين أنعمت عليهم» إلخ. مناسب ~~للقعود لأن العبد لما أتى بغاية التواضع قابله الله بالإكرام والقعود بين ~~يديه وحينئذ يقرأ «التحيات لله» كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم قرأها في ~~معراجه فالصلاة معراج المؤمن. # PageV01P118 # المنهج السادس: آيات الفاتحة سبع وأعمال الصلاة المحسوسة سبعة كما تقدم، ~~ومراتب خلق الإنسان سبع ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة ~~في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ~~[المؤمنون: 12- 14] فنور آيات الفاتحة يسري إلى الأعمال السبعة، ونور ~~الأعمال السبعة يسري إلى هذه المراتب فيحصل في القلب نور على نور، ثم ينعكس ~~إلى وجه المؤمن # «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» . # المنهج السابع: إنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم معراجان: من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم من المسجد الأقصى إلى عالم الملكوت. ~~هذا في عالم الحس، وأما في عالم الأرواح، فمن الشهادة إلى الغيب، ثم من ~~الغيب إلى غيب الغيب، فهذا بمنزلة قوسين متلاصقين، فتخطاهما محمد صلى الله ~~عليه وسلم فكان قاب قوسين. وقوله «أو أدنى» إشارة إلى فنائه في نفسه. ~~والمراد بعالم الشهادة كل ما يتعلق بعالم الجسم والجسمانيات، وبعالم ~~الأرواح ما فوق ذلك من الأرواح السفلية، ثم المتعلقة بسماء سماء إلى ~~الملائكة الحافين من حول العرش، ثم إلى حملة العرش ومن عند الله الذين ~~طعامهم ذكر الله وشرابهم محبته وأنسهم بالثناء عليه ولذتهم في خدمته لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~[الأنبياء: 19، 20] وهكذا يتصاعد إلى أن ينتهي إلى نور الأنوار ms0131 وروح ~~الأرواح ولا يعلم تفاصيلها إلا الله أو من ارتضاه، والمقصود أن نبينا صلى ~~الله عليه وسلم لما عرج وأراد أن يرجع قال رب العزة: المسافر إذا عاد إلى ~~وطنه أتحف أصحابه وإن تحفة أمتك الصلاة الجامعة بين المعراجين الجسماني ~~بالأفعال والروحاني بالأذكار. فليكن المصلي ثوبه طاهرا وبدنه طاهرا لأنه ~~بالوادي المقدس طوى. وأيضا عنده ملك وشيطان، ودين ودنيا، وعقل وهوى، وخير ~~وشر، وصدق وكذب، وحق وباطل، وحلم وطيش، وقناعة وحرص، وسائر الأخلاق ~~المتضادة والصفات المتنافية، فلينظر أيها يختار فإنه إذا استحكمت المرافقة ~~تعذرت المفارقة، اختار الصديق صحبة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه في ~~الدنيا وفي القبر ويكون معه في القيامة وفي الجنة، وصحب كلب أصحاب الكهف ~~فلزمهم في الدنيا والآخرة قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين [التوبة: 119] ثم إذا تطهر فليرفع يديه إشارة إلى توديع ~~الدنيا والآخرة وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله ثم ليقل «الله أكبر» أي من ~~كل الموجودات بل هو أكبر من أن يقاس إليه غيره بأنه أكبر منه، ثم ليقل # «سبحانك اللهم وبحمدك» # وفي هذا المقام ينكشف له نور سبحات الجلال، ثم ليقل «تبارك اسمك» إشارة ~~إلى الدوام المنزه عن الإفناء والإعدام ليطالع حقيقة الأبد في البقاء، # PageV01P119 # فيتجلى له نور الأزل والأبد، ثم ليقل «وتعالى جدك» إشارة إلى أنه أعلى ~~وأعظم من أن تكون صفات جلاله ونعوت كماله محصورة في القدر المذكور، ثم ليقل ~~«ولا إله غيرك» إشارة إلى أن صفات الجلال وسمات الكمال له تعالى لا لغيره، ~~فهو الكامل الذي لا كامل إلا هو وفي الحقيقة لا هو إلا هو، وهاهنا يكل ~~اللسان وتدهش الألباب، ثم عد أيها المصلي إلى نفسك وحالك وقل «وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض» فقولك «سبحانك اللهم وبحمدك» معراج الملائكة ~~المقربين حيث قالوا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك [البقرة: 30] وهو أيضا معراج ~~محمد صلى الله عليه وسلم لأن معراجه مفتتح # بقوله «سبحانك اللهم وبحمدك» # وقولك «وجهت وجهي» معراج الخليل صلى الله عليه ms0132 وسلم، وقولك «إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي» معراج الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. فقد جمع ~~المصلي بين معراج الملائكة المقربين ومعراج عظماء الأنبياء والمرسلين ثم ~~إذا فرغت من هذه الحالة فقل «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» لتدفع العجب عن ~~نفسك، وفي هذه المقام يفتح لك أحد أبواب الجنة وهو باب المعرفة، وبقولك ~~«بسم الله الرحمن الرحيم» يفتح باب الذكر، وبقولك «الحمد لله رب العالمين» ~~يفتح باب الشكر، وبقولك «الرحمن الرحيم» يفتح باب الرجاء، وبقولك «مالك يوم ~~الدين» يفتح باب الخوف، وبقولك «إياك نعبد وإياك نستعين» بفتح باب الإخلاص ~~المتولد من معرفة العبودية ومعرفة الربوبية وبقولك «اهدنا الصراط المستقيم» ~~يفتح باب الدعاء والتضرع ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] وبقولك: «صراط الذين ~~أنعمت» إلخ. يفتح باب الاقتداء بالأرواح الطيبة والاهتداء بأنوارهم، فجنات ~~المعارف الربانية انفتحت لك أبوابها الثمانية بهذه المقاليد الروحانية، ~~فهذا بيان المعراج الروحاني في الصلاة، وأما الجسماني فأولى المراتب أن ~~تقوم بين يدي الله كقيام أصحاب الكهف إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات ~~والأرض [الكهف: 14] بل قيام أهل القيامة يوم يقوم الناس لرب العالمين ~~[المطففين: 6] ثم اقرأ «سبحانك اللهم وبحمدك» ثم «وجهت وجهي» ثم «الفاتحة» ~~وبعدها «ما تيسر لك من القرآن» واجتهد في أن تنظر من الله إلى عبادتك حتى ~~تستحقرها، وإياك أن تنظر من عبادتك إلى الله فإنك إن فعلت ذلك صرت من ~~الهالكين وهذا سر قوله: «إياك نعبد وإياك نستعين» واعلم أن نفسك إلى الآن ~~جارية مجرى خشبة عرضتها على نار خوف الجلال فلانت، فاجعلها منحنية بالركوع ~~ثم اتركها لتستقيم مرة أخرى، فإن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض ~~طاعة الله إلى نفسك # «فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» # فإذا عادت إلى استقامتها فانحدر إلى الأرض بغاية التواضع واذكر ربك بغاية ~~العلو وقل: «سبحان ربي الأعلى» فإذا سجدت ثانية حصل لك ثلاثة أنواع من ~~الطاعة. ركوع واحد وسجدتان، # PageV01P120 # فبالركوع تنجو من عقبة الشهوات، وبالسجود الأول من عقبة العضب الذي هو ~~رئيس المؤذيات، وبالسجود الثاني ms0133 تنجو من عقبة الهوى الداعي إلى كل المضلات. ~~فإذا تجاوزت هذه الصفات وتخلصت عن هذه الدركات، وصلت إلى الدرجات العاليات ~~وملكت الباقيات الصالحات، وانتهيت إلى عقبة جلال مدبر الأرض والسموات، فقل ~~عند ذلك «التحيات المباركات» باللسان، و «الصلوات» بالأركان و «الطيبات» ~~بالجنان وقوة الإيمان بالله، فيصعد نور روحك وينزل نور روح محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيتلاقى الروحان ويحصل هناك الروح والريحان فقل «السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته» فعند ذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم ~~«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فكأنه قيل لك: بم نلت هذه ~~الكرامات؟ فقل: بقولي: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن ~~محمدا رسول الله» فقيل: إن محمدا الذي هداك أي شيء هديتك له صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقل «اللهم صل على محمد وآل محمد» ، فقيل لك: إن إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم وهو الذي قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم [البقرة: 129] فما ~~جزاؤك له صلى الله عليه وسلم؟ فقل «كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~في العالمين» فيقال لك: هذه الخيرات من محمد وإبراهيم أو من الله؟ فقل: بل ~~من الحميد المجيد «إنك حميد مجيد» . ثم إن العبد إذا ذكر الله تعالى بهذه ~~الأثنية والمدائح ذكره الله تعالى في محافل الملائكة # «إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» «1» # فإذا سمع الملائكة ذلك اشتاقوا إلى العبد فقال الله تعالى: إن الملائكة ~~اشتاقوا إلى زيارتك وقد جاؤوك زائرين فابدأ بالسلام عليهم لتكون من ~~السابقين، فقل عن اليمين وعن الشمال «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» فلا ~~جرم إذا دخل المصلون الجنة فالملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ~~بما صبرتهم فنعم عقبى الدار. # المنهج الثامن: أعظم المخلوقين جلالة ومهابة المكان والزمان، فالمكان ~~فضاء لا نهاية له، وخلاء لا غاية له، والزمان امتداد وهمي شبيه بنهر خرج من ~~قعر جبل الأزل فامتد ودخل في قعر الأبد، فلا يعرف لانفجاره مبدأ ولا ~~لاستقراره منزل. فالأول والآخر ms0134 صفة الزمان، والظاهر والباطن صفة المكان، ~~وكمال هذه الأربعة «الرحمن الرحيم» فالحق سبحانه وسع المكان ظاهرا وباطنا، ~~ووسع الزمان أولا وآخرا، وهو منزه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه ~~كان ولا مكان ولا زمان، فعقد المكان بالكرسي وسع كرسيه السماوات والأرض ~~[البقرة: 255] وعقد الزمان بالعرش وكان عرشه على الماء [هود: 7] لأن جري ~~الزمان يشبه جري الماء، فالعلو صفة الكرسي وسع كرسيه [البقرة: 255] والعظمة ~~صفة العرش رب العرش العظيم [التوبة: 129] وكمال العلو والعظمة لله ~~PageV01P121 # ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم [البقرة: 255] والعلو والعظمة درجتان ~~من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء # «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» «1» # ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي ~~تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» «2» # وفي التنزيل ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [الرحمن: 27] فالمصلي ~~يبتغي وجه الله، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس، ~~وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب توبوا إلى الله توبة نصوحا [التحريم: ~~8] ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد، ثم من الكونين الدنيا والآخرة ~~وهو مقام المعرفة، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص، ثم من ~~الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين، ثم من الالتفات إلى كل ما ~~سوى الله وهو مقام الصديقين، ثم قم قائما فأقم وجهك للدين حنيفا، [الروم: ~~30] واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل ~~«الله أكبر» أي من الكل كما مر، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «الإحسان أن نعبد الله كأنك تراه فإن لم ~~تكن تراه فإنه يراك» «3» # أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن ~~يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت «الله أكبر» فأجل طرف عقلك في ms0135 ~~ميادين جلال الله وقل «سبحانك اللهم وبحمدك» ثم قل «وجهت وجهي» ثم انتقل ~~إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب ~~الدنيا والآخرة، وتطلع منها على أنوار أسماء الله الحسنى وصفاته العليا ~~والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها ~~إلى الطريقة ومنها إلى الحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين، ~~فإذا قلت «بسم الله الرحمن الرحيم» أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السموات ~~والأرضون، وإذا قلت «الحمد لله رب العالمين» أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت ~~الآخرة وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] وإذا قلت «الرحمن ~~الرحيم» أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال، وإذا ~~قلت «مالك يوم الدين» أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال ~~والأهوال، وإذا قلت PageV01P122 # «إياك نعبد» أبصرت به عالم الشريعة، وإذا قلت «وإياك نستعين» أبصرت به ~~عالم الطريقة، وإذا قلت «اهدنا الصراط المستقيم» أبصرت به عالم الحقيقة ~~وإذا قلت «صراط الذين أنعمت عليهم» أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب ~~الكرامات، وإذا قلت «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» لاحظت دركات أهل ~~التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات ~~بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل «الله أكبر» ثم انزل ~~من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل «سبحان ربي العظيم» ثم انتصب ثانيا وادع ~~لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل «سمع الله لمن حمده» فإنك إذا سألتها لغيرك ~~وجدتها لنفسك فالله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم. ولا ~~تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام ~~الشفاعة، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل «سبحان ربي ~~الأعلى» لأن السجود أكثر تواضعا # . روي أن لله ملكا تحت العرش اسمه حزقيل. فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ~~ثلاثين ألف سنة، ثم ثلاثين ألف سنة، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني ~~فأوحى الله إليه: لو طرت إلى نفخ الصور ms0136 لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش. ~~فقال الملك عند ذلك: سبحان ربي الأعلى. # أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد، والقعدة بينهما هي ~~الدنيا، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له، وبأبديته أنه لا آخر له ~~فتسجد له ثانيا. وأيضا الأولى فناء الدنيا في الآخرة، والثانية فناء الآخرة ~~في جلال الله تعالى، وأيضا الأولى فناء الكل في أنفسها، والثانية بقاؤها ~~ببقائه، وأيضا الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته، والثانية انقياد عالم ~~الأرواح لعزته ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] وأيضا الأولى سجدة الشكر ~~بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من ~~أداء حقوق كبريائه. وأيضا صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع ~~السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد، وأيضا ليكونا شاهدين للعبد على أداء ~~العبادة، وأيضا ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى ~~الزوجية، وأيضا الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة ~~النبات. ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة، وفي السجود بمرتبتين، ولعل ما ~~فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا. # المنهج التاسع في اللطائف: # عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم سأل ربه ~~فقال: ما جزاء من حمدك؟ فقال تعالى: الحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته. # فقال أهل التحقيق: من هاهنا جعلها الله فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه ~~في جنته وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] # وعن علي عليه السلام أن أول ما خلق الله العقل من نوره المكنون، ثم قال ~~له: # تكلم فقال: الحمد لله فقال الرب: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز علي منك. # ونقل عن # PageV01P123 # آدم عليه السلام لما عطس قال: الحمد لله فأول كلام لفاتحة المحدثات ~~الحمد، وأول كلام لخاتمة المحدثات الحمد، فلا جرم جعلها الله تعالى فاتحة ~~كتابه. وأيضا أول كلام الله «الحمد لله» وآخر أنبيائه محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين الأول والآخر مناسبة، فجعل «الحمد لله» أول آية من ~~كتاب محمد رسول الله، ولما كان كذلك ms0137 وضع لمحمد رسول الله من كلمة الحمد ~~اسمان: # محمد وأحمد. وعند هذا # قال صلى الله عليه وسلم «أنا في السماء أحمد وفي الأرض محمد» # فأهل السماء في تحميد الله ورسوله أحمدهم، والله تعالى في تحميد أهل ~~الأرض كما قال: فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] ورسول الله محمدهم. # أخرى: الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالرحمة والنعمة، فلما كان الحمد أول ~~الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال فلهذا # قال «سبقت رحمتي غضبي» «1» . # أخرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه أحمد أي أكثر الحامدين حمدا ~~فوجب أن تكون رحمة الله في حقه أكثر فلهذا جاء رحمة للعالمين. # أخرى: إن من أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى اسمه محمد وأحمد ~~الحامد والمحمود على ما جاء في الروايات، وكلها تدل على الرحمة، لأن الحمد ~~يتضمن النعمة فقال تعالى: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم [الحجر: 49] ~~فقوله «نبىء» إشارة إلى محمد وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله «عبادي» ~~ضمير الله سبحانه. وكذا في «أني» و «أنا» و «الغفور» و «الرحيم» صفتان لله، ~~فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول صلى الله عليه وسلم مع خمسة أسماء ~~تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله تعالى تدل على الرحمة، ~~ورحمة الرسول كثيرة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] ورحمة ~~الله تعالى غير متناهية ورحمتي وسعت كل شيء [الأعراف: 156] فكيف يضيع ~~المذنب فيما بين هذه الأصناف من الرحمة؟!. # أخرى: في الفاتحة عشرة أشياء، خمسة من صفات الربوبية: الله الرب الرحمن ~~الرحيم المالك، وخمسة من صفات العبودية: العبادة الاستعانة طلب الهداية طلب ~~الاستقامة طلب النعمة في قوله «أنعمت عليهم» وكأنه قيل «إياك نعبد» لأنك ~~أنت الله «وإياك نستعين» يا رب اهدنا يا رحمن، وارزقنا الاستقامة يا رحيم، ~~وأفض علينا سجال فضلك يا مالك. PageV01P124 # أخرى: الإنسان مركب من خمسة أشياء: بدن ونفس شيطانية ونفس سبعبة ونفس ~~بهيمية وجوهر ملكي عقلي. فتجلى اسم الله للجوهر الملكي فاطمأن إليه ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب ms0138 [الرعد: 28] وتجلى للنفس الشيطانية باسم الرب فلان ~~وانقاد لطاعة الديان رب أعوذ بك من همزات الشياطين [المؤمنون: 97] وتجلى ~~للنفس السبعية باسم الرحمن وهو مركب من القهر واللطف الملك يومئذ الحق ~~للرحمن [الفرقان: 26] فترك الخصومة والعدوان. وتجلى للنفس البهيمية باسم ~~الرحيم أحل لكم الطيبات [المائدة: # 4] فترك العصيان، وتجلى للأبدان بصفة القهر والمالكية لأن البدن غليظ ~~كثيف فيحتاج إلى قهر شديد لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: 16] ~~فدان. فلمكان هذه التجليات انغلقت له أبواب النيران وفتحت عليه أبواب ~~الجنان ورجع القهقرى كما جاء، فلطاعة الأبدان قال: «إياك نعبد» ولطاعة ~~النفس البهيمية قال: «وإياك نستعين» على ترك اللذات وارتكاب المنكرات، ~~ولطاعة النفس السبعية قال: «اهدنا وأرشدنا وعلى دينك ثبتنا» ولطاعة النفس ~~الشيطانية طلب الاستقامة فقال: «اهدنا الصراط المستقيم» ولجوهره العقلي ~~الملكي طلب مرافقة الأرواح المقدسة لا المدنسة فقال: «صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين» . # أخرى: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فشهادة أن لا إله إلا الله من تجلي نور ~~اسم الله، وإقام الصلاة من تجلي نور اسم الرب لأن الرب من التربية، والعبد ~~يربي أمانة عدد الصلاة، وإيتاء الزكاة من تجلي اسم الرحمن لأن الزكاة سببها ~~الرحمة على الفقراء، وصوم رمضان من تجلي اسم الرحيم لأن الصائم إذا جاع ~~يذكر جوع الفقراء فيعطيهم (يحكى) أن يوسف حين تمكن من مصر كان لا يشبع فقيل ~~له في ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع. وأيضا الصائم يرحم نفسه لأنه ~~إذا جاع حصل له فطام عن الالتذاذ بالمحسوسات، فعند الموت يسهل عليه ~~مفارقتها. ووجوب الحج من تجلي اسم «مالك يوم الدين» لأن الحج يوجب هجرة ~~الوطن ومفارقة الأهل والولد وذلك يشبه سفر القيامة. وأيضا الحاج يكون عاريا ~~حافيا حاسرا وهو يشبه أحوال القيامة. # أخرى: الحواس خمس ولكل أدب فأدب البصر ما زاغ البصر وما طغى [النجم: # 17] فاعتبروا يا أولي الأبصار [الحشر: 2] وأدب السمع الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه ms0139 [الزمر: 18] وأدب الذوق يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~[المؤمنون: # 51] وأدب الشم إني لأجد ريح يوسف [يوسف: 94] وأدب المس والذين هم # PageV01P125 # لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون: 6] فاستعن بأنوار الأسماء الخمسة: الله الرب الرحمن الرحيم ~~المالك، على تأديب هذه الحواس الخمس. # أخرى: الشطر الأول من الفاتحة مشتمل على الأسماء الخمسة لله فيفيض ~~أنوارها على الأسرار، والشطر الثاني مشتمل على الصفات الخمس للعبد فتصعد ~~منها أسراره إلى تلك الأنوار ويحصل للعبد معراج في قراءته، وتقرير الأسرار ~~أن حاجة العبد إما لدفع ضر أو جلب خير، وكل منهما إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة، فهذه أربعة، وهاهنا قسم خامس هو الأشرف وذلك الإقبال على طاعة الله ~~وعبوديته لا لأجل رغبة أو رهبة، فإن شاهدت نور اسم الله لم تطلب منه شيئا ~~سوى الله، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة، وإن طالعت نور الرحمن ~~طلبت منه خيرات الدنيا، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه العصمة عن مضار ~~الآخرة، وإن طالعت نور «مالك يوم الدين» طلبت منه الصون عن آفات الدنيا ~~الموقعة في عذاب الآخرة أعاذنا الله منها. # أخرى: للتجلي ثلاث مراتب: تجلي الذات قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ~~[الأنعام: 91] وهذا لعظماء الأنبياء والملائكة المقربين وهذه نهاية الأحوال ~~ويدل عليه اسم الله، وتجلي الصفات وهو في أواسط الأحوال ويكون للأولياء ~~وأولي الألباب الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا [آل عمران: 191] ويدل عليه اسم الرحمن. وتجلي الأفعال والآيات وهو في ~~بداية الأحوال ويكون لعامة العباد الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها ~~سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا ~~أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى [طه: 53- 54] ويدل علي لفظ الرحيم ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما [غافر:] . # أخرى: في الفاتحة كلمتان مضافتان إلى اسم الله «بسم لله» و «الحمد لله» ~~بسم الله لبداية الأمور والحمد الله لخواتيم الأمور، «بسم الله» ذكر ~~«والحمد الله» شكر ms0140 ببسم الله أستحق الرحمة رحمن الدنيا، وبالحمد لله أستحق ~~رحمة أخرى رحيم الآخرة. كلمتان أضيف إليهما اسمان لله «رب العالمين» «مالك ~~يوم الدين» فالربوبية لبداية حالهم ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172] ~~والملك لنهاية حالهم لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: # 16] وبينهما اسمان مطلقان لوسط حالهم # «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» «1» . ~~PageV01P126 # المنهج العاشر: للخلق خمس أحوال: أولها: الإيجاد والتكوين والإبداع ويدل ~~عليه اسم الله. وثانيها: التربية في مصالح الدنيا ويدل عليه اسم الرب. ~~وثالثها: التربية في معرفة المبدأ ويدل عليها اسم الرحمن. ورابعها: في ~~معرفة المعاد ويدل عليها اسم الرحيم كي يقدم على ما ينبغي ويحجم عما لا ~~ينبغي. وخامسها: نقل الأرواح من عالم الأجساد إلى المعاد ويدل عليه اسم ~~«مالك يوم الدين» ثم إن العبد إذا انتفع بهذه الأسماء صار من أهل المشاهدة ~~فقال: «إياك نعبد» لأنك أنت الله الخالق «وإياك نستعين» لأنك أنت الرب ~~الرازق «إياك نعبد» لأنك الرحمن «وإياك نستعين» لأنك الرحيم «إياك نعبد» ~~لأنك الملك «وإياك نستعين» لأنك المالك، «إياك نعبد» لأنا ننتقل من دار ~~الشرور إلى دار السرور ولا بد من زاد وخير الزاد العبادة، «وإياك نستعين» ~~لأن الذي نكتسب بقوتنا وقدرتنا لا يكفينا فإن السفر طويل والزاد قليل. ثم ~~إذا حصل الزاد بإعانتك فالشقة شاسعة والطرق كثيرة، فلا طريق إلا أن يطلب ~~الطريق ممن هو بإرشاد السالكين حقيق «اهدنا الصراط المستقيم» . ثم إنه لا ~~بد لسالك الطريق الطويل من رفيق ودليل «صراط الذين أنعمت عليهم» فالأنبياء ~~أدلاء والصديقون والشهداء والصالحون رفقاء، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ~~لأن الحجب قسمان: نارية وهي الدنيا بما فيها، ونورية وهي ما سواها. اللهم ~~ادفع عنا كل ما يحجب بينك وبيننا إنك رب العالمين ومالك يوم الدين. # PageV01P127 ### | (سورة البقرة) # (وقد يقال السورة التي تذكر فيها البقرة مدنية غير آية نزلت يوم عرفة ~~بمنى قوله تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله حروفها 25500 كلماتها ~~6121 آياتها عند أهل الكوفة 286) ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 1 ms0141 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (4) # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ### | القراآت: # «لا ريب» بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى لا خير ~~ولا جرم وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس «فيهى» ~~ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن. «هدى للمتقين» مدغما من ~~غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن ~~كثير. وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت. أبو عمرو ~~بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة. ولا خلاف بين ~~القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، ~~وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم «يؤمنون» غير ~~مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من ~~الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها. الباقون: بالهمز. (باب في ~~المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: # عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مد الكلمة والكلمتين. ~~وكذلك روى ورش عن نافع. والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين ~~الكلمتين. فأطول الناس مدا ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ~~ومدهم بمنزلة أربع ألفات. # وأوسطهم مدا علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مدا ابن كثير وأبو ~~جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام. وأصل المد ألف ساكنة على ~~قدر فتحة فيك فتحا تاما، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي ~~قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة ~~مهموزة بغير همزة (باب السكتة) # PageV01P128 # روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة ~~لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك. والسبب فيه التمكين ms0142 ~~والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها. والاختيار في ~~الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازا عن قطع ~~الكلمة. ### | الوقوف: # «ألم» (ج) للاختلاف «لا ريب» ج على حذف خبر «لا» تقديره لا ريب فيه، ثم ~~يستأنف «فيه هدى» ومن وصل جعل فيه خبر «لا» أو وصف ريب وحذف خبر «لا» ~~تقديره «لا ريب فيه عند المؤمنين» . والوقف على التقديرين على «فيه» و ~~«هدى» خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل «هدى» حالا للكتاب بإعمال معنى ~~الإشارة في «ذلك» على تقدير: أشير إلى الكتاب هاديا لم يقف قبل «هدى ~~للمتقين» (لا) لأن الذين صفتهم «ينفقون» لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام ~~وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب ~~في ثناء الهدى ووعد الفلاح. ولو ابتدأ «والذين» كان «أولئك على هدى» خبرهم ~~مختصا بهم. واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب. «من قبلك» ~~ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول. «يوقنون» (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر ~~عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون. ### | التفسير # وفيه أبحاث: البحث الأول في «ألم» اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في ~~قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت ~~الكلم، لأن الضاد مثلا لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير ~~مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلا، فيكون لفظ ~~الضاد اسما، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو ~~(با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه ~~والإضافة. وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء ~~بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا) : فإنهم إنما قالوا ~~كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي # رواه ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ حرفا من كتاب ~~الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها ms0143 لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف ~~وميم حرف» # وأيضا ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى ~~التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على ~~الكلمة تسمية للجنس باسم النوع. ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف ~~تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟ فقالوا: نقول باء، كاف. ~~فقال: إنما جثتم بالاسم لا الحرف. وقال: أقول: ب، ك. ثم إنهم راعوا في هذه # PageV01P129 # التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم ~~استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكنا. ومما يضاهيها في ~~إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها. وحكم هذه ~~الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفا ~~عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو. واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية. فإذا ~~وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفا، ونظرت إلى ألف. ~~والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو «كيف» و ~~«أين» و «هؤلاء» ولم يقل صاد، قاف، نون. مجموعا فيها بين الساكنين. # وللناس في «الم» وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم ~~مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في ~~سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: # بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه # عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور. # وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، # وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم ~~أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية. فالوادي لا يحتمل البحر، ~~والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: أنزل من السماء ماء فسالت ~~أودية بقدرها [الرعد: 17] فبحور العلم عند الله تعالى فأعطى ms0144 الرسل منها ~~أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى ~~العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر ~~طاقتهم، وهذا مأخوذ مما # ورد في الخبر «للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من ~~بعد ذلك كله سر. فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع ~~العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء ~~لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة ~~على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين» # والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل ~~نور الشمس أبصار الخفافيش. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا ~~تطلبوه. وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها. وقيل: هو من ~~المتشابه. وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن [النساء: ~~82] تبيانا لكل شيء [النحل: 89] هدى للمتقين [البقرة: 2] وإنما يمكن التدبر ~~ويكون تبيانا وهدى إذا كان مفهوما، # وبقول صلى الله عليه وسلم: «إني تركت # PageV01P130 # فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي» «1» # فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وأيضا لا يخاطب المكلف بما لا يفهم ~~كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوما، وعورض ~~بقوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله [آل عمران: # 7] والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به ~~كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله كل ~~من عند ربنا [آل عمران: 7] فائدة على ما لا يخفى، # وبقوله صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» # وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا. وأيضا الأفعال التي كلفنا بها منها ~~ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعا للمعبود والصوم ففيه كسر ~~الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير ~~من أفعال الحج، ويحسن من الله تعالى الأمر بالنوعين لظهور ms0145 الامتثال بهما، ~~بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض. فلم لا يجوز ~~أن يكون في الأقوال أيضا مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر ~~بذكر الله والتفكر في كلامه؟ # القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: ~~الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما ~~سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، ~~وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول. الثاني: أنها ~~أسماء الله تعالى. روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: يا كهيعص، يا حم ~~عسق، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله تعالى، فإن ~~«الر، حم، ن» مجموعها اسم «الرحمن» لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في ~~الجميع. الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة. الرابع: ~~كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، ~~فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، ~~والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي «كهيعص» الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، ~~والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق. # أو الكاف محمول على الكبير والكريم. والياء على أنه مجير، والعين على ~~العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس. وعنه أيضا في «ألم» أنا الله أعلم، ~~وفي «المص» أنا الله أعلم وأفصل، وفي «المر» أنا الله أرى. الخامس: أنها ~~صفات الأفعال. الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب ~~القرظي. السادس: الألف من الله، واللام من PageV01P131 # جبرائيل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم. أي أنزل الله الكتاب بواسطة ~~جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم. # السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية. الثامن: أن ~~ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى ~~بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام ms0146 منظوم من عين ~~ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن ~~الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير. # والتاسع: كأنه تعالى يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم ~~قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن ~~يحيى. العاشر: إن الكفار لما قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~[فصلت: 26] أنزل الله تعالى هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن ~~من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب. الحادي عشر: قول أبي العالية إنه ~~حساب على ما # روى ابن عباس أنه مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يتلو سورة البقرة «آلم ذلك الكتاب» ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ~~فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من ~~السماء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقا ~~إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: # كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى ~~وسبعون سنة؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال حيي: فهل غير ذلك؟ ~~فقال: نعم المص فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟ فقال: نعم الر قال ~~حيي: نشهد إن كنت صادقا ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير ~~هذا؟ قال: نعم المر قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ! # فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ~~ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فيما ~~يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك ~~فأنزل الله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات [آل عمران: 7] . الثاني عشر: # تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر. الثالث عشر: قول الأخفش ms0147 إن الله ~~تعالى أقسم بهذه الحروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها ~~يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: ~~قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في ~~اللوح المحفوظ. الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية ~~الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان ~~مختصا بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بها من غير تعلم ~~خط وقراءة كان ذلك دليلا على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي. الخامس عشر: قال # PageV01P132 # القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل ~~فاتحة. # السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في ~~أول الأمر إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] واللام إشارة ~~إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة والذين جاهدوا فينا [العنكبوت: ~~69] والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون ~~نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة قل الله ~~ثم ذرهم [الأنعام: 91] . السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف ~~اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر ~~العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله. الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: ~~هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق ~~نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته. واعلم أن الباقي من الفواتح ~~بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر. وقد أورد الله ~~الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على ~~أصناف أجناس الحروف. من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين ~~والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء ~~والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها اك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر ~~صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ms0148 ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن ~~المستعلية نصفها ق ص ط. ومن المنخفضة نصفها الم ر ك ه ي ع س ح ن، ومن حروف ~~القلقة نصفها ق ط. وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن ~~الله تعالى عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتا لهم ~~وإظهارا لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما ~~تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم. التاسع عشر: ~~قيل: معناه ألست بربكم. # الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم ~~الميثاق. # والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه ~~عورض بوجوه: # الأول: أنا نجد سورا كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم ~~رفع الاشتباه. # الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت. الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما ~~سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة ~~أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم. الرابع: لو ~~كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل ~~عمران. الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء ~~بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدما متأخرا معا وهو ~~محال. وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، # PageV01P133 # فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد ~~بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور. وأجيب عن الأول ~~بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن ~~تجعل مشتركا حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية. وعن ~~الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر ~~الدواعي على نقلها. وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام ~~العرب، ولكن إذا جعلت اسما واحدا فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار ~~لأنها من ms0149 باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ~~ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم. وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير ~~اللقب أشهر من الاسم. وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير ~~مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود. ~~فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ ~~فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ~~هدى للمتقين وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب. ~~ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو كهيعص المر ~~وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسما فردا كصاد وقاف ونون، أو أسماء ~~عدة مجموعها على زنة مفرد كحم وطس ويس فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك ~~طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد. فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه ~~أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: # يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟ # والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك «بدأت ~~بالحمد لله» قال ذو الرمة: # سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا # وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو «اذكر» أو حركت ~~لالتقاء الساكنين. واستكره جعلها مقسما بها على طريق قولهم «نعم الله ~~لأفعلن» على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف ~~بهما. واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: ~~الواو الثانية في قوله عز من قائل والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى ~~[الليل: 1، 2] واو العطف لا القسم نحو «وحياتي ثم حياتك لأفعلن» ولو كان ~~انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر نحو «بالله لأفعلن ~~تالله لأخرجن» ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل «الواو» للعطف لمخالفة ~~الثاني # PageV01P134 # الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء ms0150 القسمية لا ~~بحذفها فقد جاء عنهم «الله لأفعلن» مجرورا غير أنها فتحت في موضع الجر ~~لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين. وهذه ~~الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، ~~لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب «صاد» مثلا فإنه يكتب مسماها ص. وأيضا ~~اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، ~~وأيضا خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك ~~الملفوظ. ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل ~~للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن ~~تأليفها مع ما بعدها الله حسبي. # البحث الثاني في قوله. «ذلك الكتاب» وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت ~~الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى «الم» بعد ما ~~سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك ~~كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول ~~لصاحبك وقد أعطيته شيئا: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضرا نظرا إلى ~~ألفاظه لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي ~~لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة. وقد يسمى بعض ~~القرآن قرآنا، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه إنا سنلقي ~~عليك قولا ثقيلا [المزمل: 5] أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن ~~الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ~~ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ~~[الزخرف: 4] . الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة ~~في بعض الوجوه نظرا إلى صفته وهو الكتاب كقولك «هند ذلك الإنسان» قال ~~الذبياني: # نبئت نعمي على الهجران عاتبة ... سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري # وإن جعلت الكتاب خبرا فنظرا ms0151 إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه ~~عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: «من كانت أمك» . ~~الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب- وقد تقدم- ومنها الفرقان تبارك ~~الذي نزل الفرقان [الفرقان: 1] لأنه نزل متفرقا في نيف وعشرين سنة، أو لأنه ~~يفرق بين الحق والباطل. ومنها التذكرة والذكرى والذكر وإنه لتذكرة للمتقين ~~[الحاقة: 48] وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # PageV01P135 # [الذاريات: 55] وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] أي ذكر من الله تعالى ~~به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر. ومنها التنزيل وإنه لتنزيل رب ~~العالمين [الشعراء: # 192] ومنها الحديث الله نزل أحسن الحديث [الزمر: 23] شبهه بما يتحدث به ~~فإن الله تعالى خاطب به المكلفين. ومنها الموعظة قد جاءتكم موعظة من ربكم ~~[يونس: 57] ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم وكذلك أنزلناه حكما عربيا ~~[الرعد: 37] حكمة بالغة [القمر: 5] يس والقرآن الحكيم [يس: 1، 2] كتاب ~~أحكمت آياته [فصلت: 2] ومنها الشفاء والرحمة وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين [الإسراء: 82] ومنها الهدى والهادي هدى للمتقين [البقرة: 2] ~~إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [الإسراء: 9] ومنها الصراط المستقيم وأن ~~هذا صراطي مستقيما [الأنعام: 153] ومنها حبل الله واعتصموا بحبل الله جميعا ~~[آل عمران: 103] ومنها الروح وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] ~~لأنه سبب لحياة الأرواح. ومنها القصص إن هذا لهو القصص الحق [آل عمران: 62] ~~ومنها البيان والتبيان والمبين هذا بيان للناس [آل عمران: 138] تبيانا لكل ~~شيء [النحل: 89] تلك آيات الكتاب المبين [يوسف: 1] ومنها البصائر هذا بصائر ~~من ربكم [الأعراف: 203] ومنها الفصل إنه لقول فصل [الطارق: 13] ومنها ~~النجوم فلا أقسم بمواقع النجوم [الواقعة: 75] لأنه نزل نجما نجما. ومنها ~~المثاني مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم [الزمر: 23] لأنه يثنى فيه ~~القصص والأخبار. ومنها النعمة وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] قال ابن ~~عباس: أي القرآن. ومنها البرهان قد جاءكم برهان من ربكم [النساء: 174] ~~ومنها البشير والنذير قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا [فصلت: 3، 4] ~~ومنها القيم قيما لينذر بأسا شديدا [الكهف: 2] ومنها المهيمن مصدقا لما بين ~~يديه من ms0152 الكتاب ومهيمنا عليه [المائدة: 48] ومنها النور واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه [الأعراف: 157] ومنها الحق وإنه لحق اليقين [الحاقة: 51] ومنها ~~العزيز وإنه لكتاب عزيز [فصلت: 41] ومنها الكريم إنه لقرآن كريم [الواقعة: ~~77] ومنها العظيم ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [الحجر: 87] ~~ومنها المبارك كتاب أنزلناه إليك مبارك [ص: 29] فهذه جملة الأسماء وسيجيء ~~تفاسيرها في مواضعها. الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع «الم» اسما للسورة ~~ففي التأليف وجوه: أن يكون «الم» مبتدأ أو «ذلك» مبتدأ ثانيا «والكتاب» ~~خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى ~~كتابا كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل # PageV01P136 # القوم يا أم خالد. وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، ~~وأن يكون «الم» خبر مبتدأ محذوف أي هذه «الم» ، ويكون «ذلك» خبرا ثانيا أو ~~بدلا على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه «الم» جملة، «ذلك الكتاب» جملة أخرى، ~~وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى. وإن جعلت «الم» بمنزلة الصوت كان ~~«ذلك» مبتدأ خبره «الكتاب» أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو ~~«الكتاب» صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه ~~الحروف «ذلك الكتاب» . وفي قراءة عبد الله بن مسعود «الم تنزيل الكتاب» . # البحث الثالث في قوله «لا ريب فيه» الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس. # روى الحسن بن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك» «1» # فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له ~~النفس، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له. ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم ~~محرمون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه. # والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل ~~الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟ قلت: ما نفي أن أحدا لا ms0153 يرتاب فيه وإنما ~~المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان ~~بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فأتوا بسورة من مثله [البقرة: # 23] لم يقل «وإذا كنتم» مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك ~~فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه ~~إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أم ~~تتضاءل دونها. فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في ~~قوله تعالى لا فيها غول [الصافات: 47] قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي ~~الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو ~~بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريبا في غيره من الكتب كما أن في قوله: ~~لا فيها غول [الصافات: 47] تعريضا بأن خمور الدنيا تغتال العقول. وقرأ أبو ~~الشعثاء «لا ريب» فيه بالرفع. قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن ~~المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه. ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب ~~الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله «لا ريب» جواب ~~قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع ~~الأفراد. PageV01P137 # البحث الرابع في قوله «هدى للمتقين» وفيه مسائل: # الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن ~~الدلالة. وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ~~أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: 16] ولأنه يقال مهدي في معرض ~~المدح. فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحا، ولأن مطاوعه «اهتدى» ~~فيلزمه. وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى. وبأن قولنا «مهدي» ~~إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت ~~كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوما كليا إذ يصح في العرف أن يقال: ~~هديته فلم يهتد، قال عز ms0154 من قائل: وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى [فصلت: 17] وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقا فخطأ لوقوع ~~صفة للقرآن، وإن زعم حينا فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة. # الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى. والوقاية فرط الصيانة، وهذه ~~الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي ~~حافره أن يصيبه أدنى شيء. # وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات. واختلف في الصغائر ~~أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟ # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى ~~يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس» # فحقيقة التقوى الخشية يا أيها الناس اتقوا ربكم [لقمان: # 33] وقد يراد بها الإيمان وألزمهم كلمة التقوى [الفتح: 26] أي التوحيد. ~~وقد يراد التوبة ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا [الأعراف: 96] أي تابوا. ~~وقد يراد الطاعة أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون [النحل: 2] وقد يراد ~~ترك المعصية وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله [البقرة: 189] وقد يراد ~~الإخلاص فإنها من تقوى القلوب [الحج: # 32] أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف إن الله مع الذين اتقوا [النحل: ~~128] وتزودوا فإن خير الزاد التقوى [البقرة: 197] إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم [الحجرات: 13] . # وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أكرم ~~الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب ~~أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده» # وقال علي عليه السلام: التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار ~~بالطاعة. # وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيبا، ولا الملائكة ~~المقربون في أفعالك عيبا، ولا ملك العرش في سرك عيبا. الواقدي: أن تزين سرك ~~للحق كما زينت ظهرك للخلق. ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك. # ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها. وكبيرها فهو التقي. # PageV01P138 # كن مثل ماش في طري ... ق الشوق يحذر ما ms0155 يرى # لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى # وفي قوله «هدى للمتقين» ثم في موضع آخر شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ~~هدى للناس [البقرة: 185] دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ~~كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179] . # الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضا المتقي مهتد فكيف يهتدي ~~ثانيا؟ # والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحا ~~لهم كقوله تعالى إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45] إنما تنذر من اتبع ~~الذكر [يس: 11] مع أنه صلى الله عليه وسلم منذر كل الناس. وأيضا قوله «هدى ~~للمتقين» كقولك للعزيز المكرم «أعزك الله وأكرمك» تريد طلب الزيادة ~~واستدامة ما هو ثابت فيه. وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس ~~التقوى متقين نحو # «من قتل قتيلا فله سلبه» «1» # فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى ~~للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطنابا في غير موضعه، فإن تصدير السورة ~~التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله ~~والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام بإجرائه على الطريقة ~~التي ذكرنا. فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا ~~يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا ~~للقرآن؟ ومما يؤكد ما قلنا، ما # نقل عن علي عليه السلام أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج: ~~لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين. # ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما ~~لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلا كان أو سمعا صار كله هدى. ~~فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله تعالى ~~وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟ ~~قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه ~~هدى في تأكيد ما في العقول أيضا فيعم. # الرابعة: ms0156 محل «هدى للمتقين» الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع «لا ~~ريب فيه» لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبرا عنه، ويجوز أن ينتصب على ~~الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة ~~أنه يقال: «الم» جملة PageV01P139 # برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و «ذلك الكتاب» جملة ~~ثانية، و «لا ريب فيه» ثالثة، و «هدى للمتقين» رابعة. وفقد العاطف بينها ~~لمجيئها متآخية آخذا بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولا على أنه الكلام ~~المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريرا ~~لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلا بكماله، فلا ~~كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه ~~يقينا لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة. ففي الأولى ~~الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي ~~الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له ~~الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع ~~المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكرا والإيجاز في ذكر المتقين. # البحث الخامس في قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب. الآية وفيه مسائل: # الأولى: «الذين يؤمنون» إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو ~~رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه ~~«بأولئك على هدى» . # الثانية: «الذين يؤمنون» على تقدير كونه صفة يكون إما واردا بيانا وكشفا ~~وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان ~~أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية # قال صلى الله عليه وسلم: «الصلاة عمادة الدين» «1» # «وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» «2» # والزكاة أفضل العبادات المالية # قال صلى الله عليه وسلم: «الزكاة قنطرة الإسلام» # فاختصر الكلام اختصارا بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول ~~لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات ms0157 لقوله عز من قائل إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45] وإما مسرودة مع المتقين ~~مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط. ثم إنه ~~يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال ~~الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة ~~أولا، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عدا على ~~سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوما بهذه السمات، مشهورا بهذه ~~PageV01P140 # الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه ~~تعالى تمجيدا وتعظيما. # الثالثة الأيمان إفعال من الأمن. يقال: أمنته وآمنته غيري. ثم يقال: أمنه ~~إذا صدقه. # وحقيقته أمنه التكذيب. والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر ~~واعتبر ووثق به. قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان ~~على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه ~~اسم الأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي ~~بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة ~~وأما إذا ذكر مطلقا فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه ~~بلسانه ويصدقه بعمله. فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل ~~بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق. ثم اختلفوا فبعضهم- كواصل بن ~~عطاء والقاضي عبد الجبار- قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء ~~كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الافعال أو الاعتقادات. ~~وبعضهم- كأبي علي وأبي هاشم- إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، ~~وبعضهم- كأبي علي وأبي هاشم- إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون يكون من ~~الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، ~~والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه لوعيد. والخوارج قالوا: الإيمان ~~بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلا عقليا أو نقليا من ~~الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الافعال والتروك ~~صغيرا كان ms0158 أو كبيرا. فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه ~~الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو ~~الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة. وهذه الطاعات لا يكون شيء منها ~~إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود ~~وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئا من ~~الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئا من المعاصي كفرا ما ~~لم يوجد الجحود والإنكار. الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو ~~نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض. ومنهم ~~من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. (القول الثاني) : قول من قال ~~الإيمان بالقلب واللسان معا. ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان ~~إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم ~~اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي ~~الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقادا تقليديا أو علما صادرا عن الدليل وهم ~~الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن ~~الاستدلال. وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟ قال # PageV01P141 # بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه ~~لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير ~~من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة ~~كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا العلم بكونه تعالى عالما ~~بالعلم أو بذاته أو مرئيا وغير مرئي لا يكون داخلا في مسمى الإيمان. ~~والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا وهو مذهب أبي ~~الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس. ~~المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب. ~~(القول الثالث) : قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من ~~قال: ms0159 الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ~~ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن ~~معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان. وحكى الكعبي ~~عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب. (القول ~~الرابع) . قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط ~~كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب. ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا ~~الشرط أيضا بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في ~~الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه ~~الله تعالى: عندي أن الإيمان عبارة عن # التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان ~~أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولا إلى غير مسماه ~~الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك. وأيضا الإيمان ~~المعدى بالباء على أصله اتفاقا، فغير المعدى أيضا يكون كذلك كلما ذكر الله ~~تعالى الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: ~~106] كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~[الحجرات: 14] وأيضا قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلا في ~~الإيمان لزم التكرار. وأيضا قرن الإيمان بالمعاصي الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم [الأنعام: 83] وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] ~~والذين آمنوا ولم يهاجروا [الأنفال: 72] ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة. ~~قال ابن عباس في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ~~[البقرة: 178] إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في ~~الخطاب. ثم قال: فمن عفي له من أخيه شيء [البقرة: 178] وهذه الأخوة ليست ~~إلا # PageV01P142 # أخوة الإيمان إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] ثم قال: ms0160 ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة [البقرة: 178] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن. القيد الثاني: أن ~~الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا ~~بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين [البقرة: 108] . القيد الثالث: ليس ~~عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمنا. القيد ~~الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله تعالى # لقوله صلى الله عليه وسلم «أعتقها فإنها مؤمنة» # بعد # قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟ قالت: في السماء. # ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من ~~الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمنا، وكان ~~الامتناع عن النطق جاريا مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم ~~الغزالي رضي الله عنه قلت- وبالله التوفيق-: التحقيق في المقام أن للإيمان ~~وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارة. ولا ريب أن الوجود ~~العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع. # فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه ~~وبين الحق جل ذكره الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~[البقرة: 257] وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر ~~الأنوار وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا [الأنفال: 2] كلما ارتفع حجاب ~~ازداد نورا فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع ~~على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، ~~فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالا أو تفصيلا على حسب نوره، وبمقدار ~~انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، ~~فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة نورهم يسعى ~~بين أيديهم وبأيمانهم [التحريم: 8] نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~[النور: 35] وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ~~ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه ms0161 الشارع بشهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى أن مجرد ~~التلفظ بقولنا «لا إله إلا الله محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم» من ~~غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون ~~التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق ~~المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم ~~التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط ~~في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلا عليهما، وتفويض أمر ~~الباطن # PageV01P143 # إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» «1» . الرابعة: يجوز أن ~~يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب ~~بمعنى الغائب إما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله تعالى: # عالم الغيب والشهادة [الرعد: 9 المؤمنون: 92 التغابن: 18] والعرب تسمي ~~المطمئن من الأرض غيبا، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ~~ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو ~~نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك ~~نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد ~~والوعيد وغير ذلك. ويجوز أن يكون بالغيب حالا، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء ~~أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو الذين يخشون ~~ربهم بالغيب [الأنبياء: 49] ليعلم أني لم أخنه بالغيب [يوسف: 52] وفيه ~~تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم وإذا ~~لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~[البقرة: 14] وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله ~~في القرآن. وورد في الخبر وعد ms0162 الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض [النور: 55] «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول ~~الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطىء اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ ~~الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما» «2» الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ~~ثلاثة أشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها ~~وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة الذين هم على ~~صلاتهم دائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون [المعارج: 23، 24] من قامت ~~السوق إذا نفقت وأقامها. قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب. لأهل ~~العراقين حولا قميطا. غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته ~~سنة تامة. والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطا أي كاملا ~~لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما ~~التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من ~~قولهم: قام في الأمر PageV01P144 # خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر ~~عنه بالقنوت، والقنوت القيام- وبالركوع والسجود والتسبيح يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي [آل عمران: 43] فلولا أنه كان من المسبحين [الصافات: ~~143] ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء. ~~السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي ~~مفتتحها التحريم ومختمها التسليم فرضا كانت أو نفلا، إلا أنه يحتمل أن يقال ~~المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله صلى الله عليه ~~وسلم للأعرابي أفلح والله إن صدق بعد قول الأعرابي «والله لا أزيد على هذه ~~ولا أنقص» أي على الصلوات المفروضة. واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى ~~الدعاء قال الأعشى: # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم «صليت العصا بالنار» إذا ~~لينتها وقومتها قال: # فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلي عصاك كمستديم # والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار. # وإما من ms0163 قولهم «صلى الفرس» إذا جاء مصليا أي ملازما للسابق، لأن رأسه عند ~~صلاه، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه ~~إلى أوان فراغه. والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال ~~تصلية. قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى. وكتبها بالواو ~~على لفظ المفخم. وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه ~~وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف. السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، ~~فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري ~~مجراهم زادوا قيدا آخر وهو أن لا يكون ممنوعا عن الانتفاع به، وعلى هذا لا ~~يكون الحرام عندهم رزقا. قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام ~~بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله تعالى ويسمى رزقا ~~منه. وأدخل «من» التبعيضية صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، ~~وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال ~~بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله تعالى ~~على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما ~~في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه. الثامنة: # أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج ~~والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت ~~الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في ~~الجهاد. ويمكن أن يتناول # PageV01P145 # كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال تعالى وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت [المنافقون: 10] والمراد به الصدقة لقوله فأصدق وأكن ~~من الصالحين [المنافقون: 10] . # البحث السادس: في قوله تعالى و «الذين يؤمنون» الآية. وفيه مسائل: # الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب ~~سبيله سبيل السالف ms0164 لكونه معقودا بعضه ببعض ومربوطا آتيه بماضيه، وأيقنوا ~~بالآخرة إيقانا زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، وأن أهل الجنة لا ~~يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك. فيكون ~~المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل ~~من آمن ابتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى ~~عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان قبل ذلك مؤمنا بموسى وعيسى عليهما ~~السلام أو لم يكن. ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم ~~وترغيبا لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف ~~على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # يا لهف زيابة للحارث ال ... صابح فالغانم فالآئب # الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في ~~السماء كلاما لله تعالى فنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقال: نزلت ~~رسالة الأمير من القصر. والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو ~~فينزل فيؤدي في سفل. وقول الأمير لا يفارق داته، ولكن السامع يسمع فينزل ~~ويؤدي بلفظ نفسه. قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفا ~~ولا صوتا عندكم؟ قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعا لكلامه ثم أقدره على ~~عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم. ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح ~~المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق ~~أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له ~~علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام. وأقول: إنك إذا ~~تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء ~~عن هذه المسألة. # الثالثة: الإيمان ms0165 بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن ~~الفلاح منوط # PageV01P146 # بذلك. فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم التفصيل ~~ليقوم بواجبه علما وعملا، لكنه فرض كفاية لقوله تعالى وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين [التوبة: ~~122] الآية. وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على ~~الجملة لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها ~~إن عرفنا شيئا من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل. # الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث ~~الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم ~~بالشيء ضرورة أو استدلالا بعد أن كان صاحبه شاكا فيه، ولذلك لا يوصف الله ~~تعالى بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود. وفي تقديم ~~الآخرة وبناء «يوقنون» على «هم» تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من ~~إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من ~~آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم ~~أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال ~~وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى ~~خلقه، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجبا ممن ينكر ~~البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا- يعني النوم واليقظة- وعجبا ممن يؤمن ~~بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجبا من المتكبر الفخور ~~وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة» . # البحث السابع: في قوله تعالى «أولئك على هدى من ربهم» الآية وفيه مسائل: # الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء ~~«بالذين يؤمنون بالغيب» على سبيل الاستئناف و «أولئك على هدى» الجملة خبره، ~~كأنه لما قيل «هدى للمتقين» فخص المتقون بأن ms0166 الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن ~~يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم ~~وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح. وهذا النوع من الاستئناف ~~يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق ~~بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك ~~منك. فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على ~~بيان الموجب وتلخيصه. وثانيها: أن يجعل «الذين» و «الذين» تابعا للمتقين، ~~ويقع الاستئناف على «أولئك» كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا ~~بالهدى؟ # فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا ~~وبالفلاح آجلا. # وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، ~~و «أولئك» # PageV01P147 # خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا ~~بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في ~~أنهم سيفلحون عند الله تعالى والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام ~~المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ~~ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد ~~علمت. وأيضا إنه يجعل الموصولين تابعا والوجه الأول يجعل الموصول الأول ~~ركنا من الكلام. # الثانية: الاستعلاء في قوله «على هدى» مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم «هو ~~على الحق وفلان على الباطل» وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركبا، ~~وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى. ومعنى «هدى من ربهم» أي منحوه من عنده ~~وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير ~~والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما ~~اعتقدوه والدوام على ما عملوه. ونكر «هدى» ليفيد ضربا من المبالغة أي هدى ~~لا يبلغ كنهه. قال الهذلي: # فلا وأبي الطير المربة بالضحى ... على خالد لقد وقعت على لحم # أي لحم وأي لحم. وأرب بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ ~~الكنى إنما تكون للأشراف كما ms0167 أن الإقسام بالطير أيضا لاستعظامهن لوقوعهن ~~على لحم عظيم، وعن بعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل ~~به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا ~~العلماء؟ # الثالثة: في تكرير «أولئك» تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ~~ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين. ووسط العاطف ~~بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون [الأعراف: 179] فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدهم من جملة الأنعام ~~شيء واحد. # الرابعة: «هم» فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة ~~التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. ويحتمل أن ~~يكون «هم» مبتدأ و «المفلحون» خبره، والجملة خبر «أولئك» . # الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت ~~له وجوه الظفر. وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح ~~نحو: فلق، وفلذ، ومنه # PageV01P148 # سمي الزارع فلاحا. ومعنى التعريف في «المفلحون» إما العهد أي المتقون هم ~~الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين ~~إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل ~~عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيدا هو هو. فانظر كيف كرر الله ~~عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ~~ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره إيذانا بأن ما يرد عقيبه. فالمذكورون قبله ~~أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف ~~المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدرت ~~بذكرهم أولى الزهراوين. قد # ورد في الخبر «يحشر الناس يوم القيامة» # ثم يقول الله عز وجل لهم: # «طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسبا ~~وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا ~~بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم ms0168 نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع ~~أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون» # فليأخذ العاقل بحكمة الله تعالى وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل ~~الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردة طاعة بعض ~~المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم ~~يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه ~~من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق ~~لها إن شاء الله. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7] # إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) ### | القراآت: # «أأنذرتهم» بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. وروى الحلواني عن ~~هشام «آءنذرتهم» بهمزتين بينهما مدة، والباقون يهمزون الأولى ويلينون ~~الثانية. والتليين جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة وبين الحرف الذي منه ~~حركة الهمزة. # «وعلى أبصارهم» ممالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وابن حمدون وحمدويه وحمزة، ~~وفي رواية ابن سعدان وأبي عمرو. كذلك قوله عز وجل بقنطار وبالأسحار ~~وكالفخار والغار ومن أنصار وأشعارها وأشباه ذلك حيث كان يعني إذا كان قبل ~~الألف حرف مانع وبعدها راء مكسورة في موضع اللام، لأن الراء المكسورة تغلب ~~الحروف المستعلية. «غشاوة» بالفصل. وقرأ حمزة في رواية خلف وابن سعدان وخلف ~~لنفسه. # وأبو إسحق إبراهيم بن أحمد عن أبي الحرث عن علي وورش من طريق البخاري ~~مدغمة # PageV01P149 # النون والتنوين في الواو في جميع القرآن. «عظيم» بالإشمام في الوقف، ~~وكذلك إذا كانت الكلمة مكسورة: حمزة وعلي وخلف وهو الاختيار عندنا. ### | الوقوف: # «لا يؤمنون» (ه) «على سمعهم» (ط) لأن الواو للاستئناف. «غشاوة» (ز) لأن ~~الجملتين وإن اتفقتا نظما فالأولى بيان وصف موجود، والثانية إثبات عذاب ~~موعود. # «عظيم» (ه) . ### | التفسير: # وفيه مسائل: # الأولى: فيما يتعلق بأن أما عمله من نصب الاسم ورفع الخبر فمعلوم من علم ~~النحو. # وأما فائدته فما ذكره المبرد ms0169 في جواب الكندي من أن قولهم «عبد الله قائم» ~~إخبار عن قيامه، وقولهم: «إن عبد الله قائم» جواب عن سؤال سائل، وقولهم: ~~«إن عبد الله لقائم» جواب عن إنكار منكر لقيامه. وقد يضاف إليه القسم أيضا ~~نحو «والله إن عبد الله لقائم. قال أبو نواس: # عليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في اليأس # حسن موقع «إن» لأن الغالب على الناس خلاف هذا الظن، وقد يجيء إذا ظن ~~المتكلم في الذي وجد أنه لم يوجد كقولك «إنه كان مني إليه إحسان فقابلني ~~بالسوء» وكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ فيما توهمت كقوله ~~تعالى حكاية عن أم مريم قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت [آل ~~عمران: 36] وكذلك قول نوح رب إن قومي كذبون [الشعراء: 117] . # الثانية: لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم الموجبة لامتداحه ~~إياهم بها، عقب ذلك بذكر أضدادهم وهم المردة من الكفار الذين لا ينجع فيهم ~~الهدى وسواء عليهم الإنذار وعدمه. وإنما فقد العاطف بين القصتين خلاف ما في ~~نحو قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم [الانفطار: 13، ~~14] لتباين الجملتين هاهنا في الغرض والأسلوب، إذ الأولى مسبوقة بذكر ~~الكتاب وإنه هدى للمتقين، والثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، وذلك إذا ~~جعلت «الذين يؤمنون» مبتدأ و «أولئك» خبره، لأن الكلام المبتدأ على سبيل ~~الاستئناف مبني على تقدير سؤال، وذلك إدراج له في حكم المتقين وتصييره تبعا ~~له في المعنى، فحكمه حكم الأول. وكذا إذا جعلت الموصول الثاني مبتدأ و ~~«أولئك» خبره، لأن الجملة برأسها من مستتبعات «هدى للمتقين» لارتباط بينهما ~~من حيث المعنى. # الثالثة: التعريف في «الذين» إما أن يراد به ناس معهودون بأعيانهم كأبي ~~لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وإما أن يراد به الجنس متناولا ~~كل من صمم على كفره # PageV01P150 # تصميما لا يرعوي بعده فقط دون من عداهم من الكفار الذين أسلموا بدليل ~~الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم. # الرابعة: الكفر نقيض الإيمان فيختلف تعريفه باختلاف تعريف ms0170 الإيمان، وقد ~~تقدم. # وأصل الكفر الستر والتغطية ومنه الكافر لأنه يستر الحق ويجحده، والزارع ~~كافر لأنه يستر الحب، والليل المظلم كافر لأنه بظلمته يستر كل شيء، والكافر ~~الذي كفر درعه بثوب أي غطى ولبسه فوقه. قال في التفسير الكبير: «كفروا» ~~إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي فيقتضي كون المخبر عنه متقدما على ذلك ~~الإخبار. فللمعتزلة أن يحتجوا بهذا على أن كلام الله محدث، فإن القديم ~~يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير. قلت: التحقيق في هذا وأمثاله أن كلامه تعالى ~~أزلي إلا أن حكمته في باب التفهيم والتعليم اقتضت أن يكون كلامه على حسب ~~وصوله إلى السامعين ضرورة كونهم متزمنين، فكل ما هو متقدم على زمان الوصول ~~وقع الإخبار عنه في الأزل بلفظ الماضي، وكل ما هو متأخر عن زمان الوصول وقع ~~الإخبار عنه بلفظ المستقبل نحو لتدخلن المسجد الحرام [الفتح: 27] سنلقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب [آل عمران: 151] وإلا اختل نظام التفاهم والتخاطب. ~~ومن هذا يعلم أن قوله سنلقي ليس كونه مستقبلا بالنظر إلى الأزل مقصودا ~~بالنسبة إلى المخاطبين، وإنما المقصود استقباله بالنظر إلى زمان نزول الآية ~~فافهم. # الخامسة: «سواء» اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم [آل عمران: 64] في أربعة أيام سواء للسائلين [فصلت: ~~10] يعني مستوية، وارتفاعه على أنه خبر «إن» و «أأنذرتهم أم لم تنذرهم» في ~~موضع الفاعل أي مستو عليهم إنذارك وعدمه نحو: إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه. ~~ويحتمل أن يكون «أأنذرتهم أم لم تنذرهم» في موضع الابتداء، و «سواء» خبر ~~مقدم، والجملة خبر «إن» . وإنما صح وقوع الفعل مخبرا عنه مع أنه أبدا خبر ~~نظرا إلى المعنى كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. معناه لا يكن منك أكل ~~السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على ~~الفعل، فإن «أن» مع الفعل في تقدير المصدر على الفعل وهو النهي، وقد جردت ~~الهمزة. و «أم» لمعنى الاستواء وسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا. قال ~~سيبويه: هذا ms0171 مثل قولهم «اللهم اغفر لنا أيتها العصابة» يعني أن هذا جرى على ~~صورة الاستفهام ولا استفهام، كما أن ذاك جرى على صورة النداء ولا نداء. ~~ومعنى الاستواء في الداخل عليهما «الهمزة» و «أم» استواؤهما في علم ~~المستفهم، لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن لكن لا بعينه وكلاهما معلوم ~~بعلم غير معين. والحاصل أن الاستفهام يلزمه معنيان: # PageV01P151 # أحدهما استواء طرفي الحكم في ذهن المستفهم، والثاني طلب معرفة أحدهما ~~فجرد هذا الترتيب لمعنى الاستواء وسلخ عنه الطلب. وفائدة العدول عن العبارة ~~الأصلية وهي سواء عليهم الإنذار وعدمه، أن يعلم أن قطع الرجاء وحصول اليأس ~~عنهم إنما حصل بعد إصرارهم وكانوا قبل ذلك مرجوا منهم الإيمان، لا في علم ~~الله تعالى بل في علمنا، فنزلت الآية بحسب ما يليق بحالنا في باب التقرير ~~والتصوير. أو نقول: فائدته أن يعلم أن استواء الطرفين بلغ مبلغا يصح أن ~~يستفهم عنه لكونه خاليا عن شوب التخمين وترجيح أحد الطرفين بوجه، فإن قول ~~القائل «الإنذار وعدمه مستويان عليهم» يمكن أن يحمل على التقريب لا ~~التحقيق، بخلاف ما لو أخبر عن الأمرين بطريق الهمزة وأم فافهم. والإنذار ~~التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة ~~لأن المقام مقام المبالغة، وتأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى لأن دفع ~~الضرر أهم من جلب النفع. وقوله «لا يؤمنون» إما جملة مؤكدة للتي قبلها، أو ~~خبر لأن والجملة قبلها اعتراض. # السادسة: الختم والكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشيء يضرب الخاتم ~~عليه كتما له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوة الغطاء فعالة ~~من غشاه إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل عليه كالعصابة والعمامة. والقلب ~~يراد به تارة اللحم الصنوبري المودع في التجويف الأيسر من الصدر وهو محل ~~الروح الحيواني الذي هو منشأ الحس والحركة وينبعث منه إلى سائر الأعضاء ~~بتوسط الأوردة والشرايين، ويراد به تارة اللطيفة الربانية التي بها يكون ~~الإنسان إنسانا وبها يستعد لامتثال الأوامر والنواهي والقيام بمواجب ~~التكاليف إن في ذلك لذكرى لمن ms0172 كان له قلب [ق: 37] . وهي من عالم الأمر الذي ~~لا يتوقف وجوده على مادة ومدة بعد إرادة موجده له إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون [النحل: 40] . كما أن البدن بل اللحم الصنوبري ~~من عالم الخلق الذي هو نقيض ذلك ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] . وقد ~~يعبر عنها بالنفس الناطقة ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: ~~7، 8] وبالروح قل الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] ونفخت فيه من روحي [ص: ~~72] والسمع قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ، تدرك صورة ما يتأدى ~~إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له انضغاطا بعنف يحدث منه ~~تموج فاعل للصوت، فيتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ويموجه ~~بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة تلك العصبة فتسمع قاله ابن سينا. ولعل ~~هذا في الشاهد فقط، وأما البصر فقال ابن سينا: هي قوة مرتبة في العصبة ~~المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام # PageV01P152 # ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام ~~الصيقلية. وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من ~~خارج ويكون من ذلك إبصار. # وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعا. والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين ~~نسبة البصيرة إلى القلب، ولكل من العين والقلب نور. أما نور العين فمنطبع ~~فيها لأنه من عالم الخلق، فهو نور جزئي ومدركه جزئي، وأما نور القلب فمفارق ~~لأنه من عالم الأمر، وهو نور كلي ومدركه كلي. وإدراك كل منهما عبارة عن ~~وقوع مدركه في ذلك النور، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه ~~بحسب شدته وضعفه. ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه، أو ~~يدركه أصغر مما هو عليه. ولا يلزم من قولنا «إن للبصر نورا يقع في المرئي» ~~أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياسا على أنوار الكواكب ~~والسرج، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات، والملزومات المختلفة ~~لا تستدعي ms0173 الاشتراك في اللوازم. وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب ~~والسمع والبصر كاف بحسب المقام. ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في ~~حكم الختم وفي حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله تعالى ~~وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة [الجاثية: 23] ولهذا يوقف على ~~«سمعهم» دون «قلوبهم» . وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من ~~القلب والسمع، وإنما وحد السمع لوجوه منها: أمن اللبس كما في قوله: كلوا في ~~بعض بطنكم تعفوا. فإن زمانكم زمن خميص. إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطنا، ~~ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه. # ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل، ولهذا جمع ~~الأذن في قوله وفي آذاننا وقر [فصلت: 5] . ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على ~~حواس سمعهم، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع ~~مثل عن اليمين والشمائل [النحل: 48] يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: ~~257] . # السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لتقديمه في اللفظ ولأنه ~~شرط النبوة. فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى ~~بالعمى، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم، والبصر سبب ~~وصول المحسوسات إلى المبصر. ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر، ~~ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق، بخلاف فاقد البصر. ومنهم من فضل ~~البصر لأن متعلق الأبصار النور، ومتعلق الأسماع الريح. والبصر يرى من بعيد ~~دون السمع، ولأن عجائب الله تعالى في تخليق العين أكثر منها في تخليق ~~السمع. وقد أسمع الله كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في # PageV01P153 # الرؤية وفي المثل «ليس وراء العيان بيان» . وفي العين جمال الوجه دون ~~السمع. والحق أن من فقد حسا فقد فقد علما وهو المتوقف على ذلك الحس. ولا ~~ريب أن معظم العلوم يتوقف تحصيلها على البصر والإرشاد، والتعليم على ~~الإطلاق يتوقف على السمع. فكل من الحواس في موضعه ضروري، وتفضيل البعض ms0174 على ~~البعض تطويل بلا طائل، فسبحان من دقت في كل مصنوع حكمته وأحسن كل شيء خلقه. # الثامنة: الآية الأولى فيها الإخبار بأن الذين كفروا لا يؤمنون، والإنذار ~~وعدمه عليهم سيان. والآية الثانية فيها بيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا ~~وهو الختم والتغشية، فاحتج أهل السنة بالآيتين ونظائرهما على تكليف ما لا ~~يطاق، وعلى أن الله تعالى هو الذي خلق فيهم الداعية الموجبة للكفر وختم على ~~قلوبهم وسمعهم ومنعهم عن قبول الحق والصدق، وكل بتقديره ولا يسأل عما يفعل. ~~وأما المعتزلة وأمثالهم فيقولون: كيف ينشىء فيهم الكفر ثم يقول: لم تكفرون؟ ~~وخلق فيهم ما به لبس الحق بالباطل ثم يقول لم تلبسون الحق بالباطل؟ ونحو ~~ذلك من الآيات الدالة على أن الكفر باختيار العبد وقدرته. فتأولوا الآية ~~على أنها جارية مجرى قولهم «فلان مجبول على كذا أو مفطور عليه» يريدون أنه ~~بليغ في الثبات عليه، أو على أنها تمثيل لحال قلوبهم فيما كانت عليه من ~~التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليه حتى دخلوا في زمرة الأنعام لا تعي ~~شيئا ولا تفقه كقولهم «سال به الوادي» إذا هلك، و «طارت به العنقاء» إذا ~~أطال الغيبة. وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في هلاكه ولا في طول غيبته، ~~وإنما مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي، وفي طول غيبته بحال من ~~طارت به العنقاء، والشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر. إلا أن الله ~~تعالى لما كان هو الذي أقدره ومكنه أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى ~~المسبب في قولهم «بنى الأمير المدينة» أو أنهم لما ترقى أمرهم في التصميم ~~على الكفر إلى حد لا يتناهون عنه إلا بالقسر والإلجاء، ثم لم يقسرهم الله ~~ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء ~~بالختم. أو يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما بهم من قولهم قلوبنا ~~في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت: # 5] ويحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل ms0175 عن تكفير المعتزلة في هذه ~~المسألة فقال: # لا، لأنهم نزهوه عما يشبه الظلم والقبيح ولا يليق بالحكمة. وسئل عن أهل ~~الجبر فقال: # لا، لأنهم عظموه حتى لا يكون لغيره قدرة وتأثير وإيجاد. وزعم الإمام فخر ~~الدين أن إثبات الإله يلجىء إلى القول بالجبر لأن الفاعلية لو لم تتوقف على ~~الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإثبات الرسول يلجىء ~~إلى القول بالقدر لأنه لو لم يقدر العبد # PageV01P154 # على الفعل فأي فائدة فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب؟ أو نقول: لما ~~رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه ~~يترجح أحدهما على الآخر إلا المرجح، وهذا يقتضي الجبر. ونجد تفرقة ضرورية ~~بين حركات الإنسان الاختيارية وبين حركات الجمادات والحركات الاضطرارية، ~~وذلك يقتضي مذهب الاعتزال فلذلك بقيت هذه المسألة في حيز الإشكال. قلت- ~~وبالله تعالى التوفيق-: عندي أن المسألة في غاية الاستنارة والسطوع إذا لو ~~حظت المبادئ ورتبت المقدمات، فإن مبدأ الكل لو لم يكن قادرا على كل ~~الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو ~~بغير واسطة لم يصلح لمبدئية الكل. فالهداية والضلالة، والإيمان والكفر، ~~والخير والشر، والنفع والضر، وسائر المتقابلات، كلها مستندة ومنتهية إلى ~~قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته. والآيات الناطقة بصحة هذه القضية كقوله تعالى ~~ولو شاء لهداكم أجمعين [النحل: 9] ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها [السجدة: ~~13] قل كل من عند الله [النساء: 78] كثيرة. وكذا # الأحاديث «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» «1» # «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» «2» # «احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى» «3» الحديث. # فهذه القضية مطابقة للعقل والنقل، وبقي الجواب عن اعتراضات المخالف. أما ~~حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول: لا ريب أنه تعالى منزه عن جميع ~~القبائح، ولكن لا بالوجه الذي يذكره المخالف إذ يلزم منه النقص من جهة أخرى ~~وهو الخلل في مبدئيته للكل وفي كونه مالك الملك. بل الوجه أن يقال: إن لله ~~تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون ms0176 الملك. ولا سيما ملك ~~الملوك، كذلك، إذ كل منهما من أوصاف الكمال ولا يقوم أحدهما مقام الآخر، ~~ومن منع ذلك كابر وعاند. ولا بد لكل من الوصفين من مظهر، فالملائكة ومن ~~ضاهاهم من الأخيار مظاهر اللطف، والشياطين ومن والاهم من الأشرار مظاهر ~~القهر، ومظاهر اللطف هم أهل الجنة والأعمال المستتبعة لها، ومظاهر القهر هم ~~أهل النار والأفعال المعقبة إياها. وهاهنا سر وهو أن اللطف والقهر والجنة ~~والنار إنما يصح وجود كل من كل منهما بوجود الآخر، PageV01P155 # فلولا القهر لم يتحقق اللطف، ولولا النار لم تثبت الجنة، كما أنه لولا ~~الألم لم تتبين اللذة، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري. ولله در ~~القائل: «وبضدها تتبين الأشياء» . # فخلق الله تعالى للجنة خلقا يعملون بعمل أهل الجنة، وللنار خلقا يعملون ~~بعمل أهل النار. # ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس ~~الأمر لكان الاعتراض بحاله. وهاهنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة فمنهم شقي ~~وسعيد [هود: # 105] الآية: # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا ~~بأربع كلمات، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد» «1» الحديث. # وإذا تؤمل فيما قلت، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه ~~تعالى، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به ~~العقل الصريح، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين. ~~وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه ~~وزيرا قريبا وبعضهم كناسا بعيدا لأن كلا منهما من ضرورات المملكة، وينسب ~~الظلم إليه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصص به، مع أن كلا منهم ضروري ~~في مقامه؟! فهذا القائل بهدم بناء حكمته، تعالى، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين ~~أصلح. وأما قوله «أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب» ففي غاية السخافة، ~~لأنا لما بينا أنه تعالى ms0177 يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فكيف يبقى للمعترض أن ~~يقول: لما جعل الله تعالى الشيء الفلاني سببا وواسطة للشيء الفلاني؟ كما ~~أنه ليس له أن يقول مثلا لم جعل الشمس سببا لإنارة الأرض؟ غاية ما في الباب ~~أن يقول إذا علم الله تعالى أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم فأقول: فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب ~~بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل الله بعثهم وإنزالها سببا وواسطة ~~لاهتدائهم إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45] كما أن فائدة نور الشمس ~~تعود إلى أصحاب العيون الصحاح. وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على ~~قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون [التوبة: 125] غاية ذلك إلزام ~~الحجة PageV01P156 # وإقامة البينة عليهم ظاهرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ولو ~~أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا [القصص: ~~47] وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم في أصل الخلقة ناقصون أشقياء. وهذا ~~المعنى ربما لا يظهر لهم أيضا لغاية نقصانهم كما أن الأكمه ربما لا يصدق ~~البصراء ولا يعرف أن التقصير والنقصان منه، وأن سائر الشرائط من محاذاة ~~المرئي وظهور النير موجودة وإنما يعرف نقصانهم أرباب الأبصار. وأما حديث ~~التفرقة الضرورية بين الحركات الاختيارية والحركات الاضطرارية كالرعشة مثلا ~~فأقول: لا ريب أن للإنسان إرادات وقوى بها يتم له حصول الملائم واجتناب ~~المنافي، إلا أن تلك الإرادات والقوى مستندة إلى الله تعالى، فكأنه لا ~~اختيار له. والتفرقة المذكورة سببها في أن الرعشة نقصت واسطة هي الداعية، ~~وفي الحركة المسماة بالاختيارية زادت واسطة فافهم هذه الحقائق والإشارات ~~واستعن بها في سائر ما يقرع سمعك من هذا القبيل، فلعلنا لا نكررها في كل ~~موضع حذرا من التطويل. ومن لم يستضىء بمصباح لا يستفيد بإصباح والله يقول ~~الحق وهو يهدي السبيل [الأحزاب: 4] . # التاسعة: العذاب مثل النكال بناء ومعنى، لأنك تقول: أعزب عن الشيء إذا ~~أمسك عنه كما ms0178 تقول: نكل عنه. ومنه العذاب لأنه يقمع العطش ويردعه بخلاف ~~الملح فإنه يزيده. # ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابا وإن لم يكن نكالا أي عقابا يرتدع به ~~الجاني عن المعاودة. والفرق بين العظيم والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، ~~والكبير نقيض الصغير، ويستعملان في المعاني والأعيان جميعا. تقول: رجل عظيم ~~وكبير تريد جثته أو خطره. # ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو ~~غطاء التعامي عن آيات الله. ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم ~~كنهه إلا الله نعوذ بالله منه. # العاشرة: اتفق المسلمون أكثرهم على أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار. ~~وقال بعضهم: لا يحسن، وفسروا قوله «ولهم عذاب عظيم» وكذا كل وعيد ورد في ~~القرآن بأنهم يستحقون ذلك، لكن كرمه يوجب عليه العفو. وذكروا أيضا دلائل ~~عقلية مبنية على الحسن والقبح كقولهم: التعذيب ضرر خال عن المنفعة لأن الله ~~تعالى منزه عن ذلك والعبد يتضرر به، ولو سلم أنه ينتفع به فالله قادر على ~~إيصال النفع إليه من غير توسط ذلك العذاب، والضرر خال عن المنافع قبيح ~~بالبديهة. وكقولهم: علم أن الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه أمرا ~~متى لم يفعل ترتب عليه العذاب، وما كان مستعقبا للضرر من غير نفع كان ~~قبيحا، فلم يبق إلا أن يقال: لم يوجد هذا التكليف، أو وجد لكنه لا يستعقب ~~العقاب. # PageV01P157 # وكقولهم: إنه سبحانه هو الخالق لداعية المعصية، فيقبح أن يعاقب عليها. ~~وكقولهم: إن العبد لو واظب على الكفر طول عمره فإذا تاب ثم مات عفا الله ~~عنه. أترى هذا الكرم العظيم ما بقي في الآخرة، أو سلبت عقول أولئك المعذبين ~~فلا يتوبون عن معاصيهم، وإذا تابوا فلم لا يقبل الله منهم توبتهم؟ ولم كان ~~في الدنيا بحيث قال: ادعوني أستجب لكم [غافر: # 60] وفي الآخرة بحيث لا يجيب دعاءهم إلا بقوله اخسؤا فيها ولا تكلمون ~~[المؤمنون: # 108] وأجيب بأن تعذيبهم نقل إلينا بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا مصير إلى ms0179 إنكاره، والشبه التي تمسكتم بها تنهدم بانهدام قاعدة الحسن ~~والقبح. وأقول: قد بينت بالبرهان النير في المسألة الثامنة أن وقوع فريق في ~~طريق القهر ضروري في حكمته تعالى، وكل ما تقتضيه حكمته وكماله كان حسنا. ~~ومن ظن أنه قبيح كان الخلل في عقله وقصور في فهمه، فلا قبيح في النظر إلا ~~وهو حسن من جهات أخرى لا يعلمها إلا منشئها وموجدها. وهل يستقبح أحد وقوع ~~بعض الأحجار للملوك تيجانا وبعضها للحشوش جدرانا، أو وقوع بعض من الحديد ~~سيفا يتقلده الناس وبعضه نعلا يطؤها الأفراس، حيث يرى كلا منهما في مصالح ~~الوجود ضروريا؟ ثم العذاب وهو بالحقيقة البعد من الله تعالى لازم للكفر ~~والعصيان، والملزوم لا ينفك من اللازم. وأما سبب عدم انتفاع الكافر والعاصي ~~بالإيمان والتوبة بعد المفارقة، فذلك أن محل الكسب هو الدنيا، والتكليف ~~بامتثال الأوامر والنواهي إنما وقع فيها. فليس لأحد أن يؤخر الامتثال إلى ~~الآخرة. ألا ترى أنه لو قال طبيب حاذق لمريض: اشرب الدواء الفلاني في اليوم ~~الفلاني فقصر وأخر حتى إذا مضى وقته وأشرف على الهلاك قال: إني أشرب الآن، ~~لم ينفعه ذلك الدواء ولا يسعه إلا الهلاك؟ وكذا لو قال ملك لواحد: افعل ~~الأمر الفلاني في هذا الوقت ففعله في وقت آخر لم يعد ممتثلا ولا ينفعه ~~الائتمار به لأن غرض الامتثال قد فات، ولا سيما إذا فعل بعد أن يرى أمارات ~~الغضب وعلامات العذاب فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي ~~قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون [غافر: 85] . صدق الله العظيم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 16] # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8) يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9) في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10) وإذا قيل لهم لا ~~تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون (12) # وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ms0180 ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم ~~ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين (16) # PageV01P158 ### | القراآت: # و «من الناس» ممالة. قرأ قتيبة ونصير في القرآن ما كان مكسورا. «من يقول» ~~مدغمة النون والتنوين في الياء حيث وقعت: حمزة وعلي وخلف وورش من طريق ~~النجاري. «بمؤمنين» غير مهموز: أبو عمرو وغير شجاع ويزيد والأعشى وورش ~~وحمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها من الأسماء. «وما يخادعون» : أبو عمرو وابن ~~كثير ونافع. «فزادهم الله» وبابه مما كان ماضيا بالإمالة: حمزة ونصير وابن ~~ذكوان من طريق مجاهد والنقاش بن الأخرم هاهنا بالإمالة فقط. «يكذبون» ~~خفيفا: عاصم وحمزة وعلي وخلف. قيل وغيض وجيء بالإشمام: علي وهشام ورويس. ~~«السفهاء ألا» بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. «السفهاء ولا» ~~بقلب الثانية واوا: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع. ~~«السفهاء وألا» بقلب الأولى واوا. روى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: ~~وكذلك ما أشبهها مما اختلف الهمزتان فيها إلا أن تكون الأولى منهما مفتوحة ~~مثل شهداء إذ وجاء إخوة وأشباه ذلك. «مستهزءون» بترك الهمزة في الحالين: ~~يزيد وافق حمزة في الوقف وكذلك ما أشبهها، وعن حمزة في الوقف وجهان: الحذف ~~والتليين شبه الياء والواو. «طغيانهم» حيث كان بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو ~~عمرو. «بالهدى» وما أشبهها من الأسماء والأفعال من ذوات الياء بالإمالة: ~~حمزة وعلي وخلف. وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وكذلك ~~كل كلمة تجوز الإمالة وفيها وذلك طبعهم وعادتهم. ### | الوقوف: # «بمؤمنين» (م) لما مر في المقدمة الثامنة: «آمنوا» (ج) لعطف الجملتين ~~المتفقين مع ابتداء النفي. «يشعرون» (ط) للآية وانقطاع النظم والمعنى، فإن ~~تعلق الجار بما بعده. «مرض» (لا) لأن الفاء للجزاء وكان تأكيدا لما في ~~قلوبهم. «مرضا» (ج) لعطف الجملتين المختلفتين. «يكذبون» (ه) في «الأرض» ~~(لا) لأن «قالوا» جواب «إذا» وعامله. # «مصلحون» (ه) «لا ms0181 يشعرون» (ه) «كما آمن السفهاء» (ط) للابتداء بكلمة ~~التنبيه، ومن وصل فليعجل رد السفه عليهم «لا يعلمون» (ه) «آمنا» (ج) لتبدل ~~وجه الكلام معنى مع أن الوصل أولى لبيان حالتيهم المتناقضتين وهو المقصود ~~«شياطينهم» (لا) لأن «قالوا» جواب «إذا» «معكم» (لا) تحرزا عن قول ما لا ~~يقوله مسلم، وإن جاز الابتداء بإنما. «مستهزءون» (ه) «يعمهون» (ه) «بالهدى» ~~(ص) لانقطاع النفس ولا يلزم العود لأن ما بعده بدون ما قبله مفهوم «مهتدين» ~~(ه) . # PageV01P159 ### | التفسير: # وفيه مباحث: # المبحث الأول: في قوله تعالى «ومن الناس من يقول» الآية. وفيه مسائل: # الأولى: عن مجاهد قال: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، ~~وآيتان بعدها نزلتا في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين. ~~فأقول: أحوال القلب أربع: الاعتقاد المطابق عن الدليل وهو العلم، والاعتقاد ~~المطابق لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد المحق، والاعتقاد غير المطابق وهو ~~الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك. وأحوال اللسان ثلاث: الإقرار والإنكار ~~والسكوت. كل منها بالاختيار أو بالاضطرار، فيحصل من التراكيب أربعة وعشرون ~~قسما فلنتكلم في الأحوال القلبية ونجعل البواقي تبعا لها في الذكر. (النوع ~~الأول) : العرفان القلبي إن انضم إليه الإقرار باللسان اختيارا فصاحبه مؤمن ~~حقا بالاتفاق، أو اضطرارا فهو منافق، لأنه لولا الخوف لما أقر، فهو بقلبه ~~منكر مكذب وجوب الإقرار. وإن انضم إليه الإنكار اضطرارا فهو مسلم لقوله ~~تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] أو اختيارا فهو كافر ~~معاند. وإن انضم إليه السكوت اضطرارا فمسلم حقا لأنه خاف، أو كما عرف مات ~~فجأة فيكون معذورا أو اختيارا فمسلم أيضا عند الغزالي وعند كثير من الأئمة # لقوله صلى الله عليه وسلم «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان» . # (النوع الثاني) : الاعتقاد التقليدي إن وجد معه الإقرار اختيارا فهو ~~المسألة المشهورة من أن المقلد مؤمن أم لا، والأكثرون على إيمانه. أو ~~اضطرارا فمنافق بالطريق الأولى كما مر في النوع الأول. وإن وجد معه الإنكار ~~اختيارا فلا شك في كفره، أو ms0182 اضطرارا فمسلم عند من يحكم بإيمان المقلد. وإن ~~وجد معه السكوت اضطرارا فمسلم بناء على إسلام المقلد، أو اختيارا فكافر ~~معاند. (النوع الثالث) : الإنكار القلبي مع الإقرار اللساني إن كان اضطرارا ~~نفاق، وكذا اختيارا لأنه أظهر خلاف ما أضمر. ومع الإنكار اللساني كفر كيف ~~كان، وكذا مع السكوت. # (النوع الرابع) : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات مع الإقرار اللساني إن ~~كان اختيارا، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر لكنه فعل ما لا ~~يجوز له حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا. وإن كان لا في ~~مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطراريا فلا يكفر صاحبه لأن توقفه إذا ~~كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحا. ~~والقلب الخالي مع الإنكار اللساني كيف كان نفاق، والقلب الخالي مع اللسان ~~الخالي إن كان في مهلة النظر فذلك هو الواجب، وإن كان خارجا عن مهلة النظر ~~وجب # PageV01P160 # تكفيره ولا نفاق. فظهر من التقسيم أن المنافق هو الذي لا يطابق ظاهره ~~باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ظاهره أو كان باطنه خاليا عما يشعر به ~~ظاهره، ومنه «النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها» فإذا أتى من ~~قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي خرج. # الثانية: زعم قوم أن الكفر الأصلي أقبح من النفاق، لأن الكافر جاهل ~~بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان. وقال الآخرون: ~~المنافق أيضا كاذب باللسان لأنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس ~~عليه. قال عز من قائل: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [المنافقون: 1] ~~وأيضا إنه قصد التلبيس والكافر الأصلي لا يقصد ذلك. وأيضا الكافر الأصلي ~~على طبع الرجال، والمنافق على طبيعة الخنائي. وأيضا الكافر ما رضي لنفسه ~~بالكذب بل استنكف منه، والمنافق رضي بالكذب. وأيضا المنافق ضم إلى الكفر ~~الاستهزاء والخداع دون الكافر الأصلي، ولغلظ كفر المنافقين قال الله تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء: 145] ووصف ms0183 حال الكفار في ~~آيتين وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ونكرهم ~~وفضحهم وسفههم واستجهلهم واستهزأ بهم وتهكم بفعلهم وسجل بطغيانهم وعمههم ~~ودعاهم صما بكما عميا وضرب لهم الأمثال الشنيعة. # الثالثة: قصة المنافقين عن آخرها معطوفة على قصة «الذين كفروا» كما تعطف ~~الجملة على الجملة. وأصل ناس أناس بدليل إنسان وإنس وأناسي. حذفت الهمزة ~~تخفيفا، مع لام التعريف كاللازم. وقوله «إن المنايا يطلعن على الإناس ~~الآمنينا» قليل. ونويس من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان. سموا بذلك ~~لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون كما سمي الجن لاجتنانهم. ووزن ناس فعال لأن ~~الزنة على الأصول كما يقال وزن ق أفعل وهو اسم جمع كرخال للأنثى من أولاد ~~الضأن. وأما الذي مفرده رخل بكسر الراء فرخال بكسر الراء. «ومن» في «من ~~يقول» موصوفة إن جعلت اللام في الناس للجنس كقوله من المؤمنين رجال ~~[الأحزاب: 23] ليكون معنى الكلام أن في جنس الإنس طائفة كيت وكيت، فيعود ~~فائدة الكلام إلى الوصف. وإن لم يكن مفيدا من حيث الحمل لأن الطائفة ~~الموصوفة تكون لا محالة من الناس، ولا يجوز أن تكون «من» موصولة حينئذ، لأن ~~الصلة تكون جملة معلومة الانتساب إلى الموصول فتبطل فائدة الوصف، فيبقى ~~الكلام غير مفيد رأسا. وإن جعلت اللام للعهد فمن تكون موصولة نحو ومنهم ~~الذين يؤذون النبي # PageV01P161 # [التوبة: 61] وتكون اللام إشارة إلى الذين كفروا لما ذكرهم، ولا يجوز أن ~~تكون «من» موصوفة إذ ذاك، لأن فائدة الكلام تعود إلى الوصف أيضا، ولكن لا ~~يجاوبه نظم الكلام إذ يصير المعنى أن من المختوم على قلوبهم طائفة يقولون ~~كيت وكيت وما هم بمؤمنين. ومن البين أن مدلول قوله «وما هم بمؤمنين» معلوم ~~من حال المطبوع على قلوبهم فيقع ذكره ضائعا، والضمير العائد إلى «من» يكون ~~موحدا تارة باعتبار اللفظ نحو ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~[الأنعام: 25] ومجموعا أخرى باعتبار المعنى مثل ومنهم من يستمعون إليك ~~[يونس: 42] وقد اجتمع الاعتباران في الآية في «يقول» و «آمنا» . وإنما اختص ms0184 ~~بالذكر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر لأنهما قطرا الإيمان، ومن أحاط ~~بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره. وفي تكرير الباء إيذان بأنهم ادعوا كل واحد ~~من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن قلت: إن كان هؤلاء المنافقون ~~من المشركين فظاهر عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وإن كانوا من اليهود ~~فكيف يصح ذلك؟ قلت: إيمان اليهود بالله ليس بإيمان لقولهم «عزير ابن الله» ~~وكذلك إيمانهم باليوم الآخر لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته. فقولهم هذا لو ~~صدر عنهم لا على وجه النفاق بل على عقيدتهم فهو كفر لا إيمان. # فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة واستهزاء وتخييلا للمسلمين أنهم مثلهم ~~في الإيمان الحقيقي كان خبثا إلى خبث وكفرا إلى كفر. والمراد باليوم الآخر ~~إما طرف الأبد الذي لا ينقطع لأنه متأخر عن الأوقات المنقضية، أو الوقت ~~المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه آخر ~~الأوقات المحدودة التي لا حد للوقت بعده. فإن قلت: كيف طابق قوله «وما هم ~~بمؤمنين» قولهم «آمنا» والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني بالعكس؟ ~~قلت: لما أتوا بالجملة الفعلية ليكون معناها أحدثنا الدخول في الإيمان ~~لتروج دعواهم الكاذبة، جيء بالجملة الاسمية ليفيد نفي ما انتحلوا إثباته ~~لأنفسهم على سبيل ألبت والقطع وأنهم ليس لهم استئهال أن يكونوا طائفة من ~~طوائف المؤمنين، فكان هذا أوكد وأبلغ من أن يقال: إنهم لم يؤمنوا. ونظير ~~الآية قوله تعالى يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها [البقرة: ~~167] . ثم إن قوله «وما هم بمؤمنين» يحتمل أن يكون مقيدا وترك لدلالة ~~التقييد في «آمنا» . ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، ~~لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما. # البحث الثاني: في قوله يخادعون الله إلى يكذبون. # اعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة ~~وأصلها # PageV01P162 # الإخفاء، ومنه سميت الخزانة المخدع. والأخدعان عرفان في العنق خفيان. ~~وخدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا ms0185 قليلا. والخديعة مذمومة ~~لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو ~~التخلص منه، فهي بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسية. فإن ~~قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا ~~يخدع، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنين وإن جاز أن ~~يخدعوا كما قال ذو الرمة: # تلك الفتاة التي علقتها عرضا ... إن الحليم ذا الإسلام يختلب # لم يجز أن يخدعوا. قلنا: كانت صورة صنعهم مع الله- حيث يتظاهرون بالإيمان ~~وهم كافرون- صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم- حيث أمر بإجراء أحكام ~~المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار- صورة صنع الخادع، ~~وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم- حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه ~~عليهم. ويحتمل أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه، ~~لأنه من كان ادعاؤه الإيمان بالله تعالى نفاقا لم يكن عارفا بالله ولا ~~بصفاته، فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون الله مخدوعا ومصابا بالمكروه من ~~وجه خفي، أو تجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم. ويحتمل أن يذكر الله ويراد ~~الرسول لأنه خليفته والناطق بأوامره ونواهيه مع عباده إن الذين يبايعونك ~~إنما يبايعون الله [الفتح: 10] . ويحتمل أن يكون من قولهم «أعجبني زيد ~~وكرمه» فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا بالله، وفائدة هذه الطريقة قوة ~~الاختصاص. ولما كان المؤمنون من الله بمكان سلك بهم هذا المسلك ومثله والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] إن الذين يؤذون الله ورسوله [الأحزاب: ~~57] وقولهم «علمت زيدا فاضلا» الغرض ذكر الإحاطة بفضل زيد، لأن زيدا كان ~~معلوما له قديما كأنه قيل: علمت فضل زيد ولكن ذكره توطئة وتمهيدا. ووجه ~~الاختصار بخادعت على واحد أن يقال: عني به فعلت إلا أنه أخرج في زنة ~~«فاعلت» لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه فاعله ~~جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة قوة ~~الداعي إليه. # «ويخادعون» بيان ليقول، ويجوز أن يكون مستأنفا كأن ms0186 قيل: ولم يدعون ~~الإيمان كاذبين؟ # فقيل: يخادعون. وكان غرضهم من الخداع الدفع عن أنفسهم أحكام الكفار من ~~القتل والنهب وتعظيم المسلمين إياهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم واطلاعهم ~~على أسرار المسلمين لاختلاطهم بهم. والسؤال الذي يذكر هاهنا من أنه تعالى ~~لم أبقى المنافق على # PageV01P163 # حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل؟ ~~وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين، بل على استبقاء إبليس وذريته ~~وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله ~~تعالى ختم الله على قلوبهم [البقرة: # 7] وقراءة من قرأ وما يخادعون إلا أنفسهم [البقرة: 9] أي وما يعاملون تلك ~~المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم، لأن مكرها يحيق بهم ~~ودائرتها تدور عليهم لأن الله تعالى يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه ~~إليهم كقوله إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142] ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث ~~يمنونها الأباطيل، وأنفسهم أيضا تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب. وأن يراد «وما ~~يخدعون» فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة. والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا ~~يختص بالأجسام لقوله تعالى تعلم ما في نفسي [المائدة: 116] والشعور علم ~~الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، ~~وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال ~~الصادرة عن موضوعها، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد ~~الألم كما تقول: في جوفه مرض. ومجازا بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء ~~الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي، فإن صدورهم كانت تغلي على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقا وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا ~~خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [آل عمران: 119] وناهيك بما كان من ابن ~~أبي، وقول سعد بن عبادة لرسول صلى الله عليه وسلم اعف عنه يا رسول الله ~~واصفح، فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن ~~يعصبوه بالعصابة- وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه ms0187 التاج- أي يجعلوه ملكا، فلما ~~رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك. أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف ~~والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حينا ثم تركد، فكانت تقوى ~~قلوبهم بذلك الطمع. فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف ~~الله في قلوبهم من الرعب ضعفت جبنا وخورا. ومعنى زيادة الله إياهم مرضا أنه ~~كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفرا إلى كفرهم، فأسند الفعل ~~إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله فزادتهم رجسا إلى رجسهم ~~[التوبة: 125] وهذا كما قال الحكيم: البدن الغير النقي كلما فدوته زدته ~~شرا. # وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطا ازدادوا حسدا وبغضا. ويحتمل أن يراد بزيادة ~~المرض الطبع، ويحتمل أن يقال: الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ~~ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله: # PageV01P164 # اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله # النار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله # فإفضاء صاحبه إلى الهلاك هو المعني بالزيادة. والأليم الوجيع. ووصف ~~العذاب به على طريقة قولهم «جد جده» والألم بالحقيقة للمؤلم كما أن الجد ~~للجاد. والمراد بكذبهم قولهم «آمنا بالله وباليوم الآخر» . وفي ترتب الوعيد ~~على الكذب دليل على قبح الكذب وسماجته. وما # يروى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنه كذب ثلاث كذبات أحدها قوله إني ~~سقيم [الصافات: 89] وثانيها قوله لسارة حين أراد أن يغصبها ظالم «إنها ~~أختي» وثالثها قوله بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] فالمراد التعريض # «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» «1» # ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به. والكذب الإخبار بالشيء على خلاف ~~ما هو به، وقد يعتبر فيه علم المخبر بكون المخبر عنه مخالفا للخبر، والصدق ~~نقيضه. وقراءة من قرأ «يكذبون» بالتشديد إما من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ~~وإما من كذب الذي هو مبالغة في كذب كما بولغ في صدق فقيل «صدق» نحو: بان ~~الشيء وبين الشيء ومنه قوله: # قد بين الصبح لذي عينين أو بمعنى الكثرة نحو «موتت البهائم» ، أو من ~~قولهم ms0188 «كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه» لأن المنافق متوقف ~~متردد في أمره مذبذب بين ذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ~~تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة» # «2» وما في قوله «بما كانوا» مصدرية أي بكذبهم، وكان مقحمة لتفيد الثبوت ~~والدوام أي بسبب أن هذا شأنهم وهجيراهم. # البحث الثالث: في قوله تعالى «وإذا قيل لهم لا تفسدو في الأرض» إلى قوله ~~«ولكن لا يشعرون» . PageV01P165 # هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين. فقوله «وإذا قيل» إما ~~معطوف على «كانوا يكذبون» أي ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون وبما كانوا ~~إذا قيل لهم كذا قالوا كذا، وإما على «يقول» أي ومن الناس من إذا قيل له. ~~ويحتمل أن يقال الواو للاستئناف، وإسناد «قيل» إلى «لا تفسدوا» و «آمنوا» ~~ليس من إسناد الفعل إلى الفعل فإنه لا يصح، ولكنه إسناد إلى لفظ الفعل. أي ~~وإذا قيل لهم هذا القول نحو: زعموا مطية الكذب. والقائل لهم إما النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك نصحهم فأجابوا بما يحقق ~~إيمانهم وأنهم في الصلاح، وإما بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبل ~~منهم ويعظمهم، وإما بعض المؤمنين، ولا يجوز أن يكون القائل ممن لا يختص ~~بالدين. والفساد خروج الشيء عن أن يكون منتفعا به، ونقيضه الصلاح وهو ~~الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي أن ~~المراد بالإفساد المنهي عنه إظهار معصية الله تعالى، فإن الشرائع سنن ~~موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، ~~فحقنت الدماء وضبطت الأموال وحفظت الفروج وكان ذلك صلاح الأرض وأهلها. وأما ~~إذا أهملت الشريعة وأقدم كل واحد على ما يهواه، اشتعلت نوائر الفتن من كل ~~جانب، وحدثت المفاسد. وقيل: هو مداراة المنافقين الكافرين ومخالطتهم إياهم ~~لأنهم إذا مالوا إلى الكفار مع أنهم في الظاهر مؤمنون، أوهم ذلك ضعف أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms0189 وأصحابه فيصير سببا لطمع الكفار في المؤمنين، ~~فتهيج الفتن والحروب. وقيل: كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه ويلقون الشبه ~~ويفشون أسرار المؤمنين، ولما نهوا عن الإفساد في الأرض كان قولهم «إنما نحن ~~مصلحون» كالمقابل له. فههنا احتمالات: أحدها: أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو ~~الصواب وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، فزعموا أنهم مصلحون. وثانيها: إذا ~~فسر الإفساد بموالاتهم الكافرين أن يكون مرادهم أن الغرض من تلك الموالاة ~~هو الإصلاح بين المسلمين كقولهم فيما حكى الله سبحانه إن أردنا إلا إحسانا ~~وتوفيقا [النساء: 62] وثالثها: أن يكون المراد إنكار إذاعة أسرار المسلمين ~~ونسبة أنفسهم إلى الاستقامة والسداد، وجيء بأداة القصر دلالة على أن صفة ~~المصلحين خلصت لهم وتمحضت، أي حالنا مقصورة على الإصلاح لا تتعداه إلى ~~غيره. «وألا» مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، فيفيد التنبيه على تحقيق ~~ما بعدها كقوله تعالى أليس ذلك بقادر [القيامة: 40] ولإفادتها التحقيق لا ~~تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي ~~«أما» من مقدمات اليمين وطلائعها. # قال: # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر # PageV01P166 # رد الله ما ادعوه من الانضمام في زمرة المصلحين أبلغ رد من جهة ~~الاستئناف، فإن ادعاءهم ذلك مع توغلهم في الفساد مما يشوق السامع أن يعرف ~~ما حكمهم، فرد الله عليهم. وكان وروده بدون الواو هو المطابق، ومن جهة ما ~~في «ألا» وفي «أن» من التأكيد، ومن قبيل تعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله ~~«لا يشعرون» . # البحث الرابع: في قوله «وإذا قيل لهم آمنوا» الآية. # هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك أن المؤمنين أتوهم ~~في النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجر إلى الفساد ~~والفتنة، والثاني: # دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام. وبعبارة أخرى أمروهم ~~أولا بالتخلية عما لا ينبغي، وثانيا بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال ~~الإنسان في هاتين. وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي ~~سفههم، وفي هذا تسلية للعالم ms0190 إذا لم يعرف حقه الجاهل. # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل # وما في «كما» يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه ~~مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو، أو زيد صديقي كما ~~عمرو أخي. ويجوز أن تكون مصدرية مثلها في بما رحبت [التوبة: 25، 118] ~~واللام في الناس للعهد أي كما آمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وهم ~~ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتا كما أن إيمان هؤلاء ثابت، أو ليحصل ~~إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه ~~لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم. ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن ~~الكاملون في الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي، أو ~~جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس في عدم التمييز بين الحق ~~والباطل. # والاستفهام في «أنؤمن» في معنى الإنكار، واللام في «السفهاء» مشار بها ~~إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيدا قد سعى بك. فتقول: أو قد فعل السفيه؟ أو ~~للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه ~~وهو ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به، ~~قال ذو الرمة: # جرين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # وإنما سفهو المؤمنين مع رجحان عقول أهل الإيمان، لأنهم لجهلهم وإخلالهم ~~بالنظر # PageV01P167 # الصحيح اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، ولأنهم كانوا في رياسة وثروة وكان ~~أكثر المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا ~~لشأنهم كما قال قوم نوح وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا [هود: 27] أو ~~أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه لما غاظهم من إسلامهم وفت في أعضائهم. # عن أنس أنه سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~في أرض مخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا ~~يعلمهن إلا نبي. فما أول أشراط الساعة؟ وما أول ms0191 طعام أهل الجنة؟ وما ينزع ~~الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ # قال صلى الله عليه وسلم: أخبرني بهن جبريل آنفا. أما أول أشراط الساعة ~~فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة ~~فزيادة كبد حوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الوالد، وإذا سبق ماء ~~المرأة نزعت. قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله، ~~إن اليهود قوم بهت وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني. فجاءت ~~اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن ~~سيدنا. قال: # أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام. قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد ~~الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا ~~وابن شرنا فانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. # ثم إن الله تعالى ألقى عليهم هذا اللقب مقرونا بالمؤكدات التي بيناها في ~~قوله «ألا إنهم هم المفسدون» وذلك أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به ~~إلى السفه فهو السفيه، وكذا من باع آخرته بدنياه. # قال صلى الله عليه وسلم: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» «1» . # وأيضا من السفه معاداة المحمديين يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ~~[الصف: 8] . # كالطود يحقر نطحة الأوعال إنما فصلت هذه الآية «بلا يعلمون» والتي قبلها ~~«بلا يشعرون» لأن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي ~~نظري، وأما النفاق وما يؤول إليه من الفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على ~~العادات، وخصوصا عند العرب في جاهليتهم. وما كان قائما بينهم من التحارب ~~والتجاذب فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم ~~معه أحسن طباقا له. PageV01P168 # البحث الخامس: في قوله وإذا لقوا الذين آمنوا الآيات. # هذا هو النوع الرابع من قبائح أفعالهم، والفرق بين هذه الآية وبين قوله ~~«ومن الناس من يقول آمنا» أن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه ms0192 ~~في بيان معاملتهم مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم. # عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي وأصحابه، وذلك أنهم ~~خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~عبد الله بن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم. فذهب فأخذ بيد أبي ~~بكر فقال: # مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الغار، الباذل نفسه وماله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني ~~عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم ~~أخذ بيد علي عليه السلام فقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه سيد بني هاشم ~~ما خلا رسول الله. ثم افترقوا فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، ~~فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيرا. فرجع المسلمون إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت. # ويقال: لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا منه. وخلوت بفلان وإليه إذا ~~انفردت معه، ويجوز أن يكون من خلال بمعنى مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك، ~~ومنه القرون الخالية، أو من خلوت به إذا سخرت منه وهو من قولك «خلا فلان ~~بعرض فلان» عبث به، ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم ~~وحدثوهم بها كما تقول: # أحمد إليك فلانا أو أذمه إليك أي أنهي إليك حمدي لفلان أو ذمي. وعن ابن ~~عباس: إني أحمد إليك عسل الإحليل أي أعلمكم أنه أمر محمود. وشياطينهم ~~رؤساؤهم وأكابرهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم. وهم إما أكابر ~~المنافقين فالقائلون. إنا معكم أي مصاحبوكم وموافقوكم على أمر دينكم ~~أصاغرهم، وإما أكابر الكافرين فالقائلون يحتمل أن يكون جميع المنافقين. ~~وإنما فسرنا الشياطين بالرؤساء لأنهم هم القادرون على الإفساد في الأرض، ~~وإنما خاطبوا المؤمنين بأضعف الجملتين وهي الفعلية، وشياطينهم بأقواهما ~~أعني الاسمية المحققة بان لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان الناشئ عن صميم ~~القلب منهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان كاملون، إما لأن أنفسهم ms0193 لا ~~تساعدهم عليه وهكذا كل قول لم يصدر عن صدق رغبة وباعث داخلي، وإما لأنه لا ~~يروج عنهم لو قالوه على وجه التوكيد وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار ~~القائلين «ربنا إننا آمنا» وإما مخاطبة إخوانهم فعن وفور نشاط ورغبة وفي ~~حيز القبول والرواج فكان مظنة للتحقيق ومئنة للتوكيد، وإنما فقد العاطف بين ~~قوله «إنا معكم» وبين قوله «إنما نحن مستهزءون» الأول معناه الثبات على ~~الكفر، والثاني رد للإسلام. لأن المستهزئ بالشيء منكر له دافع، ودفع نقيض ~~الشيء إثبات وتأكيد للشيء. أو لأن الثاني بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد ~~عظم الكفر، أو لأنه # PageV01P169 # استئناف كأنه قيل: ما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام؟ ~~فقالوا: إنما نحن مستهزءون. والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصله الخفة من ~~الهزء وهو القتل السريع. ثم إن الله تعالى أجابهم بأشياء: أحدها قول الله ~~«يستهزىء بهم» وهو استئناف في غاية الجزالة والفخامة، كأنه سئل ما مصير ~~أمرهم وعقبى حالهم؟ فقيل: الله يستهزىء بهم. وفي الالتفات من الحكاية إلى ~~المظهر، أن الله عز وجل هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ الذي ~~استهزاؤهم بالنسبة إلى ذلك كالعدم. وفي تخصيص الله بالذكر مع قرينة أن ~~المؤمنين هم الذين استهزىء بهم دلالة على أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء ~~بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فإن ~~قيل: الاستهزاء جهالة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين [البقرة: 67] فما معنى استهزاء الله بهم؟ قلنا: معناه إنزال ~~الهوان والحقارة بهم وهو المقصد الأقصى للمستهزىء، أو سمي جزاء الاستهزاء ~~استهزاء مثل فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] أو عاملهم ~~الله معاملة المستهزئ في الدنيا لأنه كان يطلع الرسول على أسرارهم مع كونهم ~~مبالغين في إخفائها، وفي الآخرة على ما روي عن ابن عباس: إذا دخل المؤمنون ~~الجنة والكافرون النار، فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي ~~هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من ~~الجحيم ويتوجهون إلى الجنة- وأهل ms0194 الجنة ينظرون إليهم- فإذا وصلوا إلى باب ~~الجنة فهناك يغلق دونهم الباب فذلك قوله تعالى فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون [المطففين: 34] فهذا هو الاستهزاء، وإنما ~~لم يقل الله مستهزىء ليكون طبقا لقوله «إنما نحن مستهزءون» لأن المراد تجدد ~~الاستهزاء بهم وقتا بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم ونزول الآيات في ~~شأنهم أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين [التوبة: 26] يحذر ~~المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله ~~مخرج ما تحذرون [التوبة: 64] وثانيها قوله «ويمدهم في طغيانهم» هو من مد ~~الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقويه، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما ~~يصلحهما. وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد في العمر والإمهال لقراءة ~~نافع في موضع آخر وإخوانهم يمدونهم في الغي [الأعراف: 202] على أن الذي ~~بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله في الكشاف، وهو مخالف ~~لنقل الجوهري مده في غيه أي أمهله. والطغيان الغلو في الكفر ومجاوزة الحد ~~في العتو، ومعنى مدد الله تعالى إياهم في الطغيان يعرف من تفسير ختم الله ~~على قلوبهم وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت ~~قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور في صدور المؤمنين، ~~فسمي ذلك التزايد مددا. أو # PageV01P170 # بأنه لم يقسرهم، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه ~~وإقداره، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب ~~الأسباب. ومن هذا # القبيل ما قيل: # إن النكتة في إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي في الضلالة مما ~~اقترفته أنفسهم، وأن الله بريء منه، فإن الانتهاء إلى الله تعالى لما كان ~~ضروريا فكيف يتبرأ من ذلك؟ # «ويعمهون» في موضع الحال. والعمه كالعمى، إلا أن العمى في البصر وفي ~~الرأي، والعمه في الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه. ~~وثالثها: قوله «أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى» أي اختاروها عليه ms0195 ~~واستبدلوها به، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو ~~النجم: # أخذت بالجمة رأسا أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا # وبالطويل العمر عمرا جيدرا ... كما اشترى المسلم إذ تنصرا # وعن وهب قال الله تعالى فيما يعيب به بني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، ~~وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة. جعلوا لتمكنهم من الهدى ~~بحسب الفطرة الإنسانية الشخصية كأنه في أيديهم، فتركوه واستبدلوا به ~~الضلالة وهي الجور عن القصد وفقد الاهتداء. وفي المثل «ضل دريص نفقة» أي ~~جحره، والدرص ولد الفأرة ونحوها، يضرب لمن يعيا بأمره. فاستعيرت الضلالة ~~للذهاب عن الصواب في الدين. والربح الفضل على رأس المال، والتجارة مصدر ~~وإنما أسند الخسران إليها وهو لصاحبها إسنادا مجازيا لملابسة التجارة ~~بالمشترين. وقد يقال: ربح عبدك وخسرت جاريتك مجازا إذا دلت الحال. # ولما ذكر الله سبحانه شراء الضلالة بالهدى مجازا أتبعه ما يشاكله ويواخيه ~~من الربح والتجارة لتكون الاستعارة مرشحة كقوله: # ولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشش في وكريه جاش له صدري # لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش والوكر. ~~«وما كانوا مهتدين» لطرق التجارة لأن مطلوب التاجر في متصرفاته شيئان: ~~سلامة رأس المال والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معا، لأن رأس مالهم كان ~~هو الهدى فلم يبق لهم مع الضلالة، والضلالة أمر عدمي فلا عوض ولا معوض، فلا ~~ربح ولا رأس المال. وهكذا حال من يدعي الإرادة ولا يخرج من العادة ويريد ~~الجمع بين مقاصد الدنيا ومصالح الدين، كالمنافق أراد الجمع بين عشرة الكفار ~~وصحبة المسلمين، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وإذا أقبل الليل من هاهنا ~~أدبر النهار من هاهنا نعوذ بالله من الغواية، ونسأله أن يعصمنا من الضلالة ~~بعد الهداية. # PageV01P171 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى # 20] # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18) أو كصيب من السماء ~~فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر ms0196 الموت والله ~~محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء ~~قدير (20) ### | القراآت: # «آذانهم» وبابه بالإمالة: نصير وأبو عمر. «بالكافرين» وما أشبهها مما كان ~~في محل الخفض بالإمالة: أبو عمر وقتيبة ونصير وأبو عمرو ويعقوب غير روح. ~~«شاء الله» حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. ### | الوقوف: # «نارا» (لا) لأن جواب «لما» منتظر لما فيها من معنى الشرط مع دخول فاء ~~التعقيب فيها. «لا يبصرون» (ه) «لا يرجعون» (ه) للعطف بأو وهو للتخيير، ~~ومعنى التخيير لا يبقى مع الفصل. ومن جعل «أو» بمعنى الواو جاز وقفه لعطفه ~~الجملتين مع أنها رأس آية. وقد اعترضت بينهما آية على تقدير ومثلهم كصيب. ~~«وبرق» (ج) لأن قوله «يجعلون» يحتمل أن يكون خبر المحذوف، أي هم يجعلون، أو ~~حالا عامله معنى التشبيه في الكاف، وذو الحال محذوف أي كأصحاب صيب. «الموت» ~~(ط) «بالكافرين» (ه) «أبصارهم» (ط) لأن كلما استئناف. «فيه» (لا) لأن تمام ~~المقصود بيان الحال المضاد للحال الأول «قاموا» (ط) و «أبصارهم» (ط) «قدير» ~~(ه) . ### | التفسير: # لما جاء بحقيقة صفة المنافقين عقبها بضرب المثل تتميما للبيان. ولضرب ~~الأمثال شأن ليس بالخفي في رفع الأستار عن الحقائق حتى يبرز المتخيل في ~~معرض اليقين، والغائب كأنه شاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد. ولأمر ما أكثر ~~الله تعالى في كتبه أمثاله وتلك الأمثال نضربها للناس [الحشر: 21] وفشت في # كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثل الدنيا مثل ظلك إن طلبته تباعد ~~وإن تركته تتابع» # «مثل الجليس الصالح كمثل الداري» # وأمثال العرب أكثر من أن تحصى، حتى صنف فيها كتب مشهورة. والمثل في أصل ~~كلامهم بمعنى المثيل وهو النظير، ثم قيل للقول السائر المشبه مضربه بمورده ~~مثل. ولا يخلو من غرابة، ومن ثم حوفظ عليه من التغيير. وأما هاهنا فاستعير ~~المثل للحال أو الصفة أو القصة التي فيها غرابة ولها شأن، شبهت حالهم ~~العجيبة الشأن من حيث إنهم أوتوا ms0197 ضربا من الهدى بحسب الفطرة، ولما # PageV01P172 # نطقت به ألسنتهم من كلمة الإسلام فحقنوا دماءهم وأموالهم عاجلا، ثم لم ~~يتوصلوا بذلك إلى نعيم الأبد باستبطانهم الكفر فيؤل حالهم إلى أنواع ~~الحسرات وأصناف العقوبات بحال الذي استوقد نارا في توجه الطمع إلى تسني ~~المطلوب بسبب مباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب ~~الأسباب. والمراد بالذي استوقد إما جمع كقوله وخضتم كالذي خاضوا [التوبة: ~~69] وحذف النون لاستطالته بصلته، أو قصد جنس المستوقدين، أو أريد الجمع أو ~~الفوج الذي استوقد نارا، ولولا عود الضمير إلى الذي مجموعا في قوله «بنورهم ~~وتركهم» لم يحتج إلى التكلفات المذكورة، على أنه يمكن أن يشبه قصة جماعة ~~بقصة شخص واحد نحو، مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ~~[الجمعة: 5] ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها، وأوقدتها أنا واستوقدتها ~~أيضا. والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق، والنور ضوءها وضوء كل نير واشتقاقها ~~من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة واضطرابا والإضاءة فرط الإنارة جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا [يونس: 5] وهي في الآية متعدية، ويحتمل أن تكون غير ~~متعدية، مسندة إلى ما حوله، والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول ~~المستوقد أماكن وأشياء، أو يستتر في الفعل اللازم ضمير النار ويجعل إشراق ~~ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها على أن «ما» مزيدة أو موصولة في ~~معنى الأمكنة، و «حوله» نصب على الظرف، وتأليفه للدوران والإطافة، والعام ~~حول لأنه يدور. وجواب «لما ذهب الله بنورهم» فالضمير يعود إلى الذي استوقد ~~نظرا إلى المعنى، كما أن الضمير في «حوله» راجع إليه من حيث اللفظ. وقيل: ~~الأولى أن يقال: جوابه محذوف مثل فلما ذهبوا به لما فيه من الوجازة مع ~~الإعراب عن الصفة التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من الذكر في أداء ~~المعنى، كأنه قيل: فلما أضاءت ما حوله كان ما كان من حصولهم خابطين في ظلام ~~متحيرين خائبين فيها بعد الكدح في إحياء النار. ثم إن سائلا كأنه يسأل: ما ~~بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا ms0198 المستوقد؟ فقيل له: ذهب الله بنورهم أي بنور ~~المنافقين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الذي مفردا، ويمكن أن يكون بدلا من جملة ~~التمثيل على سبيل البيان أي مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، وكمثل الذي ذهب ~~الله بنورهم. ومعنى إسناد الفعل إلى الله أنه إذا أطفئت النار بسبب سماوي ~~كريح أو مطر فقد أطفأها الله وذهب بنور المستوقد، أو يكون المستوقد مستوقد ~~نار لا يرضاها الله. ثم إما أن تكون نارا مجازية كنار الفتنة والعداوة ~~للإسلام، وتلك النار، متقاصرة مدة اشتعالها وإضاءتها، فمنافعها الدنيوية ~~قليلة البقاء، وللباطل صولة، ثم تضمحل، ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت. ونار ~~العرفج مثل لثروة كل طماح كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: ~~64] وإما نارا حقيقية أو قدها الغواة # PageV01P173 # ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويهتدوا بها في طرق العيش ~~فأطفأها الله وخيب أمانيهم. وإنما لم يقل ذهب الله بضوئهم على سياق «فلما ~~أضاءت» لأن ذكر النور أبلغ في الغرض وهو إزالة النور عنهم رأسا وطمسه أصلا، ~~فإن الضوء شدة النور وزيادته، وذهاب الأصل يوجب زوال الزيادة عليه دون ~~العكس. والفرق بين «أذهبه» و «ذهب به» أن معنى «أذهبه» أزاله وجعله ذاهبا، ~~ويقال: ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهب السلطان بماله أخذه وأمسكه. ~~وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، وترك بمعنى طرح وخلى إذا ~~علق بواحد، وإذا علق بشيئين كان مضمنا معنى صير فيجري مجرى أفعال القلوب ~~كقول عنترة: # «فتركته جزر السباع ينشنه» ومنه قوله تعالى وتركهم في ظلمات والظلمة عدم ~~النور عما من شأنه أن يستنير، وقيل: عرض ينافي النور واشتقاقها من قولهم ~~«ما ظلمك أن تفعل كذا» أي ما منعك وشغلك لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية. وفي ~~جمع الظلمة وتنكيرها وإتباعها ما يدل على أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان، ~~وفي قوله «لا يبصرون» دلالة على أن الظلمة بلغت مبلغا يبهت معها الواصفون. ~~وكذا في إسقاط مفعول «لا يبصرون» وجعله من قبيل المتروك المطرح الذي لا ~~يلتفت إلى ms0199 إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي كأن الفعل غير متعد ~~أصلا. # ومحل «لا يبصرون» إما جر صفة لظلمات أي لا يبصرون فيها شيئا، وإما نصب ~~مفعولا ثانيا، أو حالا من هم مثل ويذرهم في طغيانهم يعمهون [الأعراف: 186] ~~أي حال كونهم ليسوا من أهل الأبصار. عن سعيد بن جبير: نزلت في اليهود ~~وانتظارهم لخروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، ~~فلما خرج كفروا به. وكان انتظارهم له كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره ~~كزوال ذلك النور ثم إنه كان من المعلوم من حالهم أنهم يسمعون وينطقون ~~ويبصرون، لكنهم شبهوا بمن إيفت مشاعرهم فقيل لهم: صم بكم عمي، حيث سدوا عن ~~الإصاغة إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا ويستبصروا ~~بعيونهم. وإنما قلنا: إن ما في الآية تشبيه لا استعارة مع أن المشبه مطوي ~~ذكره كما هو حق الاستعارة، لأن ذلك في حكم المنطوق به وإلا بقي الخبر بلا ~~مبتدأ. ومعنى «لا يرجعون» لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة ~~بعد أن اشتروها تسجيلا عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة المتحيرين لا ~~يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وإلى حيث ابتدءوا منه كيف يرجعون. # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # PageV01P174 # «1» ومثله حال مريد طريقة الذي له بداية ولازم خلوته وصحبته حتى شرقت له ~~من صفات القلب شوارق الشوق، وبرقت له من أنوار الروح بوارق الذوق، فطرقته ~~الهواجس وأزعجته الوساوس فيرجع القهقري إلى ما كان من حضيض عالم الطبيعة، ~~فغابت شمسه وأظلمت نفسه وفضل عن يومه أمسه. ثم إن الله تعالى ضرب للمنافقين ~~مثلا آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح، لأن المقام مقام ~~تفصيل وإشباع. فيكون تقدير الكلام «مثل المنافقين كمثل المستوقدين أو كمثل ~~ذوي صيب» على معنى أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين فإنهما سواء في ~~صحة التشبيه بهما، فأنت مخير في التشبيه بأيتهما شئت أو بهما جميعا نحو: ~~جالس الحسن أو ابن سيرين. والتمثيلان ms0200 جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون ~~المفردة، لا يتكلف لواحد واحد شيء يقدر شبهه به، بل تراعى الكيفية المنتزعة ~~من مجموع الكلام وهي أنهم في مقام الطمع في حصول المطالب. ونجح المآرب لا ~~يحظون إلا بضد المطموع فيه من مجرد مقاساة الأهوال وشدائد الأحوال، ولا ~~يخفى أن التمثيل الثاني أبلغ لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته، ~~ولذلك أخرج تدرجا من الأهون إلى الأغلظ، وإنما قدرنا المضاف المحذوف حيث ~~قلنا: أو كمثل ذوي صيب مع أنه لا يلزم في التشبيه المركب أن يلي حرف ~~التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به. ألا ترى إلى قوله تعالى إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء [يونس: 24] كيف ولي الماء الكاف إذ التشبيه مركب لأن الضمير في ~~«يجعلون» لا بد له من راجع هذا هو التحقيق. وقد يقال: شبه دين الإسلام ~~بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يحوم حوله من شبه ~~الكفار بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيب الكفرة ~~من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. وعلى هذا يكون ~~تقدير المضاف ضروريا ليصبح تشبيه المنافقين بهم، ويكون المعنى «مثلهم كمثل ~~قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة، فلقوا منها ما لقوا» ويكون ذكر المشبهات ~~مطويا على سنن الاستعارة. والصيب المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع. ويقال ~~للسحاب: صيب أيضا. وتنكير صيب للدلالة على أنه نوع من المطر شديد هائل كما ~~نكرت النار في التمثيل الأول. والسماء هذه المظلة، والفائدة في ذكره، ~~والصيب لا يكون إلا من السماء، أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من ~~سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، ولكنه غمام مطبق آخذ بآفاق ~~السماء. وكما جاء بصيب وفيه مبالغات من جهة التركيب من ص وب والبناء على ~~«فيعل» والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقا، واعلم أنه إذا وقعت القوى الفلكية ~~على العناصر بإذن الله تعالى فحركتها PageV01P175 # وخالطتها، حصل من اختلاطها موجودات شتى. فإذا هيج الفلك بإسخانه الحرارة ~~بخر من الأجسام المائية، أو ms0201 دخن من الأجسام الأرضية وأثار شيئا بين البخار ~~والدخان من الأجسام المائية والأرضية. أما الدخان فإنه قد يتعدى صعوده حيز ~~الهواء إلى أن يوافي تخوم النار فيشتعل، وربما سرى فيه الاشتعال فتراءى كأن ~~كوكبا يقذف به، وربما لم يشتعل بل احترق وثبت فيه الاحتراق فرأيت العلامات ~~الهائلة الحمرة والسواد. وأما البخار الصاعد فمنه ما يلطف ويرتفع جدا ~~فيتراكم وتكثر مدته في أقصى الهواء عند منقطع الشعاع، فيبرد فيكثف فيقطر ~~فيكون المتكاثف منه سحابا والقاطر مطرا. ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل ~~يبرد سريعا، فينزل كما يوافيه برد الليل قبل أن يتراكم سحابا وهذا هو الطل، ~~وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب، فنزل وكان ثلجا، وربما ~~جمد البخار الغير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل، فنزل وكان صقيعا وهو ~~ما يسقط بالليل من السماء شبيها بالثلج، وربما جمد البخار بعد ما استحال ~~قطرات ماء فكان بردا. وإنما يكون جموده في الشتاء وقد فارق السحاب، وفي ~~الربيع وهو داخل السحاب، وذلك إذا سخن خارجه فبطنت البرودة إلى داخله ~~فتكاثف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة، وربما تكاثف الهواء نفسه ~~لشدة البرد فاستحال سحابا فاستحال مطرا. وأما الجواهر البخارية والدخانية ~~المركبة من مادتي الرطوبة واليبوسة، فمنها ما يتخلص من الأرض فتكون منها ~~الرياح وإذا تصعدت فتميز البخار من الدخان انعقد البخار سحابا فبرد فتغلغل ~~فيه الدخان طلبا للنفوذ إلى العلو فحصل من تغلغله فيه ضرب من الرعد وهو صوت ~~ريح عاصفة في سحاب كثيف، وربما امتد ذلك التغلغل لكثرة وصول المواد، ويكون ~~أعالي السحاب أكثف لأن البرد هناك أشد، أو يكون هناك ريح مقاومة تعوقها عن ~~النفوذ فيندفع إلى أسفل وقد أشعلته المحاكة والحركة نارا تبرق فتشق السحاب ~~شعلة كجمر يطفأ فيسمع من ذلك ضرب من الرعد. وإن كان قويا شديدا غليظ المادة ~~كان صاعقة، وربما وجد مندفعا فيه سهل الانشقاق فخرج بلا رعد واشتعال. فهذا ~~القدر من الحقائق في هذا المقام لا ضير في معرفتها بعد أن يعتقد انتهاء ms0202 ~~أسبابها إلى مدبر الكل سبحانه وتعالى. ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ارتفع ~~«ظلمات» بالظرف على الاتفاق من سيبويه والأخفش لاعتماده على موصوف. والصيب ~~إن كان سحابا فظلماته سمجته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وإن كان ~~مطرا فظلماته تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال الغمام مع ظلمة ~~الليل. ثم إن كان الصيب سحابا فكونه مكانا للرعد والبرق ظاهر، وإن كان مطرا ~~فكونهما متلبسين به في الجملة سوغ ذلك، وإنما لم يجمع الرعد والبرق كما قال ~~البحتري: # PageV01P176 # يا عارضا متلفعا ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده # وكما قيل ظلمات لأنهما في الأصل مصدران فروعي حكم الأصل، ويمكن أن يراد ~~بهما الحدث كأنه قيل: وإرعاد وإبراق. ونكرت هذه الأشياء لأن المراد أنواع ~~منها كأنه قيل في ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. وجاز رجوع الضمير في ~~«يجعلون» إلى أصحاب الصيب لأنه في حكم المذكور. قال حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل # ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى وهي واد بدمشق. والبريص نهر من أنهارها. ~~ويصفق أي يمزج والرحيق الخمر. ولا محل لقوله «يجعلون» لكونه مستأنفا كأنه ~~قيل: فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم. ثم سئل: فكيف ~~حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فأجيب «يكاد البرق يخطف أبصارهم» وإنما لم يقل ~~أناملهم مع أنها هي التي تجعل في الآذان لأن في ذكر الأصابع من المبالغة ما ~~ليس في ذكر الأنامل، ولأن اسم الكل قد يطلق على البعض نحو فاقطعوا أيديهما ~~[المائدة: 38] والمراد إلى الرسغ. وليس بعض الأصابع- كالمسبحة مثلا بجعلها ~~في الأذن- أولى من بعض حتى يقال لم ذكر العام والمراد الخاص؟ وقوله «من ~~الصواعق» أي من أجل الصواعق نحو: سقاه من العيمة. وقد تحصل مما ذكرنا أن ~~الصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، ~~وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة ~~الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف، ثم طفئت. ويقال: صعقته ms0203 ~~الصاعقة إذا أهلكته. فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، وبناؤها إما ~~أن يكون صفة لقصفة الرعد، أو للرعد والتاء للمبالغة كما في الرواية، أو ~~مصدرا كالعافية والكاذبة. # «وحذر الموت» مفعول له كقوله: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # والموت فساد بنية الحيوان. وقيل: عرض معاقب للحياة لا يصح معه إحساس. # وإحاطة الله بالكافرين مجاز أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط ~~به حقيقة، والجملة معترضة لا محل لها. «يكاد» من أفعال المقاربة. كاد يفعل ~~كذا يكاد كودا ومكادا # PageV01P177 # ومكادة وضعت لمقاربة الشيء، فعل أو لم يفعل. فمجرده ينبىء عن نفي الفعل، ~~ومقرونه بالجحد ينبىء عن وقوع الفعل. وخبر كاد فعل مضارع بغير «أن» وهو ~~هاهنا «يخطف» والبرق اسمه والخطف الأخذ بسرعة، «كلما أضاء لهم» استئناف ~~ثالث كأنه قيل: كيف يصنعون في حالتي خفوق البرق وفتوره؟ وأضاء إما متعد ~~بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى ~~كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره. والمشي جنس الحركة المخصوصة وفوقها السعي ~~وفوقه العدو. «وأظلم» إما لازم وهو الظاهر، وإما متعد منقول من ظلم الليل ~~أي أظلم البرق الطريق عليهم بأن فتر عن لمعانه، ومعنى «قاموا» وقفوا وثبتوا ~~في مكانهم من قام الماء جمد. وإنما قيل مع الإضاءة «كلما» ومع الإظلام ~~«إذا» لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه، وكلما ~~صادفوا منه فرصة انتهزوها فخطوا خطوات يسيرة، وليس كذلك التوقف والتحبس، ~~ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي الضوء البرق فأعماهم. ومفعول ~~«شاء» محذوف، لأن الجواب يدل عليه. والمعنى ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم ~~وأبصارهم لذهب بها، وهذا الحذف في «شاء» و «أراد» كثير لا يكادون يبرزون ~~المفعول إلا في الشيء المستغرب كقوله: # فلو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # وقال عز من قائل لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه [الأنبياء: 17] وكلمة ~~«لو» تفيد انتفاء الثاني لانتفاء الأول. وقد ms0204 تجيء للمبالغة # كقوله «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» # والمراد أن عدم العصيان ثابت على كل حال لأنه على تقدير عدم الخوف ثابت، ~~فعلى تقدير الخوف أولى. والشيء أعم العام كما أن الله أخص الخاص، يجري على ~~الجوهر والعرض والقديم والحادث بل على المعدوم والمحال. وهذا العام مخصوص ~~بدليل العقل، فمن الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل والواجب وجوده ~~لذاته، وأما الممكن فإبقاؤه على العدم وكذا إيجاده وإبقاؤه على وجوده، لأن ~~جميع ذلك بقدرة القادر فلا يستغنى آنا من الآنات ولحظة من اللحظات عن تأثير ~~القادر فيه. وقدرة كل قادر على مقدار قوته واستطاعته، ونقضيها العجز. فلا ~~قادر بالحق إلا هو سبحانه وتعالى. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22] # يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22) ### | القراآت: # «خلقكم» مدغما: أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك. وازاد # PageV01P178 # عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل ما خلقكم أو صديقكم وبورقكم وميثاقكم ~~وأشباه ذلك. قال ابن مجاهد: يدغمها بإظهار صوت القاف. وقال غيره- وهو ابن ~~مهران- لا يظهر ذلك وكل صواب. ### | الوقوف: # «تتقون» (ه) لأن «الذي» صفة الرب تعالى. «بناء» (ص) لعطف الجملتين ~~المتفقتين «لكم» (ج) لانقطاع النظم مع فاء التعيب. «تعلمون» (ه) . ### | التفسير: # لما قدم الله تعالى أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين ~~وذكر صفاتهم ومجاري أمورهم عاجلا وآجلا، أقبل عليهم بالخطاب وهو من جملة ~~الالتفات الذي يورث الكلام رونقا وبهاء ويزيد السامع هزة ونشاطا. ومن لطائف ~~المقام أنه تعالى كأنه يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولا، والآن ~~أزيد في إكرامك وتقريبك فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على ~~الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة. وفيه إشعار بأن العبد مهما اشتغل بالعبودية ~~زاد قربا وحضورا. وأيضا الآيات المتقدمة حكايات أحوالهم وهذه أمر وتكليف ~~وفيه كلفة ومشقة، فلا بد من ms0205 راحة وهي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ~~ويخاطبهم بذاته، فيستطاب التكليف بالتكليم حينئذ ويستلذ هذا. وقد صح ~~الإسناد عن علقمة أن كل شيء نزل فيه «يا أيها الناس» فهو مكي و «يا أيها ~~الذين آمنوا» فهو مدني فقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم # خطاب لمشركي مكة بحسب هذا النقل، وإن كان من الجائز أن يخاطب المؤمنون ~~باسم جنسهم ويؤمروا بالاستمرار على العبادة والازدياد منها. «ويا» حرف وضع ~~لأجل التخفيف مقام أنادي الإنشائية لا الإخبارية. # وهاهنا نكتة وهي أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا ~~يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أقوى الموجودات هو الحق سبحانه وأضعفها البشر ~~وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28] فقالت الملائكة: ما للتراب ورب الأرباب ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [البقرة: 30] فقيل لهم: قد يأتلف ~~الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لحضرة الرب حال التضرع ~~والدعاء ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~[البقرة: 186] فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] و «يا» وضع في أصله لنداء ما ~~ليس بقريب حقيقة أو تقديرا لكونه ساهيا أو غافلا أو نائما، أو لتبعيد ~~المنادي نفسه عن ساحة عزة المنادى هضما واستقصارا كقول الداعي في جؤاره: يا ~~رب يا الله. مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ليتحقق الإجابة بمقتضى # قوله «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» # وقد ينادي القريب. (3) المقاطن في غير هذه الصورة بيا ويكون المراد به أن ~~الخطاب الذي يتلوه معني به جدا نحو يا أيها الذين آمنوا [البقرة: 183] يا ~~عبادي # PageV01P179 # [الزمر: 53] يا أيها النبي [الأحزاب: 45] لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب ~~جسام من الأوامر والنواهي والعظات، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم ~~وبصائرهم إليها. وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم يوصف ~~باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم ~~التوضيح. وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ~~ووقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة. ثم إن قلنا: ms0206 إن الخطاب عام لجميع ~~المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده «بكل» و ~~«أجمعون» في مثل قوله فسجد الملائكة كلهم أجمعون [ص: 73] ، بدليل صحة ~~الاستثناء، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر، وإنما ~~يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة. وإن ~~قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا. # والمراد من قوله «اعبدوا» صححوا نسبة العبادة، وذلك بأن يعرف نفسه ~~بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية، ~~ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية، ويعرف ~~نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة، فلا يتجاوز حده ولا ~~يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفا بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من ~~الأنواع، وإنما يكون عبدا ذليلا ماثلا بين يدي مولاه، طائعا له بكل ما ~~يأمره وينهاه، لأنه إذا تصور كونه عبدا فلا بد أن يطلب لنفسه سيدا، وإذا ~~وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده، ولا يرى مخالفته في شيء ~~أصلا إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] وإلا لم تصح ~~نسبة عبوديته. عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له: ما اسمك؟ قال: ما ~~تسميني قال: أي شيء تأكل؟ # قال: ما تطعمني. قال: ما تشرب؟ قال: ما تسقيني قال: تريد أن أشتريك؟ قال: ~~العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن ~~وكل من فيه أهلية الخطاب، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع. ~~ثم إنه تعالى لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم ~~إليه ونبههم عليه بقوله «ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم» واعلم أن الطريق ~~إلى معرفة الواجب سبحانه وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه ~~لسمة العبودية، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، وكل منهما في الجواهر ~~أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان ms0207 الذوات فإليه الإشارة بقوله تعالى ~~والله الغني وأنتم الفقراء [محمد: 38] وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] ~~وأما # PageV01P180 # الاستدلال بإمكان الصفات فإليه الإشارة بقوله خلق الله السماوات والأرض ~~[العنكبوت: # 44] الذي جعل لكم الأرض فراشا وبحدوث الأجسام قول إبراهيم عليه السلام لا ~~أحب الآفلين [الأنعام: 76] وبحدوث الأعراض دلائل الأنفس ودلائل الآفاق، فإن ~~كل أحد يعلم بالضرورة أنه كان معدوما قبل ذلك، والموجود بعد العدم له موجد ~~وليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس لعجز الكل، ولا طبائع الفصول ~~والأفلاك الآفلات في أفق الإمكان فهو شيء غير متسم بسمة الحدوث والنقصان، ~~وهذا الطريق هو أقرب الطرق إلى الأفهام، فلهذا أورده الله تعالى في فاتحة ~~كتابه لينتفع به الخاص والعام مع أن فيه تذكيرا لنعمه السابقة وعطيته ~~السابغة عليهم وعلى آبائهم، وتذكير النعم مما يوجب المحبة والميل إلى ~~الإنصاف وترك الجدال. # وأما قوله «لعلكم تتقون» ففيه بحثان: الأول: كلمة «لعل» للترجي أو ~~الإشفاق ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وهو على الله محال والجواب أن ~~الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى كقوله لعله يتذكر أو يخشى أي ~~اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم بما يؤول إليه ~~أمره. وأيضا فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم ~~لإنجازها على أن يقولوا «عسى» و «لعل» ، وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك ~~في الفوز والنجاح بالمطلوب، أو جاء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل ~~العباد مثل توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ~~[التحريم: # 8] وقع «لعل» موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم ~~بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة في إقدارهم وتمكينهم، ~~وهداهم النجدين وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن ~~يتقوا لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المترجي ~~بين أن يفعل وبين أن لا يفعل، ونظيره ليبلوكم أيكم أحسن عملا [الملك: 2] ~~وهذا الجواب مبني على أن قوله «لعلكم» متعلق بخلفكم» ms0208 مثل وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] لا ب «اعبدوا» وقيل: «لعل» بمعنى «كي» ~~ووجه بأنها للأطماع والكريم الرحيم إذا أطمع فعل، فجرى إطماعه مجرى وعده ~~المحتوم فلهذا قيل: إنها بمعنى «كي» قال القفال: في «لعل» معنى التكرير ~~والتأكيد إذ اللام للإبتداء نحو «لقد» ، ولقولهم علك أن تفعل كذا و «عل» ~~يفيد التكرير ومنه العلل بعد النهل. فقول القائل «افعل كذا لعلك تظفر ~~بحاجتك» معناه افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه. # PageV01P181 # (البحث الثاني) : إذا كانت العبادة تقوى فقوله «لعلكم تتقون» جار مجرى ~~قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون. والجواب المنع من ~~اتحاد مفهوميهما وخصوصا على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة ~~العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط، أو هو مع ~~الإتيان بالأوامر، وأما قوله: هو الذي جعل لكم الأرض فراشا الآية. فنقول: ~~فيه لفظ «الذي» مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلا من «الذي خلقكم» أو ~~على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعا على المدح أيضا أي «هو الذي» ، ~~وكلمة «الذي» موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة. ~~فقوله «جعل لكم الأرض فراشا» قضية معلومة فأدخل عليها «الذي» كي يتنبهوا ~~للجاعل ويعترفوا به. والحاصل أنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة ~~دلائل: # اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض ~~فراشا والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء ~~وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان ~~نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون ~~عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي ~~كالقبة المضروبة والخيمة المبنية على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه ~~الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها ~~أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقا لبني آدم. ~~وأيضا خلق المكلفين ms0209 أحياء قادرين، أصل لجميع النعم. وأما خلق الأرض والسماء ~~فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول ~~مقدم على ذكر الفروع. وأيضا كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود ~~الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما ~~كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم. # (وهاهنا مسائل) : # الأولى في منافع الأرض: الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط ~~لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستويا كالفراش على ما ~~ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم ~~جرمها وتباعد أطرافها. ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في ~~حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن ~~الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ~~ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض # PageV01P182 # فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك ~~الهبوط صعود أيضا إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها ~~إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها ~~خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره إن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا [فاطر: 41] ومما من الله تعالى به على ~~عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية ~~اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ ~~الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار. ومنها أنها لم تخلق في ~~نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها. ~~ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش ~~الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها ~~لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى ~~المواضع الغائرة والمنخفضة ms0210 منها بقي شيء منها مكشوفا، وصار مجموع الأرض ~~والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين. تقدم طلوع الكواكب ~~وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ~~ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس ~~للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى ~~غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر. ~~ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة ~~القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. # ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار ~~العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها. ومنها أن يتخمر الرطب به ~~فيحصل التماسك في أبدان المركبات. ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة ~~والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات وفي الأرض قطع متجاورات ~~[الرعد: 4] ومنها اختلاف ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود [فاطر: 27] ومنها انصداعها بالنبات والأرض ذات الصدع [الطارق: ~~12] ومنها جذبها للماء المنزل من السماء وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض [المؤمنون: 18] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها ~~والأرض مددناها [ق: 7] ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد ~~سبعمائة كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة [البقرة: # 261] ومنها حياتها وموتها وآية لهم الأرض الميتة أحييناها [يس: 33] ومنها ~~الدواب المختلفة وبث فيها من كل دابة [البقرة: 164] ومنها النباتات ~~المتنوعة وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج [ق: 7] فاختلاف ألوانها دلالة، ~~واختلاف طعومها دلالة، واختلاف # PageV01P183 # روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم كلوا وارعوا أنعامكم ~~[طه: 54] ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها ~~كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم ~~والجلود. ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى ~~الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، ~~وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير. ومنها ما أودع ~~الله تعالى فيها من المعادن الشريفة ms0211 كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر ~~استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، ~~واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة. والسبب ~~فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند ~~العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما بابا ~~مسدودا، ومن هاهنا اشتهر في الألسنة «من طلب المال بالكيمياء أفلس» . ومنها ~~ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، ~~وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ. ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما ~~عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر ~~عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر. # الثانية في منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتا كان أو قبة أو ~~خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ~~ضربوا عليها خباء جديدا. ثم إن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح ~~ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح [الملك: 5] وبالقمر وجعل القمر فيهن نورا ~~[نوح: 16] وبالشمس وجعل الشمس سراجا [نوح: # 16] وبالعرش رب العرش العظيم [التوبة: 129] وبالكرسي وسع كرسيه السماوات ~~والأرض [البقرة: 255] وباللوح في لوح محفوظ [البروج: 22] وبالقلم ن والقلم ~~[القلم: 1] وسماها سقفا محفوظا وسبعا طباقا وسبعا شدادا. وذكر أن خلقها ~~مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة ربنا ما خلقت هذا باطلا [آل عمران: 191] ~~وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا [ص: 27] ~~وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل ~~لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ~~ونجومها رجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض ~~للشمس طلوعا يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروبا يصلح معه ~~الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة # PageV01P184 # الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضا لولا الطلوع لانجمدت المياه ~~وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ~~ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل ms0212 من عليها من حيوان ونبات، فهي ~~بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا. ~~فصار النور والظلمة على تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، ~~وهاهنا نكتة، كأن الله تعالى يقول: لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني ~~قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير ~~الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه. أما ارتفاع الشمس ~~وانحطاطها فقد جعله الله سببا لإقامة الفصول الأربعة. ففي الشتاء تغور ~~الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر ~~السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في ~~البواطن. وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينور ~~الشجر ويهيج الحيوان للفساد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل ~~فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر ~~البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء. وأما القمر ~~فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت ~~الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله تعالى في طلوعه مصلحة ~~وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده، فلما طلع القمر ~~وجده فنظر إلى القمر فقال: إن الله صورك ونورك وعلى البروج دورك، فإذا شاء ~~نورك وإذا شاء كورك، فلا أعلم مزيدا أساله لك، ولئن أهديت إلي سرورا لقد ~~أهدى الله إليك نورا ثم أنشأ يقول: # ماذا أقول وقولي فيك ذو قصر ... وقد كفيتني التفصيل والجملا # إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا # وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ~~ويبلي الكتان، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين. ~~وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات ~~أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده هاهنا. قال الجاحظ: إذا ~~تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما ms0213 يحتاج إليه. فالسماء ~~مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان ~~كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان ~~متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن # PageV01P185 # العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية. # الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد ~~الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم عليه السلام بتلك ~~المعصية أهبط من الجنة وقال الله تعالى: لا يسكن في جواري من عصاني. وقال ~~تعالى: وجعلنا السماء سقفا محفوظا [الأنبياء: 32] وقال: تبارك الذي جعل في ~~السماء بروجا [الفرقان: 61] وورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر ~~الأرض. والسماويات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر. وقال ~~آخرون: بل الأرض أفضل لأنه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا [آل عمران: 96] في البقعة المباركة [القصص: 3] ~~إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله [الإسراء: 1] مشارق الأرض ومغاربها ~~التي باركنا فيها [الأعراف: 137] يعني أرض الشام. ووصف جملة الأرض بالبركة ~~وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام [فصلت: 10] فإن قيل: وأي بركة ~~في المفاوز المهلكة؟ قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا ~~احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، فلهذه البركات قال ~~تعالى: وفي الأرض آيات للموقنين [الذاريات: 20] تشريفا لهم لأنهم هم ~~المنتفعون بها كما قال: هدى للمتقين وخلق الأنبياء من الأرض منها خلقناكم ~~[طه: 55] وأودعهم فيها وفيها نعيدكم [طه: # 55] وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجدا وطهورا. ولما خلق الله ~~الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة فيها آدم عليه السلام وأولاده، ثم علم ~~الله أصناف حاجاتهم قال: # يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: أنا صببنا ~~الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا [عبس: 25، 26] وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم [إبراهيم: 32] يا عبدي إن أعز الأشياء عندك الذهب ~~والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل ms0214 كان يحصل منها هذه المنافع؟ ثم إني ~~جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟ فالحاصل ~~أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك نوعا واحدا من اللبن، والأرض ~~تطعمك ألوانا من الأطعمة. ثم قال: منها خلقناكم وفيها نعيدكم [طه: 55] ~~معناه نردكم إلى هذه الأم وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه وذلك ~~لأن مقامك من الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن ~~الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم ~~الكبرى؟ ولكن الشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ~~ما كانت لك زلة فضلا من أن يكون لك كبيرة، بل كنت مطيعا لله، فحيث دعاك مرة ~~بالخروج # PageV01P186 # إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى ~~الصلاة فلا تجيبه برجلك. # الرابعة: معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرة الله ومشيئته أنه ~~جعل الماء سببا في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد وهو قادر على ~~إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في ~~هذا التدريج والتسبب حكما يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن بها من يعتبر و «من» ~~في «من الثمرات» للتبعيض. كما أنه قصد بتنكير «ماء» و «رزقا» معنى البعضية ~~لأنه مفرد في سياق الإثبات، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء ~~فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا معنى صحيح، لأنه لم ينزل من ~~السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في ~~الثمرات فيكون كل الثمرات بعض الرزق فضلا عن بعضها. ويجوز أن تكون للبيان ~~كقولك «أنفقت من الدراهم ألفا» . ثم إن كانت «من» للتبعيض كان انتصاب ~~«رزقا» بأنه مفعول له، وإن كانت للبيان كان مفعولا لا «خرج» و «لكم» صفة ~~جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل مصدرا فهو مفعول به، كأنه قيل: ~~رزقا إياكم. ms0215 وإنما قيل: «الثمرات» على لفظ القلة وإن كان الثمر المخرج بماء ~~السماء جما كثيرا لأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك «فلان أدركت ~~ثمرة بستانه» تريد ثماره كقولهم للقصيدة «كلمة» وللقرية «مدرة» ، أو لأن ~~القلة وضعت موضع الكثرة نحو ثلاثة قروء [البقرة: 228] أو تنبيها على قلة ~~ثمار الدنيا في جنب ثمار الآخرة. # الخامسة: قوله «فلا تجعلوا» إما أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا ~~تجعلوا له أندادا، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ~~ولا شريك، أو ب «لعل» فتنصب «تجعلوا» بعده مثل لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السماوات فأطلع [غافر: 37] في رواية حفص عن عاصم. أو «بالذي جعل لكم» إذا ~~رفعته على الابتداء، أي هو الذي نصب لكم هذه الأدلة القاطعة والآيات ~~الناطقة بالوحدانية فلا تتخذوا له تعالى شركاء. والند المثل، ولا يقال إلا ~~للمثل المخالف المناد من ناددت الرجل خالفته ونافرته، وند ندودا إذا نفر. ~~ومعنى قول الموحد «ليس لله ند ولا ضد» نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه. ~~وقوله «وأنتم تعلمون» بترك المفعول معناه وأنتم من أهل العلم والمعرفة ~~بدقائق الأمور وغوامض الأحوال. وهكذا كانت العرب خصوصا قطان الحرم من قريش ~~وكنانة، لا يشق غبارهم في الدهاء والفطنة. والتوبيخ فيه آكد أي أنتم ~~العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر # PageV01P187 # ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل. ~~ويجوز أن يقدر: # وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، ~~وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله هل من شركائكم من يفعل من ذلكم ~~من شيء [الروم: 4] واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في ~~الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، ولكن الثنوية يثبتون إلهين: حكيم يفعل ~~الخير، وسفيه يفعل الشر. أما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة: ~~الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله تعالى خلق ~~هذه الكواكب وهي المدبرات في هذا العلم، فيجب علينا أن ms0216 نعبد الكواكب ~~والكواكب تعبد الله تعالى. والفريق الثاني: عبدة المسيح عليه السلام. ~~والفريق الثالث: عبدة الأوثان. # فنقول: لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان لأن أقدم الأنبياء الذين نقل ~~إلينا تاريخهم هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد عليهم وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا [نوح: 23] ودينهم ~~باق إلى الآن. والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن ~~العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء ~~والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض ~~آخر سوى ذلك. والعلماء ذكروا فيه وجوها: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن ~~محمد المنجم البلخي أن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله ~~وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، ~~وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل ~~أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة ~~فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى ~~هذا السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه. # وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا ~~العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في ~~الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها. فمنهم من اعتقد ~~أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها ~~مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله ~~والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها. ثم لما رأوا الكواكب مستترة ~~في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناما وأقبلوا على عبادتها قاصدين ~~بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة. ولما ~~طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء ~~بالحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتا في ~~السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون # PageV01P188 # أن من اتخذ ms0217 طلسما في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال ~~مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم ~~عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك ~~كالعبادة، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها. ورابعها: ~~أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة ~~عند الله تعالى، اتخذوا صنما على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان ~~يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند الله تعالى ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ~~[يونس: 18] وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا ~~لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال ~~القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز ~~حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل ~~مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة. فإن قيل: لما رجع ~~حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟ قلنا: ~~لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة ~~مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم ~~بهم بلفظ الند، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح ~~أن يكون له ند قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع ~~الوسائط من البين. # واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم ~~معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودة لهم على ~~حدة. وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي، وهيكل العقل ~~الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور مدورات كلها، وكان هيكل ~~زحل مسدسا، وهيكل المشتري مثلثا، وهيكل المريخ مستطيلا، وهيكل الشمس مربعا، ~~وهيكل الزهرة مثلثا في جوفه مربع، وهيكل عطارد مثلثا في جوفه مستطيل، وهيكل ~~القمر مثمنا. وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على ~~طبقاتهم وولي ms0218 أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوما ~~يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه أوثان نستنصر بها فننصر، ونستسقي ~~بها فنسقي، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل، ~~فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك ~~سابور ذي الأكتاف. ومن بيوت الأصنام المشهورة (غمدان) الذي بناه الضحاك على ~~اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان. ومنها (نوبهار) الذي بناه ~~منوجهير الملك على اسم القمر. ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (ود) ~~بدومة الجندل لكلب، و (سواع) لبني هذيل، و (يغوث) # PageV01P189 # لمذحج، و (يعوق) لهمدان، و (نسر) بأرض حمير لذي الكلاع، و (اللات) ~~بالطائف لثقيف، و (منات) بيثرب للخزرج، و (العزى) لكنانة بنواحي مكة، و ~~(أساف) و (نائلة) على الصفا والمروة. وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زيد ~~بن عمرو بن نفيل حين فارق قومه وهو الذي يقول: # أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 23 الى 24] # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم ~~من دون الله إن كنتم صادقين (23) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (24) ### | القراآت: # ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر. ### | الوقوف: # «من مثله» (ص) «صادقين» «والحجارة» (ج) على تقدير هي أعدت للكافرين، ~~والوصل أجود لأن قوله «أعدت» بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي ~~«للكافرين» (ه) . ### | التفسير: # لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، ~~أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحقية ما نزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر في كون القرآن معجزا طريقان: # الأول: أنه إما أن يكون مساويا لكلام سائر الفصحاء أو زائدا عليه بما لا ms0219 ~~ينقض العادة أو بما ينقضها. والأولان باطلان لأنهم- وهم زعماء وملوك ~~الكلام- تحدوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا ~~متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف ~~والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟ ~~فتعين القسم الثالث. # الطريق الثاني: أن يقال: إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد ~~الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى ~~توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز. فإن قيل: وما يدريك أنه لن ~~يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن؟ قلت: لأنه لا احتياج إلى ~~المعارضة أشد مما في وقت التحدي، # PageV01P190 # وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق. وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن ~~لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله «ولن تفعلوا» كما يجيء. # واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا ~~يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق. ومن فسر الإعجاز بأنه صرف ~~الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفا لأساليب ~~الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملا على الأخبار ~~بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته. فإنا نقطع ~~أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب ~~تأثيرا لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف ~~الله تعالى البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة ~~يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم. وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا ~~من نفس الفعل. وأيضا تسمية كل أسلوب غريب معجزا باطل، وكذا تسمية كل كلام ~~مبرإ عن التناقض أو مشتملا على الغيب ككلام الكهان ونحوهم. فإن قيل: كيف ~~نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو ~~بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟ قلنا: لا ريب أن ms0220 الحق هو القسم الثاني، ~~إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة. لكن النبي ~~صادق وقد أخبر بأنه كلام الله تعالى، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن ~~تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال. فالقرآن إذا في غاية البلاغة ونهاية ~~الفصاحة. والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفية ~~خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي ~~فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان. ~~والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه ~~فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ~~ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل. وإما لفظية وهي أن ~~تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب ~~الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين ~~اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على ~~الأسلات. والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع ~~هنالك إلا ذلك. ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ~~ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على ~~كونه معجزا. منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو ~~جارية أو ملك أو ضربة أو # PageV01P191 # طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير. ~~ومنها أنه تعالى راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: أحسن الشعر ~~أكذبه. ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل ~~الكذب والتخيل ترك شعرهما. # ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من ~~قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه. ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر ~~كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو ms0221 في ~~نهاية الفصاحة وغاية الملاحة. # أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع # ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم ~~الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة ~~في هذه المواد. ومنها أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة ~~الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر ~~زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحا في كل فن من فنون الكلام. فانظر ~~في الترغيب إلى قوله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] ~~وفي الترهيب وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا ~~يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت [إبراهيم: 15- 17] وفي ~~الزجر فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ~~ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا [العنكبوت: 40] وفي الوعظ أفرأيت ~~إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ~~[الشعراء: 205] وفي الإلهيات الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال [الرعد: ~~8، 9] . ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم ~~الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم ~~الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر ~~سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر. # «فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح» وإنما قيل: «وإن كنتم» دون إذ كنتم لما ~~عرفت في تفسير لا ريب فيه. وإنما اختير «نزلنا» على لفظ التنزيل دون ~~الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان ~~التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] أي على خلاف ما # PageV01P192 # نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ms0222 ما يوجد منهم مفرقا شيئا فشيئا ~~وحينا فحينا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل ~~لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم ~~نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجما من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى ~~السورة مذكور في المقدمة الرابعة. وإنما قيل: «على عبدنا» دون أن يقال على ~~محمد كقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد [محمد: ~~2] تشريفا له صلى الله عليه وسلم وإعلاما بأنه صلى الله عليه وسلم ممن صحح ~~نسبة العبودية المأمور بها في قوله تعالى: «يا أيها الناس اعبدوا» وإضافة ~~العبد إلى الضمير أيضا تؤيد ذلك كقوله تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~[الإسراء: 65] . وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي ~~توصل إلى العندية في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: # 55] # «وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» # وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله. وأما فائدة تفصيل القرآن ~~وتقطيعه سورا، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على ~~الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على ~~الأبواب والفصول ونحوها. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ~~ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلا أو طوى فرسخا، ومن ثم ~~جزأوا القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا، ومنها أن الحافظ إذا حفظ ~~السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه ~~حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا. ولهذا كانت القراءة ~~في الصلاة بسورة تامة أفضل. و «من مثله» متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من ~~مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله «فأتوا» والضمير ~~للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، ~~أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا عربيا أو أميا لم يقرأ الكتب ولم ~~يقصد إلى مثل ونظير ms0223 معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله ~~«لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب» أراد من كان على ~~صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحدا يجعله مثل ~~الحجاج. ورد الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون. ويروى عن عمر وابن ~~مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر فأتوا بسورة مثله ~~[البقرة: 23] فأتوا بعشر سور مثله [هود: 13] ، ولأن البحث إنما وقع في ~~المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند ~~الله فهاتوا أنتم شيئا مما يماثله. ولو كان الضمير مردودا إلى الرسول اقتضى ~~الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمدا صلى الله عليه وسلم منزل عليه، ~~فأتوا بسورة ممن يماثله. وأيضا لو كان عائدا إلى القرآن اقتضى أن يكونوا ~~عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين. ولو عاد ~~إلى # PageV01P193 # النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله ~~عاجزا، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولا سيما فإنه يلزم من ~~الوجه الثاني تقرير نقص للنبي صلى الله عليه وسلم، وإيهام أن الإتيان ~~بالقرآن ممن يكون قارئا ممكن. وأيضا الأول هو الملائم لقوله «وادعوا ~~شهداءكم» إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، ~~لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم ~~بالشهادات. والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل: إن كان الأمر كما تقولون من ~~أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة ~~شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام ~~محاجة من جهتين: من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من ~~إعجاز القرآن. وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ~~ليحكموا لكم وعليكم. ومعنى «دون» أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو ~~الحقير، ودون الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها. ويقال هذا ms0224 دون ذلك إذا ~~كان أحط منه قليلا، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر ~~واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب. وقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ~~ومنه قول من قال لعدوه وقد كان يثني عليه رياء: أنا دون هذا وفوق ما في ~~نفسك. واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم. قال ~~الله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين [آل عمران: ~~28] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. # و «من دون الله» متعلق ب «شهداءكم» أو ب «ادعوا» وعلى الأول يحتمل ثلاثة ~~معان: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم ~~القيامة أنكم على الحق، أو ادعوا الذين زعمتم أنهم يشهدون لكم بين يدي الله ~~من قول الأعشى: # تريك القذى من دونها وهي دونه أي تريك القذى قدام الزجاجة والحال أن ~~الخمر قدام القذى لرقتها وصفائها، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ~~ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، أو ادعوا شهداءكم ~~من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم ~~بمثله، وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم- وهم فرسان ~~البلاغة- تأبى بهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم ~~الشهادة بصحة الفاسد. وعلى الثاني يحتمل معنيين: ادعوا من دون الله شهداءكم ~~يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله # PageV01P194 # يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، ~~وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام، ~~وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق ~~لهم متشبثا غير قولهم «الله يشهد إنا لصادقون» . سئل بعض العرب عن نسبه ~~فقال: قرشي والحمد لله، فقيل له: قولك: «الحمد لله» في هذا المقام ريبة. أو ~~المراد بالشهداء، الله تعالى، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس. ~~فكأنه قيل لهم ادعوا غير الله من ms0225 الجن والإنس من أردتم كقوله قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن [الإسراء: 88] الآية وإنما استثنى الله لأنه القادر وحده على ~~أن يأتي بمثله دون كل شاهد. واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول: ~~إني مخصوص من الله تعالى بمزيد الكرامة والنور، وجعلني واسطة بينكم وبين ~~هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد، وإن كنتم في ريب مما أقول، ~~فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار الله تعالى إياه على يدي وأنتم لا ~~تقدرون عليه لعدم إقداره، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق ~~فيما أقول، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة الله تعالى ونور هدايته اتبعوه ~~واهتدوا، وإلا بقوا في الضلالة خائبين. وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط ~~الله تعالى بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد، ولا يلزم من هذا أن يكون ~~للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها، بل الله يهدي من يشاء وكل بقدر. وقوله ~~«إن كنتم صادقين» قيد لقوله «فأتوا» ولقوله «وادعوا» المعطوف عليه. ويجوز ~~أن يكون قيدا لقوله «وادعوا» لأن قوله «فأتوا» مقيد بقوله و «إن كنتم» ~~وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير: وإن كنتم ~~في ريب فأتوا، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم، أو في أن القرآن غير ~~معجز، فادعوا شهداءكم. وإنما قلنا: الجواب محذوف، لأن الجزاء لا يتقدم على ~~الشرط، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك «أنت ~~مكرم إن جئتني» وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل ~~موضع. وأما قوله «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» الآية. فأقول أولا: إنها تدل ~~على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه: # أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه صلى الله عليه وسلم أشد ~~المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس ~~والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك. فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو ~~قوله «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» فلو ms0226 أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث ~~لم يأتوا به ظهر كونه معجزا. وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم إن كان متهما ~~عندهم فيما يتعلق بالنبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل. فلو خاف صلى ~~الله عليه وسلم عاقبة أمره لتهمة فيه صلى الله عليه وسلم- حاشاه عن ذلك- لم ~~يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم لو لم # PageV01P195 # يكن قاطعا بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، ~~فالمبطل المزور لا يقطع في الكلام قطعا، وحيث جزم دل على صدقه. ورابعها: أن ~~قوله «ولن تفعلوا» وفي «لن» ، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين، ~~إخبار بالغيب. وقد وقع كما # قال صلى الله عليه وسلم، لأن أحدا لو عارضه صلى الله عليه وسلم لم يمتنع ~~أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه صلى الله عليه ~~وسلم أكثف عددا من الذابين عنه صلى الله عليه وسلم، وإذا لم تقع المعارضة ~~إلى الآن غلب على الظن، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبدا لاستقرار الإسلام ~~وقلة شوكة الطاعنين. # وإنما جيء ب «إن» الذي للشك دون «إذا» الذي للوجوب والقطع، مع أن انتفاء ~~إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين ~~بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم. وأيضا فيه تهكم كما يقول الموصوف ~~بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك. وإنما ~~اختير قوله «فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا» على قوله «فإن لم تأتوا بسورة من ~~مثله ولن تأتوا بسورة من مثله، طلبا للوجازة، فإن الإتيان فعل من الأفعال، ~~وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك ~~اختصارا يغنيك عن طول المكنى عنه، كما لو قلت: أتيت فلانا وأعطيته درهما. ~~فيقال لك: # نعم ما فعلت. وقوله «ولن تفعلوا» جملة معترضة لا محل لها. وليس الواو ~~للحال وإنما هو للاستئناف. والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو، وقد اجتمعتا ~~في قوله: وإنه لقسم لو تعلمون ms0227 عظيم [الواقعة: 76] وإنما لم يقل فإن لم ~~تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك ~~العناد، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه، لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ~~ونظيره قول الملك لجيشه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي. يريد فاتبعون ~~وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، فهو من باب الكناية. وفائدته الإيجاز الذي ~~هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار، ولهذا شنع بتفظيع ~~أمرها. والوقود ما ترفع به النار، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح. ~~فإن قلت: صلة «الذي» و «التي» يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم ~~أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلنا: لا يمتنع أن يتقدم لهم ~~بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله، أو يكون إشارة إلى ما ~~نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم: 6] ولهذا عرفت هاهنا مشارا بها إلى ~~ما عرفوه ثمة أولا، والمعنى: اتقوا نارا ممتازة عن غيرها من النيران بأنها ~~لا تتقد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، ~~أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها. ~~ولعل لكفار # PageV01P196 # الجن وشياطينهم نارا وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. ~~والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت. وقيل: هي ما نحتوها أصناما إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها ~~شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضار عن أنفسهم، جعلها الله ~~عذابهم إبلاغا في إيلامهم وتوريثا لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم [التوبة: 35] والتاء ~~في الحجارة لتأكيد التأنيث في الجماعة نحو: صقورة. وقد يدور في الخلد من ~~هذه الآية، ومن قوله ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة ms0228 [البقرة: 74] ~~ومن قوله نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة [الهمزة: 6، 7] أن المراد ~~بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم. وتخصيص القلب بالذكر لأنه ~~أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصرا في درك ما خلق الإنسان لأجله. ~~ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة ~~أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدت هذه النار؟ فقيل: أعدت للكافرين. ### | [سورة البقرة (2) : آية 25] # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25) ### | الوقوف: # «الأنهار» (ط) «رزقا» (لا) لأن «قالوا» جواب «كلما» . «متشابها» (ط) ~~«مطهرة» (ج) «خالدون» (ه) . ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة وانجر الكلام إلى ذكر عقاب ~~الكافرين، شفع ذلك بذكر ثواب المؤمنين جريا على سننه المعهود من ذكر ~~الترغيب مع الترهيب، وضم البشارة إلى الإنذار والجمع بين الوعد والوعيد ~~والجنة والنار. وهل هما الآن مخلوقتان أم لا؟ ظاهر الآية من نحو قوله أعدت ~~للمتقين أعدت للكافرين والأحاديث # كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صلاة الخسوف «إني رأيت الجنة فتناولت ~~منها عنقودا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط يدل على وجودهما» «1» # وكذا سكنى آدم وحواء الجنة، وقد جمع الله في الآية جوامع اللذات من ~~المسكن وهو الجنات، ومن المطعم وهو PageV01P197 # الثمرات، ومن المنكح وهو الأزواج المطهرات، ثم زال عنهم نقص الزوال بقوله ~~وهم فيها خالدون إتماما للنعمة والحبور وتكميلا للبهجة والسرور. والبشارة ~~الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، ولهذا قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم ~~بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى، عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره ~~بخبره ولو قال: مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعا لأنهم جميعا أخبروه. ومنه ~~البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. فأما قوله فبشرهم ~~بعذاب أليم [آل عمران: 21] فمن باب التهكم والاستهزاء، فإن قيل: # علام عطف هذا الأمر ولم ms0229 يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلنا: ليس الذي ~~اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، إنما المعتمد ~~بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: ~~زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق، ولك أن تقول معطوف ~~على فاتقوا كقولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني ~~أسد بإحساني إليهم. وقال بعض المحققين: إنه معطوف على قل مقدرا قبل يا أيها ~~الناس فإن تقدير القول في القرآن مع وجود القرينة غير عزيز كقوله تعالى وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا أي يقولان: ربنا. ثم المأمور ~~في قوله وبشر إما الرسول، وإما كل من له استئهال أن يبشر. والصالحة نحو ~~الحسنة في جريها مجرى الاسم. قال الحطيئة: # كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني # واللام للجنس. # والمراد بالصالحات جملة الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال ~~المؤمن في مواجب التكليف. واستدل بهذه الآية من قال: إن الأعمال غير داخلة ~~في مسمى الإيمان، وإلا لزم التكرار، ولمن زعم أن الإيمان هو المجموع أن ~~يقول عطف بعض الأجزاء على الكل جائز لغرض من الأغراض كقوله تعالى وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] ثم هاهنا مذاهب: منهم من قال: إن العبد ~~لا يستحق على الطاعة ثوابا ولا على المعصية عقابا استحقاقا عقليا واجبا وهو ~~قول أهل السنة ولا يرد عليه إشكال. ومنهم من زعم أنه يستحق الثواب بالإيمان ~~والعمل الصالح بشرط أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر، ~~وبالندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية بدليل قوله لئن أشركت ~~ليحبطن عملك [الزمر: 65] . وإنما طوي ذكر هذا الشرط في الآية للعلم به فإنه ~~قد ركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم ~~يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وهذا قول المعتزلة ومن يجري مجراهم. ومنهم ~~من أحال القول # PageV01P198 # بالإحباط، لأن من آمن وعمل صالحا استحق الثواب ms0230 الدائم فلو فرض إحباط ~~بكفره لاستحق العقاب الدائم والجميع بينهما محال، ولا يخفى ضعف هذا المذهب، ~~فإن الأمور بخواتيمها # قال صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل ~~الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار» «1» # وإنما الأعمال بالخواتيم. والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف ~~المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر كأنها فعلة من جنه إذا ~~ستره. وسميت دار الثواب كلها جنة فيها من الجنان على حسب استحقاقات ~~العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان، فلهذا نكرت. والنهر: المجرى ~~الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر. ~~واللغة العالية الغالبة النهر بفتح الهاء ومدار التركيب على السعة. وإسناد ~~الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي، لأن الجاري هو الماء وكذا من تحتها ~~أي من تحت أشجارها. وأنزه البساتين وأكرمها منظرا ما كانت أشجارها مظللة ~~والأنهار في خلالها مطردة، ولو لاها كانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا ~~حياة لها. وإنما عرفت الأنهار لأن المراد بها الجنس كما تقول لفلان بستان ~~فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه تشير إلى الأجناس التي في ~~علم المخاطب، أو يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة ~~مثل واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في ~~قوله فيها أنهار من ماء غير آسن [محمد: 15] الآية. وكلما رزقوا إما صفة ~~ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف أي هم كلما رزقوا، أو جملة مستأنفة لأنه ~~لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ~~ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس، فقيل: إن ثمارها ~~أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا ~~الله. و «من» في منها وفي من ثمرة لابتداء الغاية كما لو قلت: رزقني فلان ~~فيقال: من أين؟ فتقول: من بستانه. فيقال: من أي ثمرة؟ فتقول: من الرمان. # فالرزق قد ابتدئ من الجنات ms0231 والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة وليس ~~المراد بالثمرة التفاحة الواحدة والرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما ~~المراد النوع من أنواع الثمار، ووجه اخر وهو أن يكون من ثمرة بيانا على ~~منهاج قولك «رأيت منك أسدا» تريد أنت أسد. # وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة، لأن ~~التفاحة الواحدة مثلا يصدق عليها أنها رزق، كما أن نوع التفاح يصدق عليه ~~ذلك، بخلاف ابتداء الرزق من الجنات فإن ذلك إنما يكون بنوع التفاح أولا، ~~وبالذات وبشخصه ثانيا، وبالعرص لأن PageV01P199 # التشخص أمر زائد على حقيقة الشيء فاعلم. وانتصاب رزقا على أنه مفعول ثان ~~رزقوا ومعنى هذا الذي أي هذا مثل الذي رزقنا من قبل نحو «أبو يوسف أبو ~~حنيفة» لأن ذات الذي رزقوه في الجنة لا تكون هي ذات الذي رزقوه في الدنيا. ~~والضمير في قوله وأتوا به يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا، لأن ~~قوله هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. والغرض في ~~تشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ~~ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة أفرط ~~ابتهاجه وطال استعجابه وتبين كنه النعمة فيه. فإذا أبصروا الرمانة والنبقة ~~في الدنيا وحجمها، ثم أبصروا رمانة الجنة تشبع السكن، والنبقة كقلال هجر، ~~كما يرون الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين ~~للفضل وأزيد في التعجب من أن يفاجؤا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق ~~بجنسهما. # وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي ~~الأمر في ظهور المزية وكمال الاستغراب في كل أوان. عن مسروق: نخل الجنة ~~نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها ~~أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا. ويجوز أن يرجع ~~الضمير في أتوا به إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه. ويكون المعنى: إن ms0232 ما ~~يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه، إما لتساوي ثوابهم في كل ~~الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص، وإما لأن الإنسان إذا التذ ~~بشيء وأعجب به لا تتعلق نفسه إلا بمثله فإذا جاءوه بما يشبه الأول من كل ~~الوجوه كان ذلك نهاية اللذة. وعن الحسن أن الاشتباه في اللون فقط قال: يؤتى ~~أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من ~~قبل. فيقول الملك: # كل، فاللون واحد والطعم مختلف. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل ~~الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها ~~مثلها، فإذا أبصروها والهيئة هيئتها الأولى قالوا ذلك» # ويحتمل أن يقال: إن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى وصفاته ~~وأفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات الأرواح وعالم ~~السموات، بحيث يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس، ثم إن هذه ~~المعارف تحصل في الدنيا، ولكن لا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لمكان ~~العلائق البدنية، وإذا زال العائق بعد الموت وشاهد تلك المعارف قال: هذه هي ~~التي كانت حاصلة لي في الدنيا، ووجد كمال اللذة والسرور. وقال أهل التحقيق: ~~الجنة جنة الوصول، وأشجارها هي الملكات الحميدة والأخلاق الفاضلة، والثمرات ~~ثمرات المكاشفات # PageV01P200 # والمشاهدات والأسرار والإشارات والإلهامات وغيرها من المواهب، وإنهم ~~يشاهدون أحوالا شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم، فيقول بعض المتوسطين ~~منهم: إن هذا المشهد هو الذي شاهدته قبل هذا، فتكون الصورة تلك الصورة ولكن ~~المعنى حقيقة أخرى، كما أن موسى شاهد نور الهداية في صورة نار فتكون تارة ~~تلك النار نار صفة غضبية كما كان لموسى، إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ~~نارا، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون نار ~~الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فافهم. وأيضا، ~~كل شيء له صورة في الدنيا فله في الآخرة معنى آخر غيبي # كقوله صلى الله عليه ms0233 وسلم في دماء الشهداء «اللون لون الدم والريح ريح ~~المسك» «1» فاعلم. # وقوله وأتوا به متشابها جملة معترضة تفيد زيادة التقرير كقولك «فلان أحسن ~~إلى فلان ونعم ما فعل» والمراد بتطهير الأزواج تطهيرهن من الأقذار والأدناس ~~لا سيما التي تختص بالنساء، وكذا من الأخلاق الذميمة وعادات السوء. وهما ~~لغتان فصيحتان «النساء فعلن» و «هن فاعلات» و «النساء فعلت» و «هي فاعلة» ~~والمعنى: ولهم جماعة أزواج مطهرة. وفي مطهرة فخامة لصفتهن ليست فيما لو قيل ~~طاهرة وهي الإشعار بأن مطهرا طهرهن وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد لعباده ~~أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم. وهاهنا نكتة وهي، أن المرأة إذا حاضت ~~فالله تعالى يمنع من مباشرتها قال: فاعتزلوا النساء في المحيض [البقرة: ~~222] مع أنها معذورة في تنجسها. فإذا كانت اللواتي في الجنة مطهرات فلأن ~~يمنعك عنهن، إذا كانت نجسا بالمعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى. وأيضا ~~من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر ~~وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا ~~المطهرون؟ وكفى دليلا على ذلك بإخراج آدم منها بسبب الزلة الصادرة عنه. ~~وأيضا من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تجوز صلاته أو تستكره، فكيف بمن ~~صلى وعلى قلبه جبال من نجاسات الذنوب والمعاصي؟ والخلد عند المعتزلة الثبات ~~الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى وما جعلنا لبشر من ~~قبلك الخلد [الأنبياء: 34] نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر [الحج: 5] وعند الأشاعرة: الخلد هو الثبات الطويل، دام أو ~~لم يدم. ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد كان قوله خالدين فيها أبدا ~~تكرارا. ويقال في العرف: حبسه حبسا مخلدا، أو وقف وقفا مخلدا. والحق أن خوف ~~الانقطاع ينغص النعمة وذلك لا يليق بأكرم الأكرمين. PageV01P201 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى # 27] # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما ms0234 الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون (27) ### | الوقوف: # فما فوقها (ط) من ربهم (ج) لأن الجملتين وإن اتفقتا فكلمة «أما للتفصيل ~~بين الجمل مثلا (م) لأنه لو وصل صار ما بعده صفة له وليس بصفة إنما هو ~~ابتداء إخبار من الله عز وجل جوابا لهم. ويهدي به كثيرا (ط) الفاسقين (لا) ~~لأن الذين صفتهم ميثاقه (ص) لعطف المتفقتين في الأرض (ص) الخاسرون (ه) . ### | التفسير: # لما بين كون القرآن معجزا أورد شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك وأجاب ~~عنها. عن ابن عباس: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين- يعني قوله ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا [البقرة: 17] وقوله أو كصيب [البقرة: 19] ~~قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية. وعن ~~الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به ~~المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزلت. والعجب منهم كيف ~~أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض؟ ~~وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها ~~بأحقر الأشياء فقالوا: «أجرأ من الذباب» و «أضعف من بعوضة» و «كلفتني مخ ~~البعوض» . ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزوان حب يخالط ~~البر، وكحبة خردل، والمنخل والحصاة والأرضة والدود والزنابير. قال: مثل ~~ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء ~~عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع واشتد غلب عليه الزوان. فقال ~~عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟ فقال: بلى ~~قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا ~~معه حنطة، دعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد. فأمر الحصادين أن يلتقطوا ~~الزوان من ms0235 الحنطة وأن يربطوه حزما ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى ~~الجرين، وأفسر لكم، ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة وهو أبو البشر، ~~والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هي أبناء الملكوت الذين يعملون ~~بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان المعاصي التي يزرعها ~~إبليس وأصحابه، والحصادون هم # PageV01P202 # الملائكة يتركون الناس حتى تدنو آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت ~~الله، وأهل الشر إلى الهاوية، وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار فكذلك رسل ~~الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم فيلقونهم في ~~أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ~~ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع. # وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء، رجل آخر أخذ حبة الخردل وهي أصغر ~~الحبوب فزرعها في قرية، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول، ~~وجاء طير السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله تعالى ~~أجره وعظمه ورفع ذكره ونجا به من اهتدى. وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه ~~الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في ~~صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ~~ينسفها الرياح. وقال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسد، ولا في ~~البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص، ولكن ادخروا ~~ذخائركم عند الله. وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا ~~يغزلن ولا يشخصن، ومنهن ما هو في جوف الحجر الأصم وفي جوف العود، من يأتيهن ~~بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون؟! وقال: لا تثيروا الزنابير ~~فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم. هذا ونحن نرى أن الإنسان يذكر ~~معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتضح وانكشف. وذلك أن من طبع ~~الخيال حب المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة ~~الخيال، وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن ~~الثاني يكون أكمل، وإذا كان التمثيل يفيد ms0236 زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في ~~الكتاب الذي أنزل تبيانا لكل شيء. ثم إن الله تعالى هو الذي خلق الكبير ~~والصغير، وحكمته في كل ما خلق وبرأ عامة بالغة، وليس الصغير أخف عليه من ~~الكبير، ولا الكبير أصعب عليه من الصغير. فالمعتبر إذن ما يليق بالقصة، ~~فإذا كان اللائق بها الذباب والعنكبوت لخسة مضرب المثل ووهنه، فكيف يضرب ~~بالفيل وبشيء مستحكم النسج والصفاقة؟ وهذا مما لا يخفى على من به أدنى ~~مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت دفع الواضح وإنكار المستقيم، # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذم واشتقاقه ~~من الحياة، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا، ~~وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت في الأسماء الحسنى، أن ~~أمثال هذه الصفات # PageV01P203 # إنما يجوز أن تطلق على الله تعالى بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا ~~باعتبار المبادئ. # فحديث سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم يستحيي ~~إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا» «1» # إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد ~~المحتاج إليه حياء منه. ومعنى قوله إن الله لا يستحيي أي لا يترك ضرب المثل ~~بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في ~~كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت؟ ~~فجاءت على سبيل المقابلة والطباق، وهو فن بديع قال أبو تمام: # من مبلغ أفناء يعرب كلها ... أني بنيت الجار قبل المنزل # فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: # إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كر عن بسبت في إناء من الورد # فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض ~~نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ ~~بالقرظ، ms0237 وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد. وفيه ~~لغتان: استحييت منه واستحييته وهما محتملتان هاهنا. وضرب المثل اعتماده ~~وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم، # وفي الحديث: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب. # و «ما» هذه إبهامية، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعا وعموما كقولك ~~«أعطني كتابا ما» تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله فبما ~~نقضهم [النساء: 155] أي مثلا حقا أو البتة. وانتصب بعوضة بأنها عطف بيان ~~ومثلا وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلا كما يقال: حاتم مثل في الجود. ~~أو مفعول ل يضرب ومثلا حال عن النكرة مقدمة عليها، أو انتصبا مفعولين فجرى ~~«ضرب» مجرى «جعل» . والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت، ~~ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب. ومن غرائب خلقه أنه ~~مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس ~~أصعب من خلق الاخر، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده # كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على PageV01P204 # صورته «1» # أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجا ~~ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه. ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر، ~~ومع ذلك مجوف. ومع فرط صغره وكونه مجوفا يغوص في جلد الجاموس والفيل على ~~ثخانته كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله تعالى في رأس ~~خرطومه من السم. # وقوله فما فوقها أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت ~~والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، أو أراد فما ~~فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا، ~~وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل ~~بالشيء الحقير، فيجب أن يكون المذكور ثانيا أحقر من الأول. والفاء هاهنا ~~تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر ms0238 في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله: # «يا دار مية بالعلياء فالسند» لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد ~~الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند. وأما حرف فيه ~~معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته التوكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت ~~التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في ~~تفسيره. «مهما يكن من شيء فزيد ذاهب» وليس مراده من هذا التفسير أن «أما» ~~بمعنى «مهما» «كيف» - وهذه حرف ومهما اسم- بل قصده إلى المعنى البحث أي إن ~~يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ~~ذهابه لازما لحصول أي شيء في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول ~~شيء فيها. ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون ~~والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ~~ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء. والحق الثابت الذي لا يسوغ ~~إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب. والضمير في أنه الحق للمثل، أو ل أن يضرب وماذا ~~فيه وجهان: أن يكون «ذا» اسما موصولا بمعنى الذي، فيكون كلمتين: «ما» مبتدأ ~~وخبره «ذا» مع صلته، وأن تكون «ذا» مركبة مع «ما» مجعولتين اسما واحدا، ~~فيكون منصوب المحل في حكم «ما» وحده لو قلت: ما أراد الله، وجوابه على ~~الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب. وقد يجيء على العكس PageV01P205 # كما تقول في جواب من قال: ما رأيت خير «أي المرئي خير» . وفي جواب: ما ~~الذي رأيت خيرا «أي رأيت خيرا» . والإرادة نقيض الكراهة، قال الإمام ~~الرازي: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها ~~وبين علمه وقدرته وألمه ولذته. والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي ~~الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع. # واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة. واختلفوا في كونه تعالى مريدا مع ~~اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى. فزعم النجار أنه معنى ~~سلبي ومعناه أنه غير ساه ولا ms0239 مكره. ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي. ثم ~~اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علمه تعالى باشتمال ~~الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف. ~~والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم: أنه صفة زائدة على العلم. ثم ~~القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار، وإما ~~أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديما وهو قول الأشعري، أو محدثا ~~وذلك المحدث إما أن يكون قائما بالله تعالى وهو قول الكرامية، أو قائما ~~بجسم آخر ولم يقل به أحد، أو موجودا لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم ~~وأتباعهما. وفي قوله ماذا أراد الله بهذا مثلا استرذال واستحقار كما قالت ~~عائشة في عبد الله بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في ~~الاغتسال «يا عجبا لابن عمرو هذا» محقرة له. ومثلا نصب على التمييز كقولك ~~لمن أجاب بجواب غث «ماذا أردت بهذا جوابا» ولمن حمل سلاحا رديئا «كيف تنتفع ~~بهذا سلاحا» أو على الحال نحو هذه ناقة الله لكم آية [هود: 64] وقوله يضل ~~به كثيرا ويهدي به كثيرا جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين ب ~~أما وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة وقليل من عبادي الشكور ~~[سبأ: 13] وقليل ما هم [ص: 64] إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال. ~~وأيضا فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة. # إن الكرام كثير في البلاد وإن ... قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا # وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب البعيد، لأنه لما ~~ضرب المثل ازداد به المؤمنون نورا إلى نورهم فتسبب لهديهم، وازدادت الكفرة ~~رجسا إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق. والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة: # فواسقا عن قصدها جوائر ... يذهبن في نجد وغورا غائرا # والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو عند أهل ~~السنة من # PageV01P206 # أهل الإيمان إلا أنه عاص، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة نازل بين ~~المنزلتين، لأن حكمه ms0240 حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ~~ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد ~~عداوته وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا ~~تجزىء خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان ~~في كتاب الله تعالى بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان [الحجرات: 11] يعني اللمز ~~والتنابز إن المنافقين هم الفاسقون [التوبة: 67] والنقض: # الفسخ وفك التركيب. وإنما ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث ~~تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين ~~المتعاهدين، وهذا كقولك «عالم يغترف منه الناس» فتنبه بالاغتراف من العالم ~~بأنه بحر، وتسكت عن المستعار لأنك رمزت إليه بذكر شيء من لوازمه. والعهد: ~~الموثق. عهد إليه في كذا إذا أوصاه به ووثقه عليه. # والمراد بالناقضين إما كل من ضل وكفر لأنهم نقضوا عهدا أبرمه الله بإراءة ~~آياته في الآفاق وفي أنفسهم وبما ركز في عقولهم من إقامة البينة على الصانع ~~وعلى توحيده وعلى حقية شريعته بعد إزاحة العلات وإزالة الشبهات، وإما قوم ~~من أهل الكتاب وقد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم ~~بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك ~~وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الذي ~~أخذه على جميع درية آدم وإذ أخذ ربك [الأعراف: 172] الآية. وعهد خص به ~~النبيين أن يبلغو الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم [الأحزاب: 7] وعهد خص به العلماء وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه [آل عمران: # 187] والضمير في ميثاقه للعهد. والميثاق إما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد ~~والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أو اسم لما وثقوا به عهد الله من قبوله ~~وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله أي من بعد توثقته عليهم، أو ~~من بعد ما وثق الله تعالى به عهده من آياته وكتبه ورسله. ومعنى قطعهم ما ~~أمر الله ms0241 به أن يوصل، إما قطعهم ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من القرابة والرحم، أو قطعهم موالاة المؤمنين إلى موالاة الكافرين، أو ~~قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ~~ببعض وكفرهم ببعض. والأمر طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه وبه سمي الأمر ~~الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره ~~به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به. وللأمر حرف واحد ~~وهو اللام الجازم نحو «ليفعل» وصيغ مخصوصة للمخاطب نحو «انزل» و «نزال» و ~~«صه» . وقد يستعمل في الدعاء والالتماس بمعونة القرينة وظاهره للوجوب، ~~وغيره من الندب أو الإباحة يتوقف على القرينة. وقوله أن يوصل بدل الاشتمال ~~من الضمير المجرور، والجار الذي ينبغي أن يعاد # PageV01P207 # مقدر تقديره بأن يوصل أي بوصله. والإفساد في الأرض إما إظهار المعاصي، ~~وإما التنازع وإثارة الفتن. أولئك هم الخاسرون لأنهم استبدلوا النقض ~~بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقاب هذه الأمور بثوابها إن ~~الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات [العصر: 2، 3] الآية. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 28 الى 29] # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28) هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن ~~سبع سماوات وهو بكل شيء عليم (29) ### | القراآت: # فأحياكم وبابه بإلامالة: علي ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم كل القرآن: ~~يعقوب. وهو وبابه بسكون الهاء: أبو جعفر ونافع غير ورش وعلي وأبو عمرو. ### | الوقوف: # فأحياكم (ج) للعدول أي ثم هو يميتكم مع اتحاد مقصود الكلام ترجعون (ط) ~~سماوات (ط) عليم (ه) . ### | التفسير: # هذه الآية مسوقة لبيان التعجب من حال الكفرة، وذلك أن الاستفهام من علام ~~الغيوب يمتنع إجراؤه على أصله، فيتولد بمعونة قرائن الأحوال ما ذكرنا. ~~ووجهه هو أن الكفار حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على أحد ~~الحالين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة. فإذا قيل لهم: كيف ~~تكفرون بالله؟ ms0242 ومن المعلوم أن «كيف» للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص من ~~بين سائر أحوال الكافر بالعلم بالصانع أو الجهل به، لأنه لا يمكن تصور كفر ~~الكافر بالصانع مع الذهول عن كونه عالما بالله أو جاهلا به، بخلاف سائر ~~أحواله المتقابلة كالقعود والقيام والسكون والحركة، فإنه يمكن تصور كفره مع ~~الذهول عنها وإن كان لا ينفك الكافر في الوجود عنها كما لا ينفك من العلم ~~بالصانع أو الجهل به في الوجود. وتوجه الاستفهام إلى ذلك الذي له مزيد ~~اختصاص فأفاد الاستفهام، أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به؟ ~~لكن الجهل بعيد عن العاقل، لأن الحال حال علم بهذه القصة وهي أن كانوا ~~أمواتا فصاروا أحياء، وسيكون كذا والحال كذا من الإماتة، ثم الإحياء ثم ~~الرجع إليه، فبقي أن يكون الحال حال العلم بالصانع الموجبة للصرف عن الكفر. ~~فصدور الفعل عمن له صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب ~~وإنكار وتوبيخ فكأنه قيل: ما أعجب كفركم والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي # PageV01P208 # أن كنتم أمواتا نطفا في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه ~~الحياة! وهذه مما لا يشك فيها لأنها من المشاهدات، ثم يحييكم حين ينفخ في ~~الصور أو حين تسألون في القبور، ثم إليه أي إلى حكمه ترجعون أي بعد الحشر ~~للثواب والعقاب أو من قبوركم. # وهذه القضايا أيضا مما لا يشك فيها لنصب الأدلة وإزاحة العلة. والأموات ~~جمع ميت كالأقوال جمع قيل، وقد يطلق الميت على الجماد كقوله بلدة ميتا [ق: ~~11] ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. ويحتمل أن ~~يقال: المراد به خمول الذكر كقوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا [الدهر: 1] قال أبو نخيلة السعدي: # وأحييت لي ذكري وما كنت خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # ولا يخفى أن الآية بالنسبة إلى العامة، فأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث ~~مرات فأماته الله مائة عام ثم بعثه [البقرة: 259] فقال لهم الله ms0243 موتوا ثم ~~أحياهم [البقرة: # 242] ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون [البقرة: 56] وكذلك بعثناهم ~~ليتسائلوا بينهم [الكهف: 19] وآتيناه أهله ومثلهم معهم [الأنبياء: 84] ~~واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على ~~الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه. ومنها الدلالة على ~~أنه لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا الله، فيبطل قول الدهري وما يهلكنا ~~إلا الدهر [الجاثية: 24] ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه ~~على الدليل القطعي الدال عليه، لأن الإعادة أهون من الإبداء. ومنها الدلالة ~~على التكليف والترغيب والترهيب، ومنها الدلالة على وجوب الزهد في الدنيا ~~لأنه قال: فأحياكم أي بعقب كونكم نطفا من غير تخلل حالة أخرى بينهما، ثم ~~يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة، ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد ~~من حياة ثانية للسؤال أو للحشر، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب. فبين ~~سبحانه أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشرا سويا ~~وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع، وملكه الأموال والأولاد والدور ~~والقصور. ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئا ~~ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، ويبقى مدة مديدة في اللحد ومن ورائهم ~~برزخ إلى يوم يبعثون [المؤمنون: 100] ينادي فلا يجيب، ويستنطق فلا يتكلم، ~~ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون. # يمر أقاربي بحذاء قبري ... كأن أقاربي لم يعرفوني # PageV01P209 # الهي إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا شاحبة وجوهنا جائعة بطوننا ~~مثقلة من حمل الأوزار ظهورنا بادية لأهل القيامة سوآتنا، فلا تضغف مصائبنا ~~بإعراضك عنا، يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة. ولما ذكر الله ~~تعالى في الآية الأولى أصل جميع النعم وهو الإحياء الذي من حقه أن يشكر ولا ~~يكفر، أعقبها بذكر ما هو كالأصل لسائر النعم وهو خلق الأرض بما فيها، وخلق ~~السماء. ومعنى لكم لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم وذلك ظاهر، وفي دينكم من ~~النظر في ms0244 عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، ومن التذكير ~~بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الإنس واللذة من فنون المطاعم ~~والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب ~~الوحشة والألم من النيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم ~~والمخاوف. فظاهر الآية لا يدل إلا على خلق ما في الأرض لأجلهم دون الأرض. ~~فإن أريد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما يذكر السماء ويراد به ~~الجهات العلوية جاز أن يراد خلق لكم الأرض وما فيها. وجميعا نصب على الحال ~~من الموصول الثاني وهو «ما» أي مجموعة، والمجموع الذي جمع من هاهنا وهاهنا ~~وإن لم يجعل كالشيء الواحد ويندرج فيها جميع البسائط من الماء والهواء ~~والنار وجميع المواليد من المعادن والنبات والحيوان وجميع الصنائع والحرف. ~~وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة عقلا لكل أحد أن ~~يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفا في ملك ~~الغير من غير إذنه. ولا يلزم من أنه تعالى خلق ما في الأرض لأجل المكلفين ~~أن يكون فعله معللا بغرض، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية، وإلا كان عبثا ~~لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة، ~~لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية، أما إذا كانت ~~فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة ~~له على ذلك، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه تعالى خلق الكل ~~للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي ~~مقابلة الفرد للفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل.. والاستواء بمعنى ~~الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام، وإنه تعالى منزه عن ذلك. وأيضا «ثم» ~~تقتضي التراخي، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو ~~حاصلا أزلا ولم يكن متأخرا عن خلق ما في الأرض، فيجب التأويل. وتقريره أن ~~يقال: استوى العود إذا اعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا ms0245 قصده ~~قصدا مستويا من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله ثم استوى إلى السماء ~~[فصلت: 11] أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض # PageV01P210 # من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو ~~كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق، أو هذا كقولك لآخر «اعمل هذا الثوب» وإنما معه ~~غزل. على أنها كانت دخانا ثم سواها سبع سموات. و «ثم» هاهنا إما للتراخي في ~~الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف ~~القصد إليها خلقا آخر كما قلنا، أو للتفاوت بين الخلقين. وفضل خلق السموات ~~على خلق الأرض كقوله فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: ~~14] وكقوله ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 17] وتفسير هذه الآية في قوله قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين [فصلت: 9، 10] يعني تقدير الأرض في يومين، وتقدير الأقوات في ~~يومين، كما يقول القائل: من الكوفة إلى المدينة عشرون يوما، وإلى مكة ~~ثلاثون يوما، يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر. ثم استوى إلى السماء في يومين ~~آخرين، ومجموع ذلك ستة أيام كما قال خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~[يونس: 3] فإن قيل: أما يناقض هذا قوله والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: ~~30] قلنا: أجاب في الكشاف لا، لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما ~~دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع # بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه ~~السموات وأمسك الفهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله كانتا رتقا ~~[الأنبياء: # 30] وهو الالتزاق، وزيف بأن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن ~~التدحية. وأيضا قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~يدل على أن خلق الأرض وخلق ما فيها مقدم على خلق السماء، لأن خلق ms0246 الأشياء ~~في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة. وقال بعض العلماء في دفع التناقض ~~قوله والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 30] يقتضي تقدم خلق السماء على ~~الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وزيف أيضا بأن ~~قوله أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ~~ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 27- 30] يقتضي أن يكون خلق السماء ~~وتسويتها مقدما على تدحية الأرض، بل على خلقها لأنهما متلازمان. وحينئذ ~~يعود التناقض والمعتمد عند بعضهم في دفعه أن يقال «ثم» ليس للترتيب هاهنا، ~~وإنما هو على جهة تعديد النعم. مثاله: أن تقول لغيرك: ألست قد أعطيتك نعما ~~عظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت عنك الخصوم؟ ولعل بعض ما أخرته في الذكر مقدم ~~في الوقوع. # PageV01P211 # (قلت) : وهذا صحيح معقول من حيث ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف والألطف ~~فالألطف إن ساعده النقل وإلا فلا إحالة في أنه تعالى خلق الأرض أولا في ~~غاية الصغر وجعل فيها أصول الجبال ووضع فيها البركة وقدر الأقوات ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبعا ثم دحا الأرض بأن جعلها أعظم مما كانت عليه كهيئتها ~~الآن والله تعالى أعلم. # والضمير في فسواهن ضمير مبهم، وسبع سماوات تفسيره نحو: ربه رجلا. وفائدة ~~الإبهام أولا ثم البيان ثانيا أن الكلام هكذا أوقع في النفس، لأن المحصول ~~بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. وقيل: الضمير راجع إلى السماء، والسماء ~~في معنى الجنس. وقيل: # جمع سماءة والوجه العربي هو الأول. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه ~~وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وهو بكل شيء عليم، فمن ثم خلقهن ~~خلقا مستويا محكما من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب الحاجات وكفاء ~~المصالح، ومقتضى الحكمة والتدبير. وهذا عام لم يدخله التخصيص قط، وبه يهدم ~~بناء من زعم أنه غير عالم بالجزئيات، لأنه تعالى لو لم يعرف تفاصيلها لم ~~تكن مخلوقاته على غاية الإتقان والإحكام، فسبحانه من خبير يعلم الذرة في ~~الأجواف، والدرة في الأصداف، ms0247 والقطرة في البحر، والخطرة في النحر، وعلى هذا ~~يدور نظام العالم وبه يحصل قوام مناهج بني آدم. ثم إن العقل قد يدل على ~~وجود سبع سموات، وتخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، فأثبت أهل ~~الأرصاد تسعة أفلاك على ما استقر عليه رأيهم، أولها من الجانب الأعلى ~~للحركة اليومية، لأن هذه الحركة تشمل جميع الأجرام، فيجب أن يكون فلكها ~~حاويا للكل. وثانيها للثوابت جميعها تحديدا لأدنى الدرجات لاتحاد الحركات ~~وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزا. والسبعة الباقية للسيارات السبعة جميع ~~ذلك بوجود اختلاف المنظر وعدمه. وعلى ترتيب خسف بعضها بعضا، أولها مما ~~يلينا للقمر وفوقه لعطارد ثم للزهرة ثم للشمس ثم للمريخ ثم للمشتري ثم ~~لزحل. ونازعهم بعض الناس في زيادة الفلكين الثامن والتاسع فقال: من المحتمل ~~أن تتصل نفس بمجموع السبعة فتحركها حركة الكل، ثم يكون لكل فلك نفس على حدة ~~تحركه حركته الخاصة به، وتكون الثوابت على محدب ممثل زحل مثلا. وبالجملة ~~فلم يتبين لأحد من الأوائل والأواخر كمية أعداد السموات على ما هي عليه لا ~~عقلا ولا سمعا وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر [المدثر: ~~31] . ### | [سورة البقرة (2) : آية 30] # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30) # PageV01P212 ### | القراآت: # خليفة وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى ~~والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد ~~والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، ~~وصبغة، وصاخة، وشقة. # وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة ~~حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر ~~وإلى الفتح أقرب إني أعلم بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. ### | الوقوف: # خليفة (ط) بناء على أن عامل «إذ» محذوف أي اذكر. ومن جعل قالوا عامل «إذ» ~~وصل. الدماء (ج) لأن انتهاء ms0248 الاستفهام على قوله ويسفك الدماء يقتضي الفصل، ~~واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله ونحن نسبح بحمدك يقتضي الوصل ونقدس لك ~~(ط) ما لا تعلمون (ه) . ### | التفسير: # هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم عليه السلام وعن كيفية تعظيمه إياه، ~~فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، ~~وإذ هاهنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله واذكر أخا عاد إذ ~~أنذر [الأحقاف: 21] أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك ~~الوقت ممتنع. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واحد من بني آدم، ~~ويجوز أن ينتصب ب قالوا فيكون للمجازاة. والملائكة جمع ملأك وأصله مألك ~~بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، ~~وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال ~~وألقيت حركتها على اللام. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا ~~تلحق. واعلم أن الملك قبل النبي صلى الله عليه وسلم بالشرف والعلية وإن كان ~~بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ ~~الوحي والشريعة. وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله [البقرة: 285] ولا خلاف بين ~~العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود ~~الأنبياء فيه. وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام ~~لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر ~~المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب ~~الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة ~~والمنحسات ملائكة العذاب. ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور ~~والظلمة وإنهما # PageV01P213 # عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل ~~والتدبير. فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر ~~وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء ~~وهم الملائكة لا على ms0249 سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من ~~المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه. ~~ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف ~~من النصارى- إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية ~~خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين. وقال آخرون- وهم ~~الفلاسفة- إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر ~~علما، ونسبتها الى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ~~ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة وهي ~~الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ~~ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها هاهنا. وقد يستدل عليها ~~أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة ~~الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات ~~واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في ~~المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين ~~السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة. ولا ~~نزاع البتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر ~~المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد # قال صلى الله عليه وسلم «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا ~~وفيه ملك ساجد أو راكع» «1» # وروي «إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء ~~كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض ~~الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة ~~السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في ~~مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من ~~سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت ~~به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا قليلا، وما ~~مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو ms0250 راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح ~~والتقديس، PageV01P214 # ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ~~ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل ~~صلى الله عليه وسلم والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون ~~لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون» # وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ~~[الحاقة: 17] ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل ~~صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ~~ملائكة الجنة والملائكة يدخلون عليهم من كل باب [الرعد: 23] ومنهم ملائكة ~~النار عليها تسعة عشر [المدثر: 30] ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد. ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم والصافات صفا [الصافات: 1] ~~وأما أوصافهم فكما # قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ~~ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا ~~سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه ~~وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره. منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب ~~جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء ~~العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش ~~أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من ~~دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه ~~صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر. # ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة ~~الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا ~~فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا، بعث الله إبليس في جند من الملائكة ~~فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال تعالى لهم إني جاعل في ~~الأرض خليفة وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه تعالى قال ذلك لجماعة ~~الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل. # وجاعل من جعل الذي له مفعولان، معناه ms0251 مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل ~~إني خالق كما قال إني خالق بشرا من طين لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر ~~لا من عالم الخلق. والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، # وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض هاهنا أرض مكة التي دحيت ~~الأرض من تحتها. # والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: # PageV01P215 # كريمة وكرائم. وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء. ~~والمراد به آدم صلى الله عليه وسلم إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين ~~تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه ~~كقوله يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق [ص: 26] ~~وهو المروي عن ابن مسعود والسدي. وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم ~~لأنه يخلف بعضهم بعضا ويؤيده قوله هو الذي جعلكم خلائف الأرض [فاطر: 39] ~~وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفا يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع ~~المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء ~~منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه. وليس للعالم مصباح يضيء بنار ~~نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح ~~السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح ~~يكاد زيتها يضيء [النور: 35] من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي ~~مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله ~~في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة ~~واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم. ~~والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن ~~كان هو بحكمته البالغة غنيا عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما ~~أجيبوا. واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن ~~جميع الذنوب لقوله ms0252 تعالى يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون [النحل: ~~50] فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات- لأن المنهي مأمور بتركه- إلا ~~ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضا لقوله بل عباد مكرمون. لا يسبقونه ~~بالقول وهم بأمره يعملون [الأنبياء: 26، 27] يسبحون الليل والنهار لا ~~يفترون [الأنبياء: 20] إلى غير ذلك من الآيات. # وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم ~~الذنوب. وأيضا نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم ~~الكبائر. وأيضا مدحوا أنفسهم بقولهم ونحن نسبح بحمدك وهو عجب. وأيضا قولهم ~~لا علم لنا إلا ما علمتنا اعتذار والعذر دليل الذنب. وأيضا قوله تعالى إن ~~كنتم صادقين دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه. وأيضا قوله ألم أقل لكم ~~إني أعلم غيب السماوات والأرض يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه تعالى ~~عالم بكل المعلومات. وأيضا علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد ~~وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي ولا تقف ~~ما ليس لك به علم [الأسراء: 36] وأيضا قصة هاروت وماروت وأن # PageV01P216 # إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر. والجواب عن اعتراضهم ~~على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء ~~لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن ~~الإنسان إذا كان قاطعا بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلا لا يهتدي ذلك الإنسان ~~إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجبا. # فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه ~~دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلبا للجواب غير ~~محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه البتة، وتمكين ~~السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟ وهذا جواب ~~المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله ~~تعالى فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد ms0253 ~~وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق. وأيضا قالوا ونحن نسبح بحمدك ~~والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ونقدس لك والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة ~~الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك ~~الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. فالملائكة نظروا إلى الشرور ~~فأجابهم الله تعالى بقوله إني أعلم ما لا تعلمون أي من الخيرات الكثيرة ~~التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم. ومنها أن سؤالهم ~~كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى، فإن العبد المخلص لشدة حبه ~~لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه. ومنها أن قولهم أتجعل مسألة منهم أن ~~يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحا نحو قول موسى أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا [الأعراف: 155] أي لا تهلك، فقال تعالى إني أعلم ما لا تعلمون ~~من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى ~~كل فريق بما أختار الله له. ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول ~~جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟ أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحا، فكأنهم ~~قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا ~~تفعل إلا الصواب والحكمة فقال تعالى إني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ~~ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار ~~الخفية التي تقتضي إيجادهم. وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ~~ولكنه بسابق العناية، وأنه تعالى غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره ~~معصية المذنبين. # والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، ~~فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة. وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع ~~منه مطلقا # PageV01P217 # وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك ~~يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة. وعن الاعتذار، ~~إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى. ms0254 وروي عن الحسن وقتادة أن ~~الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ~~ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقا إلا كنا خلقا أعظم منه وأكرم عليه، ~~فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقا إلا وأنتم أفضل منه، ~~ففزعوا إلى التوبة وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ثم إن العلماء ~~ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوها منها: أنهم قالوا ذلك ظنا ~~إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض ~~وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من ~~الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد ~~وللغضب الذي منه سفك الدماء. ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن ~~مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه تعالى لما قال للملائكة: إني جاعل في ~~الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في ~~الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء؟ أو أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في ~~الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ~~ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى ~~الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما ~~يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخبارا عن وقوع ~~الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفا ~~شديدا فقالوا: لم خلقت هذه النار؟ قال: لمن عصاني من خلقي. ولم يكن يومئذ ~~لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق البتة. فلما قال: إني جاعل في ~~الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر. وأما قصة إبليس وهاروت وماروت ~~فسيجيء الكلام فيها. واختلف الناس ms0255 في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي ~~والشرور أم لا. فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة ~~لهم على الشر. والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم أتجعل إما ~~معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضا قال تعالى ومن ~~يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم [الأنبياء: 29] وهذا يقتضي كونهم ~~مزجورين. وقال لا يستكبرون عن عبادته # PageV01P218 # [الأنبياء: 19] والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدرا على ~~الاستكبار. ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه ~~مع أنه يستحق المدح على الثواب. والواو في ونحن نسبح للحال كقولك «أتحسن ~~إلى فلان وأنا أحق بالإحسان» والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، ~~من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد. والتبعيد عن السوء ~~إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي ~~الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءا عن العجز ~~والجهل والتغيرات محيطا بكل المعلومات قادرا على كل المقدورات، وإما في ~~الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: ~~أنا المنزه عن النظير والشريك سبحانه هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات ~~والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب ~~العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا ~~الغني عن الكل سبحانه هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري ~~وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصحابة والولد ~~سبحانه أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب سبحانه إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون [آل عمران: 47] ، أنا # الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~له مقرنين [الزخرف: 13] أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد ~~المرشدين سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] أنا الذي أغفر ~~معصية سبعين سنة ms0256 بتوبة ساعة وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس [طه: 130] فإن ~~أردت رضوان الله فسبح ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى [طه: # 130] وإن أردت الخلاص من النار فسبح سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران: # 191] وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين [الأنبياء: 87] أيها العبد، واظب على تسبيحي وسبحوه بكرة وأصيلا ~~[الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون ~~له بالليل والنهار وهم لا يسأمون [فصلت: 38] يسبح لي الحجر والمدر والرمال ~~والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار ~~والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام سبح لله ما في ~~السماوات والأرض [الحديد: 1] وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] أيها ~~العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا ~~حاجة بها إلى ثواب هذا # PageV01P219 # التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا [ص: 27] لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ~~لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته # «وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف ~~الماء» «1» # أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون [الصافات: 180] فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما [الأحزاب: ~~35] أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة إن تقرضوا الله ~~قرضا حسنا يضاعفه لكم [التغابن: 17] لا حاجة لي إلى العسكر ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم [محمد: 4] ولكن إذا نصرتني نصرتك إن تنصروا الله ينصركم [محمد: ~~7] اخدمني يا أيها الناس اعبدوا ربكم [البقرة: 21] لا لأني أحتاج إلى خدمتك ~~فإني أنا الملك ولله ملك السماوات والأرض [آل عمران: 189] ولكن أصرف في ~~خدمتي عمرا قصيرا لتنال ملكا كبيرا وخيرا كثيرا وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ms0257 ~~ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [التوبة: 72] . # قوله بحمدك في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك ~~علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفاه الله ~~لملائكته: سبحان الله وبحمده. # ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك ~~والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: # سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة ~~يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت. # وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة. وعن مجاهد: ~~نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك. وقيل: # نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك إني ~~أعلم ما لا تعلمون معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني ~~أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبره، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من ~~الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم ~~في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي. اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من ~~يعبدونني ثم يخشونني، يؤدون حق العبادات ثم لا PageV01P220 # يتكلمون على تلك الطاعات إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~[الأنفال: # 2] الذين هم من خشية ربهم مشفقون [المؤمنون: 57] والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 82] وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين [النمل: # 19] أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما ~~يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل ~~واحد واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 31 الى 33] # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم ~~الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم ms0258 قال ألم أقل ~~لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) ### | القراآت: # أنبئوني وكذلك الخاطؤن وخاسئين وفمالؤن ونحن المنشؤن وليطفؤا وليواطؤا ~~ومتكئين وقل استهزؤا ومتكأ ويستنبئونك وبابه بريئا # وبريئون وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. ~~هؤلاء ها بغير المد، أولاء بالمد: يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون. قال ~~أبو إسحق: هما كلمتان لا يمدها ويمد أولاء. هؤلاء إن بهمزتين: عاصم وحمزة ~~وعلي وخلف وابن عامر. وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة ~~الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين. وقرأ يزيد وورش ~~والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية. وعن نافع: تليين ~~الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين. وأما في المفتوحتين فكأبي ~~عمرو. أنبئهم عن ابن عامر روايتان: مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة ~~مكسورة الهاء. ### | الوقوف: # صادقين (ه) علمتنا (ط) الحكيم (ه) أنبئهم (ج) بأسمائهم (ج) لمكان فاء ~~التعقيب. بأسمائهم (لا) لأن «قال» جواب «فلما» تكتمون. ### | التفسير: # وفيه أبحاث: # الأول: الأشعري والجبائي والكعبي على أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن ~~الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ ~~موضوعة لتلك المعاني بدليل قوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا وهذا يدل على أن الملائكة وآدم لا يعلمون إلا بتعليم الله ~~تعالى إياهم. وخالفهم أصحاب أبي هاشم الذاهبون # PageV01P221 # إلى أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة. وحصل التعريف للباقين ~~بالإشارة والقرائن كالأطفال فقالوا: المراد ألهمه وبعث داعيته على الوضع ~~مثل وعلمناه صنعة لبوس لكم [الأنبياء: 80] . أي ألهمناه، أو المراد علمه ما ~~سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبل آدم. وأجيب بأن الأصل عدم العدول عن الظاهر: ~~قالوا ثم عرضهم يدل على أن المراد بالأسماء المسميات، فإن عرض الأسماء غير ~~معقول. فإذن المراد أسماء المسميات فعوض الألف واللام عن المضاف إليه كما ~~في قوله واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] أي علمه أسماء كل ما خلق من أجناس ~~المحدثات من جميع اللغات المختلفة ms0259 التي يتكلم بها ولده اليوم من العربية ~~والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات، فلما مات ~~وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، ~~فلما طالت المدة ومضت القرون نسوا سائر اللغات. ثم لا يبعد بل ينبغي أن ~~يكون الله تعالى قد علمه مع ذلك صفات الأشياء ونعوتها وخواصها وما يتعلق ~~بها من المنافع الدينية والدنيوية، لأن اشتقاق الاسم إما من السمة أو من ~~السمو. فإن كان من السمة فالاسم هو العلامة وصفات الأشياء وخواصها دالة على ~~ماهياتها وعلامة عليها، وإن كان من السمو فدليل الشيء كالمرتفع على ذلك ~~الشيء، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول. وإنما قلنا ينبغي ذلك ~~لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها. ثم ~~من الحقائق ما يتوقف إدراكها على آلة تدرك بها كالمبصرات والمسموعات ~~وغيرها، فإذا كان لآدم تلك الآلات وقد عرفها بها، ولم يكن للملائكة ذلك لزم ~~عجزهم. وأيضا العربي لا يحسن منه أن يقول لغيره تكلم بلغتي، لأن العقل لا ~~طريق له إلى معرفة اللغات، بل إن حصل التعليم حصل العلم بها وإلا فلا. أما ~~العلم بحقائق الأشياء، فالعقل يتمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي به. وإنما ~~قيل ثم عرضهم بلفظ الذكور، لأن في جملة المسميات الملائكة والثقلين وهم ~~العقلاء، فغلب الكامل على الناقص، والتذكير على التأنيث. ومن الناس من تمسك ~~بقوله أنبئوني بأسماء هؤلاء على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه إنما ~~استنبأهم مع علمه بعجزهم تبكيتا لهم بدليل قوله إن كنتم صادقين أي في أني ~~لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منهم. وقيل: أي في قولكم إنه لا شيء مما يتعبد ~~به الخلق إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. # وقيل: أعلموني بأسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام. ~~وقيل: # أخبروني ولا تقولوا إلا حقا وصدقا، فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم ~~عليه من القصور لأنه متى ms0260 تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا ~~صادقين ولا لهم إليه سبيل، لم # PageV01P222 # يجترءوا على الجواب. ثم إن الذين اعتقدوا معصية الملائكة في قولهم أتجعل ~~قالوا: # إنهم لما عرفوا خطأهم تابوا واعتذروا بقولهم سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا والذين أنكروا معصيتهم قالوا: إنهم قالوا ذلك على وجه الاعتراف ~~بالعجز والتسليم كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك ~~فكيف نعلمه؟ أو أنهم إنما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] لأن ~~الله تعالى أعلمهم ذلك. فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون في الأرض ~~فقلنا لك: أتجعل. وأما هذه الأسماء فإنك ما علمتنا فكيف نعلمها؟ ومعنى ~~سبحانك نسبحك تسبيحا أي ننزهك تنزيها وهو مصدر غير متصرف أي لا يستعمل إلا ~~محذوف الفعل منصوبا على المصدرية، فإذا استعمل غير مضاف كان «سبحان» علما ~~للتسبيح، فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني. قالت المعتزلة ~~هاهنا: المراد أنه لا علم لنا إلا من جهتك إما بالتعليم وإما بنصب الأدلة. ~~وقالت الأشاعرة: بل الجميع بالتعليم لأن المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات ~~الدليل بل النظر في الدليل، وأنه يستند إلى توفيق الله تعالى وتسهيله. ثم ~~احتج أهل الإسلام بالآية، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، ~~وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة. وللمنجم أن يقول ~~للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها ~~الله تعالى على أحوال هذا العالم، فيكون من جملة ما علمه الله تعالى أنك ~~أنت العليم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم الحكيم في هذا الفعل المصيب ~~فيه. وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم ~~خليفة في الأرض. وقوله ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض استحضار ~~لقوله تعالى لهم إني أعلم ما لا تعلمون إلا أنه تعالى جاء به على وجه أبسط ~~وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه. وفيه دليل على أنه تعالى ~~يعلم ms0261 الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء ~~إلا عند وقوعها. وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ما ~~تبدون قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون ما أسر إبليس ~~في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد. وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا ~~عجيبا فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا ~~هو الذي كتموه. ويجوز أن يكون هذا القول منهم سرا أسروه بينهم فأبداه بعضهم ~~لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. والظاهر أنه ~~عام كقوله إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون [الأنبياء: 11] إنه ~~يعلم الجهر وما يخفى [الأعلى: 7] . # البحث الثاني: قالت المعتزلة: ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك ~~الوقت # PageV01P223 # فكان مبعوثا إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلا فقد ~~يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط صلى الله عليه وسلم واحتجوا ~~بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه ~~الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة. # وأيضا أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا؟ فإن علموا ~~فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا ~~أن يقال: إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن ~~آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزا، أو يقال: إنه تعالى عرفهم قبل ~~أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم. والظاهر أنهم قد ~~عرفوا صدقه بتصديق الله تعالى إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة ~~فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا ~~جائزان؟ القاطعون بأنه عليه السلام ما كان نبيا في ذلك الوقت قالوا: # صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب ms0262 الطرد والتحقير، فوجب أن ~~تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ثم اجتباه ربه [طه: 122] ~~والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة. وأيضا لو كان رسولا، فإن لم يكن ~~مبعوثا إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثا فإما إلى الملائكة- وهم أفضل من ~~البشر عند المعتزلة- ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف، وإن المرء إلى ~~قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] ~~وإما إلى الأنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم ~~بدليل ولا تقربا هذه الشجرة [البقرة: 35] وإما إلى الجن، وما كان في السماء ~~أحد من الجن. # البحث الثالث: في فضل العلم: لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر ~~الله تعالى فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة ~~والمعقول. أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على ~~أربعة أوجه: أحدها مواعظ القرآن وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ~~[البقرة: 231] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم وآتيناه الحكم صبيا ~~[مريم: 12] ولقد آتينا لقمان الحكمة [لقمان: 12] وثالثها الحكمة بمعنى ~~النبوة فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [النساء: 54] ورابعها القرآن ~~يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269] ~~وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. ومن ذلك أنه تعالى فرق بين ~~سبعة نفر في كتابه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9] ~~قل لا يستوي الخبيث والطيب [المائدة: 100] لا يستوي # PageV01P224 # أصحاب النار وأصحاب الجنة # [الحشر: 20] وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ~~ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات [فاطر: 19- 22] فإذا تأملت وجدت ~~كل ذلك مأخوذا من الفرق بين العالم والجاهل. ومن ذلك قوله أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: 59] أي العلماء في أصح الأقوال، ~~لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء. ولا ينعكس شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم [آل عمران: 18] جعلهم في الآيتين في ms0263 المرتبة ~~الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم [آل عمران: 70] قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب [الرعد: 43] ومن ذلك قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] ومن ذلك وصفهم بالإيمان ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به [آل عمران: 7] وبشهادة التوحيد شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم [آل عمران: 18] وبالبكاء والسجود ~~والخشوع إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم ~~خشوعا [الإسراء: 107- 109] وبالخشية إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~[فاطر: 28] . وأما الأخبار فمنها ما # رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من ~~النار فلينظر إلى المتعلمين، فو الذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب ~~العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في ~~الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفورا له، وشهدت ~~الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار» # وعن أنس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من طلب العلم لغير الله ~~لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو ~~كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن بابا من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن ~~يكون له أبو قبيس ذهبا فينفقه في سبيل الله» # وعن الحسن مرفوعا «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان ~~بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة» # وعنه صلى الله عليه وسلم «رحمة الله على خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن ~~خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» # وعن أبي موسى الأشعري مرفوعا «يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز ~~العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم ~~أضع علمي فيكم لأعذبكم، ms0264 انطلقوا فقد غفرت لكم» # وقال صلى الله عليه وسلم «معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب ~~الأرض وحيتان البحر» # وعن أبي هريرة مرفوعا «من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من ~~الأنبياء» # وعن ابن عمر مرفوعا «فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر # PageV01P225 # الفرس سبعين عاما» # وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل ~~على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها. # وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «لأن ~~يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب» «1» # وعن ابن مسعود مرفوعا «من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله ~~أعطاه الله أجر سبعين نبيا» # وعن عامر الجهني مرفوعا «يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا ~~يفصل أحدهما على الآخر» # وفي رواية «فيرجح مداد العلماء» # وعن أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس والناس ~~معه إذ أقبل ثلاثة نفر. فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما ~~الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر. فلما فرغ صلى الله عليه وسلم ~~من كلامه قال: # ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما ~~الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه. # وعنه صلى الله عليه وسلم «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ~~ثم الشهداء» «2» # قال الراوي: فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة. # وعن أبي هريرة مرفوعا «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة ~~جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير» «3» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس. قيل: ~~يا رسول الله ومن الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: أهل القرآن. قيل: ثم من؟ ~~قال: أهل العلم. قيل: ثم من؟ قال صلى الله عليه وسلم: صباح الوجوه» # قال الراوي: والمراد بأهل القرآن ms0265 من يحفظ معانيه. # وقال صلى الله عليه وسلم «كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن ~~الخامسة فتهلك» # قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين # الرواية الأخرى «الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه» # أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن ~~سبعا خالسا، أو ذئبا خانسا، أو كلبا حارسا، وإياك أن تكون إنسانا ناقصا. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحدث إنسانا فأوحى الله تعالى إليه ~~أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة- وكان هذا وقت العصر- ~~فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي ~~في هذه الساعة. قال صلى الله عليه وسلم: اشتغل بالتعلم. فاشتغل بالتعلم ~~وقبض قبل المغرب. # قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~به في ذلك الوقت. وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه: تعلم العلم ~~PageV01P226 # فإنه إن يك لك مال كان لك جمالا، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالا. # وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن ~~الجهل. # وقيل: مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص. وهو الجالس على ~~الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب ~~له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد ~~منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلا بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف ~~الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين. ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر ~~يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الإلهية غير متفرغ لتعلم ~~علم الأحكام إلا ما لا بد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف ~~بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره. ~~وقال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر ~~القرآن ms0266 فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق ~~قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمنا ~~محضا. وقال أيضا: ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك: النوم بعد ~~صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر. ~~والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر. وقيل: ~~العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار ~~الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها. وقيل لابن ~~مسعود: بم وجدت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤل وقلب عقول. # وقال بعضهم: سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس. وقيل: الدنيا بستان ~~تزينت بخمسة أشياء: علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العباد، وأمانة ~~التجار، ونصيحة المحترفين. فجاء إبليس بخمسة أعلام وأقامها بجنب هذه الخمس. ~~فجاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء ~~بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء ~~بالغش فركزه بجنب النصيحة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلم أفضل من المال لسبعة أوجه: ~~العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، العلم لا ينقص بالنفقة والمال ~~ينقص، المال يحتاج إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، إذا مات الرجل خلف ماله ~~والعلم يدخل معه قبره، المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل الا ~~للمؤمن، جميع الناس محتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب ~~المال، العلم يقوي الرجل عند المرور على الصراط والمال يمنعه منه. # قال الفقيه أبو الليث: من جلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم ~~شيئا فله سبع # PageV01P227 # كرامات: ينال فضل المتعلمين، وكان محبوسا من الذنوب ما دام جالسا عنده، ~~وإذا خرج من منزله طلبا للعلم نزلت الرحمة عليه، وإذا جلس في حلقة العلم ~~فنزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب، وما دام يكون في الاستماع تكتب له ~~طاعة، إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه وانكسر فيكون في زمرة # «أنا ms0267 عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» # ، إذا رأى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق نفر عن الفسق ومال إلى ~~طلب العلم. وقيل: ثلاثة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميرا: قيامه ~~من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو ~~أعلم منه. # (واعلم) أن الله تعالى علم سبعة نفر سبعة أشياء: علم آدم الأسماء كلها، ~~وعلم الخضر علم الفراسة وعلمناه من لدنا علما [الكهف: 65] وعلم يوسف علم ~~التعبير وعلمتني من تأويل الأحاديث [يوسف: 101] وعلم داود صنعة الدرع ~~وعلمناه صنعة لبوس لكم وعلم سليمان منطق الطير علمنا منطق الطير [النمل: ~~16] وعلم عيسى عليه السلام علم التوراة والإنجيل ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل [آل عمران: # 48] وعلم محمدا صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113] فعلم آدم كان سببا لحصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان ~~سببا لوجود تلميذ مثل موسى ويوشع، وعلم يوسف لوجود الأهل والمملكة، وعلم ~~سليمان لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم داود للرياسة والملك، وعلم عيسى لزوال ~~التهمة عن أمه، وعلم محمد صلى الله عليه وسلم لوجدان الشفاعة. ثم نقول: من ~~علم أسماء المخلوقات وجد تحية الملائكة، فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد ~~تحية الملائكة بل تحية ربه سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] والخضر وجد بعلم ~~الفراسة صحبة موسى، فأمة محمد بعلم الحقيقة يجدون صحبة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين [النساء: 69] ويوسف ~~بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالما بتأويل كتاب الله كيف لا ~~ينجو من حبس الشبهات ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [يونس: 25] وأيضا فإن ~~يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~[يوسف: 101] فأنت يا عالم، أما تذكر نعمة الله على نفسك حيث جعلك مفسرا ~~لكلامه، وسميا لنفسه ووارثا لنبيه وداعيا لخلقه وواعظا لعباده وسراجا لأهل ~~بلاده وقائدا للخلق إلى جنته وثوابه، وزاجرا لهم عن ناره وعقابه، كما # جاء في الحديث «العلماء ms0268 سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة» # وإن سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه بالماء. (وروي) عن نافع بن ~~الأزرق أنه قال لابن عباس: كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء؟ قال: لأن ~~الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها. فقال نافع: الفخ يغطى له بأصبع من ~~التراب فلا يراه فيقع # PageV01P228 # فيه! فقال ابن عباس: إذا جاء القضاء عمي البصر. وقال لولده: يا بني عليك ~~بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، وقرين في ~~الحضر، وصدر في المجلس، ووسيلة عند انقضاء الوسائل، وغني عند العدم، ورفعه ~~للخسيس، وكمال للشريف، وجلال للملك. (وقال) سقراط: من فضيلة العلم أنك لا ~~تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه ~~بنفسك، ولا يقدر أحد على سلبه عنك. وقيل لبعض الحكماء: لا تنظر فغمض عينيه ~~وقيل له: لا تسمع فسد أذنيه، وقيل له: # لا تتكلم فوضع يده على فيه، وقيل له: لا تعلم فقال: لا أقدر عليه. وعن ~~بعض الحكماء: # عظم العلم في ذاتك، وصغر الدنيا في عينك، وكن ضعيفا عند الهزل، قويا عند ~~الجد، ولا تلم أحدا على فعل يمكن أن يعتذر منه، ولا ترفع شكايتك إلا إلى من ~~ترى نفعه عندك حتى تكون حكيما فاضلا. ولبعضهم: آفة الزعماء ضعف السياسة، ~~وآفة العلماء حب الرياسة. # (وأما النكت) فالمعصية عند الجهل لا يرجى زوالها، وعند السهو يرجى زوالها ~~انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر، والشيطان عصى وبقي في الغي أبدا، لأن ~~ذلك كان بسبب الجهل، وإن يوسف عليه السلام لما صار ملكا احتاج إلى وزير ~~فسأل جبريل عن ذلك فقال: إن ربك يقول لا تختر إلا فلانا، فرآه في أسوأ ~~الأحوال. فقال لجبريل: كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله؟ فقال له جبريل: إن ~~ربه عينه لذلك لأنه ذب عنك بعلمه حين قال وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين [يوسف: 27] والنكتة أن من ذب عن يوسف استحق الشركة في ~~مملكته، فمن ms0269 ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم فكيف لا يستحق من الله ~~الخير والإحسان؟ وقيل: أراد واحد خدمة ملك فقال الملك: اذهب وتعلم حتى تصلح ~~لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم، بعث الملك إليه وقال: اترك ~~التعلم فقد صرت أهلا لخدمتي. فقال كنت أهلا لخدمتك حين لم ترني أهلا ~~لخدمتك، وحين رأيتني أهلا لخدمتك رأيت نفسي أهلا لخدمة الله، وذلك لأني كنت ~~أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب. (وقال الحكيم:) ~~القلب ميت وحياته بالعلم، والعلم ميت وحياته بالطلب، والطلب ضعيف وقوته ~~بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظر وإذا ظهر ~~بالمناظرة فهو عقيم، ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ~~ملكا أبديا لا آخر له. وإن نملة واحدة نالت الرياسة بمسألة واحدة علمتها ~~وذلك قولها وهم لا يشعرون [النمل: 18] كأنها إشارة إلى تنزيه الأنبياء عن ~~المعصية وإيذاء البريء من غير جرم فقالت: لو حطمكم فإنما يصدر ذلك على سبيل ~~السهو. فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات، كيف لا يستحق ~~الرياسة في الدين # PageV01P229 # والدنيا؟ وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهرا ببركة العلم مع أنه نجس في ~~الأصل، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية، كيف لا تطهر ~~ببركة العلم بالله وبصفاته؟ وإذا كان السارق عالما لا تقطع يده لأنه يقول: ~~كان المال وديعة لي، وكذا الشارب يقول: حسبته حلالا، وكذا الزاني يقول: ~~تزوجتها فإنه لا يحد. وأما الحكايات، (يحكى) أن هارون الرشيد كان بحضرته ~~فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالا ~~بالليل، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده، ~~فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد ~~من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ: أسرقتها؟ فقال: ~~نعم. فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه ~~وإن أقر بالسرقة، لكن بعد ما أوجب الضمان ms0270 عليه بإقراره بالأخذ، وإذا أقر ~~بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره ~~فتعجب الكل. # (وعن الشعبي) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر- فقيه خراسان- من بلخ ~~مكبلا في الحديد. فقال الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول؟ ~~فقال: بلى. # فقال الحجاج: لتأتيني ببينة واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضوا عضوا. ~~فقال: آتيك ببينة واضحة من كتاب الله يا حجاج؟ قال: فتعجب من جرأته بقوله ~~يا حجاج فقال له: # ولا تأتيني بهذه الآية ندع أبناءنا وأبناءكم [آل عمران: 61] فقال: آتيك ~~بها واضحة من كتاب الله. قال تعالى: ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان إلى قوله وزكريا ويحيى وعيسى [الأنعام: 84] فمن أبو عيسى فقد ألحق ~~تعالى عيسى بذرية نوح قال: # فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا ~~وثاقه وأعطوه من المال كذا. (ويحكى) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي ~~حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه، فقال لهم: لا ~~يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى ~~واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم. # قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم. قال: والإلزام عليه ~~كالإلزام عليكم؟ # قالوا: نعم. قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة؟ قالوا: ~~نعم. قال: وكيف قالوا لأنا رضينا به إماما فكان قوله قولا لنا، قال أبو ~~حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا ~~فأقروا له بالعلم. ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوما فقال الربيع وهو ~~يعاديه: يا أمير المؤمنين، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز ~~وأبو حنيفة ينكره، فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة ~~الناس. فقال: كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم ~~فيستثنون فتبطل # PageV01P230 # بيعتهم؟ فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة، فلما خرج الربيع ~~قال: سعيت في دمي قال: كنت البادي. ويحكى أنه ms0271 دخل اللصوص على رجل وأخذوا ~~متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثا أن لا يعلم أحدا. فأصبح الرجل وهو يرى ~~اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور ~~أبا حنيفة، فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأدخلهم جميعا في دار ~~واحدة وأخرج واحدا واحدا. فقال للرجل: إن لم يكن لصك فقل: لا، وإن كان ~~فاسكت. فلما سكت قبض على اللص ورد الله تعالى عليه جميع ما سرق منه. ويحكى ~~أنه كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوما له: إني ~~أريد التزوج من آل فلان وقد خطبتها إليهم فطلبوا مني من المهر فوق طاقتي. # قال: استقرض وادخل عليها فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك. فأقرضه ~~أبو حنيفة ذلك القدر ثم قال له بعد الدخول: أظهر أنك تريد الخروج من هذا ~~البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك. فأظهر الرجل ذلك فاشتد على أهل ~~المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه فقال لهم: له ذلك، والطريق ~~أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه فأجابوا إليه، فقال الزوج: إني أريد ~~شيئا آخر فوق ذلك. فقال له أبو حنيفة: ترضى بهذا وإلا أقرت لرجل بدين فلا ~~يمكن المسافرة بها حتى تقضي ما عليها، فقال الرجل: الله الله، لا يسمعوا ~~بهذا، فرضي بذلك وحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين. # وسئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته في نهار رمضان فلم يعرف أحد وجه ~~الجواب. فقال: يسافر بامرأته فيطؤها نهارا في رمضان. وقال بشر المريسي ~~للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أهل المشرق والمغرب على شيء واحد- ~~وكانت هذه المناظرة عند الرشيد- فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على ~~خلاف هذا الجالس؟ فأقر به خوفا وانقطع. # ويحكى أن أعرابيا سأل الحسين بن علي رضي الله عنه حاجة وقال: «سمعت جدك ~~يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربيا شريفا، أو مولى ~~كريما، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح» فأما ms0272 العرب فشرفت بجدك، وأما ~~الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا أردتم أن تنظروا إلي فانظروا ~~إلى الحسن والحسين» رضي الله عنهما. فقال الحسين رضي الله عنه: ما حاجتك؟ ~~فكتبها على الأرض. فقال الحسين رضي الله عنه: سمعت أبي عليا رضي الله عنه ~~يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك ~~عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن ~~اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي. وقد حمل إلى ~~الحسين صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا قوة إلا بالله. فقال رضي الله ~~عنه: # PageV01P231 # أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من ~~الهلكة؟ قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء؟ قال: علم معه حلم. قال رضي ~~الله عنه: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فمال معه كرم. قال رضي الله عنه: فإن أخطأ ~~ذلك؟ قال: ففقر معه صبر. قال رضي الله عنه: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فصاعقة تنزل ~~من السماء فتحرقه. فضحك الحسين رضي الله عنه ورمى بالصرة إليه. # وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون ~~الشهوة كمكاره الدنيا، وقسم عكس ذلك كالمعاصي، وقسم ترضاه الشهوة والعقل ~~وهو العلم والجنة، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار. فمن رضي ~~بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، وكما ~~يعيش يموت وكما يموت يبعث. ومنها أن اللذة إدراك المحبوب، وكلما كان المدرك ~~أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم. ومدرك العقل هو الله تعالى وجميع ~~مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره ~~وأي معلوم أشرف من ذلك؟ فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته، ولا ألم ~~ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه، ولهذا قال عز من قائل اقرأ باسم ربك الذي ~~خلق. خلق الإنسان ms0273 من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ~~ما لم يعلم [العلق: 1- 5] كأنه قال: كنت في أول حالك علقة هي الغاية في ~~الخساسة، ثم صرت في آخر حالك في غاية الشرف. وأيضا ترتب الحكم على الوصف ~~مشعر بالعلية، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم، ~~فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة. ومنها أنه تعالى قال إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء [فاطر: 28] فالعلماء من أهل الخشية، وأهل الخشية أهل الجنة ~~لقوله تعالى جزاؤهم عند ربهم جنات عدن إلى قوله ذلك لمن خشي ربه [البينة: ~~8] فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما ~~المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص في قوله لمن خشي والسبب في أن العلماء ~~هم أهل الخشية، أن من لم يكن عالما بالشيء استحال أن يكون خائفا منه. ثم إن ~~العلم بالذات لا يكفي في الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها ~~العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا ~~يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه، وثانيها العلم بكونه عالما لأن ~~السارق من مال السلطان يعلم قدرته لكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا ~~يخافه، وثالثها العلم بكونه حكيما فإن المسخرة عند السلطان عالم بكون ~~السلطان قادرا على منعه عالما بقبائح أفعاله لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ~~ينبغي فلا يحصل الخوف فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا # PageV01P232 # علم كونه تعالى عالما بجميع المعلومات، قادرا على كل المقدورات، غير راض ~~بالمنكرات والمحرمات، فإذن الخوف من لوازم العلم بالله، وبهذا يعرف نباهة ~~قدر العلم. ومن هنا أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالازدياد منه حيث قال ~~وقل رب زدني علما [طه: 114] . ولم يكتف نبي الله موسى عليه السلام بما علم ~~بل قال للخضر هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # [الكهف: 66] ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم علمنا ~~منطق الطير [النمل: 16] ولولا شرف العلم ms0274 لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم ~~بحضرة سليمان بقوله أحطت بما لم تحط به [النمل: 22] وهكذا الرجل الساقط إذا ~~تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم. ومنها # أنه صلى الله عليه وسلم قال «تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» # وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله، والعبادة توصلك إلى ثواب الله. وأيضا ~~التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح. ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل ~~العلم، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد ~~إلا وأردت أن أغفر له. # فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة. ~~وأما الزبور فقال سبحانه لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من ~~الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقيا فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا ~~عالما فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة ~~منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه، وإنما قدم سبحانه التقى على العلم، ~~لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم، ~~والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، ولهذا السر أيضا قدم العالم ~~على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلا، وأما العاقل فقد لا يكون ~~عالما، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر. وأما الإنجيل فقد قال ~~عز من قائل في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف ~~يحشر مع الجهال إلى النار؟ اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم ~~يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم ~~يضركم. ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل، ~~إذ العلم شفيع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، وإن الله تعالى يقول يوم ~~القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنكم بربكم؟ فيقولون: ظننا أن ترحمنا وتغفر ~~لنا فيقول: وإني قد فعلت، إني استودعتكم حكمتي لا ms0275 لشر أردته بكم بل لخير ~~أردته بكم، فادخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي. # وبالجملة، فكون العلم صفة شرف وكمال، وكون الجهل صفة نقصان، أمر معلوم ~~للعقلاء بالضرورة، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان ~~يعلم أنه # PageV01P233 # كاذب، ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك، ~~والعلم أينما وجد كان صاحبه محترما معظما حتى إن غير الإنسان من الحيوان ~~إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك ~~الحيوان أقوى بكثير من الإنسان. والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء ~~بالطبع على من دونهم في العلم، وأن كثيرا ممن كانوا يعاندون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى الله في قلوبهم ~~الرعب منه فهابوه وانقادوا له. # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تغنيك عن خبر # وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية ~~واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعدا لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال ~~بعبادة الله تعالى، والجاهل كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، ~~والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع ~~الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى ~~الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى ~~أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك ~~غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله ~~وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع ~~المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، وأنه في عالم الأرواح كالشمس في عالم ~~الأجسام كاملا ومكملا، واسطة بين الله وعباده، ولأمر ما لم يجعل الله ~~سبحانه سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم ~~والاستغناء عن المكان والحيز جوابا للملائكة وموجبا لسكوتهم، وإنما جعل ~~تعالى صفة العلم جوابا لهم ثم قال إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] ~~وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد ms0276 افتخارهم بالتسبيح والتقديس. وإن إبراهيم ~~اشتغل في أول أمره بطلب العلم منتقلا بفكره من الكوكب إلى القمر، ومن القمر ~~إلى الشمس، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو ~~الملة الحنيفية. وإن الله تعالى سمى العلم تارة بالحياة أومن كان ميتا ~~فأحييناه [الأنعام: 122] وتارة بالروح وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] وتارة بالنور يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35] وضرب المثل ~~العلم بالماء أنزل من السماء ماء [الرعد: 17] فعلم التوحيد كماء العين لا ~~يجوز تحريكه لئلا يتكدر، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى ~~الكفر، وعلم الفقه كماء القناة يزداد بالاستنباط والحفر، وعلم الزهد كماء ~~المطر ينزل صافيا ويتكدر بغبار الهواء، وكذلك علم الزهد صاف ويتكدر بالطبع، ~~وعلم البدع كماء # PageV01P234 # السيل يهلك الأحياء ويميت الخلق. # وأما الأخبار والآثار الدالة على وعيد من لم يعمل بعلمه أو طلب العلم ~~لغير ذات الله فمنها: # أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجالسوا العلماء إلا إن دعوكم من خمس ~~إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى ~~النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد» # وقال صلى الله عليه وسلم «الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم ~~هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر ~~عظيم» # عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بناس يوم القيامة ~~فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنو منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها ~~وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون ~~عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ~~ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فتودوا ~~ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس ~~لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم. هبتم الناس ~~ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي ولم ms0277 تتركوها لي، أكنت ~~أهون الناظرين عليكم؟ فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم» # وقيل: أطلب أربعة في أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن ~~المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن ~~خير منه، وإذا لم تجد من الصاحب الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من ~~مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير ~~منه، وقيل: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا ~~بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم ~~العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهذر، ~~والمروءة بلا تواضع كالشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كالغيم بلا مطر، # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام ~~الدنيا بأربعة: بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف عن تعلمه، وغني لا يبخل ~~بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه. فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف ~~الجاهل من تعلمه، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه، فالويل ~~لهم والثبور سبعين مرة. # وقيل: # إذا وضعت على سواد عينك جزءا من الدنيا لا ترى شيئا، فإذا وضعت على ~~سويداء قلبك كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئا؟. # البحث الرابع: في حد العلم الأشعري: العلم ما يعلم به. وربما قال: ما ~~يصير الذات به عالما. القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه. القفال: ~~إثبات المعلوم على ما # PageV01P235 # هو به والكل دائر. المعتزلة: هو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس. الفلاسفة: ~~صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، ولا يخفى خروج علم الله تعالى عنهما ~~فإنه لا يطلق هناك النفس، وفيه مفاسد أخر يطول ذكرها هاهنا، وعند كثير من ~~المحققين: هو بديهي. وقيل: # أصح الحدود، صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض. والحق في هذا المقام هو أن ~~نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مدركاته، فكما أن للبصر نورا كل ~~ما يقع في ذلك النور فهو ms0278 مدركه، فكذا للبصيرة نور كل ما يقع فيه فهو ~~مدركها. ولا يدرك حقيقة هذا النور، إلا من له نور ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور [النور: 40] وهكذا إدراكات جميع الأنوار حتى نور الأنوار، ~~وكلما ازدادت النفس نورية وشروقا ازداد انبساطها فيقع فيها المعلومات أكثر، ~~وهكذا يكون الحال في كل مستكمل. أما إذا كان العالم بحيث تكون كمالاته ~~الممكنة له موجودة معه بالفعل، فلا تزداد نوريته، ولا يتجاوز مرتبته في ~~العلم وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] ثم إن كان التكمال والنور ~~بحيث لا يمكن أكمل منه ولا أنور، كان جميع الأشياء واقعة في نوره، بل يكون ~~نوره نافذا في الكل متصرفا فيها محيطا بها أزلا وأبدا ولا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا في السماء [سبأ: 3] وهاهنا أسرار أخر لا ~~يجوز التعبير عنها لعزتها يتفطن لبعضها من وفق لها من أهلها. # البحث الخامس في ألفاظ تقرب من العلم. الأول: الإدراك، وهو الوصول لأن ~~القوة العاقلة تصل إلى حقيقة المعقول. الثاني: وهو إدراك بغير استثبات وهو ~~أول مراتب وصول المعقول إلى القوة العاقلة ولهذا لا يوصف به الله تعالى. ~~الثالث: التصور مشتق من الصورة، فكأن حقيقة المعقول حلت في العاقلة حلول ~~الشكل في المادة. الرابع: الحفظ وذلك إذا استحكمت الصورة في العاقلة بحيث ~~لو زالت لتمكنت من استرجاعها. الخامس: # التذكر وهو محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، وإنه بالحقيقة التفات النفس ~~إلى عالمها. # السادس: الذكر وهو وجدان الصورة بعد محاولة استرجاعها، ولا محالة يكون ~~مسبوقا بالزوال: قال الشاعر: # الله يعلم أني لست أذكره ... وكيف أذكره إذ لست أنساه # ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حضور المعنى في النفس قال عز من قائل إنا ~~نحن نزلنا الذكر [الحجر: 9] . السابع: المعرفة وقد اختلفوا في تفسيرها. فمن ~~قائل إنها إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات. ومن قائل إنها التصور ~~والعلم هو التصديق، وجعل العرفان أشرف من العلم لأن تصديقنا باستناد هذه ~~المحسوسات إلى موجود واجب # PageV01P236 # الوجود أمر معلوم ms0279 بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر وراء الطاقة البشرية. ~~وقال بعضهم: # من أدرك شيئا وانحفظ أثره في نفسه، ثم أدرك ذلك الشيء ثانيا وعرف أن هذا ~~هذا المدرك الذي أدركه ثانيا هو الذي كان قد أدركه أولا، فهذا هو المعرفة. ~~والنفس قبل البدن كانت معترفة بالربوبية إلا أنها في ظلمة العلاقة البدنية ~~قد نسيت مولاها، فإذا تخلصت من قيد العلاقة عرفت ربها وعرفت أنها كانت ~~عارفة. الثامن: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام هو إيصال ~~المعنى باللفظ إلى فهم السامع. التاسع: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من ~~خطابه قال تعالى لا يكادون يفقهون حديثا [النساء: 78] أي لا يقفون على ~~المقصود الأصلي من التكاليف. العاشر: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من ~~حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ونفعها وضرها حتى يصير مانعا من الفعل مرة، ~~ومن الترك أخرى، فيجري ذلك مجرى عقال الناقة. ومن هنا قيل: هو العلم بخير ~~الخيرين وشر الشرين، والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه. الحادي عشر: ~~الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيلة، وهي ترتيب المقدمات فلا يصح ~~إطلاقها عليه تعالى. الثاني عشر: # الحكمة وهي اسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم ~~النظري، وفي العمل أكثر استعمالا منه في العلم، وقيل: هي الاقتداء بالخالق ~~سبحانه بقدر القوة البشرية، وذلك أن يجتهد أن ينزه علمه عن الجهل، وعدله عن ~~الجور، وجوده عن البخل. وحلمه عن السفه. الثالث عشر: علم اليقين وعين ~~اليقين وحق اليقين. فعلم اليقين ما كان مر طريق النظر والاستدلال، وعين ~~اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان متحقق الانفصال ~~عن لوث الصلصال بوروده رائد الوصال. الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على ~~اكتساب الحدود والآراء. الخامس عشر: الفكر وهو انتقال النفس من التصديقات ~~الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة. وقيل: إنه يجري مجرى التضرع إلى الله ~~تعالى في استنزال العلم من عنده. السادس عشر: الحدس وهو قوة للنفس بها ~~يهتدي بسرعة إلى الحد الأوسط في كل قياس. السابع ms0280 عشر: الذكاء وهو شدة هذا ~~الحدس وبلوغه الغاية القصوى، من ذكت النار اشتعلت. الثامن عشر: الفطنة وهي ~~التنبه لشيء قصد تعريضه كالأحاجي والرموز. التاسع عشر: الخاطر وهو حركة ~~النفس نحو تحصيل حق أو حظ. العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال: ~~إنه الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص جزئية كحكم السخلة بصداقة الأم ~~وعداوة الذئب. الحادي والعشرون: # الظن وهو الاعتقاد الراجح فإن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار ~~أكثر أحوال العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم إن بعض الظن إثم [الحجرات: ~~12] . الثاني # PageV01P237 # والعشرون: الخيال وهو عبارة عن الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته، وما ~~كان من ذلك في النوم قد يخص باسم الطيف. الثالث والعشرون: البديهة وهي ~~المعرفة الحاصلة للنفس ابتداء لا بتوسط الفكر مثل: الكل أعظم من الجزء، وقد ~~يقال لها الأوليات، الرابع والعشرون: الروية وهي ما كان من المعارف بعد فكر ~~كثير. الخامس والعشرون: الكياسة وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع ~~ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» «1» # السادس والعشرون: الخبر وهو معرفة تحصل بطريق التجربة وجدت الناس اخبر ~~تقله. السابع والعشرون: الرأي وهو إجالة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها ~~إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكرة ~~كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير. الثامن والعشرون: الفراسة ~~وهي اختلاس المعارف من فرس السبع الشاة. فضرب منها يحصل للإنسان من باطنه، ~~ولا يعرف له سبب الإصغاء جوهر الروح وهو شبه الإلهام، # وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «إن في أمتي لمحدثين وإن عمر ~~منهم» » # وقد يسمى النفث في الروع، وضرب يحصل بالاستدلال من الأشكال الظاهرة على ~~الأخلاق الباطنة. وقيل: أفمن كان على بينة من ربه إشارة إلى الأول ويتلوه ~~شاهد منه [هود: 17] إلى الثاني والله أعلم. ### | التأويل: # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق آدم فتجلى فيه» # فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة ~~بالحقيقة، ms0281 لأن المرأة تكون خليفة المتجلي فيها أنبئوني بأسماء هؤلاء أي ~~بأسماء هؤلاء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته إن كنتم صادقين في دعوى ~~الفضيلة، فإن الفضيلة، فإن الفضيلة ليست بمجرد الطاعة، فإن ذرات الموجودات ~~مسبحات بحمدي، وإنما الأفضلية بالعلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من ~~صفات الخالق، والفضل لمن له صفة الحق والخلق جميعا فيخلف عن الحق بصفاته ~~وعن الخلق بصفاتهم. وإنما قال أنبئهم ولم يقل علمهم كقوله تعالى وعلم آدم ~~لأن الملائكة ليس لهم الترقي في الدرجات والملكوتيات، لهم شهادة ~~كالجسمانيات لنا، ولا يتجاوزون ما فوق سدرة المنتهى كما قال جبريل: لو دنوت ~~أنملة لاحترقت. والجسمانيات مرتبة دون PageV01P238 # مرتبتهم فيمكن إنباؤهم بها لأن الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة ~~إلينا. وأما الآلهيات فليس لهم استعداد الترقي إليها، فلهذا لم يقل أنبئهم ~~بأسمائهم كلها كما قال وعلم آدم الأسماء كلها لئلا يكون تكليفا بما لا ~~يطاق، وإنما كان آدم مخصوصا بعلم الأسماء واحتاجت الملائكة إليه في إنباء ~~أسمائهم وأسماء غيرهم، لأنه كان خلاصة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمام ~~العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة. فكما أن الثمرة تعبر على ~~أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء شجرة ~~الوجود وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فحصل له ~~من كل من ذلك اسم يلائمه حتى إن أسماء الله تعالى جاءت على وفقه فضلا عن ~~أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقا كان الله خالقا، ولما كان مرزوقا كان ~~الله رازقا، ولما كان عبدا كان الله معبودا، ولما كان معيوبا كان ستارا، ~~ولما كان مذنبا كان غفارا، ولما كان تائبا كان توابا، ولما كان منتفعا ~~ومتضررا كان نافعا وضارا، ولما كان ظالما كان عادلا، ولما كان عليه السلام ~~مظلوما كان منتقما وعلى هذا فقس. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 34 الى 39] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ms0282 رغدا حيث شئتما ~~ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ~~(37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (38) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39) ### | القراآت: # للملائكة اسجدوا برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة. وروى ابن مهران عنهما ~~أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل ~~مكة: # الملائكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ~~السائلين والسائل والبائس فإنهما بالهمز شئتما وبابه بغير همز: أبو عمر ~~ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف فأزالهما حمزة آدم ~~نصب كلمات رفع ابن كثير فلا خوف عليهم بالفتح حيث كان: يعقوب هداي ومحياي ~~ومثواي بالإمالة كل القرآن على غير ليث. النار بالإمالة كل القرآن، وكذلك ~~كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على ~~غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو # PageV01P239 # عمرو إلا أنه لا يميل الجار والغار في بعض الروايات. فروى إبراهيم بن ~~حماد عن اليزيدي الجار بالإمالة. وروى ابن مجاهد عن اليزيدي الغار ~~بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما. واختلفوا في وقف أبي ~~عمرو في مثل النار وأشباه ذلك. فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن ~~النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف ~~بالتفخيم والأول أكثر. ### | الوقوف: # إبليس (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا ~~عامل فتجعل الجملة حالا الكافرين (ه) شئتما (ص) لاتفاق الجملتين الظالمين ~~(ه) كانا فيه (ص) لعطف الجملتين المتفقتين. عدو (ج) لاختلاف الجملتين حين ~~(ه) فتاب عليه (ط) الرحيم (ج) جميعا (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ms0283 ~~يحزنون (ه) النار (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر. وقيل: الجملة خبر بعد خبر ~~لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض خالدون (ه) ~~. ### | التفسير: # لما خصص الله تعالى أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك ~~مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجودا لهم وهذا ~~مقتضى النسق هاهنا ظاهر إلا أن قوله تعالى في موضع آخر فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين [ص: 72] يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل ~~تسوية خلقه، وأنه كما صار حيا صار مسجودا لهم. وتعليم الأسماء ومناظرته مع ~~الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم. # والله أعلم بذلك. ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن ~~للعبادة لأنه تعالى لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود ~~كان لله تعالى وآدم كالقبلة. # فقوله اسجدوا لآدم مثل قولك «صل للقبلة» قال حسان بن ثابت: # ما كنت أعرف أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن؟ # وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا ~~يفيد كونه أعظم حالا من الساجد. وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد ~~والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل والنجم والشجر يسجدان [الرحمن: 6] وزيف ~~بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل ~~اللغة كذلك، لأن الأصل عدم # PageV01P240 # التغيير. وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل ~~تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل ~~التسليم. قال قتادة في قوله وخروا له سجدا [يوسف: 100] كان تحية الناس ~~يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة ~~والأوقات. واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا. # فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم. وقال كثير من ~~الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من ms0284 الجن لقوله تعالى في الكهف إلا ~~إبليس كان من الجن [الآية: # 50] فلا يكون من الملائكة. وأيضا قال ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن [سبأ: 40] ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن ~~العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار. والثاني بأنه لا يلزم من كون ~~الجن في هذه الآية نوعا مغايرا للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضا ~~مغايرا، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار. وقالوا: # إن إبليس له ذرية لقوله تعالى أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني [الكهف: ~~50] والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم ~~لقوله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف: 19] منكرا ~~عليهم وأيضا الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك. وأيضا إنه من ~~النار خلقتني من نار [ص: 76] وأنهم من نور # لقوله صلى الله عليه وسلم «خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من ~~نار» «1» رواه الزهري عن عروة عن عائشة. # ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من ~~الريح أو من الروح. وأيضا الملائكة رسل جاعل الملائكة رسلا [فاطر: 1] ورسل ~~الله معصومون الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] حجة الآخرين أنه ~~استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب ~~الله أكثر من الاستثناء المنقطع. قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف ~~من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلا. وأجيب بأن ~~التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطا عن درجة الاعتبار، أما إذا ~~كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب. # وأيضا لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب ب اسجدوا وحينئذ لم يستحق ~~بترك السجود لوما وتعنيفا، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم ~~فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث ~~وبالعكس مع شدة المخالطة بين ms0285 الصنفين، PageV01P241 # ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه تعالى أمره بلفظ آخر ~~ما حكاه في القرآن بدليل قوله ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [الأعراف: 12] لأن ~~قوله أبى واستكبر عقيب قوله وإذ قلنا للملائكة اسجدوا مشعر بأن المخالفة ~~بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين. ومما يناسب تفسير الآية الكلام في ~~أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت ~~المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من ~~فقهاء أهل السنة. # المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ومن عنده لا يستكبرون [الأنبياء: 19] وليس ~~المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف. وعورض بما حكى عنه ~~سبحانه # «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» # بل هذا أبلغ لأن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد ~~عنده. قالوا: الآية تدل على أنه تعالى يقول الملائكة مع شدة قوتهم ~~واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا ~~يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك. ~~وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب. # الثانية: عباداتهم أشق من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر # لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة «أجرك على قدر نصيبك» # ولقوله «أفضل العبادات أجزها» # أي أشقها. وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان ~~السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على ~~طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما ~~واحدا فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى ~~[العلق: 6، 7] ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ~~ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر ~~كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن ~~الملائكة وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون [الصافات: 165، 166] ومنهم ~~ركوع ومنهم ms0286 سجود منذ خلقوا. وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على ~~البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد ~~والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة ~~الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص. والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ~~ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما» ~~«1» PageV01P242 # الثالثة: عباداتهم أدوم يسبحون الليل والنهار لا يفترون وخير الأعمال ~~أدومها، مع أن أعمارهم أكثر. وعلى الآية سؤال. روي عن عبد الله بن الحرث بن ~~نوفل قال: قلت لكعب: # أرأيت قول الله عز وجل لا يفترون [الأنبياء: 20] ثم قال جاعل الملائكة ~~رسلا [فاطر: 1] أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن ~~مانعين عن التسبيح؟ # فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم. ~~وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس ~~الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال. وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة ~~كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله ~~يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم ~~على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات. # يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها. ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة ~~من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثوابا من ثواب طاعاتهم. # الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات والسابقون السابقون. أولئك ~~المقربون [الواقعة: 10، 11] # «من سن حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» «1» . # الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء علمه شديد القوى [النجم: 5] نزل به ~~الروح الأمين [الشعراء: 193] والرسول أفضل من الأمة قياسا على الشاهد. ومنع ~~بأن هذا إذا كان الرسول حاكما على المرسل إليهم ومتوليا لأمورهم كالأنبياء ~~المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل ~~الملك عبدا من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر. # السادسة: أنهم أتقى ms0287 من البشر لدوام خوفهم يخافون ربهم من فوقهم [النحل: # 50] مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة ~~الرياسة شهوة البطن والفرج أيضا. # السابعة: ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون # [النساء: # 172] خرج الثاني مخرج التأكيد للأول. ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد ~~الفاضل. PageV01P243 # كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك. فيفيد أفضلية ~~الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما ~~يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم. وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف ~~عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في ~~بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر ~~الدرجات كالعلم والزهد. فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟ قلت: ~~والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد ~~أفضلية الملائكة. لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون ~~غيرهم كمحمد صلى الله عليه وسلم. # الثامنة: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين [الأعراف: ~~20] فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية ~~الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة. ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك ~~الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبيا في ذلك ~~الوقت، وأيضا هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبيا فلا يلزم من مفضوليته ~~وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك ~~في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال. ونحو ذلك فإنهم ~~خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور. ~~وأيضا يحتمل أن يكون المراد إلا ms0288 أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون ~~المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما ~~نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون قلانا. ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان ~~دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا. وأيضا غاية ما في الباب أن ~~الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. # التاسعة: ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ~~[هود: 31] أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا ~~أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علما مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي ~~الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات ~~الجسمية والقوى العظيمة. ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات ~~حصول الاختلاف في جميعها. # العاشرة: ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم [يوسف: 31] ولا يخفى أن ~~التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم ~~لا في الصورة. # PageV01P244 # ورد بأن قولها فذلكن الذي لمتنني فيه [يوسف: 32] كالتصريح بأن مراد ~~النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها. ولئن ~~سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع ~~الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة. # الحادية عشرة: وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [الإسراء: 70] وذلك أن ~~المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم ~~الملائكة والإنس والجن والشياطين. ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن ~~والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضا لزم كون البشر أفضل من أكل ~~المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا. ورد بأن كونه أفضل ~~من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة. ~~وأيضا ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من ms0289 كون أحد ~~المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول ~~أفضل من أفراد المجموع الثاني. وأيضا الكلام في التفضيل الحاصل بسبب ~~الكرامة المذكورة في أول الآية ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70] ولا يلزم ~~من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة ~~واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب. # الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح رب اغفر ~~لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وقال إبراهيم رب هب لي حكما وألحقني ~~بالصالحين [الشعراء: # 83] ثم قال واغفر لأبي [الشعراء: 86] وقال لمحمد واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات [محمد: 19] والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة ~~للمؤمنين فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك [غافر: 7] ورد بأن هذا لا يدل ~~إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في ~~القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما ~~طعنوا فيهم بقولهم أتجعل فيها [البقرة: # 30] . # الثالثة عشرة: وإن عليكم لحافظين [الانفطار: 10] ويدخل فيه الأنبياء ~~وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ. وأيضا جعل كتابتهم حجة ~~للبشر وعليهم فيكونون أفضل. ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أذود حالا من ~~المحفوظ والمشهود. # الرابعة عشرة: يوم يقوم الروح والملائكة صفا [النبأ: 38] والمقصود بيان ~~عظمة # PageV01P245 # الله وجلاله. ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان ~~لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف. وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند ~~السلطان من ولده. # الخامسة عشرة: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله [البقرة: ~~285] والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: # كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام ~~لأجزتك. ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ~~ومعاوية. ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم تبت على ~~«الإخلاص» ms0290 . # السادسة عشرة: إن الله وملائكته يصلون على النبي [الأحزاب: 56] جعل صلوات ~~الملائكة كالتشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وعورض بقوله يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه [الأحزاب: # 56] ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك. # السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله ~~تعالى وصفه بست من صفات الكمال إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين. مطاع ثم أمين [التكوير: ### | 19- 21 # ] ثم وصف محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله وما صاحبكم بمجنون [التكوير: ~~22] وشتان بين الوصفين. ورد بأنه وإن وصفه هاهنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ~~ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا [الأحزاب: 45، 46] ~~. # الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلما للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من ~~الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل. كالعلم بذات الله ~~تعالى، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال ~~العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم ~~الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون [الزمر: 9] ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم ~~جبريل كان بالحقيقة تعليم الله تعالى ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم ~~مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم. # التاسعة عشرة: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم [الأنبياء: ~~29] # PageV01P246 # وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه ~~إلا في ادعاء الإلهية. ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم. # العشرون: # قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الرب تعالى «إذ ذكرني عبدي في ملأ ذكرته ~~في ملأ خير من ملائه» «1» # وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم ~~منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم ~~أفضل من الأنبياء. ms0291 # واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة ~~عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: # الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس ~~والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم ~~للمركب أكثر منها للبسيط. وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن ~~يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجودا للملائكة، ~~وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية. والنفوس البشرية ~~قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل. # الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد ~~وسفك الدماء بخلاف البشر. ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص. ~~وأيضا من البين أن درجتهم حين قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا أعلى منها ~~حين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] وما ذاك إلا بسبب الانكسار ~~الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه «أنين المذنبين أحب إلي من زجل ~~المسبحين» . # الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكنا لها بحسب أنواعها ~~المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة» ~~«2» # ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة. ورد بأن بعض PageV01P247 # الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج ~~التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى ~~الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة ~~عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية. # الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس ~~الناطقة البشرية ليست كذلك. ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله. ولئن سلم ~~أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها. وعورض بما عليه كثير ~~من المحققين أن النفوس البشرية أيضا أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت ~~العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا ms0292 أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم ~~الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، ~~فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، ~~وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة. # الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية ~~كثيفة. فأين أحدهما من الآخر؟ ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو ~~بالانقياد لرب العالمين. # السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول ~~فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية ~~كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك. وأما العمل فلقوله يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون [الأنبياء: 20] واعترض بأن المواظب على تناول ~~الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع. فلا تكون لذة ~~الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات ~~بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص ~~به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب: 72] ~~الآية. ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب. ~~لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست ~~للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الإنسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها ~~بالمرصاد. # السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ~~ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب. وإنك ترى الخامة ~~اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر ~~العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟ وما ~~يحكى من قوة الشياطين على الأمور # PageV01P248 # الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون ~~قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم. واعترض بأنه لا مانع من ~~أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب ~~والتصريف. # الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى ~~الخيرات، واختيارات البشر ms0293 مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، ~~وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما # ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكا يسدده ويهديه، # ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. # التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح. فنسبة ~~الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان. وكما أن اختلافات أحوال ~~الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب ~~أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللا ومبادي لها، فهذه ~~هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلا ~~عن الزيادة. وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله تعالى. # العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها ~~نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى ~~عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى. واعترض بأن ~~هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد. # الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟ أليس أن الملائكة ~~يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، ~~وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟ فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم ~~إلى الملائكة في كل الأمور؟ # وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته. # الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو ~~شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم ~~بأفضلية الملك. وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير ~~المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان ~~متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان. فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ~~ونزاع في ترتيب الوجود. وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب. # PageV01P249 # حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة الأول: أن الله تعالى أمر ~~الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية ~~التواضع للأدون مستقبح، والجواب ms0294 أن القبح العقلي غير ثابت. # الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، ~~والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة ~~أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول ~~«ولدينا مزيد» فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال. # الثالث: أنه كان أعلم لقوله أنبئهم بأسمائهم والأعلم أفضل. # الرابع: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين [آل ~~عمران: 33] والعالم كل ما سوى الله تعالى، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة. ~~ولا يشكل هذا بقوله يا بني إسرائيل إلى قوله فضلتكم على العالمين [البقرة: ~~47] لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وهاهنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم. # الخامس: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] والملائكة من ~~العالمين والتقرير ظاهر. # السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف ~~الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~[الحشر: # 2] ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص لا علم لنا ~~إلا ما علمتنا ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسبابا ~~للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم ~~الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت ~~طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. # السابع: خلق للملائكة عقولا بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع ~~الأمرين للآدمي. ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل [الفرقان: 44] . فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك ~~اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر. # الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ. # التاسع: # روي أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى أركبه ~~على البراق # PageV01P250 # ليلة المعراج، ولما وصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى بعض المقامات تخلف ~~عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت. # العاشر: # قوله صلى الله عليه وسلم ms0295 «إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض. أما ~~اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر» ~~«1» # فدل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، ~~فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك. ثم إنه ~~تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذرا بين ~~أنه غير ذي عذر بقوله أبى لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد ~~العاطف نحو قولك «أبشر بما يسرك عيني تختلج» لا تقول «فعيني» لأنها بيان، ~~ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه واستكبر ليعرف أن الإباء ~~منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل ~~الظن بقوله وكان من الكافرين. # وللعقلاء هاهنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا ~~كافرا، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما ~~كان مؤمنا قط. وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن ~~شارح الأناجيل الأربعة على شبه مناظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر ~~بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق ~~عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة الأول: إنه قد علم قبل خلقي ~~أي شيء يصدر عني فلم خلقني؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟ الثاني: إذ خلقني على ~~مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف مع ~~أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر ~~على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت ~~تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما ~~الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟ ~~والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني ~~وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع ms0296 أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم ~~الضرر؟ والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة ~~آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالدا في الجنة؟ ~~والسادس: إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت ~~الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا ~~PageV01P251 # يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم؟ وما الحكمة في ذلك ~~بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين ~~كان أحرى بالحكمة؟ والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما ~~الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في ~~العالم؟ ليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟ # فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك ~~الأول أني إلهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله ~~العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل ~~والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات ~~بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر ~~وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد ~~الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها ~~بالتحقيق إلا الذي ذكره الله تعالى. فاللعين لما أن حكم العقل على من لا ~~يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في ~~الخالق. فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة ~~وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم ~~إلا لله كقوله لأسجد لبشر خلقته من صلصال [الحجر: 33] لا أسجد إلا لك. ~~فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير ~~مظهرها، ولهذا قال تعالى ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ms0297 ~~[البقرة: 208] # وشبه النبي صلى الله عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من ~~الأمم السالفة فقال «القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، ~~والرافضة- يعني الغلاة- نصارها» # وقال صلى الله عليه وسلم: «لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة ~~والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» «1» # القول الثاني أن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا. فمن قائل ~~معناه «وكان من الكافرين في علم الله» أي كان الله عالما في الأزل بأنه ~~سيكفر. فصيغة «كان» متعلقة بالعلم لا بالمعلوم. ومن قائل إن «كان» بمعنى ~~«صار» . # وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان ~~من الكافرين. وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده ~~كونه محقا في ذلك التمرد بدليل قوله أنا خير منه [ص: 76] وإلا فمجرد ~~المعصية لا يوجب الكفر عندنا PageV01P252 # وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في ~~الكفر. نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق. ثم إن قوله من ~~الكافرين هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحدا منهم؟ قال ~~قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة «من» للتبعيض. وإنما يذكر البعض الموجود ~~بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد. ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي ~~هريرة أنه قال: إنه تعالى خلق خلقا من الملائكة ثم قال لهم إني خالق بشرا ~~من طين [ص: 71] قالوا: لا تفعل ذلك. فبعث الله نارا فأحرقتهم. وكان إبليس ~~من أولئك. وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ~~ذلك، لأن الكفر كان ظاهرا عند نزول الآية، أو لأن الأفراد الذهنية تكفي في ~~صحة الجمع. فإن الحيوان المخلوق أولا يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا ~~الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو ~~قول الأكثرين. واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل ms0298 الملائكة عند ~~أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون [ص: 73] . وأيضا استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ~~ذلك الحكم. ومن الناس من أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون ~~أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على ~~الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة. # وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس ~~الناطقة. # قوله تعالى وقلنا يا آدم اسكن الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو ~~إباحة لأنه كان مأذونا في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، ~~فإن المنهي عنه كان حاضرا. روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان ~~الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل ~~منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى ~~وقع فيما نهي عنه. فإسكانه موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن ~~تناوله من أشد التكاليف. وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة ~~الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك. فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري. لا ~~تصير الدار ملكا له. وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ~~ذكرها في هذه السورة. ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ~~خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [النساء: 1] # وقال صلى الله عليه وسلم «إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، ~~فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها # PageV01P253 # طلاقها» «1» # وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما ~~أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس ~~به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ~~ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة. ~~فسألها من أنت؟ ms0299 قالت امرأة. # قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة امتحانا لعلمه: ما ~~اسمها؟ فقال: # حواء. قالوا: ولم؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. قيل: فلما أراد آدم مد يده ~~إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها. قال: فما صداقها؟ قالوا: أن تصلي على ~~محمد وآله. قال: ومن محمد؟ قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت. # وعن ابن عباس قال: بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما ~~السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما ~~إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت ~~حتى أدخل الجنة. # فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على ~~أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم هذه الجنة كانت في الأرض ~~أو في السماء؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟ فقال ~~أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على ~~الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى اهبطوا مصرا [البقرة: 61] ~~قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس ~~بقوله هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 12] ولأن من دخل هذه الجنة ~~لا يخرج منها لقوله تعالى وما هم منها بمخرجين [الحجر: 48] ولأن إبليس بعد ~~أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل ~~المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم ~~يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من ~~أعظم النعم. وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء ~~الدنيا، ثم منها إلى الأرض. وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن ~~اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ~~ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ ms0300 إليها. واسكن أمر ~~من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و «أنت» ~~تأكيد للمستكن في «اسكن» ليصح العطف عليه. ورغدا وصف للمصدر أي أكلا رغدا ~~واسعا رافها وحيث PageV01P254 # للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما، أو أي زمان شئتما، فإن «حيث» ~~قد يعبر به عن زمان مجهول. وإنما قيل هاهنا وكلا بالواو وفي الأعراف فكلا ~~لأن كل فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول ~~بالفاء وإلا فبالواو كقوله تعالى في البقرة وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ~~فكلوا [البقرة: 58] بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: ~~وإن دخلتموها أكلتم. وفي الأعراف وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا ~~[الأعراف: 161] بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود ~~الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضا، فلهذا لم يعطف هاهنا بالفاء إذ المراد ~~اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح ~~العطف بالفاء. # والنهي في لا تقربا للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في ~~كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح ~~لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز. لكن ~~الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا ~~الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلا على التنزيه وهذا أولى، ليرجع ~~حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء. وقيل: نهي تحريم ~~قياسا على قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن [البقرة: 222] وقوله ولا تقربوا مال ~~اليتيم # [الأنعام: 152] ولقوله فتكونا من الظالمين ولأنه استحق الإخراج من الجنة ~~والرجوع إلى التوبة. والجواب أن التحريم في ولا تقربوهن [البقرة: 2] بدليل ~~منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الأكل بطريق ~~الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن ~~الأكل صريحا ms0301 قوله فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما [الأعراف: 22] . وروي ~~عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها ~~الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل ~~منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال المبرد: وأحسب أن كل ما له ~~أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجرا، وقد لا يختص بما له ساق قال تعالى وأنبتنا ~~عليه شجرة من يقطين [الصافات: # 146] وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف. ~~واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضا إلى بيانه. ~~فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصودا فذكره لا يجب على الحكيم بل ~~يكون عبثا، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب ~~غلماني لإساءتهم الأدب. كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه ~~وصفاته، فلا يظنن أحد أن هاهنا تقصيرا في البيان. # PageV01P255 # فتكونا جزم عطفا على تقربا ونصب جوابا للنهي. من الظالمين من الذين ظلموا ~~أنفسهم بمعصية الله. قوله فأزلهما الشيطان الآية. تحقيقه فأصدر الشيطان ~~زلتهما عنهما ولفظة عن في هذه الآية كهي في قوله وما فعلته عن أمري [الكهف: ~~482] فالضمير للشجرة. وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت ~~قدمه. # فالضمير للجنة، ومن قرأ أزالهما فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه ~~أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في عنها ~~الشجرة. # واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في ~~باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في ~~أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة. ~~وقالت الفضيلة: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا ~~بوقوع الكفر منهم. وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، ~~وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب ms0302 والتحريف في ذلك ~~لا عمدا ولا سهوا وإلا ارتفع الوثوق. ومنهم من جوز ذلك سهوا لأن الاحتراز ~~غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمدا، ~~وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون. وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوزوا ~~الكبائر عنهم عمدا، وأكثر المعتزلة جوزوا الصغائر عنهم عمدا إلا ما ينفر ~~كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على ~~التأويل. وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم ~~يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ ~~أقدر. والشيعة لم يجوزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمدا ولا سهوا ولا على ~~سبيل التأويل والخطأ. وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم ~~معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة ~~منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار ~~أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: # الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز ~~من قائل يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~[الأحزاب: 30] وصغائر الرجل الكبير كبائر # PageV01P256 # ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة بالإجماع. # والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا [الحجرات: 6] لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا ~~يوم القيامة ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] . # الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة. يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرم إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة. [الأحزاب: 57] . # الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به ~~لقوله فاتبعوه [الأنعام: # 153] والجمع بين الوجوب والحرمة محال. # الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله ~~خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى ~~يستحق اللعن ms0303 والعذاب. # السادس: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [البقرة: 44] يكون حينئذ ~~منزلا في شأنه، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه [هود: 88] . # السابع: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات [الأنبياء: 90] واللفظ للعموم ~~فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. # الثامن: وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار [ص: 47] الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس [الحج: 75] والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب. # التاسع: أنه تعالى حكى عن إبليس لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم ~~المخلصين [ص: 82، 83] والأنبياء من المخلصين لقوله تعالى في حق يوسف إنه من ~~عبادنا المخلصين [يوسف: 24] وفي حق موسى إنه كان مخلصا [مريم: 51] فكذا ~~غيرهما. # العاشر: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [سبأ: ~~20] ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي. # الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ~~[المجادلة: 22] وحزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون [المجادلة: ~~19] والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصيا. # الثاني عشر: النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملك كما مر والملائكة لا ~~يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى. # PageV01P257 # الثالث عشر: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124] والإمام من يؤتم به ~~والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه. # الرابع عشر: لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] فإن كان عهد النبوة ثبت ~~المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، # روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه ~~فقال صلى الله عليه وسلم: كيف شهدت لي؟ فقال: يا رسول الله إني أصدقك على ~~الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟ # فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وسماه بذي الشهادتين، # ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. # المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله هو الذي خلقكم من نفس واحدة إلى قوله ~~جعلا له شركاء [الأعراف: 190] وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. والجواب ما ~~سيجيء في الأعراف إن شاء ms0304 الله تعالى، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من ~~نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من ~~الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد ~~قصي. قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالما بالله ولا باليوم الآخر لقوله هذا ربي ~~[الأنعام: 77] ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] والجواب: هذا ربي استفهام ~~منه بطريق الإنكار وقوله ليطمئن قلبي أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين ~~اليقين فليس الخبر كالمعاينة. قالوا فإن كنت في شك [يونس: 94] فلا تكونن من ~~الممترين [البقرة: 147] يدل على أنه كان شاكا في الوحي قلنا: الخطاب له ~~والمراد الأمة مثل يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق: 1] . قالوا في ~~باب التبليغ سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله [الأعلى: 6، 7] هذا ~~الاستثناء يدل على النسيان. والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما ~~يجيء في تفسير قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها [البقرة: 106] . قالوا ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~[الحج: 52] والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله تعالى: قالوا: عالم ~~الغيب فلا يظهر إلى قوله ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم [الجن: 26- 28] ~~ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا ~~لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط. قالوا في باب الفتيا وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث [الأنبياء: 78] وما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~[الأنفال: 67] عفا الله عنك لم أذنت لهم [التوبة: 43] قلنا: الجميع محمول ~~على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعرا: # PageV01P258 # يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل لاهي # قد غاب عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله فالتعظيم لله. # فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود. ~~قالوا في الأفعال وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121] والعصيان يوجب الوعيد ومن ~~يعص الله ورسوله ms0305 فإن له نار جهنم [الجن: 23] والغي ضد الرشد قد تبين الرشد ~~من الغي [البقرة: 256] ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ~~فتكونا من الظالمين والظالم ملعون ألا لعنة الله على الظالمين [هود: 18] ~~وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة. والجواب، المنع من أن ~~هذه الأمور كانت بعد النبوة. ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد ~~النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسيا، أو في حال كونه ~~ذاكرا، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله فنسي ولم ~~نجد له عزما [طه: 115] ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك ~~السهو عن قصد. قيل عليه إن قوله ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين [الأعراف: 20] وقوله وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [الأعراف: ~~21] يدل على أنه ما نسي # وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت ~~به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله تعالى: أفرارا مني؟ فقال: بل حياء ~~منك. فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟ قال: بلى ~~يا رب، ولكن وعزتك ما كنت أرى أحدا يحلف بك كاذبا، فقال: وعزتي لأهبطنك ~~منها ثم لا تنال العيش إلا نكدا. # وأيضا لو كان ناسيا لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث. وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل ~~إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالما بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدوا ~~له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، ~~لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش. وما روي عن ابن عباس ~~فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل ~~لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم # «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ms0306 ثم الأمثل فالأمثل» «1» # «إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» «2» # وقيل: إن حواء PageV01P259 # سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة ~~على غير الكرمة حتى يكون مأذونا في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر ~~الجنة لا تسكر لا فيها غول [الصافات: 47] . # الذاهبون إلى أنه فعله عامدا أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا ~~تحريم وقد سبق. ومنهم من قال: كان عمدا من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك ~~الوقت كان نبيا، وقد عرفت فساده. ومنهم من قال: فعله عمدا لكن كان معه من ~~أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم ~~على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدا لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف ~~الأنبياء بذلك. ومنهم- وهو اختيار أكثر المعتزلة- من قال: إنه أقدم على ~~الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد ~~أنه لما قيل له ولا تقربا هذه الشجرة فلفظ هذه قد يشار بها إلى الشخص، وقد ~~يشار بها إلى النوع كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا وذهبا بيده وقال «هذان حرامان على ~~ذكور أمتي» «1» . وتوضأ ثم قال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» # وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء. فمراد الله تعالى من كلمة هذه ذلك ~~النوع لا الشخص. وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، ~~وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع. واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة ~~الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئا؟ وأيضا هب أن لفظ ~~هذه متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في ~~معرفتها فيكون مذنبا، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم ~~يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئا. وأيضا الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم ~~قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية. # وأيضا هذه المسألة إن ms0307 كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات ~~فإن قلنا: كل مجتهد مصيب. فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطىء فيها ~~معذور بالاتفاق. وأجيب بأن لفظ هذا يستعمل في الإشارة النوعية أيضا كما مر، ~~وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا ~~عوتب. وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذرا حتى لا يصير الذنب ~~كبيرا، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن PageV01P260 # النبي صلى الله عليه وسلم قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة. قيل: وقد يحمل ~~الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله لا تقربا تناولهما ~~معا، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله. # فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم ~~فيها؟ # قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافيا عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية ~~عقوبة لها على ما يروى- وإن كان بعيدا- عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئا خيفة فليس منا. ~~يعني الحيات. وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان ~~إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من ~~السماء فيكلمهما. وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ~~ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة. وإسناد الإذلال ~~والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب ~~أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟ ولا بد من الانتهاء إلى ~~الذي لا يسأل عما يفعل. فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟ قلنا: هي التي حكاها ~~الله تعالى ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين [الأعراف: ~~20] فلما لم يفد عدل إلى اليمين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [الأعراف: ~~21] ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله ~~منهم. ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم ms0308 يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة ~~حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور. # اهبطوا خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد ~~إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: ~~خطاب لهما وللحية. وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضا لأنهما ~~لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ~~اهبطا منها [طه: 123] وقوله فإما يأتينكم [طه: 123] وما هو إلا حكم يعم ~~الناس كلهم. واهبطوا أمر أو إباحة. والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه ~~من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف. وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ~~ترتب عليه من الثواب العظيم. ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب ~~عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك. ومعنى بعضكم لبعض عدو [طه: 123] ~~ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. وليست هذه هي ~~العداوة المأمور بها في قوله إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] # PageV01P261 # فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد ~~والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع مستقر استقرار أو ~~موضع استقرار حالتي الحياة والموت. ومتاع تمتع بالعيش إلى حين هو يوم ~~القيامة، أو حين انقضاء آجالكم. والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو ~~قال: أنت طالق الى حين. فمضت لحظة طلقت. وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب ~~الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء ~~المآثم، ولله در القائل: # يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد # تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان ودرك فوز العابد # أنسيت أن الله أخرج آدما ... منها الى الدنيا بذنب واحد؟ # وعن فتح الموصلي: كنا قوما من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس ~~لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. # تطلب الراحة في دار ms0309 العنا ... خاب من يطلب شيئا لا يكون # قوله فتلقى الآية. أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال ~~للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم ~~عليم [النمل: 6] أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في ~~صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما. تقول: بلغني ذاك وبلغته، ~~وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته فتلقى آدم من ربه كلمات أي أخذها ~~ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن ~~يكون معنى التلقي من الرب، أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا ~~بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلا عن الأنبياء ~~فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرفه ~~وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي ~~القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله ~~تعالى ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] الآية. # وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ~~يا رب ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ ~~قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي ~~أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. # وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: ~~علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات # PageV01P262 # التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما إني قبلت ~~توبتكما. وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف ~~الخطيئة «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ~~ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وقالت عائشة: لما أراد ~~تعالى أن يتوب على آدم عليه السلام طاف بالبيت سبعا، والبيت يومئذ ربوة ~~حمراء، فلما صلى ms0310 الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي ~~فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، ~~اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني ~~إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم: يا آدم، قد ~~غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا ~~غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا ~~يريدها. وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها ~~علم، وثانيها حال، وثالثها عمل. فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، ~~وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب ~~بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات. # ويسمى ذلك التأسف ندما، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات ~~بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ~~ملابسا له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبدا. وكثيرا ما ~~يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك ~~اللاحق كالثمرة، ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «الندم توبة» «1» # وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التواب الرحيم. والتوبة لغة ~~الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه ~~لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه ~~عنه، فإذا عاد الى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول ~~التوبة من الله وغفران ذنوب العباد # «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» «2» # ومعنى المبالغة في الثواب أن واحدا من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب ~~قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن ~~طبعه يمنعه من قبول العذر، والله تعالى بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا ~~لأمر يرجع الى رقة طبع أو ms0311 جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف ~~والرحمة PageV01P263 # والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع ~~من قبل القابل وصل الفيض اليه لا محالة. وأيضا يستحق المبالغة من جهة أخرى ~~وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول ~~التوبة ووصفه بالرحمة. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «لو جمع بكاء أهل الدنيا ~~إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود ~~إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود ~~وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا ~~إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء» # ولذا # قال نبينا صلى الله عليه وسلم «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في ~~اليوم سبعين مرة» «1» # فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا رينا، وذلك أن ~~الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب ~~الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها. # والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعا بالكلية عن قبول الحق وذلك ~~صفة الكفار كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14] . قيل في ~~تأويل الحديث: إن الله تعالى أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف ~~والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غينا في قلبه فاستغفر لأمته. قيل: كان ينتقل ~~من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان. وقيل: الغين عبارة عن ~~السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانيا عن نفسه بالكلية، فإذا ~~عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة. وقال أهل ~~الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان ~~يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر. وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس ~~قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه. فقال ms0312 ~~سبحانه: # جعلت صدورهم مساكن لك. فقال: رب زدني. فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك ~~عشرة. قال: رب زدني. قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: اجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد. قال: فشكا آدم إلى ربه ~~فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا ~~لا أطيقه إلا بك. فقال الله تعالى: لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه ~~من قرناء السوء. قال: رب زدني. # قال: الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك ~~التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق. وسئل ذو النون عن ~~التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها ~~العزم على ترك الذنوب في المستقبل، PageV01P264 # وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم ~~إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من ~~الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي. وكان ~~أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب ~~إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا ~~صاحب الذنوب أنت غدا بالذنوب مطلوب. وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة ~~حواء لأنها كانت تبعا له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك ~~على أنها قد ذكرت في موضع آخر قالا ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] الآية. # (قوله) قلنا اهبطوا الآية. قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: ~~الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. ~~وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ولكم في الأرض مستقر عقيب الهبوط ~~الثاني أولى. وأيضا قوله منها يدل على أن الهبوط الثاني أيضا من الجنة ~~والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في ~~قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ms0313 ثانية ليعلما ~~أن حكمه باق تحقيقا للوعد المتقدم في قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة ~~ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله فإما ~~يأتينكم # روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض ~~الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة ~~سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم ~~عرفة، وتمنيا على الله تعالى المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه ~~المواضع من هذه المعاني. # وما في فإما مزيدة، لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط ~~الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول. تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ~~فمن اتبع [طه: 123] موافقة لقوله فيها يتبعون الداعي [طه: 108] وفي الهدى ~~وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ~~ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم ~~من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع ~~الدوام الذي لا ينقطع. عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله تعالى ~~إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، ~~وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس. أما التي لي فتعبدني لا تشرك ~~بي شيئا وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء ~~وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن # PageV01P265 # تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وقيل: هو رسول وكتاب بدليل والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنا [البقرة: 39] في مقابلة فمن تبع هداي في الإقدام على ما ~~يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن. وهذه ~~الجملة مع اختصارها تجمع شيئا كثيرا من المعاني، لأن قوله فإما يأتينكم مني ~~هدى دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ~~ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين. وجمع قوله فمن تبع هداي تأمل ms0314 ~~الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون جميع ما أعد الله تعالى لأوليائه، لأن الخوف ألم ~~يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع ~~الآفات. والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي ~~الوصول إلى كل اللذات والمرادات. وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن ~~زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي ~~أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا ~~عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند ~~الصراط إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [فصلت: 30] وقال قوم من ~~المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله ~~تعالى يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى # [الحج: 2] فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا [المزمل: 17] يوم ~~يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [المائدة: 109] فلنسئلن الذين أرسل إليهم ~~ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] # وفي الحديث «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، ~~فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من ~~يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، ~~وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه» «1» . # وحديث الشفاعة وقول كل نبي «نفسي نفسي» إلا نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فإنه يقول: أمتي أمتي مشهور. # قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمنا لا محالة، إلا أن ~~الإنسان خلق ضعيفا لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا ~~يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضا إن جلال الله ~~وعظمته ms0315 يدهش الإنسان برا كان أو PageV01P266 # فاجرا. وأيضا ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا ~~بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله تعالى، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن ~~بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء. ولهذا # جاء «والمخلصون على خطر عظيم» # وكان دأب الصديقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، يدعون ربهم ~~خوفا وطمعا [السجدة: 16] ويدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء: 90] وقيل: لا خوف ~~عليهم [يونس: # 62] أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله ~~تعالى ثم سلاهم فقال لهم ولا هم يحزنون [يونس: 62] على ما خلفوه بعد وفاتهم ~~في الدنيا. ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور ~~في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن. # وقال صلى الله عليه وسلم «خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل ~~فالأمثل» «1» # قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئا من المكاره مكروها، ~~وإنما مراده مراد حبيبه فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [النساء: 65] فبترك ~~الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم ~~والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان والذين كفروا ~~لجحدهم مولاهم وكذبوا بآياتنا لإثباتهم حكما لهم بحسب مشتهاهم وهواهم أولئك ~~أصحاب النار وملازموها دائما سرمدا سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا ~~الله منها بعميم فضله وجسيم طوله. ### | التأويل: # إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية اسجدوا لآدم بخلاف الطبيعة ~~تعبدا ورقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم، اسجدوا له تعظيما لشأن خلافته ~~وتكريما لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله تعالى كما قال إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم ~~وطاعتكم لا توجب ثوابا لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى ~~الإنسان لقوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ولأن الإنسان يقتدي ~~بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء ~~والاستكبار، كيلا يلحقه ms0316 من اللعن والبعد ما لحق إبليس فسجدوا إلا إبليس ~~لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار ~~والنار من شأنها الاستعلاء طبعا وكان من الكافرين لأنه ستر الحق على آدم ~~كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق. ولا تقربا هذه الشجرة PageV01P267 # أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد ~~عملا تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا ~~خلقتها، فإن طمعت فيها أيضا فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا ~~يزال تقول جهنم حرصه «هل من مزيد» ولا تمتلىء حتى يضع الجبار فيها قدمه أي ~~سابقة رحمته وعنايته # «سبقت رحمتي غضبي» «1» . # ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا ~~من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست ~~لأجله في الحقيقة يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] . ولكن سبب النهي هو الدلال ~~الذي يقتضيه غاية الجمال. وأيضا لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة ~~أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانيا فذكرها كان كالتحريض ~~عليها فإن الإنسن حريص على ما منع وأيضا إنه تعالى وسع أسباب الانبساط أولا ~~ثم ضيق عليه الأمر آخرا. # وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح. # تجافيت عني حين لالي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح. # خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره ~~وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ~~ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض. أيضا كما مر ثم عاتبه بقوله ~~فتكونا من الظالمين وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب ~~السماع وقربه نجيا حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال رب أرني ~~[الأعراف: 143] عاتبه بسطوة لن تراني [الأعراف: 143] وذلك أن البلاء ~~والولاء توأمان ms0317 والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان ~~أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي ~~المختال. فلما ذاقا شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار ~~السلام؟ وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟ # فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديث كطيب المسك شيب به الخمر. # فلما أضاء الصبح فرق بيننا ... وأي نعيم لا يكدره الدهر؟. PageV01P268 # وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك ~~مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس ~~الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من ~~غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين ~~كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة ~~في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، ~~واتخذا عدوا بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب. فكما ~~أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة. فلما ~~استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر ~~المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] # وقال صلى الله عليه وسلم «إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟ فقال: كنت ~~كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» . # ثم إنه بعد ما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، ~~وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة فلا خوف عليهم في المستقبل ولا ~~هم يحزنون على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية ~~والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 46] # يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40) وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر ~~به ولا تشتروا بآياتي ms0318 ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41) ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين (43) أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون ~~الكتاب أفلا تعقلون (44) # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (46) ### | القراآت: # إسرائيل بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف نعمتي وكذلك ما بعدها ~~ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل فارهبون فاتقون بالياء في الحالين: # يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية. وروى مسيح بن حاتم ~~وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل. أول كافر به ممالة: قتيبة وأحمد ~~بن فرج ### | الوقوف: # فارهبون (ه) ربع الجزء. كافر به (ص) لاتفاق الجملتين وعلى قليلا أجوز ~~لاختلاف النظم بتقديم المفعول. فاتقون (ه) تعلمون # PageV01P269 # (ه) الراكعين (ه) الكتاب (ط) تعقلون (ه) الصلاة (ط) الخاشعين (لا) لأن ~~«الذين» صفتهم. راجعون ### | التفسير: # أنه تعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات ~~العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات الخاصة ~~على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيها على نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من حيث كونه إخبارا بالغيب مدرجا في مطاوي ذلك ما ~~يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن ~~إبراهيم عير منصرف للغلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله. ~~وقيل: عبد الله، لأن «إسر» بالعبرية هو العبد، «وإيل» الله. وقوله يا بني ~~إسرائيل خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير ~~الفاتحة. والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم. قال بعض العارفين: ~~عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله تعالى ذكر بني إسرائيل ~~نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم المنعم ~~فقال فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] عن ابن عباس أنه قال: من نعمه تعالى ~~على بني إسرائيل ms0319 أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل ~~عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم ~~عمودا من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعت وثيابهم لا تبلى، ~~وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو التوراة والإنجيل والزبور. ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، ~~فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن. ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة. ~~ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص ~~أحدا بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ~~ابتدائه. فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من ~~إظهار المخالفة والمخاصمة. والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها ~~لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا ~~نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه ~~النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن ~~الابن مجبول على اتباع الأب «من أشبه أباه فما ظلم» . والعهد يضاف إلى ~~المعاهد والمعاهد جميعا. يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت ~~بعهدك أي بما عاهدتك عليه. والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان ~~بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن # PageV01P270 # عباس. وتحقيقه في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله [التوبة: 111] وقيل: ~~المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا إلى قوله ولأدخلنكم جنات تجري ms0320 من تحتها الأنهار ~~[المائدة: 12] وفي الأعراف فسأكتبها للذين يتقون [الأعراف: 156] الآية. # وفي آل عمران وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم [آل عمران: 81] وفي ~~الصف وإذ قال عيسى ابن مريم [الصف: 6] وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى ~~بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا، فمن تبعه وصدق ~~بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له ~~أجرين، أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، ~~وأجرا باتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي من ولد ~~إسماعيل وتصديق هذا في القرآن يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته [الحديد: 28] . # وعن أبي موسى الأشعري مرفوعا «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: # رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ~~ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله ~~أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران» «1» # فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده صلى الله ~~عليه وسلم؟ # قلنا: إما لأن هذا العلم به صلى الله عليه وسلم كان حاصلا عند العلماء ~~بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه صلى الله عليه وسلم، وإما ~~لأن ذلك النص كان نصا خفيا لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، ~~فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه. جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من ~~التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله تعالى. فقال لها: ~~يا هاجر أين تريدين؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة. فقال: ارجعي إلى سيدتك ~~واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابنا تسميه ~~إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عينا بين الناس وتكون يده فوق ~~الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع. فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة ~~لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا ms0321 يتجاسرون على الدخول في ~~أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على ~~الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ~~ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة. PageV01P271 # وإياي فارهبون فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيدا رهبت ~~رهبته بتقديم المفعول للاختصاص. فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون. وهو أوكد ~~في إفادة الاختصاص من إياك نعبد [الفاتحة: 4] لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ~~ما قبلها وما بعدها. # أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبون. ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار ~~والتفسير. والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، ~~وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول. ومن ~~كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. # يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي ~~خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في ~~الدنيا أمنته يوم القيامة. # قوله وآمنوا معطوف على اذكروا والمراد بما أنزلت القرآن ومصدقا حال مؤكدة ~~من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، ~~والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان ~~الإيمان بالقرآن مؤكدا للإيمان بالتوراة والإنجيل والثاني أنه حصلت البشارة ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان ~~بمحمد والقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن تكذيبا لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقا، ومن جهة أنه صلى الله ~~عليه وسلم أخبر عن كتبهم ولم يكن له صلى الله عليه وسلم معرفة بذلك الأمر ~~قبل الوحي ولا تكونوا أول كافر به صلى الله عليه وسلم أي أول من كفر به صلى ~~الله عليه وسلم، أو أول فريق أو فوج كافر به صلى الله عليه وسلم، أو ولا ~~يكن كل واحد منكم أول كافر به كقوله ms0322 «كسانا حلة» أي كل واحد منا. # (وهاهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أول من كفر به صلى الله عليه وسلم وقد ~~سبقهم إلى الكفر به صلى الله عليه وسلم مشركو العرب؟ وفي الجواب وجوه: ~~الأول: انه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به صلى الله عليه ~~وسلم لمعرفتهم به صلى الله عليه وسلم وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان ~~محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدون ~~أتباعه أولى الناس كلهم. فلما بعث كان أمرهم على العكس فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به [البقرة: 89] . والثاني: ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك ~~من أهل مكة أي ولا تكونوا- وأنتم تعرفونه صلى الله عليه وسلم موصوفا في ~~التوراة- مثل من لم يعرفه صلى الله عليه وسلم لأنه لا كتاب له. الثالث: ولا ~~تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن ~~من بني إسرائيل. الرابع ولا تكونوا أول كافر به يعني بكتابكم. يقول ذلك ~~لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم. ~~الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق الى الكفر كفره # PageV01P272 # غليظ # «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» «1» # والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له ~~على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر. السادس: ~~ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة. السابع: # أول فريق كفر من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها ~~قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. الثامن: ولا ~~تكونوا أول الكافرين به صلى الله عليه وسلم عند سماعكم بذكره صلى الله عليه ~~وسلم، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه صلى الله عليه وسلم. # السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أول الجواب ليس في ذكر ~~الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضا في قوله وآمنوا دلالة على أن ~~كفرهم ms0323 أولا وآخرا محظور. وأيضا قوله ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا لا يدل ~~على إباحة ذلك بالثمن الكثير. # وقوله رفع السماوات بغير عمد ترونها [الرعد: 2] لا يدل على وجود عمد لا ~~نراها فكذلك هاهنا. قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، ~~فقيل لهم: # لا تكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا ~~أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة. والاشتراء ~~استعارة للاستبدال كما قلنا في اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: 16] أي لا ~~تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو ~~الرياسة التي كانت لهم في قومهم. خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام. # وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه ~~وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع وإياي فاتقون مثل وإياي فارهبون ~~وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم ~~بالرهبة. على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب ~~قائم. # قوله ولا تلبسوا أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله وآمنوا أمر بترك ~~الكفر والضلال. ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله ~~بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها. ~~فقوله ولا تلبسوا إشارة إلى القسم الأول، وقوله وتكتموا المجزوم بلا ~~المقدرة للنهي عطفا على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني. والباء التي ~~في بالباطل إما للوصل كما في قولك «لبست الشيء بالشيء» خلطته به، فكان ~~المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل ~~PageV01P273 # الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما. وإما للاستعانة كما في «كتبت بالقلم» ~~فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على ~~السامعين. وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم ~~كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا ms0324 به الحق [غافر: 5] قيل: ويجوز أن يكون وتكتموا منصوبا ~~بإضمار «أن» ، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان ~~الحق نحو «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» . قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون ~~المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى ~~بكل منهما منفردا عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في ~~قوله ولا تطع منهم آثما أو كفورا [الدهر: 24] إذ لا يجوز أن يريد أطع ~~أحدهما لقرينة الإثم والكفر. وأنتم تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر ~~العظيم العائد عليكم يوم القيامة # «من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها» «1» # والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم ~~العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارا ~~أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا، والنهي وإن كان خاصا لكنه عام، ~~فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه. ثم لما أمرهم بذكر ~~نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم ~~من أصول الشرائع فقال وأقيموا الصلاة أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء ~~على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. وأما القائلون بجواز ~~التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود ~~أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما ~~لو قال السيد لعبده: إني آمرك غدا بشيء فلا بد أن تفعله. ويكون الغرض أن ~~يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني. ومعنى الصلاة لغة وشرعا قد ~~تقدم في أول البقرة. وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع ~~القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: ~~مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب. قال ~~تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: ms0325 103] فإن المخرج ~~يطهر ما بقي من المال. # قال صلى الله عليه وسلم «عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا ~~وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فتزيد في PageV01P274 # الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار. وأما التي في الآخرة فتستر العورة، ~~وتصير ظلا فوق الرأس، وتكون سترا من النار» . # وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. # وفي قوله واركعوا مع الراكعين وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، ~~فخص الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. وثانيها صلوا مع ~~المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة. وثالثها ~~الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل ~~للمؤمنين، ثم إنه سبحانه لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به ~~من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع ~~حث الناس عليها مستقبح في العقول. والهمزة في أتأمرون للتقرير مع التقريع، ~~والتعجيب من حالهم. والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو ~~طاعتهما وعمل مبرور مرضي. واختلف في البر هاهنا. قال السدي: إنهم كانوا ~~يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها. ~~وقال ابن جريج. # تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما. أبو مسلم: كانوا قبل مبعث ~~النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في ~~اتباعه، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسدوه وأعرضوا عن دينه. ~~الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها. # وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولا يتبعونه. # وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما ~~يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ثم ما آمنوا به. وقيل: لعل المنافقين ~~من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه صلى الله عليه وسلم في ~~الباطن، فوبخهم الله على ذلك. والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، ~~والناسي غير مكلف ms0326 فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟ فإذن المراد وتغفلون عن ~~حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع وأنتم تتلون الكتاب أي التوراة ~~وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل أفلا تعقلون؟ وهو تعجيب ~~للعقلاء من أفعالهم. وكثيرا ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به ~~والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون. وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها ~~كثيرة. وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها ~~منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله ~~العقل الصحيح. ومنها # PageV01P275 # أن مثل هذا الوعظ يصير سببا للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ ~~مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعيا لهم ~~إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا ~~يليق بالعقلاء. ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف ~~إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول. قال بعضهم: ~~ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالا بهذه الآية، وبقوله ~~تعالى لم تقولون ما لا تفعلون [الصف: 2] وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ~~ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، ~~والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. والذم في الآية مترتب ~~على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ~~ممنوع. # قلت: والحق أنه مكابرة، # فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مررت ليلة أسري بي على قوم ~~تقرض شفاههم بمقاريض من النار. فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: ~~هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» «1» # وقال صلى الله عليه وسلم «إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه» . ~~فقيل: من ms0327 هو يا رسول الله؟ قال: عالم لا ينتفع بعلمه» # وقال صلى الله عليه وسلم «مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج ~~يضيء للناس ويحرق نفسه» # وعن الشعبي: # يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار ~~فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. ~~وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقيل: عمل رجل في ~~ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل. روي أن يزيد بن هارون مات- وكان واعظا ~~زاهدا مات- فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأول ما ~~سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟ فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى ~~الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك. وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله ~~إلا الله. فقال: # إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى سرج # ولما أمرهم الله تعالى بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة ~~القول للفعل وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن ~~المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله واستعينوا بالصبر والصلاة ~~فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله ~~طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي حبس PageV01P276 # النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها. ثم ~~إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه ~~وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية. ~~وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر ~~رمضان. ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب ~~الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله. وإنما قدم ~~الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في ~~حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات. ويجوز أن يراد بالصلاة ms0328 الدعاء أي ~~استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى ~~فاطر الأرض والسماء. وهذا الخطاب وإن كان خاصا ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك ~~النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله ~~بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعيا في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب ~~واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه ~~قوله وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها [طه: 132] . ومن خواص الصلاة اندفاع ~~البلايا وانكشاف الغموم والرزايا. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات ~~والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه [الشورى: 13] إلا على الخاشعين الذين يظنون يعلمون أنهم ملاقو جزاء ~~ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، ~~وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون ~~الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا ~~يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زمانا يسيرا فتثقل عليه، والموحد حيث ~~اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب ~~الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي حتى تورمت قدماه، ومع ذلك # يقول: «يا بلال روحنا» ، «وجعلت قرة عيني في الصلاة» «1» # والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة ~~المتواضعة. # وفي الحديث «كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت» # وللظن هاهنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوزا لأن الظن هو الاعتقاد ~~الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر ~~فكيف يمدح به؟ وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن ~~افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق PageV01P277 # أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقربه من العلم. ~~وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما ms0329 لقاء ثوابه ~~وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا ~~أنه متوقع كل لحظة وقوعا راجحا عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ~~ربه إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت [الجمعة: 6] . ~~ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ~~بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه ~~يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. # وبقي هاهنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله ~~تعالى، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى فأعقبهم ~~نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه [التوبة: 77] والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه [البقرة: 223] ويشمل الكافر والمؤمن. # وقال صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي ~~الله وهو عليه غضبان» «1» # وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، ~~وهذا اللقاء سبب الإدراك. فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، ~~لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فإن منع من ذلك أيضا ~~مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع. # ففي قوله إلى يوم يلقونه [التوبة: 77] دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ~~ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى. # البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك ~~لهم سواه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: 16] كما كانوا كذلك في ~~أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهرا ~~غير الله تعالى. قال المجسمة: # الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه تعالى جسما. وقال أهل ~~التناسخ: # الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ~~ولا يخفى جوابهما والله أعلم. PageV01P278 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى # 48] # يا بني إسرائيل ms0330 اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ~~منها عدل ولا هم ينصرون (48) ### | القراآت: # ولا تقبل بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. ### | الوقوف: # العالمين (ه) ينصرون (ه) ### | التفسير: # إنما أعاد سبحانه هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة وتحذيرا من ترك اتباع ~~صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم ~~فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. والمراد بالعالمين هاهنا الجم الغفير ~~من الناس كقوله «باركنا فيها للعالمين [الأنبياء: 71] . ويقال: رأيت عالما ~~من الناس. يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون ~~المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من ~~جملة العالمين. ويحتمل أن يكون لفظ العالمين عاما للموجودين ولمن سيوجد ~~لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. # فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن ~~يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في ~~أكثرها. وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، ~~وفي جميع ما يخاطب الله تعالى بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي ~~قد لحقتهم. وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب [يوسف: 111] . روي عن قتادة قال: # ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني ~~بما تسمعون غيركم. واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد ~~والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى. وقوله لا تجزي إلى آخر الآية. الجمل ~~منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: ~~لا تجزي فيه. ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ~~وهو «في» فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله «أم مال أصابوا» ~~قال: # فما أدري أغيرهم تناء ms0331 ... وطول العهد أم مال أصابوا # أي أصابوه. ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين ~~تقدير الجار والمجرور العائد. ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق، ~~ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت «تجزي عنك ولا تجزي ~~عن أحد بعدك» وشيئا # PageV01P279 # مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء مثل «ولا ~~تظلمون شيئا» . # ومعنى تنكير النفس أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من ~~الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع. وكذلك قوله ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل أي فدية لأنها معادلة للمفدى. # وفي الحديث «لا يقبل منه صرف ولا عدل» # أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء. ~~والضمير في ولا يقبل منها يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها ~~وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة ~~شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها ~~لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئا ولو أعطت عدلا منها لم يؤخذ منها ~~ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس ~~الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس. وفي وصف اليوم ~~بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في ~~كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى ~~الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ~~ونهاية بطشه. فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف ~~الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم ~~تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله ~~تعالى أن شيئا من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه. وفي هذا تحذير من المعاصي ~~وترغيب في ms0332 تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ~~ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر. ~~فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم. فإن ~~قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه ~~السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟ قلنا: من الناس من ميله إلى حب ~~المال أشد من ميله إلى علو النفس فيتمسك أولا بالشفيع ثم يستروح إلى بذل ~~المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة ~~إلى الصنفين والله أعلم. # واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة من الشفع ضد ~~الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار بالشفيع شفعا. ثم إن الأمة أجمعت على ~~أن لمحمد صلى الله عليه وسلم رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله ~~تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الاسراء: 79] ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~[الضحى: 5] . وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار. بقي الخلاف فيمن عداهم. ~~فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار، # PageV01P280 # والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالدا في النار ولا شفاعة ~~له وسائر الناس لهم الشفاعة. قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة ~~مطلقا، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ~~ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله ~~تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها [الجن: 23] فخرج ~~غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة. وزعم أهل ~~السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ~~ذلك. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج ~~الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله تعالى. وقالت الفلاسفة في تحقيق ~~الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون ~~الشيء مستعدا لقبول ms0333 الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعدا لقبول ذلك ~~الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطا بين الواجب. ~~وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، ~~والسقف لما لم يكن مقابلا لم يكن مستعدا لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست ~~مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف. فأرواح الأنبياء ~~كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين ~~السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله تعالى وبين عباده أشرف من نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم حيث إنه لا شفاعة إلا له. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 49 الى 53] # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49) وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم ~~وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون ~~(52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53) ### | القراآت: # سوء العذاب وسوء الحساب بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش. ~~وعدنا حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد. موسى بالإمالة المفرطة كل ~~القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته «فعلى» فبالإمالة بين ~~الفتح والكسر، وإن جعلته على «مفعل» فبالفتح لا غير ثم اتخذتم وبابه ~~بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. والفرقان لعلكم مدغما: # عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو ~~والمضموم ما قبلها مثل وتكون لكما الكبرياء والياء المكسور ما قبلها مثل ~~ميثاق النبيين لما والألف المفتوح ما قبلها مثل وما كان لمؤمن وما أشبه ~~ذلك. # PageV01P281 ### | الوقوف: # نساءكم (ط) عظيم (ه) تنظرون (ه) ظالمون (ه) تشكرون (ه) تهتدون (ه) ### | التفسير: # إنه سبحانه لما قدم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالا أخذ في تفصيلها ~~واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا ~~نعمتي، واذكروا ms0334 إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا. «وإذ» في جميع ~~هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به ل «اذكروا» وأصل الإنجاء والتنجية ~~التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن ~~يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه. # وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى ~~«أءل» على خلاف القياس، ثم إلى «آل» وجوبا فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن ~~هاء. ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر. يقال «آل النبي» «وآل الملك» ولا ~~يقال: آل الحائك. وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، ~~وإنما يقال أهلهما. وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم ~~يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفا على القياس. وفرعون علم لمن ملك العمالقة ~~أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك ~~الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن. واختلف في اسمه. فابن جريج: أن اسمه مصعب ~~بن ريان. وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب. ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى ~~قلبا منه. وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من ~~القبط. وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى. وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر ~~وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة. وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون ~~يوسف وإن اسم فرعون يوسف الريان بن الوليد. والمراد بآل فرعون أتباعه ~~وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره. ولعتو الفراعنة اشتقوا ~~«تفرعن» فلان إذا عتا وتجبر. # ويسومونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم: # إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا # وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم ~~عليه. # والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد ~~قبحهما. ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأفظعه، كأنه قبحه ~~بالإضافة إلى ms0335 سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق ~~حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدما وخولا وصنفهم في ~~أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن # PageV01P282 # ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها. السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس ~~الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا ~~استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشد ~~العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت. سئل حكيم: أي شيء أصعب من ~~الموت؟ فقال: ما يتمنى فيه الموت. فبين تعالى عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم ~~من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال يذبحون أبناءكم ومعناه هم يقتلون الذكور من ~~أولادكم دون الإناث. والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي ~~إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة. ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد ~~معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر. ومنها أن قتل الولد عقيب ~~الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب. ومنها أن ~~الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: # سروران مالهما ثالث ... حياة البنين وموت البنات # لقول النبي صلى الله عليه وسلم «دفن البنات من المكرمات» # ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، ~~وذلك نهاية الذل والهوان. قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق ~~النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها. # قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع ~~لإفساد أمره. # والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر ~~قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال ~~الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى. وإنما لم يقل ~~البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق ~~اسم النساء عليهن مثل إني أراني أعصر خمرا [يوسف: # 36] عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون ms0336 وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن ~~يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال ~~معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، فلما ~~رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من ~~يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاما دون عام. وعن السدي: أن فرعون ~~رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت ~~بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: # يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده. وقيل: إن المنجمين ~~أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة. ~~قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمرا ~~مفصلا، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار # PageV01P283 # عن الغيب معجزا، بل يكون أمرا مجملا، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم ~~على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلا ممنوع، فإن من شك في ~~أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعده من العقلاء لا يكون من العقل. ثم ~~قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان ~~كافرا كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكا متحيرا في دينه وكان يجوز ~~صدق إبراهيم عليه السلام، وأقدم على ذلك الفعل احتياطا. # (قلت) : إذا أخبر الله تعالى عنه بأنه قال أنا ربكم الأعلى [النازعات: ~~24] وما علمت لكم من إله غيري [القصص: 38] فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه ~~عارفا بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ومن أصدق من الله قيلا ~~[النساء: 122] ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] فإن ~~قلت: لم ذكر يذبحون هاهنا بلا «واو» ، وفي سورة إبراهيم بواو؟ فالوجه فيه ~~أنه إذا جعل يسومونكم سوء العذاب مفسرا بقوله يذبحون فلا حاجة إلى الواو، ~~وإذا جعل يسومونكم مفسرا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئا ~~آخر احتيج إلى الواو. وإنما جاء هاهنا يذبحون ms0337 وفي الأعراف يقتلون بغير واو ~~لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم. والذي في إبراهيم من كلام ~~موسى فعد المحن عليهم وكان مأمورا بذلك في قوله وذكرهم بأيام الله ~~[إبراهيم: 5] وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل ~~بها حمل أم لا؟ وفيه تعسف. والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، ~~والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي ~~يحسن إضافتها إلى الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى ~~على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم. ~~وهاهنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء ~~والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالبا والمبطل ~~مغلوبا، فكأنه قيل: # لا تغتروا بفقر محمد صلى الله عليه وسلم وقلة أنصاره في الحال، فإنه ~~سينقلب العز إلى جانبه صلى الله عليه وسلم، والذل إلى جانب أعدائه. وفيه ~~تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز ~~الدنيا وينسى أمر الآخرة. قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة ~~وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة ~~واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ~~ينجيه من ذلك إلا الله تعالى. # قوله وإذ فرقنا نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه ~~مسالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر. ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ~~ويتفرق لماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب ~~إنجائكم، أو يكون حالا # PageV01P284 # أي ملتبسا بكم. # روي أنه تعالى لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله ~~تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، ~~إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم. ثم نزل جبريل ~~وقال: أخرج ليلا كما قال تعالى وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ms0338 [الشعراء: ~~52] وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفا. فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون ~~قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. # قال الراوي: فو الله ما صاح الليلة ديك. فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة ~~فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من ~~القبط. قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحد منهم على فرس ~~حصان فتبعوهم نهارا وهو قوله فأتبعوهم مشرقين [الشعراء: 60] أي بعد طلوع ~~الشمس. فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟ فقال له ~~موسى: إلى أمامك. وأشار إلى البحر- فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في ~~الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين ~~أمرك ربك؟ فقال: البحر. فقال: والله ما كذبت وما كذب. # ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق ~~البحر اثني عشر طريقا. فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر ~~حتى صار طريقا يبسا، فاتخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: ~~أين أصحابنا لا نراهم؟ فقال موسى: # سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم ~~أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان ~~المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم. ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ ~~شاطىء البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر، فجاء ~~جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ~~ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله تعالى ~~الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى وأغرقنا آل فرعون قيل: ذلك اليوم كان ~~يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى، ومعنى قوله ~~وأنتم تنظرون أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. وقيل: # إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله تعالى حالهم، فسأل موسى ربه ms0339 فلفظهم ~~البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين. وقيل: المراد وأنتم ~~بالقرب منهم. قال الفراء: وهو مثل قولك «لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما ~~أغاثوك» تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى ~~العلم. قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى ~~القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا ~~عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته # PageV01P285 # يمينا وشمالا، ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر ~~الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه ~~وتنجيهم عناية الله إلى ساحل وأن إلى ربك المنتهى [النجم: 42] ويغرق فرعون ~~النفس وقومه والله تعالى أعلم. ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ~~ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى. # ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن ~~إبراهيم عليه السلام. أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ~~ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي. وقال أهل ~~التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها. ولعدد ~~الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا # جاء في الحديث «من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه» # والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم ~~يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. ولا بد من تقدير مضاف أي ~~انقضاء أربعين كقولك «اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان» أي تمام الأربعين. ~~ومن قرأ واعدنا من المواعدة فمعناه أن الله تعالى وعده الوحي ووعد هو ~~المجيء للميقات إلى الطور. وذكر الأربعين هاهنا مجمل وتفصيله في الأعراف ~~كقوله: ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] ~~فصل أولا ثم أجمل. ومعنى «ثم» في قوله ثم اتخذتم استبعاد مضمون ما بعدها عن ~~مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، ms0340 لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات ~~لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيها للحاضرين وتعريفا للغائبين ~~وإظهارا لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل ~~والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت ~~كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء. والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه ~~أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال ~~توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه «فعل» «يفعل» وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى ~~اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو «جعل» و «صير» ~~والتقدير: اتخذتم العجل إلها إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع ~~أخر منها في طه فقالوا هذا إلهكم وإله موسى [طه: 88] وقوله من بعده من بعد ~~مضيه إلى الطور. قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني ~~إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه ~~الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا نارا وأحرقوها. وكان السامري في ~~مسيره مع # PageV01P286 # موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدم في البحر، ~~فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة. ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب ~~وصور منه عجلا وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار فقالوا هذا ~~إلهكم وإله موسى [طه: # 88] فاتخذه إلها لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله تعالى بالظلم في قوله وأنتم ~~ظالمون كما قال إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] وذلك أن الظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات. # والواو في وأنتم إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، ~~وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلا يعبدونه. # قال صلى الله عليه وسلم «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد ~~الخميصة» «1» # وقال «ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى» # وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0341 وعادوه ~~كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة ~~والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟ وتسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف ~~والمشاقة فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35] وتحذير للعقلاء ~~من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية. ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن ~~يكون العجل إلها، وما رضوا بأن يكون البشر نبيا وقد تمعل بعضهم لتصحيح ~~واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات ~~الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم. إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى صلى الله ~~عليه وسلم إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال ~~للقوم: أنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه، وروج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج ~~منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل ~~القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك ~~الشبهة الركيكة، وهاهنا يظهر التفاوت بين أمة موسى وأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل ~~الأنعام، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف ~~إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله [النور: 37] لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل ~~الأباطيل مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل [الفتح: 29] . PageV01P287 # قوله: ثم عفونا عنكم أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم من بعد ذلك الأمر ~~العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل لعلكم تشكرون نعمة العفو. ومعنى ~~الترجي في كلام الله تعالى قد مر في قوله لعلكم تتقون الكتاب والفرقان يعني ~~الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين ms0342 الحق والباطل يعني التوراة ~~نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. أو التوراة ~~والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو ~~الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم ~~التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص ~~على سبيل التنصيص. وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى يوم ~~الفرقان [الأنفال: 41] يعني يوم بدر. وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمدا ~~الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 54 الى 57] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم ~~الصاعقة وأنتم تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56) ~~وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) ### | القراآت: # بارئكم بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد ~~الرحمن بن عبدوس. وقرأ أبو عمرو بالاختلاس إنه هو مدغما: أبو عمرو غير ~~عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل من دونه هو وإنه هو ~~وأشباه ذلك. حتى حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي نرى الله مكسورة الراء: ~~روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء ~~استقبلها ألف ولام مثل ولو يرى الذين وقالت النصارى المسيح جهرة مفتوحة ~~الهاء: قتيبة السلوى بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ أبو عمرو ~~بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال «فعلى» . ### | الوقوف: # فاقتلوا أنفسكم (ط) عند بارئكم (ط) لأن التقدير ففعلتم فتاب عليكم (ط) ~~الرحيم (ه) تنظرون (ه) تشكرون (ه) السلوى (ط) ما رزقناكم (ط) يظلمون ه # PageV01P288 ### | التفسير: # إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم ~~النعم في الدين ms0343 وأيضا لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم ~~بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وأيضا لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن ~~بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك ~~متى رجعوا عن كفرهم. وفيه ترغيب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة، ~~فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب ~~أحدنا في مجرد الندم كان أولى. هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ~~إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين هاهنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم ~~فبذلك استحقوا العذاب الأبدي. # والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن ~~الظلم سبب التوبة. # والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على ~~أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة ~~المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن ~~القاتل عمدا لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء ~~المقتول أو يقتلونه. ومعنى إلى بارئكم النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: ~~لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى ~~الناس. # وقوله ذلكم أي القتل خير لكم عند بارئكم جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ~~ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. ~~والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير. والثالثة هي ~~الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم. وعلى هذا ~~يكون الكلام خطابا من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: ~~المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، ~~وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما ms0344 مر في الأسماء الذين خلق ~~الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ~~ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء ~~من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة ~~والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل. من أشكالهم ~~حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها. ~~والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، ~~والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل. وإما قتل ~~بعضهم بعضا وعليه المفسرون لقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ولا ~~تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] فسلموا على # PageV01P289 # أنفسكم # [النور: 61] وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة. ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من ~~لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل ~~منهم. وقيل: # لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن ~~على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ~~ألفا الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد ~~أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله ~~رجلا قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين. # روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر ~~الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم ~~إلى المساء. وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، ~~البقية البقية يا الهنا. فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله تعالى إليه: ~~قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل. قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفا. # وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد. ولكن لم ينكر ~~على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة. والقائلون ~~بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى ms0345 لأن الهوى حياة ~~النفس. # قوله: وإذ قلتم يا موسى ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن ~~كلف الله عبدة العجل بالقتل. قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى عليه السلام ~~من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما ~~قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلا من خيارهم. فلما خرجوا ~~إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه. فسأل موسى ذلك فأجابه الله ~~إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا ~~موسى عليه السلام من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا. وكان ~~موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل ~~النظر إليه. وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل. # ومن جملة الكلام # «إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا ~~تعبدوا غيري» . # فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك لن ~~نؤمن لك أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك حتى نرى الله جهرة عيانا، وهي مصدر ~~قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى ~~بالقلب يخافت بها. وانتصابها على نحو انتصاب «قعد القرفصاء» لأن هذه نوع من ~~الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ~~ذوي جهرة. ومن قرأ # PageV01P290 # جهرة بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر. وإنما ~~أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه ~~النائم فأخذتكم الصاعقة وهي ما صعقهم أي أماتهم. فقيل: نار وقعت من السماء ~~فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنودا سمعوا بحسها ~~فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. وصعقة موسى في قوله وخر موسى صعقا [الأعراف: ~~143] لم تكن موتا ولكن غشية بدليل فلما أفاق [الأعراف: 143] والظاهر أنه ~~أصابهم ما ms0346 ينظرون إليه لقوله وأنتم تنظرون فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ~~ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم ~~فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون في؟ فلم يزل يدعو حتى رد الله ~~إليهم أرواحهم وذلك قولهم ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون نعمة البعث ~~بعد الموت، أو نعمة الله بعد ما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة ~~العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد ~~القتل. قال السدي: # لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه ~~موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى ~~سبعين رجلا. فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني ~~أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد ~~منهم فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا ~~العجل إلها. فقال موسى: إن هي إلا فتنتك. فأحياهم الله تعالى فقاموا ونظر ~~كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى. فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله ~~شيئا، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا بذلك فأجاب الله دعوته. هذا ما ~~قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا ~~على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من ~~جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب ~~تخصيصه بقوله في حق موسى فلما أفاق [الأعراف: 143] مع أن لفظة «الإفاقة» لا ~~تستعمل في الموت. # ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك. ومنها تشبيه جحودهم ~~معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بجحود أسلافهم نبوة موسى عليه ms0347 السلام مع ~~مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحدوها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب ~~كما استحقه أسلافهم. ومنها التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده ~~كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل. # PageV01P291 # ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان ~~أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه تعالى ~~بين أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، ~~فكيف يتعجب من مخالفتهم محمدا صلى الله عليه وسلم وإن وجدوا في كتبهم أخبار ~~نبوته صلى الله عليه وسلم. ومنها لما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه ~~القصة مع كونه أميا، تبين أن ذلك من الوحي. # بقي هاهنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله ~~تعالى لأنها لو كانت أمرا جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم ~~حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم لن نصبر على طعام واحد [البقرة: ~~61] . وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة ~~الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام ~~التكليف، وأيضا اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت. وأيضا لا ~~يمتنع أن الله تعالى علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء ~~يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة [النساء: 153] فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة ~~الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا ~~يستحسنه قضية العزة والحشمة. # قوله تعالى وظللنا أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في ~~المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، ~~وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ms0348 ولا تبلى، وإذا ~~ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، ~~وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ~~لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، ~~فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد. مجاهد: المن صمغ حلو. وهب: هو الخبز ~~السميذ. الزجاج: هو ما من الله تعالى به عليهم، وهذا كما # يروى مرفوعا «الكمأة من المن وفيها شفاء للعين» # وقيل: السلوى العسل. وقيل: طائر أحمر كلوا على إرادة القول أي وقلنا لهم ~~كلوا من طيبات من حلالات ما رزقناكم وهذا للإباحة. وما ظلمونا يعني فظلموا ~~بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفرا، وما ظلمونا فاختصر الكلام ~~بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون لأن وبال الظلم ~~عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله تعالى. وإنما قال هاهنا وفي الأعراف ~~والتوبة والروم بزيادة لفظة «كانوا» لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا ~~بخلاف قوله في آل عمران لكن أنفسهم يظلمون # [آل عمران: 117] لأنه مثل، والله أعلم. # PageV01P292 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى # 59] # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا ~~وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا ~~غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ~~(59) ### | القراآت: # يغفر لكم بضم الياء التحتانية وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وجبلة. # تغفر لكم بضم التاء الفوقانية وفتح الفاء: ابن عامر وأبو زيد عن المفضل. ~~الباقون تغفر بالنون وكسر الفاء يغفر لكم مدغما كل القرآن: أبو عمرو. ~~خطاياكم وبابه بالإمالة: علي قولا غير بالإخفاء: يزيد وأبو نشيط عن قالون، ~~وكذلك يخفيان النون والتنوين عند الخاء والغين سواء وسط الكلمة أو أولها. ### | الوقوف: # خطاياكم (ط) المحسنين (ه) يفسقون (ه) . ### | التفسير: # القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت. وبهذا الاعتبار ~~كثيرا ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير ms0349 قياس. وإنما قياسه ~~من المعتل اللام «فعال» نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي. ~~وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف ~~القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح. والقرية بيت ~~المقدس، وقيل: أريحا من قرى الشام. أمروا بدخولها بعد التيه. والباب باب ~~القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس ~~في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعا وشكرا لله ~~تعالى. وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات ~~وخشوع. وقيل: طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين ~~على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك. وحطة فعلة من الحط كالجلسة ~~خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ~~ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله: # شكا إلي جملي طول السرى ... يا جملي ليس إلي المشتكى # صبر جميل فكلانا مبتلى الأصل صبرا أي أصبر صبرا. كان القوم أمروا أن ~~يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى ~~يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع # PageV01P293 # الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير ~~عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد ~~منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذا الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد ~~منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة ~~عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرف ~~إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على ~~الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به. وعن أبي مسلم ~~الأصفهاني: # أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وأصل الغفر ~~الستر والتغطية. # ومعنى القراآت في نغفر لكم واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد ~~غفرت، وإذا غفرت فإنما ms0350 يغفرها الله. والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال ~~بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث. والخطء الذنب قال تعالى إن ~~قتلهم كان خطأ كبيرا [الإسراء: 31] تقول منه خطىء يخطأ خطأ وخطأة على فعلة. ~~والاسم الخطيئة على «فعلية» وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت ~~الهمزة ألفا فانفتحت الياء لأجلها. # وسنزيد المحسنين المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي ~~سنزيدهم إحسانا أو ثوابا أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو ~~محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر ~~التكاليف. وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن ~~المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، ~~وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثوابا جزيلا. وعلى ~~الثاني فالمعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجدا وقولكم حطة مؤثرا في غفران ~~الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثوابا. ويحتمل أن يكون ~~المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سببا لغفرانه، ومن محسن تصير سببا ~~لزيادة ثوابه قوله تعالى فبدل الذين ظلموا قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا ~~بالذي قيل لهم قولا غير الذي قيل لهم. يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه ~~والآخر بالباء. والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو ~~الموجود. ويجوز أن يكون «بدل» بمعنى «قال» ، لأن تبديل القول يكون بقول. ~~والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس ~~معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ ~~معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما ~~أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو ~~اللهم اعف عنا ونحو ذلك. وقيل: # PageV01P294 # قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح ~~بين العراقين حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا ~~عن طلب ما عند الله إلى ms0351 طلب ما يشتهون. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قيل ~~لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ~~فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة» «1» # وفي تكرير الذين ظلموا ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم ~~وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ~~ما أمروا به. والرجز العذاب. عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ~~ألفا في ساعة واحدة. وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من ~~الغداة إلى العشي عشرون ألفا. وقيل: سبعون ألفا. ومعنى من السماء يحتمل أن ~~يكون شيئا نازلا من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر ~~النازل من عند الله تفظيعا لشأن العذاب. والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى ~~معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد بما كانوا يفسقون إما الظلم المذكور ~~وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك ~~التبديل. ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك ~~التبديل مستمرا إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة ~~«كانوا» تنبىء عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها ~~الاستمرار. فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا. وربما احتج أصحاب الشافعي ~~بقوله تعالى فبدل الذين ظلموا أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد ~~والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد ~~به التوقيف من الأذكار بغيرها. وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم ~~القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم. فأما من ~~غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك. ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل ~~قولا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا. # (أسئلة) لم قال في «البقرة» وإذ قلنا وفي «الأعراف» وإذ قيل لأنه صرح ~~بالقائل في أول القرآن إزالة للإبهام، ولأن الكلام مرتب على قوله اذكروا ms0352 ~~نعمتي وفي «الأعراف» PageV01P295 # لم يبق الإبهام. ولم قال هاهنا ادخلوا وهناك اسكنوا؟ لأن الدخول مقدم على ~~السكون، «والبقرة» مقدمة في الذكر على «الأعراف» . ولم قال في «البقرة» ~~فكلوا وفي «الأعراف» وكلوا بالواو؟ لما بينا في قوله وكلا منها رغدا. ولم ~~قال في «البقرة» خطاياكم وفي «الأعراف» خطيئاتكم؟ لأن الخطايا جمع الكثرة، ~~والخطيئات جمع السلامة للقلة، وقد أضاف القول هاهنا إلى نفسه فكان اللائق ~~بكرمه غفران الذنوب الكثيرة، وهناك لم يذكر الفاعل فلم يكن ذكر اللفظ الدال ~~على الكثرة واجبا. ولمثل هذا الجواب ذكر هاهنا رغدا ليدل على الإنعام ~~الأتم، ولم يذكر في «الأعراف» ، ولم قال هاهنا وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة وفي «الأعراف» بالعكس؟ لأن الواو للجمع المطلق، ولأن المخاطبين صنفان: ~~محسن ومذنب. واللائق بالمحسن تقدم العبادة والخضوع، ثم ذكر التوبة على سبيل ~~هضم النفس وإزالة العجب. واللائق بالمسيء عكس ذلك، ولأنه ذكر في هذه السورة ~~ادخلوا هذه القرية فقدم كيفية الدخول. ولم قال في «البقرة» وسنزيد وفي ~~«الأعراف» سنزيد؟ لأنه في «الأعراف» ذكر أمرين: قول الحطة وهو إشارة إلى ~~التوبة، ودخول الباب وهو إشارة إلى العبادة. ثم ذكر جزاءين أحدهما الغفران ~~والآخر الزيادة، فترك الواو ليفيد توزيع الجزاءين على الشرطين. وفي ~~«البقرة» وقع مجموع المغفرة والزيادة جزاء لمجموع الفعلين، أعني دخول الباب ~~وقول الحطة، فاحتيج إلى الواو وأيضا الاتصال اللفظي حاصل في هذه السورة بين ~~قوله وإذ قلنا وبين قوله وسنزيد بخلاف «الأعراف» لأن اللائق به في الظاهر ~~سيزاد، فحذف الواو ليكون استئنافا للكلام. وما الفائدة في زيادة كلمة منهم ~~في الأعراف؟ لأن أول القصة مبني على التخصيص ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون [الأعراف: 159] فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدد صنوف إنعامه ~~وأوامره عليهم، فلما انتهت القصة قال فبدل الذين ظلموا منهم فهناك ذكر أمة ~~عادلة وأمة جائرة فصار آخر الكلام مطابقا لأوله، وأما في البقرة فلم يذكر ~~في أول الآيات تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في اخر القصة مثل ذلك. لم قال في ~~«البقرة» ms0353 فأنزلنا وفي «الأعراف» فأرسلنا لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول ~~الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وذلك إنما يحدث ~~بالآخرة. وقيل: لأن لفظ الإرسال في «الأعراف» أكثر فروعي التناسب. لم قال ~~في «البقرة» بما كانوا يفسقون وفي «الأعراف» يظلمون لأنه لما بين في البقرة ~~كون الظلم فسقا اكتفى بذلك البيان في «الأعراف» . وأيضا إنهم ظلموا أنفسهم ~~وخرجوا عن طاعة الله تعالى، فوصفهم بالأمرين في موضعين والله أعلم. # PageV01P296 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 60 الى # 61] # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60) وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا ~~مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وباؤ بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61) ### | القراآت: # عامة القراء اثنتا عشرة بسكون الشين للتخفيف عليهم الذلة بضم الهاء ~~والميم: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، وكذلك كل ما كان قبل الهاء ياء ساكنة، ~~وافق سهل إذا كانت قبل الياء فتحة فقط. وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم، ~~الباقون بكسر الهاء وضم الميم. النبيين وبابه بالهمزة: نافع إلا في موضعين ~~في الأحزاب إن وهبت نفسها للنبي [الأحزاب: 5] وبيوت النبي [الأحزاب: 53] ~~إلا فروي إسماعيل وقالون عنه بغير همزة. ### | الوقوف: # الحجر (ط) الحق المحذوف أي فضرب فانفجرت عينا (ط) مشربهم (ط) مفسدين (ه) ~~وبصلها (ط) هو خير (ط) سألتم (ط) لأن قوله وضربت ابتداء إخبار عما يؤل إليه ~~حالهم من الله (ط) بغير الحق (ط) يعتدون (ه) . ### | التفسير: # جمهور المفسرين سوى أبي مسلم، على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، عطشوا ~~فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له اضرب بعصاك الحجر، أما العصا فقال الحسن: # كانت عصا أخذها من ms0354 بعض الأشجار. وقيل: كانت من الجنة طولها عشرة أذرع على ~~طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة. وأما الحجر فاللام إما للعهد ~~والإشارة إلى حجر معلوم، فقد # روي أنه حجر طوري حمله معه وكان حجرا مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من ~~كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم ~~وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا وقيل: أهبطه آدم من الجنة ~~فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا. # وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل ورماه بنو إسرائيل بالأدرة ~~ففر به، فقال له جبريل: يقول الله تعالى: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ~~ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له # PageV01P297 # الحجر. وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه قال: وهذا أظهر في الحجة ~~وأبين في القدرة. ثم إنهم قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها ~~حجارة؟ فحمل حجرا في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه، وأما الصنف والشكل فقيل: ~~كان من رخام وكان ذراعا في ذراع. # وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: له أربعة أوجه كما مر، وهذا إذا لم يعتبر ~~الفوقاني ومقابله. وأما الضرب فقيل: كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها ~~فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى الله تعالى إليه: لا تقرع ~~الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون. والفاء في قوله فانفجرت فاء فصيحة كما ~~سبق في فتاب عليكم [البقرة: # 54] وفي هذا الحذف دلالة على أن موسى لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من ~~انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به. والانفجار والانبجاس واحد ~~ومعناه خروج الماء بسعة وكثرة. وأصل الفجر الشق ومنه الفاجر لأنه يشق عصا ~~المسلمين بمخالفتهم. وقيل: # الانبجاس خروج الماء قليلا، ووجه بأن الفجر في الأصل هو الشق، والبجس ~~الشق الضيق فلا يتناقضان كما لا يتناقض المطلق والمقيد والعام والخاص، أو ~~لعله انبجس أولا ثم انفجر ثانيا وكذا العيون تظهر ms0355 الماء قليلا ثم يكثر ~~لدوام خروجه، أو لعل حاجتهم تشتد تارة فينفجر وتضعف أخرى فينبجس. # قد علم كل أناس أي كل سبط مشربهم كأنه أمر كل سبط أن لا يشرب إلا من جدول ~~معين حسما لمادة التشاجر، فإن العادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من ~~التنازع مثل ما يقع بين المختلفين. وهذا أيضا من تمام النعمة عليهم، وإنما ~~فقد العاطف لأن قوله قد علم بيان وتفصيل لما أجمل في قوله اثنتا عشرة كأنه ~~قيل: هذا المجموع مشاع بينهم أو مقسوم فقيل قد علم كلوا على إرادة القول أي ~~وقلنا أي قال لهم موسى كلوا من المن والسلوى الذي رزقناكم بلا تعب ولا نصب، ~~واشربوا من هذا الماء. وقيل: إن الأغذية لا تنبت إلا بالماء، فلما أعطاهم ~~الماء فكأنما أعطاهم المأكول والمشروب. والعثو أشد الفساد، ومفسدين قيل: ~~نصب على الحال المؤكدة وهو ضعيف، فإن من شرطها أن تكون مقررة لمضمون جملة ~~اسمية. وقيل: حال منتقلة ومعناه النهي عن التمادي في حالة الإفساد، إما ~~مطلقا أو مقيدا بأنه إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في ~~التنازع. # ويرد على هذا القول أن الإفساد منهي عنه مطلقا، وهذا التفسير يقتضي أن ~~يكون المنهي عنه هو التمادي في الإفساد لا نفس الإفساد. والصحيح أن يقال: ~~إن المنصوبات في نحو قوله عز من قائل ولا تعثوا في الأرض مفسدين ثم وليتم ~~مدبرين [التوبة: 25] وفي نحو قولهم # PageV01P298 # «تعال جائيا وقم قائما» من الصفات القائمة مقام المصدر نحو «أقاعدا وقد ~~سار الركب» بقي في الآية بحث، وهو أنه كيف يعقل خروج المياه الكثيرة من ~~الحجر الصغير؟ والجواب أما على القول بالفاعل المختار فظاهر فإن له أن يحدث ~~أي فعل خارق شاء من غير أن يطلب له سبب وواسطة، وأما عند طالب الأسباب ~~والوسائط فإن العناصر الأربعة لها هيولي مشتركة عندهم. وجوز وانقلاب صور ~~بعضها إلى بعض، فجاز استمداد الماء الكامن في الحجر من الهواء المجاور له، ~~ومثل هذا ما # رواه أنس أنه أتى النبي ms0356 صلى الله عليه وسلم بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده ~~في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم. قال قتادة قلت لأنس: ~~كم كنتم؟ # قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة. بل معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم أقوى ~~لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير ~~معتاد، # قال أهل الإشارة: الروح الإنساني وصفاته في عالم القالب بمثابة موسى ~~وقومه، وإنه يستسقي ربه لإروائها من ماء الحكمة والمعرفة فيضرب بعصا لا إله ~~إلا الله. ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند استيلاء ظلمات ~~النفس على حجر القلب فيتفجر اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة بعدد حروف لا ~~إله إلا الله، قد علم كل سبط من أسباط الإنسان وهي خمس حواس ظاهرة، وخمس ~~باطنة مع القلب والنفس مشربهم فيستوي في حظه بحسب مشربه. # قوله سبحانه وإذ قلتم يا موسى الآية. زعم بعض المفسرين أن هذا السؤال ~~منهم كان معصية، فإن اللائق بحال المكلف الصبر على ما ساقه الله تعالى إليه ~~خصوصا إذا كان نعمة وعفوا وصفوا، ولا سيما إذا كان المسئول أدون وأحقر. ~~ولهذا أنكره موسى عليهم قال أتستبدلون. وقال الآخرون: إنه غير معصية لأن ~~قوله كلوا واشربوا عند إنزال المن والسلوى، وانفجار الماء أمر إباحة لا ~~إيجاب. ثم إنهم كانوا أهل فلاحة فرغبوا إلى مألوفهم، ورغبة الإنسان فيما ~~اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لا يعتاد وإن كان ~~شريفا. ولعلهم سئموا من التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في ~~البلاد وغرضهم البلاد. وأيضا المواظبة على الطعام الواحد تميت الشهوة وتضعف ~~الهضم، فيصح أن يكون التبديل مطلوبا للعقلاء، ولهذا أجابهم الله تعالى إلى ~~ما سألوا، ولو كان معصية لم يجبهم إلى ذلك، اللهم إلا أن يكون من قبيل ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب [الشورى: 20] ~~وإنما صح إطلاق الطعام الواحد على المن والسلوى، لأنهم أرادوا بالوحدة نفي ~~التبدل والاختلاف، ولو كان على ms0357 مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها ويأكلها ~~كل يوم لا يبدلها. قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا. # PageV01P299 # ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد لأنهما معا من طعام أهل التلذذ والترفه، ~~ونحن أهل زراعة ما نريد إلا ما ألفناه. ومعنى يخرج لنا يوجد ويظهر. والبقل ~~ما أنبتته الأرض من الخضر كالنعناع والكرفس والكراث وغير ذلك من أطايب ~~البقول التي يأكلها الناس عادة. والقثاء الخيار، والفوم الثوم، ويدل عليه ~~قراءة عبد الله وثومها وهو بالعدس والبصل أوفق. # وقال بعضهم: الفوم الحمص لغة شامية، ويقال: هو الحنطة. ومنه قولهم «فوموا ~~لنا» أي اختبزوا. قال الفراء: هي لغة قديمة الذي هو أدنى أي أقرب منزلة ~~وأدون مقدارا كقولهم في ضده «هو بعيد المحل وبعيد الهمة» يعنون الرفعة ~~والعلو اهبطوا مصرا أي انحدروا إليه من التيه. يقال: هبط الوادي إذا نزل ~~به، وهبط منه إذا خرج. وبلاد التيه ما بين بيت المقدس إلى قنسرين اثنا عشر ~~فرسخا في ثمانية. ومصر إما مصر فرعون، والتنوين فيه في القراآت المعتبرة مع ~~أن فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في نوح ولوط، وفيهما العلمية ~~والعجمية. وإما مصر من الأمصار كأنه قيل لهم: ادخلوا بلدا أي بلد كان ~~لتحدوا فيه هذه الأشياء. ولما ذكر الله سبحانه صنوف نعمه على بني إسرائيل ~~إجمالا ثم تفصيلا، أراد أن يبين مآل حالهم ليكون عبرة للنظار وتبصرة لأولي ~~الأبصار وتحذيرا للإنسان عن الجحود والكفران المستتبعين للخزي والهوان فقال ~~وضربت عليهم الذلة والمسكنة أي جعلت محيطة بهم مشتملة عليهم كالقبة ~~المضروبة على الشخص، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على ~~الحائط فيلصق به. فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة ~~وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية. وهذا من جملة الأخبار ~~عن الغيب الدال على كون القرآن وحيا نازلا من السماء على محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # هذا حالهم في الدنيا، وأما حالهم في العقبى فذلك قوله وباؤ بغضب من الله ~~من قولك «باء فلان بفلان» ms0358 إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته، ~~أي صاروا أحقاء بغضبه وهو إرادة انتقامه ذلك الذي ذكر من ضرب الذلة ~~والمسكنة والخلاقة بالغضب، بسبب كفرهم بآيات الله أي القرآن، بل وبالتوراة ~~لأن الكفر به مستلزم للكفر بها، وقتلهم الأنبياء، وقد قتلت اليهود- لعنوا- ~~شعيبا وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق أي من غير ما شبهة عندهم توجب استحقاق ~~القتل. فإن الآتي بالباطل قد يكون اعتقده حقا لشبهة عنت له، وقد يأتي به مع ~~علمه بكونه باطلا. ولا شك أن الثاني أقبح وأدخل في القحة، أو كرر للتأكيد ~~نحو ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به [المؤمنون: 117] ومحال أن ~~يكون لمدعي الإله الثاني برهان. والنبيء بالهمزة «فعيل» بمعنى فاعل من نبأ ~~بالتخفيف أي أخبر لأنه نبأ عن الله تعالى. قال سيبويه: ليس أحد من العرب ~~إلا ويقول تنبأ مسيلمة بالهمز، غير أنهم # PageV01P300 # تركوا الهمز في النبي كما تركوه في الذرية والبرية والخابية إلا أهل مكة، ~~فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك. وقيل: ~~أصله من نبأت من أرض إلى أرض أي خرجت منها إلى أخرى. وهذا المعنى أراد ~~الأعرابي بقوله «يا نبيء الله» أي يا من خرج من مكة إلى المدينة. فأنكر ~~عليه صلى الله عليه وسلم الهمزة. وقيل: النبي بالإدغام من النبوة وهي ما ~~ارتفع من الأرض، أي أنه صلى الله عليه وسلم شرف على سائر الخلق «فعيل» ~~بمعنى «مفعول» ، والجمع أنبياء. وعلى الأول إنما جمع على أنبياء لأن الهمز ~~لما أبدل وألزم الإبدال جمع جمع ما أصل لامه حرف العلة ذلك بما عصوا تأكيد ~~بتكرير الشيء بغير اللفظ الأول كقول السيد لعبده وقد احتمل منه ذنوبا سلفت ~~منه فعاقبه عند آخرها «هذا بما عصيتني وخالفت أمري. # هذا بما تجرأت علي واغتررت بحلمي» ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر والقتل ~~على معنى انهمكوا في العصيان والاعتداء حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود ~~الآيات وقتل الأنبياء، أو تكون الباء بمعنى «مع» أي ذلك الكفر والقتل ms0359 مع ما ~~عصوا سائر أنواع المعاصي، واعتدوا حدود الله في كل شيء. وقيل: هو اعتداؤهم ~~في السبت. واعلم أنه سبحانه لما ذكر إنزال العقوبة بهم بين سبب ذلك أولا ~~بما فعلوه في حق الله وهو جهلهم به وجحدهم لنعمه، ثم ثناه بما يتلوه في ~~العظم وهو قتل الأنبياء، ثم ثلثه بما يكون منهم من المعاصي المتعدية إلى ~~الغير مثل الاعتداء والظلم وذلك في نهاية الترتيب. وقيل: الأول إشارة إلى ~~متقدميهم، والثاني إشارة إلى من كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكأنه تعالى بين سبب ما نزل بالفريقين من البلاء والمحنة ليظهر للخلائق أن ~~ذلك على قانون العدالة وقضية الحكمة. فإن قيل: لم قيل هاهنا ويقتلون ~~النبيين بغير الحق وفي «آل عمران» ويقتلون النبيين بغير حق [آل عمران: 21] ~~منكرا؟ قلت: الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ما في # قوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد ~~إيمان وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» «1» # فالحق المعرف إشارة إلى هذا، وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم، ~~أي لم يكن هناك حق لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 62 الى 66] # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ~~وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم ~~من الخاسرين (64) ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا ~~قردة خاسئين (65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين ~~(66) PageV01P301 ### | القراآت: # النصارى بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، ~~والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء. وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، ~~وكذلك قوله سكارى وأسارى ويواري وفأواري كلها بإمالة ما قبل الألف ~~والصابئين بغير همزة: أبو جعفر ونافع ms0360 وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة. ### | الوقوف: # عند ربهم (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين. # ويحزنون (ه) الطور (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا تتقون (ه) من بعد ذلك ~~(ج) لأن «لولا» للابتداء وقد دخل الفاء فيه الخاسرين (ه) خاسئين (ه) (ج) ~~للآية والعطف بالفاء للمتقين (ه) . ### | التفسير: # قد انجر الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، ~~فقرن به ما يتضمن الوعد جريا على عادته سبحانه من ذكر الترغيب مع الترهيب ~~فقال إن الذين آمنوا. واختلف المفسرون هاهنا لأن قوله في آخر الآية من آمن. ~~يدل على أن المراد من قوله آمنوا شيء آخر، كقوله يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~[النساء: 136] . فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعيسى عليه السلام مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى ~~كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر ~~الغفاري. كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل ~~للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم بالله واليوم الآخر ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم فلهم أجرهم. وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا ~~باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهودوا يقال هاد يهود وتهود إذا ~~دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، ~~فلهم كذا. وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم في ~~الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي. وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، ~~واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل ~~واستمر. واشتقاق اليهود قيل من قولهم إنا هدنا إليك [الأعراف: 156] أي تبنا # PageV01P302 # ورجعنا. عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب. وقيل: إنهم ~~يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة. واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية ~~كان ينزلها عيسى صلى ms0361 الله عليه وسلم قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج. وقيل: ~~لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضا. وقيل: لأن عيسى عليه السلام قال ~~للحواريين من أنصاري إلى الله. واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: # والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من ~~صبأ الرجل يصبأ صبوا إذا خرج من دينه إلى دين آخر. وكانت العرب يسمون النبي ~~صلى الله عليه وسلم صابئا لأنه صلى الله عليه وسلم أظهر دينا على خلاف ~~أديانهم. عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا ~~تنكح نساؤهم. وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس ~~مرات. وقيل: وهو الأقرب- إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان: الأول أن ~~خالق العالم هو الله سبحانه إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة ~~للصلاة والدعاء. والثاني أنه سبحانه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير ~~إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم ~~إنها تعبد الله سبحانه. وينسب هذا المذهب الى الكلدانيين الذين جاءهم ~~إبراهيم عليه السلام، فبين الله تعالى أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ~~ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما ~~وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله تعالى. ومحل من آمن رفع ~~على أنه مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر «إن» ، أو نصب على أنه بدل من ~~اسم «أن» . # والمعطوفات عليه. وخبر «أن» فلهم أجرهم والفاء لتضمن من أو الذين معنى ~~الشرط. # قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب ~~في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة ~~المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك. ~~وقوله سبحانه وإذ أخذنا ميثاقكم مخاطبة فيها معاتبة لاشتمالها على تذكير ~~النعم وتقدير المنعم. وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: # أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته ~~وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق ms0362 والعهود، لأنه لا يحتمل ~~الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد ~~الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح، ~~قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر ~~جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: # إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق. وعن ابن عباس: إن ~~لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه تعالى ~~ألزم الناس متابعة الأنبياء. والمراد هاهنا هو هذا العهد. وإنما قال ~~ميثاقكم ولم يقل «مواثيقكم» للعلم بذلك # PageV01P303 # كقوله يخرجكم طفلا [غافر: 67] أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد ~~أخذه من كل واحد منهم. ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر. ~~والواو في ورفعنا إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدما على رفع الجبل كما في ~~قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارنا للرفع، كأنه قال: وإذ ~~أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور. قيل: الجبل مطلقا. وعن ابن ~~عباس: أنه جبل من جبال فلسطين. وقيل: # جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ~~ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم، فإن القادر ~~على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد. # خذوا على إرادة القول أي وقلنا خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة بجد ~~وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية واذكروا ما فيه احفظوا ~~ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس ~~الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟ لعلكم ~~تتقون رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ثم توليتم ~~معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به. ~~ويمكن أن يقال أخذ الميثاق ms0363 عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير من بعد ذلك ~~أي من بعد القبول والالتزام. قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول ~~التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا ~~العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم. ولعل فيها ما اختص به ~~بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا ~~في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا. # ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي ~~في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل ~~هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به ~~حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب ~~إنكارهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب، وجحودهم لحقه صلى ~~الله عليه وسلم وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر فلولا فضل الله عليكم ~~ورحمته بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين ~~الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تعالى ~~تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم. فإن كلمة «لولا» تدل على امتناع الثاني ~~لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله. ويحتمل أن يكون الخبر قد ~~انتهى عند قوله ثم توليتم من بعد ذلك ويكون قوله فلولا فضل الله رجوعا ~~بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع # PageV01P304 # الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم ~~بذلك حتى تبتم. # قوله عز من قائل ولقد علمتم اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون ~~قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع ~~نحو: ليضرب زيد. لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع ~~تناسب معنى «قد» . # ومعنى «اللام» في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله. عن ابن عباس: ~~إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين ~~المدينة والشام، وهو مكان من البحر ms0364 يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من ~~السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا ~~حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها ~~يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك ~~واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة ~~الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا ~~الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما ~~زادنا الله به إلا خيرا. فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب ~~والهلاك. فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا. قال ~~بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من ~~العقوبة جزاء لذلك. والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء ~~فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم ~~واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله. وقوله كونوا المراد منه سرعة ~~الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون [النحل: 40] قردة خاسئين خبر «إن» أي كونوا جامعين بين ~~القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد. عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع ~~والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله كمثل الحمار يحمل أسفارا [الجمعة: 5] ~~ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حمارا. ~~واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب ~~القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم ~~إنسانا، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قردا. وأيضا لو جوزنا ذلك لم نأمن ~~في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا وذلك شك في المشاهدات. ~~وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، ~~إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب ms0365 أو دماغ، أو # PageV01P305 # مجرد كما يقوله الفلاسفة. وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع ~~تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك ~~الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باق فإنهم يعرفون ~~ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوه الصورة وعدم القدرة على النطق ~~وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو ~~أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل ~~جائز عقلا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم ~~هلكوا فجعلناها أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ~~نكالا عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية. والنكول عن اليمين ~~الامتناع عنها. ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة ~~الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن ~~مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين ~~فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها ~~عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي ~~أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، ~~لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها. ولا ~~يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، ~~والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئا، ~~فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق ~~المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق ~~المتقدم والإباق المترقب والله أعلم وموعظة للمتقين لأن منفعة الاتعاظ تعود ~~إليهم لا إلى غيرهم مثل هدى للمتقين أو ليعظ المتقون بعضهم بعضا. وقيل: ~~للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من # صالحي ms0366 قومهم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 74] # وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء ~~فاقع لونها تسر الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر ~~تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ~~تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها ~~وما كادوا يفعلون (71) # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73) ثم قست ~~قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ~~وما الله بغافل عما تعملون (74) # PageV01P306 ### | القراآت: # يأمركم بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء. ~~هزوا ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل. وقرأ حمزة ~~مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلا غير ~~مهموز، الباقون: مثقلا مهموزا جئت وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى ~~وحمزة في الوقت فادارأتم بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ~~ورش وحمزة في الوقف، عما يعملون بالياء التحتانية: ابن كثير. ### | الوقوف: # بقرة (ط) هزوا (ط) الجاهلين (ه) نصف الجزء ما هي (ط) ولا بكر (ط) لأن ~~التقدير هي عوان بين ذلك (ط) على تقدير قد تبين لكم فافعلوا ما تؤمرون (ه) ~~ما لونها (ط) صفراء (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة الناظرين ~~(ه) ما هي (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار ~~السؤال علينا (ط) ms0367 لمهتدون (ه) الحرث (ج) لأن قوله مسلمة صفة بقرة أو خبر ~~محذوف أي هي مسلمة لا شية فيها (ط) جئت بالحق (ط) لأن التقدير فطلبوها ~~فوجدوها فذبحوها (ط) يفعلون (ه) فادارأتم فيها (ط) تكتمون (ه) ج للآية ~~والفاء بعدها ببعضها # (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم كذلك يحي الله الموتى # تعقلون # (ه) قسوة (ط) الأنهار (ط) الماء (ط) خشية الله (ط) لتفصيل دلائل القدرة ~~تعملون (ه) . ### | التفسير: # عن ابن عباس أن رجلا من بني إسرائيل قتل قريبا له لكي يرثه ثم رماه في ~~مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام، فاجتهد موسى في تعرف القاتل. ~~فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن ~~الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة. فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام ~~حالا بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا ~~عند يتيم. وذلك أنه كان في بني إسرائيل # PageV01P307 # شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى ~~يكبر، وكان برا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم ~~وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، ~~وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى عليه السلام ~~أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حيا وسمى لهم قاتله ~~وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودا. واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ~~ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة ~~فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل ~~تعيينها بسؤالهم آخرا، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية ~~هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح. والمانعون ~~قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن ~~المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ~~ولكنهم شددوا على ms0368 أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله وما ~~كادوا يفعلون ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال. وأجيب بأن ~~ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف ~~يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام. ويتفرع على قول ~~المانعين أن التكليف يكون متغايرا فكلفوا في الأول أي بقرة كانت، وثانيا أن ~~تكون لا فارضا ولا بكرا بل عوانا، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، ~~فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولا تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم ~~اختلف القائلون بهذا المذهب. منهم من قال في التكليف الواقع أخيرا يجب أن ~~يكون مستوفيا كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضا ولا ~~بكرا وصفراء فاقعا لونها. ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة ~~فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفا بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه ~~بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال. وإذا ثبت أن البيان لا ~~يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي ~~لولده قد يأمره بالسهل اختبارا، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في ~~أن يأمره بالصعب. ويدل أيضا على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت ~~الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه ~~السلام، ويدل أيضا على أن الزيادة في الخطاب نسخ له. # أتتخذنا هزوا استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل ~~هزء أو مهزوءا بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء. كان القوم ظنوا أنه ~~يداعبهم لأنه من المحتمل أن # PageV01P308 # موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ~~وضربوا القتيل ببعضها صار حيا، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء. ~~ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل ~~كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة. # واختلف العلماء هاهنا فعن ms0369 بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في ~~قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به ~~موسى عليه السلام هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام ~~في الوحي، وذلك أيضا كفر. وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على ~~الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب ~~هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء من الجاهلين ~~إطلاقا لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب ~~الجهل، ومنصب النبوة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: # أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ~~لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد. وقيل: نفس الهزء قد يسمى ~~جهلا، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم. ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه ~~بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به ~~لما كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام. # أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على ~~هذا الاستفسار فذكروا وجوها أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا ~~وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم ~~استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، ~~إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية ~~البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل ~~أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: # المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى ~~موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد ~~البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة ~~المعينة. فإن قيل: السؤال بما هو لطلب ms0370 الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا ~~بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون ~~مطابقا للسؤال. قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم «ما البقرة» ليس طلب ~~ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن ~~المشخصات. # فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟ فإن مطلب «أي» السؤال عن الصفات ~~الذاتية والخواص. فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة ~~النوعية فإن الشخص من # PageV01P309 # حيث هو شخص حقيقة أيضا قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي ~~لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت ~~صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون ~~ب «من» إذا كان طلبا للعوارض، وهاهنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما ~~مقام «من» . # الفارض المسنة، وقد فرضت فروضا فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها ~~وبلغت آخرها. والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان. ~~والعوان النصف قال: # نواعم بين أبكار وعون. # وقد غونت وقال: # فإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا # وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا ~~يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد. وإنما جاز دخول «بين» على ~~لفظة «ذلك» مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع ~~مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو ~~للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ما ~~تؤمرون مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به. # بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب ~~الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون. والفقوع ~~أشد ما يكون من الصفرة. يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر ~~قانىء، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع. والفرق بين قولك «صفراء ~~فاقعة» و «صفراء ms0371 فاقع لونها» أن في الثاني تأكيدا ليس في الأول، لأن اللون ~~اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه ~~مجنون. وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. ~~والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو ~~نافع. # وعن علي عليه السلام: من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تسر الناظرين # وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من ~~صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله تعالى جمالت صفر [المرسلات: ~~33] إن البقر # PageV01P310 # تشابه علينا # لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير وإنا إن شاء الله لمهتدون # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا ~~إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدا» # وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه ~~استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية ~~وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. والمعنى إنا بمشيئة ~~الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما ~~عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ~~ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة ~~لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل لا ذلول صفة ~~لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي ~~من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث. «لا» الأولى للنفي والثانية مزيدة ~~للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه ~~قيل: لا ذلول مثيرة وساقية. والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول ~~بينة الذل «فعول» بمعنى «فاعل» ، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث. تقول: ~~رجل صبور وامرأة صبور مسلمة سلمها الله تعالى من العيوب مطلقا، أو معفاة من ~~العلم ms0372 وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان. ~~وعلى هذا يكون لا شية فيها كالبيان. والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس ~~وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، ~~وهي في الأصل مصدر «وشاة» إذا خلط بلونه لونا آخر، أصلها وشية حذف فاؤها ~~كما هو «عدة» و «زنة» الآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع ~~معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي جئت ~~بالحق أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة ~~الجامعة لهذه الأوصاف فذبحوها والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في ~~الغنم والبقر. والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل. # والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمريء لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع ~~أعلاه تباطأ الزهوق. ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن ~~كان خلاف المستحب وما كادوا يفعلون استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما ~~كاد ينقطع خيط أشباههم. # وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور ~~القاتل. وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا ~~الذم على تثاقلهم وإذ قتلتم نفسا خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم فادارأتم ~~فيها فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفعه ~~ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل # PageV01P311 # عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضا عن البراءة ويتهمه. وأصله ~~تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع ~~الضمير في «فيها» إلى القتلة المعلومة من قتلتم والله مخرج مظهر لا محالة ~~ما كتمتم من أمر القتيل. وقد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ كما حكي ~~الحاضر في قوله وكلبهم باسط ذراعيه [الكهف: # 18] فلهذا صح عمل اسم الفاعل. وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز ~~عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول ms0373 كل المكتومات. وفيها ~~دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلا، وأن ما يسره ~~العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده # قوله صلى الله عليه وسلم «إن عبدا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابا ~~لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» # وكذلك المعصية والضمير في اضربوه # عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود ~~إلى القتيل بدلالة قتلتم أو ما كنتم تكتمون واختلف في البعض من البقرة فقيل ~~لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: # عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: ~~البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أي بعض أرادوا، ~~وهاهنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي ~~الله الموتى. # روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما وقال: قتلني فلان ~~وفلان- وهما ابنا عمه- ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك، # ويؤيده # قوله نبينا صلى الله عليه وسلم «ليس للقاتل من الميراث شيء» «1» # والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول ~~الشافعي. ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقا كالعادل إذا قتل الباغي، أو ~~غير مستحق عمدا كان أو خطأ. وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن ~~العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه. # وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله. ومحل كذلك # نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء. وهذا الكلام إما مع ~~الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا ~~بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين. وإما أن ~~يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا لا ~~يحتاج إلى تقدير «فقلنا» بعد تقدير «فضربوه فحيي» ويريكم آياته # دلائله على أنه قادر على كل شيء. فدلالة هذه القصة على وجود الصانع ~~القادر على كل المقدورات ms0374 العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام ~~آية، ودلالتها على صدق موسى عليه السلام PageV01P312 # آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر ~~الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة. ويمكن أن ~~يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل ~~هذا الإحياء يحيي سائر الأموات. وفي قوله كذلك # دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ذلك الكتاب ~~لعلكم تعقلون # تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء ~~الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك. فإن قيل: ما الفائدة في ضرب ~~المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟ قلنا: الفائدة فيه كون ~~الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى عليه ~~السلام إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول ~~الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من ~~القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب ~~الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك ~~التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة ~~الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل ~~المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به ~~إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتي السن حسن اللون بريئا من العيوب ~~ثمينا نفيسا # «أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» # فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟ ~~قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع ~~بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولا، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من ~~الآية ثانيا، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ببعضها # إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى. # قوله ثم قست ms0375 قلوبكم الآية. خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، ~~أو للذين هم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ~~ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات. ومعنى «ثم» ~~استبعاد القسوة من بعد ما يوجب اللين والرقة. وصفة القلوب بالقسوة والغلظ ~~مثل لنبوها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد ~~قسوة من الحجارة. فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ~~ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة. # فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلا. وإنما ~~قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على ~~فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه ~~قيل: اشتدت قسوة الحجارة # PageV01P313 # وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم ~~وعمر أكرم. # وكلمة «أو» هاهنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي ~~للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقا، ولو جمعت بينهما جاز. ثم أخذ في بيان ~~فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها ~~للذي ينشق انشقاقا طولا أو عرضا فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة ~~وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض. ثم إن كان ظاهر الأرض رخوا نفشت ~~وانفصلت، وإن كان صلبا حجريا اجتمعت وصارت مياها، ولا يزال يتواتر مددها ~~إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهارا أو عيونا. وأما قلوب هؤلاء فلا ~~تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل. # ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم «يذكر» في «يتذكر» لما ~~يهبط للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه تعالى خلق فيه ~~الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى ms0376 في كف النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد ~~بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: ~~أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع ~~والدعاء وما الله بغافل عما تعملون وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء ~~القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة فلا تعجل عليهم ~~إنما نعد لهم عدا [مريم: # 84] ووصفه تعالى بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة ~~عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: 255] . ### | التأويل: # ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب ~~الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا. # اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي مت ~~بالإرادة تحيا بالطبيعة. وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ما هي قال ~~إنه يقول إنها بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق لا فارض في سن الشيخوخة ~~فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد ~~الأربعين بارد ولا بكر في سن شرخ الشباب يستهويه سكره عوان بين ذلك لقوله ~~حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة [الأحقاف: 15] . بقرة صفراء إشارة إلى ~~صفرة وجوه أصحاب الرياضات فاقع لونها يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها ~~سيماء الصالحين. لا ذلول تثير الأرض لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة ~~الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ولا تسقي # PageV01P314 # حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند ~~الحق وعند الخلق مسلمة من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله وما ~~كادوا يفعلون بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه. وإذ قتلتم نفسا ~~يعني القلب فادارأتم فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس ~~الأمارة فقلنا اضربوه ببعضها # ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل ms0377 القلب بمداومة الذكر ~~فحيي بإذن الله تعالى وقال إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر ~~منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات ~~بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي ~~تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب ~~البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض ~~الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول ~~عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب ~~مشتركة بين المسلمين وغيرهم. والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان ~~فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا ~~في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات ~~تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه. فإراءة الآيات للخواص سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53] ويريكم آياته لعلكم تعقلون # [البقرة: 73] لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف لولا أن رأى ~~برهان ربه [يوسف: 24] سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على ~~القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها. والله أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 82] # أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75) وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ~~ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77) ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ms0378 (80) بلى من كسب سيئة ~~وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81) والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82) # PageV01P315 ### | القراآت: # إلا أماني حيث كان خفيفا: يزيد إلا قوله تلك أمانيهم ليس بأمانيكم ولا ~~أماني وغرتكم الأماني فإن أربعتهن بالإسكان عنده بأيديهم بضم الهاء: يعقوب، ~~وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة خطيئاته بالجمع: أبو جعفر ونافع. ### | الوقوف: # يعلمون (ه) آمنا (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ~~عند ربكم (ط) أفلا تعقلون (ه) يعلنون (ه) يظنون (ج) قليلا (ط) يكسبون (ه) ~~معدودة (ط) ما لا تعلمون (ه) النار (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر. ~~خالدون (ه) الجنة (ج) خالدون (ه) . ### | التفسير: # لما ذكر الله سبحانه وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، ~~أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل: ~~إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟ ~~كقوله فآمن له لوط وقد كان فريق منهم طائفة من أسلافهم يسمعون كلام الله ~~وهو ما يتلونه من التوراة ثم يحرفونه كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وآية الرجم. وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام ~~الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول ~~في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وان شئتم فلا تفعلوا ~~فلا بأس من بعد ما عقلوه فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة وهم يعلمون ~~أنهم مفترون كذابون. والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما ~~تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟ ~~فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف ~~عنادا أو لضرب من الأغراض الدنيوية وإذا لقوا أي اليهود قال منافقوهم: آمنا ~~بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته ms0379 وصفته في كتابنا. وإذا ~~خلا بعضهم الذين لم ينافقوا إلى بعض الذين نافقوا قالوا عاتبين عليهم ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ ~~من قولهم «قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال ~~المنافقون لعيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم # PageV01P316 # إنكارا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئا في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون ~~اليهود ليحاجوكم به عند ربكم ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه. جعلوا ~~محاجتهم به وقولهم «هو في كتابكم هكذا» محاجة عند الله. ألا تراك تقول: هو ~~في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟ وعن الحسن: ليحاجوكم في ~~ربكم لأن المحاجة فيما ألزم تعالى من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه. وقال ~~الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان ~~القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة. # وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا ~~الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، ~~فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وقيل: لتصيروا ~~محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي ~~وحكمي. وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا أفلا تعقلون أن ذلك لا ~~يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ~~أولا يعلمون أن الله يعلم جميع ما يسرون وما يعلنون ومن ذلك إسرارهم الكفر ~~وإعلانهم الإيمان، خوفهم الله تعالى بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم ~~السر والعلانية ومنهم أميون لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما ~~فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب ~~علما وكتابة لا يعلمون الكتاب التوراة إلا أماني وأحدها أمنية على أفعولة ~~من مني إذا قدر. تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني ~~يقدر في نفسه ms0380 ويجوز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ~~ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار ~~من أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة ~~التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد. # يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟ وذلك أن المختلق يقدر أن ~~كلمة كذا بعد كذا. # وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب. وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم ~~«تمنيت الكتاب قرأته» قال الشاعر يرثي عثمان: # تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لا في حمام المقادر # والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا كأنه قيل: ~~لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم ~~فيقبلونه. ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء ~~منقطعا. ومن قرأ أماني # PageV01P317 # بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح وإن هم إلا يظنون كالمحقق لما تقدمه من ~~قوله لا يعلمون الكتاب إلا أماني ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم ~~الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام ~~المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى ~~العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكنا من العلم ولا سيما في أصول ~~الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم. وعن ~~الثوري: صديد أهل الجحيم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين ~~خريفا قبل أن يبلغ قعره» «1» . # وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من ~~حره. ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد يكتبون الكتاب المحرف ~~بأيديهم تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك. حكى عنهم أمرين: كتبة ~~الكتاب وإسناده إلى الله. فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه ~~على الثاني أبلغ ولهذا جيء ب «ثم» وقوله ليشتروا به ثمنا قليلا تنبيه على ~~شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل ms0381 الزائل بالأجر العظيم الآجل ~~الدائم فويل لهم مما كتبت أيديهم أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ~~وويل لهم مما يكسبون بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في ~~الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك ~~يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان ~~بالتراضي وقالوا لن تمسنا النار نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن ~~الله تعالى لا يعذبهم إلا أياما معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه ~~بالعقل البتة، ولا دليل له سمعيا فلا يجزم به عاقل. والأيام المعدودة ~~قالوا: أربعون يوما هي أيام عبادة العجل. وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة ~~آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما لأن يوما عند الله ألف سنة. ~~وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين. والعهد هاهنا ~~يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره سبحانه كالعهود المؤكدة منا بالقسم ~~والنذر. وأتخذتم استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي. ~~فلن يخلف الله عهده لتنزهه سبحانه عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص. ~~فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف. قلنا: ~~الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوزه كامل، ولعل للكرم PageV01P318 # طريقا آخر سوى هذا فتأمل. و «أم» إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على ~~سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 8] ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى ~~«بل أتقولون» كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالا ثانيا. ~~فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات. وفي ~~الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا ~~لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي. ولا حجة لمنكري ~~القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل ms0382 عند حصول الظن ~~المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوما فكان القول ~~به قولا بالمعلوم بلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله لن تمسنا النار أي ~~بلى تمسكم أبدا بدليل قوله تعالى هم فيها خالدون عن ابن عباس: وجد أهل ~~الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: # لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا ~~في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى ~~آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم ~~أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياما معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد. ~~قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة ~~بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير ~~إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياما معدودة بقدر ~~فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى ~~حسن المآب. ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ~~ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه ~~قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة ~~البهيمية والسبعية، ويكف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، ~~فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المطففين: 14] فلا يجلوها إلا مرور الدهور ~~وكرور الأعصار. وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالدا مخلدا في ~~النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا. والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء ~~وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة. وقوله سيئة يتناول جميع المعاصي صغرت أو ~~كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة. ولفظ ~~الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد ms0383 والظرف بالمظروف، فنقل إلى ~~الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر # PageV01P319 # المحاط به. والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات ~~وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم. ~~والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها ~~تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر ~~غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة. واعلم أن في ~~المسألة خلافا لأهل القبلة. منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبدا- وهو قول جمهور ~~المعتزلة والخوارج- وإما منقطعا- وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من ~~قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر. والذي عليه أكثر ~~الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض ~~العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبدا، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو ~~عنه والبعض المعذب على التعيين. أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في ~~وعيد الفساق كقوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ~~[النساء: 14] وقوله وإن الفجار لفي جحيم [الإنفطار: 14] وقوله إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا [النساء: 10] ومن # الحديث «من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة. ومن ~~قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما ~~يجرجر في بطنه نار جهنم» # وعن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لا يبغضنا ~~أهل البيت رجل إلا دخل النار» # وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى. وأجيب بالمنع ~~من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل ~~داري فله كذا، أو بعض من دخل. ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر ~~قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات. القاطعون بنفي العقاب عن أهل ~~الكبائر احتجوا بنحو قوله تعالى إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ~~[النحل: 27] يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ms0384 تقنطوا من رحمة الله ~~[الزمر: 53] وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم [الرعد: 6] لا يصلاها إلا ~~الأشقى. الذي كذب وتولى [الليل: 15، 16] وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [البقرة: 3] الآية. حكم ~~بالفلاح على كل من آمن. # وعورض بعمومات الوعيد. أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض ~~والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] وبأن عمومات الوعد والوعيد ~~لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو ~~عن الوعيد مستحسن في العرف، # PageV01P320 # وإهمال الوعد بالضد. وأيضا القرآن مملوء من قوله عفوا غفورا رحيما كريما. # وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر. وأيضا إن صاحب الكبيرة ~~أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو ~~الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: ~~إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم ~~معصية ساعة؟ إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى ~~العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد ~~والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما. فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم ~~إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار ~~الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. واعلم أن مذهب الأصحاب إلى ~~الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات ~~الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثوابا ولا عقابا، لأنه يفعل ~~ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا ~~البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات ~~وسوابق البواعث. ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوفك حتى تبلغ ~~الأمن خير ممن ms0385 أمنك حتى تبلغ الجوف. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 83 الى 86] # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83) وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ~~ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك ~~الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ~~(86) ### | القراآت: # لا يعبدون بالياء للغيبة. ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل القربى بالإمالة ~~المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة ~~على وزن «فعلى» حسنا وصفا: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل تظاهرون # PageV01P321 # خفيفا: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون ~~بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء أسارى بالإمالة تفادوهم أبو عمرو ~~وخلف. أسارى مفخما تفادوهم ابن كثير وابن عامر أسرى بالإمالة تفادوهم حمزة. ~~أسارى بالإمالة تفادوهم علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ~~أسارى مفخما تفادوهم تردون بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل يعملون بياء ~~الغيبة: # ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوله، ~~الباقون بالتاء تغليبا للمخاطبين على الغيب. ### | الوقوف: # الزكاة لأن «ثم» لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم ومعرضون وتشهدون (ه) من ~~ديارهم (ز) لأن تظاهرون يشبه استئنافا، وكونه حالا أوجه والعدوان (ط) ~~إخراجهم (ط) ببعض (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب الدنيا ~~(ط) لعطف الجملتين المختلفتين العذاب (ط) تعملون (ه) بالآخرة (ز) لأن الفعل ~~مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ينصرون (ه) . ### | التفسير: # إنه سبحانه كلفهم بأشياء: الأول: قوله لا تعبدون إلا الله من قرأ بياء ~~الغيبة فلأنهم غيب، ومن ms0386 قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه ~~أقوال: # أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك «تذهب إلى فلان» تريد الأمر وهو ~~أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه. ويؤيد هذا ~~القول عطف وقولوا وأقيموا عليه. وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت ~~«أن» رفعت كقوله «ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى» ويحتمل أن تكون «أن» مفسرة ~~وأن تكون مع الفعل بدلا من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل ~~توحيدهم. وثالثها: هو جواب قوله أخذنا ميثاق بني إسرائيل إجراء له مجرى ~~القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن ~~جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق ~~بالعلم بذاته سبحانه وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضا بالعلم ~~بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها الا بالوحي والرسالة. # التكليف الثاني: قوله: وبالوالدين إحسانا معناه يحسنون بالوالدين إحسانا ~~ليناسب لا تعبدون أو أحسنوا ليناسب وقولوا ويمكن أن يقدر «وصيناهم» عطفا ~~على أخذنا وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل لا تعبدون ~~وإما قبل # PageV01P322 # إحسانا وإما قبل قولوا وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تاليا لعبادة الله ~~لوجوه منها: # أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب ~~التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله تعالى أعظم من إنعام الوالدين. ومنها ~~أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ~~ثوابا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا [الإنسان: 9] . ~~ومنها أنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا ~~الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بار بهما، ومنها أن الوالد ~~المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله سبحانه يأخذ الحبة ~~فيربيها مثل جبل أحد. # ومنها أن المناسبة والميل والمحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع ~~الحيوان، كما أن المناسبة ms0387 بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وهاهنا أسرار ~~فليتأمل. ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده ~~عليه، كما أن الله تعالى لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل ~~الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما ~~لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا ~~يرضى أن يكون غيره خيرا منه. وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ~~ومركوز في كل العقول، # وقد ورد «أطع الوالدين وإن كانا كافرين» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل ~~أبيه وكان مشركا، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقا. # وقد تلطف إبراهيم عليه السلام في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ~~يا أبت، يا أبت والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق ~~الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولا وفعلا، ولا يمنع أعز ~~أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح ~~دعائه كما أرشد الله تعالى إلى جميع ما ذكرنا في قوله فلا تقل لهما أف ~~[الإسراء: 23] إلى آخر الآية. # التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من ~~وصلك وصلته ومن قطعك قطعته» # والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله ~~مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة ~~مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين ~~لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين. قال الشافعي: ~~لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، ~~والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا ~~الأبوان والولد # PageV01P323 # على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب. وهاهنا دقيقة ~~وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى ms0388 ~~الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ~~ينسب هو إليه ويعرف به. وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا ~~نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس ~~وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن ~~إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ~~بن المطلب بن عبد مناف. قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا ~~فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف ~~به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة ~~الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل ~~فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب ~~بحال. وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو ~~حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية ~~العجم، وتوجيه الفارق ممنوع # لقوله صلى الله عليه وسلم «سعد خالي فليرني امرؤ خاله» . # والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في ~~رضاهم بما تيسر له عرفا وشرعا، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو ~~موسر. # التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه ~~إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ~~ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق ~~النصيحة. قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. واليتم في غير ~~الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع «يتيم» على ~~«يتامى» لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط. فكما ~~قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى. # وفي الكشاف: ms0389 إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو «صاحب» و «فارس» فقيل ~~«يتائم» ثم «يتامى» على القلب وكذا في اليتيمة. # التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن ~~الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير. ~~الدائم السكر وهو أسوأ حالا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي ~~حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله # PageV01P324 # تعالى أو مسكينا ذا متربة [البلد: 16] وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس ~~قالوا: # اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد ~~يملك ما يتعلل به كما في قوله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين [الكهف: 79] ~~ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس. والإحسان ~~إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف ~~يقتضي التغاير. # التكليف السادس: وقولوا للناس حسنا بالوصف أي قولا حسنا. وحسنا على ~~المصدر أي قولا ذا حسن، أو قولا هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن ~~قولكم حسنا. والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة. ~~قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسنا بدليل آية القتال ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] وإما بتخصيص القول أي قولوا ~~للناس حسنا في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف. وقال أهل الحقيقة: إنه على ~~العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى ~~الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى فقولا له قولا لينا [طه: ~~44] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~[آل عمران: 159] وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضا معتبر ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125] ادفع بالتي هي أحسن ~~[فصلت: 34] وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى ~~الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ~~وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت ms0390 أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت ~~هذا القول. # وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم. # التكليف السابع والثامن: قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقد تقدم ~~تفسيرهما. # ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر ~~للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضا واجبة في شرعنا. وعن ~~ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق. وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب ~~علينا الزكاة. واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو ~~خاص. فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى ~~منقادا مطيعا مؤتمرا لأمر الله تعالى، بحيث لا يرى لنفسه شيئا من التصرف ~~والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى لا ~~تعبدون إلا الله. والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله وأقيموا الصلاة ~~فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة. والمالي الخاص هو الزكاة ~~لتخصصها # PageV01P325 # بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك. والمالي العام لكونه منوطا ~~بالقدرة. # والإمكان سببه إما نسب أولا، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق. فالسابق ~~الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد. وذلك إذا كان ~~الولي جدا أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره. وغير النسب إما ~~الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول ~~الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية # «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم» # فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضا بهذا الاعتبار، وحسن هذا ~~الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب ~~من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ولا تشركوا به شيئا [النساء: 36] وأكد ~~الإحسان إلى ذي القربى. وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر ~~وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله وقولوا للناس حسنا. # قوله تعالى ثم توليتم قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة ~~الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن ms0391 ~~هذا الظاهر، وقيل: # إنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، كأنه تعالى ~~بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ~~ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، فيلزمكم من ~~الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلا منكم وهم الذين ~~آمنوا وأنتم معرضون. الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، ~~أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم. وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم ~~معرضون للمتأخرين. وأما قوله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم فقيل: خطاب لعلماء ~~اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم. ~~وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف. وفي قوله لا تسفكون دماءكم إشكال، وهو ~~أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟ والجواب أن هذا ~~الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من ~~عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد ~~لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا، أو ~~أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من ~~يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. ولا تخرجون أنفسكم لا تفعلوا ما تستحقون ~~بسببه أن تخرجوا من دياركم. والمراد إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك ~~مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك. وإعراب لا تسفكون ولا تخرجون على ~~قياس ما تقرر في لا تعبدون ثم أقررتم وأنتم تشهدون أي ثم أقررتم بالميثاق ~~واعترفتم على أنفسكم # PageV01P326 # بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك «فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها» ~~أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعا فيما بينهم ~~مشهورا، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا ~~الميثاق. ثم أنتم معنى «ثم» الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، وإلا جلاء ~~والعدوان بعد أخذ الميثاق ms0392 منهم، وإقرارهم وشهادتهم. # «وأنتم» مبتدأ و «هؤلاء» خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم ~~قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما ~~تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و «تقتلون» بيان «لأنتم هؤلاء» وقيل ~~«هؤلاء» موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء ~~الإشارة بمعنى الموصول. والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل ~~البعض بعضا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بين تعالى ~~أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل ~~على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة. ولا يشكل هذا ~~بتمكين الله تعالى الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف ~~معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه تعالى لا يسأل عما ~~يفعل. أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى. وقيل: ~~أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع «إسران» كعجالى وعجلان. وقوله ~~تفادوهم جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ~~ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم وهو ضمير الشأن وإخراجهم مبتدأ ومحرم ~~خبره والجملة خبر الضمير. ويجوز أن يكون هو مبتدأ مبهما ومحرم خبره ~~وإخراجهم تفسيره. أفتؤمنون ببعض الكتاب أي بالفداء وتكفرون ببعض أي بالقتال ~~والإجلاء. # وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل ~~فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من ~~الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: # كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ # فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا ~~فذمهم الله تعالى على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم ~~صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفرا، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم ~~وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والحجة ms0393 في أمرهما على سواء، يجرون # PageV01P327 # مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء. ~~الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزيا أي ذل وهان، وخزي أيضا يخزى خزاية ~~أي استحيا فهو خزيان. فإذا قيل: أخزاه الله. فالمراد أهانه أو أوقعه موقعا ~~يستحيي منه وتنكير «خزي» يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يكتنه كنهه، ~~والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه. # وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى ~~هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ~~وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: # عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود ~~يردون الى أشد العذاب؟ قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد ~~من الخزي لا الأشد مطلقا. وفي قوله: وما الله بغافل وعيد شديد للعاصين ~~وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول ~~الحقوق إلى مستحقها لا محالة. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ~~استبدلوها بها فلا يخفف عنهم العذاب لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة ~~واحدة ولا هم ينصرون بدفع هذا العذاب عنهم. وفيه تنبيه على أن الجمع بين ~~تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ~~ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق. ### | التأويل: # وإذ أخذنا ميثاقكم في عهد ألست بربكم لا تسفكون دماءكم بامتثال أوامر ~~الشيطان واتباع خطواته كما قيل: # إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي # ولا تخرجون أنفسكم من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ~~وتخرجون فريقا منكم من ديارهم لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضا ~~على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد ~~حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ms0394 ~~ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس ~~وجوده فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة ~~الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ~~ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وهو ما سمعتم في أول الخطاب ألست # PageV01P328 # بربكم # فقلتم بلى وتكفرون ببعض وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من ~~الشيطان والنفس والهوى الله حسبي. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 91] # ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87) وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون (88) ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا ~~من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين (89) بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ~~ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤ بغضب على غضب وللكافرين عذاب ~~مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين (91) ### | القراآت: # القدس بسكون الدال حيث كان: ابن كثير. بئسما وبابه بغير همز: # أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف. ينزل خفيفا: ابن كثير وأبو ~~عمرو وسهل ويعقوب. ### | الوقوف: # القدس (ط) استكبرتم (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده كذبتم ~~(ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقديم المفعولين فيهما تقتلون (ه) غلف (ط) ~~(ز) لأن «بل» إعراض عن الأول وتحقيق للثاني يؤمنون (ه) لما معهم (ط) «لأن» ~~الواو للحال كفروا (ج) لأن «لما» متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز ~~لأن «لما» مكرر وجوابهما متحد، وقوله: وكانوا من قبل حال معترض كفروا به ms0395 ~~(ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم الكافرين (ه) من ~~عباده (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب على غضب (ط) مهين (ه) لما معهم (ط) ~~مؤمنين (ط) . ### | التفسير: # لما ذكر سبحانه في الآي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره تعالى ~~ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها ~~بالكفران # PageV01P329 # ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم. أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله تعالى ~~إياه جملة واحدة. # عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله ~~لكل آية منها ملكا فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم ~~يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى عليه السلام فحملها. القفو والتقفية ~~الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلا كثيرين ~~وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس ~~واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. # روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام ~~فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء ~~تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال صلى الله عليه ~~وسلم «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» «إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس ~~كل مائة من يجدد لها دينها» # فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم. # وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة ~~النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: # قلت لزير لم تصله مريمه ووزن «مريم» عند أهل الصرف «مفعل» لأن فعيلا بفتح ~~الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو «عثير» للغبار «وعليب» اسم واد. ~~البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، ~~أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم ~~الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب ~~حياة البدن، ms0396 ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا ~~أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان ~~يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقيل: الروح الذي نفخ فيه، ~~والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال «بيت ~~الله» و «ناقة الله» . عن الربيع: وكون الروح هاهنا جبريل أظهر لأن اختصاصه ~~بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد عليه السلام من نفخة ~~جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان ~~معه حين صعد إلى السماء. # قوله تعالى: أفكلما وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ولقد # PageV01P330 # آتينا # لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر ~~معناه أأعرضتم فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم الباء للتعدية ~~أو بمعنى «مع» ، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن ~~تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعا وترؤسا على عامتهم. وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون ~~عوامهم أنهم على الحق والنبي صلى الله عليه وسلم على الباطل، ويحتجون على ~~ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار ~~إبليس على آدم عليه السلام ففريقا كذبتم على التمام وما بقي منه غير مكذب ~~وفريقا تقتلون أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل ~~محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له ~~الشاة. # قال صلى الله عليه وسلم عند وفاته: ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان ~~قطعت أبهري. # والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا ~~انقطع مات صاحبه. ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد ~~استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: # فأضر بها بلا دهش فخرت وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية ~~الفاصلة في ms0397 تقتلون بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: ~~أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى ~~عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية ~~الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف. غلف جمع ~~أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية ~~فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما. وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع ~~غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا ~~حاجة بنا إلى شرعك. بل لعنهم الله رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك ~~لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن ~~رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة ~~وإزاحة العلة. وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو ~~هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد «فكل ميسر ~~لما خلق» له فقليلا ما يؤمنون أي إيمانا قليلا يؤمنون. و «ما» مزيدة وهو ~~إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به. # يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض. و «ما» صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف ~~بها. # PageV01P331 # ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلا لا قليلا ولا كثيرا ~~كما يقال: قليلا ما تفعل. أي لا تفعل البتة. وذلك أن الإيمان بالله إنما ~~يعبأ به إذا كان مؤمنا بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن ~~الإيمان بمعزل. ولما جاءهم جوابه محذوف وهو نحو: # كذبوا به واستهانوا بمجيئه. ويجوز أن يكون جوابه هو جواب «لما» الثانية ~~المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله فلا تحسبنهم بمفازة [آل عمران: 188] ~~بعد قوله لا تحسبن [آل عمران: 188] . واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو ~~القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع ~~كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد صلى الله عليه ms0398 وسلم من ~~العلامات والنعوت والصفات. والتحقيق أن ذكر الكتاب هاهنا كناية عن الرسول ~~لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفا أو مجازا لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة ~~يدل على ذلك قوله يستفتحون على الذين كفروا [البقرة: 89] وذلك أن اليهود ~~قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح ~~والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: # اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في ~~التوراة. وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ~~ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ~~ويعرفونهم أن نبيا يبعث منهم قد قرب أوانه. والسين للمبالغة أي يسألون ~~أنفسهم الفتح عليهم كالسين في «استعجب» و «استسخر» ، أو يسأل بعضهم بعضا أن ~~يفتح عليه، فلما جاءهم ما عرفوا من الحق وهو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويجوز أن تكون «ما» بمعنى «من» نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كفروا به، ~~إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل ~~منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم من العرب من ذرية إسماعيل عليه السلام عظم ذلك عليهم فأظهروا ~~التكذيب بغيا وحسدا وعنادا ولددا، وإما لأنهم ظنوا أنه صلى الله عليه وسلم ~~مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال ~~رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار. فكفرهم إذا كفر عناد، فلعنة ~~الله وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) على الكافرين أي عليهم، ~~فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام ~~للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا. فإن قيل: أليس أنه تعالى ذكر ~~وقولوا للناس حسنا [البقرة: 83] قلنا: العام قد يخص، وأيضا لعن من يستحق ~~اللعن حسن، وأيضا أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل [الأعراف: 179] «بئس» لإنشاء الذم، ms0399 وفاعله قد يكون مظهرا نحو «بئس ~~الرجل زيد» ، وقد يكون مضمرا يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة ~~وبعدهما المخصوص بالذم # PageV01P332 # ف «ما» نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل «بئس» أي بئس شيئا اشتروا به أنفسهم، ~~والمخصوص بالذم أن يكفروا واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة ~~قبله خبره. وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا. واشتروا بمعنى باعوا لأن ~~الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن الثمن حاصل ملك المالك. وقيل: إن ~~المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله تعالى فأتى بأعمال يظن بها أنها ~~تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما ~~اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا ~~أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا ~~مؤمنين بغيره. ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال بغيا أي ~~حسدا وطلبا لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك ~~الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوها شتى بين ~~أن الحامل لهم على البغي هو أن ينزل الله من فضله الذي هو الوحي على من ~~يشاء وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا ~~الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي ~~والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل ~~أن يقال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل. # فباؤ بغضب على غضب لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما ~~أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، فصار ~~ذلك سببا بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية ~~وقتادة. وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم وجحدهم نبوته عن السدي. وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل ~~المراد ms0400 إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ~~عزير ابن الله [التوبة: 30] يد الله مغلولة [المائدة: 64] إن الله فقير ~~ونحن أغنياء [آل عمران: 181] عن عطاء وعبيد بن عمير. وقيل: المراد تأكيد ~~الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه عظيم، وهو قول ~~أبي مسلم. ومعنى الغضب في حقه تعالى قد عرفت مرارا أنه عبارة عن لازمه وهو ~~إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا ~~يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة وللكافرين عذاب مهين ~~من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله فلعنة ~~الله على الكافرين ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما ~~حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من ~~اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد # PageV01P333 # يؤدب ولده آمنوا بما أنزل الله بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به ~~على عموم «ما» قالوا نؤمن بما أنزل علينا أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء ~~الذين آتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ويكفرون بما وراءه أي قالوا ذلك ~~والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن وهو الحق الضمير ~~يعود إلى «ما وراءه» أو إلى القرآن فقط. ومصدقا حال مؤكدة لوجود شرطها وهو ~~كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازما لمضمون الجملة ~~الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في مصدقا ~~محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح. وأما الواو في وهو الحق فيجوز أن تكون ~~معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل ~~فيها هو العامل في قوله ويكفرون على أن كلا منهما حال بحيالها، وإما أن ~~يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان. وفي قوله وهو الحق ~~مصدقا لما معهم دلالة على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لما ms0401 ~~أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه صلى ~~الله عليه وسلم أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجبا لا محالة، ~~وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها ~~محال. وأيضا أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعلم علما ولم يقرأ ولم يخط، ثم ~~إنه صلى الله عليه وسلم أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم ~~بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم استفادها من قبل الوحي وأيضا القرآن يدل ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق ~~التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته. فمدعي الإيمان بالتوراة ~~يجب أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان كاذبا. ثم إنه تعالى بين من ~~وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، ~~وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز. والكلام وإن كان ~~على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل من قبل وتقتلون حكاية حال ~~ماضية. # وأصل «لم» لما بإدخال لام التعليل في «ما» الاستفهامية، حذفت الألف ~~للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء. وفي قوله إن ~~كنتم مؤمنين تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط ~~محذوف يدل عليه ما تقدمه. وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب ~~محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل ~~بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون الى كلمات العلماء ~~الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون ~~فريقا منهم # PageV01P334 # فرارا عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار ~~والفتنة أشد من القتل وقالوا قلوبنا غلف فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى ~~في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكا بالإرادة، ~~فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد ms0402 همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن ~~جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه. ولما جاءهم كتاب فيه ~~إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحدا من العلماء والأولياء ~~المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع ~~حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق فلما جاءهم واحدا منهم ما ~~عرفوا قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه فباؤ بغضب من رد ولاية ~~الأولياء على غضب من الله لأوليائه كما # جاء في الحديث «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» # و «إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه» # والله أعلم بالصواب. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 96] # ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92) وإذ ~~أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا ~~سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم ~~إن كنتم مؤمنين (93) قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون ~~الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~والله عليم بالظالمين (95) ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ~~يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير ~~بما يعملون (96) ### | القراآت: # ولقد جاءكم مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف ~~وهشام جاءكم وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان قلوبهم العجل بكسر الهاء ~~والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، ~~الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء ~~كسرة بما تعملون بتاء الخطاب: يعقوب. ### | الوقوف: # ظالمون (ه) الطور (ط) لتقدير القول واسمعوا (ط) بكفرهم (ط) مؤمنين (ه) ~~صادقين (ه) أيديهم (ط) بالظالمين (ه) على حياة (ج) على تقدير: ومن الذين ~~أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على أشركوا فتقديره أحرص الناس على حياة ~~وأحرص من الذين أشركوا ويود مستأنف للبيان وإنما لم يدخل # PageV01P335 # من ms0403 في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من ~~المشركين كقولك «الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج» سنة (ط) لأن ما ~~بعده يصلح مستأنفا وحالا أن يعمر (ط) يعملون (ه) . ### | التفسير: # السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل هاهنا القدح بوجه آخر في قولهم نؤمن بما ~~أنزل علينا [البقرة: 91] وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له، فإن قوم موسى عليه السلام بعد ظهور ~~المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلها ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء ~~إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه. وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من ~~زيادة قولهم سمعنا وعصينا الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا ~~سماع تقبل وطاعة. فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على ~~أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون. وعن أبي مسلم أنه ~~يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل قالتا ~~أتينا طائعين [فصلت: 11] وأشربوا في قلوبهم العجل أي تداخلهم حبه والحرص ~~على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ. وقوله تعالى في قلوبهم بيان لمكان ~~الإشراب كقوله إنما يأكلون في بطونهم نارا [النساء: 10] وفي هذه الاستعارة ~~لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة ~~كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم. وفي قوله وأشربوا دلالة على أن فاعلا ~~غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم ~~واعتقادهم التشبيه على الله تعالى ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله ~~تعالى وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مرارا. بئسما يأمركم المخصوص بالذم ~~محذوف أي بئس شيئا يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في ~~التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب ~~أصلاتك تأمرك [هود: # 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر ~~والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله إن الصلاة ~~تنهى ms0404 عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45] قل إن كانت لكم الدار الآخرة الدار ~~اسم «كان» وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: خالصة وعند ظرف لخالصة أو ~~للاستقرار الذي في لكم ويجوز أن يكون عند حالا من الدار والعامل فيها «كان» ~~أو الاستقرار. وأما لكم فيكون على هذا متعلقا ب «كان» لأنها تعمل في حروف ~~الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد خالصة أي خالصة لكم فيتعلق ~~بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف. ~~الثاني: أن يكون خبر كان لكم وعند # PageV01P336 # الله # ظرف وخالصة حال والعامل «كان» أو الاستقرار. الثالث: أن يكون عند الله هو ~~الخبر وخالصة حال والعامل فيها إما عند، أو ما يتعلق به أو «كان» أو «لكم» ~~وسوغ أن يكون عند خبر كانت لكم إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو ولم يكن له ~~كفوا أحد [الإخلاص: 4] وقوله من دون الناس نصب ب خالصة لأنك تقول: خلص كذا ~~من كذا. والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة ~~دون النار. والمراد بقوله عند الله الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية ~~المكان ممكن هاهنا إذا لعلهم كانوا مشبهة. ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة ~~بكم لا حق لأحد فيها سواكم. «ودون» هاهنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان ~~كما تقول لمن وهبته منك ملكا: هذا لك من دون الناس. # أي لا يتجاوز منك إلى غيرك. والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس ~~أولى لقوله وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] ~~ولأنه لم يوجد هاهنا معهود. فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟ قلنا: ~~لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل ~~كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله تعالى وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز ~~عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ms0405 ويوصلونهم إلى ثواب الله ~~فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه ~~كالحجة في أن النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر المبشر به في التوراة منهم ~~لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فبين الله تعالى فساد معتقدهم بالآية. وبيان الملازمة أن متاع ~~الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضا منغصا عليهم بعد ظهور ~~محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال. فالموت خير لهم لا ~~محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت ~~إلا القليل النكد. والوسيلة وإن كانت مكروهة نظرا إلى ذاتها لكنه لا يتركها ~~العاقل نظرا إلى غايتها كالفصد ونحوه. والنهي عن تمني الموت في # قوله صلى الله عليه وسلم «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا ~~بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا إلي وأمتني ما كانت الوفاة خيرا ~~لي» «1» # محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: ~~PageV01P337 # ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه # ألا رحم المهيمن روح عبد ... تصدق بالوفاة على أخيه # فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية ~~التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك ~~خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء ~~الله. # روي أن عليا عليه السلام كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت ~~الثوب وتحت الدرع أيضا. # فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين. فقال: يا بني، لا يبالي أبوك ~~على الموت سقط أم عليه سقط الموت. # وعن حذيفة أنه رضي الله عنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال رضي الله ~~عنه: حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم. # يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمدا وحزبه. وكان ~~كل واحد من العشرة ms0406 المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله ~~ونيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على ~~سبيل الرجاء وحسن الظن بالله # «أنا عند ظن عبدي بي» «1» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات ~~مكانه وما بقي على الأرض يهودي» # وليس لهم أن يقبلوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا: إنك ~~تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن ~~نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد ~~الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث ~~لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه ~~الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع ~~إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~[الأحزاب: 23] # عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض ~~أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان ~~الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. ~~وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما ~~PageV01P338 # أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» «1» # ثم إنه تعالى بين انتفاء اللازم بقوله ولن يتمنوه أبدا وبرهن عليه بقوله ~~بما قدمت أيديهم أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم. وذكر الأيدي مجاز ~~لأن ms0407 أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد. وقوله ولن يتمنوه أبدا من المعجزات ~~لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله ولن تفعلوا [البقرة: 24] وذلك ~~أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان ~~بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب. ~~فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من ~~أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذر. وأيضا لو كان التمني ~~بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. # وأيضا لولا أنه تعالى أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة ~~الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء ~~اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدار الآخرة لهم ~~خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضا، فيستفاد من الآية التالية. وفي ~~قوله والله عليم بالظالمين إشارة أيضا إلى ذلك لأنه إذا كان محيطا بسرهم ~~وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له. وفي وضع ~~الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء: 227] واللام إما للعهد وإما ~~للجنس، فيشملهم أولا وغيرهم من الظلمة ثانيا. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ~~هاهنا ولن يتمنوه وفي سورة الجمعة ولا يتمنونه [الجمعة: 7] ؟ قلنا: لأن ~~الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون ~~الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما ~~هو أبلغ في إفادة النفي وهو «لن» ، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم ~~أن يكون كل من له الدار الآخرة وليا بمعنى أنه يلي النبي في الكمال ~~والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك «فلان ~~ابن فلان موجود» أبعد من إثبات العام في قولك «الإنسان موجود» . فحيث كانت ~~الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى ms0408 أداة. # هي في باب النفي أبلغ. ثم إنه سبحانه لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة ~~أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ~~هاهنا قسما ثالثا وهو أن لا يتمنى PageV01P339 # الحياة ولا الموت فقال ولتجدنهم أحرص الناس مؤكدا باللام والنون والقسم ~~المقدر وهو من وجد بمعنى علم. وقوله على حياة بالتنكير لأنه أراد نوعا من ~~الحياة مخصوصا وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأي حياة. وفي جعلهم أحرص من ~~الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون ~~إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها. فإذا ازداد عليهم في ~~الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقا بالتوبيخ. وسبب زيادة حرصهم هو ~~علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك. وقيل: ~~أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف ~~مهرجان. وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم «زي هزار سال» ، ويحسن أن يقال ومن ~~الذين أشركوا كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يود على حذف الموصوف كقوله وما منا ~~إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ~~ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى ~~وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضا منهم وذلك كقولهم عزير ابن الله ~~[التوبة: 30] . وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من ~~الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله يود أحدهم أي كل واحد ~~يغرض لو يعمر. و «لو» في معنى التمني ولو يعمر حكاية لودادتهم، وكان يجوز ~~«لو أعمر» على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله يود أحدهم مثل ~~«حلف بالله ليفعلن» وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد ~~يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر. والضمير في قوله وما هو يعود إلى ~~أحدهم وأن يعمر فاعل بمزحزحه أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره. ~~ويجوز ms0409 أن يكون الضمير لما دل عليه يعمر من مصدره وأن يعمر بدل منه كأنه ~~قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر. ويجوز أن يكون هو مبهما وأن ~~يعمر موضحه. والزحزحة المباعدة والتنحية. والله بصير بما يعملون فيه تهديد ~~لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد. والبصر قد يراد به العلم يقال ~~فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت ~~المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه سبحانه ما لم يثبت له جارحة. فإن ~~قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله ~~أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 101] # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ~~وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين (98) ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا ~~الفاسقون (99) أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ~~(100) ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101) # PageV01P340 ### | القراآت: # لجبريل مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير. وقرأ حمزه وعلي ~~وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعا. وقرأ يحيى ~~مختلسا. الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز. ميكال أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلسا مهموزا. الباقون: ميكائيل مهموزا ~~مشبعا. ### | الوقوف: # للمؤمنين (ه) للكافرين (ه) بينات (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال ~~والحال أوجه لاتحاد القصة الفاسقون (ه) فريق منهم (ط) لأن «بل» للإعراض عن ~~الأول لا يؤمنون (ه) أوتوا الكتاب (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله ~~مفعول «نبذ» لا بدل مما قبله لا يعلمون (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف ~~على نبذ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع. ### | التفسير: # هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله # أنه ms0410 صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار ~~فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي يجيء في آخر الزمان، فقال صلى الله عليه وسلم تنام عيناي ولا ينام ~~قلبي. قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟ ~~فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر ~~والشعر فمن المرأة. فقال صدقت. قال: # فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: ~~أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت. قال: أخبرنا أي الطعام ~~حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل ~~مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لله نذرا إن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب ~~الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. ~~فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك. أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال: # جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر ~~والرخاء. فإن كان هو يأتيك آمنا بك. فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟ فقال ~~ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له ~~بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالا فدفع عنه جبريل ~~وقال: إن سلطكم الله على قتله. فهذا ليس هو ذاك وإن # PageV01P341 # لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه. ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت ~~المقدس فلهذا نتخذه عدوا. وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل. فقال عمر: فإني ~~أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، ~~فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وقيل: كان لعمر أرض ~~بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع ~~كلامهم. فقالوا: ms0411 يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك. # فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل ~~عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم. ~~ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ # فقال عمر: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا، وهو صاحب كل ~~خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم: وما منزلتهما من ~~الله؟ قالوا: # أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدو لجبريل. ~~فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير. ومن ~~كان عدوا لأحدهما كان عدوا للآخر، ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله. ثم رجع ~~عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ~~ربك يا عمر. قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. # وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها ~~في غيرنا. والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد صلى ~~الله عليه وسلم كما يشعر بذلك قوله فإنه نزله أي إن عاداه أحد فالسبب في ~~عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا لكتابهم وموافقا له وهم كارهون للقرآن ~~ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له كقولك «إن ~~عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه» أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا ~~وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه ~~وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. ويمكن أن يتوجه ~~الجزاء إلى قوله بإذن الله إلى آخره. أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه ~~لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره ~~الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقا هاديا مبشرا، فهو من ~~حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذورا، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم ~~أن يكون مشكورا. ms0412 فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه تعالى أمر ~~ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضا لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه ~~في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها. # وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم ~~يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله تعالى ما ترك على ظهرها من دابة [فاطر: ~~45] وهذا النوع من الإضمار فيه # PageV01P342 # فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه. وأكثر الأمة ~~على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن ~~السبب في تمكنه صلى الله عليه وسلم من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على ~~قلبك حفظه إياك وفهمه. وقيل: أي جعل قلبك متصفا بأخلاق القرآن ومتأدبا ~~بآدابه كما # في حديث عائشة «كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن» # وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما ~~تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي من كان عدوا لجبريل فإنه نزله ~~على قلبك ومعنى مصدقا لما بين يديه موافقا لما قبله من كتب الأنبياء فيما ~~يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل ~~الأزمان والأوقات. ومعنى قوله هدى وبشرى أن القرآن يشتمل على أمرين. أحدهما ~~بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه ~~هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه ~~بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضا. ولا ريب أن ~~البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في هدى ~~للمتقين. ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدوا لجبريل لأجل أنه نزل ~~القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون عدوا لله تعالى، بين ~~في الآية التالية أن من كان عدوا لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم ~~وينتقم منهم. ms0413 والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي ~~يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه تعالى من العاقل المتفطن ~~لا الغافل المتغابي. فمعنى قوله من كان عدوا لله أي لأولياء الله كقوله ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله [المائدة: 33] إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله [الأحزاب: 57] . أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن ~~التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره. قال أهل ~~التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل ~~بالقهر # «هؤلاء في النار ولا أبالي» # كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم يحبهم ويحبونه [المائدة: ~~54] وذلك أن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة ~~الثانية. وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن ~~التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما ~~يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما. وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه ~~أفضل من ميكائيل وأيضا أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، ~~وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان. والواو في جبريل ~~وميكائيل بمعنى «أو» لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة ~~كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من # PageV01P343 # القرينة. وقوله للكافرين من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة ~~هؤلاء كفر. الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته ~~وإن كان لفظ الإنزال نابيا عنه بعض النبو. ومعنى كون الآية بينة أن العلوم ~~تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون ~~الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو ~~الآية البينة. والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع ~~الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل ~~الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ms0414 ويقرب منه الفجور، ~~لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد. # عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من ~~كفر وغيره. ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله تعالى ~~كمن فتح من النهر نقبا صغيرا لا يقال: إنه فجر النهر. وفي قوله إلا ~~الفاسقون وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ~~ليأتي على الكافر وغيره. الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر ~~المتجاوز عن كل حد في كفره. وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا ~~الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود. ~~عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعث صلى الله عليه وسلم من العرب كفروا به ~~وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا ~~الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل ~~الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته. فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من ~~البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت. واللام في الفاسقون للجنس أو ~~إشارة إلى أهل الكتاب. أوكلما الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات ~~البينات؟ وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله ~~الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة. وفيه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس ~~من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، ~~وإنما قيل فريق منهم لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة ~~وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا. # ولما جاءهم رسول أي كتاب ms0415 لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه ~~بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم ~~بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل ~~لإعراضهم عنه وتركهم العمل به. # وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها. وعن سفيان: ~~أدرجوه في # PageV01P344 # الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه. اللهم ~~ارزقنا العلم بكتابك والعمل به. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 102 الى 103] # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند ~~الله خير لو كانوا يعلمون (103) ### | القراآت: # ولكن خفيفا الشياطين بالرفع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وكذلك قوله ولكن ~~الله قتلهم ولكن الله رمى الملكين بكسر اللام هاهنا وفي سورة الأعراف: ~~قتيبة. على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل. ### | الوقوف: # على ملك سليمان (ج) لأن الواو قد تصلح حالا لبيان نزاهة سليمان ورد ما ~~افتروا عليه السحر (ط) قيل: على جعل «ما» نافية ولا يتضح لمناقضته ما في ~~سياق الآية من إثبات السحر بل «ما» خبرية معطوفة على قوله السحر على أنها ~~وإن كانت نافية يحتمل كون الواو حالا على تقدير: يعلمون الناس السحر غير ~~منزل فلا يفصل. وفي الآية عشر «ماآت» إحداها كافة في إنما والأخيرة نكرة ~~منصوبة في لبئس ما والباقية خبرية ثم نافية ثم خبرية على التعاقب وماروت ~~(ط) فلا تكفر (ط) وزوجه (ط) بإذن الله (ط) ولا ينفعهم (ط) من خلاق (ط) يجوز ~~الوقف لابتداء اللام أنفسهم (ط) يعلمون (ه) خير ms0416 (ط) يعلمون (ه) . ### | التفسير: # من قبائح أفعالهم أنهم نبذوا كتاب الله وأقبلوا على السحر ودعوا الناس ~~إليه، وهذا شأن اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~إنهم الذين تقدموا من اليهود. وقيل: إنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه ~~السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدونه من جملة ملوك ~~الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ~~ذلك الملك العظيم بسبب السحر. والأولى أن يقال: اللفظ يتناول الكل. قال ~~السدي: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، ~~فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت ~~وماروت. ومعنى «تتلو» تقرأ، أو على ملك سليمان أي على عهده وفي زمانه. ~~وقيل: تلا عليه أي كذب. فالقوم لما ادعوا # PageV01P345 # أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء ~~كالافتراء على ملك سليمان. وأما الشياطين فالأكثرون على أنهم شياطين الجن، ~~وأنهم كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها ~~إلى الكهنة، وقد دونوها ويقرأونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان ~~حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم ~~لسليمان ملكه إلا بهذا العلم. وقيل: إنهم شياطين الإنس لما روي في الخبر أن ~~سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه ~~حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك ~~توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك ~~الأشياء من بعض الوجوه، ثم من بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا ~~الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إلا بهذه الأشياء. وزيفوا ~~قول الأكثرين بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم ~~بحيث يبقى ذلك التحريف مخيفا فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع ~~الشرائع، وهذا بخلاف ms0417 ما يفعله الإنسان فإنه لا يكاد يخفى على بني نوعه. ~~واختلف في سبب إضافتهم السحر إلى سليمان فقيل: ليروج ذلك منهم. # وقيل: لأنهم ما كانوا مقرين بنبوته. وقيل: لأنه لما خالط الجن وأظهر ~~أسرارا عجيبة غلب على ظنونهم أنه استفاد ذلك من الجن. وقوله وما كفر سليمان ~~تنزيه له عما نسب القوم إليه من السحر المستلزم للكفر، فإن كونه نبيا ينافي ~~كونه ساحرا كافرا. ثم بين أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال ولكن الشياطين ~~كفروا ثم ذكر ما به كفروا فقد كان من الجائز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر ~~فقال يعلمون الناس السحر وما أنزل أي ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين. ~~وهاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ممتنعان من الصرف للعلمية ~~والعجمة، وليسا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم، لأنهما لو كانا ~~منهما لانصرفا. وقيل: بدلان منهما. # ولنذكر هاهنا حقيقة السحر وقصة هاروت وماروت. أما السحر ففي اللغة عبارة ~~عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه الساحر للعالم. وسحره خدعه، والسحر ~~الرئة، وفي الشرع: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل من غير حقيقة ويجري مجرى ~~التمويه والخداع. # ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله قال تعالى سحروا أعين الناس [الأعراف: ~~116] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى. وقد يستعمل مقيدا ~~فيما يمدح ويحمد وهو السحر الحلال # قال صلى الله عليه وسلم «إن من البيان لسحرا» # سمى صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحرا لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ~~ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ولطف عبارته، ويقدر على تحسين القبيح وتقبيح ~~الحسن، يسخط تارة فيقول أسوأ ما يمكن، ويرضى تارة فيقول أحسن ما يعلم. ثم # PageV01P346 # السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهو قوم ~~يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات ~~والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية ~~بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا ~~لمقالتهم ورادا عليهم مذاهبهم. ms0418 ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ~~بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض ~~لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي ~~أوجبه. وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، ~~والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن ~~النفوس خلقت مطيعة للأوهام. وحكي في الشفاء عن أرسطو أن الدجاجة إذا تشبهت ~~كثيرا بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة في الصوت تنبت على ساقها مثل ~~الشيء النابت على ساق الديك. وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة ~~للأحوال النفسانية. # واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير ~~طلب نفساني قليل الأثر. ويحكى أن بعض الملوك عرض له فالج، فدخل عليه بعض ~~الحذاق من الأطباء على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد ~~غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية وزالت تلك العلة المزمنة. والإصابة ~~بالعين مما اتفق عليه العقلاء، والتحقيق فيه أن النفس إذا كانت مستعلية على ~~البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، كانت كأنها روح من الأرواح ~~السماوية، وكانت قوية التأثير في مواد هذا العالم. أما إذا كانت ضعيفة ~~شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في ~~هذا البدن. # فإذا أراد أن يتعدى تأثيرها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند ~~الحس فاشتغل الحس به وتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة بالكلية على ~~ذلك، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ويعضده الانقطاع عن ~~المألوف والمشتهيات وتقليل الغذاء والاعتزال عن الناس، ثم إن كانت النفس ~~مناسبة لهذا الأمر بحسب ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير. وأما الرقى فإن كانت ~~بألفاظ معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حسن البصر كما اشتغل ~~بالأمور المناسبة للغرض، فحس السمع أيضا يشتغل بها، فإن الحواس متى تطابقت ~~متوجهة إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه أقوى وإن كانت بألفاظ غير ~~معلومة ms0419 حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل لها إذ ذاك ~~انجذاب وانقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، فيقوى التأثير النفساني ~~فيحصل الغرض. # وهكذا القول في الدخن قالوا: فثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل ~~بالتأثير فإن # PageV01P347 # انضم إليه الاستعانة بالقسم الأول وهو تأثيرات الكواكب قوي الأثر جدا، لا ~~سيما إن حصل لهذه النفس مدد من النفوس المفارقة المشابهة لها أو من الأنوار ~~الفائضة من النفوس الفلكية. ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو ~~المسمى بالعزائم، وتسخير الجن ومنه التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى ~~الشعوذة. وذلك أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط ~~رأى السفينة واقفة والشط متحركا، والقطرة النازلة ترى خطا مستقيما، والعنبة ~~ترى في الماء كالزجاجة، ويرى العظيم من البعيد صغيرا. وقد لا تقف القوة ~~الباصرة على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا فيخلط ~~البعض بالبعض ولا يتميز، فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطا ~~كثيرة بألوان مختلفة ثم أديرت، فإن البصر يرى لونا واحدا كأنه مركب من كل ~~تلك الألوان. # وأيضا النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر، فلا يشعر ~~الحس به البتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم ~~معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في ~~المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا، فلا يرى شيئا مما في ~~المرآة. فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم ~~إليه، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل شيئا آخر ~~عملا بسرعة فيبقى ذلك العمل خفيا لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة ~~إتيانه بالثاني. ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على ~~النسب الهندسية، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر، ~~ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين ~~الإنسان، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية. وقد ms0420 يفرق بين ضحك السرور وضحك ~~الخجل، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من ~~السحر عرفا، لأن لها أسبابا معلومة يقينية. # ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي ~~الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا ~~اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك ~~وحصل في قلبه نوع من الرعب، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن ~~يفعل فيه ما شاء. وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب ~~أثرا عظيما في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار. # ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس. ~~فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة ~~الله، فإنه لا يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة. ~~واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور، # PageV01P348 # لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون [الزمر: 9] ولأن الفرق بينه وبين المعجز يمكن به إلا أن اجتنابه ~~أقرب إلى السلامة كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية. وأما أن ~~الساحر هل يكفر أم لا فلا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي ~~المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، ~~فإنه يكون كافرا على الإطلاق، وهذا هو القسم الأول من السحر. وأما النوع ~~الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث ~~يقدر على إيجاد الأجسام وإعدامها وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع ~~الأمة أيضا على تفكيره، وأما أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية ~~وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على ~~سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة ~~اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن ~~يعرف ms0421 صدق الأنبياء والرسل، وزيف بأن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذبا في ~~دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار الخوارق على يده لئلا يحصل ~~التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة فظهرت الخوارق على يده لم يفض ذلك إلى ~~التلبيس، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ~~ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وإن حصلت لم ~~يتم فصوله الباطل كنار العرفج. وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنها ليست ~~بكفر، وحكم من كفر بالسحر حكم المرتد. وإذا سحر إنسانا فمات فإن قال: إني ~~سحرته وسحري يقتل غالبا وجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد ~~لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه اسمه فخطأ. وعن أبي ~~حنيفة أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله ~~«إني أترك السحر وأتوب منه» فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه. وإن شهد شاهدان ~~علي أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني ~~كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل. وأما قصة هاروت ~~وماروت فقد يروى عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء فأجابهم الله بقوله إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 31] ثم ~~وكل عليهم جمعا من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وكانوا يعرجون بأعمالهم ~~الخبيثة، فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من ~~القبائح. ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله أن ~~يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما وزهدا ~~وديانة لأنزلهم إلى الأرض فأختبرهم. فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما ~~شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن # PageV01P349 # الشرك والقتل والزنا والشرب. فنزلا، فأمر الله تعالى الكوكب المسمى ~~بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض، فجعلت الزهرة في صورة امرأة، ~~والملك في صورة رجل. ثم إن الزهرة ms0422 اتخذت منزلا وزينت نفسها ودعتهما إليها، ~~ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا عليها وطلبا الفاحشة فأبت ~~عليهما إلا أن يشربا الخمر فقالا: لا نشرب الخمر. ثم غلبت الشهوة عليهما ~~فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت: بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى ~~تفعلاها. قالا: وما هي؟ قالت: تسجدان لهذا الصنم. فقالا: لا نشرك بالله ~~شيئا. ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر. فسجدا للصنم. ثم دخل ~~سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن ~~أردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل. فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله. فلما ~~فرغا من القتل ارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه ~~إنما أصابهما بسبب تعيير بني آدم. وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من ~~أهل الأرض # ، وأنهما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها ~~الاسم الأعظم الذي كانا يعرجان به إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم ~~فعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب ثم إن الله تعالى ~~خيرهما بين عذاب الآخرة آجلا وبين الدنيا عاجلا، فاختارا عذاب الدنيا ~~فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ~~ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع ليعلم السحر خاصة. ~~وهذه القصة عند المحققين غير مقبولة، فليس في كتاب الله ما يدل عليها، ولأن ~~الدلائل الدالة على عصمة الملائكة تنافيها، ولاستبعاد كونهما معلمين للسحر ~~حال العذاب، ولأن الفاجرة كيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى ~~كوكبا مضيئا، ولأنه ذكر في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ~~ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا يا رب لما عصيناك وهذا ~~منهم تكذيب الله وتجهيل. فإذن السبب في إنزالهما أن السحرة كثرت في ذلك ~~الزمان واستنبطت أبوابا غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة، فبعث الله ~~هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك ~~الكاذبين، ولا ms0423 شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد. وأيضا تعريف حقيقة ~~السحر ليميز بينه وبين المعجزة حسن، وكذا السحر لإيقاع الفرقة بين أعداء ~~الله والألفة بين أوليائه. ولعل للجن أنواعا من السحر لا يقدر البشر على ~~معارضتها إلا بإعانة الملك وإرشاده، ويجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف ~~من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم يمنعه من ~~استعماله، كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب مزيد الثواب كما ابتلي قوم ~~طالوت بالنهر فمن شرب # PageV01P350 # منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 942] ويقال: هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ~~ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك ~~معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا ~~منهم. # قوله تعالى وما يعلمان أي وما يعلم الملكان أحدا حتى ينهياه وينصحاه ~~ويقولا له إنما نحن فتنة ابتلاء واختبار من الله فلا تكفر بأن تتعلمه ~~معتقدا له أنه حق أو متوصلا به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة ~~فيتعلمون الضمير لما دل عليه العموم في من أحد أي فيتعلم الناس من الملكين ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت ~~منه امرأته، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ~~ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر ~~في نفسه بدليل قوله وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله بإدارته وقدرته، ~~لأن إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله وإن شاء لم يحدث، وكان الذي ~~يتعلمونه منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى ~~زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر ~~فيها أولى وقرأ الأعمش وما هم بضارين به من أحد فجعل الجار جزءا من المجرور ~~وهو «أحد» وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف. ms0424 ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد ولقد علموا علم هؤلاء اليهود اللام ~~فيه للابتداء وكذا في لمن اشتراه استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب ~~الله ما له في الآخرة من خلاق من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار، وقيل: ~~الخلاق الخلاص. وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر ~~الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر ~~للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا ولبئس ما شروا به أنفسهم أي ~~باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا، وجواب «لو» محذوف يدل ~~عليه ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا. ويجوز أن يكون «لو» ~~للتمني مجازا كما تقدم من الترجي في لعلكم تتقون وحينئذ لا يحتاج إلى ~~الجواب. بقي هاهنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله ولقد ~~علموا على سبيل التوكيد بالقسم إجمالا ثم نفاه عنهم في قوله لو كانوا ~~يعلمون؟ فإن «لو» لامتناع الثاني لامتناع الأول، وكذا لو كان للتمني فإن ~~التمني استدعاء أمر هو كالممتنع. والجواب أن الذين علموا غير الذين لم ~~يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا ~~كتاب الله وراء ظهورهم، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم ~~السحر. سلمنا أن القوم واحد، ولكنهم علموا # PageV01P351 # شيئا وجهلوا شيئا آخر، علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة، وجهلوا مقدار ما ~~فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها، سلمنا أن القوم ~~واحد والمعلوم واحد، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ~~ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس. ولما أوعدهم ~~بقوله ولقد علموا أتبع ذلك الوعد جامعا بين الترهيب والترغيب ليكون أدعى ~~إلى الطاعة وأنهى عن المعصية فقال ولو أنهم آمنوا بعين ما نبذوه من كتاب ~~الله وهو القرآن أو التوراة التي يصدقها القرآن أو كلاهما، واتقوا فعل ~~المنهيات وترك المأمورات، أو اتقوا الله فتركوا ms0425 ما هم عليه من نبذ كتاب ~~الله واتباع كتب الشياطين لمثوبة من عند الله لشيء من ثوابه خير ولا بد من ~~تقدير فعل يكون «أن» مع ما بعده فاعلا له، أي لو ثبت أنهم آمنوا، وجواب ~~«لو» محذوف أيضا ويدل عليه هذه الجملة الاسمية المصدرة باللام أي لأثيبوا ~~وإنما تركت الفعلية إلى هذه ليدل على ثبات المثوبة واستقرارها. ويجوز أن ~~يكون القسم مقدرا وقوله لمثوبة جوابه سادا مسد جواب الشرط مغنيا عنه، ودخول ~~اللام الموطئة في الشرط غير واجب في القسم المقدر وإن كان هو الأكثر، على ~~أن دخول اللام الموطئة في «لو» مستثقل فيشبه أن يكون الأكثر بل الواجب ~~هاهنا عدم الدخول. ويجوز أن يكون «لو» للتمني مجازا عن إرادة الله إيمانهم ~~كأنه قيل: وليتهم آمنوا. ثم ابتدئ لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ~~أن ثواب الله خير مما هم فيه لآمنوا واتقوا، وقد علموا لكنه جهلهم لترك ~~العمل بالعلم. ويجوز أن يكون «لو» بمعنى التمني كما تقرر والله تعالى أعلم ### | التأويل: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين النفوس على ملك سليمان الروح الذي هو خليفة ~~الله في أرضه وما كفر سليمان الروح ولكن الشياطين النفس والهوى كفروا ~~يعلمون الناس السحر من تخييلات الهواجس وتمويهات الوساوس وما أنزل على ~~الملكين فتنة وخذلانا من العلوم الضارة غير النافعة كشبهات الفلاسفة ~~والمبتدعة على ملكي الروح والقلب ببابل الجسد هاروت الروح وماروت القلب ~~فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى الأرض العالم الجسماني ~~بالخلافة لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا واتبعا ~~خداعها فوقعا في شبكة الشهوة التي تركت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر ~~الحرص والغفلة التي تخامر العقل، وزنيا ببغي الدنيا الدنية، وعبدا صنم ~~الهوى فعذبا منكسين برؤوسهما بالالتفات إلى السفليات وإعراضهما عن ~~العلويات، فحرما استماع خطاب الحق وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة ~~للجمعية، ومع هذا من خصوصية الملائكة الروحانية ما يعلمان أحدا من الصفات ~~البهيمية والسبعية والشيطانية. # PageV01P352 # والقوى البشرية حتى يلهماها إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما ms0426 ~~يفرقون به بين المرء القلب وزوجه دينه. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 104 الى # 108] # يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104) ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(105) ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير (107) أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى ~~من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108) ### | القراآت: # ما ننسخ بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان ننسأها مهموزا: ابن كثير وأبو ~~عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء نأت بخير ~~بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في ~~الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن ~~يهمز كل ما كان نسقا أي عطفا على المجزوم أو جوابا للمجزوم كل القرآن مثل ~~قوله عز وجل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم وقوله ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ~~وأشباه ذلك فقد ضل بالإظهار: # حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء ~~حيث وقعتا مثل قوله تعالى: فقد ظلم ولقد ذرأنا وأشباه ذلك. ### | الوقوف: # واسمعوا (ط) أليم (ه) من ربكم (ط) من يشاء (ط) العظيم (ه) أو مثلها (ط) ~~قدير (ه) والأرض (ط) ولا نصير (ه) ربع الجزء ومن قبل (ط) السبيل (ه) . ### | التفسير: # لما شرح الله تعالى قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه ~~والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين ~~موضعا من القرآن. قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة ب «يا أيها ~~المساكين» فكأنه سبحانه لما خاطبهم ms0427 أولا بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخرا ~~حيث قال وضربت عليهم الذلة والمسكنة [البقرة: 61] وهذا يدل على أنه تعالى ~~لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب آخرا ~~وبشر # PageV01P353 # المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا # [الأحزاب: 47] ، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل ~~على أنه تعالى يقربهم منه في دار السلام. وقيل: آمنوا على الغيبة نظرا إلى ~~المظهر وهو «الذين» ولو قيل آمنتم نظرا إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم ~~إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في ~~الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو ~~فارسية. # فلا يبعد أن يمنع الله من قول راعنا ويأذن في قول انظرنا وإن كانا ~~مترادفين. # ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قول راعنا لاشتماله على ~~مفسدة. ثم ذكروا وجوها منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئا من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت ~~لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها «اسمع ~~لا سمعت» كما صرح بذلك في سورة النساء ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا [النساء: 46] فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون ~~«راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها ~~وأمروا بلفظة أخرى وهي انظرنا. # روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، ~~والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أو لستم تقولونها؟ فنزلت، # ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ~~كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود ~~كانوا يقولون «راعينا» أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه. وقيل: إن هذه اللفظة ~~لكونها من باب المفاعلة، تدل على المساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: # أرعنا سمعك ms0428 لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم بعضا [النور: 63] وقيل: «راعنا» خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا ~~تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في انظرنا إلا سؤال الانتظار. وقيل: إنها ~~تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم ~~«عائذا بك» أي أعوذ عياذا. # فقولهم راعنا أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، ~~فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولا ~~راعنا أي منسوبا إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن راعنا بالتنوين. ~~وانظرنا من نظره إذا انتظره انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: 13] أمرهم ~~الله تعالى أن يسألوه صلى الله عليه وسلم الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون ~~إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى ~~أفهامنا. وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصا منه ~~على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم ~~والإرشاد من التثبت # PageV01P354 # والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك. وقيل: انظرنا معناه انظر ~~إلينا مثل واختار موسى قومه [الأعراف: 155] أي من قومه. والغرض أن المعلم ~~إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى. وفي قراءة أبي انظرنا من ~~النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه. # واسمعوا معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا ~~تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا ~~كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما ~~نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسبوه عذاب أليم قوله ما يود الآية. «من» الأولى للبيان، ~~لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون. كقوله لم يكن الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين [البينة: 1] «ولا» مزيدة لتأكيد النفي وقرىء ~~ولا المشركون والثانية مزيدة لاستغراق الخير ف أن ينزل في سياق النفي: ~~فمعنى ما يود ms0429 أن ينزل يود أن لا ينزل. والثالثة لابتداء الغاية، والخير ~~الوحي وكذلك الرحمة أهم يقسمون رحمت ربك [الزخرف: 32] والمعنى أنهم يرون ~~أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من ~~الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما ~~يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة. والله ذو الفضل العظيم والفضل ~~والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء ~~النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله إن فضله كان عليك كبيرا ~~[الإسراء: 87] . # قوله عز من قائل ما ننسخ من آية نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم ~~الله في الإسلام. # روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ~~ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت. # وفي الآية مسائل: # الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته. والنقل ~~أيضا وهو أن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، ~~والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم. فقيل مشترك بينهما، ~~وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس. وفي الاصطلاح: هو رفع ~~الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع ~~بضده رافعا لإباحته فإنه لا يسمى نسخا إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضا ~~الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو # «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» # ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضا بخلاف الرفع بنحو # «دعي الصلاة أيام أقرائك» # فإنه لا مجال للعقل فيه. ويخرج الرفع بنحو «صم إلى # PageV01P355 # آخر الشهر» فإن «إلى» أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا ~~تسمى نسخا لأنه ليس متأخرا، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن ~~يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك. ونحو «صم إلى كذا» وأمثاله من أنواع ~~التخصيص متصلا كان أو منفصلا، إنما خرج بقيد ms0430 الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون ~~بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة ~~من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام. ونعني بالحكم هاهنا ما ~~يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط ~~التكليف لم يكن حاصلا عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث. وإذا كان ~~المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟ # وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعد ما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع. ~~وأيضا نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولا وهو ~~المعنى بالرفع، ويحسن أيضا أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي ~~متراخ، فيخرج بقولنا «شرعي» بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و ~~«بطريق شرعي» يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام ~~عمن ينكسر رجله. وقولنا «متراخ» ليخرج التخصيص بالغاية. ومن هذا يعلم تعريف ~~الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم ~~الله تعالى، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق ~~بيانا لذلك. # المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة ~~على جواز النسخ عقلا وعلى الوقوع شرعا، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم ~~الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز. لنا القطع بالجواز ضرورة فإن ~~له تعالى أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن ~~اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل ~~على جواز النسخ. وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك ~~في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل ~~القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبصحة ~~نبوته يلزم نسخ شرع من قبله. ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد ~~شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون ms0431 شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخا. حجة ~~اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر «هذه شريعة مؤبدة عليكم ~~بها ما دامت السموات والأرض» وأيضا إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له ~~تعالى لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله تعالى، إذ ~~البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا # PageV01P356 # يستتبع غاية. والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى عليه السلام، ~~ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحا عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا صلى ~~الله عليه وسلم ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك ~~على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم. وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح ~~أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، ~~بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على ~~الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئا فشيئا بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود ~~إليه تعالى بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات. فالظهور والخفاء والسابق ~~واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة ~~الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين. والحاصل أن كل حكم ~~فله غاية في علم الله تعالى، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من ~~قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ ~~والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما ~~بالإضافة إليه تعالى فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور ~~متقدما أحدهما ومتأخرا الآخر. وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل ~~حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم ~~والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطرا ~~بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما ~~رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في ms0432 ~~حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء ~~شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [الرعد: 39] ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي ~~بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر. # المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه ~~الآية أعني ما ننسخ من آية. وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة ~~الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى ~~المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى ~~كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه ~~الآية. وأيضا لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى ~~سائر الكتب. وأيضا إن ما هاهنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك «من جاءك ~~فأكرمه» لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه ~~الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو ~~خير منه وثانيها: الاعتداد # PageV01P357 # بالحول في قوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول [البقرة: 240] نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234] أجاب أبو ~~مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها ~~حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك ~~تخصيصا لا نسخا. ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل ~~بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلا بالكلية. وثالثها: ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة [المجادلة: # 12] منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن ~~يمتاز المنافقون عن المؤمنين. ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقا ~~وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق ms0433 غير علي عليه السلام، وبدليل فإذ لم تفعلوا ~~وتاب الله عليكم [المجادلة: 13] ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في ~~قوله إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] ثم نسخ ذلك ~~بقوله الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين [الأنفال: 66] وخامسها: تحويل القبلة. قال أبو مسلم: حكم تلك ~~القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان ~~هناك عذر. ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء. وسادسها: وإذا ~~بدلنا آية مكان آية [النحل: 101] والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع ~~إما التلاوة وإما الحكم. وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها ~~تدل على وقوع النسخ في الجملة. حجة أبي مسلم لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه [فصلت: 42] والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضا نسخه بالنسبة إلى ~~المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآنا عربيا. # المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو ~~التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم «الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم # وروي «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ~~ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» ، # أو الحكم والتلاوة معا كما روي عن عائشة «كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ~~ثم نسخن بخمس» . فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعا، والخمس مرفوع التلاوة ~~باقي الحكم. # ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان. # ولنرجع إلى تفسير الآية ما ننسخ محمول على نسخ الحكم وإزالته دون ~~التلاوة، # PageV01P358 # أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعا. وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن ~~القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا ~~زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، ~~فتصير بهذا الوجه منسية من ms0434 الصدور أو يكون ذلك معجزة له صلى الله عليه وسلم ~~كما # يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها. قال عز من قائل سنقرئك ~~فلا تنسى. إلا ما شاء الله [الأعلى: 6، 7] # وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام ~~بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل. وقيل: ما ننسخ من آية أي ~~نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها ~~نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك. # وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر ~~إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل ~~بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة. ولا يخفى أن قوله نأت بخير منها أو مثلها ~~لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي. ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية ~~القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر. وقد عرفت أنه يمكن حملها ~~على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة ~~المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي [الكهف: 109] ومعنى نأت بخير منها أو مثلها إن حملنا ~~الآية على ما يتضمن حكما على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى ~~وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته. فالثاني خير بالنسبة إلى ~~وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثوابا ~~من العمل بالأول أو مساو له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ~~ثوابا، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح. قال أهل الإشارة أراد ~~بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبدا ~~ناضر، ونجم وصالهم دائما زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل ~~منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم ~~مكانها أشياء من أقمار ms0435 الربوبية. وأيضا إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة ~~في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ~~ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه ~~حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ~~ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها. ثم ~~الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا ~~إلى بدل لقوله نأت بخير منها أو مثلها والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل ~~إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا. سلمنا ~~لكنه مخصوص بنسخ تقديم # PageV01P359 # الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل. سلمنا ~~عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ~~ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيرا للمكلف لمصلحة علمت. الثانية: زعم قوم أن ~~النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيرا منه ولا مثله. ورد الجمهور ~~عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل «أجرك على قدر نصبك» ~~وأيضا قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتما، وصوم عاشوراء ~~برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد. وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة ~~من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها. وأما ~~نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة. الثالثة: # عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله نأت بخير منها وذلك ~~يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان «ما آخذ منك من ثوب آتك ~~بخير منه» يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن. وأيضا ~~نأت يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول. وأيضا المأتي به خير والسنة لا ~~تكون خيرا من القرآن. وأيضا قوله ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير دل على ~~أن ms0436 الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت ~~مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله تعالى. ~~وأجيب بأن قوله نأت بخير منها ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا، بل ~~لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك ~~أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية ~~مرتبا على الإتيان بذلك الخير لزم الدور. قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: ~~المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها. ثم احتج الجمهور ~~على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله «ألا لا ~~وصية لوارث» وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم. أجاب الشافعي: بأن كون ~~الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من ~~الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله تعالى «الشيخ والشيخة» إلخ. # له ملك السماوات والأرض فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو ~~أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ. والخطاب في ألم تعلم إما للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فتدخل الأمة تبعا، أو لكل من له أهلية الخطاب. ومعنى ~~الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه. ~~وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، ~~فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف # PageV01P360 # الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان. والولي ضد ~~العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير. والواو ~~في وما لكم يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف ~~على له ملك السماوات فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله من دون الله من وضع ~~الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على والأرض. # أم تريدون قيل: الخطاب للمسلمين لقوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان وهذا لا ~~يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن ms0437 «أم» للعطف ولا معطوف ظاهرا. فالتقدير: ~~وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم أم تريدون أن تسئلوا ~~رسولكم ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل صلى الله عليه وسلم لهم ذات ~~أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها ~~المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة وهذا قول ~~الأصم والجبائي وأبي مسلم. # وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية ~~المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال: يا محمد، ~~ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو ~~يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل ~~علينا كتابا من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمدا رسول الله فاتبعوه. ~~فقال له بقية الرهط: # فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام ~~والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله ~~السبعون، # وعن مجاهد: أن قريشا سألت محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم ~~الصفا ذهبا. فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. # وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله يا بني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما ~~جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفرا بإيمان، ~~وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلا عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه ~~إلى الروايات المذكورة. وهاهنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلبا ~~للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرا ~~وإن كان ذلك طلبا لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضا لا يكون ~~كفرا فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم ms0438 يكن ذلك كفرا. ~~فالتكفير إما لأنهم طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم إلها كما لهم ~~آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج. قلت: والأصوب في ~~الآية أن يكون أم تريدون معطوفا على ألم تعلم على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون # PageV01P361 # في معنى الجمع. ثم «أم» إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن ~~العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت ~~قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على ~~سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن ~~المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من ~~حقه أن يقتصر على علمه الإجمالى ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن ~~تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر. ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي ~~عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير. وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام ~~الأول واستأنف استفهاما ثانيا، ويحتمل أن لا يكون قوله ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان حكما بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيها للمكلفين، على أن ~~السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات ~~حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله ~~أو لا يهم معرفتها. وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 113] # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109) وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (110) وقالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ms0439 ربه ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (112) وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (113) ### | القراآت: # قد سلفت. ### | الوقوف: # كفارا (ج) لأن حسدا مصدر محذوف أي يحسدون حسدا، أو حال أو مفعول له وهو ~~أوجه والوصل أجوز الحق (ج) لعطف الجملتين المختلفتين بأمره (ط) قدير (ه) ~~الزكاة (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر عند الله (ط) بصير (ه) أو نصارى (ط) ~~أمانيهم (ط) صادقين (ه) عند ربه (ص) لعطف الجملتين المتفقتين يحزنون (ه) ~~النصارى على شيء (ص) لا لعطف الجملتين # PageV01P362 # المتفقتين على شيء (ص) لأن الواو للحال الكتاب (ط) مثل قولهم (ج) لأن ~~فالله مبتدأ مع فاء التعقيب يختلفون (ه) . ### | التفسير: # هذا نوع آخر من مكايد اليهود. # روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن ~~اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ~~ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا. فقال ~~عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا شديد. قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال ~~حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالإسلام دينا وبالقرآن ~~إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبراه فقال: أصبتما خيرا وأفلحتما فنزلت. # وكفارا نصب على الحال، أو مفعول ثان ل «يردون» على أنه بمعنى «صير» ~~والحسد من أقبح الخصال الذميمة # قال صلى الله عليه وسلم «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقال: ~~«إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟ # قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله» وقال «ستة يدخلون ~~النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، ~~والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد» # وروي ms0440 أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا يغتبط بمكانه فقال: ~~إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: ~~أحدثك من عمله ثلاثا: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان ~~لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، # ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط ~~فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ~~ثم قرأ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر [البقرة: 34] وإياك والحرص فإنه أخرج ~~آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه ~~الله ثم تلا اهبطا منها [طه: 123] وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين ~~حسده ثم قرأ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق [المائدة: 27] وقال ابن الزبير: ~~ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده ~~على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر ~~الدنيا وهو يصير إلى النار؟ # واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ~~المحرم الذي ذم الله تعالى صاحبه في هذه الآية وغيرها أم يحسدون الناس على ~~ما آتاهم الله من فضله [النساء: 54] إن تمسسكم حسنة تسؤهم [آل عمران: 120] ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا [يوسف: 8] وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو ~~الغبطة والمنافسة المشتقة من # PageV01P363 # النفاسة وليست بحرام لقوله تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون [المطففين: ~~26] سابقوا إلى مغفرة من ربكم [الحديد: 21] # وقال صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا ~~وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلم الناس» «1» # وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت ~~النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو ~~الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد ms0441 تكون مباحة. وللحسد مراتب ~~أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث. الثانية: ~~أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته ~~فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض. الثالثة: ~~أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها ~~كيلا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة: # أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه. وهذا الأخير هو ~~المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة ~~منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال تعالى: ولا تتمنوا ~~ما فضل الله به بعضكم على بعض [النساء: # 32] تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم. وأسباب الحسد سبعة: ~~أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه ~~الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب ~~أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها [آل عمران: 120] . وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع ~~والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحدا من أمثاله إذا نال منصبا عاليا فترفع ~~عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه. وليس من غرضه أن ~~يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته. وثالثها: أن يكون في ~~طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ~~وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننا [الأنعام: 53] كالاستحقار لهم والأنفة منهم. ~~ورابعها: التعجب أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم [الأعراف: 63] ~~وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، ~~كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم ~~على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة. ~~وسادسها: حب الرياسة كمن يريد ms0442 أن يكون PageV01P364 # عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ~~ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه. ومن جملة أنواع ~~الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله تعالى، ومن طمع في ~~المحال خاب وخسر. # وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ~~ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، ~~وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ~~ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له ~~سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره. وقد يجتمع بعض ~~هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور ~~الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين. # وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب ~~اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين [الحجر: 47] وأما علاج الحسد ~~فأمران: العلم والعمل. أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل ~~بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية ~~كاره ولا يجره إرادة مريد. وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان ~~حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ~~ومورث للوسواس، ومكدر للحواس. ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا ~~تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله ~~على ذلك. وقد ينتفع في دنياه أيضا من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك ~~وأحزانك إلى أن بقضي بك إلى الدنف والتلف. # اصبر على مضض الحسو ... دفإن صبرك قاتله # النار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله # وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه ms0443 مخصوصا من الله تعالى بمزيد الفضائل. # لا مات أعداؤك بل خلدوا ... حتى يروا منك الذي يكمد # لا زلت محسودا على نعمة ... فإنما الكامل من يحسد # والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، ~~مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجرا إلى عدو ليصيب به ~~مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ~~ثانيا فيرميه أشد من الأول # PageV01P365 # فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثا فيرجع على رأسه ~~فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه ~~يفرحون ويضحكون؟ هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وأما العمل فهو ~~أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه ~~كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن ~~حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوبا ~~محبا له، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [فصلت: 34] ، وذلك ~~التكلف يصير بالآخرة طبعا والله الموفق. واعلم أن النفرة القائمة بقلب ~~الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ وإنما الداخل ~~تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى ~~إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع ~~المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ~~ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما ~~يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم ~~وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه. ~~الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة. # قوله من عند أنفسهم إما أن يتعلق ب ود أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من ~~قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على ms0444 ~~الحق، وإما أن يتعلق ب حسدا أي منبعثا من أصل نفوسهم فاعفوا واصفحوا ~~فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك ~~أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائما بل حتى يأتي الله بأمره عن الحسن أنه ~~المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه ~~الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل ~~والصغار. والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعا فليس كقوله ~~ثم أتموا الصيام إلى الليل [البقرة: 187] بل يحل محل قوله فاعفوا واصفحوا ~~إلى أن أنسخه عنكم. # عن الباقر عليه السلام: إنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال ~~حتى نزل جبريل بقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا [الحج: 39] وقلده سيفا ~~فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر. # فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا ~~يكون إلا عن قدرة؟ قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على ~~بعض التشفي والاستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا # PageV01P366 # يهيجوا قتالا وفتنة. وأيضا القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] وأيضا جعل الصابر إلى ~~القوة قويا ليظهره على الدين كله. وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن ~~الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا ~~لا تكون الآية منسوخة. وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء ~~بني النضير وإذ لا لهم بضرب الجزية عليهم إن الله على كل شيء قدير فهو يقدر ~~على الانتقام منهم وأقيموا الصلاة تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم ~~بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة ~~صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعد ما خص تنبيها على أن الثواب لا يختص ~~بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن ~~وجدان عين تلك الأشياء غير ms0445 مطلوب إن الله بما تعملون بصير لا يخفى عليه شيء ~~من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء وقالوا لن يدخل الجنة نوع آخر ~~من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في وقالوا لهم والمعنى وقالت ~~اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان ~~نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من ~~تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ~~[البقرة: 135] والهود جمع هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة ~~النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم «كان» حملا على لفظ «من» ~~وجمع خبره حملا على المعنى ومثله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم [البقرة: ~~112] تلك أمانيهم على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن ~~أمانيهم جميعا في البطلان مثل هذه وهي قولهم لن يدخل الجنة أو أشير بتلك ~~إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن ~~يردوهم كفارا أمنية، وقولهم لن يدخل الجنة أمنية أي تلك الأماني الباطلة ~~أمانيهم، وقوله قل هاتوا برهانكم متصل بقوله لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض على هذا. وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ~~ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ~~ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء. ~~برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم، وفيه ~~دليل واضح على أن المدعي نفيا أو إثباتا لا بد له من برهان وإلا فدعواه ~~باطلة. # من ادعى شيئا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه # PageV01P367 # بلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله من أسلم إلى آخره جملة ~~شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون من أسلم فاعلا لفعل محذوف أي بلى يدخلها من ~~أسلم ويكون قوله فله أجره كلاما معطوفا على يدخلها من أسلم وفيه إشارة إلى ms0446 ~~أن لهؤلاء الداخلين برهانا وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع ~~الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة ~~كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم ~~طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه ~~أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع ~~الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات كل شيء هالك ~~إلا وجهه [القصص: 88] إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى [الليل: 20] ولأن أعظم ~~العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه. وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي # ورد في الحديث «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه ~~سبيلا» # لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال ~~والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم عليه السلام إذ قال له ربه أسلم ~~قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] ويؤكد ذلك قوله لله أي خالصا له لا ~~يشوبه شرك فلا يكون عابدا مع الله غيره ولا معلقا رجاءه بغيره، وزاد ~~التأكيد بقوله وهو محسن أي حال كونه محسنا في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي ~~في # الحديث «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» # ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء ~~الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا ~~يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما ~~الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في # الخبر «من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب ~~لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة» # وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى ~~النسوان كان التطيب معصية، ms0447 وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية ~~عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح ~~والمطاعم والمشارب. والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ~~ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، # روي أن رجلا في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو ~~كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس. فأوحى الله تعالى إلى نبيه قل له: ~~إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت # PageV01P368 # به. # وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته «نويت أن ~~أدرس لله أو أتجر لله» هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول ~~الفارغ «نويت أن أعشق» وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق ~~الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك. # «وللناس فيما يعشقون مذاهب» فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ~~ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن ~~طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات # «أكثر أهل الجنة البله» # ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما ~~جمع الله تعالى أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل ~~فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان ~~السبب خاصا لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى. # روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ~~أخبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء ~~من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل. وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى ~~والتوراة. # ومعنى على شيء أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب «أقل ~~من لا شيء» عن ابن عباس: والله صدقوا. قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما ~~يعتد به إذا ms0448 كان مؤمنا برسوله وبكل ما أنزله وهم يتلون الكتاب الواو للحال ~~والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق ~~من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، ~~لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضا كذلك الكاف للتشبيه ~~وكذلك إشارة إلى المذكور أي قولا مثل الذي سمعت به قال الذين لا يعلمون ~~ومثل قولهم مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة. والمراد بالذين لا ~~يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن ~~المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في ~~سلك من لا يعلم فقالوا قولا عن التشهي والعصبية مثلهم فالله يحكم بينهم أي ~~بين اليهود والنصارى يوم القيامة. عن الحسن: يكذبهم جميعا ويدخلهم النار ~~ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى ~~المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم ~~المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عيانا ويدخل النار عيانا ~~أعاذنا الله تعالى منها. # PageV01P369 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 118] # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~(114) ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ~~(115) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له ~~قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~(117) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين ~~من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118) ### | القراآت: # قالوا اتخذ الله بلا واو العطف: ابن عامر اتباعا لمصاحف أهل الشام كن ~~فيكون بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله كن فيكون الحق في آل عمران، وكن ~~فيكون قوله الحق في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس. ms0449 ### | الوقوف: # خرابها (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر خائفين ط لأن ما بعده إخبار وعيد ~~مبتدأ منتظر عظيم (ه) وجه الله (ط) عليم (ه) وإذا لا تعجيلا للتنزيه سبحانه ~~(ط) والأرض (ط) لأن ما بعده مبتدأ قانتون (ه) والأرض (ط) لأن إذا أجيبت ~~بالفاء وكانت للشرط فيكون (ه) آية (ط) قلوبهم (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ~~يوقنون (ه) . ### | التفسير: # عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر ~~أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خرابا حتى بناه أهل ~~الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم. وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في ~~بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى. ورد بأن بختنصر كان ~~قبل مولد المسيح بزمان. وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إلى الله بمكة ألجئوه إلى الهجرة، فصاروا ~~مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. # وقيل: المراد منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد ~~الحرام عام الحديبية. ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين. هو ~~أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون ~~الجنة؟ وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله كذلك قال الذين لا ~~يعلمون فعقب ذلك بسائر قبائحهم و «من» استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد ~~أظلم ممن منع وأن يذكر ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من مساجد ~~أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولا له. # PageV01P370 # وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله تعالى مفرط في ~~الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا كما تقول لمن آذى ~~صالحا واحدا من أظلم ممن آذى الصالحين؟ ومثله ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: ~~1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق. وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضا لا ~~الذين منعوا من أولئك ms0450 النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد ~~بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ومن أظلم الذي هو في قوة ليس ~~أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل إن الشرك لظلم عظيم ~~[لقمان: 13] وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا ~~المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله تعالى فيه، فالمانع من ~~ذلك واضع للشيء في غير موضعه. وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركا فقد ~~جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله ~~مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن له معبودا عرف وجوب عبادته له عقلا أو شرعا، ~~والعبادة تستدعي متعبدا لا محالة. فتخريب المتعبد ينبىء عن إنكار العبادة ~~وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلما ~~وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالا من الكافر ~~الأصلي بالاتفاق أولئك المانعون ما كان لهم أي ما ينبغي لهم أن يدخلوها في ~~حال من الأحوال إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن ~~يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. # والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل: هذه ~~بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل ~~المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو ~~يقتلوا إن لم يسلموا. وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد ~~الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك. وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي ~~المسلمين. وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن ~~يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة. وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي ~~عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول ms0451 الله [الأحزاب: 53] فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد. ~~وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك ~~في قوله إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~[التوبة: 28] . وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد. # وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية خزي ذل يمنعهم من المساجد أو ~~بالجزية في حق أهل الذمة # PageV01P371 # وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر. ~~وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب ~~الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: # (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك ~~دليل على شرفها وكذا في قوله وأن المساجد لله [الجن: 18] بلام الاختصاص ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر [التوبة: 18] في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه [النور: 39] # وقال صلى الله عليه وسلم «أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى ~~الله أسواقها» «1» # وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة ~~وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر ~~المساجد في غاية العدل والإيمان. # (الثانية) في فضل المشي إلى المساجد # عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال «من تطهر في بيته ثم مشى إلى ~~بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط ~~خطيئة والأخرى ترفع درجة» «2» # وقال صلى الله عليه وسلم لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد ~~«دياركم تكتب آثاركم» «3» . # (الثالثة) في تزيين المساجد. # عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» # قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى. التشييد رفع البناء ~~وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه. وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس ~~من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. # (الرابعة) ms0452 في تحية المسجد. # عن أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ~~ركعتين قبل أن يجلس» «4» # وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب PageV01P372 # الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق. وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ~~ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب ~~الرأي. # (الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه. # روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها قالت: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم ~~وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك. # (السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة # عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما ~~دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث» «1» . # (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، # عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم ~~الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة ~~والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة ~~في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضا. # عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سمع ~~رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن ~~لهذا» «2» # وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على ~~السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من ~~أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد ~~فيها الضالة، أو تتخذ سوقا. ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأسا ms0453 لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند ~~منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في ~~المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد. # (الثامنة) النوم في المسجد. # عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيا ~~في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى. # وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع PageV01P373 # وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم نهى عنه # وقال: «إنها ضجعة يبغضها الله» . # (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد. # عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البزاق في المسجد خطيئة ~~وكفارتها دفنها» «1» # وعنه صلى الله عليه وسلم «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه ~~يتاجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا ولكن ليبصق عن ~~شماله أو تحت رجله «2» فيدفنه» . # (العاشرة) # عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل ~~مسجدنا» «3» # وعنه صلى الله عليه وسلم «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا ~~فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» «4» . # (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور # عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور ~~وأن تنظف وتطيب. # وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله. # قوله عز من قائل ولله المشرق والمغرب الآية، الأكثرون على أنها نزلت في ~~أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما ~~الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن ~~استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف ~~مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن ~~القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله تعالى، فكانت الآية PageV01P374 # مقدمة لما أراد من نسخ ms0454 القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن ~~بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت ردا عليهم. وثالثها قول أبي مسلم: إن كلا ~~من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن ~~اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه تعالى صعد السماء من ~~الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك إذ انتبذت من أهلها ~~مكانا شرقيا # [مريم: 16] فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو ~~مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟ ~~ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى ~~أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه تعالى نسخ ذلك التخيير ~~بتعيين الكعبة. وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من ~~أي جهة شاء. وسادسها: # روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة ~~موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية عذرا لنا في خطئنا. # وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد ~~الهجرة بعد نسخ القبلة. # وسابعها: # عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعا يومىء برأسه نحو ~~المدينة. # فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي ~~فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا ~~يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض ~~فإنها محصورة. فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى ~~الحرج، ms0455 ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع ~~منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة. وأما الفرقة الثانية ~~فاختلفوا أيضا فقيل: الخطاب في تولوا للمانعين والساعين يريد أنهم أين ~~هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم. # عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات ~~فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم» فنزلت وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله وما أنزل إليكم [آل عمران: 199] الآية. # فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي ~~إليها أهل كل ملة لي. فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، ~~فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143] وعن الحسن ومجاهد # PageV01P375 # والضحاك: لما نزلت ادعوني أستجب لكم [غافر: 60] قالوا: أين ندعوه؟ فنزلت، ~~وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله ~~عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي ~~مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~[البقرة: 144] فولوا وجوهكم شطره [البقرة: 144] فثم الجهة المأمورة المرضية ~~وهذا # كقوله صلى الله عليه وسلم «جعلت لي الأرض مسجدا» «1» # وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى ~~بشرائط الاجتهاد رأيا فهو مصيب. ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم ~~إليها. ويقال: ولى هاربا أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب ~~للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار وفثم إشارة إلى المكان خاصة. وقد ~~زعمت المجسمة من الآية أن لله تعالى وجها وأيضا سماه واسعا، والسعة من نعوت ~~الأجسام. والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي ~~لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذيا للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذيا ~~للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل ms0456 «بيت الله» «وناقة ~~الله» لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه ~~بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض [الأنعام: 79] أو المراد فثم مرضاة الله مثل ~~إنما نطعمكم لوجه الله [الدهر: 9] فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئا فشيئا ~~كالمتوجه إلى شخص ذاهبا إليه شيئا فشيئا. وكيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف ~~يكون جسما أو جسمانيا وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض ~~والخالق مقدم على المخلوق تقدما بالذات والعلية والشرف؟ فالمراد بالسعة ~~كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه تعالى ~~قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية ~~عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم. # قوله وقالوا اتخذ الله ولدا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى ~~والمشركين جميعا فقد مر ذكرهم في قوله كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ~~وفي قوله ومن أظلم PageV01P376 # كما مر. والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، ~~والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات ~~الله سبحانه تنزيه له عن ذلك وتبعيد بل له ما في السماوات والأرض ملكا ~~وخلقا وإبداعا وصنعا، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح. والولد لا بد أن ~~يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود ~~لذاته؟ اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة ~~بكل منهما. وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته ~~وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال كل له قانتون التنوين عوض عن ~~محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو ~~طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعا به ولأجله ~~وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم ~~القيامة فسئل هذا للمكلفين. وقوله بل له ما في السماوات يعم المكلف وغيره، ms0457 ~~فعدل إلى تفسير آخر قائلا المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من ~~آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن ~~تصرفه فيها كيف يشاء. وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في قانتون للتغليب، أو ~~يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما ~~أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل. # يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى ~~عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه. فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك ~~إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟ فقال علي: إن كان عيسى إلها فالإله كيف يعبد ~~غيره؟ وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت # بديع خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع السماوات والأرض عم أولا لأن الملكية ~~والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجدا للمملوك، ثم خص ثانيا فقال بديع: بدع ~~الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة ~~المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه. وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى ~~مؤلم وضعف، ثم إنه تعالى بين كيفية إبداعه فقال: وإذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون أصل التركيب من «ق ض ى» يدل على القطع. قضى القاضي بهذا إذا ~~فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر ~~إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل ~~منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ~~هاهنا، ومعنى قضى أمرا أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: # PageV01P377 # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # ثم من قرأ فيكون بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ ~~بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر ~~في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، ms0458 أو ~~اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز ~~لأن الشيء لا يكون شرطا لنفسه. # قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئا ~~مغايرا لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع ~~في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئا آخر مغايرا له. فقول القائل ~~«اذهب تذهب أو فتذهب» معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب ~~عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، ~~فأوقع «كان» التامة جوابا لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع ~~بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جوابا له من حيث المعنى. فإن قلت: إن ~~قوله فيكون لما كان من تتمة المقول. فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو «اذهب ~~فتذهب» قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله أمرا وفي قوله له ~~ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات ~~تحقيرا لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك. ~~وهاهنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله تعالى لشيء على صدور ~~لفظة «كن» منه لوجوه: # الأول أن قوله كن إما أن يكون قديما أو محدثا لا جائز أن يكون قديما، لأن ~~النون لكونه مسبوقا بالكاف يكون محدثا لا محالة، والكاف لكونه متقدما على ~~المحدث بزمان مقدر يكون محدثا أيضا، ولأن «إذا» للاستقبال فالقضاء محدث، ~~وقوله «كن» مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون ~~المخلوق مرتب على قوله «كن» بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث ~~أيضا، ولا جائز أن يكون «كن» محدثا وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور ~~وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على «كن» (الثاني) إما أن ~~يخاطب المخلوق ب «كن» قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد ~~دخوله في الوجود لا فائدة ms0459 فيه. (الثالث) المخلوق قد يكون جمادا وتكليف ~~الجماد لا يليق بالحكمة. (الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله ~~كن فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى كن، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر ~~قادرا على الفعل إلا عند تكلمه ب كن فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو ~~يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة ب كن ولا نزاع في اللفظ. (الخامس) أنا نعلم ~~بالضرورة أنه لا تأثير لهذه # PageV01P378 # الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا. (السادس) المؤثر إما ~~مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، ~~وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر ~~غير جائز فلابد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور ~~وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال ~~هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا ~~يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت ~~حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله تعالى ~~للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا، عن أبي الهزيل. وقيل إنه خاص ~~بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم. وقيل: أمر ~~للأحياء بالموت وللموتى بالحياة وقال الذين لا يعلمون يعني الجهلة من ~~المشركين. وقيل: من أهل الكتاب أيضا. ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به. ~~فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في ~~النبوة. ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد ~~تحصيل شيء اختار أقرب الطرق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه تعالى كلم ~~الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد ~~وتزول الشبهة؟ فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟ وهذا طعن منهم في ms0460 ~~كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله تعالى بقوله كذلك قال الذين من قبلهم ~~من مكذبي الرسل تشابهت قلوبهم أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ~~أتواصوا به [الذاريات: 53] فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح ~~الأباطيل لن نصبر على طعام واحد [البقرة: 61] أرنا الله جهرة [النساء: 153] ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [الأعراف: 138] فكذلك هؤلاء المشركون قالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا [الفرقان: 21] وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ~~يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء [النساء: 153] قد بينا ~~الآيات لقوم يفقهون ف يوقنون أنها آيات. فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع ~~الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء ~~عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع ~~الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضا لو كان في معلوم الله تعالى أنهم ~~يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم ~~يفعل ذلك وأيضا، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب ~~كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصالهم بالكلية إذا # PageV01P379 # استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضا كثرة ~~الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق العادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده ~~إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه ~~لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم. ### | التأويل: # مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، ~~والسر والخفي- وهو سر السر- وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد. # فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة ~~السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك ~~بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود ~~حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني ~~محجوبة. وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه ms0461 بالحظوظ والمسكنات، ~~وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات ~~والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى ~~المشاهدات والمكاشفات أولئك ما كان لهم أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك ~~إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب لهم في الدنيا خزي من ذل ~~الحجاب ولهم في الآخرة عذاب الحرمان من جوار الله. ولله المشرق والمغرب ~~القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق ~~وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى ~~وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند ~~غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا ~~تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة ~~على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ~~ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء. وتلاشي ~~العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة ~~وما بقي إلا الله فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع يوسع قلب من يشاء ~~من عباده ليسعه عليم بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني ~~أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 119 الى 123] # إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم (119) ولن ترضى ~~عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (120) الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون (121) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم ~~على العالمين (122) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ~~ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون (123) # PageV01P380 ### | القراآت: # ولا تسئل على النهي: نافع ويعقوب. الباقون بضم التاء ms0462 ورفع اللام على ~~الخبر. ### | الوقوف: # ونذيرا (لا) للعطف أي نذيرا وغير مسؤول إلا لمن قرأ ولا تسئل على النهي ~~لاختلاف الجملتين الجحيم (ه) ملتهم (ط) الهدى (ط) من العلم (لا) لأن نفي ~~الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر نصير (ه) ~~تلاوته (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره. وعندي أن الأصوب عدم الوقف ~~لتكون الجملة أعني يتلونه حالا من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ~~أولئك يؤمنون به الجملة خبر «الذين» لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقا بأنهم ~~يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ~~يؤمنون به (ط) للابتداء بالشرط الخاسرون (ه) العالمين (ه) ينصرون (ه) . ### | التفسير: # لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في ~~باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله ~~لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق. والصواب حسب ما تقتضيه ~~الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن ~~تكون بشيرا لمن اتبعك بكل خبر ونذيرا لمن خالفك بكل سوء فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات [فاطر: 8] فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، ~~وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله تعالى قالوا ابنوا له بنيانا ~~فألقوه في الجحيم [الصافات: 97] والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ~~فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب [الرعد: 40] وأما قراءة النهي فيروى أنه ~~قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام ~~بأعداء الله. وفي هذه الرواية بعد، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم مع # PageV01P381 # علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟ والأقرب أن معناه تعظيم ما ~~وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل ~~عنه، فكان المسئول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى ms0463 أنك ~~لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر. وقوله ولن ترضى فيه ~~إقناط لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من ~~التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأسا برأس، بل ~~يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى قل ~~إن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ ~~للأديان كلها ولئن اتبعت أهواءهم مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة بعد ~~الذي جاءك من العلم بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ما لك من ~~الله من عقابه وسخطه من ولي معين يعصمك ولا نصير يذب عنك. قال أهل البرهان ~~إنما لم يقل في هذه الآية بعد ما جاءك من العلم كما قال في آية القبلة على ~~ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم ~~بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ «الذي» أليق لأنه في التعريف ~~أبلغ، فإن «الذي» يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام. # بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة «بما» و «من» ~~التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم ~~بالقبلة وليس الأول موقتا بوقت أعني العلم بالله وبصفاته- فلم يحتج إلى ~~زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران من بعد ما جاءك ~~من العلم [آل عمران: 61] فلهذا جاء بلفظ «ما» وزاد لفظة «من» وأما في سورة ~~الرعد فإنه ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم [الرعد: 37] لأن العلم ~~فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضا من الأول وهو العلم بالله ~~وبصفاته فجاء لفظ «ما» ولم يزد لفظ «من» التوقيتية لأنه غير موقت والله ~~أعلم بأسرار كلامه. وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل ~~حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على ~~العلم بالمأمور ms0464 به لقوله بعد ما جاءك من العلم فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد ~~القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق. وفيها أن ~~الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره ~~وقوله لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن ~~الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجرا ~~شديدا لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي صلى الله عليه وسلم لو فرض منه ~~اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~[الفتح: 2] ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم # PageV01P382 # ذلك الذين آتيناهم الكتاب قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن ~~الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن. والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين ~~من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم. ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ~~ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتبعون مقتضاه ~~من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند ~~تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم ~~دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ومن ~~يكفر به من المحرفين أو من الواضعين من حقه فأولئك هم الخاسرون حيث لم ~~ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل ~~حين. يا بني إسرائيل الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيرا للنعم بعد تعداد ~~مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 124 الى 126] # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124) وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) وإذ قال إبراهيم ms0465 رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر ~~فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126) ### | القراآت: # إبراهام بالألف في البقرة والنساء إلا فقد آتينا آل إبراهيم وفي الأنعام ~~ملة إبراهام وفي جميع براءة إلا وقوم إبراهيم وفي إبراهيم وإذ قال إبراهام ~~وفي النحل ومريم والعنكبوت ولما جاءت رسلنا إبراهام خاصة وفي «حم عسق» ~~وجميع المفصل وإلا قوله في المودة إلا قول إبراهيم وفي الأعلى صحف إبراهيم ~~هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط. (واعلم) أن ذكر إبراهيم ~~في القرآن تسعة وستون موضعا منها ثلاثة وثلاثون «إبراهام» بالألف في قراءة ~~ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون «إبراهيم» بالياء، والعلة في ذلك ~~اتباع مصحفهم. فما كتب بالألف قرىء بالألف، وما كتب بالياء قرىء بالياء، ~~والاختيار عند الأئمة أن يقرأ هاهنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، ~~لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل ~~وإسرافيل وإسماعيل عهدي مرسلة الياء: حمزة وحفص وإذ جعلنا وبابه مدغمة ~~الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام بيتي بالفتح: أبو جعفر ونافع. وحفص وهشام ~~واتخذوا بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر فأمتعه خفيفا ابن عامر. ~~الباقون بالتشديد. # PageV01P383 ### | الوقوف: # فأتمهن (ط) إماما (ط) ذريتي (ط) الظالمين (ه) وأمنا (ط) لمن قرأ واتخذوا ~~بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين مصلى (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال ~~الثلاثة فلا وقف السجود (ه) واليوم الآخر (ط) عذاب النار (ط) لأن «نعم» و ~~«بئس» للمبالغة في المدح والذم فيبتدىء بهما تنبيها على المدح والذم المصير ~~(ه) . ### | التفسير: # إنه تعالى لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم ~~النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم ~~عليه السلام لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام ~~بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد ~~لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم ms0466 وفي بها فنال منصب الاقتداء به، ~~فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله ~~والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له لا ينال عهدي ~~الظالمين فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله ~~لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على ~~اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه ~~والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. أما قوله وإذ ابتلى العامل في «إذ» إما مضمر نحو «واذكر» وتكون بمعنى ~~الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما قال إني جاعلك للناس إماما ~~وعلى هذين التقديرين تكون ظرفا لكان أو قال. وموقع «قال» على الأولين ~~استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فأجيب قال إني جاعلك ~~وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف ~~أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضا على طريقة السؤال المقدر ~~والجواب، وليكون على منهاج وإذ جعلنا وإذ قال إبراهيم وإذ يرفع [البقرة: ~~127] والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيها لأمره ~~بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيرا منا قد يأمر ليعرف ما ~~يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه تعالى مع أنه ~~عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى ~~الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما ~~يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. # واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه تعالى كان في الأزل عالما ~~بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود ~~فهو تعالى لا يعلمها إلا # PageV01P384 # عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء. ms0467 وكلمة «لعل» ~~والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضا على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه تعالى ~~لو كان عالما بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم ~~الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة ~~على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع ~~بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجبا ~~لذاته أو ممتنعا لذاته، ومنها أنه لو كان عالما بجميع الجزئيات لكان له ~~علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير ~~متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع ~~بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد. ونوقض بمراتب ~~الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضا المجموعية والزيادة والنقصان كلها من ~~خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال. ومنها أن ~~هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟ فإن ~~علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب. والجواب الاختيار أنه لا ~~يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله ~~لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل ~~معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما ~~خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون ~~معلوما. والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن ~~العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم ~~الإنسان شيئا إلا إذا علم أمورا لا نهاية لها. والحق أن نور الأنوار لا ~~يتناهى ووراء لا يتناهى ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي ~~غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا ms0468 مع ~~تناهي قوتنا ونوريتنا. # هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير ~~عليه يسير؟ # إبراهيم بالنصب ربه بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير ~~الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير ~~المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظا، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع إبراهيم ~~ونصب ربه فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله ~~تعالى إليهن أم لا؟ واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك ~~الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع ~~قواعده والدعاء بابتعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذه تكاليف شاقة، أما ~~الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب # PageV01P385 # النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف ~~على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه. ثم إنه يتضمن إقامة ~~المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره. ~~وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة ~~الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة. واعترض على هذا القول بأن المراد من ~~الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله فأتمهن بعد تعداد الجميع. وأجيب ~~بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك ~~الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر فأتمهن بعد هذا التفصيل لوقع ~~ضائعا ولا نقطع النظم. والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات ~~زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، ~~وزعم بعضهم أنها أوامر ونواه. # فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في ~~الرأس: # المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: ~~الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء. وقيل: ~~ابتلاه الله تعالى من ms0469 شرائع الإسلام بثلاثين سهما، عشرة في براءة التائبون ~~العابدون [التوبة: 112] الآية وعشرة في الأحزاب إن المسلمين والمسلمات ~~[الأحزاب: 35] وعشرة في «المؤمنين» «وسأل سائل» إلى قوله والذين هم على ~~صلاتهم يحافظون [المعارج: 34] وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي ~~والإحرام والوقوف بعرفة. وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس ~~والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل وإبراهيم الذي ~~وفى [النجم: 34] وقيل: ما ذكره في قوله إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين [البقرة: 131] وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ ~~وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها. وجملة ~~القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع ~~هذه الأشياء وكلا منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء ~~كان قبل النبوة لأنه تعالى نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماما. ~~وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفا بتلك التكاليف إلا من الوحي. ~~والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها ~~قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة ~~كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه ~~مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل ~~سوى الوحي كمنام أو إلهام. والضمير في «أتمهن» على القراءة المشهورة ~~لإبراهيم عليه السلام بمعنى # PageV01P386 # فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان وفي الأخرى ~~لله تعالى أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئا، ويعضده ما روي عن مقاتل ~~أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~واجعلنا مسلمين لك [البقرة: 128] وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129] ربنا تقبل ~~منا [البقرة: 127] والإمام اسم لمن يؤتم به «فعال» بمعنى «مفعول» كالإزار ~~لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم. والأكثرون على أن الإمام هاهنا النبي ~~لأنه جعله إماما لكل الناس، فلو لم ms0470 يكن مستقلا بشرع كان تابعا لرسول ويبطل ~~العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا ~~بد أن يكون نبيا، ولأن الله تعالى سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي ~~أن يحمل على أجل مراتب الإمامة كقوله وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا [السجدة: ~~24] لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي ~~والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله تعالى هذا الوعد فعظمه في عيون أهل ~~الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [النحل: 123] وكفى به فضلا أن جميع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم يقولون في صلاتهم # «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» # ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماما إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية ~~وأمثالها من نحو إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] يا داود إنا جعلناك ~~خليفة [ص: 26] ومنع بأن الإمام يراد به هاهنا النبي سلمنا أن المراد به ~~مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، ~~إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك ~~وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن جميع الذنوب، ~~لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل ~~الواحد ممنوعا منه مندوبا إليه وذلك محال. والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله ~~الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون ~~منسوبا إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى ~~دهر ومن ذريتي عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال «سأكرمك ~~فتقول وزيدا» ولا يخفى أن «من» التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ~~ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناسا غير محصورين لا يخلو من ~~ظالم فيهم ms0471 غالبا، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق. وقد حقق الله ~~تعالى أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى ~~وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد صلى ~~الله عليه وسلم أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي ~~في # PageV01P387 # الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصا في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من ~~الظالمين. # ولو قال «ينال عهدي المؤمنين» كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا ~~بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال لا ينال عهدي الظالمين والمراد ~~بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهدا لاشتمالها على كل عهد عهد به الله ~~تعالى إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل [طه: 115] وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [الأحزاب: 7] وإذا خرج الظالم ~~تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني. وذلك أن دعاءه مستجاب البتة فكل نبي ~~مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماما لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر ~~معنى. ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه ~~بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافا لطلبته بأبلغ معنى ~~وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف «أوص لابنك بشيء» فيقول: لا يرث مني أجنبي أي ~~كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟ ولا يرد أن يونس نال عهده مع ~~أنه ظالم سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] لأن الظلم فيه محمول ~~على ترك الأولى كما في حق آدم ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] لا على ~~الكفر والفسق. وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه ~~قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم إن الشرك ~~لظلم عظيم [لقمان: 13] وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال ~~إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا ~~نقول: # الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائما ولهذا يسمى ms0472 النائم ~~مؤمنا لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلا حال النوم، وأيضا ~~المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد ~~دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطا لكون الاسم المشتق حقيقة. ~~وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه ~~كان كافرا قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى ~~عاصيا فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم ~~الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من ~~الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا ~~الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء ~~والمتكلمين، فإن كل عاص ظالم. والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر ~~والله يتولى السرائر خلافا للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهرا وباطنا، ~~ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله تعالى قد يستعمل ~~بمعنى الأمر ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان [يس: 60] أي ~~ألم آمركم؟ # لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره تعالى لازمة ~~للظالمين كما # PageV01P388 # للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى ~~بهم فيها # قال صلى الله عليه وسلم «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» # فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكما ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل ~~شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا ~~أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته. قال أبو ~~بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماما ~~وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضيا، وهذا خطأ عظيم. نعم أنه قال: القاضي إذا ~~كان عدلا في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه ms0473 ~~جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه. وليس من شرط أعوان القاضي أن ~~يكون عدولا، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا ~~بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول ~~أحكامه كان قضاؤه نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟ قال: ~~وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية ~~على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم ~~أسواطا، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئا من عمله أي شيء كان ~~حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه ~~المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه ~~كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره ~~لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس ~~سرا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله ~~بن الحسن. وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح ~~موقعه فإنه يحط أولا عن رتبة النبوة لا ينال عهدي الظالمين وثانيا عن درجة ~~الولاية ألا لعنة الله على الظالمين [هود: 18] وثالثا عن مرتبة السلطنة ~~«بيت الظالم خراب ولو بعد حين» ، ورابعا عن نظر الخلائق # «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها» # وخامسا عن حظ نفسه وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون [البقرة: 57] ~~ولله در القائل: # لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم # نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم # PageV01P389 # ولآخر: # مرتع ظلم الورى وخيم ... يا صاحب اللب والحجاره # لا تظلم الناس واخش نارا ... وقودها الناس والحجاره # غيره: # أيحسب الظالم في ظلمه ... أهمله القادر أم أمهلا # ما أهملوا بل لهم موعد ... لن يجدوا من دونه ms0474 موئلا # غيره: # أتلعب بالدعاء وتزدريه ... وما يدريك ما صنع الدعاء # سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء # واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد ~~الربوبية ربكم ورب آبائكم الأولين [الشعراء: 26] ثم إنه تعالى لا يزال ~~يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة ~~والمكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل ~~وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده. # فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير. # قوله وإذ جعلنا البيت تقرير تكليف آخر. والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم ~~للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد ~~من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علما له. ولا بد ~~أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص ~~به ويسمى بالعلم الاتفاقي، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علما إلا ~~مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه تعالى لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل ~~جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل. وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب ~~الكعبة نفسها ومثله قوله تعالى هديا بالغ الكعبة [المائدة: 95] والمراد ~~الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام. وقوله # PageV01P390 # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28] والمراد- والله ~~أعلم- منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت ~~سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى أمنا ~~موضع أمن كقوله حرما آمنا [القصص: 57] والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن ~~مثابا ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة. وقيل: التاء للمبالغة كعلامة. عن ~~الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام. وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد ms0475 ~~إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم عليه السلام فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم [إبراهيم: 37] وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه. وكون ~~البيت مثابة إنما يكون بجعل الله تعالى بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، ~~أو بأن الله تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود ~~إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، # قال صلى الله عليه وسلم «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته ~~أمه» «1» # وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء ~~إلا الجنة» «2» # ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه ~~النفع لمن أراد ولا شك أن قوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا [البقرة: ~~125] خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء [القصص: 57] لا أن يكون إخبارا عن عدم وقوع القتل فيه ~~أصلا، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال تعالى ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~[البقرة: 191] وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول. إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع ~~أمنا من الغارة والقتل # قال صلى الله عليه وسلم «إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما ~~أحلت لي ساعة من نهار» «3» # وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد ~~أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما من ~~دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق ~~عليه PageV01P391 # بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز ~~قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه. وعند أبي حنيفة لا يستوفى ~~قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشىء القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا ~~يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه ms0476 قصاص الطرف. ~~وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد ~~الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه ~~صيانة المسجد وحفظ حرمته. وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلا ~~لتوفية الحق واتخذوا بفتح الخاء معطوف على جعلنا أي اتخذ الناس من مكان ~~إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى ~~هذا المراد بالمصلى القبلة. وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول ~~أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحبابا لا وجوبا. وفي مقام ~~إبراهيم أقوال. فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من ~~الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن ~~سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه ~~الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت ~~الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. وعن ابن عباس: أن إبراهيم عليه السلام كان ~~يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن ~~رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه ~~إبراهيم عند الأذان بالحج. قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم عليه السلام ~~قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها. وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، ~~فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء. وعن عطاء: مقام ~~إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول ~~بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب ~~مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة ~~الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله تعالى وإعجاز ~~إبراهيم، وكان أشد اختصاصا به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ بيد عمر فقال: ms0477 هذا مقام ~~إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس ~~حتى نزلت. # وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ~~ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ~~وقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى # «ومن» هذه تجريدية على نحو «رأيت منك أسدا» و «وهب الله لي منك وليا ~~مشفقا» ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك # PageV01P392 # المعنى عن غيره. ولا ريب أن للصلاة به فضلا على غيره من حيث التيمن ~~والتبرك بموطىء قدم إبراهيم عليه السلام، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في ~~الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلا أو نهارا سنة عند ~~الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف # لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن ~~تطوع، # وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله واتخذوا والأمر للوجوب، والرواية عن أبي ~~حنيفة أيضا مختلفة، وعهدنا المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك ~~وأمرناهما أمرا ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت «أن» مخففة فالتقدير بأن ~~طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهرا والمراد التطهير من كل أمر لا يليق ~~بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من ~~الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة ~~هناك أصلا والمراد أقراه على طهارته مثل ولهم فيها أزواج مطهرة [البقرة: ~~25] فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر ~~بإزالتها. وقيل: عرفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره. ~~العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجا ومعتمرا فيطوف به، والعاكف ~~من يقيم هناك. ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعا راكع وساجد أي من يصلي ~~هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من ~~العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع ms0478 السجود. ويجوز أن يريد بالعاكفين ~~الواقفين يعني القائمين كما قال للطائفين والقائمين والركع السجود [الحج: ~~26] والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ~~ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا ~~لم يفصل بينهما بالواو. ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن ~~الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى مدحهم بذلك. وقد روي عن ابن ~~عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. ~~وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا خلافا ~~لأحمد ومالك في الفريضة قالا فول وجهك شطر المسجد الحرام [البقرة: 144] ومن ~~كان داخل المسجد لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن ~~التوجه إلى جزئه كاف لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج ~~المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغ. # قوله تعالى وإذ قال إبراهيم قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله رب اجعل ~~هذا بلدا آمنا لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود. فقوله وإذ يرفع ~~[البقرة: 127] وإن كان متأخرا # PageV01P393 # في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه ~~أجمل القصة في قوله وإذ ابتلى إلى فأتمهن ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم ~~فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماما أولى بالتقديم لعموم نفعه ~~للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضا، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمنا لأنه ~~المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت. وقد حصل في ضمن رعاية الأهم ~~فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من ~~أجزائها أيضا كذلك فقوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا مجمل، ثم فسر ~~ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم. وذكر البيت أولا وقع مجملا ثم ~~فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم عليه السلام ~~ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور ms0479 أحسن منه ولعل ما ~~فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا. هذا بلدا آمنا ذا أمن مثل ~~عيشة راضية أو آمنا من فيه كقولك «ليل نائم» وإنما قيل هاهنا بلدا آمنا على ~~التنكير وفي سورة إبراهيم هذا البلد آمنا إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل ~~جعل المكان بلدا فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلدا آمنا، وذاك الدعاء صدر ~~وقد جعل بلدا فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا بلدا ذا أمن، ~~وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلدا آمنا فيفيد مبالغة ~~زائدة كقولك «هذا اليوم يوم جار» معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن ~~بخلاف قوله اجعل هذا البلد آمنا [إبراهيم: 35] ففيه طلب الأمن نفسه قيل: ~~سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف ~~والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكرارا، وأجيب بأن ~~التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط. ثم إنه تعالى استجاب دعاءه ~~فجعله آمنا من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب ~~الفيل. قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل ~~سوء؟ وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئا آخر. ~~من الثمرات «من» للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله يجبى إليه ثمرات كل شيء ~~[القصص: # 57] وإنما سأل إبراهيم عليه السلام الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان ~~يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمنا ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ~~ويكون سببا لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب ~~الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين # «نعم المال الصالح للرجل الصالح» «1» # واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة PageV01P394 # إبراهيم وصار ذلك مؤكدا بدعائه فقيل: نعم لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات ~~والأرض» «1» # ولقوله عند بيتك المحرم [إبراهيم: 37] وقيل: إنما صارت حرما آمنا بدعوته، ~~وقبلها ms0480 كانت كسائر البلاد بدليل # قوله: «إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» «2» # وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعا قبله بمنع الله تعالى من ~~الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمنا على ألسنة الرسل. ومن ~~آمن منهم بدل من أهله يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على ~~الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: لا ينال عهدي الظالمين فعرف ~~الفرق بينهما فقيل ومن كفر عطفا على من آمن كما مر في ومن ذريتي أو هو ~~مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه فأمتعه وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ~~ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا ~~سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استرعى الذئب ~~فقد ظلم. وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر ~~لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة على أنه متاع ~~قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد وقليلا أي إمتاعا أو تمتيعا قليلا أو ~~زمانا قليلا فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة ~~الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل أفرأيت إن متعناهم ~~سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون [الشعراء: ~~205- 207] ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله يوم يدعون ~~إلى نار جهنم دعا [الطور: 13] وسيق الذين كفروا إلى جهنم [الزمر: 71] أو أن ~~يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا كالاضطرار ~~إلى أكل الميتة مثلا وبئس المصير ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف ~~المخصوص للعلم به. والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان ~~مصيرا وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل «معاش» وكلاهما مستعمل والله ~~أعلم. PageV01P395 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 134] # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا ms0481 وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(129) ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين (130) إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين (131) # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون (132) أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون (133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (134) ### | القراآت: # أرنا وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياسا على كسرة فخذ إذ تسكن ~~فيقال «فخذ» . وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلبا للخفة وحذرا من الإجحاف ~~ويعلمهم بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع. # وروى ابن رومي عن ابن عباس يكلمنا وتعدنا وكل كلمة تضمنت جمعين من ~~الأسماء باختلاس مثل في أعينكم أسلحتكم وأمتعتكم وأوصى من الإيصاء: # أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون وصى بالتشديد. شهداء إذ عاصم وحمزة ~~وعلي وخلف وابن عامر. والباقون شهداء يذ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن. ### | الوقوف: # وإسماعيل (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال منا (ط) ~~للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك العليم (ه) ~~مسلمة لك (ص) لعطف المتفقين علينا (ط) وقد ذكر الرحيم (ه) ويزكيهم (ط) ~~الحكيم (ه) نفسه (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار في الدنيا (ج) لعطف ~~الجملتين الصالحين (ه) أسلم (ط) لأن قوله «قال» عامل «إذ» وإلا وجب أن يقال ~~«فقال» وإلا انقطع النظم العالمين (ه) ويعقوب (ط) لإرادة القول على الأصح، ~~ومن وصل جعل الوصية في معنى القول مسلمون (ط) لأن «أم» بمعنى همزة ~~الاستفهام للإنكار الموت (لا) لأن «إذ» بدل من «إذ» الأولى و «إذ» الأولى ~~ظرف شهداء و «إذ» الثانية ms0482 ظرف حضر ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ~~قالوا عاملا ولم يقف على بعدي فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على ~~قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات من بعدي (ط) ~~واحدا (ج) لعطف الجملتين # PageV01P396 # المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالا مسلمون (ه) قد خلت (ج) لأن ما ~~بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافا وهو واضح لعطف ولكم ما كسبتم عليها ~~ولكم ما كسبتم (ج) لعطف الجملتين المختلفتين يعملون (ه) . ### | التفسير: # عن وهب بن منبه قال: إن آدم صلى الله عليه وسلم لما أهبط إلى الأرض ~~استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحدا غيره فقال: يا رب أما ~~لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟ فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك ~~من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتا ~~أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، ~~أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت ~~مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما وأمنا ~~أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ~~ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد ~~جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، ~~سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أول بيت وضع للناس، ~~وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من ~~كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجا ويضجون بالتلبية ضجيجا، فمن اعتمره لا ~~يريد غيري فقد زاري وضافني ووفد علي ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق ~~على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، ~~تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ~~ولدك أمة بعد ms0483 أمة وقرنا بعد قرن ونبيا بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي ~~من ولدك يقال له «محمد» وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته ~~وولاته، يكون أميني عليه ما دام حيا، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من ~~أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه ~~وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو أبوه يقال له «إبراهيم» ، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، ~~وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتا قائما بأمري داعيا إلى ~~سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره ~~فيفعل وينذر لي فيفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم ~~وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ~~ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر ~~تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس. وروي أن الله تعالى أنزل البيت ~~ياقوتة من يواقيت # PageV01P397 # الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي. وقال لآدم: أهبطت لك بيتا يطاف به ~~كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشيا وتلقته الملائكة ~~فقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وحج آدم أربعين ~~حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام ~~الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور. ثم إن الله تعالى أمر ~~إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه. # وعن علي عليه السلام: البيت المعمور بيت في السماء يقال له «الضراح» وهو ~~بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل ~~يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا. # وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الركن والمقام ~~ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لاضاءا ما بين المشرق ~~والمغرب وما مسهما ذو عاهة ms0484 ولا سقيم إلا شفي» # وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك. ~~وأما قصة إسماعيل عليه السلام وأمه، # فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لم يكذب إبراهيم ~~عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله إني سقيم [الصافات: ~~89] وقوله بل فعله كبيرهم هذا [الأنبياء: 63] وواحدة في شأن سارة فإنه قدم ~~أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك ~~امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في ~~الأرض مسلما غيري وغيرك. # فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ~~ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، ~~فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ~~ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة ~~الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ~~ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال ~~له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر. ~~قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم. فقالت: خيرا كفى ~~الله يد الفاجر وأخدم خادما» # قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. قلت: وذلك أنها ملكتها سارة ~~إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب. وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة ~~على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر ~~إسماعيل بأربع عشرة سنة. فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت ~~النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء ~~بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق ~~زمزم في أعلى المسجد ms0485 وليس بمكة # PageV01P398 # يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء ~~فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين ~~تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ولك مرارا ~~وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا ~~يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان عند الثنية ~~حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ~~ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون [إبراهيم: 37] ~~وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في ~~السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ~~فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ~~ترى أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي ~~الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى ~~أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. # قال ابن عباس: # قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما. # فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: # صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتا أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك ~~غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتى ظهر ~~الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو ~~يفور بعد أن تغرف. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل لو لم ~~تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا. # قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتا ~~لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من ~~الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت ~~بهم رفقة من جرهم مقبلين ms0486 من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا ~~عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ~~ماء. فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم ~~إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق ~~لكم في الماء. قالوا: نعم. # قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي ~~تحب الإنس. # فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، ~~وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك ~~الغلام زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج ~~إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي ~~لنا، ثم سألها عن عيهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت. قال: ~~فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام # PageV01P399 # وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم ~~من أحد؟ # قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا ~~فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ ~~عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي ~~بأهلك فطلقها. وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم ~~أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: ~~كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز ~~وجل. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يثبت عتبة بابه. فلما ~~جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت ~~عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك ~~بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي ~~وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ms0487 ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك ~~وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما ~~يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر ~~قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: # وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة ~~على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ~~وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام ~~عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم # وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته ~~العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم ~~بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ~~من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل ~~فرفعوه فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه. # واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقا ~~بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها ~~اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة ~~فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه ~~فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا وهو الذي يسمى الشاذروان، # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة «لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت ~~البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض # PageV01P400 # وجعلت لها بابين شرقيا وغربيا» «1» # ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما ~~استولى عليه الحجاج هدمه ms0488 وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء ~~قريش. ولنعد إلى المقصود فنقول يرفع حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة ~~وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس ~~البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة ~~الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي ~~يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد ~~صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن ابراهيم عمرها ~~ورفعها كما مر في الأحاديث. وإنما لم يقل «قواعد البيت» ليكون الكلام مبنيا ~~على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله تعالى حكى عنهما ~~ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة الأول: قولهما تقبل منا وقبول الله ~~عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله تعالى أو يثبت عليه، والأول ~~ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله ~~تعالى عليه ورضاه به بالقبول. وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقا، فالتقبل ~~عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل، فاختير ~~تقبل هضما وتواضعا واستقصارا. وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون ~~بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن ~~يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب ~~القبول عن ذلك ويؤكده قولهما إنك أنت السميع يعني سماع إجابة العليم ~~بنياتنا. النوع الثاني ربنا واجعلنا مسلمين لك فإن أريد بالإسلام الدين ~~والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلا ~~للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي ~~والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها ~~أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل ~~الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط. وقد يظن أن للعبد اختيارا فيه وإن ms0489 ~~كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب. وقوله واجعلنا إما ~~معطوف على تقبل وقوله إنك أنت السميع العليم ربنا اعتراض للتأكيد وإما ~~معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا. ومن ذريتنا من للتبعيض كما في ~~قوله ومن ذريتي [البقرة: 124] . PageV01P401 # والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمة ~~يحتمل هاهنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضا. وقيل: أسلم مطلقا يفيد ~~الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي. طلب ~~الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهارا للشفقة. فالشفيق بسوء الظن ~~مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بيانا لما أجمل هناك فيكونان واحدا. ~~وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا [التحريم: 6] ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون ~~سداد من وراءهم. # ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن ~~نفيل وقس بن ساعدة. # ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم على دين الحق ~~قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ~~ولا يعبدون الأوثان وأرنا إن كان منقولا عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن ~~شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن ~~كان منقولا عن رؤية البصر- وهو الأظهر- ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهرا. ~~فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج. قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك ~~كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم، ~~فسميت عرفات. فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه ~~الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في ~~اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات. وقيل: ~~المراد العلم والرؤية معا لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا ms0490 يرى، ~~وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعا ~~وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معا وكذلك مدلولا ~~الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معا من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح. ~~غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازا، ومن الناس من يحمل المناسك ~~على المذابح. فقد يسمى الذبح للتقرب نسكا والذبيحة نسيكة، وليس لهذا ~~التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكا لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو ~~التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى # قال صلى الله عليه وسلم «خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» ~~«1» # بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ~~ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟ وتب ~~علينا التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من ~~يجوزها على PageV01P402 # الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة ~~منهما تصويرا لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشددا في الانصراف ~~عما لا يليق بهما. # قال صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في ~~اليوم مائة مرة» «1» # وأيضا لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله تعالى لا ~~ينال عهدي الظالمين وذلك لغاية شفقتهما عليهم. وباقي مباحث التوبة، قد مر ~~في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ربنا وابعث فيهم رسولا منهم وفيه أمران: ~~الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولا ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط ~~المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول ~~والمرسل إليهم إذا كانوا جميعا من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم ~~عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا ~~كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم. وأما الرسول فهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله تعالى في ms0491 موضع آخر ~~لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [آل عمران: ~~164] # ولقوله صلى الله عليه وسلم «أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي» «2» # أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله تعالى في سورة الصف ومبشرا برسول ~~يأتي من بعدي اسمه أحمد [الصف: 6] وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه ~~خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين. وهاهنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا ~~للحبيب بقوله ربنا وابعث فيهم رسولا فلا جرم قضى الله تعالى حق الحبيب ~~للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: # اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. # ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله واجعل لي لسان ~~صدق في الآخرين [الشعراء: 84] أي أبق لي ثناء حسنا في أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه. ومنها أن إبراهيم أبو ~~الملة ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78] ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو الرحمة ~~بالمؤمنين رؤف رحيم [التوبة: 128] النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~[الأحزاب: 6] # «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» «3» # يعني في الرأفة والرحمة، PageV01P403 # فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية. ومنها أن إبراهيم ~~منادي الشريعة وأذن في الناس بالحج [الحج: 27] ومحمد منادي الدين سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان [آل عمران: 193] ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد ~~الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان. # ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان أني بريء مما تشركون [هود: 54] ~~والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] ثم إن ~~إبراهيم عليه السلام ذكر لذلك الرسول صفات أولاها يتلوا عليهم آياتك فهو ~~الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره «أوتيت ~~القرآن ومثله معه» وثانيتها «ويعلمهم الكتاب» أي معانيه وحقائقه، وذلك أن ~~التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها ms0492 على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا من ~~التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات ~~إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام. ~~وثالثتها قوله والحكمة أي ويعلمهم الحكمة. وقيل: هي الإصابة في القول ~~والعمل جميعا، فلا يسمى حكيما إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ~~ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ~~ويناسبه # قوله صلى الله عليه وسلم «تخلقوا بأخلاق الله» # وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع ~~له. وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئا خارجا ~~عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد ~~والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من ~~الشرع أولى. وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم. وقيل: المراد ~~بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات. وقيل: هي ما في أحكام ~~الكتاب من الحكم والمصالح. ورابعتها ويزكيهم لأن الإرشاد يتم بأمرين: ~~التحلية والتخلية. فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى ~~المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد ~~والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى ~~الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم ~~الأخلاق. وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: # 157] وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~[البقرة: # 143] وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص إنك أنت العزيز ~~القادر الذي لا يغلب الحكيم العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا ~~كان كذلك صح منه # PageV01P404 # إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ومن يرغب الاستفهام فيه لتقرير ms0493 ~~النفي أي لا يرغب أحد. يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده. ~~ومحل من سفه الرفع على البدل من الضمير في يرغب وذلك أنه غير موجب مثل «هل ~~جاءك أحد إلا زيد» وسفه إما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل ~~السفه الخفة # وفي الحديث «الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس» # لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها ~~حيث خالف بها كل نفس عاقلة. وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، ~~فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله تعالى وحكمته ويرتقي ~~إلى صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها. ~~وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو «زيد ظني ~~مقيم» أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو «غبن رأيه وألم رأسه» وهذا عند ~~الكوفيين. فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة. وفيه توبيخ لليهود ~~والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم ~~الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه ~~بالتضرع والإخلاص. فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، ~~أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما ~~مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد صلى ~~الله عليه وسلم ناسخا لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد ~~أيضا راغبا عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم عليه ~~السلام. والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار ~~وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم راغبا عنها لأنه أمر ~~باتباعها ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [النحل: 123] روي ms0494 أن ~~عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد ~~علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، ~~فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى ~~مهاجر أن يسلم فنزلت. ثم إنه تعالى لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين ~~السبب في ذلك فقال ولقد اصطفيناه في الدنيا أي اخترناه للرسالة من دون ~~الخليفة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام ~~الساعة حتى نال منزلة الخلة وإنه في الآخرة لمن الصالحين فيلزمه ما يلزمهم ~~من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز ~~بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق. ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ~~اصطفيناه في إذ قال أي # PageV01P405 # اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار «اذكر» استشهادا على ما ذكر ~~من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ~~ملة مثله إذ قال له ربه من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ ~~قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك ~~عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما ~~عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه. ويحتمل أن ~~يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل ~~عليه كقولهم «نطق الحال» قال تعالى أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون [الروم: 35] فجعل دلالة البرهان كلاما، ويحتمل أن يكون هذا ~~بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله فاستقم كما ~~أمرت [هود: 112] أو المقصود الانقياد لأوامر الله تعالى والمسارعة إلى ~~تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان. وقيل: الإيمان صفة القلب ~~والإسلام صفة الجوارح، وإن إبراهيم عليه السلام كان عارفا بالله تعالى ~~بقلبه فكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل ms0495 الجوارح. وفي تخصيص لفظ الرب بهذا ~~الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات ~~فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد صلى الله عليه وسلم عكس ذلك ~~الترتيب فلا جرم بدأ من الله فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19] والأول ~~طريق حسن سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~[فصلت: 53] لكن الطريق الثاني أحسن أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~[فصلت: 53] ومن هنا يعرف أكملية محمد صلى الله عليه # وسلم. # وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم يستطعه الأوائل # فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل ~~الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة. ~~وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا [فصلت: 31] فألف إبليس دليل عدم الاستقامة إلا إبليس أبى واستكبر ~~[البقرة: 34] والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه [البقرة: 124] تركيب الخلة واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~[النساء: 125] ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر وكان من الكافرين ~~[البقرة: 34] اسم الشدة والكافرون لهم عذاب شديد [الشورى: # 26] ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان ~~إبراهيم عليه السلام واسطة في الطريقة أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا [النحل: ~~123] والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا ~~جرم كان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين # PageV01P406 # وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت ~~الأفلاك، أول الفكر آخر العمل # «أول ما خلق الله تعالى نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت ~~لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر» # محمد صلى الله عليه وسلم أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم عليه السلام أبا ~~الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع ~~الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعا للصلاة ms0496 على محمد # «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم» # وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره. ولنعد ~~إلى ما كنا فيه ووصى التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله ~~تعالى عن إبراهيم. أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا ~~بالتخفيف إذا وصلته إليه. وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة ~~الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على ~~هذا الوصل بسبب الوصية. # والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب ~~العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله وجعلها كلمة باقية [الزخرف: 28] إلى ~~قوله إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني [الزخرف: 26] وقيل: الأولى أن ~~يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحا في قوله ومن يرغب عن ملة إبراهيم ولأن ~~الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم ~~إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي. # وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن ~~الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد. ومنها أنه لم ~~يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل ~~على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك. ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد ~~الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين ~~وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، ~~فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه. وقرىء يعقوب بالنصب ~~فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلا لكل منهما يا بني أصله يا ~~بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم ~~الياء في الياء إن الله اصطفى لكم الدين استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه ~~الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به فلا تموتن فلا ~~يكن موتكم إلا على ms0497 حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو # «لا تصل إلا وأنت خاشع» # لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته. والنكتة فيه إظهار ~~أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» # فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل # PageV01P407 # إلا في المسجد. فكان موتهم لا على حال الإسلام موتا لا خير فيه لأنه ليس ~~بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. # أم كنتم شهداء يحتمل أن تكون «أم» منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار ~~لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر ~~يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين ~~كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا ~~الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة ~~الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ويحتمل كون ~~«أم» متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ~~أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت قيل: أي إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا ~~مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على ~~الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن «أم» المعادلة أحد الأمرين كائن ~~فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتا لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا ~~توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: # المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء ~~دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه تعالى نص على بطلانها بقوله إذ قال ~~لبنيه إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون «أم» منقطعة كأنه استفهم ~~أولا على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاما ثانيا لتقرير النفي ~~أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكدا ~~لذلك الإنكار ما تعبدون أي شيء تعبدون. ms0498 و «ما» عام لأولي العلم وغيرهم، ~~«ومن» مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء «من» لما يعقل. و «من» خصص «ما» ~~بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول «ما زيد» تريد ~~أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون ~~الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضا على ~~التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى ~~الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوما ~~صالحين، وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، ~~وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في ~~سلك واحد هو الأخوة # قال صلى الله عليه وسلم «عم الرجل صنو أبيه» # أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وأيضا أطلق اسم الأب ~~على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب ~~والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان ~~وعلي وابن مسعود وزيد، وقال # PageV01P408 # أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس ~~وعائشة والحسن وطاوس وعطاء. ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة ~~الله تعالى إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل ~~العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على ~~أن طريق المعرفة هو التعليم. وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل ~~المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله ~~وبيان ذلك، وأيضا إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا ~~على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته. وأيضا لعل مرادهم ~~نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم [البقرة: 21] إلها واحدا بدل من إله آبائك مثل ناصية كاذبة ~~[العلق: 15، 16] أو ms0499 نصب على الاختصاص والمدح ونحن له مسلمون مذعنون أو ~~مخلصون التوحيد ومحله النصب حالا من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الضمير ~~في له إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على نعبد أو جملة معترضة مؤكدة تلك ~~إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، خلت ~~مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل لها ما ~~كسبت أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى ~~الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ~~ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث ~~قالوا إنهم يعذبون أياما معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل. وفي الآية وعيد ~~شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء # قال صلى الله عليه وسلم «يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم ~~القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا» «1» # «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» «2» # ثم الآية تدل على أن للعبد كسبا ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري ~~على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلا، لأنه لو كان موحدا لأفعاله ~~لكان عالما بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس ~~كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله تعالى، لكن الشيء الذي ~~حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور ~~العبد إذا كان واقعا بخلق الله PageV01P409 # تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم ~~يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادرا عليه؟ وأيضا الذي ~~هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعا بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون ~~مكتسبا له وإن وقع بالقدرتين معا فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، ~~والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة ms0500 العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل ~~واقعة بقدرة الله تعالى ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه ~~الصفة تقع بقدرة العبد. وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس ~~إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فعين المنهي عنه ~~قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب. ~~وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن ~~قدرة الله مستقلة بالتأثير. ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب ~~الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه هو الذي وضع الأسباب ~~المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن ~~المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام ~~الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة. وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي ~~لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن ~~شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب. فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى ~~الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر ~~القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوبا إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى ~~أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك ~~دون هواك. ### | التأويل: # من قوله وإذ ابتلى البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ~~وإذ ابتلى الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم ~~الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات. وموجبات الخلة التبري ~~عما سوى الخليل إني بريء مما تشركون [الأنعام: 78] وعداوة غير الخليل فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77] ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في ~~الهواء هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، ~~والرضا بما أمر به عند ذبح الولد فلما أسلما وتله للجبين [الصافات: 103] ~~بخلاف ما قال نوح إن ابني من أهلي [هود: ms0501 45] فلا جرم زيد له في الاصطفاء ~~وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به وإذ جعلنا البيت [البقرة: 125] بيت القلب ~~كما # جاء «أن الله تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا ~~رب؟ فقال: فرغ لي قلبك» # أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه # PageV01P410 # يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمنا للسالك من ~~تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة ~~من دخول الشيطان. وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله يوسوس في ~~صدور الناس [الناس: 5] واتخذوا [البقرة: 125] عند الوصول إلى كعبة القلب من ~~مقام إبراهيم [البقرة: # 125] وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ~~إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99] وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~[البقرة: 125] في الميثاق أن طهرا القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ~~ملاحظة الأغيار للطائفين [البقرة: 125] وهي واردات الأحوال والعاكفين ~~[البقرة: 125] وهي الملكات والمقامات والركع السجود [البقرة: 125] وهي صفات ~~القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء ~~والتسليم والرضا والتوكل. وجملة هذه الصفات العبودية وإذ قال إبراهيم ~~[البقرة: 126] الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد ~~من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة ~~القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها ~~شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر ~~الذرة المخاطبة بخطاب ألست بربكم [الأعراف: 172] منورا بنور جواب بلى قد ~~ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات ~~الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور ~~القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبىء حجر ~~الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء ~~بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب ~~بدلالة بيت السكينة هو الذي ms0502 أنزل السكينة في قلوب المؤمنين [الفتح: 4] فجعل ~~إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ~~ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس ~~الهوى إن لك عندي وديعة فخذها. فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى ~~فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات ~~النفسانية في جاهلية الطفولية اسود، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ~~ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في ~~الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث ~~فيهم رسولا منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق ~~وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي. ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته ~~من القلب وصفاته والسر وصفاته # PageV01P411 # والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كلها ~~ملته. وفي الآيات إشارة إلى أنه تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه ~~محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع ~~أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلها أحدا لا متفرقا من الهوى والدنيا ~~والآخرة والله ولي التوفيق. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 135 الى 141] # وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين (135) قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136) فإن آمنوا بمثل ما آمنتم ~~به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون (138) قل ~~أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون (139) # أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما ms0503 تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا ~~تسئلون عما كانوا يعملون (141) ### | القراآت: # أم تقولون بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر ~~والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة. ### | الوقوف: # تهتدوا (ط) المشركين (ه) ومن ربهم (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه ~~حال أي آمنا غير مفرقين منهم (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه مسلمون (ه) ~~اهتدوا (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف شقاق ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول ~~الفاء فسيكفيكهم الله (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال العليم (ط) لأن ~~الجملة الناصبة لقوله صبغة الله محذوفة يدل عليها قوله آمنا بالله وقوله ~~فإن آمنوا شرط معترض صبغة الله (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ~~صبغة (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا عابدون (ه) ~~وربكم (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفا على الحال الأولى ويصلح أن يكون ~~مستأنفا أعمالكم (ج) مخلصون (ط) لمن قرأ أم يقولون بياء الغيبة، ومن قرأ ~~بالتاء لم يقف لكون «أم» معادلة للهمزة في أتحاجوننا أو نصارى (ط) أم الله ~~(ط) من الله (ط) تعملون (ه) قد خلت (ج) ما كسبتم (ج) يعملون. # PageV01P412 ### | التفسير: # إنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعا من شبه ~~الطاعنين منها: أن اليهود قالوا كونوا هودا تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، ~~لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر ~~مثل هذا في قوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ~~[البقرة: 111] فأجابهم الله بقوله قل بل ملة إبراهيم أي نكون أهل ملته مثل ~~وسئل القرية [يوسف: 82] أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرىء بالرفع أي ~~ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفا حال من المضاف إليه كقولك ~~«رأيت وجه هند قائمة» وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقا هو ~~الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول. فالحال عن المضاف إليه ترجع ~~في ms0504 التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة ~~إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع ~~منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال ~~وحاصل الجواب أن المعول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا ~~الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف. وقد اتفق الكل على صحة ~~دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم ~~اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله وما كان من ~~المشركين لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضا قالوا عزير ~~ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد ~~وخالص الإسلام في شيء قولوا خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي ~~قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله بل ملة إبراهيم ~~يجوز أن يكون أمرا لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب ~~آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ~~ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته ~~والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن ~~تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن ~~أن قوله قل بل ملة إبراهيم خطاب للنبي وقوله قولوا خطاب لأمته والظاهر ~~العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوفقة على معرفته ~~وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب ~~والسنة، قال الخليل: # الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب. وقيل: السبط الحافد، وكان ~~الحسن والحسين سبطي النبي صلى الله عليه وسلم فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه ~~الاثني عشر، عدد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل. لا ~~نفرق بين أحد منهم لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض # PageV01P413 # كأهل الكتاب. ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أو لا نقول ms0505 ~~إنهم متفرقون في أصول الديانة شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [الشورى: ~~13] وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ونحن له مسلمون إذعانا ~~وإخلاصا فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان ~~إسلامه تقليدا أو هوى. # ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت ~~الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وهاهنا سؤال ~~وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله بمثل ما آمنتم ~~به؟ والجواب أن قوله فإن آمنوا بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على ~~الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ومساويا له في الصحة ~~والسداد فقد اهتدوا لكن لا دين صحيحا سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف ~~غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه «هذا هو الرأي ~~الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به» وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ~~ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء ~~للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان ~~بشهادة مثل شهادتكم. وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود فإن ~~آمنوا بما آمنتم به وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، ~~فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة ~~قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عن وجوهها، ~~والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى. وإن تولوا عما قيل ~~لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار ~~في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة ~~لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ms0506 ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك ~~دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، ~~فلا جرم آمنه الله تعالى والمؤمنين من كيدهم وقال فسيكفيكهم الله وناهيك به ~~من كاف كافل. ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن ~~فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة «لن» قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ~~ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية ~~عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به ~~إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح وهو السميع العليم وعد ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة ~~الحق وإعلانها فهو # PageV01P414 # يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون ~~من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك صبغة الله مصدر مؤكد منتصب عن قوله ~~آمنا بالله مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ملة إبراهيم أو نصب على ~~الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام. ~~والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة. والمعنى تطهير ~~الله لأن الإيمان يطهر النفس. وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ~~ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم ~~نصرانيا حقا، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة ~~لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما ~~يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام، ونظيره قوله إنما نحن مستهزؤن الله ~~يستهزئ بهم [البقرة: 15] وقيل: اللفظة من قولهم «فلان يصبغ فلانا في الشر» ~~أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثوب. وقيل: سمي الدين ~~صبغة لظهور هيئته عند صاحبه. سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] # «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» # وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة ms0507 بينه وبين ~~غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان. وقيل: # صبغة الله فطرته. أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم ~~الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به. وقيل: ~~صبغة الله الختان. وقيل: حجة الله. وقيل: سنة الله. # ومن أحسن من الله صبغة معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة ~~أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر ~~وأوزار الشرك. ونحن له عابدون عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مرارا. قل ~~أتحاجوننا أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا ~~أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] وقولهم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا وأما الخطاب فإما لأهل ~~الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم [الزخرف: 31] وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في ~~دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلا ~~له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ولنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم فكما أن لكم أعمالا ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو ~~الأساس وبه الاعتبار ولكن نحن له مخلصون موحدون لا نقصد بالعبادة أحدا ~~سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد # PageV01P415 # الكرامة من عنده. أم تقولون من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون «أم» ~~منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ~~أتحاجوننا واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة ~~الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكارا عليهم واستجهالا ~~لهم بما كان منهم. وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد ~~فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟ ومن قرأ بياء الغيبة فلا ~~تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات. قل أأنتم أعلم أم ~~الله بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر ms0508 في التوراة والإنجيل والقرآن بأن ~~إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وكيف لا وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر ~~بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن ~~جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما ~~التجهيل. ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله قوله من الله إما أن يتعلق ~~بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هودا أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه ~~الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، ~~وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند ~~الله وكتمها وأخفاها منه وإما أن يتعلق بشهادة كقولك «عندي شهادة من فلان» ~~ومثله براءة من الله ورسوله والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته ~~من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا ~~لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا ~~نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم. وما الله بغافل عما ~~تعملون كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحدا كان عليه رقيب من ~~قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم ~~أسراره وبعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟ ~~تلك أمة إشارة إلى إبراهيم وبنيه. كما مر، وإنما أعيدت الآية هاهنا لغرض ~~آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن ~~أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن ~~فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع ~~المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا ~~المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي. # تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني أوله: سيقول السفهاء من الناس ... # PageV01P416 # بسم الله الرحمن الرحيم ms0509 الجزء الثاني من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 152] # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (142) وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف ~~رحيم (143) قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144) ولئن أتيت الذين ~~أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ~~(145) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) # الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (147) ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير (148) ~~ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل ~~عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150) كما أرسلنا فيكم ~~رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما ~~لم تكونوا تعلمون (151) # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152) ### | القراآت: # من يشاء إلى بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. # الباقون يشاء ولى بقلب الثانية واوا. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ~~يشاو إلى بقلب الأولى واوا لرؤف مهموزا مشبعا: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ~~وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي. وقرأ يزيد بتليين الهمزة ms0510 والإشباع. ~~الباقون: لرؤف على وزن «الرعف» .. يعملون ولئن بياء الغيبة: ابن كثير ونافع ~~وخلف وعاصم وأبو # PageV01P417 # عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء مولاها بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء ~~وكسر اللام يعملون ومن حيث بياء المغايبة: أبو عمرو. الباقون: بالتاء ليلا ~~مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ويعقوب مدغما ~~مهموزا. الباقون: مظهرا مهموزا، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار. ~~فاذكروني بفتح الياء: ابن كثير. ### | الوقوف: # عليها ط المغرب ط مستقيم ه شهيدا ط عقبيه ط هدى الله ط إيمانكم ط رحيم ه ~~في السماء ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان ~~بالقسم والقسم مصدر ترضاها ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود الحرام ط شطره ~~ط من ربهم ط يعملون ه قبلتك ج قبلتهم ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد ~~المقصود قبلة بعض ط من العلم لا لأن «ان» جواب معنى القسم في «لئن» ، فلو ~~فصل كان لمن الظالمين مطلقا وفي الإطلاق حظر الظالمين ه م لانه لو وصل صار ~~«الذين» صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه أبناءهم ط يعلمون ~~ه الممترين ه خيرات # طميعا # طدير # ه الحرام (ط) من ربك ط تعملون ه الحرام ط لأن «حيث» متضمن الشرط شطره لا ~~لتعلق لام في حجة ط قبل تحرزا عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في ~~العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي ~~الخصومة تهتدون إذا علق كما أرسلنا بما قبله ووقف على تعلمون وإن علق بما ~~بعده وقف على تهتدون دون تعلمون تعلمون ه ولا تكفرون ه. ### | التفسير: # هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعنا في الإسلام. قالوا: النسخ يقتضي إما ~~الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خاليا عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا ~~يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخا مقيدا. وإن كان مقيدا بالدوام فكذلك، ~~وإن كان مقيدا بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلا وبداء، ~~وإن ms0511 كان عالما بلا دوامه كان تجهيلا، وكل هذه من الحكيم قبيح. ثم إنهم ~~خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح ~~فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من ~~عند الله. قال القفال: لفظ سيقول وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في ~~الماضي كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم ~~سيطعنون في. كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ~~ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. والمشهور أن الله تعالى ~~أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا # PageV01P418 # الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزا. ~~ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له. ومنها أن الجواب العتيد ~~أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا ~~يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعد سفيها شرعا، فالذي يضيع أمر آخرته ~~أولى بهذا الاسم. عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون ~~بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم في القبلة، فلما تحول استوحشوا لا ~~سيما وأنهم لا يرون النسخ. وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو ~~العرب قالوا: أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولا كان أولى به. ~~وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ~~ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب ~~أن يكون الكل داخلا فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا ~~وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا ما ولاهم ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب ~~والاستهزاء عن قبلتهم التي كانوا عليها القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع ~~للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل ~~أن يعود الضمير في «كانوا» إلى «السفهاء» أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين ~~عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا ms0512 يعرفون إلا قبلة اليهود ~~وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟ فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد ~~إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟ فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله قل لله ~~المشرق والمغرب أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكا وملكا، ثم أكد ~~ذلك بقوله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في ~~هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة ~~الدارين فيشتمل القبلة وغيرها. وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه ~~تعالى فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من ~~يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله تعالى لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن ~~فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها ~~لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوها مناسبة، أما تعيين القبلة في ~~الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها ~~وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية ~~وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معينة وشكلا معينا ~~ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد ~~أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة. ~~فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلا للملك، والقراءة تجري ~~مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى # PageV01P419 # الخدمة. وأيضا الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ~~ولا يتأتى ذلك إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلا لجهة واحدة على التعيين. ~~وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى. وأيضا إنه ~~تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [آل ~~عمران: 103] . # وتوجه كل مصل إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ~~ليحصل الاتفاق. وأيضا كأنه تعالى يقول: يا مؤمن أنت ms0513 عبد، والكعبة بيتي، ~~والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي ~~وبقلبك إلي، أبوئك دار كرامتي. وأيضا اليهود استقبلوا مغرب الأنوار وما كنت ~~بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر [القصص: 44] . والنصارى استقبلوا ~~مطلع الأنوار إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا # [مريم: 16] فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه ~~خلق الأنوار ولأجله دار الفلك الدوار. وأيضا المغرب قبلة موسى، والمشرق ~~قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها وأيضا الكعبة ~~سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط وكذلك جعلناكم أمة وسطا. والوسط بالوسط ~~أولى الطيبات للطيبين [النور: 26] . وأيضا العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة ~~البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة ~~المتحيرين فأينما تولوا فثم وجه الله والعرش مخلوق من النور، والكرسي من ~~الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجودي ~~ولبنان وحراء. كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوبا فأتيت الكعبة ~~حاجا أو معتمرا أو توجهت مصليا الصلوات الخمس غفرتها لك. وأيضا لما كان ~~بناء هذا البيت سببا لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضا ~~اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك ~~قلوب المسلمين. فأزيل تشويشهم، وأيضا الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي ~~تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء ~~يكون قبول قوله. فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله ~~تعالى في قوله وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه وقوله وكذلك جعلناكم الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة ~~وجوه. فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا ~~عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطا. ~~وقيل: عائد إلى قوله ولقد اصطفيناه [البقرة: 130] . أي كما اصطفينا إبراهيم ~~في الدنيا جعلناكم. وقيل: # PageV01P420 # ينصرف إلى قوله ولله المشرق والمغرب أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية ~~بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلة ms0514 فضلا منا وإحسانا، جعلناكم مختصين ~~بالعدالة برا منا وامتنانا مع تساوي الخلق في العبودية. وقيل: قد يذكر ضمير ~~الشيء وإن لم يكن المضمر مذكورا إذا كان المضمر مشهورا معروفا مثل إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو ~~القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب ~~الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمة وسطا. الجوهري: يقال جلست وسط ~~القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح ~~فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين هو وسط بالتحريك. قال: والوسط من كل ~~شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمة وسطا أي عدولا قال زهير: # همو وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره ~~الله تعالى في معرض المدح والامتنان. وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في ~~الجمادات. قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن- ~~أراد من خيار الدنانير- ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس [آل عمران: # 110] وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل ~~والعيب، والأوساط محمية محوطة. وقيل: المراد بالوسط هاهنا أنهم متوسطون في ~~الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث ~~جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم ابنا وإلها، ولا كاليهود حيث قتلوا ~~الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد ~~والجمع والمذكر والمؤنث لتكونوا شهداء على الناس الأكثرون على أن هذه ~~الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين ~~يكذبونهم. # روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء ~~بالبينة على أنهم قد بلغوا- وهو أعلم- فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول ~~الأمم: من أين عرفتم؟ # فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. ~~فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ms0515 ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى ~~فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] # قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الفضل عن سائر ~~الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم ~~جميعا، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك # PageV01P421 # تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم. وإنما سمي هذا ~~الإخبار شهادة # لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» . # والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، ~~وإما بأن يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها. قال ابن زيد: ~~الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد [ق: 21] ~~والنبيون ويكون الرسول عليكم شهيدا وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ~~لتكونوا شهداء على الناس ويوم يقوم الأشهاد [غافر: 51] والجوارح يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم [النور: 24] . وقيل: إن هذه الشهادة في ~~الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة ~~على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر ~~قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في ~~الدنيا ثابتة بدليل جعلناكم بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال. ثم ~~رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا. وإن قيل: ~~لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة. قلنا: المراد في الآية الأداء ~~لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم ~~حجة لا بمعنى أن كل واحد منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية ~~تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم ~~الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا ~~بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة ~~كما ms0516 أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك ~~عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح ~~إلا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيدا يزكيكم ويعلم ~~بعدالتكم. وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات ~~شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها. والغرض في الآخر ~~اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص. وإنما ~~لم يقل لكم شهيدا مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ~~والله على كل شيء شهيد [المجادلة: 6] مع رعاية الطباق للأول. وإنما قيل ~~«شهداء على الناس في الدنيا» لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول ~~وذلك عليهم لا لهم في الحال. قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة ~~بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على ~~البعض. فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في جعلناكم ~~للموجودين عند نزول الآية # PageV01P422 # لأن خطاب من لم يوجد محال. فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا ~~نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع ~~وقتئذ. سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي ~~اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ~~وعدالتهم. وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم ~~يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولا عند ~~الاجتماع؟ والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في ~~سائر التكاليف مثل كتب عليكم الصيام كما [البقرة: 183] كتب عليكم القصاص ~~[البقرة: 178] فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أول ~~الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون ~~الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر. ثم إن الله تعالى من على ~~هذه الأمة بأن جعلهم ms0517 خيارا أو عدولا عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على ~~الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة. وما جعلنا يريد ~~الجعل بمعنى الشرع والحكم. التي صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي «جعل» أي ~~وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقدا لاستقبالها كقولك ~~«الشافعي على كذا» ثم هاهنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في ~~جعل الكعبة قبلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم ~~أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود وامتحانا للذين اتبعوه ~~بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختبارا ثانيا أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت ~~عليها أولا إلا امتحانا للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت ~~المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس ~~كان أمرا # عارضا لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه. ~~واللام في لنعلم ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي ~~يستتبعها الجعل. فإن قيل: كيف؟ قال لنعلم ولم يزل عالما بذلك؟ فالجواب أن ~~معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد. وإنما ~~فتحه جنده أو لنعلمه موجودا حاصلا وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء. ولا ~~يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت ~~الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه. وإنما جاء ~~المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانيا وكون كل زمان مكنوفا بزمانين: ~~سابق ولا حق. فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت «سيعلم الله» ~~وإذا نسبت إلى زمانه قلت «يعلم» وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت «قد علم» ~~فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم. أو لنميز # PageV01P423 # التابع من الناكص كقوله ليميز الله الخبيث من الطيب [الأنفال: 37] فسمي ~~التمييز علما لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية ~~مكان العلم. وعن الفراء: # أن ms0518 حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلا وعاقلا ~~اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: بل النار تحرق ~~الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل. ~~وهذا من كلام المصنف مثل وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] ~~وقوله ممن ينقلب على عقبيه استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ~~ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة. أو بسبب تحويلها من الناس، من ~~قال بالأول لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى ~~المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم ~~لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود. والأكثرون على الثاني لأن الشبهة ~~في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه ~~رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا، ولو كان على يقين من أمر ~~تغير رأيه. وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما ~~بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟ وقال المسلمون: # ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس. وقال ~~آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده. وقال المشركون: تحير في دينه. وإن كانت ~~لكبيرة هي «إن» المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين «إن» ~~النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال. لكن البصريين أوجبوا كون ~~الفعل الذي دخلت هي عليه من باب «كان» أو «علم» ويبطل عمل «إن» في الظاهر، ~~وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأن كما يقدر في «أن» المفتوحة إذا خففت، ~~فقوله لكبيرة خبر «كانت» واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي ~~المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ما ولاهم أو ~~الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في وما جعلنا ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة ~~مستنكرة كقوله كبرت كلمة تخرج من أفواههم وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس ~~القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة ms0519 الآباء والأسلاف عسير، ~~وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال ~~فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله. الراجع محذوف أي هداهم الله ~~إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولا، ثم جعلهم منتفعين ~~بها ثانيا، وإلا فالدلالة عامة للكل وما كان الله ليضيع إيمانكم الخطاب ~~للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في «كان» ينتصب المضارع ~~بعدها بتقدير «أن» أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم ~~تزلوا ولم # PageV01P424 # ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب الجزيل عن الحسن. وقال ابن زيد: ~~ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ~~ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها. أطلق الإيمان على الصلاة لأنها ~~أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك ~~الصلاة. # وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: ~~يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت. # وإنما خوطبوا تغليبا للأحياء مثل وإذ قتلتم نفسا [البقرة: 72] وإذ فرقنا ~~بكم البحر [البقرة: 50] والمراد أهل ملتهم. وليس هذا السؤال من الشك في ~~حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما ~~خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى ~~الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات ~~والأحياء جميعا، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء ~~عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل ~~الناسخ. وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادرا عن منافق فنبه الله المسلمين على ~~الجواب. وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، ~~فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا. يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك ~~في أبي تراب؟ فقرأ قوله إلا على الذين هدى الله ثم قال: وعلي منهم ms0520 وهو ابن ~~عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ~~إن الله بالناس لرؤف رحيم الجوهري: الرأفة أشد الرحمة. رؤفت به أرؤف بالضم ~~فيهما رأفة ورافة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما. ورئفت به بالكسر رأفا والصفة ~~رؤوف ورؤف على «فعول» و «فعل» وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، ~~والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع ~~المكروه وإزالة الضرر قال ولا تأخذكم بهما رأفة [النور: 2] . والرحمة اسم ~~جامع خصص أولا ثم عمم. والمراد أن الرؤوف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو ~~كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هدى من هدى لأنه بالناس ~~رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر. قوله عز من قائل قد نرى ~~معناه كثرة الرؤية هاهنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: # قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأن أثوابه مجت بفرصاد # كما أن «رب» في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله «فإن ~~تمس مهجور الفناء فربما» . أقام به بعد الوفود وفود. ووجه ذلك أن المادح ~~يستقل الشيء # PageV01P425 # الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ~~قد يعلم الله فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئا من العلم. ~~تقلب وجهك تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت ~~المقدس إلى الكعبة. # عن ابن عباس أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جبريل وددت أن الله ~~تعالى صرفني عن قبلة اليهود الى غيرها فقد كرهتها. فقال له جبريل عليه ~~السلام: أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يديم ~~النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت. # وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ~~ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ~~ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها ms0521 مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن ~~يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى ~~شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه. وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو ~~الله تعالى فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ~~ينتظر مجيء جبريل للإجابة. وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله تعالى سيحول ~~القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها- ولم تكن قبلة أحب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة- فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا ~~فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت ~~الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم. وقيل: بل وعد بذلك. وقبلة ~~بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه ~~وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا ~~على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع ~~التوجه. واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى ~~المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر ~~أو ستة عشر أو سبعة عشر- وهو الأكثر- أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال. وقيل: ~~بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت ~~المقدس. واختلفوا أيضا في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز غيره أو ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا في توجهه إليه وإلى غيره. فعن الربيع ~~بن أنس أنه كان مخيرا لقوله ولله المشرق والمغرب [البقرة: 115] الآية. ولما # روي أن قوما قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه ~~بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم ينكر عليهم. # وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضا لقوله فلنولينك قبلة ترضاها ms0522 فدل على أنه ما ~~كان مخيرا بينها وبين الكعبة. ومعنى «فلنولينك» فلنعطينك # PageV01P426 # ولنمكننك من استقبالها من قولهم «وليته كذا» جعلته واليا له، أو فلنجعلنك ~~تلي سمتها دون سمت بيت المقدس. ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة ~~التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته. وعن الأصم: كل جهة وجهك الله ~~إليها يجب أن تكون رضا لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه. وقيل: ترضى ~~عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق. فول وجهك أي كل بدنك لأن الواجب ~~على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط. وإنما خص الوجه بالذكر ~~لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص. وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته ~~قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وعن بعضهم أن الشطر ~~نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه ~~العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف ~~وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول. عن ابن عباس: بينما الناس ~~بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، ~~وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا ~~إلى الكعبة. وفي الموطأ: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم ~~المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين. ~~واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام. ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: ~~البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق ~~والمغرب، وهذا قول مالك. وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في ~~الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: ~~لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى ~~خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة. وقد وردت ~~أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، ms0523 فاستداروا ~~إلى الكعبة. وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله. # واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة ~~قريبا كان أو بعيدا لظاهر قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «هذه القبلة» # مشيرا به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي صلى الله عليه وسلم بلغ ~~مبلغ التواتر. وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين ~~الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعا. ولأن كون الكعبة ~~قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط. وأما عند أبي حنيفة ~~ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين ~~الكعبة حرجا عظيما للبعيد، ولأن في ذكر المسجد # PageV01P427 # الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن ~~الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في ~~أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى ~~مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين ~~الكعبة لو كان واجبا ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة ~~لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز ~~له الاكتفاء بالظن وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم ~~تلك الدلائل واجبا، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى ~~التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في ~~السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجدا على قوس ~~عظيمة أرضية مارة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من ~~نصف الدور. وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق ~~المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا ms0524 النجومية، ~~وذكرها هاهنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها. # ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي ~~الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم. أما ~~الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه ~~على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض ~~النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج ~~عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على ~~اليسرى أم تميل ميلا أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد ~~وهذه المواقع. وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين ~~المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه. وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع ~~الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها. ~~وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له «الجدي» فيعرف أنه على قفا المستقبل أو ~~على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية ~~منها بخلاف ذلك. فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله ~~إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه ~~الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه. ومعرفة ~~دلائل القبلة فرض # PageV01P428 # على العين أم فرض على الكفاية؟ أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان ~~الصلاة وشرائطها. # قوله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ليس بتكرار لأن الأول الخطاب ~~للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعا. واحتمل أيضا ~~أن يكون الخطاب مختصا بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعا في جميع ~~بقاع الأرض. # واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من ~~حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال ~~وتفصيل ذلك ms0525 في كتبنا الفقهية. # الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة ~~غير واجب وإن كان طاعة # لقوله صلى الله عليه وسلم «خير المجالس ما استقبل به القبلة» # والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ~~ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكبا أو ماشيا متوجها ~~إلى طريقه لما # روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر في راحلته ~~حيث توجهت به. # ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا عن أبي حنيفة. وهل يجب على المتنقل أن ~~يستقبل القبلة عند التحرم؟ الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لاحران ~~بها وإلا فلا، لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل ~~القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه. # وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما ~~الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي ~~فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا ~~يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل ~~يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض. وليس لراكب التعاسيف الذي لا ~~مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل. # الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية ~~تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافا لأحمد ومالك في الفريضة. قيل لنا إنه ~~صلى متوجها إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من ~~خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء. ويجوز أن يستقبل الباب أيضا إن كان ~~مردودا، وإن كان مفتوحا فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا ~~فلا. ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى # PageV01P429 # ذراع تقريبا كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص. وإن ~~انهدمت الكعبة- حاشاها- وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز ~~لأن ms0526 المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى ~~على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت. ولو صلى في العرصة ~~فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس ~~الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافا لأبي حنيفة. وإن كان ~~المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال ~~عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحبابا، ~~والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة ~~إلا عند من يرى الجهة كافية. ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب ~~المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته. يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس ~~مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطا موازية لقاعدته. وإن كان خارج المسجد ~~فإن كان يعاين القبلة سوى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبدا. ومحراب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على ~~الخطأ فهو صواب قطعا فيسوي سائر المحاريب عليه. وفي معنى المدينة سائر ~~البقاع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضبط المحراب، وكذا ~~المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين. وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين ~~التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا ~~بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلا. ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ ~~منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر. ويقال: # إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو. # الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا ~~يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد ~~بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضا كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع ~~الفجر يأخذ ms0527 بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبرا يؤخذ به، ~~وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في ~~المخبر أن يكون عدلا يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر ~~الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين. ثم الإخبار عن القبلة ~~قد يكون صريحا وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع ~~التي يعتمد عليها. ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من ~~أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون. فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن # PageV01P430 # قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم ~~يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب ~~الاجتهاد هاهنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة ~~حائل أصلي كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو ~~حبس أو تعارضت، صلى كيف اتفق لحق الوقت ويقتضي. وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم ~~يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في ~~الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان ~~المجتهد مسلما عدلا عارفا بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر ~~والعبد. فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق ~~الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم ~~الأدلة فرض العين. فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت ~~وقضى. ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقينا أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ~~ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني. وإن بان بعد الفراغ من الصلاة ~~فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض. وإن تغير الاجتهاد في أثناء ~~الصلاة انحرف ويبني. فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها ~~لأنها من أهم مهمات الدين وإن الذين ms0528 أوتوا الكتاب يعني أحبار اليهود وعلماء ~~النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا ~~أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان. وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، ~~والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق ~~يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك ~~أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن ~~الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام. وأيضا أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات ~~والبشارات وكل ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق، فهذا التحويل حق. ~~وما الله بغافل عما يعملون وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين ~~استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب قيل: هم ~~جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية ~~المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ولئن اتبعت أهواءهم ومجرد ~~اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر ~~فهم المتبعون للهوى. ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى. قالوا: الآيتان ~~المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز ~~منهم الكتمان فكذا هذه الآية. وأجيب بأنه لا # PageV01P431 # يلزم من تخصيصهما تخصيصها. قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا ~~شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير. ورد بأن المقلد أيضا قد يصر. ~~قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيرا من أهل الكتاب آمن بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم واتبع قبلته. ووجه بأن المراد من قوله ما تبعوا قبلتك ~~أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ~~[الأنعام: 35] وسلب الاجتماع لا ينافى اتباع البعض بكل آية بكل برهان قاطع ~~على أن التوجه # إلى الكعبة هو الحق ما تبعوا قبلتك جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب ~~الشرط واللام في ولئن لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل ms0529 برهان ما ~~اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة ~~بل عنادا ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك. ومن خص اللفظ بالعلماء ~~بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ~~ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم وما أنت بتابع قبلتهم رفع لتجويز النسخ ~~وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسما لأطماع ~~أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا ~~لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره. وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم ~~باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية. وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة ~~وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد وما بعضهم ~~بتابع قبلة بعض إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة ~~واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في ~~القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟ أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما ~~للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟ وإن حمل على الاستقبال ~~فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، ~~بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانيا أو بالعكس فإن ~~ذلك قد وقع. أخبر الله تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقا أو مبطلا ~~ولئن اتبعت أهواءهم كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع ~~قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلا بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب ~~الديانة إنك إذا أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل ~~الكبير كبائر فكيف بكبائره؟ وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ~~ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة ~~قلوبهم طمعا منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ms0530 ذلك القدر أيضا وآيسه منهم ~~بالكلية. كقوله ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا # PageV01P432 # [الإسراء: 74] يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~[التوبة: 73] وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبر أولاده وأصلحهم ~~فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة ~~يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه الذين آتيناهم الكتاب هم علماؤهم بدليل ~~يعرفونه أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت ~~والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم لا يشتبه عليهم ~~أبناؤهم وأبناء غيرهم. «وما» مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه ~~بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم ~~ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون. # عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~أنا أعلم به مني يا بني. قال: لم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ~~ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه. # وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم ~~لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم ~~الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبيا وهم لا ~~ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي صلى الله عليه وسلم المنعوت في كتبهم ~~فرد الله عليه ذلك فافهم. وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة ~~الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر. وقيل: الضمير ~~للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله أبناءهم ~~ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب ~~العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه. قال تعالى وإن فريقا منهم يريد ~~من سوى المسلمين المؤمنين منهم ليكتمون الحق الذي هو أمر محمد أو ms0531 أمر ~~القبلة ثم أكد ذلك بقوله وهم يعلمون فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم ~~المكتوم الحق من ربك يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، «ومن ربك» ~~خبر بعد خبر أو حال. وأن يكون مبتدأ خبره «من ربك» . ثم في اللام يكون ~~وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أو إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه ~~من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل فلا تكونن من ~~الممترين الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك. وقد ~~يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ولئن ~~اتبعت. لكل # التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما ~~قالوا «ولدة» في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في # PageV01P433 # المصادر، وقوله # وإما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله. وثاني مفعولي وليها # محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه. ثم اختلف في التفسير ~~فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما ~~بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح ~~بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم ~~تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم استبقوا # أنتم خيرات # الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل ~~المعد للمطيعين. أينما تكونوا من جهات الأرض أت بكم الله جميعا # في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر ~~على ذلك. وقيل: إن الله تعالى عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة ~~قبلة. فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا ~~الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن ~~الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم. ms0532 وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو ~~غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ~~أينما تكونوا من الجهات المختلفةأت بكم الله جميعا # يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع ~~الكعبة. ولقراءة ابن عامر مولاها معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك ~~والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه. وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة ~~المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، ~~وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك ~~هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت # «أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» . # ثم إن الشافعي استدل بقوله استبقوا الخيرات # على أن الصلاة في أول الوقت أفضل. وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازا ~~لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» «1» # وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حافظوا على ~~شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر. وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت # لقوله صلى الله عليه وسلم «يا علي ثلاث لا تؤخرها: # الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا» «2» # وأن المراد بالإسفار PageV01P434 # والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، ~~وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير ~~أسباب الصلاة تشاغل. ومن حيث خرجت ومن أي بلد خرجت يا محمد فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام إذا صليت وإنه وإن هذا المأمور به للحق الذي يجب أن يقبل ~~ويعمل به حال كونه من ربك وما الله بغافل عما تعملون وعد للمتشاغلين ووعيد ~~للمتغافلين. واعلم أن أمر التولية ذكره الله تعالى ثلاث مرات، وللعلماء في ~~سبب التكرير أقوال: # أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، ~~والثانية على أن يكون غائبا عنه ولكن يكون في البلد، ms0533 والثالثة على أن يكون ~~خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس ~~للبعيد فأزيل ذلك الوهم. # وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل ~~الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله ~~تعالى عن حقيته وكفى به شهيدا، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة كما أن قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان وأمثال ذلك تكرر ~~حيث نيط بكل منها فائدة. # وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وطلبا لهواه حيث قال فلنولينك قبلة ترضاها فأزيل الوهم بتكرار ~~الأمر وتعقيبه بقوله وإنه للحق من ربك أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة ~~بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد ~~الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان ~~الغرض. # ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة ~~لتعميم الأزمنة إشعارا بأنها لا تصير منسوخة البتة. # وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها ~~قبلة الحق لا قبلة الهوى. الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا ~~قريب من الثالث. # وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت ~~الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير. # وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ثم على تكليف عام له ~~ولأمته وحيث ما كنتم # PageV01P435 # فولوا وجوهكم شطره # والآية الثانية ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام لأجل تكليف أخص ~~وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصديقين وهو سنة خليل ~~الرحمن صلى الله عليه وسلم وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض [الأنعام: ~~49] ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله وإنه للحق من ربك لم يستظهر على ~~هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا ms0534 هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف ~~الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير. وأيضا اقتصر هاهنا على أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام- حرام لا ~~يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا ~~واحد بعد واحد. وأيضا قدم على الآية قوله لكل وجهة هو موليها فاستبقوا ~~الخيرات # فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ~~[فاطر: 32] لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص ~~منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باق بالنسبة ~~إلى عموم المكلفين والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. # قوله لئلا يكون أي ولوا لأجل هذا الغرض. وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي ~~عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة. والناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود ~~كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين ~~يتوجه في صلاته حتى هديناه. وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين ~~إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم. وإنما أطلق ~~الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكما أو ~~طباقا أو بناء على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة. وقد تكون الحجة ~~باطلة قال تعالى حجتهم داحضة عند ربهم [الشورى: 16] وكل كلام يقصد به غلبة ~~الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل. والمراد بالذين ظلموا المعاندون من ~~اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا ~~لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن ~~محمدا عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية. وقيل: الاستثناء ~~منقطع. وقيل: «إلا» بمعنى الواو وأنشد شعر: # وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان # يعني والفرقدان. وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سبب فلا تخشوهم فإنهم لا ~~يضرونكم واخشوني واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم ms0535 على ~~وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ~~ويقطع # PageV01P436 # الرجاء والخوف عمن سواه. قوله ولأتم قيل: معطوف على لئلا أي حولتكم إلى ~~هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول ~~شرف قبلة إبراهيم. وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي ~~اهتداءكم أمرتكم بذلك. وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني ~~لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~[المائدة: 3] فإن لله تعالى في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، ~~فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على ~~الإطلاق # وعن علي عليه السلام: تمام النعمة الموت على الإسلام. # وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» «1» # كما أرسلنا «ما» مصدرية أو كافة. ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو ~~بما بعده. وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف ~~وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو ~~لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث ~~قال ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا [البقرة: 128] كما أرسلنا فيكم ~~رسولا إجابة لدعوته حيث قال ربنا وابعث فيهم رسولا [البقرة: 129] وقيل: ~~معناه كذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، وعلى الثاني معناه كما ~~ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارة أخرى. وفيه أن نعمه على العبد ~~لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولا ~~وأخيرا وبداية ونهاية. وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم ~~لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من ~~الانقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. وكون ~~القرآن متلوا من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به ~~العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه ms0536 يتلى فيوقف على مجامع ~~الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة. ومعنى التزكية وتعليم ~~الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم. وفي قوله يعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون تنبيه على أنه تعالى أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير ~~الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك ~~من أعظم أنواع النعم فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون تكليف بأمرين: # الذكر والشكر. وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ولا تكفرون عطف ~~بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهي عنه كما أن الشكر مأمور به. ولو قطع على ~~طريقة قوله: PageV01P437 # «أقول له ارحل لا تقيمن عندنا» لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول ~~في حكم المنحى. ويحتمل من حيث العربية أن تكون «لا» نافية والنون ليست ~~للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي. ~~وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب ~~وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين ~~فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ~~ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلا من كل ذرة إلى موجدها، ~~أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال ~~المنهي عنها. وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكرا فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] ~~وأما ذكر الله تعالى فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا ~~واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني ~~بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في ~~الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني ~~بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد ~~الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم ~~بالبقاء. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى # 157] # يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين (153) ~~ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ms0537 لا تشعرون (154) ~~ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157) ### | القراآت: # إنا لله بالإمالة فيهما: قتيبة ونصير. وإنما جازت مع امتناعها في الحروف ~~لكثرة استعمال كلمة الاسترجاع. ### | الوقوف: # والصلاة ط الصابرين لا أموات ط لا تشعرون ه والثمرات ط الصابرين لا لأن ~~صفتهم مصيبة لا لأن «قالوا» جواب «إذا» راجعون ط لأن «أولئك» مبتدأ على ~~الأصح ومن ابتداء بالذين فخبره «أولئك» مع ما يتلوه ووقف على الصابرين ولم ~~يقف على راجعون المهتدون ه. ### | التفسير: # أنه تعالى لما أوجب بقوله فاذكروني أذكركم واشكروا لي جميع الطاعات ورغب ~~بقوله ولا تكفرون عن جميع المنهيات فإن الشكر بالحقيقة صرف العبد جميع ما ~~أنعم الله تعالى به عليه إلى ما أعطاه لأجله، ندب إلى الاستعانة على تلك # PageV01P438 # الوظائف بالصبر والصلاة. فالصبر قهر النفس على احتمال المكاره في ذات ~~الله تعالى، والصلاة إذا اشتملت على مواجب الخشوع والتذلل للمعبود والتدبر ~~لآيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، انجر ذلك إلى أداء حقوق سائر ~~الطاعات والاجتناب عن جميع الفواحش والمنكرات إن الله مع الصابرين بالنصر ~~والتأييد ومزيد التوفيق والتسديد ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [مريم: 76] ~~وقيل: الصبر الصوم. وقيل: الجهاد بدليل قوله ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء أي هم أموات بل هم أحياء. # وعلى الوجه الأول كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني وسلوك ~~سبيلي، فإن احتجتم في ذلك إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأنفسكم فتلفت فإن ~~قتلاكم أحياء عندي، من قتله محبته فديته رؤيته. ثم إن أكثر المفسرين على ~~أنهم أحياء في الحال، فمن الجائز أن يجمع الله تعالى من أجزاء الشهيد جملة ~~فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة فيرى معظم جسد الشهيد ~~ميتا فلا يحس بحياته وإليه الإشارة بقوله ولكن لا تشعرون ومما يؤيد هذا ~~القول الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر النار يعرضون عليها ms0538 غدوا وعشيا ~~[غافر: 46] أغرقوا فأدخلوا نارا [نوح: 25] والفاء للتعقيب # وقال صلى الله عليه وسلم «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفرة ~~النيران» «1» # . ولم يزل أرباب القلوب يزورون قبور الشهداء ويعظمونها. وقيل: المعنى لا ~~تسموهم بالأموات وقولوا لهم الشهداء الأحياء. أو المراد: قولوا لهم أحياء ~~في الدين وإنهم على هدى ونور من ربهم لا كما يزعم المشركون أنهم ليسوا من ~~الدين في شيء أو لا تقولوا مثل ما يقول منكرو البعث إنهم لا ينشرون وقد ~~ضيعوا أعمارهم، ولكنهم سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة. وعلى هذه الوجوه ~~لا يبقى لتخصيص الشهداء بكونهم أحياء فائدة وكذا لقوله مع المؤمنين ولكن لا ~~تشعرون. وقيل: إن الثواب وكذا العقاب للروح لا للقالب، لأنه مدرك للجزئيات ~~أيضا فلا يمتنع أن يتألم ويلتذ. ثم إنه سبحانه يرد الروح إلى البدن في ~~القيامة الكبرى حتى يضم الأحوال الجسمانية إلى الإدراكات الروحانية. عن ابن ~~عباس أن الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، ستة من المهاجرين ~~وثمانية من الأنصار. # وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أرواح الشهداء ~~في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة» «2» # أي تأكل ولنبلونكم ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل ~~تصبرون PageV01P439 # وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه، ~~أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد ~~المستعير؟ أمر أولا بالشكر على إكمال الشرائع، ثم بالصبر على التكاليف ~~الدينية، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب، ومعنى بشيء ~~بيان من هذه الأشياء وأيضا لو قال «بأشياء» لأوهم أن من كل واحد من الخوف ~~وغيره ضروبا وليس بمراد. وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل ~~هو بالنسبة إليه، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم. واعلم أن كل ما ~~يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكرا وتذكرا، وإن ~~كان في الحال سمي ms0539 ذوقا ووجدا لأنها حالة تجدها من نفسك، وإن تعلق ~~بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظارا وتوقعا، فإن كان المنتظر ~~مكروها حصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا، وإن كان محبوبا سمي ذلك ~~ارتياحا والارتياح رجاء. وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت. ~~عن عطاء والربيع بن أنس: أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين، ~~فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة ~~الأحزاب ما كان هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا [الأحزاب: 11] ~~وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى ~~إنه صلى الله عليه وسلم كان يشد الحجر على بطنه. # وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال: ما ~~أخرجك؟ قال: الجوع. قال: أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في ~~الاستعداد للجهاد ثم يقتلون. # فهناك يحصل النقص في المال والنفس، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند ~~فناء الزاد ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلى ~~قوله إلا كتب لهم به عمل صالح [التوبة: 120] وقد يكون النقص في النفس بموت ~~الإخوان والأخدان. وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة ~~الضياع للاشتغال بالجهاد. وعن الشافعي: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر ~~رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن ~~الثمرات موت الأولاد. # قال صلى الله عليه وسلم «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة ~~أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: # نعم. فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم. فيقول الله تعالى: ماذا قال ~~عبدي؟ # فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله: «ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت ~~الحمد» «1» PageV01P440 # ونقص عطف على بشيء ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال. ~~والخطاب في وبشر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه ~~البشارة. قال ms0540 الإمام الغزالي رحمه الله: الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ~~ذلك في البهائم لنقصانها، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك ~~القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة ~~تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة ~~حضرة ذي الجلال. وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا ~~شهوة الغذاء، ثم شهوة اللعب بعد حين، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له ~~مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال ~~على تحصيل السعادات الباقية، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل ~~إياها هو المعنى بالصبر. وإنه ضربان: بدني فعلا كتعاطي الأعمال الشاقة، أو ~~انفعالا كالثبات على الآلام، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع، فإن ~~كان حبسا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه، فإن كان من ~~مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع ~~الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس، ~~ويضاده حالة البطر. وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن، ~~وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلما ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من ~~النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام ~~يسمى كتمان النفس، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده الحرص، وإن كان على ~~قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره. وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ~~ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن، وإنما الصبر على المصيبة هو ~~حمل النفس على ترك إظهار الجزع. ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون # فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك ~~فقال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. ثم قال: العين تدمع ~~والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. # ثم الصبر عند ms0541 الصدمة الأولى وإلا سمي سلوا وهو مما لا بد منه ولهذا قيل: ~~لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه. وقد وصف الله تعالى الصبر في ~~القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا [السجدة: # 27] وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا [اعراف: 137] ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 96] إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10] فما من طاعة إلا وأجرها مقدر إلا ~~الصبر، # PageV01P441 # ولأن الصوم من الصبر قال تعالى في الحديث القدسي «الصوم لي» فأضافه إلى ~~نفسه ووعد الصابرين بأنه معهم فقال واصبروا إن الله مع الصابرين [الأنفال: ~~46] وعلق النصرة بالصبر فقال إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملائكة [آل عمران: 125] وجمع للصابرين أمورا لم ~~يجمعها لغيرهم أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون # وقال صلى الله عليه وسلم «الصبر نصف الإيمان» # لأن الإيمان لا يتم إلا بترك ما لا ينبغي، والإتيان بما ينبغي والاستمرار ~~على كل منهما إنما يتأتى بالصبر. فكل الإيمان صبر إلا أن كل واحد منهما قد ~~يكون مطابقا لمقتضى الشهوة فلا يحتاج فيه إلى الصبر، فلهذا عاد إلى النصف. # وقد جاء «الإيمان هو الصبر» # وذلك # كقوله «الحج عرفة» «1» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر» # وقال: «يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل ~~الأرض فيقال له أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول ~~تعالى لقد أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف ~~جزاء الشاكرين» # ومن فضيلة الصبر أن # قال صلى الله عليه وسلم: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» «2» # فإن المشبه به يجب أن يكون أقوى كما # قال «شارب الخمر كعابد الوثن» «3» # وروي أن سليمان يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفا لمكان ملكه، وآخر ~~أصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه. # وفي الخبر: أبواب ms0542 الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد. ~~وأول من يدخله أهل البلاء إمامهم أيوب. # ثم إن الله تعالى بين أن الإنسان كيف يكون صابرا وأنه متى يستحق البشارة ~~فقال الذين إذا أصابتهم مصيبة هي من الصفات الغالية التي لا تكاد تستعمل ~~موصوفاتها وتختص من بين ما يصيب الإنسان بحالة مكروهة كالنازلة والواقعة ~~والملمة، وإنما نكرت لتشمل كل مضرة تناله من قبل الأسباب السماوية والأرضية ~~المنتهية إلى مسبب الأسباب بواسطة ظاهرة أو خفية قالوا: إنا لله إقرار ~~بالعبودية وإنا إليه راجعون تفويض للأمر إليه كما يقال: إن الملك والدولة ~~رجع إلى فلان لا يراد الانتقال بل القدرة وترك المنازعة إنا لله اعتراف منا ~~له بالملك وإنا إليه راجعون إقرار على PageV01P442 # أنفسنا بالهلك إنا لله إشارة إلى المبدأ وإنا إليه راجعون تصريح بالمعاد. ~~إنا لله إعلام بالفناء فيه وإنا إليه راجعون إشعار بالبقاء به. إنا لله ~~إيمان بقضائه وإنا إليه راجعون إيمان بقدره. واعلم أن الرضا بالقضاء إنما ~~يحصل للعبد من الله تعالى بطريقين: # الصرف أو الجذب أما الصرف فمتى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إليه جعله ~~تعالى منشأ للآفات لينصرف وجه قلبه من عالم الحدوث إلى جانب القدس، كما أن ~~آدم لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر ~~الله. ولما استأنس يعقوب بيوسف أوقع الفراق بينهما فبقي يعقوب مع ذكر الحق. ~~ولما طمع محمد صلى الله عليه وسلم من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من ~~أشد الناس بغضا له فأخرجوه. وقد لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من ~~البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله. # وقد يتوقع العبد من جانب خيرا فيعطيه الله تعالى ذلك بلا واسطة فيستحي ~~العبد فيرجع إلى الله. وأما الجذب فجذبة من جذبات الرحمن توازي عمل ~~الثقلين. ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوبا لأن الحق غالب فتصير الربوبية ~~غالبة على العبودية، والحقيقة مستعلية على المجاز، كالعبد الداخل على ms0543 ~~السلطان المهيب ينصرف فكره إليه ويشتغل بالكلية عمن سواه ويصير فانيا عن ~~نفسه وعن حظوظها فيحصل له مرتبة الرضا بأقضية الحق سبحانه من غير أن يبقى ~~في طاعته شبهة المنازعة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ~~وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه» # وروي أنه طفىء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا لله وإنا إليه ~~راجعون فقيل: أمصيبة هي؟ قال: نعم. كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. # وعن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما ~~من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به» من قوله: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني منها وعوضني خيرا منها ألا أجره ~~الله عليها وعوضه خيرا منها» «1» . # قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت: هذا القول فعوضني الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس: أخبر الله تعالى أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع ~~عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق ~~سبيل الهدى. وعن عمر قال: نعم العدلان إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك ~~عليهم صلوات من ربهم ورحمة ونعم العلاوة وأولئك هم المهتدون. قيل: الصلوات ~~من الله الثناء والمدح والتعظيم، PageV01P443 # والرحمة النعم العاجلة والآجلة. وقيل: الصلاة الحنو والتعطف وضعت موضع ~~الرأفة كقوله رأفة ورحمة لرؤف رحيم والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أي ~~رحمة وأولئك هم المهتدون لطريق الصواب والفائزون بالكرامة والثواب، أو هم ~~المستمسكون بآدابه المستنون بما ألزم وأمر وفي الآية حكمان: فرض ونفل. ~~فالفرض هو التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه والصبر على أداء فرائضه ~~لا يصرفه عنها مصائب الدنيا، والنفل قوله إنا لله وإنا إليه راجعون فإن في ~~إظهاره فوائد منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم ~~بجده واجتهاده في دين الله تعالى والثبات على طاعته. وأما الحكمة في تقديم ~~تعريف ms0544 الابتلاء فهي أن يوطنوا نفوسهم لهذه المصائب إذا وردت فتكون أبعد من ~~الجزع. وأيضا إذا علموا أنه سيصل إليهم تلك المحن اشتد حزنهم فيكون ذلك ~~الحزن تعجيلا للابتلاء فيستحقون بذلك مزيد الثواب. وأيضا إذا أخبروا بوقوع ~~هذا الابتلاء ثم وقع كان ذلك إخبارا بالغيب فيكون معجزة. وأيضا فيه تنفير ~~وتمييز له عن الموافق. # كما أن الحكمة في نفس الابتلاء أيضا ذلك. # دعوى الإخاء على الإخاء كثيرة ... بل في الشدائد تعرف الإخوان # إذا قلت أهدى الهجر إن خلل البلى ... يقولون لولا الهجر لم يطب الحب # وإن قلت كربي دائم قالت إنما ... يعد محبا من يدوم له الكرب # وإن قلت ما أذنبت قالت مجيبة ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 158 الى 162] # إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158) إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب ~~عليهم وأنا التواب الرحيم (160) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون (162) ### | القراآت: # من يطوع بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء ~~والتخفيف وفتح الآخر على المضي. ### | الوقوف: # شعائر الله ج للشرط مع فاء التعقيب بهما ط لأن التطوع خارج عن موجب ~~كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم عليم، في الكتاب لا لأن «أولئك» خبر ~~«إن» اللاعنون لا للاستثناء أتوب عليهم ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ~~الرحيم ه أجمعين لا لأن «خالدين» حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي # PageV01P444 # لعنهم الله حتى قرأ الحسن والملائكة وما بعده بالرفع فيها ج لأن ما بعده ~~حال بعد حال واستئناف إخبار ينظرون ه. ### | التفسير: # إن في تعليق الآية بما قبلها وجوها منها: أن السعي بين الصفا والمروة من ~~شرائع إبراهيم عليه ms0545 السلام كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة ~~الذي فيه إحياء شرع إبراهيم. ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير ~~لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم ~~أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى. ومنها أن أقسام ~~التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير ~~إلى ذلك بقوله فاذكروني أذكركم واشكروا لي [البقرة: 152] وثانيها ما ركز في ~~العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا ~~أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد ~~المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا وذلك قوله ولنبلونكم [البقرة: 155] الآية، ~~وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي ~~عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبدا محضا وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي ~~الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميما ~~للأحكام واستيفاء لجميع الأقسام. والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين ~~المعروفين بمكة- زادها الله شرفا. # والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل «ما تندى صفاته» والجمع صفا مقصور ~~وأصفاء وصفي على «فعول» وإذا نعتوا الصخرة قالوا «صفاة صفواء» وإذا ذكروا ~~قالوا «صفا صفوان» قال تعالى كمثل صفوان عليه تراب [البقرة: 264] وعن ~~الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة. والشعائر ~~جمع شعيرة وهي العلامة. # وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أو هما من متعبداته. وقد ~~شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ~~ذلك كما مر قوله وأرنا مناسكنا [البقرة: 138] وليس السعي عبادة تامة في ~~نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضا من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله فمن حج ~~البيت أو اعتمر والحج لغة القصد. رجل محجوج أي مقصود وهو أيضا كثرة ~~الاختلاف والتردد، وحج فلان فلانا إذا أطال الاختلاف إليه. ثم غلب استعماله ~~في القصد إلى مكة للنسك. والحاج يأتي البيت ms0546 أولا ليعرفه ثم يعود إليه ~~للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف ~~الصدر. ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها. والاعتمار لغة الزيارة. # فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ~~ينصرف. # PageV01P445 # والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف. والجناح الحرج والإثم ~~من قولهم «جنح لكذا» أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل. أو لأن الناس ~~يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله فلا جناح عليه يدخل تحته الواجب ~~والمندوب والمباح. # وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن ~~السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر. فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم ~~مقامه # لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» # وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت ~~لقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] ولما ثبت أنه صلى الله عليه ~~وسلم سعى فيجب علينا اتباعه لقوله تعالى واتبعوه # ولقوله صلى الله عليه وسلم «خذوا عني مناسككم» «1» # والأمر للوجوب. وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم. ~~وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج ~~دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ومن تطوع خيرا أجاب الشافعي بما يروى أنه كان ~~على الصفا أساف وعلى المروة نائلة وهما صنمان. كانا رجلا وامرأة زنيا في ~~الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون ~~الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان ~~كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك ~~فرفع عنهم الجناح. فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس ~~السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث ~~عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه. فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان ~~النجاسة لا ms0547 إلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من ~~جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت ~~على ما أولتها كانت «لا جناح عليه أن يطوف بهما» وأصل «يطوف» «يتطوف» فأدغم ~~كمن قرأ «يطوع» بالتشديد وأصله «يتطوع» والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير ~~إيجاب عليك. ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر ~~الواجب. وعن الحسن: # المراد منه جميع الطاعات. وهذا أولى لعموم اللفظ فإن الله شاكر، أي ~~مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكرا تشبيها بجزاء النعمة، وفيه تلطف ~~العباد مثل من ذا الذي يقرض الله [البقرة: 245] كأنه يقول: إني وإن كنت ~~غنيا عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح علي أن أنتفع بها لما ~~ازداد وقعه على ما حصل. عليم بالسرائر PageV01P446 # فيوفي كل ذي حق حقه. وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضا يحتمل ~~التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة إن الذين يكتمون كلام مستأنف ~~يتناول كل من كتم شيئا من الدين. وقيل: هم أهل الكتاب. وقيل: اليهود خاصة ~~لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفرا من اليهود عما في ~~التوراة من صفة صلى الله عليه وسلم ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى ~~لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على ~~الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله ~~تعالى فيعم الحكم حسب عموم الوصف. ولا يخفى أن القرآن قبل صيرورته متواترا ~~يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه ~~الكتمان. # وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من ~~الصحابة حملوه على العموم. عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله تعالى يقول إن ~~الذين يكتمون ما أنزلنا من ms0548 البينات فحملت الآية على العموم. وعن أبي هريرة ~~قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس: أكثر أبو ~~هريرة وتلا إن الذين يكتمون قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع ~~الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتمانا. # فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، ~~وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان ~~إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها. وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على ~~كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس. وفي الآية دليل على أن ما يتصل ~~بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ~~والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتابا ووحيا دون أدلة العقل. ~~والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل. ~~وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. ~~ولقوله من بعد ما بيناه للناس في الكتاب فيشمل كون خبر الواحد والإجماع ~~والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور. وهذا الإظهار فرض على الكفاية ~~لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول ~~إليه ولم يبق مكتوما، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره ~~مرة أخرى. وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهيا عن الكتمان مأمور ~~بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟ وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن ~~الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع ~~والافتراء، فلا يكون خبرهم موجبا للعلم. ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب ~~قبول خبر الواحد # PageV01P447 # لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فحكم بوقوع البيان بخبرهم. واستدل بالآية أيضا ~~على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب ms0549 التعليم ولا أجرة ~~على أداء الواجب. وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن ~~الأحكام. والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك ~~المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس. وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب ~~الأولين وبالهدى القرآن أولئك تبعيد لهم عن درجة الاعتبار يلعنهم الله ~~يبعدهم عن كل خير ويلعنهم يدعو عليهم باللعن اللاعنون الذين يتأتى منهم ~~اللعن ويعتد بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين. وقيل: # يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني ~~آدم. # واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير ~~لأنه تعالى وصفهم بصفات العقلاء مثل والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين [يوسف: ~~4] يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم [النمل: 18] وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~[فصلت: 21] وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت ~~تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ~~ذلك في الدنيا ومات عليه. وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضا لأنهم كتموهم ~~الدين كلما دخلت أمة لعنت أختها [الأعراف: # 38] وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن ~~لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه. وعن ابن ~~عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق. قال: وذلك إذا وضع الرجل في ~~قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟ فيقول: لا أدري. فيضرب ضربة يسمعها ~~كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ~~ولا تليت إلا الذين استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه. وقد مر أن التوبة ~~عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ~~ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائبا وأصلحوا ما ~~أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم وبينوا ما كتموه أو بينوا للناس ما ~~أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ms0550 ويقتدى بهم غيرهم من ~~المفسدين فأولئك أتوب عليهم أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملا وأضع مكانه ~~الثواب تفضلا بدلالة قوله وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا عام في ~~كل من كان كذلك. وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين. ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم ~~أمواتا إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم- وهم من أصحاب ~~الكبائر- مجازا # PageV01P448 # تغليظا، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره. والمراد بالناس اللاعنين من ~~يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضا ~~فيعم المؤمن والكافر. # وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا ~~تأمل في حاله. وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافرا ~~وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه ~~بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من ~~الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث ~~الحال. وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على ~~الكفر لم يكن ملعونا ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط خالدين فيها في ~~اللعنة. وقيل: في النار. وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيما لشأنها وتهويلا ~~لمكانها. والأول أولى لتقدم ذكره لفظا، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ~~ولأنها تصح في الحال والمآل جميعا بخلاف النار فإنها في الاستقبال. فمن فسر ~~«الذين كفروا» بالكاتمين وجوز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث ~~الطويل وقد سلف مثل ذلك لا يخفف عنهم العذاب بل يتشابه في الأوقات باقيا ~~على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ولا هم ينظرون إذا استنظروا من ~~الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا ~~الله تعالى من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله. # التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى. ففي صفا السر ~~يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل ~~الخير ms0551 إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر ~~وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه ~~في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله تعالى ~~وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى [النجم: 39، 40] . ومن كمال ~~رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز ~~الأزمنة. فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم ~~وتزار. # أهوى هواها لمن قد كان ساكنها ... وليس في الدار لي هم ولا وطر # حسبي الله ونعم الوكيل. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164] # وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ~~وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل ~~دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~(164) # PageV01P449 ### | القراآت: # لا إله إلا هو بالمد وكذلك جميع التهليل. روى الهاشمي عن ابن كثير لورود ~~الأثر في هذه الكلمة وهو # قوله صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله إلا الله ومدها غفر له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر» # وروى أبو الفرج عن قتيبة «إلا» هو بالإمالة حيث كان. الريح مفردا: # حمزة وعلي وخلف. الباقون: الرياح مجموعا. ### | الوقوف: # واحد ج نظرا إلى أن ما بعده وصف آخر. وإلى الاختلاف بالنفي والإثبات ~~الرحيم ه من كل دابة ص ضرورة طول الآية وإلا فاسم «إن» لآيات والجار وما ~~يتصل به معترض، والأولى الوصل والرجوع. يعقلون ه. ### | التفسير: # الواحد قد يكون اسما وذلك في العدد واحد، اثنان، ثلاثة. وقد يكون صفة ~~كقولك «شخص واحد» ومعناه أنه لا ينقسم من جهة ما قيل: له إنه واحد. ~~فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان، لأن الإنسان الواحد ~~يستحيل أن ينقسم إلى إنسانين، بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء وذلك من ~~جهة أخرى. ثم ms0552 زعم قوم أن الواحدية صفة زائدة على الذات لأن الجوهر قد يشارك ~~العرض في كونه واحدا لا يشاركه في كونه جوهرا فقط، ولأنه يصح تعقل الجوهر ~~مع الذهول عن كونه واحدا، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، ولأن قولنا ~~«الجوهر واحد» ليس يجري مجرى قولنا «الجوهر جوهر» ولأن مقابل الجوهر العرض، ~~ومقابل الواحد هو الكثير. ثم المفهوم من كونه واحدا أمر ثبوتي لأنه لو كان ~~سلبيا لكان سلبا للكثرة. فإن كانت الكثرة سلبية وسلب السلب ثبوت فالوحدة ~~ثبوتية وهو المطلوب، وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع ~~الوحدات فإن كانت الوحدة سلبية حصل من الأمور المعدومة أمر موجود وهو محال، ~~فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية. ثم إنه لا يمكن أن يقال: إنه لا تحقق لها ~~إلا في الذهن لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان ~~واحدا في نفسه قبل أن يوجد في ذهننا واعتبارنا فثبت أن كون الشيء واحدا صفة ~~ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات. والجواب أن كون الشيء واحدا في ~~ذاته معناه كونه بحيث يصح أن يدرك الذهن منه معنى الوحدة، وهذه الحيثية لا ~~تتوقف على حصول الذهن في الخارج. ثم إن الوحدة لو كانت صفة زائدة على الذات ~~كانت الوحدات متساوية في ماهية الوحدة ومتباينة بتعيناتها، فيكون للوحدة ~~وحدة أخرى وهلم جرا وذلك محال، ثم إن شيئا من الموجودات لا ينفك عن الوحدة ~~حتى العدد، فإن العشرة الواحدة يعرض لها الوحدة من حيث هي عشرة واحدة. فإن ~~قلت: عشر ثان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت لها الوحدة من هذه # PageV01P450 # الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة. ولكن الوحدة تغاير الوجود ~~لأن الموجود ينقسم إلى الواحد، والكثير والمنقسم إلى شيئين: مغاير لما به ~~الانقسام. # والواحد الحق سبحانه وتعالى واحد باعتبارين: أحدهما أن ذاته ليست مركبة ~~من أمور كثيرة بل ولا من أمرين أيضا وإليه الإشارة بقوله إلهكم إله واحد ~~والخطاب للممكنات بأسرهم. والتذكير لتغليب ذوي العقول الذكور، وثانيهما أنه ~~ليس ms0553 في الوجود ما يشاركه في كونه واجب وفي كونه مبدأ لجميع الممكنات وهو ~~المراد بقوله لا إله إلا هو ويمكن أن يقال: القرينتان تدلان على نفي الشريك ~~إلا أن الأولى منهما تدل على إثبات وحدته في الإلهية بالمطابقة. ويلزم منه ~~نفي الشريك كقولك «هو سيد واحد» تريد الوحدة في السيادة، فيلزم نفي أن يكون ~~غيره سيدا. والقرينة الثانية تدل على نفي الشريك بالمطابقة. # ثم على إثبات المعبودية بالحق فمعناه لا إله في الوجود إلا هو. وفيه نكتة ~~شريفة وهي أن إثبات الحق وقع في كلتا القرينتين بالمطابقة ليعلم أنه المقصد ~~الأسنى والغاية القصوى. # وتحقيقه أن العارف له رجوع وعروج، وذلك أنه قد يفنى في عالم اللاهوت ~~ويبقى ببقاء الحي الذي لا يموت، ويطالع عالم الشهود فيلزمه حينئذ نفي ما ~~سوى الحق. وإذا رجع إلى عالم الناسوت ضرورة وجب عليه نفي كل من سواه حتى ~~يعرج إلى المقصود. فهذا سر عكس الترتيب في القرينتين، ولأن الأولى مرتبة ~~الصديقين السابقين فلا جرم وقع التكليف بالترتيب الأخير # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» . # ثم البرهان العقلي على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه لا يجمعه أجزاء ~~مقدارية كما للأجسام، ولا يحصره أجزاء معنوية كما في البسائط النوعية، ولا ~~أجزاء اعتبارية كما في البسائط الجنسية، هو أن كل مركب فإنه يفتقر في تحققه ~~إلى تحقق أجزائه، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجب الوجود لذاته. وأيضا فكل ~~ممكن فإن وجوده زائد على ماهيته في العقل والاعتبار فإنه يمكن تصور الممكن ~~من حيث إنه ممكن مع الشك في وجوده الخارجي. # ولكن لا يمكن تعقل الواجب من حيث إنه واجب مع الشك في وجوده، ولا نعني ~~بكون الوجود زائدا على الماهية وغير زائد إلا هذا. وأما أنه تعالى وحده لا ~~شريك له فلأن وجوب الوجود يقتضي أن لا يكون الواجب لذاته مفتقرا في شيء إلى ~~شيء أصلا، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في غاية الكمال ونهاية الجلال ~~والجمال، ولا ريب أن من ms0554 كمالات الجميل كونه عديم النظير. ومن تحقق معنى ~~وجوب الوجود بنور الباطن وصفاء الضمير لم يشك في وجوده تعالى ولا في أن ~~واجب الوجود من جميع جهاته، وواجب الوجود في جميع صفاته، وواحد بجميع ~~اعتباراته حتى عن جمل الوحدة عليه وعن تصور ذاته. وهاهنا # PageV01P451 # حالة عجيبة، فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم ~~الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة. فاعرف هذه الأسرار لتتخلص عن ~~ظلمات شبهات الأشرار وتفوز بمقامات الأبرار وتستغرق في بحار عالم الأنوار ~~بعون الملك الجبار وشروق أنوار الواحد القهار. ولك أن تقول: إنه سبحانه ~~واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا ~~شريك له. أما أنه واحد في ذاته فلأنه لو شاركه غيره في حقيقته لزم تركبه ~~مما به الاشتراك وما به الامتياز، وكل مركب مفتقر، وكل مفتقر ممكن. وأما ~~أنه واحد في صفاته فلأن صفات غيره من غيره وصفاته من نفسه، ولأن صفات غيره ~~زمانية دون صفاته ولأن صفات غيره متناهية وصفاته غير متناهية كعلمه مثلا، ~~فإن له معلومات غير متناهية بل له في كل معلوم علوم غير متناهية بحسب أحياز ~~ذلك المعلوم وأوقاته وسائر أحواله، ولأن موصوفية ذاته بالصفات ليست بمعنى ~~كونها حالة في ذاته وكون ذات محلا لها، ولا بمعنى أن ذاته تستكمل بها لأن ~~ذاته كالمبدأ لتلك الصفات ولن يستكمل المبدأ بما عن المبدأ بل ذاته مستكملة ~~بذاته. ومن لوازم ذلك الاستكمال الذاتي تحقق صفات الكمال، وقد يفضي التقرير ~~هاهنا إلى حيث تقصر العبارة عن الوفاء به، وتلك أنه لا خبر عند العقول من ~~صفاته كما أنه لا خبر عندها من ذاته، فإنا لا نعرف من علمه إلا أنه الآمر ~~الذي لأجله ظهر الأحكام والإتقان في المخلوقات، كما أنا لا نعلم من ذاته ~~إلا أنه مبدأ جميع الممكنات. من طبع على قلبه مني بالخذلان، ومن كشف له ~~الغطاء صار حيران فلا إحاطة للقطرة بكرة الماء، ولا ظهور ms0555 لضوء السهى عند ~~حلول الشمس. # كبد السماء أشتاقه فإذا بدا ... أطرقت من إجلاله # لا خيفة بل هيبة ... وصيانة لجماله # فالموت في إدباره ... والعيش في إقباله # وأصد عنه إذا بدا ... وأروم طيف خياله # وأما أنه واحد في أفعاله فلأن ما سواه ممكن الوجود لذاته، وبقدر البون ~~بين الواجب للذات والممكن للذات يوجد التفاوت بين فعليهما إن فرض للمكن فعل ~~من نفسه الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون [الروم: 40] ثم إنه تعالى خص ~~الموضع بذكر الرحمن الرحيم، لأن الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، ~~فعقبهما بذكر الصفتين ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية وعزة الفردانية ~~وإشعارا بأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان إن في خلق السماوات والأرض ~~الآية. ذكر علماء المعاني في إيجاز هذه الآية أن في # PageV01P452 # ترجيح وقوع أي ممكن كان على «لا وقوعه» لآيات للعقلاء. إلا أن الكلام لما ~~كان مع الإنس أو الجن فحسب بل مع الثقلين، ولا مع قرن دون قرن بل مع القرون ~~كلهم إلى انقراض الدنيا وفيهم من مرتكبي التقصير في باب النظر والعلم ~~بالصانع من لا يحصي من طوائف الغواة، لم يكن مقام أدعى لترك الإيجاز إلى ~~الإطناب من هذا. # عن عطاء قال: نزل بالمدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وإلهكم إله واحد ~~فقالت كفار قريش بمكة- ولهم حينئذ حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما-: كيف ~~يسع الناس إله واحد؟ فنزلت إن في خلق السماوات والأرض إلى آخرها # وعن سعيد بن مسروق: لما نزلت وإلهكم إله واحد تعجب المشركون وقالوا: إله ~~واحد؟ إن كان صادقا فليأتنا بآية فنزلت. وزعم بعض الناس أن الخلق هو ~~المخلوق وهو الذي يدل على الصانع. والتحقيق أنه غيره لأن الخلق التقدير، ~~وتقدير المخلوقات غير نفس المخلوقات، ولو كان عينها والخالقية صفة لله ~~تعالى لزم اتصافه تعالى بالقاذورات، والشياطين. ولأنه يصح تعليل حدوث ~~الحادث بخلق الله تعالى فلا يصح تعليل حدوثه بنفس ذلك الحادث، ولأنه يصح أن ms0556 ~~يقال: خلق السواد وخلق البياض ومفهوم الخلق فيهما واحد، ومفهوم السواد غير ~~مفهوم البياض، ولاتفاق المعتبرين من النحاة على أن العالم في قول «خلق الله ~~العالم» مفعول به لا مفعول مطلق. # ثم لا نزاع في الاستدلال على الخالق بالمخلوق، لكن لا من جهة عينه بل من ~~جهة خلق الله إياه، وهذه الجهة التي صيرته آية. # وقد عدد الله تعالى في هذه الآية ثماني آيات: # الأولى: خلق السموات وقد تكلمنا في عددها وترتيبها في تفسير قوله تعالى ~~فسواهن سبع سماوات [البقرة: 29] وقد زعم أهل الهيئة لما شاهدوا من كل واحد ~~من السيارات السبع حركات مختلفة كالبطء والسرعة بعد التوسط في الحركة ~~والوقوف والرجوع بعد الاستقامة وهي الحركة على توالي البروج وعندهم مقدمتان ~~كليتان إحداهما أن السماويات لا يتطرق إليها إلا الاختلاف الوضعي. # الثانية: أن حركة الكوكب في الفلك ليست كحركة السمك في الماء ولكنه يدور ~~بإدارة الفلك إياه، أن كل واحد من أفلاك السيارات ينقسم إلى أفلاك أخر ~~يتضمنها فلكه الكلي الذي مركزه مركز العالم، ومراكزها تخالف مركزه في ~~الأغلب. ثم إن كان مع المخالفة في المركز محيطا بالأرض يخص باسم الخارج ~~المركز ويبقى بعد توهم انفصاله من الفلك الكلي جسمان تعليميان متبادلا وضع ~~الغلظ والرقة يسميان المتممين، وإن لم # PageV01P453 # يكن محيطا بالأرض سمي بالتدوير، ويكون الكوكب مركوزا فيه كالفص في ~~الخاتم. ويلزم له من مجموع الحركات المركبة من تلك الأفلاك حركة مختلفة في ~~النظر، وإن كان كل منهما متشابها في نفس الأمر، ويعني بالتشابه هاهنا أن ~~يقطع المتحرك من المحيط في أزمنة متساوية قسيا متساوية، أو يحدث عند المركز ~~زوايا متساوية وبالاختلاف نقيض ذلك. # فللقمر من تلك الأفلاك أربعة: اثنان متوافقان في المركز وخارج وتدوير. ~~وللعطارد أربعة: # أحدها يوافق مركزه مركز العالم وخارجان وتدوير. وللزهرة ثلاثة: وللشمس ~~اثنان: موافق وخارج. ولكل من الثلاثة العلوية كما للزهرة. ومقادير حركات ~~هذه الأفلاك بسيطة موضوعة في الزيجات، وأما المختلفة فالشمس تقطع جميع ~~الفلك في سنة شمسية وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم ms0557 إلا كسرا، ~~والقمر في ثمانية وعشرين يوما، وكل من عطارد والزهرة كالشمس وزحل في ثلاثين ~~سنة، والمريخ في سنتين، والمشتري في اثنتي عشرة سنة جميع ذلك بالتقريب. ~~وإذا تقرر ذلك على الإجمال فنقول في كيفية الاستدلال بهذه الأحوال: إن ~~اختصاص مقادير كل واحد من الأفلاك بمقدار معين مع اشتراكها في الطبيعة ~~الفلكية، تدل على مخصص مدبر مختار خبير قهار. وكذا تخصص كل منها بحيز معين، ~~وكذا تعيين نقطتين من سطح الفلك للقطبية مع تساوي جميع النقط المفروضة عليه ~~في صلوح ذلك، وكذا حصول الكواكب أو التدوير في جانب معين من الفلك، وكذا ~~تفصيل الأفلاك الكلية إلى الخوارج المراكز وإبقاء المتممات على أقدار معينة ~~في الرقة والغلظ، وكذا تعيين كل من الأجرام بحركة معينة. السيارات كما قلنا ~~آنفا والثوابت بحيث تتم دورا في ستة وثلاثين ألف سنة على ما في المجسطي، أو ~~في خمسة وعشرين ألف سنة ومائتي سنة عند المتأخرين، والفلك الأعظم في يوم ~~بليلة. وكذا تعيين جهات الحركات شرقا أو غربا أو شمالا أو جنوبا، وكذا ~~تعيين مبادئ الحركات وتخصيصها بزمان دون زمان، فإن الأفلاك سواء قلنا أن ~~ذواتها حادثة أو يقال إنها أزلية، لا بد أن يكون لحركاتها أول فإن الحركة ~~انتقال من حالة إلى حالة، وكون الحركة أزلية ينافي المسبوقية بالغير. # فالابتداء بالحركة بعد أن لم تكن يقتضي الافتقار إلى فاعل مختار يكون ~~الكل تحت قهره وتسخيره، وكذا تخصيص كل من الكواكب بعظم آخر وبلون آخر وبلون ~~آخر كصفرة عطارد وبياض الزهرة كمودة زحل ودرية المشتري وحمرة المريخ وظلمة ~~القمر في ذاته بحيث إذا حال حائل بين الناظر وبين الشمس- وذلك في الاجتماع ~~المرئي- كسفه. وكذا اختلاف تأثيراتها في هذا العالم بإذن خالقها. وبالجملة ~~فإن هذا الترتيب العجيب والنسق الأنيق في تركيب هذه الأفلاك وائتلاف حركتها ~~وارتباط أجرامها واختلاف أوضاعها المستتبعة لاتصالاتها وانصرافاتها، أترى ~~أنها مبنية على حكمة وبقدرة قدير خبير أم هي # PageV01P454 # واقعة عبثا وجزافا؟ هيهات فإن من جوز في بناء رفيع وقصر مشيد أن التراب ~~والماء انضم ms0558 أحدهما إلى الآخر ثم تولد منهما اللبنات ثم تركبت تلك اللبنات ~~وتولدت من تركيبها القصر ثم تزين بنفسه بالنقوش الغريبة والرسوم اللطيفة، ~~قضى العقل له بالجنون وسجل عليه بسخافة الرأي بل يعد من زمرة الأنعام من ~~جملة الأنام. الآية الثانية خلق الأرض: ومن تأمل في شكلها من الاستدارة وفي ~~حيزها من كونها واقعة في مركز العالم حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها ~~مخروط ظلي في مقابلة الشمس متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن ~~كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى ~~السماء حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكواكب بسمت رؤوس قطان البلدان وتباينت ~~الفصول والأمزجة والأخلاق وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن ~~سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا [البقرة: # 22] علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير واحد في ملكه يفعل ما يشاء ~~كما يشاء من غير منازع ومعاند. # الثالثة: اختلاف الليل والنهار: أما النهار فإنه عبارة عن مدة كون الشمس ~~فوق الأفق. # وفي عرف الشرع: زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس. وأما ~~الليل، فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، ~~وذلك لأن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق فوقع الإبصار ~~داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي فيكون أول ~~الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعا عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب ~~من الأفق جدا وانبسط النور حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق طلع مركز جرم ~~الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان أي يتعاقبان مجيئا ~~وذهابا كقوله وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة [الفرقان: 62] أو يختلفان ~~ظلاما وضياء أو طولا وقصرا لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ضرورة كون ~~مجموعهما أربعا وعشرين ساعة. أو كيف يختلفان في الأمكنة فإن نهار كل بقعة ~~تقابلها ضرورة كروية الأرض. أو كيف يختلفان باختلاف البلدان فإن البلد ms0559 كلما ~~ازداد عرضا عن خط الاستواء- وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم ~~المسماة معدل النهار- ازداد نهاره في الصيف طولا وفي الشتاء قصرا وبالعكس ~~في الليل وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب إلى حيث يصير اليوم ~~بليلته نهارا كله وبإزائه الليل، ثم إلى أكثر من ذلك إلى حيث يكون نصف ~~السنة نهارا ونصفها الآخر ليلا وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذيا لسمت ~~الرأس ولا عمارة هناك، ولا حيث يزيد النهار الأطول على يوم بليلته لشدة ~~البرد اللازم من قبل انخفاض الشمس. وكون الليل والنهار # PageV01P455 # في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما ~~بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش ~~في الأيام والنوم والراحة في الليالي. ومن الغرائب تعاون المتنافيين على ~~أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم ~~يشبه موت الخلائق أولا عند النفخة الأولى، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي ~~عود الحياة إليهم في النفخة الثانية، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر ~~المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر ~~بحيث لا يمتزجان. وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن ~~الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان. # الرابعة: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ~~ينفعهم مما يحمل فيها، أو بنفع الناس. والفلك بالضم والسكون السفينة، واحد ~~وجمع. فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد، وتأنيث صفته هاهنا أن يكون ~~لتضمين معنى السفينة، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري، ~~والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه «الفلك جسم كروي يحيط به سطحان ~~متوازيان مركزهما واحد» «وفلكة المغزل» «وفلك ثدي الجارية استدار» . والبحر ~~خلاف البر. قيل: سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه «تبحر في العلم والمال» ~~ويسمى الفرس الواسع الجري بحرا. # قال صلى الله عليه وسلم في فرس أبي طلحة: إن وجدناه لبحرا # وقيل: من الشق بحرت أذن الناقة ms0560 شققتها. # ومنه البحيرة. هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل الذي جعل لكم الأرض ~~فراشا [البقرة: 22] . أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض ~~فذلك هو البحر المحيط. وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط ~~الشرقي ومنقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان: أولها إذا ابتدئ من ~~الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى ~~الشمال مائة وستون فرسخا، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخا. وعلى ضلعه الغربي بلاد ~~كفار الحبشة وبعض الزنج، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة. وثانيها الخليج ~~الأحمر، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا، وعرضه بقرب ~~منتهاه ستون فرسخا، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة ~~أيام على البر، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة، ~~وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لقوافل ~~مصر والحبشة إلى الحجاز، ثم سواحل اليمن، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه. # وثالثها خليج فارس، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا، ~~وعرضه # PageV01P456 # قريب مائة وثمانين، وعلى سواحل ضلعه الغربي اليمن وبلاد عمان ولهذا ينسب ~~البحر هناك إليها. وجملة ولاية العرب وأحيائهم من الحجاز واليمن والطائف ~~وغيرها وبواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر والشرقي من الخليج الأحمر، ~~فلهذا تسمى العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب وفيها مكة زاد الله شرفها. ~~وعلى سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند. ~~ورابعها الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال. ضلعه الشرقي ~~من بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران يتصل بالمحيط الشرقي. وضلعه الغربي خمسمائة ~~فرسخ تقريبا. وعلى سواحل هذا الضلع ولايات القتا والصين ولهذا يسمى بحر ~~الصين، ومن زاويته الشرقية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولاياتهم ~~على سواحله، وأيضا قد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب ~~الجنوب على كثير من بلاد المغرب ويحاذي أرض السودان وينتهي ms0561 إلى بلاد مصر ~~والشام، ومن جانب الشمال على بلاد أندلس والجلانقة والصقالبة إلى بلاد ~~الروم والشام، ويتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار ~~يسمى بحر ورتك. طوله المعلوم مائة فرسخ، وعرضه ثلاثة وثلاثون. وإذا جاوز ~~تلك النواحي امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة وأرض غير مسكونة، ~~ويتشعب منه أيضا شعبة تسمى بحر طرابزون. فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط. ~~أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان وجيلان وباب الأبواب والخرز والبكون، ~~لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر ~~من مائتين وخمسين فرسخا، ومن الجنوب إلى الشمال تقريب من مائتين. ومن عجائب ~~البحار الحيوانات المختلفة الأعظام والأنواع والأصناف، ومنها الجزائر ~~الواقعة فيها. فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة وغير العامرة ألف ~~وثلاثمائة وسبعون، منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر تقابل أرض الهند في ~~ناحية المشرق. وعند بلاد الصين تسمى جزيرة سرنديب دورها ثلاثة آلاف ميل، ~~فيها جبال عظيمة وأنهار كثيرة ومنها يخرج الياقوت الأحمر. وحول هذه الجزيرة ~~تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن وقرى كثيرة، ومن جزائر هذا البحر جزيرة ~~«كلة» التي يجلب منها الرصاص القلعي، وجزيرة «سريرة» التي يجلب منها ~~الكافور. وغرائب البحر كثيرة ولهذا قيل: حدث عن البحر ولا حرج وسئل بعض ~~العقلاء ما رأيت من عجائب البحر؟ قال: سلامتي منه. والسفينة مما ألهم الله ~~تعالى تركيبها ثم أجراها بقدرته على وجه الماء، فلولا رقة الماء وخفة مادة ~~السفينة ثم عجيب صنعتها لما تم جريها، ولولا الرياح المعينة على تحركها لما ~~تكامل النفع بها، ولولا اعتدال الريح لما سلمت من تلاطم الأمواج، ولولا ~~تقوية قلوب راكبيها لما صبروا على شدائد ركوبها، ولولا أنه تعالى خص # PageV01P457 # كل طرف بشيء لم تنبعث الدواعي إلى اقتحام الأخطار في هذه الأسفار وحمل ~~الأمتعة إلى الأمصار في البراري والبحار، فلا جرم ينتفع الحامل من حيث إنه ~~يربح، وينتفع المحمول إليه من حيث إنه يجد ما أعوزه. وفي الآية دليل على ~~إباحة ركوب ms0562 السفينة وإباحة الانتفاع بالتجارة. # الخامسة: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها أما ~~نزول المطر من السماء فقد مر تحقيق ذلك في تفسير قوله تعالى أو كصيب من ~~السماء [البقرة: 19] وأن المراد من السماء السحاب أو التقدير من جانب ~~السماء. وأما تنكير من ماء فلأن الغرض الوحدة الشخصية أو الصنفية يعني ماء ~~هو سبب حياة الأرض لا المطر الذي قد لا ينبت شيئا كما # جاء في الحديث «ليس السنة بالتي لا تمطر وإنما السنة التي تمطر ولا تنبت» ~~«1» # ولا ريب أن في إنزال ذلك الماء دلالات على الصانع ووحدانيته حيث جعله في ~~غاية الصفاء واللطافة والعذوبة وصيره سببا للأرزاق وأنزله بعد قنوط الناس ~~منه وشدة احتياجهم إليه وأودع في نزوله حياة الأرض أي حسنها ونضارتها ~~ورواءها وبهجتها وخضرتها بخروج أصناف النبات وضروب الأعشاب وألوان الأزهار ~~وأنواع الأشجار والأثمار وجريان الجداول بينها والأنهار بحيث تروق الناظرين ~~وتشوق السامعين. # فوقت الربيع في الأزمان ... كسن الصبا في الأسنان. # وموت الأرض من ترشيح الاستعارة، فإنه لما عبر عن بهجتها ونضرتها وخضرتها ~~بالحياة، عبر عن جمودها وكمودتها وبقائها على الهيئة الأصلية بالموت كأنها ~~جسد لا روح فيه. فلا دواء عليه. # السادسة: وبث فيها من كل دابة وإنه معطوف على أنزل فيدخل تحت حكم الصلة، ~~ويصح عود الضمير فيها إلى الأرض لأن قوله فأحيا عطف على أنزل فاتصل به ~~وصارا جميعا كالشيء الواحد. فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها ~~من كل دابة ويجوز عطفه على فأحيا أي فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل ~~دابة، لأن معاش الحيوان بل حياته يدور على الماء وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~[الأنبياء: 30] . واعلم أن الحيوان إما توليدي أو توالدي، وكلا الصنفين ~~يحتاج إلى صانع PageV01P458 # فرد حكيم. يحكى أن شخصا قال بحضرة عمر: إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته ~~صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر: هاهنا ما هو ~~أعجب منه، وهو أن مقدار الوجه ms0563 شبر في شبر، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها ~~من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير البتة ومع ذلك لا ترى شخصين ~~أبدا يشتبهان في الصورة. فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه ~~الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه ~~الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم. # ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من ~~تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب. # السابعة: تصريف الله تعالى الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم ~~لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد، وبجريان السفن بهبوب الرياح، ومن قبل ~~تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله الله تعالى، ومن جهة تصحيح ~~الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع. والمراد بتصريفها تقليبها في ~~جهات العالم على حسب المصالح شمالا وجنوبا وشرقا وغربا أي صبا ودبورا على ~~كيفيات متخالفة حارة وباردة وعاصفة ورخاء. # ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام، والذي ~~جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال: اللهم اجعلها ~~رياحا ولا تجعلها ريحا. فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما ~~قال تعالى: ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [الروم: 46] وقال وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم [الذاريات: 41] وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء ~~فتكون أمارة له. فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله وما يدريك مبهم ~~غير معين قال وما يدريك لعل الساعة قريب [الشورى: # 17] وما كان من لفظ «أدراك» فإنه مفسر وما أدراك ما القارعة [القارعة: 3] ~~وما أدراك ما هيه [القارعة: 10] . # الثامنة: السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحابا لانسحابه في الهواء. # ومعنى التسخير التذليل. وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه ~~في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر. وأيضا لو دام لعظم ضرره من حيث ~~إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج، ms0564 ولو ~~انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال، فكان تقديره بالمقدار المعلوم ~~والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة. وفي نفس ~~السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في ~~لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على # PageV01P459 # الرعد والبرق والسحمة والتطبيق إلى غير ذلك من العجائب دلالات واضحة على ~~كمال حكمة موجده ومقدره. وأما قوله تعالى لآيات فيحتمل أن يكون راجعا إلى ~~الكل أي مجموع هذه الأشياء الثمانية آيات، ويحتمل أن يكون راجعا إلى كل ~~واحد فإن كل واحد منها يدل على مدلولات كثيرة كما فصلنا. وأيضا فكل واحدة ~~منها من حيث إنها موجودة فدل على وجود موجدها، وكونه قادرا ومن حيث إنها ~~وقعت على وجه الإحكام والإتقان تدل على علم الصانع، ومن حيث حدوثها ~~واختصاصها بوقت دون وقت تدل على إرادته واختياره، ومن حيث إنها وجدت على ~~الاتساق والانتظام دلت على وحدانية الله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا [الأنبياء: 22] . وأما قوله تعالى لقوم يعقلون فإنما خص الآيات بهم ~~لأنهم الذين يتمكنون من النظر فيه والاستدلال به. وفي الآية من الفوائد أن ~~التقليد مذموم فيما إلى تحقيقه سبيل. وفيها أن جميع المعارف ليست ضرورية ~~وإلا لم يحتج إلى النظر في شيء منها، وإنما خص الآيات الثمانية بالذكر مع ~~أن سائر الأجسام والأعراض مستوية في الاستدلال بها على وجود الصانع بل كل ~~ذرة من الذرات، لأنها جامعة بين كونها نعما على المكلفين، ومتى كانت ~~الدلائل كذلك كانت أنجع في القلوب وأشد تأثيرا في الخواطر. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها» # أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها حسبي الله ونعم الوكيل. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167] # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله ~~شديد العذاب (165) إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا ms0565 العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ~~(167) ### | القراآت: # ولو ترى بتاء الخطاب: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب. الباقون: # بالياء إذ يرون بضم الياء من الإراءة: ابن عامر أن القوة وأن الله بكسر ~~الألف فيهما: يزيد وسهل ويعقوب إذ تبرأ بإدغام الذال في التاء وكذا ما ~~أشبهه: هشام وسهل وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف. يريهم الله بكسر الهاء ~~والميم: أبو عمرو وسهل. # وقرأ حمزة وعلي وخلف ويعقوب بضم الهاء والميم. والباقون بكسر الهاء وضم ~~الميم بخارجين بالإمالة: عباس وقتيبة لجوار من النار. ### | الوقوف: # كحب الله ط حبا لله ط العذاب لا وكذلك وجميعا لا من قرأ «أن» و «إن» ~~بالكسر فيهما شديد العذاب ه الأسباب ه تبرؤا منا ط عليهم ط من النار ه. # PageV01P460 ### | التفسير: # أنه سبحانه وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده ~~«فبضدها تتبين الأشياء» والند المثل المناد كما سلف. والمراد بالأنداد ~~هاهنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى الله زلفى، ونذروا ~~لها النذور وقربوا لأجلها القرابين، وقيل: يعني السادة الذين كانوا ~~يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم الله ومحرمين ما أحل. ~~عن السدى: واستدل على تفسيره بأن قوله يحبونهم فيه ضمير العقلاء ولأنه من ~~المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم لله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا ~~تنفع ولقوله إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا وذلك لا يليق إلا بمن ~~اتخذ العقلاء أندادا وأمثالا لله تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ~~ما يلتزمه المؤمنون لله تعالى. ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز ~~عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق. ~~قال تعالى إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم [فاطر: ~~14] . وأيضا علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا ~~وأيضا التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل ms0566 قوله تعالى ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم [فاطر: 14] وقال أهل العرفان: كل شيء شغلت قلبك به سوى الله فقد ~~جعلته في قلبك ندا لله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الجاثية: # 23] يحبونهم يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو يعظمونهم ~~ويخضعون لهم كحب الله من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب الله على أنه ~~مصدر من المبني المفعول. وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه ~~غير ملتبس. وقيل: كالحب اللازم عليهم لله وقيل: كحبهم الله أي يسوون بينه ~~وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرين بالله فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين [العنكبوت: 65] والذين آمنوا أشد حبا لله لأنهم ~~لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء، ولا يجعلون وسائط بينهم ~~وبينه بخلاف المشركين يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. ويعبدون الصنم زمانا ~~ثم يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط ~~والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر: # أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة # لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتباعة # واعلم أن إطلاق محبة العبد لله تعالى قد ورد في القرآن والحديث كما في ~~هذه الآية وكقوله يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] ويروى أن إبراهيم عليه ~~السلام قال لملك الموت. وقد جاء لقبض روحه- هل رأيت خليلا يميت خليله؟ ~~فأوحى الله إليه: هل رأيت # PageV01P461 # خليلا يكره لقاء خليله. فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض. # وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله متى ~~الساعة؟ فقال: ماذا أعددت لها؟ فقال: ما أعددت كثير صلاة ولا صيام إلا أني ~~أحب الله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحبه. # ثم إن الأئمة اختلفوا في معناها فقال جمهور المتكلمين: إن المحبة نوع من ~~أنواع الإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، ويستحيل تعلق المحبة بذات الله ~~وصفاته، فمعنى قولنا يحب الله يحب طاعة الله وخدمته أو يحب ثوابه وإحسانه. ~~وأما العارفون فيقولون: إنا نحب الله لذاته ms0567 لا لغرض، ولو كان كل شيء محبوبا ~~لأجل شيء آخر دار أو تسلسل وإذا كنا نحب الرجل العالم لعلمه، والرجل الشجاع ~~لقوته وغلبته، والرجل الزاهد لبراءة ساحته عن المثالب، فالله تعالى أحق ~~بالمحبة لأن كل كمال بالنسبة إلى كماله نقص، والكمال مطلوب لذاته محبوب ~~لنفسه. وكلما كان الاطلاع على دقائق حكمة الله وقدرته وصنعه أكثر كان حبه ~~له أتم، وبحسب الترقي في درجات العرفان تزداد المحبة إلى أن يستولي سلطان ~~الحب على قلب المؤمن فيشغله عن الالتفات لغيره ويفنى عن حظوظ نفسه، فيه ~~يسمع وبه يبصر وبه يمشي ويتكلم بلسان الحال «ليس في جبتي سوى الله» فلا ~~يعصي الله طرفة عين ولا يشتغل بحظ نفسه لمحة بصر كما قيل: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في الفعال بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # ويحب الله ويحب أولياءه ومقربيه ويناوىء أعداءه ومخالفيه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة: 54] . # لعين تغدى ألف عين ويتقى ... ويكرم ألف للحبيب المكرم # ولو يرى قرىء بالياء والتاء «وأن» «وإن» بالفتح والكسر فههنا أربعة ~~تقديرات: # الأول: لو يعلم الذين ظلموا أنفسهم باتخاذ الأنداد إذا عاينوا العذاب يوم ~~القيامة أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب والثواب دون أندادهم وأن ~~عذاب الله للظالمين شديد، لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ~~ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم. # وحذف جواب «لو» دليل على فخامة شأن المحذوف ليذهب الوهم كل مذهب ويقدر من ~~الفظاعة ما لا يكتنه كنهه كقولهم «لو رأيت فلانا والسياط تأخذه» بخلاف ما ~~وقع التعبير عنه بلفظ معين. الثاني: ولو ترى- يا محمد أو يا من يتأتى منه ~~الرؤية- هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم وقت معاينتهم العذاب ~~بمعاينتهم أن القدرة كلها لله وأنه # PageV01P462 # شديد العذاب، لرأيت أمرا عظيما. فعلى هذا «أن» «وإن» مع معمولهما بدل من ~~العذاب. # قال الفراء: الوجه فيه تكرير الرؤية أي يرون أن القوة لله جميعا. الثالث: ~~بياء الغيبة وكسر «إن» و «إن» ومعناه كالأول، ms0568 والجملتان معترضتان. أو ~~المعنى لقيل: إن القوة لله. # والرابع: على هذا القياس. ودخول «لو» وكذا «إذا» في المستقبل مع «أن» ~~حقهما الدخول على الماضي نظم للمستقبل في سلك الماضي المقطوع به لصدوره عمن ~~لا خلاف في إخباره. وقيل: لأن الساعة قريب فكأنها قد وقعت وكذا الكلام في ~~إذ تبرأ وأنه بدل من إذ يرون العذاب وقيل: هو معمول شديد. والمراد بالذين ~~اتبعوا القادة والرؤساء من مشركي الإنس. عن قتادة والربيع وعطاء: أو شياطين ~~الجن الذين صاروا متبوعين بالوسوسة عن السدي: وقيل الأوثان. والتبري إما ~~بالقول وهو أقرب، وإما بظهور العجز والندم بحيث لا يغنون عن أنفسهم من عقاب ~~الله شيئا فكيف عن غيرهم؟ ورأوا العذاب الواو للحال أي تبرؤا في حال رؤيتهم ~~العذاب وتقطعت عطف على تبرأ بهم أي عنهم فإن «تقطع» في معنى «زال أو وقع» ~~تقطع الأسباب ملتبسة بهم مثل لقد تقطع بينكم [الأنعام: 94] بضم النون أو ~~الباء للتعدية كأن أسباب الوصل صارت أسباب القطع ومصالحهم انقلبت عليهم ~~مفاسد. والسبب في اللغة الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به. قالوا: ولا يدعى ~~الحبل سببا حتى ينزل ويصعد به. والمراد هاهنا الوصل التي كانت بينهم من ~~الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب والأتباع والأشياع والعهود ~~والعقود لو أن لنا كرة تمن ولذلك أجيب بالفاء كأنه قيل: ليت لنا كرة رجعة ~~إلى الدنيا وإلى حال التكليف والمتبوعون مفتقرون إلى اتباعنا ونصرتنا حتى ~~نتبرأ منهم بعدم النصرة والإعانة كما فعلوا هم اليوم كذلك مثل ذلك الإراء ~~الفظيع يريهم الله أعمالهم حسرات هو ثالث مفعول «أرى» أو مثل ذلك التبرؤ ~~يريهم أعمالهم حسرات، فإن ذلك التبرؤ نوع إراءة. والمراد بالأعمال قيل ~~الطاعات لزمتهم فلم يقوموا بها وضيعوها. عن السدي: وقيل المعاصي وأعمالهم ~~الخبيثة يتحسرون لم عملوها. عن الربيع وابن زيد: وقيل ثواب طاعاتهم التي ~~أتوا بها فأحبطوه بالكفر. عن الأصم: وقيل أعمالهم التي تقربوا بها إلى ~~رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم. والحسرة شدة الندم على ما فات حتى ~~بقي النادم كالحسير ms0569 من الدواب وهو الذي لا منفعة فيه. والتركيب يدور على ~~الكشف ومنه انحسر الطائر انكشف بذهاب ريشه. والحاصل أنهم لا يرون مكان ~~أعمالهم إلا حسرات. فيا أيها المغرور بالسلامة ما أعددت ليوم القيامة، يوم ~~الحسرة والندامة، يوم يجعل الولدان شيبا، يوم يدع المسرور كئيبا. الدنيا ~~دار تجارة فالويل لمن تزود منها الخسارة وما هم بخارجين من النار استدل ~~الأشاعرة بالتقديم على التخصيص فقالوا: إن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة # PageV01P463 # يخرجون من النار. وزعم المعتزلة أن بناء الكلام على «هم» لتقوي الحكم ~~وإفادة التأكيد كقوله تعالى وهم يخلقون [الأعراف: 19] فإنه لا يدل على أن ~~غير الأصنام غير مخلوق والله أعلم حسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 171] # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون (169) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170) ومثل ~~الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون (171) ### | القراآت: # خطوات ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي ~~وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي. الباقون: # بالضم. بل نتبع. وبابه مثل هل ننبئكم [الكهف: 103] وبل نقذف [الأنبياء: # 18] مدغما حيث كان: علي وهشام. ### | الوقوف: # طيبا ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين الشيطان ط مبين ه ما لا ~~تعلمون ه آباءنا ط لابتداء الاستفهام ولا يهتدون ه ونداء ط لحق المحذوف أي ~~هم صم لا يعقلون ه. ### | التفسير: # قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من ~~الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. والآية مسوقة ~~لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أندادا. وحلالا مفعول ~~كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه ms0570 من الحل ~~الذي يقابل العقد. ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب ~~لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس. وتحلة القسم ~~لأن عقدة اليمين تنحل به. ثم الحرام قد يكون حراما في جنسه كالميتة والدم، ~~وقد يكون حراما لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن ~~القيدين والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث قل ~~لا يستوي الخبيث والطيب [المائدة: # 100] فالوصف لتأكيد المدح مثل نفخة واحدة [الحاقة: 13] أي الطاهر من كل ~~شبهة. ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالا ~~وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير. والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي ~~كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسما تجمع في ~~الصحيح بسكون العين وضمها. # PageV01P464 # يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته مبين ظاهر ~~العداوة لا خفاء به قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين [ص: 82] لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~[الأعراف: 16- 17] إنما يأمركم بالسوء والفحشاء السوء متناول جميع المعاصي ~~من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح ~~فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون وهذا أقبح الكل لأن وصف الله تعالى بما لا ~~ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر ~~الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل «إنما» وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى ~~الخير ظاهرا وغرضه أن يجره إلى الشر آخرا مثل أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ~~فيتمكن بعد ذلك أن يجره إلى الشر. ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل ~~الأشق ليصير ازدياد المشقة سببا لتنفره عن الطاعة. ويدخل في قوله وأن ~~تقولوا على الله ما لا ms0571 تعلمون جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول ~~الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلدا ~~للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقا للذم من جهة أنه قادر على تحصيل ~~العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين. ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف ~~في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة ~~المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه. وإذا كان الآمر المطاع مرجوما مذموما ~~فكيف حال المأمور المطيع؟ وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا ~~الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده. وإذا قيل لهم أي للمتخذين من دون ~~الله أندادا أو للناس. والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول ~~للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في ~~اليهود حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا: نتبع ~~ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم. وقد يعود ~~الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة. وإنما ~~خص هذا الموضع بقوله ألفينا لأن «ألفيت» يتعدى إلى مفعولين البتة فكان نصا ~~في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل. واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ ~~«وجدنا» المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد ~~في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة ~~بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله تعالى بقوله أولو كان الواو ~~للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد # PageV01P465 # والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضا؟ وتقرير ~~الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا. فإن لم تعرف فكيف قلدته ~~مع احتمال كونه مبطلا، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو ~~بالعقل فذلك كاف في معرفة الحق والتقليد ضائع. وأيضا علم المقلد إن حصل ~~بالتقليد تسلسل، وإن ms0572 حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل ~~أيضا وإلا كان مخالفا فظهر ### | .... # «1» فقال وضلال ومثل الذين كفروا فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح ~~المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق ~~الراعي بالضأن إذا صاح بها. وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي ~~إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ~~ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ~~ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها. وإما بإضمار في المشبه به أي مثل ~~الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق. الثاني: التصحيح # بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن ~~قوله إلا دعاء ونداء لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئا. أو مثلهم في ~~دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته. ~~فإذا قال: يا زيد. يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا ~~الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء. أو مثلهم في قلة ~~عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم. فكما أن الكلام ~~مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم ~~آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع ~~فكذا تقليدهم واتباعهم صم عن استماع الحق والانتفاع به بكم عن إجابة الداعي ~~إلى سبيل الخير عمي عن النظر في الدلائل فهم لا يعقلون العقل المسموع ولا ~~المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حسا ~~فقد علما. فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن ~~أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع. فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن ~~أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله» # فبقدر عقله تكون عبادته لربه. أما سمعتم قول الله ms0573 عز وجل حكاية عن ~~الفجار؟ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير [الملك: 10] # وقال: «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى» . ### | التأويل: # الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم [الأعراف: ~~PageV01P466 # 172] إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في ~~أربعة صفوف: # الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين ~~فما شاهدوا شيئا من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على ~~التقليد بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 176] # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير ~~الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) إن ~~الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما ~~أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا ~~في الكتاب لفي شقاق بعيد (176) ### | القراآت: # الميتة بتشديد الياء: يزيد. الباقون: بالسكون فمن اضطر بكسر النون وضم ~~الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد. الباقون: # بضمهما. ### | الوقوف: # تعبدون ه لغير الله ج الشرط مع فاء التعقيب عليه ط رحيم ه قليلا لا لأن ~~ما بعده خبر «إن» يزكيهم ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض أليم ه ~~بالمغفرة ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في ~~الإنكار. على النار ه بالحق ط للابتداء بأن بعيد ربع الجزء. ### | التفسير: # إنه سبحانه تكلم من أول السورة إلى هاهنا في دلائل التوحيد والنبوة ~~واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلا من ذلك ~~بما يناسبه، ومن هاهنا شرع في بيان الأحكام الشرعية. الحكم الأول: إباحة ~~الأكل للمؤمنين بعد ما عمم ms0574 للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل. وقد يصير ~~واجبا العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوبا ~~كموافقة الضيف واستدل بقوله من طيبات ما رزقناكم على أن الرزق قد يكون ~~حراما فإن الطيب هو الحلال. ولو كان الرزق حلالا البتة لم يبق في ذكر الطيب ~~فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن ~~معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواما ظنوا ~~أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج. # واشكروا لله الذي رزقكموها إن كنتم إياه تعبدون إن صح أنكم تخصونه ~~بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على ~~الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من ~~الشكر. وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: # PageV01P467 # أو ليتني نعما أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الأمور بأسرها # فلأشكرنك ما حييت فإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها # عن النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله تعالى إني والجن والإنس في نبأ ~~عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» # ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرم ليبقى ما عدا ذلك ~~على أصل الإباحة فقيل إنما حرم عليكم الميتة والدم يتناول ما مات حتف أنفه ~~وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي. وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها ~~إجماعا، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة. وليس ~~في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم ~~أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: ~~فلان يملك جارية. فهم منه عرفا أنه يملك التصرف فيها. وعلى هذا فالآية تدل ~~على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد # لقوله صلى الله عليه وسلم «أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالجراد ~~والنون. وأما الدمان فالطحال والكبد» ms0575 «1» . # وقال صلى الله عليه وسلم في صفة البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «2» # وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة ~~السمكة المشهورة. ولا فرق أيضا بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة ~~وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي. وقد زعم بعض ~~الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما ~~عرفا وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث، وإن أكل لحما في ~~الحقيقة لقوله تعالى لتأكلوا منه لحما طريا [النحل: 14] وشبهوه بما لو حلف ~~لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث وإن عد الكافر من الدواب لقوله تعالى إن ~~شر الدواب عند الله الذين كفروا [الأنفال: 55] وفيه نظر. لأن عدم التناول ~~عرفا إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلا على عمومه. وكالجنين ~~الذي يوجد ميتا عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو # المروي عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابن عمر لقوله صلى الله عليه ~~وسلم «ذكاة الجنين ذكاة أمه» «3» # وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح وحمل الحديث PageV01P468 # على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه ورد بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه ~~إذا خرج لا يسمى جنينا، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ~~ولما # روي عن أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتا قال: ~~«إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه» «1» # وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله تعالى في معرض ~~الامتنان ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين [النحل: 80] # ولقوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة «إنما حرم من الميتة أكلها» «2» # ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، والصوف لا حياة فيه لأن ~~حكم الحياة الإدراك والشعور. ومن هاهنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون ~~الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة # لقوله ms0576 صلى الله عليه وسلم «ما أبين من حي فهو ميت» # ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم ~~الشعر واللحم. وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة. فأوسع الناس قولا ~~الزهري. جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها ~~بالدباغ # لقوله صلى الله عليه وسلم «أيما إهاب دبغ فقد طهر» «3» # ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن ~~والفساد. ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها. ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا ~~جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته. ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب ~~والخنزير. # ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط. ثم أحمد بن حنبل ~~والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: ~~أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب. واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام ~~البازي والبهيمة؟ فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند ~~نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه. وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد ~~الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد ~~المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة ~~قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة ~~والخنزير والزبل للاستصباح PageV01P469 # وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسئل عليه السلام عن الفأرة تقع في ~~السمن فقال: استصبحوا به ولا تأكلوه. والدخان وإن كان نجسا لكنه قليل معفو ~~عنه. وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم ~~كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر ~~لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة. ~~وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدوا ms0577 دود الطعام من جملة ما ليس له ~~نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف. وإن ~~وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان. ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم ~~بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة. وفي ~~جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحريمها عند الانفراد، ~~ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به. وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن ~~طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟ فذكروا ~~له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق. فقال أبو حنيفة: ~~بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: # فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا ~~المرق. قال ابن المبارك: ولم ذلك؟ قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها ~~فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت ~~الميتة اللحم. فاستحسنه ابن المبارك. وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه ~~يستعقب الطهارة. وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ~~ذبح المجوسي مأكول اللحم. ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة ~~دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأن ميتة، ~~بل لتنجسهما بمجاورة الميتة. وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه ~~فإن كان متصلبا فطاهر بعد أن يغسل وإلا فلا. وأما الدم فعند الشافعي جميعه ~~محرم سواء كان مسفوحا أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر ~~عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص. وقال أبو ~~حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير ~~بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به. أما ~~شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه. واختلفوا ~~في أنه ms0578 هل يجوز الانتفاع به للخرز؟ فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا ~~يجوز. واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من ~~غير نكير، ولأن الحاجة ماسة اليه. وأما ما # PageV01P470 # أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم ~~اللات والعزى. وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. قال العلماء: لو أن ~~مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدا، وذبيحة ذبيحة ~~مرتد. وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم ~~الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان ~~الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر ~~وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله فلا إثم عليه ~~اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول. ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل ~~الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلا لإطلاق قوله تعالى وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم [المائدة: 5] ولأن النصراني إذا سمي الله تعالى فإنما ~~يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب. وقال ~~مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به ~~لغير الله فوجب أن يحرم. وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ~~ولا عبرة بما لو أراد به المسيح. # وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا ~~تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما ~~يقولون. # واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرما، لكنا نعلم أن ~~في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها ~~والله أعلم فمن اضطر افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ. استثنى من التحريم ~~حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد ~~به الرمق فعند ذلك يكون مضطرا إلى أكل المحرم. الثاني: إذا أكرهه ms0579 على ~~تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه. والاضطرار ليس من أفعال المكلف ~~حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل. أي فمن اضطر ~~فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به. «وغير» هاهنا بمعنى «لا» النافية ~~كأنه قيل: فمن اضطر باغيا ولا عاديا. والبغي في اللغة الظلم والخروج عن ~~الإنصاف. بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار ~~الذي هو حد الشيء فهو بغي. والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد. وللأئمة في ~~الآية قولان: # أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا ~~فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالا تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ولا ~~عاد أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سدا ~~لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر ~~بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة. # PageV01P471 # والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغ على إمام المسلمين، ولا ~~عاد بالمعصية طريق المحقين. ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص ~~أم لا؟ فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغ ولا عاد في الأكل. وعند ~~الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم [المائدة: 3] وأيضا غير باغ ولا عاد حالان من ~~الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقيا في الحالين وليس كذلك، لأنه ~~حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار. # وأيضا الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة الى نهيه عن ~~التعدي في الأكل. وأيضا إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند ~~انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا. ~~وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل. حجة أبي حنيفة ~~قوله تعالى في آية أخرى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ~~[الأنعام: 119] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص. # وأيضا قال ms0580 تعالى ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة [البقرة: 195] والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ~~ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية. وأيضا ~~الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا ~~التناول محرم لولا الاضطرار فكذا هاهنا. # أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم ~~يتب فهو الجاني على نفسه. ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر ~~معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع ~~غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما ~~يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع. وقال عبد الله بن ~~الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته. وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ~~ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها. والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان ~~الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له ~~تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ~~ضررا بتركه. وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما ~~سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة. ~~وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف ~~على الموت فإن الأكل حينئذ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له ~~التناول. وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله ~~وتماديه. ولا يشترط في جميع # PageV01P472 # ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن. ومعنى قوله فلا إثم عليه رفع الحرج والضيق ~~كما مر في قوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما [البقرة: 158] ورفع الحرج قدر ~~مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار. ~~ومعنى قوله إن الله غفور رحيم أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة ~~لوجود العارض، ms0581 فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده ~~المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر ~~يزيد على تناول قدر الحاجة فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول ~~الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة. أو أنه لما بين هذه الأحكام ~~فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو ~~يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة. إن الذين يكتمون عن ابن عباس: نزلت في ~~رؤساء اليهود وعلمائهم- كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما- كانوا يصيبون ~~من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما ~~بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر ~~الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة. فإذا نظرت السفلة إلى النعت ~~المغير وجدوه مخالفا لصفة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتبعونه ويشترون به ~~أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل. وقد سبق معنى الاشتراء والثمن ~~القليل في بطونهم حال أي ملء بطونهم. أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ~~إلا النار لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار ~~كقولهم «أكل الدم» أي الدية التي هي بدل منه: قال: # أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر # وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول ~~العنق. ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا ~~الحرام ولا يكلمهم الله بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ~~اخسؤا فيها ولا تكلمون [المؤمنون: 108] أو لا يكلمهم الله أصلا لغضبه عليهم ~~كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ولا يزكيهم ~~بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى بيان ~~لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها ~~الضلال ms0582 والجهل. وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في ~~خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي # PageV01P473 # الآخرة أضر الأشياء بأنفعها. فما أصبرهم على النار تعجب من حالهم في ~~تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن ~~يكون راضيا بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب ~~غضب السلطان «ما أصبرك على القيد والسجن» وهذا التعجب منهم في حال التكليف ~~واشترائهم الضلالة بالهدى. وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم اخسؤا ~~فيها ولا تكلمون [المؤمنون: # 108] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص. وضعف بأنه خلاف ~~الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة. وقيل: إن «ما» في فما ~~أصبرهم للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق ~~واتبعوا الباطل؟ # وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ~~ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من ~~غير خفاء السبب كما في حق الله تعالى ذلك الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان ~~وسوء معاملتهم إنما هو بسبب بأن الله نزل الكتاب يعني جنس الكتب السماوية ~~أو القرآن بالحق بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء ~~الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه ~~تعالى ختم على قلوبهم وإن الذين اختلفوا في الكتاب جنسه فقالوا في البعض حق ~~وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب لفي شقاق خلاف بعيد عن الحق، أو الذين ~~اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو ~~الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل ~~منهما للآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تأويلا آخر فاسدا، ~~أو حرفوا كلا منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ~~ومنازعة شديدة. فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على ms0583 العداوة، فإنه ليس فيما ~~بينهم مؤالفة وموافقة. وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل إن ~~في اختلاف الليل والنهار [يونس: 6] أي تعاقبهما. واعلم أن الآية وإن نزلت ~~في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئا من باب الدين فيكون ~~حكما ثانيا للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر. ~~وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما ~~أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضا ~~بصنعهم وتصريحا بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم. ### | التأويل: # الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية # «إن الشيطان يجري من ابن # PageV01P474 # آدم مجرى الدم» «1» # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم «سدوا مجاري الشيطان بالجوع» # ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به ~~إلى الله رياء وسمعة والله تعالى أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : آية 177] # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177) ### | القراآت: # ليس البر بنصب الراء: حمزة وحفص الخراز عنه مخير. الباقون: # بالرفع ولكن خفيفا البر رفعا وكذلك فيما بعد: نافع وابن عامر. الباقون: ~~بالتشديد والنصب. ### | الوقوف: # والنبيين ج لطول الكلام واختلاف المعنى لأن ما قبله أصول الإيمان وما ~~بعده فروع: وفي الرقاب ج للطول مع انتهاء شرع المكارم وابتداء اللوازم ~~الزكاة ج عاهدوا ج للعدول عن النسق الى المدح والتقدير: هم الموفون أعني ~~الصابرين البأس ط صدقوا ط المتقون ه. ### | التفسير: # هذا حكم آخر من أحكام الإسلام. # عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن البر ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا ~~إله إلا الله ms0584 وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك وجبت له الجنة. # وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس البر العظيم ~~الذي يجب أن تذهلوا لشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي ~~يجب صرف الهمة إليه بر من آمن وقام بهذه الأعمال، وعلى هذا فالخطاب عام. ~~وقيل: الخطاب لأهل الكتاب لأن المشرق قبلة النصارى، والمغرب قبلة اليهود، ~~وأنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت إلى الكعبة. وزعم كل من ~~الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فرد عليهم بأن ما أنتم عليه خارج من ~~البر. أما أولا فلأنه منسوخ، وأما ثانيا فلأنه على تقدير صحته شرط من شرائط ~~أعمال البر لأن من جملتها الصلاة واستقبال القبلة شرط فيها، ولن يكون شرط ~~جزء الشيء تمام حقيقة ذلك الشيء، وذلك أن البر اسم جامع للطاعات وأعمال ~~الخير PageV01P475 # المقربة إلى الله ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن. والتركيب ~~يدل على الاتساع ومنه البر خلاف البحر. قيل: إن قراءة رفع البر أولى ليكون ~~الاسم مقدما على الخبر على الأصل. وقيل: بالنصب أولى لأن «أن» مع صلتها ~~تشبه المضمر في أنها لا توصف، والمضمر أدخل في الاختصاص من المظهر فهو أولى ~~بأن يكون اسما ولكن البر من آمن على تقدير حذف المضاف أي بر من آمن. وقيل: ~~التقدير هكذا ولكن ذا البر من آمن. وقيل: البر بمعنى البار مثل رجل صوم أي ~~صائم. وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر بفتح الباء. قال ~~في التفسير الكبير: إنه تعالى اعتبر في تحقيق ماهية البر أمورا: # الأول: الإيمان بأمور خمسة: أولها الإيمان بالله، ولن يحصل العلم بالله ~~إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه، ولن يحصل ~~العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلائل الدالة عليها فيدخل فيها العلم ~~بحدوث العالم. والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ويدخل في العلم ~~بما يجب له من الصفات العلم بوجوبه وقدمه وبقائه وكونه عالما ms0585 بكل ~~المعلومات، قادرا على كل الممكنات، حيا مريدا سميعا بصيرا متكلما، ويدخل في ~~العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزها عن الحالية والمحلية والتحيز ~~والعرضية. ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثه ~~الرسل. وثانيها الإيمان باليوم الآخر ويتفرع على كونه تعالى عالما بجميع ~~المعلومات قادرا على كل الممكنات. وثالثها الإيمان بالملائكة ورابعها ~~الإيمان بالكتب السماوية. وخامسها الإيمان بالنبيين. وسبب هذا الترتيب أن ~~للمكلف مبدأ وسطا ونهاية، ومعرفة المبتدأ والمنتهي هو المقصود بالذات أعني ~~الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة ~~وهي منوطة بالوحي الذي يأتي به الملك، فثبت أن كل ما يلزم المكلف التصديق ~~به داخل في الآية. # الثاني: إيتاء المال على حبه أي على حب المال. # عن أبي هريرة أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة خير؟ ~~قال: «أن تتصدق وأنت صحيح حريص، تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا» «1» . # عن أبي الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قال «مثل الذي تصدق عند الموت مثل ~~الذي يهدي بعد ما يشبع» # والسبب PageV01P476 # أنه عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال، وعند ظن الموت يحصل الاستغناء، ~~وبذل الشيء عند الاحتياج أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه. وأيضا ~~الإعطاء عند الصحة أدل على كونه متيقنا بالوعد والوعيد من إعطائه حال المرض ~~والموت. وأيضا الهبة عند الموت تشبه الهبة عند الخوف من الفوت. وقيل: ~~الضمير يرجع إلى الإيتاء أي يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله. وقيل: ~~يرجع إلى الله أي يعطي المال على حب الله وطلب مرضاته. ثم ذكر سبحانه ~~وتعالى ممن يؤتون المال أصنافا ستة: أولهم القرابة، وثانيهم اليتامى، ~~وثالثهم المساكين وقد مر ما يتعلق بكل منهم في تفسير قوله تعالى وإذ أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله [البقرة: 83] وإنما قدم ذوي القربى ~~لأنهم أحق # قال صلى الله عليه وسلم: «صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك ms0586 اثنتان» # لأنها صدقة وصلة ولتأكد استحقاقه نال رتبة الوارثة ويحجر بسببه على ~~المالك في الوصية حتى لا يمكن من الوصية إلا في الثلث. وأطلق ذوي القربى ~~واليتامى والمراد الفقراء منهم لعد الإلباس، وتقديم اليتامى على المساكين ~~لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا هو كاسب منقطع الحيلة من كل الوجوه. ~~ورابع الأصناف ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله. جعل ابنا للسبيل ~~لملازمته له كما يقال لطير الماء «ابن الماء» وللشجاع «أخو الحرب» وللناس ~~«بنو الزمان» . وقيل: هو الضيف لأن السبيل يرعف به. وخامسهم السائلون وهم ~~المستطعمون ويدخل فيه المسلم والكافر وقريب منه # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «للسائل حق وإن جاء على فرس» # وسادسهم المكاتبون وأشار إليه بقوله وفي الرقاب أي في معاونة المكاتبين ~~حتى يفكوا رقابهم. وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل: في فك الأسارى. ~~والرقاب جمع الرقبة وهو مؤخر أصل العنق. واشتقاقها من المراقبة وذلك أن ~~مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، ولهذا يقال للمملوك رقبة ~~كأنه يراقب العذاب ولا يقال له عنق. # الثالث والرابع: قوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وقد سلف مباحثهما. ثم إن ~~الأئمة حيث ذكر الله تعالى، إيتاء المال في الوجوه المذكورة، ثم قفاه ~~بإيتاء الزكاة. ومن حق المعطوف عليه، غلب على ظنونهم أن في المال حقا سوى ~~الزكاة. وكيف لا وقد اكتنف الإيتاء فرضان وهما الإيمان وإقامة الصلاة؟ ~~وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره ~~طاو إلى جنبه» . # ولا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار ~~دفع الضرورة. وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز ~~الأخذ منهم قهرا. وما # روي عن علي عليه السلام أن الزكاة نسخت كل حق كأنه أراد الحقوق المقدرة ~~بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة والنفقة على الأقارب وعلى المملوك. # PageV01P477 # الخامس: قوله الموفون بعهدهم إذا عاهدوا وهو مرفوع على المدح أي هم ~~الموفون، أو عطف على من ms0587 آمن والمراد بالعهد ما أخذه الله من العهود على ~~عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته، فقبل ~~العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب. ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ~~ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين الله كالنذور والأيمان، أو بينه ~~وبين رسول الله كبيعة الرضوان بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر ~~والمنشط والمكره وعلى أن لا يقولوا إلا بالحق أينما كانوا لا يخافون في ~~الله لومة لائم، أو بينه وبين الناس واجبا كعقود المعاوضات، أو مندوبا ~~كالمواعيد، فلهذا قال المفسرون هاهنا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا، وإذا ~~حلفوا أو نذروا أوفوا، وإذا اؤتمنوا أدوا، وإذا قالوا صدقوا. # السادس: والصابرين في البأساء والضراء وهو نصب على المدح والاختصاص ~~إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. قال أبو علي ~~الفارسي: إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف ~~بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع ~~الإطناب في الوصف والإبلاغ في القبول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان ~~المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام ~~وضروب من البيان، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا أو جملة واحدة. ~~وذكر المحققون في إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من ~~كلام السامع، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد. فربما أثنى ~~السامع على زيد وقال: ذكرت والله الظريف وذكرت العاقل. أو هو- والله- ~~الطريف، أو هو العاقل. فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى ~~الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل والبأساء الفقر والشدة والضراء ~~المرض والزمانة. وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا ~~بنعتين وحين البأس القتال في سبيل الله والجهاد. وأصل البأس الشدة أولئك ~~الذين صدقوا في إيمانهم وجدوا في الدين وأولئك هم المتقون ونظير هاتين ~~الجملتين في القطع للاستئناف قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون [البقرة: 5] كأنه ms0588 قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي ~~هو أصل كل خير؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدق في الإسلام، وهم ~~المتسمون بسمة التقوى. وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل ~~المأمورات والمنهيات، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات. وذكر الواحدي هاهنا أن ~~الواوان في هذه الأوصاف للجمع. فمن شرائط البر # PageV01P478 # وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام بواحدة منها لم يستحق ~~الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام ~~بالبر وكذا الصابر في البأساء، بل لا يكون قائما بالبر إلا عند استجماع هذه ~~الخصال حتى قال بعضهم: إن البر من خواص الأنبياء. والحق أنه ليس بمستبعد أن ~~يوجد في الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا في النبي ولا سيما ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف ~~البر أخلوا بالإيمان بالله وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله [التوبة: 30] وقالت اليهود يد الله مغلولة [المائدة: 64] ~~وذهبت اليهود إلى التجسيم، والنصارى إلى الحلول والاتحاد، وأنكروا المعاد ~~الجسماني وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 8] وقالوا: إن جبريل عدونا وكفروا ~~بالكتب السماوية أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض [البقرة: 85] وقتلوا ~~النبيين وطعنوا في نبوة المرسلين، واتسموا بسمة الشح حتى اشتروا بآيات الله ~~ثمنا قليلا، ونقضوا العهود أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم [البقرة: ~~100] ولم يصبروا في اللأواء لن نصبر على طعام واحد [البقرة: 61] ولا حين ~~البأس فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [المائدة: 24] فالعجب كل ~~العجب منهم حيث ادعوا البر ولا شيء ولا واحد من أجزاء البر فيهم، وهذا غاية ~~القحة ونهاية العناد والله بصير بالعباد. ### | التأويل: # ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر الحقيقي هو ~~بري معكم بتولية وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية ~~لتؤمنوا بدلالة نور بري بي وببر حبي لكم ms0589 تحبوني، والملائكة يحبونكم ببر حبي ~~لكم. وبر حبي لكم ليس بمحدث كبركم معي بل هو بر قديم في الكتاب القديم، ~~وبنور هذه المحبة تحبون أهل محبتي وهم النبيون. فالجنسية علة الضم. وآتى ~~المال على حبه أي ما حصل للعبد من بر الحب وما مال إلى سره من عواطف الحق ~~ينفقه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات القالبية ~~والقلبية ذوي القربى وهم الروح والقلب والسر ذوو قرابة الحق واليتامى ~~المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها ~~بسطوات تجلي صفات الحق والمساكين هم الأعضاء والجوارح وابن السبيل القوى ~~البشرية والحواس الخمس فإنهم في التردد والسفر إلى عوالم المعقولات ~~والمخيلات والمحسوسات والموهومات والسائلين الدواعي الحيوانية والروحانية ~~وفي الرقاب في فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين. فحينئذ أقام صلاة # PageV01P479 # المحاضرة مع الله بالله وآتى زكاة مواهب الحق إلى أهل استحقاقها من الخلق ~~وهم الموفون بعهدهم إذا عاهدوا مع الله بالتوحيد والعبودية الخالصة يوم ~~الميثاق، والصابرين في بأساء مراعاة الحقوق وضراء مخالفات الحظوظ وفناء ~~الوجود عند لقاء الشهود وحين بأس سطوات تجلي صفات الجلال أولئك الذين صدقوا ~~ببذل الوجود وأولئك هم المتقون من شرك الأنانية والله أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ~~ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون (179) ### | الوقوف: # في القتلى ط بالأنثى ط لأن العفو إعطاء الدية صلحا فكان خارجا عن أصل ~~موجب القتل مستأنفا بإحسان ط رحمة ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ~~فكان مستأنفا أليم ه تتقون ه. ### | التفسير: # هذا حكم آخر، وسببه أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى يوجبون ~~العفو فقط. فأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل وأخرى يوجبون الدية، لكنهم ~~كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من الحكمين. فإذا ms0590 وقع القتل بين قبيلتين ~~كان يقول الشريف للخسيس لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل ~~منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات ~~خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما # يروى أن رجلا قتل رجلا من الأشراف ثم اجتمع أقارب القاتل عند والد ~~المقتول فقالوا: ماذا تريد؟ قال: إحدى ثلاث. قالوا: وما هي؟ قال: تحيون ~~ولدي، أو تملؤن داري من نجوم السماء، أو تدفعون إلي جملة قومكم حتى أقتلهم، ~~ثم لا أرى أني أخذت عوضا. # وكانوا يجعلون دية الشريف أضعاف دية الخسيس فبعث الله محمدا بالعدل وسوى ~~بين عباده في القصاص. وقيل: نزلت في واقعة قتل حمزة. ومعنى كتب فرض وأوجب ~~كقوله كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] ولفظة «على» أيضا تفيد الوجوب كقوله ~~ولله على الناس حج البيت والقصاص أن تفعل بالإنسان مثل ما فعل من قولك ~~«اقتص فلان أثر فلان» إذا فعل مثل فعله. ومنه القصة لأن الحكاية تساوي ~~المحكي والمقص لتعادل جانبيه. وقوله في القتلى أي بسبب قتل القتلى # كقوله «في النفس المؤمنة مائة # PageV01P480 # إبل» «1» # أي بسببها. فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع ~~القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم. وأما القاتل ~~فقد دخله التخصيص أيضا في صور كما إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده، ~~والمسلم حربيا أو معاهدا، أو مسلم مسلما خطأ إلا أن العام الذي دخله ~~التخصيص يبقى حجة فيما عداه. # فإن قيل: لو وجب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل ~~يحرم عليه ذلك، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك، بل هو مندوب ~~إلى الترك. # والعافين عن الناس [الأعراف: 134] وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق. ~~وأيضا القصاص عبارة عن التسوية، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا ~~يوجب نفس القتل. قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو ~~من يجري مجرى الإمام، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام ~~أن ms0591 يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم ~~استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم استيفاء. ويحتمل أن يكون خطابا مع القاتل ~~لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص. وذلك أن القاتل ليس ~~له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود، ~~ولهما أيضا أن يستترا بستر الله فلا يعترفا، فكان أمر القتل أشنع، وفيه حق ~~الآدمي أكثر. وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل، ~~والتسوية في القتل صفة للقتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات. فالآية تفيد ~~إيجاب القتل. ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي: ~~إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت ~~رقبته. وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا ~~حزت رقبته. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه» ورضخ ~~يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفعل به ~~مثله. # ولأنه لا يجوز أن يقال: كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، وحيث ~~لم يستثن دخل. وأيضا الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله ~~بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف. وكما لو قتل صغيرا باللواط ~~فإنه يقتل بالسيف على الأصح. ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال، والتخصيص ~~أهون منه. وأيضا لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا ~~شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فلا يستفاد من الآية شيء البتة. ~~وقال أبو حنيفة: المراد بالمماثلة تماثل PageV01P481 # النفس ويتعين السيف # لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا قود إلا بالسيف» «1» # واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع ~~في حقه عقوبة له من الله. أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ~~عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة وهو ms0592 الذي يقبل التوبة عن عباده ~~[الشورى: 25] فما الحكمة في وجوب قتله؟ أجاب أصحابنا بأنه تعالى يفعل ما ~~يشاء ولا يسأل عما يفعل. وقالت المعتزلة: إنما شرع ليكون لطفا. وكيف يتصور ~~هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل؟ قالوا: فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا ~~علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعيا له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد، ~~ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار ~~عن القتل. # قوله عز من قائل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى الباء للبدل ~~نحو «بعت هذا بذاك» أي الحر مقتول بدل الحر. ثم فيه قولان: الأول ويروى عن ~~عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة، أن لا يكون القصاص مشروعا ~~إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين، لأن الألف واللام تفيد العموم ~~أي كل حر يقتل بحر. فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا بعير ~~حر وهو يناقض الآية. ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله كتب عليكم ~~القصاص وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعا ~~وهو يناقض الآية، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا: لما قتل العبد بالعبد ~~فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر. وأما قتل ~~الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة ~~فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل ~~فكذلك بين الذكر والأنثى، # ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن «أن ~~الذكر يقتل الأنثى» . # القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري ~~وهذا مذهب أبي حنيفة، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بل يفيد شرع ~~القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام. لأن ~~قوله والأنثى بالأنثى يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله الحر ~~بالحر والعبد بالعبد مانعا من ذلك تناقض. وأيضا قوله كتب ms0593 عليكم القصاص جملة ~~مستقلة وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر، فلا يمنع من ~~ثبوت الحكم في سائر الجزئيات. ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى النفس بالنفس # وقوله صلى الله عليه وسلم «المسلمون PageV01P482 # تتكافأ دماؤهم» «1» # وقد يقتل الجماعة بواحد فدل على أن التفاضل غير معتبر في الأنفس ثم إنهم ~~قالوا: الفائدة في تخصيص هذه الجزئيات بالذكر ما ذكرنا في سبب النزول أنهم ~~كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل فمنعوا عن ذلك. وأيضا # نقل عن علي رضي الله عنه والحسن البصري أن الغرض أن هذه الصورة هي التي ~~يكتفى فيها بالقصاص. # أما في سائر الصور وهي ما إذا كان القصاص واقعا بين الحر والعبد وبين ~~الذكر والأنثى فهناك لا يكتفي بالقصاص، بل لا بد من التراجع. فأيما حر قتل ~~عبدا فقود به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ~~قيمة العبد من دية الحر ويؤدوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبد حرا ~~فهو به فإن شاء أولياء الحر قتلوا وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر وأدوا ~~بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاءوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل ~~العبد. # وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا بعد ~~ذلك نصف ديته إلى أوليائه، وإن شاءوا تركوا قتله وأخذوا ديتها. وإذا قتلت ~~امرأة رجلا فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن ~~شاءوا تركوها وأخذوا كل الدية، فعلى هذا الغرض من الآية أن الاكتفاء ~~بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين، فأما عند اختلاف ~~الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع. # قوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء المعنى فمن عفي له من جهة أخيه شيء من ~~العفو كقولك «سير بزيد بعض السير وطائفة من السير» ولا يصح أن يكون شيء في ~~معنى المفعول به لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة. فإن قيل: إن ~~«عفا» يتعدى بعن لا باللام فما ms0594 وجه قوله فمن عفي له فالجواب أنه يتعدى بعن ~~إلى الجاني وإلى الذنب فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه. قال تعالى عفا الله ~~عنك [التوبة: 23] فإذا تعدى إلى الذنب وإلى الجاني معا قيل «عفوت لفلان عما ~~جنى» كما تقول «غفرت له ذنبه» وتجاوزت له عنه. فمعنى الآية فمن عفى له عن ~~جنابته. فاستغنى عن ذكر الجناية. فإنما قيل شيء من العفو ليعلم أنه إذا عفي ~~له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم ~~العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية. وأخوه هو ولي المقتول وإنما قيل له ~~أخوه لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم ومطالبه به كما تقول للرجل «قل لصاحبك ~~كذا» إذا كان بينهما أدنى تعلق. أو ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على ~~PageV01P483 # صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية والإسلام. وقد يستدل بهذا على ~~أن الفاسق مؤمن لأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وبين ولي الدم، ولا شك ~~أن هذه الأخوة بسبب الدين إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] مع أن قتل ~~العمد العدوان بالإجماع من الكبائر. وأيضا إنه تعالى ندب إلى العفو عن ~~القاتل، والعفو إنما يليق عن المؤمن. # ويحتمل أن يجاب بأن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمنا فلعله تعالى ~~سماه مؤمنا بهذا التأويل، وبأن القاتل قد يتوب وعند ذلك يكون مؤمنا. ثم إنه ~~تعالى أدخل غير التائب فيه على سبيل التغليب. وأيضا لعل الآية نازلة قبل أن ~~يقتل أحد أحدا. ولا شك أن المؤمنين أخوة قبل الإقدام على القتل. وأيضا ~~الظاهر أن الفاسق يتوب، وعلى هذا التقدير يكون ولي المقتول أخا له. وأيضا ~~يجوز أن يكون قد جعله أخا له في النسب كقوله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا ~~[هود: 50] فاتباع بالمعروف أي فليكن اتباع، أو فالأمر، أو فحكمه اتباع. أو ~~فعلية اتباع فقيل: على العافي اتباع بالمعروف بأن يشدد في المطالبة بل يجري ~~فيها على العادة المألوفة، فإن كان معسرا فالنظرة وإن كان واجدا لعين ms0595 المال ~~فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجدا بغير المال الواجب ~~فالإمهال إلى أن يستدل وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من ~~الواجبات وإلى المعفو عنه أداء إليه بإحسان بأن لا يدعي الإعدام في حال ~~الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك ~~المال على بشر وطلاقة وقول جميل من غير مطل وبخس، هذا قول ابن عباس والحسن ~~وقتادة ومجاهد. وقيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف ~~ويؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان ذلك قيل: إشارة إلى الاتباع والأداء. وعن ~~ابن عباس: وهو الأقرب إنه إشارة إلى الحكم بسرع القصاص والدية والعفو، فإن ~~هذه الأمة خيرت بينهن توسعة وتيسيرا، ولم يكن لليهود إلا القصاص وللنصارى ~~إلا العفو وإثبات الخيرة فضل من الله ورحمة في حقنا، لأن ولي الدم قد تكون ~~الدية آثر عنده من القود إذا كان محتجا إلى المال، وقد يكون القود آثر عنده ~~إذا كان راغبا في التشفي ودفع شر القاتل عن نفسه. وقد يؤثر ثواب الآخرة ~~فيعفو عن القصاص وعن بدله جميعا وهو الدية. فمن اعتدى بعد ذلك التخفيف ~~فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل مع قتل القاتل أو دونه أو قتل بعد أخذ ~~الدية والعفو فقد كان لولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية ثم يظفر ~~به فيقتله فله عذاب أليم نوع من العذاب الأليم في الآخرة. وعن قتادة: # العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل من الدية كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية» # وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير وضعفه غيرهم. ولما كانت الآية # PageV01P484 # مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله ~~ولكم في القصاص حياة. قال المفسرون: القصاص إزالة الحياة، وإزالة الشيء لا ~~تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأي حياة. وذلك أنهم ~~كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه ms0596 كليب حتى كاد يفني بكر ~~بن وائل. وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة، ويحتمل أن يقال: نفس ~~القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل، لأن القاتل إذا ~~قيد منه ارتدع من كان بهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة ~~نفسين. وقرأ أبو الجوزاء ولكم في القصاص حياة أي فيما قص عليكم من حكم ~~القتل والقصاص. وقيل: القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب. وهذا وقد ~~اتفق علماء البيان على أن قوله سبحانه ولكم في القصاص حياة بلغ في الإيجاز ~~نهاية الإعجاز، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم ~~«قتل البعض أحياء للجميع» وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم «القتل أنفى ~~للقتل» . والترجيح مع ذلك للآية من وجوه: الأول أن قولهم لا يصح على العموم ~~لأن القتل ظلما ليس أنفى للقتل قصاصا بل أدعى له. ولو خصص فقيل «القتل ~~قصاصا أنفى للقتل ظلما» طال. # والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف. الثاني: أن القتل قصاصا لا ~~ينفي القتل ظلما من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص. وهذه الحيثية معتبرة ~~في الآية لا في كلامهم. # الثالث: أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة. ~~فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى. الرابع: التكرار من غير ضرورة مستهجن ~~وأنه في كلامهم لا في الآية. الخامس: أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها ~~في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة، وفي كلامهم أربعة عشر. ~~السادس: أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب، ~~والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة. السابع: ظاهر قولهم ~~يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، وفي الآية جعل نوع من القتل ~~وهو القصاص سببا لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير. # الثامن: المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة ~~بخلاف كلامهم. # التاسع: اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة، بخلاف كلامهم ~~فإنه يشتمل على ms0597 نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم. العاشر: اشتمال الآية ~~على اسمين وأداة، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة. وإن اعتبرت أداة ~~التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان، وإن اعتبر التنوين في الآية ~~تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن ~~فيه اللام والإضافة يستعمل بمن. فتقدير كلامهم «القتل أنفى # PageV01P485 # للقتل من كل شيء» فأين الوجازة يا أولي الألباب يا ذوي العقول وأولو جمع ~~لا واحد له من لفظه، وواحده ذو بمعنى صاحب. وأولات للإناث واحدتها ذات ~~بمعنى صاحبة قال تعالى وأولات الأحمال [الطلاق: 4] وإعراب أولو كإعراب جمع ~~المذكر السالم. # وزادوا في «أولي» واوا فرقا بينها وبين «إلى» وأجرى «أولو» عليه. واللب ~~العقل، ولب النخلة قلبها، وخالص كل شيء لبه. خاطب العقلاء الذين يتفكرون في ~~العواقب ويعرفون جهات الخوف فلا يرضون بإتلاف أنفسهم لإتلاف غيرهم إلا في ~~سبيل الله لعلكم تتقون يتعلق بمحذوف أي أريتكم ما في القصاص من استبقاء ~~الأرواح وحفظ النفوس لتكونوا على بصيرة في إقامته، راجين أن تعملوا عمل أهل ~~التقوى في الحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة، أو لعلكم تتقون نفس ~~القتل الخوف القصاص. عن الحسن والأصم: وقد بقي على الآية بحث، وهو أنه سئل ~~إذا صح أن المقتول إن لم يقتل فهو يموت لأن المقدر من عمره ذلك القدر، وكذا ~~إذا هم إنسان بقتل آخر فارتدع خوفا عن القصاص فإن ذلك الآخر يموت وإن لم ~~يقتله ذلك الإنسان لأن كل وقت صح وقوع قتله صح وقوع موته، فكيف يفيد شرع ~~القصاص حياة؟ والجواب أنه تعالى قد جعل لكل شيء سببا يدور مسببه معه وجودا ~~وعدما. وشرعية القصاص مما جعلها تعالى سببا لحياة من أراد حياته بعد أن ~~تصور الهام قتله، وذلك بأن تذكر القصاص فارتدع عما هم به. ففائدة شرع ~~القصاص هي فائدة سائر الأسباب والوسائط ومنكر فائدتها. وكلا الإنكارين ~~مذموم وصاحبهما عند العقلاء ملوم والله أعلم. ### | التأويل: # كما كتب القصاص في قتلاكم كتب على نفسه الرحمة ms0598 في قتلاه وقال: من أحبني ~~قتلته ومن قتلته فأنا ديته الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى أي من ~~كان متوجها إليه تعالى بالكلية كان فيضه تعالى متصلا به بالكلية، ومن كان ~~في رق غيره من المكونات لم يتصل به فيضه غاية الاتصال، ومن كان ناقصا في ~~دعوى محبته لم يكن مستحقا لكمال محبته فمن عفي له من الأحباء والأصفياء شيء ~~من أنواع البلاء والابتلاء الذي هو موكل بالأنبياء والأولياء فإنه معروف من ~~معارفه. فالواجب على العبد أداء شكره إلى الله بإحسان. فمن اعتدى بعد ذلك ~~الوفاء بملابسة الجفاء وألقى جلباب الحياء فله عذاب أليم فإن الكفر مرتعه ~~وخيم ولكم في القصاص حياة الدارين والتقاء برب الثقلين يا أولي الألباب ~~الذين بدلوا قشر الروح الإنساني عند شهود الجلال الصمداني لعلكم تتقون شرك ~~وجودكم. # PageV01P486 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 182] # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180) فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم ~~فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (182) ### | القراآت: # خاف بالإمالة حيث كان: حمزة. موص بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم ~~غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء. ### | الوقوف: # خيرا ج لأن قوله الوصية مفعول كتب وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ~~ظرف وشرط بينهما، أو «الوصية» مبتدأ «وللوالدين» خبره، ومفعول «كتب» محذوف ~~أي كتب عليكم أن توصوا. ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى ~~الحذف. بالمعروف ح لأن التقدير حق ذلك حقا أو كتب الوصية حقا. المتقين ط ~~وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر يبدلونه ط عليم كذلك عليه ط رحيم ~~(ه) . ### | التفسير: # وهذا حكم آخر. قوله كتب عليكم يقتضي الوجوب كما مر. والمراد من حضور ~~الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزا عن الإيصاء ~~والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن ms0599 ~~قارب البلد: إنه وصل. وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن ~~تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر. ولا شك أن ~~الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال وما تنفقوا من خير [البقرة: 272] وإنه ~~لحب الخير لشديد [العاديات: 8] من خير فقير [القصص: 24] لكن الأئمة اختلفوا ~~في المراد بالخير هاهنا بعد اتفاقهم على أنه المال. فعن الزهري: أنه المال ~~مطلقا قليلا كان أو كثيرا بدليل قوله من خير فقير [القصص: 24] فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] وأنه تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما ~~يبقى من المال قل أم كثر قال تعالى وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا [النساء: 7] فكذا الوصية، ولأن ~~كل ما ينتفع به فهو خير. والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال ~~الكثير كما لو قيل «فلان ذو مال» يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة ~~وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير. ~~وكما إذا قيل «فلان في نعمة من الله تعالى» فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان ~~أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء ~~لنقصه ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» # ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله إن ترك خيرا فائدة ~~لندرة من يموت فاقدا أقل ما يتمول. ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى # PageV01P487 # بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا. فمنهم من قال: إنه غير مقدر ~~ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل. فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غني ~~ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون ~~التعيين في كل صورة موكولا إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب. ومنهم ~~من قال: إنه مقدر. ثم اختلفوا # فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في ms0600 مرض الموت وله سبعمائة درهم ~~فقال: ألا أوصي؟ قال: لا قال الله تعالى إن ترك خيرا وليس لك كثير مال. # وعن عائشة أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة ~~آلاف. قالت: # كم عيالك؟ قال أربعة. قالت: قال الله تعالى إن ترك خيرا وإن هذا لشيء ~~يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل. وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا ~~يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وعن قتادة: ألف درهم. وعن النخعي من ~~ألف إلى خمسمائة درهم. قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف ~~الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: # من يفعل الحسنات الله يشكرها وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من ~~كتب الوصية كما تقول «لك كذا إن فعلت» ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى ~~الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه. وقيل: المرفوع ~~بكتب الجار والمجرور وهو عليكم وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ~~ولا يحتاج إلى جواب. والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد. وقيل من عدا ~~الولد عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: جميع القرابات. وقيل: # غير الوارث. وقوله بالمعروف أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة. فلو ~~حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفا، ولو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما ~~وبين بني العم لم يكن معروفا، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة ~~لم يكن ما يأتيه معروفا. وحقا مصدر مؤكد أي حق ذلك حقا على المتقين على ~~الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهبا لهم وسيرة. # واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم ~~لا. أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى ~~الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله تعالى: يوصيكم الله في ~~أولادكم [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين ~~بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا # PageV01P488 # ينقص من أنصبائهم، ms0601 أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت ~~الوصية. فالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث ~~يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه ~~الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين. ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ~~ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا في الآية. وذلك أن من الوالدين من ~~لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت ~~في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم. فآية الميراث مخصصة ~~لهذه الآية لا ناسخة لها. وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن ~~الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو # بقوله صلى الله عليه وسلم «أن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» ~~«1» # وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر ~~فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور. ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق ~~من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس ~~والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: # من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية. وقال طاوس: إن أوصى ~~للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب. قالوا: الآية دلت على وجوب ~~الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو # بقوله «لا وصية لوارث» «2» # أو بإجماع الأمة. فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون ~~وارثا. وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم «ما من حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه» # وفي رواية «له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين» # وفي رواية «ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده» «3» # لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب. ~~وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثا ~~اختلفوا في موضعين: # الأول: نقل عن ابن ms0602 مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء. ~~وقال الحسن البصري والأغنياء سواء. الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد ~~الملك بن معلى أنهم PageV01P489 # قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي ~~القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له. وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين ~~انتزغت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب فمن بدله فمن غير الإيصاء أو ما ~~قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقا للشرع بعد ما سمعه وتحققه فلا ~~معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في ~~الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غير ~~هما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو ~~الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بين الله تعالى الوصية فيه. ~~فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلبا للفخر والشرف، ويتركون ~~الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها. فإنما ~~إثمه ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن ~~أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره. ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن ~~الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، ~~وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه إن الله سميع عليم يسمع الوصية على ~~حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ~~ذلك وعيد للمبدل وأي وعيد. ثم إنه سبحانه لما أطلق الإيعاد على التبديل ~~أتبعه قوله فمن خاف ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح ~~مستحسن شرعا كما هو حسن عقلا، وللخوف هاهنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل ~~أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت. وأجيب بأن المراد أن ~~هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن ~~طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد ms0603 فيه إثما أي تعمدا بأن ~~يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق. فعند ظهور أمارات ~~ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله ~~من موص يدل على سائر ملابساته. فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على ~~وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلانا مع أنه ~~غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلانا مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير ~~السامع خائفا من جنف أو إثم لا قاطعا به، وأيضا الجائز أن لا يستمر الموصي ~~على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد ~~يعدل عن الحق في آخر الأمر؟ وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم ~~يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى ~~حينئذ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون ~~الشرع. والتفسير الثاني إن خاف # PageV01P490 # بمعنى علم. وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن ~~مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر ~~استعمالا شائعا من ذلك قولهم «أخاف أن ترسل السماء» يريدون التوقع. والظن ~~الغالب الجاري مجرى العلم. فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار ~~فيها متعمدا فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ~~ابن عباس وقتادة والربيع. وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين ~~إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعا. والغرض من قوله فلا إثم ~~عليه رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب. وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين ~~القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ~~ما لا ينبغي فبين تعالى أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان ~~غرضه الأصلي صحيحا ولهذا أتبعه قوله إن الله غفور رحيم وأيضا كأنه قيل: أنا ~~الذي ms0604 أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع ~~تحمل أعباء الإصلاح أولى. أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو ~~الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله. وبهذا التأويل ~~يجوز أن يرجع الضمير في قوله فلا إثم عليه إلى الموصي. # واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث ~~إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: لا. ~~قال: # فبشطره؟ قال: لا قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير. لأن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. # فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة ~~فقراء. والوصية أوسع مجالا من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من ~~لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم ~~يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة. ~~فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على ~~الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة. ### | التأويل: # كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الأولياء الوصية بالحال، والأغنياء ~~يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل. ~~والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه ~~أن يوصي للوالدين. وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ~~ازدواجهما، # PageV01P491 # وللأقربين- وهم القلب- والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية ~~والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي إلى الإتلاف معرضا عن الشهوات ~~مجتنبا من الرسوم والعادات كما # قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق» «1» # ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشربا واحدا والمذاهب مذهبا واحدا. # وكل له سؤل ودين ومذهب ms0605 ... ووصلكم سؤلي وديني هواكم # وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي ... مناي مناكم واختياري رضاكم # حقا على المتقين من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين ~~لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما # قال صلى الله عليه وسلم «التقوى هاهنا» «2» وأشار إلى صدره. # وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل ~~النسخ. فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبدا فمن بدله فمن غير من ~~الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة فإنما إثمه عليهم. وسبب ~~هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة ~~باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جدا فمن خاف تفرس من موص جنفا في ترك ~~المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات أو إثما تجاوزا عن حد الشرع ~~في رفع الطبع فأصلح بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ ~~كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 187] # يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا ~~خير لكم إن كنتم تعلمون (184) شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا ~~العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (185) وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون (186) أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا ms0606 الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون (187) PageV01P492 ### | القراآت: # فدية طعام مضافا مساكين بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. # وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري فدية بالتنوين طعام بالرفع مضافا ~~إلى مساكين بالجمع. الباقون: مثل هذا إلا أن مسكين مفرد مجرور فمن تطوع ~~بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف. الباقون: ~~بلفظ الماضي من باب التفعل القرآن غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة ~~في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباسا فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم ~~يهمز كقوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر [الإسراء: 78] ولا تعجل ~~بالقرآن [طه: 114] إن علينا جمعه وقرآنه # [القيامة: 17] فاتبع قرآنه # [القيامة: 18] الباقون بالهمز اليسر والعسر حيث كانا مثقلين: يزيد إلا ~~قوله فالجاريات يسرا [الذاريات: 3] ولتكملوا العدة من التكميل: أبو بكر ~~وحماد وعباس ورويس. والباقون: من الإكمال. الداعي إذا دعاني بالياء في ~~الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو جعفر ونافع غير قالون ~~وأبو عمرو بالياء في الوصل. والباقون بغير ياء فيها في الحالين في لعلهم ~~بفتح الياء: ورش. الباقون: بالسكون. ### | الوقوف: # تتقون لا لأن «أياما» ظرف «الصيام» أو الاتقاء معدودات ط لأن المرض ~~والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع أخر ط لأن خبر الجار منتظر وهو ~~«فدية» فلا تعلق له بما قبله مسكين ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل خير له ~~ط لأن التقدير والصوم خير لكم. تعلمون ه والفرقان ج لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب فليصمه ط للابتداء بشرط آخر أخر ط العسر ز قد يجوز تشكرون ه قريب ط ~~لأن قوله «أجيب مستأنف» دعان ص للفاء يرشدون ه لهن ط عنكم ج لعطف الجملتين ~~المختلفتين لكم ص لذلك إلى الليل ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم ~~والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن في المساجد ط لأن «تلك» مبتدأ فلا تقربوها ~~ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي ms0607 يبين الله بيانا كبيان ما تقدم يتقون ه. # PageV01P493 ### | التفسير: # هذا حكم آخر. والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ. وهو في اللغة الإمساك عن ~~الشيء. قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل. وصام الفرس صوما أي قام على غير ~~اعتلاف. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وإنه في ~~الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب ~~والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ولا بد في ~~صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق ~~عند الأكثرين. ويوافقه الجديد من قول الشافعي «ومن غير يوم الشك بلا ورد ~~ونذر وقضاء وكفارة» . ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ~~ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم. وقوله سبحانه كما ~~كتب على الذين من قبلكم أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم. قال ~~علي كرم الله وجهه: أولهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى ~~الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم. # لعلكم تتقون بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفا للنفس ~~عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم ~~شعارهم. # وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى ~~فأصابهم موتان فزادوا عشرا قبله وعشرا بعده. وقيل: كان يقع في البرد الشديد ~~والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة. ~~ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل دراهم معدودة [يوسف: 20] ~~وأصله أن المال القليل يعد عدا، والكثير يحثى حثيا كأنه قال: إني رحمتكم ~~فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياما معدودة قليلة، وعلى ~~هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير ~~متطاولة وإن اختلفت المدتان. ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على ~~قولين: الأول: أنها غير رمضان. فعن عطاء: ms0608 ثلاثة أيام من كل شهر. وعن قتادة: ~~هي مع صوم عاشوراء. ثم اختلفوا أيضا فقيل: كان تطوعا ثم فرض وقيل بل كان ~~واجبا. واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان ~~بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن صوم رمضان نسخ كل صوم» # فدل على أن صوما آخر كان واجبا. وأيضا ذكر حكم المريض والمسافر في هذه ~~الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريرا محضا. # وأيضا ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على ~~التعيين فيختلفان. والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين ~~أنها شهر رمضان أجمل أولا ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله أياما ~~معدودات ثم كمل البيان بقوله # PageV01P494 # شهر رمضان وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان. وأجيب عن ~~استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا ~~يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة. سلمنا أن المراد به صوم ~~ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخا لصيام وجب بغير هذه الآية. وعن ~~الثاني أن صوم رمضان كان واجبا مخيرا، وفي الآية الثانية جعل واجبا على ~~التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانيا في رخصة الإفطار ~~ووجوب القضاء كحالهما أولا. وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير ~~والتعيين، أما في نفس الصوم فلا. وهاهنا سؤال وهو أن قوله فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه كيف كان ناسخا للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟ والجواب أن ~~الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن ~~أن يكون ناسخا والمتأخر منسوخا كآية الاعتداد بالحول. وهكذا نجد في القرآن ~~آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير. قال القفال: ~~انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين ~~أولا أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور ms0609 الشاقة ~~إذا عمت خفت. ثم بين ثانيا وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى. ثم بين ~~ثالثا أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها. ثم بين رابعا أنه خصه من ~~الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له. ثم ذكر ~~خامسا إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين ~~والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه ~~وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها. واختلف الأئمة ~~في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أي مريض كان، وأي ~~مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلا للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول ~~الحسن وابن سيرين. # يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه. # وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفر ولو كان فرسخا. # وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول ~~الأصم. # وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله. وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر ~~الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في ~~العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه ~~لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه. قالوا: وكيف يمكن أن ~~يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟ فالمراد إذن ~~منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيرا يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به. ~~والمرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو # PageV01P495 # يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلما بالغا عدلا. وأصل السفر من الكشف ~~لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم. وعن الأزهري: سمي مسافرا لكشف قناع ~~الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء. قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم. ~~وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخا ولا يحسب منه مسافة الإياب. كل فرسخ ~~ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى ms0610 الله عليه وسلم، وهو الذي قدر ~~أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة. وإلى هذه ذهب ~~مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر ~~في يومين فحينئذ يناسب الرخصة، ولما # روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا أهل مكة لا ~~تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» # قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ. وروى الشافعي أيضا أن عطاء قال لابن ~~عباس: # أقصر إلى عرفة؟ فقال: لا فقال: إلى مر الظهران؟ فقال: لا. ولكن اقصر إلى ~~جدة وعسفان والطائف. قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد. وقال أبو ~~حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخا ~~قياسا على المسح. والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك ~~فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم. وأجيب بأن # قوله صلى الله عليه وسلم «يمسح المقيم يوما وليلة» «1» # لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى ~~الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيما. وكذا # قوله صلى الله عليه وسلم «والمسافر ثلاثة أيام» «2» # لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام. وأيضا الترجيح للإفطار # لقوله صلى الله عليه وسلم في قصر الصلاة «هذه صدقة تصدق الله بها عليكم ~~فاقبلوا صدقته» «3» # وإنما قيل أو على سفر دون أن يقول مسافرا كما قال مريضا لأن السفر يتعلق ~~بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد ~~السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافرا وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به ~~إن حصلت حصلت وإلا فلا. # وعدة فعلة من العد بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من ~~هذا. وإنما قيل فعدة على التنكير ولم يقل «فعدتها» أي فعدة الأيام ~~المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ms0611 ذلك ~~العدد ظاهرا، فأغنى ذلك عن PageV01P496 # التعريف بالإضافة. والمعنى فعليه صوم عدة. وقرىء بالنصب أي فليصم عدة. ~~وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا. ~~واعلم أن قوما من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن ~~يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام ~~في السفر قضى في الحضر. # واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله تعالى فعدة أي ~~فعليه عدة مشعر بالوجوب عليه. ولأن قوله يريد الله بكم اليسر ينبىء عن ~~إرادته الإفطار # ولقوله صلى الله عليه وسلم «ليس من البر الصيام في السفر» «1» # وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف. # وقوله «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» «2» # وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما ~~يجيء من قوله تعالى وأن تصوموا خير لكم ولما # روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال: ~~صم إن شئت وأفطر إن شئت. # قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من ~~أيام أخر كقوله تعالى أو به أذى من رأسه ففدية [البقرة: 196] أي فحلق فعليه ~~فدية. ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ~~ومحمد: أن الصوم أفضل. وقالت طائفة: # الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق. وقيل: ~~أفضل الأمرين أيسرهما على المرء. واختلف أيضا في القضاء فعامة العلماء على ~~التخيير. وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد ~~أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرق. # وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات ~~متتابعا # ويؤيده قراءة أبي فعدة من أيام أخر متتابعات قوله سبحانه وعلى ms0612 الذين ~~يطيقونه فيه ثلاثة أقوال: # الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا ~~عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين. والفدية في ~~معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه هاهنا عند أهل ~~العراق- ومنهم أبو حنيفة- نصف صاع من بر أو صاع من غيره. وعند أهل الحجاز- ~~ومنهم الشافعي- مد من PageV01P497 # غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين. قالوا: كان ذلك في ~~بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار ~~والفدية. عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~فنسختها. من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك «خاتم ~~حديد» ومن قرأ «مساكين» على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم ~~يلزمه طعام مسكين لكل يوم. والاعتبار بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~مائة وثلاثة وسبعون درهما وثلث الدرهم. # الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض. وذلك أن المريض والمسافر منهما ~~من لا يطيق أصلا وإليه الإشارة بقوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله وعلى الذين ~~يطيقونه قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم ~~والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم. # الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم. عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية ~~منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة يطوقونه تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو ~~القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه. والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب ~~من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا ~~على نفسيهما وولديهما. واتفقوا على أن الشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما ~~الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت. ~~وقال أبو حنيفة: لا يجب ms0613 إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين. فمن تطوع ~~خيرا بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر ~~الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري. فهو أي التطوع خير له وأن تصوموا أيها ~~المطيقون أو المطوقون وتحملتم متاعب الصيام خير لكم من الفدية وتطوع الخير. # ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضا عند من يرى أن الصوم لهما ~~أفضل إن كنتم تعلمون أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو ~~تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~[فاطر: 28] أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية. # عن علي كرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يقول الله عز وجل ~~الصوم لي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه. والذي # PageV01P498 # نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» «1» # وعنه صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه ~~الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم» «2» # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من صام رمضان إيمانا ~~واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر ~~له ما تقدم من ذنبه» «3» # وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من فطر صائما كان له مثل أجره ~~غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا» «4» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ~~فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له ~~وجاء» «5» # وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه ~~بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه ~~بالروحانيات المجردة لكفى به فضلا ومنقبة. هذا صوم الشريعة، فأما صوم ~~الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجل والإفطار بما أباح وأحل، وصوم ~~الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن. # صمت عن غيره ms0614 فلما تجلى ... كأن بي شاغل عن الإفطار # وتشوقت مدة ثم لما ... زارني جل عن مدى الأنظار # قوله عز من قائل شهر رمضان الشهر مأخوذ من الشهرة. عن مجاهد: رمضان اسم ~~الله تعالى. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن ~~قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله» # وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله. PageV01P499 # والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف ~~والنون. # ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي ~~وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان ~~عن أوضار الأوزار. وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض ~~رمضاء. وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما ~~لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته ~~عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إنما سمي رمضان لأنه يرمض ~~ذنوب عباده» # وكأن هذا من قولهم «رمضت النصل» جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق. # وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوال ~~قبل دخول الأشهر الحرم. وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة ~~القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي ~~بذلك. وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام ~~إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز # كقوله صلى الله عليه وسلم «من صام رمضان إيمانا» «1» الحديث. # لأن التسمية وقعت برمضان فقط. وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره الذي أنزل فيه ~~القرآن أو على أنه بدل من الصيام في قوله كتب عليكم الصيام أو على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان. وعلى هذين الوجهين يكون ~~الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان. قال أبو علي: وهذا أولى ليكون ms0615 أيضا في ~~الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبرا عن إنزال القرآن فيه. وقرىء بالنصب على ~~صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من أياما أو على مفعول وأن تصوموا وفي هذا ~~الوجه نظر من قبل الفصل بين أن تصوموا ومعموله بالخبر. وفائدة وصف الشهر ~~بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه. وذلك أنه لما خص ~~بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدر هضم النفس يترقى ~~العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ~~ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان ~~وكان حينئذ من العجائب ما كان. وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال. فعن سفيان ~~بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي عليه السلام كذا. وقال ~~ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في ~~الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل PageV01P500 # في الخمر كذا أي في تحريمها. والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ~~ينزل سوى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام الآيات. واختيار ~~الجمهور أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت ~~التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين» «1» # ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجما مفرقا على حسب المصالح والوقائع، ~~فأولت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر. ومبادئ ~~الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها. وهذا قول محمد بن إسحق. ~~أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوما، ~~وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك ~~إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات. ولعل فيه ~~مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين ~~جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدبر عالم الكون ms0616 والفساد وخاصة ~~نوع الإنسان. وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن ~~من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم منجما إلى آخر عمره. # ويحتمل أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل ~~سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبدا إلى أن تم إنزاله. وعلى هذا ~~يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعيا لا شخصيا هدى للناس وبينات ~~منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات ~~مكشوفات من جملة ما يهدى إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب ~~السماوية. وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولا بجنس ~~الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح. ويحتمل أن يقال: # القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضا بينات من هدى الكتب المتقدمة، ~~فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول ~~أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار. نقل الواحدي عن الأخفش والمازني ~~أن الفاء في فمن شهد زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء هاهنا وهذا وهم لظهور ~~كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن ~~فيه فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر. # ثم قيل: إن مفعوله محذوف والشهر منصوب على الظرف وكذلك الهاء في فليصمه ~~ولا يكون مفعولا به كقولك «شهدت الجمعة» لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان ~~الشهر. # فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في ~~الشهر. PageV01P501 # وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذرا من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا ~~أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد ~~مع أنه لا يجب عليه الصوم. أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل «شهدت عصر ~~فلان وأدركت زمانه» فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ومن ~~كان مريضا أو على سفر فعدة ms0617 من أيام أخر فيكون أولى من الأول لأن الإضمار ~~والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب ~~والتخصيص وحده في جانب؟ هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضا به على ~~صاحب الكشاف وغيره. # (قلت) : الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ~~ممنوع، وذلك أن شهد هاهنا متروك المفعول كقولهم «فلان يعطى ويمنع» ومعنى من ~~شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى ~~الإقامة. وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل ~~لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى. فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ~~أو على سفر تكرارا قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض. ~~وأيضا لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم ~~فبالمفهوم أولا وبالمنطوق ثانيا، فأين التكرار؟ وإنما وضع المظهر وهو الشهر ~~مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكينا في ~~القلوب وتعظيما في النفوس كقوله: # أن يسأل الحق يعطى الحق سائله. # وهاهنا بحث وهو أن قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه جملة شرطية، وما لم ~~يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من ~~أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء ~~الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي. وأجيب بأن ~~المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءا من ~~أجزاء الشهر فليصم كل الشهر. ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد ~~هلال رمضان فهذا موافق لما # نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن ~~يصوم الكل. # وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن ~~قوله ومن كان مريضا أو على سفر يخصصه، وإن كان في أثناء ms0618 الشهر فيوافق قول ~~أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى. قلت: لا ~~حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ~~ولا يلزم منه المحال المذكور إذ # PageV01P502 # المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو ~~المراد من عزم على كونه مقيما في الشهر فليصمه. ويعلم منه أنه إن كان حاضرا ~~في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ومن كان مريضا أو على ~~سفر فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان ~~جميعا للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما ~~يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر ~~إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك ~~الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت. ~~وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه # فقد قال صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فاستكملوا العدة» «1» # يعني عدة شعبان ثلاثين يوما. ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى ~~الهلال ثبت لما # روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمر ~~الناس بالصوم. # ولما # روي أن عليا عليه السلام شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: ~~صيام يوم من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان # ، وللاحتياط في أمر العبادة. ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية ~~عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر ~~الاستفاضة. وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ~~ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم. يريد الله بكم اليسر معناه في اللغة ~~السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد ms0619 واليد ~~اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر ~~نقيضه. وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ~~وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. أوجب الصوم على سبيل ~~السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه ~~على المريض والمسافر وهاهنا يتحقق صدق # قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» «2» . # ومن كمال رأفته تعالى أنه نفى الحرج أولا ضمنا بقوله يريد الله بكم اليسر ~~ثم نفاه صريحا بقوله ولا يريد بكم العسر والظاهر أن الألف واللام في اليسر ~~والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق. ~~والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله تعالى، فإن ~~PageV01P503 # المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان ~~لا يريد العسر. وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه تعالى لا يأمره بالعسر وإن ~~كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة. فكما أنه يجوز ~~أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر. قوله ولتكملوا أجمعوا على أن الفعل ~~المعلل محذوف فيه. فعن الفراء: التقدير ولتكلموا العدة ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ولعلكم تشكرون. شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم ~~كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر. وهذا نوع من اللف لطيف المسلك. فقوله ~~لتكملوا علة الأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علم من كيفية القضاء ~~والخروج عن عهدة الفطر. ولعلكم تشكرون أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص ~~والتيسير. وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما ~~تعملون ولتكملوا. والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم. ولا ~~يخفى أن قوله ولعلكم تشكرون يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن ~~يقال: إنه في قوة «ولتشكروا» . وفيه أيضا بعد ويحتمل أن يقال ولتكملوا ~~معطوف على ms0620 اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ~~يريدون ليطفؤا [الصف: 8] وإنما قيل ولتكملوا العدة ولم يقل «ولتكملوا ~~الشهر» ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعا. وعدى فعل التكبير ~~بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم. والمراد ~~بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله تعالى والثناء عليه شكرا على ما وفق لهذه ~~الطاعة. وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل. فالقول أن ~~يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد ~~وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتد به إلا مع الاعتقاد القلبي. وأما العمل ~~فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي. وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة ~~رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان. # وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته ~~بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى. # وأول وقته في العيدين جميعا غروب الشمس ليلة العيد. وعن أحمد ومالك أنه ~~لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه. # لنا قوله تعالى ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم قال الشافعي: ~~سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ولتكملوا العدة أي عدة صوم ~~رمضان ولتكبروا الله عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان ~~وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة ~~العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال. ~~والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثا نسقا وبه قال مالك. # PageV01P504 # وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين. لنا الرواية عن جابر وابن عباس. وأيضا ~~فإنه تكبير موضوع شعارا للعيد فكان وترا كتكبير الصلاة. قال الشافعي: وما ~~زاد من ذكر الله فحسن. # واستحسن في «الأم» أن تكون زيادته ما # نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قاله على الصفا وهو: «الله أكبر ~~كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله ولا ~~نعبد إلا إياه ms0621 مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. لا إله إلا الله وحده صدق ~~وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله ~~والله أكبر» # قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضا وهو: الله أكبر الله ~~أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد. يرفع ~~الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق ~~سفرا كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية ~~المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي. ويستثني من ذلك الحاج ~~فلا يكبر ليلة الأضحى. واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي ~~القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص ~~فيها. # قوله سبحانه وإذا سألك عبادي عني وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر ~~العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم ~~وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ~~ثم رغبهم في الدعاء تعليما للمسألة وتنبيها على حسن الطلب، وسبب نزوله ما # روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ # وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء ~~فقال صلى الله عليه وسلم: إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا ~~قريبا. # وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت. وعن عطاء ~~أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف ~~يسمع ربك دعاءنا؟ فنزلت. # وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت. # وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم ~~عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ~~ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم فنزلت مبشرة ms0622 بقبول ~~توبتهم. ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية ~~مناسبة لما قبلها ولما بعدها. ثم إن سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوز التشبيه فيسأل عن القرب ~~والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن ~~أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء ~~وهل أذن في أن ندعوه بجميع # PageV01P505 # الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف ~~شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال تعالى ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها [الإسراء: 110] وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله فإني قريب ~~يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله أجيب دعوة الداع دليل على أن السؤال ~~عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله إذا دعان يرشد إلى الإذن في ~~الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفا كقوله تعالى ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف: # 180] قال العلماء: ليس القرب هاهنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان ~~مشارا إليه بالحس ومنقسما إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر ~~الفرد. وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه. وكل مفتقر ممكن. وأيضا لو كان ~~في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد ~~متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي ~~جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركبا من أجزاء مختلفة ~~الطبائع، أو يكون متناهيا من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق. وأيضا هذه ~~الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما ~~كان قريبا من الكل بل لو كان قريبا من حملة العرش يكون بعيدا عن غيرهم، ولو ~~كان قريبا من المشرقي كان بعيدا عن المغربي. قالوا: فثبت أن المراد ms0623 بالقرب ~~قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة. قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة ~~إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه. فإذا دعى ~~أسرعت تلبيته ونحوه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] # وقوله صلى الله عليه وسلم «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم» «1» # وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان ~~بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية ~~كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل ~~الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهرا والسواد سوادا والعقل عقلا ~~والنفس نفسا. # فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب ~~المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان. ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ~~ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة ~~زيفناها في مواضعها. فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها ~~قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، PageV01P506 # لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف ~~المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال. شعر: # رمزت إليه حذار الرقيب ... وكتمان سر الحبيب حبيب # إذا ما تلاشيت في نوره ... يقول لي ادع فإني قريب # فإن سألوه عليه السلام: أين ربنا؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل ~~يسمع ربنا دعاءنا؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت ~~أم بإخفائه؟ # صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صح في ~~الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟ صح ~~أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم. واعلم أن الدعاء مصدر ~~دعوت أدعو وقد يكون اسما. تقول: # سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا. وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله ~~العناية والاستمداد والمعونة. قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء ms0624 لأن ~~المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا. ولأن ~~الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد ~~فيها شيئا ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا ~~يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصديقين ~~الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس. والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن ~~الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا # ورد في الكلام القدسي «من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما ~~أعطي السائلين» «1» # وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار ~~الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين. والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، ~~والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد. ~~والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، ~~والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء والخوف اللذين بهما ~~تتم العبودية. وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم ~~الله وجريان قضائه وقدره في الكل. وما # روي عن جابر أنه جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ~~ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. ~~قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. وكل عامل بعمله ~~PageV01P507 # منبه على ما قلنا، فإنه صلى الله عليه وسلم علقهم بين الأمرين، رهبهم ~~بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر ~~لما خلق له. # يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك ~~تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، ~~وكذا القول في باب الرزق والكسب. والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط ~~معتبرة في جميع أمور هذا العالم. ومن جملة الوسائل في قضاء ms0625 الأوطار الدعاء ~~والالتماس كما في الشاهد. فلعل الله تعالى قد جعل دعاء العبد سببا لبعض ~~مناجحه. فإذا كان كذلك فلابد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ~~ذلك خارجا عن قانون القضاء السابق وناسخا للكتاب المسطور. ومن فوائد الدعاء ~~إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة ~~العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، ~~والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا # ورد «من لم يسأل الله يغضب عليه» «1» # فإذا كان الداعي عارفا بالله تعالى وعالما بأنه لا يفعل إلا ما وافق ~~مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في ~~دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجيا فيما عند الله من الخير، خائفا من ~~الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، ~~كان دعاؤه خليقا بالإجابة وجديرا بالقبول وأن تعود بركته عليه # قال صلى الله عليه وسلم «ما من رجل يدعو الله بدعاء إلا استجيب له. فإذا ~~أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ~~ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل» قالوا يا رسول ~~الله وكيف يستعجل؟ قال: «يقول دعوت ربي فما استجاب لي» «2» # وأما هيئة الداعي # فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ادعوا ~~الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل ~~لاه» «3» # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سلوا الله ببطون ~~أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم» «4» # وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره PageV01P508 # تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل ~~يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب. ومطعمه حرام ~~ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ وذكر المحققون أن ~~الدعاء مفتاح ms0626 باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال. وأما وقت الدعاء # ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ينزل ربنا ~~كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب ~~له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» «1» # وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ~~ودبر الصلوات المكتوبات. # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدعاء بين الآذان ~~والإقامة لا يرد» «2» # وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية في ~~الدنيا والآخرة. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء» «3» # وعنه أنه قال «من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر ~~الدعاء في الرخاء» # وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم ~~حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها ~~أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» «4» # وأما كيفية الدعاء # فعن فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته ~~فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجل ~~هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء ~~عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد ما شاء» . # وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدعاء موقوف ~~بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى علي فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا علي ~~أول الدعاء وأوسطه وآخره» . # ومن لطائف الآية أنه تعالى قال فإني قريب دون أن يقول «فقل إني قريب» كما ~~قال في سائر الأسئلة والأجوبة. وذلك في مواضع من كتابه ويسئلونك عن الروح ~~قل الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] PageV01P509 # ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ms0627 ربي نسفا [طه: 105] يسئلونك عن الساعة ~~أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي [الأعراف: 187] وهذه الأسئلة أصولية. ~~يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين [البقرة: ~~215] ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير [البقرة: 220] ويسئلونك عن ~~المحيض قل هو أذى [البقرة: 222] ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ~~[النساء: 127] يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة [النساء: 176] يسئلونك ~~عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول [الأنفال: 1] ويستنبئونك أحق هو قل إي ~~وربي [يونس: 53] ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا [الكهف: ~~83] فكأنه سبحانه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت ~~الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك. وأيضا في مقام السؤال قال: ~~عبادي وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال فإني قريب وهذا يدل ~~على أنه للعبد. وأيضا لم يقل «العبد مني قريب» بل قال فإني قريب منه إشارة ~~إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة ~~الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه فليستجيبوا لي أجاب واستجاب بمعنى يقال: ~~أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ~~وليؤمنوا بي وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم ~~إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ~~ودنياهم، فإن طاعة الله تعالى هي المستتبعة للخيرات عاجلا وآجلا من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون [النحل: 97] وفي ضده ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى [طه: 124] وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني ~~غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إلي من جميع ~~الوجوه. وفيه نكتة وهي أنه تعالى لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا ~~يصير المذنب محروما عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك ~~فكن أنت مجيبا لدعائي وهذا يدل على أن نعمه تعالى شاملة ورحمته ms0628 كاملة تعم ~~المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين. # وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما # روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدعاء هو ~~العبادة» «1» وقرأ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين [غافر: 60] PageV01P510 # وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله ~~تعالى ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله [الشورى: 26] ~~وقيل: المراد من الدعاء التوبة. وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، ~~فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة. # قوله عز وجل: أحل لكم الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه ~~الناس في أول الإسلام. روي عن ابن عباس أنه لما نزلت كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب ~~وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، ~~فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيرا لمن بقي ورخصة ومنفعة. وعن البراء قال: كان ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل ~~أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي. وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو ~~صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو- على اختلاف الروايات- كان صائما. فلما حضر ~~الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان ~~يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف ~~النهار غشي عليه. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت أحل لكم ففرحوا ~~بها فرحا شديدا، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في ~~القرآن نسخ البتة. # احتج الجمهور بوجوه منها. أنه تعالى شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة ~~بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في ~~شرعنا كما كانت في شرعهم. وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ~~ناسخة لحكمها. ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة ms0629 في كل ~~الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقادا منهم ~~ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في ~~نفس الأمر. ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ولو كان ذلك حلالا لم ينسبوا إلى الخيانة، # قيل: إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل ~~أخذ يبكي ويلوم نفسه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله ~~إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: ما كنت جديرا بذلك يا عمر. فقام رجال فاعترفوا بما كانوا ~~صنعوا بعد العشاء فنزلت. # قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص. وخان واختان وتخون بمعنى واحد مثل كسب ~~واكتسب وتكسب. والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا ~~من الثواب والخير. ومنها قوله فتاب عليكم وعفا عنكم # PageV01P511 # والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم. قال أبو مسلم: ~~التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد ~~بالرحمة والإحسان. والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف. # قال صلى الله عليه وسلم «عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل ~~أربعين درهما درهم» وقال «أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله» # والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت. ويقال: أتاني هذا المال ~~عفوا أي سهلا. فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء ~~المحرمة على الذين من قبلكم. وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها ~~حمل القرآن عل النسخ. ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال ~~الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع. ويمكن أن يقال: أضاف ~~الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف. # والرفث الجماع. والرفث أيضا الفحش من القول وكلام النساء في الجماع. وقيل ~~لابن عباس. حين أنشد: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا # أترفث وأنت ms0630 محرم؟ فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء. هميسا أي مشيا ~~لينا، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها. وقال أبو علي: معناه الفرج. ~~ويقال: جامع الرجل أو ناك. فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث ~~الرجل. وإنما كني عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه ~~بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر وقد أفضى بعضكم إلى ~~بعض [النساء: 21] فلما تغشاها [الأعراف: 189] باشروهن [البقرة: 187] من قبل ~~أن تمسوهن [البقرة: 237] أو لامستم النساء [النساء: 43] وفي قوله: دخلتم ~~بهن [النساء: 23] فأتوا حرثكم [البقرة: 223] فما استمتعتم به منهن [النساء: ~~24] ولا تقربوهن [البقرة: # 222] حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختيانا ~~لأنفسهم. # قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض [النساء: 21] هن لباس لكم وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم ~~جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب. قال الربيع: هن فراش لكم ~~وأنتم لحاف لهن. وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع. ~~قال الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى عطفها ... تثنت فكانت عليه لباسا # أو سميا لباسا لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما # في الخبر «من تزوج فقد أحرز # PageV01P512 # ثلثي دينه» # أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة ~~حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار. وعن ~~الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا ~~يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم. ~~ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر «لابس» وضع موضع الصفة. وموقع ~~قوله هن لباس لكم استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة ~~والملابسة توجب قلة الصبر عنهن. ومعنى علم الله ظهر معلومه أو هو عالم، ولم ~~يذكر في الآية أن الخيانة فيما ذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع ms0631 والذي ~~تأخر هو مثله بدليل فالآن باشروهن فتعين أن يكون المراد به الخيانة في ~~الجماع. ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى ~~الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب. # وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله ~~أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم لضعفكم وقلة صبركم، فوسع ~~الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة. فتاب عليكم من الفاء الفصيحة أي ~~فتبتم فقبل توبتكم. وعلى قول أبي مسلم لا إضمار. فالآن باشروهن تأكيد لقوله ~~أحل لكم وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في ~~جميع أجزائها حتى الصباح. والجمهور على أن المراد بالمباشرة هاهنا الجماع، ~~سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه. ومنه ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة» ~~«1» # وإنما قلنا إن المراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع ~~الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ~~ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع ~~لفظيا. وأما المباشرة في قوله ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد فلا ~~يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما ~~دونه من الاستمتاعات. وابتغوا ما كتب الله لكم جعل أو قضى أو كتب في اللوح ~~من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح ~~وهو التناسل. # قال صلى الله عليه وسلم «تناكحوا تكثروا» «2» # وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك. وعن الشافعي: لا ~~يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة. # وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل. # وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله تعالى PageV01P513 # فأتوهن من حيث أمركم الله [البقرة: 222] وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي ~~كتب ms0632 الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة ~~التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرمة عليكم. وقيل: يعني لا ~~تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات ~~الحيض والنفاس والعدة والردة. # وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في ~~القرآن من قوله إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون: 6] # وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما ~~كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها. # واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوشة قد يمنع ~~عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي ~~حاصل صوم رمضان فقال سبحانه فالآن باشروهن لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم ~~والله أعلم بمراده، # عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت ~~أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. ~~فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال: إنك ~~لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل. وكنى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك عن بلاهة عدي وقلة فطنته، # وفي الصحيحين أيضا عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل من الفجر فكان رجال إذا ~~أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ~~حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد من الفجر فعلموا أنه إنما ~~يعني الليل والنهار. # واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوز ~~تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين. ولما كان ~~من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في ~~الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس ms0633 الليل قال أبو ~~داود: # فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا # والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أولا، ثم لما اشتبه ~~الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بيانا للخيط ~~الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان ~~الآخر. وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك «رأيت ~~أسدا» مجاز، فإذا زدت «من فلان» رجع تشبها. فالاستعارة وإن كانت أبلغ من ~~التشبيه وأدخل في # PageV01P514 # الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن ~~المكلفين أهم وأولى. فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من ~~باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين هاهنا إلى ~~البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر ~~بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء ~~منهم. نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان. ولا يسبقن إلى الوهم ~~أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما # ورد في الخبر «لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر ~~المستطير» «1» # وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضا يبدو دقيقا ولكن يرتفع مستطيرا ~~أي منتشرا في الأفق لا مستطيلا. ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر ~~من الضياء. أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضا. فالذي ~~انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود. وقد سبق ~~تقرير الصبح في تفسير قوله تعالى واختلاف الليل والنهار [البقرة: 164] ~~فليتذكر. قيل: ويجوز أن تكون «من» في قوله تعالى من الفجر للتبعيض لأنه بعض ~~الفجر وأوله: ولا شك أن «حتى» لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل ~~المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح. فاستدل بهذا على جواز صوم من ~~يصبح جنبا. وبقوله ثم أتموا الصيام إلى الليل على أن الصوم ينتهي عند غروب ~~الشمس، لأن ما بعد «إلى» لا يدخل فيما قبلها ms0634 وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل ~~على حرمة الوصال. ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار ~~من هاهنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم «2» # فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئا. وكيف لا # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول ~~الله إنك تواصل. فقال: إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني. # أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني ~~أعطيت قوة من طعم وشرب. والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن ~~الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئا قليلا ولو قطرة من الماء فبعد ذلك ~~كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في ~~سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي ~~بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو PageV01P515 # النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته ~~بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد ~~الزوال وصححناه بنيته قبله. حجة الشافعي # قوله صلى الله عليه وسلم «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له» # ويروى «من لم ينو» # وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل ~~على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟ فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضا ~~الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ثم أتموا والأمر للوجوب. وقال ~~الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه سبحانه خصص بالذكر من ~~المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها. وهاهنا مفطرات أخر ~~استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير ~~إنزال مبطل. فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون ~~الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند ms0635 مالك الإنزال بالنظر ~~مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر. # ومنها الاستقاء # لقوله صلى الله عليه وسلم «من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن ~~استقاء فليقض» «1» # ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل ~~إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء ~~والمثانة لما # روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم ~~وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ. ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من ~~الأجواف فإنه صلى الله عليه وسلم اكتحل في رمضان وهو صائم. # وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعما أفطر. والتقطير في الأذن إذا ~~وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة. ولا ~~بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف. احتجم صلى الله عليه وسلم وهو ~~صائم محرم في حجة الوداع. وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة. ولو دهن رأسه أو ~~بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ~~ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار ~~الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر. ولو فتح فاه عمدا لما في الحفظ ~~من العسر. ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا ~~إفطار. وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر ~~لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع ~~PageV01P516 # الجوع أو العطش. وعند أحمد لا يفطر. وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم ~~لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه ~~بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، ~~فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا ~~تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل ms0636 الماء إلى دماغه لم يفطر على ~~الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد. وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر ~~وفاقا. # قال صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون ~~صائما» «1» # ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمدا أفطر خلافا لأبي حنيفة فيما إذا ~~كان يسيرا، وربما قدره بالحمصة. وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر ~~على الأصح. ولا بد أيضا في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسيا، فإن ~~قل لم يفطر # لقوله صلى الله عليه وسلم «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما ~~أطعمه الله وسقاه» «2» # وخالف مالك. وإن كثر أفطر. ولو جامع ناسيا للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما ~~في الأكل. ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان ~~غالطا لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على ~~الظن. ثم إن كان الصوم واجبا قضى، وإن كان تطوعا فلا قضاء. والأحوط في آخر ~~النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو ~~اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر ~~الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس. وأما في أول النهار فيجوز ~~الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن ~~أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدما ~~عليه؟ فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها ~~وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه. ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما ~~قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفا بالأوقات ~~ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو ~~أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب ~~والوقاع إلى طلوع الشمس قياسا ms0637 لأول النهار على آخره. وجعل الخيط الأبيض وقت ~~الطلوع PageV01P517 # والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل. ومن الناس من قال: لا يجوز ~~الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر. ~~وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها. يحكى عن الأعمش أنه ~~دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك ~~فكيف إذا زرتني؟ فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟ قال: ~~ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر ~~الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له. ~~واعلم أن في الآية ترتيبا عجيبا ونسقا أنيقا وذلك أن الرفث لما كان من أشنع ~~الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراما في ~~رمضان ليلا ونهارا وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار. قدم إباحته ~~أولا ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ ~~بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من ~~الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء ~~من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي ~~هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع ~~وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب ~~الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن ~~الإمساك عن الرفث كان مختصا بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ~~ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ~~ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد # قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء برا كان أو إثما. قال ~~تعالى يعكفون على أصنام لهم [الأعراف: 138] والاعتكاف ms0638 الشرعي: المكث في بيت ~~الله تعالى تقربا إليه. وهو من الشرائع القديمة. قال تعالى أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين [البقرة: 125] وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ~~هاهنا. فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع ~~والمقدمات المفضية إلى الإنزال. لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة ~~البشرتين. فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم ~~تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين. # خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، ~~وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه ~~من عائشة لترجل رأسه وهو صلى الله عليه وسلم معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة ~~على أصل المنع. احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل ~~الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما. وأجيب بأن النص ~~مقدم على # PageV01P518 # القياس. واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر ~~البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات. ثم اختلفوا # فعن علي رضي الله عنه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله تعالى طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين [البقرة: 125] أي لجميع العاكفين. # وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله صلى الله عليه وسلم «صلاة في مسجدي ~~هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» «1» # وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» «2» # الزهري: لا يصح إلا في الجامع. أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام ~~راتب ومؤذن راتب. الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله في المساجد ~~إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة. ولا خلاف أن ~~الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟ الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم ~~عاكف وأنه تعالى منع العاكف من ms0639 المباشرة ولو كان اعتكافه باطلا لما كان ~~ممنوعا. وأيضا لو كان الاعتكاف موجبا للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ~~ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي ~~يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان. وأيضا لو تلازما ~~لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج. وأيضا # روي أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن ~~أعتكف ليلة، فقال صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك. # ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة. أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام ~~في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضا كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو ~~أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضا وفرق ~~بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة ~~لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفا للآخر، ولهذا قلنا: ~~إنه لو نذر أن يعتكف صائما أو يصوم معتكاف لزمه كلاهما، والجمع بينهما. ولو ~~نذر أن يعتكف مصليا أو يصلي معتكفا لزمه كلاهما دون الجمع بينهما. ويتفرع ~~على المذهبين أنه يجوز أن ينذر PageV01P519 # اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط ~~أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس. قال الشافعي: وأحب أن يعتكف ~~يوما وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف. تلك حدود الله إشارة إلى جميع ما ~~تقدم من أول آية الصيام إلى هاهنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، ~~لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة. وحد الشيء مقطعه ~~ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع ~~فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة. ~~وإنما قال هاهنا فلا تقربوها وفي موضع آخر فلا تعتدوها [البقرة: 229] لأن ~~العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز ~~الباطل. ms0640 فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي ~~هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل. # عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الحلال ~~بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى ~~الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ~~حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه» «1» . # وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ولا تقربوا مال ~~اليتيم [الإسراء: 34] وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب ~~جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها. وأما في الأوامر ~~فقال فلا تعتدوها [البقرة: 229] أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، كذلك أي كما ~~بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام يبين سائر أدلته على دينه ~~وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله تعالى من المتقين بفضله ~~ورحمته. ### | التأويل: # «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» «2» # الضمير عائد إلى الحق. على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن ~~صوم. فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع ~~عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس PageV01P520 # البواقي. وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا ~~وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ~~كما كتب على الذين من قبلكم أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن ~~المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ ~~الحيوانية والروحانية لعلكم تتقون مشارب المركبات وتطهرون عن هنس الحظوظ ~~الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس ~~حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما # قال صلى الله عليه وسلم «للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ~~ربه» # فمن كان منكم مريضا أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل ~~الطبيعة أو على سفر حصل له ms0641 وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، ~~فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف ~~فيتداركه في أيام سلامة القلب. وعلى الذين يطيقونه على من كان له قوة في ~~صدق الطلب طعام مسكين فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من ~~يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج ~~عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه ~~وهو معنى # «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # فمن تطوع خيرا فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر. ~~وروي فدى ذلك المشرب أيضا أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها ~~وداوم الصوم كقوله تعالى وأن تصوموا خير لكم فينزل فيه حقائق القرآن وهذا ~~معنى قوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن فيكون على مأدبة الله لا بمعنى ~~أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن ~~وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي ~~والوجود المجازي كما قال وبينات من الهدى والفرقان فيقال يا محمد له أصبت ~~فالزم وهو معنى قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال أبو يزيد: ناداني ربي ~~وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك. رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق ~~وجود قوم. رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ~~يريد الله بكم اليسر وهو مقام الوصول ولا يريد بكم العسر وهو ما في الطريق ~~من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مرا، فمراده حصول PageV01P521 # الصحة لا إذاقة مرارة الدواء. وأيضا # «كل ميسر لما خلق له» # لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر) : # لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... من فيض جودك ما علمتني الطلبا # ولتكملوا عدة أنواع الغاية بجذبات يريد الله بكم اليسر ولتكبروا الله ~~ولتعظموه على ما هداكم إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ولعلكم تشكرون ~~نعمة الوصال بتنزيه ms0642 ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم ~~والخيال. قوله سبحانه أحل لكم ليلة الصيام اعلم أن في الإنسان تلونا في ~~الأحوال. فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات ~~الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم ~~الدواعي والحاجات البشرية مردودا إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة ~~الصحو، فخصه الله تعالى بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه ~~عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما من ~~الله تعالى بقوله قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا [القصص: 72] ~~الآيتين. ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس ~~فيها تصرف الرجال في النساء هن لباس لكم أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر ~~لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي وأنتم لباس لهن ~~تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع ~~والعقل «نعم المال الصالح للرجل الصالح» فالآن باشروهن بقدر الحاجة ~~الضرورية وابتغوا بقوة هذه المباشرة ما كتب الله لكم من المقامات العلية ~~وكلوا واشربوا في ليالي الصحو حتى يتبين لكم آثار أنوار المحو فالأحوال ~~تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف ~~وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: # كأن شيئا لم يزل إذا أتى ... كان شيئا لم يكن إذا مضى # في المساجد أي في مقامات القربة والأنس. وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون ~~الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا ~~مقام أهل التمكين فلا تقربوها بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول ~~فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير. # PageV01P522 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 188 الى 189] # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188) يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من ms0643 أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون (189) ### | القراآت: # البيوت بضم الباء: أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص ~~والمفضل والبرجمي وهشام غير الحلواني. الباقون: بكسر الباء. ### | الوقوف: # تعلمون ه عن الأهلة ط لابتداء حكم آخر مع النفي من اتقى ج والحج ط ج لعطف ~~الجملتين المختلفتين أبوابها ص لعطف المتفقتين تفلحون ه. ### | التفسير: # لما كان الصوم منتهيا إلى الإفطار والإفطار يتضمن الأكل، ناسب أن يردف ~~حكم الصيام بحكم ما يصلح للأكل وما لا يصلح له. ولما كان الصوم والفطر ~~منوطين برؤية الهلال عقبا بذكر السؤال عن حال الأهلة. قال الإمام الغزالي ~~في الإحياء: # المال يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه، والأول إما أن ~~يكون من المعادن أو من النبات أو من الحيوان، أما المعادن والنبات فلا يحرم ~~شيء منهما إلا ما يزيل الحياة وهي السموم، أو الصحة وهي الأدوية في غير ~~وقتها، أو العقل كالخمر والبنج وسائر المسكرات. وأما حدثنا الحيوان فينقسم ~~إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل. وما يحل فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا، وإذا ~~ذبح فلا يحل جميع أجزائه بل يحرم منه الدم والفرث وكل ذلك مذكور في كتب ~~الفقه. والثاني وهو ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه نقول فيه أخذ ~~المال إما أن يكون باختيار المتملك أو بغير اختياره كالإرث. والذي باختياره ~~إما أن لا يكون مأخوذا من مالك كالمعادن، وإما أن يكون مأخوذا من مالك وذلك ~~إما أن يؤخذ قهرا أو بالتراضي. والمأخوذ قهرا إما أن يكون لسقوط عصمة ~~المالك كالغنائم، أولا لاستحقاق الأخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة ~~عليهم. والمأخوذ تراضيا إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن ~~يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية، فهذه أقسام ستة: # الأول: ما لا يؤخذ من مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد ~~والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون ~~المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين. # الثاني: المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة وسائر ms0644 أموال ~~الكفار المحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس فقسموه بين ~~المستحقين بالعدل ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهده. # PageV01P523 # الثالث: المأخوذ قهرا بالاستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك ~~حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق واقتصر على المستحق. # الرابع: ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط ~~العاقدين وشرط لفظي الإيجاب والقبول مع ما يعتد الشرع به من اجتناب الشروط ~~المفسدة. # الخامس: ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا ~~روعي شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو ~~غيره. # السادس: ما يحصل بغير اختياره كالميراث وهو حلال إذا كان المورث قد اكتسب ~~المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ ~~الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإفراز الزكاة والحج والكفارة إن كانت ~~واجبة. فهذه مجامع مداخل الحلال وما سوى ذلك فحرام لا يجوز أكله. وكذا إن ~~كان من هذه الجهات وصرفه إلى غير المصارف الشرعية كالخمر والزمر والزنا ~~واللواط والميسر والسرف المحرم، وكل هذه الوجوه داخلة تحت قوله سبحانه ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل أي بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه ~~بينكم أي في المعاملات الجارية بينكم والتصرفات الواقعة بينكم. وليس المراد ~~منه الأكل خاصة بل غير الأكل من التصرف كالأكل في هذا الباب إلا أنه خص ~~الأكل بالذكر لأنه المقصود الأعظم من المال. وقد يقال لمن أنفق ماله إنه ~~أكله. والإدلاء أصله من أدليت دلوي أرسلتها في البئر للاستقاء، فإذا ~~استخرجتها قلت دلوتها. ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء. ومنه يقال للمحتج ~~أدلى بحجته كأنه يرسلها ليصير إلى مراده. وفلان يدلي إلى الميت بقرابة ورحم ~~إذا كان منتسبا إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة طلب المستقي الماء بالدلو. ~~قوله وتدلوا داخل في حكم النهي أي ولا تدلوا بها إلى الحكام أي لا ترشوها ~~إليهم، أو لا تلقوا أمرها والحكومة فيها ms0645 إليهم لتأكلوا طائفة من أموال ~~الناس بالإثم بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن ~~المقضى له ظالم. والفرق بين الوجهين أن الحكام على الأول حكام السوء الذين ~~يقبلون الرشا التي هي رشا الحاجة، فبها يصير المقصود البعيد قريبا، وإذا ~~أخذها حاكم السوء مضى في الحكم من غير ثبت كمضي الدلو في الإرسال. وعلى ~~الثاني قد يكون الحاكم عادلا ولكن قد يشتبه عليه الحق كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين: «إنما أنا بشر وأنتم ~~تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه. ~~فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما # PageV01P524 # أقضي له قطعة من نار» «1» # فبكيا وقال كل واحد منهما: حقي لصاحبي. فقال: اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ~~ليحلل كل واحد منكما صاحبه. «فتوخيا» أي اقصدا الحق فيما تصنعانه من القسمة ~~واقترعا وليأخذ كل منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ثم تحاللا: وأنتم تعلمون ~~أنكم على الباطل وارتكاب المعاصي مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه بالتوبيخ ~~أحق. # روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا: يا رسول الله ما بال ~~الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي، ثم لا يزال ينقص ~~حتى يعود كما بدأ ألا يكون على حالة واحدة؟ يسئلونك عن الأهلة وقيل: إن ~~السائلين هم اليهود. ثم إن الله تعالى لم يجبهم بأنه إنما يرى كذلك لأنه ~~يستفيد النور من الشمس وأنه مظلم في ذاته ويفصل أبدا بين المضيء والمظلم ~~منه دائرة لاستداره المنير والمستنير، ويفصل بين المرئي وغير المرئي من ~~القمر أيضا دائرة. والدائرتان تتطابقان في الاجتماع بحيث لا يظهر شيء من ~~المستنير وتكون القطعة المظلمة مما يلي البصر وهذه الحالة هي المحاق. وكذا ~~في الاستقبال لكن القطعة المضيئة هي التي تلي البصر والقمر في هذه الحالة ~~يسمى بدرا. # وفي سائر الأوضاع يتقاطعان. أما في التربيعين فعلى زوايا قوائم تقريبا، ~~وفي غير التربيعين على زوايا حادة ms0646 ومنفرجة، وعلى التقديرين تنقسم كرة القمر ~~بهما إلى أربع قطع: اثنتان مضيئتان وهما اللتان تليان الشمس، والباقيتان ~~مظلمتان. ويقع في مخروط البصر إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، لكنه يحس ~~بالمضيئة دون المظلمة. والقطع الأربع في التربيعين متساويات تقريبا، وفي ~~غيرهما تختلف المتجاورتان وتتساوى المتقابلتان. # والقطعة المرئية من المتجاورتين الواقعتين في مخروط البصر في الربعين ~~الأول والأخير من الشهر أصغرهما، لأن زاوية تلك القطعة أصغر اللتين يليان ~~الإبصار أعني أنها حادة وتسمى القطعة المرئية الصغيرة أول ما يبدو إلى ~~ليلتين هلالا ويجمع على أهلة، لأنه يتعدد اعتبارا. وفي الربعين الباقيين من ~~الشهر القطعة المضيئة المرئية أعظم المتجاورتين الموصوفتين لأن زاويتها ~~أعظم المذكورتين أعني أنها منفرجة، وإنما لم يجابوا بذلك لأن المكلف لا ~~يهمه معرفة هذه التصورات في باب العمل، وإنما الذي يعود عليه من فوائده ~~وحكمه في باب التكليف معرفة المواقيت وهي المعالم التي يوقت بها الناس ~~مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد ~~حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته. والميقات من الوقت كالميزان من الوزن، ~~ولعمري إنه لو منع مانع من أن ضبط هذه الأمور لا يتسهل ولا يتسنى إلا بوقوع ~~الاختلاف في تشكلات PageV01P525 # القمر حيث سمى عوده من كل تشكل إلى مثله ولا سيما من الهلالية إلى مثلها ~~شهرا وبذلك قدر السنون، وضبطت الأوقات والفصول فلن يمكنه جحود فائدته على ~~تقدير وجود، ولو لم يكن في الإظهار رسمة الحدوث والإمكان والزوال والنقصان ~~في الفلكيات حتى لا يظن بها وجوب الوجود، أو الاشتراك في القدم مع مفيض ~~الخير والجود، أو امتناع الخرق والالتئام كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من ~~اللئام لكفى به تنبيها وعناية وإرشادا وهداية إلى افتقار الفلكيات إلى فاعل ~~مختار ومدبر قهار جاعل الظلم والأنوار، ومصير الأهلة والأقمار، وفي إفراد ~~الحج بالذكر مع أن الأهلة مواقيت عبادات أخر كالصوم والزكاة إشارة إلى أن ~~الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى له، وأنه لا يجوز نقل الحج عن ~~تلك الأشهر إلى شهر آخر ms0647 كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء. # ويمكن أن يقال: توقف الصوم على الهلال قد علم من قوله شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن [البقرة: 184] والزكاة تتعلق بالحول. والأصل في تقدير ~~السنين لعودة الشمس من نقطة كأول الحمل مثلا إلى مثلها بحركتها الخاصة، ~~والأيمان والجهاد لا يتعلقان بوقت معين، والصلاة تتعلق باليوم بليلته، فلم ~~يبق من الأركان المتعلقة بالشهر سوى الحج فتعين ذكره في هذه الآية والله ~~أعلم. # قوله تعالى عز من قائل وليس البر بأن تأتوا البيوت عن البراء قال: نزلت ~~هذه الآية فينا. كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤا لم يدخلوا من قبل أبواب ~~البيوت فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه فكأنه عير بذلك فنزلت وفي ~~رواية كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل الله الآية. ~~والحاصل أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا ~~دارا ولا فسطاطا من باب فإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء. فقيل لهم: ~~ليس البر بتحرجكم من دخول الباب تشديدا لأمر الإحرام ولكن البر بر من اتقى ~~ولكن ذا البر من اتقى مخالفة الله. وقيل: إن الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة ~~وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة. ~~كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم البتة، ولم يجلسوا تحت سقف البيت، ولم ~~يستظلوا الوبر، ولم يأكلوا السمن والأقط. وعن الحسن والأصم: كان الرجل في ~~الجاهلية إذا هم فتعسر عليه مطلوبه لم يدخل بيته من بابه بل يأتيه من خلفه، ~~ويبقى على هذه الحالة حولا كاملا فنهاهم الله تعالى عن ذلك لأنهم كانوا ~~يفعلونه تطيرا. # وأما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله بناء على الأسباب المروية في نزوله ~~وعليه أكثر المفسرين، فهو أنهم لما سألوا عن الحكمة في اختلاف حال الأهلة ~~قيل لهم: اتركوا # PageV01P526 # السؤال عن هذا الأمر الذي لا يعنيكم وارجعوا إلى ما البحث عنه أهم، ولا ~~تعتقدوا أن جميع ما سنح لكم هو على شاكلة ms0648 الصواب: وانظروا في واحدة ~~تفعلونها أنتم تحسبونها برا وليست من البر في شيء، أو أنه تعالى لما ذكر ~~الحكمة في الأهلة وهي جعلها مواقيت الناس والحج وكان هذا الأمر من الأشياء ~~التي اعتبروها في الحج، فلا جرم تكلم الله تعالى فيه استطرادا، أو اتفق ~~وقوع القصتين في وقت واحد فنزلت الآية فيهما معا في وقت واحد. وقيل: إنه ~~تمثيل لتعكيسهم في سؤالهم، فإن الطريق المستقيم هو الاستدلال بالمعلوم على ~~المظنون، فأما أن يستدل بالمظنون على المعلوم فذاك عكس الواجب، ولما ثبت ~~بالدلائل أن للعالم صانعا مختارا حكيما، وثبت أن الحكيم لا يفعل إلا الصواب ~~البريء عن العبث والسفه، فإذا رأينا اختلاف حال القمر وجب أن نعلم أن فيه ~~حكمة ومصلحة، وهذا استدلال بالمعلوم على المجهول. فأما أن يستدل بعدم علمنا ~~بما فيه من الحكمة على أن فاعله غير حكيم فهو استدلال بالمجهول على ~~المعلوم، فكأنه تعالى يقول: لما لم تعلموا حكمته في اختلاف نور القمر صرتم ~~شاكين في حكمة الخالق أو قاربتم الشك، فقد أتيتم الأمر من ورائه وهذا ليس ~~من البر ولا من كمال العقل، إنما البر أن تأتوا الأمور من وجوهها التي يجب ~~أن تؤتى منها، وهذا باب مشهور في الكناية قال الأعشى: # ويأس شربت على رغبة ... وأخرى تداويت منها بها # لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها # وعن أبي مسلم: أن هذا إشارة إلى ما كانوا يفعلونه من النسيء وكان يقع ~~الحج في غير وقته، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلا لمخالفتهم الواجب في ~~الحج وشهوره. ثم إنه تعالى أمرهم بالتقوى التي تتضمن الإتيان بجميع ~~الواجبات والاجتناب عن الفواحش والمنكرات إرادة أن يظفروا بالمطالب الدينية ~~والدنيوية والله ولي التوفيق. ### | التأويل: # بالباطل أي بهوى النفس والحرص والإسراف وتدلوا بها إلى الحكام يعني ~~النفوس الأمارة بالسوء من أموال الناس من الأموال التي خلقت للاستعانة بها ~~على العبودية. الأهلة للزاهدين مواقيت أورادهم وللصديقين مواقيت مراقباتهم. ~~والحج إشارة إلى ما يرد بحكم الوقت عليهم من غير اختيارهم، فمن كان ms0649 وقته ~~الصحو كان قيامه بالشريعة، ومن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة، ~~فإن تجلى لهم بوصف الجلال طاشوا، وإن تجلى لهم بوصف الجمال عاشوا، فليس ~~للمحبين وقت إلا أوقات محبوبهم كما ليس لهم وصف إلا أوصاف محبوبهم والله ~~تعالى أعلم. # PageV01P527 ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 190 الى 195] # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين (190) واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد ~~من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم (192) ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على ~~الظالمين (193) الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ~~(194) # وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين (195) ### | القراآت: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم حمزة وعلي ~~وخلف. الباقون: # من باب المفاعلة. وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن. ### | الوقوف: # ولا تعتدوا ط المعتدين ه من القتل ج للعارض بين الجملتين المتفقتين فيه ج ~~للابتداء بالشرط مع الفاء فاقتلوهم ط الكافرين ه رحيم ه الدين لله ط لتبدل ~~الحكم الظالمين ه قصاص ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ما اعتدى ~~عليكم ص لعطف الجملتين المتفقتين المتقين ه التهلكة ج لاختلاف المعنى أي لا ~~تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق وأحسنوا ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ~~المحسنين ه ### | التفسير: # لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على ~~النفس وهو المقاتلة في سبيل الله. # عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله ~~فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة» # الذين يقاتلونكم الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم ~~بصدد القتال ms0650 بالفعل دون التاركين. قيل: وعلى هذا يكون منسوخا بقوله: ~~وقاتلوا المشركين كافة [التوبة: # 36] ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا ~~يقاتل. وكذا ما # روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف. # أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ ~~والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو ~~الكفرة كلهم لأنهم جميعا مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم ~~في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا. وقيل في سبب نزول الآية إنه صلى ~~الله عليه وسلم خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع ~~كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهرا لا يقدر على ~~ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في # PageV01P528 # العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما ~~يشاء، فرضي صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة. وتجهز ~~في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن ~~المسجد الحرام وأن يقاتلوهم. وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي ~~الحرم. فأنزل الله هذه الآيات وبين له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها ~~فقال: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا بابتداء القتال. ~~وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق ~~واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ~~ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على ~~الإطلاق. أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء ~~والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير ~~دعوة إلى الإسلام. وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في الذين ~~يقاتلونكم. # إن الله لا يحب المعتدين المتجاوزين عما شرع الله لهم. في الصحاح: ثقفته ms0651 ~~أي صادفته. وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي ~~سريع الأخذ لأقرانه قال: # فإما تثقفوني فاقتلوني ... فمن أثقف فليس إلى خلود # أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه ~~الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. ~~واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراما لأنه ممنوع أن يفعل ~~فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع من حيث أخرجوكم أي من الموضع الذي ~~أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم ~~يوم الفتح. أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المشركين من المدينة بل # قال: «لا يجمع دينان في جزيرة العرب» «1» # والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهرا أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى ~~اضطروا إلى الخروج والفتنة عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في ~~الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة. وأيضا الكفر ذنب يستحق العقاب ~~الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل. ~~روي أن صحابيا قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك ~~فنزلت. أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في PageV01P529 # الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك. ~~وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسما لكل ~~محنة. والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم ~~حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هربا من إضلالهم في الدين وإبقاء ~~على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه ~~يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها. # لقتل بحد السيف أهون موقعا ... على النفس من قتل بحد فراق # وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال ms0652 عز من ~~قائل: يوم هم على النار يفتنون [الذاريات: 13] وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن ~~المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا ~~لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم. وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل ~~محقا. فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن ~~قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو ~~تتكاسلوا عن طاعة معبودكم. يروى أن الأعمش قال لحمزة: # أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره؟ فقال ~~حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ~~ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. فإن انتهوا قيل: أي عن ~~القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس. وقيل: أي ~~عن الشرك بدليل قوله: فإن الله غفور رحيم الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم ~~والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن. ~~قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن ~~الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، ~~وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعا ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران. # وقد يستدل بقوله: والفتنة أشد من القتل على أن التوبة عن قتل العمد بل من ~~كل ذنب. مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله تعالى توبة الكافر ~~فقبول توبة القاتل أولى. وأيضا الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا ~~أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى. # ويمكن أن يجاب بأن حق الله تعالى مبني على المساهلة فظهر الفرق. وأيضا ~~الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا ~~يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ~~ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم. # PageV01P530 # قوله تعالى: وقاتلوهم وقيل: إنه ناسخ لقوله: ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام وهو ms0653 وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته. غاية ~~ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن ~~القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضا فلا يضرنا لجواز ~~نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، ~~والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعا ~~بينهما حتى لا تكون فتنة قيل: أي شرك وكفر. وعلى هذا فالآية محمولة على ~~الأغلب. فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأسا، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل ~~منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفا من الثبات على كفره. والحاصل ~~قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضا من قوله: ويكون ~~الدين لله أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال تعالى: ~~ليظهره على الدين كله [الصف: 9] ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن ~~درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على ~~القتال كلي لا يتخلف عنه. وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي ~~قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم. وعن أبي مسلم: معناه ~~قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين ~~لما يخافون عنده من أنواع المضار. # ولا يخفى أن قوله: ويكون الدين لله يرجح القول الأول ليكون المعنى: ~~وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام فإن انتهوا عن الأمر الذي وجب ~~قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال فلا عدوان إلا على الظالمين أي فلا ~~تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله إلا على الظالمين قائما مقام على ~~المنتهين. لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير ~~المنتهين. أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين. # وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلما للمشاكلة كما يجيء في قوله تعالى: ~~فاعتدوا ms0654 عليه بمثل ما اعتدى عليكم أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء ~~كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم. قاتلهم المشركون عام الحديبية في ~~الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدوهم عن البيت. فقيل لهم ~~عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه. فلما لم ~~تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعا ~~لشروركم وإصلاحا لفسادكم؟ والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي ~~وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي حرمة # PageV01P531 # كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة. والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام ~~والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على ~~رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا ~~بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا. ثم أكد ذلك بقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا ~~تعتدوا إلى ما لا يحل لكم واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد ~~والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين ~~وغيرهم. قوله عز من قائل وأنفقوا وجه اتصاله بما قبله أنه تعالى لما أمر ~~بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزا عن القتال، ~~وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في ~~سبيله إعدادا للرجال وتجهيزا للأبطال # ويروى أنه لما نزل الشهر الحرام بالشهر الحرام قال رجل من الحاضرين: ~~والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا. فأمر صلى الله عليه وسلم ~~أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق ~~تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح. ms0655 فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما ~~يقال: مبذر. وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة ~~والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في ~~الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك. # الأقرب في هذه الآية. وقد تقدم ذكر القتال. أن يراد به الإنفاق في ~~الجهاد، ولكنه تعالى عبر عنه بقوله في سبيل الله ليكون كالتنبيه على السبب ~~في وجوب هذا الإنفاق. فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن ~~المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه. والباء في ~~بأيديكم مزيدة مثلها في «أعطى بيده للمنقاد» والمعنى: # ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل: ~~الأيدي الأنفس كقوله: فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] بما قدمت يداك ~~[الأنفال: 51] أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وقيل: بل هاهنا حذف أي لا ~~تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال «أهلك فلان نفسه بيده» إذا تسبب ~~لهلاكها. عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد. لم يوجد ~~مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم «التضرة» ~~«والتسرة» ونحوها في الأعيان «التنضبة» لشجر و «التتفلة» لولد الثعلب. ~~ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من ~~هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار. وليس ~~الغرض # PageV01P532 # من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من ~~أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة ~~على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه. وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن ~~فتنبه. # وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق. وروى ~~البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة. وذلك أن لا ~~ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل ~~مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهيا ms0656 عن التقتير والإسراف وعنهما جميعا ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما [الفرقان: 67] ~~أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلا وفقرا. نهوا ~~عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق ~~في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ولا تبطلوا أعمالكم ~~[محمد: 33] ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد ~~فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث ~~لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن ~~البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين. وإنما ~~يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل. # روى الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال له رجل من ~~الأنصار: # أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا؟ قال: لك الجنة. فانغمس في ~~جماعة العدو فقتلوه. وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كان عليه حين ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم الجنة. ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول. # وروي أن رجلا من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفا على ~~من قتل من أصحابه. فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف ~~عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك. فذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~فيه قولا حسنا. # وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفا عظيما من ~~الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، ~~وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل ~~فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب ~~الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت ~~هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله ms0657 الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا ~~لبعض سرا دون النبي صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد ~~أعز الإسلام وكثر ناصروه. فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل ~~الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال # PageV01P533 # وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض ~~الروم. # وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ~~فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم ~~فتهلكوا بترككم القتال. # وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى ~~عن القنوط من رحمة الله وأحسنوا في الإنفاق بأن يكون مقرونا بطلاقة الوجه ~~أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن إن ~~الله يحب المحسنين إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك. وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي ~~كل خير. ### | التأويل: # وقاتلوا من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقه من ~~شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ولا تعتدوا لا تتجاوزوا ~~عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر ~~الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، واقتلوا كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم ~~بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها. وأخرجوهم من صفات النفس كما أخرجوكم من جمعية ~~القلب وحضوره والفتنة أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس ~~الحاجبة عن الله أشد من قتل النفس بمخالفة هواها ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات ~~القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى فإن نازعوكم في الجمعية ~~والحضور فاقتلوهم بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن ms0658 نفوسكم بكل ما ~~أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله فإن انتهوا بأن قنعت بما لا بد لها ~~فلا تغلوا في مجاهدتها. الشهر الحرام أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد ~~بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ~~فمن اعتدى فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب ~~بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، واتقوا الله في الإفراط والتفريط ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو ~~بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور ~~والله المستعان على ما يصفون. # PageV01P534 ### | [سورة البقرة (2) : آية 196] # وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من ~~الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ~~ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد ~~العقاب (196) ### | القراآت: # من رأسه وكذلك «البأس» و «الكأس» كلها بغير همزة أبو عمرو غير شجاع ويزيد ~~والأعشى وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # لله ط لأن عارض الإحصار خارج عن موجب الأصل من الهدي ج لعطف المختلفتين ~~محله ط لابتداء حكم كفارة الضرورة أو نسك ج لأن «إذا» للشرط مع الفاء ~~وجوابه محذوف أي فإذا أمنتم من خوف العدو وضعف المرض فامضوا. # أمنتم وقف لحق الحذف ولابتداء الشرط في حكم آخر وهو التمتع من الهدي ج ~~رجعتم ط كاملة ط الحرام ط العقاب ه. ### | التفسير: # الحج في اللغة القصد كما مر في قوله فمن حج البيت أو اعتمر [البقرة: 158] ~~وفي الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة. وهي على ثلاثة أقسام: أركان وأبعاض ~~وهيئات. لأن كل عمل يفرض فيه فإما أن يتوقف التحلل عليه وهو الركن، أو لا ~~يتوقف. فإما أن يجبر بالدم وهو البعض، أو لا يجبر وهو الهيئة. ms0659 والأركان عند ~~الشافعي خمسة: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا ~~والمروة وحلق الرأس أو تقصيره. وخالف أبو حنيفة في السعي، ولا مدخل للجبران ~~في الأركان. وأما الأبعاض أعني الواجبات المجبورة بالدم، فالإحرام من ~~الميقات والرمي وفاقا وفي الوقوف بعرفة إلى أن تغرب الشمس وفي المبيت ~~بمزدلفة والمبيت بمنى، وفي طواف الوداع خلاف. # وأما الهيئات فالاغتسال وطواف القدوم والرمي والاضطباع في الطواف وفي ~~السعي واستلام الركن وتقبيله والسعي في موضع السعي والمشي في موضع المشي ~~والخطب والأذكار والأدعية إلى غير ذلك. وبالجملة ما سوى الأركان والأبعاض ~~ولا دم في تركها. وأما في العمرة فما سوى الوقوف من أركان الحج أركان فيها. ~~ثم إن قوله عز من قائل: # وأتموا أمر بالإتمام. وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط؟ فالشافعي على أنه ~~مطلق والمعنى: افعلوا الحج والعمرة على نعت التمام والكمال. وأبو حنيفة على ~~أنه مشروط والمعنى: من شرح فيه فليتمه كما إذا كبر بالصلاة تطوعا لزمه ~~الإتمام. وفائدة الخلاف تظهر في العمرة فإنها تصير واجبة على المعنى الأول ~~دون الثاني. حجة الشافعي أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء تاما كاملا كقوله ~~وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة: # 124] أي أداهن على التمام والكمال. وقوله ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~[البقرة: 187] # PageV01P535 # أي افعلوا الصيام تاما إلى الليل وهذا أولى من تقدير أنكم إذا شرعتم فيه ~~فأتموه، لأن الأصل عدم إضمار هذا الشرط، ولأن المفسرين أجمعوا على أن هذه ~~أول آية نزلت في الحج، فحملها على الإيجاب ليكون تأسيسا أولى من حملها على ~~الإتمام بشرط الشروع، فإنها تكون حينئذ تبعا، ولأنه قرىء أقيموا الحج ~~والعمرة والشاذ يصلح للترجيح وإن لم يصلح للقطع كخبر الواحد، ولأن الوجوب ~~المطلق يستلزم الإتمام، والإتمام بشرط الشروع لا يستلزم أصل الوجوب. ~~فتأويلنا أكثر فائدة، فيكون أولى. وأيضا أنه أحوط. # واعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان ~~الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب. وقال تعالى يوم الحج الأكبر ~~[التوبة: ms0660 3] وفيه دليل على وجود حج أصغر وما ذاك إلا العمرة بالاتفاق. لكن ~~الحج واجب على الإطلاق لقوله ولله على الناس حج البيت [آل عمران: 97] فيدخل ~~فيه الأكبر والأصغر. # حجة أبي حنيفة # قصة الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الإسلام فعلمه ~~الصلاة والزكاة والحج والصوم فقال الأعرابي: لا أزيد على هذا ولا أنقص. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح الأعرابي إن صدق. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «بني الإسلام على خمس» «1» الحديث. # ولم يذكر العمرة. # وأجيب بأن العمرة حج أصغر فتدخل في مطلق الحج قالوا: # روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟ ~~فقال: لا، وأن تعتمر خير لك. # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «الحج جهاد والعمرة تطوع» «2» # وأجيب بأنها أخبار آحاد فلا تعارض القرآن. # وأيضا لعل العمرة، ما كانت واجبة حينما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تلك ~~الأحاديث، ثم نزل بعدها وأتموا الحج وذلك في السنة السابعة من الهجرة. ~~وأيضا إنها معارضة بأخبار تدل على وجوبها. # روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا ~~الظعن، قال صلى الله عليه وسلم: حج عن أبيك واعتمر أمر بهما # والأمر للوجوب. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العمرة لقرينة الحج، وحمله ~~على أنهما يقترنان في الذكر تكلف. وعن عمر أن رجلا قال له: إني وجدت الحج ~~والعمرة مكتوبين علي أهللت بهما جميعا فقال: هديت لسنة نبيك وحمله على أن ~~الوجوب مستفاد من الإهلال بهما لا يخلو من تعسف. قالوا: قرأ علي وابن مسعود ~~والشعبي والعمرة لله بالرفع. فكأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج في ~~PageV01P536 # الوجوب. وأجيب بأن الشاذة لا تعارض المتواترة، وبأنها ضعيفة من حيث ~~العربية لعطف الاسمية على الفعلية، والخبرية على الطلبية، وبأن كون العمرة ~~عبادة لله لا ينافي وجوبها. ms0661 واعلم أن لأداء النسكين وجوها ثلاثة: الإفراد ~~والتمتع والقران فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو ~~يعتمر قبل أشهر الحج ثم يحج في تلك السنة. والقران أن يحرم بالحج والعمرة ~~معا في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه معا، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر ~~الحج ثم قبل الطواف أدخل الحج عليها يصير قارنا. والتمتع هو أن يحرم ~~بالعمرة من ميقات بلده في أشهر الحج ويأتي بأعمالها، ثم يحج في هذه السنة ~~من مكة. سمي تمتعا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما بعد التحلل من العمرة ~~وقبل الإحرام بالحج، وأنه أيضا يربح ميقاتا لأنه لو أحرم بالحج من ميقات ~~بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج إلى أن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم ~~بالعمرة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخروج لأنه يحرم بالحج من جوف مكة. ولا ~~خلاف بين أئمة الأمة في جواز هذه الوجوه، وإنما الخلاف في الأفضلية فقال ~~الشافعي: أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران. وقال في اختلاف الحديث: ~~التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك. والإمامية قالوا: لا يجوز لغير حاضري ~~المسجد الحرام العدول عن التمتع إلا لضرورة. وقال أبو حنيفة، القران أفضل ~~ثم الإفراد ثم التمتع. وهو قول المزني وأبي إسحق المروزي. وقال أبو يوسف ~~ومحمد: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. حجة الشافعي في أفضلية الإفراد ~~قوله وأتموا الحج والعمرة لله وذلك أن العطف يقتضي المغايرة وأنها تحصل عند ~~الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد هو حج وعمرة معا. وأيضا ~~الأعمال عند الإفراد أكثر فيكون الثواب أكثر وذلك هو الفضل. وما # روي عن أنس أنه قال: كنت واقفا عند جران ناقة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكان لعابها يسيل على كتفي فسمعته يقول: لبيك بعمرة وحجة معا. # معارض بما # روى مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج، ~~وهكذا روى جابر وابن عمر. # وقد رجح الشافعي رواية عائشة وجابر وابن عمر على رواية أنس بأنهم أعلم ms0662 ~~وأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقدم صحبة، أن أنسا كان صغيرا في ~~ذلك الوقت قليل العلم. # حجة القائلين بأفضلية القران: أن في القران مسارعة إلى النسكين، وفي ~~الإفراد ترك المسارعة إلى أحدهما، فيكون أفضل لقوله وسارعوا [آل عمران: ~~133] وأجيب بأنا لا نقول الحجة المفردة بلا عمرة أفضل من الحجة المقرونة، ~~لكنا نقول: من أتى بالحج في وقته ثم بالعمرة في وقتها، فمجموع هذين الأمرين ~~أفضل من الإتيان بالحجة المقرونة، واختلف في تفسير الإتمام في قوله تعالى ~~وأتموا. # فعن علي رضي الله عنه وابن عباس # PageV01P537 # وابن مسعود: أن إتمامهما أن تحرم من دويرة أهلك. # وقال أبو مسلم: المعنى أن من نوى الحج والعمرة لله وجب عليه الإتمام قال: ~~ويدل على صحة هذا التأويل أن الآية نزلت بعد أن منع الكفار النبي صلى الله ~~عليه وسلم في السنة الماضية عن الحج والعمرة. فالله تعالى أمر رسوله في هذه ~~الآية بأن لا يرجع حتى يتم الفرض. ويعلم منه أن تطوع الحج والعمرة كفرضهما ~~في وجوب الإتمام. وقال الأصم: المراد إتمام الآداب المعتبرة فيهما وهي عسرة ~~على ما ذكر في الإحياء الأول: في المال، فينبغي أن يبدأ بالتوبة ورد ~~المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لكل من تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ~~ويرد ما عنده من الودائع ويستصحب من المال الطيب الحلال ما يكفيه لذهابه ~~وإيابه من غير تقتير، بل على وجه يمكنه معه التوسع في الزاد والرفق ~~بالفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه ويشتري لنفسه دابة قوية على الحمل أو ~~يكتريها. الثاني: الإخوان والرفقاء المقيمون يودعهم ويلتمس أدعيتهم فإن ~~الله تعالى جعل في دعائهم خيرا. والسنة في الوداع أن يقول: أستودع الله ~~دينك وأمانتك وخواتيم عملك. الثالث: إذا هم بالخروج صلى ركعتين يقرأ في ~~الأولى بعد «الفاتحة» ، قل يا أيها الكافرون وفي الثانية «الإخلاص» وبعد ~~الفراغ يتضرع إلى الله تعالى بالإخلاص. الرابع: إذا حصل على باب الدار قال: ~~بسم الله، توكلت عل الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكلما ms0663 ~~كانت الدعوات أكبر كان أولى. الخامس: إذا ركب قال: بسم الله وبالله والله ~~أكبر، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون [الزخرف: 13] السادس: في النزول. والسنة أن يكون أكثر سيره ~~بالليل ولا ينزل حتى يحمى النهار، وإذا نزل صلى ركعتين ودعا الله كثيرا. ~~السابع: انق قصده عدو أو سبع بالليل أو بالنهار فليقرأ آية الكرسي وشهد ~~الله [آل عمران: 18] و «الإخلاص» و «المعوذتين» ثم يقول: تحصنت بالله ~~العظيم واستعنت بالحي الذي لا يموت. الثامن: مهما علا نشزا من الأرض في ~~الطريق يستحب أن يكبر ثلاثا. التاسع: أن لا يكون هذا السفر مشوبا بشيء من ~~الأغراض العاجلة كالتجارة وغيرها. العاشر: أن يصون لسانه عن الرفث والفسوق ~~والجدال، ثم بعد الإتيان بهذه المقدمات يأتي بجميع أركان الحج على الوجه ~~الأصح الأقرب إلى موافقة الكتاب والسنة، ويكون غرضه في كل هذه الأمور ~~ابتغاء مرضاة الله تعالى ليكون مؤتمرا لقوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة ~~لله اقتداء بإبراهيم عليه السلام حين ابتلي. بكلمات فأتمهن. وقيل: المراد ~~من قوله: # وأتموا أفردوا كل واحد منهما بسفره ويؤيد هذا تأويل من قال الإفراد أفضل. ~~وأقرب هذه الأقوال ما يرجع حاصله إلى معنى ائتوا بالحج والعمرة تامين ~~كاملين بمناسكهما # PageV01P538 # وشرائطهما وآدابهما لوجه الله بدليل قوله فإن أحصرتم قال أحمد بن يحيى ~~أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب. ~~والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض. فكأن كلا منها محبوس مع ~~غيره، والحصير المحبس أيضا. والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو. ~~يقال: حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه. وعن أبي عبيدة وابن السكيت ~~والزجاج وغيرهم: أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال تعالى ~~الذين أحصروا في سبيل الله [البقرة: 273] وقيل: الإحصار مختص بمنع العدو. ~~ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن ms0664 عباس: لا حصر إلا حصر العدو. وفائدة الخلاف ~~في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس ~~العدو ثابت. وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟ قال أبو حنيفة: يثبت. وقال ~~الشافعي ومالك وأحمد: لا يثبت، بل يصبر حتى يبرأ. نعم لو شرط أنه إذا مرض ~~تحلل صح الشرط لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم مر بضباعة بنت الزبير فقال: أما تريدين الحج؟ ~~فقالت: إني شاكية. فقال: حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست. # وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد، حجة أبي حنيفة ظاهر ~~كلام أكثر أهل اللغة، وما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من ~~قابل» «1» # وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة. وأيضا الهمزة ~~في أحصروا ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود، أو ~~لصيرورته ذا كذا فيؤول المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى ~~النزاع، وأيضا المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي، والمريض لا قدرة له على ~~الفعل فلا مانع بالنسبة إليه، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون ~~المرض. وأيضا لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين. ~~وأيضا لو كان المريض داخلا في المحصر لكان في قوله فمن كان منكم مريضا نوع ~~تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه. واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر ~~لأن له حكما خاصا وهو حلق الرأس، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم ~~بدم، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم، وأيضا فإذا أمنتم يناسب الخوف من ~~العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن. ولو قيل: إن خصوص آخر الآية لا ~~يقدح في عموم أولها قلنا: لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة. PageV01P539 # وقيل: إنه منع المرض خاصة وهو باطل بالدلائل المذكورة وزيادة وهي أن ~~المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول الآية أن الكفار أحصروا النبي ms0665 صلى الله ~~عليه وسلم بالحديبية. والأئمة وإن اختلفوا في أن الآية هل تتناول غير سبب ~~النزول أم لا، إلا أنهم اتفقوا على أن خروج ذلك السبب غير جائز. ثم في ~~الآية إضماران، والتقدير: فتحللتم أو أردتم التحلل فعليكم ما استيسر، أو ~~فاهدوا ما استيسر أي ما تيسر مثل استعظم وتعظم واستكبر وتكبر. أما الإضمار ~~الأول فلأن نفس الإحصار لا يوجب هديا وإنما الموجب هو التحلل أو نية ~~التحلل. وأما الإضمار الثاني فلأن قوله: فما استيسر إما مرفوع على الابتداء ~~وخبره محذوف، أو منصوب على المفعولية وناصبه محذوف. والهدي جمع هدية كما ~~يقال في جدية السرج وهي شيء محشو تحت دفتي السرج جدي. وقرىء من الهدي جمع ~~هدية كمطية ومطي، وهذه لغة تميم. ومعنى الهدي ما يهدى إلى بيت الله تقربا ~~إليه بمنزلة الهدية. # عن علي وابن عباس والحسن وقتادة رضي الله عنهم: أعلاها بدنة وأوسطها بقرة ~~وأدونها شاة. # فعليه ما تيسر له من هذه الأجناس، والمحصر المحرم إذا أراد التحلل وذبح، ~~وجب أن ينوي التحلل. البتة قبل الذبح، وأكثر الفقهاء على أن حكم العمرة في ~~الإحصار حكم الحج، وعن ابن سيرين: أنه لا إحصار فيها لأنها غير موقتة. ورد ~~بأن قوله تعالى: فإن أحصرتم مذكور عقيب الحج والعمرة فكان عائدا إليهما، ~~وبأنه صلى الله عليه وسلم تحلل بالإحصار عام الحديبية وكان معتمرا. # وما حد الإحصار؟ قالت العلماء: لو منعوا ولم يتمكنوا من المسير إلا ببذل ~~مال فلهم أن يتحللوا ولا يبذلوا المال وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في ~~أداء الحج بل يكره البذل إن كان الطالبون كفارا، والأكثرون على إنه لا يجب ~~القتال على الحجيج وإن كان العدو كفارا وكان في مقابلة كل مسلم أقل من ~~مشركين ولو قاتلوا فلهم لبس الدروع والمغافر، لكنهم يفدون كما لو لبسوا ~~المخيط لدفع حر أو برد، لا فرق على الأصح في جواز التحلل بين أن يمنعوا من ~~المضي دون الرجوع أو يمنعوا من جميع الجوانب، لأنهم يستفيدون بالتحليل ~~الأمن من العدو ms0666 المواجه. ولو صد عن طريق وهناك طريق آخر ووجدوا شرائط ~~الاستطاعة فيه لزمهم سلوكه ولم يكن لهم التحلل في الحال، وإذا سلكوه ففاتهم ~~الحج لحزونته أو لطوله تحللوا بعمل عمرة ولا يلزمهم القضاء على الأظهر من ~~قولي الشافعي، لأنهم بذلوا مجهودهم فصاروا كالمصدودين مطلقا، نعم لو استوى ~~الطريقان من كل وجه وجب القضاء لأن الموجود فوات محض. وفي قوله تعالى: ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي ~~محله، # PageV01P540 # بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر. فالتقدير: حتى يبلغ الهدي محله وينحر. ~~وإنما جاز تذكير الهدي لأن كل ما يفرق بين واحده وبينه بالتاء وعدمه جاز ~~تذكيره وتأنيثه. قال تعالى: أعجاز نخل منقعر [القمر: 20] وفي موضع آخر: ~~أعجاز نخل خاوية [الحاقة: 7] والمحل اسم للزمان الذي يحصل فيه الحل، ومنه ~~محل الدين لوقت وجوب قضائه أو اسم للمكان. قال الشافعي: يجوز إراقة دم ~~الإحصار في الحرم بل حيث حبس. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك إلا في الحرم يبعث به ويجعل للمبعوث على يده ~~يوم أمار. حجة الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم أحصر بالحديبية فنحر هناك. ~~وأجيب بأن محصره طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة وهو من الحرم. # وعن الزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هدية في الحرم # وقال الواقدي: الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة. ورد بقوله ~~تعالى هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~[الفتح: 25] فإن هذه الآية صريحة في أنهم نحروا الهدي في غير الحرم. وأيضا ~~قوله فإن أحصرتم يتناول كل من كان محصرا سواء كان في الحل أو في الحرم. ~~وقوله: # فما استيسر يدل على وجوب النحر فيجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدم ~~حيث أحصر. وأيضا التحلل موقوف على النحر فلو توقف النحر على وصوله إلى ~~الحرم لم يحصل التحلل في الحال وهذا يناقض ما هو المقصود من شرع الحكم وهو ~~تخليص النفس من العدو في الحال. وأيضا لو ms0667 كان الموصل إلى الحرم هو المحصر ~~فكيف يؤمر بهذا الفعل مع قيام الخوف؟ وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير ~~فماذا يفعل؟ حجة أبي حنيفة أن المحل عبارة عن مكان الحل. وقوله حتى يبلغ ~~الهدي محله يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى ذلك المكان. وأيضا هب أن لفظ ~~المحل يشمل الزمان والمكان إلا أن قوله تعالى: ثم محلها إلى البيت العتيق ~~[الحج: 33] وقوله هديا بالغ الكعبة [المائدة: # 95] يزيل احتمال الزمان والبيت نفسه لا يراق فيه الدماء، فتعين أن يكون ~~هو الحرم، وأجيب بأن كل ما وجب على المحرم في ماله من فدية وجزاء وهدي لا ~~يجزىء إلا في الحرم لمساكين أهله إلا إذا عطب الهدي فيذبح في طريقه ويخلى ~~بينه وبين المساكين، وإلا إذا أحصر فإنه ينحر هديه حيث حبس بالدلائل ~~المذكورة. قالوا: الهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها إلى دار المهدي إليه، ~~فالهدي كذلك. ورد بأن هذا تمسك بالاسم وهو محمول على الأفضل عند القدرة. ~~والمحصر إذا كان عادما للهدي فهل له بدل ينتقل إليه؟ # للشافعي فيه قولان: أحدهما لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا وبه قال ~~أبو حنيفة لأنه تعالى أوجب له الهدي وما أثبت له بدلا، وعلى هذا فماذا ~~يفعل؟ فيه قولان: أصحهما أنه يتحلل في الحال كما لو صام بدله كيلا تعظم ~~المشقة، والآخر وإليه ميل أبي حنيفة أنه # PageV01P541 # يقيم على إحرامه حتى يجده. والقول الثاني أن له بدلا وهذا أصح وبه قال ~~أحمد قياسا على سائر الدماء الواجبة على المحرم، وعلى هذا فما ذلك البدل؟ ~~الأصح الطعام لأن قيمة الهدي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد النص إلا ~~بالهدي فالرجوع إلى الأقرب أولى. ثم الصيام عن كل مد يوما. وفي قول صوم ~~المتمتع عشرة أيام. وقيل: صوم الأذى ثلاثة أيام. وبالجملة فالآية دلت على ~~أن المحصرين لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر ~~من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا ms0668 بعد تقديم الصدقة ومعنى ~~حتى يبلغ الهدي محله حتى تنحروا هديكم حيث حبستم، أو حتى تعلموا أن الهدي ~~الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ مكانه الذي يجب أن ينحر فيه أي الحرم. ولكن ~~الأفضل في الحج منى وفي العمرة المروة. ولا بد من نية التحلل عند الذبح لأن ~~الذبح قد يكون للتحلل وقد يكون لغيره، فلا بد من قصد صارف فإن كان مصدودا ~~عن البيت دون أطراف الحرم فهل له أن يذبح في الحل؟ أصح الوجهين عند الشافعي ~~أن له ذلك، وإذا أحصر فتحلل نظر إن كان نسكه تطوعا فلا قضاء عليه وبه قال ~~مالك وأحمد لأن المصدودين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ألفا ~~وأربعمائة، والذين اعتمروا معه في عمرة القضاء كانوا نفرا يسيرا ولم يأمر ~~الباقين بالقضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء. وإن لم يكن نسكه تطوعا نظر ~~إن لم يكن مستقرا عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان ~~وكالنذر والقضاء فهو باق في ذمته كما لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ~~ذمته، ومهما أحصر بمرض ونحوه. وقد صححناه بالآية فحكم الهدي ما مر في ~~الإحصار بالعدو وإن صححناه بأن كان قد شرط التحلل به إذا مرض فهل يلزمه ~~الهدي للتحلل؟ فإن كان قد شرط التحلل بالهدي فنعم، وإن كان قد شرط التحلل ~~بلا هدي فلا وكذا إن أطلق على الأظهر لمكان الشرط. # قوله عز من قائل: فمن كان منكم مريضا قيل: إنه مختص بالمحصر. وذلك أنه ~~قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله تعالى أذن ~~له في إزالة ذلك المؤذي بشرط بذل الفدية. والأكثرون على أنه كلام مستأنف في ~~كل محرم لحقه مرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو أذى في رأسه فاضطر إلى الحلق. ~~والنسك العبادة وقرىء بالتخفيف، وقيل: جمع نسيكة وهي الذبيحة. قال ابن ~~الأعرابي: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، ثم قيل: للمتعبد «ناسك» ~~لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها ms0669 كالسبيكة المخلصة من الخبث. ثم قيل ~~للذبيحة نسك لأنها من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله، واتفقوا في ~~النسك على أن أقله شاة كما في الأضاحي، وأما # PageV01P542 # الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما وبماذا يحصل ~~بيانه؟ فيه قولان: أحدهما وعليه أكثر الفقهاء. ومنهم الشافعي وأبو حنيفة أن ~~بيانه في # حديث كعب بن عجرة قال: حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل ~~يتناثر على وجهي فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا أما تجد شاة؟ فقلت: ~~لا. قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق ~~رأسك. فنزلت في خاصة وهي لكم عامة # وثانيهما عن ابن عباس والحسن الصيام كصيام المتمتع عشرة أيام والإطعام ~~مثل ذلك في القدر. قال العلماء المرض قد يحوج إلى اللباس أو إلى الطيب أو ~~إلى الدهن وفي كل منها نوع استمتاع فألحقوا فدية نحو هذه المحظورات بفدية ~~الحلق لاشتراك الجميع في الترفه. والحاصل أنه يدخل فيه كل محظورات الإحرام ~~سوى الجماع ففيه بدنة ثم بقرة ثم سبع شياه ثم طعام بقيمة البدنة ثم صيام ~~بعدد الأمداد كما يجيء في قوله تعالى فلا رفث [البقرة: 197] وسوى الصيد ~~ففيه الجزاء على ما يجيء تفصيله في المائدة. وفي هذه الآية أيضا إضماران أي ~~فحلق فعليه فدية فإذا أمنتم إن كان معناه الأمن بعد الخوف قبل التحلل فجواب ~~الشرط وهو فامضوا محذوف. وإن كان معناه إذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن ~~وسعة فقوله فمن تمتع الشرط مع الجزاء جواب الشرط الأول ولا وقف على أمنتم ~~ومعنى التمتع التلذذ. وأصله الطول حبل مانع أي طويل. وكل من طالت صحبته مع ~~الشيء فهو متمتع به. وقد عرفت معنى التمتع بالعمرة إلى الحج وهو أن يقدم ~~مكة فيعتمر في أشهر الحج ثم يقيم حلالا بمكة حتى ينشىء منها الحج فيحج من ~~عامه ذلك. # والتمتع بهذا الوجه صحيح لا كراهة فيه. وما يروى أن عمر خطب وقال: متعتان ms0670 ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة ~~النساء ومتعة الحج، ذكر الأئمة أن تلك المتعة هي أن يجمع بين الإحرامين ثم ~~يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ. # وعن أبي ذر أنه قال: ما كانت متعة الحج إلا لنا خاصة. يعني الركب الذين ~~كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون ~~العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور، فلما أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إبطال ذلك الاعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من ~~الحج إلى العمرة. وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم، فلهذا المعنى كان نسخ ~~الحج في أشهر الحج خاصا بهم. ومعنى التمتع بالعمرة إلى الحج أنه يتمتع ~~بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة إلى أوان الحج، وقيل: استمتاعه ~~بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه بالتقرب بها إلى الله قبل الانتفاع بتقربه ~~بالحج ولوجوب الدم على المتمتع شروط منها: أن لا يكون من حاضري المسجد # PageV01P543 # الحرام لقوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويجيء تمام ~~الكلام فيه عما قريب ومنها أن يحرم بالعمرة من الميقات فإن جاوزه مريدا ~~النسك ثم أحرم بها فإن كان الباقي أقل من مسافة القصر فليس عليه دم التمتع ~~ولكن يلزمه دم الإساءة، وإن كان الباقي مسافة القصر فعليه دمان. ومنها أن ~~يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم وفرغ من أعمالها قبل أشهر الحج ثم حج ~~لم يلزمه الهدي لأنه أشبه الإفراد، ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع ~~أفعالها في أشهره فأصح قولي الشافعي أنه لا يلزمه الدم، وبه قال أحمد لأنه ~~لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج لتقدم أحد أركان العمرة. ولو سبق الإحرام ~~مع بعض الأعمال قبل أشهر الحج فعدم وجود الدم أولى. وعن مالك أنه مهما حصل ~~التحلل في أشهر الحج وجب الدم. وعند أبي ms0671 حنيفة إذا أتى بأكثر أعمال العمرة ~~في الأشهر كان متمتعا. ومنها أن يقع الحج والعمرة في سنة واحدة، فلو اعتمر ~~ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد ~~لأن الدم إنما يجب إذا زاحم بالعمرة حجة في وقتها وترك الإحرام بحجة من ~~الميقات مع حصوله في وقت الإمكان ولم يوجد. وعن سعيد بن المسيب قال: كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج وإذا لم يحجوا في ~~عامهم ذلك لم يهدوا. ومنها أن يحرم بالحج من جوف مكة بعد الفراغ من العمرة، ~~فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحج فلا دم عليه لأنه لم ~~يربح ميقاتا. وفي اشتراط نية التمتع وجهان: أصحهما لا تشترط كما لا تشترط ~~نية القران، وهذا لأن الدم منوط بربح أحد السفرين. ولا يختلف ذلك بالنية ~~وعدمها ويخالف اشتراط نية الجمع بين الصلاتين من حيث إن أشهر الحج كما هي ~~وقت الحج فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصلاة. ثم إن دم التمتع دم جبران ~~الإساءة حتى لا يجوز له أن يأكل منه، أو دم نسك حتى يجوز أن يأكل. ذهب أبو ~~حنيفة إلى الثاني ومال الشافعي إلى الأول لما # روي أن عثمان كان ينهى عن المتعة فقال له علي رضي الله عنه: # أعمدت إلى رخصة أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم للغريب للحاجة ~~فأبطلتها؟ فسمى المتعة رخصة، # وهذا دليل النقص. وأيضا التمتع تلذذ وأنه ينافي العبادة لأنها مشقة ~~وتكليف. وأيضا إنه تعالى أوجب الهدي على المتمتع بلا توقيت، ولو كان نسكا ~~كان موقتا. وأيضا للصوم فيه مدخل ودم النسك لا يبدل بالصوم، والكلام في ~~مراتب هذا الهدي كما مر وينبغي أن يكون الإبل ثنيا وهو الطاعن في السنة ~~السادسة، وكذا البقر وهو الطاعن في السنة الثالثة، ويجزىء كل من الإبل ~~والبقر عن سبعة شركاء. ولو اقتصر على الغنم فليكن ثني المعز وهو الذي دخل ~~في السنة الثالثة، أو جذع ms0672 الضأن وهو أيضا في السنة الثانية، يستوي في # PageV01P544 # هذا الباب الذكر والأنثى ويستحب أن يذبح يوم النحر، ولو ذبح بعد ما أحرم ~~بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق فترتب عليه الهدي جبرا له. وكذا قبل الإحرام ~~بالحج وبعد التحلل من العمرة على الأصح، لأنه حق مالي تعلق بسببين وهما ~~الفراغ من العمرة والشروع في الحج. فإذا وجد أحدهما بأن إخراجه كالزكاة ~~والكفارة. وعند أبي حنيفة لا يجوز بناء على أنه نسك كدم الأضحية فيختص بيوم ~~النحر وبه قال مالك وأحمد. فمن لم يجد الهدي وقيس عليه ما إذا لم يجد ما ~~يشتريه به أو بيع بثمن غال، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج. # قال الشافعي: أي بعد الإحرام بالحج لأنه تعالى جعل الحج ظرفا للصوم، ولا ~~يصلح سائر أفعال الحج ظرفا له فلا أقل من الإحرام. وأيضا ما قبل الإحرام ~~بالحج ليس وقتا للهدي الذي هو أصل فكذا لبدله، وقال أبو حنيفة، أي في وقت ~~الحج وهو أشهره فجاز أن يصوم بعد الإحرام بالعمرة. وبمثله قال أحمد في ~~رواية، وفي أخرى قال: يجوز بعد التحلل من العمرة، ولا يجوز أن يصوم شيئا ~~منها في يوم النحر ولا في أيام التشريق كما مر في الصوم. والمستحب أن يصوم ~~الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة، فإن الأحب للحاج يوم عرفة أن يكون مفطرا كيلا ~~يضعف عن الدعاء وأعمال الحج، ولم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة بل # يروى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة. # ويحكى عن أبي حنيفة أن الشخص إن كان بحيث لا يضعف فالأولى أن يصوم حيازة ~~للفضيلتين. ويعلم مما ذكرنا أنه يستحب أن يحرم بالحج قبل يوم عرفة بثلاثة ~~أيام ليصوم فيها. وأما الواجد للهدي فالمستحب له أن يحرم يوم التروية بعد ~~الزوال متوجها إلى منى لما # روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توجهتم إلى منى ~~فأهلوا بالحج» «1» # وإذا فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه القضاء عند الشافعي ms0673 لأنه صوم ~~واجب فلا يسقط بفوات وقته كصوم رمضان، وإذا قضاها لم يلزمه دم خلافا لأحمد. ~~وعند أبي حنيفة يسقط الصوم بالفوات ويستقر الهدي في ذمته وسبعة إذا رجعتم ~~للشافعي في المراد من الرجوع قولان: أصحهما الرجوع إلى الأهل والوطن لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتمتعين «من كان معه هدي فليهد ومن لم ~~يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم» # والثاني أن المراد منه الفراغ من أعمال الحج وبهذه قال أبو حنيفة وأحمد ~~كأنه بالفراغ رجع عما كان مقبلا عليه من الأعمال. وعلى الأصح لو توطن مكة ~~بعد فراغه من الحج صام بها، وإن لم يتوطنها لم يجز صومه بها ولا في الطريق ~~على الأصح لأنه تقديم العبادة البدنية على وقتها. ثم إذا لم يصم الثلاثة في ~~الحج حتى فرغ ورجع لزمه صوم العشرة عند الشافعي. وهل يجب التفريق في القضاء ~~بين الثلاثة PageV01P545 # والسبعة؟ الأصح عند إمام الحرمين وطائفة وبه قال أحمد أنه لا يجب لأن ~~التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في ~~الصلوات المؤداة. والأصح عند أكثر أصحاب الشافعي وجوب التفريق كما في ~~الأداء. ويفارق تفريق الصلوات فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق ~~بالفعل وهو الحج. والرجوع وما قدر ما يقع به التفريق أصح الأقوال التفريق ~~بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة بناء على أصلين ~~سبقا أحدهما: أن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق، والثاني أن المراد ~~بالرجوع الرجوع إلى أهله تلك عشرة كاملة طعن فيه بعض الملحدين أن هذا من ~~إيضاح الواضحات. فمن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة وأيضا قوله ~~كاملة يوهم أن هاهنا عشرة غير كاملة وهو محال، فذكر العلماء من فوائده أن ~~الواو في قوله وسبعة ليس نصا قاطعا في الجمع بل قد يكون للإباحة بمعنى أو ~~كما في قوله مثنى وثلاث ورباع [فاطر: 1] وكما في قولك «جالس الحسن وابن ~~سيرين» لو جالسهما جميعا أو واحدا منهما كان ms0674 ممتثلا ففذلكت نفيا لتوهم ~~الإباحة. وأيضا ففائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم ~~تفصيلا وعلى هذا مدار علم السياقة وكفى به إفادة. وأيضا المعتاد أن البدل ~~أضعف حالا من المبدل كالتيمم من الوضوء، فلعل المراد أن هذا البدل كامل في ~~كونه قائما مقام المبدل وهما في الفضيلة سواء، وذكر العشرة لصحة التوصل به ~~إلى هذا الوصف إذ لو اقتصر على تلك جاز أن يعود إلى الثلاثة أو إلى السبعة. ~~وأيضا قوله تلك عشرة كاملة يدفع التخصيص الذي يتطرق إلى كثير من العمومات ~~في الشرع ويصرف الكلام إلى التنصيص. وأيضا إن مراتب الأعداد ثلاث: الآحاد ~~والعشرات والمئات. وهذه من وسائطها فكأنه قال: إنما أوجبت هذا العدد لكونه ~~موصوفا بصفة التوسط والكمال. وأيضا التوكيد طريقة مسلوكة في كلام العرب ~~يعرف منه كون المذكور مما يعقد به الهمم، ففيه زيادة توصية بصيامها وأن لا ~~يتهاون بها ولا ينقص من عددها وأيضا هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل ~~حساب فبين الله تعالى بذلك بيانا قاطعا كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم أشار بيده ~~ثلاث مرات وأمسك إبهامه في الثالثة تنبيها بالإشارة الأولى على الثلاثين، ~~وبالثانية على التسعة والعشرين. # وأيضا فيه إزالة الاشتباه والتصحيف الذي يمكن أن يتولد من تشابه سبعة ~~وتسعة في الخط. # وأيضا يحتمل أن يراد كاملة في الإجزاء حتى لا يتوهم أنها بسبب التفريق ~~غير مجزئة كما لا يجزىء في كفارات الظهار والقتل ووقاع رمضان إلا الصوم ~~المتتابع. وأيضا يحتمل أن يكون خبرا في معنى الأمر أي فلتكن تلك الصيامات ~~كاملة لتسد الخلل ويكون الحج # PageV01P546 # المأمور به تاما كاملا كما قال وأتموا الحج والعمرة لله. # واعلم أن الصوم مضاف إلى الله تعالى في # قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى «الصوم لي وأنا أجزي ~~به» «1» # والحج أيضا مضاف إليه تعالى في الآية وأتموا الحج والعمرة لله وكما دل ~~النقل على هذا الاختصاص فالعقل أيضا يدل على ms0675 ذلك. أما الصوم فلأنه عبادة لا ~~يطلع عليها إلا الله سبحانه وهو مع ذلك شاق على النفس جدا، وأما الحج فلأنه ~~عبادة لا يطلع العقل البتة على وجوه الحكمة فيها وهو مع ذلك شاق جدا لأنه ~~يوجب مفارقة الأهل والولد ويقتضي التباعد عن أكثر اللذات والاستمتاعات، فكل ~~منهما لا يؤتى به إلا لمحض ابتغاء مرضاة الله تعالى. ثم إن هذا الصوم بعضه ~~واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين مشقتين، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج ~~وهو انتقال من مشقة إلى مشقة، والأجر على قدر النصب، فلا جرم وصفه الله ~~تعالى بالكمال في باب العبادة والتنكير في اللفظ أيضا يؤيد ذلك زادنا الله ~~اطلاعا على لطائف قرآنه العظيم ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~اختلف العلماء في أن المشار إليه ماذا؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه إشارة ~~إلى التمتع وما ترتب عليه لأنه ليس البعض أولى من البعض فيعود إلى كل ما ~~تقدم فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي: بل عودة إلى ~~الأقرب أولى وهو الحكم بوجوب الهدي على المتمتع. وأيضا قوله فمن تمتع عام ~~يشمل الحرمي والميقاتي والآفاقي. وأيضا إنه تعالى شرع القرآن والمتعة إبانة ~~لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج، والنسخ ~~يثبت في حق الناس كافة. ويتفرع على مذهب أبي حنيفة أن من تمتع أو قرن من ~~حاضري المسجد الحرام كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه. وعلى مذهب ~~الشافعي أن يصح تمتعهم وقرانهم ولا يجب عليهم شيء، فإن لزوم الهدي على ~~الآفاقي بسبب أنه أحرم من الميقات عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات ~~فيلزمه جبر الخلل بدم. والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات فلا خلل في ~~حجة تمتع أو قرن أو أفرد، فلا يلزمه الهدي ولا بد له. ثم اختلفوا في حاضري ~~المسجد الحرام فعن مالك أنهم أهل مكة وأهل ذي طوى. وعن طاوس هم أهل الحرم. ~~وعن الشافعي ms0676 هم الذين يكونون على أقل من مسافة القصر من مكة، فإن ~~PageV01P547 # كانوا على مسافة القصر فليسوا من الحاضرين، وبه قال أحمد. وعن أبي حنيفة ~~أنهم أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة. والمواقيت: ذو الحليفة على عشر مراحل ~~من مكة وعلى ميل من المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب على خمسين ~~فرسخا من مكة، ويلملم من صوب اليمن وقرن لنجد الحجاز، وذات عرق من صوب ~~المشرق والعراق وخراسان وكل هذه الثلاثة من مكة على مرحلتين. فهذه هي ~~المذاهب وأوفقها للآية. مذهب مالك لأن أهل مكة هم الذين يحضرون المسجد ~~الحرام. إلا أن الشافعي قال: قد يطلق المسجد الحرام على الحرم قال تعالى ~~سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام [الإسراء: 1] ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسري به من الحرم لا من المسجد. وقد يقال: حضر فلان فلانا ~~إذا دنا منه. ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في ~~نفس مكة. وفي مذهب أبي حنيفة بعد، فإن يؤدي إلى إخراج القريب من الحاضرين ~~وإدخال البعيد لتفاوت مسافات المواقيت، ثم إن مسافة القصر مرعية من نفس مكة ~~أو من الحرم الأعراف هو الثاني لما قلنا إن المسجد الحرام يراد به جميع ~~الحرم. قال الفراء: ذلك لمن لم يكن معناه ذلك الفرض الذي هو الدم أو الصوم ~~لازم على من لم يكن من أهل مكة # كقوله صلى الله عليه وسلم «اشتراطي لهم الولاء» # أي عليهم وذكر حضور الأهل والمراد حضور الحرم لأن الغالب على الرجل أنه ~~يسكن حيث أهله ساكنون واتقوا الله في محافظة حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه ~~في الحج وغيره واعلموا أن الله شديد العقاب لمن تهاون بحدوده. قال أبو ~~مسلم: العقاب والمعاقبة سيان، واشتقاقهما من العاقبة كأنه يراد عاقبة فعله ~~السيء كقول القائل «لتذوقن فعلك» . ### | التأويل: # حج الخواص حج رب البيت وشهوده وهذه سيرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كما ~~قال إني ذاهب إلى ربي [الصافات: 99] ولكنه أحصر في السماء السابعة فلا جرم ~~أهدى ms0677 بإسماعيل، ولما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وكان ذهابه بالله ما ~~أحصره شيء فقيل له وأتموا الحج والعمرة لله وجرى ما جرى فكان قاب قوسين أو ~~أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 9، 10] ثم قال لأمته: اسعوا في إتمام ~~صورة الحج بقدر استطاعتكم، وفي الحقيقة بأن تخرجوا وجودكم فإن أحصرتم ~~بأعداء النفس والهوى أو لملال القلب أو لكلال الروح أو باستجلاء الأحوال أو ~~بتمني الآمال فما استيسر من الهدي أعلاها الروح وأوسطها القلب وأدناها ~~النفس يهدي ما كان الإحصار به. ولا تحلقوا لا تشتغلوا بغير الله حتى تبلغوا ~~المقصد، فإن عرض مرض في الإرادة أو يعلوه أذى من المزاحمات من غير فترة من ~~نفسه فلم يجد بدا من الإناخة بفناء الرخص، فليجتهد أن يتداركه بالفدية فقد # PageV01P548 # قيل: من أقبل على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ~~ناله، والصيام هو الإمساك عن المشارب والصدقة الخروج عن المعلوم، والنسك ~~ذبح النفس في مقاساته الشدائد فإذا أمنتم الإحصار وأقبل الجد الصاعد ~~والزمان المساعد فمن تمتع بالعمرة إلى الحج واستراح في الطلب فما استيسر من ~~الهدي من ترك مشارب الروح والقلب والنفس فمن لم يجد لم يستطع ترك تلك ~~المشارب لعلو شأنها وعظم مكانها فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثلاث ~~المدركة للمعاني والمتصرفة فيها وهي الوهم والحافظة والمتخيلة، هذا إذا كان ~~في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصورة أمسك عن القوى السبع مشار بها ~~وهي الحس المشترك والخيال، لأن الأولى مدركة الصور، والثانية معينتها على ~~الحفظ وبعدهما الحواس الخمس الظاهرة تلك عشرة كاملة هي الحواس الظاهرة ~~والباطنة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لأن الحاضر في مقام ~~القرب والأنس لا يخاطب ولا يعاتب وإنما يلزم العتب، والطلب للسالك والسائر، ~~فإذا وصل فقد استراح. واتقوا أن تسكنوا في فترة أو وقفة أو تركنوا إلى مشرب ~~من هذه المشارب واعلموا أن الله شديد العقاب للغافلين عن هذا الخطاب ~~القانعين بذل الحجاب. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 197 الى ms0678 203] # الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي ~~الألباب (197) ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضالين (198) ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن ~~الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق (200) ومنهم ~~من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) # أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب (202) واذكروا الله في أيام ~~معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ~~واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (203) ### | القراآت: # فلا رفث ولا فسوق بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد. # وزاد يزيد ولا جدال بالرفع. الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن ~~أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، واتقون بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن ~~شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء. ومن تأخر ~~روى هبة الله بن # PageV01P549 # جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين. ### | الوقوف: # معلومات ط في الحج ط يعلمه الله ط التقوى ز للعارض بين الجملتين ~~المتفقتين الألباب ه من ربكم ط لأن «إذا» أجيبت بالفاء فكانت شرطا في ~~ابتداء حكم آخر الحرام ص لعطف المتفقتين هداكم ج لأن الواو تصلح حالا ~~واستئنافا. الضالين ه واستغفروا الله ج رحيم ه ذكرا ط من خلاق ه النار ه ~~مما كسبوا ط الحساب ه نصف الجزء. معدودات ط لأن الشرط في بيان حكم آخر عليه ~~الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف عليه الثانية لا لتعليق اللام. اتقى ط ~~لاختلاف النظم تحشرون ه. ### | التفسير: # من المعلوم أن الحج ليس نفس ms0679 الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر ~~معلومات كقولك «البلد شهران» . أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها ~~خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء. وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج ~~نفس الأشهر كما في قولهم «ليل قائم ونهار صائم» واتفق المفسرون على أن ~~شوالا وذا القعدة من أشهر الحج. واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ~~ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج ~~من رمي الجمار ونحوه. والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى ~~أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر ~~الشهر. وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي ~~والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله ~~تعالى فقد صغت قلوبكما [التحريم: 4] ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال ~~«رأيتك سنة كذا» وإنما رآه في ساعة منها. ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل ~~بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج. والحائض إذا طاف ~~بعده فهو في حكم القضاء. وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت ~~لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة. ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج ~~الأكبر يوم النحر. # وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت ~~بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها. قيل: إنه تعالى جعل كل ~~الأهلة مواقيت للحج في قوله قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] وفي ~~هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات. وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة ~~والخاص مقدم على العام. # وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على ~~التعيين. فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة ~~بين كون جميع الأهلة # PageV01P550 # علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، ms0680 وبين كون ~~الأشهر المعلومات وقتا للحج، ومعنى قوله معلومات أن الحج إنما يكون في ~~السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في ~~السنة مرارا، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا ~~الشرع. وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقا ~~مقررا له. أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة ~~بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء. ثم إن ~~الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، ~~وبه قال أحمد وإسحق. وأيضا الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا ~~على الصلاة. وأيضا الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت ~~مقام ركعتين من الظهر حكما، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى. ~~وأيضا الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن ~~لا ينعقد صحيحا لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء. ~~وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله تعالى قل ~~هي مواقيت للناس والحج [البقرة: 189] والجواب ما مر. قالوا: الإحرام التزام ~~الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر. والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن ~~الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا ~~بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاما فهو أيضا شروع في الأداء وعقد ~~عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت. قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: ~~من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله. وقد تبعد داره بعدا شديدا ~~يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال. والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن ~~تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقا فمن فرض فيهن الحج فمن ألزم نفسه ~~في هذه الشهور أن يحج. وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم ~~عليه حينئذ أشياء كانت حلالا له. ms0681 قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد ~~النية من غير حاجة إلى التلبية. نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك ~~لقوله تعالى فمن فرض وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق ~~الهدي. وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله فلا رفث فوجب أن تكون النية ~~كافية في انعقاد الحج. وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم «لكل امرئ ما نوى» # وأيضا إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ~~ابتدائها كالطهارة والصوم. وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام ~~لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده ~~والتوجه معه يقوم مقام التلبية. وعن ابن عمر أنه قال: # PageV01P551 # إذا قلد أو أشعر فقد أحرم. وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد ~~العمرة أو الحج فقد أحرم. وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها ~~قالت: لا يحرم إلا من أهل أو لبى. وأيضا إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم ~~فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة. # وصورة التلبية ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك ~~لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، # ولا تكره الزيادة على هذا. # روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها. لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك ~~لبيك والرغبى إليك والعمل. # فإن رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة. ثبت ذلك عن رسول صلى ~~الله عليه وسلم. # وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقا تعبدا ورقا. # قال الشافعي في أصح قوليه: # الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكبا، وحين يتوجه إلى ~~الطريق إن كان ماشيا لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم لم يهل حتى انبعثت به دابته، # قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد ~~استواؤها في صوب مكة. فإذا استوت به راحلته متوجها إلى الطريق نوى: اللهم ~~إني أريد الحج فيسره ms0682 لي وتقبله مني ولبى. وإن كان يريد القرآن نوى الحج ~~والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى. والقول الثاني وبه قال أحمد ~~ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي ~~الإحرام وهو قاعد. ثم يأخذ في السير # لرواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين ثم ~~أحرم، # وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائما كان أو قاعدا راكبا أو ~~ماشيا حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، # قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: افعلي ما يفعل ~~الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت. # قوله عز من قائل فلا رفث ولا فسوق ولا جدال من قرأ بفتح الثلاثة أو ~~برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين ~~محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء ~~الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج. وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب ~~فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ~~ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر ~~الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو ~~الرفث والفسوق دون الجدال # بقوله صلى الله عليه وسلم «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته ~~يوم ولدته أمه» «1» # وإنه لم يذكر الجدال. وقيل: الاهتمام بنفي الجدال PageV01P552 # أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرىء كذلك. أما الأول فلأن ~~الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي ~~تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق. ~~وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على ~~أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح. وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن ~~الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع ms0683 أفرادها. وأما الرفع ~~فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوز، فيكون الفتح أدل على عموم ~~النفي. # أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج ~~منها. فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة # ، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل ~~التحللين لقوة الإحرام. ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافا ~~لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية. وأما ~~الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح. وعن مالك وأحمد أنه ~~يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضا بالجماع قبل حصول التحلل. ~~ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد ~~العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللا واحدا وذلك إذا طاف وسعى ~~وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق ~~والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل ~~التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل ~~الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا ~~أتى به حل الجماع أيضا وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول ~~زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى. # قال صلى الله عليه وسلم «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل ~~شيء إلا النساء» # واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافا ~~لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها ~~بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجا منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب ~~المضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد # روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من ~~قابل. # ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة. وخصالها خمس على ~~الترتيب ms0684 بدنة إن وجدها لأن PageV01P553 # الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة ~~دراهم والدراهم طعاما فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوما. ومن النتائج ~~القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي ~~عنه فرضا أو تطوعا فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور ~~لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و «قضى ~~من قابل» . وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن ~~جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمتعدي لا يستحق ذلك. ولو كانت المرأة ~~محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا ~~يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعا. وإذا أفسد حجه بالجماع ثم ~~جامع ثانيا فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى. وإن فدى لم يلزم إلا شاة. ~~وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا ~~المباشرة فيما دون الفرج. فلو باشر شيئا منها عمدا فالفدية. # روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسيا لم يلزمه ~~شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحج ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو ~~لم ينزل، # وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن ~~أحمد. وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها. والرفث باليد اللمس ~~والغمز، والرفث بالفرج الجماع. وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش # لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن ~~امرؤ شاتمه فليقل إني صائم» «1» # وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام. وأما الفسوق ~~فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال تعالى ففسق عن ~~أمر ربه [الكهف: 50] وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال تعالى ولا ~~تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان # وقال صلى الله عليه وسلم «سباب ms0685 المسلم فسوق وقتاله كفر» «2» # وقيل الإيذاء والإيحاش ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ~~[البقرة: # 282] وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه وإنه لفسق [الأنعام: 121] وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة ~~والفسوق ذلك مع PageV01P554 # الأجنبية. وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن ~~كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه. واختلف المفسرون فيه. فعن ~~الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب ~~الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في ~~الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال ~~بعضهم: حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. وقال آخرون: بل حجنا أتم. ~~فنهاهم الله عن ذلك. وقال مالك في الموطأ: # الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح ~~وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب. ~~وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر ~~بسبب ذلك. # فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غدا فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم ~~أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه. قال القفال: ~~ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم ~~بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر ~~منيا. # فقال صلى الله عليه وسلم «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة» # فتركوا الجدال حينئذ. وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم ~~في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم. وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان ~~قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم صلى الله عليه وسلم، قال ~~القاضي أبو بكر الباقلاني: # لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل ms0686 الرفث على ~~الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله تعالى ~~بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر. وإن حملنا الكلام على النهي صح ~~أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، ~~وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة ~~والآداب الحسنة. وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوة الشهوية التي توجب ~~الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوة الغضبية الداعية إلى ~~التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوة الوهمية التي تحمل ~~الإنسان على الخلاف في ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ ~~الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة. ~~واعلم أن الجدال ليس منهيا عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي ~~منشأه صرف العصبية ومحض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض ~~الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط ~~المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات # PageV01P555 # مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ~~ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ~~وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالما به أيضا لنكتة هي أني إذا ~~علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه ~~إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟ وفيه ترغيب ~~للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين # «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «1» # والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما ~~أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير ~~بعد ما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية ~~الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميما لمكارم الأخلاق ~~وتنبيها على شرف النفس وطيب الأعراق ms0687 بدليل قوله وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد. وليس ~~السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك. ~~بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من ~~عذاب أبدي معلوم. زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار ~~السرور. وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة ~~الجلال والقدس. # إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون. ~~ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله سبحانه أن يتزودوا ~~ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن ~~الظلم. وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب ~~عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله تعالى ورفع الوسائط والروابط التي ~~عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح. # روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار ~~وقال: لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني رزقي. فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعا ~~لم يأته شيء PageV01P556 # حتى كاد يتلف. فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا ~~فاقبضني إليك. فألهمه الله تعالى في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل ~~الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا ~~بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته ~~بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن ~~يرزقهم بيد القدرة. وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن ~~خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي. وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله ~~«أنا ms0688 أبو النجم وشعري شعري» يا أولي الألباب يعني أن قضية العقل تقوى الله ~~ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق. ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب ~~المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة ~~وكثرتها يجب أن تكون منهية. وأيضا أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج ~~وأنه أمر غير مستحسن ظاهرا لأن المشتغل بخدمة الله تعالى يجب أن لا يتلوث ~~بالأطماع الدنيوية. وأيضا كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات ~~من الطيب والمباشرة والاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة ~~نزلت. # ليس عليكم جناح أن تبتغوا أي في أن تطلبوا فضلا من ربكم عطاء منه وتفضلا ~~أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله [المزمل: 20] عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد ~~الحج. # قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا كقوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~[الجمعة: 10] وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على ~~موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ ~~فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا ~~يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في ~~خلالها. وأيضا الفاء في قوله فإذا أفضتم ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ~~ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده ~~قراءة ابن عباس فضلا من ربكم في مواسم الحج وقال ابن عباس في سبب نزول ~~الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن ~~البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: ~~هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو ~~الدبيب في السير. قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا ms0689 كان جماعة ولا ~~يقال ذلك للواحد. وقيل: كانت # PageV01P557 # عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، ~~وكانت معايشهم منها. فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج. ومن المعلوم ~~أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة. # وعن ابن عمر أن رجلا قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق ~~الحج، وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا. فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ليس عليكم جناح فدعا به فقال: ~~أنتم حجاج. # وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال: وهل كانت ~~معايشنا إلا من التجارة في الحج؟! # وعن جعفر الصادق رضي الله عنه: أن ابتغاء الفضل هاهنا طلب أعمال أخر ~~زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله تعالى ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة ~~الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان. # واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من ~~المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله [الجمعة: 10] ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل ~~والثواب والجنة والرحمة تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله [الفتح: 29] ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان [النساء: 83] ومنها ما يتعلق ~~بمواهب القربة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء [الحديد: 21] وكان فضل الله عليك ~~عظيما # [النساء: 113] ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل ~~في المباح كما مر في قوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما [البقرة: 158] . # فإذا أفضتم أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة. التقدير: ~~أفضتم أنفسكم. فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا. ~~وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي ~~مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة «ثوب أخلاق» و «برمة أعشار» ~~ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟ فقيل: إنه لم ms0690 يبق ~~علما بعد ما جمع ثم جعل علما لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في ~~الصرف. وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو «مسلمات» ومن ذهب إلى ~~أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين. وأن هذا ~~التنوين تنوين الصرف. قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو «مسلمات ~~وعرفات» ضعيف. فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع ~~المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث. وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة ~~للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثا تقول «هذه عرفات ~~مباركا فيها» ولا يجوز «مباركا فيه» إلا بتأويل بعيد كما في قوله «ولا أرض ~~أبقل إبقالها» فتأنيثها لا يقصر # PageV01P558 # عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة. وقال بعض المتأخرين: الأولى أن ~~يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو «عرفات» لأنه لو سقط لتبعه ~~الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه ~~متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع. ~~هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج هاهنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر ~~كبيت امرئ القيس في رواية. # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي # وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف. فعلى هذين ~~الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية. ~~وقيل: # التنوين عوض من منع الفتحة. واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم ~~التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة. وعرفة وعرفات هي الموضع ~~المخصوص. فقيل: # التروية التفكر. وسببه أن آدم عليه السلام لما أمر ببناء البيت فبناء ~~تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجرا فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت ~~به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك. قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك ~~إذا طافوا به. قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له ms0691 الطائفون من موحدي ~~أولادك. قال: حسبي يا رب حسبي. # وقيل: ان إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه ~~فأصبح متفكرا هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به ~~أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك. وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية ~~إلى منى فيروون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات. وقيل: التروية ~~الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق ~~فيتسعون في الماء بعد ما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزودون ~~الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها ~~حتى رووا. أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحواء عليهما السلام ~~التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل عليه السلام علم ~~آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال: نعم. # أو لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة. عن ~~علي عليه السلام وابن عباس وعطاء والسدي. # أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله وأرنا مناسكنا ~~[البقرة: 128] أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى ~~الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوما بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء ~~البيت في قوله وإذ يرفع # PageV01P559 # إبراهيم القواعد # [البقرة: 127] ولما ذكرنا آنفا من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون ~~فيه إذا وقفوا، أو لأنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة. وقيل: ~~اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ~~ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال. يقال: إن آدم عليه السلام وحواء لما وقفا ~~بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه: الآن عرفتما أنفسكما. ~~وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح ~~طيبة عند الله مقام ضدها. # قال صلى الله عليه وسلم «خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» «1» # وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس ms0692 الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم ~~إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذا من قوله تعالى في المائدة اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3] # عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي ~~صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة في موقف إبراهيم عليه السلام في حجة الوداع ~~وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو ~~يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم. # قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ~~فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين. وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة ~~الواصلين اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: 3] يوم قطيعة ~~القاطعين أن الله بريء من المشركين ورسوله [التوبة: 3] يوم إقالة عثرة ~~النادمين وقبول توبة التائبين ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] يوم وفد ~~الوافدين # في الخبر «الحاج وفد الله والحاج زوار الله وحق على المزور الكريم أن ~~يكرم زائره» # يوم الحج الأكبر وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ~~[التوبة: 3] يوم خص صومه بكثرة الثواب # قال صلى الله عليه وسلم «صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة ~~سنتين» # وقال «من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام ~~يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم» # أقسم الله تعالى به في قوله عز من قائل والشفع والوتر [الفجر: 3] عن ابن ~~عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة ~~المغفرة. # وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر أن يعتق ~~الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم ~~الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا PageV01P560 # ملائكتي أني قد غفرت لهم» # ولا ضير أن نشير هاهنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة. اعلم أنه من ms0693 دخل مكة ~~محرما في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفردا أو قارنا طاف طواف القدوم وأقام ~~على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعا طاف وسعى وحلق وتحلل من ~~عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، ~~وكذلك من أراد الحج من أهل مكة. والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع ~~من ذي الحجة بعد ما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غدا بعد ~~أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال. ثم إن القوم يذهبون يوم ~~التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا ~~إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من ~~شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها. # فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على ~~إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام ~~وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه. ويخفف بحيث يكون ~~فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم ~~الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي. بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه. ثم بعد ~~الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله تعالى ~~ويدعونه إلى غروب الشمس. # والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج # لقوله صلى الله عليه وسلم «الحج عرفة» # فمن فاته عرفة فقد فاته الحج. وقد يستدل بالآية أيضا على ذلك لأنها دلت ~~على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات. والإفاضة من عرفات ~~لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات. وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر ~~الحرام ms0694 ليس بركن لأنه تعالى أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف ~~الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلا حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات. ووقت ~~الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك ~~نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل ~~أو نهار كفى. وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر ~~يوم النحر. وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع ~~بينها وبين العشاء بالمزدلفة. قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى ~~والازدلاف القرب. وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع. وقيل: # PageV01P561 # لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها. ويقال: للمزدلفة جمع ~~لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم عليه ~~السلام اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها. ثم إذا أتى الإمام ~~المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين. # ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة. فإذا طلع الفجر صلوا الصبح ~~بغلس. # والتغليس بالفجر هاهنا أشد استحبابا منه في غيرها وهو متفق عليه. فإذا ~~صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون ~~إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب ~~منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جدا، ثم ~~يدفع قبل طلع الشمس. ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي ~~محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكبا يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى ~~سعيا شديدا قدر رمية حجر. فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع ~~حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعد ما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان ~~معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي. ثم بعد ~~ما ذبح الهدي يحلق ms0695 رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف ~~الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك ~~يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل ~~الرمي. # واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة ~~متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في ~~سيرهم من منى إلى عرفات. والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى ~~منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ~~ويسمى طواف الزيارة أيضا لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في ~~الحال. والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب. ~~أما أنه مسنون فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعلها، وأما أنه ليس ~~بواجب فلما # روي عن عبد الله بن عمرو قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ~~للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي. قال: ارم ~~ولا حرج. وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج. وأتاه ~~آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن ~~شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج. # وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على ~~تفصيل ليس هاهنا موضع بيانه. ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج ~~من سنة إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ~~ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا # PageV01P562 # نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة ~~يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: ~~أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر. وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور ~~الأرض. وثبير جبل هناك فأمر الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بمخالفة ms0696 ~~القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس. وبأن يفيض من ~~المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضا من قبيل الوحي. قال الواحدي: ~~المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام ~~والمبيت به والدعاء عنده. وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل ~~الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، ~~قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي ~~محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام. قال: والصحيح أنه ~~الجبل لما # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر- يعني بالمزدلفة- ~~بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى ~~أسفر. # وقال: عند المشعر الحرام معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه وذلك ~~للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو ~~جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر. والمشعر ~~المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته. وأما الذكر المأمور به هناك ~~فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء. والصلاة تسمى ذكرا قال تعالى ~~وأقم الصلاة لذكري [طه: 14] والدليل عليه أن فاذكروا أمر فهو للوجوب ولا ~~ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد ~~والتهليل. # عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه ~~الليلة لا ينامون كما هداكم «ما» مصدرية أو كافة. أطلق الأمر بالذكر أولا ~~ثم قيده ثانيا. والمعنى: # اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل ~~أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما ~~علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله تعالى ~~توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر ~~بالقلب. أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية ~~الأمر تكريره وتكثيره كقوله يا أيها الذين ms0697 آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ~~[الأحزاب: 41] وعلى هذا فيكون قوله كما هداكم متعلقا بالأمرين جميعا، أو ~~الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره ~~في كل مكان وعلى كل حال. فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى ~~معارج # PageV01P563 # الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال ~~وحرام. أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح ~~والتحميد وإن كنتم من قبله من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل ~~إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم لمن الضالين الجاهلين لا تعرفون كيف ~~تذكرونه وتعبدونه. «وإن» هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها ~~وبين النافية ثم أفيضوا في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات ~~وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا ~~لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى. # وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في ~~الموقف ترفعا وكبرا. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره ~~بإخراج الناس إلى عرفات. # فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟ ~~فلا تذهب. فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر ~~الناس بالوقوف بها. # والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من ~~المزدلفة ومعنى «ثم» التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب ~~والأخرى خطأ كما تقول «أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم» تأتي بثم ~~لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم ~~عطف الشيء على نفسه. وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من ~~عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع. ومن القائلين ~~بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعا. وقوله من ms0698 حيث ~~أفاض الناس المراد به إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام فإن من ~~سنتهما ذلك. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ~~ويخالف الحمس. # وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا مقتدى به. إن إبراهيم ~~كان أمة [النحل: 120] الذين قال لهم الناس [آل عمران: 173] يعني نعيم بن ~~مسعود إن الناس يعني أبا سفيان. ووجه ثالث وهو أن يكون قوله من حيث أفاض ~~الناس عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال «هذا ~~مما فعله الناس قديما» . القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من ~~المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله من حيث ~~أفاض الناس يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من ~~المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والعرب ~~الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله ~~تعالى بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة # PageV01P564 # إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وأورد على هذا القول أن استعمال «حيث» ~~للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به. وعن الزهري: أن ~~الناس في هذه الآية آدم عليه السلام واحتج بقراءة سعيد بن جبير من حيث أفاض ~~الناس بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ولقد عهدنا إلى آدم من ~~قبل فنسي [طه: 115] والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه. ~~واستغفروا الله من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن ~~الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة ~~الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة. ~~والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن ~~النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة ~~وإنهم أرفع حالا ما عبدناك حق عبادتك. وصورة الاستغفار على ما # روى ms0699 البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا ~~عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك ~~وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» «1» # ولو اقتصر على قوله «أستغفر الله» كفى. ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك ~~وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم. أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ذا الجلال والإكرام. من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب ~~إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسنا. # إن الله غفور رحيم بناءان للمبالغة كما مر مرارا. واختلف أهل العلم في ~~المغفرة الموعودة في هذه الآية. فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع ~~بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى ~~بناء على القول الآخر. # قوله عز من قائل فإذا قضيتم مناسككم أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها ~~في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك. وأنه يحتمل أن يكون ~~مصدرا وأن يكون اسم مكان. وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. عن ~~ابن عباس: # أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى ~~وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ~~ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم. فلما أنعم الله ~~عليهم بالإسلام أمرهم أن PageV01P565 # يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم. ثم الفاء في قوله فاذكروا الله تدل على أن ~~الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: ~~هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على ~~الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات ~~المكتوبة. وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم ~~القوى الطبيعية وأمطتم الأذى ms0700 من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير ~~القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية ~~بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات. ومعنى كذكركم آباءكم ~~توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على ~~الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذبا أوجب الدناءة في الدنيا ~~والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقا استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون ~~الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء ~~أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم. وعن الضحاك والربيع: اذكروا ~~الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق «أبه أبه أمه أمه» ~~أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه ~~وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] وقال ~~أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر. والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ~~ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله. وقال ابن الأنباري: العرب أكثر ~~أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آباءكم. # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بالآباء وقال «من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» «1» # وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية فإن الواحد منكم ~~لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف. وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في ~~طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك. # وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر ~~بسوء. # وقوله أو أشد ذكرا إما في موضع جر عطفا على ما أضيف إليه الذكر في قوله ~~كذكركم كما تقول «كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا. وإما في موضع نصف ~~عطفا على آباءكم بمعنى أو أشد ذكرا من آبائكم على أن ذكرا من فعل المذكور ~~وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتد له ms0701 ~~اعتبارات اعتبار PageV01P566 # وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل. وذلك الفعل بأحد الاعتبارين ~~مغاير له بالاعتبار الآخر. وإنما لزم اعتبار الفعل هاهنا من جهة وقوعه على ~~المفعول لأن الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون. ويحتمل أن يقال: ~~المعنى فاذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكرا. ولكن برد عليه أن ~~أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: «وجهك أحسن وجه» ~~أي أحسن الوجوه. فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله «زيد أفره عبدا» ~~. فالفراهة للعبد لا لزيد. والمذكور قبل أشد هاهنا هو الذكر والذكر لا يذكر ~~حتى يقال «أشد ذكرا إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جرا إضافة. وفيه وجه ~~نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكرا مجازا. ويجوز نسبة الذكر إلى ~~الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى ~~جميع الوجوه. فمعنى «أو» هاهنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن ~~الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره «افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه» ~~. وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته ~~الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ~~ولازم الثاني نور وبرهان. ثم إنه تعالى بعد ما أمر بالعبادة تصفية للنفس ~~وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور ~~الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد ~~الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات ~~العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو ~~أن يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة تنبيها على أن ذلك غير مشروع ومن حقه ~~أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب ~~النار. # فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة. # عن أنس أن النبي صلى الله عليه ms0702 وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض ~~فقال له: ما كنت تدعو الله به؟ قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في ~~الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله إنك ~~لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب ~~النار؟ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي. # والإنصاف أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت ~~شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه ~~عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني ~~عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟! ثم المقصرون في الدعاء على طلب ~~الدنيا من هم؟ عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ~~ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وإماء وعبيدا. وذلك # PageV01P567 # لإنكارهم البعث والمعاد. وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على ~~عدونا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم ~~يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا. طلب المأكول ~~والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في ~~الدنيا والآخرة وقال الآخرون. يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا ~~الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة ~~بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم. ~~وقوله ربنا آتنا في الدنيا متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن ~~يكون من قولهم «فلان معط» أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا ~~خاصة. واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل ~~القوة النظرية بالعلم وتتميم القوة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية ~~هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال. وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا ~~يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا. فيطلب العلم لأجل الترفع ~~على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية. ms0703 فلما قال عز ~~من قائل وما له في الآخرة من خلاق أي طلب نصيب حذف مفعول آتنا لأن كل من ~~ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمته إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، ~~فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علما وعملا روحانيا أو جسمانيا. ~~اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب ~~إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. ثم إنه ~~سبحانه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولا. فقال طائفة ~~من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ~~ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان ~~مجابا لا كرامة واجتباء بل مكرا واستدراجا ويؤيده قوله سبحانه من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب [الشورى: 20] وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ~~ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. لأن ~~همته مقصورة على الدنيا. # والحسنتان في دعاء الصالحين. أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية ~~والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى ~~الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة إن تصبك حسنة تسؤهم [التوبة: 50] ~~قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين [التوبة: 52] قيل: إما النصرة وإما ~~الشهادة. وأما في الآخرة فالفوز # PageV01P568 # بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع. صرح بذلك ~~في قوله وقنا عذاب النار وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا ~~والآخرة. روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا: زدنا فأعادها ~~قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة. # وعن علي رضي الله عنه الحسنة في الدنيا المرأة ms0704 الصالحة، وفي الآخرة ~~الحوراء. وعذاب النار امرأة السوء. # وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة ~~التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته. قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا ~~بهذا. # الجسم مني للجليس مجالس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي # وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين. وعن الحسن: هي في الدنيا فهم ~~كتاب الله، وفي الآخرة الجنة. ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز ~~الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلا أو ~~شرعا. ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق ~~حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ~~ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت ~~قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام. قليل منك يكفيني ولكن قليلك ~~لا يقال له قليل. أولئك الداعون بالحسنتين لهم نصيب وأي نصيب مما كسبوا من ~~جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة. فمن ~~للابتداء. ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله مما خطيئاتهم أغرقوا ~~[نوح: 25] والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح «إنها كسب فلان» ~~أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في ~~الآخرة وسمي الدعاء كسبا لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] ويجوز أن يكون أولئك ~~للفريقين جميعا وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا. والله سريع الحساب ~~السرعة نقيض البطء. والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العد قال الزجاج: هو مأخوذ ~~من قوله «حسبك كذا» أي كفاك. وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ~~ولا نقصان. # ومعنى كون الله محاسبا لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق ~~العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ~~ما لهم من الثواب والعقاب. # ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم ms0705 الإنسان بماله وعليه، فإطلاق ~~الحساب # PageV01P569 # على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب. عن ابن عباس أنه قال: لا ~~حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم ~~فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه ~~حسناتكم قد ضعفتها لكم. # وقيل: المحاسبة المجازاة وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها ~~حسابا شديدا [الطلاق: 8] ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء. وقيل: ~~إنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب. ~~فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه تعالى يخلق في أذن المكلف ~~سمعا يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة. ~~ومن قال: إنه صوت قال: إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف. إما بأن يخلق ~~ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ~~ذلك الصوت مبلغا يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه ~~محاسبا لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته تعالى متعلقة بجميع ~~الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدة، ولذلك # ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، # وروي في لمحة. # أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي ~~مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما # ورد في الدعاء المأثور «يا من لا يشغله سمع عن سمع» # ، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله ~~تعالى اقترب للناس حسابهم [الأنبياء: 1] وقوله تعالى واذكروا الله أي ~~بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة. وفيه دليل على ~~وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما ~~اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله ~~تعالى عنده في أيام معدودات هي أيام التشريق ثلاثة أيام ms0706 بعد النحر: أولها ~~يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى. والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ~~ينفرون في هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثاني. # عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~مناديا ينادي الحج عرفة. # من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل ~~في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة ~~العيدين نوعان: مرسل ومقيد. فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى ~~به في المنازل والمساجد والطرق ليلا ونهارا كما مر في تفسير قوله تعالى ~~ولتكبروا الله على ما هداكم [البقرة: 185] وذكرنا صورة التكبير هناك أيضا. # ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى. وأما التكبير المقيد ~~فأظهر الوجهين # PageV01P570 # أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى. وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار ~~الصلوات خاصة. واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما ~~بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة ~~صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، ~~وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر ~~إلى مضي خمس عشرة صلاة. فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ~~ذلك التلبية. والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة ~~النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة ~~صلاة. # والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من ~~يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود ~~والنخعي وأبي حنيفة. # واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها ~~فيها. وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن ms0707 تكون هي أغلب. والقول الرابع ~~يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام ~~التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي ~~وابن مسعود رضي الله عنهم وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحق والمزني ~~من الفقهاء لما # روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم الصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا ~~وقال: الله أكبر. ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، # ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله. وعلى هذا القول إنما ~~تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة. قال الجوهري: ~~تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في ~~الشمس. وقيل: هو من قولهم «أشرق ثبير كيما نغير» . وقيل: سميت بذلك لأن ~~الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وأما رمي أيام أيام التشريق فإنه يجب أن ~~يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب ~~مبتدئا من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتما برمي جمرة العقبة وهي ~~التي تلي مكة رميات سبعا في سبع دفعات لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ~~رماها. وقال: خذوا عني مناسككم. فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي ~~إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام ~~التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولا وفعلا، ~~ويكبر مع كل حصاة. # وعلى الحجيج أن يبيتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا ~~رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه ~~مبيت الليلة الثالثة والرمي # PageV01P571 # من الغد وذلك قوله تعالى فمن تعجل أي عجل أو استعجل في يومين فلا إثم ~~عليه ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي ~~يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي. وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع ~~الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة ms0708 وذلك قوله تعالى ومن ~~تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى قال في الكشاف: # تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين ~~بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ومن تأخر والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه ~~على الزوال عند أبي حنيفة. وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام. وقد سئل ~~هاهنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه فلا إثم عليه ~~وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه. ~~فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في ~~السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الاستعجال والتأخر دلالة على ~~أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من ~~يجعل المتعجل آثما، ومنهم من يجعل المتأخر آثما مخالفا لسنة الحج، فبين ~~الله تعالى أن لا إثم على واحد منهما. وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن ~~المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة. فكأنه قيل: إن أيام منى التي ~~ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ~~ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه. وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج ~~مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا ~~تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم ~~تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم ~~وعدم تناوله يجريان مجرى واحدا. وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من ~~العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن ~~يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من ~~المسارعة إلى طواف الزيارة، فبين تعالى أنه لا حرج في واحد منهما. وقال ~~الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~[الشورى: 40] بل ms0709 هاهنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه ~~فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلا. وأما قوله تعالى لمن اتقى أي ذلك ~~التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في ~~قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه. وقيل: معناه أن هذه ~~المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا قبل حجه كقوله إنما يتقبل الله من المتقين ~~[المائدة: 27] أو لمن كان متقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج. ~~وقوله # PageV01P572 # واتقوا الله أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره ~~وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله واعلموا أنكم إليه ~~تحشرون توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر- وهو اسم يقع ~~على ابتداء- خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم ~~سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات. والمراد من قوله إليه أنه ~~حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا والأمر يومئذ لله [الانفطار: 19] . ### | التأويل: # الحج أشهر معلومات هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا ~~قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه ~~الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه ~~إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح ~~للعبادة التي أجرها الجنة. فلا رفث لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها ~~كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة يتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى ~~برداء التذلل والافتقار. ولا فسوق ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج ~~من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ولا جدال في الحج لا نزاع للسالك ~~الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ~~ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] وتزودوا ms0710 لكل سالك زاد. ~~فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد ~~أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت. وتقوى أهل القشور ~~مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات ~~والذات بالذات. فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد أن ~~تبتغوا فضلا مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو ~~في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند ~~الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو ~~قبل سيره إلى عرفات. وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي ~~لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله ~~لله عند المشعر الحرام يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ~~واذكروه كما هداكم أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب ~~الدنيا. وإن كنتم من قبل الوقوف بعرفات المعرفة لمن الضالين في طلب الدنيا ~~وحظوظ النفس من حيث أفاض الناس يعنى محمدا وسائر الأنبياء والأولياء أي # PageV01P573 # لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله ~~والشفقة على خلق الله واستغفروا الله لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق ~~كقوله إذا جاء نصر الله إلى قوله واستغفره [النصر: 1- 3] أي إذا وجدت هذا ~~لا تخلو عن خط ما فاستغفره فإذا قضيتم مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا ~~تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر كذكركم آباءكم في صغركم للافتقار وفي ~~كبركم للافتخار أو أشد ذكرا لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن ~~الاستغناء من الله والله سريع الحساب لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في ~~الحال على القلب في أيام معدودات هي أيام البداية والوسط والنهاية فمن تعجل ~~في يومين وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة فلا إثم عليه ومن تأخر إلى أن ~~يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ~~ولي التوفيق وهو حسبي. ### | [سورة البقرة ms0711 (2) : الآيات 204 الى 210] # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ~~والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه ~~جهنم ولبئس المهاد (206) ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله ~~رؤف بالعباد (207) يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) # فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم (209) هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى ~~الله ترجع الأمور (210) ### | القراآت: # مرضات بالإمالة والوقف بالهاء: علي. وكذلك يقف على هيهات هيهاه وعلى ~~حدائق ذات ذاه وعلى أفرأيتم اللات اللاه وعلى ولات حين ولاه، وعلى مريم ~~ابنت ابنه. وافق أبو عمر وفي ولات حين بالهاء السلم بفتح السين. # أبو جعفر ونافع وابن كثير وعلي. الباقون: بالكسر. والملائكة بالجر: يزيد ~~عطفا على «ظلل» أو على «الغمام» أو للجوار وإن كان فاعل «يأتهم» . الباقون: ~~بالرفع ترجع الأمور حيث كان بفتح التاء وكسر الجيم: حمزة وعلي وخلف وابن ~~عامر وسهل ويعقوب. # الباقون: بضم التاء وفتح الجيم. ### | الوقوف: # قلبه لا لأن الواو للحال الخصام ه والنسل ط الفساد ط جهنم ط المهاد ه ~~مرضات الله ط بالعباد ه كافة ص لعطف الجملتين المتفقتين الشيطان ط مع ~~احتمال الجواز مبين ه حكيم ه وقضي الأمر ط الأمور ه # PageV01P574 ### | التفسير: # لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء، ناسب ~~أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف ~~أرباب النفاق. من أصحاب الوفاق. عن السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ~~وهو حليف بني زهرة. أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأظهر له ~~الإسلام وزعم أنه يحبه وقال: والله يعلم أني لصادق. فلما خرج من عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم مر بزرع ms0712 لقوم من المسلمين وحمر، فأحرق الزرع وعقر ~~الحمر. # وقيل: إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم: إن محمدا ابن ~~أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به. # فقالوا: نعم الرأي ما رأيت. ثم خنس بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمى بهذا السبب أخنس- وكان اسمه أبي بن ~~شريق- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه. # وعن ابن عباس والضحاك: أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة، فلما ~~كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكبا فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ~~ففيهم نزلت. # وقوله بعد ذلك ومن الناس من يشري إشارة إلى هؤلاء الشهداء. واختيار ~~المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون ~~عامة في أمثاله. فهذه الآية عامة في المنافقين، فإن ألسنتهم تحلو لي ~~وقلوبهم أمر من الصبر. والضمير في يعجبك قوله يعود إلى «من» ويحتمل أن يكون ~~جمعا ولكنه أفرد نظرا إلى اللفظ. ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك وفي ~~الحياة الدنيا إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلبا ~~للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم، وإما أن يتعلق ~~بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في ~~الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة، أو لأنه لا يؤذن له في ~~الكلام. والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل سامع. ويشهد الله ~~على ما في قلبه يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف، وأن يكون بقوله «شهد ~~الله على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام» . وهو ألد الخصام الألد الشديد ~~الخصومة، واللديدان جانبا الوادي. كأن كلا من المتخاصمين في جانب. ومنه ~~اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم. وإضافة الألد بمعنى «في» ~~كقولهم «ثبت الغدر» ms0713 و «قتيل الصف» أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو «جد ~~جده» . والخصام جمع خصم كصعاب في صعب. والمعنى: هو أشد الخصوم خصومة. ~~والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية الله عالم اللسان جاهل ~~العمل، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ~~ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع # PageV01P575 # وعقر المواشي. وأصل السعي المشي بسرعة، وقد يستعار لإيقاع الفتنة ~~والتخريب بين الناس. وقيل: لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ~~ثقيف خصومة، فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم، وعلى هذا فيقع قوله ~~ويهلك الحرث والنسل تفصيلا لما أجمله قوله ليفسد وقيل: إفساده هو إلقاء ~~الشبه في عقائد المسلمين، وعلى هذا فيكون إهلاك الحرث والنسل بمعنى آخر. ~~وهذا تفسير مناسب لأن كمال الإنسان بالعلم والعمل ونقصه بضدهما، فيكون ~~الإفساد إشارة إلى نقص قوته النظرية والإهلاك عبارة عن فعل المنكرات وفيه ~~نقصان قوته العملية. وقيل: وإذا تولى أي إذا كان واليا فعل ما يفعله ولاة ~~السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع ~~الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل. فالحرث الزرع، والنسل الولد. ~~ونسلت الناقة بولد كثير، والتركيب يدل على الخروج. وقيل: إهلاك الحرث قتل ~~النسوان نساؤكم حرث لكم [البقرة: 223] وإهلاك النسل إفناء الصبيان والله لا ~~يحب الفساد قالت المعتزلة: معناه لا يريد الفساد. وفيه دليل على أنه يريد ~~القبائح وإذا لم يردها لم يخلقها لأن الخلق لا يمكن إلا بالإرادة. ومنع من ~~أن المحبة نفس الإرادة، بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكره بالتعظيم. ثم ~~الدليل الدال على أن لا مرجح لأحد جانبي كل ممكن على الآخر إلا الله وإلا ~~انسد باب إثبات الصانع يدل على أن الكل بإرادته ومشيئته، وقد مر تحقيق ذلك ~~فيما سلف. واعلم أنه سبحانه حكى عن المنافق جملة من الأفعال الذميمة. # أولها حسن كلامه في طلب الدنيا، وثانيها استشهاده بالله كذبا وبهتانا، ~~وثالثها لحاجة في إبطال الحق وإثبات الباطل، ms0714 ورابعها سعيه في الأرض ~~للإفساد، وخامسها سعيه في إهلاك الحرث والنسل. فوقع قوله والله لا يحب ~~الفساد جمله معترضة. ثم ذكر خصلة سادسة أشنع من الكل دالة على جهله المركب ~~وخروجه عن أن يرجى منه خير وذلك مثله وإذا قيل له اتق الله في ارتكاب شيء ~~من هذه المنهيات. والقائل إما الرسول صلى الله عليه وسلم قولا خاصا أو عاما ~~لجميع المكلفين فيدخل المنافق فيه، وإما كل واعظ وناصح أخذته العزة بالإثم ~~من قولهم «أخذت فلانا بأن يفعل كذا» أي ألزمته ذلك وحملته عليه أي أخذته ~~الغلبة والاستيلاء والأنفة وحمية الجاهلية أن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ~~ترك الالتفات إلى هذا الوعظ وعدم الإصغاء إليه، أو من قوله «أخذته الحمى» ~~أي لزمته، و «أخذه الكبر» أي اعتراه ذلك والمعنى لزمته العزة الحاصلة بسبب ~~الإثم الذي في قلبه، وذلك الإثم هو الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل ~~فحسبه جهنم كافية هي جزاء له يستوي فيه الواحد والجمع والتثنية والمذكر ~~والمؤنث لأنه مصدر. ورفعه على الخبرية أو على الابتداء إذا كان ما بعده # PageV01P576 # معرفة، أو على الابتداء فقط إن كان نكرة مثل «حسبك درهم» . وعلى هذا تكون ~~الإضافة معنوية البتة، وعلى تقدير كونه خبر الوقوع المعرفة بعده تكون ~~الإضافة لفظية أي فحسب وكاف له. قال يونس وأكثر النحويين: جهنم اسم للنار ~~التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وفيها العلمية والتأنيث. وقال ~~آخرون: إنه اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها. حكي عن رؤبة أنه قال: ~~ركية جهنام بكسر الجيم والهاء أي بعيدة القعر. وقيل: # اشتقاقها من الجهومة وهي الغلظ. ومنه رجل جهم الوجه أي غليظه. سميت بذلك ~~لغلظ أمرها في العذاب والعقاب. ولبئس المهاد أي ما يمهد لأجله فإن المعذب ~~في النار يلقى على النار كما يوضع الشخص على الفراش. ويحتمل أن يكون مصدرا ~~بمعنى التمهيد والتوطئة. # قوله تعالى: ومن الناس من يشري الآية. # قال سعيد بن المسيب: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاتبعه نفر ms0715 من قريش فنزل عن راحلته وانتشل ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: ~~والله لا تصلون إلي أو أرمي بكل سهم معي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي. وإن ~~شئتم دللتكم على مال دفنته بمكة وخليتم سبيلي ففعلوا. فلما قدم على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربح ~~البيع أبا يحيى وتلا الآية. # وقيل: أخذ المشركون صهيبا فعذبوه فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم، ~~أمنكم كنت أم من غيركم. فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا ذلك. ~~وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في ~~رجال، فقال له أبو بكر: ربح بيعك أبا يحيى. قال صهيب: وبيعك. أفلا تخبرني ~~ما ذاك؟ فقال: نزلت فيك كذا وقرأ الآية. عن الحسن: نزلت في أن المسلم أتى ~~الكافر فقاتل حتى قتل. وقيل: نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سمع ~~عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية فقال عمر: إنا لله قام رجل يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. # وقيل: نزلت في علي رضي الله عنه بات على فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة خروجه إلى الغار. # ويروى أنه لما نام على فراشة قام جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ~~وجبريل ينادي بخ بخ. من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ونزلت ~~الآية. # ثم إن الآية تدل على أن هاهنا مبايعة، فأكثر المفسرين على أن العامل هو ~~البائع. ومعنى يشري يبيع وشروه بثمن بخس [يوسف: 20] والله هو المشتري إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم [التوبة: # 111] وعمل المكلف وهو بذل نفسه في طاعة الله من الصلاة والصيام والحج ~~والجهاد هو الثمن والجنة هي المثمن. وقيل: يحتمل أن يراد بالشراء هاهنا ~~الاشتراء وذلك أن من أقدم # PageV01P577 # على الكفر والمعاصي. فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار، وإذا أقدم ~~على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب ms0716 يبذل ~~دراهم معدودة ويشتري بها نفسه، والمؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها ~~نفسه، لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة ~~العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا، وهذا كقول عيسى عليه السلام ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا [مريم: # 31] وقوله عز من قائل لنبيه واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] ~~وابتغاء مرضات الله أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية. وفيه دليل على أن ~~كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوبا بها جانب الحق ~~وإلا كان عمله ضلالا وكده وبالا. والله رؤف بالعباد فمن رأفته جعل النعيم ~~الدائم جزاء على العمل القليل، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط ~~عقابه وأعطاه ثوابه، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه ~~بملكه فضلا منه وامتنانا ورحمة وإحسانا. # قوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أصل السلم بالكسر، ~~والفتح الاستسلام والطاعة. ويطلق أيضا على الصلح وترك الحرب والمنازعة. وهو ~~أيضا راجع إلى هذا وإنه يذكر ويؤنث. واختلف في المخاطبين فقيل: أمر ~~للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب ~~دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من ~~شرائعه. ولا تتبعوا خطوات الشيطان لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها ~~إليكم أهل الغواية، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا منها ~~لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال. ومعلوم أن المؤمنين قد ~~يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال، فلا يبعد أن ~~يأمرهم الله بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان. أو أمرهم بأن ~~يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه. ولا تتبعوا آثار الشيطان ~~بالإقبال على الدنيا ms0717 والجبن والخور في أمر الدين مثل ولا تنازعوا فتفشلوا ~~[الأنفال: 46] أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي، فإن ~~من مذهبنا أن الإيمان باق مع الذنب والعصيان، أو يكون المراد الرضا بالقضاء ~~والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما # ورد في الخبر «الرضا بالقضاء باب الله الأعظم» # أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] وقوله: كافة يصلح أن يكون حالا من ~~المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون ~~حالا من السلم على أنها # PageV01P578 # مؤنث كالحرب أي ادخلوا في شرائع الإسلام كلها وأصل الكف المنع فسمي ~~الجميع كافة لأن الاجتماع بمنع التفرق والشذوذ. ورجل مكفوف أي كف بصره من ~~أن ينظر. # وكفة القميص لأنها تمنع الثوب من الانتشار. والكف طرف اليد لأنه يكف بها ~~عن سائر البدن. وقيل: الخطاب للمنافقين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا ~~بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام ولا تتبعوا آثار تزيين الشيطان وتسويله ~~بالإقامة على النفاق. وقيل: نزلت في مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه حين أرادوا أن يقيموا على بعض شرائع موسى كتعظيم السبت وقراءة ~~التوراة واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأمروا أن يدخلوا ~~في شرائع الإسلام كافة ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة لثبوت نسخها ~~بالكلية، فإن التمسك بها بعد تبين نسخها من اتباع آثار الشيطان، وقيل: ~~السلم الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بالكتاب ~~المتقدم كملوا طاعتكم بالإيمان بجميع أنبيائه وكتبه، ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان بالشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة إنه لكم عدو مبين ~~عن أبي مسلم أن المبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، ولا يخفى أنه ~~أعرب عن عداوته لآدم ونسله. وقيل: مبين من الإبانة القطع وذلك أنه يقطع ~~المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. قوله فإن زللتم المخاطبون ~~هاهنا هم المخاطبون في قوله ادخلوا فيجيء الخلاف هاهنا بحسب الخلاف هناك. # والمعنى العام: فإن دحضت أقدامكم ms0718 وانحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به من ~~بعد ما جاءتكم البينات الدلائل العقلية والسمعية على أن ما دعيتم إلى ~~الدخول فيه هو الحق فاعلموا أن الله عزيز غالب لا يعجزه الانتقام منكم وهذه ~~نهاية في الوعيد كما لو قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وبشدة ~~سطوتي. كان أبلغ في الزجر من التصريح بضرب من ضروب العذاب. وكما أن قوله ~~عزيز يشتمل على الوعيد البليغ فقوله حكيم يشتمل على الوعد الحسن. فإن ~~اللائق بالحكمة تمييز المحسن من المسيء وأن لا يسوي بينهما في الثواب ~~والعقاب. روي أن قارئا قرأ غفور رحيم فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن ~~وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا. الحكيم لا يذكر الغفران عند ~~الزلل لأنه يكون إغراء عليه. قوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله الآية معنى ~~النظر هاهنا الانتظار. وأما إتيان الله فقد أجمع المفسرون على أنه سبحانه ~~منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثات والمركبات وأنه تعالى أزلي ~~فرد في ذاته وصفاته فذكروا في الآية وجهين: # الأول: وهو مذهب السلف الصالح السكوت في مثل هذه الألفاظ عن التأويل ~~وتفويضه إلى مراد الله تعالى كما يروى عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على ~~أربعة # PageV01P579 # أوجه: وجه لا يعذر أحد بجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه، ووجه يعرف ~~من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله. # الثاني: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل ~~التفصيل. # فقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له تفخيما لها كما يقال «جاء الملك» إذا جاء ~~جيش عظيم من جهته. وقيل: المراد إتيان أمره وبأسه فحذف المضاف بدليل قوله ~~في موضع آخرو يأتي أمر ربك # [النحل: 33] جاءهم بأسنا وأيضا اللام في قوله وقضي الأمر تدل على معهود ~~سابق وما ذاك إلا الذي أضمرناه. لا يقال أمر الله عندكم صفة قديمة فالإتيان ~~عليها محال. وعند المعتزلة أصوات فتكون أعراضا. فالإتيان عليها أيضا محال ~~لأنا نقول: # الأمر قد يطلق على الفعل وما أمر ms0719 فرعون برشيد [هود: 94] وحينئذ فالمراد ~~ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المهيبة. وإن حملنا الأمر ~~على ضد النهي فلا يبعد أن مناديا ينادي يوم القيامة ألا إن الله يأمركم ~~بكذا. ومعنى كونه في ظلل من الغمام أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل ~~يكون في آن واحد، أو يكون المراد حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات ~~تدل على حكم الله تعالى على أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو أنه ~~تعالى يخلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها. وسواد تلك الكتابة ~~يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد، وتكون فائدة الظلل أنه تعالى ~~جعلها أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ليعلموا أن الأمر قد حضر. وقيل: # المأتي به محذوف والمعنى إلا أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته الدالة عليه ~~بقوله عزيز. # وفائدة الحذف كونه أبلغ في الوعيد لانقسام خواطرهم وذهاب فكرتهم في كل ~~وجه. # وقيل: إن «في» بمعنى الباء أي يأتيهم الله بظلل من الغمام، والمراد ~~العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة. وقيل: الغرض من ذكر إتيان الله ~~تصوير غاية الهيبة ونهاية الفزع كقوله تعالى والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه [الزمر: 67] ولا قبض ولا طي ولا يمين ~~وإنما الغرض تصوير عظمة شأنه. وقيل: بناء علي أن الخطاب في ادخلوا وزللتم ~~لليهود المراد أنهم لا يقبلون دين الحق إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة، وذلك أن اليهود كانوا على اعتقاد التشبيه ويجوزون المجيء ~~والذهاب على الله تعالى ويقولون: إنه تعالى تجلى لموسى عليه السلام على ~~الطور في ظلل من الغمام، فطلبوا مثل ذلك في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. ~~فعلى هذا يكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود ولا يبقى إشكال فإن الآية لا ~~تدل إلا على أن قوما ينتظرون إتيان الله وليس فيها دلالة على أنهم محقون في ~~ذلك الانتظار أم مبطلون. والظلل جمع ظلة وهي ما أظلك # PageV01P580 # والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا ومتراكما. ms0720 فالظلل من الغمام ~~عبارة عن قطع متفرقة، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ~~ظلة والجمع ظلل. # والاستفهام هاهنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب الله ~~في ظلل من الغمام، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة، ~~وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، ~~كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث ~~يتوقع الخير؟ أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال: يوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما ~~على الكافرين عسيرا [الفرقان: 25، 26] واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر ~~وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى ~~التأويل لأن إتيانهم ممكن. وقضي الأمر فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما ~~كانوا يوعدون به، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ~~ما نزل بهم حيلة. والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر، فوضع الماضي ~~موضع المستقبل. إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة «كل ما هو آت قريب» ، ~~وإما لأن إخبار الله تعالى كالواقع المقطوع به. وقيل: الأمر المذكور هاهنا ~~هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين ~~منزله من الجنة والنار. وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفا على ~~لفظي الله والملائكة. وإلى الله ترجع الأمور وذلك أنه ملك في الدنيا عباده ~~كثيرا من أمور خلقه، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد ~~سواه وهذا كقولهم «رجع أمرنا إلى الأمير» إذا كان هو يختص بالنظر فيه. فعلى ~~المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى. ثم ~~إن الأمور ترجع إليه جل جلاله، وهو تعالى يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا ~~وإقامة القيامة. فهذا معنى القراءتين في ترجع وأيضا قراءة ضم التاء وفتح ~~الجيم ms0721 على مذهب العرب في قولهم «فلان معجب بنفسه» ويقول الرجل لغيره: إلى ~~أين ذهب بك؟ وإن لم يكن أحد يذهب به. أو المراد أن العباد يردون أمورهم إلى ~~خالقهم ويعترفون برجوعها إليه. أما المؤمنون فبالمقال، وأما الكافرون ~~فبشهادة الحال ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال [الرعد: 15] . ### | التأويل: # النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى ~~الأولياء، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق ~~في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن ~~قبول الحق # PageV01P581 # فحسبه جهنم الميعاد ومن الناس من يشري هذا شأن الأولياء باعوا أنفسهم ~~خالصا لوجه الله لا لأجل الجنة ادخلوا في السلم كافة أي بجميع الأجزاء ~~والأعضاء الظاهرة والباطنة. ودخول القلب في الإسلام يكون بدخول الإيمان في ~~القلب، ودخول الروح في الإسلام يكون بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الأحكام ~~والأقضية لله، ودخول السر في الإسلام بفنائه في الله وبقائه بالله، وهذا ~~مقام يضيق عن إعلانه نطاق النطق ولا يسع إظهاره ظروف الحروف. # وإن قميصا خيط من نسج تسعة ... وعشرين حرفا من معانيه قاصر # الله ولي التوفيق وهو حسبي. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 211 الى 214] # سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب (211) زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون ~~من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير ~~حساب (212) كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (213) ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم ~~البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ~~ألا إن نصر الله قريب (214) ### | القراآت: ms0722 # ليحكم بضم الياء وفتح الكاف: يزيد. وكذلك في آل عمران والنور في موضعين. ~~الباقون بفتح الياء وضم الكاف يقول برفع اللام: نافع. الباقون: # بالنصب. ### | الوقوف: # بينة ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدلوا ومن يبدل إلخ ~~العقاب ه من الذين آمنوا م لأن و «الذين» مبتدأ و «فوقهم» خبره. ولو وصل ~~صار «فوقهم» ظرفا ليسخرون أو حالا لفاعل «يسخرون» وقبحه ظاهر. يوم القيامة ~~ط حساب ه ومنذرين ص لعطف المتفقتين فيما اختلفوا فيه ط بينهم ج لعطف ~~المختلفتين بإذنه ط مستقيم ه من قبلكم ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن ~~قوله «ولما يأتكم» عطف على «أم حسبتم» تقديره أحسبتم ولم يأتكم. متى نصر ~~الله ط قريب ه. ### | التفسير: # أنه سبحانه لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: فإن زللتم من بعد ما ~~جاءتكم البينات [البقرة: 209] أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين # PageV01P582 # للتهديد. ثم بين ذلك التهديد بقوله فاعلموا أن الله عزيز حكيم [البقرة: ~~209] ثم ثنى ذلك التهديد بقوله هل ينظرون [البقرة: 210] الآية ثم ثلث ~~التهديد بقوله سل بني إسرائيل والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~أحد. وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة ~~الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله تعالى. والمراد سل هؤلاء الحاضرين ~~أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله ~~تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا ~~في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا. و «كم» تحتمل ~~الاستفهامية والخبرية، ومن آية مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل. ~~فإن كانت استفهامية فالتقدير: # سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها. وإن كانت خبرية ~~فالمعنى: # سلهم عن أنا كثيرا من الآيات آتيناهم. والآيات الواضحات إما معجزات موسى ~~عليه السلام كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ~~ونحوها وهي تسع ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات [الإسراء: 101] وإما ~~الدلائل الدالة على ms0723 صحة دين الإسلام فمنهم من أمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ~~ومن يبدل نعمة الله قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام ~~وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. ثم إن قلنا: ~~الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هدايتهم ~~فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: # 125] وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على ~~صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها. ~~وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، ~~فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما وعليهم من التكاليف، بل ~~استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله. وعلى هذا فقوله من بعد ما جاءته معناه ~~ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها ~~التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه [البقرة: ~~75] لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة. فإن الله ~~شديد العقاب قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له. والتحقيق أن ترك هذا ~~الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفا بهذا الوصف لزم من ذلك أنه ~~يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدل كونه متصفا ~~بذلك وصفا ذاتيا. ثم قال الواحدي. والعقاب عذاب يعقب الجرم. ثم إنه تعالى ~~ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: زين للذين كفروا الآية. ~~والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على ~~الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، # PageV01P583 # أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي. عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي ~~جهل وأضرابه من كبار قريش. وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم. وعن مقاتل: نزلت ~~في المنافقين. ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم ~~والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين. ثم المزين من هو؟ فعن ms0724 ~~المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا ~~أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: # أتترك لذة الصهباء نقدا ... بما وعدوك من لبن وخمر؟ # قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فباطل. لأن المزين ~~للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله تعالى فلا بد أن يكون ~~صادقا في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا. وإن كان كافرا ~~وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد ~~أن يكون خارجا منهم. وقولهم: «المزين للشيء هو المخبر عن حسنه» مردود، ~~وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفا بالأوصاف الحسنة. سلمنا ذلك لكن لم لا ~~يجوز أن الله تعالى يكون مخبرا عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات ~~والراحات؟ وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر. وقال أبو مسلم: ~~الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: «أين يذهب بك» لا يريدون أن ذاهبا ذهب ~~به ومنه قوله تعالى أنى يؤفكون [المائدة: 75] أنى يصرفون [غافر: # 69] . ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان ~~بالحقيقة هو الذي زين لنفسه. والتحقيق أن المزين هو الله تعالى كما صرح ~~بذلك في قوله إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~[الكهف: 7] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة ~~والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، ~~لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد ~~المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء. أو ~~نقول: المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال ~~عليها والحرص الشديد في طلبها. # وقيل: إن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون ~~المحظورات وهو ضعيف، لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين ~~المباحات لا يختص بالكفار. ms0725 وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه ~~دائم السرور به. # وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، ~~بخلاف # PageV01P584 # المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر ~~بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة. قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث ~~يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح. أيضا فالكلام فيه كالكلام في تزيين ~~المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه تعالى بعد تذكر ~~ما سلف لنا مرارا في حقيقة الجبر والقدر. ولما أخبر الله تعالى عنهم بأنه ~~زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ويسخرون من ~~الذين آمنوا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا ~~طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة. ولا يخفى أنه لو بطل حديث ~~المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية ~~منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة ~~في أنفاس معدودة فلهذا قال سبحانه والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة أما ~~بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج ~~الأنس وهم في هاوية الهوان. ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج ~~الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج ~~المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ونادى أصحاب الجنة ~~أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ~~قالوا نعم [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة ~~لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ~~ومنقضية. وفي قوله والذين اتقوا دون أن يقول آمنوا كما قال: من الذين آمنوا ~~بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها. والله يرزق من يشاء بغير حساب ~~بغير تقدير. وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على ~~أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، ms0726 فرد الله ~~تعالى عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي ~~الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن ~~وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره ~~والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل. أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل «إذا ~~جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي» والمعنى أن الكفار وإن كانوا ~~يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله تعالى يرزق المؤمنين من حيث لم ~~يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ~~ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ~~ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق ~~العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب. # ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ~~بغير # PageV01P585 # حساب # أي رزقا واسعا وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله يرزقون فيها ~~بغير حساب [غافر: 40] أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ~~ثواب وبعضها تفضل كما قال فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله [النساء: # 173] فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى ~~شيئا ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار ~~والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقيا. فعلى هذا لا يتطرق ~~الحساب البتة إلى الثواب. أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ~~ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو معنى بغير حساب بغير ~~استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان. أو معناه أنه يزيد على قدر ~~الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم «فلان ينفق بالحساب» إذا كان لا يزيد ~~على قدر الكفاية. أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج ~~منه. # قوله سبحانه كان الناس أمة واحدة ms0727 الآية. فيه إشارة إلى أن التباغي ~~والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك ~~داء قديم في الإنسان. # ثم الأمة كواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: # الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله تعالى ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام ~~بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلا، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على ~~الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى. ومنها النقل المتواتر إن آدم ~~وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى إلى أن قتل قابيل هابيل حسدا وبغيا. ~~وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق. ومنها ~~أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين ~~الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم. ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، ~~والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب. ~~كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات ~~والخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان ~~أيضا. فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي ~~والحسد ويؤيده # قوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه وبمجسانه» «1» . PageV01P586 # القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل ~~لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم. ~~ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل ~~عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها. ومتى كان الناس متفقين على ~~الكفر؟ قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام. كانوا كفارا بحكم ~~الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما ~~يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون. # القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في ms0728 ~~التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال ~~بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث. ~~واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم ~~من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من ~~العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أو ليس أول الناس آدم وأنه كان نبيا ~~مبعوثا؟ وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية ~~أولا، ثم إن الله تعالى بعثه إلى أولاده. ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ~~ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية. # القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو ~~مبطلين. # القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى عليه ~~السلام ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما ~~بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم ومعه ~~الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها. وهذا ~~القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ~~لأهل الكتب. فيراد بالناس إذن ناس معهودون. ثم إنه تعالى وصف النبيين بصفات ~~ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على ~~الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض. ~~أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء. والأول لكونه مقصودا ~~بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض. الصفة الثالثة: قوله وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق وفي قوله «معهم» والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه ~~لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ~~ودون ذلك الكتاب أو لم يدون، معجزا كان أو غير معجز. قيل: إنزال الكتاب قبل ~~وصول الأمر والنهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير ~~والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟ # PageV01P587 # وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات ~~من المعرفة ms0729 بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في ~~دلالة المعجز على الصدق. # وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير ~~مستحقا للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على ~~إنزال الكتاب. # قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين ~~الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ليحكم أي الكتاب لأنه ~~أقرب. ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزا كما لا محذور في كونه هدى وشفاء. ~~واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه. وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في ~~الحقيقة لا الكتاب. وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما ~~اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله وما اختلف فيه في ~~الحق إلا الذين أوتوه أي أعطوا الحق وأدوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي ~~مجيء البينات. وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل ~~لإزالة الاختلاف، كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا ~~يختلفوا فزادوا في الاختلاف. وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد ~~إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول. وقال كثير من ~~المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى. واختلافهم إما ~~تكفير بعضهم بعضا، وإما تحريفهم أو تبديلهم من بعد ما جاءتهم البينات يحتمل ~~أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء ~~البينات التي هي الكتب كقوله تعالى وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة [البينة: 4] ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء ~~الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى إثبات الأصول التي ~~لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم ~~يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه ms0730 بغيا بينهم وحسدا ~~وظلما لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، ومن الحق بيان لما ~~اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. ~~واللام بمعنى «إلى» أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى ثم يعودون لما ~~قالوا [المجادلة: 3] أي إلى ما قالوه بإذنه قال الزجاج: بعلمه. وقيل: بأمره ~~فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية. وقيل: في الآية ~~إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة. ~~ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا # PageV01P588 # يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال سبحانه: أم ~~حسبتم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، ~~فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى. ~~قال في الكشاف: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان ~~واستبعاده. وقال القفال رضي الله عنه: تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أن ~~تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ولما يأتكم فيه معنى التوقع. وفيه دليل ~~على أن الإيتاء متوقع منتظر. # عن ابن عباس: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اشتد الضرر عليهم ~~لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت ~~اليهود العداوة له فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم أم حسبتم # وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من ~~الجهد والخوف وكان كما قال سبحانه وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] ~~وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟ لو كان محمد نبيا ما سلط ~~الله عليكم الأسر والقتل. والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم ms0731 تدخلون ~~الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم ~~به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر ~~والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما ~~نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟ ومثل الذين خلوا حالهم التي هي مثل في الشدة ~~ومستهم بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: ~~مستهم البأساء وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه والضراء وهي ~~إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه وزلزلوا حركوا وأزعجوا بأنواع ~~البلايا والرزايا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، ~~والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى. وقيل: معناه خوفوا وليس ببعيد، لأن ~~الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم ~~المقعد. ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك شيئا هو الغاية في الدلالة على كمال الضر ~~والبؤس والمحنة فقال: # حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله لأن الرسل لا يقادر قدر ~~ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا ~~مطمح وراءها. # من قرأ «يقول» بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل ~~«حتى» وإن لم يكن مستقبلا عند الإخبار. ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية ~~كقولهم «شربت # PageV01P589 # الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه» ألا إن نصر الله قريب أي فقيل لهم ذلك ~~إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب ~~في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آت وكل ما هو آت قريب، والحاصل أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى ~~كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا ~~يخفى فعزاهم تعالى في ذلك، وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، ~~والمصيبة إذا عمت طابت. وذكر الله تعالى من قصة إبراهيم عليه ms0732 السلام ~~وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه به، ومن أمر سائر ~~الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين. # روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا. فقال: قد ~~كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار ~~فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ~~ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ~~لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون. # وهاهنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن ~~يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟ والجواب أن كونه رسولا لا يمنع من ~~أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله ~~تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه- متى نصر ~~الله؟ حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر ~~الله قريب لا بأن نصر الله كائن. وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ~~ويحتمل أن يكون قولا لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا ~~يخلف الميعاد. وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا ~~قولا ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب. ~~فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ومن رحمته جعل لكم ~~الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله [القصص: 73] والمعنى لتسكنوا ~~في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار. ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه ~~شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، ~~وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم ms0733 النصرة. ~~اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير. ### | التأويل: # إنه تعالى إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته ~~وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة ~~الله # PageV01P590 # بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله. ~~كان الناس أمة واحدة على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق وأنزل معهم الكتاب ~~الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة # كقوله صلى الله عليه وسلم «ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة ~~أو النار» # وما اختلف كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ~~ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم ~~فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~المآب. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى # 218] # يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم (215) كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا ~~وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216) يسئلونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (217) إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله ~~والله غفور رحيم (218) ### | الوقوف: # ينفقون ط السبيل ط للابتداء بالشرط عليم ه كره لكم ج خير لكم ج لتفصيل ~~الأحوال شر لكم ط لا تعلمون ه قتال فيه ط كبير ط على أن قوله «وصد» مبتدأ ~~وما بعده معطوف عليه، وقوله «أكبر عند الله» خبره، وقد يقال: «وصد» عطف على ~~«كبير» أي القتال ms0734 فيه كبير، وسبب صد عن سبيل الله وكفر بالله تعالى وبنعمة ~~المسجد الحرام، أو صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام فيوقف هاهنا، ويجعل ~~«وإخراج أهله» مبتدأ. وقيل: «وصد» عطف الوقف على «سبيل الله» . و «كفر به» ~~مبتدأ. والوجه هو الأول لانتظام المعنى أي القتال منا وإن كان كبيرا ولكن ~~الصد والكفر والإخراج التي كانت منكم أكبر من القتل ط استطاعوا ط والآخرة ج ~~لأن الجملتين وإن اتفقنا فتكرار «أولئك» ينبه على الابتداء مبالغة في تعظيم ~~الأمر النار ج خالدون ه في سبيل الله لا لأن ما بعده خبر «إن» رحمة الله ط ~~رحيم ه. # المستقبل على المستقبل. يتذكرون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما بالغ في وجوب الإعراض عن العاجل والإقبال على الآجل بكل ~~ما يمكن من الدخول في السلم وبذل المهج والأموال والصبر على مواجب التكاليف ~~والدعاء إلى الدين القويم انتظارا لنصرة الله، شرع بعد ذلك في بيان الأحكام ~~وهو من هذه # PageV01P591 # الآية إلى قوله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم [البقرة: 243] جريا على ~~سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام، ليكون ~~كل منهما مؤكدا للآخر. الحكم الأول: بيان مصرف الإنفاق يسئلونك ماذا ينفقون # عن ابن عباس: نزلت الآية في رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ~~لي دينارا فقال: أنفقه على نفسك. # فقال: إن لي دينارين. فقال: أنفقهما على أهلك. فقال: إن لي ثلاثة فقال: ~~أنفقها على خادمك. فقال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك. قال: إن لي ~~خمسة قال: أنفقها على قرابتك. قال: إن لي ستة. قال: أنفقها في سبيل الله ~~وهو أخسها أي أقلها ثوابا. # وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم ~~أحد وكان شيخا كبيرا هرما وعنده ملك عظيم فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين ~~نضعها؟ أما بحث «ماذا» فقد تقدم في قوله ماذا أراد الله بهذا مثلا [المدثر: ~~31] وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة ms0735 إليهم فكيف طابق ~~قوله في الجواب قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين الآية. فالوجه فيه ~~أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال، وضم إليه زيادة بها يكمل ~~المقصود. وذلك أن قوله ما أنفقتم من خير تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير، ~~وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا ~~صرفت إلى جهة الاستحقاق. وقال القفال: السؤال وإن كان واردا بلفظ «ما» إلا ~~أن المقصود هو الكيفية. فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج ~~قربة إلى الله تعالى، وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال كما طابق قوله إنها ~~بقرة لا ذلول [البقرة: # 71] سؤالهم عن البقرة ما هي، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها ~~كذا وكذا، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية. وقيل: إنهم لما سألوا ~~هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالا ~~حلالا ومصروفا إلى مصبه، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيبا حاذقا أي طعام ~~آكل؟ والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان، فيقول له: كل في ~~اليوم مرتين أي كل ما شئت. لكن بهذا الشرط، فكذا هاهنا المعنى لينفق أي شيء ~~أراد، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما ~~كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيرا، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم ~~بمصالح جميع الفقراء، الترجيح لا بد له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه ~~أعرف بحاله. والإطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق. وأيضا لو ~~لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار. وأيضا قريب المرء ~~كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، ثم اليتامى لعدم ~~قدرتهم على الاكتساب # PageV01P592 # لصغرهم، ثم المساكين الذين هم غير اليتامى، وأبناء السبيل لأنهم بسبب ~~الاشتراك في دار الإقامة من أنفسهم، ثم أبناء السبيل المنقطعون عن بلدهم ~~ومالهم ما يتبلغون به إلى أوطانهم، وما تفعلوا ms0736 من خير من إنفاق شيء من مال ~~بناء على أن الخير هو المال أو من كل ما يتعلق بالبر والطاعة طلبا لجزيل ~~الثواب وهربا من أليم العقاب. فإن الله به عليم فيجازيكم أحسن الجزاء. عن ~~السدي: أن الآية منسوخة بفرض الزكاة. وقال المحققون: ويروى عن الحسن أنها ~~ثابتة، فقد يكون الإنفاق على الفروع والأصول واجبا، ويحتمل أن يكون المراد: ~~من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة تطوعا فليراع هذا الترتيب. # قوله تعالى: كتب عليكم القتال كان النبي صلى الله عليه وسلم غير مأذون له ~~في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن في قتال من يقاتله من المشركين، ~~ثم أذن في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله تعالى الجهاد. قال بعض العلماء: ~~إن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على الكل فرض عين لا كفاية. أما الوجوب ~~فمستفاد من لفظ الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله كتب وأما العموم ~~فلأن قوله عليكم لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد كما في ~~قوله كتب عليكم القصاص [البقرة: 178] وكتب عليكم الصيام [البقرة: # 183] وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب. وعن ابن عمر ~~وعطاء أن قوله كتب يقتضي الإيجاب ويكفي العمل به مرة واحدة، وقوله عليكم ~~يقتضي تخصيص هذا الكتاب بالموجودين في ذلك الوقت. والعموم في عليكم الصيام ~~مستفاد من دليل منفصل هو الإجماع. وذلك الدليل معقود هاهنا بل الإجماع ~~منعقد على أنه من فروض الكفاية إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه ~~يتعين الجهاد حينئذ على الكل. # وهو كره لكم ليس المراد أن المؤمنين ساخطون لأوامر الله تعالى فإن ذلك ~~ينافي الإسلام، وإنما المراد كون القتال شاقا على النفس وهكذا شأن سائر ~~التكاليف، وكيف لا والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة وأنها في القتال أكثر ~~لأن الحياة أعظم ما يميل إليه الطباع فبذلها ليس بهين؟ # والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأيضا كراهتهم للقتال قبل أن فرض لما فيه ~~من الخوف من كثرة الأعداء وإنارة ms0737 نوائر الفتن، فبين تعالى أن الذي تكرهونه ~~من القتال خير لكم من تركه للمصالح التي نذكرها. # والكره الكراهة وضع المصدر موضع الوصف مبالغة، ويجوز أن يكون بمعنى ~~«مفعول» كالخبز بمعنى المخبوز أي هو مكروه لكم. وقرىء بالفتح بمعنى المضموم ~~كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز كأنهم أكرهوا ~~عليه لشدة # PageV01P593 # كراهتهم له أو مشتقة عليهم كقوله تعالى حملته أمه كرها ووضعته كرها وقال ~~بعضهم: # الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح. وعسى ~~أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم فربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال وهو سبب ~~للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال ~~لتوقع حصول الصحة في الاستقبال، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح ~~في المال، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا ~~والعقبى. # العلم أوله مر مذاقته ... لكن آخره أحلى من العسل # وهاهنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر ~~القتل وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها ~~تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين، وربما يؤدي إلى أن استباحوا ~~بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم. وأما منافع الجهاد ~~فمنها الظفر بالغنائم، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو. وأما ما ~~يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة. # وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة الله، وتوطين النفس للفراق عن دار ~~البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل: «عسى» من الله واجب في القرآن. ~~قال: فعسى الله أن يأتي بالفتح [المائدة: 52] وقد وجد عسى الله أن يأتيني ~~بهم جميعا [يوسف: # 83] وقد حصل. والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان ~~المرجو حاله معلوما لله تعالى كما بينا في «لعل» والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون وذلك أن علمه تعالى فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها، والحوادث ~~وما نشأت هي منها، يحيط علمه بالمبادىء والغايات لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ms0738 ولا في الأرض [سبأ: 3] وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات ~~فتظنون المبادئ غايات وبالعكس، والمصالح مفاسد وبالضد. وفيه ترغيب عظيم في ~~أداء وظائف التكاليف. وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود، فإن الإنسان ~~إذا تصور قصور نفسه وكمال علم الله تعالى علم أنه لا يأمر العبد إلا بما ~~فيه خيره وصلاحه، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه تعالى يقول: يا ~~أيها العبد، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك ~~وهواك. فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة ~~إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] الحكم الثاني في قوله سبحانه يسئلونك ~~عن الشهر الحرام أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث ~~اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بغير # PageV01P594 # الشهر الحرام، والمسجد الحرام، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم هل يحل ~~لهم القتال في هذا الزمان وهذا المكان أم لا؟ ويؤيده ما # روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش- ~~وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم- في جمادى الآخرة قبل قتال بدر ~~بشهرين، على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من ~~المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان ~~السلمي، وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، ~~وواقد بن عبد الله، وخالد بن بكير. وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا ~~وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين. فإذا نزلت ~~منزلتين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن ~~أحدا من أصحابك على السير معك. فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب ~~فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من ~~أصحابك حتى تنزل على بطن نخلة فترصد بها عير قريش، لعلك أن تأتينا منه ~~بخبر» فلما نظر عبد الله في الكتاب ms0739 قال: سمع وطاعة. ثم قال لأصحابه ذلك ~~وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحدا منكم. حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع قد ~~أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فاستأذنا أن ~~يتخلفا في طلب بعيرهما فأذن لهما فتخلفا في طلبه. # ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة- بين مكة والطائف- فبينما ~~هم كذلك مرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف، فيهم ~~عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل بن ~~عبد الله المخزوميان. # فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن ~~جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منك فليتعرض لهم، فإذا رأوه ~~محلوقا أمنوا وقالوا: قوم عمار. فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم فقالوا: ~~قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوهم. وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، ~~وكانوا يرون أنه من جمادى وهي رجب. فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم ~~هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم. فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، ~~فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من ~~المشركين. واستأسر الحكم وعثمان فكان أول أسيرين في الإسلام، وأفلت نوفل ~~فأعجزهم. واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة. # فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويذعر فيه ~~الناس لمعايشهم. سفك فيه الدماء وأخذ فيه الحرائب وعير بذلك أهل مكة من كان ~~فيها من المسلمين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن جحش وأصحابه: ما ~~أمرتكم بالقتال في الشهر # PageV01P595 # الحرام، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا. فعظم ذلك على ~~أصحاب السرية وظنوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إن ~~قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه ~~أم في جمادى وأكثر الناس في ذلك فنزلت ms0740 يسئلونك عن الشهر الحرام فأخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس فكان أول خمس، وقسم الباقي ~~بين أصحاب السرية فكان أول غنيمة في الإسلام. # وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن ~~لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فأداهما. فأما الحكم بن كيسان فأسلم ~~وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا، ~~وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن ~~فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما ~~جميعا وقتله الله، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية. وقيل: إن هذا السؤال كان من ~~الكفار، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال في الشهر الحرام حتى ~~لو أخبرهم بأنه حرام استحلوا قتاله فيه فنزلت يسئلونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه # خفض على أنه بدل الاشتمال من الشهر. وفي قراءة ابن مسعود عن قتال فيه ~~بتكرير العامل. وقرأ عكرمة قتل فيه قل قتال فيه كبير أي عظيم مستنكر كما ~~يسمى الذنب العظيم كبيرة. وإنما جاز وقوع قتال مبتدأ لكونه موصوفا بالظرف. ~~فإن قيل: كيف نكر القتال في قوله تعالى قل قتال ومن حق النكرة إذا تكررت أن ~~يكون المذكور ثانيا معرفا مشارا به إلى الأول وإلا كان الثاني مغايرا ~~للأول؟ قلنا: لأن المراد بالقتال الأول الذي سألوا عنه القتال الذي أقدم ~~عليه عبد الله بن جحش. فلو جيء بالثاني معرفا لزم أن يكون ذلك من الكبائر، ~~مع أن الغرض منه كان نصرة الإسلام وإعلاء كلمته، فاختير التنكير ليكون ~~تنبيها على أن القتال المنهي عنه هو الذي فيه تقوية الكفر وهدم قواعد الدين ~~لا الذي سألوا عنه. ثم الجمهور اتفقوا على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في ~~الشهر الحرام، وهل بقي ذلك الحكم أو نسخ؟ عن ابن جريج أنه قال: حلف ms0741 لي ~~بالله عطاء أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا على ~~سبيل الدفع. # وروى جابر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر ~~الحرام إلا أن يغزى. # وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر ~~الحرام؟ قال: نعم. قال أبو عبيد: والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا ~~القول، يرون الغزو مباحا في الأشهر الحرم كلها، ولم أر أحدا من علماء الشام ~~والعراق ينكره عليهم. وكذلك أحسب قول أهل الحجاز والحجة في إباحته. قوله ~~تعالى فاقتلوا # PageV01P596 # المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] ويمكن أن يقال أن قوله قتال فيه كبير نكرة في حين الإثبات ~~فيتناول فردا واحدا لا كل الأفراد، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر ~~الحرام مطلقا، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ والله أعلم. # وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف ~~تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة؟ ~~واعلم أن قوله وصد قد مر وجوه إعرابه في الوقوف. أما قوله: والمسجد الحرام ~~فقيل: إنه معطوف على الهاء في «به» عند من يجوز العطف على الضمير المجرور ~~من غير إعادة الجار، كقراءة حمزة تسائلون به والأرحام [النساء: 1] بالخفض. ~~والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل: # إنه معطوف على سبيل الله أي صد عن سبيل الله وصد عن المسجد الحرام. ~~واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد، وبين المصدر بالأجنبي ~~الذي هو قوله وكفر به وأجيب بأن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد ~~في المعنى، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل ولم يكن له كفوا ~~أحد [الإخلاص: 4] وكان حق الكلام «ولم يكن أحد كفوا له» . وقيل: والمسجد ~~الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد ms0742 ~~الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم. وقيل: الواو في «والمسجد الحرام» للقسم. ~~والصد عن سبيل الله هو المنع عن الإيمان بالله وبمحمد أو عن الهجرة. وقيل: ~~منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة ~~بدر كما مر في قصة ابن جحش. وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر. وأجيب بأن ~~معلوم الله كالواقع. والمراد بإخراج أهله، إخراج المسلمين من مكة. وإنما ~~جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عز من قائل ~~وكانوا أحق بها وأهلها [الفتح: 26] وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد ~~منها كفر والكفر أعظم من القتال. وأيضا إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام ~~وهو قتال عبد الله بن جحش، ولم يكن قاطعا بأنه وقع في الشهر الحرام. وأما ~~الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام والفتنة أي ~~الشرك، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين، أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب ~~وعمار. أكبر من القتل لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق ~~العذاب الدائم في الآخرة، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل، فضلا عن ذلك القتل ~~الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي. يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد ~~الله بن جحش إلى مؤمني مكة «إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام ~~فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ومنع ~~المؤمنين عن البيت الحرام» ولا يزالون # PageV01P597 # يقاتلونكم # إخبار عن استمرار الكفار على عداوة المسلمين حتى يردوكم عن دينكم كي ~~يرودكم عنه كقولك «أسلمت حتى أدخل الجنة» بمعنى كي أدخل. ويجوز أن يكون ~~بمعنى «إلى» كقوله ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ~~[البقرة: 120] وقوله إن استطاعوا استبعاد لاقتدارهم كقول الرجل لعدوه وهو ~~واثق بأنه لا يظفر به «إن ظفرت بي فلا تبق علي» ومن يرتدد ومن يرجع منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر باق على الردة فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~أما في الدنيا فلما ms0743 يفوته من فوائد الإسلام العاجلة فيقتل عند الظفر به ~~ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصرا ولا ثناء ~~حسنا وتبين زوجته منه ويحرم الميراث، وأما في الآخرة فيكفي في تقريره قوله ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون واعلم أن الردة أغلظ أنواع الكفر حكما، ~~وأنها تارة تحصل بالقول الذي هو كفر كجحد مجمع عليه، وكسب نبي من الأنبياء. # وأخرى بالفعل الذي يوجب استهزاء صريحا بالدين كالسجود للشمس والصنم ~~وإلقاء المصحف في القاذورات. وكذا لو اعتقد وجوب ما ليس بواجب. ويشترط في ~~صحة الردة التكليف، فلا تصح ردة الصبي والمجنون. وهاهنا بحث أصولي وهو أن ~~جماعة من المتكلمين ذهبوا إلى أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة. ~~فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لا يكون كفرا إلا ~~إذا مات الكافر عليه. لأن من كان مؤمنا ثم ارتد- والعياذ بالله- فلو كان ~~ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي. ~~فإما أن يبقي الاستحقاقان وهو محال، وإما أن يقال إن الطارئ يزيل السابق ~~وهو أيضا محال، لأنهما متنافيان وليس أحدهما أولى بالتأثير من الآخر، بل ~~السابق بالدفع أولى من اللاحق بالرفع لأن الدفع أسهل من الرفع. وأيضا شرط ~~طريان الطارئ زوال السابق. فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور. ~~وبحث فروعي: وهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت فعند الشافعي: ~~لا إعادة عليه لأن شرط حبوط العمل أن يموت على الردة لقوله تعالى عطفا على ~~الشرط فيمت وهو كافر وعند أبي حنيفة لزمه قضاء ما أدى وكذلك الحج لما جاء ~~في موضع آخر مطلقا ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [الأنعام: 88] ~~والحبط في اللغة أن تأكل الإبل شيئا يضرها فتعظم بطونها فتهلك. # وفي الحديث «وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» «1» # سمي بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشيء بسبب ورود المفسد عليه. ~~PageV01P598 # ولا شك أن المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس ms0744 العمل، لأن العمل شيء ~~كما وجد فني وزال وإعدام المعدوم محال. فقال المثبتون للإحباط والتكفير: ~~المعنى أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق. إما بشرط الوازنة ~~كما هو مذهب أبي هاشم وجمهور المتأخرين من المعتزلة، أو لا بشرط الموازنة ~~كما هو مذهب أبي علي. وقال المنكرون للإحباط: المراد بالإحباط الوارد في ~~كتاب الله تعالى هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لا يمكنه ~~أن يأتي بدلها بعمل يستحق ثوابا، فمعنى حبط عمله أنه أتى بعمل ليس فيه ~~فائدة، بل فيه مضرة عظيمة، أو المراد أنه تبين أن أعماله السابقة لم تكن ~~معتدا بها شرعا. # وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا ابن الحضرمي ظن قوم أنهم إن ~~سلموا من الإثم لم يكن لهم أخر فنزلت إن الذين آمنوا الآية # . لأن عبد الله كان مؤمنا وكان مهاجرا وصار بسبب هذا القتال مجاهدا. ~~وقيل: إنه تعالى لما أوجب الجهاد بقوله كتب عليكم القتال وبين أن تركه سبب ~~للوعيد، أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال إن الذين آمنوا الآية ولا يكاد يوجد ~~وعيد إلا ويعقبه وعد. ومعنى هاجروا فارقوا أوطانهم وعشائرهم من الهجر الذي ~~هو ضد الوصل. والهجر الكلام القبيح لأنه مما ينبغي أن يهجر. وجاز أن يكون ~~المراد أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين وهو أيضا هجرهم بهذا ~~السبب فكان ذلك مهاجرة. والمجاهدة من الجهد بالفتح الذي هو المشقة، أو من ~~الجهد بالضم الطاقة لأنه يبذل الجهد في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك، ~~ويجوز أن يكون معناها ضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله كالمساعدة ضم ~~ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوة أولئك يرجون رحمت الله يحتمل أن يكون ~~الرجاء بمعنى القطع واليقين ولكن في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته ~~وكيفيته وفي وقته. ويحتمل أن يراد المنافع التي يتوقعونها، فإن عبد الله بن ~~جحش ما كان قاطعا بالثواب في عمله بل كان يظن ظنا، وإنما جعل الوعد معلقا ms0745 ~~بالرجاء ليعلم أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب، وإنما ذلك بفضله ~~ورحمته كما هو مذهبنا. ولو وجب أيضا صح لأنه متعلق بأن لا يكفر بعد ذلك ~~وهذا الشرط مشكوك. وأيضا المذكور هاهنا هو الإيمان والهجرة والجهاد. ولا بد ~~للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال والتوفيق فيها مرجو من الله. وأيضا المراد ~~وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع هذه الخصال مستقصرين أنفسهم في نصرة دين ~~الله، فيقدمون عليه راجين رحمته خائفين عقابه والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم ~~وجلة أنهم إلى ربهم راجعون [المؤمنون: 60] . # والله غفور رحيم يحقق لهم رجاءهم إن شاء بعميم فضله وجسيم طوله. عن # PageV01P599 # قتادة: هؤلاء خيار هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وإنه من ~~رجا طلب ومن خاف هرب. وقال شاه الكرماني: علامة الرجاء حسن الطاعة. وقيل: ~~الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال. وقيل: قرب القلب من ملاطفة الرب. # روي عن لقمان أنه قال لابنه: خف الله تعالى خوفا لا تأمن فيه مكره، وأرجه ~~رجاء أشد من خوفك. قال: فكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال: أما علمت ~~أن المؤمن كذي قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر؟ وهذا لأنهما من حكم ~~الإيمان وهما للمؤمن كالجناحين للطائر، إذا استويا استوى الطير وتم في ~~طيرانه. # ومن هنا قيل: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 221] # يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر ~~من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم (220) ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من ~~مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ~~ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ~~ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون (221) ### | القراآت: # إثم كثير بالثاء المثلثة: حمزة وعلي. الباقون: ms0746 بالباء. قل العفو بالرفع ~~أبو عمرو. الباقون: بالنصب. لأعنتكم بغير همز: روى أبو ربيعة عن أصحابه. ~~وعن حمزة وجهان في الوقف ترك الهمزة لبيان المذهب، والهمز ليدل على أصل ~~الكلمة. ### | الوقوف: # والميسر ط للناس ز قد يجوز مع اتفاق الجملتين تنبيها على أن بيان الثانية ~~أهم من الأولى من نفعهما ط ينفقون ط العفو ط تتفكرون لا لتعلق الجار. ~~والآخرة ط اليتامى ط خير ط فإخوانكم ط المصلح ط لأعنتكم ط حكيم ه يؤمن ط ~~لأجل لام الابتداء بعده أعجبتكم ج لوقوع العارض وإن اتفقت الجملتان يؤمنوا ~~ط أعجبكم ط إلى النار ج والوصل أجوز لأن مقصود الكلام بيان تفاوت الدعوتين ~~مع اتفاق الجملتين، ومن وقف أراد الفصل بين ذكر الحق والباطل بإذنه ج لأن ~~جملة «والله يدعو» تقابل الجملة الأولى فلم يكن قوله «ويبين آياته» من ~~تمامها إذ ليس في الجملة الأولى ذكر بيان، ومن وصل فلعطف المستقبل على ~~المستقبل يتذكرون (ه) . # PageV01P600 ### | التفسير: # الحكم الثالث: بيان حرمة الخمر والميسر. قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات ~~نزلت بمكة ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: ~~67] فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من ~~أصحابه قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ~~فنزلت هذه الآية، فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا ~~منهم فشربوا وسكروا، فأم بعضهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. ~~فنزلت لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] فقل ~~من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد ابن أبي وقاص فلما سكروا ~~افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار، فضربه أعرابي بلحي ~~بعير فشجه موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اللهم ~~بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت إنما الخمر والميسر إلى قوله فهل أنتم ~~منتهون [المائدة: 90] فقال عمر: انتهينا يا رب. والحكمة في وقوع التحريم ~~على هذا ms0747 الوجه أن القوم قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فلو ~~منعوا دفعة واحدة لشق ذلك عليهم فإن الفطام عن المألوف شديد، فلا جرم ~~استعمل في التحريم هذا التدريج والرفق. # واختلف العلماء في مفهوم الخمر فقال الشافعي: كل شراب مسكر فهو خمر. وقال ~~أبو حنيفة: الخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير العنب. احتج الشافعي ~~بما روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: نزل تحريم ~~الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وهذا ~~دليل على أن الخمر عندهم كل ما خامر العقل أي خالطه. والتركيب يدل على ~~الستر والتغطية، ومنه خمار المرأة. # وكذا ما # روي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ~~العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن ~~من الشعير خمرا» # ، قال الخطابي: إنما جرى ذكر هذه الأشياء خصوصا لكونها معهودة في ذلك ~~الزمان، وكل ما في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجر فحكمها حكم هذه ~~الخمسة. كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت ~~حكم الربا في غيرها. # وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر ~~وكل خمر حرام» «1» # فمراد الشارع أن كل PageV01P601 # مسكر فهو خمر لغة أو شرعا فيكون حقيقة لغوية أو شرعية كالصلاة، ولئن منع ~~ذلك فلا أقل من أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة وهو المراد. # وعن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع- وهو شراب ~~يتخذ من العسل- فقال صلى الله عليه وسلم: «كل شراب مسكر فهو حرام» «1» # وعن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر. # قال: الخطابي: # والمفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء. وأيضا الآيات الواردة في ~~الخمر منها اثنتان بلفظ الخمر وغيرهما بلفظ المسكر مثل لا تقربوا ms0748 الصلاة ~~وأنتم سكارى # [النساء: 43] وفيه دليل على أن المراد بالخمر هو المسكر. وكذا في قول عمر ~~ومعاذ «الخمر مذهبة للعقل» . فإنه يوجب أن كل ما كان مساويا للخمر في هذا ~~المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في علة التحريم. وأيضا ~~قال تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة [المائدة: 90] ولا شك أن هذه ~~الأفعال معللة بالسكر فيعلم منه أن حرمة الخمر معللة بالإسكار. فإما أن يجب ~~القطع بأن كل مسكر خمر، وإما أن يلزم الحكم بالحرمة في كل مسكر. حجة أبي ~~حنيفة قوله تعالى تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: 67] من الله علينا ~~باتخاذ السكر والرزق الحسن، والنبيذ سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن ~~المنة لا تكون إلا بالمباح، وأيضا ما # روي في الصحيحين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فقال ~~رجل: يا رسول الله، ألا أسقيك نبيذا؟ قال: بلى. فخرج يسعى فجاء بقدح فيه ~~نبيذ فشرب. # واعلم أن المسكر حرام جنسه قل أم كثر نيئا أو مطبوخا # لقوله صلى الله عليه وسلم «ما أسكر كثيره فقليله حرام» «2» # وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كل مسكر حرام ~~وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» «3» # قال الخطابي: الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا. وفيه أبين البيان أن الحرمة ~~شاملة لجميع أجزاء الشراب. وعن ابن عباس أنه جاء رجل فسأله عن العصير فقال: ~~اشربه ما كان طريا. قال: إني أطبخه وفي نفسي منه شيء. قال: أكنت شاربه قبل ~~أن تطبخه؟ قال: لا، قال: إن النار لا تحل شيئا وقد حرم. وقال PageV01P602 # أبو حنيفة: المطبوخ من عصير العنب إن ذهب أقل من ثلثيه فهو حرام لكن لا ~~حد على شاربه إلا إذا سكر، وإن ذهب ثلثاه فهو حلال إلا القدر المسكر فيحرم ~~ويتعلق بشربه الحد. # يروى أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله «أما بعد ms0749 فاطبخوا شرابكم حتى ~~يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكن واحدا» . ونقيع التمر والزبيب إذا ~~اشتد فهو حرام ولكن لا حد فيه ما لم يسكر، فإن طبخ فهو حلال إلا المقدار ~~الذي يسكر فإن ذلك حرام ويحد به، ولا يعتبر في النقيع ذهاب الثلثين. ونبيذ ~~الحنطة والشعير والعسل وغيرها حلال نيئا كان أو مطبوخا، ولا يحرم منه إلا ~~القدر المسكر. وذكروا في حد السكران عبارات فعن الشافعي: # أنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم. وقيل: الذي لا يفرق ~~بين السماء والأرض وقيل: الذي يتمايل في مشيه ويهذي في كلامه. والأقرب أن ~~الرجوع فيه إلى العادة. ثم إن قوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر ليس فيه ~~بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فيحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل ~~أنهم سألوا عن حل الانتفاع وحرمته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته ~~إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة بل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان ~~واقعا عن الحل والحرمة أي يسألونك عما في تعاطيهما. وأما كيفية دلالة الآية ~~على الحرمة فهي أنها مشتملة على أن في الخمر إثما والإثم حرام لقوله تعالى ~~قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [الأعراف: 33] ومما ~~يؤكد هذا أن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر وقد جعل الله تعالى الإثم ~~لازما لهذه الماهية فيلزمها الإثم على جميع التقادير من الشرب وغير ذلك من ~~وجوه الانتفاع والاستعمال. وصرح أيضا بأن الإثم الحاصل منها أكبر من النفع ~~المتوهم فيها عاجلا، وإنما لم يقنع كبار الصحابة بهذه الآية طلبا لما هو ~~آكد في التحريم ثقة واطمئنانا كما التمس إبراهيم عليه السلام مشاهدة إحياء ~~الموتى طلبا لمزيد الإيقان وركونا إلى سكون النفس بالعيان. فإن قيل: لما ~~كان الإثم لازما لماهية الخمر من حيث هي، فلم لم تكن محرمة في سائر ~~الشرائع؟ قلت: كم من نقص في الأديان السالفة تممه شرع خاتم النبيين! وأيضا ~~هذا لزوم شرعي، ويمكن أن تختلف الشرائع بحسب اختلاف ms0750 الأزمان ولا سيما إذا ~~اعتبرت مصالح الإنسان. والميسر القمار مصدر من يسر كالموعد والمرجع من ~~فعليهما. يقال: يسرته أي قمرته مشتق من اليسار لأنه يسلب يساره. عن ابن ~~عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله. أو من اليسر لأنه أخذ ~~مال الرجل بيسر وسهولة من غير ما كد وتعب. وقال ابن قتيبة: الميسر من ~~التجزئة والاقتسام يقال: يسروا الشيء إذا اقتسموه. فالجزور نفسه يسمى ميسرا ~~لأنه يجزأ أجزاء والياسر الجازر. ثم يقال # PageV01P603 # للقامر: ياسر لأنه بسبب ذلك الفعل يجزىء لحم الجزور. وقال الواحدي: يسر ~~الشيء أي وجب، والياسر الواجب بسبب القداح. وأما صفة الميسر على ما في ~~الكشاف فهي: إنه كانت لهم عشرة أقداح- وهي الأزلام والأقلام- أساميها: الفذ ~~والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد. ~~لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء. وقيل: ~~ثمانية وعشرين. لا نصيب لثلاثة وهي المنيح والسفيح والوغد، وللفذ سهم، ~~والتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، ~~وللمعلى سبعة. يجعلونها في الربابة- وهي خريطة- ويضعونها على يدي عدل ثم ~~يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها. # فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن ~~خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا ~~يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من ~~لم يدخل فيه ويسمونه البرم. قال العلماء: وفي حكم الميسر سائر أنواع القمار ~~من النرد والشطرنج وغيرهما. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين ~~فإنهما من ميسر العجم» «1» # وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء: كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب ~~الصبيان بالجوز. # وروي أن عليا رضي الله عنه مر بقوم وهم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟. # إلا أن الشافعي رخص في الشطرنج إذا خلا عن الرهان، وكف اللسان عن ~~الطغيان، وحفظ الصلاة عن النسيان. فإن الميسر ما يوجب ms0751 دفع مال وأخذ مال ~~وهذا ليس كذلك. # ويحكى اللعب به عن ابن الزبير وأبي هريرة وكثير من السلف. وأما السبق في ~~النصل والخف والحافر فجائز بالاتفاق # لقوله صلى الله عليه وسلم «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» «2» # وذلك لما فيها من التأهب للجهاد، والكلام في تفاصيلها وشروطها مذكور في ~~كتب الفقه. # قل فيهما إثم كبير أي إنهما من الكبائر. ومن قرأ بالثاء فمعنى الكثرة أن ~~أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. أما في الخمر ~~فلأنها عدو العقل الذي هو عقال الطبع وأشرف خصائص الإنسان ومقابل الأشرف ~~يكون أخس الأشياء. # حكى بعض الأدباء أنه مر على سكران وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة ~~المتوضئ ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا. وعن العباس ~~بن مرداس أنه قيل PageV01P604 # له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك؟ فقال: ما أنا ~~بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم، ~~ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم، ~~وقوة النفس عليها أقوى. بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره، وكفى بقوله إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ~~ذكر الله وعن الصلاة [المائدة: 90] # وبقوله صلى الله عليه وسلم «الخمر أم الخبائث» «1» # ذما لها وتقريرا لإثم شاربها. # وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الخمر عشرة. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «كل مسكر حرام» «2» «وإن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن ~~يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل ~~النار أو عصارة أهل النار» «3» # وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل. وأما المنافع ~~المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي، وكان المشتري ~~إذا ترك المماكسة في الثمن يعد ذلك فضيلة ومكرمة، وكان يكثر أرباحهم بذلك ~~السبب قال أبو محجن: أقومها زقا يحق بذا ms0752 كم يساق إلينا تجرها ونسوقها. # قال أبقراط: في الخمر عشر منافع. خمس جسمانية وخمس نفسانية. فالجسمانية ~~أنها تجود الهضم وتدر البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه. ~~والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل ~~البخل. ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على ~~المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح. ولا ريب أن منافع الخمر والميسر ~~لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن. الحساب الدائم العذاب، ~~والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له. # الحكم الرابع: ويسئلونك ماذا ينفقون وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه ~~بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية. وذلك أن الناس لما رأوا الله ~~ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا ~~به هل هو كل المال أو بعضه؟ ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلا عن ~~الكفاية. ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسير والتسهيل. ويقال ~~للأرض السهلة: العفو. ومن PageV01P605 # قال إن العفو هو الزيادة، فهو أن الغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن ~~حاجة الإنسان في نفسه وعياله. وحاصل الأمر يرجع إلى التوسط في الإنفاق ~~والنهي عن التبذير والتقتير. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحبس لأهله قوت سنة. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «خير الصدقة ما أبقت غنى ولا يلام على كفاف» «1» # وللعلماء في هذا الإنفاق خلاف. فعن أبي مسلم: أنه يجوز أن يكون العفو هو ~~الزكوات، ذكرها هاهنا مجملة وتفصيلها في السنة، وقيل: إنه تطوع ولو كان ~~مفروضا لبين مقداره ولم يفوض إلى رأي المكلف. وقيل: إن هذا كان قبل نزول ~~آية الصدقات، وكانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم ~~وينفقون ما فضل ثم نسخ بالزكاة. كذلك يبين الله لكم الآيات أي كما بين لكم ~~وجوه الإنفاق ومصارفه فهكذا يبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون ~~إليه. لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتأخذون بما هو أصلح ms0753 لكم من سلوك ~~سبيل العدالة للإنفاق وغيره، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما ~~وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله وإثمهما أكبر من نفعهما أي ~~لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في الدنيا حتى لا تختاروا الأدنى ~~على الأعلى. ويجوز أن يتعلق ب «يبين» أي يبين لكم الآيات في أمر الدارين ~~وفيما يتعلق بهما لعلكم تتفكرون. # الحكم الخامس: ويسئلونك عن اليتامى عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [النساء: 10] عزلوا أموالهم عن أموالهم ~~فنزلت. # وعنه عن ابن عباس قال: لما أنزل الله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] وقوله إن الذين يأكلون [النساء: 10] نطلق من كان عنده مال ~~اليتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، وجعل يحبس له ما يفضل من ~~طعامه حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت. # قل إصلاح لهم خير وهو كلام جامع لمصالح اليتيم والولي. أما لليتيم فلأنه ~~يتضمن صلاح نفسه بالتقويم والتأديب، وصلاح ماله بالتبقية والتثمير لئلا ~~تأكله النفقة عليه والزكاة منه. وأما الولي فلأن إحراز الثواب خير له من ~~التحرز عن مال اليتيم حتى تختل مصالحه وتفسد معيشته، وقيل: الخبر عائد إلى ~~الولي يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجرا، وقيل: ~~عائد إلى اليتيم أي مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن ~~أمورهم، والأصوب هو القول الأول، فإن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة ~~فينبغي أن يكون نظر المتكفل لأمور اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا ~~والآخرة PageV01P606 # لنفسه ولليتيم في ماله ونفسه. وإن تخالطوهم فإخوانكم أي فهم إخوانكم في ~~الإسلام، والمخالطة جمع يتعذر فيه التمييز. قيل: المراد وإن تخالطوهم في ~~الطعام والشراب والمسكن والخدم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز كما ~~يفعله المرء بمال ولده ومع إخوانه في الدين، فإن هذا أدخل في حسن العشرة ~~والمؤالفة. وقيل: المراد بهذه المخالطة أخذ مقدار أجرة المثل في ms0754 ذلك العمل، ~~وسنشرح المذاهب في ذلك إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى تفسير قوله تعالى ~~ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [النساء: 6] وقيل: ~~المراد أن يخالطوا أموال اليتامى بأموالهم وأنفسهم على سبيل الشركة بشرط ~~رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي وحمل بعضهم المخالطة على المصاهرة ~~واختاره أبو مسلم، لأن هذا خلط اليتيم نفسه والشركة خلط لماله. وأيضا ~~الشركة داخلة في قوله قل إصلاح لهم خير والخلط من جهة النكاح وتزويج البنات ~~منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب. وأيضا إنه تعالى قال ~~بعد هذه الآية ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فكان المعنى إن المخالطة ~~المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان في الإسلام لتتأكد ~~الألفة بالمناكحة، فإن كان اليتيم من المشركين فلا تفعلوا ذلك والله يعلم ~~المفسد لأمورهم من المصلح لها، أو يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في ~~مالهم بالنكاح من المصلح فيجازيه على حسب غرضه ومقصده، فأحذروه ولا تتحروا ~~غير الإصلاح، وفيه تهديد عظيم فكأنه قال: أنا المتكفل بالحقيقة لأمر ~~اليتيم، وأنا المطالب لوليه إن قصر. ولو شاء الله لأعنتكم لحملكم على العنت ~~وهو المشقة بأن ضيق عليكم طريق المخالطة معهم. وعن ابن عباس: لو شاء الله ~~لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا. وذلك أنهم كانوا في الجاهلية قد ~~اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها، أو ~~يزوجها من ابن له كيلا يخرج مالها من يده. وقد يستدل بالآية على أنه تعالى ~~لا يكلف العبد ما لا يقدر عليه وعلى أنه تعالى قادر على خلاف العدل لأنه لو ~~امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول «ولو شاء لأعنت» ولهذا قال: ~~إن الله عزيز غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه حكيم لا يكلف إلا ~~ما يتسع فيه طاقتهم. # الحكم السادس: ولا تنكحوا المشركات أكثر المفسرين على أن هذه الآية ~~ابتداء شرع وحكم آخر في بيان ما يحل ويحرم. وعن أبي مسلم: ms0755 أنه متعلق بقصة ~~اليتامى ترغيبا في مخالطتهن دون مخالطة المشركات. # عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن أبي مرثد ~~الغنوي- وكان حليفا لبني هاشم- إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان # PageV01P607 # يهوى امرأة في الجاهلية اسمها عناق. فأتته وقالت: ألا نخلو؟ فقال: ويحك ~~إن الإسلام حال بيننا. فقالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم. ولكن أرجع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره فنزلت هذه الآية. # ثم العلماء اختلفوا في الآية في موضعين: الأول في لفظ النكاح فقال أكثر ~~أصحاب الشافعي: إنه حقيقة في العقد # لقوله صلى الله عليه وسلم «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» «1» # ولا شك أن المتوقف على الولي والشاهد هو العقد لا الوطء. # ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضا «ولدت من نكاح لا من سفاح» # ولقوله تعالى وأنكحوا الأيامى [النور: # 32] وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء لقوله تعالى ~~حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] والنكاح الذي ينتهي إليه الحرمة ليس هو ~~العقد بل هو الوطء بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم «لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» «2» # وقال صلى الله عليه وسلم: «ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون» # ومن الناس من قال: النكاح عبارة عن الضم. يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل ~~إليها، ونكح النعاس عينيه. والضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال ~~اللفظ فيهما جميعا. قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم «نكح المرأة» فقال: ~~فرقت العرب بالاستعمال فرقا لطيفا. فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه ~~تزوجها وعقد عليها. وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته. لم يريدوا غير ~~المجامعة. إلا أن المفسرين أجمعوا على أن المراد بالنكاح في هذه الآية هو ~~العقد أي لا تعقدوا على المشركات. # الثاني لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب أم لا؟ قال الأكثرون: ~~نعم لقوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~إلى قوله سبحانه عما يشركون [التوبة: 31] ولقوله إن الله ms0756 لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] فلو كان كفر اليهود والنصارى ~~غير الشرك لاحتمل أن يغفر الله لهم وذلك باطل بالاتفاق. وأيضا النصارى ~~قائلون بالتثليث وليس ذلك في الصفات، فإن أكثر المسلمين أيضا يثبتون لله ~~تعالى صفات قديمة، فإذن هو في الذات وهذا شرك محض. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أميرا وقال: إذا لقيت عدوا من ~~المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا ~~فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. # سمى من يقبل الجزية وعقد الذمة بالمشرك. # وقال أبو بكر الأصم: كل من جحد رسالته فهو مشرك من حيث إن تلك المعجزات ~~التي PageV01P608 # ظهرت على يده كانت خارجة عن حد البشر، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن ~~والشياطين، فقد أثبتوا شريكا لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن ~~قدرة البشر. # واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه، لم يلزم أن يكون مشركا بسبب ~~إضافة ذلك إلى غير الله. والجواب أنه لا اعتبار بإقراره، وإنما الاعتبار ~~بالدليل، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن أضاف ذلك ~~إلى غير الله كان مشركا كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك ~~والكواكب. احتج المخالف بأنه تعالى فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر ~~حيث قال ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين [البقرة: 105] لم ~~يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين [البينة: 1] والعطف يقتضي ~~التغاير. وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف، أو لعله خص ~~أولا ثم عمم. هذا وقد سلف في تفسير قوله عز من قائل فلا تجعلوا لله أندادا ~~[البقرة: 22] أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد، وأنه ليس له ~~في الإلاهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير، فظهر أن وقوع اسم المشرك ms0757 ~~عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة. وإذا كان كذلك فلا يبعد ~~بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم، لا سيما # وقد تواتر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يسم كل من كان كافرا ~~بأنه مشرك. # التفريع إن قيل: المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعا فالآية منسوخة ~~أو مخصصة بقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم [المائدة: 5] لأن ~~سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي. ~~لا يقال: لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله والمحصنات ~~من المؤمنات [المائدة: 5] يشمل من آمن منهن فيبقى قوله والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب [المائدة: 5] ضائعا ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات ~~نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها. فكتب ~~إليه: أتزعم أنها حرام؟ فقال: # لا، ولكني أخاف. # وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نتزوج ~~نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» # وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجوس: «سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» # ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الاستثناء خاليا عن الفائدة. وإن ~~قيل: إن المشركات تختص بالحربيات، فالآية ثابتة وباقية على عمومها. ومن ~~الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات. روي ~~هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس # PageV01P609 # بنسخ لأن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكونا حكمين شرعيين إلا أن يقال: إن ~~تجويز نكاح المشركة قبل نزول الآية كان ثابتا من قبل الشرع. قوله حتى يؤمن ~~اتفق الكل على أن المراد منه الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام، ولكن ~~لا يدل هذا على أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار فقط لما مر في ~~تفسير قوله الذين يؤمنون بالغيب [البقرة: 3] أنه لا بد في الإيمان الحقيقي ~~من التصديق القلبي، إلا أنه ms0758 اكتفي هاهنا بالإقرار اللساني لأنه هو أمارة ~~الإيمان بالنسبة إلينا، فلا اطلاع لنا على صميم القلب، والسرير موكولة إلى ~~علام الخفيات. فإن وافق سره العلن كان مؤمنا حقا وإلا كان منافقا جدا ولأمة ~~مؤمنة هذه اللام في إفادة التوكيد تشبه لام القسم. والمراد بالأمة وكذا ~~بالعبد في قوله ولعبد مؤمن أمة الله وعبده لأن الناس كلهم عبيدا لله وإماؤه ~~أي ولا مرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة خير من مشركة ولو أعجبتكم للمبالغة ~~والجواب محذوف أي ولو كانت المشركة تعجبكم بمالها وجمالها ونسبها، فالمؤمنة ~~خير منها لأن الإيمان يتعلق بالدين والمال، والجمال والنسب يتعلق بالدنيا، ~~ورعاية الدين أولى من رعاية الدنيا إن لم يتيسر الجمع بينهما. وقد تحصل ~~المحبة والتآلف عند التوافق في الدين فتكمل منافع الدنيا أيضا من حسن ~~الصحبة والعشرة وحفظ الغيب وضبط الأموال والأولاد، وأما عند اختلاف الدين ~~فتنعكس هذه القضايا. وقد يرى أضداد ما توقع منها ولهذا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسنها ~~ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» «1» # وقد ظن بعضهم أن المراد بالأمة ضد الحرة فقال: التقدير: ولأمة مؤمنة خير ~~من حرة مشركة. ولهذا ذهب بعض آخر إلى أن في الآية دلالة على أن القادر على ~~طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، لأن الآية دلت ~~على أن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجدا لطول الحرة المسلمة، ~~لأنه بسبب التفاوت في الإيمان والكفر لا يتفاوت قدر المال المحتاج إليه في ~~أهبة النكاح، فيلزم قطعا أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح ~~الأمة ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا لا خلاف هاهنا في أن المراد به الكل، ~~وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر على اختلاف أقسام الكفر أولئك ~~المشركات والمشركون يدعون إلى النار أي إلى ما يؤدي إليها، فإن الزوجية ~~مظنة الألفة والمحبة في الظاهر، وقد تحمل المودة على الاتفاق في الدين ~~PageV01P610 # فلعل المؤمن يوافق الكافر، والاحتراز عن مظنة ms0759 الارتداد أهم من الطموح إلى ~~إسلام المشرك. فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين ~~المؤمنين إلا المناصبة والقتال. وقيل: المراد أنهم يدعون إلى ترك المحاربة ~~والجهاد، وفي ترك الجهاد استحقاق النار والعذاب. وغرض هذا القائل أن يجعل ~~هذا فرقا بين الذمية وغيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على ترك الجهاد. ~~وقيل: إن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل ~~النار فهذا هو الدعوة إلى النار. والله يدعوا إلى الجنة حيث أمر بالتزوج ~~بالمسلمة حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة، أو المراد أن أولياء الله وهم ~~المؤمنون يدعون إلى الجنة المغفرة وما يؤدي إليهما، فهم الذين تحب موالاتهم ~~ومصاهرتهم وأن يؤثروا على غيرهم بإذنه بتوفيق الله وتيسيره للعمل الذي ~~يستحق به الجنة والغفران وقرى الحسن والمغفرة بالرفع على الابتداء أي ~~المغفرة كائنة بتيسيره ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون معناه واضح. وقد ~~عرفت فيما مر أن التذكر محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، فكان الآيات تليه ~~على ما هو مركوز في العقول من حقيقة دين الإسلام فطرت الله التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~[الروم: 30] . ### | التأويل: # إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى ~~وحب الدنيا وأمثالها. وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط ~~التكليف فلهذا حرمت في عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح ~~والأسرار فهو شراب الواردات في أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا ~~دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، ~~والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، ~~وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه منافع ~~للناس وملاذ لأهل القرب والاستئناس. # فصحوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا # فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا # قوم ms0760 أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي. # فأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير # الكأس والشراب والساقي والمسقي هاهنا واحد كما قيل: # PageV01P611 # رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر # فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر. # وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال في النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة في ~~البداية. أما الميسر فإثمه كبير عند الأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ~~ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين في فردانية نقش ~~الكعبتين. وإثمهما أكبر من نفعهما لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، ~~والعوام أكثر من الخواص. وبعبارة أخرى الإثم في الخمر الظاهر والميسر ~~الظاهر، والنفع في الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل ~~الباطن والله أعلم. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 222 الى 227] # ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين (222) نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين (223) ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم (224) لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور ~~حليم (225) للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور ~~رحيم (226) # وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم (227) ### | القراآت: # حتى يطهرن بالتشديد والأصل «يتطهرن» فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي ~~وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون يطهرن بالتخفيف من الطهارة. أنى بالإمالة ~~المفرطة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن. الباقون ~~بالتفخيم لا يؤاخذكم وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل يؤخر ويؤده ~~وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # عن المحيض ط أذى ط لأن لكونه أذى تأثيرا بليغا في وجوب الاعتزال في ~~المحيض لا للعطف. حتى يطهرن ج لأن «إذا» متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع ~~فاء التعقيب فيها أمركم الله ط ms0761 المتطهرين ه حرث لكم ص لأن الفاء كالجزاء أي ~~إذا كن حرثا فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان شئتم ز قد يجوز لوقوع العارض. ~~لأنفسكم ط ملاقوه ط المؤمنين ه بين الناس ط عليم ه قلوبكم ط حليم ه عليم ه ~~عزموا ه. ### | التفسير: # الحكم السابع: ويسئلونك عن المحيض قيل: إنه تعالى جمع في هذا الموضع بين ~~ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو. والسبب أن ~~سؤالهم # PageV01P612 # عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من ~~تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف ~~الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن ~~كذا وعن كذا. # روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، ~~والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت ~~المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في ~~بيت. فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة. فإن ~~آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت ~~الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ~~ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت» # يعني أن المراد من قوله تعالى فاعتزلوا النساء فاعتزلوا مجامعتهن. واتفق ~~المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة ~~بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة. فالشافعي ~~وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن ~~المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان ~~الحيض. ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي ~~على الحرمة. # وعن زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من ~~امرأتي وهي حائض؟ # قال: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها، # وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى ms0762 ~~فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير ~~إليه في قوله قل هو أذى أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة ~~على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله هو ~~أذى لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه. وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد ~~من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة ~~لمرضت المرأة. فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذرا. ولا يرد ~~عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق ~~يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما # روي في الصحيحين عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول ~~الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: لا، إنما ذلك عرق ~~وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ~~وصلي. # ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق. وأصل الحيض في اللغة ~~السيل. يقال: حاض السيل وفاض. قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض ~~إليه # PageV01P613 # أي يسيل. والواو والياء من حيز واحد. # وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة ~~متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق ~~من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلا، ومنها أن ~~له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة. # وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيها له بماء البحر. فمن الناس من قال: إن كان ~~الدم موصوفا بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل ~~بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض. فإذا كان غير معلوم الوجود ~~بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت. # ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك ~~الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسرا ومشقة، فالشارع قدر وقتا مضبوطا متى حصلت ~~الدماء فيه ms0763 كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها ~~حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء. أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه ~~أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دما قبل استكمال التسع فهو دم فساد. قال ~~الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين. وقيل: ~~إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة. وقيل: بمضي ستة أشهر من ~~السنة التاسعة. والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريبا على الأظهر لا ~~تحديدا، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما ~~لا يسع حيضا وطهرا، كان ذلك الدم حيضا وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند ~~الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله. وأما ~~أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوما وليلة # لقول علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة. # وعن عطاء: رأيت من تحيض يوما ومن تحيض خمسة عشر يوما. وأما الطهر فأكثره ~~لا حد له. فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر ~~يوما، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر. وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتا ~~يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي» «1» # أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض. وغالب عادات النساء في الحيض ست أو ~~سبع، وفي الطهر باقي الشهر. # قال صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ~~كما تحيض النساء ويطهرن» . # ومعنى: # «في علم الله» # ، أي مما PageV01P614 # علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء. ويحرم في الحيض عشرة أشياء: ~~الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد والطواف ومس المصحف وقراءة ~~القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء ~~الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا ms0764 بعد أن تغتسل ~~عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري. والمشهور عن أبي ~~حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي ~~عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال. حجة ~~الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان ~~وجب الجمع بينهما ما أمكن. فمن قرأ «يطهرن» بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده ~~انقطاع الدم، ومن قرأ «يطهرن» بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين ~~الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين. ومعنى قوله ولا تقربوهن أي لا ~~تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله فاعتزلوا ويحتمل أن يكون ذلك نهيا عن ~~المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع. وأيضا ~~قوله فإذا تطهرن فأتوهن تعليق للإتيان على التطهر بكلمة «إذا» ، فوجب أن لا ~~يجوز الإتيان عند عدم التطهر. والمراد بالتطهر الاغتسال لأن هذا الحكم عائد ~~إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها. وعن ~~عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ. وقال بعضهم: غسل الموضع. ثم القائلون ~~بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء من حيث ~~أمركم الله أي من المأتي الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل. عن ابن عباس ~~ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة. وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم ~~غشيانهن وذلك بأن لا يكن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات. وعن محمد ابن ~~الحنيفة: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور. # إن الله يحب التوابين مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك ~~بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ويحب المتطهرين المتنزهين ~~عن تلك الفواحش. فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله ~~تنزها عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية إنما المشركون نجس [التوبة: ~~28] أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب ~~المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار. # الحكم الثامن نساؤكم حرث ms0765 لكم وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله فأتوهن ~~من حيث أمركم الله دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا ~~قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي # PageV01P615 # الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول ~~فنزلت هذه الآية. # وعن ابن عباس: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة. قال: فلم يرد علي شيئا. ~~فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية. # وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد. وقيل: # إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها. # وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها ~~وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون ~~المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم # أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ~~حرث لكم أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه. ففرج المرأة كالأرض، ~~والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام ~~المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها ~~من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحدا وهو ~~موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز ~~من قائل قل هو أذى فاعتزلوا جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، ~~إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبدا ~~فالاعتزال عنه أولى بالوجوب. فمعنى أنى شئتم كيف شئتم من قبلها قائمة أو ~~باركة أو مضطجعة. وقيل: «أنى» بمعنى «متى» أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من ms0766 ~~أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضا. وعن ابن ~~عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل. وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار ~~والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن ~~نافعا نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع ~~المعين وبأن قوله أنى شئتم معناه من أين شئتم كقوله أنى لك هذا [مريم: 37] ~~أي من أين. وكلمة «أين» تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها ~~متعددا. وبقوله إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون: 6] ترك ~~العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولا به في حق ~~الإناث. ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة ~~فالاجتناب أحوط، وكيف لا # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ملعون من أتى امرأة في دبرها» # ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع ~~الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذما، وإذا كان لزنا ~~لكونه مزيلا # PageV01P616 # للنسب محرما، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنيا للشخص، ~~فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمنا لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة ~~والاستمناء ولهذا عقبه بقوله وقدموا لأنفسكم أي افعلوا ما تستوجبون به ~~الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره «قدم لنفسك عملا صالحا» وذلك أن الآية ~~اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا ~~تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم ~~الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله واتقوا الله ثم زاد التأكيد بقوله واعلموا ~~أنكم ملاقوه وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة ~~بالنهي عن مشتهي. فقوله وقدموا لأنفسكم تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ~~ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله واتقوا ~~الله زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله واعلموا أنكم ملاقوه ms0767 تذكير ليوم ~~البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا ~~الترتيب! ثم قال وبشر المؤمنين كيلا يخلو الوعيد من الوعد. ولم يذكر المبشر ~~به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا [الأحزاب: 47] ، وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات [البقرة: 25] وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل ~~«فلان يعطى» . # الحكم التاسع: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم وهو نهي عن الجراءة على ~~الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة ~~أي معرضا له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم. وقد ذم الله تعالى من أكثر ~~الحلف بقوله ولا تطع كل حلاف مهين [القلم: 10] ، والحكمة فيه أن من حلف في ~~كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان ~~الكاذبة. وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله كان أكمل في العبودية، ~~ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ~~ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. وقوله أن تبروا علة النهي اي إرادة ~~أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له ~~فلا يكون برا متقيا، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن ~~يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من ~~الأغراض الفاسدة فعدوه برا متخذا من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في ~~وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم. ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة «فعلة» بمعنى ~~«مفعول» كالقبضة والغرفة فيكون اسما للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير ~~مانع الناس من السلوك، ومنه «عرض العود على الإناء» وتقول # PageV01P617 # «فلان عرضة دون الخير» . وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة ~~لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني. ~~فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي ms0768 ~~حاجزا لما حلفتم عليه. وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين ~~فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» «1» # أي على شيء مما يحلف عليه. فيكون قوله أن تبروا عطف بيان لأيمانكم أي ~~للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا ~~فاللام في لأيمانكم إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخا ~~وحاجزا، وإما أن تتعلق ب عرضة لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا ~~شيئا يعترض البر. ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق أن تبروا بالعرضة أي ~~لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا والله سميع إن حلفتم به ~~عليم بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالا لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن ~~القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث. ~~اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا ~~يخطر من أولاد الإبل في الدية «لغو» وهو في الأصل مصدر لغا يلغو. # قال صلى الله عليه وسلم: «من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد ~~لغا» «2» # واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي- وهو قول عائشة والشعبي ~~وعكرمة- أنه قول العرب «لا والله» و «بلى والله» مما يؤكدون به كلامهم ولا ~~يخطر ببالهم الحلف. فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ~~لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة. ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن ~~عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول- ~~أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن. وفائدة ~~الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل «لا والله» و «بلى والله» ~~ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة ~~يحكم بالضد من ذلك. # حجة الشافعي ms0769 أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل ~~بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله بما كسبت قلوبكم هو الذي يقصده الإنسان ~~على سبيل PageV01P618 # الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوده الناس في الكلام «لا والله» و ~~«بلى والله» فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلا جدا ثم ظهر أنه لم يكن فقد ~~قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغوا ~~البتة، وأيضا إنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ~~ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل ~~القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة ~~والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة ~~كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ~~ويؤده ما # روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لغو اليمين قول الرجل ~~بين كلامه لا والله وبلى والله» # وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى ~~رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «كل أيمان الرماة ~~لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» # وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي ~~لا يعقد عليها القلب. وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة. وقال أبو ~~حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق. ~~وأيضا إنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه» أوجب الكفارة على الحانث مطلقا من ~~غير فصل بين المجد والهازل. وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو ~~فعل معصية، فبين الله تعالى أنه لا يؤاخذ بترك ms0770 هذه الأيمان ولكن يؤاخذكم ~~بما كسبت قلوبكم أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل ~~المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله ~~بإثم الحلف إذا كفرتم. وقيل: هي ما يقع سهوا، والمراد بما كسبت قلوبكم هو ~~العمد، واختاره القاضي أبو بكر. ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا ~~يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت ~~قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده. وقال أبو حنيفة: معناه ~~لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته ~~قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ~~ما يقوله وهو اليمين الغموس. وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن ~~اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة. ~~قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا أو يعتذر ~~لمخلوق أو يقتطع به مالا فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة ~~على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم ~~لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ~~ليضربن غلامه ثم لا يضربه. فإن الله # PageV01P619 # غفور رحيم # حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم ~~تتفكرون أو تتوبون عنها. # الحكم العاشر: للذين يؤلون من نسائهم يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء ~~وائتلى ائتلاء وتألى تأليا. والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد. # وفي الحديث القدسي «آليت أن أفعل» «1» # خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة ~~مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر. وكان الإيلاء طلاقا في الجاهلية فغير ~~الشرع حكمه. قال سعيد بن المسيب. كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن ~~يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها ms0771 وكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، ~~والغرض منه مضارة المرأة. # ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا فأزال الله تعالى ذلك وأمهل ~~الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل. فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، ~~وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها. ثم المتعارف أن يقال: آليت ~~على كذا وإنما عدي هاهنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما ~~يقال: «لي منك كذا» أو ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد فكأنه قيل: ~~يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين. والتربص التلبث والانتظار ~~وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله «بينهما يوم» أي ~~مسيرة في يوم فإن فاؤ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها فإن الله ~~غفور رحيم يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو ~~الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقا منهن على الولد من ~~القتل أو لغير ذلك من الأسباب وإن عزموا الطلاق بان عقدوا القلب على حل ~~رابطة النكاح فإن الله سميع عليم وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي ~~مثل التوبة. # واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة. الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة ~~هي ظرف المحلوف عليه. # الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبرا في ~~الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله للذين يؤلون وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضا لا ~~فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد. وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، ~~وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن ~~تقدير هذه المدة إن كان لأجل PageV01P620 # معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه ~~الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة. ويصح الإيلاء في حالتي الرضا ~~والغضب بعموم الآية. # وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب. وأيضا يصح ms0772 الإيلاء من المرأة سواء ~~كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها ~~من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق. وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر ~~قوله يؤلون من نسائهم ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن موليا. ~~وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل. ومن جب ~~جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع ~~الأمر في نفسه. وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة. ~~فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر ~~لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو ~~قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال. # الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله تعالى وصفاته أو غيره. فإن حلف ~~بالله كان موليا، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء. وهل يجب ~~عليه كفارة اليمين؟ # الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة ~~على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة. وأي فرق بين أن يقول: والله لا ~~أقربك» ثم يقربها وبين أن يقوا. «والله لا أكلمك» ثم يكلمها. وإنما ترك ذكر ~~الكفارة في الآية لأنها مبينة في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول. ~~وقوله تعالى فإن الله غفور رحيم يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة ~~كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص. ~~وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فلله علي ~~عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة. فهل يكون موليا؟ الجديد وهو قول ~~أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون موليا لأن العتق والطلاق ~~المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعا له من الوطء، ~~ويكون هو بتعليقه بالوطء مضرا ms0773 بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله ~~تعالى حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق. ولا يخفى أنه ~~لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج. وفيه أقوال ~~أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير ~~بين كفارة اليمين وبين الوفاء. # الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك ~~والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا ~~بالنية. # PageV01P621 # الركن الرابع: المدة. فعن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا ~~يطأها أبدا، وعن الحسن وإسحق أنه مول وإن حلف يوما. وهذان المذهبان في غاية ~~البعد. وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها ~~أربعة أشهر أو فيما زاد. # وعن مالك وأحمد والشافعي أنه لا يكون موليا حتى تزيد المدة على أربعة ~~أشهر. فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر. وهذه ~~المدة تكون حقا للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن ~~امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه. وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر ~~يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله فإن فاؤ تقتضي كون ما ~~بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعا متراخيا عن انقضاء الأشهر الأربعة. ~~وأيضا قوله وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم صريح في أن وقوع الطلاق ~~وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعا ~~وما ذاك إلا إيقاع الطلاق. أجاب أبو حنيفة بأن قوله فإن فاؤ تفصيل للحكم ~~المتقدم كما تقول: «أنا نزيلكم هذا الشهر. فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره ~~وإلا لم أقم وأتحول» وأيضا الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه. ~~وأيضا الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ~~ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان. واستدل ~~على صحة مذهبه في ms0774 أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن ~~مسعود فإن فاؤا فيهن ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى ~~الله حسبي. ### | التأويل: # كما أن النساء محيضا في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة ~~والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة ~~الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس. # وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية ~~والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى. وقد قيل: قطرة ~~من الهوى تكدر بحرا من الصفا. ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب ~~الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى حتى يطهرن يفرغن من قضاء ~~الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح فإذا تطهرن بماء ~~التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة فأتوهن من حيث أمركم الله ~~يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها إن الله يحب ~~التوابين عن أوصاف الوجود ويحب المتطهرين بأخلاق المعبود بل يحب التوابين ~~عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين # PageV01P622 # ببقاء الشهود نساؤكم حرث لكم الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة ~~المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحق فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم ~~الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه. فكما أن الدنيا ~~مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا ~~وكيف شاءوا وما تشاؤن إلا أن يشاء الله [التكوير: 29] فقد فنيت مشيئتهم في ~~مشيئته تعالى وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته لا يؤاخذكم الله القلب كالأرض ~~للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر. فالبذر ما لم ~~يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة. ~~أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ~~ذرة فإن الله تعالى من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما ~~يجري عليه في الظاهر شرا فإن ms0775 لم يكن له أثر في القلب كان لغوا ولا يؤاخذه، ~~وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره. للذين يؤلون ~~من نسائهم من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة ~~النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ~~ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح ~~بالجنين كما # جاء في الحديث «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون ~~علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك» «1» # إلى آخره فإن فاؤ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح ~~الإرادة مرة أخرى لا حظوه معين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا ~~المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، ~~وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون وإن عزموا الطلاق لعزمه على طلاق منكوحة ~~المواصلة فإن الله سميع لمقالتهم عليم بحالتهم وهو حسبي. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 228 الى 232] # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز ~~حكيم (228) الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (229) فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون (230) وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله ms0776 ~~عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن ~~الله بكل شيء عليم (231) وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون (232) ~~PageV01P623 ### | القراآت: # أن يخافا بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء نبينها بالنون ~~المفضل. الباقون بياء الغيبة يفعل ذلك مدغما حيث كان: أبو الحرث عن علي فقد ~~ظلم مظهرا: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى. ### | الوقوف: # قروء ط الآخر ط إصلاحا ط بالمعروف ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في ~~تفضيل الرجال درجة ط حكيم ه مرتان ص لعطف المتفقتين بإحسان ط حدود الله ~~الأول ط افتدت به ط تعتدوها ج الظالمون ه غيره ص لأن الطلاق للزوج الثاني ~~على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجا من مقتضى الجملة الأولى أن يقيما ~~حدود الله ط يعلمون ه أو سرحوهن بمعروف ص لطول الكلام لتعتدوا ج نفسه ط ~~هزوا ص لطول ما بعده يعظكم به ط بالمعروف ط الآخر ط وأطهر ط لا تعلمون ه ### | التفسير: # الحكم الحادي عشر: الطلاق. ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة. # واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع ~~الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا ~~تكون مدخولا بها ولا عدة عليه لقوله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها [الأحزاب: 49] وإما أن ~~تكون مدخولا بها وحينئذ إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل قال تعالى: وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: # 4] وإن كانت حائلا فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر ~~المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله سبحانه واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [الطلاق: 4] وإن كان ms0777 ~~الحيض في حقها ممكنا فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ~~ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله والمطلقات لا يتناول إلا المنكوحة ~~الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض. لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه ~~إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاق # PageV01P624 # لفظ الكل على الغالب لا المغلوب. فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه ~~السواد لا البياض. وهاهنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن ~~إطلاق لفظ العام عليه؟ لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، ~~وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، ~~وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل ~~الأقراء ولا أقراء في حقهما. وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ ~~باق على تناوله الأغلب. وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في ~~صورة الخبر إشعارا بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن ~~امتثلن فهو يخبر عن موجود. وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضا فضل ~~تأكيد وتقو. ولو قيل: # «وليتربصن المطلقات» لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال ~~«يتربصن ثلاثة قروء» تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن ~~أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن. ~~والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين. وفي الصحاح ~~بفتح القاف فقط. ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه ~~حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر. وقيل بالعكس. وقيل: إنه ~~موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض ~~يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي ~~والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة ~~وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت. وقيل: «هذا قارئ الرياح» لوقت ~~هبوبها. ولا يخفى أن لكل من الطهر ms0778 والحيض وقتا معينا وهذا قول أبي عمرو بن ~~العلاء. ثم إن الله تعالى أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن ~~العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين. ثم اختلفوا ~~فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك ~~وربيعة وأحمد في رواية. وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض. وهو قول أبي ~~حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى. # وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر ~~يحسب بقية الطهر قراءا وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة ~~انقضت عدتها. # وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال ~~الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها. ~~ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض ~~لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة ~~حجة الشافعي قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن [الطلاق: 1] أي في زمان عدتهن. ~~وأجيب بأن معنى الآية # PageV01P625 # مستقبلات لعدتهن كما تقول: «لثلاث بقين من الشهر» أي مستقبلا لثلاث. ~~وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: «لثلاث بقين من الشهر» ~~معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه. فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل ~~الشروع في العدة عقيبه. ولما كان الإذن حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر ~~وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة. وروي عن عائشة أنها ~~قالت: هل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. # ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم. وأيضا التركيب يدل على الجمع. وأكثر ~~أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلىء بذلك ~~الفائض لما سالت إلى الخارج. فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى ~~آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة. وأيضا ~~الاعتداد بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن ~~الأصل- أن لا ms0779 يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع. # ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له. وأيضا الآية تدل ~~على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة ~~من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها ~~أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب. حجة أبي ~~حنيفة # قوله صلى الله عليه وسلم «دعي الصلاة أيام أقرائك» «1» # وقوله «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» «2» ولأن الغرض الأصلي من ~~العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في ~~الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني. فالتكثير ~~أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ~~ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله تعالى في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه. ~~وانتصاب ثلاثة قروء على أنه مفعول به كقولهم «المحتكر يتربص الغلاء» أي ~~يتربصن مضي ثلاثة قروء. أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء. وإنما جاء ~~المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون ~~كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: بأنفسهن وما هي إلا نفوس كثيرة. ~~وأيضا فلعل القروء أكثر استعمالا فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل ~~قولهم «ثلاثة شسوع» . ثم إن أمر العدة لما PageV01P626 # كان مبنيا على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق ~~الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذرا على الرجال، جعلت المرأة أمينة في ~~العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو ~~عند الشافعي اثنان وثلاثون يوما وساعة. لأنها إذا طلقت طاهرا فحاضت بعد ~~ساعة ثم حاضت يوما وليلة- وهو أقل الحيض- ثم طهرت خمسة عشر يوما- وهو أقل ~~الطهر- ثم حاضت مرة أخرى يوما وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد ~~انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار. فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، ~~وكذلك إذا كانت حاملا فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على ms0780 أصل ~~أمانتها ولهذا قال سبحانه: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معا. وذلك أن ~~المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما. أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت ~~مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج ~~بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني. وأما كتمان الحيض فغرضها فيه ~~أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي ~~يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولا ~~فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، ~~وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة. وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على ~~زوجها. وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو ~~الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله تعالى هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء [آل عمران: 6] وقيل: # المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ~~ذكر الحمل. # وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا ~~يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه. وفي ~~قوله إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله ~~وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم. # وفيه أن من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد. الحكم الثاني ~~للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله وبعولتهن أحق بردهن والبعل ~~الزوج والجمع البعولة. والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة. وليس هذا ~~في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع. ويقال للمرأة أيضا بعل وبعلة كما ~~يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك. # يقال: من بعل هذه الناقة؟ أي من ربها وصاحبها؟ ويجوز أن يراد بالبعولة ~~المصدر من قوله «بعل حسن البعولة» وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن ~~أحق بردهن ms0781 برجعتهن. قال # PageV01P627 # تعالى في موضع: ولئن رددت إلى ربي [الكهف: 36] وفي موضع آخر ولئن رجعت ~~[فصلت: 50] فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك ~~أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة. وإنما ~~تكون البعولة أحق عند الله تعالى برجعتهن إن أرادوا إصلاحا لما بينهم ~~وبينهن وإحسانا إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت ~~رجعته شرعا لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. فإن قيل: كيف جعلوه أحق ~~بالرجعة كأن للنساء حقا فيها؟ فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها ~~المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: # إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان ~~الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق ~~على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع ~~وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم. والمراد ~~بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل. فإذا غسلت ~~ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال. # قال أبو هريرة: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي النساء خير؟ قال: # «التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره» # وفي حديث حجة الوداع «ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا ~~فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ~~ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» «1» # وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى ولهن ~~مثل الذي عليهن # وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما ~~عليهن من ترك الكتمان. وللرجال عليهن درجة زيادة ms0782 في الحق وفضيلة وهي واحدة ~~الدرجات الطبقات من المراتب. أصلها من درج الرجل. # والضب يدرج دروجا أي مشى ودرج أي مضى لسبيله. ودرج القوم إذا انقرضوا. ~~وفي المثل «أكذب من دب ودرج» أي أكذب الأحياء والأموات. وقد فضل الله ~~الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من ~~المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ~~ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن PageV01P628 # يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على ~~التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان» «1» # وفي خبر آخر «اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة» # وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه ~~للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج ~~والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، ~~وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر. ثم ~~إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها ~~والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق ~~الزائدة فيكون هذا كقوله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [النساء: 34] # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت ~~المرأة بالسجود لزوجها» «2» # والله عزيز حكيم غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها ~~احتمال العبث والسفه والغلط والباطل. # الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة. وذلك أن الرجل في ~~الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف ~~مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له. فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن ~~زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزل الطلاق مرتان فعلى ms0783 هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها. ~~والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث. وهذا تفسير من جوز ~~الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه ~~تعالى بين في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ~~ثابت دائما أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أو العام فيفتقر إلى مبين ~~أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق ~~الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق ~~الرجعة. والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم. وقيل: إن هذا كلام ~~مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع ~~والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير PageV01P629 # كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين [الملك: 4] أي كرة بعد كرة، وقولهم ~~«لبيك وسعديك» . وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام. وزعم أبو ~~زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن ~~عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة رضي ~~الله عنهم، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو «طلقوا مرتين أو دفعتين» إلى ~~لفظ الخبر كما مر في قوله والمطلقات يتربصن ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ~~ثنتين أو ثلاثا لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء ~~أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول ~~بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار ~~أبي حنيفة- إنه وإن كان محرما إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع ~~عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه. وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل ~~على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي ~~حنيفة # حديث ابن عمر ms0784 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: إنما السنة أن ~~تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة. # وأما قوله فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أي أمركم بعد الرجعة أو بعد ~~معرفة كيفية التطليق أحد هذين. فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه. ~~ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد ~~الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة. # روي أنه لما نزل قوله تعالى الطلاق مرتان قيل له صلى الله عليه وسلم: ~~فأين الثالثة؟ فقال: هو قوله أو تسريح بإحسان # وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة. ويروى عن الضحاك ~~والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله فإن طلقها تقتضي ~~وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح. فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة ~~الثالثة لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز. وأيضا لو حملنا ~~التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد ~~الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله فإمساك بمعروف أو لا يراجعها بل ~~يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله أو تسريح بإحسان أو يطلقها ~~وذلك قوله فإن طلقها فلو جعلنا التسريح طلاقا لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير ~~بعضها. وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، ~~فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة ~~وعظمت المشقة. # ثم إن كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد ~~المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها ~~راجعها وأمسكها بالمعروف، # PageV01P630 # وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها ~~المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج ~~والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده. # الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه تعالى لما ms0785 أمر ~~بالتسريح مقرونا بإحسان بين عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا ~~يأخذ منها شيئا مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ~~ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل ~~فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة السناء ~~ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن [النساء: 19] والخطاب في قوله ولا ~~يحل لكم للأزواج وفي قوله فإن خفتم للأئمة والحكام. ويجوز أن يكون الخطاب ~~الأول أيضا للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم ~~فكأنهم الآخذون والمؤتون روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي. # وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت ~~بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب. فأتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا ~~خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضا إني رفعت جانب الخباء ~~فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها. فقال ~~ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: # نعم وأزيده. فقال صلى الله عليه وسلم: لا، حديقته فقط. ثم قال لثابت: خذ ~~منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام. # ومعنى قوله إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله إلا أن يخاف الزوجان ترك ~~إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز ~~به الخلع. # فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما ~~أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه # لقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ثم قال: فلا جناح ~~عليهما أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت. ومعنى فيما ~~افتدت به فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون ms0786 هذا راجعا إلى ما ~~آتاها، # ولقوله صلى الله عليه وسلم لا حديقته فقط. # حين قالت جميلة: نعم وأزيده. ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة ~~بعد ما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما ~~أعطاها حتى يكون الفضل له. وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد ~~معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين. فكما أن للمرأة عند النكاح # PageV01P631 # أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا ~~بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ~~ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت ~~الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟ قالت: ما بت منذ كنت عنده ~~أقر ليعين منهن. فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها. ولهذا ~~قال قتادة يعني بمالها كله. وقيل: هو من قولهم «خذه ولو بقرطي مارية» وذلك ~~فيهما درتان قيمتهما أربعون ألف دينار. ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق ~~عند أكثر المجتهدين لقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا [النساء: 4] فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئا ~~بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى. # وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف ~~من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة ~~فالخلع فاسد. # والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره ~~صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض ~~حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديبا فافتدت، ~~أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره ~~صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن ~~كان نافذا والزوج ms0787 مأثوم بما فعل. فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث ~~تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أنها إذا لم تطعه اعتدى عليها. ويجوز أن ~~يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله فمن خاف من موص جنفا [البقرة: 182] ~~ومن قرأ إلا أن يخافا على البناء للمفعول جعل ألا يقيما بدلا من ألف الضمير ~~بدل الاشتمال مثل «خيف زيد تركه إقامة حدود الله» ثم الفرقة الحاصلة على ~~العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه ~~قولان: # الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خالعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا ~~بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم # وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير ~~الزوج فيكون طلاقا كما لو قال: أنت طالق على كذا. ولأنه لو كان فسخا لما صح ~~بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع. وإذا خالعها ولم يذكر المهر ~~وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه. والقديم ~~أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر. ويروى ~~هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقا # PageV01P632 # وقد قال عقيب ذلك فإن طلقها فلا تحل له من بعد لكان الطلاق أربعا، ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال ~~مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، # ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء ~~واحد # تلك أي المذكورات من أحكام الطلاق حدود الله فلا تعتدوها فلا تتجاوزوا ~~عنها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون والظالم اسم ذم وتحقير. فوقوع ~~هذا الاسم عليه يكون جاريا مجرى الوعيد. وكيف لا والظالم ملعون ألا لعنة ~~الله ms0788 على الظالمين ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، ~~وظلم على الغير أيضا بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئا مما خلق في ~~رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ~~ما آتاها شيئا لا بسبب نشوز من جهة المرأة. # الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ~~وذلك قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره والسبب في إيقاع ~~آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، ~~هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن ~~طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي ~~تتزوج غيره. والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: ~~فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم. هذا عند من يفسر قوله الطلاق ~~مرتان بالطلاق الرجعي. وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع ~~على التفريق. فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ~~الطلاق مرتان واستوفى نصابه فلا تحل له من بعد ذلك حتى تنكح زوجا غيره. ~~ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح هاهنا بمعنى الوطء، لأن قوله زوجا يدل على ~~العقد. وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ولا تنكحوا ~~المشركات [البقرة: # 221] ويؤيد هذا ما # روي عن عائشة أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني. وإن ما معه مثل ~~هدبة الثوب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. # كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل. ويروى ~~أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في ~~قولك الأول ms0789 فلن # PageV01P633 # أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا ~~بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر ~~فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها. وأيضا المقصود من توقيت حصول ~~الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن ~~يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكحن زوجا غيره لما فيه من الغضاضة. ومعلوم ~~أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه ~~زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعا وزاجرا. ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته ~~واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجا آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم ~~يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة ~~من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال ~~أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث وإذا تزوج ~~الغير بالمطلقة ثلاثا على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما ~~فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل. ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول ~~فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة. ولو ~~تزوجها مطلقا مضمرا أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به. ~~وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل. وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء ~~لا يقع به التحليل على الأصح. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لعن المحلل والمحلل له» «1» # وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما. فإن طلقها أي الزوج ~~الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة فلا جناح عليهما على المرأة المطلقة ~~والزوج الأول في أن يتراجعا بنكاح جديد إلى ما كانا ms0790 عليه من النكاح فهذا ~~تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما ~~يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله فلا جناح ~~عليهما ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح هاهنا بمعنى العقد، وأن ~~التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبرا لكانت العدة واجبة. ~~والجواب أن الآية مخصوصة بقوله تعالى والمطلقات يتربصن إن ظنا أن يقيما ~~حدود الله إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم ~~يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن هاهنا PageV01P634 # بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن ~~وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح ~~شرعا. من قرأ نبينها بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ ~~بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها هاهنا الحال فلا إشكال. وجوز بعضهم أن ~~يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل ~~فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة. # فكان المراد- والله أعلم- إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، ~~وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله تعالى وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس [النحل: 44] وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم ~~المنتفعون بذلك. ثم إنه تعالى لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي ~~الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في ~~الطلاق يؤل الى أحد هذين: الأول قوله سبحانه وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها. والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها. يقال ~~لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضا يقال: ~~بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي ~~طوى يريد به مشارفة البلوغ. فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على ~~الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه ~~غير زوجة له وفي غير ms0791 عدة منه فلا سبيل له عليها فأمسكوهن بمعروف راجعوها من ~~غير توخي ضرار بالمراجعة أو سرحوهن بمعروف خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين. ~~ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك ~~على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها ~~بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا ~~إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ولا تمسكوهن ~~ضرارا مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق ~~المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في ~~العدة تسعة أشهر أو أكثر. وقيل: الضرار سوء العشرة. وقيل: تضييق النفقة ~~وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه ~~بماله. ومعنى قوله لتعتدوا أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ~~فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا [القصص: 8] أو لا تضاروهن على قصد ~~الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية. وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ~~ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع ~~الدنيا والدين. أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة # PageV01P635 # لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب ~~الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه ~~ولا تتخذوا آيات الله هزوا فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت ~~إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ~~ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزىء بها. أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله ~~كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث. # وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت ~~لاعبا. فنزلت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «ثلاث جدهن جد ~~وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة» «1» # وروي «الطلاق والعناق والنكاح» «2» # وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصرا عليه أو على مثله ~~كان كالمستهزىء بآيات ms0792 الله. # ثم إنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضا ~~في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم. فبدأ أولا بذكرها على الإجمال فقال: ~~واذكروا نعمة الله عليكم وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا ~~والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم خصص ~~نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: وما أنزل عليكم عطفا على النعمة من الكتاب ~~والحكمة من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها يعظكم به ~~في محل النصب حالا مما أنزل أو من فاعل «أنزل» . ويحتمل أن يكون ما أنزل ~~الصلة والموصول مبتدأ، وقوله يعظكم به خبرا واتقوا الله في أوامره ونواهيه ~~واعلموا أن الله بكل شيء عليم فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم ~~المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن بلوغ الأجل هاهنا على الحقيقة. عن الشافعي: دل سياق الكلامين على ~~افتراق البلوغين فلا تعضلوهن لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن. وأصل العضل ~~الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ~~ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة ~~المجتمعة المكتنزة في عصبة. # والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلما وقسرا ولحمية ~~الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا- أي ~~الرجال والنساء- تراضيا واقعا بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة ~~من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول. وقيل: بمهر المثل ~~وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق PageV01P636 # مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح ~~لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعا للشين عن الأولياء ~~ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها. وزعم كثير من ~~المفسرين أن الخطاب في قوله فلا تعضلوهن للأولياء لما روى البخاري في صحيحه ~~أن معقل بن يسار قال: # كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس. فأتاني ابن عم لي ms0793 فأنكحتها إياه ~~فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها. ~~فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس ~~وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقا لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، ~~فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبدا. قال: ففي ~~نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. وعن مجاهد والسدي أن جابر بن ~~عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر ~~فنزلت. وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى ~~تفكك النظم لو قيل: «وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها ~~الأولياء» لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء ~~العدة قدرة للزوج على عضل المرأة. والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد ~~الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد ~~والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها. قالوا: أن ينكحن أزواجهن ~~يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجا ~~لهن. والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه. # فالمراد من يردن أن يتزوجنهم فيكونوا أزواجا لهن. وقيل: الوجه أن يكون ~~خطابا للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون ~~كانوا في حكم العاضلين. # ثم ن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز ~~للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادرا على عضلها من ~~النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في فلا تعضلوهن للأولياء وفيه ما فيه. ولو ~~سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلا لهن، ولكن يمنعها الولي من ~~بعض الجهات التي قلنا في الزوج. وأيضا فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه ~~مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر. وتمسك أبو حنيفة بقوله ~~تعالى أن ms0794 ينكحن أزواجهن على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه تعالى أضاف ~~النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن ~~منعها من ذلك. ولو كان ذلك التصرف فاسدا لما نهى الولي عن منعها منه، ~~ويتأكد هذا النص بقوله حتى تنكح زوجا غيره وأجيب بأن الفعل كما يضاف # PageV01P637 # إلى المباشر فقد يضاف أيضا إلى المتسبب مثل «بنى الأمير دارا» وإنما ~~ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازا لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا. وأما ~~قوله ذلك يوعظ به فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن ~~الخطاب في قوله في سورة الطلاق ذلكم يوعظ به من كان [الطلاق: 2] للمكلفين ~~مجموعين. وقوله من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر تخصيص لهم بالوعظ ~~لأنهم هم المنتفعون بذلك. ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين ~~بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ولله على الناس حج البيت وأيضا ~~لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ذلكم أزكى لكم أي أنمى ~~وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون لأن علمه تعالى فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص. فقد تخفى ~~المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في ~~طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق. ### | التأويل: # إنه سبحانه من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز ~~والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط ~~الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن ~~يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة. وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة ~~فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة ~~والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من ~~طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا. وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن ms0795 أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن ~~لله تعالى حقا في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبرا فالله أحق برعاية ~~الحق قيقرب إليه ذراعا. والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير ~~متناهية والله عزيز أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه حكيم لا ~~تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم ~~الثواب الجزيل الطلاق مرتان يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا ~~جريمتين كما في قصة موسى والخضر. ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا ~~يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله، فإن ندم بعد ~~ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله فلا جناح في ~~التراجع إن ظنا فيه خيرا ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة ~~الأقران. وفيه أن الله تعالى يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر ~~العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~[الزخرف: # PageV01P638 # 36] فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان. ~~وأما قوله ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإشارة إلى أنه ليس ~~لأهل الصحبة- وإن اتفقت المفارقة- أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، ~~فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق ~~من حقوق الدين فلا جناح عليهما فيما افتدت به كأن لم يكن بينهما صحبة فإن ~~الله سميع بمقالتهم عليم بحالهم والله ولي التوفيق. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 233 الى 237] # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير (233) والذين يتوفون ms0796 منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير (234) ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا ~~أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم (235) لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين (236) وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون ~~أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم إن الله بما تعملون بصير (237) ### | القراآت: # لا تضار بضم الراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة. # الباقون بفتح الراء ولا خلاف في قوله ولا يضار كاتب ولا شهيد [البقرة: ~~282] بالفتح ما آتيتم مقصورا: ابن كثير. الباقون بالمد يتوفون بفتح الياء ~~وما بعده: المفضل. # الباقون بضم الياء النساء أو بهمزتين: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر. ~~الباقون النساء وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة النساء أو. تماسوهن حيث ~~وقعت: علي وحمزة وخلف. الباقون تمسوهن قدره بالتحريك: يزيد وابن ذكوان وروح ~~وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بالإسكان. ### | الوقوف: # الرضاعة ط بالمعروف ط وسعها ج لاستئناف اللفظ مع قرب المعنى مثل ذلك ج ~~عليهما ط لابتداء الحكم في استرضاع الأجنبية بالمعروف ط بصير ه وعشرا ج ~~بالمعروف ط خبير ه أنفسكم ط معروفا ط # PageV01P639 # أجله ط لابتداء الأمر فاحذروه ج للفصل بين موجبي الخوف والرجاء ولهذا ~~كررت كلمة «واعلموا» تقديره غفور حليم فارجوه والوقف أليق حليم ه فريضة ج ~~لعطف المختلفتين ومتعوهن ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، لأن الجملة ~~الثانية لتقدير المأمور في الأولى قدره الثاني ج لأن «متاعا» مصدر «متعوهن» ms0797 ~~والوقف لبيان أنه غير متصل بما يليه من الجملتين العارضتين بالمعروف ج لأن ~~«حقا» يصلح نعتا للمتاع أي متاعا حقا، ويصلح مصدر المحذوف أي حق ذلك حقا. ~~المحسنين ط النكاح ط للتقوى ط بينكم ه بصير ه. ### | التفسير: # الحكم الثاني عشر: الإرضاع والوالدات. قيل: هن المطلقات والمزوجات لأن ~~ظاهر اللفظ مشعر بالعموم. وقيل: المطلقات ولهذا ذكرت عقيب آية الطلاق. # وتحقيقه أنه إذا حصلت الفرقة استتبعت التباغض والتعاند المتضمن لإيذاء ~~الولد ليتأذى الزوج، وربما رغبت في التزوج بزوج آخر فيهمل أمر الطفل، فندب ~~الله تعالى الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم. ~~وأيضا إنه تعالى قال في الآية: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولو ~~كانت الزوجية باقية لوجب ذلك للزوجية لا للرضاع ذكره السدي. وقال الواحدي ~~في البسيط: الأولى أن يحمل على المزوجات في حال بقاء النكاح، لأن المطلقة ~~لا تستحق النفقة وإنما تستحق الأجرة، ثم إن النفقة والكسوة تجبان في مقابلة ~~التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع والحضانة لم تتفرغ لخدمة الزوج، فلعل متوهما ~~يتوهم أن مؤنتها قد سقطت بالخلل الواقع في الخدمة فأزيل ذلك الوهم بإيجاب ~~الرزق والكسوة وإن اشتغلت بالإرضاع ويرضعن مثل يتربصن في أنه خبر في معنى ~~الأمر المؤكد، وهذا الأمر على سبيل الندب بدليل قوله تعالى فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن [الطلاق: 6] ولو وجب عليها الإرضاع لم تستحق الأجرة. وإنما ~~كان ندبا من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح، ولأن شفقتها أكثر، ولا ~~يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، وعند ~~الشافعي يجوز، فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق. وقد يفضي الأمر إلى الوجوب ~~إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن ~~الاستئجار. حولين أي عامين، والتركيب يدور على الانقلاب. فالحول منقلب من ~~الوقت الأول إلى الثاني، وكاملين توكيد كقوله تلك عشرة كاملة [البقرة: 196] ~~فقد يقال: أقمت عند فلان حولين. وإنما أقام حولا وبعض الآخر. وليس التحديد ~~بالحولين تحديد إيجاب لقوله ms0798 تعالى بعد ذلك لمن أراد أن يتم الرضاعة أي هذا ~~الحكم لمن أراد إتمام الإرضاع، أو اللام متعلقة بيرضعن كما تقول: # PageV01P640 # أرضعت فلانة لفلان ولده أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من ~~الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم وعليه أن يتخذ له ظئرا إلا ~~إذا تطوعت الأم بإرضاعه. ثم المقصود من ذكر التحديد قطع التنازع بين ~~الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاعة، فإن أراد أحدهما أن يفطمه قبل الحولين ~~ولم يرض الآخر لم يكن له ذلك. أما إذا اجتمعا على أن يفطما قبل تمام ~~الحولين فلهما ذلك. وأيضا فللرضاع حكم خاص في الشريعة وهو # قوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» # فيعلم من التحديد أن الإرضاع ما لم يقع في هذا الزمان لا يفيد هذا الحكم ~~هذا هو مذهب الشافعي وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة ~~والشعبي والزهري. وعن أبي حنيفة أن مدة الرضاع ثلاثون شهرا. وقرىء أن يتم ~~الرضاعة برفع الفعل تشبيها لأن بما لتآخيهما في التأويل أي في المصدر لأن ~~كلمة «ما» ستارة تقع مصدرية فلا تنصب. وقرىء الرضاعة بكسر الراء. # وعلى المولود له وعلى الذي يولد له وهو الوالد وله في عمل الرفع على ~~الفاعلية لما عليهم في المغضوب عليهم. وإنما قيل: المولود له دون الوالد ~~ليعلم أن الوالدات إنما ولدت لهم ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات. وفيه ~~تنبيه على أن الولد إنما يلحق بالوالد لكونه مولودا على فراشه ما # قال صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» «1» # وفيه أن نفع الأولاد عائد إلى الآباء فيجب عليهم رعاية مصالحه كما قيل: ~~كله لك فكله عليك. فعليهم رزقهن وكسوتهن إذا أرضعه ولدهم كالأظار ألا ترى ~~أنه ذكره باسم الوالد حيث لم تكن هذه المعاني مقصودة وذلك قوله واخشوا يوما ~~لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا [لقمان: 33] بالمعروف ~~تفسيره ما يتلوه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس ms0799 في وسعه ولا يتضار. ~~وأيضا المعروف في هذا الباب قد يكون محدودا بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود ~~إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها فقد استغنى ~~عن تقدير الأجرة، إذ لو كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها ضرر من الجوع ~~والعري، ويتعدى ذلك الضرر إلى الولد. وفي الآية دليل على أن حق الأم أكثر ~~من حق الأب لأنه ليس بين الأم والطفل واسطة، وبين الأب وبينه واسطة، فإنه ~~يستأجر المرأة على الإرضاع والحضانة بالنفقة والكسوة. # والتكليف: الإلزام. قيل: أصله من الكلف وهو الأثر على الوجه. فمعنى تكلف ~~PageV01P641 # الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره. وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره. والوسع ما ~~يسع الإنسان ولا يعجز عنه ولهذا قيل: الوسع فوق الطاقة. من قرأ لا تضار ~~بالرفع فعلى الإخبار في معنى النهي، ويحتمل البناء للفاعل والمفعول على أن ~~الأصل تضار بكسر الراء، أو تضار بفتحها. ومن قرأ بالفتح فعلى النهي صريحا، ~~ويحتمل البناءين أيضا. وتبيين ذلك أنه قرىء لا تضارر ولا تضارر بالجزم وكسر ~~الراء الأولى وفتحها. ومعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو أن تعنف به ~~وتطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وأن تشغل قلبه بسبب التفريط في شأن ~~الولد، وأن تقول بعد ما ألفها الصبي: اطلب له ظئرا ونحو ذلك ولا يضار مولود ~~له امرأته بسبب ولده بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من الرزق والكسوة، أو ~~يأخذه منها وهي تريد إرضاعه، أو يكرهها على الإرضاع. وهكذا إذا كان مبنيا ~~للمفعول كان نهيا عن أن يلحق بها الضرر من قبل الزوج، وعن أن يلحق الضرر ~~بالزوج من قبلها بسبب الولد. ويحتمل أن يكون تضار بمعنى تضر، والباء من ~~صلته أي لا تضر والدة بولدها بأن تسيء غذاءه وتعهده أو تفرط فيما ينبغي له ~~ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها، ولا يضر الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو ~~يفرط في شأنها فتقصر هي في حق الولد. وإنما قيل: ms0800 بولدها وبولده لأن المرأة ~~لما نهيت عن المضارة أضيف إليها الولد استعطافا لها عليه وأنه ليس بأجنبي ~~منها فمن حقها أن تشفق عليه وكذلك الوالد. # قوله سبحانه وعلى الوارث مثل ذلك للعلماء فيه أقوال من حيث إنه تقدم ذكر ~~الوالد والولد والوالدة واحتمل في الوارث أن يكون مضافا إلى كل واحد من ~~هؤلاء. فعن ابن عباس أن المراد وارث الأب، وقوله وعلى الوارث عطف على قوله ~~وعلى المولود له رزقهن وما بينهما تفسير للمعروف. فالمعنى وعلى وارث ~~المولود مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة أي إن مات المولود ألزم من يرثه ~~أن يقوم مقامه في أن يرزقها ويكسوها بالشرط المذكور من العدل وتجنب الضرار. ~~وقيل: المراد وارث الولد الذي لو مات الصبي ورثه، فيجب عليه عند موت الأب ~~كل ما كان واجبا على الأب، وهذا قول الحسن وقتادة وأبي مسلم والقاضي. ثم ~~اختلفوا في أنه أي وارث هو؟ فقيل: العصبات دون الأم والأخوة من الأم وهو ~~قول عمر والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وإبراهيم. # وقيل: هو وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن ~~قتادة وابن أبي ليلى. وقيل: وعلى الوارث ممن كان ذا رحم محرم دون غيرهم من ~~ابن العم والمولى عن أبي حنيفة وأصحابه. وعند الشافعي لا نفقة فيما عدا ~~الولاد أي الأب والابن. # وقيل: المراد من الوارث هو الصبي نفسه فإنه إن مات أبوه وورثه وجبت عليه ~~أجرة # PageV01P642 # رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت الأم على إرضاعه. ~~وقيل: # المراد من الوارث الباقي من الأبوين كما # في الدعاء المروي «واجعله الوارث منا» # أي الباقي وهو قول سفيان وجماعة فإن أرادا فصالا أي فطاما وليس من باب ~~المفاعلة وإنما هو ثلاثي على «فعال» كالعثار والإباق. وذلك أن الولد ينفصل ~~عن الاغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. وعن أبي مسلم أنه يحتمل أن يكون ~~المراد من الفصال إيقاع المفاصلة بين الولد والأم إذا حصل التراضي والتشاور ~~في ذلك، ولم ms0801 يرجع ضرر إلى الولد وليكن الفصال صادرا عن تراض منهما وتشاور ~~مع أرباب التجارب وأصحاب الرأي فلا جناح عليهما في ذلك زادا على الحولين ~~لضعف في تركيب الصبي، أو نقصا. وهذه أيضا توسعة بعد التحديد وذلك أن الأم ~~قد تمل من الإرضاع فتحاول الفطام والأب أيضا قد يمل إعطاء الأجرة على ~~الإرضاع فيطلب الفطام دفعا لذلك لكنهما قد يتوافقان على الإضرار بالولد ~~لغرض النفس فلهذا اعتبرت المشاورة مع غيرهما، وحينئذ يبعد موافقة الكل على ~~ما يكون فيه إضرار بالولد، وإن اتفقوا على الفطام قبل الحولين وهذا غاية ~~العناية من الرب بحال الطفل الضعيف، ومع اجتماع الشروط لم يصرح بالإذن بل ~~رفع الحرج فقط. ولما بين حكم الأم وأنها أحق بالرضاع بين أنه يجوز العدول ~~في هذا الباب عنها إلى غيرها فقال: وإن أردتم أن تسترضعوا أي المواضع ~~أولادكم فلا جناح عليكم يقال: أرضعت المرأة الصبي واسترضعتها الصبي بزيادة ~~السين مفعولا ثانيا كما تقول: أنجى لحاجة واستنجته إياها. فحذف أحد ~~المفعولين للعلم به. وعن الواحدي: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم فحذف اللام ~~للعلم به مثل وإذا كالوهم أو وزنوهم أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. ومن موانع ~~الإرضاع للأم ما إذا تزوجت بزوج آخر، فقيامها بحق ذلك الزوج يمنعها عن ~~الإرضاع. ومنها أنه إذا طلقها الزوج الأول فقد تكره الإرضاع ليتزوج بها زوج ~~آخر. ومنها أن تأبى المرأة قبول الولد إيذاء للزوج المطلق. ومنها أن تمرض ~~أو ينقطع لبنها. فعند أحد هذه الأمور إذا وجدنا مرضعة أخرى وقبل الطفل ~~لبنها جاز العدول عن الأم إلى غيرها، فإن لم نجد مرضعة أخرى أو وجدنا ولكن ~~لا يقبل الطفل لبنها فالإرضاع واجب على الأم. إذا سلمتم إلى المراضع ما ~~آتيتم ما آتيتموه المرأة أي ما أردتم إيتاءه مثل إذا قمتم إلى الصلاة قرأ ~~ما آتيتم بالقصر فهو من أتى إليه إحسانا إذا فعله كقوله تعالى إنه كان وعده ~~مأتيا أي مفعولا. وروى شيبان عن عاصم ما أوتيتم أي ما آتاكم الله وأقدركم ~~عليه من ms0802 الأجرة، وليس التسليم شرطا للجواز والصحة وإنما هو ندب إلى الأولى. ~~وفيه حث على أن الذي يعطي المرضعة يجب أن يكون يدا بيد حتى يكون أهنأ وأطيب ~~لنفسها لتحتاط في شأن الصبي، ولهذا قيد التسليم # PageV01P643 # بأن يكون بالمعروف وهو أن يكونوا حينئذ مستبشري الوجوه ناطقين بالقول ~~الجميل مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن قطعا لمعاذيرهن. ثم أكد الجميع بأن ~~ختم الآية بنوع من التحذير فقال: واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير. # الحكم الثالث عشر: عدة الوفاة والذين يتوفون ومعناه يموتون ويقبضون قال: ~~الله يتوفى الأنفس حين موتها [الزمر: 42] وأصل التوفي أخذ الشيء كاملا ~~وافيا. ويبنى للمفعول ومعناه ما قلنا، وللفاعل ومعناه استوفى أجله ورزقه ~~وعليه # قراءة علي رضي الله عنه يتوفون بفتح الياء. # والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل: من ~~المتوفي- بكسر الفاء-؟ فقال: الله. وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي رضي الله ~~عنه على أن أمره بأن يضع كتابا في النحو. فلعل السبب فيه أن ذلك الشخص لم ~~يكن بليغا وهذا المعنى من مستعملات البلغاء فلهذا لم يعتد بقوله، وحمله على ~~متعارف الأوساط ويذرون يتركون ولا يستعمل منه الماضي والمصدر استغناء عنهما ~~بتصاريف ترك. والأزواج هاهنا النساء يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر مثل قوله ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء [البقرة: 228] وقد مر. وعشرا أي يعتددن هذه ~~المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام. وإنما قيل: عشرا ذهابا إلى الليالي ~~والأيام داخلة معها. قال في الكشاف: # ولا نراهم قط يستعملون التذكير فيه ذاهبين إلى الأيام. وقيل في سبب ~~التغليب: إن مبدأ الشهر من الليل، والأوائل أقوى من الثواني. وأيضا هذه ~~الأيام أيام الحزن، وأيام المكروه خليقة أن تسمى ليالي استعارة، أو المراد ~~عشر مدد كل منها يوم بليلته. وذهب الأوزاعي والأصم إلى ظاهر الآية وأنها ~~إذا انقضت لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج نقل عن الحسن وأبي العالية ~~أنه تعالى إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد ~~الأربعة. قلت: ولعل ms0803 هذا من الأمور التي لا يعقل معناها كأعداد الركعات ونصب ~~الزكوات، وإنما الله ورسوله أعلم بذلك. وهذه العدة واجبة على كل امرأة مات ~~زوجها إلا إذا كانت أمة فإن عدتها نصف عدة الحرة عند أكثر الفقهاء. وعن ~~الأصم أن عدتها عدة الحرائر تمسكا بظاهر عموم الآية، وقياسا على وضع الحمل ~~وإلا إذا كانت المرأة حاملا فإنها إذا وضعت الحمل حلت وإن كان بعد وفاة ~~الزوج بساعة لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] . # ولو زعم قائل أن ذلك في الطلاق فليعول على قصة سبيعة الأسلمية، ولدت بعد ~~وفاة زوجها بنصف شهر # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: حللت فانكحي من شئت. # وعن علي رضي الله عنه أنها تتربص أبعد الأجلين. # ولا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وذات الأقراء وغيرها ~~والمدخول بها وغيرها. وقال ابن عباس: لا عدة عليها قبل الدخول. ورد بعموم # PageV01P644 # الآية، ولهذا أيضا لم يفرق بين أن ترى المعتدة في المدة المذكورة دم ~~الحيض على عادتها أو لا تراه خلافا لمالك فإنه قال: لا تنقضي عدتها حتى ~~ترعادتها من الحيض في تلك الأيام مثل التي كانت عادتها. فإن كانت عادتها أن ~~تحيض في كل شهر مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن ~~تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل أربعة ~~أشهر مرة يكفيها حيضة واحدة، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة ~~فههنا يكفيها الشهور، ثم مذهب الشافعي أنها إن ارتابت استبرأت نفسها من ~~الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط وتعتبر المدة ~~بالهلال ما أمكن، فإن مات الزوج في خلال شهر هلالي والباقي أكثر من عشرة ~~أيام فتعد ما بقي وتحسب ثلاثة أشهر بعده بالأهلة وتكمل ذلك الباقي ثلاثين ~~وتضم إليها عشرة أيام، فإذا انتهت من اليوم الأخير إلى الوقت الذي مات فيه ~~الزوج فقد انقضت العدة، وإن كان الباقي دون عشرة أيام فتعده ms0804 وتحسب أربعة ~~أشهر بالأهلة وتكمل الباقي عشرة من الشهر السادس، وإن كان الباقي عشرة أيام ~~فتعتد بها وبأربعة أشهر بالأهلة بعدها، وإن انطبق الموت على أول الهلال ~~فتعتد بأربعة أشهر بالأهلة وبعشرة أيام من الشهر الخامس. واختلفوا في أن ~~هذه المدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة؟ فعن بعضهم- ويوافقه جديد قول ~~الشافعي- أنها ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها ~~يقين موته أو طلاقه» # وأيضا فالنكاح معلوم بيقين فلا يزال إلا بيقين. وقال الأكثرون: السبب هو ~~الموت. فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما ~~انقضى، والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها تكفي في انقضاء عدتها هذه ~~المدة. ثم المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح بالإجماع، والامتناع ~~عن الخروج من المنزل إلا عند الضرورة والحاجة والإحداد ويعني به ترك التزين ~~بثياب الزينة وترك التحلي والتطيب والتدهن والاكتحال بالإثمد، ويحرم عليها ~~أن تخضب بالحناء ونحو ذلك فيما يظهر من اليدين والرجلين والوجه. ولا منع ~~منه فيما تحت الثياب ولا منع من التزين في الفرش والبسط والستور وأثاث ~~البيت ومن التنظيف بغسل الرأس والامتشاط وقلم الأظفار والاستحداد ودخول ~~الحمام وإزالة الأوساخ. والعدة تنقضي إن تركت الإحداد ولكنها تعصي لما # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» ~~«1» # وعن الحسن PageV01P645 # والشعبي أنه غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه # لكنه صلى الله عليه وسلم قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من ~~الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل» «1» # والممشقة المصبوغة بالمشق وهو الطين الأحمر. وقد يحتج بقوله والذين ~~يتوفون منكم من قال: الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع وإلا لم يخص ~~الخطاب في منكم بالمؤمنين. والجواب إنما خصوا بالخطاب لأنهم هم العالمون ~~بذلك ms0805 كقوله تعالى إنما أنت منذر من يخشاها [النازعات: 45] مع أنه منذر للكل ~~ليكون للعالمين نذيرا [الفرقان: 1] فإذا بلغن أجلهن إذا انقضت عدتهن فلا ~~جناح عليكم أيها الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، أو أيها الحكام وصلحاء ~~المسلمين لأنهن إذا تزوجن في مدة العدة وجب على كل أحد منعهن عن ذلك، فإن ~~عجز استعان بالسلطان وذلك لأن المقصود من هذه العدة الأمن من اشتمال فرجها ~~على ماء زوجها الأول. وقيل: معناه لا جناح عليكم وعلى النساء فيما فعلن في ~~أنفسهن من التعرض للخطاب بالتزين والتطيب ونحوهما مما تنفرد المرأة بفعله، ~~وفيه دليل على وجوب الإحداد بالمعروف بالوجه الذي يحسن عقلا وشرعا. وقد ~~يحمل أصحاب أبي حنيفة الفعل هاهنا على التزويج فيستدلونه به على جواز ~~النكاح بلا ولي. بعد تسليم أن المراد من الفعل هو التزويج أن الفعل قد يسند ~~إلى المسبب مثل «بنى الأمير دارا» وقد تقدم في قوله أن ينكحن أزواجهن ~~[البقرة: # 232] ثم ختم الآية بالتهديد المشتمل على الوعيد فقال: والله بما تعملون ~~خبير. # الحكم الرابع عشر: خطبة النساء وذلك قوله سبحانه ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النساء والتعريض ضد التصريح ومعناه أن تضمر كلامك كي يصلح ~~للدلالة على المقصود وعلى غير المقصود إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم ~~وأرجح، ولهذا قد يقال: إنه سوق الكلام لموصوف غير مذكور كما يقول المحتاج: ~~جئتك لأنظر إلى وجهك الكريم. ومنه قول الشاعر: # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ~~ولا يظهره ولهذا # قيل: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» «2» # وهو قسم من أقسام الكناية. والخطبة أصلها من الخطب PageV01P646 # وهو الأمر والشأن خطب فلان فلانة أي سألها أمرا وشأنا في نفسها. وكذا في ~~الخطبة والخطاب فإن في كل منهما شأنا. ثم النساء على ثلاثة أقسام: أحدها: ~~أن تجوز خطبتها تعريضا وتصريحا وهي الخالية عن الزوج والعدة إلا إذا كان قد ~~خطبها آخر وأجيب إليه، وعليه يحمل # قوله صلى الله عليه وسلم «لا يخطب أحدكم على ms0806 خطبة أخيه» «1» # فإن وجد صريح الإباء أو لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد فالأصح أنه ~~يجوز خطبتها لأن السكوت لا يدل على الرضا خلافا لمالك. وثانيها: ما لا يجوز ~~خطبتها تعريضا ولا تصريحا وهي منكوحة الغير، لأن خطبتها ربما صارت سببا ~~لتشويش الأمر على زوجها، ولامتناع المرأة عن أداء حقوق الزوج إذا وجدت ~~راغبا فيها، وكذا الرجعية فإنها في حكم المنكوحة بدليل أنه يصح طلاقها ~~وظهارها ولعانها وتعتد منه عدة الوفاة ويتوارثان. وثالثها: ما يفصل في حقها ~~بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية سواء كانت معتدة عن وفاة، أو ~~عن طلقات ثلاث، أو عن طلقة بائنة كالمختلعة، أو عن فسخ. وسبب التحريم أنها ~~مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة بالأقراء مسارعة إلى مكافاة ~~الزوج. وأما المعتدة عن وفاة فظاهر الآية يدل على أنها في حقها لأنها ذكرت ~~عقيب آية عدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنه خص التعريض بعدم الجناح فوجب أن ~~يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك وهو أن التصريح لا يحتمل غير ~~النكاح، فالغالب أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة ~~قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها إلى الكذب. قال ~~الشافعي: والتعريض كثير كقوله «رب راغب فيك» أو «من يجد مثلك أو «لست بأيم» ~~و «إذا حللت فأعلميني» . وعد آخرون من ألفاظ التعريض أن يقول لها: «إنك ~~لجميلة» او «صالحة» و «من غرضي أن أتزوج» و «عسى الله أن ييسر لي امرأة ~~صالحة» ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن ~~رغبت فيه. والتصريح أن يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك. # وعن أبي جعفر محمد بن علي أنها دخلت عليه امرأة وهي في العدة فقال: قد ~~علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في ~~الإسلام. فقالت: غفر الله لك أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: إنما ~~أخبرتك بقرابتي من نبي الله. قد دخل ms0807 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P647 # على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها فلم يزل يذكر لها ~~منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده. فما كانت تلك ~~خطبة # أو أكننتم في أنفسكم أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا ~~معرضين ولا مصرحين. أباح التعريض في الحال أولا ثم أباح أن يعقد قلبه على ~~أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء العدة، ثم ذكر الوجه الذي لأجله أباح التعريض ~~فقال: علم الله أنكم ستذكرونهن لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لم ~~يكد المرء يصبر عن النطق بما ينبىء عن ذلك فأسقط الله تعالى عنه الحرج. ثم ~~قال: ولكن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سرا والسر وقع كناية عن النكاح ~~الذي هو الوطء لأنه مما يسر. ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب ~~فيه كما فعل بالنكاح إلا أن تقولوا قولا معروفا وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا. ~~والمعنى لا تواعدوهن مواعدة سرية إلا مواعدة الإحسان إليها والاهتمام ~~بمصالحها حتى يصير ذكر هذه الأشياء مؤكدا لذلك التعريض. فالمواعدة المنهي ~~عنها إما أن تكون المواعدة في السر بالنكاح فيكون منعا من التصريح، وإما ~~المواعدة بذكر الجماع كقوله: إن نكحتك آنك الأربعة والخمسة. وعن ابن عباس ~~أو كقوله: دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك. عن الحسن أو يكون ذلك ~~نهيا عن مسارة الرجل المرأة الأجنبية لأن ذلك يورث نوع ريبة، أو نهيا أن ~~يواعدها أن لا تتزوج بأحد سواه. # ويحتمل أن يكون السر صفة للموعود به أي لا تواعدوهن بشيء يوصف بكونه سرا ~~إلا بأن تقولوا قولا معروفا وهو التعريض. وعن ابن عباس هو أن يتواثقا أن لا ~~تتزوج غيره ولا تعزموا عقدة النكاح من عزم الأمر وعزم عليه. والعزم عقد ~~القلب على فعل من الأفعال معناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح، أو لا تعزموا ~~عقدة النكاح أن تعقدوها، وإذا نهى عن العزم فعن نفس الفعل أولى. وقيل: معنى ~~العزم ms0808 القطع أي لا تحققوا ذلك ولا توجبوه ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل» «1» # وروي «لم يبيت الصيام» # وقيل: # لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح مثل عزمت عليك أن تفعل كذا. وأصل العقد ~~الشد والعهود والأنكحة تسمى عقودا تشبيها بالحبل الموثق بالعقد حتى يبلغ ~~الكتاب أجله المراد منه المكتوب أي تبلغ العدة المفروضة آخرها وانقضت، ~~ويحتمل أن يكون مصدرا بمعنى الفرض أي حتى يبلغ هذا التكليف نهايته. وباقي ~~الآية بيان موجبي الخوف والرجاء كما تقدم. PageV01P648 # الحكم الخامس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وقبل فرض المهر وذلك قوله عز ~~من قائل لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~واعلم أن عقد النكاح يوجب بدلا على كل حال، وذلك البدل إما أن يكون مذكورا ~~أو غير مذكور. فإن كان مذكورا فإن حصل الدخول استقر كله وعدتها ثلاثة قروء ~~كما سبق، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق كما يجيء في الآية ~~التالية، وإن لم يكن البدل مذكورا فإن لم يحصل الدخول فحكمها في هذه الآية ~~وهو أن لا مهر لها ويجب لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في ~~هذه الآيات إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل قياسا على ~~الموطوءة بالشبهة، بل أولى لوجود النكاح الصحيح. # وقد يستنبط حكمها من قوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ~~[النساء: # 24] ويحتمل أن يقال: هذه الآية تدل على أنه لا مهر للتي لا تكون ممسوسة ~~ولا مفروضا لها، فيعرف من ذلك وجود المهر للممسوسة غير المفروض لها ~~وللمفروض لها غير الممسوسة. وقد سلف حكم الممسوسة المفروض لها فتبين اشتمال ~~القرآن على أحكام جميع الأقسام. فإن قيل: ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح ~~على المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك، فإنه لا جناح عليه أيضا بعد ~~المسيس. قلنا: لعل الآية وردت لبيان إباحة الطلاق على الإطلاق، وهذا ~~الإطلاق لا يصح إلا قبل المسيس إذ بعده يحتاج إلى ms0809 أن يكون الطلاق في طهر لم ~~يجامعها فيه، أو لعل «ما» بمعنى «التي» لا للمدة. والتقدير: # لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. ولا يلزم منه وجود ~~الجناح في تطليق غيرهن، أو المراد من الجناح في الآية لزوم المهر أي لا مهر ~~عليكم ولا تبعة في تطليقهن، فإن الجناح في اللغة الثقل يقال: جنحت السفينة ~~إذا مالت بثقلها. ومما يؤكد ذلك أنه نفي الجناح ممدودا إلى غاية هي إما ~~المسيس أو الفرض. والجناح الذي ثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر ~~فحصل القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر. وأيضا إن تطليق ~~النساء قبل المسيس إما أن يكون قبل تقدير المهر أو بعده. # وفي القسم الثاني أوجب نصف المفروض كما يجيء فيجب أن يكون المنفي في ~~القسم الأول مقابل المثبت في الثاني. واتفقوا على أن المراد بالمسيس أو ~~المماسة في الآية الجماع، ولا يخفى حسن موقع هذه الكناية، وفيه تأديب ~~للعباد في اختيار أحسن الألفاظ للتخاطب والتفاهم. والفرض في اللغة التقدير ~~أي تقدروا مقدرا من المهر. ومعنى «أو» هاهنا أن رفع الجناح منوط بعدم ~~المسيس، أو بعدم الفرض على سبيل منع الخلوة فقط، ولهذا صح اجتماعهما في هذا ~~الحكم. وقيل: إنها بمعنى الواو. وقيل: بمعنى «إلا أن» # PageV01P649 # وقيل: بمعنى «حتى» والكل تعسف. ثم إنه تعالى لما بين أنها لا مهر لها قبل ~~المسيس والتسمية، ذكر أن لها المتعة فقال: ومتعوهن فذهب الشافعي وأبو حنيفة ~~إلى أنها واجبة نظرا إلى الأمر، وأنه للوجوب ظاهرا وهو قول شريح والشعبي ~~والزهري. وعن مالك: # ويروى عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة لأنه ~~تعالى قال في آخر الآية: حقا على المحسنين فجعلها من باب الإحسان. ورد بأن ~~لفظ «على» منبىء عن الوجوب. وكذا قوله حقا وأصل المتعة والمتاع ما ينتفع به ~~انتفاعا منقضيا ولهذا قيل: # الدنيا متاع. ويسمى التلذذ تمتعا لانقطاعه بسرعة. على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره أوسع الرجل إذا كان في سعة ms0810 من ماله، وأقتر ضده من القترة وهي ~~الغبار، فكأنه التصق بالأرض لضيق ذات يده. وقدره أي قدرا مكانه وطاقته فحذف ~~المضاف، أو قدره مقداره الذي يطيقه لأن ما يطيقه هو الذي يختص به. والقدر ~~والقدر لغتان في جميع معانيهما، وفي الآية دليل على أن تقدير المتعة مفوض ~~إلى الاجتهاد كالنفقة التي أوجبها الله تعالى للزوجات وبين أن الموسع يخالف ~~المقتر. قال الشافعي: المستحب على الموسع خادم، وعلى المتوسط ثلاثون درهما، ~~وعلى المقتر مقنعة. وعن ابن عباس أنه قال: أكثر المتعة خادم، وأقلها مقنعة، ~~وأي قدر أدى جاز في جانبي الكثرة والقلة، والنظر في اليسار والإعسار إلى ~~العادة. وقال أبو حنيفة: المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، لأن حال المرأة ~~التي سمي لها المهر أحسن من حال التي لم يسم لها. ثم لما لم يجب زيادة على ~~نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول فهذه أولى. متاعا تأكيد لمتعوهن أي تمتيعا ~~بالمعروف بالوجه الذي يحسن في الدين والمروءة، وعلى قدر حال الزوج في الغنى ~~والفقر، وعلى ما يليق بالزوجة بحسب الشرف والوضاعة حق ذلك حقا على المحسنين ~~لأنهم الذين ينتفعون بهذا البيان، أو من أراد أن يكون محسنا فهذا شأنه ~~وطريقته، أو على المحسنين إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى. # الحكم السادس عشر: حكم المطلقة قبل الدخول وبعد فرض المهر وذلك قوله ~~سبحانه وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية. واعلم أن مذهب الشافعي أن ~~الخلوة لا تقرر المهر. وقال أبو حنيفة: الخلوة الصحيحة تقرر المهر وهي أن ~~لا يكون هناك مانع حسي أو شرعي. فالحسي نحو الرتق والقرن والمرض أو يكون ~~معهما ثالث وإن كان نائما. والشرعي كالحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض ~~والإحرام المطلق فرضا كان أو نفلا. وقوله وقد فرضتم في موضع الحال. ومعنى ~~قوله فنصف ما فرضتم فعليكم نصف ذلك، أو فنصف ما فرضتم ساقط أو ثابت إلا أن ~~يعفون أي المطلقات # PageV01P650 # عن أزواجهن فتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف آخذ ms0811 منه ~~شيئا؟ # والفرق بين قولك «النساء يعفون» وبين «الرجال يعفون» هو أن الواو في ~~الأول لام الفعل والنون ضمير جماعة النساء ولم يحذف منه شيء، وإنما وزنه ~~يفعلن والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل، والواو في الثاني ضمير جماعة ~~الذكور واللام محذوف ووزنه «يفعون» والنون علامة الرفع، فقوله أو يعفوا عطف ~~على محل أن يعفون والذي بيده عقدة النكاح الولي وهو قول الشافعي، ويروى عن ~~الحسن ومجاهد وعلقمة. # وقيل: الزوج وهو مذهب أبي حنيفة ويروى عن علي وسعيد بن المسيب. # وكثير من الصحابة والتابعين قالوا: # ليس للولي أن يهب مهر مولاته صغيرة كانت أو كبيرة. وأيضا الذي بيد الولي ~~هو عقدة النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة أي المعقودة كالأكلة واللقمة، ثم هذه ~~العقدة بيد الزوج لا الولي وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل ~~الدخول فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحق بالعفو. حجة الأولين أن الصادر عن ~~الزوج هو أن يعطها كل المهر وذلك يكون هبة والهبة لا تسمى عفوا اللهم إلا ~~أن يقال: كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج فإذا طلقها ~~استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. أو ~~يقال: سماه عفوا على طريقة المشاكلة، أو لأن العفو والتسهيل. فعفو الرجل هو ~~أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة. حجة أخرى لو كان المراد به الزوج ~~وقد قال أولا: وإن طلقتموهن ناسب أن يقال: إلا أن يعفون أو تعفو على سبيل ~~الخطاب أيضا، وأجيب بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة هو التنبيه على ~~المعنى الذي لأجله يرغب في العفو. والمعنى إلا أن يعفون أو يعفو الزوج الذي ~~حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإن ~~فارقها الزوج فلا جرم كان حقيقا بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها. ~~ثم قال الشافعي: إذا ثبت أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، فهم منه أن ~~النكاح لا ينعقد بدون ms0812 الولي، وذلك للحصر المستفاد من تقديم بيده على عقدة ~~النكاح فتبين أنه ليس في يد المرأة من ذلك شيء وأن تعفوا أقرب للتقوى قيل: ~~اللام بمعنى «إلى» والتقدير: العفو أقرب إلى التقوى. والخطاب للرجال ~~والنساء جميعا إلا أنه غلب الذكور لأصالتهم وكمالهم، وإنما كان عفوا لبعض ~~عن البعض أقرب إلى حصول معنى الاتقاء لأن من سمح بترك حقه تقربا إلى ربه ~~فهو من أن يأخذ حق غيره أبعد، ولأنه إذا استحق بذلك الصنع الثواب فقد اتقى ~~العقاب واحترز عنه ولا تنسوا الفضل لا تتركوا التفضل والتسامح فيما بينكم، ~~وليس نهيا عن النسيان فإن ذلك غير مقدور، بل المراد منه الترك. وذلك أن ~~الرجل إذا تزوج المرأة فقد يتعلق قلبها به فإذا طلقها قبل المسيس صار ذلك ~~سببا لتأذيها منه. وأيضا # PageV01P651 # إذا كلف الرجل أن يبذل لها مهرها من غير أن يكون قد انتفع بها صار ذلك ~~سببا لتأذيه منها، فلا جرم ندب الله تعالى كلا منهما إلى تطييب قلب الآخر ~~ببذل كل المهر أو تركه وإلا فالتنصيف. عن جبير بن مطعم أنه دخل على سعد بن ~~أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها. فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق ~~كملا فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: # عرضها علي فكرهت رده. قيل: فلم بعثت بالصداق؟ قال: فأين الفضل؟ ثم إنه ~~تعالى ختم الآية بما يجري مجرى الوعد والوعيد على العادة المعلومة فقال: إن ~~الله بما تعملون بصير. ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 238 الى # 242] # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~(239) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم (240) وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله ~~لكم آياته لعلكم تعقلون (242) ### | القراآت: # وصية بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس. الباقون ~~بالرفع. ### | الوقوف: # قانتين ms0813 ه أو ركبانا ج لأن «إذا» في معنى الشرط مع فاء التعقيب تعلمون ه ~~أزواجا ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا ~~وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ. # إخراج ج من معروف ط حكيم ه بالمعروف ط المتقين ه تعقلون. ### | التفسير: # الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه سبحانه لما بين للمكلفين ما بين من ~~معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من ~~هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه ~~تحصيلا لسعادة الطرفين وتكميلا لمصالح الدارين. وقد أجمع المسلمون على أن ~~الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ~~ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو ~~كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة. والمراد بمحافظتها رعاية ~~جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال ~~القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال ~~القلب وأعمال اللسان والجوارح. ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين ~~العبد # PageV01P652 # والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ~~فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] # وفي الحديث «احفظ الله يحفظك» # وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45] وحفظته عن الفتن والمحن ~~واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن ~~شافع مشفع. # في الخبر «تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان» «1» # و «إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر ~~وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه» . # وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه تعالى أمرنا بالمحافظة على ~~الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات. وما يروى من أخبار الآحاد لا ~~معول عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة ~~في إبهامها، ولمثل ms0814 ذلك أخفى الله تعالى ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة ~~الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ~~ليكون المكلف خائفا عازما على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع ~~من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى ~~فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها. وعن الربيع: # أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن؟ قال السائل: ~~لا. قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى. القول ~~الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة ~~أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق. والصلوات ~~المكتوبات واسطة بين الطرفين. القول الثالث: # أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة. # ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن ~~هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار. ~~وأيضا إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب ~~والعشاء، والصبح متوسط بينهما. # وأيضا الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد ~~بينهما. قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا ~~لم يمل إلى أحد PageV01P653 # الخصمين وكان منفردا بنفسه عنهما. وقد أقسم الله تعالى بها في قوله ~~والفجر وليال عشر [الفجر: 1، 2] وأيضا قال تعالى: وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا [الإسراء: 28] واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر ~~فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر ~~للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد. وأيضا قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في ~~قوله وقوموا لله قانتين وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح. ~~وأيضا لا شك أنه تعالى أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ~~ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في ~~الوقت الموحش. وأيضا الإفراد بالذكر ينبىء عن الفضل، ولا ms0815 ريب في فضيلة صلاة ~~الصبح ولهذا جاء والمستغفرين بالأسحار [آل عمران: 17] # وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها. # وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظا للناس حتى لا تفوتهم ~~البتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الحيعلتين: الصلاة خير من ~~النوم. وإن الإنسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجودا بعد العدم، وعند ذلك ~~يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ~~ويملأ العالم نورا والأبدان حياة وعقلا وقوة وفهما. فهذا الوقت أليق ~~الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر ~~السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور. # وعن علي عليه السلام أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر. # وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى. القول الرابع: ~~أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقا عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة ~~الحر فصرف المبالغة إليه أولى. # وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهاجرة وكانت ~~أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم» «1» ~~فنزلت هذه الآية. # وأيضا ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة ~~بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة ~~وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث ~~الصحاح، وإن صلاة PageV01P654 # الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها. # وعن عائشة أنها كانت تقرأ والصلاة الوسطى وصلاة العصر وكانت تقول: سمعت ~~ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيغلب على الظن أن المعطوف عليه ~~العصر هو الظهر الذي قبله. # وروي أن قوما كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن ms0816 ~~الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة. القول الخامس: # أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة رضي الله ~~عنهم، # ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضا لما ورد ~~من التأكيد فيه # كقوله صلى الله عليه وسلم «من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» ~~«1» # وقد أقسم الله بها في قوله والعصر إن الإنسان لفي خسر [العصر: 1، 2] ولما ~~يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر. فالمغرب يعرف بغروب جرم ~~الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك ~~الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم. # وعن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: ~~«شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا» ~~«2» # رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة. وهو عظيم الموقع في المسألة. وفي # صحيح مسلم «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود ~~حتى توارت بالحجاب. # وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها ~~حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فأملت عليه ~~والصلاة الوسطى صلاة العصر. # القول السادس: أنها صلاة المغرب. عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار ~~وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر. القول السابع: أنها صلاة العشاء ~~لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: # المغرب والصبح. ولما # ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم «من صلى ~~العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة» «3» # وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط PageV01P655 # الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة ~~الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب ~~للرب في الصلاة وبعدها. ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب ms0817 ~~وإلا كانت الصلوات ستا فلم يبق لها وسطى. وهذا إنما يتم لو كان المراد ~~الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى ~~في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو ~~الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء وقوموا لله ~~قانتين عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما [الزمر: 9] ولأن قوله حافظوا على الصلوات أمر بما ~~في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر. وعن ~~الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي ~~مطيعين لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كل قنوت في القرآن فهو الطاعة» «1» # ومن يقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: 31] فالصالحات قانتات [النساء: 34] ~~فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها ~~وآدابها. وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب ~~إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي ~~أصلا لأنه تعالى كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى ~~القليل، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والسلف الصالح ~~فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ~~ساكتين. عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل ~~صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن ~~الكلام. وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، ~~وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من ~~جسده. ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة ~~الخوف على أنه متروك المفعول فرجالا أو ركبانا أي فصلوا راجلين ms0818 أو راكبين. ~~وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم ~~فصلوا رجالا أو ركبانا. وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص ~~لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود. ورجالا جمع راجل كقيام ~~جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: PageV01P656 # رجل رجل أي راجل. والركبان جمع راكب كفارس وفرسان. ولا يقال راكب إلا لمن ~~كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس. لكن المراد في الآية ~~أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم. واعلم أن صلاة الخوف، إما أن ~~تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله ~~تعالى، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية. ومذهب ~~الشافعي أنهم يصلون ركبانا على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى ~~غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون ~~السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنه لا ضرورة إليه بل الشجاع ~~الساكت أهيب. وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أخر الصلاة يوم الخندق. وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل. ويدخل في ~~الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع ~~أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن ~~المال. أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط ~~بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا ~~المطالب إذا كان معسرا خائفا من الحبس عاجزا عن بينة الإعسار يرخص أيضا في ~~هذه الصلاة لأن قوله فإن خفتم مطلق يتناول الكل فإذا أمنتم فإذا زال خوفكم ~~فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون من صلاة الأمن بقوله حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى كما بينه بشروطه وأركانه. والصلاة قد تسمى ذكرا ~~فاسعوا إلى ذكر الله وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم ms0819 ~~بالأمن. وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما ~~علمكم من الشرائع على لسان نبيه. وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن. و ~~«ما» في كما علمكم إما مصدرية أو كافة. # الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر والذين يتوفون منكم الآية. من قرأ ~~وصية بالرفع ف وصية مبتدأ وخبره لأزواجهم وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه ~~بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية ~~إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن. ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا ~~وصية أو يوصون وصية مثل «أنت سير البريد» أي أنت تسير سير البريد أو ألزم ~~الذين يتوفون منكم وصية متاعا نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية ~~وليمتعوهن متاعا. # والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو ~~نصب على الحال، أو نصب بالوصية وغير إخراج نصب على المصدر المؤكد كقولك ~~«هذا القول غير ما تقول» أو بدل من متاعا أو حال من الأزواج أي غير مخرجات. ~~والمعنى أن # PageV01P657 # حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع ~~أزواجهم بعده حولا كاملا أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن. ~~وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله أربعة ~~أشهر وعشرا [البقرة: 234] أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي ~~هو الربع والثمن # لقوله صلى الله عليه وسلم «ألا لا وصية لوارث» «1» # وعن علي عليه السلام وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلا. # وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس ~~وعائشة، واختاره المزني قياسا على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين. ~~وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو ~~قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد. ~~وبناء الخلاف على # خبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري ms0820 قالت: فسألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم. ~~فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى ~~يبلغ الكتاب أجله. # فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب. وعن مجاهد أنها ~~إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها ~~أربعة أشهر وعشرا وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها ~~الحول. قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما ~~معمولا بها. وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله تعالى فيلزمكم ~~القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولا. ~~فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن- أي قبل ذلك- وخالفن وصية الزوج بعد أن ~~يقمن المدة التي ضربها الله تعالى فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من ~~معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. والسبب فيه أنهم ~~كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا، وكانوا يوجبون على ~~المرأة الاعتداد بالحول، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب. ~~ويؤكده ما # روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد ~~اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا مرتين أو ~~PageV01P658 # ثلاثا كل ذلك يقول: لا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي ~~أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. # قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: كانت ~~المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا أي بيتا صغيرا، ولبست شر ثيابها، ولم ~~تمس طيبا حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو ms0821 شاة أو طائر فتقتض به. ~~قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة ~~فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء ~~الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح. ومن قطع نفقتهن ~~إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولا في بيت ~~زوجها ليس بواجب عليها. وإنما قال هاهنا من معروف منكرا لأن المراد بوجه من ~~الوجوه التي لهن أن يأتينه. وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه ~~المعروف من الشرع. ويمكن أن يقال: # إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولا، ~~ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال سبحانه: كما أرسلنا إلى فرعون ~~رسولا فعصى فرعون الرسول [المزمل: 16] . # الحكم التاسع عشر: وللمطلقات متاع عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما ~~أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر. وروي أنها لما نزلت ~~ومتعوهن إلى قوله متاعا بالمعروف حقا على المحسنين قال رجل من المسلمين: # إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقا على من كان ~~متقيا عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها ~~المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر ~~فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه تعالى اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة ~~فهي مستثناة من عموم هذه الآية. ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم ~~يفرض. واختلفوا في استحقاقها المتعة. # فالقديم من قول الشافعي وبه قال أبو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق ~~المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول. وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي ~~وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله تعالى فتعالين أمتعكن [الأحزاب: ~~28] وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي. وليست كالمطلقة المذكورة لأنها ~~استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق ms0822 في مقابلة استباحة البضع ~~فيجب لها المتعة للإيحاش. وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها ~~واجبة لكل مطلقة تمسكا بظاهر عموم الآية. # وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل متاعا إلى الحول والله ~~أعلم. # PageV01P659 ### | ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 243 الى # 245] # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(243) وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم (244) من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ~~ترجعون (245) ### | القراآت: # فيضاعفه بالألف والنصب: عاصم غير المفضل وسهل «فيضعفه» بالتشديد والنصب: ~~ابن عامر ويعقوب غير روح. فيضعفه بالتشديد والرفع: ابن كثير ويزيد وروح. ~~الباقون فيضاعفه بالألف والرفع وكذلك في سورة الحديد ويبصط بالصاد: ابن ~~كثير وأبو جعفر ونافع غير الخزاعي عن ابن فليح، وابن مجاهد وأبي عون عن ~~قنبل، وسهل وعاصم وابن ذكوان وغير ابن مجاهد والنقاش وشجاع وعلي الحلواني ~~من قالون مخير. الباقون بالسين. ### | الوقوف: # الموت ص أحياهم ط لا يشكرون ه عليم ه كثيرة ط ويبصط ص ترجعون ه. ### | التفسير: # قد جرت عادته سبحانه أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص اعتبارا للسامعين ~~ليحملهم ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد فقال: # ألم تر وفيه تقرير لمن سمع بقصتهم ووقف على أخبار الأولين وتعجيب من ~~حالهم. # ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في ~~معنى التعجب، أو تكون الرؤية بمعنى العلم والمعنى: ألم ينته علمك ولهذا عدي ~~بإلى. وعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة ~~إلا بهذه الآية، ويجوز أن يقال: كان العلم بها سابقا على نزول هذه الآية، ~~ثم إنه تعالى أنزل الآية على وفق ذلك. روي أن أهل داوردان- قرية قبل واسط- ~~وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويعلموا ~~أنه لا مفر من ms0823 حكم الله وقضائه. # ويروى أن حزقيل النبي الذي يقال له: ذو الكفل مر عليهم بعد زمان طويل وقد ~~عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم، فتعجب مما رأى فأوحى إليه: أتريد أن أريك كيف ~~أحيهم؟ فقال: نعم فقيل له: ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي. ~~فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام. ثم أوحى الله إليه: # نادها إن الله يأمرك أن تكتسي لحما فصارت لحما ودما. ثم نادها إن الله ~~يأمرك أن تقومي فقامت. فلما أحياهم كانوا يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ~~لا إله إلا أنت. ثم رجعوا إلى قومهم بعد حياتهم، وكانت تظهر أمارات الموت ~~في وجوههم إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. # وعن ابن عباس أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال # PageV01P660 # فخافوا القتال فهربوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نذهب إليها فيها ~~الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء. فأماتهم الله بأسرهم ~~وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا. وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم ~~فعجزوا من كثرتهم فحظروا عليهم الحظائر وأحياهم الله تعالى بعد الثمانية، ~~فبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم وقيل: إن ~~حزقيل النبي ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله تعالى عليهم ~~الموت، فلما كثر فيهم الموت خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فلما رأى ~~حزقيل ذلك قال: اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في ~~أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك. فأرسل الله عليهم ~~الموت فلما رآه عليه السلام ضاق قلبه فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى. ~~أما قوله سبحانه وهم ألوف حذر الموت ففيه دليل على الألوف الكثيرة ولكنهم ~~اختلفوا. فقيل: عشرة آلاف، وقيل: ثلاثون، وقيل: سبعون. وعن بعضهم أن الألوف ~~جمع آلف كقعود جمع قاعد أي خرجوا وهم مؤتلفو القلوب، وزيف بأن ورود الموت ~~عليهم وفيهم كثرة يفيد مزيد اعتبار بحالهم بخلافهم لو كانوا نفرا يسيرا. ~~فأما ورود الموت على قوم بينهم ms0824 ائتلاف ومحبة فكوروده على قوم بينهم اختلاف ~~كثير في أن وجه الاعتبار لا يتغير، وقد يوجه بأن المراد إلفهم بالدنيا ~~ومحبتهم لها فأهلكوا ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه عن الفوت. ~~وحذر الموت مفعول لأجله. فقال لهم الله موتوا معناه فأماتهم وجيء بهذه ~~العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد، وأنها خارجة عن العادة ولا ~~أمر ولا قول كما مر في قوله سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~[مريم: # 35] ويدل عليه قوله ثم أحياهم وإذا صح الإحياء بلا قول فكذا الإماتة. ~~ويحتمل أنه تعالى أمر الرسول بأن يقول لهم موتوا. والظاهر أنهم لم يكونوا ~~رأوا عند الموت من الأهوال والأحوال ما تصير بها معارفهم ضرورية ويمنع من ~~صحة التكليف بعد الإحياء كما في الآخرة. وقال قتادة: إنما أحياهم ليستوفوا ~~بقية آجالهم. إن الله لذو فضل على الناس تفضل عليهم بأن خرجوا من الدنيا ~~على المعصية فأعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي، وتفضل على ~~منكري المعاد باقتصاص خبرهم ليستبصروا ويعتبروا، وذلك أن تركب الأجزاء على ~~الشكل المخصوص ممكن وإلا لما وجد أولا، وإذا كان ممكنا في نفسه، وقد أخبر ~~الصادق بوجوده وجب القطع به. وفي القصة تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض ~~للشهادة، وأن الموت إذا لم ينفع منه الفرار فأولى أن يكون في سبيل الله، ~~ولهذا أتبعت بقوله وقاتلوا في سبيل الله ثم إن كان هذا الأمر خطابا للذين ~~أحياهم على ما قال الضحاك أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد، فلا بد ~~من إضمار تقديره، # PageV01P661 # وقيل لهم: قاتلوا. وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار ~~الجمهور من المفسرين فلا إضمار، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب ~~للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر. واعلموا أن الله سميع ~~عليم يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء ~~الجزاء. ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل الله أردف ذلك بقوله من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا ms0825 حسنا أي في باب الجهاد، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق ~~على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في ~~طريق الجهاد. و «ذا» في من ذا إما زائدة و «من» استفهام في موضع الرفع، و ~~«الذي» مع صلتها خبره أو موصولة و «الذي» بدلها أو اسم إشارة خبر «من» و ~~«الذي» نعت له، أو بدل منه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون «من» و «ذا» ~~بمنزلة اسم واحد كما كانت «ماذا» لأن «ما» أشد إبهاما من «من» إذا كانت ~~«من» لمن يعقل. وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في ~~الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر. وقيل: إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق ~~له بما قبله، وإنما ورد مستأنفا في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق ~~بعموم لفظ القرض، وإما الواجب منه لأن قوله وإليه ترجعون كالزجر. وهو إنما ~~يليق بالواجب، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم. وقد ~~يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل «سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» . # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود ~~فإنه له صدقة» # ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئا إذا كان في قلبه أنه إذا قدر ~~أنفق وأعطى، قامت تلك النية مقام الإنفاق. وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة ~~في كل ما يفعل ليجازى عليه. وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض ~~لانقطاع الأثر، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها. ~~وقيل: إن لفظ القرض في الآية مجاز، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه ~~لفقره وذلك في حق الله محال، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا ~~بالمثل وهنا يضاعف، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكا له وهاهنا ~~المال المأخوذ ملك الله. ثم مع حصول هذه الفروق سماه ms0826 الله تعالى قرضا ~~تنبيها على أن ذلك لا يضيع عند الله. فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز ~~الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة. ~~وقوله قرضا حسنا يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدرا بمعنى الإقراض. ومعنى ~~كونه حسنا حلالا خالصا لا يختلط به الحرام ولا يشوبه من ولا أذى ولا يفعله ~~رياء وسمعة، وإنما يفعله خالصا لوجه الله تعالى. # PageV01P662 # وأضعافا نصب على الحال أو على المفعول الثاني إن ضمن ضاعف معنى صير، ~~ويجوز أن يكون مصدرا لأن الضعف وإن كان اسما إلا أنه قد يقع موقع المصدر ~~كالعطاء فإنه اسم للمعطى، وقد يستعمل بمعنى الإعطاء قال القطامي: # أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا؟ # وإنما جاز جمع المصدر بحسب اختلاف أنواع الجزاء لاختلاف الإقراض في ~~المقدار والإخلاص وغير ذلك. والضعف المثل، والتضعيف والأضعاف والمضاعفة ~~كلها الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر. قيل: الواحد بسبعمائة. ~~وعن السدي أن هذا التضعيف لا يعلم أحدكم هو وما هو، وإنما أبهمه الله تعالى ~~لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود والله يقبض ويبصط يقتر ~~على عباده ويوسع فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لا يبدلكم الضيقة بالسعة. ~~وأيضا من كتب له الفقر فليس له إلا ذلك سواء أنفق أو لم ينفق، ومن كتب له ~~الغنى فليس له إلا ذلك. فعلى التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله ~~أولى. وإذا علم المكلف أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا ~~وبقي اعتماده على الله، فحينئذ يسهل عليه الإنفاق في مرضاة الله. ويحتمل أن ~~يكون المعنى: والله يقبض بعض القلوب حتى لا يقدم على هذه الطاعة، ويبسط ~~بعضها حتى يسهل عليه البذل وصرف المال. وإليه ترجعون فيجازيكم بحسب ما ~~قدمتم من أعمال الخير والله ولي التوفيق وإليه انتهاء الطريق. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 246 الى 251] # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ms0827 ~~ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين (246) وقال ~~لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم (247) وقال ~~لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك ~~آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (248) ~~فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن ~~لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما ~~جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين (249) ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا ~~صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين (251) # PageV01P663 ### | القراآت: # عسيتم بكسر السين حيث كان نافع. الباقون بالفتح. وزاده بالإمالة: # حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان. بصطه بالصاد: أبو ~~نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك بباصط [المائدة: 28] ويبصط الرزق [الرعد: ~~26] ولا تبصطها كل البصط [الإسراء: 29] فما اصطاعوا [الكهف: 97] وما أشبه ~~ذلك مني إلا بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون. غرفة ~~بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالضم هو والذين ~~بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ~~فئة ومئة وبابهما غير مهموزتين: ms0828 يزيد وشموني وحمزة في الوقف دفاع الله ~~وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون دفع الله. ### | الوقوف: # من بعد موسى م لأنه لو وصل صار «إذ» ظرفا لقوله «ألم تر» وهو محال في ~~سبيل الله ط ألا تقاتلوا ط وأبنائنا ط تعظيما لابتداء أمر معظم منهم ط ~~بالظالمين ه ملكا ط من المال ط والجسم ط من يشاء ط عليم ه الملائكة ط ~~مؤمنين ه بالجنود لا لأن «قال» جواب لما بنهر ج للابتداء بالشرط مع الفاء ~~فليس مني ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود بيده ج لعطف المختلفين منهم ط ~~تعظيما لابتداء أمر معظم معه (لا) لأن «قالوا» جواب لما وجنوده ط ملاقوا ~~الله (لا) لأن ما بعده مفعول «قال» بإذن الله ط الصابرين ه الكافرين ه ط ~~لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماض يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على «بإذن ~~الله» لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت مما ~~يشاء ط العالمين ه. ### | التفسير: # القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم ~~يملؤن العيون هيبة، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء. ~~قال: # وقال لها الأملاء من كل معشر. وخير أقاويل الرجال سديدها. قال الزجاج: ~~الملأ الرؤساء # PageV01P664 # سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم ~~«ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ» إذا كان مطيقا له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ~~ويتساندون. والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على ~~الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا إذ قالوا لنبي لهم ~~لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا ~~يفيد إلا الظن. لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل. منهم من قال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو يوشع بن نون بن إفرايم بن يوسف لقوله تعالى من ~~بعد موسى ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال. والأكثرون ms0829 على أنه ~~أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل. وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها ~~دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون. والسين تصير شينا ~~بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب. ابعث لنا ملكا أنهض للقتال معنا ~~أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا. وكان قوام بين ~~إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ~~ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم نقاتل في سبيل الله بالنون والجزم ~~على الجواب وهي القراءة المشهورة. وقرىء بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث ~~لنا ملكا مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم. ما تصنعون بالملك؟ # فقالوا: نقاتل. وقرىء «يقاتل» بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه ~~صفة ل ملكا وهل عسيتم خبره ألا تقاتلوا والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط ~~محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن ~~والخور؟ وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في ~~توقعه وما لنا ألا نقاتل قال المبرد: «ما» نافية أي ليس لنا ترك القتال. ~~والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ~~مالك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل. فعن الأخفش أن «أن» زائدة ~~أي ما لنا لا نقاتل. ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب ~~العزة. وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك «ما لك لا تقاتل» ~~معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال «أن» فيه. وعن ~~الكسائي: # واستحسنه الفارسي أن التقدير أي شيء لنا وأي داع أو غرض في ترك القتال ~~فسقطت كلمة «في» على القياس وقد أخرجنا أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا ~~بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه ~~الاجتهاد في قمع عدوه. # روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا ~~من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين. # وهاهنا محذوف التقدير: فسأل ms0830 الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم ~~القتال. فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم وهم الذين عبروا النهر ~~وسيأتي # PageV01P665 # ذكرهم وأنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر. والله عليم ~~بالظالمين وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال. وأي وعيد ~~أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم. # قوله سبحانه وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا طالوت اسم ~~أعجمي كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة. وقد يمكن ~~تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق ~~العبراني العربي. # وملكا نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثان على أن بعث بمعنى صير. ~~وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر ~~النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم قالوا أنى يكون كيف ومن أين يصح ~~ويصلح له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال الواو ~~الأولى للحال، والثانية للعطف. # فانتظمت الجملتان في سلك الحالية. استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن ~~النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط ~~يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ~~ولد بنيامين. الثاني: أنه كان فقيرا ولا بد للملك من مال يعتضد به. فعن وهب ~~أنه كان دباغا. وعن السدي أنه كان مكاريا. وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت ~~شبهتهم بوجوه: الأول: قال إن الله اصطفاه عليكم اختاره دونكم واستخلصه من ~~بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله. # وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكا فأتي بعصا يقاس بها من يملك ~~عليهم فلم يساوها إلا طالوت. # الثاني: وزاده بسطة في العلم والجسم طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال ~~فقابلهما الله تعالى بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق ~~الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما ~~وبالعلم والقدرة يتوسل إلى ms0831 الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من ~~الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان ~~وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما. وإن العالم بأمر الحروب ذا ~~القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب ~~الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء. والظاهر أن ~~المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن ~~يكون عالما في الديانات وبغيرها. وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالما وإلا ~~كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين مهابة وحشمة. والبسطة ~~السعة والامتداد وطول القامة. # روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه. # وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل. والأظهر أن يراد بها ~~القوة # PageV01P666 # لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال. الوجه الثالث: والله ~~يؤتي ملكه من يشاء فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا ~~اعتراض لأحد عليه. # الوجه الرابع: والله واسع عليم فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا ~~يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه. # قوله عز من قائل وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت الآية. ~~اعلم أن ظاهر قوله تعالى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا يدل على أنهم ~~كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إنه لما قال: إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا كان هذا دليلا قاطعا على أنه ملك، لكنه تعالى ~~لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر دل على صدق النبي، ~~وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز. ولهذا كثرت معجزات محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام. ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع ~~على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة ~~على صدق تلك الدعوى. فقيل: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتا فيه ms0832 صور ~~الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني ~~إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال ~~قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ~~وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا ~~وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا ~~نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت ~~في داره. وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، ~~فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك ~~الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم ~~الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل ~~الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل ~~طالوت. فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه. وقيل: # إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه وكانوا يعرفونه، ثم إن الله ~~تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل. ثم قال نبي ~~ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء ~~والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن ~~عباس. وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا ~~لأن من حفظ شيئا في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء. أما شكل ~~التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموها # PageV01P667 # بالذهب نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبي وزيد بن ثابت التابوه ~~بالهاء وهي لغة الأنصار. وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون «فعلوتا» ~~أو «فاعولا» لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلسل وقلق ولأنه تركيب غير معروف ~~فهو «فعلوت» من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه ~~وصاحبه يرجع ms0833 إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. والظاهر أن مجيء التابوت كان ~~معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك ~~طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبيا وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقرونا ~~بالتحدي. والجواب أن التحدي كان من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته فيه ~~سكينة هي «فعيلة» من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم ~~كالعزيمة. وأما البقية فبمعنى الباقية. يقال: بقي من الشيء بقية. والمراد ~~بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئا حاصلا في التابوت أولا، والثاني قول ~~الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة ~~اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن ~~شريعتهما فهذا # كقوله صلى الله عليه وسلم «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» «1» # أي بسببها. وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب ~~الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن ~~الله تعالى ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم. وعن ابن عباس: هي صورة ~~من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو ~~العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر. وعن علي رضي ~~الله عنه: كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة. وأما البقية ~~فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المن الذي ~~أنزل عليهم. قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك ~~التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت. وفي التابوت أشياء ~~توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع. قال تعالى: ~~أدخلوا آل فرعون [غافر: 46] وإذ نجيناكم من آل فرعون [البقرة: 49] ويجوز أن ~~يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما # كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري «لقد أوتي هذا مزمارا من ~~مزامير آل داود» «2» # وأراد به داود PageV01P668 # نفسه إذ لم ms0834 يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود إن في ذلك ~~لآية لكم إن كنتم مؤمنين بدلالة المعجزة على صدق المدعي وهاهنا محذوف ~~والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته. ~~فلما فصل طالوت بالجنود أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم ~~غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود. والجند الأعوان والأنصار ~~وكل صنف من الخلق جند # قال صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة» «1» . # روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ~~ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها. ولا أبتغي إلا ~~الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا ~~وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهرا. فقال نبيهم: على قول، أو طالوت ~~على الأظهر، # وذلك إما بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أو بالوحي إن كان نبيا إن الله ~~مبتليكم بنهر بما اقترحتموه من النهر. قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان ~~من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر ~~الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن ~~الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو. عن ابن عباس والسدي ~~أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين. # ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان ومبتليكم أي ممتحنكم. ولما كان ~~الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب ~~على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، ~~لا جرم سمى التكليف ابتلاء. فمن شرب منه فليس مني هو كالزجر أي ليس بمتصل ~~بي ولا بمتحد معي من قولهم «فلان مني» يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما ~~واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ومن لم يطعمه ومن ~~لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه. # ومنه ms0835 طعم الشيء لمذاقه. واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا ~~يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟ فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في ~~النهر. حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من ~~الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلا بذلك الشيء. وقال الباقون: بل إذا ~~اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازا إلا أنه ~~مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصورا على ~~الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا PageV01P669 # يكون داخلا تحت النهي. ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده استثناء من قوله فمن شرب منه ~~فليس مني ليصح النظم وإنما فصل قوله ومن لم يطعمه بين المستثنى والمستثنى ~~منه للعناية. ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع. ~~والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف. عن ابن عباس: ~~كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها. ولعل ذلك من معجزات ~~نبي ذلك الزمان كما # يروى عن نبينا صلى الله عليه وسلم من إرواء الخلق العظيم من الماء ~~القليل، # ويحتمل أنه كان مأذونا أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة ~~بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع ~~نفسه إلا أن قوله بيده لا يجاوب هذا الاحتمال فشربوا منه كرعوا فيه إلا ~~قليلا منهم وقرأ أبي والأعمش إلا قليل منهم وهذا من باب الميل إلى المعنى ~~والإعراض عن اللفظ جانبا كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم. فبهذا تميز ~~الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق. # يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في ~~النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا ~~عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى ms0836 فلم يزيدوا على ~~الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين. # والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما # روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين ~~عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن. # قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وقيل: إنهم ~~كانوا أربعة آلاف. ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من ~~النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما ~~الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا ~~المطيعون لقوله تعالى فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ولقوله: فليس مني أي ~~ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن ~~العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن ~~يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: # إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. ~~ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن ~~المنافق أو الفاسق. # والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما ~~جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث ~~يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين ~~عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من # PageV01P670 # يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ~~ومنهم من كان شجاعا قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا ~~اليوم. فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل. وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح ~~والظفر. فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين ~~التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود. والطاقة اسم بمنزلة ~~الإطاقة. يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة ~~وأغار إغارة والاسم ms0837 الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة. وفي المثل ~~«أساء سمعا فأساء جابة» أي جوابا ومعنى قوله يظنون أنهم ملاقوا الله يغلب ~~على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت. عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب ~~الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحدا لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: # أو تظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم ~~عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك ~~في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله يظنون يعلمون ~~ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة ~~الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم ~~«فأوت رأسه بالسيف» وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس. والمراد تقوية ~~قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، ~~فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في ~~كثرة العدد والعدة، ومحل «كم» رفع بالابتداء وغلبت الجملة خبره، بإذن الله ~~بتيسيره وتسهيله. والله مع الصابرين بالمعونة والتأييد يحتمل أن يكون من ~~قوله تعالى وأن يكون من قول الذين يظنون. # قوله سبحانه ولما برزوا لجالوت وجنوده الآية البراز الأرض الفضاء ومنه ~~البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه. واعلم أن ~~العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة ~~لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء وقالوا ~~ربنا أفرغ علينا صبرا وهكذا كان يفعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما # روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدوا ~~قال: اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك ~~أجول. # والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد ~~المبالغة. أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو ms0838 الركن الأعظم في المحاربة، ~~فإنه إن كان # PageV01P671 # جبانا لم يجد بطائل. ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد ~~والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، ~~فاقترحوها بقولهم وثبت أقدامنا ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد ~~قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم وانصرنا على القوم ~~الكافرين فلا جرم استجاب الله دعاءهم فهزموهم كسروهم بإذن الله بتوفيقه ~~وإعانته وقتل داود جالوت عن ابن عباس أن داود كان راعيا ومعه سبعة إخوة مع ~~طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود- وكان صغيرا- ~~إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم ~~عاد وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا ~~بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم. فقال داود لإخوته: أما فيكم ~~من يخرج إلى هذا الأقلف؟ فسكتوه. فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته ~~فمر به طالوت وهو يحرض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟ فقال ~~طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي. فقال داود: فأنا خارج إليه. وكانت ~~عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفا جلادته ~~فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ~~ففينا ميتة جالوت. ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر ~~فيه وقتل بعده ناسا كثيرا. قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على ~~صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل. وآتاه الله الملك في مشارق الأرض المقدسة ~~ومغاربها والحكمة أي النبوة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب ~~والنحو الأصلح. وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني ~~إسرائيل، أن الله تعالى كان يبعث إليهم نبيا وعليهم ملكا كان ذلك الملك ~~ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي ~~أشمويل أعطى الله دود النبوة، ms0839 ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضا، ~~ولم يجتمع الملك والنبوة على أحد من بني إسرائيل قبله. # ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين. # قال بعضهم: هذا الإتيان جبرا له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل ~~الله، ولا ممتنع في جعل النبوة جزاء على بعض الطاعات كما قال تعالى: ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين [الدخان: 32] وقال: الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته [الأنعام: 124] ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل. وترتب الحكم ~~على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر ~~العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة. وقال آخرون: إن النبوة لا يجوز جعلها ~~جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله تعالى ببعض عبيده كما قال: الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # PageV01P672 # [الحج: 75] فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟ فالجواب ~~أنه تعالى أراد أن يذكر كيفية ترقي داود عليه السلام في معارج السعادات، ~~والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي. وعلمه ~~مما يشاء قيل: هو صنعة الدروع لقوله وعلمناه صنعة لبوس لكم [الأنبياء: 80] ~~وقيل: منطق الطير علمنا منطق الطير [النمل: 16] وقيل: ما يتعلق بمصالح ~~الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة. # وقيل: علم الدين والقضاء وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب [ص: 20] ولا يبعد ~~حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة ~~يستغني عن التعلم سواء كان نبيا أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وقل رب زدني علما [طه: 114] ولولا دفع الله معناه ظاهر وأما من قرأ ~~بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمح جماحا وكتب كتابا وقام قياما، وإما ~~أن يكون بمعنى أنه سبحانه يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه ~~وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله إن ~~الذين يحادون الله ورسوله [المجادلة: 20] . # واعلم أن الله تعالى ms0840 ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به ~~وهو البعض الآخر. وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في ~~الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ~~ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا ~~كالهرج والمرج وإثارة الفتن. # فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «الملك والدين توأمان» # «الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ~~ضائع» # وعلى هذا فمعنى قوله لفسدت الأرض أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من ~~الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران. وقيل: المراد بالدفع نصر ~~المسلمين على الكفار. ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين. ~~وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، ~~فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا ~~يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج ~~وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله ~~طرفة عين» # ثم تلا هذه الآية ولكن الله ذو فضل على العالمين بسبب ذلك الدفاع. وفيه ~~أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله. ### | التأويل: # فقوله ألم تر إلى الملإ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ~~ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا ~~عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدعي الإسلام # PageV01P673 # والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون ~~صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان فلما كتب ~~عليهم القتال تبين الأبطال من البطال ف تولوا إلا قليلا منهم وأن أهل الحق ~~أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء. # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن ms0841 الكرام قليل # تعيرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل # وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ~~وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه ~~سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم ~~من السعداء في أثناء البكاء والصعداء وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من ~~الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين [المائدة: 84] فلا جرم أثابهم ~~الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين. إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية ~~حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ~~ولهذا. قالوا: أنى يكون له الملك علينا وليس هذا بأعجب من قول المقربين ~~المؤيدين بالأنوار القدسية أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] استحقارا ~~لشأن آدم واحتجابا بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ~~نحن أحق بالملك وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف ~~أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، ~~رفعه الله وأعطاه الملك. ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ونحن نسبح ~~بحمدك [البقرة: 30] أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع ~~لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله تعالى بسجود الملائكة وحمل ~~أعباء الأمانة إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه إشارة إلى أن آية خلافة ~~العبد أن يظفر بتابوت قلب فيه سكينة من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس ~~مع الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] بقية مما ترك آل موسى هو ~~عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم ~~سحر سحرة صفات فرعون النفس. # وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب ~~المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي ~~تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان ms0842 في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت ~~المؤمن رب الأرض والسماء كما # قال: «لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» # فإذا حصل # PageV01P674 # لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وانقاد ~~له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا ويتجهز لقتال جالوت النفس ~~الأمارة إن الله مبتليكم بنهر هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها زين للناس ~~حب الشهوات [آل عمران: 14] ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ~~إلا من اغترف غرفة بيده قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول ~~والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، # وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اجعل قوت آل محمد ~~كفافا» # أي ما يمسك رمقهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده لأن من شرب من نهر ~~الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت ~~النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولا مريض القلب فبقي على شط ~~نهر الدنيا رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها [يونس: 7] ولما برزوا لجالوت ~~وجنوده فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته ~~لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعينا به مستغنيا عن غيره قائلا ربنا ~~أفرغ علينا صبرا على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى ~~والإعراض عن زينة الدنيا وثبت أقدامنا على التسليم في الشدة والرخاء ونزول ~~البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء وانصرنا على القوم الكافرين ~~وهم أعداؤنا في الدين عموما، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا ~~بين جنبينا خصوصا فهزموهم بإذن الله بنصرته وقوته وقتل داود القلب جالوت ~~النفس إلخ. # وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه ~~بالهوى حتى صار الثلاثة حجرا واحدا وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في ~~مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى ~~أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج ms0843 من قفاها وقتل من ~~ورائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي ~~الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، ~~وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ~~ولكل قوم هاد [الرعد: 7] لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم ~~عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة ~~المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب ~~سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء [النور: 21] . # PageV01P675 # تم الجزء الثاني، وبه يتم المجلد الأول من تفسير غرائب القرآن ورغائب ~~الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري، ويليه الجزء الثالث، وهو بداية ~~المجلد الثاني، وأوله: تلك آيات الله نتلوها عليك ... # PageV01P676 ### | الفهرس # مقدمة المصنف 3 تفسير سورة الفاتحة الآيات: 1- 7 60 تفسير سورة البقرة ~~الآيات: 1- 5 128 الآيتان: 6 و 7 149 الآيات: 8- 16 159 الآيات: 17- 20 172 ~~الآيتان: 21 و 22 178 الآيتان: 23 و 24 190 الآية: 25 197 الآيتان: 26 و 27 ~~202 الآيتان: 28 و 29 208 الآية: 30 213 الآيات: 31- 33 221 الآيات: 34- 39 ~~239 الآيات: 40- 46 269 الآيتان: 47 و 48 279 الآيات: 49- 53 281 الآيات: ~~54- 57 288 الآيتان: 58 و 59 293 الآيتان: 60 و 61 297 الآيات: 62- 66 302 # PageV01P677 # الآيات: 67- 74 307 الآيات: 75- 82 316 الآيات: 83- 86 321 الآيات: 87- ~~91 329 الآيات: 92- 96 335 الآيات: 97- 101 341 الآيتان: 102 و 103 345 ~~الآيات: 104- 108 353 الآيات: 109- 113 362 الآيات: 114- 118 370 الآيات: ~~119- 123 381 الآيات: 124- 126 383 الآيات: 127- 134 396 الآيات: 135- 141 ~~412 الآيات: 142- 152 417 الآيات: 153- 157 438 الآيات: 158- 162 444 ~~الآيتان: 163 و 164 450 الآيات: 165- 167 460 الآيات: 168- 171 464 الآيات: ms0844 ~~172- 176 467 الآية: 177 475 الآيتان: 178 و 179 480 الآيات: 180- 182 487 ~~الآيات: 183- 187 493 الآيتان: 188 و 189 523 الآيات: 190- 195 528 الآية: ~~196 535 الآيات: 197- 203 549 # PageV01P678 # الآيات: 204- 210 574 الآيات: 211- 214 582 الآيات: 215- 218 591 الآيات: ~~219- 221 600 الآيات: 222- 227 612 الآيات: 228- 232 624 الآيات: 233- 237 ~~639 الآيات: 238- 242 652 الآيات: 243- 245 660 الآيات: 246- 251 664 # PageV01P679 ### | المجلد الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثالث من أجزاء القرآن الكريم بسم الله ~~الرحمن الرحيم ### | تتمة سورة البقرة ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 252 الى 254] # تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين (252) تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من ~~بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253) يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ~~مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم ~~الظالمون (254) ### | القراءات: # لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وابن كثير الباقون: بالرفع والتنوين. وكذلك في سورة إبراهيم: لا بيع فيه ~~ولا خلال [الآية: 31] وكذلك في سورة الطور: لا لغو فيها ولا تأثيم [الآية: ~~23] . ### | الوقوف: # بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين ه على بعض م لأنه لو وصل صار الجار ~~والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى عليه ~~السلام من هذا البعض المفضل عليه غيره لا من البعض المفضل على غيره ~~بالتكليم. درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، ~~الظالمون ه. ### | التفسير: # تلك القصص المذكورة من حديث الألوف وإماتتهم ثم إحيائهم، ومن تمليك طالوت ~~وظهور الآية التي هى إتيان التابوت، وغلبة الجبابرة على يد داود وهو صبي ~~فقير آيات الله الباهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته ورحمته نتلوها ms0845 عليك ~~بتلاوة جبرائيل وفيه تشريف عظيم لجبرائيل كقوله: إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله [الفتح: # 10] بالحق باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك من غير ~~تفاوت، ولأن في تلاوتها حكمة شريفة وهي اعتبار المكلفين من أمتك ليحتملوا ~~شدائد الجهاد كما # PageV02P003 # احتملها الأمم السالفة، ولأنها تدل على نبوتك من قبل أنها أخبار بالغيب ~~لما فيها من الفصاحة والبلاغة. ثم أكد ذلك بقوله: وإنك لمن المرسلين حيث ~~تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة ودراسة، وفيه أيضا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه ~~الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت. ولمثل هذا كرر فقال: # تلك الرسل أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~فضله الله بأن كمله الله من غير سفير وهو موسى عليه السلام ورفع بعضهم ~~درجات قيل إن درجات نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله: ورفعناه مكانا ~~عليا [مريم: # 57] أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، ~~وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال: ورفعنا بعضهم ~~رفعات. وأيد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد ~~مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء ~~الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع. # واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدا ~~أفضل الكل لوجوه منها قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~[الأنبياء: 107] ومنها قوله: ورفعنا لك ذكرك [الشرح: 4] قرن ذكره بذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك ~~لسائر الأنبياء ومنها أنه قرن طاعته بطاعته: من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~[النساء: 80] وبيعته ببيعته إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: ~~10] وعزته بعزته: ولله العزة ولرسوله [المنافقون: 8] ورضاه برضاه ms0846 والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] وأجابته بإجابته يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول [الأنفال: 24] ومحبته بمحبته: قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] . ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي ~~إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن ~~التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن ~~تصلح للتحدي فيكون معجزا برأسه. ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على ~~وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى ~~زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة. ومنها أنه ~~اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقا فيهم وإليه ~~الإشارة بقوله: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] أي ~~أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز ~~أن يكون مأمورا # PageV02P004 # بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ ~~الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق. ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان ~~يتحمل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد. ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا ~~لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أمته أفضل: كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل. ~~ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثا إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة ~~التابعين أثرا قويا في علو شأن المتبوع. ومنها أن كل نبي نودي في القرآن ~~فقد نودي باسمه. # يا آدم اسكن [البقرة: 35] ، يا موسى إني أنا الله [القصص: 30] ، وناديناه ~~أن يا إبراهيم [الصافات: 14] ، يا عيسى إني متوفيك [آل عمران: 55] . وأما ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإنه نودي بقوله: يا أيها النبي [الأنفال: 64 ~~وغيرها كثير] يا أيها الرسول [المائدة: # 41، 67] ، بل أقسم بحياته: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون [الحجر: 72] . # وأما الأحاديث في هذا الباب # فعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتذاكرون ms0847 وهم ينتظرون خروجه. قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ~~فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض: عجبا إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه ~~خليلا واتخذ إبراهيم خليلا. وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه ~~تكليما. وقال آخر: ماذا بأعجب من جعل عيسى كلمة الله وروحه. وقال آخر: ماذا ~~بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ~~ملائكته. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وقال: «قد سمعت ~~كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجي الله وهو كذلك، ~~وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا ~~وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا ~~أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم ~~القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي ~~فقراء المؤمنين ولا فخر» . # وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت ~~خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر ~~وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ~~ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب على العدو بين ~~يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» «1» # وروى البيهقي PageV02P005 # في كتابه في فضائل الصحابة ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «هذا سيد العرب» فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: «أنا ~~سيد العالمين وهو سيد العرب» . # ومما يؤكد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون ~~على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة رئيس ~~القرية. ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أعم من نبوة سائر الأنبياء ~~فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أعطي من كنوز العلم والحكمة ms0848 وذخائر ~~المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم ~~الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده. # هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من ~~معجزاته فآدم جعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحا ~~وريحانا، وأوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديد في يده، ~~وسليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مسخرين ~~له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى # قال: «لا تفضلوني على يونس بن متى» . # وقال: «لا تخيروا بين الأنبياء» «1» # . وقال «لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا» # وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها. والجواب أن كون آدم مسجودا ~~للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» «2» # وقوله: «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» . # ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ ركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج # وهذا أعظم من السجود، وأنه تعالى يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، ~~وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرة واحدة على أن ذلك السجود أيضا إنما كان ~~لأجل نور محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر ~~العمل ولهذا # قال: «لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك» # ومن تأمل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كان لنبي قبله معجزة ~~أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما # قوله: «لا تفضلوني ### | .... # ولا تخيروا» # ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب. وأيضا التمييز بين الشخصين إنما ~~يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعا وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي ~~عنه حتى لا يؤدي إلى محذور. والحاصل أن التوفيق بين # قوله «لا تفضلوني» # وبين ما مر من الأحاديث أن كلا منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث ~~رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء PageV02P006 # السالفة منعهم عن ذلك، # وقال: «أنا أكرم ms0849 الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين» «1» . # وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك # وقال: «لا تفضلوني» # على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون ~~الشيء حقا في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى ~~المكلف، فالمراد بهذا الأمر: لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمكم، وإنما ~~المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم. # ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: من كلم الله التقدير: من كلمه، فحذف العائد ~~وقرىء كلم الله بالنصب وليس بقوي فإن كل مصل فإنه يكلم الله # قال صلى الله عليه وسلم «المصلي يناجي ربه» . # وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم ~~الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس ~~بمكيف ولا في جهة. # وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال. واتفقوا على أن موسى قد ~~كلمه الله واختلف في أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج هل كلمه ~~الله أم لا منهم من قال نعم بدليل قوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] وأورد هاهنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله ~~إبليس حيث قال: أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين [الأعراف: 14، ~~15] الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى كلمة من ~~غير واسطة، فلعل الواسطة كانت موجودة. قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن ~~المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة ~~الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس: وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ~~[ص: 78] وكما في أهل النار: اخسؤا فيها ولا تكلمون [المؤمنون: 108] . # أما قوله: ورفع بعضهم درجات فقيل: المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة ~~فاتخذ إبراهيم خليلا، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس ~~والطير والريح. وخص يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخص ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بالبعث إلى الثقلين وكونه ms0850 خاتم النبيين إلى سائر ~~خصائصه. هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب. أما إذا حملناها على ~~المعجزات ففيه أيضا وجه وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من ~~المعجزة لائقا بزمانه فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق ~~البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى PageV02P007 # من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذ من الفصاحة ~~والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر. وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة ~~والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة. وفيه وجه ثالث وهو أن ~~يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة ~~الدولة. وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ~~مستجمعا للكل فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم ~~وأوفر، وقيل: # المراد بهذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل على الكل. ~~وإنما قال: ورفع بعضهم درجات على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيما فيقال ~~له: من فعل؟؟؟ هذا؟ فيقول: أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم ~~من التصريح به. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيرا والنابغة ثم قال: ~~ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه. ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يبق فيه ~~فخامة. وليس قوله ورفع بعضهم درجات تكرارا لقوله فضلنا بعضهم على بعض لأن ~~المفهوم من قوله فضلنا هو وجود نفس الفضل. # والمفهوم من قوله ورفع بعضهم درجات هو التفاوت بالدرجات الكثيرة. # وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس قد سبق تفسيره. وإنما ~~عدل عن الغيبة إلى الحكاية لأن الضمير في قوله وآتينا للتعظيم وتعظيم ~~المؤتى يدل على عظمة الإيتاء. وأما قوله كلم الله فأهيب من قوله كلمنا ~~فلهذا اختير الغيبة. وسبب تخصيص موسى وعيسى بالذكر هو أن أمتهما موجودون ~~حاضرون، فنبه على أن هذين الرسولين مع علو درجتهما وتبين معجزاتهما، لم ~~يحصل ms0851 الانقياد من أمتهما لهما بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في ~~طاعتهما أعرضوا ثم إن الرسل بعد مجيء البينات ووضوح الدلائل اختلف أقوامهم ~~فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا، فلهذا ~~قال تعالى: ولو شاء الله أي أن لا يقتتلوا ما اقتتل الذين من بعدهم ~~لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضا ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه ~~دين الأنبياء، ومنهم من كفر بإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا. كرر ~~الكلام تكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، ولكن الله يفعل ما ~~يريد. وفي الآية دلالة على صحة مسألة خلق الأعمال، ومسألة إرادة الكائنات، ~~وأن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها ~~الله عز وجل في العبد. والمعتزلة يقيدون المطلق في الآيتين فيقولون المراد ~~ولو شاء الله مشيئة الجاء وقسر كما يقال لو شاء الإمام لم يعبد المجوس ~~النار في مملكته ولم يشرب النصارى الخمر ويقولون المراد يفعل ما يريد من ~~أفعال نفسه. ثم إنه # PageV02P008 # تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله وقاتلوا في سبيل [البقرة: 190] ~~وأعقبه بقوله من ذا الذي يقرض الله [الحديد: 11] ، والغرض منه الإنفاق في ~~الجهاد، ثم أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر ~~بالإنفاق في الجهاد بقوله يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم وعن ~~الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله من قبل أن يأتي يوم كالوعيد وأنه لا يتوجه ~~إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب. وليس في ~~الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، ~~وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله. # ومعنى قوله لا بيع أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو ~~يكتسب مالا حتى ينفق منه، ولا خلة لا مودة، لأن كل أحد يكون مشغولا بنفسه ~~لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد ms0852 يوم ~~تذهل كل مرضعة عما أرضعت. ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقا ذكر عقيبه ~~قوله الكافرون هم الظالمون ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا ~~فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفساق. نقل عن عطاء بن يسار أنه ~~كان يقول: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم ~~الكافرون. وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم ~~الخيرات ليوم فاقتهم، فقال والكافرون للتغليظ كقوله ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين [آل عمران: 97] أي ومن لم يحج. وقيل المراد. إن الكافرين إذا ~~دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر ~~والفسق. فهو كقوله ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [الكهف: 49] ~~وقيل «الكافرون» هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من ~~الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقيل المعنى والكافرون هم ~~التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ~~[الكهف: 33] وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر. وفائدة الفصل ~~أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم. ### | التأويل: # تلك آيات الله أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته نتلوها عليك بالحق نجلوها ~~عليك بالحقيقة كما هي وإنك لمن المرسلين الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا ~~تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم ~~فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات ~~وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ~~ويخرجونهم من الظلمات # PageV02P009 # إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السموات وأنت عبرت ~~المكونات فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 9، 10] ~~فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت ~~بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول: # «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت» # لأن غيرك ما سقي من شرب ما ms0853 سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت. # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا ~~بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكل من أهل ~~الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر ~~سعيهم واختيارهم. وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، ~~كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ~~فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى» . # ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون [الأنبياء: 101] وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ~~ثبت لسيد المرسلين. # والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول ~~النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد ~~بلفظ الوحدان في قوله وجعل الظلمات والنور [الأنعام: 1] ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور [المائدة: # 16] . والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال: والذين أوتوا ~~العلم درجات [المجادلة: 11] فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد ~~العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت ~~مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض. فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السموات، ~~كما # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ~~ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء ~~الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم ~~عليه السلام في السماء السابعة، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ما بقي في ~~مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، # لأنه كان فانيا بالكلية عن ظلمة وجوده باقيا بنور شهود ربه، ولهذا سماه ~~الله نورا قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين [المائدة: # 15] : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر ~~عن اختلاف العوام وافتراقهم ms0854 أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال: ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق ~~والبذل فخاطب أهل الإيمان أي: إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب ~~والعقاب والجنة والنار حقا فتصدقوا من كل ما رزقناكم # PageV02P010 # من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها ~~العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة ~~الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان. من قبل أن يأتي يوم لا يشترى فيه ما ~~يباع من الأموال والأنفس في سوق إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ~~[التوبة: 111] ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين [الزخرف: 67] ولا شفاعة لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ~~والكافرون هم الظالمون لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم ~~بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر. # والله المستعان. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 255 الى 257] # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات ~~وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده ~~حفظهما وهو العلي العظيم (255) لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ~~والله سميع عليم (256) الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون (257) ### | القراآت: # تعرف مما مر. ### | الوقوف: # إلا هو ج، لأن قوله: الحي القيوم يصلح بدلا عن الضمير وخبر ضمير آخر ~~محذوف القيوم ج لاختلاف الجملتين، ولا نوم ط، وما في الأرض ط لابتداء ~~الاستفهام. بإذنه ط لانتهاء الاستفهام. وما خلفهم ج للفرق بين الأخبار عن ~~علمه الكامل مطلقا وإثبات علم الخلق المقدر لمشيئته مبتدأ بالنفي. بما شاء ~~ج لاختلاف الجملتين. حفظهما ج العظيم # ه. ms0855 الغي ج، لأن من للشرط مع فاء التعقيب. # الوثقى ط قد قيل للاستئناف بالنفي والوجه الوصل على جعل الجملة حالا ~~للعروة أي: # استمسك بها غير منفصمة لها ط. عليم ه. آمنوا لا، لأن يخرجهم حال والعامل ~~معنى الفعل في ولي تقديره: الله يليهم مخرجا لهم أو مخرجين إلى النور ط ~~للفصل بين الفريقين: الطاغوت لا، لأن يخرجونهم حال. إلى الظلمات ط. النار ~~ج. خالدون ه. # PageV02P011 ### | التفسير: # قد جرت عادته سبحانه في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة، ~~أعني: علم التوحيد وعلم الأحكام وعلم القصص بعضها ببعض. والغرض من ذكر ~~القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، ~~وفي هذا النسق أيضا رحمة شاملة ولطف كامل فإن طبع الإنسان جبل على الملال، ~~فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ~~ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه. وإذ قد تقدم من علم الأحكام ~~والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد. # فقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما قرئت هذه الآية في دار إلا ~~هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة» . # وعن علي رضي الله عنه: «سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية ~~الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب ~~عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه ~~وجاره، وجار جاره والأبيات حوله» وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال ~~لهم علي رضي الله عنه: أين أنتم من آية الكرسي؟. ثم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم «يا علي سيد البشر آدم عليه السلام، وسيد العرب أنت، وسيد ~~العالمين محمد صلى الله عليه وسلم ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد ~~القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي» . # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم ms0856 بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع، فجئت فإذا هو ساجد يقول: «يا حي ~~يا قيوم» لا يزيد على ذلك. ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو صلى الله عليه ~~وسلم يقول ذلك. فلا أزال أذهب وارجع وأنظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى ~~أن فتح الله له. # واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم، وأشرف المذكورات ~~والمعلومات هو الله تعالى بل هو متعال عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك ~~يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ولما كانت الآية ~~مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات، فلا جرم وصلت في ~~الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات. ولنشتغل بالتفسير. # أما لفظ «الله» فقد مر تفسيره في أول الكتاب. وأما قوله لا إله إلا هو ~~فقد سبق تفسيره في قوله وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو وأما الحي القيوم ~~فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء، لا أنا نزيد هاهنا فنقول: عن ابن ~~عباس: إن أعظم أسماء الله # PageV02P012 # «الحي القيوم» . ويؤكده ما روينا من قصة بدر ولو كان ذكر أشرف منه لذكره ~~وقتئذ في السجود. وأما الدليل العقلي فإن «الحي» قيل هو الذي يصلح أن يعلم ~~ويقدر، أو هو الدراك الفعال، فأورد عليه أن هذا لا يقتضي المدح لمشاركة أخس ~~الحيوانات إياه في ذلك. ونحن نقول إن «الحي» في اللغة ليس عبارة عمن يوجد ~~فيه هذه الصفة من هذه الحيثية فقط، بل كل شيء، يكون كاملا في جنسه فإنه ~~يسمى حيا. ومن هاهنا يصح أن يقال: أحيا الموات، وأحيا الله الأرض. فإن كمال ~~حال الأرض أن تكون معمورة، وكمال حال الأشجار أن تكون مورقة نضيرة. ولما ~~كان كمال حال الجسم أن يكون بحيث يصح أن يعلم ويقدر، فلا جرم سميت تلك ~~الصفة حياة. فالمفهوم من «الحي» هو الكامل في جنسه، والكامل في الوجود هو ~~الذي يجب وجوده بذاته، فلا حي بالحقيقة إلا واجب ms0857 الوجود لذاته. وأما ~~«القيوم» فيطلق لمجموع اعتبارين: أحدهما، أنه لا يفتقر في قوامه إلى غيره. ~~والثاني أن غيره يفتقر في قوامه إليه. وبهذا الثاني يزيد على مفهوم «الحي» ~~. ومن هذين الأصلين يتشعب جميع مسائل التوحيد والمعرفة فمنها أن واجب ~~الوجود واحد في ذاته وبجميع جهات الوحدة، إذ لو فرض فيه تركب بوجه من ~~الوجوه افتقر في تحققه إلى وجود ذينك الجزأين فيقدح في كونه قيوما ومنها ~~أنه لا شريك له وإلا اشتركا في الوجوب وتباينا بالتعين فيكون كل منهما ~~مركبا من جزأين فلا يكون قيوما ولا حيا، فإن كل مركب مفتقر وكل مفتقر ممكن ~~ومنها أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز منقسم، وقد ثبت أنه واحد، ومنها أنه ~~ليس في جهة يشار إليها، وإلا كان متحيزا ومنها أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا ~~عرض ولا يصح عليه الحركة والسكون والانتقال والحالية والمحلية وغير ذلك ~~ومنها أنه عالم بجميع المعلومات فإنه لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم ~~للعالم، وإذا كان حيا قيوما كانت حقيقته حاضرة عند ذاته وذاته مقوم لغيره، ~~والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيكون عالما بما سواه. ومنها أنه قادر ~~على كل المقدورات، وإلا لم يكن قيوما بمعنى كونه مقوما لغيره ويعلم منه ~~استناد كل الممكنات إليه بواسطة أو غير واسطة، ويلزم منه القول بالقضاء ~~والقدر. «والحي» أصله حيي كحذر وطمع، فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، ~~وكلا الياءين أصل، وقال ابن الأنباري: أصله «حيو» بدليل الحيوان، فلما ~~اجتمعت الواو والياء ثم كان السابق ساكنا، جعلتا ياء مشددة، وزيف بكونه ~~عديم النظير فإنه لم يوجد ما عينه ياء ولامه واو. «والقيوم» مبالغة قائم، ~~وأصله «قيووم» على «فيعول» ، فجعلت الياء الساكنة والواو الأولى ياء مشددة. # ولو كان «قووما» على «فعول» لقيل «قووم» وعن عمر أنه قرأ «الحي القيام» . ~~وقرىء «القيم» ثم لما بين أنه «حي قيوم» أكد ذلك بقوله لا تأخذه سنة ولا ~~نوم ولهذا فقد العاطف بينهما وكذا فيما يعقبهما والسنة ما يتقدم النوم من ~~الفتور الذي ms0858 يسمى النعاس، أي: لا # PageV02P013 # يأخذه نعاس، فضلا أن يأخذه نوم أو نقول: نفى الأخص أولا، ثم نفى الأعم ~~ليفيد المبالغة من حيث لزوم نفي النوم أولا ضمنا ثم ثانيا صريحا. ولو اقتصر ~~على نفي الأخص لم يلزم منه نفي الأعم. والمعنى أنه لا يفتر عن تدبير الخلق ~~لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة اختل أمر الطفل، وهو كما يقال لمن ~~ضيع وأهمل: إنك لو سنان نائم. ومما يدل على أن السهو والغفلة والنوم على ~~الله محال هو أن هذه الأشياء إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد ~~العلم. وعلى التقديرين فجواز طريانها يوجب جواز زوال علم الله تعالى، فلا ~~يكون العلم مقتضى ذاته فيفتقر إلى فاعل: فواجب الوجود لذاته لا يكون واجبا ~~بجميع صفاته، فلا يكون حيا ولا قيوما وهذا خلف. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ~~ينام ربنا؟ فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام، ثم أعطاه ~~قارورتين مملؤتين ماء في كل يد واحدة، وأمره بالاحتفاظ. فكان يتحرز بجهده ~~إلى أن نام في آخر الأمر فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا. # وكان ذلك مثلا في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات ~~والأرضين. وهذه الرواية، إن صحت، وجب أن ينسب هذا السؤال إلى جهال قوم موسى ~~كطلب الرؤية، وإلا فكيف يجوز على نبي الله تجويز النوم على «الحي القيوم» ~~والتجويز شك، والشك في مثله كفر. ثم لما بين كونه «قيوما» وأكده بما أكد، ~~رتب عليه حكما وهو قوله له ما في السماوات وما في الأرض لأن كل ما سواه ~~فإنما تقومت ماهيته وتحصل وجوده به، فيكون ملكا له، ويلزم منه أن يكون حكمه ~~جاريا في الكل، ولا يكون لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو ~~المراد بقوله: من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ومعنى الاستفهام هاهنا ~~الإنكار، أي: # لا يشفع، وفيه رد على المشركين القائلين للأصنام: هؤلاء شفعاؤنا ms0859 عند الله ~~[يونس: # 18] ويلزم من كون غيره غير متصرف في ملكه بوجه من الوجوه إلا بأمره كونه ~~عالما بالكل وكون غيره غير عالم بالكل إلا بإعلامه. فأشار إلى الأول بقوله ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وإلى الثاني بقوله ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شاء والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون بعدهم والضمير لما في ~~السموات والأرض، لأن فيهم العقلاء فغلبوا، أو لما دل عليه قول من ذا من ~~الملائكة والأنبياء والصالحين والشهداء. عن مجاهد وعطاء والسدي أي: يعلم ما ~~كان قبلهم من أمور الدنيا وما كان بعدهم من أمور الآخرة وعن الضحاك ~~والكلبي: «ما بين أيديهم» : الآخرة لأنهم يقدمون عليها، «وما خلفهم» الدنيا ~~لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم. وعن ابن عباس: «يعلم ما بين أيديهم» من السماء ~~إلى الأرض، «وما خلفهم» يريد ما في السموات وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما ~~يفعلونه بعد # PageV02P014 # ذلك. والغرض أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق ~~باستحقاق الثواب والعقاب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، ~~والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة ~~العظيمة عند الله ولا يعلمون أن الله تعالى أذن لهم في تلك الشفاعة أم لا، ~~فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه، أي من معلوماته، إلا بما علم كقوله: لا علم ~~لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] ويحتمل أن يراد: ولا يعلمون الغيب إلا ~~بإعلامه كقوله: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ~~[الجن: 26] وإذا كان الشفعاء وهم الملائكة والأنبياء لا يعلمون شيئا إلا ~~بتعليم الله فغيرهم بعدم العلم أولى. # ثم إنه لما بين كمال ملكه وحكمه في السموات وفي الأرضين ذكر أن ملكه فيما ~~عدا السموات والأرضين أعظم وأجل، وأن ذلك مما ينقطع دون الإيماء إلى أدنى ~~درجة من درجاتها أوهام المتوهمين، فقال وسع كرسيه السماوات والأرض يقال وسع ~~فلان الشيء إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. # قال صلى الله عليه وسلم: «لو ms0860 كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي» # أي: # لم يحتمل غير ذلك. وأما «الكرسي» فأصله من التركب والتلبد، ومنه الكرس ~~بالكسر للأبوال والأبعار يتلبد بعضها على بعض، والكراسة لتراكب بعض أوراقها ~~على بعض، والكرسي لما يجلس عليه لتركب خشباته. وللمفسرين في معناه هاهنا ~~أقوال: فعن الحسن أنه جسم عظيم يسع السموات والأرض وهو نفس العرش لأن ~~السرير قد يوصف بأنه عرش وبأنه كرسي لأن كل واحد منهما يصح التمكن عليه. ~~وقيل إنه دون العرش وفوق السماء السابعة وقد وردت الأخبار الصحيحة بهذا. ~~وعن السدي أنه تحت الأرض. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسي ~~موضع القدمين وينبغي أن تحمل هذه الرواية إن صحت على ما لا يفضي إلى ~~التشبيه ككونه موضع قدم الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند الله ~~تعالى. وهاهنا أسرار لا أحب إظهارها لو شاء الله أن يطلع عليها عبدا من ~~عبيده فهو أعلم بمحارم أسراره. وقيل: المراد من الكرسي أن السلطان والقدرة ~~والملك له لأن الإلهية لا تحصل إلا بهذه الصفات، والعرب تسمي أصل كل شيء ~~الكرسي، أو لأنه تسمية للشيء باسم مكانه فإن الملك مكانه الكرسي. وقيل: ~~المراد به العلم لأن موضع العالم هو الكرسي وأيضا العلم هو الأمر المعتمد ~~عليه. ومنه يقال للعلماء: كراسي الأرض كما يقال لهم أوتاد الأرض. وقيل: ~~المقصود من الكلام تصوير عظمة الله وكبريائه ولا كرسي ثم ولا قعود ولا ~~قاعد. واختاره جمع من المحققين كالقفال والزمخشري وتقريره: أنه يخاطب الخلق ~~في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوا في ملوكهم فمن ذلك أنه جعل الكعبة بيتا ~~له # PageV02P015 # يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم، وأمر الناس بزيارته كما يزور ~~الناس بيوت ملوكهم. وذكر في الحجر الأسود أنه يمين الله في أرضه، ثم جعله ~~مقبل الناس كما تقبل أيدي الملوك. وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور ~~الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين. وعلى هذا القياس أثبت لنفسه ~~عرشا فقال: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ووصف عرشه فقال: وكان ms0861 عرشه على ~~الماء [هود: 71] ثم قال وترى الملائكة حافين من حول العرش [الزمر: 75] ثم ~~قال ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة: 17] ثم أثبت لنفسه كرسيا. ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ ~~الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة الله وكبريائه ~~فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي ولا يؤده لا يثقله ولا يشق عليه ~~حفظهما حفظ السموات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد ~~وصورة واحدة، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة. ثم بين أنه مع ~~كونه مقوما للممكنات مقيما للأرضين والسموات متعال عن المتحيزات ومقدس عن ~~الزمنيات فقال: وهو العلي العظيم والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا ~~الحيز والجهة. وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان. # وقوله سبحانه: لا إكراه في الدين الآية: لما بين دلائل التوحيد بيانا ~~شافيا قاطعا للأعذار ذكر بعد ذلك. أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على ~~الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي ~~هي مقام الابتلاء والاختبار، وينافيه الإكراه والإجبار. ومما يؤكد ذلك ~~قوله: قد تبين الرشد من الغي يقال بان الشيء واستبان وتبين وبين أيضا إذا ~~وضح وظهر ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين. والرشد إصابة الخير، والغي ~~نقيضه. أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال، ~~بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات. فمن يكفر بالطاغوت قال ~~النحويون: وزنه «فعلوت» نحو جبروت وأصله من «طغى» ، إلا أن لام الفعل قلبت ~~إلى موضع العين ثم صيرت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وذكر الفارسي أنه ~~مصدر كالرغبوت والرهبوت، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال: ~~هم رضا وعدل. ولهذا قال تعالى: # أولياؤهم الطاغوت [البقرة: 257] والأصل فيه التذكير. قال تعالى: يريدون ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به [النساء: 60] فأما قوله ~~تعالى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها [الزمر: 17] فالتأنيث لإرادة ~~الآلهة. وأما معنى «الطاغوت» فعن عمر ومجاهد وقتادة: هو ms0862 الشيطان. وعن سعيد ~~بن جبير: الكاهن. وقال أبو العالية: # الساحر. وعن بعضهم: الأصنام. وقيل: مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، وإنما ~~جعلت # PageV02P016 # هذه الأشياء أسبابا للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس [إبراهيم: 36] ويعلم من قوله فمن يكفر بالطاغوت ثم من ~~قوله: # ويؤمن بالله، أن الكافر لا بد أن يتوب أولا، ثم يؤمن بعد ذلك، فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى استمسك وتمسك بمعنى، والعروة واحدة عرى: الدلو والكوز ~~ونحوهما مما يتعلق به. والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس ~~للمعقول، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر ~~والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع ~~كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية. # والفصم كسر الشيء من غير أن يبين فصمته فانفصم. والمقصود من قوله لا ~~انفصام لها هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فأن لا يكون لها ~~انقطاع أولى قيل إن الموصول هاهنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله وما ~~منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] أي من له. وقيل: معنى قوله لا إكراه ~~في الدين لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام ~~الغير فعلا لا يرى فيه خيرا يحمله عليه. ثم قال بعضهم: إنه منسوخ بقوله ~~جاهد الكفار والمنافقين [التحريم: 9] وقال بعضهم: هو في أهل الكتاب خاصة، ~~لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحكم المجوس حكمهم. وأما الكفار ~~الذين تهودوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرون على ذلك ويكرهون على الإسلام. ~~وقيل يقرون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون. # روي أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوق ابنان فتنصرا قبل أن يبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال: والله لا ~~أدعكما حتى تسلما. فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~الأنصاري: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فنزلت فخلاهما. # وقيل معنى قوله لا إكراه أي: لا تقولوا ms0863 لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه ~~دخل مكرها لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوه ~~إلى الإكراه فيكون كقوله ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ~~[النساء: # 94] . # والله سميع عليم يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر، يعلم ~~ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث. # وعن عطاء عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام ~~أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل الله ذلك سرا ~~وعلانية فقيل له: والله سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك. # قوله سبحانه: الله ولي الذين آمنوا أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم. ~~«فعيل» # PageV02P017 # بمعنى «فاعل» والتركيب يدل على القرب، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة ~~والنصرة، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير، وفيه دليل على أن ألطاف ~~الله تعالى في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق ~~الكافر، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن ~~الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين. والإخراج يشمل الكافر إذا آمن ~~والمؤمن الأصلي، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات، وإن لم ~~يكونوا في الظلمة البتة فإن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لحظة لوقع في ~~ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه، ~~وبين الدفع والرفع تشابه، ومثله قوله: وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها [آل عمران: # 103] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا قال: # أشهد أن لا إله إلا الله فقال: «على الفطرة» فلما قال: أشهد أن محمدا ~~رسول الله قال: # «خرج من النار» # ومن المعلوم أنه ما كان فيها. قال الواحدي: كل ما في القرآن من الظلمات ~~والنور فإنه تعالى أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام وجعل ~~الظلمات والنور [الأنعام: 1] فإنه عنى به الليل والنهار. ms0864 قال: وإنما جعل ~~الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نورا لأنه ~~كالسبب في حصول الإدراك. # قلت: قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف ~~اليقينية أنوار تزداد النفس بها نورية وإشراقا فلا حاجة إلى هذا التكلف. ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت مصدر، ولهذا وحد في موضع الجمع يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه ~~طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه. كما ~~أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد، والمنحنية غير محدود. وإسناد ~~الإضلال إلى الطاغوت، وهو كل من ينسب إلى الطغيان، كالمجاز فإن الحوادث ~~بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق ~~تحقيقه مرارا. أولئك الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل أصحاب ~~النار فيكون زجرا للكل ووعيدا لهم أعاذنا الله من ذلك. ### | التأويل: # الحي القيوم: أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه «الحي» مشتمل على جميع ~~أسمائه وصفاته. فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما ~~مريدا باقيا إلى غير ذلك من نعوت الكمال. واسمه «القيوم» دال على افتقار كل ~~المخلوقات إليه فإذا تجلى الله للعبد بهاتين الصفتين، انكشف للعبد عند تجلي ~~صفته «الحي» معاني جميع أسمائه وصفاته وعند تجلي صفته «القيوم» فناء جميع ~~المخلوقات، إذ كان قيامها # PageV02P018 # بقيومية الحق لا بأنفسهم، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود ~~إلا «الحي القيوم» إذ سلب «الحي» جميع أسماء الله وسلب «القيوم» قيام ~~الممكنات، ففني التعدد وبقيت الوحدة. فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان ~~عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا ~~دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى لأنه حينئذ ينطق بالله فيكون الحال كما جرى ~~على لسانه. فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون ~~الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون ~~الاسم الأعظم. ms0865 كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال: الاسم الأعظم ليس له ~~حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت. # لا تأخذه سنة ولا نوم، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة، وهو الحي ~~الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه هذا ~~الاستثناء راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: من ذا الذي يشفع ~~عنده يوم القيامة إلا عبده محمد صلى الله عليه وسلم فإنه مأذون في الشفاعة ~~موعود بها وعسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: 79] . # ويعلم محمد صلى الله عليه وسلم ما بين أيديهم من أوليات الأمور قبل خلق ~~الخلائق، # كقوله صلى الله عليه وسلم «أول ما خلق الله نوري، أول ما خلق الله العقل ~~أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام» # وما خلفهم من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من ~~الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار، ولا يحيطون بشيء من ~~علمه وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل [هود: 120] ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار، وهم لا ~~يعلمون شيئا من ذلك إلا بما شاء أن يخبرهم عنه وسع كرسيه السماوات والأرض: ~~مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ومثال الكرسي: سره. وسوف يجيء تمام ~~التحقيق إن شاء الله تعالى في قوله الرحمن على العرش استوى [طه: 9] وإن ~~العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن. ~~ولا يؤده حفظهما لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السموات والأرض، وعلم ~~آدم الأسماء كلها [البقرة: 31] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب ~~المؤمن وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهارا لكمال القدرة والحكمة، ~~تردى برداء الكبرياء واتزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء ~~فقال: وهو العلي العظيم فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه، ومن عظم ~~فبتعظيمه. ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله لا إكراه في الدين كما ms0866 # قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الدين بالتمني» # مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو # PageV02P019 # الإجبار، فإن الدين هو الاستسلام لأوامر الشرع ظاهرا والتسليم لأحكام ~~الحق باطنا من غير حرج وضيق عطن. # ثم شرع في مزيد شرح لحقيقة الدين بقوله فمن يكفر بالطاغوت يتبرأ منه ~~فطاغوت العوام الأصنام، وطاغوت الخواص هو النفس، وطاغوت خواص الخواص ما سوى ~~الله. وإيمان العوام إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وإيمان ~~الخواص عزوب النفس عن الدنيا وسلوك طريق العقبى. وشهود القلب مع المولى. ~~وإيمان خواص الخواص ملازمة الظاهر والباطن في طاعة الله، وإنابة القلب إلى ~~الفناء في الله، وإخلاء السر للبقاء بالله، وهذا هو السكر الموجب للشكر. ~~ولهذا قال موسى بعد إفاقته عن سكر سطوات شراب التجلي تبت إليك [الأحقاف: ~~15] أي عن هذه الإفاقة، فكان مخصوصا عن عالمي زمانه بالإيمان العياني ~~وشريكا مع القوم بالإيمان البياني كما البياني كما قيل: # لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي # ثم العروة الوثقى التي استمسك بها المؤمن لا يمكن أن تكون من المحدثات ~~المخلوقات لقوله كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] ولا تكون أيضا من بطشك ~~وإلا كانت منفصمة، بل تكون من بطشه إن بطش ربك لشديد [البروج: 12] ولكل ~~مؤمن عروة مناسبة لمقامه في الإيمان فهي للعوام توفيق الطاعة، وللخواص مزيد ~~العناية بالمحبة يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] ولخواص الخواص الجذبة الإلهية ~~التي تفنيه عن ظلمات الغيرية وتبقيه بنور الربوبية ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين» # وأعمالهما فانية من عالم الحدوث، وجذبة الحق باقية من عالم القدم لا يجوز ~~عليها الانفصام، فالمجذوب لا يخلص منها أبد الآبدين. # ثم أخبر عن تصرفات جذباته فقال: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور يخرج العوام من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية، ~~والخواص من ظلمات الصفات النفسانية والجسمانية إلى نور الروحانية ~~والربانية، وخواص الخواص من ظلمات الحدوث والفناء إلى نور الشهود والبقاء. ~~والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت: ms0867 ذكر الطاغوت بلفظ الوحدان، والأولياء بلفظ ~~الجمع، ليعلم أن الولاء والمحبة من قبل الكفار أي هم أولياء الطاغوت كقوله ~~أندادا يحبونهم كحب الله [البقرة: 165] فإن الطاغوت لو فسر بالأصنام فهي ~~بمعزل عن الولاية وإن فسر بالشيطان أو النفس فهم الأعداء لا الأولياء ~~يخرجونهم من نور الروحانية وصفاء الفطرة إلى ظلمات الصفات البهيمية ~~والسبعية # PageV02P020 # والشيطانية، ظلمات بعضها فوق بعض، دركات بعضها تحت بعض أولئك أي أرواح ~~الكفار مع النفس والشيطان والأصنام أصحاب النار، لأن الأرواح، وإن لم تكن ~~من جنسهم ولكن من تشبه بقوم فهو منهم. والله المستعان. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 258 الى 260] # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ~~ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس ~~من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ~~(258) أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض ~~يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين ~~له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير (259) وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف ~~تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير ~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن ~~الله عزيز حكيم (260) ### | القراآت: # ربي الذي مرسلة الياء: حمزة. الباقون بالفتح. أنا أحيي بالمد: أبو جعفر ~~ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أبو نشيط بالمد في ~~المكسورة في قوله تعالى إن أنا إلا نذير [الأعراف: 188] وأشباه ذلك مائة ~~وبابه مثل «فئة» وقد مر. لبث وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ~~ويعقوب لم يتسنه في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي ms0868 وخلف وسهل ويعقوب، لأن ~~الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف. الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، ~~والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت. وأجروا الوصل مجرى الوقف. إلى ~~حمارك كمثل الحمار بالإمالة: # علي غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو ~~وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بن شنبوذ عن أهل مكة. ننشرها بالراء: ~~أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالزاي. قال أعلم ~~موصولا والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي. الباقون: مقطوعا ~~والميم مضمومه على الإخبار. فصرهن بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس ~~والمفضل، جزءا بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما ~~يشدد في الوقف إجراء للوصل # PageV02P021 # مجرى الوقف. وقرأ أبو بكر وحماد «جزءا» مثقلا مهموزا. الباقون: ساكنة ~~الزاي مهموزة. ### | الوقوف: # الملك م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك. ويميت (لا) لأن قال عامل، إذ ~~وأميت ط، كفر ط، الظالمين لا، للعطف بأو التعجب. عروشها ج لأن ما بعده من ~~تتمة كلام قبله من غير عطف. موتها ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب ~~والجزاء بعثه ط. كم لبثت ط. يوم ط. لم يتسنه ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع ~~الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على حمارك بإضمار ما يعطف عليه ~~قوله ولنجعلك أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف. # لحما ط لتمام البيان له (لا) لأن قال جواب لما. قدير ه الموتى ط تؤمن ط. ~~قلبي ط. سعيا ط، لاعتراض جواب الأمر حكيم. ### | التفسير: # إنه سبحانه ذكر هاهنا قصصا ثلاثا أولاها في إثبات العلم بالصانع ~~والباقيتان في إثبات البعث والنشور. فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك ~~زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادعى الربوبية ~~والمحاجة المغالبة بالحجة. والضمير في «ربه» لإبراهيم، ويحتمل أن يكون ل ~~«نمرود» ، والهاء في «أن آتاه» قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا ~~يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله ms0869 فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [النساء: 54] . وقال جمهور ~~المفسرين: # الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطة ~~وسعة في الدنيا. ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه ~~الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكرا له كقولك «عاداني فلان لأني أحسنت ~~إليه» تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن ~~يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه. وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر ~~إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي ~~تدعو إليه؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق ~~عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير ~~بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله تعالى ~~في مواضع من كتابه فقال ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [المؤمنون: 12] ~~وهو الذي خلقكم من تراب [غافر: 67] ألم نخلقكم من ماء مهين [المرسلات: 20] ~~ويروى أن الكافر دعا حينئذ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضا ~~أحيي وأميت. ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن ~~إبراهيم عليه السلام لما رأى من # PageV02P022 # نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من ~~الأول فقال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب قالوا: وفي ~~هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة. وأورد عليه أن الشبهة ~~إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب ~~في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس. # ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة ~~كان الاشتغال بإزالة ذلك واجبا مضيقا فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك ~~الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفا؟ ولئن سلمنا أن الانتقال ~~من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب ms0870 أن يكون المنتقل إليه أوضح. لكن الاستدلال ~~بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، ~~فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريك الأجسام فللخلق قدرة ~~عليه. وأيضا دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما ~~من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد. # وأيضا إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن ~~الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن ~~يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من ~~المغرب. وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا ~~السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال ~~بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من ~~المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم ~~الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا ~~بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟ ولما كانت هذه الاعتراضات واردة على الطريق ~~الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم عليه السلام لما ~~احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء ~~أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟ أما الأول فلا سبيل إليه، وأما ~~الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر. فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط ~~الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم عليه السلام بناء على ~~معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم- بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات ~~الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو ~~البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات. ~~قلت: وفيه أيضا طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله تعالى. فبهت الذي ~~كفر يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله. وقد قرىء بهما ~~وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت ms0871 على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل ~~مبهوت ولا يقال # PageV02P023 # باهت ولا بهيت قاله الكسائي. والله لا يهدي القوم الظالمين فلهذا لم ~~ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتا محجوجا، فيعلم ~~منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته. # القصة الثانية قوله سبحانه أو كالذي مر على قرية ذهب الكسائي والفراء ~~والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي ~~حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله [المؤمنون: 84، 85] ثم قال قل من رب السماوات السبع ورب ~~العرش العظيم سيقولون لله [المؤمنون: 186، 187] فهذا عطف على المعنى كأنه ~~قيل: لمن السموات؟ فقيل: # لله. ومثله قول الشاعر: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر. وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في ~~الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي ~~مر. واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن ~~المار كان رجلا كافرا. شاكا في البعث لأن قوله أنى يحيي استبعاد وإنه لا ~~يليق بالمؤمن، ولأنه تعالى قال في حقه فلما تبين له وفيه دليل على أن ذلك ~~التبين لم يكن حاصلا قبل ذلك. وكذا قوله أعلم أن الله على كل شيء قدير وذهب ~~سائر المفسرين إلى أنه كان مسلما ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو ~~عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا. ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو ~~الخضر عليه السلام وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق. ~~وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت ~~المقدس وأحرق التوراة. وقيل: هو عزير على ما يجيء. # حجة هؤلاء أن قوله أنى يحيي هذه الله بعد موتها يدل على أنه كان عالما ~~بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في ms0872 الجملة، والاستبعاد إنما هو في ~~القرية المخصوصة. وأيضا قد شرفه الله تعالى بالتكلم في قوله قال كم لبثت ~~وفي قوله وانظر ولنجعلك وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضا. روي ~~عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير- ومنهم عزير وكان ~~من علمائهم- فجاء بهم إلى بابل. فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة ~~وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، فعجب من ذلك وقال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها أي من أين يتوقع عمارتها؟ لا على # PageV02P024 # سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب ~~قلما يصيره الله معمورا. وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب ~~وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى ~~عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من ~~السماء يا عزير كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام ~~فانظر إلى طعامك من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير. فنظر فإذا ~~التين والعنب كما شاهد. ثم قال وانظر إلى حمارك فنظر فإذا عظام بيض تلوح ~~وقد تفرقت أوصاله. فسمع صوتا: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا ~~فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى ~~الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم ~~انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ ~~فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجدا فقال أعلم أن الله على كل ~~شيء قدير ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا ~~مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفا من قراء التوراة ~~وكان فيهم عزير. والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة ~~عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه ms0873 لم يخرم منها حرفا. # وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في ~~حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله. وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن ~~القرية إيليا وهو بيت المقدس. وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها ~~الألوف حذر الموت. ومعنى قوله خاوية على عروشها ساقطة على سقوفها من خوى ~~النجم إذا سقط. والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد ~~تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، ~~وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل. # ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل. «وعلى» ~~بمعنى «عن» أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء ~~عروشها وسلامتها. # قال في الكشاف: ويجوز أن يكون على عروشها خبرا بعد خبر كأنه قيل: هي ~~خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت ~~إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على ~~السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، ~~وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من ~~عروش الفواكه فأماته الله مائة عام لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون ~~أدخل في كونه آية ثم بعثه أي أحياه كما كان أولا عاقلا فهما مستعدا للنظر ~~والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم # PageV02P025 # تحصل هذه الفوائد. قال كم لبثت أي كم مدة؟ فحذف المميز. والحكمة في ~~السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت ~~لا يمكنه بعد أن صار حيا أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة قال بناء على ~~الظن لا بطريق الكذب لبثت يوما أو بعض يوم # روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس. فقال قبل النظر إلى ~~الشمس: يوما. ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض ms0874 يوم. # والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي ~~حماره لم يتسنه لم يتغير. وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مر ~~السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه. وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء ~~على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم «سانيت ~~الرجل مساناة» إذا عامله سنة. وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل ~~سنيهة في التصغير، وقولهم «أجرت الدار مسانهة» . وقيل: أصله لم يتسنن إما ~~من السن وهو التغير قال تعالى من حمإ مسنون [الحجر: 26] أي متغير منتن. ~~وإما من السنة أيضا بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون ~~سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلا. وعلى التقديرين أبدلت النون ~~الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض. ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت ~~في الوقف. وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله «لم يتسن» أي الشراب ~~بقي بحاله لم ينصب. فعلى هذا يكون قوله لم يتسنه عائدا إلى الشراب وحده، ~~ويوافقه قراءة ابن مسعود فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن وأما على ~~سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحا لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب ~~جميعا. فإن قيل: إنه تعالى لما قال بل لبثت مائة عام كان من حقه أن يذكر ~~عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله فانظر يدل ظاهرا على ما قاله من أنه لبث ~~يوما أو بعض يوم. فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى ~~الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: وانظر إلى حمارك فرآه عظاما نخرة فعظم ~~تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقيا، وما يمكن أن ~~يبقى زمانا طويلا وهو الحمار غير باق فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام ~~حماره رميما. وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان ~~قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن ms0875 انقلاب عظام الحمار إلى ~~حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله بل لبثت مائة عام. # ولنجعلك آية قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلا على صحة البعث. وقال غيره: ~~كان آية للناس لأن الله تعالى بعثه شابا أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض ~~اللحى والمفارق. # وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية. وقيل: إن حماره ~~لم يمت. # والمراد وانظر إلى حمارك سالما في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات ~~أن يعيشه مائة # PageV02P026 # عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة ~~الواو في قوله ولنجعلك آية للناس فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل ~~بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار ~~شرطا وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام. بل المعنى: ~~ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء. # ومثله في القرآن كثير وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم ~~يعلمون [الأنعام: 105] وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين [الأنعام: 75] وانظر إلى العظام كيف ننشرها بالراء المهملة أي كيف ~~نحييها. وقرىء كيف ننشرها من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم. ويحتمل أن يكون ~~من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط. وقد وصف الله العظام بالإحياء ~~في قوله من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس: 79] ~~ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. والنشز ما ~~ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج. # «وكيف» في موضع الحال من العظام والعامل فيه «ننشرها» لا «انظر» لأن ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام ~~عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية. وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن ~~العظام عظام هذا الرجل نفسه. قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية ~~بدنه عظاما نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها ms0876 تجتمع وينضم البعض ~~إلى البعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه، وزيف بأن قوله لبثت يوما أو بعض ~~يوم إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه ~~متفرقة وعظامه رميمة. وأيضا قوله ثم بعثه يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة ~~التي أماتها، وقيل: # هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره فلما تبين ~~له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم أن الله على كل شيء قدير فخذف الأول ~~لدلالة الثاني عليه كما في قوله «ضربني وضربت زيدا» أو التقدير: فلما تبين ~~له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم. وتأويله إني قد علمت ~~مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالا. ومن قرأ أعلم على لفظ الأمر فمعناه ~~أنه عند التبين أمر نفسه بذلك، والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة ~~إبراهيم واعلم أن الله عزيز حكيم قال القاضي: # القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، ~~وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله فلما تبين له فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم ~~بعد ذلك. أما الإخبار عن أنه حصل فجائز. قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل ~~الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من ~~إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر # PageV02P027 # على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادرا على نظائره من الغرائب والعجائب ~~لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية. نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على ~~إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمرا بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضا ممنوع فإن ~~الأمر حينئذ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان ~~أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك ~~للمتحرك «تحرك» أي واظب على الحركة ولا تفتر. وليت شعري كيف يطعن بعض ~~العلماء في بعض القراآت السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم ~~العليم ms0877 تقدس وتعالى؟ # القصة الثالثة قوله عم طوله وإذ قال إبراهيم التقدير: واذكر وقت قول ~~إبراهيم. # وقيل: معطوف على قوله إلى الذي أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم. وهاهنا ~~دقيقة وهي أنه لم يسم عزيرا في قصته بل قال أو كالذي مر على قرية وهاهنا ~~سمى إبراهيم لأن عزيرا لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء أنى يحيي هذه الله بعد ~~موتها وإبراهيم أثنى على الله أولا بقوله رب أرني وأيضا إن عزيرا استبعد ~~الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول أرني فأرى ذلك في ~~غيره. ومعنى أرني بصرني. وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوها. الأول قال ~~الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، ~~فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، ~~فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع ~~أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر. فقيل: أو لم تؤمن؟ ~~قال: بلى. ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضروريا. الثاني: # قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي ~~يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوسا وقتل آخر فقال إبراهيم: ~~ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال رب أرني كيف تحي الموتى لتنكشف هذه ~~المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم. # وروي أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، # وقوله ليطمئن قلبي أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي ~~وبرهاني، وأن عدو لي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع. الثالث: عن ابن عباس ~~وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشرا خليلا، ~~فاستعظم ذلك إبراهيم عليه السلام وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟ فقال: علامته ~~أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات ~~العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل. # فسأل الله إحياء الموتى ms0878 فقال الله: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن ~~قلبي على أني خليل # PageV02P028 # لك. الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن ~~الله بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم ~~لا شيطان رجيم. الخامس: # لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى، ~~فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده. ~~السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح ~~بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح. السابع: أراد ~~أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في ~~الآخرة. الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا ~~واسطة. وأما أن إبراهيم عليه السلام كان شاكا في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد ~~فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم عليه ~~السلام وقوله بلى اعتراف بالإيمان، وقوله ليطمئن قلبي كلام عارف طالب لمزيد ~~اليقين. # والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوة نفسه، والذي # جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ~~«1» # فذلك أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك ~~نبينا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه ~~«نحن أحق بالشك منه» «2» # والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ والاستفهام في قوله أولم ~~تؤمن للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟ وأيضا المقصود من هذا ~~السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~مؤمنا بذلك عارفا به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. واللام في قوله ~~ليطمئن تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكونا وطمأنينة بمضامة علم ~~الضرورة علم الاستدلال. وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا ~~قلنا: المطلوب ms0879 حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما ~~إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال فخذ أربعة من الطير عن ابن عباس: هن ~~طاوس ونسر وغراب وديك. وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر فصرهن إليك ~~بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك. # وقال الأخفش: يعني وجههن إليك. وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن ~~يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم ~~أنها غير تلك. وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا إضمار. # روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ~~PageV02P029 # ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على ~~الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها ~~تعالين بإذن الله. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا، ثم أقبلن ~~فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها. # وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء ~~الموتى من الله أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه. والمراد ب فصرهن ~~إليك الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها ~~أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد ~~على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ثم ادعهن أي الطيور لا الأجزاء يأتينك سعيا ~~وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص ~~بإبراهيم فلا يلزم له مزية. وأيضا إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما ~~سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة. ولأن قوله على كل جبل منهن جزءا ~~دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ~~ظاهر قوله على كل جبل جميع جبال الدنيا. فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم ~~بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه. ms0880 وقال ابن ~~عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات ~~الأربع. وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت ~~سبعة. أما قوله ثم ادعهن يأتينك سعيا فقيل: عدوا ومشيا على أرجلهن لأن ذلك ~~أبلغ في الحجة، وقيل: طيرانا. # ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى. وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في ~~الحركة مشيا كانت أو طيرانا، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطا ~~في صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حيا قادرا ~~على السعي والعدو. قال القاضي: # دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان ~~حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك ~~عنه في بعض الأحوال فيدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت ~~الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلا قاطعا على أن ~~البنية ليست شرطا للحياة. واعلم أن الله عزيز غالب على جميع الممكنات حكيم ~~عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء. ### | التأويل: # إن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكا ما أعطى أحدا قبله ادعى الربوبية وما ~~ادعاها أحد قبله. وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في ~~الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ~~ظلوما جهولا، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقا لسيره الطبيعي ~~لأنه خلق من تراب وطبعه الميل # PageV02P030 # إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم في طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم ~~في الحكم والتسلط. فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ~~ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا ~~جهلا بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره ~~بحسن تربية النبي صلى الله عليه وسلم أو من ينوب منابه- وهو الشيخ- قال: ~~ليس في الوجود سوى الله. وهذا هو حقيقة فاعلم أنه لا ms0881 إله إلا الله واستغفر ~~لذنبك [محمد: 19] يعني كن فانيا عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود ~~غير وجوده فافهم جدا وإن لم تكن مجدا، فإن المجد من يدق بمطرقة «لا إله إلا ~~الله» دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده كل ما سوى ~~الله. قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ~~اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطقة ~~لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقا في دعواك أن ~~هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية ~~القيامة من مات فقد قامت قيامته. فبهت الذي كفر لأنه إن أمكنه أن يدعي ~~الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي ~~الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، ~~فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير. ثم أخبر ~~عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى ~~بقوله تعالى أو كالذي مر على قرية وذلك أن قوما أنكروا حشر الأجساد بعد ~~اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت ~~بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن ~~والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم ~~يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو سبحانه لكمال فضله ورأفته دفع ~~هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيرا مائة سنة ~~وحماره معه ثم أحياهما جميعا ليعلم أن الله تعالى مهما أحيا عزير الروح ~~أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار ~~الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات ~~الجلال والجمال وسقاهم ربهم شرابا طهورا [الدهر: 21] # «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # ولحمار الجسد مرتع من PageV02P031 # الرياض ومشرب ms0882 من الحياض فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين [الزخرف: 71] ~~وقد علم كل أناس مشربهم [البقرة: 60] . # شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها ... وللأرض من كأس الكرام نصيب # ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله صلى الله عليه وسلم وذلك قوله رب أرني ~~كيف تحي الموتى فيفوح منه رائحة قول موسى رب أرني أنظر إليك [الأعراف: 143] ~~إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب ~~الخاطئ الجاني، وعرك بتعريك لن تراني وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل ~~صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح. # شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفذ الشراب وما رويت # فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله رب أرني أنظر إليك [الأعراف: # 143] ويعربد أخرى بقوله إن هي إلا فتنتك [الأعراف: 155] ومن كمال صحو ~~الخليل ما زل قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم ~~اليوم بكرامة الشيبة # «إن أول ما شاب شيبة إبراهيم» # ويحترم غدا بالكسوة # «إن أول من يكسى إبراهيم» «1» # ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين ~~وابتلي في نفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك ~~فلا. لا جرم أكرمه الله بالإمامة إني جاعلك للناس إماما [البقرة: 124] ومن ~~إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال هذا ربي [الأنعام: 76] وأول من ~~سلك طريق الحق وقال إني ذاهب إلى ربي [الصافات: 69] وأول من نطق بالمحبة ~~وقال لا أحب الآفلين [الأنعام: 76] وأول من أظهر الشوق وقال لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين [الأنعام: 78] وأول من أظهر العداوة مع غير ~~المحبوب فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: 77] وأول من اشتاق فسأل ~~الرؤية وقال رب أرني ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله. # ولست حديث العهد شوقا ولوعة ... حديث هواكم في حشاي قديم # ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي إلى أن ms0883 ساقه التقدير إلى حسن التدبير. وسأله نمرود من ~~ربك؟ فأجرى PageV02P032 # الحق على لسانه من فضله وإحسانه ربي الذي يحيي ويميت فقال نمرود: هل رأيت ~~منه ما تقول؟ فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره ~~وهو أدنى في علنه وهو كيف تحي الموتى وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى. فأول ~~باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده. وقال أولم تؤمن ~~فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما ~~آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقا؟ أو لم تؤمن لميعاد ~~رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟ أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟ مضمرا في كل ~~منها الإثبات في لفظة النفي. فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سرا ~~بسر أي بلى آمنت. وكان إيمانا حقيقيا ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان ~~فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ~~ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي ~~برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، ~~أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن ~~كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد ~~مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك. لأنه يعلم أن الدلال ~~قرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل ~~سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟ فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة ~~عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إلي كيف ~~أخيطه؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ~~ويطمئن قلبه بذلك. فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار ~~حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ~~فخذ أربعة من الطير الآية. والمراد أنك ms0884 محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي ~~محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا ~~فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي فخذ أربعة من الطير وهي الصفات الأربع التي ~~تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل ~~عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما ~~قرينان يوجدان معا، ومن النار وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل ~~واحدة من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها. فالحرص زوجه الحسد، والبخل ~~زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي ~~كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع ~~من جهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم [الحجر: 44] يعني من الخلق. ~~فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من # PageV02P033 # ذلك الباب، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، ~~طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره ~~من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب. فلما ~~ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب ~~يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها بردا وسلاما. والمبالغة في ~~تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم ~~قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ثم اجعل على كل جبل هي الجبال ~~الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح ~~الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي. فهذه الجبال كالأشجار والزروع، ~~وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من ~~هؤلاء بقوة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني ~~فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها ~~حية بأخلاق الروحانيات. # هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن ~~أدركته العناية كالخليل، فالله تعالى بعد ms0885 خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته ~~المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد ~~في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته كما # قال «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا ~~وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش» «1» # كما أن أميا يقول لكاتب: # أرني كيف تكتب. فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب ~~فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار ~~كاتبا فيقول أنا الكاتب كقوله: # عجبت منك ومني ... أفنيتني بك عني # أدنيتني منك حتى ... ظننت أنك أني # فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب ~~فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله واستغفر لذنبك ~~[محمد: 19] أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت ~~إلا بفضلنا وكان فضل الله عليك عظيما # [النساء: 113] ثم إن الله تعالى إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة ~~المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ~~ليلة PageV02P034 # المعراج كما قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] والخليل طلب ~~الرؤية لنفسه رب أرني والحبيب طلبها له ولأمته «أرنا الأشياء كما هي» وذلك ~~لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا. ولرفعة ~~مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود. فكان ~~قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحا وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضا. ~~وفيه أيضا طلب كمال الرؤية يجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ~~ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال «كما هي» وهذا هو الملك الحقيقي الذي ~~لا يكتنه كنهه. ثم قيل للخليل واعلم أن الله عزيز أعز من أن يعرف كنه صفاته ~~حكيم لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 266] # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ms0886 كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم (261) الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت ~~أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير (265) # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (266) ### | القراآت: # أنبتت سبع وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل. يضاعف ~~وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون يضاعف رئاء الناس غير ~~مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف. # الباقون بالهمزة. الكافرين بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون ~~وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ~~بربوة بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم. الباقون بضمها أكلها وبابه ساكنة ~~الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف بما يعملون ~~بصير بالياء التحتانية: أبو # PageV02P035 # عون عن قنبل. الباقون بالتاء للخطاب. ### | الوقوف: # مائة حبة ط، لمن يشاء ط، عليم ه، عند ربهم ج لعطف المختلفتين، يحزنون ه، ~~أذى ط حليم ه، والأذى (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالا مثل إبطال الذي، ~~الآخر ط، صلدا ط، كسبوا ط، الكافرين ه، ضعفين ج لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب واتحاد الكلام، فطل ط، بصير ms0887 ه، الأنهار (لا) لأن ما بعده صفة لجنة ~~أيضا، الثمرات (لا) لأن الواو وللحال، ضعفاء ص والوصل أولى والوقف على ~~فاحترقت ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها ~~كذا في حال كذا؟ تتفكرون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان ~~التكاليف والأحكام. قال القاضي في كيفية النظم: إنه تعالى لما أجمل فى قوله ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة [البقرة: 245] ، ~~فصل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف. وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على ~~قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر ~~لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثا كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك ~~وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن ~~علمك بهذه الأصول داعيا إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ~~ضرب لذلك الكثير مثلا وهو من الواحد إلى سبعمائة. وعن الأصم أنه تعالى ضرب ~~هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته. وقيل: إنه ~~تعالى لما بين أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بين مثل ما ~~ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. قلت: لما بين ~~صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها ~~العباد إلا بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال مثل الذين ولا بد من إضمار ليصح ~~التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة. وسبيل الله دينه. فقيل ~~الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير. والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كنت سببا ~~أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع ~~سنابل أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة. وهذا التمثيل تصوير ~~للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد ~~في الجاورس ms0888 والذرة غيرهما مثل ذلك. وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع ~~الكثرة مقام القلة. والله يضاعف أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق ~~لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها ~~أضعافها # PageV02P036 # لمن يستحق ذلك في مشيئته. والله واسع كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه ~~غير متناه عليم بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا ~~كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده. ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ~~ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، ~~والمن قد يراد به الإنعام قال تعالى ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6] وقد يراد ~~به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: # صنوان من منح سائله ومن ومنع نائله وضن. وذلك لما فيه من انكسار قلب ~~الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة ~~الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله. وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان ~~محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا ~~يترقى نظرهن من المحسوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات. وأما الأذى ~~فمنهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ~~ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدلى إليه ويقول له: # الست إلا مبرما وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك. ومعنى «ثم» ~~تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير ~~من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي لهم أجرهم ~~وقال فيما يجيء فلهم أجرهم [البقرة: 274] لأن الموصول هاهنا لم يضمن معنى ~~الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو إن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب ~~استحقاق الأجر وطرحها عار عن تلك الدلالة. # ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان ~~التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب. ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق. ولا ms0889 يحزنون بالفوات كقوله ومن يعمل من ~~الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما [طه: 112] والمراد أنهم يوم ~~القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر. ويعلم من قوله في سبيل ~~الله أن قوله لهم أجرهم مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ثم لا ~~يتبعون أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن ~~الاعتداد بها. احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: # الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله لهم أجرهم وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا ~~بسبب نفس العمل. الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن ~~والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ~~ثواب له أصلا، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟ قول معروف تقبله القلوب ولا ~~تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ومغفرة عفو عن السائل إذا ~~وجد منه ما يثقل على المسئول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على ~~بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من # PageV02P037 # جهة السائل بأن يعذر المسئول إذا رده ردا جميلا خير من صدقة يتبعها أذى ~~لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ~~ثواب النفع بعقاب الضر. # وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا ~~إضرار، فكان الأولى ومن الناس الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا ~~يحل منعه ولا رد السائل فيه. ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل ~~وعن فقير إلى فقير والله غني عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟ حليم عن ~~معاجلته بالعقوبة إذا من، ولا يخفى ما فيه من الوعيد. ثم إنه تعالى ضرب لكل ~~واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلا فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، كالذي ~~أي كإبطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس وهو ms0890 أن يرائي بعمله غيره ولا ~~يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال ~~أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائدا ~~إلى المنافق على أنه تعالى شبه المان بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق ~~بالحجر. وإما أن يعود إلى المان المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه ~~بالحجر. والصفوان الحجر الأملس، والوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد ~~النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق. # وهذا المثل ضربه الله لعمل المان المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون ~~في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم ~~القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ولم ~~يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من ~~التراب. وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن ~~المن والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير. فعلى ~~مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم ~~القيامة كالوابل. وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل. وعن القفال: ان عمل ~~المان مشبه بما إذا طرح بذرا في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر ~~جود بقي مستودع بذره خاليا لا شيء فيه. ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة ~~فوق ربوة؟ وعلى هذا فقوله لا يقدرون على شيء الضمير فيه عائد إلى معلوم غير ~~مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي ~~فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المان والمؤذي والمنافق لا ~~ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المان والمنافق ملزوزين في ~~قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن «من» و ~~«الذي» متعاقبان فكأنه قيل: كمن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، ~~وإما لأنه أشير # PageV02P038 # بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام. وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن ms0891 والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من ~~الخطاب إلى الغيبة كقوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم [يونس: 22] . # والله لا يهدي القوم الكافرين معناه- على قولنا- سلب الإيمان عنهم، وعلى ~~قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ومثل الذين ~~ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله طلبا لمرضاته وتثبيتا من أنفسهم قيل: أي ~~يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى. وقيل: ~~تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده ~~قراءة مجاهد وتبيينا من البيان. وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف ~~العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة ~~والمال. فإذا بذل ماله وروحه معا فقد ثبت نفسه كلها وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم [الصف: 11] وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ~~فعلى هذا «من» للتبعيض ذكره في الكشاف. قال الزجاج: تصديقا للإسلام وتحقيقا ~~للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله تعالى لا يضيع ثوابهم ف «من» على هذا ~~للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت. وعن الحسن ومجاهد وعطاء: ~~المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتا في طلب المستحق وصرف المال في وجهه. قال ~~الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك. ~~وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها ~~فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك ~~الاستقرار هو التثبيت. ويحتمل أن يكون المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث ~~يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما ~~لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها. والمعنى ~~أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان. وقرىء كمثل ~~حبة بربوة بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو ~~لزيادة التنفس، والربا في المال. قيل: # وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر ms0892 فيها أزكى وأحسن ثمرا. واعترض عليه ~~بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن ~~الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا ~~الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها ~~المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله تعالى ~~وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت [الحج: 5] ومما يؤكد ~~ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا # PageV02P039 # يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو ~~وتنمو فآتت أكلها أي ثمرتها وما يؤكل منها ضعفين مثلي ما كان يعهد منها. ~~وقيل: مثلي ما يكون في غيرها فإن لم يصبها وابل فطل مطر صغير القطر يصيبها ~~ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا ~~تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفر ~~أم نزر. ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة ~~والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك ~~نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم والله بما تعملون من وجوه الإنفاق ~~وكيفيتها والأمور الباعثة عليها بصير فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات. ثم ~~إنه سبحانه رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب ~~مثالا آخر فقال أيود أحدكم والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود. قرىء له جنات ~~وقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن ~~الجنة إنما تكونت منهما لكثرتهما فيها. الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا ~~شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها. والثالث: فيها من كل الثمرات. وإنما خص ~~النخيل والأعناب أولا بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع. قال في ~~الكشاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ~~وكان له ثمر [الكهف: ms0893 34] بعد قوله جنتين من أعناب وحففناهما بنخل [الكهف: ~~32] . ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال وأصابه الكبر أي ~~والحال أنه قد أصابه الكبر. وقال الفراء: إنه معطوف على يود واستقام نظر ~~المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود ~~أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء. وقرىء ضعاف أي صبيان ~~وأطفال فأصابها إعصار ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود فيه ~~نار فاحترقت أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن ~~الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى ~~المال- وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال- فإذا أصبح وشاهد تلك ~~الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟ ~~فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع ~~الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ~~ويورثه الخيبة والندامة. ### | التأويل: # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم ~~وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله ~~بيمينه ويربيها كما # PageV02P040 # يربي أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل. فمن أعطى قلبه إلى ~~الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوما ~~بذلوا المال لله، وقوما بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات ~~على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، ~~وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في ~~طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم ~~جزاء ولا شكورا [الدهر: 9] ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا على الله بأن يقول: ~~عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ولا أذى بأن يطلب من الله غير ms0894 ~~الله. رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا ~~أبا يزيد فإنه يطلبني لهم أجرهم عند ربهم ينزلهم في مرتبة العندية عند مليك ~~مقتدر [القمر: 55] لا عند الجنة ولا عند النار. قول معروف يصدر عن العارف ~~بالله في طلب المعروف ومغفرة له وأن لم يكن عنده ما يتصدق خير له عند ربه ~~من صدقة يتبعها من الجهل أذى طلب غير الحق من الحق والله غني عن غيره حليم ~~لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب ~~الأرباب يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فالمعاملات ~~إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل ~~على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال [يونس: 32] . ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على ~~الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «لولا الفقراء لهلك الأغنياء» # أي لم يجدوا سبيلا إلى الحق. وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد ~~السفلى بيد الغني. لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر لأنه لو كان مؤمنا بالله لكان ~~ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي كمثل ~~صفوان عليه تراب هو عمله فأصابه وابل وهو وابل الرد. # «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» «1» # فتركه صلدا مفلسا خائبا. لا يقدرون على شيء مما كسبوا ليتوسلوا به إلى ~~الله. # والله لا يهدي القوم الكافرين بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة ~~وصاله. وتثبيتا من أنفسهم وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط ~~أنفسهم كمثل جنة PageV02P041 # هي قلب المخلص بربوة في رتبة عالية عند الحق أصابها وابل الواردات ~~الربانية فإن لم يصبها وابل فطل الإلهامات فآتت أكلها ضعفين ضعف من نعيم ~~الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود ms0895 ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية ولا ~~يعطي أهل الدنيا نصيبا من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيبا من الآخرة ~~بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة والله بما تعملون ~~بصير كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات ~~واستبقاء الحياة. ثم ضرب مثلا لروح الإنسان وقلبه بجنة له فيها من كل ~~الثمرات إذ خلق في أحسن تقويم، مستعدا لجميع الكرامات، مشرفا بعلم السمات، ~~منورا بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحدا بحمل الأمانة، متفردا برتبة ~~الخلافة. جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب ~~صاحبها ضعف الإنسانية، وله ذرية ضعفاء من متولدات القوى البشرية في غاية ~~الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها فأصابها إعصار من أعمال البر فيه نار ~~من الرياء والنفاق فاحترقت جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق ~~الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ~~ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله ~~المستعان وهو حسبي. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 267 الى 274] # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن ~~الله غني حميد (267) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم ~~مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم (268) يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب (269) وما أنفقتم من نفقة ~~أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار (270) إن تبدوا ~~الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم والله بما تعملون خبير (271) # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير ms0896 يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ~~(272) للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم (273) الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (274) # PageV02P042 ### | القراآت: # ولا تيمموا بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ~~ومن يؤت الحكمة بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح فنعما ~~هي ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش فنعما هي ~~بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون فنعما ~~هي بكسر النون والعين والميم مشددة في القراآت. ونكفر بالنون والراء ساكنة: # أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ويكفر بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر ~~وحفص والمفضل. الباقون ونكفر بالنون ورفع الراء يحسبهم وبابه بفتح السين: ~~ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. بسيماهم بالإمالة: حمزة ~~وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيرا. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل ~~كلمة على ميزان «فعلى» . ### | الوقوف: # من الأرض «ز» لعطف المتفقتين تغمضوا فيه (ط) ، حميد ه، بالفحشاء ج، وإن ~~اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق ~~الصادق، فضلا ط، عليم ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، من يشاء ج لابتداء ~~الشرط مع العطف. ومن قرأ ومن يؤت الحكمة بالكسر فالوصل أجوز. # كثيرا ط، الألباب ه، يعلمه ط، أنصار ه، فنعما هي ج، خير لكم ط، لمن قرأ ~~ونكفر مرفوعا بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو ~~خير لكم لم يقف سيئاتكم ط، خبير ه، من يشاء ط لابتداء الشرط فلأنفسكم ط ~~لابتداء النفي، وجه الله ط، لا تظلمون ه، في الأرض ز لأن يحسبهم وإن صلحت ~~حالا بعد حال نظما، ولكن لا يليق بحال من أحصر. التعفف ز لأن تعرفهم تصلح ~~استئنافا والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء ms0897 وأنت تعرفهم بحقيقة ما في ~~بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل لا يسئلون ~~استئنافا فيجوز الوقف على بسيماهم إلحافا ط، عليم ه، عند ربهم ج يحزنون ه. ### | التفسير: # لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ~~ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلا، ذكر بعد ذلك أن ~~المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما # PageV02P043 # أخرجنا # أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه. عن الحسن: أن المراد من ~~هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا ~~الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما # روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ~~ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية. # عن ابن عباس: جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على ~~حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله ~~عليه وسلم: بئسما صنع صاحب هذا فنزلت. # وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على ~~الترك فقط. ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، ~~فيشمل زكاة التجاوز وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من ~~الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: # «الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها ~~صدقة» # فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة ~~وغيرها بأمر صلى الله عليه وسلم فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها. ~~ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتا على الإطلاق، بل المعتبر حالة ~~الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور ~~البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها. وأيضا لا ~~تجب الزكاة في ms0898 القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد # لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس فيما دون ~~خمسة أوسق صدقة «1» # وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالا بعموم الآية. ~~وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور ~~مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها. وما المراد بالطيب في الآية؟ ~~قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا ~~يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض ~~وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض. وعن ابن مسعود ومجاهد: ~~أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة ~~وترك الاستقصاء. والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا ~~لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من ~~حرامه. ويحتمل أن يراد ما PageV02P044 # يكون طيبا من جميع الوجوه فيكون طيبا بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضا، ~~لأن الاستطابة قد تكون شرعا وقد تكون عقلا. واعلم أن المال الزكوي إن كان ~~كله شريفا وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيسا فلا يكلف ~~صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافا للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون ~~خبيثا من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المال جيد ورديء فحينئذ ~~يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضا جيده # لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم» «1» # بل الواجب حينئذ هو الوسط. ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية ~~التطوع أو هو والفرض جميعا، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا ~~إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى لا تيمموا ~~الخبيث لا تقصدوه. يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته. ومحل تنفقون نصب ~~على الحال، وقدم منه ms0899 عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق ~~منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ولا ~~تيمموا الخبيث ثم ابتدأ مستفهما بطريق الإنكار فقال: منه تنفقون وحالكم ~~أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن ~~وأصله من الغموض وهو الخفاء. # يقال للبائع: أغمض أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وأصله أن الإنسان إذا رأى ~~ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضا أي لو ~~أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ~~ما لا ترضونه لأنفسكم؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي ~~كلفتموه الحط من الثمن. عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى ~~يهضم لكم من ثمنه. واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم حميد محمود على ما أنعم ~~من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم ~~كقوله: فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] ثم إن الله تعالى لما رغب في ~~أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: الشيطان يعدكم ~~الفقر أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة ~~بالسوء. والوعد يستعمل في الخير والشر. قال تعالى: # النار وعدها الله الذين كفروا [الحج: 72] ويمكن أن يكون استعماله في الشر ~~محمولا PageV02P045 # على التهكم مثل فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران: 21] وأصل الفقر في اللغة ~~كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين. ويأمركم بالفحشاء يغريكم ~~على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب البخيل. ~~والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطا، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ~~ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئا لا الجيد ولا الرديء، ~~والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء. # فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى ~~الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء. وذلك أن ms0900 البخل صفة ~~مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي ~~التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق ~~بالكلية. وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل ~~الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق ~~فيقدم على المعاصي كلها. ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر ~~إلهامات الرحمن فقال: والله يعدكم مغفرة منه وفضلا فالمغفرة إشارة إلى ~~منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقا ~~خلفا وممسكا تلفا» «1» # فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ~~ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى ~~مقطوع به. وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفة أخرى، وعند ~~وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله تعالى لا يخلف الميعاد. ولو ~~فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أو مهم ~~بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه. وبتقدير التمكن من ~~الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا ~~يزول. وأيضا لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار البتة، فلا لذة إلا وفيها ~~ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص. والمراد ~~بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما ~~وقد قرن به لفظة «منه» فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول ~~الخلائق. # ويحتمل أن يكون نوعا من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70] أو أن يجعل شفيعا في غفران ذنوب إخوانه ~~المؤمنين. وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة ~~الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان ms0901 خارجي، وملكة الجود ~~فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة PageV02P046 # نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، ~~وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى ~~وأفضل. وأيضا متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم ~~الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل. وأيضا ~~مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه ~~أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى والله واسع كامل العطاء كافل ~~للخلف قادر على إنجاز ما وعد عليم بحال من نفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق ~~طاعة للشيطان. ثم نبه على الأمر الذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد ~~الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس. عن ~~مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به [البقرة: 231] وثانيها الحكمة بمعنى ~~الفهم وآتيناه الحكم صبيا [مريم: 12] ولقد آتينا لقمان الحكمة [لقمان: 12] ~~وثالثها الحكمة بمعنى النبوة وآتاه الله الملك والحكمة # [البقرة: 251] ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار يؤتي الحكمة من يشاء ~~وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. فتأمل يا مسكين شرف العلم ~~فإن الله تعالى سماه الخير الكثير ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~والتنكير للتعظيم. وسمى الدنيا بأسرها قليلا «قل متاع الدنيا قليل» وذلك أن ~~الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية ~~لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها. واعلم أن كمال ~~الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به. فمرجع الأول ~~إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم رب هب لي حكما [الشعراء: 83] وهو الحكمة ~~النظرية، وألحقني بالصالحين [الشعراء: 83] وهو الحكمة العملية. ونودي موسى ~~عليه السلام # إنى أنا الله لا إله إلا أنا # وهو الحكمة النظرية ثم قال: # فاعبدني [طه: 14] وهو العملية. وحكي عن عيسى ms0902 عليه السلام أنه قال إني عبد ~~الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت [مريم: 30، 31] ~~وكلها النظرية وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني ~~جبارا شقيا [مريم: # 31، 32] وجميعها العملية. وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: فاعلم أنه ~~لا إله إلا الله [محمد: # 19] وهو النظرية ثم قال واستغفر لذنبك [محمد: 19] وهو العملية. وقال في ~~حق جميع الأنبياء ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن ~~أنذروا أنه لا إله إلا أنا [النحل: 2] وأنه الحكمة العلمية ثم قال فاتقون ~~[النحل: 2] وهو الحكمة العملية. # PageV02P047 # فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين. ~~والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل. ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب ~~وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول فيها يفرق كل أمر حكيم ~~[الدخان: 4] أي محكم. وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق ~~المرضية إنما هي بإيتاء الله تعالى. والذين حملوا الإيتاء على التوفيق ~~والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء ~~إليه أية سلكوا وما يذكر إلا أولوا الألباب الذين إذا حصل لهم الحكم ~~والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل ~~يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول. وأما المعتزلة فإنهم لما ~~فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها ~~وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم ~~أو يحجم. ثم إنه تعالى نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص ~~أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي ~~والنيات فلا يهمل شيئا منها فقال وما أنفقتم من نفقة لله أو للشيطان أو ~~نذرتم من نذر في طاعة الله أو معصيته فإن الله يعلمه وتذكير الضمير إما ~~لأنه عائد إلى «ما» وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ومن يكسب خطيئة أو ~~إثما ms0903 ثم يرم به بريئا # [النساء: 112] وهذا قول الأخفش. والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على ~~نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ~~ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف. واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ~~ونذر التبرر. أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق ~~التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله «إن كلمت فلانا أو أكلت كذا أو دخلت ~~الدار أو لم أخرج من البلد فلله علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة» ~~ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعلماء ثلاثة أقوال: أحدها ~~يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم: «كفارة النذر كفارة يمين» «1» # ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة. وأما نذر التبرر فنوعان: ~~نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل ~~«إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فلله علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي ~~كذا» فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم # لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» «2» . # ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله «لله علي ~~PageV02P048 # أن أصوم أو أصلي أو أعتق» فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر. ~~وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات. فالمعاصي ~~كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال ~~الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله تعالى، ومن هذا ~~القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه. وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن ~~يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما # روي من أنه صلى صلى الله عليه وسلم قال: «لا نذر في معصية الله وكفارته ~~كفارة يمين» «1» # محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات ~~الخمس وصوم رمضان لا ms0904 معنى لالتزامها بالنذر معلقا أو غير معلق، وكذا لو نذر ~~أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على ~~الأصح. وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها ~~وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك ~~كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض ~~الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ~~ذكره إمام الحرمين- وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه ~~بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر ~~يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول ~~القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب ~~وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام. والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو ~~القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها. وأما ~~الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على ~~المسلمين فالأظهر لزومها أيضا بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما ~~يتقرب بها إلى الله سبحانه، وقد رغب الشارع فيها. وأما المباحات التي لم ~~يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ~~ينعقد نذره، # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه ~~فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال صلى الله عليه ~~وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. # ولو قال: «لله علي نذر» من غير تسمية لزمه كفارة يمين # لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر نذرا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرا ~~ولم يسم فعليه كفارة يمين» «2» # وما للظالمين الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو ~~للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في PageV02P049 # المعاصي من أنصار ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. والأنصار جمع ~~ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمع نصير كأشراف في شريف. وقد يتمسك المعتزلة بهذا ~~في نفي ms0905 الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر. ورد بأن الشفيع في العرف لا ~~يسمى ناصرا وإلا كان قوله ولا هم ينصرون [البقرة: 48] بعد قوله: ولا يقبل ~~منها شفاعة [البقرة: # 48] تكرارا. وأيضا إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل ~~الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص ~~مقدم على العام. وأيضا اللفظ لا يكون قاطعا في الاستغراق بل ظاهرا على سبيل ~~الظن القوي فصار الدليل ظنيا والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطا. ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية ~~فنزلت: إن تبدوا الصدقات والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه «فلان صادق ~~المودة» و «هذا خل صادق الحموضة» و «صدق فلان في خبر» إذا أخبر على وجه ~~الصحة والكمال، ومنه «الصداق» لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة ~~لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، فنعما ~~هي من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل ~~الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما # يروى في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: «نعم المال ~~الصالح للرجل الصالح» «1» # بسكون العين. ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح ~~النون وكسر العين فعلى الأصل. قال طرفة: # نعم الساعون في الأمر المبر قال سيبويه: «ما» في تأويل الشيء أي نعم ~~الشيء هي. وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: «ما» في تأويل شيء لأن ~~«ما» هاهنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة. فإن «هي» مخصوصة بالمدح. ~~فالتقدير: نعم شيئا إبداء الصدقات. فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئا تلك ~~الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء. قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع ~~لقوله تعالى: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم والإخفاء في صدقة ~~التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على ~~النفس فيكون أكثر ms0906 ثوابا، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة # قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان» # والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب ~~الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان ~~يلقي الصدقة في يد PageV02P050 # الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا ~~يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على ~~يد غيره، # وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر» # وقال أيضا «إن العبد ليعمل عملا في السر فيكتبه الله سرا، فإن أظهره نقل ~~من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في ~~الرياء» # وقال صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» «1» # وأيضا في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر ~~الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة ~~والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالا للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن ~~غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، # وقال صلى الله عليه وسلم: «من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها» # وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئا فيقع في حيز اللوم والتعنيف. نعم لو علم ~~أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل. # وروى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «السر أفضل من العلانية ~~والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء» # واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى ~~الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية ~~الخلق والقلب ينكره. فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل ~~علانيته سبعين ضعفا كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل ~~علانيتها سبعين ضعفا. ثم إن لله تعالى عبادا راضوا أنفسهم حتى من الله ~~عليهم بأنوار ms0907 هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ~~ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة. فإذا أعلنوا ~~بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل ~~غيرهم كما قال تعالى: وممن خلقنا أمة يهدون بالحق [الأعراف: 181] واجعلنا ~~للمتقين إماما [الفرقان: 74] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق ~~بهم يقتدى في الذهاب إلى الله. وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن ~~الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة ~~إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة. # وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. ~~هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له ~~أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله. وعن بعضهم أن معنى قوله ~~خير لكم أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة. ~~PageV02P051 # وإنما قيل وتؤتوها الفقراء لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع ~~الصدقة فيصير عالما بالفقراء مميزا لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا ~~الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء ~~الفقراء. وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط. ~~ونكفر عنكم من قرأ بالنون مرفوعا فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل ~~في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين. فإذا وقع الجزاء فعلا مضارعا مع الفاء ~~كان خبر مبتدأ محذوف. فقوله: فهو في تأويل. فيكون خيرا لكم ونكفر بالرفع ~~عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من ~~فعل وفاعل مستأنفة. ومن قرأ مجزوما فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه ~~جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجرا. وأما من قرأ ويكفر بياء ~~الغيبة مرفوعا فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء. وقرىء ms0908 ~~وتكفر بالتاء مرفوعا ومجزوما والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب ~~بإضمار «إن» ومعناه: # وإن تخفوها تكن خيرا لكم وأن يكفر عنكم خير لكم. والتكفير في اللغة الستر ~~والتغطية ومنه «كفر عن يمينه» أي ستر ذنب الحنث. وقوله: من سيئاتكم يحتمل ~~أن يكون «من» للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم ~~الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد ~~أن يكون بين الخوف والرجاء. ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما ~~لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك. وقيل: إنها زائدة. والله بما ~~تعملون خبير كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء. # عن الكلبي أنه قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء ~~وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما ~~مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى: ليس عليك هداهم ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ~~ووصلتهما. # قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة ~~وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا. فلما أسلموا كرهوا ~~أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت فأعطوهم بعد نزولها. # وعن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا إلا ~~على أهل دينكم» فأنزل الله ليس عليك هداهم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «تصدقوا على أهل الأديان» # وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. والعلماء ~~أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون # PageV02P052 # الآية مخصوصة بالتطوع. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة ~~وأباه غيره،. # ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في ms0909 ~~الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله تعالى أنه بعث ~~بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله ومبينا للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك ~~منك ولا بك. فالهدى هاهنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا ~~تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم. وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى ~~الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون ~~به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعا واختيارا ولكن الله يهدي من ~~يشاء إثبات للهداية التي نفاها أولا. لكن المنفي أولا هو الهداية أي ~~الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني. # ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه ~~وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول. وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك ~~أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من ~~الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ولكن الله يهدي من ~~يشاء يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه. ثم ظاهر قوله: ~~ليس عليك هداهم إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو ~~وأمته، لأن ما قبله عام إن تبدوا الصدقات وما بعده عام وما تنفقوا من خير ~~من مال فلأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا ~~تؤذوهم بالتطاول عليهم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله أي لستم في صدقتكم ~~على أقاربكم المشركين تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد ~~علم الله هذا من قلوبكم. وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله. ~~وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا ~~وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها ~~وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ وفائدة إقحام الوجه أنك إذا ~~قلت ms0910 فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ~~ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقا. وأيضا قول القائل: «فعلت هذا الفعل له» ~~احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال «فعلت لوجهه» فلا ~~يحتمل الشركة عرفا وما تنفقوا من خير يوف إليكم جزاؤه في الآخرة أضعافا ~~مضاعفة، وإنما حسن قوله إليكم مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية وأنتم ~~لا تظلمون لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا. # ثم لما بين أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن أشد ~~الناس # PageV02P053 # استحقاقا من هو فقال للفقراء أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ~~ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا ~~للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء. قيل: نزلت ~~في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم ~~سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ~~ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. # وعن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة ~~فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من ~~أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائي. # ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: # الأولى قوله الذين أحصروا في سبيل الله أي حصروا أنفسهم ووقفوا على ~~الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب ~~الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سدا لخلتهم ~~وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين. وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، ~~أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن ~~عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن ms0911 الجهاد فعذرهم الله. الثانية ~~لا يستطيعون ضربا في الأرض أي سيرا فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو ~~بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من ~~السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه. الثالثة يحسبهم يظنهم الجاهل ~~بحالهم ومن لم يخبر أمرهم أغنياء من التعفف من أجل تركهم المسألة وإظهارهم ~~التجمل تكلفا منهم. والتعفف إظهار العفة وهي ترك الشيء والكف عنه. الرابعة ~~تعرفهم أي أنت يا محمد أو كل راء بسيماهم والسيما والسيمياء العلامة التي ~~يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه «عفلى» قال مجاهد: سيماهم التخشع ~~والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم ~~من الجوع. أبو زيد: رثاثة ثيابهم. وقيل: المهابة في العيون. وقيل: آثار ~~الفكر. # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان كثير الفكر. # الخامسة لا يسئلون الناس إلحافا أي إلحاحا وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا ~~بشيء يعطى له. والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسئول لزوم الساتر ~~للمستور. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض ~~البذيء السآل الملحف» # قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ~~ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل. فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعا ~~كقوله: «ولا ترى الضب بها يتجحر» أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقا لوصفهم ~~بالتعفف. وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما # PageV02P054 # إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح ~~أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا ~~مهذار. لم يكن غرضك من قولك «ليس بخواض ولا مهذار» وصفه بذلك لأن ما تقدم ~~من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني. وقيل: ~~معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم ~~كقوله: # ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني # وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال ms0912 عنهم رأسا لأن كل ~~سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع ~~بغير مقصود. # وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال ~~سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال ~~لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام ~~السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير ~~الخالق. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه ~~باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله» «1» # «لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل ~~الناس» «2» # وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو ~~أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله تعالى بخلاف الآية ~~المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره وما تنفقوا ~~من خير يوف إليكم كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني ~~بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف. كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك. ثم ~~أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: الذين ينفقون أموالهم ~~بالليل والنهار الآية. وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ~~ذلك منهم دليلا على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج ~~عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال. والباء بمعنى «في» أي في الليل ~~والنهار وسرا وعلانية منصوبان على الظرفية أيضا أي في أوقات السر والعلن، ~~أو على وصف المصدر أي إنفاقا سرا وعلانية، أو على الحال لكونه بيانا عن ~~كيفية الإنفاق. وقيل: لما نزل PageV02P055 # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى ~~أصحاب الصفة وبعث علي بوسق من تمر ليلا فنزلت الآية. وفي تقديم ذكر الليل ~~وتقديم السر على ms0913 العلانية دليل على أن صدقة علي رضي الله عنه كانت أكمل. # وعن ابن عباس: ما كان علي رضي الله عنه يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ~~نهارا وبدرهم ليلا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ما حملك على هذا؟ فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي. فقال: # ذلك لك ونزلت الآية. # وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة ~~بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. وقيل: في علف الخيل وارتباطها ~~في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله تعالى ~~أعلم بحقيقة الحال. ### | التأويل: # أنفقوا من طيبات ما كسبتم فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب ~~بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته. وثانيها ~~ليثاب على التعظيم لأمر الله. وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله. ~~ورابعها ليثاب على الإيثار ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: ~~9] وخامسها ليستحق البر لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [آل عمران: ~~92] . وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في ~~زراعته. فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة ~~البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته ~~لتحققه إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها [النساء: 40] وقدم ~~ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض # لقوله صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده» «1» # وفي الآية معنى آخر لطيف أنفقوا من طيبات ما كسبتم من تزكية النفوس ~~وتصفية القلوب ومما أخرجنا لكم من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم ~~الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيبا إنفاقها من خباثة ~~الأغراض الدنيوية والأخروية، طيبا منفقها من خباثة الالتفات والنظر في ~~الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من ~~الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، ms0914 وإذا كانت اليد ~~طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان ~~القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين ~~أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا PageV02P056 # تحقيق # قوله صلى الله عليه وسلم «إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب» «1» # ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم ~~من أصل طيب وطينة طيبة. فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى ~~حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب فتيمموا صعيدا طيبا [النساء: 43] ~~ثم أحياكم بالإيمان فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97] ثم يرزقكم من الطيبات ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم [البقرة: 57] فليس منكم شيء خبيث في الظاهر ~~والباطن إلا أن تغمضوا فيه فتقبلوه تكلفا وقسرا # «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» «2» # فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل ~~الله تعالى كلمة طيبة هي «لا إله إلا الله» ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ~~ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين [الزمر: ~~73] واعلموا أن الله غني فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق حميد ~~على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي. الشيطان يعدكم ~~الفقر ظاهرا فهو يأمركم بالفحشاء باطنا لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن ~~البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء ~~الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة ~~الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل ~~بلية. فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن ~~فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه. # فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة [يونس: 26] فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلا كما ~~قال يؤتي الحكمة من يشاء وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ms0915 ظنه أهل ~~الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات. ~~فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار ~~الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء نور على نور ~~يهدي الله لنوره من يشاء [النور: 35] وما يذكر إلا أولوا الألباب الذين لم ~~يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور. ثم أخبر عن توفية الأجور ~~للمنفق في المفروض والمنذور وما للظالمين الذين وضعوا الشيء في غير موضعه ~~فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء من أنصار ولا ناصر بالحقيقة إلا ~~الله، ومن أذن له الله PageV02P057 # إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة ~~في # قوله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله» # ثم قال: «ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله» «1» # أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله. فصاحبها يكون في ظل الله # قال صلى الله عليه وسلم: «إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة» «2» # أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، ~~وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية. فمعنى قوله: إن تبدوا الصدقات أي ~~تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ فنعما هي فإنها مرتبة ~~الأبرار إن الأبرار لفي نعيم [الانفطار: 13] وإن تخفوها عن كل حظ ونصيب ~~وتؤتوها الفقراء الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس فهو خير لكم ~~لأن جزاءها لقاء الله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن ~~الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك ~~الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم ~~الخلائق على رب العالمين ولكن ليس عليك هداهم ولكن الهداية من خصائص شأننا ~~ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم. ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق ~~هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر ~~والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له ms0916 في المشرق ~~مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب. # كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليه فما تزداد طولا ولا عرضا # يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون ~~عن معرفة أهل الغيرية # «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد» # تعرفهم بسيماهم لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ~~وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] وإن سيماهم لا يرى بالبصر ~~الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال ~~الباطن أنهم لا يسئلون الناس إلحافا لا بقليل ولا بكثير. لأن اثار أنوار ~~غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم ~~وفاقتهم وما تنفقوا من خير من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو ~~إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا وإجلالا لا استخفافا وإذلالا ~~PageV02P058 # فإن الله به عليم ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالا لم يبيعوا ~~عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ~~ربهم عند مليك مقتدر ولا هم يحزنون في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها ~~لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~[الأنبياء: 103] الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور [فاطر: ~~34] . ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 275 الى 281] # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه ~~موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون (275) يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار ~~أثيم (276) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن ms0917 لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون (279) # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون (281) ### | القراآت: # الربا حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف. وهذا إذا كان معرفا ولا يميلون ~~المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: وما آتيتم من ربا [الروم: 39] ويميلون ~~في الوقف لزوال التنوين فأذنوا ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر ~~غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين. الباقون فأذنوا ~~بسكون الهمزة وفتح الذال لا تظلمون ولا تظلمون الأول مبني للمفعول والثاني ~~للفاعل المفضل. الباقون بالعكس ميسرة بضم السين: نافع ميسرة بضم السين ~~وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء. وأن تصدقوا ~~خفيفا بحذف إحدى التاءين: عاصم. # الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد. ترجعون بفتح التاء ~~وكسر الجيم: # أبو عمرو ويعقوب عباس مخير. الباقون مبنيا للمفعول. ### | الوقوف: # من المس ط، مثل الربا م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل وأحل ~~حالا بإضمار «قد» وحرم الربا ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ما سلف ط ~~لتناهي الجزاء، إلى الله ج، النار ج، خالدون ه، الصدقات ط، # PageV02P059 # أثيم ه عند ربهم ج، يحزنون ه، مؤمنين ه، ورسوله ج، أموالكم ج لأن ما بعده ~~مستأنف أو حال عامله معنى الفعل في لام التمليك، ولا تظلمون ه، ميسرة ط، ~~تعلمون ه، لا يظلمون ه. ### | التفسير: # الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا. # وذلك أن بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور ~~بها، والربا زيادة منهي عنها. وأيضا لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب ~~أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين ~~والرهن وغيرهما فقال الذين يأكلون الربا أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا ~~أنه عبر عن الشيء بمعظم ms0918 مقاصده وكيف لا وقد # «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ~~والمحلل له» «1» # وأيضا نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد ~~التصرف فيه. والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة ~~الراء. وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو. ~~وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة. وزيدت ~~الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل. ~~أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة ~~على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال ~~فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل. وأما ربا الفضل فأن يباع من من ~~الحنطة بمنوين مثلا. # والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا ~~إلا في النسيئة. # ويجوز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم ~~نسمع؟ # فروى له الحديث المشهور في هذا الباب. وله روايات منها. # «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر ~~والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى ~~فيه سواء» «2» # ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا. فيروى أنه رجع ~~عنه. قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما ~~تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟ فقال: إنما كنت PageV02P060 # استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمه ~~فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه. حجة ابن عباس أن قوله تعالى: ~~وأحل الله البيع يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا. وقوله: وحرم الربا لا ~~يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد ~~المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا ms0919 وهو ربا النسيئة. وقد تأكد هذا الرأي ~~بما # روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا في النسيئة» ~~«1» # وفي رواية «لا ربا فيما كان يدا بيد» «2» # وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم فقالا: كنا تاجرين ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح. # وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين. أما النسيئة ~~فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في ~~الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة. ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها ~~لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه. أما الأشياء الأربعة ~~فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما # روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول «الطعام بالطعام مثل بمثل» «3» # علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه ~~الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني. والقديم ~~أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن والبر بالبر ~~كيلا بكيل» # فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا ~~موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز. وقال مالك: # العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه ~~الربا. وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة. وعن ~~أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد. وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن ~~العلة فيهما لعينهما لا لعلة. # والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب ~~والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن ~~راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة. وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما ~~الوزن فيتعدى ms0920 الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص. فهذا ضبط المذاهب ~~وتفاريعها إلى الفقه. وأما السبب في تحريم الربا PageV02P061 # فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من ~~غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم # لقوله صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» «1» # وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر ~~موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل ~~الموهوم لا يخلو من ضرر. وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال ~~بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم ~~الزائد نقدا أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم. وقيل: لما ~~يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ ~~مالا زائدا من الفقير. وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون ~~حكمة كل تكليف معلومة لنا. لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من ~~المس التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان. # قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما ~~كانوا يعتقدون. والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن ~~الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم. وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا ~~تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى: طلعها كأنه رؤس ~~الشياطين [الصافات: 65] فورد القرآن على ذلك. وقيل: إن الشيطان يمسه ~~بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع ~~الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب. وأكثر ~~المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قويا على الصرع والقتل والإيذاء ~~بتقدير الله تعالى. وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم ~~القيامة مجنونا تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقوله: من المس ~~يتعلق ب لا يقومون أي لا ms0921 يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. أو ~~يتعلق ب يقوم أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث ~~الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون ~~كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم. وقيل: إنه ~~مأخوذ من قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا ~~[الأعراف: 201] وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، ~~فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط. فإذا مات آكل الربا على ~~ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب بينه وبين الله PageV02P062 # تعالى. ذلك العقاب بسبب قولهم إنما البيع مثل الربا وذلك أنه قد بلغ من ~~اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع ~~وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع. لأن ~~الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل ~~الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من ~~اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقدا أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى ~~العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، ~~والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات. ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال ~~وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه ~~من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال. فأجاب الله تعالى عنها بحرف واحد وهو ~~قوله: وأحل الله البيع وحرم الربا وحاصله إنكار التسوية وأن النص لا يعارض ~~بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس ~~وقال أنا خير منه. ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم ~~الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت ~~بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد ~~من أكلهم ms0922 الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضما ~~وهضما. أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من ~~يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد. قيل: ويحتمل أن يكون ~~قوله وأحل الله البيع وحرم الربا من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد. ~~وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن ~~يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين ~~والإضمار خلاف الأصل. وأيضا لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله تعالى عن ~~فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك فمن جاءه موعظة من ربه لائقا بالمقام. # وأيضا المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا ~~أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها. وهاهنا بحث ~~للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن ~~الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في ~~العمل به ثبوت صورة واحدة. ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو ~~قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع. ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة ~~عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب. ~~نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضا روي أن عمر قال: # خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا. ولو ~~كان هذا اللفظ مفيدا للعموم لم يقل # PageV02P063 # ذلك. وأيضا قوله وأحل الله البيع يقتضي أن يكون كل بيع حلالا، وقوله: ~~وحرم الربا يقتضي أن يكون كل ربا حراما. لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ~~ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلى بيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فمن جاءه موعظة فمن بلغه وعظ من ربه فانتهى امتنع من ~~استحلال الربا وتبع النهي فله ما سلف فلا يؤاخذ بما ms0923 مضى منه لأنه أخذ قبل ~~نزول التحريم كقوله إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال: 38] عن الزجاج: ~~والتنوين في موعظة للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ. # وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنبا؟ ~~فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف. عن السدي: والسلوف التقدم ~~ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها. ~~وأمره إلى الله لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو ~~المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن ~~الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] ومن عاد إلى استحلال ~~الربا وأنه مثل البيع فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لأنه كفر باستحلال ~~ما هو محرم إجماعا. وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل ~~الربا. ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي ~~السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل ~~الصدقة فقال يمحق الله الربا ويربي الصدقات والمحق نقص الشيء حالا بعد حال ~~ومنه «محاق القمر» وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة. وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر ~~وتزول البركة عن ماله. # عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا وإن كثر إلى قل» # وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، ~~وربما يطمع الظلمة في ماله ظنا منهم أن المال في الحقيقة ليس له. وعن ابن ~~عباس في تفسير هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ~~ولا صلة. # ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه. # وقد ثبت في الحديث «أن ms0924 الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام» ~~«1» # هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟ قال ~~القفال: نظير قوله يمحق الله الربا المثل الذي ضربه فيما تقدم كمثل صفوان ~~عليه تراب [البقرة: 264] ونظير قوله: ويربي الصدقات المثل الآخر كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل [البقرة: 261] # عن أبي هريرة PageV02P064 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها ~~إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن ~~اللقمة لتصير مثل أحد» «1» # وأيضا المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع ~~الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة ~~الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، ~~والصدقة وإن كانت نقصانا في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال. فعلى ~~العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعول على ما ندب إليه ~~العقل والشرع والله لا يحب كل كفار أثيم الكفار فعال من الكفر ومعناه ~~المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة ك «تمار وقوال» والأثيم «فعيل» بمعنى ~~«فاعل» وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق ~~إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا. ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائدا ~~إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم. ويحتمل أن يعود كلاهما ~~إلى أكل الربا ويكون تغليظا في أمر الربا وإيذانا بأنه من فعل الكفرة لا من ~~فعل المسلمين. وفي الآية دلالة على أنه تعالى سبقت رحمته عضبه. بيانه أنه ~~لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر ~~الآثام كالربا. فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، ~~لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع ~~بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما. نعم ~~قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على ms0925 سائر الآثام لا يستأهل محبة ~~الله تعالى وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه هاهنا والله أعلم. ثم ذكر الترغيب ~~عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات الآية. فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما ~~مر. # وأجيب بأنه قال في الآية: وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة مع أن الصلاة ~~والزكاة من الأعمال الصالحة. ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك ~~العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل لهم أجرهم عند ربهم لم يقل ~~«على ربهم» لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء ~~البائع أخذه، والثاني جار مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ~~ولا خوف عليهم عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ولا هم ~~يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ~~ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطا بالثانية ~~PageV02P065 # لأجل إلف وعادة، فبين تعالى أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب ~~والكرامة. وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذ ولا هم يحزنون بسبب أنهم ~~فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة. ~~وأيضا إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها ~~مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة. وهاهنا ~~سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت. وعند انقطاع ~~حيضها ماتت. أو الرجل بلغ عارفا بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة ~~مات. فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ~~هاهنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟ والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس ~~كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحا فله الأجر فلا يلزم العكس ~~الكلي ثم إنه تعالى لما بين ms0926 أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن ~~يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من ~~الربا في ذمتهم. فإن قيل: كيف قال يا أيها الذين آمنوا ثم قال في آخره إن ~~كنتم مؤمنين؟ فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني. معناه أن من ~~كان أخا أكرم أخاه. ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم ~~لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن ~~كنتم مؤمنين بقلوبكم. قال القاضي: # وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما ~~يصير مؤمنا بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر. وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين ~~بمقتضى الإيمان. وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، ~~وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على ~~أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديدا عليه فقال اتقوا الله ~~واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه. وهذه الآية أصل كبير في أحكام ~~الكفار. إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا ينسخ، وما لم ~~يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز ~~عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر ~~حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى ~~وهذا مذهب الشافعي. وأما سبب نزول الآية # فعن ابن عباس: بلغنا- والله أعلم- أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف ~~وفي بني المغيرة بني مخزوم. كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله ~~رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى ~~عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال ms0927 بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا ~~أوضع عن # PageV02P066 # الناس غيرنا. فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا. فكتب عتاب في ذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية # والتي بعدها فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله فعرف بنو عمرو أن ~~لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله. # وقال عطاء وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد ~~أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي ~~عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله. فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف ~~وأضعف لكما؟ ففعلا. فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنهاهما ونزلت الآية فسمعا وأطاعا وأخذ رؤوس أموالهما. # وقال السدي: نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية ~~يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن كل ربا من ربا ~~الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» «1» # فإن لم تفعلوا فأذنوا قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا. ومعنى قوله: ~~إن كنتم مؤمنين معترفين بتحريم الربا فإن لم تفعلوا أي فإن لم تكونوا ~~معترفين بتحريمه فأذنوا ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر ~~بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، ~~وعلى هذا يكون مالهم فيئا للمسلمين. وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على ~~معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: يا ~~أيها الذين آمنوا ومعنى قوله: فأذنوا عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ~~ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف. وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم ~~أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم. فهذه القراءة ~~في الإبلاغ آكد ممن قرأ فأذنوا من أذن بالشيء إذا ms0928 أعلم به أي كونوا على إذن ~~وعلم. فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟ قلنا: هذه اللفظة قد تطلق ~~على من عصى الله غير مستحل كما # جاء في الخبر «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» «2» # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم «من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب ~~من الله ورسوله» «3» # وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله [المائدة: 33] أصلا في قطاع الطريق من المسلمين. PageV02P067 # فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة ~~رسوله. ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصا قدر الإمام عليه ~~قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، ~~وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب ~~أبو بكر مانعي الزكاة. وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن ~~الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه وإن تبتم من استحلال الربا أو عن معاملة ~~الربا فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون الغريم يطلب زيادة على رأس المال ولا ~~تظلمون أنتم بنقصان رأس المال. وإن كان ذو عسرة إن وقع غريم من غرمائكم ذو ~~إعسار على أن «كان» هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا ~~بمعنى وجد موصوفا بشيء فإنها حينئذ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر. وقرأ عثمان ~~ذا عسرة بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة. والقراءة المشهورة أولى ~~كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب ~~العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال. والنظرة التأخير ~~والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة. وقرىء فنظرة ~~بسكون الظاء، وقرأ عطاء فناظره على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب ~~الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب. والميسرة ~~اليسار ضد الإعسار. وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة. ومن قرأ بالإضافة إلى ~~الضمير ms0929 فقد حذف التاء كقوله: وأقام الصلاة واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص ~~بالربا أو عام في الكل؟ فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية ~~في الربا. قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم ~~الربا ندعه لكم. فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك ~~الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت وإن كان ذو عسرة وعن مجاهد وسائر المفسرين ~~أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد «كان» تامة. ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا ~~بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو ~~قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي. والإعسار في الشرع هو أن لا ~~يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعه لأمكن أداء الدين من ~~ثمنه. فمن وجد دارا أو ثوبا لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ~~ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من ~~كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم. وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين ~~أو غيره؟ الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه ~~القبول. فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم ~~يمكن إلا ذلك. وإذا علم الإنسان أن # PageV02P068 # غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت ~~اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار. وإذا ~~ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض ~~كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، ~~فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن ~~الأصل هو الفقر، وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر ~~المعسر وذكر رأس المال خير لكم ms0930 لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب ~~الجزيل في العقبى إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من ~~لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار ~~والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم. وقيل: المراد ~~بالتصدق الإنظار # لقوله عليه السلام: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم ~~صدقة» # وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن ~~قوله خير لكم إنما يليق بالمندوب لا بالواجب. ثم إن المعاملين بالربا كانوا ~~أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا ~~جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله واتقوا يوما والمراد اتقاء ما يحدث فيه من ~~الشدائد والأهوال. واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في ~~الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف. # وانتصب يوما على أنه مفعول به. والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل ~~الصالح للقاء يوم ترجعون فيه إلى الله أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، ~~وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه ~~جنينا لا يملك تصرفا فلا تصرف فيه إلا الله، والثانية خروجه إلى فضاء وهناك ~~يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر. # الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهرا وفي الحقيقة إلا ~~لله تعالى فكأنه عاد إلى الحالة الأولى. وهذا معنى الرجوع إلى الله ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما ~~يحصله بتجارته. والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند ~~الرجوع إلى الله تعالى كقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره [الزلزلة: 7، 8] ثم كان لقائل أن يقول: # كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال وهم ~~لا يظلمون بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة ms0931 لأن الله تعالى مكنه ~~وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل. هذا على أصول المعتزلة. وأما ~~على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه تعالى ملك الملوك وخالق الخلائق، ~~والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلما. عن ابن عباس أنها آخر ~~آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. نزل بها جبريل وقال: # PageV02P069 # ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش صلى الله عليه وسلم ~~بعدها أحدا وثمانين يوما، وقيل أحدا وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ~~ساعات، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### | التأويل: # أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى. فمثل ~~آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه ~~فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله # قوله عليه السلام «إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطا ~~أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين ~~الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن ~~أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» «1» # وفي الحديث مثلان: # أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى ~~وأشار إليه # بقوله: «وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم» «2» # وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها ~~حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب ~~الهلاك. والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله «إلا آكلة الخضر» وذلك أن الخضر ~~ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من ~~كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، ~~فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع ~~والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع. ولكن لما كان بأمر ~~الشرع وطريق الحل ما أضربه وأحل الله ms0932 البيع وحرم الربا يعني كيف يكون ما ~~أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟ فمرتكب الربا في ~~ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية. # وأمره إلى الله يرزقه من حيث لا يحتسب والله لا يحب كل كفار بنعمة الشرع ~~وأنواره أثيم عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره. ثم أخبر عن العاملين بالشرع ~~الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقرونا بالتوفيق، ثم ~~خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا ~~بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ~~لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ولا هم ~~يحزنون لفوات أنوار الشريعة. ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال يا أيها ~~الذين آمنوا باللسان اتقوا الله أي بالله كما جاء. «كنا إذا احمر البأس ~~اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم» . أي جعلناه قدامنا. ومن شرط المؤمن ~~الحقيقي اتقاؤه بالله في PageV02P070 # ترك الزيادات كما # قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «1» # وذروا ما بقي من الربا تركوا ما سوى الله في طلبه إن كنتم مؤمنين إيمانا ~~حقيقيا. فإن لم تفعلوا لم تتركوا كل زيادة تمنعكم فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله ببعد منهما وبغض. وإن تبتم تركتم غيره فلكم رؤس أموالكم وهي الكرامة ~~التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه لا تظلمون بوضع ~~محبتي في غير موضعها من المخلوقات ولا تظلمون بوضع محبتكم في غير موضعها. ~~وإن كان ذو عسرة لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلا فنظرة إلى ميسرة وهو وقت ~~وصوله إليه آجلا وأن تصدقوا تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا ~~والعقبى على قدر همتكم فهو خير لكم لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا إن كنتم ~~تعلمون قدرها ومن يتوكل على الله فهو حسبه # «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» «2» # ثم إنه سبحانه كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع ms0933 في خاتمة ~~الوحي خلاصة أي القرآن فقال: واتقوا يوما الآية. وذلك أن فائدة جميع الكتب ~~راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل ~~والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس. والفوز بالدرجات ~~العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة ~~وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته. فقوله واتقوا شامل لما ~~يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك ~~عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ~~جاهدوا فينا [العنكبوت: 69] عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن ~~الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق ~~المحمودة. ثم من هاهنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: ~~69] من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى [النجم: 15] فينتفعون بمواهب إذ يغشى السدرة ما يغشى ~~[النجم: 16] ثم من هاهنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ما زاغ ~~البصر وما طغى [النجم: 17] من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية ~~حجاب النفس وبدية أنوار القدس. وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو ~~أدنى ترجعون فيه إلى الله. لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها ~~PageV02P071 # اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل ~~الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء. ثم وصف الرجال بقوله: رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [النور: 37] فمن كان من النساء بهذا ~~الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من ~~النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار ~~للأعداء ثم توفى كل نفس ما كسبت فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي ~~إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته ~~وهويته، وهم لا يظلمون فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون ~~على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس ms0934 عليه مثقال ذرة فأما من ~~طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى [النازعات: 37، 41] . ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 282 الى 283] # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم ~~كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه ~~الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن ~~تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ~~ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم (282) وإن كنتم على سفر ~~ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما ~~تعملون عليم (283) ### | القراآت: # أن يمل هو بسكون الهاء: قتيبة والحلواني عن قالون. الباقون بالضم على ~~الأصل أن تضل بكسر الهمزة على الشرط: حمزة والمفضل. الباقون بالفتح على ~~أنها ناصبة فتذكر بالتشديد والرفع: حمزة وجبلة فتذكر بالرفع، ومن الإذكار: ~~أبو زيد عن المفضل فتذكر من الإذكار وبالنصب: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن ~~كثير وقتيبة. الباقون فتذكر بالتشديد والنصب. تجارة حاضرة بالنصب فيهما: ~~عاصم. # PageV02P072 # الباقون بالرفع فيهما. فرهان بضم الراء والهاء: ابن كثير وأبو عمرو. ~~الباقون فرهان. ### | الوقوف: # فاكتبوه ط، للعدول. بالعدل ص، لعطف المتفقين فليكتب ج شيئا ط. بالعدل ط، ~~من رجالكم ج للشرط مع فاء التعقيب الأخرى ط دعوا ط للعدول أجله ط ألا ~~تكتبوها ط لابتداء الأمر. تبايعتم ms0935 ص لعطف المتفقين ولا شهيد ط بكم ط واتقوا ~~الله ط ه، ويعلمكم الله ط عليم ه، مقبوضة ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ~~ربه ط للعدول الشهادة ط قلبه ط عليم ه. ### | التفسير: # الحكم الثالث المداينة. وسبب النظم أن الحكمي المتقدمين وهما الإنفاق ~~وترك الربا كانا سببين لنقصان المال، فأرشد الله تعالى في هذه الآية بكمال ~~رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه ~~الاحتياط، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك، ولهذه الدقيقة بالغ في ~~الوصاية وأطنب. عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال: لما حرم الربا أباح ~~السلم وأنزل فيه أطول آية. ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل ~~إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثلها طريقا ~~حلالا وسبيلا مشروعا. والتداين تفاعل من الدين. يقال: داينت الرجل إذا ~~عاملته بدين معطيا أو آخذا. والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين. وذلك أن ~~البياعات على أربعة أوجه: # أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة. والثاني بيع الدين ~~بالدين وهو باطل فيبقى هاهنا بيعان: بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئا ~~بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهما داخلان تحت الآية. ~~وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل، ~~والقرض لا يجوز فيه الأجل. والفائدة في قوله: بدين تخليصه من التداين بمعنى ~~المجازاة، أو التأكيد مثل ولا طائر يطير بجناحيه [الأنعام: # 38] أو ليشمل أي دين كان صغيرا أو كبيرا سلما أو غيره. وفي الكشاف: ~~فائدته رجوع الضمير إليه في قوله: فاكتبوه إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: ~~فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن. ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل ~~وحال فإنه كالمطابقة، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن. وقيل: ليكون المعنى ~~تداينا يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين. # وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصا في العموم لأن الكلية تفهم من بيان ~~العلة في قوله: # ذلكم أقسط ms0936 عند الله فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلا في الكل، ~~أو نقول: # العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلولها فتكون القضية كلية كما في ~~قوله: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا [المائدة: 6] والأجل مدة الشيء ومنه أجل ~~الإنسان لمدة عمره. # PageV02P073 # وفائدة قوله مسمى أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة ~~والأشهر والأيام. وإنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم ~~التسمية. ثم إنه تعالى أمر في المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون ~~كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي ~~انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه. وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب ~~عطاء وابن جريج والنخعي، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين ~~قديما وحديثا على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد، ولأن في ~~إيجابهما حرجا وتضييقا. وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة. أما ~~المخاطب بقوله: فاكتبوه فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا، بل من ~~له استئهال لكتبه ولهذا قال: وليكتب بينكم كاتب وليس ذلك أيضا على الإطلاق ~~ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفا بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ~~ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، ويحترز عن الألفاظ المجملة ~~التي يقع النزاع في المراد منها. # وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيها ~~أديبا دينا. قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقا عليه بين ~~المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلا إلى إبطاله ولا ~~يأب كاتب ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب أن يكتب وقوله ~~كما علمه الله إما أن يكون متعلقا بما قبله فالتقدير: # ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله تعالى فيقع قوله بعد ذلك فليكتب ~~تأكيدا للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله تعالى إياها ms0937 أو بما ~~بعده فيكون الأول نهيا عن الامتناع مطلقا، والثاني أمرا بالكتابة المقيدة ~~والمطلق لا دلالة له على المقيد، فلا يكون الثاني تأكيدا للأول وإنما يكون ~~بيانا له. ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل ~~الإرشاد والأولى تحصيلا لحاجة المسلم وشكرا لما علمه الله من كتابة الوثائق ~~فهو كقوله: # وأحسن كما أحسن الله إليك [القصص: 77] وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه ~~نسخ بقوله ولا يضار كاتب ولا شهيد. وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد ~~إلا كاتبا واحدا وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصا فالواجب كتابة أحدهم. ~~وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب، ~~فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال ~~المسلم بإهماله. واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك ~~والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه ~~بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلهذا قال سبحانه وليملل الذي عليه ~~الحق والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة # PageV02P074 # الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، وقد نطق القرآن بهما. قال: ~~فهي تملى عليه بكرة وأصيلا [الفرقان: 5] . # وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن ~~يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئا. والبخس النقص فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله أو ضعيفا ~~صبيا أو شيخا مختلا أو لا يستطيع أن يمل هو أو غير مستطيع للإملاء بنفسه ~~لعي به أو خرس فليملل وليه بالعدل والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي ~~أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير ~~مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه. وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في ~~قوله: أن يمل هو أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه. وعن ms0938 ~~ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في وليه عائد إلى الدين أي الذي له ~~الدين ليمل. قيل: وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل؟ ولو كان قوله معتبرا ~~فأي حاجة إلى الكتابة والإشهاد؟ ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن ~~بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال تعالى: واستشهدوا أي ~~أشهدوا. والإشهاد والاستشهاد بمعنى، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد ~~شهيدين أي شاهدين «فعيل» بمعنى «فاعل» . وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيدا ~~تنزيل لما يشارف منزلة الكائن. ومعنى قوله من رجالكم أي من رجال أهل ملتكم ~~وهم المسلمون. وقيل يعني الأحرار، وقيل من رجالكم الذين تعدونهم للشهادة من ~~أهل العدالة فإن لم يكونا أي الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان أي فليكن أو ~~فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه ~~التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى ممن ترضون من الشهداء وفيه دليل على ~~أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة. والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون ~~حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا عالما بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة ~~إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ولا بترك ~~المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة. وعن علي عليه السلام: ولا ~~يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وذلك لأنه تعالى قال ~~ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه ~~الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد، فيعلم منه أن العبد لا يجوز ~~أن يكون شاهدا. وعند شريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبد قالوا: لأن ~~العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق. وعند أبي حنيفة يجوز شهادة ~~الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل أن تضل أن لا تهتدي إحداهما للشهادة ~~بأن # PageV02P075 # تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين، فإن الإنسان ~~لا يخلو من النسيان فتذكر إحداهما الأخرى وانتصابه على أنه مفعول له ms0939 أي ~~إرادة أن تضل. قال في الكشاف: فإن قلت: كيف يكون ضلالها مرادا لله؟ قلت: ~~لما كان الضلال سببا للإذكار والإذكار مسببا عنه وهم ينزلون كل واحد من ~~السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب ~~عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ~~ضلت ونظيره قولهم «أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن ~~يجيء عدو فأدفعه» . وفي التفسير الكبير أن هاهنا غرضين: أحدهما حصول ~~الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين. والثاني بيان تفضيل الرجل ~~على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في ~~القضية وذلك لا يتأتى إلا بضلال إحدى المرأتين، فلهذا صار كل من الغرضين ~~صحيحا ولا محذور. ومن قرأ بكسر «إن» على الشرط والجزاء فلا إشكال. وروي عن ~~سفيان بن عيينة أنه قال فتذكر إحداهما معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا ~~يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف. ~~واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «على مثل الشمس فاشهد أو فدع» # وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة. وقول الشاهد الواحد لا يكفي ~~للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في ~~الزنا لقوله تعالى: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء [النور: 4] وقال: فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم [النساء: 15] ولا يعتبر فيه شهادة النساء. عن الزهري أنه ~~قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل ~~شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها. فإن ~~كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله ~~تعالى كحد الشرب وقطع الطريق، وحق العباد كالقصاص والقذف، وأما غير ~~العقوبات فما ليس بمالي. ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال ~~غالبا كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء ~~وانقضاء العدة وجرح الشهود ms0940 وتعديلهم والعفو عن القصاص، فكل ذلك لا يثبت إلا ~~برجلين أيضا. وإن كان مما يختص بمعرفته النساء غالبا فتقبل فيه شهادتهن على ~~انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل ~~شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض ~~والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من ~~أربع نسوة تنزيلا لاثنتين منهن منزلة رجل. وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين ~~وبرجلين بالطريق الأولى. وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان # PageV02P076 # والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة ~~والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ~~ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله. وجوز ~~الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين # وأنكره أبو حنيفة ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا «ما» زائدة مبهمة أي إذا ~~دعوا فقيل: أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها. وقيل: إلى ~~تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى ~~الكتابة، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل: أمر بالتحمل إذا لم ~~يوجد غيره. وحمله الزجاج على مجموع الأمرين: التحمل أولا والأداء ثانيا. ~~والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء. والأصل في الإطلاق الحقيقة ~~وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة. وأيضا التحمل غير ~~واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل. وأيضا الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر ~~بتحمل الشهادة، فكان صرف قوله ولا يأب الشهداء إلى الأمر بالأداء أولى ~~ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعينا وجب عليه أداء الشهادة، وإن ~~كان فيهم كثرة كان الأداء فرضا على الكفاية. ولا تسئموا لا تضجروا ولا ~~تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيرا ~~أو كبيرا مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط، فإن القليل ms0941 من المال ~~ربما أفضى إلى نزاع كثير. وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة ~~المنافق. وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير ~~كتابا فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه. ويجوز أن يكون ~~الضمير للكتاب، وأن تكتبوه مختصرا أو مشبعا، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله ~~إلى وقته الذي اتفقا على تسميته ذلكم الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من ~~الكتب والإشهاد أقسط أعدل عند الله وأقوم للشهادة أعون على إقامة الشهادة ~~وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولا على قولهم «أفلس من ابن المذلق» وإما ~~من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر. ولا يصح ~~ذلك المعنى هاهنا يقال: قسط إذا جار، وأقسط أي عدل وأدنى ألا ترتابوا أقرب ~~من انتفاء الريب. رتب الله تعالى على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد: # الأولى: تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل ~~أبعد فيكون أعدل عند الله. والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في ~~الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر. # والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد، وعن غيره ~~بأن لا # PageV02P077 # ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة. فما أحسن هذه ~~الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب إلا أن تكون تجارة حاضرة قيل: هو ~~راجع إلى قوله: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إن البيع بالدين قد ~~يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد، فاستثنى عن المداينة ما يكون ~~أجله قريبا. ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ولا تسئموا أن تكتبوه وقد ~~يقال: إنه استثناء منقطع والتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم ~~جناح. فيكون كلاما مستأنفا على سبيل الإضراب عن الأول. والتجارة تصرف في ~~المال لطلب الربح. فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة. فإذا ~~المراد بالتجارة هاهنا ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم ~~تعاطيهم إياها يدا بيد. والمعنى ms0942 إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد. ومن ~~قرأ تجارة بالرفع فعلى «كان» التامة أو الناقصة والخبر تديرونها ومن قرأ ~~بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب. # بني أسد هل تعلمون بلاءنا ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا # أي إذا كان اليوم يوما. واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا. وذو كواكب ~~أي شديد. ويقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهرا. وقال الزجاج: تقديره إلا ~~أن تكون المداينة تجارة أي يكون دينا قريب الأجل. فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة ~~المذكورة أولا واجبة، وقد أثبتنا خلاف ذلك. وإنما رخص تعالى في هذا النوع ~~من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس. # فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في ~~مثله قليل. # وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة ~~الحاضرة، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة ~~تخف مؤنته. ويحتمل أن يكون أمرا بالإشهاد مطلقا ناجزا كان التبايع أو كالئا ~~لأنه أحوط. عن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك: هي عزيمة ~~من الله ولو على باقة بقل. ولا يضار كاتب ولا شهيد يحتمل أن يكون مبنيا ~~للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين ~~والحسن وطاوس وقتادة ومعناه: نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن ~~يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال وإن تفعلوا فإنه فسوق ~~بكم فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم. وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد ~~أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس، وأنه نهي للمتداينين عن ~~الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا، أو لا يعطى الكاتب حقه من ~~الجعل، أو يحمل الشهيد # PageV02P078 # مؤنة مجيئه من بلد. وإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم ~~عنه من فعل معصية ms0943 أو ترك طاعة ليكون عاما فإنه فإن الضرار أو ارتكاب المنهي ~~فسوق بكم خروج عن أمر الله وطاعته. ومعنى بكم أي ملتصق بكم. واتقوا الله في ~~أوامره ونواهيه ويعلمكم الله ما فيه صلاح الدارين والله بكل شيء من مصالح ~~عباد عليم. # واعلم أنه سبحانه جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب ~~وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة. ولما بين القسم الأول شرع في ~~الثاني وقال وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة واتفق الفقهاء ~~على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية ~~على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ~~ولهذا قال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ~~ولم تجدوا كتابا ونظيره قوله فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ~~[النساء: 101] وليس الخوف من شرط جواز القصر. وكان مجاهد والضحاك يذهبان ~~إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذا بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما ~~اليوم. وأصل الرهن من الدوام. رهن الشيء إذا دام وثبت. ونعمة راهنة أي ~~دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسما وزال عنه عمل الفعل. فإذا قلت رهنت عنده ~~رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت ~~ثوبا. ولهذا جمع جمع الأسماء. وله جمعان: رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان ~~مثل كباش في كبش. وقيل: إن أحدهما جمع الآخر. # وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو ~~فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن. ويعلم من قوله: مقبوضة أن الرهن لا بد في ~~لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا ~~للمرتهن عن الارتهان. وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض ~~يصح الرهن ولكن لا يلزم. وأما صورة القبض فقبض العقار إنما ms0944 يحصل بتخلية ~~الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح ~~فيما له مفتاح. وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص ~~بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدرا فلا بد من ~~التقدير أيضا بوزن أو كيل أو ذرع. ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت ~~آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض. ~~ثم إنه تعالى ذكر بيع الأمانة فقال فإن أمن بعضكم بعضا فإن أمن بعض ~~الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته فليكن المديون عند ظن الدائن به. وسمى # PageV02P079 # الدين أمانة وإن كان مضمونا لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه ~~مجاز مستعار. # وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة ~~اللغوية أطلق أحدهما على الآخر. والائتمان افتعال من الأمن وليتق الله ربه ~~حتى لا يدور في خلده جحود واختيان. وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب ~~للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده. والصحيح هو ~~الأول. ومن الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب ~~الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن. والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ~~رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة. وعن ابن عباس أنه قال: ~~في آية المداينة نسخ. ثم قال: لا تكتموا الشهادة وفيه وجوه: # الأول عن القفال: أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند ~~اعتقاد كون المديون أمينا، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج ~~المديون جاحدا للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم، ~~ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك ~~الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه. وعلى هذا يمكن أن ~~يحمل # قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الشهود من شهد ms0945 قبل أن يستشهد» «1» # وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة. وقيل: المراد ~~بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق ~~المسلم، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن وقلبه فاعله. ويجوز أن يكون ~~قلبه مبتدأ وآثم خبره مقدما عليه، والجملة خبر «إن» . وفائدة ذكر القلب ~~والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ~~ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب ~~الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما ~~أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح ~~بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب» «2» . # وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي PageV02P080 # هو القلب، والله بما تعملون عليم فيه تحذير للكاتم وتهديد له. عن ابن ~~عباس: أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: فقد حرم الله عليه الجنة ~~وشهادة الزور وكتمان الشهادة. ### | التأويل: # إنه تعالى كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا ~~عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة إلى قوله: فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به [التوبة: 111] وأشهد الملائكة الكرام وإن عليكم ~~لحافظين كراما كاتبين [الانفطار: # 10، 11] وإنه تعالى كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا أمر ~~الملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا ~~يجعلون ذلك في أعناقكم وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه [الإسراء: 13] ثم ~~نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا [الإسراء: 14] ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، ~~وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير ms0946 ~~وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن ~~يملي الحق للحق. فإن كان الذي عليه حق للحق سفيها جاهلا بإملاء الحق للحق ~~لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفا عاجرا مغلوبا بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل ~~هو لكونه ممنوعا بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا ~~يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، فليملل وليه بالعدل فإن لكل ~~قوم وليا يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن ~~الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور. الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: # 257] واستشهدوا شهيدين استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين ~~هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء فإن لم يكونا رجلين أرباب القلوب فرجل ~~وامرأتان أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في ~~فائدة الصحبة ممن ترضون من الشهداء ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما # قال: «أنتم شهداء الله في أرضه» «1» # أن تضل إحداهما عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين ~~الهوى فتذكر إحداهما الأخرى فالرفيق ثم الطريق. واعلم أن أهل الدين ~~طائفتان: PageV02P081 # الواقفون والسائرون. والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له ~~باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم ~~المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن ~~الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير ~~والقطمير ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ق: 18] وأما السائر فلا يقف ~~في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق ~~الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان: سيار وطيار. فالسيار من يسير بقدمي ~~الشرع والعقل على جادة الطريقة، والطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في ~~فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة. فالإشارة في قوله: وإن كنتم على سفر ~~ولم تجدوا كاتبا إلى السيار ms0947 الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة ~~التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم: ما كتب علي صاحب ~~الشمال منذ عشرين سنة. وقال بعضهم: كاشف لي صاحب اليمين وقال لي: أمل علي ~~شيئا من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله. قال: فقلت ~~له: حسبك الفرائض. فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون ~~هاربا منه. فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه ~~وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على ~~الهارب يكون وكيلا وحفيظ للطالب له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من ~~أمر الله [الرعد: 11] وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، ~~قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض؟ مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن. ~~أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب ~~بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد. # مستهام ضاق مذهبه ... في هوى من عز مطلبه # كل أمر في الهوى عجب ... وخلاصي منه أعجبه # وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في ~~السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا ~~العاشق المسكين. لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى ~~بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ~~ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء [البقرة: 30] ولقب في النهاية بالظلم والجهل إنه كان ظلوما ~~جهولا [الأحزاب: 72] هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة ~~وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين. ومن # PageV02P082 # أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم ~~إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن ~~العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر ms0948 إلا في ~~مرآة ذلة العاشق. # وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر ~~بصلاح كتمان أمر الأمانة. وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون ~~عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، اسجدوا ~~لآدم [البقرة: 34] وعتاب إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] فإن أمن بعضكم ~~بعضا كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق ~~بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا. فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها ~~لي ملفوفة بلفاف التقوى «الإيمان عريان ولباسه التقوى» وكتمان الشهادة أن ~~يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا ~~يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك ~~لربك. ### | [سورة البقرة (2) : الآيات 284 الى 286] # لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير (284) ~~آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير (285) لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (286) ### | القراآت: # فيغفر لمن يشاء بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو. وجملة أهل العلم على ~~الإخفاء لا على الإدغام التام فيغفر ويعذب برفع الراء والباء: يزيد وابن ~~عامر وعاصم وسهل ويعقوب. وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن ~~مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو ~~يدغم ويعذب من يشاء كل القرآن. وكتابه ms0949 حمزة وعلي وخلف الباقون وكتبه جمعا ~~لا يفرق بياء الغيبة يعقوب. الباقون بالنون أخطأنا مثل فادارأتم [البقرة: ~~72] . ### | الوقوف: # وما في الأرض ط به الله ط لمن قرأ فيغفر بالرفع على الاستئناف # PageV02P083 # أي فهو يغفر، ومن جزم بالعطف لم يقف. من يشاء ط. قدير ه والمؤمنون ه، لمن ~~لم يقف على من ربه. المصير ه، وسعها ط ما اكتسبت ط أو أخطأنا ج من قبلنا ج ~~لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال لنا به ج واعف عنا ~~وقفة واغفر لنا كذلك وارحمنا كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن ~~أطماعنا غير واحد الكافرين ه. ### | التفسير: # إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل ~~التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة ~~والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق ~~والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل ~~على كمال ملكه وهو قوله: لله ما في السماوات وما في الأرض وعلى كمال علمه ~~وهو قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله وعلى كمال قدرته ~~وهو قوله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير وفي ذلك غاية ~~الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين. وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله ~~بما تعملون عليم. ذكر عليه دليلا عقليا فإن من كان فاعلا لهذه الأفعال ~~المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن ~~يكون محيطا بأجزائها وجزئياتها. وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد ~~والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه عن الانتفاع ~~به. وقال الشعبي وعكرمه ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ~~ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. # عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: لما نزل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms0950 ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول ~~الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة. وقد أنزلت عليك ~~هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن ~~تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل ~~الله في إثرها آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عز وجل: لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا قال: نعم ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من ~~قبلنا قال: # نعم، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال نعم واعف عنا واغفر لنا ~~وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال نعم. # PageV02P084 # واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها ~~الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ~~ما لا يطاق. وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها ~~في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم [البقرة: 225] وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال ~~القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها في الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة ~~أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه. نعم يبتليه ~~في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب. # وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا ~~معناه. # وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما # روي أنه صلى الله عليه ms0951 وسلم قال بعد نزول قوله لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا» ~~«1» # وقيل: معنى قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه أن يدخل ذلك العمل في ~~الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام ~~النسخ. وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيبا ومحاسبا كونه عالما بما في الضمائر ~~والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ. وعند ~~المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ويعذب من يشاء ~~والله على كل شيء قدير مستول على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد ~~والإعدام. فعلى كل عاقل أن يكون له عبدا منقادا خاضعا لأوامره ومراضيه، ~~محترزا عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه والمؤمنون فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية ~~في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلى آخر السورة. أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر ~~المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبين في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة ~~هم أمة محمد والمؤمنون كل آمن بالله ثم قال هاهنا وقالوا سمعنا وأطعنا كما ~~قال هناك ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون [البقرة: 3] وقال هاهنا ~~غفرانك ربنا وإليك المصير كما قال هنالك وبالآخرة هم يوقنون [البقرة: 4] ثم ~~حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: ربنا لا تؤاخذنا إلى آخر السورة كما ~~قال هناك أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون [البقرة: PageV02P085 # 5] أو نقول: إنه سبحانه لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، ~~بين أن الرسول اعترف لمعجزة دلت له على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل ~~إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس ~~بشيطان مضل. ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله تعالى ~~على يد الرسول حتى استدلت الأمة ms0952 بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة ~~المتأخرة. ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما ~~أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم ~~مبانيه. ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك. ثم هاهنا ~~احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: المؤمنون فيكون المعنى آمن ~~الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثم ابتدأ بقوله كل آمن فيكون الضمير ~~الذي التنوين نائب عنه في كل عائدا إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل ~~واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد. ومثل هذا الضمير ~~يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله وكل أتوه داخرين [النمل: ~~87] وهذا الاحتمال يشعر بأنه صلى الله عليه وسلم ما كان مؤمنا بربه ثم آمن، ~~فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على ~~يد جبريل عليه السلام أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل ~~من عند الله تعالى وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة ~~والشعبذة. والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله من ربه ثم ابتدأ من ~~قوله والمؤمنون كل آمن بالله وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو ~~إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~[الشورى: 52] أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان ~~حاصلا منذ خلق من أول الأمر بل كان نبيا وآدم بين الماء والطين، كما أن ~~عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا [مريم: 30] وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه ~~قد يكون متلوا يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحيا لا ~~يعلمه سواه. فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصا بالإيمان به ولا يتمكن ~~الغير من الإيمان به. # واعلم أن الآية دلت ms0953 على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: # المرتبة الأولى هي الإيمان بالله سبحانه فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف ~~على وجود المبلغ والمرسل. # والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر. ينزل ~~الملائكة بالروح # PageV02P086 # من أمره على من يشاء من عباده # [النحل: 2] علمه شديد القوى [النجم: 5] . # والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر. ~~فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من ~~الله تعالى ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة. ~~وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله ~~وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة ~~عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه. أما الإيمان بوجوده ~~فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم ~~لا يكون مقرا بوجود الإله تعالى فيكون الخلاف معهم في ذات الله تعالى. وأما ~~الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود ~~موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ~~ثبوتية أو سلبية أو إضافية. وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه تعالى ~~بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي. وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم ~~أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية ~~للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله سبحانه فهو مضطر ~~في صورة مختار. وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله ختم الله على قلوبهم ~~[البقرة: 7] وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان ~~يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد ~~لا إلى الله فإنه منزه ms0954 عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام ~~والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب ~~الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا ~~يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه. وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء ~~الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنبيائه المرسلة، وقد مر في تفسير ~~البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله. وأما الايمان بالملائكة ~~فهو الإيمان بوجودها. فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، ~~أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت ~~لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية ~~والبرهانية. # ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، ~~وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب ~~إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم. ~~وأما الإيمان بالكتب # PageV02P087 # فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها ~~شيئا من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم. وإن من قال: إن ترتيب القرآن ~~على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه ~~التغيير والتحريف. وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن ~~متشابهه. وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب ~~الاعتقاد في أمر التبليغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة ~~آدم، وأن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن ليس بني خلافا لبعض ~~الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال تعالى: تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض [البقرة: 253] وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن ~~الأنبياء أفضل من الملائكة. وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية ~~أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية. وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم ~~أيضا. وأن تعلم أن شرعهم وإن ms0955 صار منسوخا إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة. ~~وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك. فهذه إشارة ~~إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأما من قرأ وكتابه على ~~الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب ~~والرسل. وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد ~~العموم كقوله: وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وقال أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث [البقرة: 187] وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام. قال ~~العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده. وقيل: قراءة الإفراد ~~أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع. ومن هنا قال ابن عباس: ~~الكتاب أكثر من الكتب. ومن قرأ لا نفرق بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون ~~لا نفرق. ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن ~~الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع. أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن ~~النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول «بين» عليها. وليس المراد بعدم ~~التفريق عدم التفضيل لقوله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض [البقرة: ~~253] بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد نبوتهم لظهور ~~المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم. والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى ~~الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وعن أبي ~~مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [آل ~~عمران: 103] واعلم أن قوله آمن الرسول إلى قوله بين أحد من رسله إشارة إلى ~~استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقالوا سمعنا وأطعنا إشارة إلى ~~استكمال القوة العملية بالأعمال # PageV02P088 # الفاضلة الكاملة. أو نقول: إن للإنسان أياما ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى ~~معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم ~~المعاد. فقوله: آمن الرسول إلى قوله من رسله إشارة إلى معرفة المبدأ وقالوا ~~سمعنا وأطعنا إشارة إلى الوسط وغفرانك ms0956 ربنا وإليك المصير علم المعاد ومثله ~~في آخر سورة هود ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله [هود: 123] ~~وهو معرفة المبدأ لأن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة. وقوله: ~~ولله غيب السماوات والأرض [هود: 123] فيه بيان كمال العلم، وقوله وإليه ~~يرجع الأمر فيه كمال القدرة. وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به ~~اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: فاعبده [هود: # 123] ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ~~وهو قوله وتوكل عليه [هود: 123] وأما علم المعاد فقوله: وما ربك بغافل عما ~~تعملون [هود: 123] أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله سبحان ربك ~~رب العزة عما يصفون [الصافات: 180] وهو معرفة المبدأ وسلام على المرسلين ~~[الصافات: # 181] وفيه إشارة إلى عالم الوسط والحمد لله رب العالمين [الصافات: 182] ~~إشارة إلى علم المعاد كقوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: ~~10] والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة ~~عالم الأنوار. أو نقول والمؤمنون كل آمن بالله إشارة إلى الأحكام العقليات ~~وقالوا سمعنا وأطعنا إشارة إلى الأحكام السمعيات. قال الواحدي: أي سمعنا ~~قوله وأطعنا أمره. وقيل: حذف المفعول صورة. ومعنى هاهنا أولى ليفيد أنه ليس ~~في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره. والسماع ~~هاهنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ~~ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم ~~قال وأطعنا فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا ~~بشيء منها، فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف ~~علما وعملا. غفرانك مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر. ويقال: غفرانك اللهم ~~لا كفرانك. من قوله وما يفعلوا من خير فلن يكفروه [آل عمران: 115] أي لن ~~تعدموا جزاءه. وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك. وقيل: معناه نسألك غفرانك ~~فيكون مفعولا به. والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوبا لكثرة ms0957 الاستعمال ~~وللاستغناء به عن فعله نحو: سقيا ورعيا. وهاهنا سؤال وهو أن القوم لما ~~قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟ والجواب لعلهم ~~خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون # PageV02P089 # ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد ~~خلفوها، ومن هاهنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد حمل # قوله صلى الله عليه وسلم «وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» «1» # على مثل هذا. ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير ~~وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة دعواهم فيها سبحانك اللهم [يونس: 10] أي أنت ~~منزه عن تسبيحنا وتقديسنا وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] ~~أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره ~~بألسنتنا. ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، ~~والثاني بقوله: ربنا أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل ~~في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا ~~بأن يغفر جميع الذنوب ويبدلها حسنات. أو تكون الإضافة إشارة إلى ما # ورد في الحديث «إن لله تعالى مائة جزء من الرحمة قسم جزءا منها على ~~الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون. وأخر تسعة ~~وتسعين جزءا ليوم القيامة» «2» # أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين. فلولا ~~الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف ~~الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر ~~آثار مغفرتك ورأفتك. فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي ~~حق أمثالي من المذنبين. وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك ~~لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم ~~تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني. أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف ~~يليق بكرمك أن ms0958 لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟ أو ربيتني في الماضي ~~فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعا إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني ~~فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، ~~وإليك المصير حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك. وفيه اعتراف ~~بأنه تعالى عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات. ~~قوله سبحانه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إن قلنا إنه PageV02P090 # من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه ~~تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا. وإن قلنا إنه من كلام الله تعالى ~~مستأنفا فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على ~~أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله تعالى ~~عنهم إجابة لدعائهم. والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس ~~وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من ~~الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة. ولكنه تعالى ما جعل في ~~الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته. واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي ~~تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد ~~موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله تعالى لم يكن للعبد قدرة على دفعها ~~لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد. ثانيا، فتكليف العبد بالفعل ~~يكون تكليف ما لا يطاق. الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور ~~بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. # أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم ~~إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين. والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس ~~تكليفا بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ~~ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع. لكن ~~الأشعري لما كانت حجته قوية ms0959 عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف ~~الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفا بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار ~~بأنه خلق من أهل النار. على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ~~ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه لها ~~ما كسبت وعليها ما اكتسبت قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد. قال ~~تعالى: ولا تكسب كل نفس إلا عليها [الأنعام: 164] وقيل: الاكتساب أخص لأن ~~الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة. وقيل: في الاكتساب ~~مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من ~~السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه ~~كيفما صدر عنه. قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما ~~مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور ~~أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه البتة، ولانتفت ~~فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مرارا، وكذا تفسير الكسب وبيان ~~المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم [البقرة: 134] . واحتج الأصحاب بالآية على فساد ~~القول بالمخاطبة لأنه تعالى بين أن لها # PageV02P091 # ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين ~~يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرو أحدهما زوال الآخر. وقال الجبائي: تقدير ~~الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت ~~إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة ~~والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال. واحتج كثير من المتكلمين بالآية ~~في أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في ~~إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار. وفرعوا عليه مسائل منها: أن ~~المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ~~لها ما كسبت والعارض الموجود إما ms0960 الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال ~~الملك بدليل أم الولد والمدبر. # ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله لها ما ~~كسبت عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على ~~الأصل. ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال ~~الملك بدليل أن المسروق متى كان باقيا وجب رده على المالك. ومنها أن منكري ~~وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على ~~العام. # ثم إنه تعالى حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: # الأول ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا. ~~وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص. وقيل: معنى المشاركة ~~هاهنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه ~~بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه. وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ ~~المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه ~~برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب. والمراد بالنسيان إما الترك ~~وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ~~ومنه قوله تعالى: نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] أي تركوا العمل لله فترك ~~أن يثيبهم، وإما ضد الذكر. وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في # قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» «1» # فما معنى الدعاء؟ والجواب من وجوه: # الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر. فمن رأى دما في ~~ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصرا إذا كان يلزمه ~~المبادرة إلى إزالته. وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ~~ملوما بخلاف ما لو واظب على القراءة ومع PageV02P092 # ذلك نسي فإنه يكون معذورا. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطا في ~~أصبعه # فثبت أن الناسي ms0961 قد لا يكون معذورا وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب ~~التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. والحاصل أنه ذكر النسيان ~~والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال. الثاني أن ~~هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان ~~يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء ~~بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما ~~يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به. الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا ~~يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل ~~الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك ~~كقوله قال رب احكم بالحق [الأنبياء: 112] ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ~~[آل عمران: 194] وقالت الملائكة: فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك [غافر: ~~7] . الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلا وإنما عرف عدم المؤاخذة ~~بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزا في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء. ~~وقد يتمسك به من يجوز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز ~~عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله تعالى عقلا لما أرشد الله تعالى إلى طلب ~~ترك المؤاخذة عليه. وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن ~~النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي. ~~إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من ~~الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء. # وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن يدعوه بترك المؤاخذة على ~~تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة ~~مرجوا. # النوع الثاني: من الدعاء ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصرا لأنه ثقيل. والإصر العطف ~~لأن من عطفت عليه ثقل على ms0962 قلبك ما يصل إليه من المكاره. يقال: ما تأصرني ~~على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في ~~التكاليف كما شددت على من قبلنا من اليهود، قال المفسرون: إن الله تعالى ~~فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه ~~نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلا في الدنيا. فأجاب الله تعالى دعاءهم كما ~~قال: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف: 157] # وقال صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق» # وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب ~~العقوبة. وقيل: معناه لا تحمل علينا عهدا أو ميثاقا يشبه ميثاق من قبلنا في ~~الغلظ والشدة وهو قريب من الأول. قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة # PageV02P093 # وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه ~~الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك ~~التغليظ. وأما أن اليهود لم خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم ~~فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله. # النوع الثالث: الدعاء ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ومن الأصحاب من ~~تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزا لما حسن طلب تركه ~~بالدعاء. وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: لا طاقة لنا أي ما يشق فعله لا ~~الذي لا قدرة لنا عليه. # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك: «له طعامه ~~وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» # أي لا يشق عليه. وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذ واحدا ~~فعدلوا عن ذلك وقالوا: # المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله. سلمنا أنهم ~~سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على ~~جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله رب احكم بالحق لا يدل على جواز ms0963 أن يحكم ~~بباطل. وكذا قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولا تخزني يوم يبعثون ~~[الشعراء: 87] لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز. قيل: لم خص التكليف الشاق ~~بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟ وأجيب بأن الحاصل فيما لا ~~يطاق هو التحميل دون الحمل. قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من ~~لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس ~~الترتيب. # والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء ~~عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات ~~على تفريطهم في المحافظة عليها. وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن ~~لا يكلفهم تكليفا شاقا مقيدا وهو التكليف بما كلف من قبلهم، ثم سألوا أن لا ~~يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقا سواء كلف بذلك من قبلهم ~~أم لا. وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيام بظاهر الشريعة، والثاني ~~طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر ~~نعمه أي لا تطلب مني حمدا يليق بجلالك ولا شكرا يليق بآلائك ونعمائك، ولا ~~معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك. وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة ~~الجمع في لا تؤاخذنا ولا تحمل علينا فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على ~~كل شيء كان حصوله أرجى. # النوع الرابع من الدعاء واعف عنا واغفر لنا وارحمنا وإنما حذف النداء وهو ~~قوله «ربنا» هاهنا لأن النداء يشعر بالبعد. فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا ~~واظب على التضرع # PageV02P094 # والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله. والفرق بين العفو والمغفرة ~~والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صونا ~~له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل ~~عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة. فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو ~~العذاب الروحاني. وبعد التخلص منهما أقبل على طلب الثواب وهو أيضا قسمان: ~~جسماني ms0964 هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله وارحمنا وروحاني هو إقبال العبد ~~بكليته على مولاه وهو قوله أنت مولانا ففيه الاعتراف بأنه سبحانه هو ~~المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة ~~الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل ~~مهماته إلا بإصلاح مولاه. وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق # «من عرف نفسه» # أي بالإمكان والنقصان # «عرف ربه» # أي بالوجوب والتمام. ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله ~~فانصرنا على القوم الكافرين أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة ~~القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط ~~القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما ~~البطلة؟ قال: السحرة» «1» # وعنه صلى الله عليه وسلم «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة ~~كفتاه» «2» # وعنه صلى الله عليه وسلم «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم ~~يؤتهن نبي قبلي» «3» # وعنه صلى الله صلى الله عليه وسلم «أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما ~~الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة ~~أجزأتاه عن قيام الليل» # وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل ~~أكرمك بحسن الثناء بقوله آمن الرسول فاسأله وارغب إليه. فعلمه جبريل عليه ~~السلام كيف يدعو فقال النبي صلى الله عليه وسلم غفرانك ربنا فقال الله: قد ~~غفرت لكم. فقال: لا تؤاخذنا فقال الله: لا أؤاخذكم. # فقال: لا تحمل علينا إصرا. فقال: لا أشدد عليكم. فقال: لا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به. # فقال: لا أحملكم ذلك. فقال: واعف عنا واغفر لنا وارحمنا فقال الله: قد ~~عفوت عنكم PageV02P095 # وغفرت لكم وأنصركم على القوم الكافرين. # وفي بعض الروايات أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ms0965 يذكر هذه الدعوات ~~والملائكة كانوا يقولون آمين. ### | التأويل: # الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق. له روح نوراني من عالم الأمر ~~والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى ~~عالمه. فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار ~~الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله إن ~~تبدوا ما في أنفسكم مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال ~~الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة أو تخفوه بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية ~~في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة يحاسبكم به الله ~~بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس فيغفر ~~لمن يشاء فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ويعذب من يشاء فيعاقب ~~نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير والله على كل شيء من ~~إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق قدير لما عرج بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب ~~قوسين أو أدنى [النجم: 9] أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته. # فأجاب صلى الله عليه وسلم بقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # فقيل له آمن الرسول عبانا بما أنزل إليه من ربه فقال من كمال رأفته بأمته ~~والمؤمنون كل آمن بالله إلى قوله سمعنا وأطعنا فقال الله تعالى: ما يطلبون ~~مني في جزاء السمع والطاعة؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم غفرانك ربنا وإليك المصير # ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما ~~كان مصيري إليك لا إلى من سواك. قال الله في جوابه لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: ~~لو دنوت أنملة لاحترقت. وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على ~~العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات ~~وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف ms0966 أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف ~~حالهم بصير؟ وإنما بلغك هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيبا ~~قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب ~~شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار ~~متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت ~~بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير. فتارة # PageV02P096 # أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب. فقال ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن ~~يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم ~~يعبدوا غيرك وأنت قلت: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء [النساء: 48] ربنا ولا تحمل علينا إصرا بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة ~~فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا بالصبر عن شهود جمالك واعف عنا حجب أنانيتنا واغفر لنا بشواهد ~~هويتك وارحمنا برفع البينونة من بيننا أنت مولانا وولينا في رفع وجودنا ~~وناصرنا في نيل مقصودنا فانصرنا على القوم الكافرين بجذبات عنايتك وأعنا في ~~المصير إليك على قمع كفار الاثنينية التي تمنعنا من وحدتك. # بيني وبينك إني يزاحمني ... فارفع بجودك إني من البين # PageV02P097 ### | (سورة آل عمران وهي مدنية) # (حروفها 4424 كلماتها 485 آياتها مائتان) ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا ~~لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ~~إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (4) # إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء (5) هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ms0967 (6) هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب (7) ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف ~~الميعاد (9) # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب (11) ### | القراآت: # الم الله مقطوعة الألف والميم ساكنة: يزيد والمفضل والأعشى والبرجمي ~~الباقون موصولا بفتح الميم. التوراة ممالة حيث كان: أبو عمرو وحمزة وعلي ~~وخلف والنجاري عن ورش، والخزاز عن هبيرة، وابن ذكوان غير ابن مجاهد كدأب ~~حيث كان بغير همزة: أبو عمرو وغيره شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش ~~والخزاز عن هبيرة وحمزة عن الوقف. ### | الوقوف: # الم ج كوفي مختلف فإن غير الأعشى والبرجمي ويزيد والمفضل يصلون. # إلا هو ج القيوم ط والإنجيل ط الفرقان ط شديد ط انتقام ه، في السماء ط ~~كيف يشاء ط الحكيم ه، متشابهات ط لاستئناف تفصيل وابتغاء # PageV02P098 # تأويله # ج لأن الواو تصلح استئنافا والحال أليق إلا الله م عند أهل السنة لأنه لو ~~وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما يعلم الله، ومن لم يحترز عن ~~هذا وجعل المتشابه غير صفة الله ذاتا وفعلا من الأحكام التي يدخلها القياس ~~و ### | التأويل # وجعل المحكمات الأصول النصوص الجمع عليها فعطف قوله والراسخون على اسم ~~الله وجعل يقولون حالا لهم ساغ له أن لا يقف على إلا الله. آمنا به (لا) ~~لأن قوله كل من عند ربنا من مقولهم فإن التسليم من تمام الإيمان. من عند ~~ربنا ج لاحتمال أن ما بعده مقولهم الألباب ه، رحمة ج للابتداء بأن ولاحتمال ~~لام التعليل ms0968 أو فاء التعقيب للتسبيب الوهاب ه، فيه ط الميعاد ه، شيئا ط ~~النار (لا) لتعلق كاف التشبيه فرعون (لا) للعطف، من قبلهم ط، بآياتنا ج ~~للعدول مع فاء التعقيب بذنوبهم ط العقاب ه. ### | التفسير: # أما قراءة عاصم فلها وجهان: الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل ~~الابتداء. الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل. وأما من فتح ~~الميم ففيه قولان: أحدهما قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب ~~الكشاف أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: ~~واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله الله فإذا ابتدأنا به ~~تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على ~~الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، ~~فكأن الهمزة ساقطة بصورتها باقية بمعناها. وثانيهما قول سيبويه وهو أنه لما ~~وصل الله ب الم التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب ~~تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم ~~فتحوا الميم محافظة على التفخيم. فافتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من ~~همزة الوصل فلا يرد عليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود ~~لها في الوصل أصلا فكيف تنقل حركتها. # قال الواحدي: نقل المفسرون أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ~~نجران ستون راكبا فبهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر ~~القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا ~~يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم يقال ~~له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل. وكان ملوك الروم شرفوه ومولوه ~~فأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب ~~أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة ~~تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه ms0969 ~~وسلم. فقال أبو حارثة: بل تعست # PageV02P099 # أمك. فقال: ولم يا أخي؟ فقال: إنه والله النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~ننتظره. فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء ~~الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا. فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه ~~الأشياء. فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث ~~بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة- الأمير والسيد والحبر- مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على اختلاف من أديانهم. فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن ~~الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو «الله» بأنه كان يحيي الموتى ~~ويبرىء الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ~~فيطير، ويحتجون في قولهم «إنه ولد الله» بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون ~~على «ثالث ثلاثة» بقول الله تعالى: «فعلنا وفعلنا» ولو كان واحدا لقال ~~«فعلت» . وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أسلموا. فقالوا: قد أسلمنا قبلك. فقال صلى الله عليه وسلم: كذبتم. كيف ~~يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدا، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟ ~~قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ~~ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة. ثم أخذ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد ~~إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى. # قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: ~~بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل ~~يملك عيسى شيئا من ذلك؟ # قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا ms0970 ~~صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون ~~أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى ~~حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم ~~كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: فكيف يكون هو كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا حجودا ثم قالوا: يا ~~محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا. ففي ذلك ~~نزل فأما الذين في قلوبهم زيغ الآية. # وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله تعالى. # واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق. وذلك أن أولئك النصارى ~~كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة. أما الأول ~~فالحق فيه معه لأنه تعالى حي قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ~~ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب # PageV02P100 # ويحدث. والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه. وهذه ~~الكلمة أعني قوله الله لا إله إلا هو الحي القيوم جامعة لجميع وجوه الدلائل ~~على بطلان قول النصارى بالتثليث. وأما الثاني فقوله نزل عليك الكتاب بالحق ~~كالدعوى. وقوله وأنزل التوراة والإنجيل من قبل كالدليل عليها. وتقريره أنكم ~~وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه تعالى قرن بإنزالهما ~~المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين. # ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلا من عند الله كما قام في الكتابين. ~~وإذا كان الطريق مشتركا فالواجب تصديق الكل كالمسلمين. أما قبول البعض ورد ~~البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ~~ختم بالتهديد والوعيد فقال إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد وإنما ~~خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجما، فكان معنى التكثير ~~حاصلا فيه، وأنهما نزلا جملة. وأما قوله الحمد لله الذي أنزل على عبده ms0971 ~~الكتاب [الكهف: 1] فالمراد هناك نزوله مطلقا من غير اعتبار التنجيم. # قال أبو مسلم: قوله بالحق أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، أو أن ~~ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد ~~والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل. وقال ~~الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من ~~سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات. وقيل: مصونا من المعاني الفاسدة ~~المتناقضة كقوله ولم يجعل له عوجا قيما [الكهف: 1، 2] لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا [النساء: 82] وفي قوله مصدقا لما بين يديه إنه لو كان من عند غير ~~الله لم يكن موافقا لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه ~~أميا لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفتريا استحال أن يسلم من التحريف ~~والجزاف. وفيه أنه تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه ~~عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. ~~فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقا في ~~معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده. فإن قلت: كيف ~~يكون مصدقا لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟ قلنا: إذا ~~كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين ~~بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن ~~مصدقا لها. فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن ~~المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف. والتوراة والإنجيل اسمان ~~أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية. فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد ~~إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور ~~من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت # PageV02P101 # النار. قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفا. أو ~~تورية بكسر الراء «تفعلة» مثل «توفية» إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم ~~يقولون ms0972 في بادية «بأداة» . وزعم الخليل والبصريون أن أصلها «وورية» «فوعلة» ~~كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث. وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل ~~من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقيل: من نجلت ~~الشيء استخرجته أي إنه تعالى أظهر الحق بسببه. أبو عمرو الشيباني: التناجل ~~التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه. ومعنى قوله من قبل أي من قبل أن ~~ينزل القرآن. وهدى للناس إما أن يكون عائدا إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف ~~القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى. وإنما لم يوصف القرآن ~~بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة هدى للمتقين [البقرة: 2] لأن المناظرة ~~هاهنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه ~~أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، ~~وإما أن يكون راجعا إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين. وأنزل الفرقان ~~قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل. وقيل: أي ~~الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال: # الى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم # وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من ~~الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي ~~التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك. وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ~~ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيما لشأنه وإظهارا لفضله. وفي التفسير الكبير: ~~إنه تعالى لما ذكر الكتب الثلاثة بين أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو ~~المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين. ~~ثم إنه تعالى بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجرا لمعرضين عن هذه الدلائل وهم ~~أولئك النصارى أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ~~فقال إن الذين كفروا بآيات الله من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله لهم عذاب ~~شديد والله عزيز لا يغالب إذ لا حد لقدرته ذو ms0973 انتقام عقاب شديد لا يقدر على ~~مثله منتقم. فالتنكير للتعظيم. وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع. ~~فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إلى كونه ~~فاعلا للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل. # قوله سبحانه إن الله لا يخفى عليه شيء لما ذكر أنه حي قيوم والقيوم هو ~~القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون ~~عالما بكميات # PageV02P102 # حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادرا على ترتيبها. ~~والأول لا يتم إلا إذا كان عالما بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله إن ~~الله لا يخفى عليه شيء # والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادرا على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله ~~هو الذي يصوركم ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله إن ~~الله لا يخفى عليه شيء والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالما لا يجوز أن يكون ~~هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالما بجميع ~~المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال هو الذي ~~يصوركم في ظلمات الأرحام بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء ~~مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، ~~وبعضها عضلات. ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف ~~الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن ~~العالم بتفاصيله. # ثم إنه تعالى لما كان قيوما بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية ~~وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله هو الذي يصوركم وروحانية وأشرفها ~~العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله هو الذي أنزل عليك الكتاب. ويحتمل أن ~~تنزل هذه الآيات على سبب نزولها. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا ~~في ذلك على نوعين من الشبهة: # أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب وذلك ~~قوله تعالى: # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم [آل عمران: 49] والثاني يتعلق ~~بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء ms0974 الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين. ~~فأزال شبهتهم الأولى بقوله إن الله لا يخفى عليه شيء فمن المعلوم بالضرورة ~~من أحوال عيسى أنه ما كان عالما بجميع المعلومات. فعدم إحاطته بجميع ~~الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا ~~تدل على كونه إلها لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام. وأزال شبهتهم ~~الثانية بقوله هو الذي يصوركم وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في ~~الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ~~ومعلوم أن عيسى لم يكن قادرا على الإحياء والإماتة بهذا الوجه. كيف ولو قدر ~~على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه. فإماتة بعض ~~الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله تعالى ~~المعجزة على يده، والعجز عن إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية ~~قطعا، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعا. ثم ~~إنهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها ~~المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابنا لله. والجواب ~~عنه بقوله # PageV02P103 # أيضا هو الذي يصوركم لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من ~~نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب. وأيضا قالوا للرسول صلى الله ~~عليه وسلم: ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟ وهذا يدل على أنه ابن لله. ~~فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز. وإذا ورد ~~اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى ~~التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~الآية. فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات ~~على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله في الأرض ولا في ~~السماء مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟ قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك ~~عند ذكر السموات ms0975 والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على ~~المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم. ~~قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند ~~إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله. وذلك أن الصورة مائلة ~~إلى شكل أبويه. والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما ~~سلف. وقيل: سمي رحما لاشتراك الرحم فيما يوجب الرحمة والعطف. وقرىء تصوركم ~~أي صوركم لنفسه ولتعبده. و «كيف» في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلا ~~أو قصيرا، أسود أو أبيض، حسنا أو قبيحا إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة. ~~ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد ردا على النصارى ~~القائلين بالتثليث فقال لا إله إلا هو العزيز الحكيم فالعزيز إشارة إلى ~~كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم. وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن ~~العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلها. # ولنذكر هاهنا مسائل: الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم وذلك قوله: # الر كتاب أحكمت آياته [هود: 1] الر تلك آيات الكتاب الحكيم [يوسف: 1] ~~والمراد كون كله كلاما ملحقا فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا ~~يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانيه وبلاغة معانيه. ودل على أنه ~~بتمامه متشابه كتابا متشابها مثاني [الزمر: # 23] والمراد أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقص ~~والتناقض. ثم إن هذه الآية هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه. فيعني ~~هاهنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك ~~بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا الكتاب. ~~والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه. # PageV02P104 # فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، # وفي حديث النخعي «حكم اليتيم كما تحكم ولدك» # أي امنعه من الفساد. وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما ms0976 لا ينبغي وأما ~~التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما. ثم يقال لكل ~~ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقا لاسم السبب على المسبب، ونظيره ~~المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي ~~أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة. فالمعتزلي يقول: فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر [الكهف: 29] محكم وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ~~[التكوير: 29] متشابه. # والسني يقلب الأمر في ذلك. وكذا المعتزلي يقول: لا تدركه الأبصار ~~[الأنعام: 103] محكم وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22، ~~23] متشابه. والسني بالعكس. فلا بد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن ~~الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل. وهو إما لفظي أو عقلي. ~~والدليل اللفظي لا يكون قاطعا البتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه ~~التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم ~~الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون ~~أولى أن يكون مظنونا فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا ~~سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة ~~القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلا فإذا قامت هذه الدلالة ~~وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند ~~هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل ~~إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك ~~الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولا سيما ~~المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير ~~جائز والله أعلم. # المسألة الثانية في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه. عن ابن عباس ~~أن المحكمات هي الآيات الثلاث في سورة الأنعام قل تعالوا [آية: 151] إلى ~~آخرها، وعلى هذا فالمحكم عنده ما لا يتغير باختلاف الشرائع، لأن هذه الآيه ~~كذلك. والمتشابهات هي التي ms0977 اشتبهت على اليهود كأوائل السور، أولوها على ~~حساب الجمل ليستخرجوا بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه. وعنه أن ~~المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ. # وقال الأصم: المحكم هو الذي يكون دلائله واضحة لائحة كإنشاء الخلق في ~~قوله: ثم خلقنا النطفة علقة [المؤمنون: 14] والمتشابه ما يحتاج في معرفته ~~إلى التدبر والتأمل كآيات # PageV02P105 # البعث، فإن التأمل يجعلها محكمة، فإن من قدر على الإنشاء قدر على ~~الإعادة. فإن عنى الأصم بوضوح الدلائل رجحانها، وبالخفاء خلاف ذلك، فهذا هو ~~الذي ذكرنا من أن المحكم عبارة عن النص والظاهر، والمتشابه المجمل والمؤول. ~~وإن عنى بالواضح ما تعلم صحته بضرورة العقل، وبالخفي ما تعرف صحته بدليل ~~العقل، فكل القرآن متشابه. فإن إنشاء الخلق أيضا يفتقر إلى دليل عقلي، فإن ~~الدهري ينسب ذلك إلى الطبيعة، والمنجم إلى تأثير الكواكب. ولعل الأصم يسمي ~~ما هو الأبعد عن الغلط لقلة مقدماته وضبطها محكما، والذي هو غير ذلك ~~متشابها. وقيل: كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي أو دليل ~~خفي فهو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته كالعلم بوقت القيامة وبمقادير ~~الثواب والعقاب في حق كل مكلف فذاك متشابه. # المسألة الثالثة في أنه لم جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها. من ~~الملحدة من طعن فيه وقال: كيف يليق بالحكيم أن يجعل كتابه المرجوع إليه في ~~دينه، الموضوع إلى يوم القيامة بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب، فمثبت الرؤية ~~يتمسك بقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22، 23] ونافيها ~~يتشبث بقوله لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] ومثبت الجهة يخافون ربهم من ~~فوقهم [النحل: 50] الرحمن على العرش استوى [طه: 5] والنافي ليس كمثله شيء ~~[الشورى: 11] فكل منهم يسمي الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة ~~متشابهة، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح ~~خفية، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنه لو جعل كله ظاهرا جليا خالصا عن ~~المتشابه نفيا كان أقرب إلى حصول الغرض. والجواب أنه متى كانت المتشابهات ~~موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب ms0978 وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب. ~~وأيضا لو كان كله محكما كان مطابقا لمذهب واحد فقط فكان ينفر أرباب سائر ~~المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به، وإذا كان مشتملا على القسمين ~~فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مقالته فيجتهد في فهم معانيه، ~~وبعد الفحص والاستكشاف، صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، ويتخلص المبطل عن ~~باطلة ويصل إلى الحق. وأيضا إذا كان فيه محكم ومتشابه افتقر الناظر فيه إلى ~~الاستعانة بالدلائل العقلية، فيتخلص من ظلمة التقليد إلى ضياء البينة ~~والاستدلال والطمأنينة، وافتقر أيضا إلى تحصيل علوم أخر كالصرف والنحو ~~والمعاني والبيان وأصول الفقه وأصول الكلام إلى غير ذلك، ولما في المشابهة ~~من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه. وهاهنا سبب أقوى ~~وهو أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطباع العامة تنبو في # PageV02P106 # الأغلب عن إدراك الحقائق، فمن سمع منهم في أول الأمر إثبات موجود ليس ~~بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان ~~الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما توهموه وتخيلوه مخلوطا بما يدل ~~على الحق الصريح. فالأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب ~~المتشابهات، والثاني وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات. # قوله هن أم الكتاب الأم في اللغة الأصل الذي يتكون منه الشيء. فلما كانت ~~المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، ~~فلا جرم صارت المحكمات أصولا للمتشابهات. وإنما لم يقل أمهات الكتاب ليطابق ~~المبتدأ لأن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد هو الأصل لمجموع المتشابهات، ~~وهذا كقوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50] على معنى أن مجموعهما ~~آية واحدة. # وأخر أي ومنه آيات أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق ~~فيتبعون ما تشابه منه لا يتمسكون إلا بالمتشابه. # قال الربيع: هم وفد نجران حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح ~~فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه؟ قال ms0979 صلى الله عليه وسلم: بلى. قالوا: # حسبنا. # وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة من الحروف المقطعة ~~في أوائل السور. وقال قتادة والزجاج: هم منكرو البعث لأنه قال في آخره وما ~~يعلم تأويله إلا الله # وما ذاك إلا وقت القيامة فإنه تعالى أخفاها عن الخلائق حتى الملائكة ~~والأنبياء. # والتحقيق أنه عام لكل مبطل متشبث بأهداب المتشابهات، لأن اللفظ عام وخصوص ~~السبب لا يمنع عن عموم اللفظ. ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه. ومن جملته ~~ما وعد الله به الرسول من النصرة والكفار من النقمة فكانوا يقولون ائتنا ~~بعذاب الله، ومتى الساعة، ولو ما تأتينا بالملائكة، فموهوا الأمر على ~~الضعفة. قال أهل السنة: ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله الرحمن ~~على العرش استوى [طه: 5] فإنه لما ثبت بصريح العقل امتناع كون الإله في ~~مكان وإلا لزم انقسامه، وكل منقسم مركب، وكل مركب ممكن. فمن تمسك به كان ~~متمسكا بالمتشابهات. ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على ~~تفويض الفعل بالكلية إلى العبد فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل ~~يتوقف على حصول الداعي وأنه من الله تعالى وإلا تسلسل، فيكون حصول الفعل مع ~~تلك الداعية وعدمه عند عدمها واجبا فيبطل التفويض ويثبت أن الكل بقضاء الله ~~وقدره. وإذا لاحت الدلائل العقلية فكيف يجوز للعاقل أن يسمي الآيات الدالة ~~على القضاء والقدر بالمتشابه؟ بناء على ما اشتهر بين الجمهور من أن كل آية ~~توافق مذهبهم فهي المحكمة، وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة. # PageV02P107 # والإنصاف أن الآيات ثلاثة أقسام: أحدها ما يتأكد ظواهرها بالدلائل ~~العقلية فذاك هو المحكم حقا. وثانيها التي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ~~ظواهرها فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله غير ظاهره. وثالثها الذي لا ~~يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه فهو المتشابه بمعنى أن الأمر ~~اشتبه فيه ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر. لكن هاهنا عقدة أخرى وهي أن ~~الدليل العقلي مختلف فيه أيضا بحسب ما رتبه كل فريق وتخيله ms0980 صادقا في ظنه ~~مادة وصورة. فكل فريق يدعي بمقتضى فكره أن الدليل العقلي قد قام على ما ~~يوافق مذهبه وتأكد به الظاهر الذي تعلق به، فلا خلاص من البين إلا بتأييد ~~سماوي ونور إلهي ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] ثم ~~إنه تعالى بين أن للزائغين غرضين: أحدهما ابتغاء الفتنة وهي في اللغة ~~الاستهتار بالشيء والغلو فيه. يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، والرجل مفتون ~~بابنه وبشعره. فكان التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه ~~فيصير مفتونا به عاشقا لا ينقطع عنه تخيله البتة. وقيل: الفتنة في الدين هو ~~الضلال عنه أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم. وعن الأصم: إنهم متى ~~أوقعوا تلك المتشابهات في البين صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين، وذلك ~~يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة. الغرض الثاني ابتغاء ~~تأويله أي طلب المعنى الذي يرجع إليه اللفظ بحسب ما يشتهونه من غير أن يكون ~~قد وجد له في كتاب الله بيان. قال القاضي أبو بكر: هؤلاء الزائغون قد ~~ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما أن يحملوه على غير الحق وهو المراد من ~~قوله ابتغاء الفتنة والثاني أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه وهو ~~قوله وابتغاء تأويله ثم قال عزمن قائل وما يعلم تأويله إلا الله والعلماء ~~اختلفوا في هذا الموضع. منهم من يقف هاهنا، فعلى هذا لا يعلم المتشابه إلا ~~الله وهو قول ابن عباس وعائشة والحسن ومالك بن أنس والكسائي والفراء، ومن ~~المعتزلة قول أبي علي الجبائي. ومنهم من لم يجعل الواو في والراسخون ~~للابتداء وإنما يجعله للعطف حتى يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله وعند ~~الراسخين، لأن وصفهم بالرسوخ في العلم- وهو الثبوت والتعمق وبعد الغور فيه- ~~يناسب ذلك. وهذا قول مجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين، وقد يروى عن ~~ابن عباس أيضا. والمختار هو الأول لوجوه منها: ما ذهب إليه كثير من العلماء ~~أن «أما» فيه معنى التفصيل البتة، وهذا إنما يستقيم لو قدر و ms0981 «أما الراسخون ~~في العلم فيقولون» . ومنها أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ثم دل دليل أقوى ~~منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علم أن مراد الله بعض مجازات تلك الحقيقة ~~وفي المجازات كثرة. # وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالتراجيح اللغوية الظنية، ومثل ذلك ~~لا يصح # PageV02P108 # الاستدلال به في المسائل القطعية مثاله الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ~~فإنه دل الدليل على أن الإله يمتنع أن يكون في المكان، فعرفنا أنه ليس ~~مرادا لله من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها إلا أن في مجازات هذا اللفظ كثرة ~~لا يتعين أحدها إلا بدليل لغوي ظني، والقول بالظن في ذات الله وصفاته غير ~~جائز بإجماع المسلمين، ولهذا قال مالك بن أنس: # الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. ~~ومنها ما قيل إن هذه الآية ذم لطالب تأويل المتشابه حيث قال فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه وتخصيص بعض المتشابهات بذلك كطلب وقت الساعة ~~ونحوه ترجيح من غير مرجح، فالذم يتوجه على الكل وهو المطلوب. ومنها أنه ~~تعالى مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به وقال تعالى في أول ~~البقرة: فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم [البقرة: 26] فهؤلاء ~~الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في ~~الإيمان به مدح، ولا في قولهم كل من عند ربنا لأن كل من عرف شيئا على ~~التفصيل فإنه لا بد أن يؤمن به إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا ~~بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا ~~أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ~~ودلت الدلائل القاطعة على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مرادا لله تعالى ~~عرفوا أن مراد الله تعالى منه شيء غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك ~~المراد إلى علمه وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب. # فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله ms0982 بحيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ~~ولا عدم علمهم بالمراد عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن، ولم يصر كون ~~ظاهره مردودا شبهة لهم في الطعن في كلام الله تعالى. ثم إن جعل قوله ~~والراسخون عطفا على اسم الله فقوله يقولون آمنا به كلام مستأنف موضح لحال ~~الراسخين بمعنى هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا أي كل واحد من ~~المحكم والمتشابه من عنده. وفي زيادة عند مزيد توضيح وتأكيد وتفخيم لشأن ~~القرآن، ويحتمل أن يعود الضمير في آمنا به إلى الكتاب أي يقولون، آمنا ~~بالكتاب كل من محكمه ومتشابهه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا ~~يختلف كتابه، ويحتمل أن يكون قوله يقولون حالا إلا أن فيه إشكالا وهو أن ذا ~~الحال هو الذي تقدم ذكره وهاهنا قد تقدم ذكر الله وذكر الراسخين، والحال لا ~~يمكن إلا من الراسخين فيلزم ترك الظاهر. وما يذكر إلا أولوا الألباب ما ~~يتعظ إلا ذوو العقول الكاملة الذين يستعملون أذهانهم في فهم القرآن فيعلمون ~~ما الذي يطابق ظاهره دلائل العقل فيكون محكما، وما الذي هو بالعكس فيكون ~~متشابها، ثم يعتقدون أن الكل كلام من لا يجوز في # PageV02P109 # كلامه التناقض، فيحكمون بأن ذلك المتشابه لا بد أن يكون له معنى صحيح عند ~~الله وإن دق عن فهومنا. وقيل: هو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل ~~حتى علموا من التأويل ما علموا. ثم إنه تعالى حكى عن الراسخين نوعين من ~~الدعاء: الأول قولهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا أي بعد وقت هدايتنا، ~~والثاني قولهم وهب لنا من لدنك رحمة سألوا ربهم أولا أن لا يجعل قلوبهم ~~مائلة إلى الأباطيل والعقائد الفاسدة، ثم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة ~~ويزين جوارحهم وأعضاءهم بزينة الطاعة والعبودية والخدمة. ونكر رحمة ليشمل ~~جميع أنواعها. فأولها أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة، ~~وثانيها أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة، ~~وثالثها أن يحصل له في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة ~~والكفاية، ms0983 ورابعها أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت، وخامسها سهولة ~~السؤال والظلمة والوحشة في القبر، وسادسها في القيامة سهولة العقاب والخطاب ~~وغفران السيئات وتبديلها بالحسنات، وسابعها في الجنة ما تشتهي الأنفس وتلذ ~~الأعين، وثامنها في الحضرة رفع الأستار ورؤية الملك الجبار. وفي قولهم من ~~لدنك تنبيه على أن هذا المقصود لا يحصل إلا من عنده ويؤكده قوله إنك أنت ~~الوهاب فالمطالب وإن كانت عظيمة فإنها تكون حقيرة بالنسبة إلى غاية كرمك ~~ونهاية وجودك وموهبتك. ولنعد إلى ما يتعلق بالدعاء الأول قال أهل السنة: ~~القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، وكل منهما ~~يتوقف على داعية ينشئها الله تعالى فيه، إذ لو حدثت بنفسها لزم سد باب ~~إثبات الصانع. فإن كانت داعية الكفر فهو الخذلان والإزاغة والصد والختم ~~والطبع والرين وغيرها مما ورد في القرآن، وإن كانت داعية الإيمان فهو ~~التوفيق والرشاد والهداية والتثبيت والعصمة ونحوها. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قلب المؤمن بين أصبعين من ~~أصابع الرحمن» «1» # يعني الداعيتين. ومما يؤكد ذلك أن الله تعالى مدح هؤلاء الراسخين بأنهم ~~لا يتبعون المتشابهات بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال ويتركون الخوض فيها ~~فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه، فتكون هذه الآية من ~~أقوى المحكمات وهو ظاهر في أن الإزاغة والهداية كلتيهما من الله تعالى. أما ~~المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أن الإزاغة لا يجوز أن تصدر من ~~الله تعالى لأن ذلك ظلم وقبيح، وجب صرف الآية إلى التأويل فقال الجبائي ~~واختاره القاضي: المراد أن لا يمنع قلوبهم الألطاف التي معها يستمر قلبهم ~~على صفة الإيمان، وزيف بأن اللطف إن PageV02P110 # صح في حقهم وجب عندكم على الله أن يفعل ذلك وجوبا لو تركه لبطلت إلهيته ~~ولصار جاهلا أو محتاجا. وقال الأصم: لا تبلنا ببلوى يزيغ عندها قلوبنا. ~~والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ. وقد يقول القائل: لا ~~تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده ms0984 مؤذيا لك. وزيف بأن التشديد في ~~التكليف قبيح إن علم الله تعالى أن له أثرا في حمل المكلف على القبيح وإلا ~~فوجوده كعدمه فلا فائدة في صرف الدعاء إليه. وقال الكعبي: لا تسمنا باسم ~~الزائغ كما يقال: فلان يكفر فلانا أي يقول إنه كافر. وزيف بأن التسمية ~~دائرة مع الفعل، وفعل الزيغ باختيار العبد عندكم فالتسمية أيضا بسببه، وقال ~~الجبائي أيضا: لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك وهو كالأول إلا أن يحمل على ~~شيء اخر وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى ~~السنة الثانية لكفر أماته في هذه السنة. ويرد عليه أنه لو كان علمه بأنه ~~يكفر في السنة الثانية يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأنه لا يؤمن قط ويبقى ~~على الكفر طول عمره يوجب أن لا يخلقه. وعن الأصم أيضا: لا تزغ قلوبنا عن ~~كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل. ولا يخفى تعسفه وعدم مناسبته ~~لقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ. وقال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن ~~شرور أنفسنا حتى لا نزيغ. ثم إنهم لما طلبوا أن يصونهم عن الزيغ وأن يخصهم ~~بالهداية والرحمة فكأنهم قالوا ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح ~~الدنيا فإنها منقضية، ولكن الغرض ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك جامع ~~الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه أي في وقوعه. فاللام للوقت، أو جامع الناس ~~لجزاء يوم فحذف المضاف إن الله لا يخلف الميعاد قيل: هو كلام الله تعالى ~~كأنه يصدقهم فيما قالوه، ولو كان من تمام قول المؤمنين لقيل: إنك لا تخلف. ~~إلا أن يحمل على الالتفات ومعناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك: إن ~~الجواد لا يخيب سائله. ولا سيما وعد الحشر والجزاء لينتصف للمظلومين من ~~الظالمين. والميعاد المواعدة والوقت والموضع قاله في الصحاح. # واعلم أنه لا يلزم من أنه تعالى لا يخلف الوعد القطع بوعيد الفساق كما ~~زعم المعتزلة، لأن كل ما ورد في وعيد الفساق فهو عندنا مشروط ms0985 بشرط عدم ~~العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة بدليل منفصل. قال الواحدي: ~~ولم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء، لأن خلف ~~الوعيد كرم عند العرب. قال بعضهم: # إذا وعد السراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه # وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ ~~فقال: # PageV02P111 # إن الله وعد وعدا وأوعد إيعادا. فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده. فقال ~~أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، لأن العرب تعد ~~الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد: # وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي # وذلك أن الوعد حق عليه، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود ~~والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد. ~~على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزما من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو ~~فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى. ثم إنه سبحانه لما حكى عن ~~المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وقيل: المراد ~~وفد نجران وذلك أنا روينا في قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه: إني ~~أعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، ولكي إن أظهرت ذلك أخذ ملوك ~~الروم مني ما أعطوني من المال. فالله تعالى بين أن أموالهم وأولادهم لا ~~تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم ~~اللفظ. # واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعا به ويجتمع عليه ~~جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول فإليه أشار بقوله: لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب، وإذا لم ~~يفد أقرب الطرق إلى دفع المضار في ذلك اليوم فما عداه بالتعذر أولى ومثله ms0986 ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الصافات: 149] المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير [الكهف: 46] . وأما ~~الثاني فإليه أشار بقوله: وأولئك هم وقود النار فإنه لا عذاب أزيد من أن ~~تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس و «من» في قوله من الله للبدل ~~مثله في قوله إن الظن لا يغني من الحق شيئا [النجم: 28] أي بدله والمضاف ~~محذوف تقديره لن تغني عنهم بدل رحمة الله أو طاعته شيئا. أو # في الحديث «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» «1» # أي لا ينفعه جده وحظه في الدنيا بدل طاعتك وعبادتك وما عندك وأنشد أبو ~~علي: # فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان PageV02P112 # وطهيان من بلاد الأزد. قلت: يجوز أن يقال «من» للابتداء تقديره من عذاب ~~الله، والجار والمجرور مقدم حالا من شيء أو «من» زائدة لتأكيد النفي ~~التقدير: لن تغني عنهم عذاب الله شيئا من الغناء أي لن تدفع. وقال أبو ~~عبيدة «من» بمعنى «عند» والمعنى: لن تغني عند الله شيئا. # قوله تعالى: كدأب آل فرعون يقال: دأب فلان في عمله أي جد وتعب دأبا دؤبا ~~فهو دئيب. وأدأبته أنا، والدائبان الليل والنهار، والدأب العادة والشان، ~~وكل ما عليه الإنسان من صنيع وحالة، وقد يحرك وأصله من دأبت إطلاقا لاسم ~~الخاص على العام أي جد هؤلاء الكفار واجتهادهم أو شأنهم أو صنيعهم في تكذيب ~~محمد وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام. ثم إنا أهلكنا أولئك ~~بذنوبهم فكذلك نهلك هؤلاء. # فقوله: كذبوا بآياتنا تفسير لدأبهم على أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما ~~فعلوا وما فعل بهم؟ فقيل: كذبوا بآياتنا بالمعجزات الدالة على صدق رسلنا. ~~فأخذهم الله بذنوبهم أي صاروا عند نزول العذاب كالمأخوذ المأسور الذي لا ~~يقدر على وجه الخلاص البتة. # وقيل: المعنى كدأب الله في آل فرعون أي يجعلهم الله وقود النار كعادته ~~وصنيعه في آل فرعون والمصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. وقال ~~القفال: يحتمل ms0987 أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى وللعادة ~~المضافة إلى الكفار كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد ~~كعادة من قبلهم في إيذاء الرسل، وعادتنا أيضا في إهلاك هؤلاء كعادتنا في ~~إهلاك أولئك الكفرة. وقيل: الدؤب والدأب اللبث والدوام والتقدير: دؤبهم في ~~النار كدؤب آل فرعون. وقيل: مشقتهم وتعبهم في النار كمشقة آل فرعون بالعذاب ~~النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب [غافر: 46] . وقيل: المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في ~~إزالة العذاب والمعنى: إنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من ~~المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، فكذلك ~~حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد فينزل بكم مثل ما نزل بهم ولا تغني عنكم ~~الأموال والأولاد. ويحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب ~~المعجل بالاستئصال وهو قوله فأخذهم الله بذنوبهم ثم صاروا إلى دوام العذاب ~~وهو قوله والله شديد العقاب فسينزل بمن كذب بمحمد أمران: # أحدهما المحن المعجلة من القتل والسبي والإذلال وسلب الأموال وإليه ~~الإشارة بقوله فيما بعد قل للذين كفروا ستغلبون والثاني المصير إلى العذاب ~~الدائم وذلك قوله وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. # PageV02P113 ### | التأويل: # الم الألف إظهار الوحدة مطلقا ذاتا وصفة. فإن الألف واحد في ذاته وصفاته ~~في وضع الحساب، ومتفرد بالأولية والانقطاع عن غيره في وضع الحروف، ويشير ~~باستقامته وعدم تغيره في جميع الأحوال إلى عدم تغيره عن الوجود الوحداني ~~أزلا وأبدا. # فإن الألف مصدر جميع الحروف، فإن من استقامته يخرج كل حرف معوج. ثم في ~~اللام والميم المتصل كل حرف منهما بالآخر إثبات أن كل موجود سوى الوحدة ~~موصوف بالإثنينية وذلك قسمان: قسم لم يكن فكان ثم يزول، وقسم ما كان فكان ~~ولا يزول. وهذان قسمان محدثان وموجدهما الواحد القديم الذي لا زال كان ولا ~~يزال يكون وإليه الإشارة بالألف. # وأما اللام فإشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يكون باقيا وهو ms0988 عالم ~~الصورة والملك والأجساد. فوقوعه في المرتبة الثانية، من الألف إشارة إلى ~~أنه مسبوق بالوجود والألف سابق عليه، والانكسار فيه يشير إلى تغيره وزواله. ~~والميم إشارة إلى القسم الذي لم يكن فكان ولا يزال يبقى وهو عالم المعنى ~~والملكوت والأرواح. وذلك أن الميم أول حرف من اسمه المبدئ وآخر حرف من اسمه ~~القيوم، فيشير إلى أنه كما أبدأه المبدئ حين لم يكن يقيمه القيوم حين كان ~~لا يزال. وبوجه آخر الألف إشارة إلى وجود حقيقي قائم بذاته، واللام يشير ~~إلى إثبات ونفي. فالإثبات في لام التمليك له ما في السماوات والأرض والنفي ~~في «لا» النافية أي لا وجود لشيء بالحقيقة سواه، والميم يشير أيضا إلى ~~إثبات ونفي. فالإثبات ميم اسمه القيوم والنفي «ما» النافية أي ما في الوجود ~~حقيقة إلا هو. ودليل الوجهين في الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ف الله ~~إثبات ذات القديم، لا إله إلا هو نفى الشرك عن وجوده وإثبات وحدته في وجوده ~~والحي القيوم إثبات جميع صفات كماله ونفي جميع سمات النقص عن ذاته. وقد ~~أودع مجموع معاني هذه الآية في قوله الم فمعنى قوله الله أودع في أول حرف ~~من حروفه وهو الألف، ومعنى قوله لا إله إلا هو أودع في أول حرف من حروفه ~~وهو اللام. ومعنى قوله الحي القيوم أودع في آخر حرف من حروفه وهو الميم. ~~وإنما أودع في آخر حروفه هاهنا ليكون السر مودعا في الآية من أول حرفها إلى ~~آخر حرفها مكتوما فيما بينهما. والحروف الثلاثة من قوله الم يكون الألف من ~~أولها دالا على المعنى الذي هو في الكلمة الأولى وهي الله واللام من أوسطها ~~دالا على المعنى الذي في الثانية وهي لا إله إلا هو والميم من آخرها دالا ~~على المعنى الذي هو مودع في الثالثة وهو الحي القيوم فيكون الاسم الأعظم ~~مودعا في الم كما روي عن سعيد بن جبير وغيره، # وهو سر القرآن وصفوته كما روي عن أبي بكر وعلي عليه السلام. # ثم ms0989 إنه تعالى بعد أن أظهر أسرار ألوهيته المودعة في الم بقوله الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم أظهر ألطاف ربوبيته المكنونة في أستار العزة مع ~~حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم # PageV02P114 # فقال نزل عليك الكتاب بالحق أي نزل حقائق القرآن وأنواره على قلبك ~~بالحقيقة متجلية لسرك، مخيفة عن زورك، فصرت مشاهدا لسر الله المودع في الم ~~وهو الذي بين يدي الله لا إله إلا هو الحي القيوم فصرت مصدقا له تصديق ~~تحقيق لا تصديق تقليد فأفهم إذ لم تتعلم، ولا تعلم أنك لا تفهم لأنه منطق ~~الطير وأنت بعد بيضة لا من الطيارين ولا من السيارين. # وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس فلا تظنن يا محمد أن إنزال ~~الكتب على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقيقة على قلبك كما قال: ولكن ~~جعلناه نورا [الشورى: # 52] حتى صرت مكاشفا عند تجلي أنواره بأسراره، وحقائق بيني وبينك لا يطلع ~~عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما إنزال الكتب على الأنبياء كان بالصورة ~~مكتوبة في صحائف وألواح يقرؤها كل قارئ، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم ~~قاطبة هدى للناس وكنت مخصوصا بالهداية عند تجلي أنوار القرآن بالتنزيل على ~~قلبك كما قال: ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] ~~وأنزل الفرقان الذي يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب على صورة ~~الأنبياء، ويفرق بين تعليمك القرآن وبين تعليمهم الكتب. فإن كانوا يتدارسون ~~الكتب فأنت تتخلق بالقرآن، فشتان بين نبي يجيء وهو بذاته نور ومعه كتاب قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين [المائدة: 15] وبين نبى يجىء ومعه نور من ~~الكتاب قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس [الأنعام: # 91] وشتان بين نبي تشرف بكتابة الموعظة له في الألواح وكتبنا له في ~~الألواح من كل شيء موعظة [الأعراف: 145] وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان ~~لهم في قلوبهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] إن الذين كفروا ~~بآيات الله يسترون بحجب الغفلات وتتبع الشهوات قلوبهم فتعمى عن مشاهدة هذه ~~الآيات ms0990 البينات لهم عذاب شديد من هذا العمى والحرمان وهم في خسران من ~~الركون إلى هذا النقصان والله عزيز ذو انتقام يعز أهل الغرام بنيل المرام ~~وينتقم من أهل السلوة بحجاب العزة. ثم أخبر تعالى عن كمال علمه بقوله إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وكيف يخفى وإنه هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز عن نقص الأحكام الحكيم ~~فيما يجري من الأزل إلى الأبد وجفت به الأقلام. وفي الآية إشارة إلى أنه ~~إذا سقطت من صلب ولاية رجل من رجال الحق نطفة إرادة في رحم قلب مريد صادق ~~يستسلم لتصرفات ولاية الشيخ وهو بمثابة ملك الأرحام، ويضبط المريد أحواله ~~الظاهرة والباطنة على وفق أمر الشيخ ويختار الخلوة والعزلة لئلا يصدر منه ~~حركة عنيفة أو يجد رائحة غريبة يلزم منه سقوط النطفة وفسادها، ويقعد بأمر ~~الشيخ وتدبيره فالله تعالى بتصرف ولاية الشيخ # PageV02P115 # المؤيد بتأييد الحق بمرور كل أربعين عليه بشرائطها يحولها من حال إلى حال ~~ومن مقام إلى مقام إلى أن يرجع إلى حظائر القدس ورياض الأنس التي منها صدر ~~إلى عالم الإنس، فيتكون الجنين في رحم القلب وهو طفل خليفة الله في أرضه ~~فيستحق الآن أن ينفخ فيه الروح المخصوص بأنبيائه وأوليائه يلقي الروح من ~~أمره على من يشاء من عباده [النحل: # 2] كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] فإذا نفخ فيه ~~الروح يكون آدم وقته فيسجد له بالخلافة الملائكة كلهم أجمعون. الآيات ~~المحكمات تنزيلها شرب الخواص والعوام لبسط الشرع والاهتداء، والمتشابهات ~~تأويلها شرب الخواص وخواص الخواص لإخفاء الأسرار عن الأغيار والابتلاء فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ ألبست قلوبهم غطاء الريب وحرموا أنوار الغيب وهم أهل ~~الأهواء والبدع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ليضلوا بأهوائهم ~~وابتغاء تأويله ليضلوا الناس بآرائهم والراسخون في العلم يقولون آمنا به ~~بما شاهدوا من أنوار الحق في تحقيق التأويل كل من عند ربنا بتوفيقه وإعلامه ~~وتعريفه وما يذكر إلا أولوا الألباب الذين خرجوا ms0991 في متابعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ظلمات قشور وجودهم النفساني إلى نور لباب وجودهم الروحاني، ~~وهم الراسخون في قشور العلوم الكسبية الواصلون إلى حقائق لباب العلوم ~~اللدنية من لدن حكيم خبير. وفي الآية إشارة إلى أن علوم الراسخين كلها ~~بتعليم الله تعالى إياهم في الميثاق إذ تجلى بصفة الربوبية للذرات، وأشهدهم ~~على أنفسهم بشواهد الربوبية ألست بربكم؟ فبشهود تلك الشواهد ركز في جبلة ~~الذرات علم التوحيد فقالوا: بلى. ويندرج في علم التوحيد كل العلوم كما قال: ~~وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة: 31] فلما ردت الذرات الى الأصلاب واحتجبت ~~بصفات البشرية، ثم نقلت إلى الأرحام وتنقلت بقدم الأربعينات من حال إلى حال ~~ومن مقام إلى مقام من مقامات البعد عن الحضرة إلى أن وضع الحمل، وردت النفس ~~العالمة بعلم التوحيد الناطقة به إلى أسفل سافلين القالب محتجبة بحجب ~~البشرية ناسية تلك العلوم والتنطق بها. ثم أبواه يذكرانه تلك العلوم ~~بالرموز والقرائن حتى يتذكر بعض تلك العلوم من وراء حجب البشرية وأستار ~~الأطوار، وينطق بلسان الأبوين لا بلسانه الذي أجاب به الرب وقال بلى، فإن ~~ذلك اللسان كان لب هذا اللسان وهذا قشر ذلك. وكذلك جميع وجود ظاهر الإنسان ~~وباطنه قشور لباب ذلك الوجود المستمع المجيب في الميثاق. فسمعه قشر ذلك ~~السمع الذي استمع خطاب الحق، وبصره قشر ذلك البصر الذي أبصر جمال الحق، ~~وقلبه قشر ذلك القلب الذي فقه خطاب الحق، وعلومه قشر تلك العلوم التي تعلمت ~~من الحق. فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليذكره حقيقة تلك العلوم التي ~~كان أبواه يذكرانه قشرها كما قال فذكر إنما أنت مذكر [الغاشية: 21] ~~فالتذكير عام ولكن التذكر خاص فلهذا قال وما يذكر إلا أولوا # PageV02P116 # الألباب # إنما يتذكر أولوا الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا عن صراطك بغلبات ظلمات ~~طبائعنا وطباعنا بعد إذ هديتنا إلى حضرة جلالك ونور جمالك حتى سمعنا بلب ~~سمعنا لب التنزيل، وشاهدنا بلب أبصارنا لب التأويل، وتذكرنا بلب عقولنا ~~علومنا وهب لنا من لدنك رحمة تجذبنا من لدنا إلى ms0992 لدنك وتغنينا عنا بك إنك ~~أنت الوهاب. وفيه إشارة إلى أن وظيفة الطالب أن لا يسكن في مقام ولا يقف مع ~~حال بل يكون إلى الأبد طلابا كما كان الله من الأزل إلى الأبد وهابا. وكما ~~أنه لا نهاية لمواهبه فلا غاية لمطالب طالبه، وأن بعد هذه الدار دارا هي ~~دار القرار يوفى فيها جزاء الأبرار والفجار. فحصول الأرب بقدر رعاية الأدب ~~في الطلب. ومقاساة التعب والنصب، وإن التقوى خير زاد للمعاد إن الله لا ~~يخلف الميعاد إن الذين كفروا استروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات نفسانيتهم ~~لن تغني عنهم طاغوت أموالهم ولا أولادهم من أنوار الله التي حجبوا عنها ~~وأولئك هم وقود النار نار الفرقة والقطيعة نار الله الموقدة التي تطلع على ~~الأفئدة [الهمزة: 6، 7] لا نار الجحيم التي لا تحرق إلا قشور الجلود ولا ~~تخلص إلى لب القلوب. وإن عذاب حرقة لجلود بالنسبة إلى عذاب فرقة القلوب ~~وحرقة القطيعة عن الله كنسيم الحياة إلى سموم لممات. # في فؤاد المحب نار هوى ... أحر نار الجحيم أبردها # وكذلك دأب جميع الكفار الذين ستروا أنوار روحانيتهم بظلمات صفات النفس ~~فعموا وصموا عن مشاهدة أنوارنا ومحافظة أسرارنا، فأخذهم الله فعاقبهم بحجاب ~~ذنبوبهم وحرقة قلوبهم والله شديد العقاب أليم نار فراقه عظيم عذاب بعده ~~وإشراقه. # بالنار خوفني قومي فقلت لهم ... النار ترحم من في قلبه نار ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 25] # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم ~~آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي ~~العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب (14) قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ~~(15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ms0993 ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) # الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار (17) شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله ~~سريع الحساب (19) فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد (20) إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ~~(21) # أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (22) ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (25) # PageV02P117 ### | القراآت: # سيغلبون ويحشرون بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعباس مخير. # الباقون بتاء الخطاب ترونهم بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. ~~الباقون بالياء مثليهم بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ~~بجنتيهم [سبأ: 16] رأي العين بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى ~~والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون بهمزة ساكنة أأنبئكم بهمزة غير ~~ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية ~~وأبي شعيب ونافع غير قالون. آونبئكم بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون ~~وعباس وأوقية وأبو شعيب. الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة. ورضوان بضم ~~الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحمادا إلا في من اتبع رضوانه ~~[المائدة: 16] في المائدة إن الدين بفتح «إن» علي. الباقون بالكسر. وجهي ~~بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل ~~والأعشى والبرجمي. ومن اتبعني بإثبات الياء في الحالين: # سهل ويعقوب ms0994 وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون ~~في الوصل. # ويقاتلون الذين: حمزة ونصير في رواية علي بن نصير. الباقون ويقتلون. ~~ليحكم بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر. الباقون بالعكس. # PageV02P118 ### | الوقوف: # جهنم ط، المهاد ه، التقتا ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما. العين ط ~~من يشاء ط الأبصار ه، والحرث ط الدنيا ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق ~~الجملتين. المآب ج من ذلكم ط لتناهي الاستفهام. من الله ط بالعباد ج للاية ~~على جعل «الذين» خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحا على «أعني الذين» ~~ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين. النار ج لأن «الصابرين» يصلح بدلا من ~~«الذين» والوقف أجود نصبا على المدح. بالأسحار ط إلا هو ط للعطف، ولو وقف ~~احترازا عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في ~~الألوهية كان جيدا. بالقسط ط، الحكيم ط إلا لمن قرأ «إن» بالفتح على البدل ~~من «أنه» الإسلام ه، بينهم ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله. الحساب ه ومن ~~اتبعن ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم ~~يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، أأسلمتم ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ~~اهتدوا ج لابتداء شرط آخر مع العطف. البلاغ ط، بالعباد ه، بغير حق ز لمن ~~قرأ ويقاتلون لعدول المعنى من قوله يقتلون أليم ه، والآخرة ز للابتداء ~~بالنفي مع اتحاد المقصود. من ناصرين ه، معرضون ه، معدودات ص لأن الواو ~~للعطف أو الحال. يفترون ه، يظلمون ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر ~~قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في ~~كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه. ثم قال ~~بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى. فلما كان يوم أحد ونكب ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فقالوا: لا والله ما هو به. ms0995 وغلب ~~عليهم الشقاء فلم يسلموا. وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ~~ذلك العهد. وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة أبي سفيان ~~وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة. ثم رجعوا إلى ~~المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية. # وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: ~~لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود ~~في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش ~~يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل ~~تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت ~~قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة. أما والله لو قاتلناك ~~لعرفت أنا نحن الناس فأنزل الله قل للذين كفروا # يعني اليهود ستغلبون # PageV02P119 # تهزمون وتحشرون إلى جهنم في الآخرة. ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: # فحسبه جهنم ولبئس المهاد [البقرة: 206] وقيل: هم مشركو مكة ستغلبون يعني ~~يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من ~~الغلبة والحشر بأي لفظ أراد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالياء فالأمر ~~متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: # سيغلبون. وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه تعالى أخبر عنهم ~~بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذبا. وفيها دليل ~~على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ستغلبون وقد وقع كما أخبر ~~إخبار عن الغيب فيكون معجزا دالا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم. نظيره ~~في حق عيسى عليه السلام وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم [آل ~~عمران: 49] ثم إنه تعالى ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ~~قد كان لكم آية في فئتين التقتا يوم بدر فئة إحداهما جماعة تقاتل في سبيل ~~الله ms0996 وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته وفيه أخرى ~~كافرة هم كفار قريش. وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين ~~كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العدد والعدد، كانوا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا مع كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن ~~الخيل فرسان. ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا. ومنها أن ذلك ~~ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني. كانوا تسعمائة وخمسين رجلا ~~وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم ~~دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات. وإذا ~~كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة. وثانيها أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله تعالى وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين [الأنفال: 7] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان. وكان ~~أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز. ~~وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة. ورابعها قوله يرونهم ~~مثليهم وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في «يرون» إما أن يعود إلى الفئة ~~الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ~~مثليهم إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي ~~عدد المشركين قريبا من ألفين. الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ~~ستمائة ونيفا وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ترونهم بتاء الخطاب ~~أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم. ودليل الاحتمالين جميعا أن ~~عود الضمير في «يرون» إلى # PageV02P120 # الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه سبحانه جعل هذه الحالة آية للكفار ~~حيث خاطبهم بقوله قد كان لكم آية فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون ~~حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على ms0997 ~~الكفرة. والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا ~~يناقض قوله في سورة الأنفال ويقللكم في أعينهم [الآية: 44] لاختلاف الوقتين ~~فكأنهم قللوا أولا في أعينهم حتى اجترءوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في ~~أعينهم حتى غلبوا. على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في ~~القدرة وإظهار الآية. الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم ~~المشركون. فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه ~~أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى: إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين [الأنفال: 65] والكافرون كانوا قريبا من ثلاثة أمثالهم، فلو ~~رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا. # الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على ~~الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة ~~الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك. وفي الآية احتمال ~~خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها ~~اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة. وهاهنا بحث وهو أن الاحتمال الأول ~~والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئيا، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون ~~الموجود والحاضر غير مرئي. أما الأول فهو محال عقلا والقول به سفسطة فلهذا ~~قيل: لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرا. وعلى هذا ~~تكون الرؤية رؤية البصر، ويكون مثليهم نصبا على الحال، أو تحمل الرؤية على ~~الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية ~~الكثرة، لكن قوله: رأي العين لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا ~~لبس فيها معاينة كسائر المعاينات. وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ ~~عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم ~~جائزا لا واجبا والزمان زمان خوارق العادات. وأما المعتزلة فعندهم الإدراك ~~واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان ~~عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض ms0998 دون البعض. أو لعل الغبار ~~صار مانعا عن إدراك البعض، أو خلق الله تعالى في الهواء ما صار مانعا عن ~~رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين ~~الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل. والله يؤيد بنصره من يشاء ~~إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد. إن في ذلك الذي ذكره ~~من # PageV02P121 # الآية لعبرة نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم لأولي ~~الأبصار ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين. ثم ذكر ما هو ~~كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه زين للناس اللذات الجسمانية ~~والآخرة. وهي عالم الروحانيات- خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على ~~العبودية واتصف بالخصال الحميدة. وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا ~~حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه. # وروينا أيضا أنه صلى الله عليه وسلم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة ~~بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، # فبين الله تعالى في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، ~~والآخرة خير. والمزين هو الله تعالى. أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال ~~العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة ~~للشيطان؟ وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء إنا جعلنا ما على الأرض ~~زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [الكهف: 7] ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة ~~وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها. كان الصاحب ~~بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب. ~~ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان ~~أشق له وأكثر ثوابا. وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجبا أو ~~مندوبا أو مباحا فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراما قالتزيين ~~فيه من الشيطان. وحكي ms0999 عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله ~~على ذلك. واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن ~~تزيينها وظيفة الشيطان. وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه ~~الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده. وقال في معرض ~~الذم ذلك متاع الحياة الدنيا والذام للشيء لا يكون مزينا له. وقال قل ~~أأنبئكم بخير من ذلكم # والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزينا لها؟. ثم إنه تعالى جعل الأعيان ~~المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها وذلك ~~للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور «قدرة» وللمرجو «رجاء» . وفيه فائدة أخرى ~~هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه ~~بالبهيمية. فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها. قال ~~المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون ~~مغايرا للمضاف إليه. فالشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد، ~~وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات. واعلم أن الإنسان ~~قد يحب شيئا ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن ~~تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله تعالى حكاية عن ~~سليمان # PageV02P122 # عليه السلام إني أحببت حب الخير [ص: 32] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون ~~محبا للخير. فقوله: حب الشهوات قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة. ولفظ ~~للناس عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في ~~الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل. ~~على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، ~~وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع. ثم شرع في ~~بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: ~~الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا ms1000 إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21] # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف على متي النساء» # الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء ~~والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات. # الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. قال الزجاج: ~~القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة. والمال الكثير قنطار لأن ~~الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب. # أبو عبيد: إنه وزن لا يحد. # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «القنطار اثنا عشر ألف ~~أوقية» «1» # وروى أنس عنه هو ألف دينار. وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية. ~~وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية. وبه قال ~~الحسن. وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة. وعن ~~سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار. والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد ~~كقولهم «ألف مؤلفة وبدرة مبدرة وإبل مؤبلة» . قال الكلبي: القناطير ثلاثة ~~والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة. وإنما كان الذهب والفضة محبوبين ~~لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء. # وكل الصيد يوجد في الفرا ... ولولا التقى لقلت جلت قدرته # وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته. والخامسة ~~الخيل المسومة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء ~~والرهط، وسميت الأفراس خيلا لاختيالها وهو جولانها في مشيتها. ويسمى الخيال ~~خيالا لجولان هذه القوة في استحضار الصور. والمسومة قيل المرعية. أسمت ~~الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي. ولا شك أنها إذا رعت ازدادت ~~حسنا وبهاء. وقيل: هي المعلمة من السومة PageV02P123 # العلامة. ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال ~~الأصم: هي البلق. وقال قتادة: الشية- وقيل: الكي. وقال مجاهد وعكرمة: ~~المسومة المطهمة أي الحسان. قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم أي تام، كل ~~شيء على حدته فهو بارع الجمال. السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل ~~والبقر والغنم. ولا ms1001 يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت ~~عليها. السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن ~~وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره. ~~والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم. # والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران ~~الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو ~~الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل ~~من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، ~~والقرآن يخاطب أولا معهم. والله عنده حسن المآب أي المرجع. وإنما لم يذكر ~~المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه سبحانه خلق الخلق ~~للرحمة لا للعذاب ولهذا # قال: «سبقت رحمتي غضبي» «1» # ثم بين أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا. ~~والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك ~~الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع ~~الآخرة خير منها فقال مستفهما على سبيل التقرير قل أأنبئكم بخير أي بشيء هو ~~خير من ذلكم الذي عددنا. ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟ عندي رجل من صفته كيت ~~وكيت. وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن ~~النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد ~~زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس. ثم وصف ~~الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: مطهرة أي من الأقذار والمنفرات. وبعد ذكر ~~تمام النعمة ذكر ما هو فوق التمام فقال: ورضوان من الله # ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور ~~منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن ms1002 العبد وما يملكه ~~للمولى ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [التوبة: # 72] ويحتمل أن يكون اللام في قوله: للذين اتقوا متعلقا بخير. واختص ~~المتقين لأنهم PageV02P124 # هم المنتفعون به ويرتفع جنات على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ~~جنات بالجر على البدل من بخير وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون ~~متعلقا بخير. # وقوله: عند ربهم يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: للذين أي ~~ثبت لهم عند ربهم. ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ~~اتقوا فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقيا عند الله ~~تعالى فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمنا في علم الله والله بصير بالعباد عالم ~~بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا ~~فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، ~~أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعد لهم الجنات الذين يقولون ~~ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة. ~~وقد حكى الله تعالى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك ~~على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلا فيه كما ~~زعموا كان إدخاله في النار قبيحا عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله تعالى، ~~وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح. ويمكن أن يجاب ~~عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل العبودية وإبداء ~~للاستكانة والخشوع. وأيضا صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز ~~القبول. فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران. ~~ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد ~~منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: # الصابرين أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد. ms1003 ~~وقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله ~~تعالى. فقال: # لا. فقال: الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر مع الله. قال: لا. قال: فأي ~~شيء؟ قال: # الصبر عن الله. فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه. والصادقين أي في الأقوال ~~وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على ~~الخيرات. # والقانتين والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها والمنفقين ما تيسر على ~~من تيسر بشروطه ومصارفه وجوبا وندبا والمستغفرين بالأسحار أي فيها. والسحر ~~قبل طلوع الفجر. وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان ~~السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم. وللاستغفار ~~بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد ~~عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة ~~وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن ~~بأنوار المعارف وآثار اللطائف. أما بيان ترتيب الأوصاف، # PageV02P125 # فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف. ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير ~~واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~[الأحزاب: 23] ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك ~~بقوله: والقانتين ثم إن هاهنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال ~~والابتهال والتضرع إلى حضرة القدس والجلال وذلك قوله: والمنفقين ~~والمستغفرين بالأسحار فقوله: والمنفقين معناه الشفقة على خلق الله وباقي ~~الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله. # قال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه ~~حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه ~~هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان! ~~فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت ~~محمد؟ قال: نعم. قالا: وأنت أحمد؟ # قال: نعم. قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك ms1004 ~~وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلاني. قالا: أخبرنا من ~~أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ربنا إننا آمنا ثم بين ~~أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية. # واعلم أن الشهادة من الله تعالى ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن ~~تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك. أما الأول فتقريره من وجهين: ~~أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم ~~واحد وهو حاصل في حق الله تعالى وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم. أما من ~~الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع ~~كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، والتمسك بالدلائل السمعية في هذه ~~المسألة جائز لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم ~~بها. وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحدانية الله تعالى ~~بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضا أن الله واحد لا شريك له. وثاني ~~الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان. فالله تعالى أظهر ذلك ~~وبين بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه. ~~أيضا الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق. فالتفاوت إنما ~~وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان. فأما مفهوم الإظهار والبيان ~~فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وحدانية ~~الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل ~~هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى ~~وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين ~~عند الله هو الإسلام. وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله تعالى على # PageV02P126 # توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة ~~وأولي العلم عبارة ms1005 عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله تعالى: إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي [الأحزاب: # 56] فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة. فإن قيل: المدعي للوحدانية ~~هو الله. فكيف يكون المدعي شاهدا؟ فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا ~~الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك ~~الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ~~ذلك ولهذا قال: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله [الأنعام: 19] وفي انتصاب ~~قائما بالقسط وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائما بالقسط، ~~أو لا إله إلا هو قائما بالقسط. وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضيا ~~للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفا. أو لا رجل إلا عبد الله شجاعا. ويحتمل أن ~~يكون حالا من «أولي العلم» أي حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء ~~هذه الشهادة. # الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائما بالقسط إلا هو. وقد ~~رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. الثالث أن يكون نصبا على ~~المدح وإن كان نكرة كقوله: # ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى # ومعنى كونه قائما بالقسط قائما بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي ~~يجريه على سنن الاستقامة، أو مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ~~ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية ~~فيما بينهم. واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض ~~العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم ~~الافتقار بوجه من الوجوه الى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من ~~الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا. ومركوز في ~~العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية ~~التسوية ورعاية الأصلح عموما أو خصوصا. فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن ~~قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم ms1006 ~~إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادئ والغايات، فانظر في كيفية ~~خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف ~~أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره ~~واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب. ثم انظر في كيفية خلقه العناصر ~~وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها ~~حكمة وعدالة. وانظر إلى تفاوت الخلائق # PageV02P127 # في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك ~~عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله تعالى لم يخلق مستعدا لإدراك ~~تفاصيل كلمات الله. فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه ~~إلا العلم الإجمالي بأنه تعالى واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا ~~مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من ~~مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علما إلا موجده ~~وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. هذا هو الدين القويم والاعتقاد ~~المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء. فمن نسبه إلى الجور في فعل ~~من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ~~ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل ~~الآزال إلى أبد الآباد. ومن زعم أن شيئا من الأشياء خيرا أو شرا في اعتقاده ~~حسنا أو قبيحا بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، ~~لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادرا آخر أو خالقا غير الله تعالى، ولا خالق ~~إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: لا إله إلا هو والتقدير: شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو. وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل ~~دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله. وفيه ~~إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم لا ~~إله ms1007 إلا هو وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه. # هو المسك ما كررته يتضوع ثم أكد كونه منفردا بالألوهية وقائما بالعدل ~~بقوله: العزيز الحكيم فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى ~~كمال العلم. ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا ~~بالاطلاع على المصالح والأحوال إن الدين عند الله الإسلام جملة مستأنفة ~~مؤكدة للأولى. والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة. سميت دينا لأنها سبب ~~الجزاء. # والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص ~~العبادة من قولهم: «سلم له الشيء» أي خلص له. والإسلام في عرف الشرع يطلق ~~تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله تعالى: قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا [الحجرات: 17] ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ~~هاهنا. وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد. أما التوحيد فأن يعلم أن ~~الله تعالى لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو ~~به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه # PageV02P128 # عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبدا ~~منقادا معترفا بأنه تعالى قائم بالقسط. ومن قرأ بفتح «أن» فتقديره عند ~~البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند ~~الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~وأن الدين عند الله الإسلام. وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين ~~عند الله الإسلام. لأن كونه تعالى واحدا يوجب أن يكون الدين الحق هو ~~الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الوحدانية. وقرىء الأول بالكسر ~~والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض. ثم ذكر ~~أنه أوضح الدلائل وأزال الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم ~~فقال: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب قيل: هم اليهود ms1008 واختلافهم أن موسى عليه ~~السلام لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلا من الأحبار وجعلهم أمناء ~~عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما ~~جاءهم التوراة بغيا بينهم وتحاسدا على طلب الدنيا. # وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم ~~العلم أنه عبد الله ورسوله. وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه ~~قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وأنكروا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن ~~أهل كتاب. إلا من بعد ما جاءهم العلم أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل ~~لهم العلم. لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو ~~بعيد قاله في التفسير الكبير. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب لا ~~يصعب عليه عد أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله ~~سريعا فيحاسبه أي يجازيه على كفره. ثم بين للرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~يقوله في محاجتهم فقال: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله قال الفراء: أي أخلصت ~~عملي لله. فعلى هذا «الوجه» في معنى العمل. وقيل: # أي أسلمت وجه عملي لله. فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال. ~~فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه. وقيل: ~~الوجه مقحم، والتقدير: # أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف ~~على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ومن اتبعن معطوف على الضمير المرفوع ~~في أسلمت وحسن للفصل. أو مفعول معه والواو بمعنى «مع» . ثم في كيفية إيراد ~~هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان قد أظهر المعجزات # PageV02P129 # كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال ~~إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم بين نفي الضد والند ~~والصاحبة والولد بقوله: شهد الله ms1009 أنه لا إله إلا هو وذكر أن اختلاف هؤلاء ~~اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ~~ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله تعالى. # وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه. وثانيهما ~~أن قوله: # أسلمت محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقا ~~للعبادة، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا ~~متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ~~ذلك. فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، ~~والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان. فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء ~~فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا [آل عمران: 64] وعن أبي ~~مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم عليه السلام إني وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض [الأنعام: 79] كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه ~~التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقا في ~~قوله صادقا في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلا تحت قوله: ~~وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] وقل للذين أوتوا الكتاب من اليهود ~~والنصارى والأميين وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم أسلمتم ومعناه الأمر ~~وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تأل ~~جهدا في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟ فإنه يكون توبيخا له ~~بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر فهل أنتم منتهون [المائدة: ~~91] إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء. فإن أسلموا فقد اهتدوا إلى ما يهدي ~~الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة وإن تولوا أعرضوا عن الإسلام لي ~~والاتباع لك فإنما عليك البلاغ ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق ~~الرشاد والله بصير بالعباد يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد. ~~ثم وصف المتولي بصفات ms1010 ثلاث وأردفه بوعيده فقال: # إن الذين يكفرون بآيات الله أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ~~ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها ~~كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر ~~بجميعها ويقتلون النبيين أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم بغير ~~حق من غير ما شبهة عندهم ويقتلون أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس. ~~عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر # PageV02P130 # بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ~~ذكرهم عقيبهم. # وروي أن رجلا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الجهاد ~~أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. # فإن قيل: إذا كان قوله: إن الذين يكفرون في حكم المستقبل لا أقل من الحال ~~لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا ~~القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟ قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعا، إلا أنه تعالى عصمهم منهم فصح ~~إطلاق القاتل عليهم كما يقال: اسم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل. أو ~~نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك. عن أبي عبيدة بن الجراح قلت: ~~يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا أو رجلا ~~أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية. ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو ~~إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة. فقام مائة واثنا ~~عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوا جميعا من آخر النهار فبشرهم بعذاب أليم إنما دخلت الفاء لتضمن اسم ~~«إن» معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف «ليت» و «لعل» . # واعلم أنه تعالى قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام ~~والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة هاهنا للتهكم. ms1011 الثاني ~~زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب ~~الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في ~~الآخرة فكما قال عز من قائل وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا [الفرقان: 23] الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: وما لهم من ناصرين ~~ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ألم تر إلى الذين # عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على ~~جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على ~~أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم. فقالا: إن إبراهيم كان يهوديا. ~~فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا فنزلت. # وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه صلى الله عليه وسلم # وسوف تجىء القصة في سورة المائدة مفصلة. وقيل: دعاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو ~~منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت. # ومعنى قوله: أوتوا نصيبا أي حظا وافرا من علم الكتاب يريد أحبار اليهود. ~~و «من» إما للتبعيض وإما للبيان. والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي ~~كانوا مقرين بحقيتها. # PageV02P131 # وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم. ~~ثم بين سبب التعجيب بقوله: يدعون إلى كتاب الله وهو التوراة كما مر في ~~أسباب النزول، ولأنه تعالى عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه ~~التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته. وعن ابن عباس أنه ~~القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند ~~الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فحذف الثاني للعلم به. أو يراد الحكم في ms1012 الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة ~~الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يكون ~~عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف ~~والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله ~~الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى ~~«ثم» استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي وهم معرضون قوم لا يزال الإعراض ~~ديدنهم وهجيراهم. والضمير في «هم» إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين ~~التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر ~~المقامات. وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء ~~بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم. وإما أن يرجع إلى ~~كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، ~~أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا ~~يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودات [البقرة: # 8] هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة ~~العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟ وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق ~~به الكافر عذابا دائما. وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل ~~على أنهم استحقروا تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وذلك كفر صريح. ~~وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون من قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه ~~[المائدة: 18] أو من قولهم: لن تمسنا النار إلا أياما [البقرة: 8] أو من ~~قولهم «نحن أولى بالنبوة من قريش» أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون ~~لهم. # فكيف يصنعون؟ أو فكيف حالهم؟ وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس ~~على استحضار كل نوع من العذاب إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه قال ms1013 الفراء: إذا ~~قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس. أما إذا قلت: ~~جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلا. وأيضا من المعلوم أن ذلك اليوم لا ~~فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب. ووفيت كل نفس ما كسبت ~~من ثواب أو عقاب أو جزاء # PageV02P132 # ما عملت وهم لا يظلمون يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس ~~كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي. # روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم ~~الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار. ### | التأويل: # ستغلبون إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ربنا ~~غلبت علينا شقوتنا [المؤمنون: 106] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات ~~الدنيا. فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم ~~يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد ~~مهده في معاشه. قد كان لكم آية في فئتين التقتا إن لله تعالى فئتين في ~~الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس ~~وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ~~والله يؤيد بنصره من يشاء من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف ~~الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة ~~والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: زين للناس. ~~واعلم أن الله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس ~~والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم ~~أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [يونس: 62] والغالب فيهم المحبة ~~والشوق. ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات. فأشار بالنساء إلى شهوة ~~الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسومة إلى ~~شهوة الجاه والخيلاء بالركوب ms1014 عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون [النحل: 6] وبالحرث إلى شهوة الحكم ~~والرياسة على الرعايا وأهل القرى. ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص ~~منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ورضوان من الله والإيمان ربنا إننا ~~آمنا والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة ~~تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات. والأزواج المطهرة الأخلاق ~~الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك. ثم أشار إلى ~~أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: والله ~~عنده حسن المآب ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا ~~عند جنة المأوى ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] وإنما طلبوا قرب المولى ~~للذين أحسنوا الحسنى [يونس: 26] شهد الله بكلامه # PageV02P133 # الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي أنه لا إله إلا هو ~~وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية ~~الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه ~~الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات. # شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ~~ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا ~~الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، ~~فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات ~~كما شاء على ما شاء لما شاء. فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، ~~بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو ~~القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي ~~العلم. ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن ~~اختص أولو العلم منهم بمشربية وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ~~[الفتح: 26] . # لي سكرتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من ms1015 بينهم وحدي # فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور ~~عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم. ثم فائدة التكرار بقوله ~~لا إله إلا هو عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ~~ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ~~لا إله إلا هو العزيز الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية الحكيم ~~الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة. وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح ~~فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، ~~وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف. إلا من بعد ~~ما جاءهم العلم فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم ~~الغبطة. ويقتلون النبيين الإنسان خلق مستعدا لقبول فيض صفات لطف الحق ~~وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة ~~الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء ~~حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب فيه إشارة إلى أن من أوتي حظا من ~~العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة ~~الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغرورا بالدنيا مفتريا في الدعوى، وهذه حال ~~أكثر من أوتي نصيبا من # PageV02P134 # علم الظاهر ولم يؤت حظا من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال ~~المغرورين إذا جمعهم الله؟ ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 34] # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من ~~تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج الليل في ~~النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ~~وترزق من ms1016 تشاء بغير حساب (27) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم ~~الله نفسه وإلى الله المصير (28) قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير (29) يوم ~~تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (30) # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين (32) ~~إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (33) ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم (34) ### | القراآت: # الحي من الميت وتخرج الميت من الحي بالتشديد على «فيعل» حيث كان: أبو ~~جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون ~~بالتخفيف على «فيل» . منهم تقاة بكسر القاف وفتح الياء وتشديدها: أبو زيد ~~عن المفضل وسهل ويعقوب. الباقون تقاة بضم التاء. وقرأ حمزة وعلي وخلف ~~بالإمالة. ### | الوقوف: # ممن تشاء ط لتناهي الجملتين المتضايفتين معنى إلى جملتين مثلهما وتذل من ~~تشاء ط الخير ط قدير ه، في الليل ز للفصل بين الجملتين المتضادتين من الحي ~~ز لعطف المتفقتين حساب ه، المؤمنين ج تقاة ط نفسه ط المصير ه، يعلمه الله ط ~~وما في الأرض ط قدير ه، محضرا ج والأجوز أن يوقف على سوء تقديره وما عملت ~~من سوء كذلك. بعيدا ط نفسه ط بالعباد ه ذنوبكم ط رحيم ه والرسول ج لابتداء ~~الشرط مع فاء التعقيب. الكافرين ه، العالمين (لا) لأن ذرية بدل. من بعض ج ~~عليم (لا) لاحتمال أن «إذ» متعلق بالوصفين أي سمع دعاءها وعلم رجاءها حين ~~قالت، أو اصطفى آل عمران وقت قولها ولاحتمال نصب «إذ» بإضمار «اذكر» . # PageV02P135 ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر من طريقة المعاندين ما ذكر، علم نبيه ms1017 صلى الله عليه ~~وسلم طريقة مباينة لطريقتهم من كيفية التمجيد والتعظيم فقال: قل اللهم ~~ومعناه عند سيبويه يا الله والميم المشددة عوض عن الياء. وإنما أخرت تبركا ~~باسم الله تعالى وهذا من خصائص اسم الله. # كما اختص بدخول تاء القسم، وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف، وبقطع ~~همزته في يا الله. وعند الكوفيين أصله يا الله أمنا بخير أي اقصدنا، فلما ~~كثر في الكلام حذفوا حرف النداء. وخففت الهمزة من أم. وزيف بأن التقدير لو ~~كان كذلك لزم أن يذكر الدعاء بعده بالعطف مثل: اللهم واغفر لنا. ولجاز أن ~~يتكلم به على أصله من غير تخفيف الهمزة وبإثبات حرف النداء وأجيب بأنه إنما ~~لم يوسط العاطف لئلا يصير السؤال سؤالين ضرورة مغايرة المعطوف للمعطوف عليه ~~بخلاف ما لو جعل الثاني تفسيرا للأول فيكون آكد. وبأن الأصل كثيرا ما يصير ~~متروكا مثل: ما أكرمه فإنه لا يقال: شيء ما أكرمه في التعجب. # ومالك الملك نداء مستأنف عند سيبويه. فإن النداء بأللهم لا يوصف كما لا ~~توصف أخواته من الأسماء المختصة بالنداء نحو: يا هناه ويا نومان ويا ملكعان ~~وفل. وأجاز المبرد نصبه على النعت كما جاز في «يا الله» . # عن ابن عباس وأنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ~~وعد أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين ~~لمحمد ملك فارس والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك فنزلت الآية. # وعن عمرو بن عون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام ~~الأحزاب وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة ~~كالتل العظيم لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يخبره صلى الله عليه وسلم، فأخذ المعول من سلمان فضربها صلى ~~الله عليه وسلم ضربة صدعتها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها كالمصباح في ~~جوف بيت مظلم، وكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون وقال صلى الله عليه ms1018 ~~وسلم: أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال ~~صلى الله عليه وسلم: أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب صلى ~~الله عليه وسلم الثالثة فقال: # أضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة على كلها فأبشروا. ~~فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب ~~قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ~~لا تستطيعون أن تبرزوا فنزلت. # وقال الحسن: إن الله تعالى أمر نبيه أن يسأله أن يعطيه ملك فارس والروم ~~ويرد ذل العرب عليهما. وأمره بذلك دليل على أنه يستجيب له صلى الله عليه ~~وسلم هذا الدعاء وهكذا منازل الأنبياء إذا أمروا بدعاء استجيب دعاؤهم. مالك ~~الملك أي تملك جنس الملاك فيتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون، وفيه أن ~~قدرة الخلق في كل ما يقدرون عليه ليست إلا بأقدار # PageV02P136 # الله تعالى. ثم لما بين كونه مالك الملك وأنه هو الذي يقدر كل قادر على ~~مقدوره ويملك كل مالك على مملوكه فصل ذلك بقوله: تؤتي الملك من تشاء أي ~~النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك. فالأول عام شامل والآخر بعض من الكل. ~~وهذا الملك قيل: ملك النبوة لأنها أعظم مراتب الملك لأن العلماء لهم أمر ~~على بواطن الخلق، والجبابرة لهم أمر على ظواهر الخلق. والأنبياء أمرهم نافذ ~~في البواطن والظواهر، فعلى كل أحد أن يقبل شريعتهم ولهم أن يقتلوا من ~~أرادوا من المتمردين. ولهذا استبعد بعض الجهلة أن يكون النبي بشرا أبعث ~~الله بشرا رسولا [الإسراء: 94] ومن المجوزين من كان يقول إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فقير يتيم فكيف يليق به هذا المنصب العظيم؟ لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] وكانت اليهود تقول: النبوة في ~~أسلافنا فنحن أحق بها. # وقد روينا في تفسير قوله: قل للذين كفروا ستغلبون [آل عمران: 12] أن ~~اليهود تكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة عددهم وعددهم فرد الله ~~تعالى على جميع ms1019 هؤلاء الطوائف بأنه سبحانه مالك الملك يؤتي الملك- وهو ~~النبوة- من يشاء، وينزع الملك- النبوة- ممن يشاء لا بمعنى أنه يعزله عن ~~النبوة فإن ذلك غير جائز بالإجماع بل بمعنى أنه ينقلها من نسل إلى نسل كما ~~نزع عن بني إسرائيل ووضع في العرب، أو بمعنى أنه لا يعطيه النبوة ابتداء ~~كقوله: الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [البقرة: 257] ~~فإنه يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط. ومثله أو لتعودن في ملتنا ~~[الأعراف: 88] مع أن الأنبياء لم يكونوا في ملتهم قط حتى يتصور العود ~~إليها. وقيل: المراد من الملك التسلط الظاهر وهو الاقتدار على المال ~~بأنواعه وعلى الجاه، وهو أن يكون مهيبا عند الناس وجيها غالبا مظفرا مطاعا. ~~ومن المعلوم أن كل ذلك بإيتاء الله تعالى. فكم من عاقل قليل المال، ورب ~~جاهل غافل رخي البال، وقد رأينا كثيرا من الملوك بذلوا الأموال لتحصيل ~~الحشمة والجاه وما ازدادوا إلا حقارة وخمولا، فعلمنا أن الكل بإيتاء الله ~~تعالى سواء في ذلك ملوك العدل وملوك الجور، لأن حصول الملك للجائر إن لم ~~يقع بفاعل ففيه سد باب إثبات الصانع، وإن حصل بفعل المتغلب فكل أحد يتمنى ~~حصول الملك والدولة لنفسه ولا يتيسر له. فلم يبق إلا أن يكون من مسبب ~~الأسباب وفاعل الكل ومدبر الأمور وناظم مصالح الجمهور. # لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بتخوم أقطار السماء تعلقي # لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق # ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # PageV02P137 # وكذا الكلام في نزع الملك فإنه كما ينزع الملك من الظالم فقد ينزعه من ~~العادل لمصلحة تقتضي ذلك. والنزع يكون بالموت وبإزالة العقل والقوى والقدرة ~~والحواس وبتلف الأموال وغير ذلك. # في بعض الكتب «أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن ~~العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة. وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، ~~فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم» # وهذا # كقوله صلى الله عليه وسلم «كما تكونوا يولى عليكم» # والصحيح أن الملك ms1020 عام يدخل فيه النبوة والولاية والعلم والعقل والصحة ~~والأخلاق الحسنة وملك النفاذ والقدرة وملك محبة القلوب وملك الأموال ~~والأولاد إلى غير ذلك، فإن اللفظ عام ولا دليل على التخصيص وتعز من تشاء ~~وتذل من تشاء كل من الإعزاز والإذلال في الدين أو في الدنيا، ولا عزة في ~~الدين كعزة الإيمان ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] وفي ضده ~~لا ذلة كذلة الكفر وعزة الدنيا كإعطاء الأموال الكثيرة من الناطق والصامت، ~~وتكثير الحرث وتكثير النتاج في الدواب وإلقاء الهيبة في قلوب الخلق، وكل ~~ذلك بتيسير الله تعالى وتقديره بيدك الخير أي بقدرتك يحصل كل الخيرات وليس ~~في يد غيرك منها شيء. وإنما خص الخير بالذكر وإن كان بيده الخير والشر ~~والنفع والضر، لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو ~~الذي أنكرته الكفرة، أي بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، أو ~~لأن جميع أفعاله من نافع وضار لا يخلو عن حكمة ومصلحة وإن كنا لا نعلم ~~تفصيلها فكلها خير، أو لأن القادر على إيصال الخير أقدر على إيصال الشر ~~فاكتفى بالأول عن الثاني. وللاحتراز عن لفظ الشر مع أن ذلك صار مذكورا ~~بالتضمن في قوله: إنك على كل شيء قدير ولأن الخير يصدر عن الحكيم بالذات ~~والشر بالعرض فاقتصر على الخير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في ~~الليل وذلك بأن يجعل الليل قصيرا ويدخل ذلك القدر في النهار وبالعكس. ففي ~~كل منهما قوام العالم ونظامه، أو يأتي بالليل عقيب النهار فيلبس الدنيا ~~ظلمته بعد أن كان فيها ضوء النهار، ثم يأتي بالنهار عقيب الليل فيلبس ~~الدنيا ضوأه. فالمراد بالإيلاج إيجاد كل منهما عقيب الآخر والأول أقرب إلى ~~اللفظ، فإن الإيلاج الإدخال فإذا زاد من هذا في ذلك فقد أدخله فيه. وتخرج ~~الحي من الميت المؤمن من الكافر أومن كان ميتا فأحييناه [الأنعام: 22] أي ~~كافرا فهديناه. أو الطيب من الخبيث، أو الحيوان من النطفة، أو الطير من ~~البيضة وبالعكس. والنطفة تسمى ميتا كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ms1021 فأحياكم ~~[البقرة: 28] أو يخرج السنبلة من الحبة، والنخلة من النواة وبالعكس. فإخراج ~~النبات من الأرض يسمى إحياء يحي الأرض بعد موتها [الحديد: 17] وترزق من ~~تشاء بغير حساب تقدم مثله في البقرة. وإذا كان كذلك فهو قادر على أن ينزع ~~الملك من العجم # PageV02P138 # ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. ثم لما علم كيفية التعظيم لأمر الله أردفه ~~بشريطة الشفقة على خلق الله، أو نقول: لما ذكر أنه مالك الملك وبيده العزة ~~والذلة والخير كله، بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه ~~دون أعدائه فقال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين بالجزم، ولكن كسر الذال ~~للساكنين. قال الزجاج: ولو رفع على الخبر جاز، ولكنه لم يقرأ. والخبر ~~والطلب يقام كل منهما مقام الآخر. وقوله: من دون المؤمنين يعني أن لكم في ~~موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم على المؤمنين. عن ~~ابن عباس قال: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد وهؤلاء ~~كانوا من اليهود يباطنون نفرا من الأنصار يفتنونهم عن دينهم. فقال رفاعة بن ~~المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء ~~اليهود. فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فنزلت هذه الآية. # وعن ابن عباس أيضا في رواية الضحاك: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري ~~وكان بدريا نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود. فلما خرج النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: # يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي ~~فأستظهر بهم على العدو فنزلت. # وقال الكلبي: نزلت في المنافقين- عبد الله بن أبي وأصحابه- كانوا يتولون ~~اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل ~~فعلهم. # وقد كرر ذلك في آيات أخر كثيرة لا تتخذوا بطانة من دونكم [آل عمران: 118] ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء [المائدة: 51] لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [المجادلة: 22] وكون المؤمن مواليا ms1022 ~~للكافر يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون راضيا بكفره والرضا بالكفر كفر ~~فيستحيل أن يصدر عن المؤمن فلا يدخل تحت الآية لقوله: يا أيها الذين آمنوا ~~وثانيها المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر وذلك غير ممنوع منه. # والثالث كالمتوسط بين القسمين وهو الركون إليهم والمعونة والمظاهرة ~~لقرابة أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، ولهذا قال مقاتل: نزلت في حاطب بن ~~أبي بلتعة وغيره، وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة مع اعتقاد أن دينهم باطل، ~~فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه حذرا من أن يجره إلى استحسان طريقته ~~والرضا بدينه حتى يخصه بالموالاة دون المؤمنين، فلا جرم هدد فقال: من يفعل ~~ذلك فليس من الله أي من ولايته أو من دينه في شيء يقع عليه اسم الولاية ~~يعني أنه منسلخ عن ولاية الله رأسا، وهذا كالبيان لقوله: من دون المؤمنين ~~ليعلم أن الاشتراك بينهم وبين المؤمنين في الموالاة غير متصور وهذا أمر ~~معقول، فإن موالاة الولي وموالاة عدوه ضدان قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النوك عنك بعازب # PageV02P139 # قال بعض الحكماء: هذا ليس بكلي فإنه قد يكون المشفق على العدو مشفقا على ~~العدو الآخر كالملك العادل فإنه محب لهما، فإن أراد أحد أن يعم الحكم لا بد ~~له أن يزيد عليه إذا كانوا في مرتبة واحدة إلا أن تتقوا منهم تقاة قال ~~الجوهري: يقال اتقى تقية وتقاة مثل اتخم تخمة، وفاؤها واو كتراث. فالتقاة ~~اسم وضع موضع المصدر. قال الواحدي: # ويجوز أن يجعل «تقاة» هاهنا مثل «دعاة» و «رماة» فيكون حالا مؤكدة، وعلى ~~هذين الوجهين يكون تتقوا مضمنا معنى تحذروا أو تخافوا ولذا عدي ب «من» . ~~ويحتمل أن يكون التقاة أو التقية بمعنى المتقي مثل: ضرب الأمير لمضروبه، ~~فالمعنى إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه. رخص لهم في موالاتهم إذا ~~خافوهم، والمراد بتلك الموالاة محالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة ~~والبغضاء وانتظار زوال المانع من قشر العصا وإظهار الطوية كقول عيسى عليه ~~السلام: كن وسطا ms1023 وامش جانبا أي ليكن جسدك بين الناس وقلبك مع الله. وللتقية ~~عند العلماء أحكام منها: إذا كان الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه جاز ~~له أن يظهر المحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه ويعرض في كل ما يقول ~~ما أمكن، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب. ومنها أنها رخصة ~~فلو تركها كان أفضل لما # روى الحسن أنه أخذ مسيلمة الكذاب رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني ~~رسول الله؟ قال: نعم. # - وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش- فتركه ودعا ~~الآخر وقال: # أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم نعم نعم. فقال: أتشهد أني رسول ~~الله؟ فقال: إني أصم ثلاثا، فقدمه وقتله. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: فقال: أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيأ له، وأما الآخر ~~فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه. # ونظير هذه الآية إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: 106] ومنها ~~أنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة. وقد يجوز أن تكون ~~أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما الذي يرجع ضرره إلى الغير كالقتل ~~والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات ~~المسلمين فذلك غير جائز البتة. ومنها أن الشافعي جوز التقية بين المسلمين ~~كما جوزها بين الكافرين محاماة على النفس. ومنها أنها جائزة لصون المال على ~~الأصح كما أنها جائزة لصون النفس # لقوله صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» «1» و «من قتل ~~دون ماله فهو شهيد» «2» # ولأن الحاجة إلى المال شديدة ولهذا يسقط فرض الوضوء ويجوز الاقتصار على ~~PageV02P140 # التيمم إذا بيع الماء بالغبن. قال مجاهد: كان هذا في أول الإسلام فقط ~~لضعف المؤمنين. # وروى عوف عن الحسن أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. وهذا أرجح عند ~~الأئمة. # ويحذركم الله نفسه قيل: أي عقاب نفسه. وفيه تهديد عظيم لمن تعرض لسخطه ~~بموالاة ms1024 أعدائه لأن شدة العقاب على حسب قدرة المعاقب. وفائدة ذكر النفس ~~تصريح بأن الذي حذر منه هو عقاب يصدر من الله لا من غيره. وقيل: الضمير ~~يعود إلى اتخاذ الأولياء أي ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل. ثم حذر عن جعل ~~الباطن موافقا للظاهر في وقت التقية فقال: # قل إن تخفوا ما في صدوركم أي قلوبكم وضمائركم لأن القلب في الصدر فجاز ~~إقامة الظرف مقام المظروف أو تبدوه يعلمه الله يتعلق به علمه الأزلي. ثم ~~استأنف بيانا أشفى وتحذيرا أوفى فقال: ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ~~ثم قال إتماما للتحذير والله على كل شيء قدير ثم خلط الوعيد بالوعد ~~والترهيب بالترغيب فقال: يوم تجد وفي عامله وجوه قال ابن الأنباري: وإلى ~~الله المصير يوم تجد. وقيل: والله على كل شيء قدير يوم تجد، وخص ذلك اليوم ~~بالذكر وإن كان غيره من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى تعظيما لشأنه ~~مثل مالك يوم الدين [الفاتحة: 3] وقيل: انتصابه بمضمر أي اذكر. والأظهر أن ~~العامل فيه تود والضمير في بينه لليوم أي تود كل نفس يوم تجد ما عملت من ~~خير محضرا وما عملت من سوء محضرا أيضا لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له ~~أمدا بعيدا. والأمد الغاية التي ينتهي ليها مكانا كانت أو زمانا. والمقصود ~~تمني بعده كقوله: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين [الزخرف: 38] ومعنى كون ~~العمل محضرا هو أن يكون ما كتب فيه العمل من الصحائف حاضرا، أو يكون جزاؤه ~~حاضرا إذ العمل عرض لا يبقى. ثم إن لم يكن يوم متعلقا ب تود احتمل أن يكون ~~تود صفة سوء والضمير في بينه يعود إليه، واحتمل أن يكون حالا، واحتمل أن ~~يكون ما عملت مبتدأ من الصلة والموصول وتود خبره وهو الأكثر، واحتمل أن ~~يكون «ما» شرطية وتود جزاء له وهو قليل كقوله: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة ... يقول لا غائب ما لي ولا حرم # وقراءة عبد الله ودت يحتملهما على السواء إلا أن الحمل على ms1025 الابتداء ~~والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم ويحذركم الله نفسه ~~تأكيد للوعيد والله رؤف بالعباد قال الحسن: ومن رأفته أن حذرهم نفسه وعرفهم ~~كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من ~~استحقاق غضبه. ويجوز أن يراد أنه # PageV02P141 # رؤوف بهم حيث أمهلهم للتوبة والتلافي، أو هو وعد كما أن التحذير وعيد، أو ~~المراد بالعباد عباده المخلصون كقوله: عينا يشرب بها عباد الله [الدهر: 6] ~~كما هو منتقم من الفساق ومحذرهم نفسه فهو رؤوف بالعباد المطيعين والمحسنين: ~~ثم إنه تعالى دعا القوم إلى الإيمان به ورسوله من طريق آخر سوى طريق ~~التهديد والتحذير فقال: قل إن كنتم تحبون الله # قال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنهم يحبون الله فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا فأنزل الله هذه الآية. # وروى الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم ~~في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في ~~آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال: يا معشر قريش، لقد خالفتم ملة أبيكم ~~إبراهيم وإسماعيل ولقد كانا على الإسلام. فقالت قريش: يا محمد إنا نعبد هذه ~~حبا لله ليقربونا إلى الله زلفى. فأنزل الله قل إن كنتم تحبون الله وتعبدون ~~الأصنام لتقربكم إليه فاتبعوني يحببكم الله فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم ~~وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت حين زعمت اليهود أنهم ~~أبناء الله وأحباؤه. # وقيل: نزلت في نصارى نجران زعموا أنهم يعظمون المسيح ويعبدونه حبا لله ~~وتعظيما له. # والحاصل أن كل من يدعي محبة الله تعالى من فرق العقلاء فلا بد أن يكون في ~~غاية الحذر مما يوجب سخطه، فإذا قامت الدلائل العقلية والمعجزات الحسية على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وجبت متابعته. فليس في متابعته إلا أنه ~~يدعوهم إلى طاعة الله وتعظيمه وترك تعظيم غيره. # فمن أحب الله كان راغبا ms1026 فيه لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ~~والإعراض بالكلية عن غيره، وقد مر في تفسير قوله: والذين آمنوا أشد حبا لله ~~[البقرة: 165] تحقيق المحبة وأنها من الله تعالى عبارة عن إعطاء الثواب. ~~وقال: ويغفر لكم ذنوبكم ليدل مع إيفاء الثواب على إزالة العقاب وهذه غاية ~~ما يطلبه كل عاقل. والله غفور في الدنيا يستر على عبده أنواع المعاصي رحيم ~~في الآخرة يثيبه على مثقال الذرة من الطاعة والحسنة. # يروى أنه لما نزل قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني قال عبد الله بن أبي إن ~~محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزلت ~~قل أطيعوا الله والرسول # وذلك أن الآية الأولى لما اقتضت وجوب متابعته ثم إن المنافق ألقى شبهة في ~~البين أمره الله تعالى أن يقول: إنما أوجب الله عليكم متابعتي لا لما يقوله ~~النصارى في عيسى بل لكوني رسولا من عند الله ومبلغ تكاليفه فإن تولوا ~~أعرضوا أو تعرضوا على أن يكون التاء الأولى محذوفة ويدخل في جملة ما يقوله ~~الرسول لهم، فإنه لا يحصل للكافرين محبة الله لأنها عبارة عن الثناء لهم ~~وإيصال الثواب إليهم، والكافر يستحق الذم واللعن وهذا ضد المحبة. ثم إنه ~~تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو # PageV02P142 # درجات الرسل وسمو طبقاتهم فقال: إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية أي جعلهم ~~صفوة خلقه والمختارين من بينهم تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى ~~من الكدورة، وذلك باستخلاصهم من الصفات الذميمة وتحليتهم بالخصال الحميدة ~~كقوله: الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وقيل: المعنى أن الله ~~اصطفى دين آدم ودين نوح ولكن الأصل عدم الإضمار. وذكر الحليمي في كتاب ~~المنهاج أن الأنبياء عليهم السلام مخالفون لغيرهم في القوى الجسمانية ~~والقوى الروحانية. أما القوى الجسمانية فهي إما مدركة أو محركة. أما ~~المدركة فهي الحواس الظاهرة أو الباطنة أما الظاهرة # فقوله صلى الله عليه وسلم «زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها» «1» # وقوله: «أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم ms1027 من وراء ظهري» «2» # وهذا يدل على كمال القوة الباصرة ونظيرها ما حصل لإبراهيم عليه السلام ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض [الأنعام: 75] ذكروا في تفسيره أن ~~الله تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت وليس بمستبعد، فإنه يروى أن ~~زرقاء اليمامة كانت تبصر من مسيرة ثلاثة أيام. ويقال: إن النسر وغيره من ~~عظام الجوارح يرتفع فيرى صيده من مائة فرسخ. # وقال صلى الله عليه وسلم: «أطت السماء وحق لها أن تئط» «3» # فسمع أطيط السماء. # ومثله ما زعمت الفلاسفة أن فيثاغورس راض نفسه حتى سمع حفيف الفلك. وقد ~~سمع سليمان كلام النمل وفهمه. # ومثله ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم مع الذئب ومع البعير، ~~وقد وجد يعقوب صلى الله عليه وسلم ريح يوسف من مسيرة أيام. وقال صلى الله ~~عليه وسلم «إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم» «4» # وهو دليل كمال قوة الذوق. وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، قيل: وهو ~~دليل قوة اللمس كما في النعامة والسمندل وفيه نظر، إذ لا إدراك هاهنا فكيف ~~يستدل به على قوة الإدراك؟ بل يجب أن يحمل هذا على معنى آخر وهو أنه تعالى ~~لا يبعد أن يجعل المنافي ملائما للإعجاز أو لخاصية أودعها في المنافي حتى ~~يصير ملائما. وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ قال تعالى: سنقرئك فلا ~~تنسى [الأعلى: 6] ومنها قوة الذكاء # قال علي رضي PageV02P143 # الله عنه: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم فاستنبطت ~~من كل باب ألف باب. # وإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي؟ وأما القوة المحركة فكعروج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعروج عيسى عليه السلام إلى السماء، وكرفع إدريس ~~وإلياس على ما ورد في الأخبار. وأما القوة الروحانية العقلية فنقول: إن ~~النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس، أو كالمخالفة صفاء ~~ونورية وانجذابا إلى عالم الأرواح، فلا جرم تجري عليها الأنوار الفائضة من ~~المبادئ العالية أتم من سائر النفوس وأكمل، ولهذا بعثت مكملة للناقصين ~~ومعلمة للجاهلين ومرشدة للطالبين مصطفاة على ms1028 العالمين من جميع سكان الأرضين ~~عند من يقول الملك أفضل من البشر، أو من سكان السموات أيضا عند من يرى ~~البشر أفضل المخلوقات. # ثم إن القرآن دل على أن أول الأنبياء اصطفاء آدم صفي الله وخليفته. ثم ~~إنه وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم وهم: شيث وأولاده ~~إلى إدريس، ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم انشعب من إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم شعبتان: إسماعيل وإسحق. فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وجعل إسحق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيص. فوضع النبوة في ~~نسل يعقوب، ووضع الملك في نسل عيص، واستمر ذلك إلى زمان محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فلما ظهر محمد صلى الله عليه وسلم نقل نور النبوة ونور الملك إليه ~~صلى الله عليه وسلم وبقي الدين والملك في أمته صلى الله عليه وسلم إلى يوم ~~القيامة، فالمراد بآل إبراهيم أولاده عليهم الصلاة والسلام وهو المطلوب ~~بقوله: ومن ذريتي [البقرة: 124] بعد قوله: إني جاعلك للناس إماما [البقرة: ~~124] وأما آل عمران فقيل: أولاد عمران بن يصهر والدموسي وهارون. وقيل: ~~المراد بعمران والد مريم وهو عمران بن ماثان بدليل قوله عقيبه إذ قالت ~~امرأت عمران [آل عمران: 35] ولا شك أنه عمران بن ماثان جد عيسى من قبل ~~الأم، ولأن الكلام سيق للنصارى الذين يحتجون على إلهية عيسى عليه السلام ~~بالخوارق التي ظهرت على يده. فالله تعالى يقول: إن ذلك باصطفاء الله إياه ~~لا لكونه شريكا للإله ولأن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى: # وجعلناها وابنها آية للعالمين [الأنبياء: 91] . ذرية بدل ممن سوى آدم ~~بعضها من بعض قيل: أي في التوحيد والإخلاص والطاعة كقوله: المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض [التوبة: 67] وذلك لاشتراكهم في النفاق. وقيل: ~~معناه أن غير آدم كانوا متوالدين من آدم. وقيل: يعني أن الآلين ذرية واحدة ~~متسلسلة بعضها متشعب من بعض، موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر ~~من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحق. وكذلك عيسى ms1029 من ~~مريم، ومريم بنت عمران بن ماثان. ثم قال في الكشاف: ماثان بن سليمان بن ~~داود بن ايشا بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق وفيه نظر، لأن بين ماثان وسليمان ~~قوما آخرين، وكذلك بين ايشا ويهوذا. والله # PageV02P144 # سميع # لأقوال العباد عليم بضمائرهم وأفعالهم فيصطفي من خلقه من يعلم استقامته ~~قولا وفعلا. ويحتمل أن يكون الكلام مع اليهود والنصارى الذين كانوا يقولون ~~نحن أبناء الله وأحباؤه تغريرا للعوام مع علمهم ببطلان هذا الكلام، فيكون ~~أول الكلام تشريفا للمرسلين وآخره تهديدا للمبطلين كأنه قيل: والله سميع ~~لأقوالهم الباطلة، عليم بأغراضهم الفاسدة فيجازيهم بحسب ذلك. ويحتمل أن ~~يتعلق بما بعده كما في الوقوف. ### | التأويل: # مالك الملك هو ملك الوجود فلا وجود بالحقيقة إلا له، تؤتي الوجود من تشاء ~~وتنزع الوجود ممن تشاء، فتخلق بعض الموجودات مستعدا للبقاء كالملائكة ~~والإنسان، توجد بعضها قابلا للفناء كالنبات والحيوان غير الإنسان. وتعز من ~~تشاء بعزة الوجود النوري، وتذل من تشاء بذل القبض القهري، بيدك الخير. إنك ~~على كل شيء قدير تضمين للدعاء بذكر السبب كما يقال للجواد إنك الذي يقدر ~~على إعطاء كل خير فأتنا وأعزنا يا مفيض كل خير، ويا كاشف كل ضير. تولج ليل ~~ظلمات الصفات البشرية النفسانية في نهار أنوار الصفات الروحانية وبالعكس، ~~تخرج القلب الحي بالحياة الحقيقية من النفس الميتة، وتخرج القلب الميت عن ~~الحياة الحقيقية من النفس الحية بالحياة المجازية الحيوانية. لا يتخذ القلب ~~المؤمن والروح والسر وصفاتها الكافرين من النفس الأمارة والشيطان والهوى ~~والدنيا أولياء من دون المؤمنين من القلب والروح والسر، ومن يفعل ذلك من ~~القلوب فليس من أنوار الله وألطافه في شيء إلا أن تخافوا من هلاك النفوس. # فالنفس مركب الروح فتواسوها كيلا تعجز عن السير في الرجوع وتهلك في ~~الطريق من شدة الرياضات وكثرة المجاهدات. ويحذركم الله نفسه أي من صفات ~~قهره قل إن تخفوا ما في صدوركم من معاداة الحق في ضمن موالاة النفس ويعلم ~~ما في السماوات قلوبكم وما في الأرض نفوسكم يوم تجد كل نفس ms1030 ما عملت أثر ~~الخير والشر ظاهر في ذات المرء وصفاته، وبحسب ذلك يبيض وجه قلبه أو يسود ~~ولكنه في غفلة من هذا محجوب عنه بحجاب النفس والجسم كمثل نائم لدغته حية ~~كحية الكفر والخصال الذميمة فلا يحس بها ما دام نائما نوم الغفلة، فإذا مات ~~انتبه وأحس، ثم أخبر عن طريق الوصول أنه في متابعة الرسول. واعلم أن ~~للاتباع ثلاث درجات، ولمحبة المحب ثلاث درجات، ولمحبة الله للمحب التابع ~~على حسب الاتباع ثلاث درجات. أما درجات الاتباع فالأولى درجة عوام المؤمنين ~~وهي متابعة أعماله صلى الله عليه وسلم، والثانية درجة الخواص وهي متابعة ~~أخلاقه، والثالثة درجة أخص الخواص وهي متابعة أحواله. وأما درجات محبة ~~المحب فالأولى محبة العوام وهي مطالعة المنة من رؤية إحسان المحسن # «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» # وهذا حب # PageV02P145 # يتغير بتغير الإحسان وهو لمتابعي الأعمال الذين يطمعون في الأجر على ما ~~يعملون وفيه قال أبو الطيب: # وما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يرجى عليه ثواب # والثانية محبة الخواص المتبعين للأخلاق الذين يحبونه إعظاما وإجلالا له، ~~ولأنه أهل لذلك كما قالت رابعة: # أحبك حبين حب الهوى ... وحب لأنك أهل لذاكا # ويضطر هذا المحب في هذه الدرجة إلى إيثار الحق على غيره، وهذا الحب يبقى ~~على الأبد بقاء الكمال والجلال على السرمد وفيه قال: # سأعبد الله لا أرجو مثوبته ... لكن تعبد إعظام وإجلال # والثالثة محبة أخص الخواص المتبعين للأحوال وهي الناشئة من الجذبة ~~الإلهية في مكان من # «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» # وأهل هذه المحبة هم المستعدون لكمال المعرفة بسبق العناية، # غذينا بالمحبة يوم قالت ... له الدنيا أتينا طائعينا # وحقيقة هذه المحبة أن يفنى المحب بسطوتها وتبقى المحبة فيه بلا هو كما أن ~~النار تفني الحطب بسطوتها وتبقى النار منه بلا هو. وحقيقة هذه المحبة نار ~~لا تبقي ولا تذر. # وأما درجات محبة الله للعبد فاعلم أن كل صفة من صفات الله تعالى من العلم ~~والقدرة والإرادة وغيرها فإنها لا تشبه ms1031 في الحقيقة صفات المخلوقين، حتى ~~الوجود فإنه وإن عم الخالق والمخلوق إلا أن وجوده واجب بنفسه ووجود غيره ~~ممكن في ذاته واجب به، فليس في الكون إلا الله وأفعاله. قرأ القارئ بين يدي ~~الشيخ أبي سعيد بن أبي الخير رحمه الله قوله: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] ~~فقال: بحق يحبهم لأنه لا يحب إلا نفسه فليس في الوجود إلا هو، وما سواه فهو ~~من صنعه. والصانع إذا مدح صنعه فقد مدح نفسه. والغرض أن محبة الله للخلق ~~عائدة إليه حقيقة إلا أنه لما كان مرورها على الخلق فبحسب ذلك اختلفت ~~مراتبها، مع أنها صدرت عن محل واحد هو محل # «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف» # فما تعلقت إلا بأهل المعرفة وذلك # قوله: «فخلقت الخلق لأعرف» # لكنها تعلقت بالعوام من أهل المعرفة بالرحمة ومشربهم الأعمال فقيل لهم ~~فاتبعوني بالأعمال الصالحة يحببكم الله يخصكم بالرحمة ويغفر لكم ذنوبكم ~~التي صدرت منكم على خلاف # PageV02P146 # المتابعة. وتعلقت بالخاص من أهل المعرفة بالفضل ومشربهم الأخلاق فقيل ~~لهم: # فاتبعوني بمكارم الأخلاق يحببكم بالفضل يخصكم بتجلي صفات الجمال ويغفر ~~لكم ذنوبكم يستر ظلمة صفاتكم بأنوار صفاته. وتعلقت بالأخص من أهل المعرفة ~~بالجذبات ومشربهم الأحوال فقيل لهم فاتبعوني ببذل الوجود يحببكم الله يخصكم ~~بجذبكم إلى نفسه ويغفر لكم ذنوب وجودكم فيمحوكم عنكم ويثبتكم به كما # قال: «فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا» «1» # فهم بين روضة المحو وغدير الإثبات أحياء غير أموات، ويكون في هذا المقام ~~المحب والمحبوب والمحبة واحدا كما أن الرائي في المرآة يشاهد ذاته بذاته ~~وصفاته بصفاته فيكون الرائي والمرئي والرؤية واحدا. قل أطيعوا الله والرسول ~~فإن متابعته صورة جذبة الحق وصدف درة محبته لكم. إن الله اصطفى آدم وذلك أن ~~الله تعالى خلق العالمين سبعة أنواع: الجماد والمعدن والنبات والحيوان ~~والنفوس والعقول والأرواح، وجمع في آدم جميع الأنواع وخصه بتشريف ثامن هو ~~تشريف ونفخت فيه من روحي [ص: 72] فهو المظهر لجميع آياته وصفاته وذاته وهو ~~معنى جعله خليفة ومعنى # قوله صلى الله عليه وسلم «وإن ms1032 الله خلق آدم على صورته» «2» # ثم ذكر خواص أولاد آدم نوحا وآل إبراهيم وآل عمران والمراد بالآل كل مؤمن ~~تقي بعضها من بعض بالوراثة الدينية # «العلماء ورثة الأنبياء» «3» # فالعالم كشجرة وثمرتها أهل المعرفة والله سميع لدعائهم عليم بأحوالهم ~~وخصالهم. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 35 الى 41] # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت ~~السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما ~~وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم (36) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها ~~زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا ~~قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) هنالك دعا زكريا ~~ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة ~~وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين (39) # قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء (40) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار (41) PageV02P147 ### | القراآت: # مني إنك بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. بما وضعت على الحكاية: ~~ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد. الباقون وضعت على الغيبة. وإني أعيذها ~~بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. وكفلها مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف. # الباقون خفيفا زكريا مقصورا كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر ~~وحماد. وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب هاهنا. الباقون بالمد والرفع. ~~فناديه بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف. الباقون فنادته بتاء التأنيث في ~~المحراب بالإمالة حيث كان مخفوضا. قتيبة وابن ذكوان أن الله بكسر «إن» : ~~ابن عامر وحمزة. الباقون بالفتح. # يبشرك وما بعده من البشارة خفيفا: حمزة وعلي. الباقون بالتشديد لي آية ~~بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ms1033 وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير. ### | الوقوف: # مني ج للابتداء ولاحتمال لأنك العليم ه أنثى ط لمن قرأ بما وضعت بتاء ~~التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها. # بما وضعت ط كالأنثى ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من ~~قولها على قراءة من قرأ وضعت بالضم الرجيم ه حسنا ص لمن قرأ وكفلها مخففا ~~لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف زكريا وفاعل المشدد الرب. وقد يعدى إلى ~~مفعولين كقوله: أكفلنيها [ص: 23] المحراب (لا) لأن وجد جواب كلما رزقا ج ~~لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف هذا ط من عند الله ط حساب ه ربه ج لما ~~قلنا في رزقا طيبة ج للابتداء ولجواز لأنك الدعاء ه في المحراب (لا) وان ~~كسر «إن» لأن من كسر جعل النداء في معنى القول الصالحين ه عاقر ط ما يشاء ه ~~آية ط والإبكار ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه ذكر في هذا المقام قصصا. القصة الأولى قصة حنة أم مريم البتول ~~زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن. # روي أن حنة كانت عاقرا لم تلد إلى أن كبرت وعجزت. فبينما هي في ظل شجرة ~~بصرت بطائر يطعم فرخا له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك ~~علي نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته ~~وخدمته. فحملت بمريم # PageV02P148 # وهلك عمران وهي حامل. # قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله تعالى كما ألهم أم موسى فقذفته في ~~أليم. عن الشعبي: محررا مخلصا للعبادة. وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت ~~الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد ~~عليه يد وتصرف. قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في ~~دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين. ~~فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة ~~المسجد وطاعة الله ms1034 تعالى، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيرا. فإن أبى المقام ~~وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك. ولم يكن نبي إلا ~~ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان. لأن ~~الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقا إما لبناء الأمر على ~~الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر. محررا ~~حال من «ما» . وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررا. ~~فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل ~~النفس أو النسمة أو الحبلة. # والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه ~~التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه # الحديث «نهى عن حبل الحبلة» # ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه ~~يكون أنثى. قالت رب إني وضعتها حال كونها أنثى ثم من قرأ والله أعلم بما ~~وضعت على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ~~إني وضعتها أنثى الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها ~~لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة ~~رجائها وعكس تقديرها. ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله تعالى ~~فقالت: والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ليس جنس الذكور كجنس الإناث ~~لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزا في شرعهم، ~~والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن ~~الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط. ويحتمل أن تكون ~~عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيرا وصوابا فقالت: رب إني ~~وضعتها أنثى ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سرا وليس الذكر ~~الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، ms1035 فعلى ~~هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني ~~تقديرا لدلالة ما في بطني عليه ضمنا، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم ~~لفظة أنثى. ومن قرأ بما وضعت بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني # PageV02P149 # قوله والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى معترضتان. ومعناه والله ~~أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية ~~للعالمين وهي جاهلة بذلك. # ثم زاده بيانا وإيضاحا فقال: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت ~~لها. # وإني سميتها مريم وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم ~~تسميتها. ومريم في لغتهم العابدة. فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى ~~الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة ~~لها ولولدها من الشيطان فتقبلها ربها الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهرا ~~بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها رب إني وضعتها ويحتمل أن يعود إلى مريم ~~فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك بقبول حسن ~~تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك. قبولا بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى ~~حكي أنه لم يسمع غيره. وأجاز الفراء والزجاج قبولا بالضم. والباء في قوله ~~بقبول بمنزلة الباء في قولك «كتب بالقلم وضربته بالسوط» . وفي التقبل نوع ~~تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن. قال في الكشاف: معناه ~~فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في ~~النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة ~~قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. قال: # ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ~~ويلد وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل ~~وذلك من قولهم «استقبل الأمر» إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ~~ولدت بقبول حسن. وأنبتها نباتا حسنا قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت ~~المولود في عام. وقيل: ms1036 المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ~~وكفلها زكريا # روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند ~~الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة. فقالت لهم: ~~دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، ~~وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. فقال لهم زكريا: أنا ~~أحق بها، عندي خالتها. فقالوا: لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا وكانوا سبعة ~~وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، ~~على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح. فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان ~~يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا. # فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين. ~~وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور. # والأرجح أنها لم ترضع ثديا قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من ~~الجنة، وأن # PageV02P150 # زكريا بنى لها محرابا وهي غرفة يصعد إليها بسلم. وقيل: هو أشرف المجالس ~~ومقدمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل: كانت مساجدهم تسمى ~~المحاريب. والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محرابا لطلب الناس ~~إياه. وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في ~~الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا من أين لك هذا الرزق الذي ~~لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه والأبواب مغلقة؟ قالت هو من عند ~~الله فلا تستبعد إن الله يرزق من يشاء بغير حساب يحتمل أن يكون من تمام ~~كلام مريم، وأن يكون معترضا من كلام الله تعالى. # واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه # روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما من مولود إلا والشيطان ~~يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه ms1037 إلا مريم وابنها» » # قلت: وذلك لدعاء حنة وإني أعيذها ومنها تكلمها في الصغر. ومنها حصول ~~الرزق لها من عند الله كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم جاع في زمن قحط ~~فأهدت له صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم آثرته ~~بها فرجع صلى الله عليه وسلم بها إليها وقال: هلمي يا بنية. # فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند ~~الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند ~~الله. إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. # فقال صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني ~~إسرائيل. ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب والحسن ~~والحسين وجميع أهل بيته صلى الله عليه وسلم حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، ~~فأوسعت فاطمة رضي الله عنها على جيرانها. # وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من ~~الأولياء. والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي ~~النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعي المعجز ~~ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، ~~والكرامة بخلافها. # وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء ~~الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات. بأنها دلالات صدق ~~الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان ~~دليلا على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم. وأجابوا عن حديث ~~أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخا من مس الشيطان تخييل ~~وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: PageV02P151 # هذا ممن أغويه. فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه ~~إلا مريم وابنها. وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله ~~المخلصين. قال في ms1038 الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ~~ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلون به ~~من نخسه. قلت: وعجيب من مثله مثل هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس ~~الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان ~~المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت ~~آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، ~~وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام ~~فيه يستدعي فهمه استعدادا آخر غير العلوم الظاهرية. قال الجبائي: لم لا ~~يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟ وبيانه أن زكريا دعا لها على ~~الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلا عن تفاصيل ما يأتيها من ~~الأرزاق من عند الله. فإذا رأى شيئا بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك ~~هذا؟ قالت: هو من عند الله لا من عند غيره. فعند ذلك يعلم أن الله تعالى ~~أظهر بدعائه تلك المعجزة. ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقا معتادا ~~لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذرا من أن يكون من ~~عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره. على أنا لا ~~نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على ~~الزاهدات العابدات. فكان زكريا إذ رأى شيئا من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها ~~من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال. قلت: أمثال هذه الشبهات ~~يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة. على أنا نقول: لو كان ~~معجزا لزكريا لكان مأذونا من عند الله في طلبه فكان عالما بحصوله، وإذا علم ~~امتنع أن يطلب كيفية الحال. وأيضا كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟ ~~وكيف مدح الله تعالى مريم بحصول هذا الرزق عندها؟ وكيف يستبعد هذا القدر ~~ممن ms1039 أخبر الله تعالى بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: وجعلناها وابنها ~~آية للعالمين؟ [الأنبياء: 91] . # القصة الثانية: واقعة زكريا عليه السلام وذلك قوله سبحانه هنالك أي في ~~ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت الذي شاهد تلك ~~الكرامات فقد يستعار «هنا» و «ثمة» و «حيث» للزمان دعا زكريا ربه وهذا ~~يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمرا له تعلق بهذا الدعاء، ~~فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في ~~الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع # PageV02P152 # هو أيضا في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر. وهذا لا ~~يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكا في قدرة الله تعالى غير مجوز وقوع ~~الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب. وأما المعتزلة ~~فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار ~~الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها. قال ~~المتكلمون: إن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا بعد الإذن ~~لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في ~~منصبه. # وقول إن دعا النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له ~~في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الإطلاق والغالب ~~في دعوته الإجابة. ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة ~~مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله ~~عليه ويصرفه عنه. ومعنى قوله: من لدنك أن حصول الولد في العرف والعادة له ~~أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه. فكأنه قال: # أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض ~~قدرتك من غير توسيط الأسباب. والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر ~~والأنثى والمراد هاهنا ولد واحد كما قال: فهب لي من ms1040 لدنك وليا [مريم: 5] ~~قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر. فالتذكير والتأنيث ~~تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف ~~الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد ~~إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكرا لم يجز فيه إلا التذكير. إنك سميع الدعاء ~~يعني سماع إجابة. وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في ~~سورة مريم ولم أكن بدعائك رب شقيا [مريم: 4] . فنادته الملائكة ظاهر اللفظ ~~للجمع وهذا في باب التشريف أعظم. ثم ما # روي أن المنادي كان جبريل # فالوجه فيه أنه كقولهم «فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة» أي يركب ~~من هذا الجنس ويأكل منه. # أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون. يبشرك بيحيى ~~يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة ~~عالية. فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ~~ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى [مريم: 7] وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن ~~يكون عربيا فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر. ثم إنه تعالى وصف يحيى ~~بصفات منها: قوله مصدقا بكلمة من الله وهو نصب على الحال لأنه نكرة و ~~«يحيى» معرفة. قال أبو عبيدة: أي مؤمنا بكتاب الله. وسمي الكتاب # PageV02P153 # كلمة كما قيل: «كلمة الحويدرة» لقصيدته. والجمهور على أن المراد بكلمة من ~~الله هو عيسى. قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما. فقالت: ~~يا مريم أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم: وأنا أيضا حبلى. قالت امرأة زكريا: ~~فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: مصدقا بكلمة من الله ~~وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن ~~به وصدق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى. ms1041 وسمي عيسى كلمة ~~الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي «كن» من غير واسطة أب وزرع كما يسمى ~~المخلوق خلقا والمرجو رجاء، أو لكونه متكلما في أوان الطفولية، أو لأنه ~~منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحا أيضا لأنه سبب حياة ~~الأرواح. وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل ~~العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما ~~لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول ~~أو أتكلم به. ومنها قوله: # وسيدا والسيد الذي يفوق قومه في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه بل للناس ~~كلهم في الخصال الحميدة. وقال ابن عباس: السيد الحليم. وقال ابن المسيب: ~~الفقيه العالم. وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب. ومنها قوله: وحصورا قيل: ~~أي محصورا عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في ~~معرض المدح. والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان ~~لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح ~~كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا ~~كان الأصل بقاء الأمر على ما كان. ومنها قوله: # ونبيا واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما ~~يرجع إلى الدين والدنيا. والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما ~~لا يعنيه. # روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت. # فقوله: ونبيا أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا ~~النبوة. ثم قال: ومن الصالحين أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو ~~كائنا من جملة الصالحين كقوله: وإنه في الآخرة لمن الصالحين [البقرة: 130] ~~أو لأن صلاحه كان أتم بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى ~~بن زكريا فإنه لم يعص ms1042 ولم يهم» # وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبيا، ~~ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ~~[النمل: 19] وقال يوسف: توفني مسلما وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] . ثم إن ~~الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا # PageV02P154 # مخاطبا لله تعالى ومناجيا إياه رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ~~أدركتني السنون العالية وأثر في طول العمر وأضعفني. قال أهل اللغة: كل شيء ~~صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين. ~~فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه ~~بحدوثه فيه. والإنسان أيضا يأتيه بمرور العمر عليه. # ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان ~~الذاهب. # وامرأتي عاقر هي من الصفات الخاصة بالنساء. ويقال: رمل عاقر لا ينبت ~~شيئا. فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله تعالى إلى ~~ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: أنى يكون من أين يحصل لي غلام؟ فالجواب ~~على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة. وقيل: إنه دهش من ~~شدة الفرح فسبق لسانه. ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة ~~بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان ~~الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ~~ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا ~~النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من ~~مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل. ~~والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعادا وتشككا في قدرة الله ~~تعالى، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة ~~كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: كذلك الله يفعل ما يشاء وهو ~~إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة ms1043 مثل ذلك الفعل وهو ~~خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون كذلك الله ~~مبتدأ وخبرا أي على نحو هذه الصفة الله ويفعل ما يشاء بيانا له أي يفعل ما ~~يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لفرط سروره ~~وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: رب اجعل لي آية علامة ~~أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أول الأمر فقال تعالى: آيتك ألا تكلم ~~الناس ثلاثة أيام أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ثلاث ليال [مريم: 10] ~~ومعنى قوله: ألا تكلم الناس قال المفسرون: # أي لا تقدر على التكلم. حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر ~~والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلا بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك ~~النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة ~~فيكون جامعا للمقاصد. وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدرة على التكلم ~~بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر. ومنها العجز مع سلامة ~~البنية واعتدال المزاج. ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه # PageV02P155 # الحالة فقد حصل الولد. ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر. # وعن قتادة أنه صلى الله عليه وسلم عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة ~~فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام. # قلت: # وأحسن العتاب ما كان منتزعا من نفس الواقعة ومناسبا لها. وفيه لطيفة أخرى ~~وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل ~~أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار ~~حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعا مع مناسبته للواقعة ~~حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل. وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير ~~مأمورا بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح إلا رمزا إشارة بيد أو ~~رأس أو بالشفتين ونحوها. وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه ~~الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ألا ms1044 تكلم وجاز وإن لم يكن الرمز من ~~جنس الكلام لأن مؤداه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا. # وقيل: الرمز الكلام الخفي. وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف. وقرأ ~~يحيى بن وثاب إلا رمزا بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء رمزا بفتحتين جمع ~~رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم ~~الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم واذكر ربك كثيرا قيل: إنه لم يكن عاجزا إلا ~~عن تكليم البشر. # وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزا عن التكلم مطلقا وسبح حمله ~~بعضهم على صل كيلا يكون تكرارا للذكر. وقد تسمى الصلاة تسبيحا فسبحان الله ~~حين تمسون [الروم: 17] لاشتمالها عليه. والعشي مصدر على «فعيل» وهو من وقت ~~زوال الشمس إلى غروبها. والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر ~~يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار. وقرىء بفتح ~~الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. ### | التأويل: # إن لله تعالى في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسرارا لا ~~يعلمها إلا الله. فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، ~~وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم ~~وعيسى فتقبل مني راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها ~~وتربيها تربية المحررين فتقبلها ربها أي تقبلها ربها أن يربيها بقبول حسن ~~كقبول ذكر أو قبولا أخرج منها مثل عيسى وكفلها زكريا من كمال رأفته أنه جعل ~~كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره ~~فتكون أبعد من التهمة. وجد عندها رزقا أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله ~~به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق # PageV02P156 # كقوله صلى الله عليه وسلم «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ~~ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن ms1045 العلوم اللدنية بلا ~~واسطة هنالك دعا زكريا ربه كما أنه تعالى جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك ~~قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقا ~~للعادة سبب تحريك قلب زكريا قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة أي ولدا يكون ~~روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب ~~والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء ~~وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح ~~المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين فنادته ~~الملائكة وهو قائم بالله يصلي بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه في ~~المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا ~~بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل ~~أحياء عند ربهم يرزقون. مصدقا بكلمة من الله # وهي قوله: يا يحيى خذ الكتاب بقوة [مريم: 12] وسيدا أي حرا من رق الكونين ~~بل سيدا لرقيقي الكونين وحصورا نفسه عن التعلق بالكونين ونبيا من الصالحين ~~من أهل الصف الأول رب أنى يكون لي غلام لم يكن استبعاده من قبل القدرة ~~الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة آيتك ألا تكلم الناس لغلبات ~~الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة ~~تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها ~~في الشهادة بالكلام إلا رمزا ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة ~~البشرية فيحيي الله تعالى به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة ~~التي أحياها الله يحيى. ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر ~~بالمراقبة ليلا ونهارا وعشيا وإبكارا حسبي الله. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 60] # وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء ~~العالمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) ذلك من ~~أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ms1046 أيهم يكفل مريم وما ~~كنت لديهم إذ يختصمون (44) إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة ~~منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين (46) # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47) ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ~~والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق ~~لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه ~~والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن ~~في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين (49) ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل ~~لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون (50) إن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (51) # فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن ~~أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (54) ~~إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون (55) فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (56) # وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~(57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم (58) إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين (60) PageV02P157 ### | القراآت: # ويعلمه بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب. الباقون بالنون. ~~أني أخلق بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع أني أخلق بالفتح فيهما: ابن كثير ~~وأبو عمرو ويزيد كهيئة بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف. وكان ابن مقسم ~~يقول: # بلغني أن خلفا يقول: إن حمزة ms1047 كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها. ~~الباقون بالياء والهمزة. الطائر يزيد. الباقون الطير فتكون بتاء التأنيث. ~~المفضل. الباقون: بياء الغيبة طائر أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في ~~المائدة. الباقون طيرا أنصاري إلى بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. وقرأ قتيبة ~~وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة فيوفيهم بياء الغيبة: حفص ورويس، ~~وزاد رويس ضم الهاء. الباقون بالنون. ### | الوقوف: # العالمين ه الراكعين ه إليك ط يكفل مريم ص لعطف # PageV02P158 # المتفقتين. يختصمون ه منه ج قد قيل لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ~~ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثا حقيقيا. فالوجه أن لا يوقف إلى ~~الصالحين لأن وجيها حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائنا من المقربين ~~ومكلما وكائنا من الصالحين المقربين. الصالحين ه بشر (ط) يشاء ط فيكون ه ~~والإنجيل ج لأن ورسولا يجوز أن يكون معطوفا على ومن الصالحين أو منصوبا ~~بمحذوف أي ويجعله رسولا، والوقف أجوز لتباعد العطف. من ربكم ج لمن قرأ أني ~~أخلق بالكسر بإذن الله ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات. في بيوتكم ط ~~مؤمنين ج للعطف وأطيعون ه فاعبدوه ط مستقيم ه إلى الله ط أنصار الله ج لأن ~~آمنا في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع ~~النظم مع اتحاد مقصود الكلام مسلمون ه الشاهدين ه ومكر الله ط الماكرين ه ~~القيامة ج لأن «ثم» لترتيب الإخبار. والآخرة ز للابتداء بالنفي مع أن النفي ~~تمام المقصود. # ناصرين ه أجورهم ط الظالمين ه الحكيم ه آدم ط لأن الجملة لا يتصف بها ~~المعرف. فيكون ط الممترين ه. ### | التفسير: # القصة الثالثة قصة مريم. والعامل في «إذ» هاهنا هو ما ذكر في قوله: إذ ~~قالت امرأت عمران [آل عمران: 35] لمكان العطف. والمراد بالملائكة هاهنا ~~جبريل كما يجيء، في سورة مريم فأرسلنا إليها روحنا # [مريم: 17] . واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم [الأنبياء: 7] فإرسال جبريل إليها إما أن يكون ~~كرامة لها عند من ms1048 يجوز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصا لعيسى وهو ~~جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور ~~المعتزلة. ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام ~~كما في حق أم موسى وأوحينا إلى أم موسى [القصص: 7] . ثم إنه تعالى مدحها ~~بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصطفاآن بمعنى واحد ~~للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور ~~في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها ~~أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها ~~للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاها ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى ~~غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها. وأما التطهير فتطهيرها ~~عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ~~ويطهركم تطهيرا [الأحزاب: # 33] . وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن ~~الأفعال # PageV02P159 # الذميمة والأقوال القبيحة. وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر ~~عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود. قيل: ~~المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية ~~امرأة فرعون وخديجة وفاطمة» «1» # ثم لما بين اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكرا ~~لتلك النعم. فقوله: اقنتي أمر بالعبادة على العموم واسجدي أمر بالصلاة ~~تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله وأدبار السجود [ق: 4] # وفي الخبر «إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين» # ولا ريب أن السجود أشرف الأركان # لقوله صلى الله عليه وسلم «أقرب ما يكون العبد من الله تعالى وهو ساجد» ~~«2» # ثم قال: واركعي مع الراكعين فالأول أمر بالصلاة مطلقا، والثاني أمر ~~بالصلاة في الجماعة. وإنما عبر عن الصلاة هاهنا بالركوع إما لتغيير العبارة ~~وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ms1049 ما ~~قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه ~~أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود. وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع ~~والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: اقنتي الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد ~~أجزائها، وأن يراد بقوله: # واسجدي واركعي استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك ~~لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في ~~عداد غيرهم. # وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال ~~الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء. روي أن مريم بعد ذلك قامت في ~~الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما. اللهم لا تؤاخذنا باسم ~~الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ذلك الذي سبق من أنباء حنة ~~وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب نوحيه إليك قد ورد الكتاب بالإيحاء على ~~معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو ~~غيرها. وبهذا التفسير يعد الإلهام وحيا كقوله: وأوحى ربك إلى النحل [النحل: ~~68] وقال: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم [الأنعام: 121] وقال: فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [مريم: 11] فلما كان الله سبحانه ألقى هذه ~~PageV02P160 # الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحيا وما كنت ~~لديهم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو ~~موهوم لأنه كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل السماع والقراءة ~~وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه صلى الله عليه ~~وسلم فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز وما ~~كنت بجانب الغربي [القصص: 44] وما كنت بجانب الطور [القصص: 46] إذ يلقون ~~أقلامهم ينظرون أو ليعلموا أو يقولون أيهم يكفل مريم حذف متعلق الاستفهام ~~لدلالة الإلقاء عليه. وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء ~~على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها ~~دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا ms1050 أنه # روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف ~~جري الماء فاليد له. # ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها. وقيل: عرف برسوب ~~الأقلام وارتفاعها كما مر. وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري ~~فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم. وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء ~~الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاما ~~يكتبون عليها أسماءهم. فمن خرج له السهم سلم له الأمر. قال تعالى: فساهم ~~فكان من المدحضين # [الصافات: 141] وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور. ~~وإنما سميت تلك السهام أقلاما لأنها تقلم وتبرى. قال القاضي: وقوع لفظ ~~القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحا نظرا إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف ~~الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه. وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون يتنازعون على التكفل. # قيل: هم خزنة البيت. وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي. ولا شبهة في ~~أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير. ثم ~~المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاما ~~آخر حصل بعد الاقتراع. وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها ~~والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيسا لهم فأرادوا قضاء حقوقه، ~~وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في ~~الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأنا. # القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته إذ قالت الملائكة ~~يعني جبريل كما مر. ومتعلق «إذ» هو متعلق وإذ قالت لأن هذا بدل من ذاك، ~~ويجوز أن يكون بدلا من قوله: إذ يختصمون. قال في الكشاف: هذا على أن ~~الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما ~~لقيته في ساعة منها. فيكون الزمان الواسع # PageV02P161 # زمانا لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول. ويجوز أن يتعلق ب ~~يختصمون ولا يحتاج إلى زمان ms1051 واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة ~~في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة ~~الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل. واعلم أن حدوث الشخص من غير ~~نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على ~~سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن ~~الباذروج غايته الاستبعاد عرفا وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظنا قويا ~~فضلا عن العلم. ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته. ~~ومما يزيده في العقل بيانا أن التخيلات الذهنية كثيرا ما تكون أسبابا لحدوث ~~الحوادث. كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على ~~جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض. وقد جعلت الفلاسفة ~~هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات. فما المانع أن يقال إنها لما ~~تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا ~~لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد. ~~قوله: بكلمة منه لفظة «من» هاهنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية ~~لأنه تعالى غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة ~~حاصلة من الله. وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة «كن» ~~في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم ~~والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال. # والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق. وأصله «مشيحا» ~~بالعبرانية ومعناه المبارك وجعلني مباركا أين ما كنت [مريم: 31] وكذلك عيسى ~~معرب «إيشوع» . أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة ~~فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون. عن ابن عباس: ~~سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ. وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان ~~يمسح الأرض أي يقطعها. ms1052 وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب. ~~وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام. وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ~~ممسوح القدمين. وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا ~~يمسح به غيرهم. قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة ~~يعرفون بها الأنبياء حين يولدون. وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته ~~صيانة له عن مس الشيطان. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وأما ~~المسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي ~~يقطعها في المدة القليلة. قالوا: # ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها. وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موه ~~ولبس. # PageV02P162 # وتقديم المسيح- وهو اللقب- على الاسم- وهو عيسى- للتشريف والتنبيه على ~~علو درجته. وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيها على أنه لا أب له حتى ~~ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه. وذلك من جملة ما ~~اصطفيت به. وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر. وإنما ~~قيل: اسمه المسيح عيسى ابن مريم والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن ~~صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع ~~الثلاثة. وجيها ذا الجاه والشرف والقدر. وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء ~~الإنسان هو الوجه في الدنيا بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ~~والآخرة بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة. ونصبه على الحال من ~~النكرة الموصوفة وهي كلمة. وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك ~~به موصوفا بهذه الصفات. وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته ~~للملائكة. والمهد قيل: حجر أمه. وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي. وكيف ~~كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ~~وكهلا عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة. والكهل في اللغة ~~الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: # «اكتهل النبات» أي قوي. # روي أن عمره بلغ ثلاثا وثلاثين ثم رفع إلى ms1053 السماء. # ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد ~~بلغ سن الكهولة. وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلا بعد نزوله من ~~السماء وأنه حينئذ يكلم الناس ويقتل الدجال. فإن قيل: إن تكلمه في المهد من ~~المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ~~ذكره؟ فالجواب من وجوه. قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد ~~وحال كونه كهلا على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز. وقيل: ~~المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلبا في الأحوال من الصبا إلى ~~الكهولة فإن التغير على الإله محال. وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة ~~في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة. وقال ~~الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة. ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب ~~آخر. وهاهنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ~~ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها ~~فيبلغ حد التواتر. فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها ~~النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره ~~فعلمنا أنها لم توجد أصلا. والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع. ولو ~~سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما # PageV02P163 # نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذ جمعا قليلا ولا يبعد في مثلهم ~~التواطؤ على الإخفاء. وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ~~ذلك وينسبونهم إلى البهت. فهم أيضا قد سكتوا لهذه العلة. فلهذه الأسباب بقي ~~الأمر مكتوما إلى أن نطق القرآن بذلك. ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ومن ~~الصالحين كما ختم بذلك أوصاف يحيى. وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين ~~والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسنى والأمر الأقصى. قالت رب أنى يكون لي ~~ولد ولم يمسسني بشر لم تقل ذلك استبعادا وتشككا وإنما أرادت تعيين الجهة ms1054 ~~كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: كذلك الله يخلق ما يشاء وقد سبق نظيره ~~إلا أنه عبر عن الفعل هاهنا بالخلق لأن القدرة هاهنا أتم وهو تخليق المولود ~~بغير أب ولهذا أكده بقوله: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقد تقدم ~~تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ويعلمه بالياء عطف على يبشرك أو ~~على وجيها أو على يخلق لأن قوله: يخلق ما يشاء وهو عام يتضمن قوله: «يخلقه» ~~، ويحتمل أن يكون كلاما مبتدأ. وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ~~إنا نبشرك ونحن نخلقه. ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد ~~به الخط. وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به. ~~وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع ~~على العلوم الخمسة. ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها ~~وشرفه بإنزالها عليه. وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم ~~والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق. ثم قال: ورسولا عطفا على ~~وجيها وما بعده. إلى بني إسرائيل أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف. وفيه رد على ~~اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم أني قد جئتكم يتعلق ~~بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقا بأني قد جئتكم. وإنما وجب هذا الإضمار ~~للعدول عن الغيبة إلى التكلم. وأما قوله: ومصدقا لما بين يدي فمعطوف على ~~قوله: بآية أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحبا لآية من ربكم ومصدقا لما بين ~~يدي، وجئتكم لأحل لكم وفي الكشاف تقديره: # ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم ومصدقا لما بين ~~يدي. أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقا بأني قد جئتكم، ~~وناطقا بأني أصدق ما بين يدي. وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولا ~~بأني قد جئتكم بآية من ربكم. # والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعا من الآيات، ثم أبدل على ~~الآية قوله: أني أخلق فيمن قرأ بفتح أني ويحتمل أن ms1055 يكون «أن» مع ما بعده ~~مرفوعا أي هي أني أخلق. # ومن قرأ أني أخلق فللاستئناف أو للبيان كقوله: إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~آدم [آل # PageV02P164 # عمران: 59] ثم فسر المثل بقوله: خلقه من تراب [آل عمران: 59] وهذا أحسن ~~ليوافق قراءة الفتح. والمعنى أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير من هيئات الشيء ~~أصلحته. فأنفخ فيه أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ~~فيكون طيرا وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع. يروى أنه خلق أنواعا ~~من الطير. وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ طائرا وذلك أنه لما ~~ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ ~~طينا وصوره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض. قال وهب: كان يطير ~~ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتا بإذن الله. وبتكوينه ~~وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك ~~وصفها بالنفح. وهاهنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه تعالى أودع في نفس ~~عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا، ~~وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سببا لحصول ~~الأرواح في الأجساد؟ أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق ~~الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار ~~المعجزات؟ وهذا هو الحق لقوله تعالى الذي خلق الموت والحياة [الملك: 2] ~~ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ربي الذي يحيي ويميت [البقرة: 258] ~~فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال وأبرئ الأكمه والأبرص ذهب أكثر ~~أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى. وقيل: هو الممسوح العين. ~~ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير. ~~وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيرا، رواه الخليل. وعن مجاهد أنه الذي لا ~~يبصر بالليل. وأما البرص فإنه ms1056 بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن. ~~وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف ~~القوة المغيرة عن تمام التشبيه. وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه ~~كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه. وإن كان ذلك الدم ~~جيدا في جوهره نقيا من البلغم حارا هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ- ~~وخاصة المزمن- منه. والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا ~~دلك احمر بالدلك ويكون معه خشونة ما. والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد ~~البياض، وإذا أخذ جلده بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة ~~خرج منه دم أو رطوبة موردة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل ~~الإعجاز. # يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم ~~يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده وأحي الموتى أحيا عاذرا ~~وكان صديقا له، ودعا # PageV02P165 # سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حيا، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا ~~الله عيسى فنزل عن سريره حيا ورجع إلى أهله وبقي وولد له. قال الكلبي: كان ~~عيسى عليه السلام يحيي الموتى ب «يا حي يا قيوم» وكرر قوله: بإذن الله رفعا ~~لوهم من توهم فيه الألوهية وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم قيل: ~~إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب. # روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان عليه السلام يخبرهم بأفعال ~~آبائهم وأمهاتهم. # كان عليه السلام يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي ~~إلى أن يأخذ ذلك الشيء. فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في ~~بيت. فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت. فقال عليه ~~السلام: فمن في هذا البيت؟ # فقالوا: خنازير. فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون فإذا هم خنازير. ~~وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة. وذلك أن القوم ~~نهوا عن الادخار فكانوا يخونون ms1057 ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك. والادخار ~~افتعال من اذتخر قلت كل من التاء والذال «دالا» ثم أدغم. واعلم أن الإخبار ~~عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوما بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ~~ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال ~~الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيرا. ثم إنه لما قرر المعجزات ~~الباهرة وبين بها كونه رسولا من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: # ومصدقا لما بين يدي من التوراة وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا ~~لمن تقدمه من الأنبياء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل ~~على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته. ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى ~~عليه السلام تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين ~~الجاهلين. ثم ذكر غرضا آخر في بعثته فقال: ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ~~ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكورا فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق ~~في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون ~~تصديقا لما في التوراة. وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئا من أحكام ~~التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس. ثم فسر ~~الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع ~~باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان. والثاني ~~أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: فبظلم ~~من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] واستمر ذلك ~~التحريم فجاء عيسى ورفع تلك # PageV02P166 # التشديدات عنهم. كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك ~~وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له. وجئتكم بآية من ~~ربكم شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: إن ms1058 الله ربي وربكم لأن جميع الرسل ~~كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه. وقوله: فاتقوا الله وأطيعون اعتراض ~~وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه ~~رسول كسائر الرسل. ويجوز أن يكون تكريرا لقوله: أني قد جئتكم بآية من ربكم ~~أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب. ~~فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات وأطيعون فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى ~~الله. ثم ختم كلامه بقوله: إن الله ربي وربكم إظهارا للخضوع واعترافا ~~بالعبودية وردا لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن ~~الصراط المستقيم. # القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم ~~تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: فلما أحس أي علم عيسى منهم الكفر علما ~~لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك ~~بأذنه. قال السدي: لما بعثه الله تعالى رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم ~~فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم بمكة، وكان مستضعفا فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق ~~أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته. # وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوما نطعمه ونسقيه مع جنوده ~~وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي. فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع ~~الله ليكفي ذلك. فقال عليه السلام: يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر. ~~فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه. فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب ~~مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني. فلما فعل دعا الله تعالى فتحول ~~ما في القدور طبيخا، وما في الخوابي خمرا. # فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟ فتوقف الرجل في الجواب ~~وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل ~~الماء خمرا ms1059 إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه- وكان ابنه قد مات في تلك الأيام- ~~فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان ~~شرا عليه- فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى عليه ~~السلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى ~~عليه السلام مشهورا وقصد اليهود قتله صلى الله عليه وسلم وأظهروا الطعن ~~فيه. # PageV02P167 # وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ~~ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله قال من أنصاري إلى ~~الله قيل: إنه لما دعا عليه السلام بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا عليه ~~عليه السلام فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك- منهم ~~شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر- فقال عيسى عليه السلام: إنكم ~~تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟ فطلبوا منه ~~المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئا فأمره ~~عيسى عليه السلام بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من ~~السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك ~~آمنوا بعيسى. وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في ~~الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في ~~الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم. ومما ~~يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به ~~عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى ~~عليه السلام أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت. والحاصل أن المراد ~~بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه عليه السلام. وقيل: # إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ms1060 [الصف: ~~14] ومعنى إلى الله قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟ ~~وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله. فالجار على القولين من صلة أنصاري ~~مضمنا معنى الإضافة. وقيل: # من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟ أو حال التجائي إليه؟ وقيل: من أنصاري ~~فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟ # وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى: اللهم منك وإليك أي ~~تقربا إليك. # فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف. وقيل: «إلى» بمعنى اللام. # وقيل: بمعنى «في» أي في سبيل الله. وهذا قول الحسن. قال الحواريون نحن ~~أنصار الله أعوان دينه ورسوله. وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال ~~للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن. والحور نقاء بياض العين، ~~وحورت الثياب بيضتها، والحواري واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة. # عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم. وعن مقاتل بن سليمان لأنهم ~~كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم ~~«فلان نقي الجيب طاهر الذيل» للكريم و «دنس الثياب» للئيم. وعن الضحاك: ~~الذي يغسل الثياب # PageV02P168 # يسمى بلغة النبط هواري فعرب. وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين ~~يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا. وقيل: إن أمه دفعته إلى صباغ ~~فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا كان هو أعلم به منه فغاب الصباغ يوما لبعض ~~مهماته فقال: هاهنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها ~~بتلك الألوان. فطبخ عيسى عليه السلام حبا واحدا وجعل الجميع فيه. وقال: ~~كوني بإذن الله كما أريد. فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت ~~علي الثياب قال: قم فانظر. فكان يخرج ثوبا أحمر وثوبا أخضر وثوبا أصفر كما ~~يريد. فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون. وقيل: كانوا اثني عشر ~~اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على ~~الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على ~~الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من ms1061 أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا ~~سقيتنا وقد آمنا بك؟ فقال: # أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا ~~حواريين. # وقيل: إن واحدا من الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه ~~السلام على قصعة. فكانت القصعة لا تنقص. فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك ~~فقال: تعرفونه؟ قالوا: # نعم. فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم. قال: فإني ~~أترك ملكي فأتبعك. فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون. قال ~~القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من ~~القصارين، وسموا جميعا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في ~~محبته وطاعته. آمنا بالله يجري مجرى السبب لقولهم: نحن أنصار الله فإن ~~الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ~~واشهد بأنا مسلمون منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون ~~لأمر الله تعالى فيه. أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل ~~الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم ~~القيامة. ثم تضرعوا إلى الله تعالى بقولهم: ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل ~~الحواريين. فقال ابن عباس: أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم ~~مخصوصون بأداء الشهادة وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~[البقرة: 143] وعنه أيضا اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك ~~بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم [آل عمران: 18] وقيل: اجعلنا ممن هو ~~مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل ~~علينا الوفاء بما التزمنا من # PageV02P169 # نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين ~~كقوله: # كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين [المطففين: 18] ومكروا ms1062 يعني كفار بني ~~إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ومكر الله المكر في اللغة السعي في خفية ~~ومداجاة. قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم. وقيل: أصله من إجماع ~~الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق. فلما كان المكرر رأيا ~~محكما قويا مصونا عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكرا. أما مكرهم بعيسى ~~عليه السلام فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى ~~السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه. # روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى عليه السلام وكان جبريل لا يفارقه ساعة، ~~فأمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة. # فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ~~ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان ~~الله فينا فذهب. # وأخرى قالت: كان ابن الله. وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله. # وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد ~~منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى عليه السلام. وذكر ~~محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا ~~منهم الجهد. فسمع بذلك ملك الروم. وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل ~~رجلا من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه ~~وبينهم. ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه ~~السلام فأخبروه، فتابعهم على دينهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة ~~فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقا عظيما ومنه ظهر أصل ~~النصرانية في الروم. وكان اسم هذا الملك «طباريس» ، وهو صار نصرانيا إلا ~~أنه ما أظهر ذلك. ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له «ملطيس» وغزا بيت المقدس ~~حجرا على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم ~~الله تعالى على تكذيب ms1063 المسيح والهم بقتله. وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره ~~وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه ~~وهم اليهود والله خير الماكرين أقواهم مكرا وأقدرهم على العقاب من حيث لا ~~يشعر المعاقب. # واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله ~~تعالى محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى ~~مكرا كقوله: # PageV02P170 # وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] أو بأنه تعالى عاملهم معاملة من يمكر ~~وهو عذابهم على سبيل الاستدراج. وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم ~~الكامل لم يكن اللفظ متشابها لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في ~~العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير. إذ قال الله ظرف لخير الماكرين أو ~~لمكر الله أو مفعول اذكر يا عيسى إني متوفيك أي متمم عمرك وعاصمك من أن ~~يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك. وقيل: ~~متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إلي. وهذا ~~القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق. ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع ~~وأحيي. وقال محمد بن إسحق. توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه. وقال ~~الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائما حتى لا يلحقه خوف ورعب. ~~أخذه من قوله الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها [الزمر: # 42] . وقيل: التوفي أخذ الشيء وافيا أي آخذك بروحك وبجسدك جميعا فرافعك ~~إلي دفعا لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده. وقيل: متوفيك قابضك من ~~الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته. وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا ~~رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما ~~يشابه في أكثر خواصه وصفاته. # وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته ~~وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه ms1064 وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، ~~فهذا كقوله: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] وقيل: في نسق ~~الكلام تقديم وتأخير. فإن الواو لا تقتضي الترتيب. والمعنى إني رافعك إلي ~~ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا. ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل ~~الدجال، ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك. أما قوله ورافعك إلي فالمشبهة تمسكوا ~~بمثله في إثبات المكان لله تعالى وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت ~~على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد ~~إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: إني ذاهب إلى ربي ~~[الصافات: 99] وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوار الله، ~~والمجاورون جيران الله. والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا ~~يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكا مجازية. ولئن سلم أنه ~~تعالى يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى عليه السلام إلى ذلك المكان سببا ~~لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ ~~عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من ~~الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى. ثم إنه كما عظم ~~شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير # PageV02P171 # فقال: ومطهرك من الذين كفروا أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم وجاعل الذين ~~اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق. ~~فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء. وفيه ~~إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة. ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك ~~يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى. على أنا نقول: المراد ~~بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم بعده فصدقوه في قوله: ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد [الصف: 6] أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في ms1065 أصل الإسلام وإن ~~اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى. # واعلم أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ~~وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم [النساء: 157] فأورد بعض الملحدة عليه ~~إشكالات: # الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ~~ثانيا فحينئذ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانيا ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى ~~شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمدا يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون ~~محمد إنسانا آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال ~~التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول ~~إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب ~~أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات. الثاني أن جبريل كان معه حيث سار. # ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض. فكيف لم يكف في منع أولئك ~~اليهود؟ # وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم ~~يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء وإلقاء الفلج والزمانة ~~عليهم حتى لا يتعرضوا له؟ الثالث أنه تعالى كان قادرا على تخليصه من ~~الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟ # وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس ~~الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه ~~والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟ الرابع أن النصارى على كثرتهم في ~~المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوبا، فإنكار ~~ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء. ~~الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حيا زمانا طويلا. فلو كان هو غير عيسى ~~لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر. والجواب عن الأول أن كل ~~من أثبت القادر المختار سلم أنه تعالى قادر على خلق مثل زيد. ms1066 وهذا التجويز ~~لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم. وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي ~~إلى # PageV02P172 # بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف. والتلبيس المذكور قد أزاله ~~تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة. وعن الرابع أنه تواتر منقطع ~~الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم. إذ شرط التواتر ~~استواء الطرفين والوسط. وعن الخامس ما # روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر. # على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ~~ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي ~~الهداية. قال: ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون وفيه بشارة ~~لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين. وتفسيره قوله: # فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا بالقتل والسبي والذلة ~~وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها والآخرة بدخول النار خالدين ~~فيها وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~والله لا يحب الظالمين الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام ~~التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال ~~الخير إليه. وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه. وقالت ~~المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة. فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين. # ذلك الذي سبق من نبأ عيسى عليه السلام وغيره وهو مبتدأ خبره نتلوه عليك ~~والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض. ~~جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته. من الآيات خبر بعد خبر أو خبر بعد ~~مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات ~~الدالة على ثبوث رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ من كتاب أو من يوحى ~~إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي. ويجوز أن يكون ~~ذلك بمعنى «الذي» ونتلوه صلته ومن الآيات الخبر. ويجوز أن ينتصب ذلك ms1067 بمضمر ~~يفسره نتلوه. والذكر الحكيم القرآن. وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق ~~بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد ~~منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه. وقيل: الذكر ~~الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، ~~أخبر أنه تعالى أنزل هذه القصص مما كتب هناك. # قال المفسرون: إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك ~~تشتم صاحبنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد. قال: # أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فغضبوا ~~وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله فأنزل الله ~~عز وجل إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم # أي حاله الغريبة كحاله. ووجه الشبه أن كلا منهما وجد وجودا خارجا عن ~~العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب. لأن ~~المشبه به ينبغي # PageV02P173 # أن يكون أقوى حالا من المشبه في وجه الشبه. ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ~~خلقه من تراب أي قدره جسدا من طين. قيل: اشتقاق آدم من الأدمة. وقال ابن ~~عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، ~~فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث. وقيل: إنه اسم أعجمي ~~كآزر ووزنه «فاعل» لا «أفعل» . # والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: «هذا الكون أصله من الطين» ثم قال ~~له أي لذلك المقدر كن فيكون وهذا كقوله: ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: ~~14] وإنما لم يقل «فكان» إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة ~~العجيبة كقوله: # فأصر بها بلا دهش فخرت أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك «كن» ~~فإنه يكون لا محالة. وقيل: معنى «ثم» تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر ~~عن المخبر كقول القائل «أعطيت زيدا ألفا اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين» أي ~~ثم أنا ms1068 أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: خلقه من تراب أي صيره بشرا ~~سويا. ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له «كن» . وقيل: إن معنى الخلق ~~يرجع إلى علمه تعالى بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص. # والمراد ب «كن» إدخاله في الوجود. قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب ~~لوجوه: ليكون متواضعا وليكون ستارا وليكون أشد التصاقا بالأرض فيصلح ~~للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي ~~أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء ~~الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج ~~مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف ~~الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه ~~تعالى هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج. وعلاج خلق البشر من التراب ~~لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء خلق من الماء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا [الفرقان: # 54] ليكون صافيا تتجلى فيه صور الأشياء. ثم مزج بين التراب والماء ~~لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طينا إني خالق بشرا من طين [ص: 71] ثم إنه سل ~~من ألطف أجزاء الطين ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين [المؤمنون: 13] ثم ~~جعله طينا لازبا إنا خلقناهم من طين لازب [الصافات: 11] ثم سنه وغير رائحته ~~ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون [الحجر: 26] . # عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى عليه السلام؟ ~~قالوا: # PageV02P174 # لأنه لا أب له. قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا: كان يحيي ~~الموتى. قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية ~~آلاف. فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ~~ثم قام سالما. الحق من ربك خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من ~~شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من ~~رميها بيوسف النجار، أو الحق مبتدأ ومن ms1069 ربك خبره كما يقال: الحق من الله ~~والباطل من الشيطان. فلا تكن من الممترين الشاكين. قال ابن الأنباري: أصله ~~من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شرا. وفي هذا النهي ~~ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة ~~البقرة. ### | التأويل: # الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس إن الله اصطفى آدم [آل ~~عمران: 33] ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس ~~وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد صلى الله عليه وسلم على الكائنات # كقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك. # وقال صلى الله عليه وسلم: «آدم فمن دونه تحت لوائي» # ، واصطفاء على الجنس كقوله: يا موسى إني اصطفيتك على الناس [الأعراف: ~~144] ولمريم إن الله اصطفاك لاصطفائك إياه وطهرك عن الالتفات لغيره واصطفاك ~~على نساء العالمين لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء. إن الله ~~يبشرك بكلمة منه كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله تعالى. ~~والعالم بما فيه كلمة المعرفة # كقوله: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» # والإنسان وإن كان صنفا من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة ~~لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضا كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من ~~العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا ~~مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكية الشريعة المربى بتربية أرباب ~~الطريقة. # وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم- أعني الكلمة- من بين سائر ~~الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعدا لهذا الكمال في بدء أمره. قد فهم من ~~كلمة نفسه معرفة ربه كما # قال صلى الله عليه وسلم «من عرف نفسه فقد عرف ربه» # وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: إني عبد الله آتاني الكتاب ~~[مريم: 30] روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني ~~حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع. وسمي المسيح ~~لأنه حين مسح الله تعالى ظهر ms1070 آدم فاستخرج منه ذرات ذرياته لم يرده إلى ~~مقامه كما # جاء في الخبر «إن الله تعالى أذن للذرات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة ~~عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم» # فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح. وكهلا أي حالة النبوة # PageV02P175 # لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ومن الصالحين يعني صلاحية قبول الفيض بلا ~~واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام. ويعلمه الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع ~~أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء ~~وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من ~~العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن ~~يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك ~~الظلمات فيظهر على النبي صلى الله عليه وسلم آيات المعجزات وعلى الولي ~~أمارات الكرامات. ولما كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينته المستخرجة من ~~ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة ~~الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدو أمره يكلم الناس ~~في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ~~ذلك من الآيات. فلما أحس عيسى منهم الكفر فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما ~~أحس من النفس وصفاتها الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون وهم ~~القلب وصفاته نحن أنصار الله آمنا بالله أي بوحدانيته والتبري عن غيره ~~واشهد بأنا مسلمون منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ربنا ~~آمنا بما أنزلت من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق واتبعنا الرسول # الوارد من نفحات ألطافك فاكتبنا مع الشاهدين المشاهدين لأنوار جلالك ~~ومكروا أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ومكر الله ~~بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها والله خير الماكرين في قهر النفس ~~الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ms1071 ~~عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ورافعك إلي بجذبات العناية كما أسرى ~~بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى. ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات ~~البشرية ثم إلي مرجعكم باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو ~~بالاضطرار عند نزع الروح. فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا بحجاب الغفلة ~~والاشتغال بغير الله، والآخرة بالقطيعة والبعد عن الله والله لا يحب ~~الظالمين الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله تعالى. ثم قال ~~له كن فيكون. هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ~~ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حواء منه بلا أم، وخلق ~~عيسى ابن مريم بلا أب خرقا للعادة ودلالة على اختياره ورغما بأنف من قال ~~بالإيجاب في الإيجاد فلا تكن من الممترين نهي الكينونة قاله في الأزل فما ~~كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد. # PageV02P176 ### | ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 61 الى # 71] # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ~~ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ~~(61) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ~~(64) يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا ~~من بعده أفلا تعقلون (65) # ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل ~~الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون (69) يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله ms1072 وأنتم تشهدون (70) # يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون (71) ### | القراآت: # ها أنتم بالمد وغير الهمزة حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. # وروى ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ها أنتم على وزن «هعنتم» الباقون بالمد ~~والهمز. ### | الوقوف: # الكاذبين ه القصص الحق ج ط إلا الله ط الحكيم ه بالمفسدين ه من دون الله ~~ط لتناهي جملة وافية إلى ابتداء شرط مسلمون ه من بعده ط تعقلون ه ليس لكم ~~به علم ط لا تعلمون ه مسلما ط المشركين ه والذين آمنوا ط المؤمنين ه لو ~~يضلونكم ط يشعرون ه تشهدون ه تعلمون ه. ### | التفسير: # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم ~~أصروا على جهلهم قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجة ~~أن أباهلكم. فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك. فلما ~~رجعوا قالوا للعاقب- وكان ذا رأيهم- يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد ~~عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر ~~صاحبكم. والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ~~لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم ~~عليه فوادعوا # PageV02P177 # الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج ~~وعليه صلى الله عليه وسلم مرط من شعر أسود. # وكان صلى الله عليه وسلم قد احتضن الحسين وأخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي ~~خلفه صلى الله عليه وسلم وعلي عليه السلام خلفها وهو يقول: إذا دعوت ~~فأمنوا. فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوها لودعت الله أن ~~يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه ~~الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا ~~نباهلك وأن نقرك على دينك. فقال صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم المباهلة ~~فأسلموا يكن لكم ما ms1073 للمسلمين وعليكم ما على المسلمين فأبوا. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: فإني أناجزكم أي أحاربكم. فقالوا: ما لنا بحرب العرب المسلمين ~~طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك ~~كل عام ألفي حلة، ألفا في صفر وألفا في رجب وثلاثين درعا عادية من حديد ~~فصالحهم على ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن الهلاك قد ~~تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ~~نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حاول ~~الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. # وروي عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج في المرط الأسود جاء الحسن ~~فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة ثم علي عليه السلام ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~[الأحزاب: 33] # وهذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث. # فمن حاجك من النصارى فيه في عيسى وقيل في الحق من بعد ما جاءك من العلم ~~من البينات الموجبة للعلم بأن عيسى عبد الله ورسوله وذلك بطريق الوحي ~~والتنزيل فقل تعالوا هلموا والمراد المجيء بالرأي والعزم كما تقول: تعال ~~نفكر في هذه المسألة. # وهو في الأصل «تفاعلوا» من العلو. وذلك أن بيوتهم كانت على أعالي الجبل، ~~فكانوا ينادون تعال يا فلان أي ارتفع، إلا أنه كثر حتى استعمل في كل مجيء ~~فصار بمنزلة «هلم» . # ندع أبناءنا وأبناءكم أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ويأت هو بنفسه ~~وبمن هو كنفسه إلى المباهلة. وإنما يعلم إتيانه بنفسه من قرينة ذكر النفس ~~ومن إحضار من هم أعز من النفس، ويعلم إتيان من هو بمنزلة النفس من قرينة أن ~~الإنسان لا يدعو نفسه. ثم نبتهل ثم نتباهل وقد يجيء «افتعل» بمعنى «تفاعل» ~~نحو: اختصم بمعنى تخاصم. والتباهل أن يقول كل واحد منهما: بهلة الله على ~~الكاذب منا أي لعنته. ويقال: بهله الله أي لعنه وأبعده من ms1074 رحمته ومنه ~~قولهم: «أبهله» إذا أهمله. وناقة بأهل لاصرار عليها بل هي مرسلة مخلاة. # فكل من شاء حلبها وأخذ لبنها لا قوة بها على الدفع عن نفسها. فكأن ~~المباهل يقول: إن كان كذا فوكلني الله إلى نفسي وفوضني إلى حولي وقوتي ~~وخلاني من كلائه وحفظه. هذا # PageV02P178 # أصل الابتهال، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا وهو ~~المراد في الآية لئلا يلزم التكرار أي ثم نجتهد في الدعاء فنجعل اللعنة على ~~الكاذب بأن نسأل الله أن يلعنه. # وفي الآية دلالة على أن الحسن والحسين وهما ابنا البنت يصح أن يقال إنهما ~~ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم وعد أن يدعو ~~أبناءه ثم جاء بهما. وقد تمسك الشيعة قديما وحديثا بها في أن عليا أفضل من ~~سائر الصحابة لأنها دلت على أن نفس علي مثل نفس محمد إلا فيما خصه الدليل. ~~وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان متكلم الاثني عشرية ~~يزعم أن عليا أفضل من سائر الأنبياء سوى محمد. قال: وذلك أنه ليس المراد ~~بقوله: وأنفسنا نفس محمد لأن الإنسان لا يدعو نفسه فالمراد غيره. وأجمعوا ~~على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب فإذا نفس علي هي نفس محمد. لكن ~~الإجماع دل على أن محمدا أفضل من سائر الأنبياء، فكذا علي عليه السلام قال: ~~ويؤكده ما يرويه المخالف والموافق # أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن يرى آدم في علمه. ونوحا في ~~طاعته، وإبراهيم في خلته، وموسى في قربته، وعيسى في صفوته فلينظر إلى علي ~~بن أبي طالب عليه السلام» # فدل الحديث على أنه اجتمع فيه عليه السلام ما كان متفرقا فيهم، وأجيب ~~بأنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمدا أفضل من سائر الأنبياء ~~فكذا انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان على أن النبي أفضل ممن ليس ~~بنبي، وأجمعوا على أن عليا عليه السلام ما كان نبيا، فعلم أن ظاهر ms1075 الآية ~~كما أنه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم فكذا في حق سائر الأنبياء، ~~وأما فضل أصحاب الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك، ولهذا ضمهم إلى نفسه ~~بل قدمهم في الذكر. وفيها أيضا دلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه لو لم يكن واثقا بصدقه لم يتجرأ على تعريض أعزته وخويصته وأفلاذ كبده ~~في معرض الابتهال ومظنة الاستئصال، ولولا أن القوم عرفوا من التوراة ~~والإنجيل ما يدل على نبوته صلى الله عليه وسلم لما أحجموا عن مباهلته، وأما ~~قول المشركين اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء [الأنفال: 32] فليس من قبيل المباهلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يعرض نفسه لذلك ولم يكن ذلك القول في معرض الاحتجاج والادعاء ولا بإذن ~~من الله تعالى لرسوله. إن هذا الذي تلي عليك من نبأ عيسى لهو القصص الحق ~~وما من إله إلا الله وهو في إفادة معنى الاستغراق لزيادة «من» بمنزلة لا ~~إله إلا الله مبنيا على الفتح، وفيه رد على النصارى في تثليثهم وإن الله ~~لهو العزيز الحكيم فيه جواب عن شبهة النصارى أن عيسى يقدر على الإحياء ~~ويخبر عن الغيوب، فإن هذا القدر من القدرة والعلم لا يكفي في الإلهية، بل ~~يجب أن يكون الإله غالبا لا يدفع ولا يمنع وهم يقولون إنه قد قتل ولم يقدر ~~على الدفع. ويلزم أن يكون عالما # PageV02P179 # بكل المعلومات وبعواقب الأمور وعيسى لم يكن كذلك فإن تولوا عما وصفت من ~~التوحيد وأن إله الخلق يجب أن يكون قادرا على المقدورات عالما بجميع ~~المعلومات، فاعلم أن إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد، فاقطع كلامك معهم ~~وفوض أمرهم إلى الله فإنه عليم بحال المفسدين في الدين، وبنياتهم وأغراضهم ~~الفاسدة فيجازيهم بأعمالهم الخبيثة. ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما أورد ~~على نصارى نجران من الدلائل ما انقطعوا معه، ثم دعاهم إلى المباهلة ~~فانخزلوا ورضوا بالصغار وقبلوا الجزية، أمره الله تعالى بنمط آخر ms1076 من الكلام ~~مبني على الإنصاف يشهد به كل طبع مستقيم وعقل سليم فقال: قل يا أهل الكتاب ~~يعني نصارى نجران، لأن الآية من تمام قصتهم، ولأنه كلام منصف فخوطب بما ~~يطيب به قلوبهم كما لو قيل لحامل القرآن: يا حافظ كتاب الله. وقيل: المراد ~~يهود المدينة، وقيل اليهود والنصارى جميعا لأن ظاهر اللفظ يتناولهما، ولما # روي أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تريد إلا أن نتخذك ربا ~~كما اتخذت النصارى عيسى، وقالت النصارى: يا محمد ما نريد إلا أن نقول فيك ~~ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله تعالى هذه الآية. # والمراد من قوله: تعالوا تعيين ما دعوا إليه والتوجه إلى النظر فيه وإن ~~لم يكن انتقالا من مكان إلى مكان. والمعنى هلموا إلى كلمة سواء فيها إنصاف ~~من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه. والسواء هو العدل والإنصاف لأن ~~حقيقة الإنصاف إعطاء النصف وفيه التسوية بين نفسه وبين صاحبه. أو المراد ~~إلى كلمة سواء مستوية بيننا وبينكم لا يختلف فيها القرآن والتوراة ~~والإنجيل. وتفسير الكلمة بقوله: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فمحل ألا نعبد خفض على البدل من كلمة ~~أو رفع على الخبر أي هي أن لا نعبد. وهو خبر في معنى الأمر أي اعبدوا. ~~وإنما ذكر أمورا ثلاثة لأن النصارى جمعوا بين الثلاثة. فعبدوا غير الله وهو ~~المسيح، وأشركوا به غيره لأنهم أثبتوا أقانيم ثلاثة أبا وابنا وروح القدس. ~~ثم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح وأقنوم روح القدس تدرعت ~~بناسوت مريم، ولولا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين لما جاز عليهما ~~مفارقة ذات الأب والتدرع بناسوت عيسى ومريم. وحيث أثبتوا ثلاثة ذوات مستقلة ~~فقد أشركوا. ثم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا لأنهم أطاعوهم في التحليل ~~والتحريم من تلقاء أنفسهم من غير شريعة وبيان، ولأنهم يسجدون لهم ويطيعونهم ~~في المعاصي وهوى النفس ورؤية الأمور من الوسائط أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~[الجاثية: # 23] ولأن ms1077 من مذهبهم أن الكامل في الرياضة يظهر فيه أثر اللاهوت ويحل فيه ~~فيقدر على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. فهم وإن لم يطلقوا عليهم ~~اسم الرب إلا أنهم أثبتوا # PageV02P180 # في حقهم معنى الربوبية، فثبت أن النصارى جمعوا بين الأمور الثلاثة، ~~وبطلانها كالأمر المتفق عليه بين العقلاء. فإن قيل: المسيح ما كان المعبود ~~إلا الله فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح عليه، والقول بالاشتراك أيضا ~~ضائع. وإذا لم يكن الحكم إلا الله وجب أن لا يرجع في التحليل والتحريم ~~والانقياد والائتمار إلا إليه. # عن عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: ~~أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم. # قال صلى الله عليه وسلم: هو ذاك. # وعن الفضيل: لا أبالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة. ~~فإن تولوا عن التوحيد فقولوا أيها المسلمون لأهل الكتاب اشهدوا بأنا مسلمون ~~دونكم كما يقول الغالب لمغلوبه في جدال أو صراع: لزمتك الحجة فاعترف بأني ~~أنا الغالب. أو يكون من باب التعريض ومعناه فاعترفوا بأنكم كافرون حيث ~~أعرضتم عن الحق بعد ما تبين. ثم إن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم على ~~ديننا وكذا النصارى، فأبطل الله تعالى ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا ~~إلا من بعده. فبين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف ~~يعقل أن يكون يهوديا أو نصرانيا؟ لا يقال هذا أيضا لازم عليكم لأنكم تدعون ~~أن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان أطول مما ~~بينه وبين إنزال التوراة والإنجيل. لأنا نقول: القرآن أخبر بأن إبراهيم لم ~~يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما، وليس في الكتابين أنه كان ~~يهوديا أو نصرانيا فظهر الفرق. # وأيضا المسيح ما كان موجودا في زمان إبراهيم حتى يعبد، وعبادة المسيح هي ~~النصرانية عندكم. وأيضا لا نسخ في دين اليهود والنسخ جائز في ملة إبراهيم ~~ها أنتم هؤلاء «ها» حرف التنبيه وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره وحاججتم جملة ~~مستأنفة مبينة ms1078 للأولى يعني أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم حاججتم ~~فيما لكم به علم مما نطق به التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه ~~وسلم. أو ليس المراد وصفهم بالعلم حقيقة وإنما أراد: هب أنكم تحاجون فيما ~~تدعون علمه، فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به البتة ولا ذكر له في كتابكم؟ # وعن الأخفش: ها أنتم أصله أأنتم على الاستفهام. فقلبت الهمزة هاء، ومعنى ~~الاستفهام التعجب من جهالتهم. ثم حقق ذلك بقوله: والله يعلم كيف كان حال ~~هذه الشرائع في الموافقة والمخالفة وأنتم لا تعلمون ثم بين ذلك مفصلا فقال: ~~ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين كما لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، أو عرض بالمشركين عن اليهود ~~والنصارى لإشراكهم بالله عزيرا والمسيح. فإن قيل: قولكم «إبراهيم على دين ~~الإسلام» إن أردتم به الموافقة في الأصول فليس هذا مختصا بدين الإسلام، وإن ~~أردتم به الموافقة في الفروع لزم أن لا يكون محمد صاحب شريعة بل كان # PageV02P181 # مقررا لشرع من قبله. قلنا: نختار الأول والاختصاص ثابت. فإن اليهود ~~والنصارى مخالفون للأصول في زماننا لقولهم بالتثليث وإشراك عزير والمسيح ~~بالله إلى غير ذلك من قبائح أفعالهم، أو الثاني ولا يلزم ما ذكرتم لجواز ~~أنه تعالى نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمان محمد نسخ شرع موسى بتلك ~~الشريعة التي كانت ثابتة في زمان إبراهيم، فيكون محمد صاحب الشريعة مع ~~موافقة شرعه شرع إبراهيم في معظم الفروع. # روى الواحدي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما هاجر جعفر ~~بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان، اجتمعت قريش في دار ~~الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثأرا بمن قتل منكم ببدر. فأجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع ~~إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ms1079 ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن ~~العاص وعمارة بن أبي معيط مع هدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة. ~~فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: # إن قومنا لك ناصحون شاكرون وإصلاحك محبون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك ~~هؤلاء القوم الذين قدروا عليك لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول ~~الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء. وإنا كنا ضيقنا عليهم الأمر ~~وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل أحد منا عليهم ولا يخرج منهم أحد، قد ~~قتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك ~~دينك وملكك ورعيتك، وقد جئتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم. قالوا: وآية ~~ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها ~~الناس رغبة عن دينك وسنتك. قال: فدعاهم النجاشي. فلما حضروا صاح جعفر ~~بالباب يستأذن عليك حزب الله. فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه ~~ففعل جعفر. فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته. فنظر عمرو بن ~~العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به ~~النجاشي فساءهما ذلك. ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له فقال عمرو بن العاص: ألا ~~ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي ~~وتحيوني بالتحية التي يحيي بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي ~~خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا ~~نبيا صادقا وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا وهي «السلام» تحية أهل ~~الجنة. فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل. قال: أيكم الهاتف ~~يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكلم. قال: إنك ملك من ملوك ~~أهل الأرض ومن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحب ~~أن أجيب عن أصحابي. # PageV02P182 # فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا. فقال عمرو ~~لجعفر: # تكلم. فقال جعفر للنجاشي: سل هذا الرجل أعبيد نحن أم أحرار؟ ms1080 فإن كنا ~~عبيدا أبقنا من أربابنا فأرددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ ~~فقال: بل أحرار كرام. فقال النجاشي: نجوا من العبودية. قال جعفر للنجاشي: ~~سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا ولا قطرة. قال جعفر: ~~سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو ~~إن كان قنطارا فعلي قضاؤه. فقال عمرو: لا ولا قيراط. # قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد ~~على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره ولزمناه نحن، فبعثنا إليك ~~قومهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين ~~الذي اتبعوه أصدقني. قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين ~~الشيطان وأمره. كنا نكفر بالله عز وجل ونعبد الحجارة. وأما الدين الذي ~~تحولنا إليه فدين الإسلام، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم ~~موافقا له. فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك. ثم أمر ~~النجاشي فضرب بالناقوش فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فلما اجمعوا عنده قال ~~النجاشي: أنشدكم بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين ~~يوم القيامة نبيا مرسلا؟ # فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر ~~به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به ~~وما ينهاكم عنه؟ قال: # يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويأمر بحسن الجوار ~~وصلة الرحم وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ ~~علي شيئا مما يقرأ عليكم. # فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت أعين النجاشي وأصحابه من الدموع ~~وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد ~~عمرو أن يغضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه. فقال النجاشي: ما ~~تقولون في عيسى وأمه؟ فقرأ عليهم جعفر سورة مريم. فلما أتى ذكر مريم وعيسى ~~رفع ms1081 النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذى العين وقال: والله ما زاد المسيح ~~على ما يقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم شيوم ~~بأرضي يقول آمنون من سبكم أو أذاكم. قال: # أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة أي لا خوف اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: ~~يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤا من عنده ومن ~~اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا أنهم في دين إبراهيم. ثم رد النجاشي على ~~عمرو وأصحابه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم إلي رشوة فاقبضوها فإن ~~الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة. # PageV02P183 # قال جعفر: وانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله عز وجل ذلك ~~اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بالمدينة قوله: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه # على ملته وسنته في زمانه وهذا النبي يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والذين آمنوا في آخر الزمان والله ولي المؤمنين بالنصرة والتأييد والتوفيق ~~والتسديد. ومعنى أولى الناس أخصهم به وأقربهم منه من الولي القرب. وقرىء ~~وهذا النبي بالنصب عطفا على الهاء في اتبعوه وبالجر عطفا على بإبراهيم. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم ~~أبي وخليل ربي إبراهيم ثم قرأ إن أولى الناس الآية» ثم بين أنهم لا يقتصرون ~~على هذا القدر بل يجتهدون في إضلال المؤمنين بإلقاء الشبهات وإبداء المكايد ~~كما أرادوا بحذيفة وعمار ومعاذ بن جبل وقد ذكرناه في سورة البقرة. وما ~~يضلون إلا أنفسهم لأن وبال الإضلال يعود عليهم فيضاعف لهم العذاب بالضلال ~~والإضلال، أو وما يقدرون على إضلال المؤمنين وإنما يضلون أمثالهم من ~~أشياعهم وما يشعرون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين. ثم وبخهم على قبائح ~~أفعالهم بطريق الاستفهام فقال: لم تكفرون بآيات الله قيل: أي بالتوراة ~~والإنجيل لما فيهما من البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن ~~إبراهيم كان حنيفا مسلما، أو أن الدين عند ms1082 الله الإسلام، ومعنى الكفر ~~بالتوراة والإنجيل إما الكفر بما يدلان عليه فيكون قد أطلق اسم الدليل على ~~المدلول، أو الكفر بنفس التوراة والإنجيل لأنهم كانوا يحرفونهما وينكرون ~~وجود تلك الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # ومعنى وأنتم تشهدون أنهم عند حضور المسلمين وعند حضور عوامهم كانوا ~~ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض شهدوا بصحتها، وعلى هذا فيكون في الآية إخبار عن الغيب فيكون ~~معجزا. وقيل: آيات الله في القرآن وشهادتهم أنهم يعرفون في قلوبهم أنه حق. ~~وقيل: آيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى الله عليه وسلم. ~~فمعنى تشهدون أنكم تعترفون بدلالة المعجزة على صدق المدعي. ثم لما وبخهم ~~على الغواية أردفه التوبيخ بالإغواء. وهو إما بإلقاء الشبهات في الدين وهو ~~معنى لبسهم الحق بالباطل، وإما بإخفاء الدلائل وهو كتمانهم الحق. عن الحسن ~~وابن زيد: # حرفوا التوراة فخلطوا المنزل بالمحرف. وعن ابن عباس: أظهروا الإسلام في ~~أول النهار ثم رجعوا عنه في آخره تشكيكا للناس. قيل: إن في الكتابين ما يدل ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والبشارة به وفيهما ما يوهم خلاف ذلك ~~فيكون كالمحكم والمتشابه في القرآن. فلبسوا على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر ~~كما يفعل كثير من المشبهة. وهذا قول القاضي. وقيل: كانوا يقولون: إن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم معترف بأن شرع موسى حق، ثم إن التوراة دلت على أنه لا ~~ينسخ، # PageV02P184 # وكل ذلك إلقاء الشبهات. وأما كتمان الحق فهو أن الآيات الدالة في التوراة ~~على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان الاستدلال بها مفتقرا إلى التدبر ~~والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي بمجموعها يتم ~~الاستدلال كما يفعل المبتدعة في زماننا وأنتم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك ~~عنادا وحسدا، أو تعلمون أنكم من أهل المعرفة، أو تعلمون حقيتها، أو أن عقاب ~~من يفعل هذه الأفعال عظيم والله حسبي. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 72 الى 80] # وقالت طائفة ms1083 من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ~~واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى ~~هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم (74) ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس ~~علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) بلى من أوفى ~~بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين (76) # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ~~أليم (77) وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو ~~من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون (78) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون ~~الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80) ### | القراآت: # آن يؤتى بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير. الباقون بهمزة واحدة يؤدهى ~~ولا يؤدهى ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل ~~وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو ~~في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس. الباقون ساكنة الهاء. ~~تعلمون بالتشديد: عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر. فحذف المفعول الأول ~~للعلم به وهو الناس. الباقون تعلمون بالتخفيف من العلم. ولا يأمركم بالرفع: ~~ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير ~~المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس. الباقون بالنصب. # PageV02P185 ### | الوقوف: # يرجعون ج للعطف دينكم ط هدى الله (لا) لأن ms1084 التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم. وقوله: «قل» مع مقوله معترض. # ومن قرأ آن يؤتى مستفهما وقف عليها. عند ربكم ط بيد الله ج ط لأن يؤتيه ~~لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله. من يشاء ط عليم ه ط ج ~~لاحتمال الاستئناف والصفة. من يشاء ط العظيم ه إليك الأولى ج لتضاد ~~الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظا. قائما ط سبيل ج لأن الواو للاستئناف مع ~~اتساق معنى الكلام يعلمون ه المتقين ه يزكيهم ص أليم ه وما هو من الكتاب ج ~~لعطف المتفقتين مع وقوع العارض وما هو من عند الله ج يعلمون ه تدرسون ه لا ~~لمن قرأ ولا يأمركم بالنصب عطفا على أن يؤتيه أربابا ط مسلمون ه. ### | التفسير: # هذا نوع آخر من تلبيساتهم. وقوله بالذي أنزل يحتمل أن يراد كل ما أنزل ~~الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل. أما الاحتمال الأول فقول الحسن ~~والسدي تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ~~ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد وجه النهار أي أوله. والوجه في ~~اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه. روى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار. وأنشد الربيع بن زياد: # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار # وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا ~~الثأر. # فمعنى البيت من كان مسرورا فلير أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي ~~على المقتول تمام يوم وليلة. واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في ~~كتابنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا ~~غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به ~~في أول الأمر، وإنما ذلك لأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد ms1085 تفكروا في أمره وفي ~~دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في ~~هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم. وقال أبو مسلم: ~~معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا ~~وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم ~~من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ~~ضعف أمرهم واضمحل دينهم # PageV02P186 # فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم [البقرة: 14] . وقال الأصم: ~~معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه ~~في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيرا مما جاء به حق، ولكن صدقوه ~~في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن ~~دين الإسلام والرغبة فيه. وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في ~~شأن القبلة ثم اختلفوا. فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، ~~وآخره صلاة الظهر. وتقريره أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس ~~ففرح اليهود بذلك، فلما حوله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن ~~الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق. وقال ~~مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم ~~فقالوا: آمنوا بالذين أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول ~~النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم ~~يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله ~~نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين. ~~ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ~~ويصير ذلك وازعا لهم. وفيه أيضا أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزا. ثم قال ~~تعالى: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم اتفق المفسرون على ms1086 أنه من بقية حكاية ~~كلام أهل الكتاب. واتفقوا على أن قوله: قل إن الهدى هدى الله وكذا قوله: قل ~~إن الفضل بيد الله إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: أن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم من جملة كلام الله، أو من جملة ~~كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فهذان احتمالان ~~ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى ~~تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة. أما الاحتمال الأول ~~فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر ~~همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر. وهذا الوجه يروى عن مجاهد ~~وعيسى بن عمر. والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم ~~تنكرون اتباعه؟ فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير. ويقول الرجل بعد ~~طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن ~~إهانتي لك؟ والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟ ونظيره قوله: أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه [الزمر: 9] ~~ومعنى قوله حكاية عنهم ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم على هذا الوجه لا ~~تصدقوا إلا نبيا # PageV02P187 # يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه ~~وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم. واللام زائدة مثل ردف لكم [النمل: 72] فإنه ~~يقال: صدقت فلانا ولا يقال صدقت لفلان. فأمر الله نبيه أن يقول لهم في ~~الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه دينا فهو الدين الذي يجب متابعته ~~كقوله في جواب قولهم: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق ~~والمغرب [البقرة # : 142] ثم وبخهم بالاستفهام المذكور. ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا ~~هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ~~ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع ms1087 من سواهم، ولأن ~~إسلامهم كان أغيظ لهم. فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم قل إن الهدى هدى الله ~~وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف. ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟ يعني أن ما بكم من الحسد ~~والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ~~ما قلتم؟ ثم قال: أو يحاجوكم يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما ~~أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم. وأما إن لم ~~تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق. أو يقال: الهدى اسم «إن» وهدى ~~الله بدل منه. والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. ويكون ~~«أو» بمعنى «حتى» ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم ~~عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: أن يؤتى مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه ~~لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك ~~لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما ~~أوتيتموه أو يحاجوكم- يعني هؤلاء المسلمين- بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك ~~منهم. أو يقال الهدى اسم للبيان وهدى الله بدل ويضمر لا بعد «إن» مثل أن ~~تضلوا [النساء: 176] أي لا تضلوا. والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله ~~هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، ~~وأن لا يحاجوكم- يعني هؤلاء اليهود- عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في ~~الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون. وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ~~أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من تتمة كلام اليهود، وقوله: قل إن الهدى هدى ~~الله جملة معترضة. فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~إلا ms1088 لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن ~~تبع دينكم. فحذف حرف الجر من «أن» على القياس. قال في الكشاف: أراد أسروا ~~تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا # PageV02P188 # تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتا، ودون ~~المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام. وقوله: أو يحاجوكم عطف على أن يؤتى ~~والضمير في يحاجوكم ل أحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير ~~أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله ~~بالحجة. قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى ~~يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ~~ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين. وكذلك قوله: # قل إن الفضل بيد الله مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد ~~تمام الكلام كقوله: وكذلك يفعلون [النمل: 34] بعد قوله: إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية أفسدوها [النمل: 34] فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن ~~قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم ~~عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضا بالإقرار؟ ربما يدل على صحة دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب. فالجواب: # ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل ~~المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب ~~أسراركم. على أنه يحتمل أن يكون شائعا ولكن البغي والحسد كان يحملهم على ~~الكتمان من غيرهم. فإن قيل: كيف وقع قوله: قل إن الهدى هدى الله فيما بين ~~جزأي كلام واحد؟ وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟ # قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاما أمر الله نبيه أن يقوله عند ما ~~وصل الكلام إلى هذا الحد. كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولا باطلا لا ~~جرم أدب رسوله صلى الله عليه ms1089 وسلم بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية ~~تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولا فيه كفر فيقول عند ~~بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو تعالى الله، ثم ~~يعود إلى تلك الحكاية. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن ~~الهدى هدى الله وأن الفضل بيد. واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين: ~~أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة ~~الإسلام فأجاب بقوله: قل إن الهدى هدى الله. وذلك أن مع كمال هداية الله ~~وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر. # وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكمة ~~والنبوة فأجاب عنه بقوله: قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والمراد ~~بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان. ~~والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير. # ومعنى قوله بيد الله أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله يؤتيه من يشاء. ~~وفيه دليل # PageV02P189 # على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي ~~لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ~~والله واسع كامل القدرة عليم بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا يختص ~~برحمته من يشاء والحاصل أنه بين بقوله: إن الفضل بيد الله أنه قادر على أن ~~يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن ~~الزيادة من جنس المزيد عليه. ثم قال: يختص برحمته من يشاء والرحمة المضافة ~~إليه تعالى أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون ~~أشرف وأعظم. والله ذو الفضل العظيم فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ~~وعلى أشخاص معينين كان جاهلا بكمال الله تعالى في قدرته وحكمته. ثم إنه ~~تعالى ms1090 كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة ~~المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من ~~القبائح فقال: ومن أهل الكتاب الآية. فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: ~~أهل للأمانة وأهل للخيانة. فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذين ~~بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من ~~يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم. وقيل: # إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود ~~لكثرة ذلك فيهم. # وقال ابن عباس: من إن تأمنه بقنطار يؤده هو عبد الله بن سلام استودعه رجل ~~من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه ومن إن تأمنه بدينار لا يؤده هو ~~فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش دينارا فجحده وخانه. وقال أهل ~~الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيرا من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه ~~وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلا عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا ~~فيكون همه مقصورا عليها معرضا عما سواها غير مؤد حقوقها. # ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ~~ومعنى «على» استعلاؤها والاستيلاء عليها. والمراد بالقنطار والدينار هاهنا ~~العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه. وأما الأقوال فيه فقد مرت ~~في أوائل السورة. وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا ~~أوقية. ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن ~~غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على ~~التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه ~~بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك. ~~ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة. وأما قوله إلا ما دمت عليه قائما ~~فمنهم من حمله على حقيقته. قال السدي: # يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه مجتمعا معه ملازما ~~إياه، فإن # PageV02P190 # أنظرت وأخرت أنكر. ومنهم من يحمله على ms1091 الإلحاح والخصومة والتقاضي ~~والمطالبة. قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد ~~عنه ومنه قوله تعالى: أمة قائمة [آل عمران: 113] أي عاملة بأمر الله غير ~~تاركة له. وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ~~دينا قيما [الأنعام: 161] أي ثابتا لا ينسخ. فمعنى الآية إلا دائما ثابتا ~~في مطالبتك إياه بذلك المال. ذلك الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا ~~يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب ~~والعتاب. إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ~~ماله بأي طريق كان، وإنا لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا ~~عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا ~~اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم ~~وأموالهم. # روي أن اليهود عاملوا رجالا في الجاهلية من قريش. # فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا ~~أنهم وجدوا ذلك في كتابهم # فلا جرم قال تعالى: ويقولون على الله الكذب بادعائهم أن ذلك في كتابهم ~~وهم يعلمون أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة. أو يعلمون حرمة ~~الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها: كذب أعداء الله ما من ~~شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر ~~والفاجر. # وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة ~~الدجاجة والشاة. قال: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس. قال: ~~هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدوا الجزية ~~لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، بلى قال الزجاج: عندي وقف التمام ~~هاهنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، ~~وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جوابا عن المنفي قبله. فقولهم: ليس ms1092 ~~علينا جناح قائم مقام قوله: نحن أحباء الله تعالى فقيل لهم: إن أهل الوفاء ~~بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله. وعلى هذا فلا وقف على «بلى» . وفيه ~~أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا ~~أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله تعالى في كتابهم من الإيمان بنبي آخر ~~الزمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ~~ولم يحرفوا كتابه. وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ ~~والضمير في بعهده يجوز أن يرجع إلى من ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في ~~الآية التالية بعهد الله. واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم ~~الأخلاق. فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله تعالى بالتزام ~~التكاليف الخاصة # PageV02P191 # والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير ~~شائبة الاختلال. # فكل متق موف بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: يحب المتقين ~~دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم. ثم إنه سبحانه لما وصف ~~اليهود بالخيانة في أموال الناس- والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان ~~الكاذبة غالبا- لا جرم أردفها بالوعيد عليها. وأيضا الخيانة في العهود وفي ~~تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: إن الذين يشترون ~~الآية. واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات ~~السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه. # قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم ~~من رؤوس اليهود. كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله ~~عليه وسلم وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم ~~الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم. وقال الكلبي: إن ناسا من علماء ~~اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة. فسألهم ~~كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟ قالوا: نعم، وما تعلمه ~~أنت؟ قال: ms1093 لا. قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله. قال كعب: لقد حرمكم ~~الله خيرا كثيرا. لقد قدمتم علي وأنا أريد أن أميركم وأكسو عيالكم فحرمكم ~~الله وحرم عيالكم. # فقالوا: فإنه شبه لنا فرويدا حتى نلقاه. فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم ~~انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول ~~الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفا للذي ~~عندنا. وأخرجوا الذي كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت. # وعن الأشعث بن قيس: خاصمت رجلا في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: شاهداك أو يمينه. فقلت: إذا يحلف ولا يبالي. # فقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف علي يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر ~~لقي الله وهو عليه غضبان» ونزلت الآية على وفقه. # وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه. ~~ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان ~~بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله تعالى أو صفة من ~~صفاته أو ما يجري مجراه. والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ~~ونحوهما. ثم إنه تعالى رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا خمسة ~~أنواع من الجزاء فقوله: أولئك لا خلاق لهم في الآخرة إشارة إلى أنه لا نصيب ~~لهم في منافعها ونعيمها. وقوله: ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب. # وقوله: ولهم عذاب أليم إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب # PageV02P192 # الأهوال. قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة ~~سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد ~~يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك. وإذا جرى ذكره لم يذكره ~~بالجميل. قال في الكشاف: # لا ينظر إليهم مجاز عن ms1094 الاستهانة بهم والسخط عليهم. تقول: فلان لا ينظر ~~إلى فلان تريد نفي اعتداده به. وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من ~~اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن ~~الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر. ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر ~~مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر. قلت: ~~لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف ~~المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة. وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون ~~المراد من هذا النظر الرؤية لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن ~~يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته لأن هذا ~~من صفات الأجسام وهو تعالى منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على ~~أن النظر المقرون بحرف «إلى» ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا ~~يكون الله رائيا وذلك باطل. قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود ~~وهو الذي سيخص الله تعالى به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة: 22، 23] وعلى هذا جاز أن يكون النظر ~~بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضا وقتئذ نفي رؤية لا ~~يرونه حينئذ وإن منهم لفريقا عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن ~~الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات ~~الإعراب تحريفا يتغير به المعنى. فإن اللي عبارة عن عطف الشيء ورده عن ~~الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في ~~العبرانية. وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة. وفي الكشاف: أي يقتلونها ~~بقراءته عن الصحيح ms1095 إلى المحرف. أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق ~~والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلي ~~اللسان ذما لهم وتقريعا، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ ~~المدح والذم في الشيء الواحد لتحسبوه أي المحرف الذي دل عليه يلوون ويجوز ~~أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من ~~الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله نفى ~~أولا كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام # PageV02P193 # ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس. فإن كل ~~هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكما من أحكامه المستنبطة من ~~الأصول. ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: هو من عند الله أنه ~~موجود في كتاب سائر الأنبياء. وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله ~~كانوا متحيرين خابطين. فإن وجدوا قوما من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: ~~إنه من التوراة. وإن وجدوا قوما عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر ~~الأنبياء. واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو ~~إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز ~~التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات ~~كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله تعالى لم ~~يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه. احتج الجبائي والكعبي بالآية ~~على أن فعل العبد ليس بخلق الله تعالى وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند ~~الله، لكن الله كذبهم. والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند ~~الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه ~~فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، ~~فلم يبق لهما في ms1096 الآية استدلال. ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن ~~عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ما كان ~~لبشر الآية. # وقيل: إن أبا رافع القرظي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال: معاذ الله أن ~~نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني ~~فنزلت. # وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا ~~نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم ~~واعرفوا الحق لأهله. # وقيل: زعمت اليهود أن أحدا لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم ~~الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ~~وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من ~~دون الله كقوله: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله [التوبة: 31] ~~ومعنى قوله: ما كان لبشر قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله ~~منه نظيره ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين [الحاقة: 44، 45] لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات [الإسراء: 74، 75] وقيل: معناه أنه تعالى لا يشرف عبدا ~~بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام. وقيل: إن الرسول يدعي ~~تبليغ الأحكام عن الله تعالى ويحتج # PageV02P194 # على صدقه بالمعجزة. فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه ~~صادقا. # والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ~~ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول ~~الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه. وقد يعبر عنه ~~بالسنة والنبوة وهو كونه مأمورا بتبليغ ما فهم الى الخلق، وما أحسن هذا ~~الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل ms1097 هذا ~~القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من ~~الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟ فتبين أنه ليس المراد من قوله: ما كان ~~لبشر إلى قوله: كونوا عبادا لي من دون الله أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ~~ذلك محرم على كل الخلق. ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب ~~للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلا فقيل له إن ~~فلانا لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذبا له فيما ادعاه عليه. ومثله ما ~~كان لله أن يتخذ من ولد [مريم: 35] على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه ~~التحريم والحظر. وكذا قوله: ما كان لنبي أن يغل [آل عمران: 161] ومعناه ~~النفي لا النهي. ومعنى «ثم» في قوله: ثم يقول تبعيد هذا القول عن مثل ذلك ~~البشر ولكن كونوا ولكن يقول كونوا ربانيين قال سيبويه: # الرباني منسوب الى الرب بمعنى كونه عالما به ومواظبا على طاعته كما يقال: ~~رجل إلهي إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته. وزيادة الألف والنون في ~~النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني ~~للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة. وقال المبرد: والربانيون ~~أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم ~~والقيام بأمرهم. والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة. ~~والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضا. قال القفال: يحتمل أن يكون ~~الوالي يسمى ربانيا لأن يطاع كالرب تعالى فينسب إليه. فمعنى الآية: ولكن ~~يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم ~~على طاعته. وقال أبو عبيدة: # أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية. وسواء كانت ~~عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق ~~الخير. عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه ~~الأمة. والباء في قوله: بما كنتم ms1098 للسببية و «ما» مصدرية وتعلمون من التعليم ~~أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي ~~القراءة توجب على صاحبها كونه ربانيا، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا ~~يقتضي أن يكون كونه ربانيا أمرا مغايرا لكونه عالما ومعلما ومواظبا على # PageV02P195 # قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله. ~~فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب ~~بينه وبين ربه منقطعا وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه ~~بثمرها ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «نعوذ بالله من قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع» ~~«1» # وفي الآية دليل على صحة # قوله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» «2» # تأمل تفهم بإذن الله. ولا يأمركم من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل ~~«لا» مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى ~~اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ~~ويستخف بي. والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان ينهي قريشا عن عبادة الملائكة، واليهود ~~والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما ~~كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة ~~الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي. ويراد بالنبيين غيره ~~صلى الله عليه وسلم كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء. ومن قرأ ~~بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ولن يأمركم ~~والضمير فيه على قراءة الرفع- قال الزجاج- لله. وقال ابن جريج لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وقيل: لعيسى. وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين ~~وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح. ~~أيأمركم أي البشر وقيل: الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ومعنى ms1099 الاستفهام ~~الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك. قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين ~~وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسجدوا له. قلت: وضع ~~الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا ~~يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، ~~فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى ~~والإيمان بالله؟ ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 91] # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون (82) أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (84) ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85) # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم ~~البينات والله لا يهدي القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين (87) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (89) ~~إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم ~~الضالون (90) # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين (91) PageV02P196 ### | القراآت: # لما بكسر اللام حمزة والخزاعي. الباقون بفتحها. آتيناكم على صيغة جمع ~~المتكلم: أبو جعفر ونافع. الباقون آتيتكم على الوحدة يبغون بياء الغيبة ~~وترجعون بتاء الخطاب مبنيا للمفعول: أبو عمرو غير عباس. وقرأ عباس وسهل ~~وحفص بالياء التحتانية فيهما. وقرأ يعقوب ms1100 يبغون بالياء التحتانية يرجعون ~~بالتحتانية مبنيا للفاعل. الباقون بتاء الخطاب فيهما. ملء بالهمزة الأرض ~~بغير الهمز. روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما. ~~الباقون بالهمز فيهما. ### | الوقوف: # ولتنصرنه ط إصري ط أقررنا ط الشاهدين ه الفاسقون ه يرجعون ه من ربهم ص ~~منهم ج مسلمون ه منه ج لعطف المختلفتين الخاسرين ه البينات ط الظالمين ه ~~أجمعين ه فيها ج (لا) ينظرون ه (لا) للاستثناء رحيم ه توبتهم ج الضالون ه، ~~افتدى به ط ناصرين ه. ### | التفسير: # الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا لأعذارهم وإظهارا لعنادهم من جملتها أخذ ~~ميثاق النبيين. قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله. ~~وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب. # وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد الى المعاهد منه، ~~أو من إضافة # PageV02P197 # العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله. أما الاحتمال الأول ~~فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم ~~النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس. ثم على هذا القول ما # نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. # والذي يدل على صحته ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو ~~كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي» «1» # فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم ~~الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفا. وقيل: المراد أولاد النبيين وهم ~~بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيرا في القرآن لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويراد به الأمة كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء [الطلاق: 1] وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكما بهم ~~لأنهم ms1101 كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهل ~~الكتاب ومنا كان النبيون. ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود وإذا أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام ~~كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ~~يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه تعالى حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين ~~وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم. وروي عن ابن عباس أنه قيل ~~له: إن أصحاب عبد الله يقرأون وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ونحن ~~نقرأ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين فقال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على ~~قومهم لما آتيتكم من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن «ما» تكون ~~موصولة واللام للابتداء وخبره لتؤمنن واللام فيه جواب القسم المقدور. ~~والعائد الى الموصول في آتيتكم محذوف وفي جاءكم ما يدل عليه لما معكم لأنه ~~في معنى «ما آتيتكم» والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول ~~مصدق له والله لتؤمنن به- وثانيهما- واختاره سيبويه وغيره- كيلا يفتقر إلى ~~تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف. و «ما» هي المتضمنة ~~لمعنى الشرط وحينئذ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس هاهنا ~~ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة. فالأصح في هذا المقام أن يجعل ~~المذكور جوابا للقسم ظاهرا، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في «لتؤمنن» و ~~«لتنصرن» وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد ~~أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط. ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن ~~جواب القسم يسد مسده. ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضا وجهان: أحدهما ~~أن تكون «ما» PageV02P198 # مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم ~~لمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم موافقا لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن ~~من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر ~~الأنبياء. والثاني أن ms1102 تكون «ما» موصولة وبيان الرابط كما مر. وعن سعيد بن ~~جبير لما بالتشديد بمعنى «حين» . وقيل: أصله «لمن ما» أي لمن أجل ما ~~آتيتكم. أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف ~~فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة. وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن ~~يقال: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطبا لهم لما آتيتكم. قلت: هذا من ~~باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا. ولما في ~~أخذ الميثاق من معنى القول. ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه ~~في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن ~~الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه. والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، ~~أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل ~~به كالذي أنزل عليه الكتاب. و «من» للبيان أو للتبعيض. وقوله: ثم جاءكم ~~والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن ~~كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال. والمراد بتصديقه لما ~~معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع. فأما تفاصيلها وإن وقع ~~الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن ~~الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه عليه السلام وأن الحق في زمان محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليس إلا شرعه عليه السلام. ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله ~~مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم. والظاهر أن ~~المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقا لما معهم. ~~وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة ~~على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون ms1103 رسولا عند ~~ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق ~~بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه. وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه تعالى شرح ~~صفاته صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله صلى ~~الله عليه وسلم مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنبيين أولادهم أو أممهم أو ~~ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء. ~~أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ثم جاءكم # PageV02P199 # المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله تعالى أخذ ميثاقه من ~~كل نبي أوتي كتابا وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقا لما معه ~~وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله سبحانه وأنه موافق له ~~في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيدا لما يجيء ~~بعد من قوله: قل آمنا بالله الآية. قال الله أو كل نبي لأمته مستفهما بمعنى ~~الأمر أأقررتم بالإيمان به والنصرة؟ والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق ~~سابق. وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه. ~~وأخذتم أي قبلتم على ذلكم إصري عهدي. والأخذ بمعنى القبول كثير قال تعالى: ~~لا يؤخذ منها عدل [البقرة: 48] أي لا يقبل. ويأخذ الصدقات أي يقبلها. سمي ~~العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد. ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك ~~بالإشهاد وقال: فاشهدوا أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار. وفي قوله: وأنا ~~معكم من الشاهدين وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير ~~من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل: فاشهدوا خطاب ~~للملائكة. وقيل: # معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه كقوله: وأشهدهم على أنفسهم ~~[الأعراف: # 172] وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في ~~الجهل به. # وأصله أن الشاهد هو الذي ms1104 يبين تصديق الدعوى. وقيل: استيقنوا وكونوا ~~كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطابا للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على ~~الأمم. ثم ضم الى التوكيد الوعيد بقوله: فمن تولى بعد ذلك الميثاق وصنوف ~~التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر فأولئك هم الفاسقون الخارجون عن دين الله ~~وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم. ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره ~~بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: أفغير دين الله يبغون ~~ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله ~~خطاب في «أقررتم» و «أخذتم» أو للالتفات بعد قوله فأولئك هم الفاسقون ومن ~~قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع ~~المكلفين. والأصل أفتبتغون غير دين الله؟ لأن الاستفهام إنما يكون عن ~~الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة ~~الهمزة هاهنا متوجه إلى الدين الباطل. # وعن ابن عباس أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به ~~فقال صلى الله عليه وسلم: كل الفريقين بريء من دين إبراهيم. فقالوا: ما ~~نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت. # وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن # PageV02P200 # الاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها. فالوجه أن هذا ~~الميثاق لما كان مذكورا في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي ~~والعناد، كانوا طالبين دينا غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر ~~أنهم يفعلون. ثم بين أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا ~~وقد أخلص له تعالى الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ~~ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ~~ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلا كان ms1105 أو نفسا ~~أو روحا أو جسما أو جواهرا أو عرضا أو فاعلا أو فعلا. ونظير الآية ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض [الرعد: 15] فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن ~~مراده طوعا وكرها وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي ~~طائعين وكارهين كقولك: أتاني ركضا أي راكضا. ولو قلت أتاني كلاما أي متكلما ~~لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيان. فالمسلمون الصالحون ينقادون لله ~~طوعا فيما يتعلق بالدين وكرها في غيره من الآلام والمكاره التي تحالف ~~طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره. وأما الكافرون فينقادون في الدين ~~كرها أي خوفا من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب. # وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض. أقول: وذلك لأن ~~السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره. ~~وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعا، ومن شاهد الجلال أسلم كرها. فليس ~~الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي وإليه ~~يرجعون أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهرا وباطنا، وفيه وعيد شديد لمن خالف ~~الدين الحق إلى غيره. ثم إنه سبحانه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في ~~تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ليعرف منه غاية ~~إذعانه ونهاية استسلامه. أما وجه التوحيد في قل فظاهر، بناء على ما قلنا. ~~وأما وجه الجمع في آمنا فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن ~~الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع ~~المؤمنين كقوله: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته [البقرة: 285] أو لإجلال ~~قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك. وقدم ~~الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إليه ~~لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان ~~المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير ~~الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، ms1106 وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب ~~حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضا وكذبوا بعضا، ورمز إلى أنهم ليسوا من ~~الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق. ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق ~~على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في # PageV02P201 # تفسير قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين [آل عمران: 81] فههنا قد أخذ ~~الميثاق على محمد صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ ~~عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده. # واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدى أنزل ب «على» ~~تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة. فنطق القرآن ~~بالاعتبارين جميعا. # وقيل: عدي هناك ب «إلى» لمكان قولوا فإن الوحي يأتي الأمة بطريق ~~الانتهاء، وعدي هاهنا ب «على» لمكان قل. فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق ~~الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله تعالى: وأنزلنا إليك الكتاب [المائدة: 48] ~~وبقوله: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا [آل عمران: 72] . والإنصاف أن ~~هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى ~~اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم. # ونحن له مسلمون فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان ~~والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، ~~بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا فليسوا من الإسلام ~~في شيء ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ~~وهو في الآخرة من الخاسرين حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب. والخاسرون ~~هاهنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة. وقد ~~يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام ~~كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية. وقد ~~ذكرنا مرارا أن النزاع لفظي لأن الإسلام ms1107 إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق ~~بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق ~~بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله ~~تعالى: قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 17] ثم بين وعيد من ترك ~~الإسلام فقال: كيف يهدي الله واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس ~~نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا ~~مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات ~~والمعجزات كفروا به بغيا وحسدا وعنادا ولددا. وفي رواية أخرى عنه: نزلت في ~~رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون ~~وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: إلا الذين تابوا. وعن مجاهد قال: ~~كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لحق ~~بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: فإن الله غفور رحيم فحملهن إليه ~~رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # PageV02P202 # لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاما حسنا. قالت ~~المعتزلة في الآية: # إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع ~~الدلائل وإلا كان الكافر معذورا ولا يحسن ذمه على الكفر. ثم إنه حكم بأنه ~~لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل. ~~قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم ~~على إيمانهم كما قال: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69] ~~وقال: والذين اهتدوا زادهم هدى [محمد: 17] أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة ~~كقوله: ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم [النساء: 168] وقوله: يهديهم ربهم ~~بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار [يونس: 9] وقال أهل السنة: المراد بالهداية ~~خلق المعرفة. وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل ~~يقصد العبد إلى تحصيله ms1108 فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه تعالى قال: ~~كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه؟ وقال ~~أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوما احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع ~~الحيوانية عن الأخلاق الربانية. وقوله: وشهدوا عطف على ما في إيمانهم من ~~معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله تعالى: فأصدق وأكن [المنافقون: ~~10] ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار «قد» أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول ~~حق. وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه تعالى لا يهدي قوما كفروا بعد ~~الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره ~~بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي ~~الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف ~~مغايرا للمعطوف عليه. والله لا يهدي القوم الظالمين الواضعين للشيء في غير ~~موضعه وذلك أن الخصال الثلاث- أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات- ~~توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد. وفيه ~~دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه ~~تعالى لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد ~~قائلا أولئك جزاؤهم إلى قوله: ولا هم ينظرون وقد مر مثله في البقرة. وهذا ~~تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب ~~المنافع دائمة غير منقطعة. # إلا الذين تابوا من بعد ذلك الكفر العظيم. ولا يكفي التوبة وحدها حتى ~~يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: وأصلحوا أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، ~~وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر ~~بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها. # فإن الله غفور في الدنيا بالستر رحيم في الآخرة بالعفو. أو غفور بإزالة ~~العقاب، # PageV02P203 # رحيم بإعطاء الثواب. قوله سبحانه إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى ~~كفره وهو المراد في الآية ms1109 باتفاق عامة المفسرين. ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل ~~الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ~~ثم ازدادوا كفرا بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى ~~غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم. وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم ~~كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ~~وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء. وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، ~~وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون. وقيل: ~~عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله تعالى ذلك النفاق ~~زيادة في الكفر. ثم إنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، ~~وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض. وأيضا ثبت ~~بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله لن تقبل توبتهم قال الحسن ~~وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور ~~الموت، والتوبة حينئذ لا تقبل لقوله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن [النساء: 18] وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن ~~الإخلاص. وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: إلا الذين ~~تابوا يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون ~~مقبولة. وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم ~~يتب عن الأصل المزيد عليه. أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية ~~عن الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما ~~يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره ~~إلى الموت على حالة الكفر. وفائدة هذه الكناية تصوير كونهم آيسين من ~~الرحمة. هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم ~~فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازما لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذ لا ~~تكون كلية. فكم من مرتد أو ms1110 يهودي مزداد الكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى ~~الإسلام ولا يموت على الكفر. فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم ~~قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية. ومن المعلوم أنها ذكر اللازم ~~وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على ~~وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز ~~حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى ~~أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه ~~في الكشاف. والحاصل أنه # PageV02P204 # كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل ~~توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف ~~البهيمية والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منهما بقدم الإنابة. # واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة ~~مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب ~~توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: لن تقبل توبتهم على وجه. وثالثها الذي ~~يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة. وملء الشيء قدر ما ~~يملؤه وذهبا نصب على التمييز. # وربما يقال على التفسير. ومعناه أن يكون الكلام تاما إلا أنه يكون مبهما ~~كقولك «عندي عشرون» فالعدد معلوم والمعدود مبهم. فإذا قلت «درهما» فسرت ~~العدد. ومعنى الفاء في فلن يقبل أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، ~~وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل ~~والوضع. هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف. وليت شعري أنهم لو سئلوا ~~عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟ ولعل عقيدتهم في أمثال هذه ~~المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم. والسر في التخصيص هو أنه لما ~~قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية ~~تأكيدا للزوم وتغليظا في الوعيد والله أعلم. أما الواو في قوله ولو ms1111 افتدى ~~به فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء ~~فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله ~~بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه. ~~وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهبا يحتمل ~~الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية. وقيل: إن الملوك قد لا ~~يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ~~ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب. وقيل: إنه محمول على ~~المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا. وقيل: ~~يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به [الزمر: 47] والمثل يحذف كثيرا في كلامهم مثل: ضربت ~~ضرب زيد. أي مثل ضربه. # و «أبو يوسف أبو حنيفة» تريد مثله. كما أنه يراد به في نحو قولهم «مثلك ~~لا يفعل» كذا أي أنت. وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب ~~الأمور فكانا في حكم شيء واحد. فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم ~~القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا ~~الكلام؟ فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب # PageV02P205 # كناية عن أعز الأشياء. والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في ~~بذله نفعا للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص ~~نفسه من عذاب ربه. ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: أولئك لهم عذاب ~~أليم وما لهم من ناصرين قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم أولئك لهم ~~عذاب أليم بموت القلب وفقد المعرفة وما لهم من ناصرين على إحياء القلب بنور ~~المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل. # تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع أوله: لن تنالوا البر حتى تنفقوا ... # PageV02P206 # (بسم الله الرحمن الرحيم) الجزء الرابع من أجزاء القرآن الكريم ms1112 ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 92 الى 101] # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ~~(92) كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل ~~أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ~~ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا وهدى للعالمين (96) # فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97) قل يا أهل ~~الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل يا أهل ~~الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله ~~بغافل عما تعملون (99) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا ~~الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات ~~الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (101) ### | القراآت: # أن تنزل خفيفا: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. حج ~~البيت بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون ~~بفتحها. ### | الوقوف: # تحبون ط عليم ه تنزل التوراة ط صادقين ه الظالمون # ه حنيفا ط المشركين ه للعالمين ه ج لأن ما بعده يصلح حالا واستئنافا مقام ~~إبراهيم ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات آمنا ط سبيلا ط ~~للعالمين ه بآيات الله ط قد قيل: والوجه الوصل لأن الواو للحال تعملون ه ~~شهداء ط تعملون ه كافرين ه رسوله ط لتناهي الاستفهام الى الشرط مستقيم ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر البتة، علم المؤمنين كيفية ~~الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم. ~~وهاهنا لطيفة وهي # PageV02P207 # أنه سبحانه وتعالى سمى جوامع خصال الخير برا في ms1113 قوله تعالى: ولكن البر من ~~آمن بالله [البقرة: 177] الآية. وذكر في هذه الآية لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز ~~خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها ~~وتؤثرونها. وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله. # يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: يا رسول الله، حائط لي بالمدينة- ~~يعني بيرحاء- وهو أحب أموالي إلي صدقة. فقال صلى الله عليه وسلم: بخ بخ. ~~ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. فقال أبو طلحة: افعل يا رسول ~~الله. فقسمها صلى الله عليه وسلم في أقاربه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعلها بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب. # وروي أن زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل ~~الله، فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد. فوجد زيد في نفسه ~~وقال: إنما أردت أن أتصدق به. فقال صلى الله عليه وسلم: أما إن الله قد ~~قبلها منك. # وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتحت ~~مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله تعالى يقول: لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون فأعتقها ولم يصب منها. ونزل بأبي ذر ضيف فقال للراعي: ~~ائتني بخير إبلي. فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني. فقال: وجدت خير الإبل ~~فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه. فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. ~~وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبرارا ليدخلوا في قوله: إن ~~الأبرار لفي نعيم [الانفطار: 13] فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من ~~الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ولكن البر من آمن [البقرة: 177] ~~وجملتها التقوى لقوله: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177] ~~والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر. وقيل: المراد بر الله أولياءه ~~وإكرامه إياهم من قول الناس «برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني» . وقال ms1114 ~~تعالى: أن تبروا وتتقوا [البقرة: 224] و «من» في قوله: مما تحبون للتبعيض ~~نحو: أخذت من المال. ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود بعض ما تحبون وفيه أن ~~إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه. # والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله تعالى: وإنه لحب الخير ~~لشديد [العاديات: 8] وقيل: هو ما يكون محتاجا إليه كقوله: ويطعمون الطعام ~~على حبه [الدهر: 8] ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] وقيل: ~~هو أطيب المال وأرفعه كما مر. وعن ابن عباس: أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا ~~زكاة أموالكم. ويرد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله ~~وأكرمها. وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله. ~~ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة # PageV02P208 # بآية الزكاة. وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب ~~لوجه الله. # و «من» في من شيء للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث فإن الله به ~~عليم فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو ~~الرياء. ثم إنه سبحانه بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، ~~أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعولون في إنكار ~~شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي ~~حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالا ثم صار حراما عليه وعلى أولاده وهو النسخ. ~~ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراما من لدن آدم ~~ولم يحدث نسخ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يطالبهم بإحضار التوراة ~~إلزاما لهم وتفضيحا ودلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان ~~أميا فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من ~~السماء. # وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة ms1115 إبراهيم، فكيف تأكل ~~لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم؟ ~~فأجيبوا بأن ذلك كان حلالا لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب. إلا أن يعقوب ~~حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك ~~فأمروا بالرجوع الى التوراة. وثالثها لما نزل قوله تعالى: فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] وقوله: وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما ~~حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم. غاظهم ذلك واشمأزوا ~~وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ. ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي ~~والظلم وغير ذلك من مساويهم. فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا ~~تحريم قديم فنزلت كل الطعام أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن ~~كان لفظه مفردا سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم ~~أولا. والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل. وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم ~~البر خاصة. ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئا سوى الحنطة ~~وما يتخذ منها. قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها ~~طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي ~~اليهود في وقت نبينا صلى الله عليه وسلم أنها كانت محرمة على إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم. وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق. والحل ~~مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع. قال تعالى: لا هن حل لهم ~~[الممتحنة: 10] والوصف بالمصدر يفيد المبالغة. وأما الذي حرم إسرائيل على ~~نفسه # فروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب مرض # PageV02P209 # مرضا شديدا فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان ~~أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها. وهذا قول أبي العالية وعطاء ~~ومقاتل. # وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا ms1116 يأكل شيئا من العروق. # وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما ~~على الظهر. # وهاهنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله تعالى، فكيف صار تحريم ~~يعقوب سببا للحرمة؟ فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل ~~وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء. وأيضا لا يبعد أن يكون تحريم ~~الإنسان سببا لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية. وأيضا ~~الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم فاعتبروا [الحشر: # 2] ولقوله في معرض المدح لعلمه الذين يستنبطونه منهم [النساء: 83] ولأن ~~الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ~~ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفى، وتوفيق الله وتسديده معهم ~~أوفى. ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك ~~الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته. والأظهر أن ~~ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله على إسرائيل. # فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم ~~الخيل، وأبو حنيفة يحرمه. وقال الأصم: لعل نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع ~~فامتنع من أكلها قهرا للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع ~~بالتحريم. وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده: ~~احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب. ومعنى ~~قوله: من قبل أن تنزل التوراة إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، ~~أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعا كثيرة بدليل قوله تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا [النساء: 160] إلى آخر الآية. ثم إن القوم ~~نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره عن الله تعالى فأمروا ~~بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، # فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر ~~إعجاز النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، # فلهذا قال: فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك # الذي ms1117 ظهر من الحجة الباهرة فأولئك هم الظالمون # الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل ~~الإنصاف. وأيضا إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من ~~أشياعهم قل صدق الله في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وهي التي عليها محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه حتى ~~تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف ~~كتاب الله لأغراضكم الفاسدة # PageV02P210 # وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به وما كان من ~~المشركين وفيه تنبيه على أن محمدا صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيم في ~~الفروع لما ثبت أن الذي حكم صلى الله عليه وسلم بحله حكم إبراهيم بحله. وفي ~~الأصول لأن محمدا وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعون إلا إلى ~~التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف ~~عبدة الأوثان والكواكب. # قوله سبحانه: إن أول بيت وضع للناس قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى ~~لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء ~~وأرض المحشر وقبلة الأنبياء. فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، ~~وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخها هو القبلة، ~~فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة. وقيل: لما انجر الكلام في ~~الآية المتقدمة إلى قوله: فاتبعوا ملة إبراهيم وكان الحج من أعظم شعائر ~~ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج. وقيل: زعم كل من اليهود ~~والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله تعالى ما يدل على كذبهم من حيث إن ~~حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون. قالت العلماء: الأول هو ~~الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر. فلو اشترى عبدين في المرة ~~الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد. ولو اشترى في ms1118 المرة الثانية ~~عبدا واحدا لم يعتق أيضا لفقدان قيد السابق. ومعنى كونه موضوعا للناس أنه ~~جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي ~~أن يكون له ثان فضلا أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن ~~يكون بيت المقدس مثلا ثانيا له ولا مشاركا في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما ~~من الخواص. # ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء ~~والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخرا في البناء، فلا ~~جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعا. # روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا ~~البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين. # وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض ~~بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. # وروى أيضا عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن ~~الله تعالى بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتا على مثال البيت ~~المعمور. وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء ~~بالبيت المعمور. # وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر # PageV02P211 # ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد ~~خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض ~~من تحته. وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في ~~كل صفح منها كتاب. في الصفح الأول: «أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس ~~والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن» . وفي ~~الثاني: «أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي. من وصلها ~~وصلته، ومن قطعها قطعته» . وفي الثالث: «أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس ms1119 ~~فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه» . وقد يستدل على ~~صحة هذا القول بما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: ألا إن الله قد حرم مكة يوم ~~خلق السموات والأرض. # وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه تعالى سماها أم القرى، وهذا ~~يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتا في أديان جميع ~~الأنبياء. وأيضا قال تعالى في سورة مريم أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية آدم إلى قوله: خروا سجدا [مريم: 58] والسجدة لا بد لها من ~~قبلة. # فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف. ~~القول الثاني: # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أول مسجد وضع للناس؟ فقال: ~~«المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟ قال: أربعون سنة» «1» # وعن علي أن رجلا قال له: هو أول بيت؟ قال: لا. قد كان قبله بيوت، ولكنه ~~أول بيت وضع للناس مباركا، فيه الهدى والرحمة والبركة. # واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت ~~المقدس. ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك ~~الأولية أيضا كما روينا آنفا، وفي سورة البقرة أيضا من الأخبار والآثار. ~~فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانيه ~~إبراهيم الخليل وتلميذه ابنه إسماعيل. ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط ~~الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ~~ومنها قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة ~~خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع ~~في سنة واحدة لكان غير كثير. وليس الموضع الذي يرمى إليه الجمرات مسيل ماء ~~أو مهب رياح شديدة. وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت ~~جمراته إلى السماء. ومنها أن الطيور تترك المرور فوق ms1120 الكعبة وتنحرف عنها ~~البتة إذا PageV02P212 # وصلت إلى محاذاتها. ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي ~~بعضها بعضا عنده كالكلاب والظباء. ومنها أمن سكانها فلم ينقل البتة أن ~~ظالما هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر ~~بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز. ومنها أنه ~~تعالى وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمه ~~وسدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على الله. ومنها أنه مع كونه كذلك ~~يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم وإنه ~~من أعظم الآيات. # ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، ~~فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهرا عن لوث وجود أرباب الهمم ~~الدنية. ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة. ~~ومنها أنه تعالى أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع ~~نصيبا من الدنيا فكأنه تعالى يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد ~~الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين. ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل ~~الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا ~~في قلب خال عن محبة الدنيا للذي ببكة. للبيت الذي ببكة. قال في الكشاف: وهي ~~علم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم. وضربة لازم ولازب مما ~~يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما. وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد. ~~وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة. وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكه إذا زحمه ~~ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في ~~الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة. قال بعضهم: رأيت محمد بن ~~علي الباقر يصلي. فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت ~~بكة لأنه يبك بعضهم بعضا، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين ~~يدي المرأة وهي ms1121 تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان. ويؤكد هذا قول من قال: إن ~~بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام. ولا شك أن بكة غير البيت ~~لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفا لنفسه. وقيل: # سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا ~~اندقت عنقه. # وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه ~~واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن ~~أرضها امتصت ماءها. # وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها ~~تمك من ماء مكة. ثم إنه تعالى وصف البيت بكونه مباركا وهدى للعالمين. أما ~~انتصابه فعلى الحال من الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو ~~والعامل فيه معنى الاستقرار. # PageV02P213 # وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء ~~والدوام. وكل شيء ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على ~~الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا ~~يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله من ~~الثواب وتكفير الذنوب. # قال صلى الله عليه وسلم «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ~~إلا المسجد الحرام» # وقال صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» «1» # ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في ~~الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة ~~بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، ~~وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك ~~الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، ~~اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره. قال ~~القفال: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: # يجبى إليه ثمرات كل شيء [القصص: 57] فيكون كقوله: إلى ms1122 الأرض [الأنبياء: ~~71] المقدسة التي باركنا فيها [الأنبياء: 71] وإن فسرنا البركة بالدوام فلا ~~شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود. وإذا كانت ~~الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو ~~عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة. وأيضا بقاء الكعبة على هذه ~~الحالة ألوفا من السنين دوام. وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ~~ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد صلى الله عليه وسلم بما ~~فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة. ومعنى هدى هاديا أو ذا ~~هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعا أي وهو هدى فيه آيات بينات يحتمل ~~أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: مقام إبراهيم غير متعلق ~~بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي ~~اختاره وعبد الله فيه. وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: مقام ~~إبراهيم إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه ~~دليل أيضا على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة ~~المحدثات، فلقوة هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: إن إبراهيم كان أمة ~~[النحل: 120] وإما بأن يجعل المقام مشتملا على آيات لأن أثر القدم في ~~الصخرة الصماء PageV02P214 # آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وإبقاء ~~هذا الأثر دون آثار سائر الأنبياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه ~~من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفا من السنين آية. قال الزجاج: قوله: ~~ومن دخله كان آمنا من تتمة تفسير الآيات. وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ ~~وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى. فكأنه قيل: ~~فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمنا ~~كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله. وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن ~~الاثنين جمع كما ms1123 # قال صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة» # وفي القرآن هذان خصمان اختصموا [الحج: 19] وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر ~~غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم ~~وأمن من دخله وكثير سواهما. ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم: «حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت ~~قرة عيني في الصلاة» «1» # ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس ~~حجه. وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه ~~من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج. # وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة آية بينة على ~~التوحيد قاله في الكشاف. وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بيانا. وأما ~~حديث «أمن من دخله» فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: وإذ ~~جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا [البقرة: 125] وقيل: كان آمنا من النار لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم ~~القيامة آمنا» # وعنه صلى الله عليه وسلم: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في ~~الجنة» # وهما مقبرتا مكة والمدينة. # وعن ابن مسعود: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية الحجون وليس ~~بها يومئذ مقبرة فقال: «يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ~~ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم ~~في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر» # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت ~~منه جهنم مسيرة مائتي عام» . # ولله على الناس حج البيت لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه ~~لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم ~~والذكر والعلم. # وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر. ومحل من استطاع خفض على البدل ~~على الناس والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت. وقال الفراء: ~~يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء ms1124 محذوف لدلالة ما قبله عليه ~~والتقدير: من استطاع إليه سبيلا فلله عليه حج البيت. وقال ابن الأنباري: ~~يحتمل أن يكون محله رفعا على البيان PageV02P215 # كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟ فقيل: هم من استطاع. ~~والضمير في إليه للبيت أو الحج. واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول ~~إليه. واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن ~~الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضا ومخصصا لهذا ~~العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. مع أن شرط صحة ~~الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط ~~صحة الصلاة ليس بحاصل. واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل ~~الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعا للحج فلا ~~يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق. أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضا ~~لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأمورا بالفعل قبل حصول الداعي إلى ~~الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذ يكون الفعل ~~واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة. وإذا كانت الاستطاعة منتفية في ~~الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف. # والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه. # واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما # روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها ~~الناس إن الله كتب عليكم الحج. فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا ~~رسول الله؟ فقال: لو قلتها لو جبت ولو وجبت لم تعملوا بها. # الحج مرة فمن زاد فتطوع» «1» # وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء. # ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه ~~وصلاته. ولا يشترط فيها التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن ~~الصبي الذي لا يميز وحينئذ يصح حجهما لما ms1125 # روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي في محفتها، ~~فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: نعم ولك أجر. # وعن جابر قال: حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان ~~فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو ~~التمييز. فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر ~~العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها ~~الحرية كسائر العبادات. ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ ~~والحرية # لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما ~~عبد PageV02P216 # حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام» # والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ~~ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام ~~والتكليف والحرية. ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل ~~الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة. ولوجوب حجة ~~الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفا وهو الاستطاعة بالآية. ~~والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره. النوع ~~الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه ~~وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادرا على ~~المشي أو لم يكن لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد ~~والراحلة. # نعم لو كان قادرا على المشي يستحب له أن لا يترك الحج. وعند مالك القوي ~~على المشي يلزمه الحج. ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضا إن كان ~~لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة. ثم العادة جارية بركوب اثنين في ~~المحمل. فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكا يجلس في الجانب الآخر ~~لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا. القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة ms1126 ~~مسافة القصر. فإن كان قويا على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع ~~الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد. والمراد بوجود الراحلة أن ~~يقدر على تحصيلها ملكا أو استئجارا بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في ~~المحمل. المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه ~~وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان. ~~وكذا الراحلة للإياب وأجرة البذرقة. كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد ~~الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف ~~العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه. ~~ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان ~~له مستغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واجد ~~للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال. # المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع ~~وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصدي وإن رضي بشيء يسير، والأمن على ~~البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات. وفي البحر يعتبر غلبة ~~السلامة وفي البر وجود علف الدابة. # المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، ~~فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة. ولا بد للأعمى من ~~قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه. ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع ~~الشرائط من إمكان المسير وهو # PageV02P217 # أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير ~~المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج. ولو ~~خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج ~~معهم. ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه إن دامت ~~الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى ms1127 على الأظهر وإن كان شابا. ~~وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور. حجة الشافعي أن فريضة ~~الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي صلى الله عليه وسلم من غير مانع ~~فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث ~~أبا بكر أميرا على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوما. # وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت ~~العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزا عن المباشرة ~~بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله. # وعن ابن عباس أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول ~~الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ فقال: لو كان على ~~أختك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فاقضوا حق الله تعالى فهو أحق ~~بالقضاء» «1» # وعنه أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله تعالى على عباده ~~في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟ ~~قال: نعم. # وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه ~~الاستئجار كتفريق الزكاة. وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه. ~~ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن ~~الحاج. والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك. # وهذا أيضا جائز عند الشافعي كالإجارة، ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك ~~بالنفقة لأنها مجهولة. والأجرة لا بد أن تكون معلومة. فهذا جملة الكلام في ~~الاستطاعة عند الجمهور. # وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن ~~كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبوا، فكذلك يجب ~~عليه الحج. # وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ولله على الناس حج البيت ~~أي حق واجب له عليهم لكونه إلها فيجب ms1128 عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة ~~فيها أم لم يعرفوا فإن كثيرا من أعمال الحج تعبد محض. ومنها بناء الكلام ~~على الأبدال ليكون تثنية للمراد PageV02P218 # وتفصيلا بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريرا له في الأذهان. ومنها ~~ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا ~~أو نصرانيا» # ونظيره # قوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» «1» # ومنها إظهار الغنى وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: «فإنه» أو ~~«فإني» فإنه يدل على غاية السخط والخذلان. ومنها وضع المظهر مقام المضمر ~~حيث قال: عن العالمين. # ولم يقل «عنه» لأنه تعالى إذا كان غنيا عن كل العالمين فلأن يكون غنيا عن ~~طاعة ذلك الواحد أولى. ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من ~~كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ~~ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير ~~واجب. # وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~الأديان الستة. المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين- ~~فخطبهم وقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا. فآمن به المسلمون وكفرت ~~به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه. فنزلت ومن كفر. # ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج # قوله صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ~~ويرفع في الثالثة» # وروي «حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» # أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره. وعن ابن ~~مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا ~~نفقت أي هلكت. وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا ms1129 أي عجل ~~عقوبتهم ويستأصلون. # ثم إنه سبحانه لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: قل يا أهل الكتاب لم ~~تكفرون بآيات الله التي دلتكم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور ~~البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟ والله شهيد ~~على ما تعملون فيجازيكم عليه. وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر ~~بآياته ودلالتها على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم إنه تعالى لما أنكر ~~عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: لم تصدون عن سبيل الله من آمن قال ~~المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة ~~المسلمين، وإنكار أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ومنع من أراد ~~الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من ~~العداوات والحروب ليعودوا لمثله. ومحل تبغونها عوجا أي اعوجاجا نصب على ~~الحال أو بدل وهو بكسر العين PageV02P219 # الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول. وأما الشيء الذي يرى ~~فيقال فيه «عوج» بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر ~~في المعاني وبالفتح في الأعيان. وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد ~~إذا لم يكن معها اللام مثل «بغيت المال والأجر» فإن أريد تعديته إلى ~~مفعولين زيدت اللام. فالتقدير تبغون لها عوجا كما تقول: صدتك ظبيا أي صدت ~~لك ظبيا. والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث. # والمعنى انكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفا كقولكم: إن ~~النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في ~~إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل ~~مستقيم. ويحتمل أن يكون عوجا حالا بمعنى ذا عوج. وذلك أنهم كانوا يدعون ~~أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين وأنتم ~~شهداء أنها سبيل الله التي لا ms1130 يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس. أو أنتم ~~تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنتم شهداء بين ~~أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار. ~~وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال ~~والإضلال. ثم أوعدهم بقوله: وما الله بغافل عما تعملون كقول السيد لعبده ~~وقد أنكر طريقته. لا يخفى علي سيرتك ولست بغافل عنك. # وإنما ختم الآية الأولى بقوله: والله شهيد وهذه بقوله: وما الله بغافل ~~لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا فيما ~~أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة. # وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: يا أهل الكتاب توبيخ لهم على توبيخ ~~بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال ~~والإضلال. عن عكرمة # ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضا أن شاس بن قيس اليهودي- وكان عظيم الكفر ~~شديد الطعن على المسلمين- مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس ~~لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية ~~من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار. فأمر شابا من اليهود أن ~~يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر ~~فيه للأوس على الخزرج. ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. ~~فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن ~~قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- ~~فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة. وغضب ~~الفريقان جميعا وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي # PageV02P220 # الحرة. فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي ~~كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت يا أيها الذين آمنوا إن ~~تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين الآيات فجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى ms1131 قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا ~~صوته صلى الله عليه وسلم أنصتوا له صلى الله عليه وسلم وجعلوا يستمعون، فما ~~فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضا وجثوا يبكون. # وفي رواية زيد بن أسلم: خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: ~~يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله ~~بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه ~~كفارا؟ الله الله. فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا ~~السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات. # قال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب ~~إلينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما رأيت يوما قط أقبح ولا أوحش ~~أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. # وكيف تكفرون استفهام بطريق الإنكار والعجب. والمعنى من أين يتطرق إليكم ~~الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم كل علة؟ ~~ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا ~~إلى قول المخالف وترجعوا فيما يعن لكم إلى الكتاب والنبي صلى الله عليه ~~وسلم. قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين ~~المؤمنين، فكأنه باق على أن عترته صلى الله عليه وسلم وورثته يقومون مقامه ~~بحسب الظاهر أيضا. ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن ~~تضلوا كتاب الله وعترتي» «1» # وقال: «إن العلماء ورثة الأنبياء» «2» # اللهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك. وفي هذا بشارة لهذه ms1132 الأمة أنهم ~~لا يضلون أبدا إلى يوم القيامة. ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ~~ومن يعتصم بالله يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار فقد هدي ~~إلى صراط مستقيم والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة. ~~أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه ~~بفعل PageV02P221 # العبد، تأولوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على ~~أداء الطاعات، أو المراد الهداية إلى الجنة. قال في الكشاف: فقد هدي أي فقد ~~حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت كأن الهدى قد ~~حصل له، فهو يخبر عنه حاصلا. # ومعنى التوقع في «قد» ظاهر لأن المعتصم بالله. متوقع للهدى، كما أن قاصد ~~الكريم متوقع للفلاح عنده. ### | التأويل: # لن تنالوا البر وهو صفة الله حتى تنفقوا أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. ~~إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه كل ~~الطعام كان حلا الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر ~~وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، ~~والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام ~~وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو ~~الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت ~~نفسه أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: 179] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى ~~طرفاه خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا [التوبة: 102] ومنهم سابق بالخيرات ~~[فاطر: 32] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء ~~جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه أولئك هم خير البرية [البينة: 7] فكان كل ~~الطعام حلالا للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على ~~نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام ~~كما قيل: # المجاهدات تورث المشاهدات والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: ~~69] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد ms1133 ~~النفس قل صدق الله في قوله: لن تنالوا البر حتى تنفقوا فاتبعوا ملة إبراهيم ~~وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم ~~الولد للقربان وما كان من المشركين الذين يتخذون مع الله إلها آخر. إن أول ~~بيت وضع للناس لا لله لأنه غني عن العالمين. # وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة ~~صدر الإنسان مباركا عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. ~~فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه ~~يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن فيه آيات بينات يصل ~~بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة ~~التي توصل الخليل إلى خليله ومن دخله يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس ~~والولد وإرضاء خليله كان آمنا من نار القطيعة ومن # PageV02P222 # عذاب الحجاب. ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع ~~إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها ~~الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، ~~والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص ~~النيات وصفاء الطويات. ومنها ### | الوقوف # بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد ~~والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة ~~حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق ~~بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ومن ~~كفر بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي ~~توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة فإن الله غني عن العالمين. لا ~~يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. قل يا أهل الكتاب ظاهر الخطاب معهم ~~وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون ~~فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه تعالى. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 102 ms1134 الى 111] # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~(102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103) ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم (105) يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون (107) تلك آيات ~~الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين (108) ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب ~~لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن ~~يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ### | القراآت: # حق تقاته بالإمالة: علي. ولا تفرقوا بتشديد الراء: البزي وابن فليح. # PageV02P223 ### | الوقوف: # مسلمون ه ولا تفرقوا ص لعطف المتفقتين إخوانا ج لاحتمال الواو وللحال ~~والاستئناف منها ط تهتدون ه المنكر ط للعدول المفلحون ه البينات ط عظيم ه ~~(لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح. وقيل: منصوب بإضمار «اذكر» . وتسود وجوه ~~ج اسودت وجوههم (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟ # تكفرون ه ففي رحمت الله ط خالدون ه بالحق ط للعالمين ه ما في الأرض ط ~~الأمور ه وتؤمنون بالله ط خيرا لهم ط الفاسقون ه قيل: لا وقف عليه وعليه ~~وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة إلا أذى ط والأدبار وقفة لأن «ثم» لترتيب ~~الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفا لكان ثم لا ينصروا. لا ينصرون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع ~~الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى. ms1135 عن ابن عباس: لما نزلت ~~يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، ~~وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى. أو هو القيام بالمواجب كلها ~~والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول ~~بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ~~فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ~~حق تقاته واجب تقواه وكما يحق أن يتقي وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا ~~لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي. ولا يجوز أن يراد بقوله: # حق تقاته ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو ~~والنسيان لقوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] فعلى هذا لم يبق فرق بين ~~الآيتين. ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا ~~يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوما فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل ~~حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ ~~الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] ممنوع ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون ليس نهيا عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال ~~الإسلام وقد مر في البقرة مثله. ثم إنه تعالى أمرهم بما هو كالأصل لجميع ~~الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق ~~الآراء على إعلاء كلمته فقال: واعتصموا بحبل الله جميعا حال كونهم مجموعين. ~~وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بعنايته ~~باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، # PageV02P224 # لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور. ويجوز أن يكون الحبل ~~استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ~~ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحا لها. والحاصل ~~أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون ms1136 أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد ~~بالحبل هاهنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين ~~متخالفة. فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء إلا بحبل من الله وحبل من الناس ~~[آل عمران: 112] وقيل: إنه القرآن كما # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «أما إنها ستكون فتنة. قيل: فما المخرج منها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله ~~المتين» «1» # وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «هذا القرآن حبل الله» # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم «إني تارك فيكم ~~الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي» ~~«2» # وقيل: إنه دين الله. وقيل: إنه طاعة الله. وقيل: إخلاص التوبة. # وقيل: الجماعة لقوله تعالى عقيب ذلك: ولا تفرقوا لأن الحق لا يكون إلا ~~واحدا، وما بعد الحق إلا الضلال. ويد الله مع الجماعة. # قال صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم ~~واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الجماعة» # وروي «السواد الأعظم» # وروي «ما أنا عليه وأصحابي» «3» # قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على الضلالة» «4» # وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى ~~الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل ~~الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه. ~~وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصة لعموم قوله: ولا ~~تفرقوا. ثم إنه تعالى ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم ~~إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام ~~فصاروا إخوانا في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا ~~فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من ~~الحق إلى الخلق فإنه يرى ms1137 الكل أسيرا في قبضة القضاء فلا يعادي أحدا البتة ~~لأنه مستبصر بسر الله في القدر. فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان ~~حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب PageV02P225 # اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد ~~وكنفس واحدة. وقيل: يريد الإخوان في النسب. وذلك أن الأوس والخزرج كانا ~~أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين ~~سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله ~~تعالى تلك النعمة. وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم ~~بعد الإسلام إنما حصلت من الله تعالى حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة ~~لحصول الفعل. قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة ~~والألطاف لا بخلق الفعل. وأجيب بأن كل هذا كان حاصلا قبل ذلك. فاختصاص أحد ~~الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم. هذا ~~شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ~~ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه. ~~وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه. والضمير في منها للحفرة أو النار أو للشفاء ~~إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: # كما شرقت صدر القناة من الدم قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك ~~الضلالة والضلال ولذلك قال نوح عليه السلام: ليس بي ضلالة [الأعراف: 61] ~~حين قال له قومه إنا لنراك في ضلال مبين [الأعراف: 60] أي ليس بي صغير من ~~الضلال فكيف الكبير منه؟ ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم ~~تشبيها لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلا لحياتهم التي يتوقع بعدها ~~الوقوع في النار بالقعود على حرفها. وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن ~~طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين ~~طرف الشيء وبين ذلك ms1138 الشيء. قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه تعالى لطف بهم ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم وبسائر ألطافه حتى آمنوا. وقال أهل السنة: جميع ~~الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان ~~العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله تعالى هو ~~المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله تعالى. كذلك مثل ذلك البيان ~~البليغ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا ~~على رجاء هداية. فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل ~~سورة البقرة. ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما # PageV02P226 # ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ~~ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر واختلفوا في أن كلمة «من» في قوله: منكم للتبيين أو ~~للتبعيض. فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد ~~وصفهم الله تعالى بذلك في قوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر. ~~وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم. ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجبا على ~~الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات. وقال ~~آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا ~~التكليف مختص بالعلماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ~~ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر. # فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه ~~وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في ms1139 ~~موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا. وأيضا قد أجمعنا ~~على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجابا على البعض الذي ~~يقوم به. ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب. # واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله ~~تعالى وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث ~~تجتمع شرائطها، فإن كانوا عددا يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه ~~فلا يأمرهم بما لا يجوزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضا عليهم ويأمرهم بصلاة ~~العيد. والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت. ~~فإن قال: نسيتها. حثه على المراقبة. ولا يعترض على من أخرها والوقت باق. ~~وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو ~~انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم. فإن كان في بيت ~~المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي ~~خاص كمطل المديون الموسر بالدين. فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه ~~رب الدين وليس له الحبس. # وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء ~~أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا ~~يستعملوها فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية ~~وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، # PageV02P227 # ومن تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في ~~تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به. وإذا رأى ~~رجلا واقفا مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق ~~خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضع الريب، ~~وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة. # ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب ~~الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى ms1140 القضاة إذا ~~حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات. والسوقي المختص بمعاملة النساء ~~يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن. وبالجملة # «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة ~~الأذى عن الطريق» «1» # فلينظر الداعي الى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا ~~والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجا من الأسهل إلى الأصعب ~~في الأمر والإنكار كل ذلك إيمانا واحتسابا لا سمعة ورياء، ولا لغرض من ~~الأغراض النفسانية والجسمانية. وذلك أن هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه ~~الراشدين بعده، ومن هاهنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه ~~الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون ~~الناس. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو ~~خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه» # وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين ~~وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله تعالى: وأولئك هم المفلحون أي الأخصاء ~~بالفلاح مدحا لهم. وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف ~~وينهي عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح. وأجيب بأن هذا ورد على سبيل ~~الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا ~~بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ~~ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها. قال بعض ~~العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على ~~الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر. وعن بعض السلف: ~~مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا ~~أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم ~~فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر. والحق في هذه القضية ما قيل: ~~PageV02P228 # وغير ms1141 تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض # والقرآن ينعي عليه بقوله: لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون [الصف: 2، 3] أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~[البقرة: 44] وقد سلف تقريره في البقرة. وعن داود الطائي أنه سمع صوتا من ~~قبر: ألم أزك ألم أصل ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟ أجيب بلى يا عدو الله ~~ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه. # قوله سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرقوا في النظم وجهان: أحدهما أنه تعالى ~~ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين ~~الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمدا فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك ~~النصوص، ثم انجر الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم ~~الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقاء الشبهات في النصوص ~~واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة. ~~وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا ~~يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل ~~الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا ~~التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط. قال بعضهم: ~~تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد. وقيل: معناهما مختلف. ~~تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين. أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة ~~للنصوص، واختلفوا بأن حاول كل منهم نصرة قوله. أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار ~~كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق ~~وصاحبه على الباطل. ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل ~~الله العصمة والسداد. وأولئك اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما ~~جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من ~~مبتدعة هذه الأمة لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وفي تعليق الظرف ~~بقوله لهم فائدتان: # إحداهما أن ذلك العذاب في هذا ms1142 اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن ~~يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة ~~مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة [عبس: 38- 41] وفي أمثال هذه ~~الألوان للمفسرين قولان: # أحدهما- وإليه ميل أبي مسلم-: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم ~~وهذا مجاز مستعمل قال تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا [النحل: ~~58] ولما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية قال له رجل: يا مسود وجوه ~~المؤمنين. وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر. ولبعض ~~الشعراء في الشيب: # PageV02P229 # يا بياض القرون سودت وجهي ... عند بيض الوجوه سود القرون # وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ ~~الأصل في الإطلاق الحقيقة. فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون ~~وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من ~~أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطت به الظلمة من ~~كل جانب. قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو ~~يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور. وأيضا إذا ~~عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في ~~الطاعات وترك المحرمات. قلت: والتحقيق فيه أن والهيئات والأخلاق الحميدة ~~أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي ~~إلا بعد المفارقة إلى الآخرة انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم ~~فالتمسوا نورا [الحديد: 13] واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن ~~وإما كافر وإنه ليس هاهنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى ~~قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله تعالى في آخر ~~الآية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم ~~الثالث لا يدل على عدمه، وأيضا لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم. وأيضا ~~المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن ms1143 ~~الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول ~~في الفساق. والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج ~~الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟ وأنه أيضا جعل موجب العذاب ~~في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان. ~~فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أولا وعكس آخرا؟ فالجواب بعد تسليم ~~إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بهم أيضا تنبيها على أن ~~إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما # قال: «سبقت رحمتي غضبي» # ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة. ومن ~~المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟ # قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي ~~في البسيط بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: المراد أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من ~~دلائل التوحيد والنبوة؟ وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا ~~قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وكفروا به بعد بعثه. وقال قتادة: إنهم ~~المرتدون. وقال الحسن: هم المنافقون. # وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمرقون ~~من الدين كما يمرق السهم من # PageV02P230 # الرمية» . # ولما رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عيناه ثم قال: # كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء ~~الذين قتلهم هؤلاء. فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. ~~قال: فما شأنك دمعت عيناك؟ قال: رحمة لهم. كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم ~~قرأ هذه الآية. ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيرا فأعاذك ms1144 الله منهم. ~~هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه. ولكن المشهور من مذهب أهل ~~السنة أن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر البتة، والاستفهام في قوله ~~تعالى: أكفرتم بمعنى الإنكار. قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: بما كنتم ~~تكفرون دليل على أن الكفر منهم لا من الله. وقالت المرجئة: فيه دلالة على ~~أن العذاب لا يكون إلا للكافر. أما قوله: ففي رحمت الله فالمراد بها الجنة ~~التي هي محل الرحمة. وموقع قوله: هم فيها خالدون موقع الاستئناف كأنه قيل: ~~كيف يكونون فيها؟ فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون. وفي إقامة ~~الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة ~~إلا بفضل الله وبرحمته. وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم ~~والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضا دلائل ~~وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب. وكيف لا وقد أردفه ~~بقوله: تلك الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها آيات الله ~~نتلوها عليك متلبسة بالحق العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء ~~بإساءته، أو متلبسة بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق وما الله يريد ظلما ~~للعالمين ولكن مصالح الخلق لا تنتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد ~~فلا بد من التحقيق دفعا للكذب عمن هو أصدق القائلين. قال الجبائي: # قوله: ظلما نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئا مما يكون ظلما سواء ~~فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان ~~فاعلا لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريدا له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه ~~تعالى غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد ~~بينا أنه لا يريدها. ثم إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح ~~لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريدا له، فدلت الآية على أنه قادر ~~على الظلم وعلى ms1145 أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا ~~قال: ولله ما في السماوات وما في الأرض وأيضا لما ذكر أنه لا يريد الظلم ~~والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو ~~الحاجة، وكل ذلك على # PageV02P231 # الله تعالى محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في ~~الوجود. # وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا ~~يريد أن يظلم بعضهم بعضا. والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه ~~تعالى لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالما بل كان عادلا لأن ~~الظلم تصرف في ملك الغير وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم ~~منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح. والثاني أيضا محال على قولكم لأن كلا ~~بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في ~~مذهبكم. أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على ~~إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: 255] ~~وهو يطعم ولا يطعم [الأنعام: 14] ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم ~~والأكل عليه. الثاني أنه تعالى إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالما ~~لكنه في صورة الظلم. وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في ~~غير موضعه. وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في ~~مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلما. واحتجت الأشاعرة بقوله: ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لأنها ~~من جملة ما في السموات وما في الأرض. أجابت المعتزلة بأن قوله: لله إضافة ~~ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان. يراد أنه مملوكه لا أنه ~~مفعوله. وأيضا الآية مسوقة في معرض المدح ولا ms1146 مدح في نسبة الفواحش والقبائح ~~إلى نفسه. وأيضا قوله: ما في السماوات وما في الأرض يتناول ما كان مظروفا ~~لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، وعورض بأن ~~الإضافة إضافة فعل، لأن المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ~~المنتهية إلى تخليق الله دفعا للتسلسل أو الترجيح من غير مرجح. قالت ~~الحكماء: # تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية ~~مستندة إلى الأسباب السماوية، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلقه ~~وتكوينه تعالى فيكون الجبر أيضا لازما من هذا الوجه. وإلى الله أي إلى حيث ~~لا مالك سواه ترجع الأمور فالأول إشارة إلى أنه تعالى مبدأ المخلوقات كلها، ~~وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه. # قوله عز من قائل: كنتم خير أمة في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر ~~المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل الى طريق آخر يقتضي حملهم على ~~الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوي داعيتهم في أن لا يبطلوا ~~على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما # PageV02P232 # يكون بالتزام التكاليف الشرعية. وثانيهما أنه لما ذكر حال الأشقياء وحال ~~السعداء نبه أولا على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: وما الله يريد ~~ظلما للعالمين بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة. ثم نبه على سبب ~~وعد السعداء بقوله: كنتم خير أمة أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها ~~في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: # لما انجر الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه ~~وملكه إبداعا واختراعا وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم ~~أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل ~~الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله ~~المالك في ملكه. عن عكرمة ومقاتل أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا ~~اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ms1147 ~~ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله هذه الآية. ~~قال بعض المفسرين: «كان» هاهنا تامة، وانتصاب خير أمة على الحال أي حدثتم ~~ووجدتم خير أمة. والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين ~~بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل. فأجيب بأن «كان» لا تدل على عدم ~~سابق ولا انقطاع طارئ بدليل قوله: وكان الله غفورا رحيما [النساء: 69] ~~وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في ~~الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل [الفتح: 29] وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: وأما الذين ابيضت ~~وجوههم وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: ~~كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم. وقال ~~بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم. فكان هذا التشريف حاصلا لكلنا، ولكنه مخصوص ~~بقوم معينين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون ~~ومن صنع مثل صنيعهم. وقيل: إنها زائدة والمعنى: # أنتم خير أمة. وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا ~~تعمل كقول العرب «عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان» ولا يقولون: «كان ~~عبد الله قائم» على أن «كان» زائدة. # لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية. ~~وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة. وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على ~~الشيء الواحد، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الطائفة الموصوفة بالإيمان ~~به والإقرار بنبوته. وإذا أطلقت الأمة في نحو قول العلماء «اجتمعت الأمة» ~~وقعت عليهم. وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم ~~لفظ الأمة إلا بهذا القيد. قال الزجاج: ظاهر الخطاب في كنتم مع أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولكنه عام في حق كل الأمة. ونظيره كتب عليكم القصاص ~~[البقرة: 178] كتب عليكم الصيام [البقرة: 183] وقوله: للناس إما أن يتعلق ب ~~أخرجت ms1148 # PageV02P233 # والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار. ومعنى إخراجها ~~أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها. وإما أن يتعلق ب ~~كنتم أي كنتم للناس خير أمة. ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله كما تقول: زيد كريم يطعم ~~الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم. وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة ~~حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيرا من المبطل، ولأن اللام في بالمعروف ~~وفي المنكر للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر ~~فيكون إجماعهم حقا. وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم ~~مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد ~~يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في ~~خطر القتل. وأعرف والمعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر ~~المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملا لأعظم المضار لغرض إيصال ~~الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات. ~~ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله» «1» # فلا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي ~~عن ابن عباس في تفسير قوله: كنتم خير أمة تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا ~~الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم ~~المعروف والتكذيب أنكر المنكر. وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن ~~أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي ~~تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرها إلى أن يألفه متدرجا. ~~وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب ~~الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث ms1149 أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ~~ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض. وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان ~~بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة ~~إيمانا، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ولو آمن أهل الكتاب وإنما قدم ~~الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل ~~الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا ~~كرر بعد قوله: PageV02P234 # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف فكانت العناية به أشد ~~فكان تقديمه أهم. وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم ~~الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان ~~بالله تكريرا له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد ~~الترتيب، وأيضا أراد أن يبني عليه قوله: ولو آمن. وفي التفسير الكبير: # إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية ~~سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف ~~فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف ~~في الخيرية حاصل. ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ~~ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال تعالى: ولو ~~آمن أهل الكتاب يعنى إيمانا معتبرا وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه ~~من الأمور المعدودة لكان خيرا لهم لحصلت لهم صفة الخيرية أيضا لانضمامهم في ~~زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا ~~هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما ~~وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض ~~الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار. ثم فصل أهل ~~الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: منهم المؤمنون كعبد الله ms1150 بن سلام ورهطه ~~وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن ~~طاعة الله تعالى وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا ~~بعدول في دينهم أيضا فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى ~~بهم البتة. ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة ~~هي لن يضروكم إلا أذى الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد ~~أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيرا والمسيح. ~~والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية. والأذى نوع ~~من الضر فصح انتصابه به والتقدير: # لن يضروكم شيئا من أنواع الضرر إلا ضررا يسيرا. ومن هذا تبين أن ~~الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار منهزمين ثم لا ~~ينصرون وإنما لم يجزم بالعطف على يولوكم لئلا يصير نفي النصر مقيدا ~~بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعدا مطلقا، وتكون هذه الجملة معطوفة ~~على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم وينهزموا، ثم ~~أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتف عنهم رأسا فلن يستقيم لهم أمر البتة. ~~ومعنى «ثم» إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم ~~أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال. فإن قيل: هب أن اليهود ~~كذلك، لكن النصارى قد يوجحد لهم قوة وشوكة في ديارهم. قلنا: هذه الآيات ~~مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على # PageV02P235 # ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر. أو ~~لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة. وفي الآية ~~تشجيع للمؤمنين وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم ~~وتحريفاتهم. ### | التأويل: # اتقوا الله حق تقاته لأهل العزائم وقوله: فاتقوا الله ما استطعتم ~~[التغابن: 16] لأهل الرخص. والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات ~~الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء ~~بالله. ms1151 واعتصموا أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب ~~لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى ~~الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم ~~الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا ~~في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل الى البدع والأهواء. # وكنتم على شفا حفرة وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم فأنقذكم ~~منها بالهداية والإيمان وتأليف القلوب كذلك مثل ما بين آياته للأوس والخزرج ~~حتى صاروا إخوانا يبين الله لكم أيها الطلاب آياته وهي الجذبة الإلهية ~~وتجلي صفات الربوبية ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير بالأفعال دون الأقوال ~~وأولئك هم المفلحون من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: يوم تبلى السرائر [الطارق: ~~9] أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر أكفرتم بعد إيمانكم هم أرباب الطلب ~~السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على ~~أعقابهم القهقرى. فذوقوا العذاب لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات ~~الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبهوا وذاقوا. ففي رحمت الله في ~~الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله هم فيها خالدون في الآخرة، ولأنه يموت ~~على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه تلك الأحوال آيات الله مع خواصه ~~نتلوها عليك بالحق نظهرها على قلبك بالتحقيق وما الله يريد ظلما للعالمين ~~بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما. كنتم خير أمة أخرجت من العدم إلى ~~الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان. من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان ~~التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة ~~مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا ~~إليهم قبل وجودنا ولو آمن أهل الكتاب يعني علماء السوء لن يضروكم أيها ~~المحققون إلا أذى من طريق الإنكار والحسد وإن # PageV02P236 # يقاتلوكم # ينازعوكم ويخاصموكم يولوكم الأدبار من صدق نياتكم. لا ينصرون لأنكم ms1152 أهل ~~الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 112 الى 120] # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب ~~من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112) ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (113) يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ~~وأولئك من الصالحين (114) وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم ~~بالمتقين (115) إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (116) # مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117) يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا ~~لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ~~إن الله عليم بذات الصدور (119) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ~~(120) ### | القراآت: # ويسارعون وبابه ك سارعوا [آل عمران: 133] ونسارع [المؤمنون: 56] ممالة: ~~قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس. ما يفعلوا فلن يكفروه بياء الغيبة: حمزة ~~وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير. الباقون: بتاء الخطاب. # تسؤهم وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية. والأصفهاني عن ~~ورش وحمزة في الوقف لا يضركم من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ~~ونافع. # وقرأ المفضل لا يضركم بالفتح الباقون: لا يضركم بالضم كلاهما من الضر ~~مجزوما ثم محركا للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع. تعملون محيط بتاء ~~الخطاب: سهل. # الباقون: بياء الغيبة. ### | الوقوف: # المسكنة ط بغير ms1153 حق ط يعتدون ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ليسوا يعود إلى ~~ما يعود إليه ضمير منهم المؤمنون لبيان الفضل بين الفريقين، والذين # PageV02P237 # عصوا واعتدوا أحد الفريقين. سواء ط يسجدون ه قيل: لا وقف على جعل يؤمنون ~~حالا لضمير يسجدون ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود الخيرات ط الصالحين ه يكفروه ط ~~بالمتقين ه شيئا ط النار ج خالدون ه أهلكته # طظلمون # ج خبالا ط ما عنتم ج لاحتمال كون قد بدت حالا أكبر ط تعقلون ه كله ج ~~للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم آمنا ق قد قيل: # والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق من الغيظ ط يغيظكم ~~ط الصدور ه تسؤهم ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد ~~الحالين منهم. يفرحوا بها ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ~~شيئا ط محيط ه. ### | التفسير: # هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي. والمعنى ضربت ~~عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا ~~معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم بحبل من الله وحبل من الناس ~~يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه ~~الواحدة وهي التجاؤهم الى الذمة بقبول الجزية، فحينئذ يكون دمهم محقونا ~~ومالهم مصونا وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة. ~~فعلى هذا يكون الواو بمعنى «أو» . وقيل: # ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص ~~بالاجتهاد. # وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظرا إلى المعنى لأن ضرب الذلة ~~عليهم معناه لا تنفك عنهم وباؤ بغضب من الله قيل: إنه من قولك «تبوأ فلان ~~منزل كذا» والمعنى مكثوا في غضب الله. وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا ~~بالغضب. وضربت عليهم المسكنة عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت ~~بالذكر بعد الاستثناء ليعلم ms1154 أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة. ~~وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكا قاهرا ولا رئيسا مطاعا لكنهم ~~مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة البتة. # وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه سبحانه قال في هذا الموضع من ~~هذه السورة وفي النساء الأنبياء بغير حق لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر ~~في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك ~~موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما. ثم تدرج إلى ما ~~هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعيا عليهم وتفظيعا لشأنهم، ولمثل هذا ~~عرف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن # PageV02P238 # تقتل النفس به وهو قوله: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~[الأنعام: 151] ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالا في نفس ~~الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم. ليسوا سواء كلام تام وما بعده كلام مستأنف ~~للبيان. قال الفراء وابن الأنباري: # تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا ~~القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معا غالبا. ~~قال أبو ذؤيب: # دعاني إليها القلب إني لآمرها ... مطيع فما أدري أرشد طلابها؟ # أراد أم غي فاكتفى بذكر الرشد عن ضده. وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، ~~زيد عاقل دين ذكي. فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك. وقيل: وهو ~~اختيار أبي عبيدة أن أمة مرفوعة ب ليسوا على لغة من قال: أكلوني البراغيث. ~~أو هو بدل من الضمير على نحو أسروا النجوى الذين ظلموا [الأنبياء: 3] ~~والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة. وفي تفسير أهل الكتاب قولان: ~~الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى. قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم ~~عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: # ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم ~~وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم ms1155 بدينكم دنيا غيره فنزلت. وعن عطاء أنها ~~نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم ~~كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. الثاني أنهم كل من ~~أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذا يكون المسلمون منهم. # عن ابن مسعود قال: أخر رسول صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج ~~إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد ~~يذكر الله في هذه الساعة غيركم. # وفي رواية: فبشر صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل ~~الكتاب فأنزل الله هذه الآيات ليسوا سواء إلى قوله: والله عليم بالمتقين # قال القفال رحمه الله: لا يبعد أن يقال: # أولئك الحاضرون كانوا نفرا من مؤمني أهل الكتاب. فقيل: ليس يستوي من أهل ~~الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العشاء في ~~الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. ولا يبعد أيضا ~~أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله أهل ~~الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك ~~الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله تعالى أهل الكتاب حالهم وصفتهم ~~كذا فكيف يستويان؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام ~~تأكيدا لما تقدم من قوله: كنتم خير أمة [آل عمران: 110] كقوله: أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [السجدة: 18] ثم إنه تعالى مدح الأمة ~~المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها # PageV02P239 # قائمة. قيل: أي في الصلاة. وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له ~~غير مضطربة. # وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: «أقمت العود فقام» بمعنى استقام. وهاهنا ~~نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية. وقوله: قائما ~~بالقسط [آل عمران: 18] دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم [البقرة: 40] . الصفة الثانية: يتلون أي أمة قائمة ~~يتلون آيات الله آناء ms1156 الليل. فالتلاوة القراءة. وأصل الكلمة الإتباع. فكأن ~~التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن. وقد يراد بها أصناف مخلوقاته ~~الدالة على صانعها. وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل «معا» و «أني» و ~~«أنو» مثل «نحى» و «تلو» . الصفة الثالثة: وهم يسجدون يحتمل أن يكون حالا ~~من يتلون كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعا إلا أن ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا» # يأباه وأن يكون كلاما مستقلا أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويتغون الفضل ~~والرحمة بكل ما يمكن كقوله: يبيتون لربهم سجدا وقياما [الفرقان: 64] قال ~~الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن ~~يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون. والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد ~~وهم يخضعون لله كقوله: ولله يسجد من في السماوات والأرض [الرعد: 15] وعلى ~~هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالا. الصفة الرابعة: يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية. وهذه إشارة ~~إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد. ~~ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم ~~واعتقاداتهم الفاسدة. الخامسة والسادسة: # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق ~~التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ~~ينبغي. وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين. وعن سفيان الثوري: ~~إذا كان الرجل محببا في جيرانه محمودا عند إخوانه فاعلم أنه مداهن. الصفة ~~السابعة ويسارعون في الخيرات أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن ~~المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات. وما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «العجلة من الشيطان» «1» # مخصوص بهذه الآية. على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالا، ~~كيف لا والأمور متفاوتة. # منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه ~~خلاف وضعه PageV02P240 # فات الغرض ms1157 وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر ~~وتأمل. ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، ~~فإن الفرص تمر مر السحاب. # قال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل ~~سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» . # الصفة الثامنة: أولئك من الصالحين وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير ~~معلومة إلا في علم الله تعالى فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين ~~فذلك المقصود وقصارى المجهود. ثم شرط للأمة الموصوفة بل لجميع المكلفين ~~إيصال الجزاء إليهم البتة تأكيدا للإخبار عنهم بقوله: # وأولئك من الصالحين فقال: وما يفعلوا من خير فلن يكفروه أي لن يحرموا ~~ثوابه ولن يمنعوه. فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع ~~أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها. وسمى منع الجزاء ~~كفرا كما سمى إيصال الثواب شكرا في قوله: فإن الله شاكر عليم [البقرة: 158] ~~ثم ختم الكلام بقوله: والله عليم بالمتقين مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة ~~لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، ~~وتنبيها على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير ~~الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟! ثم بين ~~أحوال أهل الشقاء بقوله: إن الذين كفروا الآية. وقد سبق تفسير مثله في أول ~~السورة. ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئا أمكن أن يخطر ~~ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوه الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك ~~الوهم بقوله: ثل ما ينفقون # الآية. قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد. وهو منقول عن ~~ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات ~~والحرث. وعلى هذا فمعنى الآية: # كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر. وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه ~~البارد فيكون موصوفه محذوفا بمعنى فيها قرة صر كما ms1158 تقول: برد بارد على ~~المبالغة، أو تكون «في» تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسدا أي أنت أسد، وإن ~~ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل. # وقيل: الصر السموم الحارة. وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس يها صر # قال: # فيها نار. وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان بردا مهلكا أو ~~حرا محرقا فإنه يصير مبطلا للحرث فيصح التشبيه. وهذا في التشبيه المركب ~~الذي مر ذكره في أول سورة البقرة. ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل ~~إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث. والمراد ما كانوا ~~ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس ~~لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ي هذه الحياة # PageV02P241 # الدنيا # فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاما. وقيل: مثل ما ينفقون يعني ~~أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي جمع العساكر عليه صلى الله عليه وسلم في كونه مبطلا ~~لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلا للحرث. ~~والظاهر أن الضمير في نفقون # عائد إلى جميع الكفار. وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا ~~يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلا عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع ~~الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء ~~الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيرا كثيرا في ~~المعاد، لكنهم إذا قدموا الآخرة رأوا كفرهم مبطلا لآثار تلك الخيرات، فكان ~~كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كبيرا فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن ~~والأسف. ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيرا وهو معصية كإنفاق الأموال في ~~إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي تخريب ديار المسلمين. ولا يبعد أيضا ~~تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالا كثيرة في تجهيز الجيوش ~~والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم ms1159 وأظهر الله ~~الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة. ~~وقيل: المراد بالإنفاق هاهنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في ~~الآخرة كقوله: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 118] والمراد جميع ~~الانتفاعات. أما فائدة قوله: لموا أنفسهم # وعدم الاقتصار على قوله: صابت حرث قوم # فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولا ~~عثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله ~~الله خيرا منه في الدنيا أو في الآخرة. فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه ~~حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم ~~فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلا. ويحتمل أن يراد ~~بالظالم هاهنا وضع الزرع في غير موضعه. فإن من زرع لا في موضعه وفي غير ~~أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعا. والضمير في ما ظلمهم # للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم ~~يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ~~ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. ثم إنه تعالى لما بالغ ~~في شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة ~~الكافرين. قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون ~~المنافقين ويواطؤن رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة ~~والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم ~~وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي # PageV02P242 # إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له. الواحد شقر وأصله من ~~البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة. ~~نهاهم عن مودة كل كافر لان قوله: بطانة نكرة في سياق النفي. وقوله: من ~~دونكم يؤكد ذلك. وهو إما أن يتعلق ب لا تتخذوا ويكون صفة لبطانة أي بطانة ~~كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو ms1160 النهي عن اتخاذ ~~البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم ~~بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى. و «من» للتبيين وقيل: ~~زائدة. ثم ذكر علة النهي فقال: لا يألونكم خبالا يقال: ألا في الأمر يألو ~~إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: «لا آلوك نصحا أو جهدا» ~~على التضمين أي لا أمنعك نصحا. والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ~~ومخبل ناقص # العقل فاسده. وقيل: خبالا نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال. ~~والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم. ودوا ما عنتم أي عنتكم على ~~أن «ما» مصدرية. والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا ~~أصابه شيء فهاضه قد أعنته. والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ~~ودنياكم أشد الضرر. والحاصل من الجملتين أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم ~~فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم قد بدت ~~البغضاء هي شدة البغض كالضراء شدة الضر. # والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط. فحذفت الهاء ~~تخفيفا وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان. وظهور البغضاء من ~~اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي ~~صلى الله عليه وسلم والكتاب. وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ~~ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته. وعن قتادة قد بدت البغضاء ~~لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضا على ذلك. وما تخفي ~~صدورهم أكبر لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير ~~متناهية. ثم بين أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على ~~إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون من أهل العقول. وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدو ~~والولي. ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة ~~كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالا ms1161 وادين عنتكم بادية بغضاؤهم. ~~وأما قد بينا فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات ~~كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة. ~~فقيل: # لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟ فقيل: لأنهم يودون عنتكم. ثم قيل: ~~وما آية # PageV02P243 # ودادة العنت؟ فقيل: قد بدت والله أعلم. أما كون هذا التقدير أحسن فلأن ~~الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف هاهنا، وأما ~~كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ~~ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد. ثم استأنف ~~للتحذير نمطا آخر من البيان مشتملا على التوبيخ فقال: # ها أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان ~~الخطأ وهو قوله: # تحبونهم ولا يحبونكم لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون ~~لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة ~~والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ~~ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة ~~الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ~~ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا ~~يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم ~~في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر. # والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية. ثم ~~ذكر سببا آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: وتؤمنون بالكتاب كله ~~وأضمر قرينه وهو «وهم لا يؤمنون به» لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر ~~غالبا. والمراد بالكتاب الجنس كقولهم «كثر الدرهم في أيدي الناس» . وفي ~~الكشاف: إن الواو في وتؤمنون للحال، واللام في بالكتاب للعهد أي لا يحبونكم ~~والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله. وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب ~~منكم في حقكم. ثم ذكر مضادة أخرى فقال: وإذا لقوكم قالوا آمنا أحدثنا ~~الدخول في الإيمان ms1162 وإذا خلوا عضوا ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل ~~والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيرا ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب ~~والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما ~~رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم قل موتوا بغيظكم دعاء ~~عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ~~ذلهم وخزيهم. والحاصل أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بأن الله ~~تعالى أتاح أن يظهر دين الإسلام على الأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان ~~هذا سببا لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ. ثم إن قوله: إن الله ~~عليم بذات الصدور أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي ~~والصوارف الموجودة فيه. إن كان داخلا في جملة المقول، فمعناه أخبرهم بما ~~يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، ~~وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى # PageV02P244 # مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها. وإن كان خارجا فالمعنى قل لهم ~~ذلك يا محمد ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره ~~الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلا. ويجوز أن لا يكون أمرا بالقول لفظا ~~بل يراد حدث نفسك بأنهم سيهلكون غيظا وحسدا، فيكون أمرا للرسول بطيب النفس ~~وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره. ثم ذكر نوعا آخر من مضادتهم ~~ومعاداتهم فقال: إن تمسسكم حسنة أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة ~~والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء تسؤهم ساءه ~~يسوءه نقيض سره يسره وإن تصبكم سيئة ضد من أضداد ما عددنا. يفرحوا بها ولم ~~يفرق صاحب الكشاف هاهنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحدا. وأقول: يشبه ~~أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد ~~لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد ~~إذا أصاب العدو بلية عظمى كما قيل: # عند الشدائد ms1163 تذهب الأحقاد إلا أن يكون ثمة غاية الحقد. وإذا كان حال ~~القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، ~~وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في حسنة للتقليل وفي سيئة للتعظيم. وإن ~~تصبروا على عداوتهم وتتقوا ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على ~~أوامر الله تعالى وتتقوا محارمه لا يضركم كيدهم وهو احتيال الإنسان لإيقاع ~~غيره في مكروه. وقال ابن عباس: هو العداوة. شيئا من الضرر بل كنتم في كنف ~~الله وحفظه. وفيه إرشاد من الله تعالى إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء ~~بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له. وفي كلام الحكماء إذا أردت أن ~~تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك. وقال بعضهم: # إذا ما شئت إرغام الأعادي ... بلا سيف يسل ولا سنان # فزد في مكرماتك فهي أعدى ... على الأعداء من نوب الزمان # إن الله بما تعملون في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى. ~~محيط فيجازي كل أحد بما هو أهله. ### | التأويل: # ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل ~~من الناس يعني متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته. ويقتلون الأنبياء ~~يميتون سنتهم وسيرهم. # ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون. فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه ~~شبرا تقرب إليه ذراعا. ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات ~~الجسمانية بقوله: ثل ما # PageV02P245 # ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح # هي هواء الهوى يها صر # الشهوةصابت حرث قوم # هو الحرث الروحاني لموا أنفسهم # بإبطال الاستعداد الإنساني. ثم نهى أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من ~~هذا الحديث فقال: لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا لا يقصرون في ~~إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ودوا من نعيم الدنيا ومشتهياتها ما ~~عنتم ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاسيتم من ~~المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره. قد بدت البغضاء من أفواههم ~~اعتراضاتهم الفاسدة وما تخفي صدورهم الحاسدة من ms1164 الغل والحقد أكبر تحبونهم ~~محبة الرحمة والشفقة ولا يحبونكم لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ~~وتؤمنون بالكتاب كله بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس. عليم ~~بذات الصدور بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد. إن تمسسكم ~~حسنة كرامة من الله وقبول من الخلق. سيئة إنكار من الجهال وطعن. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 129] # وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ ~~همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (122) ~~ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) ~~بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين (125) # وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ~~(127) ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور ~~رحيم (129) ### | القراآت: # تبوئ المؤمنين بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. ~~منزلين بالتشديد وفتح الزاي: ابن عامر. الباقون: بالتخفيف والفتح أيضا. # مسومين بكسر الواو: أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. ~~بالفتح. ### | الوقوف: # للقتال ط عليم ه لأن «إذ» بدل من إذ غدوت أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ~~تبوئ أن تفشلا (لا) لأن الواو للحال وليهما ط المؤمنون ه أذلة ج للفاء ~~تشكرون ه منزلين ط لتمام القول بلى (لا) لاتحاد مع ما بعده مسومين ه قلوبكم ~~به ط الحكيم (لا) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر خائبين ه ظالمون ه وما ~~في الأرض ط من يشاء ط رحيم ه. # PageV02P246 ### | التفسير: # إنه سبحانه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن ~~لم يصبروا، أتبعه قوله: وإذ غدوت من أهلك ms1165 ولقد نصركم الله ببدر يعني أنهم ~~يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر ~~الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم. ووجه آخر في النظم وهو أن الانكسار يوم ~~أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه ~~لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة. قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو على ~~قوله: قد كان لكم آية في فئتين التقتا [آل عمران: 13] أي قد كان لكم مثل ~~تلك الآية إذ غدا الرسول يبوىء المؤمنين. والجمهور على أنه منصوب بإضمار ~~«اذكر» . وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر. وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب. ~~وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد. وهو قول ابن ~~عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم. # روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصحابه ودعا صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ولم يدعه قط ~~قبلها فاستشاره. فقال عبد الله وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ~~ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها ~~علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، ~~وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن ~~رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم: يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء إلا كلب ~~لا يرون أنا قد جبنا عنهم. وقال صلى الله عليه وسلم: إني رأيت في منامي ~~بقرا مذبحة حولي فأولتها خيرا، أو رأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة، ~~ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا ~~بالمدينة وتدعوهم. فقال رجال من المسلمين- قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله ~~بالشهادة يوم أحد-: أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به صلى الله عليه وسلم ~~حتى دخل فلبس لأمته. فلما رأوه قد ms1166 لبس لأمته ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، ~~نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه. فقالوا: اصنع يا رسول ~~الله ما رأيت. فقال: لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. فخرج ~~يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة. # قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله: من أهلك # عن مجاهد والواحدي أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم ~~السبت للنصف من شوال. # وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القداح إن رأى صدرا خارجا قال: ~~تأخر. وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل صلى الله عليه وسلم ظهره وعسكره إلى ~~أحد. وأمر صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم: # انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا. # وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام فإذا # PageV02P247 # عاينوكم ولو كم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خالف، رأى عبد الله بن أبي شق ~~عليه ذلك وقال: أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابه: إن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم إنما يظفر بعدوكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم ~~انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ~~ذكر محمد صلى الله عليه وسلم. فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي ~~بثلث الناس وقال: يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا. وكان جملة عسكر ~~الإسلام ألفا- وقيل: تسعمائة وخمسين- فبقي نحو من سبعمائة. وكان المشركون ~~ثلاثة آلاف فقواهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين. لكنهم لما رأوا انهزام ~~القوم وكان الله تعالى بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، ~~فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع ~~عدوهم لم يقوموا لهم. فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكروا على ~~المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1167 كما # قال: إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم # وشج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ~~صلى الله عليه وسلم ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد. ~~ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدا قتل. فأشرف أبو سفيان وقال: أفي القوم ~~محمد؟ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه. # فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. # قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء ~~لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله. أبقى الله لك ما ~~يخزيك. فقال أبو سفيان مرتجزا: # أعل هبل أعل هبل. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: ~~الله أعلى وأجل. # قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. # فقال صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله ~~مولانا ولا مولى لكم. # قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا ~~لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. # ولنرجع إلى التفسير بوأته منزلا وبوأت له منزلا أنزلته فيه. ومقاعد أي ~~مواطن ومواقف، وقد اتسع في «قعد» و «قام» حتى استعمل المقعد والمقام في ~~المكان ومنه قوله تعالى: في مقعد صدق [القمر: 55] وقوله: قبل أن تقوم من ~~مقامك [النمل: 39] أي من موضع حكمك. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ~~ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو ~~فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد والله سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ~~ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق إذ همت طائفتان منكم هما # PageV02P248 # حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وهما ~~الجناحان. أن تفشلا والفشل الجبن والخور. والظاهر أنها ما كانت عزيمة ممضاة ~~ولكنها كانت ms1168 حديث نفس وقلما تخلو النفس عند الشدة من بعض الهلع. فإن ساعدها ~~صاحبها ذم وإن ردها إلى الثبات والصبر فلا بأس بما فعل. وعن معاوية أنه ~~قال: عليكم بحفظ الشعر فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين فما ثبتني إلا ~~قول عمرو بن الأطنابة: # أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # ومما يدل على أن ذلك الهم لم يفض إلى حد العصيان قوله تعالى: والله ~~وليهما ولو كانت عزيمة لما ثبت معها الولاية. ويجوز أن يراد والله ناصرهما ~~ومتولي أمرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون والتوكل «تفعل» من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد في كفايته عليه ~~ولم يتوله بنفسه. وفيه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يدفع ما يعرض له من ~~مكروه وآفة بالتوكل على الله، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك. # عن جابر: فينا نزلت إذ همت طائفتان نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة. ~~وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله والله وليهما أخرجاه في الصحيحين. ومع ~~ذلك قال بعض العلماء: # إن الله أبهم ذكرهما وستر عليهما ولا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر. ولقد ~~نصركم الله ببدر وإنه ماء بين مكة والمدينة. عن الواقدي أنه اسم لماء ~~بعينه. وعن الشعبي أنه سمي باسم رجل كان ذلك الماء له وأنتم أذلة إنما جاء ~~بجمع القلة دون الأذلاء الذي هو للكثرة ليدل على أنهم مع قلة العدد- وهو ~~المراد بذلتهم- كانوا قليلي العدد أيضا كما مر في تفسير قوله: قد كان لكم ~~آية [آل عمران: 13] ولم يعن بالذلة هاهنا نقيض العزة لقوله: ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] أو لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم ~~المشركين وفي اعتقادهم لقلة عددهم وسلاحهم كما حكى عنهم «ليخرجن الأعز منها ~~الأذل» أو لعل الصحابة كانوا قد شاهدوا الكفار في مكة في غاية القوة ~~والشوكة، وإلى هذا الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك الكفار فكانت ~~هيبتهم باقية في نفوسهم فاتقوا الله في الثبات مع رسوله ms1169 لعلكم تشكرون بسبب ~~تقواكم ما أنعم به عليكم من نصره. أو لعل الله ينعم عليكم نعمة أخرى ~~تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له إذ تقول للمؤمنين اختلف ~~المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر فيكون العامل في «إذ» قوله: # نصركم أو حصل يوم أحد فيكون بدلا ثانيا من إذ غدوت والأول قول أكثر ~~المفسرين لأن الكلام متصل بقصة بدر، ولأن العدد والعدد يوم بدر أقل وكان ~~الاحتياج إلى المدد أكثر. والثاني مروي عن ابن عباس والكلبي والواقدي ~~ومقاتل ومحمد بن إسحق، لأن المدد # PageV02P249 # يوم بدر كان بألف من الملائكة لقوله تعالى في سورة الأنفال فاستجاب لكم ~~أني ممدكم بألف من الملائكة [الأنفال: 9] دون ثلاثة آلاف وخمسة آلاف فأنى ~~صاروا خمسة آلاف وأجيب بأنهم أمدوا بألف ثم زيد ألفان فصاروا ثلاثة آلاف، ~~ثم زيدت ألفان آخران فصاروا خمسة آلاف. فكأنه قيل لهم: أن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بألف من الملائكة؟ فقالوا: بلى. # ثم قيل: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف؟ فقالوا: بلى. ثم قيل لهم: ~~إن تصبروا وتتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف. وهو كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أيسركم أن تكونوا ربع أهل ~~الجنة؟ قالوا: نعم. قال: أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم. قال: # فإني أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» «1» . # وأيضا لعل أهل بدر أمدوا بألف، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش ~~بعدد كثير فخافوا وشق ذلك عليهم لقلة عددهم فوعدهم الله بأن الكفار إن ~~جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة. ثم إنه لم يأت قريشا ذلك ~~المدد بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة ~~على الألف. قالوا: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفا والمسلمون على الثلث منهم ~~فأنزل الله ألفا من الملائكة بعدد الكفار، وأما يوم أحد فكان عدد المسلمين ~~ألفا وعدد الكفار ثلاثة آلاف، فلا جرم أنزل الله ثلاثة آلاف من الملائكة ~~بعدد الكفار أيضا، ثم وعدهم أن يجعل الثلاثة ms1170 الآلاف خمسة آلاف إن صبروا ~~واتقوا. وأجيب بأن هذا تقريب حسن ولكنه لا يغلب على الظن أن يكون الأمر ~~كذلك. قالوا: قال تعالى: ويأتوكم من فورهم ويوم أحد هو الذي كان يأتيهم ~~الأعداء، أما يوم بدر فهم ذهبوا إلى الأعداء. وأجيب بأن المشركين لما سمعوا ~~يوم بدر أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير، ثار الغضب ~~في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن الصحابة لما ~~سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى أنهم إن أتوكم من فورهم يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف. ثم قالوا في وجه النظم إنه تعالى ذكر قصة أحد ثم قال: وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون أي يجب أن يكون توكلكم على الله لا على كثرة عددكم ~~وعددكم ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ثم عاد إلى قصة أحد. ثم إنزال خمسة ~~آلاف كان مشروطا بشرط أن يصبروا ويتقوا. ثم إنهم لم يصبروا عن الغنائم ولم ~~يتقوا بل خالفوا أمر الرسول، فلما مات الشرط لا جرم فات المشروط. وأما ~~إنزال ثلاثة آلاف فإنه صلى الله عليه وسلم وعدهم ذلك بشرط أن يثبتوا في تلك ~~المقاعد، فلما أهملوا الشرط لم يحصل المشروط. # روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد ولكنهم لم يقاتلوا. # وروي عن PageV02P250 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعطى اللواء مصعب بن عمير فقتل مصعب ~~فأخذه ملك في صورة مصعب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقدم يا مصعب. ~~فقال الملك: لست بمصعب. فعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ملك أمد به. # وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده علي رجل أبيض ~~حسن الوجه وما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك. هذا حاصل تقرير القولين. واختلفوا ~~أيضا في عدد الملائكة فمنهم من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد لأن الوعد ~~بإمداد الثلاثة الآلاف لا شرط فيه، والوعد بإمداد خمسة الآلاف مشروط بالصبر ~~والتقوى ومجيء الكفار من فورهم فهما متغايران وعلى هذا إن ms1171 حملنا الآية على ~~قصة بدر وقد ورد فيها ذكر الألف في موضع آخر فيكون المجموع تسعة آلاف، وإن ~~حملناها على قصة أحد كان الجميع ثمانية آلاف. ومنهم من أدخل الناقص في ~~الزائد فقال: وعدوا بألف ثم زيد ألفان فصح أن يقال: وعدوا بثلاثة آلاف. ثم ~~زيد ألفان آخران فوعدوا بخمسة آلاف. وأجمع أهل التفسير وأرباب السير أنه ~~تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار. وعن ابن عباس أنه لم ~~تقاتل الملائكة سوى يوم بدر، وفيما سواه كانوا عددا ومددا لا يقاتلون ولا ~~يضربون. ومنهم من قال: إن نصر الملائكة بإلقاء الرعب في قلوب الكفار ~~وبإشعار المؤمنين بأن النصرة لهم. وأما أبوبكر الأصم فقد أنكر إمداد ~~الملائكة وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل ~~بمدائن قوم لوط، فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، ~~وبتقدير حضوره فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟ وأيضا فإن أكابر الكفار ~~كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم. وأيضا لو قاتلوا فإما أن ~~يكون بحيث يراهم الناس أولا، وعلى الأول كان المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة ~~آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك، ولأنه خلاف قوله ويقللكم في أعينهم [الأنفال: ~~44] ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ~~ينقل ذلك البتة. وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزيق البطون وإسقاط ~~الكفار عن الأفراس من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم ~~المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين الكافر والمسلم والموافق والمخالف. ~~وأيضا إنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل، وإن كانوا أجساما ~~لطيفة هوائية فكيف ثبتوا على الخبول؟ # واعلم أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة وبمن يدعي التمسك ~~بها ويعترف بأنه تعالى قادر على ما يشاء فاعل لما يريد، فما كان يليق ~~بالأصم إيرادها مع أن نص القرآن ناطق بها وورودها في الإخبار قريب من ~~التواتر. روى عبيد بن عمير قال: ms1172 لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في ~~أنديتهم بما ظفروا ويقولون: لم نر الخيل البلق ولا الرجال # PageV02P251 # البيض الذين كنا نراهم يوم بدر. والتحقيق في هذا المقام أن التكليف ينافي ~~الإلجاء، وأنه تعالى قادر على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد ~~بل بأدنى من ذلك أو بلا سبب، وكذا على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم عليه، ~~لكنه لما أراد إشادة هذا الدين على مهل وتدريج بواسطة الدعوة بطريق ~~الابتلاء والتكليف، فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما ~~أولى، وله الحكم في الآخرة والأولى. والحاصل أن إهلاك قوم لوط كان بعد ~~انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس، فلا جرم أظهر القدرة وجعل عاليها ~~سافلها. وفي حرب أحد كان الزمان زمان تكليف، فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز ~~الموافق من المنافق والثابت من المضطرب، فإنه لو جرى الأمر في أحد كما جرى ~~في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب ~~والعقاب به، ولمثل ذلك أمد بالملائكة حين أمد على عادة الإمداد بالعساكر ~~وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك كثير من الناس فاعلم. ولنعد إلى تفسير ~~الألفاظ. قال صاحب الكشاف: إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة ليقوي قلوبهم ~~ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله. ومعنى ألن يكفيكم إنكار أن لا يكفيهم ~~الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة وإنما جيء ب «لن» الذي هو تأكيد النقي ~~للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم كالآيسين من النصر. ومعنى ~~الكفاية سد الخلة والقيام بما يجب، ومعنى الإمداد إعطاء الشيء حالا بعد ~~حال. قال بعضهم: ما كان على جهة القوة والإعانة. قيل فيه: أمده يمده. وما ~~كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده. وقرىء منزلين بكسر الزاي بمعنى ~~منزلين النصر. بلى إيجاب لما بعد «لن» أي بلى يكفيكم الإمداد بهم فأوجب ~~الكفاية. ثم قال: إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم يعني المشركين من فورهم هذا أي ~~من ساعتهم هذه. والفور مصدر من فارت القدر إذا غلت، ثم استعمل ms1173 في معنى ~~السرعة. يقال: جاء فلان ورجع من فوره. ومنه قول الأصوليين الأمر للفور أو ~~للتراخي. ثم سميت به الحالة التي لا توقف فيها على صاحبها فقيل: خرج من ~~فوره كما يقال من ساعته لم يلبث. جعل مجيء خمسة آلاف مشروطا بثلاثة أشياء: ~~الصبر والتقوى ومجيء الكفار على الفور. فلما لم توجد هذه الشرائط بكلها أو ~~بجلها فلا جرم لم يوجد المشروط. ويحتمل أن يعلق قوله: من فورهم هذا بما ~~بعده أي يمددكم ربكم بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر النزول عن الإتيان. ~~وفيه بشارة بتعجيل النصر والفتح إن صبروا عن الغنائم واتقوا مخالفة الرسول. ~~وقوله: مسومين من السومة العلامة، وقد يعلم الفارس يوم اللقاء بعلامة ليعرف ~~بها. فمن قرأ بكسر الواو فمعناه معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة، ~~ومن قرأ بالفتح فالمعنى أن الله سومهم. قال # PageV02P252 # الكلبي: معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك: معلمين بالصوف ~~الأبيض في نواصي الخيول وأذنابها. وعن مجاهد: مجزوزة أذناب خيلهم. وعن ~~قتادة: كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر ~~صفراء فنزلت الملائكة كذلك. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن ~~الملائكة قد تسومت. # وقيل: # مسومين مرسلين من أسمت الإبل وسومتها أرسلتها للرعي. فالمعنى أن الملائكة ~~أرسلت خيولهم على الكفار لقتلهم وأسرهم، أو أن الله تعالى أرسلهم على ~~المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات في المراعي. وما جعله الله ~~الضمير عائد إلى المدد أو الإمداد الدال عليه الفعل. وقال الزجاج: وما جعل ~~الله ذكر المدد إلا بشرى وهي اسم من البشارة أي إلا لتبشروا بأنكم تنصرون ~~ولتطمئن قلوبكم به كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة ~~لقلوبهم. وما النصر إلا من عند الله لا من المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من ~~عند الملائكة والسكينة. ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة ويربط به ~~على قلوب المجاهدين. وفيه تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند ~~الإعراض عن الأسباب ms1174 والإقبال بالكلية على مسببها. وقوله: العزيز إشارة إلى ~~كمال قدرته والحكيم إشارة إلى كمال علمه فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا ~~يعجز عن إنجاحها ليقطع طرفا أي طائفة وقطعة من الذين كفروا. وإنما حسن في ~~هذا الموضع ذكر الطرف دون الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من ~~الطرف كما قال: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها [الرعد: 41] ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار [التوبة: 123] أو يكبتهم الكبت في اللغة صرع ~~الشيء على وجهه. وفسره الأئمة هاهنا بالإخزاء والإهلاك واللعن والهزيمة ~~والغيظ والإذلال والكل متقارب فينقلبوا خائبين غير ظافرين بمبتغاهم قيل: ~~الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع ونقيضه الظفر. وأما اليأس فقد يكون قبل ~~التوقع وبعده. ونقيضه الرجاء، واللام في ليقطع يحتمل أن يتعلق بقوله: ولقد ~~نصركم أو بقوله وما النصر ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ولتطمئن ولكنه ذكر ~~بغير العاطف لأنه إذا كان البعض قريبا من البعض جاز حذف العاطف كما يقول ~~السيد لعبده: اشتريتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي. # قوله عز من قائل: ليس لك من الأمر شيء فيه قولان: أحدهما وهو الأشهر أنه # نزل في قصة أحد عن أنس بن مالك قال: كسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويوم أحد ودمي وجهه فجعل يسيل الدم على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم ~~خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ # وفي رواية: شج رأسه صلى الله عليه وسلم عتبة بن أبي وقاص يوم أحد وكسر ~~رباعيته # PageV02P253 # فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول الحديث فنزلت. # وفي رواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أقواما فقال: ~~اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية ~~فنزلت هذه الآية. # وفيها أو يتوب عليهم فتاب الله على هؤلاء فحسن إسلامهم. وقيل نزلت في ~~حمزة بن عبد المطلب. # وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رآه ورأى ما فعلوا به من المثلة قال: ~~لأمثلن منهم بثلاثين فنزلت، # وقيل: أراد ms1175 يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره والذين انهزموا فمنعه الله ~~عن ذلك. مروى عن ابن عباس، وقيل: أراد أن يستغفر للمسلمين الذين عصوا أمره ~~فنزلت. وقال القفال: كل هذه الأمور وقعت يوم أحد فلا يمتنع حمل نزول الآية ~~في الكل. # القول الثاني: # وإليه ذهب مقاتل أنها نزلت في واقعة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث جمعا من خيار الصحابة زهاء سبعين إلى بني عامر ليعلموهم القرآن. ~~فلما وصلوا إلى موضع يقال له بئر معونة، ذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره ~~وأخذهم وقتلهم. فجزع من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدا ودعا على ~~الكفار في القنوت أربعين يوما يقول بعد ما يرفع رأسه من الركعة الثانية في ~~الصبح: اللهم العن بني لحيان والعن رعلا وذكوان. اللهم انج الوليد بن ~~الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة. اللهم أشدد ~~وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف حتى أنزل الله عز وجل ~~ليس لك من الأمر شيء # ولا يخفى أن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل فعلا ~~فمنع منه، وحينئذ يتوجه الإشكال بأن فعل ذلك الفعل إن كان من الله تعالى ~~فكيف منعه منه وإلا فهو قدح في عصمته ومناف لقوله: وما ينطق عن الهوى ~~[النجم: 3] والجواب أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع مشتغل به ~~كقوله: ولا تطع الكافرين [الأحزاب: 48] مع أنه ما أطاعهم وقوله: لئن أشركت ~~ليحبطن عملك [الزمر: 65] مع أنه ما أشرك قط. ولعله عليه السلام شاهد من قتل ~~حمزة وغيره ما أورثه حزنا شديدا، وكان من الممكن أن يحمله على ما لا ينبغي ~~من الفعل والقول، فنص الله تعالى على المنع تقوية لعصمته صلى الله عليه ~~وسلم وتأكيدا لطهارته. ولئن سلمنا أنه كان مشغولا بذلك الفعل والقول فإنه ~~محمول على ترك الأولى، والنهي إرشاد إلى اختيار الأفضل وأيضا إن دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد التشهي وإنما هو بطلب ms1176 الأصلح فالذي يظن ~~به أنه خلاف مسؤوله صلى الله عليه وسلم وقد وقع فهو بالحقيقة سؤاله صلى ~~الله عليه وسلم، ولهذا سأل الله تعالى أن يجعل لعنه على من لا يستحقه طهرا ~~وزكاة ورحمة والله أعلم. وقوله: # ليس لك من الأمر شيء معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه ~~الحادثة شيء، فإني أعلم بمصالح عبادي. أو المراد الأمر الذي هو خلاف النهي ~~أي ليس لك من # PageV02P254 # أمر خلقي شيء إلا ما يكون أمري وحكمي. وقوله: أو يتوب منصوب بإضمار «أن» ~~. # و «أن يتوب» في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أي ليس لك من أمرهم شيء، أو ~~من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. ويجوز أن يكون معطوفا على شيء والحاصل منع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل فعل أو قول إلا ما كان بإذنه وأمره. ~~وفيه إرشاد إلى كمال درجات العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار ملكه تعالى ~~وملكوته. وعن الفراء والزجاج أن قوله: # أو يتوب عليهم عطف على ليقطع وما بعده. وقوله: ليس لك من الأمر شيء ~~كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه كما تقول: ضربت زيدا ~~فاعلم ذاك وعمرا. فيكون المعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو ~~يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا على الكفر. وقيل: «أو» ~~بمعنى «إلا أن» كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي. والمعنى ليس لك من أمرهم شيء ~~إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. ثم التوبة ~~عليهم مفسرة عند أهل السنة بخلق الندم فيه على ما مضى، وخلق العزم فيهم على ~~أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل. وأكدوا هذا الظاهر ببرهان عقلي وهو أن ~~الندم كراهة تحصل في القلب عما سلف منه، والعزم إرادة تتعلق بترك ذلك الفعل ~~فيما يستقبل. فلو كانت هذه الإرادة فعل العبد لافتقر في فعلها إلى إرادة ~~أخرى وتسلسل، فهو إذن بخلق الله تعالى. وأما المعتزلة ففسروا التوبة عليهم ~~إما بفعل الألطاف ms1177 أو بقبول التوبة منهم. وقوله: فإنهم ظالمون تعليل حسن ~~التعذيب بسبب شركهم أو عصيانهم. ثم أكد ما ذكر من قوله: ليس لك من الأمر ~~شيء بقوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض أي هما والحقائق والماهيات ~~التي فيهما لله، فليس الحكم فيهما إلا له. ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال: ~~يغفر لمن يشاء بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة ويعذب من يشاء ~~بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين. وكل ذلك ~~يحسن منه شرعا وعقلا وإلا لم يحصل كمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة ~~والمغفرة غالب، ولهذا ختم الكلام بقوله: والله غفور رحيم هذا قول الأشاعرة ~~ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية: يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ~~ويعذب من يشاء على الذنب الصغير. وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر ~~آنفا، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله تعالى دفعا للتسلسل. فإذا خلق ~~الله إرادة الطاعة أطاع، وإذا خلق إرادة المعصية عصى. فطاعة العبد أو ~~معصيته تنتهي إلى الله، وفعل الله لا يوجب على الله شيئا. أما المعتزلة ~~فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن: يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر ~~إلا للتائبين، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب. ~~والحق # PageV02P255 # أن العذاب لازم ملكة العصيان، وكذا القرب منه تعالى لازم ملكة الطاعة. ~~فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم. ### | التأويل: # أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله: وإذ غدوت وهو إشارة إلى جوهر السالك ~~الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من ~~أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية تبوئ المؤمنين أي صفاتك الروحانية ~~مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا والله سميع لدعائكم بالإخلاص للخلاص عن ~~ورطة تيه الهوى عليم بصدق نياتكم في طلب الحق. إذ همت طائفتان منكم أن ~~تفشلا يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه والله وليهما ليخرجهما من ظلمات ~~البشرية إلى نور الربوبية ولقد نصركم الله ms1178 ببدر الدينا وأنتم أذلة من غلبات ~~شهوات النفس إذ تقول للمؤمنين فيه إشارة إلى أن نور النبي صلى الله عليه ~~وسلم يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ~~ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة ~~إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله: وأنزل جنودا ~~لم تروها [التوبة: 26] بلى إن تصبروا على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما ~~سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ليقطع طرفا ليقهر بعضا من الصفات النفسانية ~~التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته أو يكبتهم أو يغلبهم ويظفر بهم وما ~~النصر إلا من عند الله يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ~~ما تصفون. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 141] # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون (132) وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك ~~جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر ~~العاملين (136) قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) ~~وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) # PageV02P256 ### | القراآت: # سارعوا بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر. قرح بالضم حيث كان: ~~حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة. الباقون بالفتح. ### | الوقوف: # مضاعفة ص لعطف المتفقتين تفلحون ه ج للعطف للكافرين ه ترحمون ه ومن قرأ ~~سارعوا بغير واو فوقفه ms1179 مطلق والأرض ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضا أي جنة ~~واسعة معدة. للمتقين لا لأن الذين صفتهم. عن الناس ط المحسنين ج 5 لأن ~~والذين يصلح مبتدأ وخبره أولئك جزاؤهم فلا وقف على يعلمون ويصلح معطوفا لأن ~~التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على يعلمون لينصرف عموم أولئك إلى ~~المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله. # والوقف لطول الكلام على لذنوبهم للابتداء بالاستفهام وعلى إلا الله ~~لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا ~~أنت خالدين فيها ط العاملين ه سنن لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار ~~بالتبار. المكذبين ه للمتقين ه مؤمنين ه مثله ط بين الناس ج لأن الواو ~~مقحمة أو عاطفة على محذوف أي ليعتبروا وليعلم شهداء ط الظالمين لا للعطف ~~على ليعلم الكافرين ه. ### | التفسير: # قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلا بما قبله من جهة أن أكثر ~~أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على ~~العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعيا للمسلمين إلى الإقدام على الربا ~~كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد ~~النهي عن ذلك نظرا لهم ورحمة عليهم. وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي ~~وترغيب وترهيب تتميما لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب ~~الجهاد. وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافا لما علم أنه منهي ~~عنه مطلقا، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد ~~من تضعيفه. كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد ~~أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون. واتقوا الله لعلكم تفلحون فيه ~~أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه. فلو أكل ولم يتق ~~زال الفلاح. # ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف ms1180 آية في القرآن حيث أوعد ~~الله المؤمنين بالنار # PageV02P257 # المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه. وكون النار معدة للكافرين ~~لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب ~~جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين. لم يمتنع من أن ~~تركبها لبعض حوائجك. ومثله قوله في صفة الجنة: أعدت للمتقين فإنه لا يدل ~~على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور. # وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة ~~الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله ~~في شيء من الأشياء فهو ليس أهلا للرحمة. وغيرهم يحمل الآية على الزجر ~~والتخويف وسارعوا معطوف على ما قبله. ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ~~سارعوا وقوله: أطيعوا الله كالشيء الواحد لأنهما متلازمان. وتمسك كثير من ~~الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف ~~والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم. # ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا ~~المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل ~~المنهيات وهذا قول عكرمة. # وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض. # وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات. وعن أبي ~~العالية أنه الهجرة. وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام ~~قصة أحد. وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن ~~الربا. ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب. ~~والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين. ثم وصف الجنة ~~بأن عرضها السموات، ومن البين أن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة، فالمراد ~~كعرض السموات لقوله في موضع آخر عرضها كعرض السماء [الحديد: 21] والمراد ~~المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ~~ونظيره خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض [هود: 107] لأنها أطول الأشياء ~~بقاء ms1181 عندنا. # وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحد ~~من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا ~~واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله ~~تعالى. وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل ~~الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكا له، فلا بد أن تكون الجنة ~~المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا. وقال أبو مسلم: # معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا. معناه لو عرضت السموات والأرض ~~على # PageV02P258 # سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة. والأكثرون على أن المراد بالعرض هاهنا ~~خلاف الطول. وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا ~~فما ظنك بالطول. ونظيره بطائنها من إستبرق [الرحمن: 54] لأن البطائن في ~~العادة تكون أدون حالا من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟ ~~وقال القفال: العرض عبارة عن السعة. تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة. ~~والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق. فجعل العرض ~~كناية عن السعة. وسئل هاهنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها ~~كعرض السماء؟ وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت ~~العرش. # قال صلى الله عليه وسلم في صفة الفردوس «سقفها عرش الرحمن» «1» # وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنك تدعو إلى جنة ~~عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ # والمعنى- والله ورسوله أعلم- أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من ~~العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة ~~السفل. # وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأي أرض وسماء ~~تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. # ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب ms1182 تلك ~~الصفات. منها قوله: الذين ينفقون في السراء والضراء في حال الغنى والفقر لا ~~يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه. عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة. # وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي ~~من مثقال ذرة. وقيل: في عرس أو حبس. والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو ~~من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن. ~~وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم ~~بأن كان مخالفا له، فإنهم لا يتركونه. وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على ~~عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة، أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل ~~الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين. # ومنها قوله والكاظمين الغيظ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها. ويقال: كظم ~~غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد ~~غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم. # قال صلى الله عليه وسلم «من كظم غيظا وهو يقدر على PageV02P259 # إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» «1» # وقال أيضا: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ~~«2» # ومنها قوله: والعافين عن الناس قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين ~~لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة وأن تصدقوا خير لكم [البقرة: 280] ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غضب ~~على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم. فندب إلى كظم هذا الغيظ ~~والصبر عليه والعفو عنهم. # والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم ~~يؤاخذوه. # قال صلى الله عليه وسلم «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ~~ظلمه ويعطي من حرمه» # وعن عيسى ابن مريم عليه السلام: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ~~ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء ms1183 إليك. والله يحب المحسنين ~~يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن ~~يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع ~~إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات. ويدخل ~~فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. # ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة ~~بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن ~~التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو. فإذن الآية دالة على جميع ~~جهات الإحسان إلى الغير. فذكر ثواب المجموع بقوله: والله يحب المحسنين فإن ~~محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب. # قال ابن عباس في رواية عطاء: إن منهالا التمار أتته امرأة حسناء تبتاع ~~منه تمرا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وذكر ذلك له فنزلت والذين إذا فعلوا فاحشة الآية. # وقال في رواية الكلبي: إن رجلين أنصاريا وثقيفا آخى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بينهما، فكانا لا يفترقان في أحوالهما. فخرج الثقفي مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته. فأقبل ~~ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ~~ولم يستأذن حتى انتهى إليها. فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر ~~كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعا فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم ~~تصب حاجتك. قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح في الجبال ويتوب PageV02P260 # الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل ~~عليه فوافقه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي. قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم ~~فانطلق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل ~~لك فرجا وتوبة. فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة ~~العصر فنزل جبريل عليه السلام ms1184 بتوبته فتلا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والذين إذا فعلوا فاحشة إلى قوله: ونعم أجر العاملين فقال عمر: يا ~~رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة في التوبة. # وعن ابن مسعود أن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أبنو إسرائيل ~~كانوا أكرم على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في ~~عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها ~~عليهم، وبين أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار. # والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح أو ظلموا أنفسهم ~~أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به. # وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله تعالى: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ~~[الإسراء: 32] وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة. وهذا القول أنسب بسبب ~~النزول الذي رويناه. # وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار ~~منها لأنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بالاستغفار واستغفر لذنبك [محمد: ~~19] وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ذكروا الله أي وعيده أو ~~عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا ~~العرض الأكبر على الله. وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف. ويكون ~~الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي. ونظيره إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [الأعراف: 201] ~~وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة ~~والدعاء تقديم التعظيم والثناء. فاستغفروا لذنوبهم يقال: استغفر الله لذنبه ~~ومن ذنبه بمعنى. والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو ~~الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل. فأما الاستغفار ~~بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار ~~لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعا إلى ms1185 الله تعالى ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال ~~رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات # «سبقت رحمتي غضبي» «1» # فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب PageV02P261 # بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد. # وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون ~~فيغفر لهم» «1» # وعن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله يا ابن ~~آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم ~~لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم لو ~~أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها ~~مغفرة» «2» # وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله ~~إلا غفر له» «3» ثم قرأ والذين إذا فعلوا فاحشة إلى قوله: ومن يغفر الذنوب ~~إلا الله # وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا لم يقيموا على ~~قبيح فعلهم غير مستغفرين. والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، ~~وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه. وأصر أيضا # عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين ~~مرة» «4» # وروي «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» # وهم يعلمون حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معا كما لو قلت: ما ~~جاءني زيد وهو راكب. وأردت نفي المجيء والركوب معا. وذلك أن المقام مقام ~~مدح لهم بعدم الإصرار. # والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها ~~والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم ~~العقل والتمييز والتمكن من ms1186 الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى # قوله صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاث» «5» # وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقا كما لو ~~أردت في المثال المذكور نفي المجيء PageV02P262 # في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وهي ~~إشارة إلى إزالة العقاب وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وهذه ~~إشارة إلى إيصال الثواب ونعم أجر العاملين ذلك الجزاء. قال القاضي: وهذا ~~يبطل قول من قال: # إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجرا ~~والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء. ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا ~~التحقيق. # واستدلوا أيضا بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين ~~لقوله: ولم يصروا والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا ~~يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته. ثم ذكر ما يحمل المكلفين على ~~فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: قد ~~خلت من قبلكم سنن وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن ~~فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة. ~~والمثال المتبع وهي «فعلة» بمعنى «مفعولة» من سن الماء يسنه إذا والى صبه ~~فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت؟؟؟ النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا ~~أحسن الرعي. والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة يعني ~~سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين فإنهم ~~خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم؟؟؟؟ أثر وبقي ~~عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين. قال ~~مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع ~~المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل ~~والكافر له اللعن والعقاب. ثم قال فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين لأن ~~التأمل في حال أحد ms1187 القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض ~~زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم. # وليس المراد من قوله فسيروا في الأرض الأمر بالسير بل المقصود تعرف ~~أحوالهم. فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا. ~~ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثرا أقوى من ~~أثر السماع كما قيل: # إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار # هذا بيان المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: قد خلت جملة معترضة ~~للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر ~~في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم. أما ~~البيان والهدى والموعظة فلا بد من # PageV02P263 # الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة. فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة ~~الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في ~~الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو ~~الموعظة. وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به. وقيل: البيان ~~عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط ~~كونها موصلة إلى البغية. وأقول: يشبه أن يكون البيان عاما لجميع المكلفين ~~وبأي طريق كان من طرق الدلالة. والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، ~~والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] وخص المتقون ~~بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر. ثم لما بين هذه المقدمات ومهدها ~~ذكر المقصود وهو قوله: ولا تهنوا. كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون ~~الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق. ~~والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهنا ~~وجبنا ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح وأنتم الأعلون وحالكم أنكم أعلى ~~منهم وأغلب لأنكم أصبتم ms1188 منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا عنكم؟؟؟؟ أحد أو أنتم ~~الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة؟؟؟؟، أو ~~أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: والعاقبة للمتقين [الأعراف: ~~128] وفي هذا تسلية لهم وبشارة. وقوله: إن كنتم مؤمنين إما أن يكون قيدا ~~لقوله: وأنتم الأعلون أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من ~~الغلبة، وإما أن يكون قيدا لقوله: ولا تهنوا أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية ~~هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر. # قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. فبينما ~~هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا ~~إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر. فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. # وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ~~فذلك قوله وأنتم الأعلون # وقال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد كئيبا ~~حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أهكذا تفعل برسولك؟ فنزلت إن يمسسكم قرح # بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد. وقيل بالفتح ~~لغة تهامة والحجاز. وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم. وقال الفراء: إنه بالفتح ~~الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة. وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن ~~المفتوحة توهم أنها جمع # PageV02P264 # قرحة. ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم ~~بدر. ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا ~~تجبنوا ونظيره فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ~~[النساء: 104] وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذ خلق من الكفار ~~نيف وعشرون رجلا، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم ~~بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم ms1189 في أول النهار كما يجيء من قوله تعالى: ~~ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم [آل عمران: ~~152] والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس ~~القتل والجراحة. وتلك الأيام موصوفا وصفته مبتدأ خبره نداولها وتلك مبتدأ ~~أو الأيام خبره كقولك: «هي الأيام تبلي كل جديد» فإن الضمير لا يوصف ويكون ~~تلك إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء ~~الزمان. والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات ~~الغريبة. وقوله نداولها كالتفسير لما تقدمه. والمداولة نقل الشيء من واحد ~~إلى آخر. ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته. والدنيا دول أي تنتقل من قوم ~~إلى آخرين لا تدوم مسارها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه، ~~ويوم آخر بالعكس فلا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره ~~قولهم: «الحرب سجال» . شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة. وليس ~~المراد من هذه المداولة أنه تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، ~~فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون. بل المراد أنه تارة يشدد ~~المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار ~~في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن ~~الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب. ~~فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في ~~الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله ~~سبحانه: وليعلم الله الذين آمنوا وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ~~ويقرر الفوائد. والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم. # وفيه إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح ~~جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله. وقد احتج هشام بن ~~الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ولما يعلم الله الذين جاهدوا [آل ~~عمران: 142] على أنه تعالى لا يعلم الحوادث إلا عند ms1190 وقوعها وقد سبق الأجوبة ~~عنها في تفسير قوله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه [البقرة: 124] وتأويل ~~الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على # PageV02P265 # المقدور مجاز مشهور. يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو ~~مقدوره. فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير ~~في علم الله تعالى محال. فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق ~~والمؤمن من الكفار. وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم. ~~وقيل: ليعلمهم علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات، لأن ~~المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد. وقيل: # ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيما لهم. وعلى الأقوال العلم بمعنى ~~العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد. وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى ~~الى مفعولين والتقدير: # وليعلمهم مميزين عن غيرهم. ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق ~~وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما ~~فعلنا. ومن حكم المداولة قوله: ويتخذ منكم شهداء من يصلح للشهادة على الأمم ~~يوم القيامة كقوله: لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] فإن كونهم كذلك ~~منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ~~ابتلوا به من الشدائد. أو المراد ليكرم ناسا منكم بالشهادة. والشهداء جمع ~~شهيد كالكرماء والظرفاء. والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيدا. قال ~~النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم. وقال ~~ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة والله لا يحب الظالمين أي ~~المشركين إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ~~ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين ~~بعض المعللات وبعض. وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة ~~لا لأنه يحبهم. # ومن الحكم قوله: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين والمحص في اللغة ~~التنقية والمحق النقصان. وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه ~~شيء. وقال ms1191 الزجاج: معنى الآية أنه إن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين ~~كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس ~~فالمراد محو آثار الكفار. وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم ~~نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل ~~ليقطع طرفا ننقصها من أطرافها. ### | التأويل: # لا تأكلوا الربوا ما يؤدي إلى الحرص على طلب الدنيا أضعافا مضاعفة إلى ما ~~لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. واتقوا الله خطاب للخواص أي ~~اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله لعلكم تفلحون عن حجب ما سوى الله، ~~وتظفرون بالوصول إلى الله. ثم خاطب العوام الذين هم أرباب الوسائط بقوله: ~~واتقوا أي بالقناعة النار # PageV02P266 # أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة ~~رسوله. ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان عرضها ~~السماوات والأرض أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها ~~بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات ~~والأرض من لم يولد مرتين. # فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها. ~~وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ينفقون أموالهم في السراء ~~وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله فعلوا فاحشة هي رؤية غير ~~الله أو ظلموا أنفسهم بالتعلق بما سوى الله وذكروا الله بالنظر إليه ~~وبرؤيته ومن يغفر ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا من رؤية الوسائط والتعلق بها وهم يعلمون أن كل شيء ما ~~خلا الله باطل أولئك جزاؤهم مغفرة أي هم مستحقون لمقامات القرب من ربهم ~~وجنات من أصناف ألطافه تجري من تحتها الأنهار العناية ونعم أجر العاملين ~~لأن نيل المقصود في بذل المجهود قد خلت من قبلكم أمم لهم سنن فسيروا في ~~الأرض نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا ms1192 سماء قلوبكم ~~الروحانية فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين بهذه المقامات الروحانية ~~والمكاشفات الربانية ولا تهنوا أيها السائرون في السير إلى الله ولا تحزنوا ~~على ما فاتكم من اللذات الفانية وأنتم الأعلون من أهل الدنيا والآخرة لأنكم ~~من أهل الله إن يمسسكم في أثناء المجاهدات قرح ابتلاء وامتحان فقد مس القوم ~~من الأنبياء والأولياء قرح محن مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~السائرين يوما نعمة ويوما نقمة، ويوما منحة ويوما محنة. ويتخذ منكم شهداء ~~أرباب المشاهدات والمكاشفات وليمحص الله فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب ~~المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ~~ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه. وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص ~~للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ~~ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 142 الى 150] # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون (143) وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين (144) وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ~~ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ~~(145) وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (146) # وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة والله يحب المحسنين (148) يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين ~~كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير ~~الناصرين (150) # PageV02P267 ### | القراآت: # رأيتموه بغير همزة يعني بالتليين ونحوه رأوك [الفرقان: 41] ورأوه [الملك: ~~27] روى هبة الله بن جعفر ms1193 عن الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. يرد ثواب ~~وبابه مدغما: أبو عمرو وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف نؤته مثل يؤده ~~[آل عمران: 75] وكأين بالمد والهمز مثل «كاعن» حيث كان: # ابن كثير. وقرأ يزيد وكأين بالمد بغير همزة. وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وعلي بغير نون في الوقف وكأي الباقون: وكأين في الحالين قتل أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل الباقون. قاتل. ### | الوقوف: # الصابرين ه تلقوه ص لطول الكلام رسول ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافا ~~الرسل ط أعقابكم ط لتناهي الاستفهام شيئا ط الشاكرين ه مؤجلا ج لابتداء ~~الشرط منها ج للعطف منها ط الشاكرين ه قتل ط ليكون قتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلزاما للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن ~~محمدا قد قتل. والتقدير ومعه ربيون كثير. ولو وصل كان الربيون مقتولين. ومن ~~قرأ قاتل فله أن لا يقف كثير ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب وما استكانوا ~~ط الصابرين ه الكافرين ه الآخرة ط المحسنين ه خاسرين ه مولاكم ج الناصرين ~~ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب ~~الأصلي في ذلك فقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة بدون تحمل المشاق. و «أم» ~~منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و «لما» بمعنى «لم» مع زيادة التوقع. ~~وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم. وإنما حسن ~~إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت ~~بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدهما مقام الآخر. # تقول: ما علم الله في فلان خيرا أي ما فيه خير حتى يعلمه. فحاصل الكلام ~~لا تحسبوا أن # PageV02P268 # تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد. وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه تعالى أوجب ~~الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح ~~المنوطة بها في الدين والدنيا. وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان ~~إلى السعادة والجنة مع إهمال ms1194 مثل هذه الطاعة. والواو في قوله: ويعلم ~~الصابرين واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. كأنه قيل: إن ~~دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين ~~الله كان صادقا، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب ~~هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء. وقيل: التقدير أظننتم أن ~~تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟ ووجه آخر وهو ~~أن يكون مجزوما أيضا لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة اتباعا ~~للفتحة قبلها. وهذا كما قرىء ولما يعلم الله بفتح الميم إلا أن يراد ولما ~~يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت. وقرأ الحسن ويعلم بالجزم على العطف. وروي عن ~~أبي عمرو ويعلم بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ولقد ~~كنتم تمنون الموت الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة. ويراد بالموت سببه ~~وهو الجهاد والقتل. قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنيا لأن ~~يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر. ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده ~~أو يرضى به، بل إنما تمنوا لفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم. ~~وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء. ولا يخطر ~~بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته. قالت الأشاعرة هاهنا: ~~من أراد شيئا أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ~~ولا ريب أنه تعالى أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من ~~الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم ~~الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه ~~تعالى مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان. من قبل أن تلقوه من قبل أن ~~تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته. فقد رأيتموه وأنتم تنظرون قال ~~الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل ms1195 ~~بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا. ويحتمل أن يراد رأيتم ~~إقدام القوم وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون ~~إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على ~~تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده. # قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالشعب ~~أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم. ~~فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه # PageV02P269 # السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على ~~المشركين، ثم حمل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فهزموا أبا سفيان. ~~ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة الى الغنيمة، ~~وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على ~~المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن ~~قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه ~~وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد ~~حتى قتله ابن قميئة. واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبوبكر ~~وعلي عليه السلام. وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ ألا إن محمدا قد قتل. قيل: وكان الصارخ ~~الشيطان ففشا في الناس خبر قتله صلى الله عليه وسلم فانكفؤا، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يدعو: إلي عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من ~~أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ~~أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت وما محمد إلا رسول # أي مرسل. قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة ~~أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام قد خلت من قبله ~~الرسل فسيخلو كما ms1196 خلوا. وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ~~فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم ~~بين أممهم أبدا أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الفاء لتسبيب الجملة ~~الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه ~~دخل عليه. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمدا أو قتل؟ # وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي ~~التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان ~~هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد. وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء ~~وقتلهم، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين. والنصارى ~~زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل. وقد ~~علم أنه لا يقتل لكونه مجوزا عند المخاطبين. وقوله: والله يعصمك من الناس ~~[المائدة: 67] لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته ~~العلماء منهم على أنه ليس نصا في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة ~~الناس وإضلالهم. وقوله: إنك ميت [الزمر: 30] يراد به المفارقة إلى الآخرة ~~بأي طريق كان بدليل وإنهم ميتون [الزمر: 30] وكثير منهم قد قتلوا. ويمكن أن ~~يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت ~~الخمسة زوجا فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها. ومعنى «أو» هو الترديد ~~والتشكيك أي سواء فرض # PageV02P270 # وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو ~~الارتداد ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا بل لا يضر إلا نفسه، وهذا ~~كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر ~~السماء والأرض. يريد أنه يعود ضرره عليه. # وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين. ويجوز ~~أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول ~~الله صلى الله ms1197 عليه وسلم. روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت ~~عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو ~~كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر عم ~~أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت. وما تصنعون ~~بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ~~ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به ~~هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط ~~في دمه فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال: إن كان قتل فقد بلغ ~~قاتلوا على دينكم. ففي أمثالهم قال تعالى: وسيجزي الله الشاكرين لأنهم ~~شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات. ثم قال: وما كان لنفس أن ~~تموت ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمدا قتل فارجعوا إلى ما كنتم ~~عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في ~~الوقت المقدر. وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو ~~قتل. وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، ~~وأن أحدا لا يموت قبل الأجل وإن خوض المهالك واقتحم المعارك. أو الغرض بيان ~~حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر ~~إلا وقد حصل إلا أنه تعالى لما كان حافظا لنبيه ولم يقدر في ذلك الوقت أجله ~~لم يضره ذلك. وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه صلى الله عليه ~~وسلم، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا. قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن ~~الله. وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا ~~بمشيئة الله وإرادته، فأورد ms1198 الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي ~~لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس ~~نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل. وقال أبو ~~مسلم: الإذن هو الأمر. والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح ~~فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر. وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر ~~على خلق الموت والحياة أحد إلا الله. وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع ~~بالقهر والإجبار. # PageV02P271 # والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل ~~والمقتول. وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله صلى الله عليه ~~وسلم، ولكنه جعل من بين يديه صلى الله عليه وسلم ومن خلفه رصدا ليتم على ~~يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف. وقيل: # الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه. وفي ~~الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا ~~المعنى بقوله: كتابا مؤجلا وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب ~~الموت كتابا مؤجلا مؤقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: الكتاب ~~المؤجل هو المشتمل على الآجال. وقيل: # هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل ~~والسعادة والشقاوة. قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله تعالى، وأما ~~الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد. فإذا كتب تعالى ذلك ~~فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون ~~مذموما أو ممدوحا. والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله تعالى إذا علم من ~~العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلا، وإذا ~~كان هو غير قادر على الإيمان حينئذ فما معنى اختياره؟ ثم إنه كان في الذين ~~حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله تعالى ms1199 في هذه ~~السورة فقوله: # ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم ~~الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله ~~تعالى وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتمد به في ~~الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: وسنجزي الشاكرين فأبهم الجزاء وأضافه إلى ~~نفسه تنبيها على أن جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد ~~شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم ~~طوله. وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» «1» # وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي. فمن وضع الجبهة ~~على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى ~~كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر. # وكأين الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و «أي» التي هي ~~في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة. كما أن «كذا» مركبة من «الكاف» و ~~«ذا» المقصود به PageV02P272 # الإشارة. «فكأين» مثل «كذا» في كون المجروحين مبهمين عند السامع إلا أن ~~في «ذا» إشارة فى الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف «أي» فإنه للعدد ~~المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل. والأكثر إدخال «من» في مميز «كأين» ~~وبه ورد القرآن، والتمييز بعد «كذا» و «كأين» في الأصل عن الكاف لا عن «ذا» ~~و «أي» كما في «مثلك رجلا» لأنك تبين في كذا رجلا وكأين رجلا أن مثل العدد ~~المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم. فأي في الأصل كان معربا لكنه ~~انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى «كم» ~~الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في «من» لا ~~تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطا ولأجل ~~التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن. وربما ظن بعضهم أنه ms1200 اسم فاعل من ~~كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء ~~بهما. وفيه لغات أخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها ~~في كتبنا الأدبية. ومحل كأين هاهنا رفع على الابتداء، وقوله قتل أو قاتل ~~خبره والضمير يعود إلى لفظ كأين فإنه مفرد اللفظ. وإن كان مجموع المعنى. ~~والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة. الواحد ربى عن الفراء والزجاج. ~~قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ~~ترببوا أي تجمعوا. وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون ~~الرعية. # والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ ~~قتل فمعنى الآية إن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في ~~دينهم بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم ~~أسوة حسنة. فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه ~~الأمة بهم. ومن قرأ قاتل فالمعنى: # وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قروح فما ~~وهنوا. فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في القتال. وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه ~~قال: ما سمعنا بنبي في القتال. ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه ~~الرواية أيضا بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ~~ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا ~~على جهاد عدوهم. ثم إنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله فما وهنوا ~~إلخ ولا بد من تغايرها فقيل فما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد ~~بعده وما استكانوا للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من ~~الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبضعفهم ~~عند ذلك عن جهاد الكفار # PageV02P273 # واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد ms1201 الله بن أبي في طلب ~~الأمان من أبي سفيان. وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان ~~واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم. ~~وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقا اختلال القوة الجسمية، ~~والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف. # واستكان قيل «افتعل» من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد. وعلى ~~هذا فالمد شاذ كقولهم «هو منه بمنتزاح» أي ببعد يراد بمنتزح. والأصح أنه ~~استفعل من «كان» والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى ~~حال. والله يحب الصابرين بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم. ثم ~~أخبر أنهم كانوا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب ~~الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم. فإن من عول في ~~تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعدده ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز ~~بالظفر. وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس ~~واستصغار لها. قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه تعالى ضمن ~~نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات استيلاء الأعداء دل ذلك ~~على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب ~~النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة. إنهم ~~عمموا الذنوب أولا الصغائر والكبائر بقولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا ثم خصصوا ~~الذنوب الكبائر بقولهم وإسرافنا في أمرنا لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط ~~فيه. والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر ~~الفاسدة عن صدورهم. والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة ~~كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب ~~انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم. ~~وفي الآية تأديب وإرشاد من الله تعالى في كيفية الطلب عند النوائب جهادا ~~كان أو غيره فآتاهم الله ثواب الدنيا من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر ~~وانشراح الصدر وحسن ثواب الآخرة وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات ms1202 ~~وذلك غير حاصل في الحال. والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله ~~بالحصول كنفس الحصول. أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، ~~قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ~~ربهم كما ماتوا أحياء. وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟ وإنما ~~لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع ~~والزوال. قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله وقولوا للناس # PageV02P274 # حسنا # [البقرة: 83] والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية ~~في الجود ونهاية في العدل. وهاهنا نكتة وهي أنه أدخل «من» التبعيضية في ~~الآية المتقدمة في قوله: نؤته منها في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية. ~~لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء ~~فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب ~~إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل. وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة ~~الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله. ثم قال والله يحب المحسنين والإحسان ~~أن تعبد الله كأنك تراه. وهاهنا سر وهو أنه تعالى وفقهم للطاعة ثم أثابهم ~~عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله. # يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا عن السدي: المراد بالذين ~~كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم. والمعنى إن ~~تستكينوا لهم وتستأمنوهم. # وعن علي عليه السلام: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأشياعه قالوا ~~للمؤمنين عند الهزيمة: # ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. # وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ~~ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبيا حقا لما غلب ولما ~~أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم ~~عليه. والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة ~~العموم، فعلى ms1203 المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى ~~مشورتهم حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: يردوكم على ~~أعقابكم أي إلى الكفر بعد الإيمان فتنقلبوا خاسرين في الدنيا باستبدال ذلة ~~الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو أشق الأشياء لدى العقلاء، ~~وفي الآخرة بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. بل الله ~~مولاكم ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار. والمعنى أنكم ~~إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم ~~عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون. وهو خير ~~الناصرين لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، ~~قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ~~ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض ~~من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه. ### | التأويل: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات ~~تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق # PageV02P275 # الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة ولقد كنتم يا ~~أرباب الصدق وأصحاب الطلب تمنون موت النفوس عن صفاتها تزكية لها من قبل أن ~~تلقوه بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد ~~الأصغر ظاهرا وفي الجهاد الأكبر باطنا فقد رأيتم هذه الأسباب التي كنتم ~~تمنونها عيانا وأنتم تنظرون لا تفدون أرواحكم ولا تجاهدون حق الجهاد في ~~الله بأرواحكم وأشباحكم أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم فيه أن ~~الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد ~~من الوالدين أو الأستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في ~~قولهما له من ربك؟ فيقول: هاه لا أدري. فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟ ~~فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس. فيقولان له: لا دريت ولا ~~تليت. وسيجزي الله بالإيمان الحقيقي الشاكرين الذين شكروا نعمة الإيمان ms1204 ~~التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه. وما ~~كان لنفس أن تموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها ~~إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق ~~طلوع الشمس. ثم أثبت للعبد كسبا في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقا إلى الحق ~~فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبة له وهو ~~معنى قولهم «الصوفي ابن الوقت» وفيه أنشد: # خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولى تمشى إلى عبد # أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد # ومن عمل شوقا إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة وسنجزي ~~الشاكرين أي كلا الفريقين على قدر شكرهما. وكأين من نبي قاتل أعدى العدو ~~الذي بين جنبيه ومعه ربيون متخلقون بأخلاق الرب فما وهنوا لما أصابهم من ~~تعب المجاهدات وما ضعفوا في طلب الحق وما استكانوا باحتمال الذلة والالتفات ~~إلى غير الله. إن تطيعوا الذين كفروا أي النفوس الكافرة وصفاتها يردوكم إلى ~~أسفل سافلين بشريتكم وبهيميتكم. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 151 الى 160] # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ~~بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا ~~عنكم والله ذو فضل على المؤمنين (152) إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول ~~يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم ~~والله خبير بما تعملون (153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى ~~طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون ms1205 في أنفسهم ما لا ~~يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154) إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن ~~الله غفور حليم (155) # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا ~~في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ~~حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير (156) ولئن قتلتم ~~في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم ~~أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا ~~عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~(160) # PageV02P276 ### | القراآت: # الرعب بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب. # الباقون: بسكون العين- ومأواهم وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد ~~والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ولقد صدقكم وبابه بإدغام الدال ~~في الصاد: # حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل. وتغشى بتاء فوقانية وبالإمالة: ~~حمزة وعلي وخلف. الباقون: بياء الغيبة. كله بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب. ~~الباقون: # بالنصب. يعملون بصير بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة. ~~الباقون: # بالخطاب. متم ومتنا بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة ~~وخلف وافق حفصا إلا هاهنا لجوار قتلتم الباقون: بضم الميم من مات يموت. # يجمعون بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب. # PageV02P277 ### | الوقوف: # سلطانا ج لعطف المختلفتين النار ط الظالمين ه بإذنه ج لأن «حتى» تحتمل ~~انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران «إذا» مع حذف الجواب أي ms1206 إذا فعلتم ~~وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على تحبون ظاهر في الوجهين. # الآخرة ج لأن «ثم» لترتيب الإخبار وقيل لعطف صرفكم على الجواب المحذوف. # ليبتليكم ج عفا عنكم ط المؤمنين ه أصابكم ط تعملون ه طائفة منكم (لا) لأن ~~الواو للحال. الجاهلية ط من شيء ط لله ط يبدون لك ط هاهنا ط مضاجعهم ج لأن ~~الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. وليبتلي ما في قلوبكم ~~ط الصدور ه الجمعان (لا) لأن إنما خبر إن كسبوا ج لاحتمال الواو حالا ~~واستئنافا عنهم ط حليم ه وما قتلوا ج لأن لام ليجعل قد يتعلق بقوله: وقالوا ~~لإخوانهم أو بمحذوف أي ذلك ليجعل في قلوبهم ط ويميت ط بصير ه يجمعون ه ~~تحشرون ه لنت لهم ج لأن الواو للعطف و «لو» للشرط من حولك ص والوصل أولى ~~ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضا الأمر ج لفاء التعقيب مع ~~«إذا» الشرطية على الله ط المتوكلين ه لكم ج لابتداء شرط آخر مع الواو. من ~~بعده ط المؤمنون ه. ### | التفسير: # إنه تعالى يذكر في هذه الآيات وجوها كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم ~~المبالاة بالكفار. من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن ~~هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام ~~في جميع الأوقات. الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في ~~يوم أحد إلا أنا سنلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين ~~على سائر الأديان، ويؤيده # قوله صلى الله عليه وسلم «نصرت بالرعب مسيرة شهر» «1» # وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة. ~~قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، ~~انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق. ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا. قتلناهم ~~حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم. فلما عزموا ~~على ذلك ms1207 ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت ~~الآية. وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب ~~في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير PageV02P278 # سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة- ~~يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ ~~فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى. والرعب الخوف الذي يملأ القلب ~~فزعا ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار. وإلقاء الرعب في قلوبهم لا ~~يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض ~~الوجوه. ولكن ظاهر قوله: في قلوب الذين كفروا يقتضي وقوع الرعب في قلوب ~~جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي ~~قلبه خوف المسلمين وهيبتهم. إما في الحرب وإما في المحاجة. وقيل: إنه مخصوص ~~بأولئك الكفار. بما أشركوا أي بسبب إشراكهم بالله. وفيه وجه معقول وهو أن ~~الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه [النمل: 62] ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار لأنه ~~يقول: إن كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له ~~الإجابة. فيلزمهم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم ~~الإجابة. كيف وإنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا؟ ما لم ينزل به سلطانا الهة لم ~~ينزل الله بإشراكها حجة. والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال ~~للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر. قال ~~الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر. ~~وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ~~ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعا كقوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل ~~عليه لم يجز إثباته. ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب ms1208 نفيه. ~~ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال: لا سبيل إلى إثبات ~~الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه. ويكفي في رفع هذه الحاجة إثبات الصانع ~~الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته. أقول: هذا إذا استدللنا ~~بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على ~~نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي ~~الشريك. ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه ~~حالهم في الآخرة فقال: ومأواهم أي والمكان الذي يأوون إليه النار وبئس مثوى ~~الظالمين مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء ~~الرعب بقوله: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم # PageV02P279 # تستأصلونهم قتلا. قال أصحاب الاشتقاق: حسه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل ~~كما يقال: # بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه. بإذنه بعلمه. وقيل: المراد ~~بهذا الوعد أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله ~~رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على ~~اللواء. وقيل: هو ما ذكره من قوله إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم ربكم [آل عمران: 125] إلا أن هذا كان مشروطا بشرط هو الصبر والتقوى. # وقيل: المراد هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرماة: لا تبرحوا هذا ~~المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم فيه. # فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف ~~حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم. وقيل: لما رجعوا الى المدينة ~~قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت حتى ~~إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا ~~لم يقتض الجواب. والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم ~~بالنصر كان مشروطا بالصبر. وقال آخرون: إنه للمجازاة. ثم اختلفوا في الجزاء ~~على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في ms1209 الوقوف وذلك لدلالة ~~سياق الكلام عليه. وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة. ~~والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من ~~المكان الذي وقفهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثالثها قال أبو ~~مسلم: # جوابه ثم صرفكم. و «ثم» هاهنا كالساقطة. وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم ~~فريقين. والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم ~~المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: ~~الغنيمة. # فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا نبرح هذا المكان. فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد ~~الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون. # وقوله: في الأمر إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم ~~فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم ~~الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان. وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع ~~والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة، ثم تنازعوا من ~~طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب ~~الغنيمة. # وإنما ورد الخطاب عاما وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض ~~اعتمادا على المخصص بعده وهو قوله ومنكم من يريد الآخرة وفائدة قوله: من ~~بعد ما أراكم ما تحبون التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن ~~الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان # PageV02P280 # من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك ~~الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم. قوله: ثم صرفكم عنهم قالت الأشاعرة: معنى هذا ~~الصرف أنه تعالى رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبورا وكانت صبا حتى ~~وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة. ولا يتوجه ~~عليهم إشكال لأن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه. وأما ~~المعتزلة فلم يرضوا بهذا ms1210 التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى ~~نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا وأيضا إنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان ~~بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم ~~وصحتهم ومرضهم؟ فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوها. قال الجبائي: إن ~~الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا ~~هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم ~~العدو من غير فائدة أصلا، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى ~~موضع يتحرزون فيه عن العدو. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى ~~الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه ~~الله إلى نفسه بمعنى أنه كان يأمره وبإذنه. ثم قال ليبتليكم والمراد أنه ~~تعالى لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن ~~بقية المسلمين. ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا ~~في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية ~~مشتلمة على المعذورين في الانصراف وعلى غير المعذورين. فقوله: ثم صرفكم ~~عنهم يرجع إلى المعذورين، وقوله ولقد عفا عنكم يرجع إلى غير المعذورين. ~~وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقال الكعبي: ثم صرفكم عنهم بأن لم يأمركم بمعاودتهم من ~~فورهم ليبتليكم بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم. وقال أبو مسلم ~~الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب ~~من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم. ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك ~~الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم. ~~قال القاضي: ظاهر قوله: # ولقد عفا عنكم يقتضي تقدم ذنب منهم. فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن ms1211 ~~يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار ~~توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو. ~~وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص ~~الرسول، وصارت تلك # PageV02P281 # المخالفة سببا لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة. ثم إن ~~ظاهر الآية دل على أنه تعالى قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة ~~فصارت الآية دليلا على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر. والله ذو فضل على ~~المؤمنين يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت ~~الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة. وقد يستدل ~~بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة ~~من أنه لا مؤمن ولا كافر. # قوله سبحانه: إذ تصعدون إما مستأنف بإضمار «واذكر» ، وإما أن يتعلق بما ~~قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ ~~في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه. أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم ~~صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها. قال أبو معاذ ~~النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا ~~أخذ من أسفله إلى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والجبل فإنه يقال صعد. ولا ~~تلوون على أحد لا تلتفتون إليه. وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه ~~أو عنان دابته. والرسول يدعوكم كان يقول: إلي عباد الله، أنا رسول الله من ~~كر فله الجنة. فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا ~~يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو. في أخراكم في ساقتكم ~~وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه صلى الله عليه وسلم ~~وبقي هو في الجماعة المتأخرة. يقال: # جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم ~~وجماعتهم الأولى. فأثابكم قال في ms1212 الكشاف: إنه عطف على صرفكم. وأقول: لا ~~يبعد أن يعطف على تصعدون لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي ~~رجع. والمرأة تسمى ثيبا لأن واطئها عائدا إليها. فأصل الثواب كل ما يعود ~~إلى الفاعل من جزاء فعله خيرا كان أو شرا إلا أن العرف خصه بالخير. فإن ~~حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى ~~العرف كان واردا على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب. أي جعل ~~مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم ~~يستر وجه اللذة والسرور. والباء في بغم يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: ~~بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة. أما الاحتمال الأول ففيه ~~وجوه: # قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غما بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم ~~الانهزام. # وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم. وقال الحسن: يريد ~~غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين. وفي الكشاف: يجوز أن يكون ~~الضمير في فأثابكم # PageV02P282 # للرسول أي فآساكم في الاغتنام. فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج ~~وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك ~~العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: ~~أحدهما أن يكون هناك غمان: الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما ~~حصل عند الهزيمة. أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن ~~الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعا عظيما. أو الأول ~~هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين. أو الأول ما أصابهم ~~في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى ~~المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، ~~وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة. # وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة ms1213 الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع ~~الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها. ثم اللام في قوله: لكيلا تحزنوا يحتمل ~~أن يتعلق بقوله: ولقد عفا عنكم لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل هم وحزن، وإما ~~أن يتعلق بقوله: فأثابكم فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم ~~الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على ~~فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجرا لهم عن الإقدام ~~على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله. وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين ~~يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ~~ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائدها. قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم ~~من الله تعالى خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء. وأما المعتزلة فإنهم ~~يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه تعالى لأنه طبع العباد طبعا يغتمون ~~بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون. وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية ~~المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن ~~الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ~~ولا يفرحوا بالإقبال. وإن جعل الإثابة مسندا إلى الرسول فإنما فعل ذلك ~~ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما ~~أصابهم من غلبة العدو. وإن جعلت الباء بمعنى «مع» فالمعنى كما في قول ~~الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم ~~فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في ~~غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعا لهم من أن يحزنوا على ~~فوات الغنيمة في وقعة أخرى. ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي ~~زجرهم بزاجر أخروي فقال: والله خبير بما تعملون عالم بجميع # PageV02P283 # أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك. ثم أخبر أن الذين كانوا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا ms1214 الدين ~~وأن هذه الواقعة لا تؤدي الى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر ~~على سائر الأديان، فخاطب الجماعة بقوله: # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا وأراد هؤلاء بقول: يغشى طائفة منكم ~~والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة. والنعاس فتور في ~~أوائل النوم. وانتصاب أمنة على أنها حال متقدمة من نعاسا مثل: رأيت راكبا ~~رجلا، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ~~ذوي أمنة، أو على جمع آمن كبار وبررة، أو على أنه مفعول أنزل ونعاسا بدل ~~منه. قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد ~~أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلا ويميل تحت حجفته. وعن الزبير: كنت ~~مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم. ~~والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس ~~في الصلاة من الشيطان. وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق ~~بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. ~~وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت ~~المعتاد معجزة ظاهرة جديدة له صلى الله عليه وسلم موجبة لزيادة وثوقهم بأن ~~الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد. ومنها أن الأرق ~~والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط. ومنها شغلهم عن ~~مشاهدة قتل الأعزة والأحبة. ومنها أن الأعداء كانوا حراصا متهالكين في ~~قتلهم. فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن ~~حفظ الله وكلاءته معهم. ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس هاهنا كناية عن ~~غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد ~~والحكم المذكورة. واعلم أن من قرأ تغشى بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن ~~الأمنة ms1215 مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع. # ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في ~~حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر إذ يغشيكم النعاس [الأنفال: 11] ولأن ~~العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشيه الأمن، ولأن النعاس والأمنة ~~لما كانا شيئا واحدا كان التذكير أولى. وأما الفريق الثاني فهم المنافقون ~~الذين كانوا في شك من نبوته صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة ~~كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم النبي ~~ولا المسلمين. والهم # PageV02P284 # الأمر الشديد. ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه. فالمعنى أوقعتهم ~~أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات. ~~والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلا ~~عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على ~~النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم ~~فلم يكن لهم هناك إلا هم أنفسهم. يظنون بالله غير الحق وهو في حكم المصدر ~~أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به. وظن الجاهلية بدل منه. # والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل ~~الجاهلية فذكر أولا أنهم يظنون بالله ظنا باطلا، ثم بين أنهم اختاروا من ~~الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة. أو ظن ~~الجاهلية مصدر وغير الحق تأكيد ل يظنون كقولك: هذا القول غير ما تقول. وظن ~~الجاهلية كقولك: حاتم الجود ورجل صدق. # مما أضيف للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل ~~الإسلام. أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله. فالجاهلية ~~مصدر كالعالمية والقادرية. قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله ~~العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، ~~فلا جرم ما ms1216 وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقويهم وينصرهم. ~~وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبيا حقا لم يسلط الله ~~الكفار عليه، وهذا ظن فاسد. أما عند أهل السنة فلأنه تعالى فاعل لما يشاء ~~ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلعة لم يجب أن يشرفه بأخرى. ~~وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية ~~بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية. ولو كان كون المؤمن محقا ~~يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس الى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف ~~واستحقاق الثواب والعقاب. وإنما يعرف كون الإنسان محقا بالدلائل والبينات، ~~ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية ~~صاحبها والله أعلم. يقولون هل لنا من الأمر من شيء حكاية شبهة تمسك بها أهل ~~النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار. وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا ~~من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها. ونظيره ما حكى ~~عنه لو أطاعونا ما قتلوا [آل عمران: # 168] وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، ~~وإذا كانت لعدوه قالوا عليه الأمر. أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به ~~محمد وهو النصر والقدرة شيء؟ # وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟ والغرض منه تعيير المسلمين ~~على التسديد في # PageV02P285 # الجهاد، فأمره الله تعالى أن يجيب عنها بقوله: قل إن الأمر كله لله ~~والحوادث بأسرها مستندة الى قضائه وقدره. فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار ~~واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة ~~الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة. يخفون في أنفسهم في ~~ضمائرهم أو فيما بينهم ما لا يبدون لك وذلك المخفي قولهم: لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا أي لو كان ms1217 هذا الدين حقا لما سلط الله الكفار على ~~من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله تعالى ~~نبيه أن يجيبهم بقوله: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن ~~بد من وجوده. فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا ~~في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده. وقيل: معناه لو تخلفتم ~~أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار ~~إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه ~~المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم خص الابتلاء بما في ~~الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء ~~محله القلب الذي في الصدر. والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب. ~~واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب. أما نسقه فقوله: وطائفة مبتدأ ~~وأهمتهم صفته ويظنون خبره. # ويحتمل أن يكون خبره محذوفا أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، ويظنون صفة ~~أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه البيان للجملة ~~قبلها، ويقولون بدل من يظنون أو بيان له. وإنما صح وقوع القول الذي مقوله ~~إنشاء بدلا من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادرا عن الظن. ويخفون حال من ~~يقولون وقل إن الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ كله ~~بالرفع فلأنه مبتدأ ولله خبره، والجملة خبر «إن» . ومن قرأ بالنصب فلكونه ~~تأكيدا للأمر ولله خبر «إن» كما لو قلت: إن الأمر أجمع لله. وقوله: يقولون ~~استئناف، وقوله: وليبتلي تقدم ذكره في الوقوف. وأما نظمه فإنه لما أخبر عن ~~هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من ~~الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظانا بل ms1218 شاكا في حقية هذا ~~الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: قل إن ~~الأمر كله لله بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء. ثم ~~لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين ~~المنكرين، أراد أن يكشف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتربه المؤمنون فقال: ~~يخفون في أنفسهم ما لا # PageV02P286 # يبدون لك # أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي ~~يخفونه في أنفسهم؟ فقيل يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا وقد ~~مر تفسيره. ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم ~~نقتل هاهنا؟ فيكون كالطعن في قوله: قل إن الأمر كله لله قال في التفسير ~~الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي. فذاك يقول: ~~الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله. وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل ~~إن شاء آمن وإن شاء كفر. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذا ~~الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لا يرد القدر، والتدبير لا يبطل ~~التقدير. وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن ~~المنافق كما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب ~~عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات. ثم قال: والله عليم بذات الصدور ~~صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، ~~وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح. # قوله عز من قائل: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان يعني يوم أحد. ~~وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ~~ثبتوا. ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قتل. ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء ~~يقلن: أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرون؟ وكن يحثين التراب في وجوههم ~~ويقلن: هاك المغزل اغزل. وقال بعض الرواة: إن ms1219 المسلمين لم يعدوا الجبل. قال ~~القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا قليلا تولوا وأبعدوا، ~~فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب. وأما الأكثرون فإنهم ~~نزلوا عند الجبل واجتمعوا هنالك- ومن المنهزمين عمر- إلا أنه لم يكن في ~~أوائل المنهزمين. ولم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ومنهم أيضا عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار- يقال لهما سعد ~~وعقبة- انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام # فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ذهبتم فيها عريضة. # وأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا. ~~سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ~~وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام. # وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث ~~بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. وذكر أن ثمانية من ~~هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة ~~والزبير. وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، ~~وعاصم بن ثابت، وسهل بن # PageV02P287 # حنيف. ثم لم يقتل منهم أحد. وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي ~~لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع إنما استزلهم الشيطان تقول: زللت يا ~~فلان تزل زليلا إذا زل في طين أو منطق. والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه ~~طلب منه الزلة ودعاه إليها. والباء في ببعض ما كسبوا للاستعانة مثلها في: ~~كتبت بالقلم. والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات ~~قدر الشيطان على استزلالهم في التولي. وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال ~~الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة ~~منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم فكرهوا لقاء الله ms1220 إلا ~~على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة. فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا ~~مخطئين فيه. وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان ~~بشؤم تلك المعصية في الهزيمة. وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر ~~الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر ~~إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وإنما قال: ببعض ما كسبوا لأن الكسب قد يكون ~~خيرا كقوله: لها ما كسبت [البقرة: 134، 141، 286] أو لأن جميع الذنوب لا ~~يؤاخذ بها الله تعالى كقوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا ~~عن كثير [الشورى: 30] وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. ~~ويحتمل أن تكون الباء بمعنى «في» أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا ~~الشيطان في بعض الأعمال. إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع ~~والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعتهم التأييد ~~وتقوية القلوب حتى تولوا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى ~~استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالا أخر إما في هذه الغزوة ~~أو قبلها. ولقد عفا الله عنهم فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن ~~العفو عن الكفر لا يجوز. بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟ والظاهر أنه التولي ~~لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله. ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟ ~~قالت المعتزلة: كلاهما محتمل. لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار ~~التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في ~~الآية. قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر ~~إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم ~~حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر. ~~وقالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص. وحيث عفا عنه من غير ~~ذكر التوبة- والأصل عدم الإضمار- غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من ~~غير شرط. ms1221 # PageV02P288 # ثم ندب الى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: يا أيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين كفروا قيل: إنه عام. وقيل: يعني المنافقين. وقيل: منافقي ~~يوم أحد كعبد الله بن أبي وأصحابه. وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن ~~مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافرا وقالوا ~~لإخوانهم أي لأجل إخوانهم مثل وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما ~~سبقونا إليه [الأحقاف: 11] وذلك أنهم قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا والميت والمقتول لا يكلم. وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو ~~قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم. ومعنى الأخوة اشتراك النسب. فلعل ~~المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين. أو اتفاق الجنس فلعل ~~بعض المنافقين صار مقتولا في بعض الغزوات. والضرب في الأرض الإبعاد فيها ~~للتجارة وغيرها. والغزو قصد محاربة العدو قريبا كان أو بعيدا. والفاعل غاز ~~والجمع غزى مثل: سابق وسبق، وراكع # وركع. وإنما قال: إذا ضربوا دون «إذ ضربوا» أو «حين ضربوا» ليشاكل في ~~المعنى قوله: وقالوا لأنه أراد حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم ~~إذا ضربوا في الأرض. فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. ~~فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: «قالوا» . ويجوز أن يكون قالوا في ~~تقدير «يقولون» لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في ~~المستقبل مثل أتى أمر الله [النحل: 1] وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في ~~تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع. ويمكن ~~أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدهم ~~واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة. وقال قطرب: كلمه «إذ» و «إذا» يجوز إقامة ~~كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن ~~أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غيره حجة عليه. قال الواحدي: في ~~الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو ms1222 كانوا غزى فقتلوا لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. وأما اللام في قوله: ليجعل الله ذلك حسرة ~~في قلوبهم ففي متعلقه وجهان: الأول أنه قالوا أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ~~ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله تعالى: فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟ ~~فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم ~~لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم ~~وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة ~~والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من ~~الأسف. وقيل: # PageV02P289 # لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال ~~المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة. وقيل: ~~المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين. وقيل: المقصود خيبتهم ~~عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها. وقيل: الغرض أن جدهم ~~واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في ~~الحيرة والحسرة. الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: لا تكونوا وذلك إشارة ~~إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء ~~كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ~~والله يحيي ويميت رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له. ~~فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد. فعلى المكلف أن يتلقى ~~أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق ~~إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له. عن خالد بن الوليد أنه ~~قال عند موته: ما في موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أنا ذا أموت كما ~~يموت الغير فلا نامت أعين الجبناء. وفي أمثالهم «الشجاع موقى والجبان ملقى» ~~. وكان علي يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف ms1223 ~~أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور ~~اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان والله بما تعملون ~~بصير فلا تكونوا مثلهم. ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون ~~وعيدا لهم. ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ~~ماتوا وما قتلوا ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد ~~وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة ~~من الله ورحمة شيء من مغفرته ورحمته خير مما يجمعون فاللام الأولى هي ~~الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى. # والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر ~~لا بالسفر. # ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله، وإن ذلك ~~خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا. وعن ابن عباس: خير من ~~طلاع الأرض ذهبة حمراء. ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في ~~الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا، أو ورد على حسب معتقدهم أن ~~أموالهم خيرات لهم. وإنما كانت المغفرة والرحمة خيرا من المال لأن المال ~~الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا ~~يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيرا. وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه ~~إلى الغد فلعل مانعا من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، # PageV02P290 # وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، ~~وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة ~~أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار ~~بلذة قبقبه؟ فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ~~ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون كأنه قيل: إن ~~تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياما قلائل في ~~الدنيا مع ms1224 اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون ~~لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس ~~والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية. وإنما قدم ~~القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ~~ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، ~~فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، ~~والثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا. ولا ~~شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقا ~~ليعم أنواع القتل كلها. وفي قوله: لإلى الله تحشرون لطائف منها: تقديم ~~الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد ~~في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف ~~والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال ~~القهر أشد أنواع الوعيد. ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل ~~باسم الله تنبيها على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة. ومنها ~~بناء تحشرون على المفعول تعويلا على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي ~~يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره. ومنها أنه أضاف حشره إلى ~~غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتا لا يخرجون عن قبضته. ومنها أنه ~~خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد ~~كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون. واعلم أنه تعالى ذكر في الآيتين ~~المغفرة والرحمة والحشر إليه. فالأول إشارة إلى من يعبده خوفا من عقابه، ~~والثاني إشارة إلى من يعبده طمعا في ثوابه، والثالث إشارة إلى من يعبده ~~لأنه يستحق العبادة. فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة ~~عقابه، وما أحسن هذا النسق! # يروى أن عيسى عليه السلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى ~~عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: ms1225 نخشى عذاب الله. فقال: هو ~~أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم ~~فقالوا: نطلب الجنة والرحمة. فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ~~ثالث ورأى عليهم سمات # PageV02P291 # العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا ~~لرغبة. فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون. # قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ولئن ~~متم أو قتلتم عطفا للشيء على نفسه. قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم. ثم ~~إنه سبحانه لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم ~~وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول صلى ~~الله عليه وسلم حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم. # روي أن امرأة عثمان دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم- وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلي يغسلان السلاح- فقالت: ما فعل عثمان؟ أما والله لا ~~تجدونه أمام القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه. # وروي أنه قال حينئذ: أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا. ولما دخل عثمان مع ~~صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة. # وعنه أنه قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى ~~الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» «1» # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقه، ولا ~~جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه» # فلما كان صلى الله عليه وسلم إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلما ~~وأحسنهم خلقا لأن الغرض من البعثة- وهو التزام التكاليف- لا يتم إلا إذا ~~مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات ~~النصيحة. وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان. كنا ~~مشركين فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين جملة وبالقرآن ~~دفعة لثقلت هذه ms1226 التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى ~~كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد ~~كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة. # واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن ~~الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع ~~القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به ~~لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحدا ~~في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات ~~شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق. ولما كان صلى الله ~~عليه وسلم أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم ~~الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقا وذلك من فضل الله ورحمته على الناس ~~PageV02P292 # كما قال: فبما رحمة من الله لنت لهم و «ما» مزيدة للتوكيد. أما الحكم ~~بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى. وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: ~~فبرحمة. وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلا. وجوز ~~بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة. وإنما كان لينه ورفقه ~~رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله تعالى. فلا ~~رحمة بالحقيقة الإله، ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد ~~برحمته عوضا كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله ~~على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الأغراض. وأيضا رحمة ~~المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر ~~الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها. فلا رحمة إلا بإعانة الله ~~وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم. ثم بين أن الحكمة في لين ~~جانبه ما هي فقال: ولو كنت فظا سيىء الخلق وأصله فظظ كحذر. فظظت يا رجل ms1227 ~~بالكسر فظاظة غليظ القلب قاسيه بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ~~لانفضوا من حولك لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على ~~التفريق ومنه «فض الختام» . ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك. # ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: فبما رحمة من الله لنت لهم يوم ~~أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ولو كنت فظا غليظ القلب تشافههم بالملامة ~~على ذلك لانفضوا من حولك هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما ~~يطمع العدو فيك وفيهم. وهاهنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم ~~يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: يا أيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التحريم: 9] وقال في إقامة حد الزنا: ~~ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~[النور: 2] ومثله أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين [المائدة: # 54] أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] فيعلم من المدح على اللين ~~في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل ~~شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل «لا تكن حلوا ~~فتسترط ولا مرا فتعقى» . واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر. ~~وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة ~~في حق جميع المكلفين. فكل ما فعله مع محمد صلى الله عليه وسلم من الهداية ~~والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي ~~لهب. فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء، فلا ~~يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفادا من رحمة الله، # PageV02P293 # وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره. والمعتزلة ~~يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكنا من ~~الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته ~~من مزيد الألطاف فذاك ms1228 بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون ~~برحمة من الله. ثم قال: فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم فيما يختص بحق ~~الله إتماما للشفقة عليهم. قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن ~~يعفو عنهم في الحال كما أنه تعالى قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد ~~عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، ~~وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة. ثم قال: وشاورهم في الأمر والمشاورة ~~مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها. وقيل: # من شرت الدابة شورا عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت. والمكان الذي ~~تعرض فيه الدواب يسمى مشوارا. يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار. ~~وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء. ~~وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد ~~منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ~~ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ~~ذلك عليهم. ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم ~~يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا. ومنها قال الحسن وسفيان بن ~~عيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ~~ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة ~~أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة. ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم ~~فينزلهم على قدر منازلهم. ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل ~~أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم» # وهذا هو السر في الجماعات والجمعات. ومنها أنه تعالى ما أمر رسوله ~~بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم ~~أنهم الآن أعظم حالا ms1229 مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على ~~فضله وكرمه لا على العمل والطاعة. ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل ~~به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي ~~والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى. وفيما وراء ذلك هل تجوز ~~المشاورة في كلها أم لا؟ قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص ~~بالحرب لأن اللام في لفظ الأمر ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي ~~بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس # PageV02P294 # ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد. وقد أشار الحباب بن المنذر يوم ~~بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه ~~السعدان- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ~~ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة. ومنهم من قال: اللفظ عام ~~خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأمورا ~~بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم فاعتبروا يا أولي الأبصار [الحشر: 2] ~~والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة. وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان ~~من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب. وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على ~~الندب قال: وهذا # كقوله صلى الله عليه وسلم «البكر تستأمر في نفسها» «1» # ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا ~~هاهنا. فإذا عزمت أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على الله لأن ~~الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن. عن جابر ~~بن زيد أنه قرأ فإذا عزمت بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ~~ولا تشاور بعد ذلك أحدا. إن ينصركم الله عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم ~~يوم بدر فلا يغلبكم أحد وإن يخذلكم كما خذلكم يوم ms1230 أحد فمن ذا الذي ينصركم ~~من بعده أي من بعد خذلانه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك «ليس لك من ~~يحسن إليك من بعد فلان» تريد إذا جاوزته. وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية ~~فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده ~~من الأنبياء والأولياء؟ فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو ~~القادر على الإدخال فيه. وعلى الله وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن ~~الأمر كله له ولا راد لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ~~ويقتضيه. وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض ~~الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر ~~بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه ~~عليها بل يعول على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده. ### | التأويل: # ولقد صدقكم الله أيها الطلاب وعده ألا من طلبني وجدني إذ تقتلون جنود ~~الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم ~~في أمر PageV02P295 # الطلب وعصيتم الدليل المربي من بعد ما أراكم الدليل بالتربية ما تحبون من ~~دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته ~~زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة. قرئت هذه الآية عند ~~الشبلي فصاح صيحة وقال: # ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل ~~صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، ~~وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان ~~الملاطفات ولقد عفا عنكم يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا ~~والآخرة بالعناية الأزلية والله ذو فضل على المؤمنين في الأزل إذ تصعدون في ~~طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين ~~الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إلي عبادي إلي عبادي، فجازاكم ~~بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ms1231 ما فاتكم من زخارف ~~الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة والله خبير بما تعملون من ترك نعيم ~~الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم. ثم أخبر عن ~~إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة ~~النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات ~~من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ~~ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ~~ظن الجاهلية وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا ~~من أمر النصرة والظفر من شيء؟ ما قتلنا هاهنا بالباطل على أيدي حزب الشيطان ~~وليبتلي الله ما في صدوركم أنها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ~~ووسوسة الشيطان ونزعنا ما في صدورهم من غل [الأعراف: 43] يوسوس في صدور ~~الناس [الناس: 5] وليمحص ما في قلوبكم أيها المؤمنون لأن القلوب محل ~~الإيمان والاطمئنان كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب [الرعد: 28] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة ~~الصدر إلى القلب إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا الشيطان خلق من نار ~~فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور ~~صفاته العفو والمغفرة والحلم. ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ليعلم ~~أن لله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسرارا لا يعلمها إلا هو. ومن هنا # قال: «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» «1» # إذا PageV02P296 # ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض ~~نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. ~~لو كانوا موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ~~ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة ~~بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة ~~الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. ms1232 وباقي الحقائق قد مرت في ~~التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: # فبما رحمة من الله لنت لهم يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني ~~أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل ~~منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك ~~القوى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن وفقدت الكمالات التي ~~خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا ~~يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 161 الى 175] # وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ~~(163) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~(164) أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) # وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم ~~الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم ~~قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (170) # يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (171) الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم (172) الذين ms1233 قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (175) # PageV02P297 ### | القراآت: # يغل بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب ~~غير رويس. الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول. ولا يحسبن بياء ~~الغيبة: الحلواني عن هشام. الباقون: بتاء الخطاب. قتلوا بالتشديد: ابن ~~عامر. # الباقون: بالتخفيف. وأن الله بالكسر على الابتداء: علي. الباقون: بالفتح. # وخافوني بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو ~~عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف. ### | الوقوف: # أن يغل ط لابتداء الشرط يوم القيامة ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف لا ~~يظلمون ه جهنم ط المصير ه عند الله ط بما يعملون ه والحكمة ج لمكان العطف ~~مبين ه مثليها (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على قلتم هذا ط أنفسكم ط قدير ~~ه وليعلم المؤمنين ه لا نافقوا ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على ~~تقدير وقد قيل لهم. أو ادفعوا ط لاتبعناكم ط للإيمان ج لاحتمال الحال ~~والاستئناف. في قلوبهم ط يكتمون ج لاحتمال كون «الذين» بدلا عن ضمير يكتمون ~~أو خبر مبتدأ محذوف. ما قتلوا ط صادقين ه أمواتا ط عند ربهم ص يرزقون ه لا ~~لأن فرحين حالهم. # من فضله (لا) للعطف. من خلفهم (لا) لتعلق «أن» . يحزنون ه م للآية ~~واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالا للذين يحزنون. وفضل (لا) ~~لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذ اعتراضية. المؤمنين ه ج لأن ~~«الذين» يصلح صفة للمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصبا على المدح ~~والأول أوجه لاتحاد الصفة. القرح ط لمن لم يقف على المؤمنين. عظيم ج ~~لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. إيمانا ق والوصل أولى للعطف واتصال ~~توكل اللسان بيقين القلب. # الوكيل ه سوء لا للعطف رضوان الله ط عظيم ms1234 ه أولياءه ص لوصل النهي عن ~~الخوف بعد ذكر التخويف مؤمنين ه. ### | التفسير: # هذا حكم من أحكام الجهاد. وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية. يقال: # أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم ليسرقه. والغل الحقد ~~الكامن في الصدر. والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل ~~الماء الذي يجري في # PageV02P298 # أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة ~~يحمله على عنقه» «1» # وقال أيضا: «هدايا الولاة غلول» «2» . # وقال الجوهري: غل يغل غلولا أي خان. وأغل مثله إلا أن العرف جعله في ~~الغالب مخصوصا بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم ~~خاصة، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر. # عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من فارق روحه جسده وهو بريء ~~من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين» «3» # وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم ~~القيامة على رقبته بعير له زعاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك ~~شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة ~~فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم ~~يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا ~~أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس ~~لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ~~ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله ~~أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة ~~على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك» ~~«4» # ومعنى الآية فيمن قرأ ms1235 بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما ~~صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب ~~الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه ~~أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أمينا في الأرض؟ ~~هيهات. وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد [مريم: 35] أي ما كان الله ليتخذ ولدا. ومن قرأ بضم الياء وفتح ~~الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته. وفي تخصيصه بهذه الحرمة ~~والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصبا ~~كانت الخيانة في حقه أفحش. ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من PageV02P299 # قبل الوحي فكان فيه مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا. ومنها أن المسلمين في ~~ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذ أقبح. وثانيهما ~~يخون أي ينسب إلى الخيانة فيكون من الإغلال. قال المبرد: تقول العرب: أكفرت ~~الرجل جعلته كافرا أو نسبته الى الكفرة. قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد ~~لقيل «يغلل» كما يقال: «يفسق ويكفر» والأولى أن يقال: هو من أغللته أي ~~وجدته غالا كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك. ومن هنا قال في الكشاف: معناه ~~راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غالا ولا يوجد غالا إلا ~~إذا كان غالا. وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى ~~الخيانة وقد كان يقتل؟ وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل. ~~فقال: # بل يغل ويقتل. ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده ~~غالا، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما # روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخذها. # وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا ms1236 القبيل في ~~التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ما كان لنا أن نشرك [يوسف: 38] ما كان ~~ليأخذ أخاه [يوسف: 76] ما كان لنفس أن تموت [آل عمران: 145] ما كان الله ~~ليضل قوما [التوبة: 115] وما كان الله ليطلعكم [آل عمران: 179] وحكى أبو ~~عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام «ما كان لك أن تضرب» بضم التاء. ~~والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس. ويوافق هذه القراءة ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط ~~فنزلت. # وعلى هذا يغل بمعنى يخان. # وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالا فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب ~~النزول، أكثرها يروى أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه ~~قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لو كان لكم مثل ~~أحد ذهبا ما حبست منكم درهما، أترون أني أغلكم مغنمكم؟ فنزلت. وعن ابن عباس ~~أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم بشيء ~~زائد فنزلت. # وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلبا ~~للغنيمة وقالوا: يخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم ~~الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد ~~إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا ~~وقوفا فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم ~~للطلائع فنزلت # مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوما ويمنع آخرين، بل ~~عليه أن يقسم بالسوية. وسمى حرمان بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة ~~الأمر. وقيل: نزلت في أداء الوحي. كان يقرأ القرآن- وفيه عيب دينهم وسب ~~آلهتهم- فسألوه أن يترك ذلك فقيل: # PageV02P300 # ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة ~~منهم ومن يغلل يأت بما ms1237 غل يوم القيامة أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ~~ونظيره في مانع الزكاة يوم يحمى عليها في نار جهنم [التوبة: 35] ويدل عليه ~~الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ~~ثم يقال له: انزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا ~~يقبل منه. وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية ~~فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قلت: ذلك الشقي قاس الأمور ~~الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذ يكون أنتن من ~~الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده. قال ~~المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ~~ازدادت فضيحته. ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة» «1» # وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته. # والمراد أنه تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه ~~لأنه لا يخفى عليه خافية. وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ~~ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة. ثم توفى كل نفس ~~ما كسبت إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير ~~متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء ~~فقيل: ثم يوفى ما كسب. # ثم فصل ما أجمل فقال: أفمن اتبع والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف ~~تقديره «أمن اتقى فاتبع» . قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ~~ترك الغلول كمن باء بسخط من الله رجع منه بشدة إرادة انتقام لأجل الغلول؟ ~~وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم ~~يمتثلوا؟ وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون. # وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله ~~بالكفر ms1238 به والاشتغال بمعصيته؟ وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على ~~العموم وإن كان سبب النزول خاصا. وقوله: ومأواه جهنم من تمام صلة من «باء» ~~. وقوله: وبئس المصير اعتراض. قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يسوى بين ~~المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات ~~وتنفيرا عنها. هم درجات قيل: أي لهم PageV02P301 # درجات. وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء ~~المختلفة في ذواتها. وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل ~~عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا # قال صلى الله عليه وسلم: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» «1» # فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات. وقيل: المراد ذوو درجات. ثم الضمير ~~إلى أي شيء يعود؟ قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال ~~الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب. ولأنه قد ذكر وصف من باء ~~بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفا لمن اتبع الرضوان ويؤيده ~~قوله: عند الله وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: «هذه المسألة ~~عند الشافعي كذا» ولا يراد به عندية المكان لتنزهه تعالى عن ذلك إلا أنه ~~يفيد في الجملة تشريفا وأنه يليق بأهل الثواب. وقال الحسن: # يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن منها ضحضاحا وغمرا» «2» # وقال: «إن أهون أهل النار عذابا رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما ~~دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي» «3» # والأوجه أن يكون عائدا إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا ~~دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق. # وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ولكل درجات مما عملوا ~~[الأنعام: # 132] والله بصير بما يعملون فيجازيهم بمقدارها. # قوله عز من قائل: لقد من الله على المؤمنين في النظم وجوه منها: أن هذا ~~الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف ~~يليق ms1239 بمن هذا حاله الخيانة؟ ومنها كأنه تعالى قال: لا أكتفي في وصفه بأن ~~أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم. ومنها ~~أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، ~~فالطعن فيه طعن فيكم. ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه ~~بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود ~~العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد. ومعنى المن هاهنا الإنعام على من لا ~~يطلب الجزاء منه. والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن ~~يعود إلى بعثة هذا الرسول. فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان ~~والجهالة، والنبي يورد عليهم PageV02P302 # وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال. وأيضا إنهم وإن شهدت فطرتهم ~~بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم. وأيضا إنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم ~~أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم. وبالجملة فعقول ~~البشر بمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس. فكما لا يتم ~~الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد ~~العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الثاني أن هذا ~~الرسول بعث من أنفسهم أي من جنسهم عربيا مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم ~~من ولده. فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه. وخص ~~المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحدا ~~سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق ~~والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به. وفيه أيضا شرف لهم وفخر ~~كما قال: وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] وذلك أن الافتخار بإبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب. ثم اليهود ~~والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان ms1240 للعرب ما ~~يقابل ذلك. فلما بعث الله محمدا وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على ~~شرف جميع الأمم. وقيل: # من أنفسهم أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل. ويروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة أنهما قرآ من أنفسهم بفتح الفاء أي ~~أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاما. ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن ~~عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ~~ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وأما سائر أوصافه من قوله: يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ربنا وابعث فيهم رسولا ~~[البقرة: 129] وإعراب قوله: وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين كما سلف في ~~قوله: وإن كانت لكبيرة [البقرة: 143] ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت ~~بعد المحنة كان موقعها أعظم. فبعثة هذا الرسول عقيب الجهل والذهاب عن الدين ~~تكون أعم نفعا وأتم وقعا. ثم لما أجاب عن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولا من عند الله ما ~~انهزم عسكره وهو المراد بقوله: أنى هذا وأجاب عنها بقوله: # قل هو من عند أنفسكم والواو في قوله أولما أصابتكم لعطف هذه الجملة ~~الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو ~~العطف لأن له صدر الكلام ولما ظرف قلتم ومقول القول أنى هذا. وأصابتكم في ~~محل # PageV02P303 # الجر بإضافة لما إليه. والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟ ويجوز أن تكون ~~الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ من أين أصابنا ~~هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي ~~معهم؟ والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر. وذلك أن المشركين ~~قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا ~~سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف ms1241 في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى. ~~فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضا في الأولى يوم أحد، ثم لما ~~عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين ~~حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: قد أصبتم مثليها جواب ضمني يعني أن أحوال ~~الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما ~~وجه الاستبعاد؟ لكنه صرح بجواب آخر فقال: قل هو من عند أنفسكم وفي تقريره ~~وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم. وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور ~~في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي ~~مفارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة. الثاني ما # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم ~~الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم ~~وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم. فذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء ~~منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم. فقتل يوم أحد ~~سبعون رجلا بعدد أسارى بدر. # فمعنى هو من عند أنفسكم هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل. # وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختيارا في الفعل والترك، وأنه من ~~عند نفسه. # وعارضهم الأشاعرة بقوله: إن الله على كل شيء قدير فإن فعل العبد من جملة ~~الأشياء فيكون الله قادرا عليه. فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن ~~يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي ~~انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: وما أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن ~~الرضا بالقضاء لازم. وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، ~~فاستعير الإذن ms1242 للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ليعلم المؤمنين أي ~~ليتميزوا عن أهل النفاق. وإنما لم يقل «وليعلم المنافقين» ليناسب المؤمنين ~~لفظا لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت ~~وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة. وقيل لهم قال الأصم: هذا القائل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كان يدعوهم إلى # PageV02P304 # القتال. وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما ~~انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم ~~وأنفسكم تعالوا قاتلوا في سبيل الله إن كان في قلبكم حب هذا الدين أو ~~ادفعوا عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة ~~الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا. وقال السدي وابن جريج: ~~ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب ~~الهيبة والرعب. ثم إنه كأن سائلا سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين ~~إياهم إلى القتال؟ فقيل: قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم كأنهم جحدوا أن ~~يكون بين الفريقين قتال البتة. أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا ~~لوافقناكم عليه، ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله ~~كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في ~~الجواب فاسد. أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كاف في وجوب القتال والدفع ~~عن النفس والمال. والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من ~~قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد. وأما الثاني فلأنه تعالى لما وعدهم ~~النصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس ~~إلى التهلكة. ولركاكة جوابهم قال: هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان لأنهم ~~تباعدوا بهذا الجواب المنبئ عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل ~~اليوم. والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم ~~سواد المسلمين بالانخذال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر ~~العلماء: إنه تنصيص ms1243 من الله تعالى على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول ~~الكفر. قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: # مائة ألف أو يزيدون [الصافات: 117] فهذه الزيادة لا شك فيها. وقال ~~الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر ~~القول بتكفيرهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم أي لا يتجاوز الإيمان ~~حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا ~~به من التوحيد والله أعلم بما يكتمون من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري ~~أحوالهم فيما بينهم. وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن ~~والأمارات، وهو تعالى عالم بتفاصيل ذلك لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ~~ولا في الأرض [سبأ: 3] . # الذين قالوا منصوب على الذم أو على البدل من الذين نافقوا أو مرفوع على ~~الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير يكتمون وقيل: يجوز أن يكون مجرورا ~~بدلا من الضمير في بأفواههم أو قلوبهم لإخوانهم لأجل إخوانهم المقتولين يوم ~~أحد # PageV02P305 # إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق. والقائلون- عند ~~جمهور المفسرين- عبد الله بن أبي وأصحابه. واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم ~~أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: وقعدوا أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال. ~~والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج. لو ~~أطاعونا في أمرنا إياهم بالقعود ما قتلوا كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل ~~أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت. «ومن ~~يسمع يخل» فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن ~~الجهاد فأجابهم الله تعالى بقوله: قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم ~~صادقين في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره ~~من أسباب النجاة. وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالا دفاعين لأسباب الموت ~~فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا. # وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة ms1244 سبعون منافقا. # جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو ~~أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا والخطاب للرسول أو لكل أحد. ومن قرأ على الغيبة فالضمير ~~للرسول. أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتا. وضمير المفعول ~~للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا. فحذف المفعول الأول ~~لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكور كما حذف المبتدأ في قوله: بل أحياء أي هم ~~أحياء للدلالة. # عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما أصيب إخوانكم ~~بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ~~وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ~~ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في ~~الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه ~~الآية» «1» # وعن جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ما لي أراك مهتما؟ قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا. «فقال: ألا ~~أخبرك ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا. فقال: يا ~~عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال: ~~إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. فقال: يا رب فأبلغ من ورائي» «2» ~~فنزلت. # وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت PageV02P306 # الآية في شهداء بئر معونة. وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا ~~أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا ~~وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال ~~قتلاهم أنهم أحياء متنعمون. واختلف العلماء في معنى هذه الحياة. فعن طائفة ~~أنها على سبيل المجاز. وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في ~~الدنيا والثواب الجزيل في العقبى. وروي أن عبد الملك ms1245 بن مروان لما رأى ~~الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك. ومن هذه الطائفة من ~~قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ~~البتة. # روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: ~~من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع. قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم ~~رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دما. # ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء. # وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض ~~تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت. ~~فالثواب أولى. وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتا والذي يزيل هذا الحسبان هو ~~اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في يوم القيامة، فإن ذلك ~~مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه. وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في ~~أجواف طير. وبقوله: ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم والاستبشار بمن يكون في ~~الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة. وذهب كثير من المحققين إلى أنهم ~~أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت ~~العرش إلى يوم القيامة. وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، ~~لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوة ~~والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي ~~مغاير للمتبدل. ولأن الإنسان يكون عالما بنفسه حالما يكون غافلا عن جميع ~~أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم. ثم ذلك الشيء المغاير لهذا ~~البدن المحسوس سواء كان جسما مخصوصا ساريا أو جوهرا مجردا لا يبعد أن ينفصل ~~بعد موت البدن حيا أو أماته الله فيعيده حيا، وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه ~~وتزول الشبهات. ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة ~~لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت ~~النوم ms1246 وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح. وإذا أعرضت ~~النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سرورا ~~وابتهاجا وفرحا وارتياحا، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها ~~المعارف الإلهية. وأكثر أرباب # PageV02P307 # الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية. ثم منهم من قال: إنه تعالى ~~يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات ~~والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه ~~السعادات إليها. ومن الناس من طعن في هذا القول وقال: إن تجويز كون البدن ~~الميت الملقى في التراب حيا متنعما عاقلا عارفا نوع من السفسطة. والحق في ~~هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها ~~تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأول بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن ~~النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقا وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من ~~المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة. ~~والذي أقوله: # إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن ~~بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها. وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير ~~الأطوار كما كان يتغير في مدة العمر بحسب الأسنان والأمزجة. والتحقيق فيه ~~أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال ~~والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد ~~الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما ~~على الآخر؟ فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك ~~فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى. وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهدا في ~~القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وقال: يا فلان ابن فلان ويا ~~فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإني وجدت ما وعدني الله ~~حقا. فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ ms1247 فقال: ما أنتم ~~بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئا. # وفي حديث عذاب القبر «إنه ليسمع قرع نعالهم» «1» # ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما ~~سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء ~~وهو السر في آخر حديث عذاب القبر # «فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» «2» # وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله تعالى بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة ~~كما قتلوا تعجيلا للثواب. وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها ~~فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم. فافهم PageV02P308 # هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله ~~أعلم. ومعنى عند ربهم أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: فالذين عند ربك [فصلت: ~~38] أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه ~~كما يقال: «هذه المسألة عند الشافعي كذا» . يرزقون كما يرزق سائر الأحياء ~~يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من ~~التنعم برزق الله كما ورد في الحديث. # فرحين بما آتاهم الله من فضله وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل ~~على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها. وقال المتكلمون: الثواب منفعة ~~خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم. فقوله: يرزقون إشارة إلى المنفعة وقوله: ~~فرحين إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم. وبلسان الحكماء يرزقون ~~إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية وفرحين رمز إلى ابتهاجها ~~بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، ويستبشرون بالذين بإخوانهم من ~~المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم. والاستبشار السرور الحاصل ~~بالبشارة. ومعنى من خلفهم أنهم بقوا بعدهم. وقيل لم يلحقوا بهم أي لم ~~يدركوا فضلهم ومنزلتهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون بدل الاشتمال من ~~«الذين» . وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون ~~امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم. وإنما بشرهم الله بذلك ~~لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة ms1248 كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال ~~إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله تعالى بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم ~~أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك ~~قوله: فرحين بما آتاهم الله من فضله ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكيد فقال: # يستبشرون بنعمة من الله وهي الثواب. وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو ~~سرورهم بسعادة أنفسهم. وأن الله أي وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين وهذا ~~سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين. ثم إنه تعالى مدح المؤمنين بغزوتين ~~متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر ~~الصغرى. أما الأولى فما # روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا ~~وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل. فلم تركناهم؟ فهموا ~~بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن ~~أصحابه قوتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: # لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس. فخرج في سبعين من ~~الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد- وهي من المدينة على ثمانية أميال- فألقى ~~الله الرعب في قلوب # PageV02P309 # المشركين وانهزموا. فنزلت الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم ~~القرح للذين أحسنوا # بإتيان جميع المأمورات واتقوا بالانتهاء عن المحظورات وأحسنوا في طاعة ~~الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات. روي أنه كان فيهم ~~من يحمل صاحبه على عنقه ساعة. ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان ~~فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. و «من» في قوله: ~~للذين أحسنوا منهم للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم ~~واتقوا لا بعضهم. # وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا ~~بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن ms1249 مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودفنهم بدمائهم. وذكروا أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال صلى ~~الله عليه وسلم للزبير: # ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها. فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في ~~جنب طاعة الله تعالى. فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيرا واستغفرت ~~له. وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر. # وأما الثانية # فروى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: ~~يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت. فقال صلى الله ~~عليه وسلم لعمر: # قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله. فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه ~~حتى نزل مر الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم ~~بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال: يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي ~~بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه ~~اللبن، وقد بدا لي أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق ~~بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل. فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون ~~فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم ~~إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. # فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن إليهم وحدي. فخرج في ~~سبعين راكبا وهم يقولون: # حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة ~~وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام. فلم يلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين. وكانت معهم تجارت ونفقات ~~فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدما وزبيبا وربحوا وأصابوا ~~بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو ms1250 سفيان إلى ~~مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل ~~الله في المؤمنين الذين قال لهم الناس # يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه. وإنما عبر # PageV02P310 # عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل ~~وما له إلا فرس واحد. ولأن الواحد إذا قال قولا وله أتباع يقولون مثل قوله ~~ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله تعالى: وإذ قتلتم نفسا ~~[البقرة: 72] وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة ~~يضامونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: مر ركب من عبد ~~القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلا- حمل ~~بعير من زبيب-. وقال السدي: هم منافقوا المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند ~~الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه. والمفعول ~~محذوف أي جمعوا لكم الجموع. والعرب تسمي الجيش جمعا. # فاخشوهم فزادهم قول نعيم أو قول المثبطين إيمانا لأنهم لم يسمعوا قولهم ~~وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ~~ليقينهم وأقوى لاعتقادهم. واستدل بالآية من قال: إن الطاعات داخلة في مسمى ~~الإيمان وأنه يزيد وينقص بحسب زيادتها ونقصانها. وأما من قال: الإيمان ~~عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها ~~جعلت في الإيمان مجازا. وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل ~~الكتاب. وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل عليه السلام حين ~~ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله. وقد مر إعراب مثله في ~~البقرة في قوله: فحسبه جهنم [البقرة: 206] . ونعم الوكيل الكافي أو الكافل ~~أو الموكول إليه هو. ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوه فخرجوا فانقلبوا بنعمة من ~~الله وهي العافية وفضل وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ~~ثواب الآخرة. لم يمسسهم سوء لم يصبهم قتل ولا جراح. وصفهم بأنه حصل لهم ~~الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، ms1251 وإن ذلك ~~ثمرة الإخلاص والتوكل على الله سبحانه وتعالى. ثم روي أنهم قالوا: هل يكون ~~هذا غزوا؟ فقال تعالى: واتبعوا رضوان الله ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين ~~حيث قضوا ما عليهم. ثم قال: والله ذو فضل عظيم تنبيها على أن السبب الكلي ~~في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحدا عمله إلا أن ~~يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحدا إلا ~~إياه وذلك قوله: إنما ذلكم المثبط هو الشيطان لعتوه وتمرده وإغوائه. ثم بين ~~شيطنته بقوله: يخوف أولياءه أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر ~~والمفعول الأول محذوف أي يخوفكم أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ~~فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء ~~المثبطين. والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه. وقيل: الشيطان هو إبليس. وقيل: ~~المضاف محذوف والتقدير إنما # PageV02P311 # ذلكم قول الشيطان. وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا فالضمير في فلا تخافوهم للناس في قوله: إن ~~الناس قد جمعوا لكم وقيل: # التقدير يخوفكم بأوليائه كقوله: ويخوفونك بالذين من دونه [الزمر: 36] ~~فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن ~~التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر. الله ~~حسبي. ### | التأويل: # قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها. فالآن نقول: إن روح الشهيد ~~مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ~~ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في ~~الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين والصديقين الذين قتلوا أنفسهم ~~بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات ~~النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة. وليس كل تعلق ~~بهذا العالم سببا للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج يا ليت قومي يعلمون ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين [يس: 26- 27] وكما # ورد في حديث الشهداء «من ms1252 يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة» والذي جاء فيه ~~«إن أرواحهم في أجواف طير خضر» «1» # فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلما. فمن الممكن ~~أن يخلق الله تعالى من ذلك جسما لطيفا شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد ~~تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله ~~تعالى. وأما كون الطير خضرا فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن ~~يكون عبارة عن النضرة تعرف في وجوههم نضرة النعيم [المطففين: 24] وإما لأن ~~حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين ~~الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه [آل عمران: 106] وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، ~~وأرجو أن أكون مصيبا فيها الغرض والله تعالى ورسوله أعلم بمرادهما. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 176 الى 189] # ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (177) ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ~~(178) ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ~~فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (179) ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير (180) # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم ms1253 رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) فإن كذبوك فقد كذب ~~رسل من قبلك جاؤ بالبينات والزبر والكتاب المنير (184) كل نفس ذائقة الموت ~~وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (185) # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186) وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (187) لا تحسبن الذين يفرحون ~~بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ~~ولهم عذاب أليم (188) ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير ~~(189) PageV02P312 ### | القراآت: # ولا يحزنك من الأفعال حيث كان إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~[الأنبياء: 103] نافع ومثله ليحزنني [يوسف: 13] وليحزن الذين آمنوا ~~[المجادلة: # 10] وقرأ يزيد على ضده. الباقون: بفتح الياء وضم الراء. ولا خلاف في مثل ~~يحزنون [البقرة: 38] ولا تحزن [الحجر: 88] مما هو لازم. ولا يحسبن وثلاثة ~~بعدها بالياء التحتانية مع ضم الباء في تحسبنهم أبو عمرو وابن كثير، وقرأ ~~حمزة كلها بتاء الخطاب، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب كلها ~~بالتحتانية إلا قوله: فلا تحسبنهم فإنها بالتاء وفتح الباء. الباقون: ~~الأوليان على الغيبة والأخريان بالخطاب. # PageV02P313 # يميز بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب عياش مخير. الباقون: # خفيف بفتح الياء وكسر الميم. يعملون خبير بياء الغيبة: ابن كثير ويعقوب ~~وأبو عمرو لقد سمع وبابه مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام. سيكتب بضم ~~الياء وفتح التاء وقتلهم برفع اللام ويقول على الغيبة: حمزة الباقون: ~~بالنون فيهما على التكلم. ونصب اللام في وقتلهم وبالزبر ابن عامر وبالكتاب ~~الحلواني عن هشام. الباقون: بغير إعادة الخافض فيهما. زحزح عن مدغما: شجاع ~~وأبو شعيب من طريق العطار وابن مهران ليبيننه ولا يكتمونه بالياء فيهما ~~لأنهم غيب: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير رويس ms1254 وأبو بكر وحماد. الباقون: ~~بتاء الخطاب فيهما على حكاية مخاطبتهم. ### | الوقوف: # في الكفر ج للابتداء بأن ولاحتمال إضمار اللام أو الفاء شيئا ط في الآخرة ~~ج لعطف المختلفتين مع اتحاد مقصود الكلام عظيم ه شيئا ج لما ذكر في الآخرة ~~ط أليم ه لأنفسهم ط إثما ج لما ذكر أيضا مهين ه من الطيب ط ورسله ط عظيم ه ~~خيرا لهم ط شر لهم ط القيامة ط والأرض ط خبير ه أغنياء م لئلا يصير ما بعده ~~من مقولهم، ومن قرأ بضم الياء فوقفه مطلق. بغير حق ج لمن قرأ ويقول بالياء ~~لأن التقدير: ويقول الله أو يقول الزبانية فلا ينعطف على قوله: سنكتب مع ~~اتساق المعنى. الحريق ه للعبيد ج ه لاحتمال الصفة وأن يكون المراد هم ~~الذين، والوقف أولى لأنه لا يظلم العبيد مطلقا لا العبيد الموصوفة. نعم لو ~~كان بدلا من الذين قالوا إن الله فقير صح تأكله النار ط صادقين ه المنير ه ~~الموت ط يوم القيامة ط لابتداء شرط في أمر معظم. # فقد فاز ط الغرور ه كثيرا ط الأمور ه ولا تكتمونه ز لأن الجملتين وان ~~اتفقتا لم يكن النبذ متصلا بأخذ الميثاق فلم يضف إلى ظرف «إذ» . قليلا ط ~~يشترون ه من العذاب ج لما ذكر. أليم ه والأرض ط قدير ه. ### | التفسير: # نزلت في كفار قريش وإنه تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم وأتاح العاقبة له ~~وإن جمعوا الجموع وجهزوا الجيوش حتى يظهر هذا الدين على الأديان كلها. وقيل ~~في المنافقين ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب واقعة أحد، ~~ويؤيسونهم من النصر والظفر، وربما يقولون: إن محمدا لطالب ملك فتارة يكون ~~الأمر له وتارة يكون عليه، ولو كان رسولا ما غلبه أحد. # وقيل: إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش، فاغتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم لذلك فبين الله تعالى أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك. # ونصر بعضهم هذا القول بأن المسارعة وهي شدة الرغبة في ms1255 الكفر إنما تناسب ~~من كفر بعد الإيمان # PageV02P314 # المستمر على الكفر، وبأن إرادته أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة إنما تليق ~~بمن آمن فاستوجب الحظ ثم أحبط، وبأن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود ~~وذلك هو ما قدر النبي صلى الله عليه وسلم من الانتفاع بإيمانهم أو انتفاعهم ~~بالإيمان فبين الله تعالى أنه لا يحلق بسبب فوات ذلك ضرر بالدين، وأن وبال ~~ذلك يعود عليهم كما دل عليه بقية الآية. فإن قيل: الحزن على كفر الكافر ~~وعلى معصية العاصي طاعة، فكيف نهى نبي الله عن ذلك؟ فالجواب أنه نهي عن ~~الإسراف في الحزن بحيث يأتي عليه ونظيره لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ~~[الشعراء: 3] أو المراد لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك إنهم لن ~~يضروا الله أي دينه شيئا من الضرر. يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ~~فيه دليل على أن إرادة الله تتعلق بالعدم، وتنصيص على أن الخير والشر ~~والنفع والضر بإرادة الله، ومعنى قوله: ولهم عذاب عظيم أنه كما لا حظ لهم ~~من منافع الآخرة فلهم حظ عظيم من مضارها. وفي الإخبار عن إرادة عدم الجعل ~~دون الإخبار عن عدم الجعل إشعار بأن استحقاقهم للحرمان بلغ إلى حد أراد ~~أرحم الراحمين أن لا يرحمهم وأن الداعي إلى تعذيبهم خلص خلوصا لم يبق معه ~~صارف البتة. ثم أنزل في اليهود خاصة وهو الأشبه أو في الكفار عامة إن الذين ~~اشتروا الآية. والغرض تأكيد تقوية قلب الرسول كأنه قيل: إن أكثرهم ينازعونك ~~في الدين لا لأجل شبهة لهم بل بناء على الحسد والمنازعة في منصب الدنيا. # ومن كان عقله هذا القدر- وهو أن يبيع بالقليل من الدنيا السعادة الكثيرة ~~في الآخرة- كان في غاية الحماقة، ومثله لا يقدر على إلحاق الضرر بالغير. ~~ولو قيل: إن الآية في المرتدين فالمعنى أن اختيار دين بعد دين ثم الارتداد ~~على العقبين يدل على الاضطراب وضعف الرأي، والإنسان المضطرب الحال لا قدرة ~~له على إيصال الضرر إلى الغير. ثم بين أن بقاء ms1256 المنافقين المتخلفين عن ~~الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال: ولا يحسبن من ~~قرأ بالياء فقوله: الذين كفروا فاعل، و «أن» مع ما في حيزه ساد مسد ~~مفعوليه. ومن قرأ بتاء الخطاب ف الذين كفروا مفعول أول و «أن» مع ما في ~~حيزه بدل منه. وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم ~~المنحي. ألا تراك تقول: جعلت متاعك بعضه فوق بعض. مع امتناع السكوت على ~~متاعك؟ والتقدير: ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن «ما» ~~مصدرية. ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم، ~~أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. قال الأصمعي: يقال ~~أملى عليه الزمان أي طال. وأملى له أي طول له وأمهله. قال أبو عبيدة: ومنه ~~الملا للأرض الواسعة الطويلة، والملوان الليل والنهار. # ويقال: أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حينا وبرهة. وإثما نصب على التمييز. ~~وفي # PageV02P315 # وصف العذاب أولا بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق، ~~وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى. قالت الأشاعرة هاهنا: إن إطالة المدة من ~~فعل الله لا محالة. # والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه سبحانه فاعل الخير ~~والشر. وأيضا إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء، أن يزدادوا إثما، فإذن ~~الكفر والمعاصي بإرادة الله. # وأيضا أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد ~~الغي والإثم، والإتيان بخلاف خبر الله تعالى محال، فعلمنا أنهم مجبورون على ~~ذلك في صورة مختارين. # أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيرا من موت الشهداء إذ ~~الآية من تتمة قصة أحد، لا أنه ليس بخير مطلقا. وزيف بأن بناء المبالغة لا ~~يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا ~~لنفي كونه خيرا من شيء آخر، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس ~~كل ms1257 علة بغرض كقولك: قعدت عن الغزو للعجز والفاقة. ومثله وجعلوا لله أندادا ~~ليضلوا [إبراهيم: 30] وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال. ويقال: ما كانت موعظتي لك ~~إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك. ورد بأن حمل ~~اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه ~~تعالى بأنهم مزدادون إثما على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثما ~~فكان تعالى فاعلا للازدياد ومريدا له. قالوا: في الكلام تقديم وتأخير ~~وترتيبه: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم. ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر «إن» الأولى وفتح الثانية. ~~ورد بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن ~~الواحدي أنكرها. ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين ~~على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن ~~الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد. # لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار # فقال: ما كان الله ليذر اللام لتأكيد النفي والخطاب في أنتم للمصدقين ~~جميعا من أهل الإخلاص والنفاق. خوطبوا بأنه ما كان في حكمة الله أن يترك ~~المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض. وماز وميز ~~لغتان. مزت الشيء بعضه من بعض أميزه ميزا، وميزته تمييزا. # وفي الحديث «من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة وحجة» «1» # ولفظ الطيب والخبيث وإن كان مفردا إلا أنه للجنس والمراد جميع ~~PageV02P316 # المنافقين من المؤمنين، وإنما قدم الخبيث على الطيب ليقع فعل الميز عليه ~~ليعلم أنه المطرح من الشيئين الملقى لرداءته، فإن الميز يقع على الأدون ~~والأهون. وبم يحصل هذا الميز؟ قيل: بالمحن والمصائب كالقتل والهزيمة وكما ~~دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج مع ما بهم من القروح، فبمثل ذلك ~~يظهر الثابت من المتزلزل والساكن من المتقلقل. وقيل: # بإعلاء كلمة الدين وقلة شوكة المخالفين ليظهره على الدين كله. وقيل: ~~بالوحي إلى نبيه ولهذا ms1258 أردفه بقوله: وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن ~~الله يجتبي أي يصطفي ويختار من رسله من يشاء وبناء الكلام على ثلاث مراتب: ~~الأولى أن هذا المنصب الذي استأثر الله تعالى بعلمه لا يليق بكل أحد منكم، ~~وإنما هو مخصوص بالمصطفين من عبيده. الثانية أن الرسول أيضا لا يعلم ~~المغيبات بأن يطلع عليها من تلقاء نفسه وبخاصية فيه، ولكنه إنما يعلم ذلك ~~من طريق الوحي وإطلاع الله تعالى إياه عليه أن هذا مؤمن وذاك منافق. ~~الثالثة أن هذا أيضا مختص ببعض الرسل وفي بعض الأوقات حسب مشيئته وإرادته. ~~فآمنوا بالله ورسله ومن جملة الإيمان بالله أن تعتقدوه وحده علاما للغيوب، ~~ومن جملة الإيمان بالرسل أن تنزلوهم منازلهم بأن تعلموهم عبيدا مصطفين لا ~~يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. ووجه النظم على القول الأول: لا ~~تظنوا أن هذا التمييز يحصل بأن يطلعكم الله على غيبه ويقول إن فلانا مؤمن ~~وفلانا منافق، فإن سنة الله جارية بأنه لا يطلع العوام على غيبه ولا يكون ~~لهم سبيل إلى معرفة الأمور إلا بالامتحان والقرائن المفيدة للظن الغالب، ~~ولكنه يصطفي من رسله من يشاء، فيعلمهم أن هذا مؤمن وذاك منافق ويختارهم ~~للرسالة ووضع التكاليف الشاقة التي بمثلها يتميز الفريقان ويخلص أهل الوفاء ~~من أهل الجفاء. أو المراد ما كان الله ليطلعكم كلكم عالمين بالغيب من حيث ~~يعلم الرسول حتى تصيروا مستغنين عن الرسول، ولكنه يخص من يشاء بالرسالة ثم ~~يكلف الباقين طاعة هؤلاء الرسل، فآمنوا بالله ورسله كلهم، لأن طريق ثبوت ~~نبوتهم واحد، فمن أقر بنبوة واحد منهم لزمه الإقرار بنبوة كلهم. ثم اتبعه ~~الوعد بالثواب فقال: وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم # قال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عرضت علي أمتي في صورها ~~كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر» فبلغ ذلك المنافقين فاستهزؤا ~~فقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فأنزل ~~الله ما كان الله ليذر المؤمنين. # وقال ms1259 الكلبي: قالت قريش: تزعم يا محمد أن من خالفك فهو في النار والله ~~عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، ~~فأخبرنا بمن يؤمن بك وبمن لا يؤمن بك فنزلت. # وقال أبو العالية: نزلت حين سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين ~~المؤمن والمنافق. # PageV02P317 # ثم إنه عز من قائل لما بالغ في التحريض على بذل النفس في الجهاد، حرض على ~~بذل المال في سبيل الله فقال: ولا تحسبن الذين يبخلون من قرأ بتاء الخطاب ~~قدر مضافا أي لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم، وكذا من قرأ بالياء ~~وجعل فاعله ضمير النبي أو أحد. ومن جعل الموصول فاعلا فالمفعول الأول محذوف ~~للدلالة. التقدير: ولا تحسبن هؤلاء بخلهم هو خيرا وهو صيغة الفصل. قال ~~الواحدي: جمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة لترتب ~~الوعيد عليه وسوق الكلام في معرض الذم، ولأن تارك التفضل لو عد بخيلا لم ~~يتخلص الإنسان من البخل إلا بإخراج جميع المال. وفي حكم الزكاة سائر ~~المصارف الواجبة كالإنفاق على النفس وعلى الأقربين الذين يلزمه مؤنتهم، ~~وعلى المضطر، وفي الذب عن المسلمين إذا قصدهم عدو وتعين دفعهم بالمال. وروى ~~عطية عن ابن عباس أنها نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ونبوته. وأراد بالبخل كتمان العلم الذي آتاهم الله، وعلى هذا ~~يكون عودا إلى ما انجر منه الكلام إلى قصة أحد، وذلك هو شرح أحوال أهل ~~الكتاب ويعضده أن كثيرا من آيات بقية السورة فيهم. # وعلى هذا التفسير فمعنى سيطوقون أن الله تعالى يجعل في رقابهم طوقا من ~~النار # كقوله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من ~~نار» «1» # والسر فيه أنهم لم ينطقوا بأفواههم وألسنتهم بما يدل على الحق. وعلى ~~التفسير الأول فإما أن يكون محمولا على ظاهره وهو أن يجعل ما بخل به من ~~الزكاة حية يطوقها في عنقه تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر ms1260 رأسه ويقول: أنا ~~مالك. # عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما من رجل له مال لا يؤدي حق ~~ماله إلا جعل طوقا في عنقه شجاعا أقرع يفر منه وهو يتبعه» «2» . ثم قرأ ~~مصداقه من كتاب الله عز وجل ولا تحسبن الذين يبخلون الآية. # وعن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الذين لا يؤدي زكاة ماله ~~يخيل إليه ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان فيلزمه أي يطوقه يقول: ~~أنا كنزك» «3» # وأما أن يكون على طريق التمثيل لا على أن ثمة أطواقا أي سيلزمون إثمه في ~~الآخرة إلزام الطوق. وفي أمثالهم «يقلدها طوق الحمامة» . إذا جاء بهنة يسب ~~بها ويذم. وقال مجاهد: معناه سيكلفون أن يأتوا بما بخلوا به يوم القيامة. ~~ونظيره ما روي عن PageV02P318 # ابن عباس أنه كان يقرأ وعلى الذين يطوقونه فدية [البقرة: 184] قال ~~المفسرون: # يكلفونه ولا يطيقونه أي يؤمرون بأداء ما منعوه حتى لا يمكنهم الإتيان به ~~فيكون ذلك توبيخا على معنى هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا؟ ولله ميراث ~~السماوات والأرض وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره. فمالهم ~~يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله؟ ونظيره قوله: وأنفقوا مما جعلكم ~~مستخلفين فيه [الحديد: 7] وقال كثير من المفسرين: # المقصود أنه يبطل ملك جميع المالكين إلا ملك الله فيصير كالميراث. قال ~~ابن الأنباري: # يقال ورث فلان علم فلان إذا تفرد به بعد أن كان مشاركا له فيه. ومثله ~~وورث سليمان داود [النمل: 16] أي انفرد بذلك الأمر بعد أن كان داود مشاركا ~~له فيه أو غالبا عليه والله بما تعملون خبير من قرأ على الغيبة فظاهر، أي ~~يجازيهم على منعهم الحقوق. ومن قرأ على الخطاب فللالتفات وهي أبلغ في ~~الوعيد لأن الغضب كأنه تناهى إلى حد أقبل على الخطاب وشافه بالعتاب. ثم شرع ~~في حكاية شبه الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه لما أمر ~~بالإنفاق في سبيل الله قالوا: لو كان محمد صادقا في أن الله تعالى ms1261 يطلب منا ~~المال فهو إذن فقير ونحن أغنياء، لكن الفقر على الله محال فمحمد غير صادق. ~~وأيضا لو كان نبيا لكان إنما يطلب المال لأجل أن تجيء نار من السماء فتحرقه ~~كما كان في الأزمنة السالفة، فلما لم يفعل ذلك عرفنا أنه ليس بنبي. فهذا ~~بيان النظم وليس في الآية تعيين القائلين إلا أن العلماء نسبوا هذا القول ~~إلى اليهود لعنهم الله لقولهم في موضع آخر يد الله مغلولة [المائدة: 64] ~~عنوا أنه بخيل. وذلك الجهل يناسب هذا الجهل، ولأن التشبيه غالب عليهم، ~~والقائل بالتشبيه لا يمكنه إثبات كونه تعالى قادرا على كل المقدورات، وإذا ~~عجز عن إثبات هذا الأصل عجز عن بيان أنه غني، ولما # روى عكرمة ومحمد بن إسحق والسدي ومقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتب مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا. فقال فنحاص بن عازوراء- وهو من ~~علمائهم- أتزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا فهو إذن فقير ونحن أغنياء، فغضب ~~أبوبكر ولطمه في وجهه وقال: لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك. ~~فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد انظر ما صنع بي ~~صاحبك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما الذي حملك على ما ~~صنعت؟ فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال هكذا. فجحد ذلك فنحاص فنزلت هذه ~~الآية تصديقا لأبي بكر. # وأيضا إن موسى لما طلب منهم الجهاد ببذل النفوس قالوا له: اذهب أنت وربك ~~فقاتلا. فلا يبعد أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما طلب منهم الأموال قالوا ~~له: لو كان الإله غنيا فأي حاجة إلى أموالنا. ثم إن القائل لو كان فنحاصا ~~وحده فإنما # PageV02P319 # يستقيم قوله: لقد سمع الله قول الذين قالوا لأن أتباع الرجل والمقتدين به ~~حكمهم حكمه. # ثم إنه تعالى لم يجبهم عن شبهتهم. أما على قواعد أهل السنة فبأن يقول ~~يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ms1262 فلا يبعد أن يأمر عبيده ببذل الأموال مع ~~كونه أغنى الأغنياء. وأما على قوانين المعتزلة فبأن في هذا التكليف فوائد ~~منها: إزالة حب المال عن القلب، ومنها التوسل إلى الثواب المخلد، ومنها ~~تسخير البعض للبعض فبذلك ترتبط أمور التمدن وتنتظم أحوال صلاح المعاش ~~والمعاد وإنما لم يجب لكثرة ورودها في القرآن لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون [آل عمران: 92] من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة [البقرة: 245] وما تنفقوا من خير فلأنفسكم [البقرة: 272] ولأن ~~وجوب الوجود عبارة عن الغنى المطلق حتى لا يحتاج في ذاته ولا في شيء من ~~صفاته ولا بجهة من جهاته إلى ما سوى ذاته. فمن اعترف بوجوب وجوده ثم شك في ~~كمال غناه في وجوده فقد عاد بالنقض على موضوعه فلا يستحق الجواب عند أولي ~~الألباب، وإنما يستأهل صنوفا من العتاب وضروبا من العذاب. فلهذا قال على ~~جهة الوعيد سنكتب ما قالوا في صحائف الحفظة، أو نستحفظه ونثبته في علمنا لا ~~ننساه كما يثبت المكتوب فلا ينسى. وفي التفسير الكبير: سنكتب عنهم هذا ~~الجهل في القرآن حتى يبقى على لسان الأمة إلى يوم القيامة. ثم عطف عليه ~~قتلهم الأنبياء ليدل على أنهم كما لو يقدروا الله حق قدره حتى نسبوا إليه ~~ما نسبوه، فكذلك لم يقضوا حقوق الأنبياء ففعلوا بهم ما فعلوا. ونقول ذوقوا ~~عذاب الحريق وهو من أسماء جهنم. «فعيل» بمعنى «مفعول» كالأليم بمعنى ~~المؤلم. أو سميت باسم صاحبها أي ذات حرقة. والمعنى: ينتقم منهم فيقول لهم ~~ذوقوا عذاب النار كما أذقتم المسلمين جرع الغصص. وهذا القول يحتمل أن يقال ~~عند الموت، أو عند الحشر، أو عند قراءة الكتب. ويحتمل أن يكون كناية عن ~~الوعيد وإن لم يكن ثمة قول. ذلك العذاب أو الوعيد بما قدمت أيديكم من السب ~~والقتل. وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال يباشر باليد، فجعل كل عمل كالواقع ~~بالأيدي على سبيل التغليب وإن كان بعضه باللسان أو بسائر الجوارح والآلات. ~~وإنما جمع لأن المخاطب جمع ولو كان ms1263 مفردا. قيل: بما قدمت يداك مثنى كما في ~~سورة الحج. قال الجبائي: قوله: وأن الله أي وبأن الله ليس بظلام للعبيد، ~~فيه دلالة على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم ~~الذنوب. وفيه بطلان قول المجبرة أن الله يعذب الأطفال بغير جرم ويجوز أن ~~يعذب البالغين بغير ذنب، ويدل على كون العبد فاعلا وإلا لكان الظلم حاصلا. ~~والجواب أنه لم ينف الظلم عن نفسه بمعنى أن الجزاء إنما كان مرتبا على ~~الذنب الصادر بكسب العبد وفعله فلا ظلم، بل بمعنى # PageV02P320 # أنه مالك الملك، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء لم يكن ذلك ظلما. فخلق ~~ذلك الفعل فيهم وترتيب العذاب عليه لا يكون ظلما. قيل: إنه نفى الظلم ~~الكثير عن نفسه وذلك يوهم ثبوت أصل الظلم له، أجاب القاضي بأن العذاب الذي ~~توعد بأن يفعل بهم لو كان ظلما لكان عظيما، فنفاه على حد عظمه لو كان ~~ثابتا. وهذا يؤكد ما ذكر أن إيصال العقاب إليهم كان يكون ظلما عظيما لو لم ~~يكونوا مذنبين. أقول: إنه تعالى نفى حقيقة الظلم عنه في قوله: وما ظلمناهم ~~[هود: 101] وهم لا يظلمون [البقرة: 281] وبحقيقة ما ذكرناه أنه مالك الكل ~~له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولكنه نفى هاهنا كثرة الشر والظلم أن يصدر ~~عنه كأنه قال: إن خيل إليكم أن في الوجود شرا بناء على ما في ظنكم من أن ~~الحكيم قد يصدر عنه الشر القليل بتبعية الخير الكثير، فاعلموا أني منزه عن ~~صدور الشر الكثير مني، وأن هذا من الشر القليل الذي في ضمنه خير كثير. ~~ونقول: أراد نفي الشر القليل وأصل الظلم عنه، ولكن القليل من الظلم بالنسبة ~~إلى رحمته الذاتية كثير، فلهذا عبر عنه بلفظ الكثرة والمبالغة. ثم قرر ~~الشبهة الأخرى لهم فقال: الذين قالوا إن الله عهد إلينا # قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن ~~التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله ms1264 صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا، وأنزل عليك الكتاب، وإن الله ~~قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك فنزلت. # قال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطايب اللحم ~~فيضعونها في وسط بيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه وبنو ~~إسرائيل خارجون واقفون حول البيت، فتنزل نار بيضاء لها دوي وحفيف ولا دخان ~~لها فتأكل ذلك القربان وهو البر الذي يتقرب به إلى الله. وأصله مصدر ~~كالكفران والرجحان. ثم سمي به نفس المتقرب به إلى الله ومنه # قوله عليه السلام لكعب بن عجرة: «يا كعب، الصوم جنة والصلاة قربان» «1» # أي بها يتقرب إلى الله ويستشفع في الحاجة لديه. وللعلماء فيما ادعاه ~~اليهود قولان: قال السدي: إن هذا الشرط جاء في التوراة مع الاستثناء. قال: ~~من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا ~~المسيح ومحمدا. فكانت هذه العادة جارية إلى مبعث المسيح ثم زالت. وقيل: إنه ~~افتراء لأن المعجزات كلها في كونها خارقة للعادة وآية لصحة النبوة سواء، ~~فأي فائدة في تخصيصها؟ ولأنه إما أن يكون في التوراة أن مدعي PageV02P321 # النبوة وإن جاء بجميع الآيات لا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه الآية ~~المعينة، وحينئذ لا تكون سائر المعجزات دالة على الصدق، وإذا جاز الطعن ~~فيها جاز في هذه. وإما أن يكون فيها أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة أية ~~كانت. وحينئذ يكون طلب هذا المعجز المعين عبثا فلهذا نسبهم الله تعالى إلى ~~الجحود والعناد فقال: قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم أي ~~بمدلوله ومؤداه فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين إنما الإيمان يجب عند الإتيان ~~بالقربان. وإنما ذكر مجيء الرسل بالبينات ولم يقتصر على مجيء القربان ليتم ~~الإلزام. # وذلك أن القوم يحتمل أن يقولوا إن الإتيان بهذا القربان شرط للنبوة لا ~~موجب لها، والشرط يلزم من عدمه عدم ms1265 المشروط لكن لا يلزم من وجوده وجود ~~المشروط. فلو اكتفى بذكر القربان لم يتم الإلزام، وحيث أضاف إليه البينات ~~ثبت أنهم أتوا بالموجب وبالشرط جميعا، فكان الإقرار بالنبوة واجبا. ثم سلى ~~رسوله بقوله: فإن كذبوك في أصل الشريعة والنبوة أو في قولك إن الأنبياء ~~الأقدمين جاؤهم بالبينات وبالقربان فقتلوهم. فقد كذب رسل من قبلك وأي رسل ~~والمصيبة إذا عمت طابت جاؤ بالبينات وهي الحجج الواضحات والمعجزات ~~الباهرات. والزبر هي الصحف جمع زبور بمعنى مزبور أي مكتوب. وقال الزجاج: ~~الزبور كل كتاب ذي حكمة فيشبه أن يكون من الزبر بمعنى الزجر عن خلاف الحق ~~وبه سمي زبور داود لما فيه من الزواجر والمواعظ والكتاب المنير الموضح أو ~~الواضح المستنير. ويعلم من عطف الزبور والكتاب على البينات، أن معجزاتهم ~~كانت مغايرة لكتبهم، وأنها لم تكن معجزة لهم والإعجاز من خواص القرآن. وعطف ~~الكتاب المنير على الزبر لأن الكتاب بوصفه بالإثارة أو الاستنارة أشرف من ~~مطلق الزبر فخص بعد العموم لشرفه مثل وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~[البقرة: 98] وقيل: المراد بالزبر الصحف، وبالكتاب المنير التوراة والإنجيل ~~والزبور. # ثم أكد التسلية بقوله: كل نفس ذائقة الموت لأن تذكر الموت واستحضاره مما ~~يزيل الغموم والأشجان الدنيوية، وكذا العلم بأن وراء هذه الدار دارا يتميز ~~فيها المحسن عن المسيء، ويرى كل منهما جزاء عمله. والمراد بكل نفس ذائقة ~~الموت كل ذات. فالقضية لا يمكن إجراؤها على عمومها لاستثناء الله تعالى ~~منها تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك [المائدة: 116] وكذا كل الجمادات ~~لأن لها ذوات. ولقوله: فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~[الزمر: 68] ولأنه لا موت ولا لأهل الجنة ولأهل النار. فالمراد المكلفون ~~الحاضرون في دار التكليف، والملائكة عند من يجوز الموت عليهم. روي عن ابن ~~عباس: لما نزل قوله تعالى: كل من عليها فان [الرحمن: # PageV02P322 # 26] قالت الملائكة: مات أهل الأرض. فلما نزل كل نفس ذائقة الموت قالت ~~الملائكة: متنا. وفي الآية دليل على أن المقتول ميت وعلى أن النفس ms1266 باقية ~~بعد البدن، لأن الذائق لا بد أن يكون باقيا حال حصول الذوق. قالت الحكماء: ~~الموت واجب الحصول عند هذه الحياة الجسمانية لأنها لا تحصل إلا بالرطوبة ~~الغريزية والحرارة الغريزية، ثم إن الحرارة الغريزية تؤثر في تقليل الرطوبة ~~الغريزية. وإذا قلت: الرطوبة الغريزية ضعفت الحرارة الغريزية، ولا يزال ~~تستمر هذه الحالة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفىء الحرارة الغريزية ~~ويحصل الموت، فبهذا الطريق كان الموت ضروريا في هذه الحياة. قالوا: # والأرواح المجردة لا موت لها، وناقشهم المسلمون فيه. وإنما توفون أجوركم ~~يوم القيامة في ذكر التوفية إشارة إلى أن بعض الأجور يعطى قبل ذلك اليوم ~~كما # قال صلى الله عليه وسلم: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النار» . # فمن زحزح عن النار الزح التنحية والإبعاد والزحزحة تكريره فقد فاز لم ~~يقيد الفوز بشيء لأنه لا فوز وراء هذين الأمرين: # الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب. فمن حصل له هذان فقد فاز الفوز ~~المطلق المتناول لكل ما يفاز به. # قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه ~~منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» ~~«1» # فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد. ثم شبه الدنيا ~~بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ~~ورداءته، وذلك أن لذاتها تفنى وتبعاتها تبقى. والغرور بالضم مصدر، والغار ~~المدلس هو الشيطان. # عن علي بن أبي طالب: لين مسها قاتل سمها. # وعن بعضهم: الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور. وعن سعيد بن ~~جبير: إنما هذا المن آثرها على الآخرة. فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع ~~بلاغ. لتبلون في أموالكم # اللام جواب القسم المقدر، والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو للساكنين ولما ~~كان يجب لما قبلها من الضم. والمراد ما نالهم من الفقر والضر والقتل ~~والجرح، والتكاليف الشاقة البدنية والمالية من الصلاة والزكاة والصوم ~~والجهاد، والذي كانوا يسمعونه من الكفرة كالطعن في الدين الحنيف وأهليه، ms1267 ~~وإغراء المخالفين وتحريضهم عليهم وإغواء المنافقين وتنفيرهم عنهم وإن ~~تصبروا على ما ابتلاكم الله به وتتقوا المخالفة أو تصبروا على أداء ~~الواجبات وتتقوا ارتكاب المحظورات فإن ذلك الصبر والتقوى من عزم الأمور من ~~معزوماتها الذي لا يترخص العاقل في تركه لكونه حميد العاقبة بين الصواب، أو ~~هو من PageV02P323 # عزائم الله ومما ألزمكم الأخذ به. قال الواحدي: كان هذا قبل نزول آية ~~القتال. وقال القفال: الظاهر أنها نزلت بعد قصة أحد فلا تكون منسوخة بآية ~~السيف. والمراد الصبر على ما يؤذون به الرسول على طريق الأقوال الجارية ~~فيما بينهم واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوال. والأمر بالقتال لا ينافي ~~الأمر بالمصابرة على هذا الوجه. عن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي ~~كان شاعرا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش في ~~شعره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وأهلها أخلاط- المسلمون ~~والمشركون واليهود- فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستصلحهم كلهم. فكان ~~المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر الله نبيه بالصبر ~~على ذلك فنزلت الآية. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار وأردف أسامة بن زيد ~~وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن خزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس ~~فيه عبد الله بن أبي وذلك قبل أن يسلم عبد الله. فإذا في المجلس أخلاط من ~~المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت ~~المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا ~~علينا. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف. فنزل ودعاهم إلى الله ~~وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول ~~إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. ~~فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ~~ذلك. # فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا ms1268 يتثاورون. فلم يزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا. ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته ~~فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له: يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب- ~~يريد عبد لله بن أبي؟ قال: كذا وكذا. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف ~~عنه واصفح، فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي نزل عليك، ~~وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ~~ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأنزل الله هذه الآية. # ثم إنه تعالى عجب من حال اليهود أنه كيف يليق بحالهم إيراد الطعن في ~~نبوته مع أن كتبهم ناطقة به- وأيضا من جملة إيذائهم الرسول أنهم كانوا ~~يكتمون نعته وصفته فلهذا قال: وإذ أخذ الله بإضمار «اذكر» والضمير في ~~لتبيننه قيل لمحمد لأنه معلوم وإن كان غير مذكور أي لتبينن حاله وهذا قول ~~سعيد بن جبير والسدي. وقال الحسن وقتادة: يعود إلى الكتاب كأنه أكد عليهم ~~إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه. وقيل ~~له الله لتفعلن ولا تكتمونه قيل: الواو للحال أي غير كاتمين. ويحتمل أن ~~تكون للعطف وإن لم يكن مؤكدا بالنون. والأمر بالبيان يتضمن النهي عن ~~الكتمان، لكنه صرح به للتأكيد فنبذوه # PageV02P324 # وراء ظهورهم جعلوه كالشيء المطروح المتروك. # وعن علي رضي الله عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على ~~أهل العلم أن يعلموا. # وقال قتادة: مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تخرج ~~كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب. طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع، هذا علم ~~علما فبذله، وهذا سمع خيرا فوعاه. # ومعنى قوله: واشتروا به ثمنا قليلا أنهم كتموا الحق ليتوسلوا به إلى ~~وجدان حظ يسير من الدنيا فبئس ما يشترون هو ويدخل في الوعيد كل من كتم شيئا ~~من أمر الدين لغرض فاسد ms1269 من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم واستجلاب ~~لمسارهم واستجذاب لمبارهم، أو لتقية من غير ضرورة، أو لبخل بالعلم وغيرة أن ~~ينسب إلى غيره. ثم ذكر نوعا آخر من إيذاء اليهود وأوعدهم عليه وسلى رسوله ~~بذلك فقال: لا تحسبن الذين يفرحون من قرأ بتاء الخطاب وفتح الباء فالخطاب ~~للرسول أو لكل أحد، وأحد المفعولين الذين يفرحون والثاني بمفازة. وقوله: ~~فلا تحسبنهم إعادة للعامل لطول الكلام وإفادة التأكيد. ومن ضم الباء في ~~الثاني مع تاء فالخطاب للمؤمنين، ومن ضمها مع ياء الغيبة فالضمير للذين ~~يفرحون، والمفعول الأول محذوف أي لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، ~~والثاني للتأكيد. ومعنى بما أتوا بما فعلوا. وأتى وجاء يستعملان بمعنى فعل. ~~قال تعالى: إنه كان وعده مأتيا [مريم: 61] لقد جئت شيئا فريا [مريم: 27] . ~~ومعنى بمفازة من العذاب بمنجاة منه أي بمكان الفوز. وقال الفراء: أي ببعد ~~منه لأن الفوز التباعد عن المكروه. في الصحيحين أن مروان قال لرافع أبوابه: ~~اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد ~~بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنما دعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يهودا فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، ~~فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ~~إياه، ثم قرأ ابن عباس وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب الآيتين. ~~وقال الضحاك: كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتاب من ~~اليهود في الأرض كلها أن محمدا ليس نبي الله فأثبتوا على دينكم واجمعوا ~~كلمتكم على ذلك. فاجتمعت كلمتكم على الكفر بمحمد والقرآن، ففرحوا بذلك ~~وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا ونحن أهل ~~الصوم والصلاة، نحن أولياء الله. فذلك قول الله يفرحون بما أتوا # بما فعلوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل الله هذه الآية. يعني ~~بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة. وعن أبي سعيد الخدري أن رجالا من ms1270 ~~المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا ~~عنه، فإذا قدم اعتذروا عنده وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فأنزل ~~الله هذه الآية. وهذه الوجوه كلها مشتركة في الإتيان بما لا ينبغي ومحبة # PageV02P325 # الحمد عليه ووصفه بسداد السيرة وحسن السريرة. ونحن إذا أنصفنا من أنفسنا ~~وجدنا أكثر مجاري أمورنا على هذه الحالة، فنسأله العصمة والهداية. ثم ختم ~~الكلام بقوله: ولله ملك السماوات والأرض والغرض أنه كيف يرجو النجاة من كان ~~معذبه هذا القادر الغالب؟ ### | التأويل: # هو خيرا لهم بل هو شر لهم كل واحد من صفتي البخل والسخاء بمنزلة الإكسير ~~حتى يجعل الخير شرا وبالعكس. سيطوقون شبه بالطوق لأنه يحيط بالقلب ومنه ~~ينشأ معظم الصفات الذميمة كالحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب ~~والبخل # «حب الدنيا رأس كل خطيئة» . # ولله ميراث السماوات والأرض الإنسان وارث الدنيا والآخرة أولئك هم ~~الوارثون. والوارث إذا مات من غير وارث فميراثه لبيت المال. فالإشارة فيه ~~أن من غلب عليه هذه الصفات ومات قلبه فقد بطل استعداد وراثته فميراثه لله ~~إن الله فقير ونحن أغنياء فيه أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، فيعكس ~~القضايا فيصف الرب بصفات العبد والعبد بصفات الرب وذلك لغلبة الصفات ~~الذميمة واستيلاء سلطان الهوى والشيطان، فيقول تارة: أنا ربكم الأعلى، ~~وتارة إن الله فقير ونحن أغنياء. بقربان تأكله النار قالت يهود صفات النفس ~~البهيمية والسبعية والشيطانية لا ننقاد لرسول أي لخاطر رحماني أو إلهام ~~رباني حتى يأتينا بقربان هو الدنيا وما فيها يجعلها نسيكة لله عز وجل، ~~تأكله نار الله الموقدة التي تقدح من زناد محبتهم، فإن كثيرا من الطالبين ~~الصادقين يجعلون الدنيا وما فيها قربانا لله فلا تأكله نار الله. قل يا ~~وارد الحق قد جاءكم رسل من قبلي أي واردات الحق بالبينات بالحجج الباهرة ~~وبالذي قلتم أي بجعل الدنيا قربانا فلم قتلتموهم غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم ~~يبق أثر الواردات. كل نفس ذائقة الموت كلهم مستعدون للفناء في الله، ولا بد ~~لها من موت. فمن ms1271 كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب، ومن كان فناؤه في ~~الله يكون بقاؤه بالله. لتبلون بالجهاد الأكبر ولتسمعن من أهل العلم الظاهر ~~ومن أهل الرياء أذى كثيرا بالغيبة والملامة والإنكار والاعتراض وإن تصبروا ~~على جهاد النفس وتتقوا بالله عما سواه فإن ذلك من عزم الأمور أي من أمور ~~أولي العزم فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35] والله أعلم. ### | [سورة آل عمران (3) : الآيات 190 الى 200] # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ~~(190) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار (192) ربنا إننا سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا ~~سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد (194) # فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن ~~عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ~~والله عنده حسن الثواب (195) لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) ~~متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير ~~للأبرار (198) وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل ~~إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ~~ربهم إن الله سريع الحساب (199) # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~(200) # PageV02P326 ### | القراآت: # الأبرار بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء. والكسائي والنجاري عن ~~ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. وكذلك كل ما تكرر فيه الراء ~~غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن. وقتلوا وقاتلوا حمزة وعلي وخلف، ms1272 ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر وقتلوا مشددا. الباقون: وقاتلوا وقتلوا مخففا. لا ~~يغرنك بالنون الخفيفة: رويس. الباقون بالتشديد نزلا حيث كان بالاختلاس ~~عباس. ### | الوقوف: # الألباب ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفا نصبا أو رفعا على المدح بتقدير ~~أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر. والأرض ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا. ~~باطلا ج للابتداء بسبحانك تعظيما وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب. # النار ه أخزيته ط أنصار ه فآمنا قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ربنا ~~تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: فاغفر لنا معطوف على فآمنا أي إذا آمنا ~~فاغفر. # الأبرار ه ج للآية وللعطف. يوم القيامة ط الميعاد ه أنثى ج لاتحاد الكلام ~~وإلا فبعضكم مبتدأ من بعض ج الأنهار ز لأن ثوابا مفعول له أو مصدر. من عند ~~الله ط الثواب ه البلاد # ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع. جهنم ط المهاد ه من عند الله ط ~~للأبرار ه لله لا لأن ما بعده حال آخر. قليلا ط عند ربهم ط الحساب ه تفلحون ~~ه. ### | التفسير: # إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض # PageV02P327 # الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على ~~التوحيد والكبرياء، # عن ابن عمر قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب. أتاني في ليلتي فدخل في ~~لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في ~~عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك. فقام ~~إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من ~~القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل ~~يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض. فأتاه بلال يؤذنه ~~بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا ms1273 رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال، أفلا أكون عبدا شكورا؟. ثم قال: وما ~~لي لا أبكي وقد أنزل الله علي في هذه الليلة إن في خلق السماوات والأرض ثم ~~قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. # وعن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر ~~إلى السماء ثم يقول: إن في خلق السماوات والأرض. # واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية ~~دلائل، وهاهنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيها على أن العارف بعد ~~استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة ~~المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر ~~كالبصر إذا حدق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: فاخلع ~~نعليك [طه: 12] يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما الى النتيجة وهو وادي قدس ~~الوحدانية. وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، ~~والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر. وإنما قال في ~~تلك السورة لآيات لقوم يعقلون [البقرة: 164] وفي هذه السورة لآيات لأولي ~~الألباب لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلا وفي كمال الحال ~~يكون لبا. وباقي التفسير قد مر هناك. ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف ~~العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن. فقوله: ~~الذين يذكرون الله إشارة إلى عبودية اللسان. وقوله: قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر ~~الجوارح والأركان. # والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما # قال صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» ~~«1» . # وقيل: المراد بالذكر هاهنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ~~PageV02P328 # ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد. وهذا موافق لمذهب الشافعي ~~في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثا ms1274 طبيا، وهو أن الاستلقاء يمنع من ~~استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب. والصلاة إذا كانت عن فكر ~~وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر ~~فذاك وضع الغافلين. وقال أبو حنيفة: # بل يصلي مستلقيا إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد. وقوله: ويتفكرون ~~في خلق السماوات والأرض إشارة إلى عمل الجنان. وقد عرفت معنى الفكر في ~~البحث الخامس من تفسير قوله: وعلم آدم الأسماء [البقرة: 31] وإنما لم يقل و ~~«يتفكرون في الله» كما قال: يذكرون الله # لقوله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» # والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت ~~المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على ~~قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه. فالفكر في ~~المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه ~~منتج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره سبحانه محال لأن ~~تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة ~~بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في ~~مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض ~~مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أولا أن لها ~~ربا وصانعا فيقول: ربنا. ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكما ومقاصد وفوائد لا ~~يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ما خلقت هذا باطلا ثم إذا قاس أحوال هذه ~~المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته تعالى منزه عن مشابهة شيء من هذه ~~المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة ~~فيقول: سبحانك أي أنزهك عما لا يليق بك من مناسبة الجواهر والأعراض. ثم إذا ~~بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات ~~الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة ms1275 بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى ~~خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب ~~كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله فقنا عذاب النار، ثم ذكر سبب ~~الاستعاذة من النار بقوله: ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته أي أبلغت في ~~إخزائه نظيره قوله: فقد فاز [آل عمران: 185] وفي كلامهم: من أدرك مرعى ~~الصمان فقد أدرك. ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وذلك قوله: # ربنا إننا سمعنا مناديا الآية. فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات ~~والآيات على وجه # PageV02P329 # «ألقى في روعي» «1» # والله أعلم بأسرار كلامه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه ~~فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفر لي ~~فنظر الله إليه فغفر له» . # وعنه صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له ~~في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» # قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحدا لا ~~يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض. # وعنه صلى الله عليه وسلم: «لا عبادة كالتفكر» . # وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض ~~بتأويل المخلوق. وفي كلمة هذا ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به ~~الهمم حتى صار حاضرا في خزانه الخيال. وباطلا نصب على المصدر أي خلقا باطلا ~~أو على الحال، وقيل. بنزع الخافص أي بالباطل أو للباطل. قالت المعتزلة: فيه ~~دليل على أن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ~~ولأجل حكمة وغاية. وقوله: # سبحانك جملة معترضة تنزيها له من العبث وأن يخلق شيئا بغير حكمة. فوجه ~~النظم في قوله: فقنا عذاب النار أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها ~~مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار ~~جزاء من عصى ولم يطع. ms1276 وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن ~~لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله تعالى، فإذن ~~الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله ~~بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء. والباطل في اللغة الذاهب ~~الزائل الذي لا يكون له قوة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال. ~~والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: وبنينا فوقكم سبعا شدادا [النبأ: ~~12] هل ترى من فطور [الملك: 3] . ومعنى سبحانك أنك وإن خلقتهما في غاية شدة ~~التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع ~~بهما. ثم لما وصف ذاته تعالى بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في ~~الدنيا والآخرة فقال فقنا عذاب النار واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه ~~سبحانه خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها ~~بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان ~~العالم السفلي. قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر ~~منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء ~~يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص. وناقشهم ~~المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى PageV02P330 # العادة لا على سبيل الحقيقة. والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ~~ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله تعالى مستتبعة ~~لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره. ثم إنهم لما سألوا ~~ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو ~~الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى ~~الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: سبحانك على الطلب ليكون ~~أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله تعالى عباده في حسن ~~الطلب. قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة. عن الزجاج: أخزى الله ~~العدو ms1277 أي أبعده. وقيل: أهانه. وقيل: فضحه. وقيل: أهلكه. وقال ابن الأنباري: ~~الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء. قالت ~~المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن ~~لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه [التحريم: 8] وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا ~~يكون من أمن وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم مخزي أن لا يكون غيره وهو ~~مؤمن مخزي. # وأيضا الآية ليست على عمومها لقوله: وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا [مريم: 71] فثبت أن كل من دخل النار فإنه ~~ليس بمخزي. وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا ~~النار للخلود. وأيضا إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج. وقوله: ~~يوم لا يخزي [التحريم: 8] نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة ~~واحدة وهي نفي الخزي المخلد. # ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان ~~المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي. واحتجت المرجئة بالآية ~~على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: يا أيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم القصاص [البقرة: 178] ولقوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~[الحجرات: 9] والمؤمن لا يخزى لقوله: # يوم لا يخزي الله النبي [التحريم: 8] والمدخل في النار مخزي بهذه الآية، ~~والمقدمات بأسرها يدخلها المنع. أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل ~~مؤمنا وإن كان قبله مؤمنا، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئية الموضوع ~~كما تقرر آنفا. وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد ~~لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني. وقد ~~يتمسك المعتزلة بقوله: وما للظالمين أي الداخلين في النار من أنصار أي في ~~نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع. والجواب ~~أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: والكافرون هم الظالمون ms1278 في # PageV02P331 # [البقرة: 254] وأيضا لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤل معنى الآية إلى ~~أن الأمر يومئذ لله. # وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم ~~هذه الحجة بخلاف الفساق. وأيضا أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية. قالوا: ~~الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصرا له. وعورض بالآيات الدالة ~~على العفو ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي تقول: سمعت رجلا يتكلم بكذا فتوقع ~~الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالا عنه. ~~والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ادع إلى سبيل ربك ~~[النحل: 125] أدعوا إلى الله [يوسف: 108] وداعيا إلى الله [الأحزاب: 46] ~~وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: إن هذا القرآن يهدي [الإسراء: ~~9] كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم تدعوا من ~~أدبر وتولى [المعارج: 17] والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة ~~تصاريفه قال: # يا واضع الميت في قبره ... خاطبك الدهر فلم تسمع # ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل ~~من اللام و «إلى» مقام الأخرى نظرا إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معا. ~~وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي ~~كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا. وقيل: معناه لأجل الإيمان. ولهذا ~~الغرض فسر بقوله: أن آمنوا و «أن» مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن ~~آمنوا. والفائدة في الجمع بين المنادى وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم ~~التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذ أوقع ~~في النفس وأعز. فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا أصل الغفر والتكفير ~~كلاهما الستر والتغطية. وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار ~~للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء. وقيل: الأول الكبائر ~~والثاني الصغائر. وقيل: الأول أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف. ~~وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنبا، والثاني ما أتى ~~به مع ms1279 الجهل بكونه ذنبا وتوفنا مع الأبرار أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو ~~مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع ~~الشافعي في هذه المسألة أي مساو له في ذلك الاعتقاد. احتجت الأشاعرة بالآية ~~على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل ~~بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في فاغفر بعد قولهم: فآمنا. ثم إنه تعالى ~~أجابهم إلى ذلك بقوله: فاستجاب لهم ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى. ربنا وآتنا ما وعدتنا # PageV02P332 # على رسلك أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو ~~الرسول، وعقيب قوله: فآمنا وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد ~~الله الجنة على الطاعة. ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلا على ~~رسلك أو محمولا على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل. وقيل: ~~على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب. وقيل: النصر على ~~الأعداء. وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما ~~صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سيما العبودية. ~~أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلا لوعدك، واعصمنا عما بها نكون ~~أهلا لإخزائك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء. أو المراد احفظ علينا ~~أسباب إنجاز الميعاد. وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم ~~الوعد لا بحكم الاستحقاق. ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا ~~الأدعية بقولهم ولا تخزنا يوم القيامة لأن التخجيل والتفضيح يكدر صفو كل من ~~وعطاء. # والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ~~ربنا ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم والحكيم لا ~~تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملا بها فقالوا: ما خلقت ~~هذا باطلا ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان ~~المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو ms1280 النار فتضرعوا إلى ~~معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم ~~من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب ~~الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على ~~الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء ~~المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء. عن جعفر ~~الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربنا» أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما ~~أراد لأن الله تعالى حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات «ربنا» ثم ~~قال: فاستجاب لهم ربهم أي أجابهم أني أي بأني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر ~~أو أنثى «من» في منكم للتبعيض. # لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي «من» ذكر للتبيين لأن العامل إما ~~ذكر وإما أنثى. # وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه بعضكم من بعض أي يجمع ذكوركم وإناثكم ~~أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله. أو المراد بعضكم كأنه من ~~البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي. # قال صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» . # وقيل: المراد وصلة الإسلام. وهذه جملة معترضة بين بها شركة النساء مع # PageV02P333 # الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل. # روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ~~ولا يذكر النساء فنزلت. # ثم فصل عمل العامل منهم تفخيما لشأن العمل وتنويها بذكره فقال: فالذين ~~هاجروا أوطانهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده باختيارهم وأخرجوا من ~~ديارهم ألجأهم الكفار إلى الخروج وأوذوا في سبيلي يريد طريق الدين وقاتلوا ~~وقتلوا من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم. وقيل: أي قطعوا. ومن ~~قرأ قتلوا وقاتلوا فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: ~~قاتلوا حتى قتلوا. وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل ~~وإذا قتل قومه وعشيرته. وإما بإضمار «قد» ms1281 أي قتلوا وقد قاتلوا لأكفرن جواب ~~للقسم المقدر عنهم سيئاتهم وهو الذي طلبوه بقولهم: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار وهو الذي طلبوه ~~بقولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ثوابا من عند الله وهو الذي طلبوه من ~~الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ولا تخزنا يوم القيامة أي ثوابا يختص به ~~وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه. يقول الرجل: عندي ما تريد أنا ~~مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته. وثوابا نصب على المصدر المؤكد أي إثابة ~~أو تثويبا من عنده لأن قوله: لأكفرن ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم. وقال ~~الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال. وقال الفراء: نصب على التفسير ~~كقولك: هو لك هبة أو بيعا أو صدقة. ثم ختم بقوله: والله عنده حسن الثواب ~~لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات. ~~وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة ~~تكاليفه دليل على أن حكمة الله تعالى اقتضت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى ~~لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأسا. عن الحسن: ~~أخبر الله تعالى أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب ~~به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: # والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ثم إنه تعالى لما وعد المؤمنين الثواب ~~العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، ~~أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: # لا يغرنك والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول ~~والمراد الأمة. قال قتادة: والله ما غروا نبي الله حتى قبضه الله أوله. ~~والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه. ~~قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء ~~الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت. وقيل: كانت ~~اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت. والمراد بتقلبهم ms1282 # PageV02P334 # تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ~~متاع قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين ~~من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل ~~والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين. والنعمة القليلة إذا ~~كانت سببا للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال لكن ~~الذين اتقوا الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي. # والنزل ما يعد للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه ~~لما كانت الجنة بكليتها نزلا فلا بد من شيء آخر يكون أصلا بالنسبة إليها. ~~قلت: ويحتمل أن يكون قوله: وما عند الله باق [النحل: 96] إشارة إليه وهو ~~مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة. وقيل: المعنى وما ~~عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل ~~الزائل، وانتصاب نزلا على الحال من جنات لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى ~~الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقا أو عطاء، أو نصب على ~~التفسير كما قلنا في ثوابا. ثم إنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر ~~حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: وإن من أهل الكتاب وهذا ~~قول مجاهد. وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. ~~وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم ~~كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا. # وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: نزلت في النجاشي لما مات ~~نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للأصحاب: # اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم. قالوا: ومن هو؟. قال: النجاشي. ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض ~~الحبشة فأبصر سرير ms1283 النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال ~~لأصحابه: استغفروا له. فقال المنافقون: # انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل ~~الله هذه الآية. # واللام في لمن يؤمن لام الابتداء الذي يدخل على خبر «إن» أو على اسمه عند ~~الفصل كما في الآية. والمراد ما أنزل إليكم القرآن وما أنزل إليهم الكتابان ~~وخاشعين لله حال من فاعل يؤمن لأن «من» في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة ~~وعلى المعنى أخرى لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما يفعله من لم يسلم من ~~أحبارهم ورؤسائهم أولئك لهم أجرهم عند ربهم ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد ~~حسبما أشار إليه بقوله: إن الله سريع الحساب لأنه عالم بجميع المعلومات ~~قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات. ~~أو المراد سرعة موعد حسابه # PageV02P335 # فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر. ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب ~~سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر ~~فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد ~~والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن ~~المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها. الثاني ما يتعلق ~~بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل ~~الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو ~~بالسنان. ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام الصبر والمصابرة من قهر القوى ~~النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من ~~الربط الشد. فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه. ثم لا ~~بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتدا بها، ~~فلهذا أمر بتقوى الله. ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة ~~الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على ms1284 كنوز الحكم ~~والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا. ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما ~~تقدم في هذه السورة من الأصول وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد. ~~ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد. وعن الحسن اصبروا على دينكم فلا ~~تتركوه بسبب الفقر والجوع وصابروا عدوكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم ~~أحد. وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا ~~أصبر منكم. وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله تعالى في هذه السورة أمرهم ~~بالصبر عليها. ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة ~~مع الأعداء. أما المرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في ~~الثغور ويربط أولئك أيضا خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعدا لقتال ~~الآخر قال تعالى: ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم [الأنفال: 60] # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان ~~كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» «1» # وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن أنه قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط ~~فيه، ولكن انتظار الصلاة خلف الصلاة. وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة ~~بعد الصلاة ثم قال: # فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم. PageV02P336 ### | التأويل: # إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل ~~البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب. الذين ~~عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود ~~الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلها قادرا ~~حيا عليما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا. وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم ~~يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات ~~من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلا أي خلقته إظهارا للحق على ~~الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق. سبحانك تنزيها للحق عن الشبه بالخلق، فقنا ~~باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ms1285 ففيها كل الخزي والندامة والغواية ~~والضلالة. ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ربنا ~~إننا سمعنا من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا فاغفر لنا ذنوبنا ~~أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا. فاغفر ~~لنا بفضلك ورحمتك. # لا أضيع عمل عامل منكم بالظاهر والباطن من ذكر أو أنثى على قدر همتكم ~~ورجوليتكم فالذين هاجروا عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق ~~الذميمة وأخرجوا من ديارهم من معاملات الطبيعة وديارها الى عالم الحقيقة ~~بسطوات تجلي صفات الربوبية وأوذوا في طلبي بأنواع البلاء وقاتلوا مع النفس ~~وقتلوا بسيف الصدق لأكفرن عنهم سيئات وجودهم ولأدخلنهم جنات الوصول فيها ~~أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى ~~والقناعة والعفة والمروءة والفتوة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة ~~والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة ~~والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها الأنهار أنهار ~~العناية ثوابا من مقام العندية والله عنده حسن الثواب لا يكون عند الجنة ~~وغيرها. وإن من أهل الكتاب من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من ~~نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، ويؤمن بما أنزل إليكم من الواردات ~~والإلهامات والكشوف وما أنزل إليهم من الخواطر الرحمانية خاشعين لله كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إذا تجلى الله لشيء خضع له» # لا يشترون بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا إن الله سريع الحساب ~~يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم اصبروا على جهاد النفس بالرياضات ~~وصابروا في مراقبة القلب عند الابتلاءات ورابطوا الأرواح للوصل بالله ~~واتقوا الله في الالتفات إلى ما سواه لعلكم تفلحون فتفوزوا بالبقاء بالله ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. # PageV02P337 ### | (سورة النساء # مدنية حروفها 14535 كلماتها 3745 آياتها مائة وست وسبعون ### | [سورة النساء (4) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله ms1286 كان ~~عليكم رقيبا (1) وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا (4) # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها ~~واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا (6) للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو ~~كثر نصيبا مفروضا (7) وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ~~ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا (10) ### | القراآت: # تسائلون خفيفا بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير. الباقون ~~بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين. والأرحام بالجر حمزة. # الباقون بالنصب. ما طاب بالإمالة: حمزة. فواحدة بالرفع: يزيد. الباقون ~~بالنصب. # هنيا مريا بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا ~~انفرد هنيئا # PageV02P338 # همزها كل القرآن: يزيد. قيما ابن عامر ونافع. الباقون قياما ضعافا ~~بالإمالة: # خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله. وسيصلون بضم ~~الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل. الباقون بفتحها. ### | الوقوف: # ونساء ج. لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات والأرحام ط ~~رقيبا ه بالطيب ص إلى أموالكم ط كبيرا ه ورباع ج أيمانكم ط ألا تعولوا ط ~~لابتداء حكم آخر نحلة ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب. مريئا ه ~~معروفا ه ms1287 النكاح ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع ~~الشرط والجواب جواب «إذا» و «حتى» تكون داخلة على جملة شرطيه مقدمها حملية، ~~وثالثها شرطية أخرى. أموالهم ج أن يكبروا ط لابتداء جملتين متضادتين ~~فليستعفف ج بالمعروف ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض. عليهم ط ~~حسيبا ه والأقربون الأول ص أو كثر ط بتقدير جعلناه نصيبا مفروضا معروفا ه ~~خافوا عليهم ص سديدا ه نارا ط سعيرا ه. ### | التفسير: # لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد ~~والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر ~~بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ~~ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح ~~السورة ببعث المكلفين على التقوى. ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ~~يا أيها الناس إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في ~~النصف الثاني وهي أيضا في الرابعة من سوره. # ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ اتقوا ربكم الذي خلقكم والتي ~~في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم ~~[الحج: 1] ثم إنه تعالى علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة. أما ~~القيد الأول وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع ~~لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر ~~مولاه في كل ما يأمره وينهاه. وأيضا الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها ~~بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة ~~نعمة أخرى منه. وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما ~~يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير ~~أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود ~~مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على ~~حد واحد ونسبة واحدة. ثم في # PageV02P339 # هذا القيد فوائد أخر ms1288 منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، ~~وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» «1» . # ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق. ~~ومنها أن تصور ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء. ومنها ~~أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقرأ ~~كتابا. وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة هاهنا هو آدم عليه ~~السلام، والتأنيث في الوصف نظرا إلى لفظة النفس. وخلق منها زوجها حواء من ~~ضلع من أضلاعها. وقال أبو مسلم: المراد وخلق من جنسها زوجها لقوله جعل لكم ~~من أنفسكم أزواجا [النحل: 72] ولأنه تعالى قادر على خلق حواء من التراب فأي ~~فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟ والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو ~~مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت ~~تقيمها كسرتها» «2» # احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، ~~وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال. والجواب أنه لا يلزم من ~~إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في ~~جميع الصور. قال في الكشاف: قوله: وخلق منها معطوف على محذوف أي أنشأها ~~وخلق منها، أو معطوف على خلقكم والخطاب للذين بحضرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم ~~حواء وبث منهما رجالا كثيرا ونساء غيركم من الأمم الفائتة للحصر. أقول: ~~وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعا للتكرار، ولا تكرار ~~بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال ~~والنساء من الأصلين جميعا. نعم لو كان المراد ms1289 بقوله: وخلق منها إلى آخره ~~بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ~~ذاته تعالى بالأوصاف الثلاثة جميعا من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان ~~الأنسب أن يقال: «فبث» بالفاء. فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد ~~هو ما ذكرنا، وأن PageV02P340 # التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم. ومعنى بث ~~فرق ونشر. # وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتمادا على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم ~~فكانت كثرتهم أظهر. وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار ~~والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول. وإنما يقل الرجال والنساء ~~معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول ~~على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب ~~آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما ~~جمعا آخرين وهلم جرا، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز. واتقوا الله الذي ~~تسائلون به والأرحام من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق ~~الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك ~~وابن زيد والفراء والزجاج. وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى. ~~وقيل: منصوب بالإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها. ومن قرأ بالجر فلأجل ~~العطف على الضمير المجرور في به وهذا وإن كان مستنكرا عند النحاة بدون ~~إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه ~~العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت ~~العنكبوت. وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف ~~بالأرحام # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تحلفوا بآبائكم» «1» . # والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وهاهنا حلف أولا بالله ثم قرن به ~~الرحم فأين أحدهما من ms1290 الآخر؟ ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضا منهي عنه لكن ~~لا نسلم أنه منهي عنه مطلقا، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، ~~وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا # جاء في الحديث «أفلح وأبيه إن صدق» «2» . # سلمنا أنها منهي عنها مطلقا لكن المراد هاهنا حكاية ما كانوا يفعلونه في ~~الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك ~~بالله وبالرحم، وأنشدك الله PageV02P341 # والرحم. وقرئ والأرحام بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك ~~أي أنها مما يتقى ويتساءل به. فإن قيل: لم قال أولا اتقوا ربكم ثم قال بعده ~~واتقوا الله؟ # قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل. وأما تخصيص الرب ~~بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان ~~والتربية، وفي الثاني الترهيب. ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه ~~قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه. ~~قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله. # روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سألكم ~~بالله فأعطوه» «1» . # وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع منها ~~إبرار القسم. # ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن ~~الأرحام باسمه، وقال في سورة القرة: # لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى [البقرة: 83] . # وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله ~~عز وجل: «أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن ~~وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» «2» # وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرحم ~~معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» «3» . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» «4» # عن ms1291 سلمان بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على ~~المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة» «5» . # فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا ~~بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا ~~رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل ~~الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم. والثانية أن الهبة ~~لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذرا من PageV02P342 # الإيحاش والقطيعة. ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: إن ~~الله كان عليكم رقيبا مراقبا يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها. # ثم إنه سبحانه بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ~~وآتوا اليتامى أموالهم وأصل اليتم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة ~~اليتيمة. فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. فاليتيم لغة يتناول ~~الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم. # قال صلى الله عليه وسلم: «لا يتم بعد الحلم» «1» . # والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه ~~يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره. فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم ~~في الشرع مختصا بالصغير فما دام يتيما لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار ~~كبيرا بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما فكيف قال: وآتوا اليتامى ~~أموالهم؟ # ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم ~~بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: فألقي السحرة ساجدين ~~[الشعراء: 46] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود. ويؤكد هذا الطريق قوله فيما ~~بعد فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل ~~إنما يصح بعد البلوغ. # وقال صلى الله عليه وسلم: «تستأمر اليتيمة في نفسها» «2» # ولا تستأمر إلا وهي بالغة. وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر ~~دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، ms1292 وأن لا ~~يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما # رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ ~~يتيم. فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية. فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، ~~نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته. فلما قبض ~~الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثبت الأجر ~~وبقي الوزر. فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر ~~وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده. # قيل: لأنه كان مشركا. الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم ~~يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما ~~يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء. PageV02P343 # ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام- ~~وهو مال اليتامى- بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله ~~المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه. والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل ~~بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث- ~~وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف- بالأمر الطيب وهو حفظها ~~والتورع عنها. وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال ~~اليتيم ويجعل مكانه الرديء. قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو ~~تبديل. يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى. ولما ~~كان المأخوذ الطيب كان تبديلا. ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقا له فيأخذ منه ~~عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه. وقيل: معنى الآية أن ~~يأكل مال اليتيم سلفا مع التزام بدله بعد ذلك فيكون متبدلا الخبيث بالطيب. ~~ولا تأكلوا أموالهم منضمة إلى أموالكم وفي الانفاق تسوية بين المالين ms1293 في ~~الحل إنه أي الأكل كان حوبا كبيرا ذنبا عظيما. والحاب مثله، والتركيب يدور ~~على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع ~~لأجله التصرف. وقيل: «إلى» هاهنا بمعنى «مع» والفائدة في زيادة قوله: إلى ~~أموالكم أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم ~~إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال ~~اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع ~~بهم ليكون أزجر لهم. وإن خفتم ألا تقسطوا أقسط الرجل عدل وقسط جار. وقال ~~الزجاج: أصلهما جميعا من القسط وهو النصيب. فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم ~~صاحبه في قسطه من قولهم: # قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه. وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا ~~قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية. واعلم أن قوله: وإن ~~خفتم شرط وقوله: فانكحوا جواب له. ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق ~~بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة أنه قال: قلت لعائشة: ~~ما معنى قول الله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فقالت: يا ابن ~~أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه ~~يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها. ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه ~~بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها. # فقال تعالى وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب ~~لكم من العدد. # قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ~~الآية فيهن فأنزل الله تعالى يستفتونك في النساء [النساء: 127] الآية. # فقوله فيها: وما يتلى عليكم في الكتاب # PageV02P344 # في يتامى النساء # [النساء: 127] المراد منه هذه الآية وهي قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا. وعبر ~~في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال ~~وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضنا بها عن ms1294 غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن ~~فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل ~~لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. ~~الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولا عن ابن ~~عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، ~~خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى. وكان الرجل منهم ربما ~~كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن فقيل ~~لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين ~~النساء لأنهن كاليتامى في العجز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج ~~من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج. # الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن ~~خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضا وانكحوا ما حل لكم من النساء. الرابع ~~روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه ~~على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن. فقيل: إن خفتم أن تظلموا ~~اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من ~~أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضا فواحدة، فذكر الطرف الزائد ~~وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن ~~خفتم الأربع فثلاثا وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة. قال الظاهريون: # النكاح واجب لقوله: فانكحوا وظاهر الأمر للوجوب. وعورض بقوله تعالى: ذلك ~~لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم [النساء: 25] ولو سلم فالوجوب بحالة ~~الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضا الآية سيقت لبيان وجوب تقليل ~~الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ما طاب ولم يقل من طاب لأنه أراد به ~~الجنس. تقول: ما عندك؟ # فيقال: رجل أو امرأة. تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة. ~~ولأن الإناث من العقلاء ms1295 تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله تعالى: أو ما ~~ملكت أيمانكم ولأن «ما» و «من» يتعاقبان. قال تعالى والسماء وما بناها ~~[الشمس: 5] فمنهم من يمشي على بطنه [النور: 45] . قال المفسرون: معنى ما ~~طاب لكم أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء. واعترض ~~عليه الإمام بأن قوله: فانكحوا أمر إباحة فيؤل المعنى إلى قوله: أبحت لكم ~~نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن ~~أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية. وإذا حملنا الطيب # PageV02P345 # عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من ~~الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا ~~يكون حجة أصلا، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمنا ثم صريحا لا يعد تكرارا ~~بدليل قوله: # كلوا من طيبات ما رزقناكم [البقرة: 57] وعن الثاني أن قوله: ما طاب لكم ~~بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا ~~إجمال. وأما قوله: # مثنى وثلاث ورباع ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوزوا ~~إلى عشار ومعشر قياسا على قول الكميت: # ولم يستر يثوك حتى رميت ... فوق الرجال خصالا عشارا # فاتفق النحويون على أن فيها عدلا محققا. وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي ~~أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في ~~كلام العرب نحو: # قرأت الكتاب جزءا جزءا، وجاءني القوم رجلا رجلا وجماعة جماعة. وكان ~~القياس في باب العدد أيضا التكرير عملا بالاستقراء وإلحاقا للفرد المتنازع ~~فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلا غير مكرر لفظا حكم بأن أصله لفظ ~~مكرر وليس إلا ثلاثة ثلاثة. فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف ~~الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفا بخلاف المعدول عنه. وقيل: إن ~~فيه عدلا مكررا من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ~~ثم إلى لفظ ms1296 ثلاث أو مثلث. وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام ~~خلافا لما في الكشاف. وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم ~~جريانه على المعارف ولوقوعه حالا. فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات ~~هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، فإن خفتم أن لا تعدلوا ~~بين هذه الأعداد فواحدة. فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو ~~الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا ~~الجمع رأسا فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به. ثم قال: ~~أو ما ملكت أيمانكم فسوى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من ~~الإماء لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو ~~أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل. ولما كانت ~~التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من ~~النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن ~~يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائدا على المساوي ~~الآخر. ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلا # PageV02P346 # للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون ~~للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة ~~للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على ~~الأمة معلوم شرعا وعقلا. وهاهنا مسألتان: # الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن ~~هذا الخطاب إنما يتناول إنسانا متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ~~ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه. وأيضا إنه قال بعد ذلك ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم وهذا لا يكون إلا للأحرار، ~~فكذا الخطاب الأول لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن ~~يدخل التقييد في اللاحق دون السابق. وكذا قوله: فإن طبن لكم ms1297 عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا والعبد لا يأكل فيكون لسيده. وقال مالك: يحل للعبد ~~أن يتزوج بالأربع تمسكا بظاهر الآية. ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية ~~يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس. قالوا: أجمعنا على أن ~~الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من ~~حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر. الثانية ذهب جماعة إلى أنه ~~يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: فانكحوا ما طاب لكم من النساء إطلاق في ~~جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: مثنى وثلاث ورباع لا يصلح ~~مخصصا لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في ~~الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقا. فإن من قال لولده ~~افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحا في أن ~~زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصا. وأيضا ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر ~~بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها. ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق ~~فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها. وأما السنة فلما ~~ثبت بالتواتر أنه صلى الله عليه وسلم مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في ~~قوله: فاتبعوه [الأنعام: 153] وأقل مراتب الأمر الإباحة. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «فمن رغب عن سنتي فليس مني» «1» # والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما # روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«أمسك أربعا وفارق واحدة» . # وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، ~~وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع. وأقول: إن ~~القرآن لم PageV02P347 # يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملا. وبيان ~~المجمل بخبر الواحد جائز. وأيضا قوله «أمسك أربعا» على الإطلاق وكذا «فارق ~~واحدة» دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، ms1298 وكذا في نظائر ~~هذا الحديث. وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار. وضعف بأن الإجماع مع وجود ~~المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به. ~~والجواب أن المخالف إذا كان شاذا فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم ~~الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع ~~يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق. لا يقال: فعلى تقدير الحصر ~~كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم ~~حينئذ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي ~~بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع ~~بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. ذلك أدنى ألا تعولوا أي اختيار ~~الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا. وكلا اللفظين مروي ~~عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم: عال الميزان عولا إذا مال. ~~وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها. وفيه ~~الميل عن الاعتدال. وقيل: # معناه أن لا تفتقروا. ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت ~~نفقاته فلم يفتقر. # ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثر عيالكم. وطعن فيه بعض ~~القاصرين بأن هذا في اللغة معنى «تعيلوا» لا معنى «تعولوا» . يقال: أعال ~~الرجل إذا كثر عياله. ومنه قراءة طاوس أن لا تعيلوا وأيضا إنه لا يناسب أول ~~الآية. وإن خفتم ألا تقسطوا وأيضا هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة ~~الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟ # والجواب عن الأول أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه ~~تعالى أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة ~~العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور. وقرر الكناية في الكشاف ~~على وجه ms1299 آخر، وهو أنه جعل قوله تعالى: # ألا تعولوا من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق ~~عليهم. ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه ~~المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال. فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق ~~وأراد الملزوم وهو كثرة العيال. # والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو ~~كثرة العيال. # والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير ~~التسليم فتفسير الشافعي أيضا يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما ~~قررنا. وعن الثالث أن # PageV02P348 # الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن ~~أيضا فكأنه لا عيال. وأيضا إذا عجز المولى باعهن وتخلص منهن بخلاف المهائر ~~فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن. وقال في الكشاف: العزل عن ~~السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج. وآتوا ~~النساء صدقاتهن أي مهورهن. والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي ~~واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين. # وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من ~~مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئا لك النافجة- ~~يعنون أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه. وقال ابن ~~الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته. فنهى الله عن ~~ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء ~~وابن قتيبة. قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا ~~قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: حتى ~~يعطوا الجزية عن يد [التوبة: 29] أي حتى يضمنوها ويلتزموها. فيكون المعنى ~~أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الموهوبة. قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعا. ~~أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ms1300 وابن جريج وابن زيد: أي شريعة ~~وديانة. فيكون مفعولا له، أو حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه. ~~وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصبا على المصدر لأن النحلة والإيتاء ~~بمعنى الإعطاء، أو على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي ~~النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، ~~أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس. وإنما سميت عطية من الزوج لأن ~~الزوج لا يملك بدله شيئا، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله. ~~وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك. والنحلة العطية من غير ~~بدل. وقال قوم: إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد ~~مشتركا بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من ~~الله تعالى ابتداء. ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول ~~إبرائها وهبتها. وانتصب نفسا على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس ~~لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز. والضمير في منه للصداق أو للمذكور في قوله: ~~طبن وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن. وفي ~~قوله: عن شيء منه دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت ~~نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن ~~على تقليل الموهوب، # PageV02P349 # ولهذا ذكر الضمير في منه لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولا بعضه، ~~ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر. ~~ومن هذا التقرير يظهر أن «من» في قوله: منه للتبعيض إخراجا للكلام مخرج ~~الغالب مع فائدة البعث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها ~~عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن «من» للتبيين والمعنى عن ~~شيء هو هذا الجنس يعني الصداق. فكلوه هنيئا مريئا صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ~~إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل: ms1301 الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما ~~تحمد عاقبته. وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام ~~من الحلقوم إلى فم المعدة. وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب ~~بالقطران. فالهنيء شفاء من الجرب. وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو ~~المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة. وهما صفتان للمصدر أي أكلا ~~هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء. وقد يوقف على قوله: ~~فكلوه ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي ~~هنأ مرأ. والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين. قال بعض العلماء: إن ~~وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفسا. وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن ~~النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها. # وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: ~~إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان ولا ~~يؤاخكم الله به في الآخرة. # ثم إنه تعالى لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، ~~استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء. فورد أن الأنسب أن لو ~~قيل أموالهم. وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء ~~للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: # ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم [البقرة: 85] ومعلوم أن الرجل منهم ما كان ~~يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضا فقيل: «أنفسكم» لأن الكل من نوع واحد ~~فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية ~~حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم. ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا ~~لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب. ~~وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا ~~أموالهم أو بعضها إليهم. فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة. # والغرض الحث على حفظ ms1302 المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى ~~أمين يحفظه على ورثته. وقد يرجح القول الأول بأن ظاهر النهي للتحريم، ~~وأجمعت الأمة على # PageV02P350 # أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله. ~~وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضا قوله: ~~وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا هذه الأوامر تناسب حال ~~الأولياء لا الآباء. وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن ~~الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو ~~اختصاص التصرف. واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجا ~~كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما # روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم «ألا إنما خلقت النار ~~للسفهاء» يقولها ثلاثا. # وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها. وقد جمع فعلية على فعلاء ~~كفقيرة وفقراء. وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول. وعن ابن ~~عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ~~وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله. والصحيح أن ~~المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه ~~وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم ~~مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ~~ينبغي ويفسده. ومعنى جعل الله لكم قياما أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا ~~به. سماه بالقيام إطلاقا لاسم المسبب على السبب. ومن قرأ قيما فعلى حذف ~~الألف من قياما وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله. فإن ~~لم يكن مصدرا لم يعل كقوام لما يقام به. وكان السلف يقولون: # المال سلاح المؤمن، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى ~~الناس. وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض لا ~~تؤكل ولا تشرب ms1303 حيث قصدت بها قضيت حاجتك. وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني ~~حمدا ومجدا فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال. وقيل لأبي الزناد: لم ~~تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ # قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا ~~فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلا في ~~تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك. وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله ~~فقد ضار الأكرمين: الدين والعرض. وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله. ~~وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة. وكان يقال: ~~الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح. وقال أبو العتاهية: # أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل # إذا مالت الدنيا على المرء رغبت ... إليه ومال الناس حيث تميل # PageV02P351 # وليس الغنى إلا غنى زين الفتى ... عشية يقرى أو غداة ينيل # وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من ~~الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم. فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على ~~الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز. وهذا مذهب من ~~غلب عليه حب النباهة. # وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، ~~وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة. وقال ~~الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى ~~فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين. # ومن كلفته النفس فوق كفافها ... فما ينقضي حتى الممات عناؤه # والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح ~~الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب ~~المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله تعالى في حفظه هاهنا. وفي آية المداينة ~~حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض ~~فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة. ثم إنه ~~سبحانه أمر ms1304 بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: وارزقوهم فيها وإنما لم يقل ~~«منها» كيلا يكون أمرا بجعل بعض أموالهم رزقا لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر ~~بأن يجعلوها مكانا لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من ~~الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها واكسوهم كل من الرزق والكسوة بحسب ~~المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم وقولوا لهم قولا معروفا قال ابن جريج ~~ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة. وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ~~ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا. ~~وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك ~~الله فيك. وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما ~~يتعلق بالعلم والعمل. وقال القفال: إن كان صبيا فالولي يعرفه أن المال ماله ~~وأنه إذا زال صباه فإن يرد المال إليه كقوله: فأما اليتيم فلا تقهر [الضحى: ~~9] أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيها، وعظه ونصحه ~~وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج. وبالجملة فكل ما سكنت ~~إليه النفس وأحبته لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت ~~منه لقبحه فمنكر. ثم بين أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: ~~أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس # PageV02P352 # الرشد منهم. فبلوغ النكاح أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو ~~مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه ~~باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، ~~وثماني عشرة عند أبي حنيفة. وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها ~~أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر ~~الخشن على العانة. وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار. والمراد في الآية ~~التبين والعرفان. والرشد خلاف الغي. ومعنى قوله: وابتلوا اليتامى اختبروا ~~عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو ~~حنيفة: تصرفات الصبي ms1305 العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور ~~به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء. وقال الشافعي: ~~الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع ~~المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين. بل ~~المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة. فولد ~~التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه ~~وما فيهما من المصالح والمفاسد. وقد يدفع إليه شيئا ليبيع أو يشتري فيعرف ~~بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد. وولد الزارع ~~يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوام بها، وولد المحترف فيما يتعلق ~~بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة ~~والفأرة وما أشبهها. ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين ~~وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعا من الرشد يختص ~~بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكرا. وقد ~~ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث ~~لا يقدر الغير على خديعته. ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتديا إلى وجوه ~~مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله. وقال الشافعي: # لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف ~~المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله تعالى الرشد عن فرعون في ~~قوله وما أمر فرعون برشيد [هود: 97] مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا. ويتفرع ~~على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه. ثم إنه ~~إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس ~~وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف. فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا ~~يدفع إليه أبدا إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية. وعند أبي حنيفة يدفع ~~لأن مدة بلوغ ms1306 الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين ~~وهي مدة معتبرة # PageV02P353 # في تغير أحوال الإنسان # لقوله صلى الله عليه وسلم: «مروهم بالصلاة لسبع» «1» # دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس. ثم قال: ولا تأكلوها إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول ~~لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم. والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك. ~~والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبرا أي أسن، وكبر بالضم ~~يكبر كبرا وكبارة أي عظم. نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن ~~يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ومن كان غنيا فليستعفف فليمتنع منه ~~وليتركه. وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟ قال ~~الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في ~~الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان ~~فقيرا، ولما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل ~~من ماله؟ قال: بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله. قال: أفأضربه؟ ~~قال: مما كنت ضاربا منه ولدك. # وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام ~~عليكم. أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله ~~بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة ~~والي مال اليتيم، من كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. ~~وأيضا قياسا على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات ~~بسهم، فكذا هنا. وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ~~ما يحتاج إليه قرضا، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا ~~شيء عليه. وأكثر العلماء على أن هذا الاقتراض إنما ms1307 جاء في أصول الأموال من ~~الذهب والفضة وغيرهما. وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد ~~وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال. وقال أبوبكر الرازي: # الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل ~~الابتداء، سواء كان غنيا أو فقيرا، واحتج بقوله تعالى وآتوا اليتامى ~~أموالهم وأجيب بأنها عامة. # وقوله: فليأكل بالمعروف خاص والخاص مقدم على العام. قال: إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم ~~أو لا؟ قال: # وأن تقوموا لليتامى بالقسط وهو أيضا عين النزاع. ثم اعلم أن الأئمة ~~اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيدا فالأولى ~~والأحوط أن يشهد عليه إظهارا PageV02P354 # للأمانة وبراءة من التهمة. ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ ~~اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟ فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق ~~بيمينه كسائر الأمناء. وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه تعالى ~~نص على الإشهاد فقال: فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وظاهر الأمر ~~للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة ~~كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب. نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير ~~والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية وكفى ~~بالله حسيبا أي كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسبا كالشريب ~~بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتيم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا. والباء ~~في بالله زائدة نظرا إلى أصل المعنى وهي كفى الله. وحسيبا نصب على التمييز، ~~ويحتمل الحال. ثم من هاهنا شرع في بيان المواريث والفرائض. # قال ابن عباس: إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كحة ~~وثلاث بنات له منها. فقام رجلان- هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة- ~~فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون ~~النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، إنما يورثون ms1308 الرجال الكبار وكانوا يقولون ~~لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة. قال: # فجاءت أم كحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ~~أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ~~ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال ~~شيئا. فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا ~~يركب فرسا، ولا يحمل كلا، ولا ينكي عدوا. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن. فانصرفوا فأنزل الله للرجال ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية. فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس ~~شيئا فإن الله قد جعل لهن نصيبا، ولم يبين حتى يتبين فنزلت يوصيكم الله ~~فأعطى أم كحة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم. # وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف ~~شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئا ~~بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي مما قل منه أو كثر ~~بدل مما ترك بتكرير العامل ونصيبا مفروضا نصب على الاختصاص تقديره أعني ~~نصيبا ومقطوعا مقدرا لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: ~~قسمة مفروضة. احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام ~~كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين. غاية ما ~~في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور هاهنا إلا أنا # PageV02P355 # نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل. ~~وأجيب بأنه تعالى قال: نصيبا مفروضا وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر. ~~وأيضا الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، ~~وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من ~~الآية. وأيضا ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا ms1309 دخل ~~جميع أولاد آدم فيه. فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا ~~الوالدين والأولاد. ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، ~~فلا يلزم تكرار والله تعالى أعلم. قال المفسرون: إنه تعالى لما ذكر في ~~الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظا من الميراث، وعلم أن في الأقارب ~~من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى الآية. ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه. ~~وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن ~~أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن ~~جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم ~~يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر ~~إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولا معروفا. كانوا ~~يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم. وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار ~~اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كبارا، أما إذا كانوا ~~صغارا فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما ~~هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون ~~حقكم. والضمير في منه إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر ~~القسمة. وقيل: المراد قسمة الوصية. # وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامى والمساكين، أمر الله الموصي ~~أن يجعل لهم نصيبا من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولا معروفا. وقيل: أولو ~~القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون. وقوله: وقولوا لهم ~~راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون. ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير. وليخش ~~الذين لو تركوا الجملة الشرطية وهي «لو» مع ما في حيزه صلة الذين. والمعنى ~~ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافا خافوا عليهم. وأما ~~المخشى فغير منصوص عليه. قال بعض المفسرين: # هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا ms1310 الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى ~~خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافا، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من ~~الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي ~~الصواب. القصد هو أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول ~~الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا # PageV02P356 # القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام. نبههم الله ~~على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال ~~اليتيم كما قال القائل: # لقد زاد الحياة إلي حبا ... بناتي إنهن من الضعاف # أحاذر أن يرين البؤس بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صافي # وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من ~~الله شيئا. فقدم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن ~~يستغرق المال بالوصايا. فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض ~~خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا. وعلى هذا تكون الآية نهيا للحاضرين عن ~~الترغيب في الوصية. والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية ~~فتجحف بأولادك مثل # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: الثلث كثير. # وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس ~~أفضل من الربع والربع من الثلث. وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون ~~أمرا للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم ~~لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان. وعن حبيب بن ثابت سألت مقسما عن ~~الآية. فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من ~~كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك. # مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له. وعلى هذا يكون نهيا عن الوصية ولا ~~يساعده قوله: # لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم ~~فقال إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما أي ظالمين أو على وجه الظلم من ~~ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ms1311 إنما يأكلون في بطونهم أي ملء بطونهم نارا ~~أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة. وقال السدي: يبعث آكل مال ~~اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، ~~فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا. # وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أسري ~~بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في ~~أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: # هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» . # وسيصلون من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صليا ~~احترق. ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء. ~~وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد. والسعير النار، وسعرت النار والحرب ~~هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة. والتنكير للتعظيم أي نارا مبهمة الوصف ~~لا يعلم شدتها إلا خالقها. قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد ~~آكل اليسير من # PageV02P357 # ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه ~~الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة. فقيل لهم: ~~إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم ~~كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟ وهاهنا نكتة وهي ~~أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار. ولا ~~شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى ~~يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان مع اليتيم أشنع. وأيضا الفقير يقدر ~~على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر ~~وهذا من كمال عنايته تعالى بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته ~~وقوته. ### | التأويل: # ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، ~~وبالأرواح من روح محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: أول ms1312 ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح. # وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبث منهما رجالا كثيرا أرواحا كاملين ونساء أرواحا ~~ناقصات واتقوا الله الذي تسائلون به أي اتقوه أن تساءلوا به غيره والأرحام ~~ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري وآتوا اليتامى أموالهم تزكية عن آفة الحرص ~~والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة ~~والعافية ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية ~~بالأمانة وسلامة الصدر ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم تزكية عن الجور ~~وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوبا كبيرا حجابا عظيما فانكحوا ~~ما طاب لكم تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ذلك أدنى ألا تعولوا تزكية عن ~~الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم وآتوا النساء صدقاتهن تزكية عن البخل ~~والغدر وتحلية بالوفاء والكرم فكلوه هنيئا تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية ~~بالتواضع والشفقة. فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء ~~حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق. ثم نهى عن إيتاء ~~النفوس الأمارة حظوظها فقال: ولا تؤتوا السفهاء وإنما قال: أموالكم لأن ~~الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها ~~عبادي الصالحون. وارزقوهم فيها قدر ما يسد الجوعة واكسوهم ما يستر العورة ~~وما زاد فإسراف في حق النفس. وقولوا لهم قولا معروفا كنحو: أكلت رزق الله ~~فأدي شكر نعمته بامتثال أوامره ونواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما # قال صلى الله عليه وسلم «أذيبوا طعامكم بذكر الله» . # وابتلوا اليتامى أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا ~~محجورين عن التصرف حتى إذا بلغوا مبلغ الرجال البالغين فإن آنستم منهم # PageV02P358 # رشدا # بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال ~~الجنيد: # أشبع الزنجي وكده فادفعوا إليهم أموالهم فالعبد في هذا المقام يكون جائز ~~التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال هاهنا أموالهم ولا ~~تأكلوها إسرافا أي فإن آنستم يا أولياء ms1313 الطريقة من المريدين البالغين رشد ~~التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا ~~تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخية. ومن ~~كان غنيا بالله من قوة الولاية مستظهرا بالعناية فليستعفف عن الانتفاع ~~بصحبتهم، ومن كان فقيرا مفتقرا إلى ولاية المريد فليأكل بالمعروف فلينتفع ~~بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن. فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم سلمتم إليهم مقام الشيخوخية فأشهدوا عليهم الله ورسوله ~~وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق. ثم أخبر عن نصيب كل ~~نسيب فقال: للرجال وهم الأقوياء من الطلبة وللنساء وهم الضعفاء نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم ~~وأنوارهم نصيبا مفروضا على قدر استعدادهم وإذا حضر القسمة أي في محافل ~~صحبتهم ومجالس ذكرهم أولوا القربى المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم ~~والمقتفون لآثارهم فارزقوهم من مواهب بركاتهم وقولوا لهم قولا معروفا في ~~التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في ~~الدارين. وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا من متوسطي المريدين أو ~~المبتدئين خافوا عليهم آفات المفارقة بسفر أو موت فليتقوا الله أي يوصونهم ~~بالتقوى وأن يقولوا قولا سديدا هو لا إله إلا الله. فإن التقوى ومداومة ~~الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله إن الذين يأكلون يضيعون أطفال الطريقة ~~بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة إنما يأكلون في بطونهم نار الحسرة ~~والغرامة يوم لا تنفع الندامة. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 11 الى 22] # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما (11) ولكم نصف ~~ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ms1314 ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من ~~بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان ~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل ~~يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر ~~من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من ~~الله والله عليم حليم (12) تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (14) واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) # والذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان ~~توابا رحيما (16) إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما (18) يا أيها الذين ~~آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى ~~أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا (19) وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ~~(20) # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا (21) ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء ~~سبيلا (22) # PageV02P359 ### | القراآت: # واحدة بالرفع: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالنصب. فلأمه وما بعده # PageV02P360 # بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي. الباقون بالضم يوصي وما بعد ~~مبنيا للمفعول: ابن كثير وابن عامر ms1315 ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في ~~الأولى وحفص في الثانية. الباقون: مبنيا للفاعل. ندخله بالنون في الحرفين: ~~نافع وابن عامر وأبو جعفر. # الباقون بالياء. وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق. والذان بتشديد ~~النون: ابن كثير، وكذلك قوله: هذان [طه: 63] وهاتان وأرنا الذين [فصلت: 29] ~~وأشباه ذلك. وأما قوله فذانك فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير. ~~الباقون: # بالتخفيف كرها بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف. الباقون بالفتح ~~مبينة مبينات بفتح الياء: ابن كثير وأبوبكر وحماد. وقرأ أبو جعفر ونافع ~~وأبو عمرو وسهل ويعقوب مبينة بالكسر مبينات بالفتح. الباقون كلها بالكسر. ### | الوقوف: # الأنثيين ج ما ترك ج فلها النصف ط لانتهاء حكم الأولاد إن كان له ولد ج ~~فلأمه الثلث ج أو دين ط وأبناؤكم ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم ~~مبتدأ وخبره. لا تدرون نفعا ج من الله ط حكيما ه لم يكن لهن ولد ج دين ط ~~منهما السدس ج دين ط لأن غير حال عامله يوصى مضار ج لاحتمال نصب وصية به ~~كما يجيء. من الله ط حليم ه ط لأن تلك مبتدأ حدود الله ط خالدين فيها ط لأن ~~ما بعده اعتراض مقرر للجزاء. # العظيم ه خالدا فيها ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء. مهين ه أربعة منكم ج ~~لابتداء الشرط مع الفاء. سبيلا ه فآذوهما ج عنهما ط رحيما ه عليهم ط حكيما ~~ه السيئات ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه قال إني تبت [النساء: # 18] وتصلح انتهاء لعمل السيئات وهم كفار ط أليما ه كرها ط للعدول عن ~~الإخبار إلى النهي. مبينة ج للعارض بين المتفقين بالمعروف ج كثيرا ه شيئا ط ~~مبينا ه غليظا ط ومقتا ط سبيلا ه. ### | التفسير: # إنه تعالى لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بين أن اليتيم ~~كيف يملك المال إرثا ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث. أو نقول: ~~أجمل حكم الميراث في قوله: للرجال نصيب وللنساء نصيب ثم فصل ذلك بقوله ~~يوصيكم الله ms1316 أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم. واعلم أن ~~أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد. أما النسب فكانوا ~~يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو ~~التبني كما سيجيء في تفسير قوله: والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~[النساء: 23] وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين ~~آخرين: أحدهما الهجرة. فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبيا عنه # PageV02P361 # إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه. ~~والثاني المؤاخاة. # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سببا ~~للتوارث. والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام أن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ~~ونكاح وولاء. والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث بنت حمزة من مولى لها. # ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه ~~بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه ~~الدية. # قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه» «1» # وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا ~~إرثا، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ~~ظهور مالكه. وإنما بدأ سبحانه بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده ~~أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت. أما حال ~~الانفراد فثلاث ذكور وإناث معا، أو إناث فقط، أو ذكور فقط. أما الحالة ~~الأولى فبيانها قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين أي للذكر منهم، فحذف الراجع ~~للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكرا واحدا وأنثى واحدة فله سهمان ~~ولها واحد. وثانيها: خلف ذكورا وإناثا لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم. ~~وثالثها: خلف مع الأولاد جمعا آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي ~~بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين. وإنما لم يقل للأنثيين مثل ms1317 حظ الذكر ~~أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعارا بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء ~~بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ~~ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من ~~النصيب، فليقطعوا الطمع عن الزيادة. وأما الحكمة في أنه تعالى جعل نصيب ~~النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في ~~الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة ~~الشهوة فيهن فقد يصير المال سببا لزيادة فجورهن كما قيل: # إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده. # فكيف حال المرأة؟ وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أن حواء أخذت حفنة من ~~الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى ~~آدم. # فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب ~~المرأة نصف نصيب الرجل. وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان ~~أو واحدة. وحكم PageV02P362 # القسم الأول مبين في قوله: فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وحكم ~~القسم الثالث في قوله: وإن كانت واحدة فلها النصف فمن قرأ بالرفع على «كان» ~~التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز ~~لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو ~~المولودة. وقراءة النصب أوفق لقوله: فإن كن نساء وقراءة الرفع أيضا حسنة ~~لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير. وجوز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ~~كن وكانت مبهمة وتكون نساء وواحدة تفسيرا لهما على أن «كان» تامة. وأما ~~القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحا فلهذا اختلف ~~العلماء فيه. فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين ~~فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. ~~وعورض بأن النصف أيضا مشروط بالوحدة. أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين ms1318 أقرب ~~إلى الواحد من الأعداد الغير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، ~~والحمل على الأقرب أولى. وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما ~~الثلثان لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون ~~للبنتين الثلثان. وأيضا نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها ~~مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى. وعلى هذا فكان ~~قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين دالا على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ~~ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين. وقيل: إن البنتين أمس رحما بالميت من ~~الأختين، لكنه تعالى يقول في آخر السورة فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه تعالى لم يذكر ميراث الأخوات ~~الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين ~~على الأختين. وقيل: # لفظ فوق وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو ~~اثنان زائد كقوله: فاضربوا فوق الأعناق [الأنفال: 12] وقيل: فيه تقديم ~~وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما. # وعن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، ~~هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع. قتل معك يوم أحد وقد ~~استفاء عمهما مالهما وميراثهما. فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية. ~~فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي المرأة وصاحبها. فقال ~~لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك. # وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكورا فقط فلم يذكر في ~~الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة ~~النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا ~~أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا # PageV02P363 # ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركا بينهم بالسوية. وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم: «وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» # ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، ms1319 فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال ~~لا محالة. والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن ~~أيضا لقوله تعالى: يا بني آدم [الأعراف: 31] يا بني إسرائيل [البقرة: 40، ~~47، 122 وغيرها من الآيات] . وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد ~~الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئا مع أولاد الصلب على وجه ~~الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأسا، أو لا يأخذ كما في مسألة ~~بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين. واعلم أن عموم قوله تعالى ~~يوصيكم الله في أولادكم مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان. ~~ومنها أن القاتل لا يرث. ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء ~~لبيت المال سواء اكتسب في الإسلام أو في الردة. وعند أبي حنيفة: ما اكتسب ~~في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون. ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافا ~~للشيعة. # روي أن فاطمة رضي الله عنها لما طلبت الميراث احتجوا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» «1» # واحتجت بقوله تعالى حكاية عن زكريا يرثني ويرث من آل يعقوب [مريم: 6] ~~وبقوله: وورث سليمان داود [النمل: 16] ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة ~~العلم أو الدين مجاز. وبعموم قوله: يوصيكم الله في أولادكم ولأن المحتاج ~~إلى هذه المسألة ما كان إلا عليا وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر ~~الزهاد والعلماء في الدين. وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه ~~المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، ~~فكيف يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة ~~به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟ وأيضا يحتمل أن ~~يكون # قوله: «ما تركناه صدقة» # صلة # لقوله: «لا نورث» # والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص ~~الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ms1320 ~~ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم. أجابوا بأن فاطمة رضي الله عنها رضيت بقول أبي ~~بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبوبكر. واعلم أن ~~جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين ~~فذلك قوله: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد والمراد ~~بالأبوين الأب والأم. فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية ~~«القمران» و «العمران» و «الخافقان» . PageV02P364 # والضمير في لأبويه يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث ~~ولكل واحد منهما بدل من لأبويه بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل أنه لو ~~قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه. ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم ~~قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت. ولو قيل: ولكل واحد من أبويه ~~السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير. فقوله: السدس مبتدأ ~~وخبره لأبويه وقد توسط البدل بينهما للبيان. واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: ~~الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى ~~فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل ~~واحد منهما السدس. والباقي للأولاد بالسوية. وثانيها أن يحصل معهما بنتان ~~أو أكثر، فالحكم كما ذكر. وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت ~~النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب. فإن ~~قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه تعالى جعل ~~نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟ فالجواب- والله أعلم- أن الوالدين ~~ما بقي من عمرهما إلا القليل غالبا، أما الأولاد فهم في زمان الصبا ~~فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضا كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. وأيضا ولد الولد ولد، ~~وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما. الحالة الثانية أن لا ~~يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه أي فقط ms1321 فلأمه الثلث ويعلم منه أن الباقي يكون للأب ~~فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للأب السدس بالفرضية، ~~والنصف بالعصوبة، ولأنه تعالى قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصرا ~~في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون ~~فرض الأم؟ فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، ~~وللأم الثلث بحاله والباقي وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما ~~نصيبهما، وثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ ~~الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان ~~كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقا بقي الباقي بينهما على قدر ~~الاستحقاق الأول. وأيضا الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم ~~القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي. وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في ~~الزوجة والأبوين. فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي ~~للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا ~~دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ ~~الذكرين. هذا عكس قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين الحالة الثالثة أن ~~يوجد معها الإخوة # PageV02P365 # والأخوات وذلك قوله: فإن كان له إخوة فلأمه السدس واتفقوا على أن واحدا ~~من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ~~ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما. فالأكثرون من الصحابة ذهبوا ~~إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد ~~في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الإخوة للأخوين واستقراء باب الميراث ~~يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين ~~والأخوات. وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل ~~الجمع اثنان أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في ms1322 الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «الاثنان فما فوقهما جماعة» «1» # وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردها إلى السدس بالأخوين ~~وليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان. # فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف. ثم إن الاثنين أو ~~الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب ~~الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب. ذهب ابن ~~عباس إلى الأول، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجبا ~~كونه وارثا ولم يرد لهم ذكر إلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا ~~الحجب على ملك الأبوين. ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد ~~وصية يوصى بها أو دين. حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه ~~حق. وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء. فإن أوصى الميت وصية أخرجت ~~من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثا على فرائض الله تعالى. # عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية. # والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أولا تفيد الترتيب ~~البتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ. وفائدة هذا ~~العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أداؤها ~~مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في ~~تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما ~~في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على ~~أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين ~~من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما. ولكنها تفارق الدين من ~~جهة PageV02P366 # أنه متى هلك من المال ms1323 شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في ~~الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله. # ثم قال: آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا قال أبو البقاء ~~أيهم مبتدأ وأقرب خبره، والجملة في موضع نصب ب تدرون وهي معلقة عن العمل ~~لفظا لأنها من أفعال القلوب. وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب ~~بل تكون بمعنى المعرفة، وكان أيهم مفعوله مبنيا لحذف صدر الصلة نحو لننزعن ~~من كل شيعة أيهم أشد [مريم: 69] . قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر ~~الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: فريضة من الله ومن حق الاعتراض أن يناسب ما ~~اعترض بينه ويؤكده. فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من ~~آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أم أوصى منهم أم من لم يوص. يعني أن من أوصى ~~ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا وأحضر جدوى ~~ممن ترك الوصية فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض ~~الدنيا ذهابا إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلا قريبا في ~~الصورة إلا أنه فان فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان ~~آجلا إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى. وقيل: عن ابن عباس أن ~~الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع. ~~وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه. فأنتم لا ~~تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا لأن أحدهما لا يعرف ان انتفاعه في ~~الجنة بهذا أكثر أم بذلك. وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ~~والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات. فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا ~~أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها. وقيل: المراد كيفية ~~انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن ~~سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى ms1324 الابن. وقيل: المقصود ~~جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرنه وبالضد، والقول هو الأول. فريضة من الله ~~نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضا إن الله ~~كان عليما بكل المعلومات فيكون عالما بما في قسمة المواريث من المصالح ~~والمفاسد حكيما لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح. قال الخليل: «كان» هاهنا ~~منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه تعالى منزه عن الدخول تحت الزمان ~~ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم. وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا ~~علما وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفا بهذه ~~الصفات. هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو ~~بواسطة. وعلى الأول فسبب الاتصال # PageV02P367 # إما أن يكون هو النسب أو الزوجية. فهذه ثلاثة أقسام: الأول قرابة التوالد ~~الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية ~~الألفة والشفقة، ولهذا قدم في الذكر. ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما ~~قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إلى قوله توصون بها أو دين ثم بين أحوال القسم ~~الثالث وهو الكلالة في قوله: وإن كان رجل يورث كلالة فما أحسن هذا النسق. ~~ولما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب ~~السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة. وقد نبه في الآية على فضل ~~الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ~~ذلك. ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين ~~الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج ~~منه ولد البنت لأنه لا يرث. وهاهنا مسألة. # قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله ~~تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ~~ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: إلا على أزواجهم [المؤمنون: 6] وأجيب ~~بأنه ms1325 لو لم تكن زوجة له لكان قوله ما ترك أزواجكم مجازا. ولو كانت زوجة مع ~~أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى ~~كما بين في أصول الفقه. # وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض ~~والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند ~~كونها في العدة عن الوطء بالشبهة. وأيضا حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما ~~فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل ~~الحرمة. أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه. واختلفوا في تفسير ~~الكلالة فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول ~~فيه برأيي فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ~~بريء منه. الكلالة ما خلا الوالد والولد. وعن عمر رضي الله عنه: الكلالة من ~~لا ولد له فقط. وعنه في رواية أخرى التوقف. وكان يقول: ثلاثة لأن يكون ~~بينهن الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة ~~والخلافة والربا. وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه ~~قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عي. قال الفرزدق: # ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # PageV02P368 # والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى ~~الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء. قال الأعشى: # فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى حتى تلاقي محمدا # فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة ~~الأصول والفروع كلالة ضعيفة. ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون ~~بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على ~~الاستقامة كما قال: # نسب تتابع كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنبوب # وأيضا فإنه تعالى قال في آخر السورة قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد ms1326 [الآية: 176] فاحتج عمر بذلك. والجواب أنه تعالى حكم في تلك ~~الآية بتوريث الإخوة والأخوات حال كون الميت كلالة. ولا شك أن الإخوة ~~والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال ~~وجود الأبوين. وأيضا إنه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات ~~المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة. وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من ~~عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفا للمورث. والمراد الذي يرثه ~~من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم ~~الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمى العم كلالة وهو هاهنا مورث لا وارث. ~~وقد يجعل وصفا للوارث ومنه قول جابر: مرضت مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة ~~وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد. ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم ~~كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث ~~أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي. # ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما ~~بالتخفيف أي أحمق. وقوله تعالى: وإن كان رجل يورث فيه احتمالان: الأول وهو ~~قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذا من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث ~~منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر «كان» ويورث صفة رجل. ويجوز أن ~~يكون مفعولا له أي يورث لأجل كونه كلالة. والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن ~~يكون مبنيا للمفعول من أورث فالرجل حينئذ هو الوارث، وينتصب كلالة على ~~الوجوه المذكورة. قيل: # ما السبب في أنه قال: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ثم قال: وله أخ ~~فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟ والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد ~~جاز إسناد التفسير # PageV02P369 # إلى أيهما أريد، وجاز إسناده إليهما أيضا. تقول: من كان له أخ أو أخت ~~فليصله ms1327 أو فليصلها. والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب. وإن ~~قلت: فليصلهما جاز أيضا. ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن ~~الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين. ثم إن ~~المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت هاهنا الأخ والأخت من الأم، ~~ويدل عليه ما نسب إلى أبي وسعد بن أبي وقاص: # وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما أي من الأخ والأخت السدس من غير ~~مفاضلة الذكر على الأنثى. هذا على الاحتمال الأول وهو أن الرجل مورث منه. ~~وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى ~~واحد من أخيه أو أخته. والمعنى مثل الأول، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد ~~من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سويت بين الذكر والأنثى. ثم قال فإن ~~كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث فبين أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد ~~على الثلث. وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة قل الله ~~يفتيكم في الكلالة [النساء: 176] وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، ~~وهاهنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، ~~فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات هاهنا غير المراد من الإخوة والأخوات في ~~تلك الآية. فالمراد هاهنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك ~~الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات. ~~فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما ~~بيننا. غير مضار حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته. ومن قرأ يوصي مبنيا ~~للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليه المذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصيا ~~والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت ~~الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثا وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد ~~من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث ~~عنهم ms1328 لا وجه الله. وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو ~~يبيع شيئا بثمن بخس، أو يشتري شيئا بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى ~~الورثة. قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم ~~يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان ~~بالعكس أوصى على قانون العدالة. وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار ~~في الوصية من الكبائر. # ويروى مرفوعا وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له ~~بشر عمله فيدخل النار. وإن الرجل # PageV02P370 # ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل ~~الجنة» «1» # وعنه «من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة» . وصية من الله ~~نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول مضار أي لا يضار وصية من الله وهو ~~الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة ~~بإسرافه في الوصية والله عليم بمن جار في وصيته أو عدل حليم عن الجائر لا ~~يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى. # ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: تلك حدود الله وهو إشارة إلى جميع ~~ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع ~~التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق. وقوله: ومن ~~يطع الله ومن يعص الله عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل ~~على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من ~~معصيته في جميع الأمور. # وإنما قيل: يدخله وخالدين حملا على لفظ «من» ومعناه. وانتصب خالدين ~~وخالدا على الحال. ولا يجوز أن يكونا صفتين ل جنات ونارا لأنهم جريا على ~~غير من هماله، فكان يلزم حينئذ أن ms1329 يقال: خالدين هم فيها وخالدا هو فيها. ~~قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي ~~في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، ~~والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال. فإن المراد تعدي أي حد كان، ~~ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود. ~~وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد ~~فيه شرطا آخر وهو عدم العفو. وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع ~~المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا. وذلك ~~لا يتحقق إلا في حق الكافر. نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من ~~استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة ~~بالكافر أن قوله: ومن يعص الله ورسوله يفيد كونه فاعلا للمعاصي. فلو كان ~~المراد من قوله: ويتعد حدوده أيضا ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر. ~~وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو ~~اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم ~~بمراده. قوله عم طوله: واللاتي يأتين الفاحشة الآية. PageV02P371 # وجه النظم فيه أن التغليظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن ~~المأمور به في الآيات المتقدمة. وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف ~~والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط، فلا ينبغي أن يصير الإحسان ~~إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن. واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي ~~بالهمزة، واللواتي واللوائي فكأنهما جمعا الجمع. وقد تحذف الياءات من ~~الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ~~واللاء يئسن من المحيض [الطلاق: 4] وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف ~~من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معا. وقد يقال: اللاآت ~~كاللامات. قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن ~~الحيوان اللاتي كقوله: أموالكم ms1330 التي جعل الله لكم قياما [النساء: 5] وقال ~~في هذه الآية واللاتي لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد ~~بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات. ومن العرب ~~من يلغي هذا الفرق. # والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية. وأجمعوا على أنها ~~الزنا هاهنا. قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية ~~نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية ~~القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه ~~أخص الجميع. ومعنى من نسائكم من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم ~~المؤمنات والثيبات أقوال. فاستشهدوا عليهن أربعة منكم احتياطا لأمر الزنا. ~~والمراد بقوله: منكم أي من رجالكم. قال الزهري: مضت السنة من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن ~~شهدوا مفصلا مفسرا كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، ~~أو كالرشاء في البئر. ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي ~~كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة فأمسكوهن في البيوت خلدوهن ~~محبوسات في بيوتكم حتى يتوفاهن الموت أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ~~ويستوفي أرواحهن أو يجعل الله لهن سبيلا بالنكاح أو بالحد. والذان يأتيانها ~~منكم يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط فآذوهما فوبخوهما وقولوا لهما ~~أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟ فإن تابا ~~وأصلحا وغيرا الحال فأعرضوا عنهما فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود ~~الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل ~~الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام. واعلم أن للعلماء خلافا في ~~الآيتين. فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول. أمروا بإيذاء الزانيين ~~أولا ثم أمروا بإمساك النساء في # PageV02P372 # البيوت إلى أن يتبين أحوالهن. وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من ~~الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب. وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في ~~السحاقات وحدها الحبس ms1331 إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين ~~وحدهما الأذى بالقول والفعل. والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من ~~رجالكم كما في قوله: أربعة منكم وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة ~~النور وحده في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لا يلزم نسخ شيء من ~~الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين. # وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في ~~أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية. وعدم تمسكهم بها مع شدة ~~احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة. ~~وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد- وهو من أكابر المفسرين- على أنه بين في ~~الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضا كان مطلوب الصحابة معرفة حد ~~اللوطي وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء ~~لا يصلح للحد. وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان ~~لما # روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت كان نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما ~~سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي ~~سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم. ثم استقر الأمر آخرا على أن البكر ~~يجلد ويغرب والثيب يرجم فقط. # وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد. وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية ~~الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل ~~الرجم. وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر ~~الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن ~~صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال. # وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في ~~الآية ولا في الحديث. وذلك أن الآية تدل على أن ms1332 إمساكهن في البيوت ممدود ~~إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا. ثم إن ذلك السبيل كان مجملا، فلما # قال صلى الله عليه وسلم: خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى. # صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها، وصار أيضا مخصصا لعموم ~~آية الجلد والله تعالى عليم. ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن ~~المستحقين لعدم القبول فقال: إنما التوبة على الله واجبة وجوب الوعد والكرم ~~لا وجوبا يستحق بتركه الدم للذين يعملون السوء بجهالة قال أكثر المفسرين: ~~كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة. ولهذا قال موسى: أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين [البقرة: 67] لأنه حيث لم # PageV02P373 # يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له. وبهذا التفسير ~~تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة. وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب ~~المعصية. وقيل: المراد أن يكون جاهلا بكونها معصية لكنه يكون متمكنا من ~~تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته ~~العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون ~~اليهودية ذنبا ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى ~~بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحا. أما المتعمد فإنه لا يكون داخلا ~~تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا ~~الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية. ~~أما قوله: ثم يتوبون من قريب فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل ~~حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله. وإنما كان ذلك الزمان قريبا ~~لأن الأجل آت وكل ما هو آت قريب، ولأن مدة عمر الإنسان وإن طالت إذا قيست ~~إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول ~~الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب. و «من» في من قريب إما لابتداء ~~الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون ~~بعض زمان ms1333 قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زمانا قريبا ~~لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو ~~تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ~~فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك ~~في حكم القرب. # ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» «1» # والفائدة في قوله: فأولئك يتوب الله عليهم بعد قوله: إنما التوبة على ~~الله أن الأول إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان، ~~والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك. أو المراد بالأول توفيق التوبة والإعانة ~~عليها، وبالثاني قبولها. وكان الله عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية ~~لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه حكيما يجب في كرمه قبول توبة العبد ~~إذا تاب من قريب. قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب ~~على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع ~~انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذ أولى بالقبول ~~لقوله: أمن يجيب المضطر إذا دعاه [النمل: 62] وإنما المانع من قبوله معاينة ~~سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث PageV02P374 # تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذ يسقط التكليف عنه إذ ~~لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار. وهاهنا ~~بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن ~~كانوا أمواتا، ويشاهدون أيضا أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، ~~فكيف يكون ذلك العلم ضروريا؟ وبتقدير كونه ضروريا فلم يمنع ذلك صحة ~~التكليف؟ وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد ~~يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه. # وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق ~~بينه وبين الضروري البتة، وعلى ms1334 هذا فكيف يصير النظري موجبا للتكليف، ~~والضروري مانعا من التكليف؟ فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ~~ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعد له أخبر عن ~~عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردودا ~~والمردود مقبولا لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون [الأنبياء: 23] وأقول: ~~التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، ~~وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى. وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، ~~والعقبى دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم لم يعكس الأمر. ثم إن ~~لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وليس ببعيد أن لا يكون ~~علم اليقين منافيا للتكليف، ويكون عين اليقين منافيا له. ثم عطف قوله: ولا ~~الذين يموتون على الذين يعملون السيئات تسوية بين الذين سوفوا توبتهم إلى ~~حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت ~~أول أحوال الآخرة. فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، ~~فكذلك المسوف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة. أو ~~المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك ~~الإيمان لا يقبل عند القرب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على ~~الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم. أولئك أعتدنا لهم أي أعددنا ~~الوعيد نظير قوله: فأولئك يتوب الله عليهم في الوعد ليتبين أن الأمرين ~~كائنان لا محالة. قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه. لكن الطائفة ~~الثانية كفار فالأولون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن ~~حكمهما واحد. وأجيب بأن أولئك إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار ~~أشنع قولا من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا ~~في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه ~~كنمروذ مثلا. # PageV02P375 # قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ms1335 أن ترثوا النساء كرها من ~~هاهنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من ~~العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: لا يحل لكم أن ترثوا وفيه ~~قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثوهن ~~أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن. وكانوا إذا ~~مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها ~~وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله. فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء ~~تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من ~~إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا فنزلت. النوع الثاني: ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره ~~زوجته ويريد مفارقتها فيسيىء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه ~~بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك. وقيل: إنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من ~~التزوج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان ~~يفعله أهل الجاهلية. وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما ~~مر في سورة البقرة. قال في الكشاف: إعراب تعضلوهن النصب عطفا على أن ترثوا ~~ولا لتأكيد النفي. قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: وعاشروهن ~~عليه وصاحب الكشاف نظر إلى لما قبله وذهل عما بعده إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله تعالى ~~هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها. ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا ~~تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان كقوله: إنهن أضللن كثيرا من الناس ~~[إبراهيم: 36] لما صرن أسبابا للضلال. ثم إنه استثناء مماذا؟ قيل: من أخذ ~~المال أي لا يحل له أن يحبسها ضرارا لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذ حل لزوجها ~~أن يسألها الخلع. وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها ~~وأخرجها. وقيل: استثناء من العضل نهوا ms1336 عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج ~~إلا بعد وجود الفاحشة. ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ # بآية الجلد. # وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من ~~جهتهن فإنهم معذورون حينئذ في طلب الخلع. النوع الثالث من التكاليف ~~المتعلقة بأحوال النساء وعاشروهن بالمعروف وهو الإجمال في القول والإنصاف ~~في المبيت والنفقة فإن كرهتموهن ورغبتم في فراقهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير ~~في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدينا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ~~ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول # PageV02P376 # ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها. # قال صلى الله عليه وسلم: «الشؤم في المرأة والفرس والدار» «1» # وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله تعالى في تلك المفارقة ~~لهن خيرا كثيرا بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجا آخر أوفق منه. ~~النوع الرابع من التكليف وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وذلك أنه لما أذن ~~في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة. # يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى ~~بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة # روي يريدها فنهوا عنه. # والقنطار المال العظيم، وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر. روي أن ~~عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ~~ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية. فقال عمر: كل الناس ~~أفقه من عمر ورجع عن ذلك. ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل ~~المبالغة والفرض لا الرخصة. وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم. ومعنى الإيتاء ~~الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدى المال إليها أم لا. واعلم أن النشوز إن ~~كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه ms1337 ~~يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك. ~~أتأخذونه استفهام بطريق الإنكار بهتانا وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح ~~يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير. # وفي الحديث «إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته» «2» # وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت ~~جبنا. وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان. وقيل: # بمضمر أي تصيبون بهتانا. وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتانا أنه تعالى فرض لها ~~ذلك المهر فمن استرده فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا، أو أنه عند ~~العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار ~~القول الأول بهتانا أي باطلا، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق ~~الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في ~~الأغلب سيق الكلام على ذلك. وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في PageV02P377 # ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من ~~وجه وظلم من وجه آخر. وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا [النساء: 10] ثم عجب من الأخذ مستفهما فقال: وكيف تأخذونه ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن ~~قتيبه وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ~~ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء. وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند ~~الجماع. وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره ~~الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر. # ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان ~~هذا الإفضاء سببا قريبا في حصول الألفة والمودة وذلك هو الجماع لا مجرد ~~الخلوة، وأيضا الإفضاء لا بد أن يكون مفسرا بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة ~~«إلى» لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل ms1338 فعل من أفعال ~~أحدهما إلى الآخرة. فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في ~~لحاف واحد كافيا في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟ # فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء ~~بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة. وأيضا الشرع قد علق تقرر المهر ~~بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما ~~قبل زمان الخلوة. ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر. # ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: وأخذن منكم ميثاقا غليظا قال السدي ~~وعكرمة والفراء: هو قولكم زوجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على ~~الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن ~~بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة. وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة ~~النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار # في الحديث «واستحللتم فروجهن بكلمة الله» «1» # وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا وصفه ~~بالغلظ لقوته فقد قالوا: صحبة عشرين يوما قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين ~~من الاتحاد والامتزاج؟ النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء ~~قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل ~~الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك. وهاهنا مسألة خلافية قال أبو ~~حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه. وقال الشافعي: لا يحرم. حجة ~~أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: ~~230] وبالاتفاق PageV02P378 # لا يحصل التحليل بمجرد العقد. ولقوله: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح [النساء: # 6] أي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبدا. ولقوله: الزاني لا ينكح إلا ~~زانية [النور: 3] # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ناكح اليد ملعون» # فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة. وعورض بالآيات الدالة ~~على أن النكاح هو العقد كقوله: وأنكحوا الأيامى منكم [النور: 32] فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] # وبقوله صلى الله عليه وسلم: «النكاح سنتي» «1» # ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له. # وبقوله: ms1339 «ولدت من نكاح لا من سفاح» # وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث. سلمنا ~~أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضا مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ~~ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية ~~هو العقد لا الوطء؟ قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة ~~الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد. وإنما أطلق النكاح على العقد ~~إطلاقا لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما. ~~ويجوز استعماله في مفهوميه معا، فتكون الآية نهيا عن الوطء وعن العقد معا، ~~أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهيا عن القدر المشترك بينهما وهو ~~الضم. # والنهي عن المشترك يكون نهيا عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهيا ~~عن التسويد والتبييض لا محالة. وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ~~استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصور ~~في العقد. سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ما نكح لا نسلم ~~أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا ~~تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية ~~فنهوا عن مثل هذه الأنكحة. قاله محمد بن جرير الطبري. سلمنا أن المراد لا ~~تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن «من» تفيد العموم وإذا لم تفد ~~العموم لم تتناول محل النزاع. لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟ ~~سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل ~~على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر. وإذا كان منعقدا كان ~~صحيحا. ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن [البقرة: 221] نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا ~~يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، ms1340 إلا ما ~~أخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: # 24] # وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه» «2» # وقوله: «زوجوا أبناءكم PageV02P379 # الأكفاء» # وبقوله صلى الله عليه وسلم: «الحرام لا يحرم الحلال» «1» . # ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا ~~يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه ~~المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف ~~يشتبهان؟ أما قوله تعالى: إلا ما قد سلف فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ~~ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى. فإن النهي يدل على المؤاخذة ~~بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: أنتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد ~~سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفو عنه. وقال في الكشاف: هذا كما استثنى ~~«غير أن سيوفهم» من قوله: «ولا عيب فيهم» يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد ~~سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن. والغرض المبالغة في ~~تحريمه كقوله: حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف: 40] وقولهم: حتى يبيض ~~القار. وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل. ~~والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه. # وقيل: «إلا» بمعنى «بعد» كقوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~[الدخان: # 56] أي بعد موتتهم الأولى. وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرون عليه. قالوا: ~~إنه صلى الله عليه وسلم أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ~~ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج. وزيف؟؟؟ بعضهم هذا القول وقال ~~ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة إلى رجل عرس بامرأة أبيه ~~ليقتله ويأخذ ماله إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، # أعلم الله تعالى أن هذا الفعل كان أبدا ممقوتا عند العرب، وهذا النكاح ms1341 ~~بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفا بهذا الوصف، ~~والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار. حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، ~~وهو من الله تعالى في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار. قال بعضهم: ~~مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة. فالفاحشة إشارة إلى ~~القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي. ~~وساء سبيلا إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره ~~المنصوب بعده والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # الوراثة الدينية أيضا سبب ونسب. فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ ~~والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولايتهم ظاهرا وباطنا ~~مستسلما لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ~~ولايتهم. ومن هنا # قال صلى الله عليه وسلم: PageV02P380 # «الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد» «1» # وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة ~~والأنوثة في الجد والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية ~~واللدنية # كقوله صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» «2» # وقول موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا [الكهف: 66] . ~~واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم هي النفوس الأمارات بالسوء فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي ~~التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشره، ~~والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر ~~والغضب وحب الرياسة فإن شهدوا بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس فأمسكوهن ~~في البيوت في سجن الدينا وأغلقوا عليهن أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس ~~بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها أو يجعل الله لهن سبيلا بانفتاح روزنة ~~القلوب إلى عالم الغيب والذان يأتيانها أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ~~ظاهرا في الأعمال وباطنا في الأحوال والأخلاق فآذوهما ظاهرا بالحدود وباطنا ~~بالرياضات وترك الحظوظ فأعرضوا عنهما باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر. ~~بجهالة أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن الظلومية تقتضي ms1342 المعصية ~~والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب. فالعمل السوء إذا كان مصدره ~~الجهولية فحسب يكون على عقيبه التوبة كما قال: ثم يتوبون من قريب أي عقيب ~~المعصية. # قال عليه السلام: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» «3» # والحسنة التوبة. ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار ~~فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا ~~اختيارية بالجنان ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فيه إشارة إلى النهي عن التصرف ~~في السفليات التي هي الأمهات المتصرف فيها آباؤكم العلوية إلا ما قد سلف من ~~التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى ~~العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم. # تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس أوله: والمحصنات من النساء.. ~~PageV02P381 # (بسم الله الرحمن الرحيم) الجزء الخامس من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة النساء (4) : الآيات 23 الى 30] # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف إن الله كان غفورا رحيما (23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين ~~غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما ~~تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما (24) ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ~~والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا ~~خير لكم والله غفور رحيم (25) يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد ms1343 أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ~~نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30) ### | القراآت: # والمحصنات في كل القرآن بكسر الصاد إلا قوله: والمحصنات من النساء على ~~الباقون بالفتح. وأحل مبنيا للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي ~~بكر وحماد. الباقون: مبنيا للفاعل. أحصن بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير حفص. الباقون: أحصن بضم الهمزة وكسر الصاد. تجارة بالنصب: # حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون: بالرفع. ### | الوقوف: # دخلتم بهن الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود فلا جناح عليكم (ز) ~~لذلك فإن جملة الشرط معترضة أصلابكم (لا) للعطف سلف (ط) # PageV02P382 # رحيما (ه) لا للعطف أيمانكم (ج) لأن كتاب الله يحتمل أن يكون مصدر ~~التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله ~~كتابا، والأحسن أن يكون مفعولا له أي حرمت لكتاب الله. من قرأ وأحل بالفتح ~~لم يحسن الوقف له على عليكم للعطف على «كتب» ، ومن قرأ وأحل بالضم عطفا على ~~حرمت جاز له الوقف لطول الكلام. مسافحين (ط) لابتداء حكم المتعة. فريضة (ط) ~~الفريضة (ه) حكيما (ه) فتياتكم المؤمنات (ط) بإيمانكم (ط) من بعض (ج) لعطف ~~المختلفين أخدان (ج) لذلك من العذاب (ط) العنت منكم (ط) خير لكم (ط) رحيم ~~(ه) ويتوب عليكم (ط) حكيم (ه) عظيما (ه) يخفف عنكم (ج) لانقطاع النظم مع ~~اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ضعيفا (ه) أنفسكم (ط) رحيما (ه) نارا (ط) ~~يسيرا (ه) . ### | التفسير: # إنه سبحانه نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان، سبعة من جهة النسب: ~~الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة ~~أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات ~~النساء، وبنات النساء ms1344 بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء- وهذه ~~في الآية المتقدمة- والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء. وذهب الكرخي ~~إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، ~~والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك ~~غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن ~~إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال. والجواب ~~من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم ~~نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا لإحدى خصال ثلاث» «1» # فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه. # ثم إن قوله: حرمت إنشاء للتحريم كقول القائل «بعت» أو «طلقت» لا إخبار عن ~~التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى كقوله: بعثر ~~ما في القبور وحصل ما في الصدور [العاديات: 9، 10] والخطاب لأولئك الحاضرين ~~بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية. والأصل في كل حكم هو الاستمرار ~~والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة PageV02P383 # تدل على أن المراد أنه تعالى حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة. واعلم ~~أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت ~~حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إن زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلا ~~أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذابا. أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ~~ذلك كان مباحا في زمان آدم عليه السلام وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ~~ويقول: إنه تعالى بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أن ~~هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل. قال العلماء: ~~السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل ~~والجزء. والأمهات جمع الأم والهاء زائدة. ووزن أم «فعل» أو أصلية ووزنه ~~«فع» . وقد يجيء جمعه على «أمات» ms1345 وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره. ~~وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو ~~درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في ~~التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضا وحينئذ يكون اللفظ ~~متواطئا فيها إن كان موضوعا بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصا في ~~تحريمها أو يكون مشتركا بينهما. وحينئذ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في ~~كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضا وإلا فطريقان: # أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تعالى تكلم بهذه ~~الآية مرتين لكل من المفهومين. وكذا الكلام إن قلنا إن الأم حقيقة في ~~الوالدة مجاز في الجدات. قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه ~~الحد. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه ~~بمثابة واحدة لكونه محرما قطعا في حكم الشرع فيكون وطؤها زنا محضا. # الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك ~~بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور. والكلام في أن إطلاق لفظ البنت ~~على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات. قال أبو حنيفة: ~~البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني. وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ~~ليست بنتا له شرعا # لقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» # وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتا له لأخذت الميراث ~~ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة ~~بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم. وأيضا إن أبا حنيفة إما أن ~~يثبت كونها بنتا له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم ~~الشرع والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا. أما الطرد فهو أنه إذا اشترى ~~جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره إلى أن تلد # PageV02P384 # فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه قطعا مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند ~~الاستلحاق، ms1346 وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد ~~فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه. والثاني أيضا باطل ~~بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب ~~على القاضي منعه. الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن ~~الأب فقط، ومن الأم فقط. الصنف الرابع والخامس العمات والخالات. قال ~~الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي ~~أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك. وقد تكون ~~الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولا تحرم أولاد العمات وأولاد ~~الخالات. # الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في ~~بنت الصلب. الثامن والتاسع: قوله: وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة سمى المرضعات أمهات تفخيما لشأنهن كما سمى أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمهات لحرمتهن. وليس قوله: # وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو ~~أطعمنكم. وإلا كان تكرارا لقوله: حرمت عليكم أمهاتكم بل المراد أن الرضاع ~~هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة. أما والراضعة أختا ~~إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المحرمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة ~~وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهن الأخوات والعمات والخالات ~~وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيها بها ~~على الباقي منهما. فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات. ~~ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح # قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «1» # فصار صريح الحديث مطابقا لمفهوم الآية. وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل ~~أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ~~ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة. # وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء ~~أو البنات. وأختك من الرضاع كل ms1347 أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ~~ولدتها المرضعة أو الفحل الذي در لبنه على المرضعة. وعمتك كل أنثى من ~~الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت ~~الفحل الذي أرضعت PageV02P385 # بلبنه. ومن جهة الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير ~~واسطة. # وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ~~أرضعتك من النسب أو الرضاع. ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك ~~من الرضاع أو النسب. وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن ~~مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو ~~النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك. وكذلك حكم بنات أولاد من ~~أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته ~~أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب. والرضاع المحرم ~~قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه. وللرضاع أركان: أحدها ~~المرضع ويجب أن تكون امرأة. فلبن البهيمة لا يثبت تحريما بين الذكر والأنثى ~~للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد ~~يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين. ~~وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغير بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو ~~اتخذ منه جبن أو زبد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز ~~أو خلط بمائع حلال أو حرام. وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر ~~للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت. ولا ~~بد مع ذلك من خمس رضعات # لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة ~~والرضعتان» «1» # ، ولما # روت عائشة «خمس رضعات يحرمن» «2» # وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية. الصنف العاشر قوله: # وأمهات نسائكم ويدخل فيه الجدات من ms1348 قبل الأب والأم. الحادي عشر وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها ~~مربوبة لأن الرجل يربها. والحجور جمع حجر بالفتح والكسر. وكونها في حجره ~~عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله ~~من الحضن الذي هو الإبط. # وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم. # وعن علي عليه السلام أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجره شرطا في ~~التحريم # وهو استدلال حسن. وأما سائر العلماء فذهبوا إلى PageV02P386 # أن الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها ~~عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن. أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: من ~~نسائكم اللاتي دخلتم بهن وهو متعلق بربائبكم كما تقول: بنات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من خديجة. وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن ~~السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول. وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما ~~تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي ~~وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس. وحجتهم أنه ~~تعالى ذكر جملتين وهو قوله: وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ثم ~~ذكر شرطا وهو قوله: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فوجب أن يكون ذلك الشرط ~~معتبرا في الجملتين معا. وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ~~وأمهات نسائكم جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ ~~الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى ~~الجملتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى. # وأيضا عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما ~~معا، لأن معنى «من» مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، ~~واستعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا غير جائز. نعم لو جعل «من» للاتصال ~~كقوله: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة: ms1349 71] أمكن اعتبار ~~الاتصال في النساء والربائب معا، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن ~~أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن. إلا أن هذا التفسير ~~فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى. أما اللفظ فلأن قوله: وأمهات نسائكم ~~وكذا ربائبكم يكون حينئذ مبتدأ وقوله من نسائكم خبرا ويقع بين المعطوفات ~~فاصلة لأن قوله: وحلائل أبنائكم وما بعده معطوف على فاعل حرمت. وأما من جهة ~~المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهرا. ومما ~~يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما # روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم ~~يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت» «1» # وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها قبل المسيس ~~وهو يومئذ بالكوفة. فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف ~~فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه ~~الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة. وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت ~~PageV02P387 # قال: إن الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، ~~وإن ماتت عنده لم يتزوج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام ~~مقامه في باب المهر. والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب ~~عليها الحجاب. يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية. وقد تقدم أن الخلوة ~~الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم. وقد تمسك أبوبكر ~~الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة. # قال: لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح. ورد بأن تقديم ~~قوله: من نسائكم يوجب تخصيص الوطء بالحلال. # الصنف الثاني عشر وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم فيخرج المتبنى وكان في ~~صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ms1350 لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [الأحزاب: 37] وحكم الابن من ~~الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه # لقوله صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «1» # وإن كان ظاهر قوله: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وظاهر قوله: وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد. ~~واتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة ~~على الدخول. وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به ~~التأبيد. ألا ترى أنه قال في السبع المحرمات من جهة النسب إنها من المبهمات ~~أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟ # واتفقوا أيضا على تحريم حليلة ولد الولد على الجد. أما جارية الابن فقد ~~قال أبو حنيفة: # يجوز للأب أن يتزوج بها. وقال الشافعي: لا يجوز لأن الحليلة فعيلة إما ~~بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، ~~وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلان في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب ~~صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودة. وعلى التقادير يصدق على جارية الابن ~~أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية. الصنف ~~الثالث عشر وأن تجمعوا بين الأختين أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث ~~للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة. ويمكن أن يقال: # الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون ~~إما بالنكاح أو بالملك أو بهما. أما النكاح فلو عقد عليهما معا فنكاحهما ~~باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني PageV02P388 # لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح ~~إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد ~~بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع ~~بينهما في الملك لجاز وطؤهما معا لقوله تعالى: إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم [المؤمنون: 6] ولأن ms1351 الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل ~~على الجواز فالأحوط جانب الترك. وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: ~~النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلا أنه إذا وطئ ~~إحداهما حرم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن ~~الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج. قال أبو حنيفة هاهنا: لا ~~يجوز نكاح الأخت في عدة الأخت البائن لأن النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب ~~العدة ولزوم النفقة. وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلقة زائل بدليل لزوم ~~الحد بوطئها. وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت ~~القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن ~~استثناء عين التالي لا ينتج. وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال ~~الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوج بهما معا أو على ~~الترتيب، لأن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذا لا ~~يتصور تكليفه بالفروع ما دام كافرا. نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما ~~يعاقب على ترك الإسلام. ومما يؤيد قول الشافعي ما روي أن فيروزا الديلي ~~أسلم على ثمان نسوة # فقال صلى الله عليه وسلم: اختر منهن أربعا وفارق سائرهن أطلق ولم يتفحص ~~عن الترتيب. # وقال أبو حنيفة: إن تزوج بهما معا تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، ~~لأن الخطاب في قوله: وأن تجمعوا عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه ~~حيث جعل النهي دالا على الفساد، والكافر مخاطبا بالفروع. ومما يدل على أن ~~الخطاب بالفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على ~~أنه لو تزوج بغير ولي وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرر ~~ذلك النكاح، أما قوله تعالى: إلا ما قد سلف فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل ~~قوله: إن الله كان غفورا رحيما وقد مر نظيره. # واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق بالأختين جميع المحارم حيث # قال: «لا تنكح ms1352 المرأة على عمتها ولا على خالتها» «1» # وضبط العلماء ذلك بأن كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع PageV02P389 # لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى حرم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع ~~بينهما. فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها، وكذلك بين ~~المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخئولة من النسب ~~أو الرضاع. ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها ~~لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ~~ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذ بخلاف ما لو فرضت المرأة ~~ذكرا فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع. وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين ~~أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي ~~المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع ~~لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك. الصنف الرابع عشر ~~والمحصنات من النساء وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية والذين ~~يرمون المحصنات فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النور: 4] وثانيها ~~العفة محصنات غير مسافحات أحصنت فرجها. وثالثها الإسلام فإذا أحصن قيل في ~~تفسيره إذا أسلمن. ورابعها كونها ذات زوج والمحصنات من النساء أي ذوات ~~الأزواج منهن. والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع. يقال: ~~مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات. والحرية سبب ~~لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا ~~الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من ~~الوقوع في الزنا. قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج. ومعنى قوله: ~~إلا ما ملكت أيمانكم أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال ~~لغزاة المسلمين وهكذا إذا سبى الزوجان معا خلافا لأبي حنيفة قياسا على شراء ~~الأمة واتهابها وارثها فإن كلا منها لا يوجب الفرقة. وأجيب بأن الحاصل عند ~~السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى ms1353 شخص، والأول أقوى ~~فظهر الفرق. وقيل: المعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا إذا ملكتموهن ~~بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهن. وقيل: # المحصنات الحرائر. والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ~~ملكا لكم وهو الأربع، أو إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن لحصول الشرائط ~~المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما # روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن ~~نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: والمحصنات من النساء إلا ~~ما ملكت أيمانكم فاستحللناهن. # ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: كتاب الله عليكم قال الزجاج: يحتمل أن ~~يكون منصوبا باسم فعل ويكون عليكم مفسرا له أي الزموا كتاب الله. وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن # PageV02P390 # مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما. وقد دخل بعد هذه ~~العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أن المطلقة ثلاثا لا تحل ودليل ذلك ~~قوله: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره [البقرة: 230] ومنها ~~الحربية والمرتدة بدليل قوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة: 221] ~~ومنها المعتدة بدليل قوله والمطلقات يتربصن [البقرة: 228] ومنها أن من في ~~نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق. وعند الشافعي القادر على طول ~~الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ومن لم يستطع منكم طولا ومنها الخامسة ~~بدليل مثنى وثلاث ورباع [النساء: 3] ومنها الملاعنة # لقوله صلى الله عليه وسلم: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» . # وقوله: أن تبتغوا مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ~~ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين لا في حال كونكم مسافحين، لئلا ~~تضيعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياما فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ~~ودينكم. ويجوز أن يكون تبتغوا بدلا من ما وراء ذلكم ومفعول تبتغوا مقدر وهو ms1354 ~~النساء. والأجود أن لا يقدر لأنه مفهوم من سوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا ~~أموالكم. ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحا لأنه لا غرض ~~للزاني إلا سفح النطفة أي صبها. قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة ~~دراهم لأنه تعالى قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا ~~يسمى أموالا. وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأن قوله: بأموالكم ~~مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ~~ابتغاء النكاح بما يسمى مالا، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء. # وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أعطى امرأة في نكاح ~~كف دقيق أو سويق فقد استحل» # وقال أبو حنيفة: لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهرا ~~ولها مهر مثلها، لأن الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، ~~وكذا قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~[النساء: 4] والإيتاء والأكل من صفة الأعيان. ولو تزوج امرأة على خدمة سنة ~~وإن كان حرا فلها مهر مثلها، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة. وقال الشافعي: ~~الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو ~~لا. وأيضا قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه. ومما ~~يدل على جواز جعل المنفعة صداقا قوله تعالى في قصة شعيب على أن تأجرني ~~ثماني حجج [القصص: 27] والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ. ~~وأيضا التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوج بها شيئا # قال صلى الله عليه وسلم: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا وكذا. ~~فقال: زوجتكها # PageV02P391 # بما معك من القرآن. # ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقا لها لا سيما # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ~~وكونه من خواصه ممنوع. # فما استمتعتم به منهن أي فما استمتعتم به من المنكوحات من ms1355 جماع أو عقد ~~عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة فآتوهن أجورهن أي عليه فأسقط الراجع ~~للعلم به. ويجوز أن يراد بما النساء «ومن» للتبعيض أو البيان لا لابتداء ~~الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في به على اللفظ وفي فآتوهن على المعنى. ~~والأجور المهور لأن المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة ~~أجرا. وفريضة حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأن الإيتاء ~~مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة. ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول ~~بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر. قال ~~أكثر علماء الأمة: إن الآية في النكاح المؤبد. وقيل: المراد بها حكم المتعة ~~وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة ~~لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. واتفقوا على أنها كانت مباحة في ~~أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة. وذهب ~~الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس ~~وعمران بن الحصين. قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ ~~قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: # فما هي؟ قال: هي متعة كما يقال. قال: قلت هل لها عدة؟ قال: نعم، عدتها ~~حيضة. # قلت: هل يتوارثان؟ قال: لا. وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا ~~الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: قاتلهم الله إني ما أفتيت ~~بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم ~~الخنزير له، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: # اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة. وأما # عمران بن الحصين فإنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها ~~آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه ومات ولم ~~ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء- يريد أن عمر نهى عنها- # وروى محمد بن جرير الطبري في ms1356 تفسيره عن علي أنه قال: لولا أن عمر نهى عن ~~المتعة ما زنى إلا شقي. # حجة الجمهور على حرمة المتعة أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة أو المملوكة ~~لقوله تعالى: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون: 6] وهذه ~~المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلا لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة ~~عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق. وروي عن عمر أنه نهى عن ~~المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا ~~لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم # PageV02P392 # بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو ~~سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم. وما ~~روي عن عمر أنه قال: لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته. ثم إن ~~الصحابة لم ينكروا عليه مع أن الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على ~~سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة. ألا ترى أنه # قال صلى الله عليه وسلم: «من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله» ~~«1» # مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلا للسياسة. وروى الواحدي ~~في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن ~~أبيهما عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل ~~لحوم الحمر الإنسية. قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ~~ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ~~ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل ~~سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. القائلون بإباحة المتعة قالوا: ~~الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل ~~التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ms1357 ~~فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن وبه قرأ ابن عباس أيضا، ~~والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعا. وأيضا أمر بإيتاء الأجور لمجرد ~~الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر ~~بالعقد. وأيضا قال في أول السورة: فانكحوا [النساء: 3] فناسب أن تحمل هذه ~~الآية على نكاح المتعة لئلا يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم ~~جديد أولى. ومما يدل على ثبوت المتعة ما # جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم ~~الحمر الأهلية يوم خيبر. # وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وسلم أباح المتعة في حجة الوداع وفي ~~يوم الفتح. وذلك أن أصحابه شكوا إليه يومئذ طول العزوبة فقال: استمتعوا من ~~هذه النساء. وقول من قال إنه حصل التحليل مرارا والنسخ مرارا ضعيف لم يقل ~~به أحد من المعتبرين إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات. ونهي ~~عمر يدل على أنه كان ثابتا في عهد الرسول، وما كان ثابتا في عهده لم يمكن ~~نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين. وأجيب بأن المراد من قول عمر ~~«وأنا أنهي عنها» أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقد سلموا له ذلك فكان إجماعا. # ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة الذين حملوا الآية على ~~بيان PageV02P393 # حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين فلا حرج ~~في أن تحط عنه شيئا أو تبرئه عنه بالكلية كقوله: فإن طبن لكم عن شيء ~~[النساء: 4] وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو ~~يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلقها قبل الدخول. قال أبو حنيفة: إلحاق ~~الزيادة بالصداق جائز لأن التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان ~~وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة ~~وكان لها نصف المسمى في العقد. وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة. ms1358 فإن ~~أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة ~~أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقدا ثانيا وهو باطل ~~بالإجماع، وإما أن تحصل عقدا مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل. والذين ~~حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة ~~من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في ~~الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار. إن الله كان عليما حكيما لا يشرع ~~الأحكام إلا على وفق الحكمة والصواب. # ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ومن لم يستطع منكم طولا فضلا في المال وسعة ~~ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان. وأن ~~ينكح متعلق ب طولا يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله. والمحصنات ~~هاهنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ~~ملكتها أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإن الإنسان لا يجوز له أن ~~يتزوج بجارية نفسه والفتيات المملوكات. تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي ~~وفتاتي» «1» # وقال الشافعي: إن الله تعالى شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في ~~الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول ~~الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به. فإذا كان كذلك جاز له ~~التزوج بالأمة لأن العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ~~ساداتهن. والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية. والثالثة في المنكوحة ~~وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: من فتياتكم ~~المؤمنات فالقيد الأول مستفاد من قوله: من فتياتكم أي من فتيات المسلمين لا ~~من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات ~~بالمؤمنات. أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع PageV02P394 # للأم في الحرية ms1359 والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر. إلا أن ~~هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأن الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال. ~~وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق. وهذا قول ~~مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي. أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني ~~والفقير سواء في جواز نكاح الأمة. وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ~~ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة. ثم الأمة لو كانت ~~كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية ~~على الفضل لا على الوجوب قياسا على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع ~~وصف الجرائر أيضا بالمؤمنات. وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين. ومن الناس ~~من قال: لا يجوز التزوج بالكتابيات البتة ولا شك أن في الآية دلالة على ~~الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلا عند الضرورة وذلك ~~لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعودت ~~بسبب ذلك فجورا وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة ~~الزوج، ولأن السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأن مهرها ملك ~~لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه. # والله أعلم بإيمانكم قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم ~~مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور. بعضكم من بعض كلكم أولاد ~~آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في ~~الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه. ~~وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس ~~بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات. ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: فانكحوهن بإذن ~~أهلهن فلذلك اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأن نكاحهن غير ~~واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأن التزوج بها يعطل على السيد أكثر ~~منافعها فوجب أن لا يجوز ms1360 إلا بإذنه. ولفظ القرآن مقتصر على الأمة. # وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث. # روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ~~فهو عاهر» «1» # واستدل الشافعي بالآية على أن المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا ~~بإذن الولي لأن قوله: فانكحوهن الضمير فيه يعود إلى الإماء. والأمة ذات ~~موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة ~~عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا ~~الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه PageV02P395 # يحنث في يمينه. فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز ~~نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصور ~~ضرورة أنه لا قائل بالفرق. # واعترض على قول الشافعي بأن ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها ~~وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها. وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، ~~وعندنا أن رضا المولى لا بد منه. فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، ~~وأيضا إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلا أو ولي ~~المولى إن كان امرأة. سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه # قوله صلى الله عليه وسلم: «العاهر هي التي تنكح نفسها» «1» # إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل ~~بالفرق. قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم. فلقائل أن يقول: لا نسلم ~~أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن ~~الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق. # فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع. فمن المعلوم عرفا أن ~~المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شابا. فحينئذ لو ~~كلم زيدا وزيد شاب حنث فإذا صار شيخا ثم كلمه لم يحنث. وآتوهن أجورهن أي ~~مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها ms1361 إذا نكحها- سمى لها المهر أو لم يسم- وفي ~~قوله: بالمعروف دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد ~~المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء. ~~وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه ~~فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق ~~الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة. وعن بعض أصحاب ~~مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأن المولى إذا آجرها للخدمة كان هو ~~المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: وآتوهن أجورهن وأما ~~الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله تعالى: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء [النحل: 75] وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلا، ولأن ~~منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق ~~بدلها. أما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو ~~حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن. وليس ~~في قوله: وآتوهن ما يوجب كون المهر ملكا لهن. وهب أن المهر ملك لهن # ولكنه صلى الله عليه وسلم قال: «العبد وما يملكه لمولاه» # أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف محصنات قال ابن عباس: أي عفائف وهو ~~حال من قوله: PageV02P396 # فانكحوهن وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز ~~فالآية محمولة على الندب والاستحباب. غير مسافحات قال أكثر المفسرين: ~~المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها ~~صديق معين. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات ~~الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم فلا جرم أفردهما الله ~~تعالى بالذكر تنصيصا على حرمتهما معا. # والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب. والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في ~~كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى. فإذا أحصن بالتزوج وهو قول ابن ~~عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو ms1362 قول عمر وابن مسعود ~~والشعبي والنخعي والسدي. وكأنه تعالى ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ~~من فتياتكم المؤمنات ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على ~~الفاحشة. وهاهنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار. وعلى ~~الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون ~~جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في ~~الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا. # والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن ~~الرجم لا ينتصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن. وذلك أن حد الزنا ~~يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، ~~فلأن يكون قبل التزوج هذا القدر أولى. # واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأن الآية تدل على أن ~~عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف ~~الرجم في حق الأمة وهو محال. والجواب ما مر أن المخصص في حق الأمة دليل ~~عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير ~~الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما. ذلك ~~إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق لمن خشي العنت منكم وقد عرفت فيما مر أن ~~معناه الوقوع في أمر شاق. وللمفسرين هاهنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد ~~والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب ~~الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع ~~الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن ~~وعليه أكثر العلماء. وأن تصبروا أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة ~~متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرائر صلاح البيت # PageV02P397 # والإماء هلاك البيت» . # والله غفور رحيم تأكيد لما ms1363 ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلا أنه أباحه ~~لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة يريد الله ليبين لكم أقيمت ~~اللام مقام «أن» في قولك أريد أن يقوم. وقيل: زيدت اللام وقدر «أن» وذلك ~~لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في «لا أبالك» لتأكيد إضافة الأب. وقيل: في ~~الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم ~~وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم. ~~قيل: المراد أن كل ما بين لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان ~~الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل. وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف ~~وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن ~~من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم. قال القاضي: معناه كما ~~أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب ~~علينا إن وقع تقصير وتفريط. وفي الآية إشعار بأنه تعالى هو الذي يخلق ~~التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكنا ~~وليس كذلك. وأجيب بأن المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر ~~المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في ~~قوله: والله يريد أن يتوب عليكم وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما ~~تستوجبون به أن يتوب عليكم. ويريد الفجرة الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~عن الحق والقصد ميلا عظيما وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح ~~الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم ~~تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ ~~والأخت فنزلت. يقول: # يريدون أن تكونوا زناة مثلهم. يريد الله أن يخفف عنكم بإحلال نكاح الأمة ~~وغيره من الرخص. وخلق الإنسان ضعيفا فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل. أما ضعف ~~خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد ~~احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن ms1364 والملابس والذخائر ~~والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا ~~لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء. عن سعيد بن ~~المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء، لقد أتى ~~علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي ~~النساء. عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت ~~عليه الشمس وغربت. يريد الله ليبين لكم والله يريد أن يتوب عليكم يريد الله ~~أن يخفف عنكم إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31] إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به [النساء: 48] إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 40] من يعمل ~~سوءا # PageV02P398 # أو يظلم نفسه # [النساء: 110] ما يفعل الله بعذابكم [النساء: 147] اللهم لا تحرمنا ~~مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد. # ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بين ~~عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في ~~قوله: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم وقد سبق مثله في آخر البقرة. وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ~~ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش ~~الجنايات حلالا، لأن أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة. ويدخل تحت هذا النهي ~~أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله تعالى: ولا ~~تقتلوا أنفسكم يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه. قال أبو حنيفة: ~~النهي في المعاملات لا يدل على البطلان. وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا ~~تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف ~~قول المالك الحقيقي وهو الله سبحانه أولى أن يكون باطلا. وأي فرق بين قوله: ~~«لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين» وبين قوله: «لا تبيعوا الحر» وإذا كان الثاني ms1365 ~~غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول. وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في ~~عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل. وقال الشافعي: ~~لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلا أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار # بقوله صلى الله عليه وسلم: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم ~~يتفرقا» «1» . # ولا تقتلوا أنفسكم من كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة، ~~أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض ~~شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه. # عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه ~~الجنة» «2» . # وعن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال ~~لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل ~~قتالا شديدا فأصابته جراح. فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفا إنه من ~~أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى PageV02P399 # النار. فكاد بعض المسلمين أن يرتاب. فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم ~~يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تردى من جبل ~~فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن تحسى سما ~~فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا. ومن قتل ~~نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا ~~فيها أبدا» «1» . # وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت ~~إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت ms1366 بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من ~~الاغتسال وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: ولا تقتلوا أنفسكم فضحك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا. # وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا ~~بعد الإحصان إن الله كان بكم رحيما ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلا ~~وآجلا. وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك ~~توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم. ومن يفعل ذلك القتل عدوانا وظلما لا خطأ ولا ~~قصاصا. هذا قول عطاء. وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل. ~~وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله تعالى عنه من أول السورة. وتنكير ~~النار للتعظيم أو للنوع. وكان ذلك على الله يسيرا مثل على وفق المتعارف ~~كقوله: وهو أهون عليه [الروم: 27] وإلا فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له ~~في ملكه. ### | التأويل: # حرمت عليكم أمهاتكم الآية كلها إشارات إلى نهي التعلق ومنع التصرف في ~~الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان. إن الله كان ~~غفورا بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس ~~في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع رحيما بالمؤمنين فيما اضطرهم ~~إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية. والمحصنات من النساء هي الدنيا ~~التي تصرف فيها العلويات إلا ما ملكت أيمانكم بإذن الله تعالى حيث قال: ~~كلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: 31] محصنين حرائر من الدنيا وما فيها ~~غير مسافحين في الطلب مياه وجوهكم. فما استمتعتم به منهن من الضروريات ~~فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر. ثم إن الله تعالى أحب نزاهة ~~قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب PageV02P400 # نزاهة فراشه فقال: ومن لم يستطع أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا ~~الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرف شرائع الإسلام بحيث لا ~~يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ms1367 ملكت يمين قلبه من ~~الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال ~~صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: «يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي ~~من خدمك» . محصنات بالصدق والإخلاص غير مسافحات بالتبذير والإسراف ولا ~~متخذات أخدان من النفس والهوى فإذا أحصن بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ ~~والدفع فإن أتين بفاحشة هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت ~~يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حد عجوز الدنيا إذا ~~أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله ~~كما كان حال سليمان عليه السلام إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد لما ~~شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسبحا بالسوق والأعناق ذلك ~~التصرف في قدر من الدنيا لمن خشي ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا ~~وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي وأن تصبروا عن التصرف في الدنيا ~~بالكلية خير لكم كما # قال صلى الله عليه وسلم: «يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر» . # يريد الله أن يخفف عنكم فلكم المعونة ولغيركم المئونة. # قال إبراهيم: إني ذاهب إلى ربي [الصافات: 99] وأخبر عن حال موسى بقوله: ~~ولما جاء موسى لميقاتنا [الأعراف: 143] وعن حال نبينا بقوله: سبحان الذي ~~أسرى بعبده [الإسراء: 1] وعن حال هذه الأمة بقوله: سنريهم آياتنا [فصلت: ~~53] والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبينا ~~الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبينا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ~~ولأمته التقرب: # «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» «1» # . والفرق بين النبي والولي، أن النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير ~~إلا في متابعة النبي وتسليكه. وخلق الإنسان ضعيفا ولهذا أعين بالخدمة حتى ~~يتصل بقوة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه ~~بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلا فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر ~~المخلوقات. وأيضا من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه. ms1368 # الصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد # وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفسا لم أبق. وغير الإنسان يصبر ~~عن الله PageV02P401 # لعدم المحبة. ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذ: كلميني يا ~~حميراء. وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك ~~إليك. ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة ~~يتسم بسمات الملك. وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا # جاء في الحديث الرباني: «أنا ملك حي لا أموت أبدا فأطعني عبدي لعلك تكون ~~ملكا حيا لا تموت أبدا» . # إلا أن تكون تجارة أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم. ولا تقتلوا أنفسكم بصرف ~~أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل إن الله كان بكم رحيما إذ بين لكم ~~هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات. ومن يفعل صرف المال إلى الهوى تعديا عن ~~أمر الله وظلما على نفسه. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 31 الى 40] # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ~~(31) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ~~(32) ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا (33) الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ~~(34) وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا (35) # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ms1369 ~~ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا (37) والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا (38) وماذا عليهم لو ~~آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما (39) ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ~~(40) # PageV02P402 ### | القراآت: # يكفر ويدخلكم بياء الغيبة: المفضل. الباقون بالنون. مدخلا بفتح الميم ~~وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع. الباقون بالضم. وسئلوا وبابه مما دخل عليه ~~واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف. # عقدت من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون عاقدت من المعاقدة. بما ~~حفظ الله بالنصب: يزيد. الباقون بالرفع. والجار بالإمالة: إبراهيم بن حماد ~~وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ~~ورش والجار الجنب بفتح الجيم وسكون النون: المفضل. الباقون بضمتين. بالبخل ~~بفتحتين حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير. الباقون: بضم الباء ~~وسكون الخاء. # حسنة بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع. الباقون بالنصب. يضاعفها ~~بالتشديد: # ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون يضاعفها بالألف. ### | الوقوف: # كريما ه على بعض ط مما اكتسبن ط من فضله ط عليما ه والأقربون ط بناء على ~~أن ما بعده مبتدأ نصيبهم ط شهيدا ه من أموالهم ج لأن ما يتلو مبتدأ بما حفظ ~~الله ط واضربوهن ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب سبيلا ط كبيرا ه من أهلها ~~ج لأن «أن» للشرط مع اتحاد الكلام بينهما ط خبيرا ه وابن السبيل ط للعطف ~~أيمانكم ط فخورا ه لا بناء على أن الذين بدل من فضله ط مهينا ه ج لاحتمال ~~ما بعده الاستئناف والعطف باليوم الآخر ط وإن جعل «الذين» مبتدأ لأن خبره ~~محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان قرينا ه رزقهم الله ط عليما ه ذرة ms1370 ط ~~لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ~~عظيما ه. ### | التفسير: # هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم. ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي ~~كبائر. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن ~~عمل شيئا منها فليستغفر الله فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا ~~راجعا عن الإسلام أو جاحدا فريضة أو منكرا لقدر. وضعف بأن الذنوب لو كانت ~~كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله ~~تعالى: وكل صغير وكبير مستطر [القمر: 53] لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها [الكهف: 49] وبأنه صلى الله عليه وسلم نص على ذنوب بأعيانها أنها ~~كبائر، وبقوله تعالى: وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان [الحجرات: 7] ولا ~~بد من فرق بين الفسوق والعصيان. فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان. حجة ~~المانع ما روي عن ابن عباس: أن الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من # PageV02P403 # عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه تعالى غير متناهية وأنه أجل الموجودات ~~فيكون عصيانه كبيرا. وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى الأغنياء عن طاعات ~~المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث ~~إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت. وإذ قد عرفت أن ~~الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو ~~باعتبار فاعلها. ذهب إلى كل واحد طائفة. فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن ~~عباس كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم ~~والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها. وزيف بأنه لا ذنب إلا وهو متعلق الذم عاجلا ~~والعقاب آجلا فيكون كل ذنب كبيرا وهو خلاف المفروض. وعن ابن مسعود أن ~~الكبائر هي ما نهى الله تعالى في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه تعالى ذكر ~~الكبائر في سائر السور أيضا فلا وجه للتخصيص. وقيل: كل عمد فهو كبير. ورد ~~بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساه فما هذا حاله ms1371 فهو الذي نهى الله عنه ~~فيكون كل ذنب كبيرا وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم ~~بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيرا وهو باطل بالاتفاق. وأما ~~الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أن لكل طاعة ~~قدرا من الثواب، ولكل معصية قدرا من العقاب. فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية ~~فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكنا بحسب العقل إلا أنه غير ممكن بحسب ~~السمع وإلا لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال تعالى: ~~فريق في الجنة وفريق في السعير [الشورى: 7] فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم ~~حينئذ الإحباط والتكفير. والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مر من ~~إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه تعالى لم يميز جملة الكبائر عن ~~جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير ~~الصغائر. فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على ~~الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلا ويجوز كونه كبيرا صار هذا المعنى ~~زاجرا له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي ~~رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات. هذا ~~ولا مانع من أن يبين الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله ~~والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم ~~والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» «1» . # وذكر عند ابن عباس أنها سبعة PageV02P404 # فقال: هي إلى السبعين أقرب. وفي رواية إلى السبعمائة. وعن ابن عمر أنه عد ~~منها: # استحلال آمين البيت الحرام وشرب الخمر. وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من ~~رحمة الله والأمن من مكره. # وفي بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة قول الزور وعقوق ~~الوالدين والسرقة. # وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد. وقيل: هي ms1372 ~~التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة. وقيل: كل جريرة تؤذن ~~بقلة اكتراث صاحبها بالدين. وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع ~~الإصرار. ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار ~~منها وإن لم تكن من نوع واحد. # احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل ~~على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه. والجواب عنه أن استثناء نقيض ~~المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته [البقرة: 283] وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه. سلمنا أن الآية ~~رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيئاته، فغايته أنه يكون ~~عاما في باب الوعيد. والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه ~~مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة. ثم قالت ~~المعتزلة: إن عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على ~~الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان. ويدخل في الاجتناب عن الكبائر ~~الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضا كبيرة. وندخلكم مدخلا فمن فتح الميم ~~أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال. ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه ~~التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف ~~باعتبار صاحبه. # ثم إنه سبحانه لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل ~~الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن. أو ~~نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلا بالرضا بالقضاء وتطييب ~~القلب بالمقسوم المقدر، فلا جرم قال: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض قالت المعتزلة: التمني قول القائل: «ليته كذا» . وقال أهل السنة: هو ~~عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه تعالى لو أراد ~~من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنيا. ثم مراتب السعادات إما ~~نفسانية نظرية كالذكاء ms1373 والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق ~~الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد ~~النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوبا ~~للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات. وبعضها محض عطاء الله ~~تعالى، وبعضها مما # PageV02P405 # يظن أنها كسبية. وبالحقيقة كلها عطاء منه تعالى فإنه لولا ترجيح الدواعي ~~وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد ~~مشتركا فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟ وإذا كان كذلك ~~فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟ ~~فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان ~~خلافه لكان وبالا عليه كما قال: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~[الشورى: 27] . # وفي الكلمات القدسية: «من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي ~~كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين. ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر ~~على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب ربا سوائي» . # قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، ~~وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسدا، بل ينبغي أن يقول: اللهم ~~أعطني ما يكون صلاحا لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي. وعن الحسن: لا يتمن ~~أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال. # أما سبب النزول # فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من ~~الميراث ضعف ما لنا فنزلت. # وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: للذكر مثل حظ الأنثيين [النساء: 11] قال ~~الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث. وقال ~~النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال. # وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت. # وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت ~~الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله ms1374 يذكر ~~الرجال ولا يذكرنا؟ فنزلت الآية. فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: إن للحامل منكم أجر الصائم القائم، وإذا ضربها ~~الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء ~~نفس. # للرجال نصيب مما اكتسبوا من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا ~~بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي ~~أن يضيعه بسبب الحسد المذموم. وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك. أو ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا بسبب قيامهم بالنفقة على النساء وللنساء نصيب مما ~~اكتسبن بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت وسئلوا الله من ~~فضله فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام. و «من» للتبعيض أي ~~شيئا من خزائن كرمه وطوله إن الله كان بكل شيء # PageV02P406 # عليما # فهو العالم بما يكون صلاحا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوض ~~التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب. # قوله سبحانه وتعالى: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون يمكن ~~تفسيره. # بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثا منهما. والمعنى ~~على الأول: # لكل أحد جعلنا ورثة في تركته. ثم إنه كأنه قيل: ومن هؤلاء الورثة؟ فقيل: ~~هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: مما ترك وفيه ضمير كل. وأما ~~على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك ~~الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون جعلنا موالي صفة لكل ~~بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: # لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله. أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ ~~مشترك بين معان: # منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية ~~مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريما لأن له اللزوم والمطالبة ~~بحقه، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له. ومنها ms1375 الحليف لأن الحالف ~~يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى ~~للناصر قال تعالى: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا [محمد: 11] ومنها العصبة ~~وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها # كقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله ~~للموالي العصبة، ومن ترك كلا فأنا وليه» «1» . # وأما قوله: # والذين عقدت أيمانكم فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ~~فآتوهم خبره. وإما أن يكون منصوبا على قولك: «زيدا فاضربه» مما توسط الفاء ~~بين الفعل ومفعول مفسره إيذانا بتلازمهما وإما أن يكون معطوفا على الوالدان ~~والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف. من الناس من قال: الآية منسوخة. وذلك ~~أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ~~ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني ~~وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض [الأنفال: 75] وبقوله: # يوصيكم الله [النساء: 11] وأيضا: إن الواحد منهم كان يتخذ إنسانا أجنبيا ~~ابنا له وهم الأدعياء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين كل رجلين ~~منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ. ومن المفسرين من زعم أنها غير ~~منسوخة. وقوله: والذين معطوف على ما PageV02P407 # قبله. والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا ~~تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في فآتوهم للموالي ~~قاله أبو علي الجبائي. أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى ~~عقدا بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ~~يوصيكم الله [النساء: 11] قاله أبو مسلم. وقيل: # المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء. وقيل: هم الحلفاء. والمراد بإيتاء ~~نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة. وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء ~~القليل كقوله: وإذا حضر القسمة [النساء: 8] وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا ~~يرث المولى الأسفل من الأعلى. # وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس ms1376 أن رجلا ~~أعتق عبدا له فمات المعتق ولم يترك إلا العتيق فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ميراثه للغلام. # والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى الغلام لفقره. وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد ~~رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي ~~فيه. وحكى الأقطع أن هذه الموالاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضا إلا بين العرب ~~دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم. إن الله كان على كل شيء شهيدا لأنه عالم ~~بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه ~~وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين. # هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث ~~ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: الرجال ~~قوامون يقال: هذا قيم المرأة وقوامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم ~~بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قواما. والضمير في ~~بعضهم للرجال والنساء جميعا أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله ~~بعضهم- وهم الرجال- على بعض- وهم النساء. وقيل: وفيه دليل على أن الولاية ~~إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وذكروا في فضل الرجال ~~العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم ~~الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والصغرى ~~وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف ~~والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة ~~السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، ~~والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم ~~الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلها يرجع إلى العلم والقدرة. ومنها ~~سبب خارجي وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من ~~أموالهم مهرا # PageV02P408 # ونفقة. # عن مقاتل أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته ~~حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها. فانطلق بها ms1377 أبوها إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: أفرشته كريمتي فلطمها. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعوا هذا جبريل أتاني وأنزل الله هذه ~~الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي ~~أراد الله خير ورفع القصاص. # فلهذا قال العلماء: # لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها ولكن يجب العقل، ~~وقيل: لا قصاص إلا في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا. ثم قسم ~~النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات ~~للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة. ومواجب حفظ غيبة ~~الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا ~~يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن ~~الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعا وعرفا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن ~~أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية» «1» . # و «ما» في قوله: بما حفظ الله موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله ~~لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على ~~أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~[البقرة: 229] فقوله: بما حفظ الله يجري مجرى قولهم «هذا بذاك» أي هذا في ~~مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن ~~لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب ~~العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة. ومن قرأ بما حفظ ~~الله بالنصب ف «ما» أيضا موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو ~~التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن ~~حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية ms1378 تكليف الله وتجتهد في ~~حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها. ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: واللاتي ~~تخافون تعرفون بالقرائن والأمارات نشوزهن عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من ~~نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة فعظوهن وهو أن يقول: # اتقي الله فإن لي عليك حقا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك ~~فرض ونحو ذلك. واهجروهن في المضاجع أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت ~~اللحف. وقيل: # هو أن يوليها ظهره في المضجع. وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن ~~فيها أي لا PageV02P409 # تبايتوهن. وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها. ولكن ينبغي أن لا يزيد في ~~هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك ~~عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلا على ~~كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: واضربوهن والأولى ترك الضرب لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا تضربوا إماء الله» «1» فجاء عمر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن ~~فرخص في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون ~~أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد طاف بآل محمد نساء كثير ~~يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم» . # ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا. وإذا ضربها وجب ~~أن لا يكون مفضيا إلى الهلاك البتة، وأن يكون مفرقا على بدنها لا يوالي به ~~في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين. ~~وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ~~ولا بالعصا. وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا # قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت ~~هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. # وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا ~~بأس بالجمع بين ms1379 الكل. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «علق سوطك حيث يراه أهلك» . # فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهن ~~كأن لم يكن إن الله كان عليا لا بالجهة كبيرا لا بالجثة فاحذروا واعلموا أن ~~قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم. # روي أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاما له فبصر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه. فرمى بالسوط ~~وأعتق الغلام. # وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو ~~إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ~~فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه ~~وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا ~~تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ~~ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله تعالى قادر قاهر ينتصف لهن ~~منكم. # ثم بين أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: وإن خفتم قال ابن عباس: أي ~~علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب. ~~واعترض PageV02P410 # عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعا فلا حاجة إلى الحكمين. وأجيب بأن ~~الشقاق معلوم إلا أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى ~~الحكمين لهذا المعنى. أو نقول: # المراد إزالة الشقاق في الاستقبال. ومعنى شقاق بينهما شقاقا بينهما، ~~فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، ~~أو على جعل البين مشاقا مثل «نهاره صائم» والضمير للزوجين يدل عليهما مساق ~~الكلام، أو ذكر الرجال والنساء فابعثوا حكما من أهله رجلا مقنعا رضا يصلح ~~لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث. ولا بد فيه من العقل ~~والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب ~~أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، ms1380 فيبرزان لهما ما في ~~ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين. ~~وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما ~~وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم. ثم المبعوثان ~~وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: فابعثوا ~~فيه للشافعي قولان: - أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد- أنهما وكيلان لأن ~~البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان. والخطاب في قوله: وإن خفتم ~~وفي فابعثوا لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به. ~~وثانيهما- وبه قال مالك- أنهما موليان لأنه تعالى سماهما الحكمين. ولما # روي أن عليا عليه السلام بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟ ~~عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا. وعلى الأول ~~يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ~~ببذل العوض وقبول الطلاق. ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم ~~يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم. وعلى الثاني لا يشترط ~~رضا الزوجين في بعث الحكمين. # إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فيه أربعة أوجه: الأول: إن يرد الحكمان ~~خيرا يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير. # الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحا أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقا. الثالث: ~~إن يرد الحكمان إصلاحا يؤلف الله بين الزوجين. الرابع: إن يرد الزوجان خيرا ~~يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل ~~الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة. وفيه أنه لا يتم ~~شيء من الأغراض إلا بتوفيق الله تعالى وتيسيره إن الله كان عليما خبيرا ~~فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته. وفيه وعيد ~~للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة ~~الخصومة والخشونة. # PageV02P411 # ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا فإن من عبد الله وأشرك ms1381 به شيئا آخر فقد حبط عمله وضل سعيه وبالوالدين ~~إحسانا تقديره وأحسنوا بهما إحسانا. يقال: أحسن بفلان وإلى فلان. وبذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقد مر تفاسيرها في البقرة. قال أبوبكر الرازي: ~~إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ~~والجار ذي القربى الذي قرب جواره والجار الجنب الذي بعد جواره. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ~~ألا وإن الجوار أربعون دارا» «1» . # وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب. وقيل: الجار ذي القربى الجار ~~القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي. والتركيب يدل على البعد، ومنه ~~الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده ~~عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل. ومن قرأ الجنب فمعناه ~~المجنوب مثل «خلق» بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف والصاحب ~~بالجنب وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا ~~في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من ~~أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ~~ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى ~~جنبك وابن السبيل المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف وما ملكت أيمانكم # عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~ملكت أيمانكم # وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي. والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ~~فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشرهم معاشرة جميلة ويعطيهم من ~~الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى ~~المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد ~~الخراج الثقيل. وقيل: # كل حيوان فهو مملوك. والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا تياها جهولا يتكبر عن إكرام أقاربه ms1382 ~~وأصحابه وممالكيه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف ~~من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء. وأصله من الخيلاء ~~الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه. وعن ابن عباس هو الذي يفخر على ~~عباد الله تعالى بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث ~~بالنعم فقط. الذين يبخلون البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع ~~PageV02P412 # الواجب. وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، ~~وبضمهما، وبفتحهما. وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون ~~في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل ~~البخل بالعلم أيضا، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتا للسخاء ~~وهذه نهاية البخل. وفي أمثالهم «أبخل من الضنين بنائل غيره» وقد عابهم ~~بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، ~~والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث # قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحب أن يرى على عبده أثر نعمته» ~~«1» # وبنى عامل للرشيد قصرا حذاء قصره فنم به عنده. فقال الرجل: يا أمير ~~المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار ~~نعمتك فأعجبه كلامه. ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن ~~يظهر الشكاية من الله تعالى ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان. وقال ابن عباس: ~~إن الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالا من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم ~~يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وأيضا ~~إنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس. ثم لما ذم الذين لا ينفقون أموالهم ~~عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن رياء وفخارا وليقال ما أسخاهم وما ~~أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله ~~واليوم ms1383 الآخر وإلا أنفق لله أو للآخرة ومن يكن الشيطان له قرينا في الدنيا ~~آمرا بالبخل والفحشاء فساء قرينا في الآخرة يقرن به في النار. ثم استفهم ~~على سبيل الإنكار فقال: وماذا عليهم أي أي تبعة ووبال عليهم؟ أو ما الذي ~~عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟ والمراد التوبيخ وإلا فكل ~~منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: # ما ضرك لو عفوت؟ وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت بارا؟. وكان الله بهم عليما ~~بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عليها علام الغيوب، وردع عن دواعي ~~النفاق والرياء والسمعة والفخار. احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل ~~التقليد بأن قوله: وماذا عليهم لو آمنوا مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية ~~السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة. # وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي. وقال ~~جمهور المعتزلة: # لو كانوا غير قادرين لم يقل: وماذا عليهم كما لا يقال للمرأة ماذا عليها ~~لو كانت رجلا، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلا. وأجيب بعدم التحسين ~~والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل. PageV02P413 # ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلا: إن الله لا يظلم مثقال ذرة والمثقال ~~مفعال من الثقل كالميزان من الوزن. والذرة النملة الصغيرة. وعن ابن عباس ~~أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه ~~الأشياء ذرة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة. وانتصاب مثقال ~~على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلما قدر ~~مقدارها، وأراد نفي الظلم رأسا إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف. ~~وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه تعالى غير خالق لأعمال العباد ~~وإلا كان ظلمهم منسوبا إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان ~~منعه عنه ظلما. وأجيب بأنه إذا كان متصرفا في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ~~ظلم أصلا. وقد يحتج الأصحاب هاهنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب ~~شرب قطرة ms1384 من الخمر لو كان مزيلا لطاعات سبعين سنة كان ظلما، وفي عدم وعيد ~~الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائما مخلدا لزوم إبطال ثواب ~~إيمان سبعين سنة وهو ظلم. ثم قال: وإن تك حذفت النون من هذه الكلمة بعد ~~سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال. من قرأ حسنة ~~بالرفع فعلى «كان» التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه ~~مضافا إلى مؤنث. والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب ~~غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، ~~كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين. عن ابن مسعود أنه ~~قال: # يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا ~~فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء ~~حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله لملائكته: ~~انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها ~~الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته ومصداق ذلك في كتاب الله وإن تك ~~حسنة يضاعفها. قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في ~~الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوما، أما على هذه ~~العبارة فلا يعلم كميته إلا الله تعالى. # وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم مؤمنا ~~حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فبطعم بحسنات ما ~~عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها» ~~«1» # أما قوله: ويؤت من لدنه أجرا عظيما فإن لدنه بمعنى عند إلا أن لدن أكثر ~~تمكنا. يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر. ولا يقول: لدي مال ~~إلا إذا كان بحضرته. والمعتزلة حملوا PageV02P414 # المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر. ويمكن ~~أن يقال: # الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، ms1385 والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية ~~والله أعلم. ### | التأويل: # جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع ~~والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا ~~وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك ~~والرياء والنفاق وغيرها. # ثم أخبر أن الذين ليس بالتمني فقال: ولا تتمنوا فإنه لا يحصل بالتمني ~~ولكن للرجال المجتهدين في الله نصيب مما جدوا في طلبه وللنساء وهم الذين ~~يطلبون من الله غير الله نصيب على قدر همتهم في الطلب وسئلوا الله من فضله ~~فيه معنيان: # سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله ~~عليك عظيما # ، [النساء: 113] أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ولكل جعلنا موالي لكل ~~طالب صادق جعلنا استعدادا في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه ~~لعدم الاستعداد والمشيئة. والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ~~فآتوهم بالنصح وحسن التربية والتسليك نصيبهم الذي قدر لهم الرجال قوامون ~~على النساء بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ~~وبما أنفقوا من أموالهم أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى. فالصالحات ~~اللاتي يصلحن للكمال قانتات مطيعات لله لهن قلوب حافظات لواردات الغيب بما ~~حفظ الله عليهن حقائق الغيب وأسراره. واللاتي تخافون نشوزهن إذا دارت عليهن ~~كؤوس الواردات كما قيل: # فأسكر القوم دور كاس ... وكان سكري من المدير # فعظوهن باللسان وخوفوهن بالهجران ليتأدب السكران واضربوهن بسوط الانفصال ~~وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: هذا فراق بيني وبينك ~~[الكهف: 78] هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة أمارات الملال ~~أو عربدة من غلبات الأحوال. وإن خفتم شقاقا بين الشيخ الواصل والمريد ~~المتكامل فابعثوا متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين إن ~~يريدا إصلاحا بينهما بما رأيا فيه صلاحهما يوفق الله بينهما بالإرادة وحسن ~~التربية واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا من الدنيا والعقبى لتتخلقوا ~~بأخلاق الله وتحسنوا إلى الوالدين وغيرهما إحسانا بلا شرك ورياء وفخر ~~وخيلاء ms1386 والله ولي والتوفيق. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 57] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا (42) يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم ~~بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان ~~أمر الله مفعولا (47) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (48) ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على ~~الله الكذب وكفى به إثما مبينا (50) # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ~~ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (52) أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون ~~الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (55) # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ms1387 ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها ~~أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا (57) # PageV02P415 ### | القراآت: # تسوى بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر تسوى ~~بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف. الباقون تسوى مبنيا للمفعول ~~من التسوية لمستم من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل. ~~الباقون: لامستم من الملامسة فتيلا انظر بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان. الباقون: بالضم. وفرق بعضهم بين موضع الخفض ~~فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو متشابه انظروا ~~[الأنعام: 99] وبرحمة ادخلوا [الأعراف: 49] وخبيثة اجتثت [إبراهيم: 26] ~~وعذاب # PageV02P416 # اركض # [ص: 41] وأشباه ذلك. نضجت جلودهم وبابه مدغما: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو ~~عمرو. ### | الوقوف: # شهيدا ط الأرض ط حديثا ه تغتسلوا ط وأيديكم ط غفورا ه السبيل ه ط ~~بأعدائكم ط نصيرا ه في الدين ط وأقوم لا لاتصال لكن قليلا ه السبت ط مفعولا ~~ه لمن يشاء ج عظيما ه يزكون أنفسهم ط فتيلا ه الكذب ط مبينا ه ط سبيلا ه ~~لعنهم الله ط نصيرا ه ط لأن «أم» بمعنى همزة الاستفهام للإنكار نقيرا ه لا ~~للعطف من فضله ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء عظيما ه صد عنه ط سعيرا ه ~~نارا ط العذاب ط حكيما ه أبدا ط مطهرة ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام ~~المقصود ظليلا ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما أوعد الظالمين بقوله: إن الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: ~~40] ووعد المطيعين بقوله: وإن تك حسنة يضاعفها [النساء: 40] أراد أن يبين ~~أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام ~~أتم والتبكيت أعظم. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: اقرأ القرآن علي. قال: ~~فقلت: يا رسول الله أنت الذي علمتنيه! فقال: أحب أن أسمعه من غيري. قال ابن ~~مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: ms1388 حسبك الآن، ~~فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. # قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله تعالى بكرامة قبول الشهادة على ~~الخلائق. والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة ~~الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو ~~نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيدا؟ ثم وصف ذلك اليوم فقال: يومئذ ~~يود الذين كفروا وعصوا الرسول قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا. ~~والظاهر أن الواو للعطف وحينئذ تقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر لأن ~~عطف الشيء على نفسه غير جائز. فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، ~~أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهارا لشرف الرسول وتفظيعا لشأن ~~الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر فيكون في ~~الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. ومعنى لو تسوى لو يدفنون ~~فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا ~~والأرض سواء، أو تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله: يقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] أما قوله: ولا يكتمون الله حديثا فإما أن يتصل بما قبله ~~والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم # PageV02P417 # الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال ~~والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون ~~أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم ~~أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا ~~الله حديثا. وإما أن يكون كلاما مستأنفا فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف ~~يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟ ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة ~~التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى وقد مر سبب نزوله في البقرة. وفي لفظ الصلاة هاهنا ~~قولان: أحدهما أن المراد ms1389 منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ~~وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة. ~~وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى. ~~ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة ~~السكر، وذلك أن جمعا من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم ~~يأتون المسجد للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنهوا عن ذلك لأن ~~الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة ~~فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها. وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه ~~الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، ~~أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه. والمعنى على القول الثاني النهي عن ~~الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضا إلا إذا علموا ما يقولون، ومعنى ~~قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها. والثانية حالة الجنابة ويستثنى منها ~~حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر. أي لا تقربوا الصلاة في ~~حالة الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها وهي حال السفر. ويجوز أن ~~يكون إلا عابري سبيل صفة لقوله: جنبا أي لا تقربوها جنبا غير عابري سبيل أي ~~جنبا مقيمين. وإنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن ~~المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة. ويرد عليه بعد أن ~~الجنب المقيم أيضا إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم ~~والصلاة على الجنابة، اللهم إلا أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا ~~تخصص بالذكر أولا. وسكارى جمع سكران. وقوله: وأنتم سكارى في محل النصب على ~~الحال ولهذا عطف عليه قوله: ولا جنبا والجنب يستوي فيه الواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك ~~جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر هاهنا يراد به غلبة النوم ويوافقه ~~الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ms1390 ومنه سكر السبيل سد # PageV02P418 # طريقه. والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، ~~فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ~~ولا # ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن. والجواب أن لفظ السكر حقيقة ~~في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازا فإنما ~~استعمل مقيدا كقوله تعالى: وجاءت سكرة الموت [ق: 19] وترى الناس سكارى # [الحج: 2] وأيضا أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول ~~يمتنع أن لا يكون مرادا من الآية. ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في ~~الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير ~~بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند ~~تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول. ~~وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه تعالى حرم الخمر في ~~آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية. ومن ~~قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من ~~الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخا، ~~يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات ~~الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ~~ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب. والتحقيق فيه أن ~~النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على ~~إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلا أن جانب الإباحة راجح بحكم ~~الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة. ثم إنه تعالى ذكر حكم ~~المعذورين في حال الحدث فخص أولا من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون ~~في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب ~~الموجبة للرخصة. والمعنى أن المرضى ms1391 إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن ~~الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه ~~لبعده. ويحتمل أن يقال: قوله: فلم تجدوا ماء ليس قيدا في حكم المرضى لأنهم ~~في الرخصة وإن وجدوا ماء. ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف ~~سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من ~~الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر. ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور ~~كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف. # روي أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم ~~يفته بالتيمم، فاغتسل فمات. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه ~~قتلهم الله. # وقال مالك وداود: يجوز # PageV02P419 # له التيمم بجميع أنواع المرض. وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو ~~استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ولا تقتلوا ~~أنفسكم [النساء: 29] والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها ~~لإطلاق قوله: أو على سفر والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان. ~~كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض يغيب فيه عن أعين ~~الناس، فكنى به عن ذلك. وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من ~~السبيلين من معتاد أو نادر. أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن ~~المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن ~~مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي. وثانيهما المراد به ~~الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ~~ورد في القرآن بطريق الكناية: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [البقرة: 237] ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. [المجادلة: 3] عن ابن عباس: إن الله حي كريم ~~يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة. وأيضا لتشمل الآية الحدثين الأصغر ~~والأكبر. ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ms1392 ينتقض وضوء اللامس ~~دون الملموس لقوله: أو لامستم والصحيح أنه ينتقض وضوأهما معا لاشتراك ~~اللامس والملموس في ابتغاء اللذة. قوله: # فلم تجدوا ماء قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده ~~فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم ~~الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب. وقال أبو حنيفة: ~~لا يجب بدليل قوله: ولم نجد له عزما [طه: 115] وسبق الطلب في حقه تعالى ~~محال. وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئا ثم لم يجد. ~~وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم ~~معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه ~~يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملا بظاهر الآية. والتيمم في اللغة ~~القصد. والصعيد التراب، «فعيل» بمعنى «فاعل» . وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه ~~الأرض ترابا كان أو غيره. ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه ~~وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا. وقال الشافعي: لا بد من تراب ~~لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في ~~المائدة فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه [المائدة: 6] ولا يفهم من قول القائل: ~~مسحت برأسي من الدهن إلا معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو ~~الذي يحتمل الإثبات لقوله: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه [الأعراف: 58] ~~ولأنه صلى الله عليه وسلم خصص التراب بهذا المعنى # فقال: «جعلت لي # PageV02P420 # الأرض مسجدا وترابها طهورا» «1» . # أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر ~~الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم ~~المسح. وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في ~~الوضوء. وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ~~ختم الآية بقوله: إن الله كان عفوا غفورا وهو كناية عن الترخيص والتيسير ~~لأن ms1393 من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين. # عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، ~~حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء ~~أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: ~~حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ~~ماء؟ قالت: فعاتبني أبوبكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في ~~خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فخذي. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله ~~آية التيمم فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول ~~بركتكم يا آل أبي بكر. قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا ~~العقد تحته. # ثم إنه سبحانه لما ذكر من أول السورة إلى هاهنا أحكاما كثيرة عدل إلى ذكر ~~طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأن الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد ~~السامع هزة وجدة فقال: ألم تر إلى الذين أي ألم ينته علمك؟ أو ألم تنظر إلى ~~من أوتوا حظا من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟ وإنما أدخل «من» التبعيضية ~~لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن ~~معهم علم الكتاب في قوله: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب [الرعد: 43] لأنهم عرفوا الأمرين جميعا يشترون الضلالة يختارونها ~~لأن من اشترى شيئا فقد آثره واختاره قاله الزجاج. والمراد تكذيبهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة. وقيل: ~~المراد يستبدلون الضلالة- وهو البقاء على اليهودية- بالهدى- وهو الإسلام- ~~بعد وضوح الآيات لهم على صحته. ويريدون أن تضلوا أنتم ms1394 أيها المؤمنون سبيل ~~الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال. عن ~~ابن عباس أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس ~~PageV02P421 # المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام. وقيل: المراد ~~عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم ~~اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة والله أعلم منكم بأعدائكم لأنه عالم بكنه ما ~~في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في ~~أموركم واحذروهم وكفى بالله وليا متوليا لأمور العبد وكفى بالله نصيرا ~~فثقوا بولايته ونصرته دونهم. وكرر «كفى» ليكون أشد تأثيرا في القلب وأكثر ~~مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية ~~من غيره فكان الباء للسببية. وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله. ~~وقيل: # فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله تعالى بغير ~~واسطة. # وقوله: من الذين هادوا إما بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب وقوله: ~~والله أعلم إلى آخر الآية معترض بين البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم ~~والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة نصيرا كقوله: ونصرناه من القوم الذين ~~كذبوا [الأنبياء: 77] وإما كلام مستأنف على أن يحرفون صفة مبتدأ محذوف ~~تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه. قال الواحدي: الكلم ~~جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره. ومعنى ~~هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم «آدم طوالا» مكان «أسمر ربعة» ~~وجعلهم الحد بدل الرجم. واختير «عن» للدلالة على الإمالة والإزالة. وأما في ~~المائدة فقيل: من بعد مواضعه [المائدة: 41] نظرا إلى أن الكلم كانت له ~~مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له. ~~وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله ~~في زماننا أهل البدعة. وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف ~~المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة. # وقيل: كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه ms1395 عن أمر ~~فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. # ومن جملة جهالاتهم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمرهم بشيء قالوا في ~~الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهرا إظهارا ~~للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم اسمع ~~غير مسمع وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان ~~فلانا إذا سبه. وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروها كان مدحا وتوقيرا ~~ونصحا. وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، ~~لأن من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما ~~تدعو إليه أي غير مسمع جوابا يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاما ما ~~ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون غير مسمع # PageV02P422 # مفعول اسمع لا حالا من ضميره أي اسمع كلاما غير مسمع إياك لنبو سمعك عنه. ~~ومنها قولهم له صلى الله عليه وسلم راعنا وقد عرفت احتمالاته في البقرة. ~~وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن ~~المواجهة بالعصيان أهون خطبا في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا ~~كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني. ليا بألسنتهم مفعول لأجله، أو ~~مصدر لمحذوف، أو ل يقولون لأنه في معنى اللي أيضا وعينه «واو» بدليل لويت ~~فقلبت وأدغمت. والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا ~~موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا سمعت مكروها، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه ~~من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم ~~وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعنا على عادة المستهزئين، فبين الله ~~تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعنا في الدين ونبه بذلك على ما ~~كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبيا لعرف بإظهار ~~ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعنا في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار ~~عن الغيب معجز. ولو أنهم قالوا ms1396 سمعنا وأطعنا بدل قولهم: سمعنا وعصينا إذ ~~وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات واسمع دون أن يقال معه غير ~~مسمع وانظرنا مكان راعنا لكان قولهم ذلك خيرا لهم وأقوم أعدل لا أشد من ~~قولهم: «رمح قويم» أي مستقيم ولكن لعنهم الله بكفرهم أي بسببه فلا يؤمنون ~~إلا إيمانا قليلا وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر ~~رسله. أو إلا قليلا منهم آمنوا لأن «فعيلا» قد يراد به الجمع كقوله: وحسن ~~أولئك رفيقا [النساء: 69] أو أراد بالقلة العدم. # ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: يا أيها الذين أوتوا الكتاب ~~الآية. # والطمس المحو. يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست ~~الكتاب محوته. وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان. والمعنى على الأول محو ~~تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم. والفاء في فنردها على أدبارها ~~إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة ~~مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، ~~فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا. وإما للتعقيب على أن ~~العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلف والأقفاء ~~إلى قدام. وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة ~~كما قال في حق أهل النار وأما من أوتي كتابه وراء ظهره [الانشقاق: 10] على ~~أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك. وأما المعنى ~~على القول # PageV02P423 # الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ~~ضلالاتها وشبهاتها. وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، ~~وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا. وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم ~~إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام. يريد إجلاء بني قريظة والنضير. والطمس ~~على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب. وقيل: الطمس ~~القلب والتغيير. والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال ~~وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ms1397 ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم. والضمير في ~~قوله: أو نلعنهم إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لأصحاب الوجوه لأن ~~المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة ~~الالتفات. فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟ فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ~~ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. حكي أنه لما نزلت ~~هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي ~~أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في ~~قفاي. وأيضا إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن. فإن كان ~~الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن ~~كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان. واللعن الموعود ظاهره ~~اللعن المتعارف لا المسخ. وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: وجوها منكرة دون ~~«وجوهكم» ليشمل وجوها غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس ~~لليهود قبل يوم القيامة. وقيل: إن قوله: آمنوا تكليف متوجه عليهم في جميع ~~مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: من قبل أن نطمس وجوها واقعا في الآخرة. ~~فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد ~~الموت وكان أمر الله مفعولا لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن ~~يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن ~~لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك البتة. والمراد ~~بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام ~~الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه تعالى مفعول أي ~~مخلوق. # ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: إن الله لا يغفر ~~الآية. # وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع لاتصالها ~~بقصتهم، ولأنها دلت على ms1398 أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة ~~بالإجماع. ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، ~~والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن ~~قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى # PageV02P424 # معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله. واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران ~~صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله. والمعتزلة خصصوا الثاني ~~بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب. قالوا: ونظيره قولك: «إن ~~الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء» . المعنى لا يبذل الدينار ~~لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. والمشيئة تكون قصدا في ~~الفعلين: المنفي والمثبت جميعا، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه ~~الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران. وروى الواحدي في ~~البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية ~~فأمسكنا عن الشهادة. وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع ~~الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر. وعن ابن عباس: لما قتل ~~وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك. ثم إنهم ما وفوا ~~بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ندمهم، وأنه لا ~~يمنعهم من الدخول في الإسلام إلا قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر [الفرقان: 68] فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا [الفرقان: 70] فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا ~~نقوم به فنزل إن الله لا يغفر أن يشرك به فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل ~~مشيئته فنزل قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 52] فدخلوا عند ~~ذلك في الإسلام. ومن يشرك بالله فقد افترى اختلق وافتعل إثما عظيما لأنه ~~ادعى ما ms1399 لا يصح كونه. # عن ابن عباس في رواية الكلبي أن قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ # فقال: لا. فقالوا: والله ما نحن إلا كهيئتهم. ما عملنا بالليل يكفر عنا ~~بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل. وكانوا يقولون: نحن أبناء ~~الله وأحباؤه [المائدة: 18] لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ~~[البقرة: 111] فنزل فيهم ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم # ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند ~~الله بل الله يزكي من يشاء وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما # أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «والله إني لأمين في ~~السماء أمين في الأرض» # وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقا لقوله: ولا يظلمون فتيلا ~~هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ «فعيل» بمعنى «مفعول» . ابن السكيت: هو ما ~~كان في شق النواة. والضمير للذين يزكون أي يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق ~~جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم. ثم ~~عجب النبي صلى الله عليه وسلم من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله ~~فقال: انظر كيف # PageV02P425 # يفترون على الله الكذب وكفى به # أي بزعمهم هذا إثما مبينا من بين سائر آثامهم. # قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكبا من ~~اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش. فقال لهم أهل مكة: # إنكم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا ~~مكرا منكم. فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك ~~قوله: يؤمنون بالجبت والطاغوت ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ~~ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة ms1400 فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد صلى ~~الله عليه وسلم ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ ~~الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق، أنحن ~~أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال كعب: اعرضوا علي دينكم. فقال أبو سفيان: ~~نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ~~ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم ~~وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد صلى الله عليه وسلم الحديث. فقال ~~كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه فأنزل الله تعالى: ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يعني كعبا وأصحابه. فلما رجعا إلى قومهما قال ~~لهما قومهما: إن محمدا يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا. قالا: صدق والله ما ~~حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده. # وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي. وأما الجبت ففي الصحاح أنه ~~كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع ~~الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذو لقي. وحكى القفال عن بعضهم أن ~~أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء. وقال الكلبي: # الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف. وكانت اليهود ~~يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا ~~جرم جزاهم الله بقوله: # أولئك الذين لعنهم الله وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من ~~الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلا وأفضل حالا من الذين هم أشرف ~~الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام. ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ~~ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة. ~~والخطاب في فلن تجد للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال ~~وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ms1401 ما أوتي من ~~النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة. و «أم» # PageV02P426 # قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم ~~للمشركين أنهم أهدى سبيلا من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم ~~نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟ وقيل: الميم ~~زائدة والتقدير ألهم نصيب؟ والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول ~~قال: بل ألهم نصيب من الملك؟ ومعنى الآية أنهم كانوا يقولون نحن أولى ~~بالملك والنبوة فكيف نتبع العرب؟ فأبطل الله عليهم قولهم. وقيل: كانوا ~~يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ~~ودينهم فكذبهم الله. وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون ~~على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير ~~والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟ وقال أبوبكر الأصم: كانوا أصحاب ~~بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون ~~على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم. وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار ~~على أنهم لا يؤتون أحدا مما يملكون شيئا. وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه ~~الإنكار على أن لهم نصيبا من الملك فكأنه تعالى جعل بخلهم كالمانع من حصول ~~الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر ~~والإنسان عبد الإحسان. والبخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له ~~أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل. وإنما لم يعمل «إذن» لدخول ~~الفاء عليه. وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض ~~الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده. ~~وجاء في قراءة ابن مسعود فإذن لا يؤتوا بالأعمال وليس بقوي. والنقير نقرة ~~في ظهر النواة «فعيل» بمعنى «مفعول» ومنها «نبتت النخلة» وهو مثل في القلة ~~كالفتيل. فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيرا وكثيرا ما يشاهد منهم بذل ~~الأموال؟ قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير ms1402 على تقدير حصول الملك ويراد به ~~الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو ~~كلاهما كما للأنبياء. وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة. ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى ~~لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنه علام الغيوب. وأما على تفسير الأصم ~~فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئا نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى ~~النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفسا لغلبة الشح عليهم والله تعالى أعلم ~~بمراده. هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: أم يحسدون وهي منقطعة ~~والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين. فإن كان اللام للعهد ~~فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس. ومعنى الهمزة ~~إنكار الحسد واستقباحه. # PageV02P427 # والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما ~~كان ينضم إليها كل يوم من النصرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل ~~محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان. ثم نبه على ما يزيل التعجب من شأن ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقال: فقد آتينا آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد ~~الكتاب الذي هو بيان الشرائع والحكمة التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق ~~والعمل بما يتضمن صلاح الدارين وآتيناهم ملكا عظيما عن ابن عباس: الملك في ~~آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي ~~أسلافه. وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقيل لهم: # كيف استكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة ~~سرية؟ # فمنهم أي من اليهود من آمن به أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ومنهم من صد ~~عنه وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر. ~~والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم ms1403 ~~بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتسليته وكفى بجهنم لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين ~~والمتأخرين سعيرا. # ثم أكد وعيد الكفار بقوله: إن الذين كفروا بآياتنا ويدخل فيها كل ما يدل ~~على ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل. وكفرهم ~~بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك ~~والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عنادا وحسدا وبغيا ولددا. وهاهنا ~~سؤال وهو أنه تعالى قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن ~~تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟ والجواب لا يسأل عما يفعل كما ~~أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن ~~يقال لم عذبهم بإدخالهم النار. وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود ~~العاصية جلودا لم تعص؟ والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة ~~والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ~~ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات. والإبدال تغيير ~~الذات. وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا ~~فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: غيرها ~~ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك ~~أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون ~~الجواب عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس حزءا من ماهيته # PageV02P428 # وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه. أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ~~ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم ~~قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا. وقال السدي: يخرج من لحم ~~الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من ~~طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال. # وقيل: المراد بالجلود السرابيل سرابيلهم ms1404 من قطران [إبراهيم: 50] وضعف ~~بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ليذوقوا العذاب ليدوم لهم ~~ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ~~ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب. والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك ~~العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق إن الله كان عزيزا لا يمتنع ~~عليه شيء مما يريده بالمجرمين حكيما لا يفعل إلا الصواب ثم قرن الوعد ~~بالوعيد على عادته فقال: والذين آمنوا الآية. قال الواحدي: # الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو ~~مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: «ليل أليل» . قيل: إذا لم يكن في ~~الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل؟ وأيضا المواضع التي لا يصل ~~نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفنا فاسدا فما معنى وصف هواء الجنة ~~بذلك؟ والجواب المنع من أنه لا شمس هنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، ~~والمراد بالظل الظليل ما كان فينانا، أي منبسطا لا جوب فيه أي لا فرج ~~لالتفاف الأغصان، ودائما لا تنسخه الشمس، وسجساجا لا حر فيه ولا برد. وعند ~~الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة ~~كبلاد العرب. فلما كان هذا مطلوبا عندهم صار موعودا لهم. ### | التأويل: # لو تسوى بهم الأرض أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم ~~عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من ~~الصلاة. # فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ولا جنبا بالالتفات إلى غير ~~الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة. وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن ~~الثانية حالة العبور # «كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل» «1» # فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات. وإن كنتم ~~مرضى بحب الدنيا أو على سفر في متابعة الهوى PageV02P429 # أو جاء أحد منكم من الغائط في قضاء ms1405 شهوة من الشهوات أو لامستم عجوز ~~الدنيا في تحصيل لذة من اللذات فلم تجدوا ماء التوبة والاستغفار فتيمموا ~~فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام. من الذين هادوا ~~يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~يؤولونها على حسب إرادتهم ويقولون سمعنا ما في القرآن بالمقال وعصينا ~~بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع غير مسمع وراعنا ~~يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ليا بألسنتهم وطعنا في أهل الدين. يا أيها الذين ~~أوتوا الكتاب ظاهرا ولم يؤتوا علم باطن الكتاب آمنوا بما نزلنا على ~~الأولياء من علم باطن القرآن مصدقا لما معكم من العلم الظاهر لأن أهل العلم ~~اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق ~~علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم من قبل أن نطمس وجوه القلوب بالعمى ~~والصمم فنردها على أدبارها ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين ~~في الميثاق إلى يومها أو نلعنهم نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية ~~كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح ~~الدنيا أهون من فضوح الآخرة إن الله لا يغفر أن يشرك به للشرك ثلاث مراتب ~~وكذا للمغفرة. فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا ~~يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقا بالسر ~~والعلانية. وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير ~~الربوبية، فلا يغفر إلا بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد. وشرك أخفى ~~للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية ~~في بقاء اللاهوتية. ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم من أهل العلوم الظاهرة ~~تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة ~~أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه ~~والرياسة وغلبة الأقران والأنداد بل الله يزكي من يشاء بتسليم نفوسهم إلى ~~أرباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى ~~الدباغ ليجعله أديما، فإذا ms1406 سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا ~~أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم يؤمنون بالجبت بجبت النفس الأمارة وطاغوت ~~الهوى ويقولون للذين كفروا من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة هؤلاء أهدى ~~من الذين آمنوا بكل ما أمر الله به ورسوله. ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ~~فقد آتينا آل إبراهيم يعني أهل الخلة والمحبة الكتاب والحكمة العلم الظاهر ~~والعلم الباطن وآتيناهم ملكا عظيما هو معرفة الله تعالى فمنهم من آمن به ~~ومنهم من صد عنه لأن من # PageV02P430 # العلماء مقبلين ومنهم مدبرين وكفى بجهنم نفسهم الحاسدة سعيرا تحرق ~~حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. إن الذين كفروا ~~بآياتنا بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق سوف ~~نصليهم نار الحسد والغضب والكبر والعجب كلما نضجت جلودهم أي انقطعت بعض ~~أماني نفوسهم الأمارة ومقتضيات هواها. ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار ~~الشيء من حيث الظهور والاشتمال بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فإن ~~دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى البتة ما دامت النفس على صفة ~~الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التعلقات والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سندخلهم أي نجذبهم بجذبات العناية إلى جنات من الوصلة تجري ~~من تحتها الأنهار من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف لهم ~~فيها أزواج من تجلي صفات الجمال والجلال مطهرة من لوث الوهم والخيال ~~وندخلهم ظلا ظليلا هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلا ظله. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 70] # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (58) يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا (59) ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ms1407 به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ~~وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (61) فكيف إذا أصابتهم مصيبة ~~بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا (62) # أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم ~~قولا بليغا (63) وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ~~(64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) # ولهديناهم صراطا مستقيما (68) ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ~~ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (70) # PageV02P431 ### | القراآت: # أن اقتلوا بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ~~ويعقوب. الباقون: بالضم نقلا لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها أو اخرجوا بكسر ~~الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة. الباقون: بالضم. إلا قليلا بالنصب: ابن ~~عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلا فعلا أو أبوا إلا قليلا. الباقون: ~~بالرفع على البدل وهو أكثر. ### | الوقوف: # إلى أهلها لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم ~~بين الناس. بالعدل ط يعظكم به ط بصيرا ه منكم ج لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب واليوم الآخر ط تأويلا ه أن يكفروا به ج بعيدا ه صدودا ه ج للآية ~~مع فاء التعقيب يحلفون قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق ~~الباء بيحلفون. وتوفيقا ه بليغا ه بإذن الله ط رحيما ه تسليما ه قليل منهم ~~ط تثبيتا ه لا عظيما ه لا لأن ما بعده من تتمة جواب «لو» . مستقيما ms1408 ه ~~والصالحين ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى. رفيقا ه من الله ط عليما ه. ### | التفسير: # لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف. وأيضا لما حكى عن أهل ~~الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء ~~كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات. وأيضا قد وعد ~~في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها ~~الأمانة فقال: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها # روي أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل ~~النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، ~~فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان. فطلب ~~منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه. فلوى ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى ركعتين. فلما خرج سأله العباس أن يعطيه ~~المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيبا ~~فأنزل الله هذه الآية. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله ~~عنه أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي رضي الله عنه فقال ~~له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك ~~فقرأ عليه هذه الآية. فقال عثمان: أشهد # PageV02P432 # أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأسلم. فجاء جبريل عليه السلام ~~وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها ~~يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلا ظالم. ثم إن عثمان هاجر ودفع ~~المفتاح إلى أخيه شيبة وهو ms1409 اليوم في أيديهم. # ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع ~~الأمانات. فأولها الأمانة مع الرب تعالى في كل ما أمر به ونهى عنه. قال ابن ~~مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم. ~~وعن ابن عمر أنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها ~~إلا بحقها وهذا باب واسع. فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة ~~والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في ~~النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي ~~والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء. ثم الأمانة مع سائر الخلق ~~ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل ~~فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم ~~في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل ~~أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء ~~حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب ~~للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا ~~يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب ~~اللذات الفانية، في التبعات الدائمة. وقد عظم الله تعالى أمر الأمانة في ~~مواضع من كتابه إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب: 72] والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون [المؤمنون: 8] # وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا لا إيمان لمن لا أمانة له» # والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع. ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك ~~عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وفي قوله: # وإذا حكمتم تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء. وقد ~~عد العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة ~~والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من ~~كتاب ms1410 الله وسنة رسوله. ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل ~~والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل ~~وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعا وخلافا، وجلي القياس ~~وخفيه وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعرابا خصوصا وعموما إلى غير ~~ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها. وكفى بما ~~في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء ~~الراشدين # PageV02P433 # من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا ~~فالويل له. # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة ~~فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط» # وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟ وعنه «ينادي مناد يوم القيامة ~~أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟ فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق ~~لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار» . إن الله نعما يعظكم به المخصوص ~~بالمدح محذوف و «ما» موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم ~~شيئا يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل إن الله كان ~~سميعا بصيرا يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد ~~للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي. # ثم إنه سبحانه أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة ~~بالشفقة على الرعاة فقال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله الآية. # عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ~~ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا. # قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة. وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة ~~الأمر. ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان ~~أبي لهب هل يكون مرادا أم لا. فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة ~~لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلا بالإيمان. وعند المعتزلة ~~لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور. قال ms1411 في التفسير الكبير: ~~هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب ~~والسنة وأشار إليهما بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وليس العطف ~~للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا ~~محالة. والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله. والإجماع والقياس. ~~وأشير إلى الإجماع بقوله: وأولي الأمر لأنه تعالى أمر بطاعتهم على سبيل ~~الجزم. ووجب أن يكون معصوما لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه ~~لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال. ثم ذلك المعصوم ~~إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة ~~المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما # روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبد الله بن حذافة ~~السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ~~وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية. # أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين ~~يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني. # أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن ~~معرفة الإمام # PageV02P434 # المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما ~~لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب ~~مشروطا، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة. ~~فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معا ~~وهو باطل. وأيضا الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر ~~جمع. وأيضا إنه قال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وعلى هذا ~~ينبغي أن يقال: فردوه إلى الإمام. وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوب ~~طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب. وذلك الدليل ليس الكتاب ms1412 ~~والسنة فلا يكون هذا قسما منفصلا كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ ~~للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول. أما إذا حملناه على إجماع أهل ~~الحل والعقد لم يكن هذا داخلا فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد ~~في الكتاب والسنة. وأيضا قوله: فإن تنازعتم في شيء مشعر بإجماع تقدم يخالف ~~حكمه حكم التنازع. وأيضا طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على ~~الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق. وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه ~~غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب ~~الاعتبار والآراء. فالمراد بقوله: وأولي الأمر ما اجتمعت الأمة عليه وهو ~~المدعى. وأما القياس فذلك قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع ~~وإلا كان تكرارا لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن ~~الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب والخصومة ~~فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم ~~العقل، فالرد إليها لا يكون ردا إلى الله والرسول فإذا المراد ردها إلى ~~الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية ~~الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما ~~سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن ~~وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجها من ~~نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب. ثم في إطلاق الآية دلالة على أن ~~الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقا سواء كان القياس جليا أو خفيا، ~~وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس. وقد اعتبر هذا الترتيب أيضا ~~في قصة معاذ واستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا والقرآن مقطوع ~~في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، ms1413 والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان. وقد أجمع ~~العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: إذ قلنا # PageV02P435 # للملائكة اسجدوا # [البقرة: 34] بقياس هو قوله: خلقتني من نار وخلقته من طين [ص: 76] فاستحق ~~اللعن إلى يوم الدين. والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على ~~النص وفيه ما فيه. ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: أطيعوا يدل على وجوب ~~الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهرا لأنه ختم الأوامر بقوله: # إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع ~~الأوامر لا في قوله: فردوه وحده. وأيضا مجرد الندبية وهو أولوية الفعل ~~معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من ~~الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب. # ثم هذا الوجوب يكون دائما إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن ~~غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة. فلو حملناه على ~~العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل. وأيضا ~~تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلها والإلهية ~~دائمة فالوجوب دائم. وإنما كرر لفظ أطيعوا للفصل بين اسم الله تعالى وبين ~~المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الإجماع الحاصل عقيب ~~الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر. ومن إطلاق قوله: فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضا. # والمراد بالتنازع قال الزجاج: هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن ~~كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ذلك الرد أو المأمور به في الآية خير ~~وأحسن تأويلا أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع. وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة ~~خير مما تأولون أنتم. # ثم إنه تعالى لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن ~~المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ألم تر إلى ~~الذين يزعمون الآية. # قال الليث: قولهم زعم فلان ms1414 معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية ~~الكذب. # وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية ~~الكذب بالاتفاق. قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أن الزاعم كان منافقا من ~~أهل الكتاب مثل أن يكون يهوديا أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله ~~تعالى: يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك إنما يليق بمثل ~~هذا المنافق. أما سبب النزول ففيه وجوه. # والذي عليه أكثر المفسرين ما # رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رجلا من المنافقين يسمى بشرا ~~خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال المنافق: ~~بيني وبينك كعب بن الأشرف. وذلك أن اليهودي كان محقا وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل ~~الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى # PageV02P436 # ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا من عنده ~~لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب. فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: ~~اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك ~~وتعلق بي فجئت معه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: مكانكما ~~حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى ~~برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت ~~الآية. وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنت الفاروق. وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف. # وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير ~~في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيريا قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا ~~كان بالعكس لم يقتل به وأعصى ديته ستين وسقا من تمر. وكانت النضير حلفاء ~~الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريظة وهم حلفاء الخزرج. فقتل نضيري قرظيا ms1415 ~~واختصموا في ذلك. فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقا من ~~تمر على ما اصطلحنا عليه. وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم ~~إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا. فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة ~~الكاهن الأسلمي. وقال المسلمون: لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فأبى ~~المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزه ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة- يعني ~~الرشوة- فقالوا: لك عشرة أوسق. فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن ~~نفرت النضيري قتلتني قريظة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير. فأبوا أن يعطوه ~~فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية. فدعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبدا فأدركاه ~~فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى: ~~ألا إن كاهن أسلم قد أسلم. # وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن. # وقال الحسن: إن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه ~~المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل ~~عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل. وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون ~~القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن. ثم إن ~~الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه تعالى جعل التحاكم إليه ~~مقابلا للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصا في تكفير من ~~لم يرض بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تشككا أو تمردا ويؤكده قوله بعد ~~ذلك: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك الآية. ومن هنا ذهب كثير من الصحابة ~~إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم. ثم قال: ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # PageV02P437 # فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم ~~على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما ms1416 فعلوا لأجل ~~أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد ~~عرفت الجواب مرارا. قوله: # فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيه وجهان: أحدهما- وهو قول ~~الحسن واختاره الواحدي- أنه جملة معترضة وأصل النظم وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤك يعني ~~أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤنك ويحلفون كذبا ~~على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق. ووجه الاعتراض أنه حكى ~~عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم ~~بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة. والثاني أنه متصل بما قبله لا على ~~وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات ~~السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك ~~كراها يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير ~~والمصلحة؟ أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤا وطلبوا بدمه ~~وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار ~~الزجاج. وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في ~~الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ~~ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال. وقال أبو ~~مسلم: إنه تعالى بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن ~~يظهروا الإيمان. ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت ~~إذا كان كذا. ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا ~~إحسانا بين الخصوم وائتلافا بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا ~~أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى ~~صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له ~~بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة. # أو ما أردنا بالتحاكم ms1417 إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق ~~المر وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر ~~وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة. # ثم أخبر الله سبحانه بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: أولئك الذين ~~يعلم الله ما في قلوبهم وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا ~~يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو. ~~ثم علم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة # PageV02P438 # أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر ~~على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم ~~من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة. الثاني أن يعظهم ~~فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين. الثالث قوله: وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديما وتأخيرا. والمعنى ~~قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون ~~منه الخوف. الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على ~~النفاق قولا بليغا هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، ~~فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين ~~بالشرك أو شرا من ذلك وأغلظ. الثالث قل لهم في أنفسهم خاليا بهم مسارا لهم ~~بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولا يؤثر فيهم. ~~وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاما حسنا وجيز المباني غزير ~~المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملا على الترغيب والترهيب والإعذار ~~والإنذار. ثم رغب مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: وما أرسلنا من رسول أكثر ~~النحاة على أن «من» صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولا. # وقيل: المفعول محذوف والتقدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا. قال ~~الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة ms1418 لكونها صريحة ~~في أن معصية الناس غير مرادة الله تعالى. والجواب أن إرسال الرسل لأجل ~~الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: بإذن الله أي ~~بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد ~~بسبب إذن الله في طاعة الرسول. قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ~~ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم، وفيها ~~دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع ~~أقوالهم وأفعالهم. ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت جاؤك ~~تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا فاستغفروا الله من رد قضاء رسوله ~~واستغفر لهم الرسول انتصب شفيعا لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه ~~برد قضائه لوجدوا الله لعلموه توابا رحيما ولم يقل: «واستغفرت لهم» لما في ~~الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من ~~الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها. # وقال أبوبكر الأصم: نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به ~~فقال صلى الله عليه وسلم: إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا ~~فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا. فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا ~~فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا فلان حتى عد اثني عشر رجلا منهم فقاموا ~~وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت # PageV02P439 # ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا. فقال: الآن اخرجوا أنا ~~كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة. اخرجوا ~~عني. # فلا وربك لا يؤمنون عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي ~~والمنافق. # وعن الزهري عن عروة بن الزبير أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي ~~بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من ms1419 ~~الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل ~~الماء إلى جارك. فغضب حاطب وقال: إن كان ابن عمتك؟ وذلك أن أم الزبير صفية ~~بنت عبد المطلب. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: اسق يا ~~زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو ~~أصغر من الجدار واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك. # واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول ~~الماء وحقه تمام السقي. والرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي ~~على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر ~~الحق. وفي قوله: فلا وربك قولان: أحدهما أن «لا» صلة لتأكيد معنى القسم ~~والتقدير فو ربك. والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد ~~نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم ~~استأنف القسم بقوله: وربك لا يؤمنون. الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في ~~الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتا. ومعنى شجر اختلف ~~واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ~~ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ~~ويسلموا وينقادوا. يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ~~ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن ~~معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة ~~النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي. ~~واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون رضا في الظاهر ~~دون القلب فلهذا قال: ثم ms1420 لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت وهو الجزم بأن ~~ما حكم به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ~~ذلك الحكم حقا وصدقا فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك ~~القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى ~~الانقياد في الظاهر. وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوي ~~والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلا كان في النفس حرج. ~~قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله تعالى لزم التناقض لأن الرضا ~~بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، # PageV02P440 # لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل ~~والترك معا وهو محال. وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد. ~~فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول ~~أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا. # قوله: ولو أنا كتبنا عليهم # روي أن حاطبا لما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستوعب للزبير حقه ~~في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال حاطب: قضى ~~لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء ~~يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، # وأيم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: ~~اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا. ~~فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني ~~محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا ~~الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. # وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله ~~الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت ms1421 الآية. فالضمير في قوله: عليهم يعود إلى الناس ~~والمراد بالقليل المؤمنون منهم. # عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل ~~والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة ~~وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم ~~بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به من الانقياد والطاعة لله ولرسوله. # وسمى التكليف وعظا لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب لكان خيرا ~~لهم أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن خيرا يستعمل بالوجهين ~~جميعا. وأشد تثبيتا أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو ~~إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل. ~~وأيضا الإنسان يطلب الخير أولا فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه. ثم بين أن ما ~~يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضا مستعقب للخير فقال: وإذا لآتيناهم ~~من لدنا أجرا عظيما وثوابا جزيلا. «وإذا» جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما ~~يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟ فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما. وفي ~~إيراد صيغة التعظيم في لآتيناهم ولدنا وفي قوله: من لدنا وفي وصف الأجر ~~بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى. والصراط المستقيم الدين ~~الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد ~~استحقاق الأجر. ثم أكد أمر # PageV02P441 # الطاعة بقوله: ومن يطع الله والرسول ولا شك أن الآية عامة في جميع ~~المكلفين إلا أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوها. # قال الكلبي: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد ~~الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في ~~وجهه الحزن. فقال له: يا ثوبان ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ~~ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ~~ذكرت الآخرة فأخاف أن ms1422 لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن ~~أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حري أن ~~لا أراك أبدا. # وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا ~~خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ~~ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية. ~~فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له ~~فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا ~~بعده فعمي مكانه. # وقال السدي: إن ناسا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في ~~أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع فنزلت. # وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الآية أن كلهم في درجة ~~واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد ~~كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن ~~الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ~~ذلك. والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها ~~على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة. إخوانا على سرر ~~متقابلين [الحجر: 47] . ثم إنه تعالى ذكر أصنافا أربعة: النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة. # والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل متقدم موصوفا بما يتلوه كأن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم صديقا وشهيدا وصالحا، أو الصديق شهيدا وصالحا، ~~وقد مر تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل البقرة. وأما الصديق ~~فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع ~~الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ~~ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب. وذكر ~~المفسرون أكثرهم أن ms1423 الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه ~~شك لقوله تعالى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [الحديد: 19] ~~وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخصصه بعضهم بمن سبق ~~إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا ~~واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: من النبيين # PageV02P442 # والصديقين. وفي صفة إبراهيم إنه كان صديقا نبيا [مريم: 41] يعني أنك إن ~~ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم. وأما ~~الشهداء فالمراد بهم هاهنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون الشهيد ~~فيكم؟ قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله. قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. ~~«من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات ~~بالبطن فهو شهيد.» # وفي رواية «ومن مات بجمع فهو شهيد» «1» . # وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة والبيان وأخرى بالسيف ~~والسنان. وأقول: لا يبعد أيضا أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله ~~تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] . ~~وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ~~ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن. ثم قال في معرض التعجب وحسن أولئك رفيقا ~~كأنه قيل: وما أحسن أولئك. والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد ~~والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفردا بين به الجنس في باب ~~التمييز. # وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقا كما قال يخرجكم طفلا [الحج: 5] ~~والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك به ~~وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض. وقد يكون الإنسان مع ~~غيره ولا يكون رفيقا له فبين الله تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء ~~والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته. ذلك ~~مبتدأ والفضل صفته ms1424 ومن الله خبره، أو ذلك مبتدأ والفضل من الله خبره. قالت ~~المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء ~~وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعا لثوابهم الواجب على الله. أو أراد أن فضل ~~المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه ~~أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة ~~فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوبا لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن ~~يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب. وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما ~~تقدم ولا يجب على الله شيء البتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه ~~شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟ # وأيضا الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية. وأيضا ~~كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعد ولا تحصى ~~فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل. معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال ~~درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد PageV02P443 # عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره. وكفى بالله عليما ~~بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة ~~والاحتراز عن التقصير فيه. ### | التأويل: # الوجود المجازي أمانة من الله تعالى كما أن وجود الظل أمانة من الشمس فلا ~~جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان ~~العزة: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فتلاشت الظلال واضمحلت ~~الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال [الرعد: 15] . ~~وإذا حكمتم بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب ~~والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح ~~عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء يا أيها الذين آمنوا الخطاب مع القلب ~~والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، ~~وطاعة الروح أن ms1425 لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود. ~~أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما # قال صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد: استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك ~~المفتون. # وأولي الأمر منكم يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم. # فإن تنازعتم في شيء يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى ~~الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنة نزاعا من ~~قصور الفهم والدراية فردوه إلى الله لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب وإلى ~~الرسول وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود ~~النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق. ثم يخبر عن ~~حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال ~~بقوله: ألم تر إلى الذين يزعمون الآية. أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو ~~سياسة من السلطان. فلا وربك لا يؤمنون فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد ~~التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع ~~والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت ~~آراؤهم وتحيرت عقولهم ثم لا يجدوا في مرآة أنفسهم صورة كراهة من القضاء ~~الأزلي والأحكام الإلهية. # والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، ~~والصالحين الذين لهم صلوح الولاية وحسن أولئك رفيقا في سلوك طريق الحق ~~والله المستعان. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 81] # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن ~~منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ~~ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73) فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما (74) وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من ms1426 هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا (75) # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ~~فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا (76) ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت ~~علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ~~لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا (77) أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا ~~هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~(78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا (79) من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا (80) # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله ~~يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (81) # PageV02P444 ### | القراآت: # ليبطئن ونحوه مثل فلننبئن ولنبوئنهم بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة ~~في الوقف. كأن لم تكن بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ~~ويعقوب. الباقون بياء الغيبة يغلب فسوف وبابه نحو إن تعجب فعجب [الرعد: 5] ~~اذهب فمن تبعك [الإسراء: 63] مدغما: أبوبكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام. ولا ~~يظلمون بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن ~~مجاهد عن ابن ذكوان. الباقون بتاء الخطاب بيت طائفة مدغما: أبوبكر وحمزة. ### | الوقوف: # جميعا ه ليبطئن ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب شهيدا ه عظيما ه بالآخرة ~~ط عظيما ه أهلها ج وليا كذلك للتفصيل بين الدعوات نصيرا ه في سبيل الله ج ~~للفصل بين القصتين المتضادتين. أولياء الشيطان ج لاحتمال الابتداء وتقدير ~~الفاء واللام. ضعيفا ه الزكاة ط لأن جواب «فلما» منتظر ولكن التعجب في ~~قوله: ألم تر واقع ms1427 على قوله: إذا فريق منهم يخشون. # خشية ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى. القتال ج لأن «لولا» أي «هلا» ~~استفهام # PageV02P445 # آخر مع اتحاد المعمول. قريب ط قليل ج للفصل بين وصف الدارين. فتيلا ه ~~مشيدة ط للعدول لفظا ومعنى. من عند الله ط للفصل بين النقيضين. من عندك ج. ~~من عند الله ط. حديثا ه. فمن الله ز فصلا بين النقيضين فمن نفسك ط. رسولا ~~ه. شهيدا ه أطاع الله ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر حفيظا ط لاستئناف ~~الفعل بعدها. طاعة ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم ~~بعد. تقول ط يبيتون ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما ~~يبيتون فأعرض ولا تهتم. على الله ط وكيلا ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد ~~لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: يا ~~أيها الذين آمنوا خذوا حذركم والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل ~~والمثل. يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته ~~التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا ~~تمكنوه من أنفسكم. وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه مما يتقي به ويحذر. فإن ~~قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم ~~فضل؟ قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على ~~نحو ما قدر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر كان بقدر، ومن أهمل حتى فاتته ~~السلامة كان أيضا بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر. فانفروا إلى ~~قتال عدوكم انهضوا لذلك # قال صلى الله عليه وسلم: «وإذا استنفرتم فانفروا» «1» . # ثبات جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى ~~فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة. والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط ~~الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته. أو انفروا جميعا مجتمعين ~~كركبة واحدة وهذا قريب ms1428 مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحدانا. والغرض ~~النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة. وإن منكم لمن ليبطئن اللام ~~الأولى هي الداخلة في خبر «إن» والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير ~~الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول ~~محذوفا أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن ~~أبي ثبط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأكعتم ~~بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا PageV02P446 # المعنى أوفق بقوله: فإن أصابتكم مصيبة من قتل أو هزيمة قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله فتح أو غنيمة ليقولن ~~(قوله) كأن لم تكن بينكم وبينه مودة اعتراض بين الفعل الذي هو ليقولن وبين ~~مفعوله وهو يا ليتني والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني. وجوز أبو علي إدخال ~~حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي. كنت معهم فأفوز منصوب ~~بإضمار أن أي ليت لي كونا معهم فافوز. والخطاب في قوله: وإن منكم للمذكورين ~~في قوله: يا أيها الذين آمنوا والأظهر أن هذا المبطئ سواء جعل لازما أو ~~متعديا كان منافقا فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو ~~الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان. والمراد يا أيها ~~المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: يا أيها الذي نزل عليه الذكر [الحجر: 6] ~~ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في ~~الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. وقال جمع من المفسرين: إن ~~هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين. وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ~~البتة لأن المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~[التوبة: 38] ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: فليقاتل في سبيل ~~الله الذين يشرون ومعناه يشترون أو يبيعون. وعلى الأول فهم المنافقون ~~المبطئون وعظوا ms1429 بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا ~~يختاروا الدنيا على المعاد. وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا ~~لأجل الآخرة. والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل ~~التائبون المخلصون. وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضا ~~لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه ~~فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله ~~أريد اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا ~~يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم ~~تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل ~~أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ~~ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: وما لكم لا تقاتلون ومعناه أنه لا عذر ~~لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ. وقوله: والمستضعفين إما ~~مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي ~~وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا ~~بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف # PageV02P447 # عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديدا، فكانوا يدعون ~~الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم ~~إلى الفتح. والولدان جمع ولد كخربان في خرب. وقيل: الرجال والنساء الأحرار ~~والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد ~~والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلا أنه خص الولدان بالذكر تغليبا ~~كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضا. وعن ابن عباس: كنت أنا ~~وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء. والظالم صفة للقرية إلا أنه مسند ~~إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل. والأهل ~~يذكر ويؤنث، ولو أنث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز. وإنما ~~اشترك الولدان في ms1430 الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم ~~إرغاما لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم ~~استنزالا لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ~~ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء. واجعل لنا من لدنك وليا أي كن أنت لنا ~~وليا وناصرا وول علينا رجلا يوالينا ويقوم بمصالحنا. فاستجاب الله دعاءهم ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم فكان ~~الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا. قال ابن عباس: كان ~~ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة. ثم شجع المؤمنين تشجيعا ~~بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون ~~في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان وإن كيده ~~أوهن شيء وأضعفه. والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال. # وفائدة إدخال «كان» أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة. ألا ~~ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة ~~حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض ~~أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟ # قوله سبحانه: ألم تر إلى الذين قيل لهم فيه قولان: الأول # أنها نزلت في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ~~عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص ~~كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ائذن لنا في قتال هؤلاء. فيقول لهم: كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر ~~بقتالهم. فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق ~~عليهم. # الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما استشهد الله من المسلمين من ~~استشهد يوم أحد قال المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا ~~الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما # PageV02P448 # قتلوا فنزلت. وقد يحتج للقول الأول بأن ms1431 رغبتهم في القتال أولا دليل ~~الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين أيضا كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد ~~إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا. # واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، ~~وكانوا يعترضون على الله تعالى بقولهم: لم كتبت علينا القتال وكانوا ~~يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم قل متاع الدنيا قليل وكل ~~هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من ~~لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف ~~لا على الإنكار وقوله: قل متاع الدنيا قليل إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر ~~هذه الحياة. والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله في شأنهم بلا اختلاف. وفي الآية دلالة ~~على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على الجهاد وهو أيضا ترتيب مطابق ~~لما في المعقول، لأن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على ~~الترهيب والقتل في سبيل الله. وإذا في إذا فريق للمفاجأة وهو مجرد عن ~~الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة ~~القتال عليهم. وقوله: كخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول. ومحل الكاف ~~النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: أو أشد ثم نصب خشية على التمييز ~~فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل ~~الله. نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن ~~أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلا أن تجعل الخشية خاشية ~~أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية ~~من خشية الله. # وعلى هذا يجوز أن يكون محل أشد مجرورا عطفا على خشية الله أي كخشية الله ~~أو كخشية أشد خشية منها. وكلمة «أو» ليست للشك هاهنا فإن ذلك على علام ~~الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل ms1432 خوفين فإن أحدهما بالنسبة ~~إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد، فبين في الآية أن خوفهم من ~~الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساويا أو أزيد فهذا ~~لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على ~~المخاطبين. أو هذا نظر قوله وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون [الصافات: ~~117] يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام. # وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب [النساء: 77] ~~إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله ولكن ~~جزعا من الموت وحبا للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالا إلى وقت آخر ~~كقوله: لولا أخرتني إلى # PageV02P449 # أجل قريب فأصدق # [المنافقون: 10] وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين ~~لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه. ومعنى لولا ~~أخرتنا هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: قل ~~متاع الدنيا قليل والآخرة خير لا لكل الناس بل لمن اتقى فإن للكافر والفاسق ~~هنالك نيرانا وأهوالا ومن هنا # قال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» «1» . # وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا ~~منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية ~~عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع ~~منها. ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في ~~حصون مرتفعة. والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه ~~تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها. والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد ~~موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه ~~أولى. قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله تعالى ~~عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ms1433 # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء [الأعراف: ~~94] فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل ~~نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم. فقوله تعالى: وإن تصبهم حسنة يعني الخصب ~~والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب ~~وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: فإذا جاءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف: 131] . وقال ~~قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة. وقال أهل ~~التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة. فإن ~~كان منتفعا به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعا به ~~في الآخرة فهو الطاعة. فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم ~~أجابهم الله تعالى بقوله: قل كل من عند الله وكيف لا وجميع الممكنات من ~~الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟ ولهذا تعجب ~~من حالهم وقال: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فنفى عنهم مقاربة ~~الفقه والفهم فضلا عن الفقه والفهم. قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا ~~لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق PageV02P450 # الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى البتة لأنه تعالى ما خلقها. والجواب: ~~أنه تعالى لا يسأل عما يفعل. وأيضا المعارضة بالعلم والداعي. وقالت ~~المعتزلة أيضا: الحديث «فعيل» بمعنى «مفعول» والمراد به الآيات المذكورة في ~~هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثا. # والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في ~~الكلام النفسي. # قوله عز من قائل: ما أصابك من حسنة فمن الله قال أبو علي الجبائي: السيئة ~~تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية. ثم إنه تعالى ~~أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: قل كل من عند الله وأضافها في ~~هذه الآية إلى العبد بقوله: # وما أصابك أي يا إنسان خطابا عاما من سيئة فمن ms1434 نفسك فلابد من التوفيق ~~وإزالة التناقض، وما ذاك إلا بأن يجعل هناك بمعنى البلية وهاهنا بمعنى ~~المعصية. قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة ~~التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأن ~~الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما ~~السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله تعالى لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا ~~بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها. وقال في الكشاف: ما أصابك من حسنة أي من ~~نعمة وإحسان فمن الله تفضلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا وما أصابك من ~~سيئة أي من بلية ومصيبة فمن عندك لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما # روي عن عائشة «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى ~~انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر منه» «1» . # وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله تعالى ~~لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه. لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة ~~السيئة إلى الله تعالى خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب ~~الإنسان من سيئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله ~~تعالى. والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاما على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئا ~~من السيئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما # يروى أنه قرىء فمن نفسك بصريح الاستفهام. # ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى ~~الله تعالى قوله بعد ذلك: وأرسلناك للناس رسولا أي ليس لك إلا الرسالة ~~والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت وكفى بالله شهيدا على جدك وعدم تقصيرك في ~~أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما PageV02P451 # تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله. قال علماء المعاني: قوله رسولا حال ~~من الكاف أي حال كونك ذا رسالة وللناس صفة رسولا متعلق ب أرسلناك وإلا لقيل ~~إلى الناس. فأصل النظم وأرسلناك رسولا ms1435 للناس فلابد للتقديم من خاصية هو ~~التخصيص أعني ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفا لا عما ~~عداه مطلقا. وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: للناس إما أن يكون ~~للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق. # والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص ~~إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفا فيكون مناقضا لما ~~في الآيات الأخر كقوله: # يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] ولقوله: «بعثت ~~إلى الخلق كافة» والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضا باطل لأنه ~~يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأن ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة ~~التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفا وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما ~~عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة. # وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الثقلين ~~لقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن [الأحقاف: 29] الآية. فتعين حمل ~~اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصل موجبة ~~كلية وينفي نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ~~ليس مبعوثا إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن ~~مسكوتا عنهم بالنسبة إلى هذه الآية. فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثا إلى ~~الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من ~~الخاصية من غير تعرض للجن. ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول ~~أوجب طاعته بقوله: من يطع الرسول فقد أطاع الله لأن طاعة الرسول لكونه ~~رسولا فيما هو رسول لا تكون إلا طاعة لله. # قال مقاتل في هذه الآية: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من ~~أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله» فقال المنافقون: لقد قارف ~~الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت ~~النصارى عيسى فأنزل الله هذه الآية. # وهي من أقوى ms1436 الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه ~~وفي أفعاله وإلا لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله. ومن تولى قيل: هو التولي ~~بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرض لها. وقيل: هو ~~التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي. فما أرسلناك ~~لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضله الله لم يقدر أحد على إرشاده. والمعنى ~~فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: لا إكراه في الدين ~~[البقرة: 256] ثم نسخ بآية الجهاد. ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: # PageV02P452 # ويقولون أي حين ما أمرتهم بشيء طاعة أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل ~~هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها ~~فلهذا لم يقرأ بغيره فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول أي ~~دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة. قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه ~~كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت. وفي اشتقاقه ~~وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون ~~الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصى تبييتا.. الثاني قال ~~الأخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي ~~الفكر البليغ تبييتا، فاشتقاقه من أبيات الشعر. ثم إنه تعالى خص طائفة من ~~المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه ~~يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم. وثانيهما ~~أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم ~~يبيتوا فلا جرم لم يذكروا. قلت: # ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار. ~~والله يكتب ما يبيتون يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في ~~جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم فأعرض عنهم وتوكل على الله في شأنهم ~~فإن الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر ms1437 الإسلام وعزت أنصاره. قال بعضهم: الأمر ~~بالإعراض منسوخ بآية الجهاد. والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى ~~التزام النسخ والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # خذوا حذركم وهو ذكر الله فانفروا ثبات جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة ~~وهو عالم الحيوانية أو انفروا جميعا من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية ~~إلى عالم الوحدة وإن منكم أيها الصديقون لمن ليبطئن من المدعين المتكاسلين ~~في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من ~~الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون ~~الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب ~~عليها بالظفر فتسلم على مدة. والمستضعفين من الرجال أي الأرواح الضعيفة ~~استضعفتها النفوس باستيلائها عليها والنساء أي القلوب فإن القلب للروح ~~كالزوجة للزوج لتصرف الروح في القلب كتصرف الزوج في الزوجة. والولدان ~~الصفات الحميدة المتولدة بين الروح والقلب من هذه القرية قرية البدن الظالم ~~أهلها وهي النفس الأمارة بالسوء نصيرا شيخا مربيا ألم تر إلى الذين قيل لهم ~~من أهل السلامة كفوا أيديكم من الاعتصام بحبل أهل الملامة وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب # PageV02P453 # الغرام من أهل الملام إذا فريق منهم يخشون الناس ويخافون لومة الناس ولو ~~كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن ~~فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم. لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت ~~بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة. فيا أيها البطلة في زي الطلبة ~~الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى أينما تكونوا يدرككم ~~الموت اضطرارا إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختيارا ولو كنتم في بروج مشيدة ~~أجسام قوية مجسمة وإن تصبهم يعني أهل البطالة حسنة من فتوحات غيبية يقولوا ~~هذه من عند الله لا يرون للشيخ فيما عليهم حقا وإن تصبهم سيئة من الرياضات ~~والمجاهدات يقولوا للشيخ هذه من عندك أي بسببك وسعيك قل كل من عند الله ms1438 ~~القبض والبسط والفرح والترح ما أصابك من فتح وموهبة فمن الله فضلا وكرما ~~وما أصابك من سيئة بلاء وعناء فمن شؤم صفات نفسك الأمارة. والتحقيق فيه أن ~~للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله تعالى، والكسب والفعل ~~وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى ~~فافهم. وأرسلناك للناس رسولا يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا ~~حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية ~~إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة. فإذا برزوا من عندك وهبت عليهم ~~رياح الهوى عاد الطبع المشئوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من ~~مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ما يبيتون لأن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم فأعرض عنهم واصبر معهم وتوكل على الله فلعل الله يصلح ~~بالهم. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 91] # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~(82) وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (83) فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) ~~من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ~~وكان الله على كل شيء مقيتا (85) وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا (86) # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من ~~الله حديثا (87) فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ~~أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو ~~تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل ~~الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا ms1439 ~~نصيرا (89) إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا (90) ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91) # PageV02P454 ### | القراآت: # ومن أصدق وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة ~~غير العجلي. حصرت صدورهم وبابه مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. ~~وقرأ سهل ويعقوب والمفضل حصرة صدورهم بالنصب والتنوين. ### | الوقوف: # القرآن ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط. كثيرا ه أذاعوا به ط منهم ط قليلا ~~ه في سبيل الله ج ط لأن قوله: لا تكلف يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير ~~مكلف. إلا نفسك ط لعطف قوله: وحرض على قوله: # فقاتل. المؤمنين ج لأن عسى مستأنف لفظا ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما ~~أمر به. كفروا ط تنكيلا ه نصيب منها ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف. # كفل منها ط مقيتا ه ردوها ط حسيبا ه إلا هو ط لا ريب فيه ط حديثا ه بما ~~كسبوا ط من أضل الله ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط. سبيلا ه في سبيل الله ط ~~وجدتموهم ص نصيرا ه ط أو يقاتلوا قومهم ط فلقاتلوكم ط السلم لا لأن ما بعده ~~جواب «فإن» . سبيلا ه قومهم ط أركسوا فيها ج ثقفتموهم ط مبينا ه. ### | التفسير: # لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه صلى الله عليه ~~وسلم غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب ~~الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها. ~~ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استدبرت. أي لو عرفت في صدره ~~ما عرفت من عاقبته. وظاهرا الآية يدل على أنه احتج ms1440 بالقرآن على صحة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وإلا انقطع النظم. ودلالة القرآن على صدق النبي من ~~ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو ~~المقصود من الآية. واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف. فقال ~~أبو بكر الأصم: معناه # PageV02P455 # أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، ~~والرسول كان يخبرهم عنها حالا فحالا. فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار ~~الله تعالى لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت. وقال أكثر ~~المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة ~~وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب. والذي تظن ~~به التناقض كقوله: لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان [الرحمن: # 39] مع قوله: لنسئلنهم أجمعين [الحجر: 92] أو كقوله: فإذا هي ثعبان مبين ~~[الشعراء: 32] مع قوله: كأنها جان [القصص: 31] ليس بذاك عند التدبر وملاحظة ~~شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة ~~نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغا حد الإعجاز. ومن المعلوم ~~أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا طويلا ~~مشتملا على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون ~~بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه ~~معجز من عند الله تعالى. وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني ~~التدبر فيما إليه سبيل. وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير ~~مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف. والجواب أنه لا ~~يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب ~~اختلاف المظاهر والقوابل. سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض ~~والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه. ثم حكى عن ~~المنافقين- وقيل عن ضعفة المسلمين- أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور ~~سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو ms1441 من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه. يقال: ~~أذاع السر وأذاع به لغتان. ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو ~~أبلغ. ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفك عن ~~الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة ~~لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن ~~كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة. وأيضا البحث عن ~~الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر ~~إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا. وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ~~ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر- وهم ~~كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم- لعلمه لعلم ~~تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ~~ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج ~~من # PageV02P456 # البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني. والتدبير الثاني: كانوا ~~يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور ~~على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة. فقيل ~~لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم ~~الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. الثالث: كانوا ~~يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئا من خبر السرايا غير معلوم الصحة ~~فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلموا صحته ~~وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون. ومعنى يستنبطونه منهم ~~يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم. قالت العلماء: في ~~الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى ~~أولي الأمر من المستنبطين. فرواية النص لا تكون استنباطا فهو إذن رد واقعة ~~إلى نظيرها وهو القياس. واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء ~~وأولو الآراء ms1442 بل هم المذيعون كما في القول الثالث. سلمنا لكن الآية نزلت في ~~الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز ~~الاستنباط في الوقائع الشرعية. فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتا ~~للقياس الشرعي بالقياس الشرعي. سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد ~~استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو ~~بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع ~~الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟ ~~سلمنا أن القياس الشرعي داخل في الآية. لكن بشرط كونه مفيدا «للعلم» بدليل ~~قوله لعلمه الذين يستنبطونه ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس ~~المفيد للظن هل هو حجة أم لا. وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس ~~بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه ~~إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام # المضمر. وعن الثاني بأن الأمن أو الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف. ~~ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم ~~جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق. ألا ترى أن من قال ~~القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟ وعن الثالث أن ~~شيئا من ذلك لا يسمى استنباطا. وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن ~~الغالب. سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن ~~أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في ~~الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الأصل، وعند هذا الظن ~~نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: «الظن واقع في ~~طريق الحكم» والحكم مقطوع به كأنه تعالى قال: مهما # PageV02P457 # غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعا أن حكمي فيها كذا. ms1443 أما ~~قوله لاتبعتم الشيطان إلا قليلا فظاهره يقتضي إشكالا وهو أن قليلا من الناس ~~لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة ~~إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض. فذكر المفسرون في إزالة ~~التناقض وجوها الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: أذاعوا به كأنه تعالى ~~أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: بيت طائفة الثاني: ~~أنه عائد إلى قوله: لعلمه يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا. قال ~~الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ~~والأكثر يجهله. وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا ~~غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو ~~استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلا البالغ في البلادة. ~~والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام ~~الزجاج الصحيح وإن كان محمولا على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ~~ذكره الفراء والمبرد. الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق ~~النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من ~~المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد ~~وإنزال القرآن لا تبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلا القليل منكم فإن ذلك ~~القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة ~~بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة هاهنا نصرته ~~تعالى ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: فأفوز فوزا عظيما [النساء: # 73] والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلا ~~القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون ~~أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر ~~يدل على كونه حقا، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلا، ms1444 بل الأمر ~~في كونه حقا وباطلا مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه. قوله: فقاتل قيل: ~~إنه جواب لقوله: ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل [النساء: 74] كأنه تعالى ~~قال: إن أردت الفوز فقاتل. وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ~~كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلا بفعلك، ~~فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: وحرض المؤمنين أن الواجب ~~على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، ~~فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا ~~شيء. واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على ~~الظن أنه مفيد لم يجب # PageV02P458 # بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل ~~قوله: والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] وبدليل قوله هاهنا: عسى الله أن ~~يكف بأس الذين كفروا وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع ~~وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم # أنه صلى الله عليه وسلم قال في بدر الصغرى: «لأخرجن وحدي» # فخرج وتبعه سبعون راكبا، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه تعالى كف ~~بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب ~~في تلك السنة. وفي الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق ~~لأنه تعالى لم يأمره بالقتال وحده إلا أنه كذلك. وقيل: اقتدى به أبو بكر ~~حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله ~~وأنه لا يحدث شيء إلا بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت. ~~والله أشد بأسا من قريش وأشد تنكيلا تعذيبا لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره ~~غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على ~~تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه ms1445 واحد وعذاب الله يصل إلى جميع ~~الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه ~~عذابه ونعوذ بالله من عقابه. # قوله سبحانه: من يشفع شفاعة حسنة وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: # المراد منه تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، لأنه إذا ~~كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة ~~بالجهاد. وأيضا التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى ~~الشفاعة. وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر فى أن يأذن له الرسول في ~~التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل ~~له عدة الجهاد فنزلت. ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي ~~أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله ~~بمحبة الكفار وترك إيذائهم. وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة ~~الله المسلم لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب ~~استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك» «1» # فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك. وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن ~~زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه ~~شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة وكانت في أمر ~~حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان ~~بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن ~~وأنه نوع شفاعة كما مر في القول PageV02P459 # الأول. وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها ~~وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها. قال ~~أهل اللغة: الكفل أيضا النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟ فأجيب بأن الكفل ~~اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال «كفل البعير واكتفله» ~~إذا أدار حول ms1446 سنامه كساء وركب. # والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه. والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن ~~له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم ~~وحصول ضد ذلك مثل: # فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران: 21] وكان الله على كل شيء مقيتا أي مقتدرا ~~وحفيظا. واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها. والغرض أنه قادر على ~~كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما ~~أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا ~~في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضا السلام دعاء بالسلامة والدعاء ~~نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على ~~«تفعلة» مثل: تسلية وتعزية. لكنه أدغم هاهنا لاجتماع المثلين. وكانت العرب ~~تقول عند التلاقي حياك الله. دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ~~ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل ~~لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من أسماء الله تعالى فالابتداء به ~~أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني ~~عشر موضعا في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك [هود: 48] والمراد أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وسلم عليك على لسان جبريل: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم من كل أمر سلام [القدر: 5] قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا ~~مثل أمة موسى وعيسى فقال الله تعالى: لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من ~~الدنيا إلا إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم ~~السلام مني. وسلم عليك على لسان موسى: والسلام على من اتبع الهدى [طه: 47] ~~وسلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم: قل الحمد لله وسلام على عباده ~~الذين اصطفى [النمل: 59] وأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالسلام عليك: وإذا ~~جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام ms1447 عليكم [الأنعام: # 54] وأمر المؤمنين بالسلام عليك: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها وسلم ~~عليك على لسان ملك الموت: الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~[النحل: # 32] قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: ~~أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن ~~البشارة يقول لملك # PageV02P460 # الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك. وسلم عليك من الأرواح ~~الطاهرة: # وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين [الواقعة: 91] ~~وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين [الزمر: 73] وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم [الرعد: 24] وسلم عليك على ~~لسان أهل الجنة: # تحيتهم يوم يلقونه سلام [الأحزاب: 44] وسلم عليك إلى الأبد: سلام قولا من ~~رب رحيم [يس: 58] ولما أراد إكرام يحيى عليه السلام وعده بالسلام في مواطن ~~ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا # [مريم: 15] ولما ذكر تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ~~[الأحزاب: 56] # وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: «يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا ~~الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» «1» # وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، ~~وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية «حياك الله» ، وتحيتهم للملوك «أنعم ~~صباحا» فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا «السلام عليك ورحمة الله وبركاته» وفي ~~هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها. ومما يدل على فضيلة ~~السلام عقلا أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، ~~وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل ~~أنواع ms1448 التحية. قال بعض العلماء: فمن دخل بيتا وجب عليه أن يسلم على ~~الحاضرين لقوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم [النور: 61] # وقال صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام» # والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب # لقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» «2» # ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب. وعن ابن عباس والنخعي ~~وأكثر العلماء أن السلام سنة. وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب ~~إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من PageV02P461 # رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح ~~القدس وردت عليه الملائكة. قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام ~~الرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر ~~المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته. لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد. # وروي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك يا رسول ~~الله. فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله. ~~فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة ~~الله وبركاته. فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: فحيوا بأحسن منها ~~فقال: إنك لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله. # فقوله تعالى: أو ردوها أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرة ورجعة إما ~~إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض ~~على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين. والأولى أن يقوم به الكل ~~إكثارا للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام. وهو واجب ~~على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ~~ابتداء سلام لا جوابا وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضا ~~واجب لقوله: وإذا حييتم بتحية فحيوا ومن ms1449 قال لآخر أقرئ فلانا عني السلام ~~وجب عليه أن يفعل. قال العلماء: المبتدئ يقول السلام عليكم والمجيب يقول: # وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله. فإن خالف المبتدئ ~~فليكن الاختتام بحاله. ويجوز «سلام عليكم» بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن ~~المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، ~~والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: والسلام على من اتبع ~~الهدى [طه: 47] وقال عيسى: والسلام علي يوم ولدت [مريم: 33] وأيضا المعرف ~~يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال. ومن السنة أن يسلم ~~الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على ~~الكبير، والأقل على الأكثر احتراما للجماعة، والقائم على القاعد لأنه ~~الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال ~~السرور في القلب. ومنها الابتداء به إظهارا للتواضع، ومنها الإفشاء ~~والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي صلى الله ~~عليه وسلم # قال: «إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر» «1» # ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا ~~سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب ~~PageV02P462 # الله، ومن دخل بيتا خاليا فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو ~~سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في ~~البيت من الشياطين والمؤذيات. ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين كان حسنا. ومن السنة أن يكون المبتدئ بالسلام على الطهارة وكذا ~~المجيب. # روي أن واحدا سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قضاء الحاجة ~~فقام وتيمم ثم رد الجواب. # وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس ~~بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن. ~~ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا متزرين لم يسلم ~~عليهم. والأولى ترك السلام على ms1450 القارئ كيلا يقطع عليه القراءة باشتغاله ~~بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم أو ~~بالأذان أو الإقامة. ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم ~~على ما إذا كانت اللقمة في فيه. ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ~~ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلا بنوع ~~معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة. وإذا دخل الرجل ~~بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت ~~الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل ~~الأولى أن لا يفعل. وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى ~~بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يبتدأ اليهودي بالسلام» ~~«1» # وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره. وعن أبي ~~يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السلام على من اتبع الهدى. ~~ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء ~~السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ~~ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السام عليكم، وعن ~~الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: # ورحمة الله. لأنها استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك ~~السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ واعلم أن ~~مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب ~~منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها. وقال الشافعي: له الرجوع في حق ~~الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي. واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن ~~التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب PageV02P463 # الرد إذا لم يصر مقابلا بالأحسن، ms1451 فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، ~~وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه ~~سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن. ثم احتج ~~الشافعي على قوله بما # روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل ~~أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده» «1» # إن الله كان على كل شيء حسيبا فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، ~~فكونوا على حذر من مخالفته. ثم أكد الوعيد بقوله: الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم فالأول توحيد والثاني عدل كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم وحياكم ~~فاقبلوا سلامه وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها ~~الله الذي لا اله إلا هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة ~~الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب. وقوله: لا إله إلا هو إما ~~خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ليجمعنكم والتقدير الله والله ليجمعنكم ~~إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، ~~والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. ~~قال تعالى: يوم يقوم الناس لرب العالمين [المطففين: 6] ومن أصدق من الله ~~حديثا استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال ~~للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على ~~أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع ~~مضرة، أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا ~~يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب ~~أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، ~~واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى ~~العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر ms1452 على ~~كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلا وقع الدور. ~~ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث ~~فاعلم. # ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: فما لكم في المنافقين فئتين وهو ~~منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائما أي ما تصنع؟ وقيل: نصب على ~~أنه خبر «كان» أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟ استفهام على سبيل ~~الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك ~~وانكشفت جلية الحال. PageV02P464 # وذلك أنها نزلت في قوم من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد ~~أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم. فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون ~~مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين. فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا. ~~وقال بعضهم: هم مسلمون. فبين الله نفاقهم. وقال مجاهد وقتادة: هم قوم ~~هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا ~~اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم ~~أحد وقالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق ~~الكلام وهو قوله: حتى يهاجروا في سبيل الله يأباه إذ الهجرة تكون من مكة ~~إلى المدينة. وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى ~~اليمامة. وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يسارا مولى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك. قال الحسن: ~~سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها. والله ~~أركسهم الركس والإركاس رد الشيء مقلوبا. ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى ~~حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعا أيضا لذلك والمراد ردهم إلى أحكام ~~الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل بما كسبوا أي بما أظهروا من الارتداد ~~بعد ما كانوا على النفاق ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا لأن المخلوق لا ~~يقدر ms1453 على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته. # وهذا ظاهر في المقصود. والمعتزلة يقولون: قوله: أركسهم بما كسبوا أي بسبب ~~كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال ~~الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلانا أي ينسبه إلى الكفر ويحكم ~~عليه بذلك. أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف. ثم ذكر ~~أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفارا فكيف تطمعون في إيمانهم ~~وهو قوله: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء أي في الكفر. والمراد ~~فتكونون أنتم وهم سواء إلا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ~~ذكرهم. وقوله: فتكونون عطف على تكفرون. # فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة ~~الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل # قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين ~~وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك» «1» . # وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة. # عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «لا هجرة ~~PageV02P465 # بعد الفتح ولكن جهاد ونية» «1» . # وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض ~~الهجرة إلى دار الإسلام قائما. قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل ~~الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى ~~أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم # لقوله صلى الله عليه وسلم: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» . # فإن تولوا عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ~~فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل أو في الحرم ولا تتخذوا منهم في هذه ~~الحالة وليا يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم بل ~~جانبوهم مجانبة كلية. ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: ~~الأول إلا الذين يصلون أي ينتهون ويتصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~والمعنى ms1454 أن من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم. ~~قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن ~~يجدوا السبيل إليه. والقوم هم الأسلميون وذلك أنه صلى الله عليه وسلم وادع ~~وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ~~وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقال ابن ~~عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح. # وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة. وهاهنا نكتة وهي أنه تعالى رفع السيف عمن ~~التجأ إلى الكفار المصالحين فلأن يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة ~~رسوله كان أولى. وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب. يقال: وصلت إلى ~~فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه. # واعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم. الاستثناء الثاني قوله: ~~أو جاؤكم وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفا على صفة قوم والمعنى إلا ~~الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ~~ولا عليكم. وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: # الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في ~~صفتهم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم إلى آخر الآية. إذ بين أن كفهم عن القتال ~~سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال. ومعنى حصرت ~~صدورهم ضاقت. # والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار «قد» بدلالة قراءة من ~~قرأ PageV02P466 # حصرة. وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوما ~~حصرت. وقيل: هو بيان لجاؤوكم. وقوله: أن يقاتلوكم أي عن أن يقاتلوكم. ثم ~~هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو ~~مدلج جاؤا رسول الله صلى ms1455 الله عليه وسلم غير مقاتلين. وعلى هذا يلزم النسخ ~~لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه تعالى لما أوجب ~~الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم للهجرة والنصرة إلا أنه كان في طريفهم كفار ~~غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن ~~يمكنهم الخلاص. # والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله ~~فيه، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم ~~فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه. فهذان الفريقان من المشركين لا ~~يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى ~~قوله: ولو شاء الله لسلطهم عليكم أي لو شاء لقوى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم ~~إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم. وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن ~~قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوى قلوبهم لتسلطوا عليكم ~~ولقاتلوكم وهو جواب «لو» على التكرير أو البدل. قال الكعبي: إنه تعالى أخبر ~~أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل ~~على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه فإن اعتزلوكم أي فإن لم يتعرضوا لكم ~~وألقوا إليكم السلم أي الانقياد والاستسلام فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ستجدون آخرين هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا ~~أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ~~ونكثوا عهودهم كلما ردوا إلى الفتنة كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ~~أركسوا فيها أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها. وهذه استعارة لشدة إصرارهم على ~~الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوسا تعذر خروجه فإن لم ~~يعتزلوكم ويلقوا أي ولم يلقوا ولم يكفوا فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم حيث ~~تمكنتم منهم. قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا ~~الصلح منا وكفوا أيديهم ms1456 عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم. ولا قتلهم. وهذا ~~مبني على أن المعلق بكلمة «إن» على الشرط يعدم عند الشرط. أما قوله: سلطانا ~~فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا ~~لكم في قتلهم. # PageV02P467 ### | [سورة النساء (4) : الآيات 92 الى 101] # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما (92) ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ~~فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (94) لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل ~~الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان ~~الله غفورا رحيما (96) # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان ~~الله عفوا غفورا (99) ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره ~~على الله وكان الله غفورا رحيما (100) وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين ms1457 كانوا لكم ~~عدوا مبينا (101) ### | القراآت: # فتثبتوا من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف. والباقون فتبينوا ~~من التبين السلم مقصورا: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل ~~وسهل. الباقون بالألف. غير بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف. ~~الباقون غير بالرفع الذين توفاهم مشددة التاء: البزي وابن فليح. ### | الوقوف: # إلا خطأ ج يصدقوا ط لابتداء حكم آخر. مؤمنة ط لذلك مؤمنة ج متتابعين ز ~~لاحتمال كون توبة مصدرا لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولا له. من الله ط ~~حكيما ه عظيما ه مؤمنا ج لأن ما بعده يصلح حالا واستفهاما الدنيا ز لانقطاع ~~النظم مع اتصال الفاء. كثيرة ط فتبينوا ط خبيرا ه وأنفسهم الأول ط درجة ط ~~الحسنى ط عظيما ه لا لأن ما بعده بدل # PageV02P468 # ورحمة ط رحيما ه فيم كنتم ط في الأرض ط فتهاجروا فيها ط لتناهي الاستفهام ~~بجوابه. جهنم ط مصيرا ه للاستثناء. سبيلا ه لا عنهم ط غفورا ه وسعة ط على ~~الله ط رحيما ه من الصلاة ق والأصح أن شرط تغليب في حال المسافر كفروا ط ~~مبينا ه. ### | التفسير: # لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلا يظنه ~~كافرا حربيا فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلما، ذكر الله تعالى حكم هذه ~~الواقعة وأمثالها في هذه الآيات. أما سبب النزول # فقد روى عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار ~~فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلا بعد أن قتلوه. ~~فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فلما سمع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ذلك زاد وقع حذيفة عنده ونزلت الآية. # وقيل: نزلت في أبي الدرداء وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له ~~فوجد رجلا في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله فقتله ~~وساق غنمه. ms1458 ثم وجد في نفسه شيئا فذكر الواقعة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~فقال: هلا شققت عن قلبه؟ وندم أبو الدرداء. # والذي عليه أكثر المفسرين ما # ذكره الكلبي أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه ~~فخرج هاربا إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقدمها، ثم أتى أطما من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعا شديدا وأقسمت لا ~~تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع. فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن ~~أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في الأطم فقالا: انزل ~~فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاما ولا شرابا حتى ترجع ~~إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك ~~على صلة الرحم؟ انصرف وبر بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما. فلما ~~أخرجاه من المدينة أو ثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على ~~أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به. ثم تركوه موثقا ~~في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، ~~والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت ~~الآن فيه. فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي- يعني أبا جهل- فمن أنت يا ~~حارث؟ لله علي، إن وجدتك خاليا أن أقتلك. ثم إن عياشا أسلم بعد هجرة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة وأسلم الحرث بعده وهاجر وليس ~~عياش يومئذ حاضرا ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث ~~بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم. ~~فرجع عياش إلى # PageV02P469 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني ~~لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت # وما كان لمؤمن أي ما صح له ولا استقام، ms1459 أو ما كان له فيما أتاه من ربه ~~وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك. والغرض بيان أن حرمة القتل ~~كانت ثابتة من أول زمان التكليف إلا خطأ إلا لهذا العذر وبهذا السبب فيكون ~~مفعولا له، أو إلا في حال الخطأ أو إلا قتلا خطأ. قال أبو هاشم- وهو أحد ~~رؤساء المعتزلة-: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا فيبقى مؤمنا إلا أن ~~يقتله خطأ فيبقى حينئذ مؤمنا. ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير فعليه إعتاق رقبة ~~أي نسمة مؤمنة. والحر العتيق الكريم لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في ~~العبيد ومنه غتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه. وعبر عن ~~النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: «فلان يملك كذا رأسا من ~~الرقيق» . ودية مسلمة إلى أهله الدية من الودي كالشية من الوشي. والأصل ~~ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف ~~والأعضاء والمراد بالأهل الورثة إلا أن يصدقوا أي يتصدقوا فأدغمت التاء في ~~الصاد. والتصدق الإعطاء والمراد هاهنا العفو ومحله النصب على الظرف أو ~~الحال والعامل. مسلمة أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلا زمان ~~التصدق أو إلا متصدقين. وهاهنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد ~~وخطأ وشبه عمد. أما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى ~~الموت سواء كان جارحا أو لم يكن. وأما الخطأ فضربان: # أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلما، والثاني أن يظنه مشركا بأن ~~كان عليه شعار الكفار. فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد. وأما ~~شبه العمد فهو أن يضربه مثلا بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه فهذا خطأ ~~في القتل وإن كان عمدا في الضرب. الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس ~~بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلا تحت الآية فيجب في الآية ~~والكفارة ولا يجب فيه القصاص. وقال الشافعي: # إنه عمد محض يجب فيه ms1460 القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل ~~فبقوله تعالى لموسى: وقتلت نفسا فنجيناك من الغم [طه: 40] يعني القبطي إذ ~~وكزه موسى فقضى عليه. وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان ~~بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ما جنا، وإذا ~~ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: كتب عليكم القصاص في القتلى ~~[البقرة: 178] وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار ~~في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار ~~غير معتبر. حجة أبي حنيفة # قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا ان قتيل العمد # PageV02P470 # والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل» «1» # هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيرا أو كبيرا، وأجيب بأن العصا والسوط ~~يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعة جبل ~~ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله. الثالثة قال أبو حنيفة: القتل ~~العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء ~~الشرط لا يحصل المشروط. وقال الشافعي: يوجبها لما # روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب ~~لنا أوجب النار بالقتل فقال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من ~~النار. # وأيضا نص الله تعالى على الكفارة في قتل الصيد عمدا في الحرم وفي الإحرام ~~فأوجبها على الخاطئ بالاتفاق، فههنا نص على الخاطئ فبأن نوجبه على العامد ~~كان أولى لأنه لما أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الإحياء عمدا لزمه أن يدخل نفسا ~~مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ~~ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقا، ولتحقيق هذا ~~المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل ~~كهرم وعمى وجنون. # الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: ms1461 لا تجزىء الرقبة إلا إذا ~~صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة. والإيمان إما التصديق وإما ~~العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي. وقال الشافعي ~~ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلما لأن حكمه ~~حكم المؤمن. الخامسة أنه تعالى أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها ~~وإنما عرفت من السنة. # عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن أن في ~~النفس مائة من الإبل. وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت ~~مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة. # وبه قال مالك لما # روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية الخطأ بمائة من ~~الإبل وفصلها كما ذكرنا. # وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق ~~عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية. وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة ~~في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب ~~للزكاة. واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في ~~الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها ~~أولادها. ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها ~~مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة PageV02P471 # الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ~~ينكره أحد فكان إجماعا. ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف ~~دية الخطأ فانها تكون على العاقلة لما # روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرى بحجر، ويروى بعمود ~~فسطاط. فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلة ~~القاتلة. # وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى. وجهات التحمل ثلاث: القرابة ~~والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب ~~وهم الإخوة وبنوهم. وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ~~ويراعى الترتيب في ms1462 العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا ~~وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلا شاركهم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم. وقال أبوبكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضا تجب على ~~القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضا عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على ~~التحرير. وأيضا الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر ~~الاتلافات. وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة ~~على ذلك. السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع ~~المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك ~~في الدية. وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: # ومن قتل مؤمنا. السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد ~~الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت ~~رفع قيمتها. # وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو ~~عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفا. الثامنة لا فرق بين هذه ~~الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم ~~الباقي بين الورثة على فرائض الله لما # روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: # لا أعلم لك شيئا إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه. فشهد بعض الصحابة ~~بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى ~~عمر بذلك. # وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل. وعن شريك: لا يقضى من ~~الدية دين ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف ~~الجماعة. # واعلم أن الله تعالى ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمنا خطأ فعليه تحرير ~~الرقبة وتسليم الدية ثم قال: فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة ~~مؤمنة ms1463 وسكت عن الدية. فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما ~~قبلها وفيما بعدها وهو قوله: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة ~~إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة # PageV02P472 # يدل على عدم وجوب الدية هاهنا. ثم المعني بقوله: من قوم عدو لكم إما أن ~~يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار ~~الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية البتة فتعين ~~الأول. وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار ~~الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من ~~المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر ~~دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم. وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى لأنه ~~أهلك إنسانا مواظبا على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة ~~عليها. أما قوله: وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ففيه قولان: أحدهما أن ~~المراد الذمي فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب. وعن الحسن هم ~~المعاهدون منه الذمي فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب. وعن الحسن ~~هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: فإن كان من ~~قوم عدو لكم والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا هاهنا. واعترض ~~عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأن المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل ~~الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: من قتل مؤمنا خطأ إلا أنه أفرد ~~المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وهاهنا لا غرض في ~~الإفراد فيكون تكرارا محضا. وأيضا لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة ~~إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهما مجملا لأنه لا يدري أنه ~~منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع ms1464 ~~التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما. وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن ~~المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين ~~المعاهدين تنصيصا على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيها على التسوية بينه ~~وبين المسلم المقتول في دار الإسلام. وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ~~ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل «من» بمعني «في» كما في الآية ~~المتقدمة عليه. وهاهنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي ~~مثل دية المسلم لقوله تعالى: وإن كان أي المقتول من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ~~ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة. ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم ~~على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضا يجوز أن يكون ~~المراد بالدية الثانية مقدارا مغايرا للأول. وهاهنا سؤال وهو أنه لم قدم ~~تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟ ويمكن أن ~~يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب # PageV02P473 # بين التحرير والدية، وأيضا ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله تعالى. ~~ويترتب على التحرير قوله: فمن لم يجد أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل ~~به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين. ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول ~~إلى الصوم؟ الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب. وأما ~~الشهران فهما هلاليان البتة. نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ~~ثلاثين. والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوما منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب ~~الاستئناف إلا أن يكون الفطر بحيض أو نفاس. وعن مسروق أن الصوم بدل من ~~مجموع الرقبة والدية. توبة من الله أي شرع لكم ما شرع قبولا من الله ورحمة ~~منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته. ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ~~ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه. ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من ~~الرقبة إلى الصوم ms1465 توبة منه أي تخفيفا منه لأن التخفيف من # لوازم التوبة. وكان الله عليما بأنه لم يقصد ولم يتعمد حكيما محكم الفعل ~~لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد. وعند المعتزلة معنى الحكيم أن ~~أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة. ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ ~~أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي ~~حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر هاهنا على بيان ما ~~فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم ~~تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار. وأجيب بوجهين: الأول ~~إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمنا. # روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلا في ~~بني النجار وكان مسلما، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رسولا من بني فهر وقال له: ائت بني ~~النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن ~~علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له ~~قاتلا أن تدفعوا إليه ديته. فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ~~إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين ~~المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية ~~أخيك فيكون عليك مسبة؟ اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية. فرمى ~~الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا ~~وجعل يقول في شعره: # قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري واضطجعت ~~موسدا وكنت إلى الأوثان أول راجع # PageV02P474 # فنزلت الآية فيه # ومن يقتل مؤمنا متعمدا ثم أهدر النبي صلى الله عليه ms1466 وسلم دمه يوم فتح مكة ~~فأدركه الناس بالسوق فقتلوه. الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله ~~وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم. وضعف الوجه الأول بأن العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل ~~المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية ~~فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر ~~بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟ وإذا لا أثر ~~للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جاريا مجرى قول القائل «إن من تنفس ~~لجزاؤه جهنم» وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر. وإذا جاز ~~الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض ~~المصلحة؟ وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع. قال القفال: الآية تدل ~~على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر. # وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلا أني لا أفعله. ولا يخفى ~~ضعف هذا الجواب أيضا لدلالة سائر الآيات كقوله: من يعمل سوءا يجز به ~~[النساء: 123] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [الزلزلة: 8] على أنه يوصل ~~الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: # وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما صريح في أنه تعالى سيفعل به ~~ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع. ولتأكد هذه ~~المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير ~~مقبولة. وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له. وحمله ~~الجمهور على التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة حتى الشرك. هذا ~~عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلا الشرك لقوله تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء: 48] . # ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في ~~سبيل الله فتبينوا لتفعل هاهنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر ~~وثباته ولا تتهوكوا فيه ms1467 عن غير روية ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام وهو ~~والسلم بمعنى الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام. # قال السدي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على سرية، ~~فلقي مرداس بن نهيك رجلا من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهرب ثقة بإسلامه، ~~فقتله أسامة واستاق غنما كانت معه. فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخبره فقال: قتلت رجلا يقول لا إله إلا الله. فقال: يا رسول الله إنما ~~تعوذ من القتل. فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلا الله؟ # قال: فما زال يرددها علي أقتلت رجلا وهو يقول لا إله إلا الله حتى تمنيت ~~لو أن إسلامي # PageV02P475 # كان يومئذ فنزلت الآية. وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك. # وقال الحسن: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا يتطرفون فلقوا ~~المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما ~~غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان ~~قليلا، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته بعد ما زعم أنه ~~مسلم. قال: # يا رسول الله إنما قالها متعوذا. قال: فهلا شققت عن قلبه؟ قال: لم؟ قال: ~~لتنظر أصادق هو أم كاذب. قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: ويلك إنك ~~لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه. قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن ~~فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره. قال: # ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أو ~~ثلاثا. فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة. # قال الحسن: إن الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا. # وعن سعيد بن جبير قال: خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في ~~غنيمة له فأرادوا قتله ms1468 فقال: لا إله إلا الله. فقتله المقداد. فقيل له: ~~أقتلته وقد قال لا إله إلا الله؟ فقال: ود لو فر بأهله وماله. فلما قدموا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فنزلت. # قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها ~~فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته. # وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أشرع أحدكم ~~الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع ~~عنه الرمح» . # قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية. وقال أبو حنيفة: ~~إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية. وقال الشافعي: لا يصح وإلا لوجب عليه لأنه ~~لو لم يجب لكان ذلك إذنا في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه # لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ» «1» . # وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم ~~بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه. ولو قال لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحصل الجزم بإسلامه لأن منهم من ~~يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إن محمدا الذي هو الرسول الحق ~~المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين ~~الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق. تبتغون عرض الحياة الدنيا قال أبو ~~عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء. يقال: إن الدنيا عرض حاضر ~~PageV02P476 # يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضا لأنه عارض زائل غير باق، ومنه العرض ~~لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين فعند الله مغانم ~~كثيرة يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوذا به لتأخذوا ماله. ~~وقيل: يريد ما أعد لعباده من حسن الثواب في الآخرة كذلك كنتم من قبل ~~اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام ~~سمعت منكم ms1469 كلمة الشهادة فحقنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على ~~مواطأة قلوبكم لألسنتكم فمن الله عليكم بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن ~~صرتم أعلاما فيه، فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم. # واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا ~~بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما ~~بالآخر؟ وعن سعيد بن جبير: # المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن ~~قومه فمن الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم. وأورد عليه أن إخفاء ~~الإيمان ما كان عاما فيهم. # وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف ~~بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمن الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور ~~الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف ~~فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه. # وقيل: إن قوله: فمن الله عليكم منقطع عما تقدمه. وذلك أن القوم لما نهاهم ~~عن قتل من تكلم بلا إله إلا الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ~~ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن ~~الإضمار خلاف الإظهار فقال: إن الله كان بما تعملون خبيرا وفيه من الوعيد ~~ما فيه. # ولما عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في ~~قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علتهم ~~ويزيد رغبتهم، أو نقول: # لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب ~~خللا في هذا المنصب الجليل فقال: لا يستوي القاعدون # عن زيد بن ثابت قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه: لا ~~يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ولم ~~يذكر أولي الضرر فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟ قال زيد: ~~فتغشى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسه الوحي ms1470 فاتكأ على فخذي فو الذي ~~نفسي بيده لقد ثقل علي حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون فكتبتها. رواه البخاري. # والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم ~~الأهبة. من قرأ غير بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو # PageV02P477 # على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير ~~صفة للمعرفة كما سبق في تفسير غير المغضوب عليهم [الفاتحة: 7] . وقرىء ~~بالجر على أنه صفة المؤمنين. قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعا على جهة ~~الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدون، إلا أولي الضرر فإنهم ~~يساوون المجاهدين بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من بعض غزواته «لقد خلفتم بالمدينة ~~أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم ~~العذر» «1» # وعنه صلى الله عليه وسلم: «إذا مرض العبد قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ~~ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ» «2» . # ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال. ~~وذكروا في معنى # قوله: «نية المؤمن أبلغ من عمله» # أن ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على ~~الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبدا خير من عمله الذي أدركه في مدة ~~حياته. قيل: إنه قدم ذكر النفس على المال في قوله: إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم [التوبة: 111] وهاهنا أخر لأن النفس أشرف من ~~المال. فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيها على أن الرغبة فيها أشد، والبائع أخر ~~تنبيها على أن المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلا في آخر الأمر. ~~وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ~~ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته ~~فيجاهد كقوله: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر: 9] تحريكا ~~للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. ثم إن عدم الاستواء ms1471 يحتمل ~~الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: فضل الله المجاهدين كأنه قيل: مالهم ~~لا يستوون؟ فأجيب بذلك. وانتصب درجة على المصدر لأن الدرجة بدل على ~~التفضيل. وقيل: حال أي ذوي درجة. وقيل: بنزع الخافض أي بدرجة. وقيل: على ~~الظرف أي في درجة وكلا وكل فريق من القاعدين والمجاهدين وعد الله الحسنى أي ~~المثوبة الحسنى وهي الجنة. قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على ~~الكفاية إذ لو كان واجبا على التعيين لم يكن القاعد أهلا للوعد. وانتصب ~~أجرا بفضل لأن التفضيل يدل على الأجر. وهاهنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولا ~~درجة وثانيا درجات؟ وأجيب بأن اللام في قوله أولا على القاعدين للعهد ~~والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانيا على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم ~~في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو PageV02P478 # فرض كفاية. وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي ~~الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة. وقيل: المراد بالدرجة ~~الغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة. وقيل: المراد بالمجاهد الأول ~~صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب ~~الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال. # واستدلت الشيعة هاهنا بأن عليا رضي الله عنه أفضل من أبي بكر وغيره من ~~الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من ~~وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته. أجاب أهل السنة بأن جهاد أبي بكر بالدعوة ~~إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفا والاحتياج إلى المدد ~~شديدا، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك ~~الوقت قويا. والحق أنه لا تدل الآية إلا على تفضيل المجاهدين على القاعدين، ~~أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا. قالت المعتزلة: هاهنا قد ظهر ~~من الآية أن التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ~~ولهذا سمي أجرا. وأجيب بأن العمل علة الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشارع ~~ذلك العمل موجبا له. قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال ~~بالنكاح لأن قوله: وفضل الله ms1472 المجاهدين عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب ~~وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد ~~المندوب أفضل منه بالنكاح. # ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار ~~الكفر فقال: إن الذين توفاهم وأنه يحتمل أن يكون ماضيا فيكون إخبارا عن حال ~~قوم انقرضوا ومضوا. عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قوما من المسلمين بمكة ~~فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية. ويحتمل أن ~~يكون مستقبلا بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاما في كل من كان بهذه ~~الصفة. قال الجمهور: معنى تتوفاهم تقبض أرواحهم عند الموت. ولا منافاة بينه ~~وبين قوله: الله يتوفى الأنفس [الزمر: 42] قل يتوفاكم ملك الموت [السجدة: ~~11] لأنه تعالى هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلا أن الرئيس ~~المفوض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه. وعن الحسن: توفاهم ~~الملائكة أي يحشرونهم إلى النار. أما قوله: ظالمي أنفسهم فمنصوب على الحال ~~عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفا فصح وقوعه حالا. ~~والظلم قد يراد به الشرك إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] فالمراد أنهم ~~ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة. وقد يراد به المعصية فمنهم ~~ظالم لنفسه [فاطر: 32] فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير ~~مهاجرين إلى دار # PageV02P479 # الإسلام حين كانت الهجرة فريضة. وفي خبر «إن» وجوه: الأول قالوا فيم كنتم ~~والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم. الثاني فأولئك فيكون قالوا حالا من ~~الملائكة بتقدير «قد» . الثالث إن الخبر محذوف وهو هلكوا. ثم فسر الهلاك ~~بقوله: قالوا فيم كنتم أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والمراد التوبيخ ~~على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم ~~بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن ~~في شيء بل أجابوا بقولهم: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا ~~بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء. ثم ms1473 إن ~~الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد ~~التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة. ثم ~~استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. فسئل لم عد ~~الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه ~~المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل ~~التكليف؟ وأجيب بأن المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد ~~المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم ~~فيما بينهم وبين الله. سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط ~~الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه. وقوله: ~~لا يستطيعون قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين. وإنما جاز ذلك ~~والجمل نكرات لأن المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر. والمعنى أن العاجزين ~~هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر ~~قاهر يمنعهم عن المهاجرة. ومعنى لا يهتدون سبيلا لا يعرفون الطريق ولا ~~يجدون من يدلهم على الطريق. وإنما قال سبحانه: فأولئك عسى الله أن يعفو ~~عنهم بكلمة الإطماع تنبيها على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن ~~المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم ~~وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأن ~~الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على ~~تأويل غير سديد. ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب ~~العبد. # وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب. فالجزم بالعفو حاصل إلا ~~أنه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلا مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه ~~أيضا يخرج مما قلنا: # وكان الله عفوا غفورا ms1474 قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفا بهذه الصفة، أو ~~أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره. وأيضا لو ~~قال إنه عفو غفور كان # PageV02P480 # إخبارا عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه ~~فكان أدل على كونه حقا وصدقا. قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقا ~~غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة. قال ابن عباس ~~في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من ~~القرآن، فكتب إليهم: إن الذين توفاهم الملائكة الآية. فلما قرأها المسلمون ~~قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه- وكان شيخا كبيرا- احملوني فإني لست من ~~المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق. فحمله بنوه على سرير متوجها إلى ~~المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: ~~اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومات حميدا. # فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فقالوا: لو وافى المدينة لكان ~~أتم أجرا فأنزل الله تعالى فيه: # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما أي مذهبا ومهربا ومضطربا ~~قاله الفراء. # وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه ~~بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل ~~إليه شيء يكرهه، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة. ~~ويمكن أن يقال: إن من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت ~~أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه. # واعلم أنه سبحانه لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن ~~هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأول أن يكون له في وطنه نوع ~~رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ومن يهاجر ~~كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع ms1475 في المشقة ~~والمحنة في السفر فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب ~~السنية في مهاجرك ما يكون سببا لرغم أنوف أعدائك، ويصير سببا لسعة عيشك، ~~وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر ~~بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها ~~سبب سعة رزقه وعيشه. المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في ~~طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من ~~طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا في الدنيا ~~وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع ~~الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله سبحانه عنه بقوله: ومن يخرج ~~من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله قال ~~بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر ~~تمام العمل فمحال. والصحيح أن المراد من قصد طاعة # PageV02P481 # ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المريض إذا عجز عما كان يفعله ~~من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ» . # وأيضا من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك ~~القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب. وأيضا لا تكون الآية جوابا عن قول ~~الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجرا. قالت المعتزلة: في الآية ~~دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط. قال ~~تعالى: فإذا وجبت جنوبها [الحج: 36] أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة «على» ~~يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع البتة لكن بحكم ~~الوعد والعلم والتفضل والكرم. واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، ~~إذا مات في الطريق وجب ms1476 سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، ورد بأن قسم الغنيمة ~~يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر. وكان الله غفورا رحيما يغفر ما كان منه من ~~القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين. ومما يفتقر المجاهد إليه ~~معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم ~~قال: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة يقال: قصر ~~صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى. # ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلا أنه ليس صريحا في أن التخفيف في كمية ~~الركعات أو كيفية أدائها. والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل ~~صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في ~~السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: فرض الله صلاة ~~الحضر أربعا، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم. وعنه ~~أيضا أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال ~~من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيماء مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا ~~الرأي بقوله: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فإن خوف فتنة العدو لا يزول ~~فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما. ~~حجة الجمهور ما # روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا ~~وقال الله تعالى: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم؟ فقال عمر: ~~عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته. # فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده # حديث ذي اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» # وأيضا القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فجمل الكلام على ما ~~لا يلزم منه التكرار أولى. أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت ~~على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم وأكثرها لم يخل عن خوف قتال ~~الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز ms1477 القصر في حالة الأمن ولا ~~في حالة الخوف بسبب آخر، على أن # PageV02P482 # كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة. ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص ~~السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: فلا جناح عليكم مشعر بعدم الوجوب، ~~ولما # روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت. ~~وأتممت وصمت وأفطرت. فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي. # وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه. وقال أبو حنيفة: ~~القصر واجب فإن صلى المسافر أربعا ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما # روي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ~~ركعتين، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فاقبلوا صدقته» «1» # وظاهر الأمر للوجوب. وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في ~~السفر وزيدت في الحضر. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: # فليس عليكم جناح أن تقصروا قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن ~~يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم ~~بالقصر ويطمئنوا إليه. وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال ~~الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر ~~وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسدا لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال ~~عاقل. وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعا لا على أن الإتمام غير ~~جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق ~~عليه لفظ القصر. ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في ~~القصر لإطلاق قوله: وإذا ضربتم في الأرض وجمهور الفقهاء على أن السفر ~~المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في ~~يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر. وقال أنس بن مالك: ~~المعتبر خمسة ms1478 فراسخ. وقال الحسن: مسيرة ليلتين. وقال الشعبي والنخعي وسعيد ~~بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام. وهو قول أبي حنيفة قياسا ~~على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عولوا على ما # روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان. # والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي ~~أربعة PageV02P483 # آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة. قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه ~~الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر. وقال ~~أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في ~~المسألة دليلا قويا فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. إن الكافرين كانوا لكم ~~عدوا مبينا يريد أن العداوة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر ~~منهم. ### | التأويل: # ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلا أن يكون قتل خطأ وذلك أن ~~الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور ~~بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة ~~فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، ~~وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد ~~روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقا ~~ميتا بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكا. وكان قتله خطأ ~~لأنه ما كان مقصودا بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل ~~النفس الكافرة. من قتل مؤمنا أي قلبا مؤمنا: فتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة ~~السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ودية مسلمة إلى أهله ~~يعني يسلم العاقلة- وهو الله تعالى- دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف ~~الحميدة الروحانية من جمال ms1479 كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقا ربانية ~~إلا أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية ~~والشيطانية فإن كان القتيل بالتجلي من قوم عدو لكم أي من صفات النفس وهو ~~مؤمن أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ~~فتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولا دية لأهل ~~القتيل. وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهم صفات النفس وميثاقها قبول ~~أحكام الشرع ظاهرا وترك المحاربة مع القلب وأوصافه فدية مسلمة على عاقلة ~~الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: إلا ~~ما رحم ربي [يوسف: 53] وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن ~~رقة الكونين. فمن لم يجد رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن ~~تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: فصيام شهرين متتابعين أي فعليه ~~الإمساك عن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقبا قلبه لا يدخله شيئا ~~من الدنيا والآخرة مراعيا وقته. فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف ~~الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى. قال قائلهم: # PageV02P484 # لقد صام طرفي عن شهود سواكم ... وحق له لما اعتراه نواكم # يعيد قوم حين يبدو هلالهم ... ويبدو هلال الصب حين يراكم # توبة من الله جذبة منه. ومن يقتل مؤمنا متعمدا أي النفس الكافرة إذا قتلت ~~قلبا مؤمنا متعمدا للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ~~فجزاؤه جهنم وهي سفل عالم الطبيعة. إذا ضربتم في سبيل الله بقدم السلوك حتى ~~صار الإيمان إيقانا والإيقان إحسانا والإحسان عيانا والعيان عينا والعين ~~شهودا والشهود شاهدا والشاهد مشهودا وهذا مقام الشيخوخة فتبينوا عن حال ~~المريد في الرد والقبول. ولا تقولوا له لست مؤمنا صادقا ولا تنفروه ~~بالتشديدات والتصرف في النفس والمال تبتغون عرض الحياة الدنيا أي تهتمون ~~لأجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه. كذلك كنتم ضعفاء في الصدق والطلب ~~محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة فمن الله ms1480 عليكم بصحبة المشايخ وقبولهم ~~إياكم. إن الذين توفاهم الملائكة هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ~~فيم كنتم في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي ~~واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟ أكنتم ~~تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟ مستضعفين عاجزين ~~لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ألم تكن أرض الله أي أرض القلب واسعة ~~فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية لا يستطيعون حيلة في ~~الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ولا يهتدون سبيلا إلى صاحب ولاية ~~وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص وهم السابقون ~~بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر. ومن يهاجر عن بلد البشرية في ~~طلب حضرة الربوبية يجد في أرض الإنسانية مراغما متحولا ومنازل مثل القلب ~~والروح والسر وسعة في تلك العوالم من رحمة الله: ورحمتي وسعت كل شيء ~~[الأعراف: 6] «لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» فافهم ~~يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجل وأكبر. # PageV02P485 ### | [سورة النساء (4) : الآيات 102 الى 113] # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ~~وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (102) ~~فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103) ولا تهنوا ~~في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ~~ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله ~~إن الله كان غفورا رحيما (106) # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا ms1481 يحب من كان خوانا أثيما ~~(107) يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى ~~من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ~~(109) ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~(110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~(112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا ~~أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن ~~تعلم وكان فضل الله عليك عظيما (113) ### | القراءات: # عن أسلحتكم وأمتعتكم عباس بالاختلاس. اطمأننتم وبابه بغير همز: # أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. بريا ~~بالتشديد: يزيد والشموتي وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # من ورائكم ج. وأسلحتهم ط لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. # واحدة ط أسلحتكم ج حذركم ط مهينا ه وعلى جنوبكم ط للابتداء بإذا الشرطية ~~مع الفاء. الصلاة ج لاحتمال فإن أو لأن. موقوتا ه القوم ط كما تألمون لا ~~لاحتمال الواو الاستئناف أو الحال: ما لا يرجون ط حكيما ه أراك الله ط لأن ~~ما بعده استئناف. خصيما ه لا للعطف واستغفر الله ط رحيما ه للآية مع العطف. ~~أنفسهم # ط أثيما # ه ج لاحتمال ما بعد الوصف. من القول # ط محيطا # ه ط وكيلا # ه رحيما # ه على نفسه # ط حكيما # ه مبينا # ه يضلوك # ط من شيء # ط تعلم # ط عظيما # ه. ### | التفسير: # قال أبو يوسف والحسن بن زياد: صلاة الخوف كانت خاصة للرسول صلى الله عليه ~~وسلم # PageV02P486 # ولا تجوز لغيره لقوله تعالى: وإذا كنت فيهم ولأن تغيير هيئة الصلاة أمر ~~على خلاف الدليل إلا أنا جوزنا ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لفضيلة ~~الصلاة خلفه فينبغي لغيره على المنع. # وجمهور الفقهاء ms1482 على أنها عامة لأن أئمة الأمة نواب عنه في كل عصر ألا ترى ~~أن قوله: # خذ من أموالهم صدقة [التوبة: 103] لم يوجب كون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مخصوصا به دون أئمة أمته؟ وذهب المزني إلى نسخ صلاة الخوف محتجا بأنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يصلها في حرب الخندق، وأجيب بأن ذلك قبل نزول الآية. # عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقي ~~المشركين بعسفان، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فرأوه يركع ~~ويسجد هو وأصحابه قال بعضهم لبعض: كأن هذا فرصة لكم لو أغرتم عليهم ما ~~علموا بكم حتى تواقعوهم. فقال قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم ~~من أهليهم وأموالهم فاستعدوا حتى تغيروا عليهم فيها فأنزل الله عز وجل على ~~نبيه: وإذا كنت فيهم إلى آخر الآية # أما شرح صلاة الخوف فهو أن الإمام يجعل القوم طائفتين ويصلي بإحداهما ~~ركعة واحدة، ثم إذا فرغوا من الركعة سلموا منها ويذهبون إلى وجه العدو ~~وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام ركعة أخرى ويسلم. وهذا مذهب من يرى ~~صلاة الخوف ركعة فللإمام ركعتان وللقوم ركعة، وهذا مروي عن ابن عباس وجابر ~~بن عبد الله ومجاهد. وقال الحسن البصري: إن الإمام يصلي بتلك الطائفة ~~ركعتين ويسلم، ثم تذهب تلك الطائفة إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الأخرى ~~فيصلي الإمام بهم مرة أخرى ركعتين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببطن ~~نخل. وليس في هذه الصلاة إلا اقتداء مفترض بمتنفل، فإن الصلاة الثانية ~~نافلة للإمام لا محالة. وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء. وقال الشافعي إن ~~كان العدو في جهة القبلة صلى الإمام بجميع العسكر إلى الاعتدال عن ركوع ~~الركعة الأولى، فإذا حان وقت السجدة حرست فرقة إما صف أو فرقة من صف إلى أن ~~يفرغ الإمام وغير الحارسة من السجدتين، فإذا فرغ الإمام منهما سجدت الفرقة ~~الحارسة ولحقت به حيث أمكنها، وإذا سجد الإمام الركعة الثانية حرست فرقة ~~إما الفرقة ms1483 الحارسة في الركعة الأولى أو الفرقة الأخرى وهذه أولى. فإذا فرغ ~~الإمام من السجود سجدت الحارسة ولحقت بالإمام في التشهد ليسلم بهم. # وليس في هذه الصلاة إلا التخلف عن الإمام بأركان السجدتين والجلسة ~~بينهما، واحتمل لحاجة الخوف وظهور العذر وبمثله صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعسفان، وأما إن لم يكن العدو في وجه القبلة أو كانوا بحيث ~~يمنعهم شيء من أبصار المسلمين صلى الإمام في الثنائية كالصبح أو الرباعية ~~المقصورة بكل فرقة ركعة، وذلك أن ينحاز الإمام بفرقة إلى حيث لا تبلغهم ~~سهام العدو فيصلي بهم ركعة، فإذا قام إلى الثانية انفردوا بها وسلموا ~~وأخذوا مكان، إخوانهم في الصف، وانحاز الصف المقاتل إلى الإمام وهو ينتظر ~~لهم واقتدوا به في # PageV02P487 # الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية ولحقوا به قبل السلام ~~وسلم بهم، # وهذه صلاة ذات الرقاع رواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل بن أبي حثمة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو حنيفة: ويروى عن ابن عمر وابن مسعود أن الطائفة الأولى يصلي بهم ~~الإمام ركعة ويعودون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم بقية ~~الصلاة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الأولى فيقضون بقية صلاتهم ~~بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية ~~صلاتهم بقراءة. والفرق أن الطائفة الأولى أدركت أول الصلاة فهي في حكم من ~~خلف الإمام، وأما الثانية فلم تدرك أول الصلاة والمسبوق فيما يقضي كالمنفرد ~~في صلاته. ولا خلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى بهذه الصلاة ~~في أوقات مختلفة بحسب المصالح، وإنما وقع الاختلاف بين الفقهاء في أن ~~الأفضل والأشد موافقة لظاهر الآية أي هذه الأقسام. فقال الواحدي: ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلت عند إتيان الثانية ~~كما هو مذهب الشافعي. وأما عند أبي حنيفة فالطائفة الثانية تأتي والأولى ~~بعد في الصلاة وما فرغوا منها. وأيضا قوله: فليصلوا معك ظاهره يدل على أن ms1484 ~~جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام. قال أصحاب أبي حنيفة: فإذا سجدوا ~~فليكونوا من ورائكم يدل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة ولكنهم ~~يصلون ركعة ثم يكونون من وراء الطائفة الثانية للحراسة. أجاب الواحدي بأن ~~هذا إنما يلزم إذا جعلنا السجود والكون من ورائكم لطائفة واحدة، لكن السجود ~~للأولى والكون من الوراء الذي بمعنى الحراسة للطائفة الثانية، أو معنى ~~سجدوا صلوا وحينئذ لا يبقى إشكال وأيضا الذي اختاره الشافعي أحوط لأمر ~~الحرب فإنها أخف على الطائفتين جميعا والحراسة خارج الصلاة أهون وليس فيها ~~ما في غيرها من زيادة الذهاب والرجوع وكثرة الأفعال والاستدبار، وليس فيها ~~إلا الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وذلك جائز على الأصح في الأمن ~~أيضا، وإلا انتظار الإمام بالطائفة الثانية مرتين وإن كانت الصلاة مغربا ~~فيصلي بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة ويجوز العكس. وإن كانت رباعية فيصلي ~~بكل طائفة ركعتين، ويجوز أن يفرقهم أربع فرق إن مست الحاجة إليه بأن لا ~~يكفي نصف المسلمين لعدوهم. واعلم أن الصلاة على الوجه المشروع ليست عزيمة ~~بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فيصلي بالآخرين أو صلى بعضهم أو كلهم ~~منفردين جاز، لكن كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمحون بترك فضيلة ~~الجماعة ويتنافسون في الاقتداء به فأمره الله تعالى بترتيبهم هكذا لتحوز ~~إحدى الطائفتين فضيلة التكبير معه، والأخرى فضيلة التسليم معه. فالخطاب في ~~قوله: وإذا كنت للنبي صلى الله عليه وسلم أي إذا كنت أيها النبي مع ~~المؤمنين في غزواتهم وخوفهم فأقمت لهم # PageV02P488 # الصلاة # فاجعلهم طائفتين: فلتقم طائفة منهم معك فصل بهم وليأخذوا أسلحتهم فإن كان ~~الضمير لغير المصلين فلا كلام، وإن كان للمصلين فليأخذوا من السلاح ما لا ~~يشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ويحتمل أن يكون أمرا للفريقين بحمل ~~السلاح لأن ذلك أقرب إلى الاحتياط. ثم قال للطائفة الثانية: وليأخذوا حذرهم ~~فكأنه جعل الحذر والتيقظ آلة يستعملها الغازي. وفيه رحمة للخائف في الصلاة ~~بأن يجعل بعض فكره في غير الصلاة. وإنما أمر هذه الطائفة ms1485 بأخذ الحذر ~~والأسلحة جميعا لأن العدو قلما يتنبه في أول الصلاة لكون المسلمين في ~~الصلاة بل يظنونهم قياما للمحاربة، وأما في الركعة الثانية فيظهر لهم ذلك ~~من ركوعهم وسجودهم الأولين فربما ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم كما ذكرنا ~~في سبب النزول، فلا جرم خص الله تعالى هذا الموضع بزيادة تحذير ميلة واحدة ~~شدة واحدة. ثم رخص لهم في وضع السلاح إذا أصابه بلل المطر فيسود وتفسد حدته ~~وجدته أو يثقل على المرء إذا كان محشوا، وحين كان الرجل مريضا فيشق عليه ~~حمل السلاح ولكنه أعاد الأمر بأخذ الحذر لأن الغفلة عن كيد العدو لا تجوز ~~بكل حال. قال بعض العلماء أخذ السلاح في صلاة الخوف سنة مؤكدة والأصح أنه ~~واجب لأن ظاهر الأمر للوجوب، ولأن رفع لجناح عند العذر ينبىء عن وجود ~~الجناح في غير ذلك الوقت لكن الشرط أن لا يحمل سلاحا فحسب أن أمكنه، ولا ~~يحمل الرمح إلا في طرف الصف. وبالجملة بحيث لا يتأذى به أحد وفي هذا دليل ~~على أنه كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي بصلاة الخوف على جهة ~~يكون بها حاذرا غير غافل عن كيد العدو، فلا يكون شيء من الروايات الواردة # فيها على خلاف نص القرآن وكما أن الآية دلت على وجوب الحذر عن العدو كذلك ~~تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنون، وبهذا الطريق كان الإقدام على ~~العلاج بالدواء والاحتراز عن الوباء في الجلوس تحت الجدار المائل واجبا. ~~قالت المعتزلة: لو لم يكن العبد قادرا على الفعل والترك، وعلى جميع وجوه ~~الحذر لم يكن للأمر بالحذر فائدة. والجواب أنا لا ننكر الأسباب لكنا ندعي ~~انتهاء الكل إلى مسببها ولهذا ختم الآية بقوله: إن الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا ليعلموا أنه تعالى رتب على هذا الحذر كون الكفار مخذولين مقهورين ~~وكان كما أخبر. أما قوله: فإذا قضيتم الصلاة ففيه قولان: الأول فإذا قضيتم ~~صلاة الخوف فواظبوا على ذكر الله في جميع الأحوال فإن ما أنتم عليه من ~~الخوف والحرب ms1486 جدير بذكر الله وإظهار الخشوع واللجا إليه. الثاني أن المراد ~~بالذكر الصلاة أي صلوا قياما حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعودا ~~جاثين على الركب حال اشتغالكم بالرمي، وعلى جنوبكم مثخنين بالجراح. وأورد ~~على هذا القول أن الذكر بمعنى الصلاة مجاز وأن المعنى يصير حينئذ: فإذا ~~قضيتم الصلاة فصلوا وفيه بعد اللهم إلا أن يقال: المراد فإذا أردتم قضاء ~~الصلاة فصلوا في # PageV02P489 # شدة التحام القتال. # واعلم أن الآية مسبوقة بحكمين: أحدهما بيان القصر في صلاة المسافر ~~والثاني بيان صلاة الخوف. فقوله: فإذا اطمأننتم يحتمل أن يراد به فإذا صرتم ~~مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر البتة، ويحتمل أن يراد فإذا زال ~~الخوف وحصل سكون القلب فأقيموا الصلاة التي كنتم تعرفونها من غير تغيير شيء ~~من هيئاتها إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي مكتوبة موقوتة ~~محدودة بأوقات لا يجوز إخراجها عنها ولو في شدة الخوف، وفيه دليل للشافعي ~~في إيجابه الصلاة على المحارب في حال المسايفة والاضطراب في المعركة إذا ~~حضر وقتها. وعند أبي حنيفة هو معذور في تركها إلى أن يطمئن. وأوقات الصلاة ~~الخمس مشهورة وقد يستدل عليها بقوله: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~[البقرة: 238] فإن الوسطى يجب أن تكون مغايرة للصلوات لئلا يلزم التكرار ~~فهي زائدة على الثلاث، ولو كان الواجب أربعا لم يوجد لها وسطى فإذا أقلها ~~خمس وسيجيء آيات أخر دالة على الأوقات الخمس كقوله: وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل [هود: 114] أقم الصلاة لدلوك الشمس [الإسراء: 78] ~~وسنشرحها إن شاء الله تعالى في مواضعها. قال المحققون: إن للإنسان خمس ~~مراتب: سن النمو إلى تمام سن الشباب، وسن الوقوف وهو أن يبقى ذلك الشخص على ~~صفة كماله من غير زيادة ولا نقصان، وسن الكهولة ويظهر فيها نقصان خفي في ~~الإنسان، وسن الشيخوخة ويظهر فيها نقصانات جلية فيه إلى أن يموت ويهلك. ~~وأما المرتبة الخامسة فهي أخباره وآثاره إلى أن يندرس وينطمس ويصير كأن لم ~~يكن، وكذا الشمس إذا ظهر سلطانها من المشرق لا يزال يزداد ضياؤها ms1487 إلى طلوع ~~جرمها، ثم يزداد ارتفاعها شيئا بعد شيء إلى أن يبلغ وسط السماء، ثم يظهر ~~فيها نقصانات خفية من الانحطاط وضعف النور والحر إلى وقت العصر حين يصير ظل ~~كل شيء مثله، ثم تظهر النقصانات الجلية إلى أن يصير في زمان لطيف ظل كل شيء ~~مثليه، ثم أزيد إلى أن تغرب، ثم يبقى أثرها في أفق المغرب وهو الشفق، ثم ~~ينمحي حتى يصير كأن الشمس لم توجد قط. فهذه الأحوال الخمس أمور عجيبة لا ~~يقدر عليها إلا خالقها وخالق جميع الأشياء، وموافقة لأسنان الإنسان فلهذا ~~تعينت أوقاتها للعبادة والإقبال على المعبود الحق تعالى جده. ثم عاد إلى ~~الحث على الجهاد فقال: ولا تهنوا في ابتغاء القوم لا تضعفوا في طلب الكفار ~~بالقتال والتعرض لهم بما يقلقهم. ثم ألزمهم الحجة بقوله: إن تكونوا تألمون ~~والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم ولكم مع ذلك رجاء الثواب على ~~الجهاد دونهم لأنهم ينكرون المعاد فأنتم أولى بالصبر على القتال # PageV02P490 # والحد فيه منهم، ويحتمل أن يراد بهذا الرجاء ما وعدهم الله من النصر ~~والغلبة على سائر الأديان، أو يراد أنكم تعبدون الإله العالم القادر السميع ~~البصير الذي يصح أن يرجى منه، وأنهم يعبدون الأصنام التي لا خيرهن يرجى ولا ~~شرهن يخشى. ويروى أن هذا في بدر الصغرى كان بهم جراح فتواكلوا. وكان الله ~~عليما حكيما لا يكلفكم إلا ما فيه صلاح لكم في دينكم ودنياكم. ثم رجع إلى ~~ما انجر منه الكلام وهو حديث المنافقين، وفيه أن الأحكام المذكورة كلها ~~بإنزال الله تعالى وليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلبا لرضا قومه، وفيه ~~أن كفر الكافر لا يبيح المساهلة في النظر له وإن كان يجوز الجهاد معه بل ~~الواجب أن يحكم له وعليه بما أنزله تعالى على رسوله. # قال أكثر المفسرين: إن رجلا من الأنصار- يقال له طعمة بن أبيرق أحد بني ~~ظفر بن الحرث- سرق درعا من جار له- يقال له قتادة بن النعمان- وجرابا فيه ~~دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب ms1488 حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر ~~الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود- يقال له زيد بن السمين- فالتمست الدرع ~~عند طعمة فلم توجد عنده وحلف لهم والله ما أخذها وما له بها من علم فتركوه ~~واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلى ~~طعمة وشهد له ناس من اليهود. فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم ~~تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يفعل وكان هواه صلى الله عليه وسلم معهم وأن يعاقب اليهودي. # وقيل: هم أن يقطع يده فأنزل الله تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~الآيات إلى قوله: ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا وفي الآية دليل على أن ~~طعمة وقومه كانوا منافقين وإلا لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ~~نصرة الباطل وإلحاق السرقة باليهودي. قال أبو علي: قوله: بما أراك الله ليس ~~منقولا بالهمزة من رؤية البصر لأن حكم الحادثة لا يرى بالبصر ولا من رؤية ~~القلب وإلا لاقتضى ثلاثة مفاعيل وليس في الآية إلا اثنان: أحدهما الكاف ~~والآخر الضمير العائد المحذوف فهو إذن بمعنى الاعتقاد معناه بما علمك الله. ~~وسمى ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا ~~مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: لا يقولن أحدكم قضيت بما ~~أراني الله فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه والرأي منا ظن وتكلف. قال بعض ~~العلماء: في الآية دلالة على أنه ما كان يحكم إلا بالوحي والنص، وأن ~~الاجتهاد ما كان جائزا له صلى الله عليه وسلم وحينئذ يجب أن يكون حال الأمة ~~كذلك لقوله: فاتبعوه [الأنعام: 153] وأجيب بأن العمل بالقياس عمل بالنص ~~أيضا وكأنه تعالى قال: مهما غلب على ظنك أن حكم الصورة المسكوت عنها مثل ~~حكم الصورة المنصوص عليها بسبب أمر # PageV02P491 # جامع بين الصورتين، فاعلم أن تكليفي في حقك ms1489 أن تعمل بموجب ذلك الظن. ولا ~~تكن للخائنين أي لأجلهم يريد بني ظفر وهم قوم طعمة خصيما مخاصما وأصله من ~~الخصم بالضم والسكون وهو ناحية الشيء وطرفه، وكأن كل واحد من الخصمين في ~~ناحية من الحجة والدعوى. قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء صلى الله عليه ~~وسلم: لولا أن الرسول أراد أن يخاصم لأجل الخائن ويذب عنه لما ورد النهي ~~عنه ولما أمر صلى الله عليه وسلم بالاستغفار. والجواب أن النهي عن الشيء لا ~~يقتضي كون المنهي مرتكبا للمنهي عنه، بل ثبت في الرواية أن قوم طعمة لما ~~التمسوا منه صلى الله عليه وسلم أن يذب عن طعمة ويلحق السرقة باليهودي توقف ~~وانتظر الوحي، ولعله أمر بالاستغفار لأنه مال طبعه إلى نصرة طعمة بسبب أنه ~~كان في الظاهر من المسلمين وحسنات الأبرار سيئات المقربين، أو لعل القوم ~~شهدوا بسرقة اليهودي وبراءة طعمة ولم يظهر للرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~يوجب القدح في شهادتهم، فهم بالقضاء على اليهودي فأطلعه الله تعالى على ~~مصدوق الحال، أو لعل المراد واستغفر لأولئك الذين يذبون عن طعمة ثم قال: # ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # يعني طعمة ومن عاونه من قومه ممن علموا كونه سارقا. والاختيان كالخيانة ~~يقال: خانه واختانه، والعاصي خائن نفسه لأنه يحرم نفسه الثواب ويوصلها إلى ~~العقاب. إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما # قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك ~~السرقة. وإنما ورد البناءان على المبالغة والعموم ليتناول طعمة وكل من خان ~~خيانة فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه لأن الله لا يحبه. وأيضا كان الله ~~عالما من طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب الإثم. # وروي أنه هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه ~~فقتله، ومن كانت تلك خاتمة أمره لا يشك في حاله. # وقالت العقلاء: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر ~~أنه أمر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكي وتقول: هذه ms1490 أول سرقة سرقها فاعف عنه. ~~فقال: كذبت إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة. وفي الآية دليل على أن من ~~كان قليل الخيانة والإثم لم يكن في معرض السخط من الله. يستخفون # يستترون من الناس حياء منهم وخوفا من ضررهم ولا يستخفون من الله # أي لا يستحيون منه لأن الاستخفاء لازم الاستحياء وهو معهم بالعلم والقدرة ~~والرؤية وكفى هذا زاجرا للإنسان عن المعاصي. إذ يبيتون # يدبرون ما لا يرضى من القول # وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ليسرق دونه ويحلف ببراءته ~~وتسمية التدبير وهو معنى في النفس قولا ليس فيها إشكال عند القائلين ~~بالكلام النفسي، وأما عند غيرهم فمجاز، أو لعلهم اجتمعوا في الليل ورتبوا ~~كيفية المكر فسمى الله تعالى كلامهم ذلك بالقول المبيت الذي لا يرضاه الله، ~~أو المراد بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته ها أنتم هؤلاء # ها للتنبيه في أنتم # PageV02P492 # وأولاء وهما مبتدأ وخبر وقوله: جادلتم عنهم # جملة موضحة للأولى كما يقال للسخي: # أنت حاتم تجود بمالك. أو المراد أنتم الذين جادلتم والخطاب لقوم مؤمنين ~~كانوا يذبون عن طعمة وقومه لأنهم في الظاهر مسلمون. والمعنى: هبوا أنكم ~~خاصمتم عن طعمة وقومه في الدنيا فمن الذي يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم ~~الله بعذابه أم من يكون عليهم وكيلا # حافظا ومحاميا عن عذاب الله. وهذا الاستفهام معطوف على الأول وكلاهما ~~للإنكار والتقريع. # ثم أردف الوعيد بذكر التوبة فقال: ومن يعمل سوءا # قبيحا متعديا يسوء به غيره كما فعل طعمة بقتادة واليهودي أو يظلم نفسه # بما يجازي به كالحلف الكاذب. وإنما خص ما يتعدى إلى الغير باسم السوء لأن ~~إيصال الضرر إلى الغير سوء حاضر بخلاف الذي يعود وباله إلى فاعله فإن ذلك ~~في الأكثر لا يكون ضررا عاجلا، لأن الإنسان لا يوصل الضرر إلى نفسه. وقد ~~يستدل بإطلاق الآية على أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب وإن كان كفرا أو ~~قتلا عمدا أو غصبا للأموال، بل على أن مجرد الاستغفار كاف. ms1491 وعن بعضهم أن ~~الاستغفار لا ينفع مع الإصرار فلابد من اقترانه بالتوبة يجد الله غفورا ~~رحيما # أي له فحذف هذا الرابط لدلالة الكلام عليه لأنه لا معنى للترغيب في ~~الاستغفار إلا إذا كان المراد ذلك. وقيل: ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك ~~أو يظلم نفسه بالشرك، وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة ~~مع العلم بما يكون منه، أو بعث لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه. ومن ~~يكسب إثما # لكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة ولذلك لم يجز وصف الباري تعالى ~~بذلك. والمقصود منه ترغيب العاصي في الاستغفار وكأنه قال: الذنب الذي أتيت ~~به إنما يعود وباله وضرره إليك لا إلي فإني منزه عن النفع والضر، ولا تيأس ~~من قبول التوبة. # وكان الله عليما حكيما # تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب ما علمه منه. ومن يكسب خطيئة # صغيرة وإثما # كبيرة وقيل: الخطيئة الذنب القاصر على فاعله والإثم هو الذنب المتعدي إلى ~~الغير كالظلم والقتل. وقيل الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو ~~الخطأ، والإثم ما حصل بسبب العمد. ثم يرم به # أي بأحد المذكورين أو بالإثم أو بذلك الذنب لأن الخطيئة في معنى الذنب، ~~أو بذلك الكسب بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا # لأنه بكسب الإثم أثيم وبرمي البريء باهت فهو جامع بين الأمرين، فلا جرم ~~يلحقه الذم في الدارين. ولولا فضل الله عليك ورحمته # ولولا أن خصك الله الفضل وهو النبوة وبالرحمة وهي العصمة لهمت طائفة منهم # من بني ظفر أو طائفة من الناس والطائفة بنو ظفر أن يضلوك # عن القضاء الحق والحكم العدل وما يضلون إلا أنفسهم # بسبب تعاونهم على # PageV02P493 # الإثم والعدوان وشهادتهم بالزور والبهتان لأن وباله عليهم وما يضرونك من ~~شيء # لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما أمرت الأنبياء إلا بالأحكام على الظواهر، ~~أو هو وعد بإدامة العصمة له مما يريدون في الاستقبال من إيقاعه في الباطل. ~~ثم أكد الوعيد بقوله: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # أي إنه ms1492 لما أمرك بتبليغ الشريعة إلى الخلق فكيف يليق بحكمته أن لا يعصمك ~~عن الوقوع في الشبهات والضلالات؟ وعلى الأول يكون المراد أنه أوجب في ~~الكتاب والحكمة بناء أحكام الشرع على الظاهر فكيف يضرك بناء الأمر عليه ~~وعلمك ما لم تكن تعلم # من أخبار الأولين. فيه معنيان: أحدهما أن يكون كما قال: ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] أي أنزل الله عليك الكتاب والحكمة وأطلعك ~~على أسرارهما وأوقفك على حقائقهما مع أنك ما كنت قبل ذلك عالما بشيء منهما، ~~فكذلك يفعل بك في مستأنف أيامك حتى لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك. # الثاني أن يكون المراد منها خفيات الأمور وضمائر القلوب أي علمك ما لم ~~تكن تعلم من أخبار الأولين، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين ووجوه مكايدهم ما ~~تقدر على الاحتراز منهم وكان فضل الله عليك عظيما # فيه دليل ظاهر على شرف العلم حيث سماه عظيما وسمى متاع الدنيا بأسرها ~~قليلا. ### | التأويل: # الصلاة صورة جذبة الحق ومعراج العبد فلهذا فرضت في الخوف والأمن وشدة ~~القتال والسفر والحضر والصحة والمرض ليكون العبد مجذوب العناية على الدوام ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة أي أدمتها لهم لأن النظر إليك عبادة كما أن ~~الصلاة عبادة، وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فإنك تنهاهم عن ~~الفحشاء والمنكر فلتقم طائفة هم الخواص منهم أي من عوامهم معك أي مع الله ~~لأنك مع الله كقوله: لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] وليأخذوا يعني ~~طائفة من بقية القوم أسلحتهم من الطاعات والعبادات دفعا لعدو النفس ~~والشيطان فإذا سجدوا يعني من معك ونزلوا مقامات القرب فليكونوا أي هؤلاء ~~القوم من ورائكم في المرتبة والمقام والمتابعة يحفظونكم باشتغالهم بالأمور ~~الدنيوية لحوائجكم الضرورية للإنسان. ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك في الصحبة فليصلوا معك في الوصلة وليأخذوا حذرهم وهو آداب الطريقة ~~وأسلحتهم وهي أركان الشريعة ود الذين كفروا هم عدو النفس وصفاتها إن كان ~~بكم أذى من مطر يعني أشغال الدنيا وضروريات حوائج الإنسان يمطر عليكم ms1493 في ~~بعض الأوقات أن تضعوا أسلحة الطاعة والأركان ساعة فساعة. وخذوا حذركم من ~~التوجه إلى الحق ومراقبة الأحوال وحفظ القلب وحضوره مع الله وخلو السر # PageV02P494 # عن الالتفات لغير الله ورعاية التسليم والتفويض إلى الله والاستمداد من ~~همم أعاظم الدين والالتجاء إلى ولاية النبوة إن الله أعد بهذه الأسباب ~~للكافرين من كفار النفس والشيطان عذابا مهينا فإذا قضيتم الصلاة المكتوبة ~~فاذكروا الله في جميع حالاتكم إن الصلاة كانت في الأزل على المؤمنين كتابا ~~موقوتا مؤقتا إلى الأبد كما أشار إليه بقوله: إنا فتحنا لك [الفتح: 1] أي ~~بابا من القدم إلى الحدوث ليغفر لك الله [الفتح: 2] بما فتح عليك ما تقدم ~~في الأزل من ذنبك [الفتح: 2] بأن لم تكن مصليا وما تأخر [الفتح: 2] من ذنبك ~~بأن لا تكون مصليا ويتم نعمته عليك [الفتح: 2] بأن يجعل سيئاتك وهي عدم ~~صلاتك في الأزل أو الأبد مبدلة بالحسنات وهي الصلاة المقبولة من الأزل إلى ~~الأبد ويهديك صراطا مستقيما من الأزل إلى الأبد ومن الأبد إلى الأزل. ولا ~~تهنوا في ابتغاء القوم النفس وصفاتها إن تكونوا تألمون في الجهاد بعناء ~~الرياضات والعبادات فإنهم يألمون في طلب اللذات والشهوات كما تألمون وترجون ~~من الله العواطف الأزلية والعوارف الأبدية ما لا يرجون لأن همم النفس ~~الدنية لا تجاوز قصورها الدنية المجازية الفانية بما أراك الله حين أوحى ~~إليك بلا واسطة ما أوحى وأراك آياته الكبرى. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 126] # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (116) إن يدعون من دونه إلا ~~إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا (118) # ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم ms1494 فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ~~ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون ~~عنها محيصا (121) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا (123) # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء محيطا (126) # PageV02P495 ### | القراآت: # يؤتيه بالياء: أبو عمرو وحمزة وخلف وقتيبة وسهل. الباقون بالنون. # نوله ونصله مثل يؤده [آل عمران: 75] . يدخلون بضم الياء وفتح الخاء وكذلك ~~في «مريم» و «حم المؤمن» : أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر ~~وحماد. الآخرون بالعكس. إبراهام وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى ~~الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان. ### | الوقوف: # بين الناس ط عظيما ه جهنم ط مصيرا ه لمن يشاء ط بعيدا ه إناثا ج لابتداء ~~النفي مع واو العطف. مريدا لا لأن ما بعده صفة له. # لعنه الله م لأن قوله: وقال غير معطوف على لعنه. مفروضا ه لا للعطف خلق ~~الله ط مبينا ط كيلا يصير يعدهم وصفا للخسران. ويمنيهم ط غرورا ه محيصا ه ~~أبدا ط حقا ط قيلا ه الكتاب ط يجز به لا للعطف. نصيرا ه نقيرا ه حنيفا ط ~~خليلا ه وما في الأرض ط محيطا ه. ### | التفسير: # ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول. # والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجوا أي ساررته وكذلك ~~ناجيته. قال الفراء: قد تكون النجوى اسما ومصدرا، والآية وإن نزلت في ~~مناجاة بعض قوم ms1495 ذلك السارق بعضا إلا أنها في المعنى عامة. والمراد أنه لا ~~خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث. إلا من أمر بصدقة وفي محل ~~«من» وجوه مبنية على معنى النجوى. فإن كان النجوى السر جاز أن يكون «من» في ~~موضع النصب لأنه استثناء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلا أواري ومعناه لكن من ~~أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: # إلا اليعافير وإلا العيس. وأبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلا ~~نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلا ~~قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه. وإن كان النجوى ~~بمعنى ذوي نجوى كقوله: وإذ هم نجوى [الإسراء: 47] كان محله أيضا مجرورا من ~~كثير أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد إن شئت ~~أتبعت زيدا الجماعة وإن شئت أتبعته القوم. وإنما قال: لا خير في كثير مع ~~أنه يصدق الحكم كليا بدليل # قوله صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه # PageV02P496 # لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر» «1» # أو ذكر الله استجلابا للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال ~~المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر ~~بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية ~~فهو الأمر بالمعروف. والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة ~~على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في ~~الظاهر إلا أنها لا تقع في حيز القبول إلا إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا ~~يكون من زمرة أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [البقرة: 44] لم تقولون ما ~~لا تفعلون [الصف: 1] وإلا إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ويمكن ms1496 أن يقال: # إن معنى ومن يفعل الأمر والمراد أو؟؟؟ من يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأن ~~الأمر فعل من الأفعال. والمراد بقوله: من أمر من فعل لأن الأمر يلزمه الفعل ~~غالبا. ثم قال: ومن يشاقق الرسول قال الزجاج: إن طعمة كان قد تبين له بما ~~أظهر الله من أمره ما دله على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعادى ~~الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين ~~الموحدين وسبيلهم. ومعنى نوله ما تولى نجعله واليا لما اختاره لنفسه ونكله ~~إلى ما توكل عليه. قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق ~~المرتد. والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ونصله جهنم نلزمه إياها وساءت ~~مصيرا هي. وانتصب مصيرا على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود ~~إلى ما في الذهن لا إلى المذكور. يحكى أن الشافعي سئل عن آية في كتاب الله ~~دالة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية. ~~ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه تعالى جمع بين اتباع ~~غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل ~~المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو ~~النقيضين. فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة ~~الرسول. وفي الآية دلالة على وجوب عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى وجوب ~~الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلا وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها ~~في الكل. قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلا بالنظر ~~والاستدلال لأن الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبين العلم لكنه رتب ~~الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبرا في صحة ~~الدين. وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوة ~~PageV02P497 # النبي صلى الله عليه وسلم والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن ~~إخبار الصادق أيضا دليل فلا حكم إلا عن ms1497 دليل. ثم إنه كرر في السورة قوله: ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به للتأكيد. وقيل: # لقصة طعمة وإشراكه بالله. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا لأنه لا ~~أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد. ثم ~~أوضح هذا المعنى بقوله سبحانه: إن يدعون أي ما يعبدون من دونه إلا إناثا أي ~~أوثانا وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، ~~والعزى تأنيث الأعز. قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم ~~يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة إلا أوثانا وقراءة ابن ~~عباس إلا أثنا جمع وثن مثل أسد وأسد إلا أن الواو أبدلت همزة كأجوه. وقيل: ~~المراد إلا أمواتا لأن الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث. # تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس ~~من الذكر والميت أخس من الحي. وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله. ~~وقيل: إن بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله. وإن يدعون ~~ما يعبدون بعبادة الأصنام إلا شيطانا مريدا بالغا في العصيان مجردا عن ~~الطاعة. يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له ~~لحية. قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة ~~يكلمهم. وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنه هو الذي أغراهم ~~على عبادتها فأطاعوه. والظاهر أن المراد بالشيطان هاهنا هو إبليس لأنه وصف ~~بقوله: لعنه الله وقال لأتخذن وهو جواب قسم محذوف أي شيطانا جامعا بين لعنة ~~الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكدا بالقسم. ~~ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود ~~كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به. ومعنى نصيبا مفروضا حظا ~~مقطوعا واجبا فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ~~وقد فرضتم لهن فريضة [البقرة: 237] جعلتم لهن قطعة من المال. وفرض الجندي ~~رزقه المقطوع المعين. قال ms1498 الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما # روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله ~~تعالى: «يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك. قال: أخرج بعث النار. قال: # وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» «1» الحديث. # وهاهنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار ~~والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله PageV02P498 # فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلا القسم الأقل؟ والجواب أن ~~هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضم الملائكة إليهم فالغلبة ~~للمحقين لا محالة. وأيضا الغلبة لأهل الحق وإن قلوا، وغيرهم كالعدم وإن ~~كثروا. ولأضلنهم يعني عن الحق. # قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أن المضل هو ~~الشيطان دون الله، والثاني أن الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإن ~~الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك. وأجيب بأن هذا كلام إبليس فلا يكون حجة ~~على أن كلامه في هذه المسألة مضطرب جدا فتارة يميل إلى القدر المحض وهو ~~قوله: لأضلنهم لأغوينهم [ص: 82] وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: رب بما ~~أغويتني [الأعراف: 16] ولأمنينهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ ~~الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال ~~على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة. # ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك ~~التقطيع شدد للكثرة. وجمهور المفسرين على أن المراد به هاهنا قطع آذان ~~البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكرا ~~وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة. وقال بعضهم: كانوا يقطعون ~~آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه ~~كفر وفسق. قوله: فليبتكن صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فو ~~الله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ~~ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء ms1499 ~~للتسبيب والإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ~~ولآمرنهم ومثله في الإعراب قوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله والمراد من ~~التغيير إما المعنوي وإما الحسي. فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن ~~جبير والحسن والضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله ~~بتبديل الحرام حلالا وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري فطرت الله التي ~~فطر الناس عليها [الروم: 30] # «كل مولود يولد على الفطرة» . # ومن الثاني قول الحسن المراد ما # روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشمات ~~والواشرات والمتنمصات» «1» # وذلك أن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا. أما وشم اليد فهو أن ~~PageV02P499 # يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل. والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف ~~شعر الحاجب وغيره. وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله ~~هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون. وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا ~~أعور وأعين فحلها. وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم ~~فمحظور. وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأن الرغبة ~~فيهم تدعو إلى خصائهم. وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى. وعلى ~~هذا فالسحق أيضا داخل في الآية لأنه تشبه الأنثى بالذكر. وحكى الزجاج عن ~~بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر ~~والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا ~~خلق الله. واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: ~~التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ~~ضرر الدين وهو قوله: # لأضلنهم ثم فصل ذلك بقوله: ولأمنينهم وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب ~~الأماني يتشوش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل ~~مطالبه الشهوية والغضبية والشيطانية. وقوله: ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ~~إشارة إلى الضرر بالنقصان لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا ~~صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة. وقوله: ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله إشارة إلى البطلان لأن من بقي ms1500 مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن ~~السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه ~~بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة. ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله بأن ~~فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به فقد خسر خسرانا مبينا إذ ~~فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها. والسبب فيه أن الشيطان يعدهم ~~ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على ~~أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد ~~مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند ~~الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف ~~معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى. # وأيضا لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب ~~فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك ~~قيل: أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا مفرا ومعدلا وله معنيان: ~~أحدهما لا بد لهم من ورودها، والثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول ~~المكث للفساق. # PageV02P500 # ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قال أهل ~~السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق. وقوله: ~~أبدا مفيد للتأبيد. وعد الله حقا مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد ~~لغيره لأن قوله: سندخلهم وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ~~حقا فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقا ~~وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع. ومن أصدق من الله ~~قيلا توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار. وفائدة هذه ~~التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانيه الفارغة والتنبيه ~~على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول ms1501 من قول من لا أحد أكذب منه. والقيل. ~~مصدر قال قولا. وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران. عن أبي ~~صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول ~~لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب وقال مسروق ~~وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم نبينا ~~قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: نحن ~~أهدى منكم وأولى بالله نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التي ~~قبله فنزلت. ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان ~~بقوله: ومن يعمل من الصالحات وبقوله: ومن أحسن دينا الآيتان. # وقيل: الخطاب في: بأمانيكم لعبدة الأوثان، وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا ~~نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم ~~عند الله. وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا ~~الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى [البقرة: 111] نحن أبناء الله ~~وأحباؤه [المائدة: 18] ولن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] واسم ~~«ليس» مضمر فقيل: # أي ليس وضع الدين على أمانيكم. وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في ~~قوله: # سندخلهم. وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه ~~وصدقه العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة ~~لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل. ~~ويؤيد هذا المعنى قوله بيانا للمذكور: من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من ~~دون الله وليا ولا نصيرا فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد ~~الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع ~~عندنا. سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلا أنه مخصوص في حق # PageV02P501 # المؤمن بقوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون ~~جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟ ms1502 # روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبابكر ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟ فهو ~~ما تجزون. عن عائشة أن رجلا قرأ هذه الآية فقال: أنجزي بكل ما نعمل لقد ~~هلكنا. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: يجزي المؤمن في الدنيا ~~بمصيبة في جسده وبما يؤذيه. # وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت ~~هذه الآية لنا شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإنه لا يصيب أحدا ~~منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في ~~قدمه، # سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الآخرة لكنه # روي عن ابن عباس أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول ~~الله وأينا لم يعمل سوءا فكيف الجزاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنه تعالى ~~وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي ~~بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده ~~أعشاره. # وأيضا المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد ~~عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة. قالوا: إن صاحب الكبيرة غير ~~مؤمن، وأجيب بنحو قوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] أما ~~حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ~~ولي لأحد ولا نصيرا إلا الله. قال في الكشاف: «من» في قوله: من الصالحات ~~للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا يتمكن من كل الصالحات ~~لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ~~ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال. # ومن في قوله: من ذكر لتبيين الإبهام في: من يعمل والضمير في: لا يظلمون ~~عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعا، أو يعود إلى الصالحين فقط. ~~وذكره عند أحد الفريقين ms1503 يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا ~~القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في ~~الثواب كان محتملا فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز ~~بالجنة فقال: ومن أحسن دينا وبيان الفضل من وجهين: # الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه ~~الإشارة بقوله: # أسلم وجهه لله وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن ~~العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: وهو محسن وهو عائد إلى فعل الخيرات ~~وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات. وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان ~~لا يحصل إلا # PageV02P502 # عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن ~~الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائنا من ~~كان الوجه الثاني أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما دعا الخلق إلى ما يشبه ~~دين أبيه إبراهيم عليه السلام، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما ~~كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل ~~كان مائلا عن الملل الباطلة بعيدا عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ~~ولهذا شرف بقوله: واتخذ الله إبراهيم خليلا وهذه جملة معترضة والسبب في ~~إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديرا بأن تتبع ~~طريقته. قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره ~~وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله تعالى إبراهيم عليه السلام على ~~الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن ~~عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده ~~للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماما للناس ورسولا إليهم وبشره بأن ~~الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلا لله، لأن خلته عبارة عن ~~إرادة إيصال الخيرات والمنافع. وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تخلفوا ms1504 بأخلاق الله» # فلما بلغ إبراهيم عليه السلام في مكارم الأخلاق مبلغا لم يبلغه من تقدمه ~~فلا جرم استحق اسم الخليل. وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو ~~الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقادا لكل ما أمر به مجتنبا عن كل ما ~~نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله تعالى ونواهيه فاستحق اسم الخليل ~~لذلك. هذا من جهة الاشتقاق، وأما من قبل أسباب النزول # فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل بم ~~اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام يا محمد. # وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت ~~في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم عليه السلام: بإذن من دخلت؟ فقال: بإذن ~~رب المنزل. فعرفه إبراهيم عليه السلام. فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من ~~عباده خليلا. قال إبراهيم: ومن ذلك؟ قال: وما تصنع به؟ قال: أكون خادما له ~~حتى أموت. قال: فإنه أنت. # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا ~~إلى باب إبراهيم يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، ~~فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان ~~إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ~~ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا ~~احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمر ~~بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر. ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة ~~فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت # PageV02P503 # سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حواري تكون فأمرت ~~الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا ~~سارة من أين هذا الطعام؟ # فقالت: من عند خليلك المصري. فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذ اتخذه ~~الله خليلا. # وقال شهر ms1505 بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج. فقال ~~إبراهيم: اذكره مرة أخرى. فقال: لا أذكره مجانا. فقال: لك مالي كله. فذكره ~~الملك بصوت أشجى من الأول. فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي. فقال الملك: ~~أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك. فلما ~~بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلا. # وروى طاوس عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة ~~غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلا سمينا وقربه ~~إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره. # فقال جبريل: أنت خليل الله. # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتخذ الله إبراهيم ~~خليلا وموسى نجيا واتخذني حبيبا. ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ~~ونجيي» . # قلت: وذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: إذ ~~قال له ربه أسلم [البقرة: # 131] فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف ~~القدسية والجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلا في عالم القدس فلا يرى إلا ~~الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص ~~يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه. قال ~~بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفا فلم لم يجز إطلاق ~~الابن على آخر لمثل ذلك؟ والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف النبوة ~~وإنه سبحانه متعال عن مجانسة المحدثات. ولهذا قال بعد ذلك: ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم ~~خليلا للمجانسة أو الاحتياج، ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والامتنان، وفيه أنه ~~مع خلته لم يستنكف أن يكون عبدا له داخلا تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان ~~في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد ~~لأوامره ms1506 ونواهيه كما قال إبراهيم: أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] وأيضا ~~إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلا بالقدرة التامة ~~على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى ~~الأول بقوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الثاني بقوله: وكان ~~الله بكل شيء محيطا وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على ~~القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار ~~الأول مقدم على الثاني. وقال بعضهم: الإحاطة أيضا هاهنا بمعنى القدرة كقوله ~~تعالى: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط # PageV02P504 # الله بها # [الفتح: 21] ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في ~~السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء ~~وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع ~~الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه. ### | التأويل: # لا خير في كثير من نجوى النفس والهوى والشيطان إلا فيمن أمر بالخيرات وهو ~~الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده. ومن يشاقق الرسول أي يخالف ~~الإلهام الرباني ويتبع غير سبيل المؤمنين بأن يتبع الهوى وتسويل النفس ~~والشيطان. نوله ما تولى نكلله بالخذلان إلى ما تولى. ونصله بسلاسل ~~معاملاته. # جهنم الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية. إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ولو كان مغفورا لم يشرك به ومن يشرك بالله الآن فقد ضل ضلالا بعيدا وهو ~~الضلال بالإضلال الأزلي فافهم إن يدعون من دونه إلا إناثا صفات ذميمة يتولد ~~منها الشرك وإن يدعون إلا شيطانا مريدا هي الدنيا كما # قال عليه السلام: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه» ~~«1» # والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلا للنار. ولأضلنهم كذب عدو الله ~~فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما # قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت مبلغا وليس إلي من الهداية شيء» «2» # وعد الله حقا وهو # قوله: «هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي» . # ليس بأمانيكم يعني عوام ms1507 الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر ~~الله لهم وقد قال: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: 82] وو لا ~~أماني أهل الكتاب علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون ~~عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته ~~كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته. من يعمل سوءا يجز به في الحال ~~بإظهار الرين على مرآة قلبه كما # قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أذنب عبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإن ~~تاب ورجع منه صقل» «3» # ولا يجد له من دون الله وليا يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة ~~والتوبة. ولا نصيرا ينصره بالظفر على النفس الأمارة. من ذكر أو أنثى أي من ~~قلب أو نفس. PageV02P505 # ومن أحسن دينا يعني من محمد صلى الله عليه وسلم حين أسلم سره وروحه وقلبه ~~ونفسه وشيطانه كما # قال: «أسلم شيطاني على يدي» «1» # ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: # «أمتي أمتي» # حين يقول الأنبياء نفسي نفسي. وهو محسن بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد ~~الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال ~~والختم. واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. ~~قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟ قال: ليلى. # وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ قال: الحبيب. # فكان محمد صلى الله عليه وسلم حبيبا خليلا أي فقيرا من الخلة الحاجة لأنه ~~افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله. والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب ~~أن الخليل اتخذ الآلهة عدوا في الله فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~[الشعراء: 77] والحبيب اتخذ نفسه عدوا في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق ~~محمدا وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب ~~عن الرب. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 141] # ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما ms1508 كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما (127) وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا (128) ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله ~~كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا ~~حكيما (130) ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ~~وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) # ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (132) إن يشأ يذهبكم ~~أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) من كان يريد ثواب ~~الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا (134) يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا (135) يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا (136) # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~(138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة ~~فإن العزة لله جميعا (139) وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله ~~يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا ~~مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا (140) الذين يتربصون ~~بكم فإن كان لكم فتح من الله ms1509 قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ~~ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) PageV02P506 ### | القراآت: # يصلحا من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف. الباقون. # يصالحا من التصالح وإدغام التاء في الصاد. إن يشأ حيث كان بغير همز: ~~الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف. وإن تلوا بواو ~~واحدة: ابن عامر وحمزة. الباقون بالواوين. نزل وأنزل كلاهما على ما لم يسم ~~فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: نزل ~~وأنزل مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضا. وقد نزل مشددا مبنيا ~~للفاعل: عاصم ويعقوب. الباقون مبنيا للمفعول. ### | الوقوف: # في النساء ط فيهن لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم الولدان لا للعطف أيضا ~~أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا. بالقسط ط عليما ه صلحا ط ~~خير ط الشح ط خبيرا ه كالمعلقة ط رحيما ه سعته ط حكيما ه وما في الأرض ط أن ~~اتقوا الله ط وما في الأرض ط حميدا ه وما في الأرض ط وكيلا ه بآخرين ط ~~قديرا ه والآخرة ط بصيرا ه والأقربين ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى. أن ~~تعدلوا ج لذلك خبيرا ه من قبل ط بعيدا ه سبيلا ه أليما ه لا لأن «الذين» ~~صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم. المؤمنين ط جميعا ه ~~غيره ج لأن ما بعده كالتعليل. # PageV02P507 # مثلهم ط جميعا ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين. لكم ج لابتداء الشرط مع ~~أنه بيان التربص. معكم ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق. نصيب لا ~~لأن قالوا جواب: «إن» . المؤمنين ط القيامة ط سبيلا ه. ### | التفسير: # أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف ~~هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب ~~وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام. والاستفتاء طلب ~~الفتوى. يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى ms1510 وهما اسمان يوضعان ~~موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي ~~ببيانه ما أشكل فشب وصار فتيا قويا. # والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك ~~اختلفوا فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئا من الميراث ~~كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم. وقيل: إنه في الأوصياء. وقيل: في ~~توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها ~~تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها. ~~أما قوله: وما يتلى عليكم ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفا على ~~اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضا. ويجوز أن يكون ~~رفعا على الفاعلية لكونه عطفا على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل ~~أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد ~~وكرمه. وذلك المتلو هو قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى [النساء: 3] ~~كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب. ~~وثانيها وما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره وهي جملة معترضة ويكون ~~المراد من الكتاب اللوح المحفوظ. والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها ~~وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في ~~تعظيم القرآن قوله: وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم [الزخرف: 4] وثالثها ~~أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضا كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق ~~المتلو. ورابعها أن يكون مجرورا على أنه معطوف على المجرور في فيهن. # قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظا لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى ~~لقول القائل: # يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل. ~~وقوله: في يتامى النساء على الوجه الأول صلة يتلى أي يتلى عليكم في معناهن ~~أو بدل من فيهن وعلى سائر الوجوه بدل من فيهن لا غير. والإضافة في يتامى ~~النساء قال ms1511 الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء ~~اليتامى. وقال البصريون: إنها # PageV02P508 # على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة. وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء ~~أمهات اليتامى كما في قصة أم كحة. ومعنى لا تؤتونهن ما كتب لهن قال ابن ~~عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى ~~والصغار. وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق. وترغبون أن تنكحوهن قال ~~أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ~~ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن. احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز ~~لغير الأب والجد تزويج الصغيرة. ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن ~~تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد ~~الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، # فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قدامة: أنا عمها ووصي ~~أبيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها صغيرة وإنها لا تزوج إلا ~~بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر. # ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا ~~يدل على الجواز. والمستضعفين من الولدان نزلت في ميراث الصغار. # والخطاب في أن تقوموا للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم. قيل: ~~ويجوز أن يكون وأن تقوموا منصوبا أي ويأمركم أن تقوموا. ومن جملة ما أخبر ~~الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره. قوله وإن امرأة ~~خافت ارتفاع امرأة بفعل يفسره خافت أي علمت. وقيل: ظنت والظاهر أنه على ~~معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع ~~المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة ~~جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ~~ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها. ~~عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند ms1512 الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها ~~غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت ~~سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت ~~مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها. ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ ~~الفعل مثل والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] أن يصالحا على أن تطيب ~~المرأة له نفسا عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور ~~هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى. أما الوطء فليس كذلك ~~لأن الزوج لا يجبر على الوطء. والصلح خير من الفرقة أو من النشوز والإعراض ~~فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك ~~أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما ~~أن الخصومة شر من الشرور. والجملة معترضة، وكذا قوله: وأحضرت الأنفس الشح ~~إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود. والشح البخل مع # PageV02P509 # حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير. جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس ~~لأنها جبلت على ذلك. ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضا بالمرأة أنها تشح ببذل ~~نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر ~~سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها. # واعلم أنه رخص أولا في الصلح بقوله: فلا جناح عليهما وغايته ارتفاع ~~الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير. # ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأسا فقال: وإن تحسنوا أي ~~بالإقامة على نسائكم فإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض ~~وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح فإن الله كان بما تعملون من ~~الإحسان والتقوى خبيرا فيثيبكم على ذلك. وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: ~~الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم. وقيل: لغيرهما ~~أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما. يحكى أن عمران ~~بن حطان ms1513 الخارجي كان من أدم بني آدم وامرأته من أجملهم. فأجالت يوما نظرها ~~في وجهه ثم قالت: الحمد لله. فقال: مالك؟ # فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة. لأنك رزقت مثلي فشكرت، ~~ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة. ولن تستطيعوا أن تعدلوا ~~لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ولو حرصتم وإذا لم تقدروا ~~عليها بحيث لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، ~~وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز. ~~فلا تميلوا كل الميل أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما ~~استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم. وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية ~~في الميل القلبي ولو حرصتم ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال ~~والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال. فلا تميلوا كل الميل ~~فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر ~~حقوقها وحظوظها من غير رضا منها فتذروها كالمعلقة بين السماء والأرض لا على ~~قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة. والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز ~~التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو ~~بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع ~~الرحمن. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: «اللهم ~~هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» «1» # يعني المحبة لأن PageV02P510 # عائشة كانت أحب إليه. # وعنه صلى الله عليه وسلم «من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم ~~القيامة وأحد شقيه مائل» «1» # وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة وتتقوا فيما يستقبل فإن ~~الله كان غفورا رحيما وإن يتفرقا يغن الله كلا يرزق كل واحد منهما زوجا ~~خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشته. والسعة الغنى والمقدرة وكان الله واسعا ~~من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال ms1514 يفرض ولهذ أطلق. حكيما قال ابن ~~عباس: فيما حكم ووعظ. وقال الكبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو ~~تسريحها بإحسان. # ثم قال: ولله ما في السماوات وما في الأرض وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه. # وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو ~~افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه. ~~ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن ~~استغناءه تعالى بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية ~~فقال: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل ~~والزبور وغيرها من الصحف. وقوله: من قبلكم إما أن يتعلق ب وصينا أو ب أوتوا ~~وقوله: وإياكم عطف على الذين ومعنى أن اتقوا بأن اتقوا وتكون «أن» المفسرة ~~لأن التوصية في معنى القول. وإن تكفروا عطف على اتقوا أي أمرناهم وأمرناكم ~~بالتقوى. وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو ~~خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعا في ~~خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه. أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن ~~لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه. وكان الله ~~مع ذلك غنيا عن خلقه وعن عباداتهم حميدا في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم. ~~ثم كرر قوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا تقريرا ~~لأنه أهل أن يتقى وتوكيدا لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين. ثم ~~بالغ في هذا المعنى بقوله: إن يشأ يذهبكم يعدمكم أيها الناس ويأت بآخرين ~~يوجد خلقا آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس وكان الله على ذلك الإعدام ثم ~~الإيجاد قديرا بليغ القدرة لم يزل موصوفا بذلك ولن يزال كذلك. وفي الآية من ~~التخويف والغضب ما لا يخفى. وقيل: الخطاب لأعداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه. # يروى أنها لما نزلت ضرب ms1515 رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P511 # بيده على ظهر سلمان وقال: إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس. # ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: من كان يريد ثواب الدنيا ~~كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة فعند الله ثواب الدنيا والآخرة فماله يطلب ~~الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس. # فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء ~~بالشرط وكان الله سميعا لأقوال المجاهدين والطالبين بصيرا بمطامح عيونهم ~~ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك. ثم بين أن كمال سعادة الإنسان في أن ~~يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ~~شهداء لله لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة ~~وبالا على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو ~~غيره. وفي كلام الحكماء: «إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى» . أو المراد ~~الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: ~~أشهد أن لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا. وإنما قدم الأمر بالقيام ~~بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط [آل عمران: 18] لأن شهادة الله تعالى ~~عبارة عن كونه خالقا للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل ~~في تلك المخلوقات، والأول مقدم على الثاني. وأما في حق العباد فالعدالة ~~مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم. إن يكن المشهود عليه غنيا ~~أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة طلبا لرضا الغني أو ترحما على الفقير فالله ~~أولى بأمورهما ومصالحهما. وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد ~~هذين إلا أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي ~~الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ~~ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها. # قال السدي: اختصم إلى النبي ms1516 صلى الله عليه وسلم غني وفقير وكان ميله إلى ~~الفقير رأى أن الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني ~~والفقير وأنزل الآية. # وقوله: أن تعدلوا يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا ~~تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق. ~~واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة ~~العدالة لأن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد ~~حصل له الآخر. وإن تلووا بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من ~~الولاية. # والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل أو تعرضوا عن ~~الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها. واعلم أن ~~الإنسان لا يكون قائما بالقسط إلا # PageV02P512 # إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا وظاهره مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل. فالمفسرون ذكروا فيه وجوها ~~الأول: يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل أي دوموا ~~على الإيمان واثبتوا. الثاني: # يا أيها الذين آمنوا تقليدا آمنوا استدلالا. الثالث: يا أيها الذين آمنوا ~~استدلالا إجماليا آمنوا استدلالا تفصيليا. الرابع: يا أيها الذين آمنوا ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله آمنوا بأن كنه الله تعالى وعظمته وكذلك أحوال ~~الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم. الخامس # قال الكلبي: إن عبد الله بن سلام وأسدا وأسيدا ابني كعب وثعلبة بن قيس ~~وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك ~~وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه ~~الآية فآمنوا بكل ذلك. # وقيل: إن المخاطبين ليسواهم المسلمين والتقدير: يا أيها الذين آمنوا ~~بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو ~~المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى. أو يا ms1517 أيها الذين ~~آمنوا باللسان آمنوا بالقلب فهم المنافقون، أو يا أيها الذين آمنوا باللات ~~والعزى آمنوا بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه. ~~فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أمورا ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل ~~وبالكتب. وذكر في مراتب الكفر أمورا خمسة؟ أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم ~~منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن ~~بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا ~~الاحتمال قائما نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله. فإن قيل: لم ~~قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟ ~~فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، ~~وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب. وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولا للتشريف ~~جعل ذكره تاليا لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته صلى الله عليه ~~وسلم. # ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان ~~فقال: # إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا والمراد ~~الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطوارا. قال القفال: وليس المراد ~~بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك. وقيل: اليهود هم آمنوا ~~بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا ~~كفرا عند مقدم محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام # PageV02P513 # ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفرا بجدهم ~~واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين. وقيل: هم طائفة من أهل ~~الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ~~ما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ms1518 [آل عمران: 72] ثم إنهم بالغوا في ذلك ~~وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام. وفي الآية دلالة على أنه قد ~~يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة ~~الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان ~~على إظهار الإيمان. وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون ~~الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر. ~~وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: # أحدها أنهم ماتوا على كفرهم. وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى ~~هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان. وثالثها استهزاؤهم ~~بالدين. أما قوله تعالى: # لم يكن الله ليغفر لهم فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق ~~بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي. وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على ~~سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي. ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور ~~على الإطلاق وحينئذ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو ~~بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟ وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم ~~علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: لم يكن الله ~~ليغفر لهم إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على ~~الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى ~~الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام. فالظاهر من حال مثله أنه يموت ~~على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبرا بل ~~المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع ~~فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق. ولا ليهديهم سبيلا أي ~~إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة. أو محمول على المنع من ~~زيادة الألطاف. بشر المنافقين تهكم كقولهم: عتابك الصيف تحيتهم الضرب ~~أيبتغون عندهم العزة. كان المنافقون يوادون اليهود اعتقادا منهم أن أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم ms1519 لا يتم وحينئذ يبتغون بودهم أن يحصل لهم بهم قوة ~~وغلبة، فخيب الله آمالهم بقوله: فإن العزة لله جميعا وعزة الله تستتبع عزة ~~الرسول والمؤمنين كقوله: ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8] وجميعا حال من العزة أي مجموعة. قال المفسرون: إن ~~المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به # PageV02P514 # وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيأ لهم حينئذ الإنكار عليهم ظاهرا فنزلت إذا ~~ذاك. وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض ~~المنافقين فأنزل الله تعالى في هؤلاء المنافقين وقد نزل عليكم في الكتاب ~~معنى آية الأنعام أن إذا سمعتم آيات الله هي المخففة من الثقيلة وضمير ~~الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ ~~بها. وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ~~ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، ~~لأن إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله. إنكم ~~أيها المنافقون إذا مثلهم مثل الأحبار في الكفر و «إذن» هاهنا ملغاة ~~لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، ~~وأفرد مثلهم لأنها في معنى المصدر نحو أنؤمن لبشرين مثلنا [المؤمنون: 47] ~~وقد جمع في قوله: ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: 38] وإنما لم يحكم بكفر ~~المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة ~~لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة ~~وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في ~~وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي. قال أهل العلم: في الآية دليل ~~على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم ~~يباشر كان شريكهم في الإثم. # ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: إن الله جامع المنافقين ~~والكافرين في جهنم جميعا يعني القاعدين والمقعود معهم. والضمير في معهم ~~يعود ms1520 إلى الكافرين المستهزئين بدلالة يكفر بها ويستهزأ بها وأراد جامع ~~بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفا في اللفظ. والمعنى ~~أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في ~~عذاب جهنم يوم القيامة ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب» . # يتربصون بكم ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق. فإن كان لكم فتح ~~من الله ظهور على اليهود قالوا ألم نكن معكم مظاهرين فأسهموا لنا في ~~الغنيمة وإن كان للكافرين أي اليهود نصيب استيلاء ما في الظاهر قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة. وهذا جاء بالواو على ~~أصله كما جاء استروح واستصوب. وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من ~~قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئا من ذلك ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم ~~فهاتوا نصيبا لنا مما أصبتم. # الثاني أن أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام. ثم إن ~~المنافقين نفروهم # PageV02P515 # وأطمعوهم أنه سيضعف أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويقوى أمركم. فالمراد ~~ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى ~~مصالحكم فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم. # وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحا وظفر الكافرين نصيبا تثبيت للمؤمنين وتعظيم ~~لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر ~~المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر ~~الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقاب في ~~الآخرة فالله يحكم بينكم يوم القيامة. أي بين المؤمن والمنافق. والغرض أنه ~~يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم ~~القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا # قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة ~~على حجة الكل. # وقيل: في الآخرة. وقيل: عام في الكل. والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن ~~الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة ms1521 ~~هذه الآية. ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما. ومنها أن المسلم ~~لا يقتل بالذمي والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # النفس للروح كالمرأة للزوج ويتامى النساء صفات النفوس وما كتب لهن ما ~~أوجب الله للنفوس من الحقوق. وحاصل المعنى أن نفسك مطيتك فارفق بها وإليه ~~الإشارة بقوله: والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح فالروح تشح بترك حقوق الله، ~~والنفس تشح بحظوظها فلا تميلوا كل الميل في رفض حظوظ النفس فتذروها ~~كالمعلقة بين العالم العلوي والعالم السفلي وإن يتفرقا أي الروح والنفس ~~فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعال إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني ~~عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود. والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ~~ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص ~~وهو أنه تعالى إذا تجلى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن ~~بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين ~~أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين ~~وهذا إيمان عيني. إن الذين آمنوا أي بالتقليد ثم كفروا إذ لم يكن للتقليد ~~أصل ثم آمنوا بالاستدلال العقلي ثم كفروا إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور ~~الإلهي ثم ازدادوا كفرا بالشبهات والاعتراضات لم يكن الله في الأزل غافرا ~~لهم بنوره عند الرش ولا ليهديهم سبيلا اليوم لأن الأصل لا يخطىء بشر ~~المنافقين أي بشرهم بأن أصلهم من # PageV02P516 # جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإن ائتلافهم هاهنا نتيجة ~~تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون. # تم الجزء الخامس، ويليه الجزء السادس أوله: إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم ... # PageV02P517 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السادس من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 152] # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ms1522 قاموا كسالى ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ~~ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (143) يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا (144) إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم ~~نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ~~فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) إن ~~تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا (149) إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ~~ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون ~~حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما (152) ### | القراآت: # في الدرك بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى. # الباقون بالفتح يؤتيهم بالياء: حفص وعياش. الباقون بالنون. ### | الوقوف: # خادعهم # ط لعطف المختلفين. كسالى # لا لأن يراؤن # . صفتهم قليلا # ه ز بناء على أن مذبذبين نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون ~~مذبذبين. بين ذلك ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، ~~والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء هؤلاء الثانية ط سبيلا ه ~~من دون المؤمنين ط مبينا ه من النار ج لابتداء النفي مع العطف. نصيرا ه ط ~~للاستثناء. مع المؤمنين ط عظيما ه وآمنتم ط عليما ه ظلم ط عليما ه قديرا ه ~~ببعض لا للعطف سبيلا ه لا لأن ما بعده خبر «إن» وقيل: # إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف. حقا ج لاحتمال ما بعده للعطف ~~والاستئناف مهينا ه أجورهم ط رحيما ه. # PageV02P518 ### | التفسير: # قال الزجاج: أي يخادعون ms1523 رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يظهرون له ~~الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: ~~10] وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. قال ~~ابن عباس: يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ ~~نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم. وباقي تفسير ~~المخادعة تقدم في أول البقرة. كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون ~~متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئا على كره لا عن طيب نفس ~~ورغبة وهو معنى الكسل. والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون ~~من فعلها ثوابا ولا يخافون من تركها عقابا. يراؤن الناس # أي لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة. ومعنى المفاعلة في ~~الرياء أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ~~هاهنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه. ولا يذكرون الله # أي ولا يصلون إلا قليلا # لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند ~~دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا ~~مندوحة فحينئذ يصلون. وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلا وهو ~~الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا ~~يذكرونها. وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكرا قليلا في ~~الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياما وليالي لم ~~تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ~~ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ~~ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير. ومعنى مذبذبين ذبذبهم ~~الشيطان والهوى. وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يذاد ويدفع ~~إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب ~~عنه. وقرأ ابن عباس مذبذبين بالكسر أي يذبذبون ms1524 قلوبهم أو دينهم أو رأيهم. # وعن أبي جعفر «مدبدبين» بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة ~~وتارة في دبة والدبة الطريقة. ومعنى بين ذلك أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر ~~الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين ~~كقوله: عوان بين ذلك [البقرة: 68] واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل ~~يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال ~~هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا ~~تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان ~~مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن ~~تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ~~ثابتا في # PageV02P519 # إيمانه راسخا في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات يثبت الله ~~الذين آمنوا [إبراهيم: 27] ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] يا ~~أيتها النفس المطمئنة [الفجر: 27] قيل: إنه تعالى ذمهم على ترك طريقة ~~المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز. قلنا: إنما ~~توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد ~~فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا [الرعد: ~~28] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء أي لا تتشبهوا ~~بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي ~~للمؤمنين عن مولاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم. ومعنى سلطانا حجة ~~بينة على النفاق لأن ولي المنافق منافق لا محالة. ومعنى قوله: إن المنافقين ~~في الدرك الأسفل من النار أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ~~ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل. ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن ~~المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله تعالى وأنه مع فرعون لأن ~~الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] وقيل: إن النار سبع دركات ms1525 سميت ~~بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض. قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك ~~كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس. ثم قال: ولن تجد لهم نصيرا ~~احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه تعالى ذكره ~~في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا ~~زجرا عن النفاق من حيث إنه نفاق. ثم استثنى منهم التائبين فشرط أمورا أربعة ~~أولها التوبة. وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم. # وثالثها الاعتصام بدين الله. ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب ~~المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعا، أما إذا كان ~~مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ~~ولم يتغير عنها. وعند حصول الشرائط قال: # فأولئك مع المؤمنين ولم يقل مؤمنون تشريفا للمؤمنين أنهم متبعون ~~والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم. ثم بين وعد المؤمنين بقوله: وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية. ثم برهن على أن ~~فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من ~~الغيظ أو لدرك الثأر أو لجلب المنافع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في ~~حقه تعالى محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح ~~لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه. قالت ~~المعتزلة: # PageV02P520 # هذا صريح في أنه تعالى لم يخلق أحدا لغرض التعذيب. وفي أن فاعل الشكر ~~والإيمان هو العبد وإلا لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر ~~والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم. والجواب مسلم أنه تعالى غير ~~مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في ~~مظاهر القهر ضروري كما سبق. وأيضا انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ~~ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤل المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر ~~اللطف وهذا كلام في غاية الصحة. ms1526 قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على ~~الإيمان لأن العاقل ينظر أولا إلى النعمة فيشكر شكرا مبهما، ثم إذا انتهى ~~به النظر إلى معرفة المنعم آمن به. وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا ~~سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر ~~الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة ~~في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهرا وإنما يقع النزاع في ~~بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم ~~الشكر هاهنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق ~~لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة وكان الله ~~شاكرا مثيبا على الشكر فسمى جزاء الشكر شكرا، وفيه أنه يجزي على العمل ~~القليل ثوابا كثيرا عليما بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء ~~الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضله ورحمته. # ثم إنه سبحانه لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافيا للكرم ~~والرحمة ظاهرا ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: لا يحب الله الجهر ~~الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين ~~عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم. وأيضا إن المنافق إذا تاب وأصلح لم يكد ~~يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبين تعالى أن ~~تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه تعالى لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد ~~إلى نفاقه. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد من عباده ~~فعل القبائح لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادته. وقالت الأشاعرة: المحبة ~~عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه. ~~قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا ~~الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ~~[النساء: 94] والتبين ms1527 واجب في الطعن والإقامة. أما قوله: إلا من ظلم ~~فالاستثناء فيه متصل أو منقطع. وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلا جهر ~~من ظلم فحذف المضاف. وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي # PageV02P521 # لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم ~~له أن يجهر بظلامته. وماذا يفعل المظلوم؟ قال ابن عباس: له أن يرفع صوته ~~بالدعاء على من ظلمه. # وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له. وقال الأصم: لا يجوز إظهار ~~الأحوال المستورة المكنونة حذرا من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن ~~يذكر أنه سرق أو غصب. وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه. وعن مجاهد أن ضيفا ~~تضيف قوما فأساؤا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو. وقرأ الضحاك ~~وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير إلا من ظلم على البناء للفاعل. وقيل: إنه كلام ~~منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه. # وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ~~وكان الله سميعا عليما فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستورا. ثم حث ~~على العفو بقوله: إن تبدوا خيرا أو تخفوه وهو إشارة إلى إيصال النفع أو ~~تعفوا عن سوء وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق. ~~فإن الله كان عفوا قديرا قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قدرته على ~~الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنة الله. وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال ~~الثواب إليه. وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو ~~صاحبك. # وفي الخبر أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مرارا ثم رد عليه فقام النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال أبوبكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت. قال: ~~إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء ~~الشيطان. # ثم إنه سبحانه تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى ~~وأباطيلهم. وذلك أنواع: الأول ms1528 إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك ~~من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك ~~من يقر بالوحدانية وينكر النبوات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ~~ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة ~~وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان، والنصارى آمنوا ~~بعيسى والإنجيل وكفروا لمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فآمنوا ببعض ~~الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل ~~وبين الكفر بالكل سبيلا أي واسطة أولئك أي الطوائف الثلاث هم الكافرون أما ~~الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأن تكذيب الأنبياء وإنكارهم ~~يستلزم تكذيب الله إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10] وأما ~~الطائفة الثالثة فلأن الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم ~~منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو ~~القدح في كل نبي. فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا ~~توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلا به، فإلزام ~~الكفر أمر والتزام الكفر غيره. فالجواب أن الإلزام إذا كان خفيا # PageV02P522 # يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جليا واضحا لم ~~يبق بين الإلزام والالتزام فرق. وانتصاب حقا على أنه مصدر مؤكد لغيره ~~كقوله: زيد قائم حقا أي أخبرتك بهذا المعنى إخبارا حقا أي ثابتا. وقيل: ~~المراد هم الكافرون كفرا حقا وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقا بوجه ~~من الوجوه. وأجيب بأن الحق هاهنا الكامل الراسخ الثابت. ثم ختم النوع بوعد ~~المؤمنين. ومعنى: بين أحد بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحدا في سياق النفي ~~يفيد التعدد. ومعنى سوف توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: ~~لن أفعل نفى سوف أفعل. فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر. ### | التأويل: # إن المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش ~~نوره وشاهدوه ms1529 ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتم أنفسكم من عذابه لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ~~ولا من الخواطر من الأخص إلا من ظلم إما بتقاضي دواعي البشرية من غير ~~اختيار أو بابتلاء من اضطرار. وأيضا لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات ~~الغيب ومصونات غيب الغيب إلا من ظلم بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال ~~والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق ~~وسبحاني إن تبدوا خيرا مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيها للخلق وإفادة ~~بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب أو ~~تعفوا عن سوء مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل ~~الله إظهاره سوءا فإن الله كان عفوا فتكون عفوا متخلقا بأخلاقه إن الذين ~~يكفرون فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع ~~الشمس إذا دخل كوة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن ~~تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله تعالى ~~أعلم. ### | [سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 169] # يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا ~~فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات ~~الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) ~~وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم ms1530 إلا اتباع الظن ~~وما قتلوه يقينا (157) # بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم ~~الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم ~~عذابا أليما (161) لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما (162) # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ~~وآتينا داود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) ~~إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) # PageV02P523 ### | القراآت: # لا تعدوا بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر ونافع غير ورش. # وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة. بل طبع بالإدغام: علي وهشام وأبو عمر وعن ~~حمزة بل رفعه مظهرا وبابه: الحلواني عن قالون سيؤتيهم حمزة وخلف وقتيبة. ~~الباقون بالنون. زبورا بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح. ### | الوقوف: # بظلمهم ج لأن «ثم» لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد. عن ذلك ج لأن ~~التقدير وقد آتينا. مبينا ه غليظا ه غلف ط قليلا ه ص للعطف. عظيما ه لا لأن ~~التقدير وفي قولهم. رسول الله ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال. ~~شبه لهم ط منه ط الظن ج لاحتمال الاستئناف والحال يقينا ج لتقرير نفي القتل ~~بإثبات الرفع. إليه ط حكيما ه قبل ms1531 موته ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد ~~المقصود. شهيدا ه ج للآية ولأن قوله: فبظلم راجع إلى # PageV02P524 # قوله: فبما نقضهم وقولهم متعلق الكل حرمنا. كثيرا لا بالباطل ط أليما ه ~~واليوم الآخر ط عظيما ه من بعده ج للعطف مع تكرار الفعل. # وسليمان ج لأن التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر. زبورا ه ج ~~لأن التقدير وقصصنا رسلا. عليك ط. تكليما ه ج لاحتمال البدل والنصب على ~~المدح. # الرسل ط ج حكيما ه بعلمه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. # يشهدون ط شهيدا ه بعيدا ه طريقا ه لا أبدا ط يسيرا ه. ### | التفسير: # هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولا من عند الله ~~فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح. وقيل: اقترحوا أن ينزل ~~عليهم كتابا إلى فلان وكتابا إلى فلان بأنك رسول الله. وقيل: كتابا نعاينه ~~حين ينزل. فإن استكبرت ما سألوه فقد سألوا بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على ~~مذهبهم موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة وإنما كان سؤال الرؤية أكبر ~~من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عيانا ~~فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم. وفي ~~قوله: من بعد ما جاءتهم البينات وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل ~~على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفا للأجسام ~~والأعراض، وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوة. وثانيها أنها إنزال ~~الصاعقة وإحياؤهم بعد إماتتهم. وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد ~~وفلق البحر وغيرها. # وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابا من السماء ~~فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلا عنادا ولجاجا فإن موسى عليه السلام قد أنزل ~~عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية ~~على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون ~~على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ms1532 فعفونا عن ذلك حيث لم نستأصل عبدة ~~العجل وآتينا موسى سلطانا مبينا تسلطا ظاهرا وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو ~~المراد قوة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ~~ويقهرهم. ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم منها أنه تعالى ~~رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم ~~الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر ~~جميع هذه القصص في سورة البقرة. وقيل: إن العدو هاهنا ليس بمعنى الاعتداء ~~وإنما هو بمعنى الحضر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل ~~لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا # PageV02P525 # الرزاق. ثم قال: وأخذنا منهم ميثاقا غليظا أي العهد المؤكد غاية التوكيد ~~على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها. فبما نقضهم «ما» مزيدة للتوكيد ~~أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: بل طبع الله عليها ردا لقولهم قلوبنا ~~أوعية للعلم وتنبيها على أنه تعالى ختم عليها فلهذا لا يصل أثر الدعوة ~~والبيان إليها، أو تكذيبا لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري ~~الغلف كما مر في سورة البقرة فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا وهو إيمانهم ~~بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء ~~فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ~~فإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى ~~كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من ~~الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إن رسولكم ~~الذي أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] أو أنه تعالى جعل الذكر الحسن مكان ~~القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن ~~الفاعلة. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ms1533 أي المقتول لهم لدلالة ذكر قتلنا ~~على المقتول، أو يكون شبه مسندا إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم ~~التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه. ~~قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف ~~رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ~~ولبسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلا ~~بالاسم لأنه كان قليل المخالطة مع الناس. وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في ~~البيت الفلاني مع أصحابه، أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه- يقال له ~~طيطايوس- أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله تعالى ~~عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح ~~فصلبوه وقتلوه. وقيل: وكلوا بعيسى عليه السلام رجلا يحرسه وصعد عيسى في ~~الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول ~~لست عيسى. وقيل: إن رهطا من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ~~ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي. # فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا ~~بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه ~~شبهي؟ فقال واحد منهم: أنا. # فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى. وقيل: كان رجل يدعي ~~أنه من أصحاب عيسى وكان منافقا، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع ~~اليهود لأخذه # PageV02P526 # ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه قيل: ~~إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: ~~الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره. وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه ~~مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ ~~وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود ~~قتلوه إلا أن كبار فرق ms1534 النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية. ~~فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب ~~من قول الحكماء إن القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى ~~هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة ~~قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن. وقالت ~~الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة. ~~وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، ~~والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن ولهذا ~~ذم في قوله: ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وأما العمل بالقياس فليس من ~~اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي. ~~ثم قال: وما قتلوه يقينا وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلا يقينا أو ~~متيقنين. واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ~~يقينا تأكيد لقوله: وما قتلوه أي حق انتفاء قتله حقا وهذا أولى لقوله: بل ~~رفعه الله إليه وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علما إذا تبالغ فيه علمه ~~فيكون تهكما بهم لأنه نفى عنهم العلم أولا نفيا كليا ثم نبه بقوله: وكان ~~الله عزيزا حكيما على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن ~~فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلا هو. # ثم قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته فقوله: إلا ليؤمنن به ~~جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف «وإن» هي النافية. التقدير: وما من أهل ~~الكتاب أحد إلا ليؤمنن به كقوله: وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] ~~والضمير في به عائد إلى عيسى، وفي موته إلى أحد. عن شهر بن حوشب قال لي ~~الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: ~~إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك. فقلت: ~~إن اليهودي ms1535 إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدو الله ~~أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي. وتقول للنصراني: أتاك ~~عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه # PageV02P527 # عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه. قال: وكان متكئا فاستوى جالسا فنظر ~~إلي وقال: # ممن قلت؟ قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخد ينكت الأرض بقضيبه ثم ~~قال: # لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها. وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال ~~له عكرمة: # فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟ قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه. قال: وإن ~~خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج ~~روحه حتى يؤمن به. # وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في ~~أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال ~~التكليف ليقع معتدا به أولى. وقيل: # الضميران في به وفي موته لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان ~~نزوله. روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب ~~إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه ~~المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، ~~والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم ~~يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا ~~عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه ~~يعرف أنه عيسى. فأما أن يكون نبيا- ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم- ~~أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز. وأجيب بأنه كان نبيا إلى مبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير ~~بعد نزوله تبعا لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال في الكشاف: ويجوز أن يراد ~~أنه ms1536 لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمنن به على أن الله تعالى ~~يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين ~~لا ينفعهم إيمانهم. # وقيل: الضمير في به يرجع إلى الله تعالى وقيل إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى ~~النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته. قوله: فبظلم ~~التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم من الذين هادوا والذنوب نوعان: الظلم على ~~الخلق وهو قوله: فبظلم من الذين هادوا الآية والإعراض عن الدين الحق وهو ~~قوله: وبصدهم عن سبيل الله كثيرا أي ناسا كثيرا أو صدا كثيرا. # ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي ~~بالرشا على التحريف فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا ~~والآخرة. أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة ~~الأنعام: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] الآية وأما في ~~الآخرة فقوله: وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما واعلم أن في متعلق قوله: ~~فبما نقضهم وما عطف عليه قولين: الأول أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا ~~وكذا لعناهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: # PageV02P528 # فبظلم ومتعلقه حرمنا وكذا متعلق المعطوفات بعده. الثاني أن متعلق الكل ~~حرمنا وقوله: فبظلم بدل من قوله: فبما نقضهم قاله الزجاج. ويرجح الأول بأن ~~حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأن تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا ~~يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم. قلت: لو جعل قوله: وأعتدنا معطوفا على ~~حرمنا زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف ~~الثالث على الأول أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف ~~بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف ~~عليه كأنهم قيل: فبجمعهم ms1537 بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء ~~عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم ~~بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا ~~وكذا. ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: لكن الراسخون في العلم ~~منهم يعني عبد الله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر ~~حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد ~~يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك البتة والمؤمنون يريد ~~المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار. والراسخون مبتدأ ويؤمنون ~~خبره. # أما قوله: والمقيمين الصلاة ففيه أقوال: الأول روي عن عثمان وعائشة أنهما ~~قالا: إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول ~~لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ~~ثبوت اللحن فيه؟ الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ~~والمؤتون الزكاة رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك ~~المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد. فتقدير الآية أعني المقيمين ~~الصلاة وهم المؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر وطعن الكسائي في ~~هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وهاهنا الخبر وهو ~~قوله: # أولئك إلخ منتظر. والجواب أن الخبر يؤمنون ولم سلم فما الدليل على أنه لا ~~يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟ الثالث وهو اختيار الكسائي أن ~~المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: أنما أنزل إليك والمراد بهم الأنبياء ~~لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة. قال تعالى: وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرات وإقام الصلاة [الأنبياء: 73] أو الملائكة لقوله: وإنا لنحن الصافون ~~[الصافات: 165] واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: # العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته ~~الواجبة والممتنعة وأحوال # PageV02P529 # المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما ~~يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام ~~الثلاثة أشار # بقوله صلى الله عليه وسلم: ms1538 «جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء» # اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان. ثم إنه سبحانه عاد إلى الجواب ~~عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: إنا أوحينا إليك الآية. ~~فبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه أول من شرع الله على لسانه الأحكام والحلال ~~والحرام، ثم قال: والنبيين من بعده ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل ~~من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم ~~كانوا رسلا مع أن واحدا منهم ما أوتي كتابا مثل التوراة دفعة واحدة. ثم ختم ~~ذكر الأنبياء بقوله: وآتينا داود زبورا يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من ~~عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور ~~كتاب داود عليه السلام. من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر ~~وقدور. ثم قال: ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك والمعنى ~~أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن والأكثرون غير مذكورين ~~على سبيل التفصيل. وكلم الله موسى تكليما هذا أيضا من تتمة الجواب. والمراد ~~أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بشرف التكليم معه، ~~ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه ~~دفعة وإنزال غيرها على غيره منجما رسلا مبشرين ومنذرين يعني أن المقصود من ~~بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب ~~على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى المصلحة لأنه ~~إذا نزل جملة كثرت التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا. ثم ~~ختم الآية بقوله: وكان الله عزيزا حكيما والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب ~~المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمرا هينا في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا ~~الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية. واحتج الأشاعرة ~~بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلا بالسمع لقوله: لئلا يكون للناس على ~~الله حجة ms1539 بعد الرسل فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف. # وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان ~~إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميما لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين ~~وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع. والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على ~~امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذرا فبأن يكون ~~عدم القدرة والمكنة صالحا للعذر أولى وعورض. # وأيضا قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل ~~السنة إنه لا # PageV02P530 # اعتراض عليه لأحد. وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة. قوله: لكن ~~الله يشهد لا بد له من مستدرك لأن لكن لا يبتدأ به. وفي ذلك المستدرك ~~وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبيا لنزل ~~عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتابا نازلا عليه ~~من السماء فلا جرم قيل: لكن الله يشهد بأنه نازل عليه من السماء. الثاني ~~أنه تعالى لما قال: إنا أوحينا إليك قال القوم: # نحن لا نشهد لك بذلك فنزل لكن الله يشهد ومعنى شهادة الله إنزال القرآن ~~بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا ~~القرآن الذي أنزله إليك. # ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: أنزله بعلمه أي متلبسا بعلمه الخاص الذي لا ~~يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل ~~المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتابا واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال ~~علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله ~~وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح ~~العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن ~~والإنس. والملائكة يشهدون لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ~~ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس ~~الناس إياه وكفى بالله شهيدا ms1540 وإن لم يشهد غيره إن الذين كفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله بإلقاء الشبهات كقولهم: ~~لو كان رسولا لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم ~~إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود قد ~~ضلوا ضلالا بعيدا لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال. # إن الذين كفروا وظلموا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتمان بعثته أو عوامهم ~~بإلقاء الشبهات في قلوبهم. # ومعنى قوله: ولا ليهديهم طريقا أنهم لا يسلكون إلا الطريق الموصل إلى ~~جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلا طريقها. والعامل في خالدين معنى لا ~~ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين. وكان ذلك على الله يسيرا لأنه ~~لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئا بعد شيء إلى غير ~~النهاية. واللام في الذين إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على ~~الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة. وحمل المعتزلة قوله: ~~وظلموا على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب ~~الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة. ### | التأويل: # أرنا الله جهرة لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في ~~أنفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما ~~اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره. فكما زاد ~~عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم # PageV02P531 # كرفع الطور فوقهم وغير ذلك. قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب ~~تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر ~~المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات لكن ~~الراسخون في العلم هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن ~~بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية إنا ~~أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أي كل ما أوحينا إليهم ~~أوحينا إليك من سر فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] ورسلا ms1541 قد قصصناهم عليك من قبل أي ليلة المعراج ورسلا لم ~~نقصصهم عليك [النساء: 164] الآن في القرآن مفصلة أنزله بعلمه تجلى له بصفة ~~العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون والملائكة يشهدون على تلك الخلوة ~~وإن لم يكونوا معك في الخلوة وكفى بالله شهيدا على ما جرى. # قد كان ما كان سرا لا أبوح به ... ظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ### | [سورة النساء (4) : الآيات 170 الى 176] # يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا ~~فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم ~~من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم ~~من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم ~~إليه صراطا مستقيما (175) يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ~~ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم (176) # PageV02P532 ### | القراآت: # فسنحشرهم بالنون: المفضل. الباقون بالياء. ### | الوقوف: # خيرا لكم ط. والأرض ط حكيما ه إلا الحق ط. # وكلمته ج للاستئناف مع اتحاد المقصود. وروح منه ز لعطف المختلفين ولكن ~~فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع ms1542 تمام البيان. ورسله ط. ثلاثة ط خيرا لكم ~~ط إله واحد ط. ولد ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد ~~موصوف بأن له ما في السموات وما في الأرض. وكيلا ه مقربون # طميعا # ه. # من فضله ج أليما ه ولا نصيرا ه مبينا ه وفضل لا للعطف. # مستقيما ه يستفتونك ط. الكلالة ط ما ترك ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام ~~متحد البيان. لها ولد ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله: فلها نصف وبينهما ~~عارض مما ترك ط لابتداء حكم جامع للصنفين. الأنثيين ط أن تضلوا ط عليم ه. ### | التفسير: # لما بين فساد طريقة اليهود وأجاب عن شبههم عمم الخطاب فقال: يا أيها ~~الناس قد جاءكم الرسول بالحق أي بالقرآن والقرآن معجز فيكون حقا أو بالدعوة ~~إلى عبادة الله والإعراض عن غيره وهو الحق الذي تشهد له العقول السليمة. ~~فآمنوا خيرا لكم انتصابه بمضمر وكذا في انتهوا خيرا لكم لأنه لما بعثهم على ~~الإيمان والانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر. فالمعنى: اقصدوا ~~وأتوا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد، فإن ~~الإيمان لا شك أنه أحمد عاقبة من الكفر بل العاقبة كلها له. وقيل: إنه ~~منصوب على خبرية «كان» أي يكن الإيمان خيرا لكم والأول أصح لئلا يلزم الحذف ~~من غير قرينة وإن تكفروا فإن الله غني عنكم لأنه مالك الكل، أو هو قادر على ~~إنزال العذاب لأن الكل تحت قهره وتسخيره، أو له عبيد أخر يعبدونه غيركم ~~وكان الله عليما بأحوال العباد حكيما لا يضيع أجر المحسن ولا يهمل جزاء ~~المسيء. # ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو ~~الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلها لا نبيا، وحثهم على أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في ~~بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبة وولد إنما المسيح عيسى ابن مريم ms1543 ~~رسول الله وكلمته وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ألقاها أي الكلمة إلى ~~مريم أي أوصلها إليها وحصلها فيها وروح منه أي إنه طاهر نظيف بمنزلة الروح ~~كما يقال: هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها ~~كما سمي القرآن روحا في قوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: ~~52] وقيل: أي رحمة منه كقوله: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] # PageV02P533 # ولا شك أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للأمة قال تعالى: وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] # وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا رحمة مهداة» # وقيل: الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله تعالى فهو ~~منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية. وقوله: ~~منه إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف. فآمنوا بالله ورسله أي آمنوا ~~به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلها ولا تقولوا ثلاثة هي خبر مبتدأ ~~محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ~~ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس، وربما يقولون ~~أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في ~~اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن. ولعل القولين مرجعهما ~~إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم ~~فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات ~~الصفات لله تعالى لا يوجب الشرك. فالأشاعرة أثبتوا لله تعالى ثمان صفات ~~قدماء. انتهوا عن التثليث واقصدوا خيرا لكم إنما الله إله واحد لا تركيب ~~فيه بوجه من الوجوه سبحانه أن يكون له ولد أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها من ~~أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه ~~عبده ورسوله موجود بأمره جسدا حيا من غير أب له ما في السماوات وما في ~~الأرض فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم ms1544 عقلا ~~أو حسا، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية. وكفى بالله ~~وكيلا وإذا كان كافيا في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى ~~القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك. # قال الكلبي: إن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن ~~صاحبكم؟ قالوا: عيسى. قال: وأي شيء أقول فيه؟ # قالوا: تقول إنه عبد الله ورسوله. فقال لهم: إنه ليس بعار لعيسى أن يكون ~~عبد الله. قالوا: # بلى. فنزل ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله # والتحقيق أن الشبهة التي عليها يعولون في دعوى أنه ابن الله هي أنه كان ~~يخبر عن المغيبات ويأتي بخوارق العادات كإحياء الأموات فقيل لهم: ن يستنكف ~~المسيح # بسبب هذا القدر من العلم والقدرة عن عبودية الله تعالى فإن الملائكة ~~المقربين أعلى حالا منه لأنهم مطلعون على اللوح المحفوظ، وقد حمل العرش مع ~~عظمته ثمانية منهم ثم إنهم لم يستنكفوا عن كونهم عبادا لله تعالى فكيف ~~يستنكف المسيح عن ذلك أي يمتنع ويأنف؟ والتركيب يدور على التنحية والإزالة ~~من ذلك نكفت الدمع أنكفه إذا نحيته عن خدك بأصبعك، ونكفت عن الشيء أي عدلت. # والقائلون بأفضلية الملائكة استدلوا بهذه الآية وقد تقدم الاستدلال بها ~~والجواب عنها والبحث عليها في سورة البقرة في تفسير قوله: وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا [البقرة: 34] # PageV02P534 # الآية. أما قوله: لا الملائكة # فإنه معطوف على مسيح # وهو الأظهر، وجوز بعضهم عطفه على الضمير في كون # أو في بدا # لمعنى الوصفية فيه فيكون المعنى: أن المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا ~~الملائكة موصوفين بالعبودية، أو لا يأنف أن يعبد الله هو والملائكة. # وفي المعنيين انحراف عن الغرض فالأول أولى. والمراد بالملائكة كل واحد ~~منهم حتى يكون خبره أيضابدا # أو يكون الخبر عبادا وحذف لدلالةبدا # عليه من يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه # أي يجمعهم يوم القيامة إليه حيث لا يملكون لأنفسهم شيئا. # ثم إنه تعالى لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولا ثواب المؤمنين المطيعين ~~فسئل إن ms1545 التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على ~~فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك: جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج ~~عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به. فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة ~~التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في ~~التفصيل في قوله: فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به أو قدم ثواب المؤمنين ~~توطئة كأنه قيل: ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور ~~العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب. أقول: لو جعل الضمير في ~~قول: سيحشرهم # راجعا إلى الناس جميعا لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ~~ومثله غير عزيز في القرآن كقوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا [الكهف: 30] ثم عاد إلى تعميم الخطاب بقوله: يا أيها ~~الناس قد جاءكم برهان الآية. فيحتمل أن يراد بالبرهان والنور كليهما ~~القرآن، ويحتمل أن يراد بالبرهان محمد صلى الله عليه وسلم لأنه يقيم ~~البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل وبالنور المبين القرآن لأن سبب لوقوع ~~نور الإيمان في القلب. فأما الذين آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله ~~وأحكامه وأسمائه واعتصموا به تمسكوا بدينه أو لجؤا إليه في أن يثبتهم على ~~الإيمان ويصونهم عن زيغ الشيطان فسيدخلهم في رحمة منه وفضل قال ابن عباس: ~~الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ويهديهم ~~إليه أي إلى عبادته صراطا مستقيما هو الدين الحنيفي والتقدير صراطا مستقيما ~~إليه، ويحتمل أن يراد بالرحمة والفضل اللذات الحسية الباقية، وبالهداية ~~اللذات الروحانية الدائمة. # ثم إنه سبحانه ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال: # يستفتونك الآية. قال أهل العلم: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين ~~إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ~~ولهذا تسمى آية الصيف. # PageV02P535 # عن جابر قال: اشتكيت فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي سبع ms1546 ~~أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت: يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث. قال: ~~أحسن. فقلت: الشطر؟ قال: # أحسن. ثم خرج وتركني قال: ثم دخل فقال: يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك ~~هذا وإن الله قد أنزل فبين الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين. # وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال: إن لي أختا فكم آخذ ~~من ميراثها إن ماتت؟ فنزلت. # هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عدا الوالد والولد ~~وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين. إن امرؤ هلك ارتفع امرؤ بمضمر ~~يفسره هذا الظاهر، ومحل ليس له ولد الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ~~ولد. اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة: الأول أن الولد ~~مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ~~ولكنها تعصبها لما # روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت ~~بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت. # فعلى هذا فلو خلف بنتا وأختا فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة. ~~الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف ~~وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت ~~لا ترث مع الوالد بالإجماع. الثالث قوله: وله أخت المراد الأخت من الأب ~~والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول ~~السورة بالإجماع. ثم قال: وهو يرثها أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر ~~الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها إن لم يكن لها ولد # أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. وأيضا إن هذا في الأخ من ~~الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا ms1547 يستغرق الميراث. وأيضا ~~المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضا مسقط للأخ # لقوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ~~ذكر» # والأب أولى من الأخ. # ثم قال: فإن كانتا يعني من يرث بالإخوة اثنتين فأنث وثنى باعتبار الخبر ~~كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله: وإن كانوا إخوة وأراد بالإخوة ~~الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة. روي أن الصديق قال في خطبة: ألا إن ~~الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد ~~والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة ~~في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ~~يبين الله لكم أن تضلوا قال البصريون: المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا. ~~وقال الكوفيون: لئلا تضلوا. وقال الجرجاني صاحب النظم: يبين الله لكم ~~الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها والله بكل شيء عليم فيكون بيانه حقا ~~وتعريفه صدقا. ختم # PageV02P536 # السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ~~ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان. ### | التأويل: # وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله ~~وإن تكفروا فالكل له لا تغلوا في دينكم لا تميلوا إلى طرفي التفريط ~~والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبيا وهموا بقتله، والنصارى ~~أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك ~~احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به ~~كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن ~~مريم» «1» . # وروح منه لأنه تكون بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك قل ~~الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي ~~الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله ~~مركوز في جبلة الإنسان فمن تخلص ms1548 جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته ~~يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذانا صما ~~وعيونا عميا فيكون في قومه كالنبي في أمته ولا تقولوا ثلاثة يعني نفوسكم ~~والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم إنما ~~الله إله واحد سبحانه أن يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم ~~الدائم أولا وآخرا وظاهرا وباطنا كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] وكفى ~~بالله وكيلا لكل هالك. ن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله # لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد ~~بقوله: إني عبد الله [مريم: 30] لا الملائكة المقربون # إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت ~~النصارى المسيح ابن الله. قد جاءكم برهان جعل نفس النبي برهانا لأنه برهان ~~بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في ~~عصاه. فمن ذلك برهان بصره ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] ومنه برهان ~~أنفه # «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن» «2» # ومنه برهان لسانه وما ينطق عن الهوى [النجم: 3] وبرهان بصاقه بصق في ~~العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي ~~والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ ~~بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده وما رميت إذ رميت PageV02P537 # [الأنفال: 17] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق ~~فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان ~~صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] ~~وبرهان قلبه # «تنام عيناي ولا ينام قلبي» «1» # نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء: 193] وبرهان كله سبحان الذي أسرى ~~بعبده [الإسراء: 1] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من ~~أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان. PageV02P538 ### | (سورة المائدة) # (مائة وعشرون آية) وهي مدنية غير آية نزلت عشية عرفة اليوم أكملت لكم ms1549 ~~دينكم حروفها أحد عشر ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون وكلماتها ألفان ~~وثمانمائة وأربع ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا ~~آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ~~(2) حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسئلونك ~~ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما ~~علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن ~~الله سريع الحساب (4) # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ~~والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد ~~حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (5) يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (6) واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ms1550 الذي ~~واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) ~~يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ~~(8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (10) يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) # PageV02P539 ### | القراآت: # ولا يجرمنكم بالنون الخفيفة: روي عن رويس. الباقون مثقلة. # شنآن في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبوبكر وحماد ويزيد من ~~طريق ابن وردان. الباقون بالفتح. أن صدوكم بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو. ~~الباقون بالفتح. ولا تعاونوا بتشديد التاء: البزي وابن فليح. الميتة وفمن ~~اضطر كما مر في البقرة. واخشوني بالياء في الوقف: سهل ويعقوب. وأرجلكم ~~بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره. ~~الباقون بالجر. ### | الوقوف: # بالعقود ط لاستئناف الفعل. حرم ط ما يريد ه ورضوانا ط فاصطادوا ط لابتداء ~~نهي أن تعتدوا لئلا يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا. # والتقوى ص لعطف المتفقتين. والعدوان ص كذلك واتقوا الله ط شديد العقاب ه ~~بالأزلام ط فسق ط واخشوني ط دينا ط لأن الشرط من تمام التحريم لا مما يليه. ~~لإثم لا لأن ما بعده جزاء. رحيم ه أحل لهم ط فصلا بين السؤال والجواب. ~~الطيبات ط للعطف أي وصيد ما علمتم. مما علمكم الله ز لفاء التعقيب مع عطف ~~المختلفين. عليه ص واتقوا الله ط الحساب ه الطيبات ط لأن ما بعده مبتدأ. ~~لكم ص لعطف المتفقتين. لهم ز لأن قوله: والمحصنات عطف على وطعام الذين لا ~~على ما يليه. أخدان ط عمله ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء ~~الكفر معنى. الخاسرين ه الكعبين ط لابتداء حكم. # PageV02P540 # فاطهروا ط كذلك. وأيديكم منه ط تشكرون ه واثقكم به لا ms1551 لأن «إذ» ظرف ~~المواثقة. وأطعنا ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض. واتقوا الله ط الصدور ه ~~بالقسط ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف. ألا ~~تعدلوا ط للاستئناف. اعدلوا ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال ~~المعنى. # للتقوى ز واتقوا الله ط بما تعملون ه الصالحات لا لأن ما بعده مفعول ~~الوعد أي أن لهم. عظيم ه الجحيم ه أيديهم عنكم ج لاعتراض الظرف بين ~~المتفقين. # واتقوا الله ط المؤمنون ه. ### | التفسير: # وفي بالعهد وأوفى به بمعنى. والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق ~~والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام. والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء ~~تكاليفه فعلا وتركا. والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه ~~وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا ~~بها. ومعنى تسمية التكاليف عقودا أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء ~~بالشيء بالحبل الموثق. قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح ~~الولد لغا # لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية الله» «1» . # وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى: أوفوا بالعقود غايته ~~أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعا في يوم العيد وفي خصوص كون ~~الذبح في الولد. وقال أيضا خيار المجلس غير ثابت لقوله: أوفوا بالعقود وخصص ~~الشافعي عموم الآية # بقوله: صلى الله عليه وسلم: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم ~~يتفرقا» . # وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ولا ~~تعزموا عقدة النكاح [البقرة: 235] وقال: أوفوا بالعقود ترك العمل به في ~~الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل. والشافعي خصص هذا العموم ~~بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم. ثم إنه سبحانه لما ~~مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا أشكل. وهذا باب مبهم ~~أي مسدود. ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في ms1552 البر والبحر. والأنعام هي: ~~المال الراعية من الإبل والبقر والغنم. قال الواحدي: ولا يدخل في اسم ~~الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام ~~للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من. وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو ~~قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة PageV02P541 # الإجمال ثم التبيين. وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها. وجمع ~~الأنعام لأن النعم مفردا يقع في الأكثر على الإبل وحدها. وقيل: المراد ~~بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة ~~الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس ~~الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه. ~~الثاني أنها الأجنة. عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن ~~عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام. وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام ~~وذكاته ذكاة أمه، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصا ~~إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له ~~لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا ~~يكون الذبح مباحا حلالا، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه ~~تعالى يدفع ألم الذبح عن الحيوانات. وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح ~~إذا لم يكن مسبوقا بجناية ولا ملحوقا بعوض، وهاهنا يعوض الله سبحانه وتعالى ~~هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلما وقبيحا كالفصد والحجامة لطلب ~~الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه ~~فلا اعتراض عليه ولذا قال: إن الله يحكم ما يريد قال بعضهم: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو ~~صوفها أو بالكل. والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار ~~الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع. على أن قوله: والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون [النحل: 5] يدل على الانتفاع بها ms1553 من كل ~~الوجوه، إلا أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: إلا ما يتلى ~~عليكم أي إلا محرم ما يتلى عليكم أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه. وأجمع ~~المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: حرمت عليكم الميتة والدم. والثاني ~~قوله: غير محلي الصيد وأنتم حرم أي داخلون في الحرم أو في الإحرام. قال ~~الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل. وقيل: مفرد يستوي فيه ~~الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: غير محلي على الحال من الضمير ~~في: لكم أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي ~~الحرم. ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال ~~وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟ فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض ~~على حكمه ولا سؤال بلم وكيف. ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله الأكثرون على أنها جمع شعيرة: # «فعيلة» بمعنى: «مفعلة» . وقال ابن فارس: واحدها شعارة. ثم المفسرون ~~اختلفوا على # PageV02P542 # قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين ~~الله. والثاني أنها شيء خاص من التكاليف. ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم ~~الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد. وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج ~~التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر. وقال الفراء: كانت ~~عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي ~~بينهما. وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم ~~أنها هدي. # وقال ابن عباس: إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلام تدعو الناس؟ فقال: إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. فقال: حسن إلا أن لي أمراء لا ~~أقطع أمرا ms1554 دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأصحابه: # يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده. فلما خرج قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبى غادر وما الرجل بمسلم. فمر بسرح المدينة ~~فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان ~~قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل ~~الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله # يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام. # وقال زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية ~~حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون ~~العمرة، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصد هؤلاء عن البيت كما ~~صدنا أصحابهم؟ # فأنزل الله: لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ~~ولا آمين البيت الحرام # أي قوما قاصدين إياه. والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم ~~أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا ~~القتال في هذه الأشهر. والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من ~~النسائك جمع هدية. والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة ~~مزادة أو لحاء شجر الحرم. والمراد لا تحلوا ذوات القلائد من الهدي أفرد ~~للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال. ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ~~ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ولا يبدين زينتهن ~~[النور: 31] فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها. ~~وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي ~~وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون ms1555 جميعا فنهى ~~المسلمون أن يمنعوا أحدا عن # PageV02P543 # حج البيت بقوله: لا تحلوا ثم نزل بعد ذلك: إنما المشركون نجس [التوبة: ~~28] ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [التوبة: 17] وهؤلاء فسروا ~~ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأن المشركين كانوا يظنون في ~~أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقربهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم. ~~وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه تعالى أمرنا أن لا نخيف من يقصد بيته من ~~المسلمين بدليل قوله: يبتغون فضلا من ربهم أي ثوابا ورضوانا وأن يرضى عنهم ~~وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر. وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار ~~الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما زال العهد بسورة ~~براءة زال ذلك الخطر. وإذا حللتم فاصطادوا ظاهر الأمر للوجوب إلا أنه يفيد ~~هاهنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ولا يجرمنكم ~~معطوف على لا تحلوا وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعديه إلى مفعول ~~واحد تارة وإلى مفعولين أخرى. # تقول: جرم ذنبا نحو كسبه وجرمته ذنبا نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في ~~الآية. الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك ~~شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان والخفقان. ~~والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجىء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري. ~~ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على ~~الاعتداء. وقوله: أن صدوكم من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ~~لا يجرمنكم، ومن قرأ بفتح «أن» فمعناه التعليل أي لأن صدوكم. # قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية. ~~وتعاونوا على البر والتقوى على العفو والإغضاء أو على كل ما يعد برا وتقوى. ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان على الانتقام والتشفي أو على كل ms1556 ما يورث ~~الإثم والتجاوز عن الحد. والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ~~ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما ~~فيه تقوى الله سبحانه وتعالى. ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: واتقوا الله أي ~~في استحلال محارمه. # إن الله شديد العقاب. ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ~~إلا ما يتلى عليكم فقال: حرمت عليكم الميتة الآية. والمجموع المستثنى أحد ~~عشر نوعا: # الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله. ~~قالت العقلاء: # الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه ~~احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة. الثاني الدم كانوا ~~يأكلون الفصيد وهو دم كان # PageV02P544 # يجعل في معى من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: «لم ~~يحرم من فصد له» أي فصد له البعير وربما يقال: «من فزد له» . الثالث لحم ~~الخنزير. قالت العلماء: الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل ~~للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء، والخنزير مطبوع على ~~الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته. وأما الغنم فإنها في ~~غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال ~~الإنسان. والرابع: ما أهل لغير الله به والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون ~~عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه ~~الأنواع الأربعة فليرجع إليها. الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون ~~الشاة فإذا ماتت أكلوها. وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين ~~في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام. السادس الموقوذة ~~وهي المقتولة بالخشب. وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات. ~~السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو ~~سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على ms1557 الأرض ~~فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم. الثامن ~~النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة ~~داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان. والهاء ~~في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ~~ما يأكله الناس وإلا فالحكم عام. وإنما أنث النطيحة مع أن «فعيلا» بمعنى ~~«مفعول» لا يدخله الهاء كقولهم: # كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل. لأن الموصوف غير مذكور. تقول: مررت ~~بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلا يقع الاشتباه. ~~التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس ~~الحيوان كالأسد وما دونه. # قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئا فقتله وأكل بعضه أكلوا ~~ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله ~~السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي. قوله: إلا ما ذكيتم الذكاء ~~في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي ~~الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوة ~~اشتعالها، والتذكية كمال الذبح. أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن ~~وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: والمنخنقة إلى قوله: وما أكل السبع ~~والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو رجلا ~~تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة. وقيل: إنه مختص بقوله: ~~وما أكل السبع. وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ~~ذكيتم من غير هذا # PageV02P545 # فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلا ما ذكيتم فإنه لكم ~~حلال. العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما ~~نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري. وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ~~وما أهل لغير الله به وقال ابن جريج: ms1558 النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار ~~مصورة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون ~~عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ~~ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعا عليها. ~~وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف. الحادي عشر ما ~~أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا ~~بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلا منهما عند ~~البيت كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا آخر من ~~معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: «أمرني ربي» وعلى ~~بعضها: # «نهاني ربي» وتركوا بعضها غفلا أي خاليا عن الكتابة. فإن خرج الأمر أقدم ~~على الفعل، وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل. فمعنى الاستقسام ~~بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح. وقال كثير من أهل ~~اللغة: الاستقسام هاهنا هو الميسر المنهي عنه. والأزلام قداح الميسر ~~والتركيب يدور على التسوية والإجادة. يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سواه ~~ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة. ذلكم فسق ~~إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع إلى ~~الاستقسام بالأزلام فقط. وكونه فسقا بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب ~~الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من ~~الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقا وكفرا. وقال ~~الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه تعالى مختص بمعرفته، وضعف بأن ~~طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب ~~الكرامات والفراسات. # ثم إنه سبحانه حرض على التمسك بما شرع فقال: اليوم يئس قيل: ليس المراد ~~يوما بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الماضية ~~والآتية كقولك: كنت بالأمس شابا وأنت اليوم شيخ. وقيل: المراد يوم معين ~~وذلك أنها ms1559 نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر ~~والنبي صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته العضباء. وعن ابن عباس أنه قرأ ~~الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيدا. # فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق ~~يوم عرفة أي # PageV02P546 # يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله تعالى محرمة أو يئسوا ~~من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ~~فلا تخشوهم واخشون أخلصوا إلى الخشية. قيل: في الآية دليل على أن التقية ~~جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار. اليوم ~~أكملت لكم دينكم سئل هاهنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصا قبل ذلك، وكيف ~~يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مواظبا على الدين الناقص أكثر عمره؟ ~~وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا. وزيف بأن ~~السؤال بعد باق لأن ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدو ناقصا. ~~وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال ~~والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ~~ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ~~غير جائز. والمختار في الجواب أن الدين كان أبدا كاملا بمعنى أن الشرائع ~~النازلة من عند الله في كل وقت- ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ~~ذلك- كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على ~~حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة. قال نفاة القياس: إكمال ~~الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصا عليه فلا فائدة في القياس. وأجيب بأن ~~إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها. قالوا: تمكين ~~كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالا للدين وإنما يكون ms1560 إلقاء ~~للناس في ورطة الظنون والأوهام. # وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد ~~قاطعا بأنه عامل بحكم الله. # روي أنه لما نزلت الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فرح الصحابة ~~وأظهروا السرور إلا أكابرهم كأبي بكر الصديق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس ~~بعد الكمال إلا الزوال. # وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلا أحدا وثمانين يوما أو اثنين ~~وثمانين يوما ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص. قال ~~العلماء: كان ذلك جاريا مجرى إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن قرب وفاته ~~وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزا. واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين- سواء ~~قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل- لا يحصل إلا ~~بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلا وأصله منه. والمعتزلة ~~حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع. ثم قال: وأتممت عليكم ~~نعمتي أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح ~~مكة ودخولها آمنين ظاهرين ورضيت أي اخترت لكم الإسلام دينا # نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت. واعلم أن قوله: ذلكم ~~فسق إلى هاهنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأن تحريم هذه الخبائث من جملة ~~الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس # PageV02P547 # من بين سائر الأديان. ثم بين الرخصة بقوله: فمن اضطر في مخمصة أي في ~~مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن غير متجانف منصوب باضطر أو بمضمر أي فتناول ~~غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصيا بسفره، وقد مر القول في هذه ~~الرخصة مستوفي في سورة البقرة. # يسئلونك ماذا أحل لهم كأنهم حين تلي عليهم ما حرم عليهم من خبيثات المآكل ~~سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول. وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على ~~حكاية قولهم نظرا إلى ضمير الغائب في: يسئلونك ومثل هذا يجوز فيه الوجهان. ~~تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن. أما ms1561 سبب النزول # فعن أبي رافع أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~جبريل: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو. ~~قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلبا إلا قتلته حتى بلغت العوالي ~~فإذا امرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا ~~رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى أن نزلت هذه الآية. فأمر بقتل الكلب الكلب والعقور وما يضر ~~ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها. # وقال سعيد بن جبير: نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب ~~والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما ~~نقتل فلا ندرك وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: قل أحل لكم ~~الطيبات # أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس ~~مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، ~~واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد هو الذي خلق لكم ~~ما في الأرض جميعا [البقرة: 29] واستثنى من ذلك أصول: الأول: تنصيص الكتاب ~~على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما. الثاني: تنصيص السنة كما # روي عن جمع من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن نكاح ~~المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير. # ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما # روي عن جابر أنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال ~~والحمير ولم ينهنا عن الخيل. # الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر ms1562 كالخمر فيشاركها في ~~التحريم. الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى ~~السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد ~~والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي # PageV02P548 # والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير. الخامس: ما أمر بقتله من ~~الحيوانات فهو حرام لأن الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه. ولو كان ~~مأكولا لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة. ومنه الفواسق ~~الخمس. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية ~~والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة» . «1» # السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولا لجاز ذبحه ~~ليؤكل كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة ~~والنحلة والهدهد والخفاش. # السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله تعالى: قل أحل لكم الطيبات قال ~~العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ~~ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع ~~الشرع. فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأن الدين عربي وهم المخاطبون أولا وليس ~~لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان ~~القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم. وأيضا يعتبر أصحاب ~~اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات. وأيضا المعتبر حال الخصب ~~والرفاهية دون حال الجدب والشدة. والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب ~~والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلا الضب # فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا آكله ولا أحرمه» . # ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل ~~الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل. ومن ~~الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن ~~الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن. قوله سبحانه: وما ~~علمتم من الجوارح معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة فكلوا ~~مما أمسكن عليكم ويجوز أن تكون ms1563 «ما» شرطية والجزاء فكلوا وعلى هذا يجوز ~~الوقف على الطيبات. والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد ~~والبازي والصقر. قال تعالى: ويعلم ما جرحتم بالنهار [الأنعام: # 6] أي كسبتم. وجوز بعضهم أن يكون من الجراحة. وقال: ما أخذ من الصيد فلم ~~يسل منه دم لم يحل. وانتصاب مكلبين على الحال من علمتم. وفائدة هذه الحال ~~مع الاستغناء عنها ب علمتم أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهرا في علمه ~~مدربا فيه موصوفا بالتكليب. نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير ~~الكلاب فلم يدرك PageV02P549 # ذكاته لم يجز أكله لأن قوله: مكلبين يدل على كون هذا الحكم مخصوصا ~~بالكلب. # والجمهور على أن الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع. قالوا: ~~المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأن تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة ~~هذا المعنى في جنسه، أو لأن كل سبع يسمى كلبا # كقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد» . # أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصا ~~عليه. وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ~~ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها. ~~تعلمونهن حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأن بعضه ~~إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ~~وانزجاره بزجره. واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلما أمور منها: أن ~~ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدته، يشترط ~~أن ينزجر بزجره أيضا على الأشبه فيه يظهر التأدب. ومنها أن يسترسل بإرسال ~~صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج. ومنها أن يمسك الصيد لقوله: فكلوا مما أمسكن ~~عليكم وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا ~~يأكل منه # لقوله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما ~~أمسكه على نفسه. # وجوارح الطير يشترط ms1564 فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا ~~مطمع في انزجارها بعد الطيران. # ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث يغلب على الظن تأدب الجارحة بها ~~وأقله ثلاث مرات. ولم يقدر الأكثرون عدد المرات كأنهم رأوا العرف مضطربا، ~~وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها. وعن سلمان الفارسي ~~وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو ~~أن يحفظه ولا يتركه. ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد ~~أكلها منه. و «من» في مما أمسكن قيل زائدة نحو كلوا من ثمره [الأنعام: 141] ~~وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش. وقال سعيد بن ~~جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من ~~الكلب. والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ~~ممكن. ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيدا وجرحته وقتلته ~~وأدركه الصائد ميتا فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير ~~جرح ففي حله خلاف. أما قوله سبحانه: واذكروا اسم الله عليه فالضمير إما أن ~~يعود إلى مما أمسكن أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم أي ~~سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام. وعلى الأول ~~فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء ~~تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. # PageV02P550 # اليوم أحل لكم الطيبات فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال ~~الدين واستقراره وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم الأكثرون على أن المراد ~~بالطعام الذبائح لأن ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأن ما سوى ~~الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى ~~لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة. وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز ~~والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة. وقيل: إنه جميع المطعومات. وطعامكم ms1565 ~~حل لهم أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعالى ~~إطعامهم من ذبائحنا. وأيضا فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح ~~حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ~~والمحصنات الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح ~~الإماء. وقد يرجح الأول بأنه تعالى قال: إذا آتيتموهن أجورهن ومهر الإماء ~~لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات هاهنا مطلق ونكاح الأمة ~~مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهرا على ~~تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم. ولو حملنا المحصنات على الحرائر ~~لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في ~~حق الحرة أكثر ثبوتا منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم احتج بها كثير من الفقهاء في أنه ~~لا يحل نكاح الكتابية إلا إذا دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول الفرقان، ~~لأن قوله: # من قبلكم ينافي من دان بهما بعد نزوله. وكان ابن عمر لا يرى نكاح ~~الكتابيات أصلا متمسكا بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة: ~~221] ويقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها إن ربها عيسى. وأول الآية بأن ~~المراد التي آمنت منهن. فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا ~~آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟ وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك ~~الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب. لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم [آل عمران: 118] وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ~~ولد ويميل إلى دين الأم. وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل ~~الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن. وأكثر الفقهاء على أن ذلك مخصوص ~~بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم ~~يحل لقوله تعالى: حتى يعطوا الجزية [التوبة: 29] واتفقوا على أن المجوس ms1566 قد ~~سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. ~~إذا آتيتموهن أجورهن فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقا كان ~~كالزاني. والزنا # PageV02P551 # ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل ~~الإسرار فحرمهما الله تعالى في الآية وأحل التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو ~~التزوج بالشروط والأركان. ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ومن ~~يكفر بالإيمان أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ~~ورسوله. وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله. وقال ~~قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في ~~الإيمان فقد خاب وخسر. وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة ~~وإباحة الذبائح في الدنيا إلا أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأن كل من كفر ~~بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ~~البتة. واعلم أن القائلين بالإحباط فسروا قوله: فقد حبط عمله بأن عقاب كفره ~~يزيل ما كان حاصلا له من ثواب أعماله. ومنكروا الإحباط قالوا: إن عمله الذي ~~أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتدا به وكان ضائعا في نفسه. ثم ~~إنه سبحانه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلا قال: عهد ~~الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية ~~فأجاب الله تعالى نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع ~~الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبين الحلال والحرام من ~~المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم. وعند تمام هذا ~~البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ~~ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها. # ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: إذا قمتم نفس ~~القيام وإلا لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضا لو غسل ~~الأعضاء قبل الصلاة قاعدا ms1567 أو مضطجعا لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا ~~شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك. # ووجه هذا المجاز أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب ~~على السبب مجاز مستفيض. الثانية: ذهب قوم إلى أن الأمر بالوضوء تبع للأمر ~~بالصلاة وليس تكليفا مستقلا لأنه شرط القيام إلى الصلاة. والأصح أنه عبادة ~~برأسها لأن قوله: فاغسلوا أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيؤ ~~للصلاة. وأيضا إنه طهارة وقد قال تعالى في آخر الآية: ولكن يريد ليطهركم # وقال صلى الله عليه وسلم: «بني الدين على النظافة» # وقال: «أمتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة» «1» # والأخبار الواردة في كون الوضوء سببا لغفران PageV02P552 # الذنوب كثيرة. الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد ~~قياما واحدا في صلاة واحدة وإلا لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك ~~المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم. وأيضا ذكر الحكم ~~عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام ~~إلى الصلاة. وأيضا إنه نظافة فلا يكون منها بد عند الاشتغال بخدمة المعبود. ~~وقال سائر الفقهاء: إن كلمة «إذا» لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا ~~دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانيا. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة إلا يوم الفتح ~~فإنه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات كلها بوضوء واحد. # قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمدا فعلت ذلك يا عمر. أجاب داود بأن خبر ~~الواحد لا ينسخ القرآن. وأيضا في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل ~~صلاة لا أقل من استحباب ذلك. الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأول يوجب ~~المتابعة والثاني مرجوع لأن الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها. وأيضا ~~التجديد أحوط، وأيضا دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية ~~أقوى. ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوط والمجامع واجب ~~إذا لم يجد الماء لقوله: أو جاء أحد منكم من الغائط الآية. ms1568 # وذلك يدل على أن وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم ~~يكن هو مؤثرا وحده، وإذا لم يكن مؤثرا مستقلا جاز تخلف الأثر عنه. نعم ~~التجديد مستحب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا ~~يتوضؤن لكل صلاة # وقال صلى الله عليه وسلم: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» # وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجبا أول ما فرض ثم نسخ. الرابعة: # الأصح أن في الآية دلالة على أن الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل ~~الصلاة بالطهور، ثم بين أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلا بالتيمم، فلو ~~لم يكن شرطا لم يكن كذلك. وأيضا إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون ~~الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف. ~~الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطا في الوضوء لأنها غير مذكورة في ~~الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز. ~~وعند الشافعي هي شرط فيه لأن الوضوء مأمور به لقوله: فاغسلوا وامسحوا وكل ~~مأمور به يجب أن يكون منويا لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين [البينة: 5] والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب أن يكون ~~معتبرا. وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل ~~التخصيص. # السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا ~~تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز. ~~وقال الشافعي: # PageV02P553 # إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: فاغسلوا توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر ~~الأعضاء على الترتيب. # وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الصفا: «ابدءوا بما بدأ الله به» «1» . # وأيضا الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو ~~بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح. ثم إنه تعالى ~~أدرج الممسوح في المغسول فذل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن ~~إهمال الترتيب ms1569 في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله تعالى عنه. وأيضا ~~إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع ~~آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة # لقوله: المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا «2» # وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم ~~نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة ~~والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على ~~مورد النص. ولعل في الترتيب حكما خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد. وقد ~~أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن ~~مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى. السابعة: قال ~~الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه ~~الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل ~~التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه. ~~وأيضا # روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا توضأ وترك لمعة من عقبه فأمره ~~بغسلها ولم يأمره بالاستئناف ولم يبحث عن المدة الفاصلة، # وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها. وحد التفريق ~~المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ~~ومزاج الشخص. الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء ~~لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عند ما ~~لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولا به عند خروج الخارج النجس. ~~وخالفه الشافعي تعويلا على ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه. # التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد ~~وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية. PageV02P554 # العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود ~~تنقض الوضوء. وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم ms1570 الآية. ~~الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء. ~~وقال الشافعي: ينقض متمسكا بالعموم. الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه ~~نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءا؟ قال في ~~التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب. قال: والذي أقوله أنه ~~يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: فاغسلوا وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا ~~يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى ~~التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط. الثالثة عشرة: لو وقف تحت ~~ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟ يمكن أن يقال: لا ~~لأنه لم يأت بعمل. وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو ~~الانغسال. الرابعة عشرة: # إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ~~ذلك الوضع غير مغسول. الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء ~~عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك ~~مأمور بالتطهير لقوله: # ولكن يريد ليطهركم والتطهير يحصل بالترطيب. السادسة عشرة: لو أمر الثلج ~~على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلا فلا خلافا لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا ~~وهذا ليس بغسل. # السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة. الثامنة عشرة: ~~السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافا لأحمد ~~وإسحاق، وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافا لبعضهم. التاسعة عشرة: ~~قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق ~~يجب فيهما. أبو حنيفة: # يجب في الغسل لا في الوضوء. حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو ~~الذي يكون مواجها وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولا، ومن ~~الأذن إلى الأذن عرضا، وداخل الفم والأنف غير مواجه. العشرون: ابن عباس: ~~يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه. الباقون: لا يجب ms1571 ~~لقوله في آخر الآية: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج # وإدخال الماء في العين حرج. الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين ~~العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف. لنا أنه ~~واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله ~~كله. الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية ~~الخفيفة. الشافعي: يجب لقوله: فاغسلوا ترك العمل عند كثافة اللحية دفعا ~~للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل. # PageV02P555 # الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية ~~النازلة طولا والخارجة إلى الأذنين عرضا لأنه مواجه. مالك وأبو حنيفة ~~والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها. الرابعة ~~والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت ~~لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعا ~~للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصا الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل. # الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة ~~مواضع: # العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: فاغسلوا يدل على وجوب ~~غسل كل جلدة الوجه، ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعا للحرج وهذه الشعور ~~خفيفة غالبا فتبقى على الأصل. السادسة والعشرون: الشعبي: ما أقبل من الأذن ~~فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح ورد بأن الأذن غير مواجه ~~أصلا. السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين ~~وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: # وأرجلكم إلى الكعبين والتحقيق أن «إلى» تفيد معنى الغاية مطلقا، والمراد ~~بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية. ثم إن حد الشيء قد يكون منفصلا عن ~~المحدود حسا انفصال الظلمة عن النور في قوله: ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~[البقرة: 187] فيكون الحد خارجا عن المحدود. وقد لا يكون كذلك نحو حفظت ~~القرآن من أوله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل ~~الحد في المحدود. ولا شك أن ms1572 المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك ~~لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل ~~إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعا. وإن سلم أن المرفق ~~لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف ~~العظم لا يجب غسله. وهذا الجواب اختيار الزجاج. وعلى هذا فمقطوع اليد من ~~المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم ~~يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلا. الثامنة والعشرون: تقديم ~~اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافا لأحمد. لنا أنه ذكر الأيدي ~~والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين. التاسعة والعشرون: ~~ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف ~~إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل. # وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في ~~الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل. الثلاثون: لو نبت من ~~المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: وأيديكم إلى المرافق كما لو ~~نبت على الكف أصبع # PageV02P556 # زائدة. الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب ~~فقط لما # ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة. # الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس. # أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وأنها ~~ربع الرأس. # الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل ~~فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في ~~صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلا احتيج في تعيين ~~المقدر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل. الثالثة ~~والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحا للرأس. ~~وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما # روي أنه صلى ms1573 الله عليه وسلم مسح على العمامة. # وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة. الرابعة ~~والثلاثون: # اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره # عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~رضي الله عنه أن الواجب فيهما المسح # وهو مذهب الإمامية. وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل. # وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية. وقال ~~الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل. حجة من ~~أوجب المسح قراءة الجر في: وأرجلكم عطفا على: برؤسكم ولا يمكن أن يقال إنه ~~كسر على الجوار كما في # قوله: «حجر ضب خرب» # لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضا إنه جاء حيث لا لبس ~~ولا عطف بخلاف الآية. وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل برؤسكم. حجة ~~الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد ~~إنما جاء في الغسل لا في المسح. والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تعارض ~~القرآن ولا تنسخه وبالمنع في محل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة ~~في العطف على مفعول: فاغسلوا وإن كان أبعد من: امسحوا وقراءة الجر تنبيه ~~على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف. ~~الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من ~~جانبي الساق. وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع ~~تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات. ~~والمفصل يسمى كعبا ومنه كعوب الرمح لمفاصله. حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ~~ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعبا واحدا وكان ينبغي أن يقال: ~~وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقا واحدا لا جرم ~~قال: إلى المرافق. وأيضا العظم # PageV02P557 # المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا أهل العلم بتشريح ~~الأبدان، والعظمان ms1574 الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ~~ليس إلا أمرا ظاهرا ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ألصقوا الكعاب بالكعاب» . # السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافا للشيعة والخوارج. ~~حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة ~~عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر. # السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي ~~عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك ~~أيضا لأن قوله: # فاغسلوا وامسحوا مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف. ~~الثامنة والثلاثون: قوله سبحانه: وإن كنتم جنبا فاطهروا الأصل «تطهروا» ~~أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل. وللجنابة سببان: نزول المني # لقوله صلى الله عليه وسلم: «الماء من الماء» «1» # والثاني التقاء الختانين خلافا لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» «2» # وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن ~~شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة في أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج ~~الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، ~~والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة ~~هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها. التاسعة والثلاثون: لا يجوز ~~للجنب مس المصحف خلافا لداود. لنا قوله: فاطهروا يدل على أن الطهارة غير ~~حاصلة وإلا لكان أمرا بتطهير الطاهر وحينئذ لا يجوز له مس المصحف لقوله: لا ~~يمسه إلا المطهرون [الواقعة: 79] ولإطلاق قوله: فاطهروا علم أنه أمر بتحصيل ~~الطهارة في كل البدن وإلا خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، ~~وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافا لأبي ثور وداود، وعلم أن ~~الترتيب غير واجب خلافا إسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك ~~غير واجب خلافا لمالك. PageV02P558 # الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في ms1575 الغسل # لقوله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا ~~قد طهرت» «1» # أبو حنيفة: هما واجبان لقوله تعالى: # فاطهروا والتطهير لا يحصل إلا بطهارة جميع الأعضاء. ترك العمل به في ~~الأعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلا في ~~النص ولأن # قوله صلى الله عليه وسلم: «بلوا الشعر» «2» # يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعرا: # «وأنقوا البشرة» «3» # يدخل فيه جلدة داخل الفم. الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم ~~يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافا ~~للنخعي. الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلا في ~~بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط. ~~وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحا غسل الصحيح دون التيمم وإن كان ~~أكثره جريحا يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالا في بعض أعضائه فهو مريض. ~~الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقا منع وصول الماء إلى ~~البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف. قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق ~~حتى يصل التراب إليه أخذا بالأحوط. وقال الأكثرون: لا يجب دفعا للحرج. ~~الرابعة والأربعون: # قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار # لقوله صلى الله عليه وسلم: «فليستنج بثلاثة أحجار» «4» # وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم ~~يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب. الخامسة والأربعون: لمس المرأة ~~ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة ~~النساء. السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله تعالى: فلم ~~تجدوا ماء وهاهنا قد وجد ماء وخالف مجاهد. السابعة والأربعون: أبو حنيفة ~~وأحمد: لا يكره المشمس لقوله تعالى: # فلم تجدوا ماء وهذا قد وجد ماء. الشافعي يكره للحديث. الثامنة والأربعون: ~~لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء ~~فلا يتيمم، وقد توضأ النبي صلى الله ms1576 عليه وسلم من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ~~ماء في جرة نصرانية. وقال أحمد وإسحق: لا يجوز. التاسعة والأربعون: يجوز ~~الوضوء بماء البحر لأنه واجد الماء خلافا لعبد الله بن PageV02P559 # عمرو بن العاص. الخمسون: جوز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر ~~للحديث ولم يجوزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء. الحادية ~~والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات ~~الطاهرة، والأكثرون لا يجوز. # حجتهما: فاغسلوا أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال ~~الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها. لنا: أنه عند عدم الماء أوجب ~~التيمم. الثانية والخمسون: # الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيرا فاحشا لا يجوز الوضوء به لأن ~~واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء. وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود ~~بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق. ~~الثالثة والخمسون: مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهرا طهورا ~~لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي. # والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة ~~في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية. الرابعة ~~والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهرا طهورا قليلا ~~كان أو كثيرا وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. وقال الشافعي: إن كان أقل من ~~القلتين ينجس. وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس. حجة مالك ~~أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة ~~في الباقي ويؤيده # قوله صلى الله عليه وسلم: «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه ~~أو ريحه أو لونه» «1» # حجة الشافعي مفهوم # قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» «2» . # الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، ~~وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول ~~الحسن وسعيد بن المسيب. السادسة والخمسون: أسار السباع، طاهرة ms1577 مطهرة وكذا ~~سؤر الحمار لأنه واجد للماء. وقال أبو حنيفة: نجسة. السابعة والخمسون: قال ~~الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: فتيمموا ~~والتيمم عبارة عن القصد وهو النية. وقال زفر: لا يجب. الثامنة والخمسون: ~~الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة ~~قبل الوقت. أبو حنيفة: يجوز قياسا على الوضوء ولظاهر قوله: إذا قمتم ~~والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها. التاسعة والخمسون: PageV02P560 # لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله تعالى: صعيدا طيبا. الستون: لا خلاف في ~~جواز التيمم بدلا عن الوضوء، # أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي رضي الله عنه وابن عباس جوازه # وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز. لنا قوله تعالى: ~~أو لامستم إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه. الحادية والستون: الشافعي: ~~لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: إذا قمتم يقتضي ~~إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيبقى في التيمم على ظاهره. أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به ~~كالوضوء. أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين. الثانية ~~والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له ~~التيمم لأن قوله: إذا قمتم يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز ~~له التيمم. وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره. # الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل ~~تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم. وخالف أبو ~~موسى الأشعري والشعبي. الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا ~~يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافا لطاوس. الخامسة ~~والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها- وبه قال ~~مالك وأحمد-، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا ~~يصير قادرا على استعمال ms1578 الماء، وما لم يصر قادرا على استعمال الماء لم تبطل ~~صلاته فيدور. وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد ~~للماء. # السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء ~~لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف. والثاني لا ~~يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل ~~رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله. ولو تيقن ~~الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على ~~أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف. وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز. السابعة ~~والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء ~~فإن كان قد علمه أولا ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن لم يكن ~~عالما فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلا فلا لأنه كالعاجز. الثامنة ~~والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلا بالغبن الفاحش جاز ~~التيمم لقوله: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولو وهب منه الماء لزمه ~~القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ~~ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل ~~الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء. # PageV02P561 # واعلم أن قوله سبحانه وتعالى: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج أصل معتبر ~~في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة. ~~وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكورا ~~في الكتاب والسنة فذاك وإلا فإن كان من باب المضار فالأصل فيها الحرمة، وإن ~~كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين ~~يكون قياسا واقعا في مقابلة النص فيكون مردودا. أما قوله: ولكن يريد ~~ليطهركم فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن ms1579 عند خروج ~~الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك ~~النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقوله تعالى: # إنما المشركون نجس [التوبة: 28] # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا ينجس لا حيا ولا ميتا» «1» # وبأنه لو كان رطبا فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد ~~صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير ~~الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، ~~وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في ~~التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام ~~غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوسا ولا من ~~الأعراض لأن انتقال الأعراض محال. التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن ~~صفة التمرد عن طاعة الله تعالى لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء ~~المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد ~~محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه ~~من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه. وليتم نعمته عليكم بإباحة ~~الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض ~~الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه. ثم ذكر ما يوجب ~~عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: # الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن ~~هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات ~~والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه ~~لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد ~~لنواهيه. فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل PageV02P562 # نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟ فالجواب أنها صارت ~~لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد ~~التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي. ms1580 الثاني ذكر الميثاق ~~ومعنى: واثقكم به عاقدكم به عقدا وثيقا يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت ~~الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه. وعن ابن عباس: هو ~~الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من ~~البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: # إنه إشارة إلى قوله للذرية: ألست بربكم قالوا بلى [الأعراف: 172] وقال ~~السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين. # واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلا أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله ~~وإليه الإشارة بقوله: كونوا قوامين لله والشفقة على خلق الله وحث عليها ~~بقوله: شهداء بالقسط قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا ~~تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ~~ما يشهد عليه. ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدا إلا على سبيل العدل ~~والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ولا يجرمنكم أي لا يحملنكم بغض قوم ~~على ألا تعدلوا أي فيهم فحذف للعلم. ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل ~~تأكيدا فقال: اعدلوا ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: هو أي ~~العدل الذي دل عليه اعدلوا أقرب للتقوى أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من ~~معاصيه. وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن ~~البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من ~~مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك. وفي هذا تنبيه ~~على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه ~~وأحبائه؟ ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: لهم مغفرة ~~بيان للوعد قدم لهم وعدا، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟ فقيل: لهم مغفرة أو ~~يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمنا معنى ~~قال، أو يجعل وعد واقعا على هذا القول ms1581 وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على ~~كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في ~~وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجز أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل. وهذا ~~الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه ~~الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نورا وفي عرصة القيامة فيزيده حبورا. ~~والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: قالوا ابنوا ~~له بنيانا فألقوه في الجحيم # PageV02P563 # [الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها. بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط ~~إليه اليد مدها إلى المبطوش به. # عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه ~~يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه على شجرة فجاء أعرابي ~~إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك ~~مني؟ قال: الله- قالها ثلاثا- والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله. فأغمد ~~الأعرابي السيف فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي ~~وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه. # وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: قتل رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلين من بني سليم- وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة- ~~فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبوبكر وعمر ~~وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في ~~عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس ~~حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: ~~إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة ~~فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا. فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها ~~عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنزل الله هذه الآية. # وقيل: نزلت في قصة عسفان حين هم الأعداء أن ms1582 يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف. ~~وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبدا كانوا يريدون ~~إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار ~~وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان. ### | التأويل: # سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن ~~الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة أوفوا أيها العشاق بالعقود ~~التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق. فمن صبر على عهوده فقد فاز ~~بمقصوده عند بذل وجوده أحلت لكم ذبح بهيمة النفس التي كالأنعام في طلب ~~المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] ~~فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم وأنتم حرم بالتوجه إلى كعبة ~~الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال إن الله يحكم ما يريد لمن ~~يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمية وبترك ذبحها إذا كانت ~~مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك. ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق ~~الضمائر فقال: يا أيها الذين آمنوا بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب ~~وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار لا تحلوا معالم الدين ~~والشريعة ومراسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان ~~والقاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها ~~بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء # PageV02P564 # الخبيثة وإذا حللتم أتممتم مناسك الوصول فاصطادوا أرباب الطلب بشبكة ~~الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدوكم عن الحق ~~على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق. حرمت ~~عليكم يا أهل الحق الميتة وهي الدنيا بأسرها والدم ولحم الخنزير أي حلالها ~~وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم ~~بالنسبة إلى اللحم قليل وما أهل به أي كل طاعة هي لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء ~~وسمعة والمتردية والنطيحة الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة ~~بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم ms1583 والزهد بين الإخوان وما أكل السبع ~~الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب إلا ما ذكيتم بالكسب الحلال ~~ووجه صالح بقدر ضرورة الحال وما ذبح على النصب ما تذبح عليه النفوس من ~~المطالب الفانية وأن تستقسموا بالأزلام أي أن تكونوا مترددين في طلب ~~المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكم ~~نهارا وظلمتكم أنوارا. اليوم يئس الذين كفروا من النفس وصفاتها والدنيا ~~وشهواتها من دينكم فلا تخشوهم واخشون فإن كيدي متين. # اليوم أي في الأزل أكملت لكم دينكم ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم ~~عرفة. # وأتممت عليكم نعمتي وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فمن اضطر فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه ~~للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين. يسئلونك ماذا أحل ~~لأرباب السلوك إذ الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا ~~وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سببا للقيام ~~بأداء الحقوق. فكلوا مما أمسكن عليكم تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة ~~المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة المنورة بأنوار الحقيقة. # واذكروا عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية اسم ~~الله أي لا تتصرفوا فيه إلا لله بالله في الله اليوم يعني الذي فيه ظهر ~~كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة. وهذه فائدة التكرار أحل لكم الطيبات ~~أحل لكم الطيبات التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق ~~الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب وهم الأنبياء حل لكم أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ~~وطعامكم حل لهم أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين قد ~~علم كل أناس مشربهم [البقرة: 60] وللنبي وراء ذلك كله مشرب # «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» # والمحصنات من المؤمنات وهي أبكار حقائق القرآن # PageV02P565 # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم ~~السالفة أي التي ms1584 أدرجت في القرآن فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~[السجدة: 17] إذا آتيتموهن أجورهن وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ~~ليكون على وجه الحق غير مسافحين على وجه الطبع ولا متخذي أخدان غير ملتفتين ~~إلى شيء من الأكوان ومن يكفر بالإيمان بهذه المقامات فقد حبط عمله الذي عمل ~~من دون المكاشفات. يا أيها الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عند خطاب ألست بربكم ~~إذا قمتم من نوم الغفلة إلى الصلاة وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ~~فاغسلوا وجوهكم التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار ~~بماء التوبة والاستغفار وأيديكم إلى المرافق أي اغسلوا أيديكم من التمسك ~~بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق وامسحوا برؤسكم ببذل نفوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ولا يجرمنكم ولا ~~يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال على ألا تعدلوا مع أنفسكم إذ هم قوم من ~~الشيطان والنفس والهوى أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم والله خير ~~موفق ومعين. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 12 الى 19] # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله ~~إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا ~~تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب ~~المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ~~ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله ~~بما كانوا يصنعون (14) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) # لقد كفر الذين ms1585 قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير (17) وقالت ~~اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ~~ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وإليه المصير (18) يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على ~~كل شيء قدير (19) # PageV02P566 ### | القراآت: # قاسية حمزة وعلي والمفضل. الباقون قاسية. ### | الوقوف: # بني إسرائيل ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة. # نقيبا ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار. معكم ط لأن ما بعده ابتداء قسم ~~محذوف جوابه لأكفرن. الأنهار ج السبيل ه قاسية ج لاحتمال الاستئناف والحال ~~أي لعناهم محرفين. مواضعه ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا. ذكروا به ج ~~للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو. واصفح ط المحسنين ه ذكروا به ص ~~لعطف المتفقتين. يوم القيامة ط يصنعون ه عن كثير ه مبين ه لا لأن قوله: # يهدي وصف الكتاب إلى آخر الآية. مستقيم ه المسيح ابن مريم الأول ط جميعا ~~ط وما بينهما ط ما يشاء ط قدير ه وأحباؤه ط بذنوبكم ط لتناهي الاستفهام إلى ~~الأخبار. ممن خلق ط من يشاء ط وما بينهما ز للفصل بين ذكر الحال والمال. ~~المصير ه ولا نذير ر للعطف مع وقوع العارض. ونذير ط قدير ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني ~~إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيرا لهذه الأمة من مثل ما فعلوا ~~وفعل بهم. # وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لولا دفع الله تعالى، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك ms1586 لم ~~يزل هجيراهم. والنقيب العريف «فعيل» بمعنى «فاعل» لأنه ينقب عن أحوال القوم ~~فيكون شاهدهم وضمينهم. وقال أبو مسلم: بمعنى «مفعول» يعني اختارهم على علم ~~بهم. وأصل النقب الطريق في الجبل. ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء ~~أصفر. والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالنقب عنها. ويقال: # كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك ~~البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف. قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله ~~تعالى اختار من كل سبط # PageV02P567 # من أسباط بني إسرائيل رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم. ثم إنهم بعثوا ~~إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراما عظيمة فهابوا ورجعوا ~~وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا ~~رجلين منهم. ومعنى إني معكم إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم. ~~فحذف الرابط للعلم به. والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل. والحاصل إني ~~معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على ~~إيصال الجزاء إليكم. فهذه مقدمة معتبرة جدا في الترغيب والترهيب. # ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ~~لأكفرن وهو إشارة إلى إزالة العقاب. وقوله: ولأدخلنكم وهو إشارة إلى إيصال ~~الثواب. # واللام في لئن أقمتم موطئة للقسم وفي لأكفرن جواب له ولكنه سد مسد جواب ~~الشرط أيضا. والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن ~~القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى عزرتموهم نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد ~~أعدائه عنه. ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: وتعزروه وتوقروه ~~[الفتح: 9] تكرارا. وهاهنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟ # وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة ~~مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض ~~الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلا لم ~~يكن لتلك الأعمال أثر. قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد ms1587 آمنتم أو أخر ~~الإيمان عن العمل تنبيها على أن الإيمان إنما يقع معتدا به إذا اقترن به ~~العمل كقوله وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82] أو هو ~~من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في ~~الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم. سؤال آخر ما الفائدة في قوله: وأقرضتم بعد ~~قوله: وآتيتم الزكاة؟ # وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة. قال الفراء: ولو قال ~~وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه أقيم الاسم مقام المصدر ~~مثل وأنبتها نباتا حسنا [آل عمران: # 37] . آخر لم قال: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فإن من كفر ~~قبل ذلك أيضا فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟ والجواب أجل، ~~ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص ~~بالذكر. فبما نقضهم ميثاقهم بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أو بإخلال جملة الشروط المذكورة لعناهم قال عطاء: أخرجناهم ~~من رحمتنا. وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير. قال ابن ~~عباس: ضربنا الجزية عليهم. وجعلنا قلوبهم قاسية من قرأ قاسية # PageV02P568 # فبمعنى القاسية أيضا إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم «درهم قسي» أي ~~رديء مغشوش لما فيه من اليبس الصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه لينا ~~وانقيادا. قالت المعتزلة: # معنى الجعل هاهنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلانا ~~فاسقا أو عدلا يحرفون الكلم بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من ~~الافتراء على الله وتغيير كلامه ونسوا حظا تركوا نصيبا وافرا أو قسطا وافيا ~~مما ذكروا به من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها ~~إغفال حظ عظيم، أو فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم ~~كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. # وقال ابن عباس: تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. ثم بين ms1588 أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفا عن ~~سلف فقال: ولا تزال تطلع على خائنة أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة ~~لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء ~~للمبالغة مثل «رجل راوية للشعر» إلا قليلا منهم وهم الذين آمنوا منهم كعبد ~~الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ~~فاعف عنهم واصفح بعث على حسن العشرة معهم. فقيل منسوخ بآية الجهاد يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم [التحريم: 9] وقيل: المراد فاعف ~~عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون ~~على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد ~~وهذا قول أبي مسلم إن الله يحب المحسنين قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت ~~محسن، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله. وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء ~~المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله ~~أعلم. # ثم قال: ومن الذين قالوا إنا نصارى ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا ~~أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى عليه السلام ~~نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ~~أخذنا ميثاقهم إن كان الضمير عائدا إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد ~~إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان ~~بالرسل فأغرينا ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ~~ولصق به بينهم بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود. ثم دعا اليهود ~~والنصارى إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الكتاب ووحد ~~الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس مما كنتم تخفون من الكتاب كصفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكصفة الرجم # PageV02P569 # وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتابا وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ويعفوا عن كثير ~~مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في ms1589 هذا الدين. وعن الحسن: ويعفو ~~عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه قد جاءكم من الله نور محمد أو الإسلام وكتاب ~~مبين هو القرآن لإبانته ما كان خافيا على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر ~~الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية ~~بين المعطوفين. ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك ~~الحقائق والمعقولات. يهدي به الله أي بالكتاب من اتبع رضوانه من كان مطلوبه ~~اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه سبل السلام طرق ~~السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله إن الله هو المسيح ابن مريم ~~بناء على جواز الحلول فمن يملك من الله شيئا من الذي يقدر على دفع شيء من ~~أفعال الله ومنع شيء من مراده. وقوله: إن أراد شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ~~ما تقدمه والمعنى إن أراد أن يهلك المسيح المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر ~~على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟؟؟ # والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في ~~الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض. فلما سلمتم كونه تعالى ~~خالقا لغيرهما وجب أن يكون خالقا لهما ومتصرفا فيهما. وإنما قال: وما ~~بينهما بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل «بينهن» لأنه أراد الصنفين أو ~~النوعين. وفي قوله: يخلق ما يشاء وجهان: # أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة ~~من غير ذكر وأنثى كآدم عليه السلام. وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير ~~من الطين فإن الله تعالى يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا ~~إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص نحن أبناء الله وأحباؤه قيل: عليه أن ~~اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟ # وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم. وأجيب بأن المضاف محذوف أي ~~نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله تعالى بحالهم أكمل وأشد من ~~اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن ms1590 عزيرا ابن الله، والنصارى أن ~~المسيح ابن الله. وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم ~~مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك. # عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جماعة من اليهود إلى دين ~~الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله ~~وأحباؤه؟ # ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى ~~أبي وأبيكم. ثم إنه سبحانه أبطل عليهم دعواهم بقوله: قل فلم يعذبكم بذنوبكم ~~فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل ~~أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة. فالقوم ينكرون # PageV02P570 # ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم كافيا لكان مجرد إخباره ~~بأنهم كذبوا في ادعاء أنهم أحباء الله كافيا ويصير الاستدلال ضائعا. وأجيب ~~بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم ~~الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء. أو عذاب آجل واليهود والنصارى ~~يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياما معدودة. ويمكن أن يقال: المراد مسخهم ~~قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في ~~الوجود فلا يمكنهم الإنكار. بل أنتم بشر ممن جملة ممن خلق يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن ~~يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى يبين لكم في محل النصب على الحال ~~وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم ~~أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ~~ذكره وأن لا يقدر المبين. والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة. ~~وقوله: على فترة متعلق ب جاءكم أو حال آخر. قال ابن عباس: أي على حين فتور ~~من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي. وسميت المدة بين الرسولين من رسل ~~الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع. وكان بين ms1591 عيسى عليه السلام ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وستون أو ستمائة سنة. وعن الكلبي: كان ~~بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى عليه السلام ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب ~~خالد بن سنان العبسي. وأما العنسي بالنون فهو المتنبئ الكاذب. والمقصود أن ~~الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغيير إلى ~~الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم ~~أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن ~~الله تعالى عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: أن تقولوا أي كراهة أن ~~تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم أي لا تعتذروا فقد جاءكم. ~~والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه ~~قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاما ~~للحجج وإقامة للبينات. ### | التأويل: # جعل في أمة موسى عليه السلام اثني عشر نقيبا، وجعل في هذه الأمة من ~~النجباء البدلاء أربعين رجلا كما # قال صلى الله عليه وسلم: «يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم ~~وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى عليه السلام وواحد على خلق محمد ~~صلى الله عليه وسلم» # وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء ثلاثة، ~~والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعا ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا ~~يشرف عليه وهو إمام # PageV02P571 # الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من ~~الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه ~~واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، ~~وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا ~~إلى أن يأذن الله تعالى في قيام الساعة. لئن أقمتم الصلاة بأن تجعلها ~~معراجك إلى الحق في درجات القيام ms1592 والركوع والسجود والتشهد. فبالقيام تتخلص ~~عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص ~~عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص ~~عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشو والنماء وهو من خاصية ~~الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، ~~فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجيا ربك مشاهدا له كما # قال صلى الله عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه» . # وآتيتم الزكاة بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ~~وآمنتم برسلي استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوة والرسالة وأقرضتم الله ~~بالوجود كله قرضا حسنا وهو أن يأخذ منكم وجودا مجازيا فانيا ويعطيكم وجودا ~~حقيقيا باقيا كما يقول. لأكفرن لأسترن بالوجود الحقيقي عنكم سيئاتكم الوجود ~~المجازي ولأدخلنكم جنات الوصلة تجري من تحتها أنهار العناية ولا تزال تطلع ~~على خائنة منهم لأن العصيان يجر إلى العصيان فأغرينا بينهم العداوة حيث ~~نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ~~ويتجاذبون يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء يجعل أقواما مظهر لطفه وفضله وآخرين ~~مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26] # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء ~~وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين (20) يا قوم ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) ~~قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون (22) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ~~ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون (24) # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين (25) ~~قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم ~~الفاسقين ms1593 (26) # PageV02P572 ### | القراآت: # جبارين بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان. فلا تأس بغير همزة حيث ~~وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # ملوكا ز جبارين ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف «إن» بمجيئه ~~بعد القول معطوفا على الأول. حتى يخرجوا منها ج لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب. داخلون ه الباب ج لذلك. غالبون ه مؤمنين ه قاعدون ه الفاسقين ه ~~سنة ج لأنها تصلح ظرفا للتيه بعده والتحريم قبله الفاسقين ه. ### | التفسير: # وجه النظم أنه سبحانه كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى ~~نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل. من الله عليهم بأمور ~~ثلاثة: أولها قوله: # إذ جعل فيكم أنبياء وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من ~~الأنبياء. # وثانيها قوله: وجعلكم ملوكا قال السدي: أي جعلكم أحرارا تملكون أنفسكم ~~بعد ما استعبدكم القبط. وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية ~~وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكا. وقال ~~الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلا بإذنه. وقيل: الملك هو الصحة ~~والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس. وقيل: # من كان مستقلا بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجا في مصالحه إلى أحد فهو ~~ملك. وقيل: # كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ~~ملوك مجازا. وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه. وثالثها: ~~وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين من فلق البحر وإغراق العدو وتظليل ~~الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم. وقيل: أراد ~~عالمي زمانهم. # روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال الله تعالى له: انظر ~~فما أدرك بصرك فهو مقدس وميراث لذريتك. # وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو ~~إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد. ثم بعث موسى عليه السلام اثني عشر ~~نقيبا من الأمناء ليتجسسوا لهم عن ms1594 أحوال تلك الأراضي، فلما دخلوا تلك ~~البلاد رأوا أجساما عظيمة هائلة. # قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك ~~الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم ~~الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجبا للملك: هؤلاء يريدون قتالنا. فقال ~~الملك: ارجعوا إلى صاحبكم # PageV02P573 # وأخبروه بما شاهدتم. فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن ~~يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلان- هما كالب بن يوفنا من سبط ~~يهودا، ويوشع بن نون من سبط افرائيم بن يوسف- فإنهما قالا هي بلاد طيبة ~~كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية ~~فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم. والأرض ~~المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك. وزيف بأنها لم تكن وقت ~~الجبارين كذلك. وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء. ~~ثم إنها ما هي؟ فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحا. وقال الكلبي: دمشق ~~وفلسطين وبعض الأردن. وقيل: الطور وما حوله. وقيل: بيت المقدس. وقيل: ~~الشام. # ومعنى كتب الله لكم وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم ~~بدخولها. # قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم. وقيل: ~~المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم. وقيل: إن الوعد كان مشروطا ~~بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة ~~فلما مضى الأربعون حصل ما كتب. وفي قوله: كتب الله لكم تقوية القلوب وأن ~~الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوتهم. ولا ترتدوا على أدباركم لا ~~ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسى عليه السلام وإخباره بهذه ~~النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها. ~~فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر فتنقلبوا خاسرين في ~~الآخرة بفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه ~~غير واصلين إلى ms1595 شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة. والجبار «فعال» من جبره ~~على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو ~~اختيار الفراء والزجاج. قال الفراء: لم أسمع «فعالا» من «أفعل» إلا في ~~حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك. ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ~~مرتفعة لا تصل الأيدي إليها. والقوم كانوا في غاية القوة ونهاية العظم فجبن ~~قوم موسى عنهم حتى قالوا على سبيل المبالغة في الاستبعاد إنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون كقوله تعالى: # ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف: 40] قال رجلان ~~هما يوشع وكالب من الذين يخافون أنعم الله عليهما أي بالهداية والثقة بقوله ~~والاعتماد على نصره ومحل أنعم الله مرفوع صفة لرجلان. ويحتمل أن يكون جملة ~~معترضة. قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في يخافون لبني إسرائيل والعائد ~~إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى ~~هذا الرجلان من الجبارين. # PageV02P574 # ادخلوا عليهم الباب مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم ~~باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ~~علموه ظنا أو يقينا من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى عليه ~~السلام؟؟؟ في قهر أعدائه خاصة وعلى الله فتوكلوا الفاء للإيذان بتلازم ما ~~قبلها وما بعدها. والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين ~~من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله إن كنتم مؤمنين مقرين بوجود الإله ~~القدير، موقنين بصحة نبوة موسى قالوا يا موسى إنا لن ندخلها نفوا دخولهم في ~~المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: أبدا ما داموا ~~فيها فاذهب أنت وربك قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوزون الذهاب والمجيء ~~على الله تعالى أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: «كلمته فذهب يجيبني» ~~يريد القصد والإرادة. وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه ربا لأنه أكبر ~~من موسى. وقيل: التقدير اذهب وربك معين ms1596 لك بزعمك ولكن لا يجاوبه. قوله ~~فقاتلا ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة. ولا يخفى أن هذا القول منهم كفر أو ~~فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلا ~~نفسي وأخي كذلك، أو نسقا على الضمير في أملك أي لا أملك أنا وأخي إلا ~~أنفسنا. والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلا أنفسنا، أو ~~على نفسي أي لا أملك إلا نفسي ولا أملك إلا أخي، لأن أخاه إذا كان مطيعا له ~~فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو ~~لعله قال ذلك تقليلا لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين. فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ونجني من ~~القوم الظالمين [التحريم: 11] أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل ~~منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: فإنها ~~أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ثم يفتحها الله لهم من غير ~~محاربة. أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين. عن ~~مقاتل أن موسى عليه السلام لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا ~~له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: فلا تأس أي لا تحزن ~~ولا تندم على القوم الفاسقين فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم. وجوز بعضهم أن ~~يكون ذلك خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة ~~الرسل هجيراهم. # واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟ ~~فقال قوم: # إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن ~~التيه عذاب # PageV02P575 # والأنبياء لا يعذبون، ولأن سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمردا. وقال ~~آخرون: إنهما كانا مع القوم إلا أن الله تعالى سهل ms1597 عليهم ذلك العذاب كما أن ~~النار كانت على إبراهيم بردا وسلاما. ثم من هؤلاء من قال: إن هارون عليه ~~السلام مات في التيه ومات موسى عليه السلام بعده فيه بسنة، ودخل يوشع عليه ~~السلام أريحا بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات ~~النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلا كالب ويوشع. ومنهم من قال: بل بقي ~~موسى عليه السلام بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض ~~المقدسة والله تعالى أعلم. واختلفوا أيضا في التيه وهي المفازة التي تاهوا ~~فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ. وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا. ~~وقيل: ستة في اثني عشر. وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس. ثم الأكثرون على أن ~~قوله: فإنها محرمة تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادين حتى ~~إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من ~~تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ~~ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه. ويشكل هذا ~~القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة ~~سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقا للتيه ولو بأمارات ~~حركات النجوم؟ والجواب أن هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر ~~المعجزات التي يستبعد وقوعها. وقال بعضهم: إن هذا التحريم تعبد وإنه تعالى ~~أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقابا لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا ~~فلا إشكال. ### | التأويل: # أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها ~~الله تعالى للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم ~~المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان- النفسان اللوامة والمطمئنة- إنكم ~~غالبون إذا دخلتم باب الجد والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدوا ~~بقولهما فحرم الله تعالى ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس ~~الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين ~~سنة [الأحقاف: ms1598 15] . وفي الآية نكتة هي أن موسى عليه السلام لما ظن أنه ~~يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأن المرء إنما ~~يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت ~~رباعيته # «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» # اللهم صل عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم ~~الراحمين. قول الله عز وجل: # PageV02P576 ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 40] # واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل ~~من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي ~~يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) ~~إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين ~~(29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا ~~يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل ~~هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين (31) # من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد ~~جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) ~~إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم (34) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا ~~لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما ~~تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (37) ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ms1599 بما كسبا نكالا من الله والله عزيز ~~حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ~~(39) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ~~والله على كل شيء قدير (40) ### | القراآت: # لأقتلنك بالنون الخفيفة. روى المعدل عن زيد يدي إليك بفتح ياء المتكلم: ~~أبو جعفر ونافع. من أجل بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة رسلنا ~~بسكون السين حيث كان: أبو عمرو. ### | الوقوف: # بالحق م على أن «إذ» معمول اذكر محذوفا ولو وصل لأوهم أنه معمول اتل وهو ~~محال من الآخر ط لأقتلنك ط المتقين ه لأقتلك ج لاحتمال إضمار اللام أو ~~الفاء. العالمين ه النار ج لاختلاف الجملتين. الظالمين ه ج لأجل الفاء. ~~الخاسرين ه سوأة أخيه ط أخي ج لطول ما اعترض من المعطوف # PageV02P577 # والمعطوف عليه. النادمين ه ج من أجل ذلك ج كذلك لأن قوله: من أجل يصلح أن ~~يتعلق ب فأصبح وب كتبنا. جميعا في الموضعين ط. بالبينات ز لأن «ثم» لترتيب ~~الأخبار. لمسرفون ه من الأرض ط عظيم ه لا عليهم ج لتناهي الاستثناء مع ~~الجواب أي لا تعذب التائبين. أن الله غفور رحيم ه تفلحون ه منهم ج لتناهي ~~الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام. أليم ه لاتحاد المقصود مع اختلاف ~~الجملتين. مقيم ه من الله ط حكيم ه يتوب عليه ط رحيم ه لمن يشاء ط قدير ه. ### | التفسير: # في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم [المائدة: 11] فكأنه تعالى ذكر لأجل تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم ~~قصصا كثيرة كقصة النقباء وما انجر إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم ~~بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأن أحدهما قتل الآخر ~~حسدا وبغيا ليعلم أن الفضل كان محسودا بكل أوان. ومنها أنه عائد إلى قوله: ~~يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب [المائدة: 15] فإن هذه القصة ~~وكيفية إيجاب القصاص بسببها ms1600 كانت من أسرار التوراة. ومنها أنه من تمام ~~قوله: # نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] أي لا ينفعهم كونهم من أولاد ~~الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل. والمراد اتل على الناس أو على أهل ~~الكتاب خبر ابني آدم من صلبه- هابيل وقابيل- تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من ~~عند الله تعالى، أو ملتبسة بالصدق موافقة لما في التوراة والإنجيل أو ~~بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد. أو اتل عليهم ~~وأنت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها إذ قربا قال في ~~الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك ~~الوقت على حذف المضاف، والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قربانا إلا أنه ~~جمعهما في الفعل اتكالا على قرينة الحكاية، أو لأن القربان في الأصل مصدر، ~~ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة. # يروى أن آدم عليه السلام كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان ~~يزوج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما ~~هابيل وتوأمته لبودا. وكانت توأمة قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوجها من ~~هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك. فقال ~~آدم لهما: قربا قربانا فمن أيكما قبل قربانه زوجتها منه. فقبل الله قربان ~~هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطا وقتل أخاه حسدا. # هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار. وقال الحسن والضحاك: إنهما ما ~~كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عز من # PageV02P578 # قائل: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ومن البين أن صدور الذنب من أحد ~~ابني آدم لا يصلح أن يكون سببا لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأن ~~الآية تدل على أن القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ~~ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه. قال مجاهد: أكل النار ms1601 علامة الرد. ~~وجمهور المفسرين على أن ذلك علامة القبول. وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير ~~يدفع إليه ما يتقرب به إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله. وإنما ~~صار أحد القربانين مقبولا والآخر مردودا لأن حصول التقوى شرط في قبول ~~الأعمال ولهذا قال تعالى حكاية عن المحق في جواب المبطل: إنما يتقبل الله ~~من المتقين وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه ~~قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله تعالى التي هي السبب ~~في القبول؟ قيل في هذه القصة: إن أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان ~~صاحب غنم، والآخر جعله أردأ ما كان معه وكان صاحب زرع. وقيل: إنه أضمر حين ~~قرب أنه لا يزوج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل. وقيل: لم يكن قابيل من ~~أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟ ~~قال: لأن قربانك صار مقبولا. فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من ~~المتقين. ثم حكى الله سبحانه عن المظلوم أنه قال: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ~~ما أنا بباسط يدي إليك فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل ~~مقرونا بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا ~~الوصف الشنيع البتة. # قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه واستسلم ~~له خوفا من الله لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: إني ~~أخاف الله رب العالمين وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط ~~يدي إليك لغرض الدفع. قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع ~~بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن ~~لم يندفع إلا بالقتل جاز له ذلك. ثم قال: # إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم ~~المقتول ms1602 ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود ~~والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي. وقال ~~الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك. وقال ~~في الكشاف: إنه يتحمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل ~~إثمي لو بسطت إليك يدي. سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل ~~النار؟ والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عند ما غلب على ظن المقتول ~~أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه # PageV02P579 # ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد ~~أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلا إذا ~~قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر ~~بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه ~~الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة ~~لا يكون حراما بل هو عين الطاعة. أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا ~~شك أنه يجوز للمظلوم أن يريد من الله تعالى عقاب الظالم. # وروي أن الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات ~~المظلوم وحمل على الظالم، # فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم ~~القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جوابا عن ~~السؤال الأول أيضا. فطوعت له نفسه قتل أخيه وسعته ورخصته وسهلت من طاع له ~~المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله. ~~ومنهم من قال: شجعته فقتله. والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد ~~العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفا له عن فعله فلا يطاوع ~~النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد ms1603 لها وخضع. وإضافة التطويع ~~والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافا إلى قضاء الله فتنبه. يحكى أن ~~قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيرا وضرب رأسه بحجر فتعلم ~~قابيل ذلك منه. ثم إنه وجد هابيل يوما نائما فضرب رأسه بصخرة فمات. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ~~ابن آدم الأول كفل من دمها» «1» # وذلك أنه أول من سن القتل فأصبح من الخاسرين دنياه وآخرته لأنه أسخط ~~والديه وبقي مذموما إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالدا. قيل: لما قتل ~~أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان ~~هابيل لأنه كان يخدم النار ويعبدها. فبنى بيت نار وهو أول من عبد النار. # وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء. # وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم. # وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت ~~عليه وكيلا. فقال: بل قتلته ولذلك اسود جسدك. # ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: # تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح PageV02P580 # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح. # قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنبياء معصومون عن الشعر وصدقه ~~في التفسير الكبير وقال: إن ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلا ~~عن الأفراد وخصوصا من علمه حجة على الملائكة. وأقول: أما أن جميع الأنبياء ~~معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا أثنى الله تعالى عليه بقوله: وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له [يس: 69] وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع ~~أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال. قال ~~المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه ms1604 السباع فحمله ~~في جراب على ظهره سنة حتى تغير فبعث الله غرابا. روى الأكثرون أنه بعث ~~غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة ~~فتعلم من الغراب. وقال: # الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غرابا يحثى على المقتول فلما رأى القاتل ~~أن الله تعالى كيف يكرمه بعد موته ندم. وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن ~~الأشياء فجاء غراب فدفن شيئا فتعلم ذلك منه ليريه أي الله أو الغراب أي ~~ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه كيف يواري محله نصب على الحال من ضمير ~~يواري والجملة منصوبة بيرى مفعولا ثانيا أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه ~~أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده. وقيل: أي جيفة أخيه. والسوأة ~~السوء الخلة القبيحة يا ويلتى كلمة عذاب. يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء ~~بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم. وإنما طلب إقبال الويل هاهنا على سبيل ~~التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك. # والألف بدل من ياء المتكلم. أعجزت استفهام بطريق الإنكار أن أكون أي عن ~~أن أكون مثل هذا الغراب أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: فأواري بالنصب ~~على جواب الاستفهام من النادمين الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته ~~المجلس. وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من ~~النادمين على أن حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع ~~بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافا ~~وتهاونا وكان دون الغراب في الشفقة على مقتوله حتى صار الغراب دليلا وقد ~~قيل: # إذا كان الغراب دليل قوم من أجل ذلك القتل قيل: هو من أجل شرا يأجله أجلا ~~إذا جناه كتبنا على بني إسرائيل إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل ~~فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من ~~صلبه فالوجه أن يكون # PageV02P581 # ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع ms1605 المفاسد كخسران الدارين وكالندم على ~~الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من ~~القتل العمد العدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان ~~عاما في جميع الأديان والملل إلا أن التشديد المذكور في الآية- وهو أن قتل ~~النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس- غير ثابت إلا على بني إسرائيل. ~~والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل ~~الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الواقعة ~~التي عزموا فيها على قتله. ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أن ~~أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل لأنه صرح بأن الكتبة معللة بتلك ~~المعاني المشار إليها بقوله: من أجل ذلك والمعتزلة أيضا قالوا: إنها دلت ~~على أن الأحكام معللة بمصالح العباد. ويعلم منه امتناع كونه تعالى خالقا ~~للكفر والقبائح لأن ذلك ينافي مصلحة العبد. والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم ~~الاستكمال. والتحقيق أن استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال ~~الذاتي وقد سبق مرارا. بغير نفس أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه ~~الاقتصاص. أو فساد قال الزجاج: إنه معطوف على نفس بمعنى أو بغير فساد في ~~الأرض كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهددات فكأنما قتل الناس ~~جميعا وهاهنا نكتة وهي أن التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبه والمشبه به ~~من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإن الجزء لا ~~يعقل أنه مساو للكل. فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك ~~القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله ~~والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك. والتحقيق فيه أنه إذا ~~أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية ~~الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل ~~بالإضافة إلى الكل لأن كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به ~~الآخر. وفيه أن ms1606 جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل ~~جدهم في دفعه لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ومن أحياها استنقذها من مهلكة ~~كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء ~~الكل كما تقرر في القتل ثم إن كثيرا منهم أي من بني إسرائيل بعد ذلك بعد ~~مجيء الرسل لمسرفون في القتل لا يبالون بهتك حرمة. # ومعنى «ثم» تراخي الرتبة. # ثم إنه سبحانه بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز ~~معا من لفظ واحد # PageV02P582 # لأن محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط ولا يمكن حملها على حقيقة ~~المحاربة. ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر ~~والتكليف. والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو ~~المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما # جاء في الخبر «من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» «1» . # ويسعون في الأرض فسادا نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، ~~أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى. لأن الفساد نوع من السعي. # عن قتادة عن أنس أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا # فكانت الآية ناسخة لتلك السنة. وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة ~~بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقا للسنة ~~الناسخة. وقيل: نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي- وكان بينه وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عهد- فمر بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة ~~غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم. وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله ~~عنهم أنهم مسرفون في القتل. # وقيل: في قطاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء. قالوا: ولا ~~يجوز حمل الآية على ms1607 المرتدين لأن قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار ~~الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ~~ولأن حده يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأن الصلب غير مشروع في ~~حقه، ولأن اللفظ عام. وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلما مكلفا أن يكون ~~معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون ~~والمعتمد على الهرب، وكذا المتعرض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه. واتفقوا ~~على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد ~~فكذلك عند الشافعي لعموم النص. وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في ~~الغالب فحكمه حكم السارق. وللعلماء في لفظ «أو» في الآية خلاف. فعن ابن ~~عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها ~~للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء ~~نفى. وعنه في رواية عطاء أن الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على ~~القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على ~~أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من ~~الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون. والذي يدل على PageV02P583 # ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا ~~المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد هم بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب ~~القتل كالعزم على سائر المعاصي. فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو ~~يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن ~~اقتصروا على الأخذ. والتشديد في هذه الأفعال للتكثير. أو ينفوا من الأرض إن ~~أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضا يؤيد هذا التفسير لأن القتل العمد ~~العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو. وأخذ ~~المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين من خلاف أي يده اليمنى ~~ورجله اليسرى، فإن عاد ms1608 فالباقيتان. قيل: وإنما قطع هكذا لئلا يفوت جنس ~~المنفعة. قلت: هذا أيضا من باب التغليظ لأن اليد اليمنى أعون في العمل ~~والرجل اليسرى أعون في الركوب. # وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأن بقاءه مصلوبا في ~~ممر الطريق أشهر وأزجر. وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على ~~عقوبة خفيفة هي النفي. # قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين أن يقتل فقط أو يقطع ~~ثم يقتل ويصلب. وعند الشافعي لا بد من الصلب لأجل النص. وكيفية الصلب أن ~~يقتل ويصلى عليه ثم يصلب مكفنا ثلاثة أيام. وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل ~~صديده أي صليبه وهو الودك. وعند أبي حنيفة يصلب حيا ثم يمزق بطنه برمح حتى ~~يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعا، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلي عليه ~~ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة. أما النفي فإن الشافعي حمله على ~~معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم ~~الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبدا. # فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي. ~~والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ~~ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون ~~المراد بنفيهم هو هذا الحبس. وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق: النفي هو الحبس ~~لأن الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى ~~دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلا أن يكون المراد الحبس لأن ~~المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن ~~عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا # إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا. # ذلك لهم خزي ذل وفضيحة في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم استدل # PageV02P584 # المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق ms1609 وعلى الإحباط. وقالت الأشاعرة: بل ~~بشرط عدم العفو إلا الذين تابوا قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم ~~يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذ بدفع العذاب عنه ~~وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه. قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي ~~إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف. # والأصح أنه لا بد مع التوبة من إصلاح العمل لقوله تعالى في الزنا فإن ~~تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما [النساء: 16] وفي السرقة فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه ~~الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل. فالولي ~~يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حدا بل يتعلق بها ~~القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حدا فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال ~~وقتل سقط الصلب وتحتم القتل. وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد ~~أخذ المال سقط عنه قطع الرجل. وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضا بناء ~~على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه ~~بالاتفاق. # والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف ~~في سائر الحدود. # ثم إنه سبحانه لما بين كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن ~~الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا ~~بالضد منهم فقال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وأيضا فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان ~~افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم ~~فقوله: اتقوا الله إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة ~~عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضا من جملة الوسائل إلا أن ~~هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضا يعتبران في الأخلاق الفاضلة ~~والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل ~~بالتخلية والتحلية ms1610 أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء ~~والبقاء، والأول مقدم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء ~~بالله. والوسيلة «فعيلة» وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى ~~السرقة توسلا والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: # ألا كل ذي لب إلى الله واسل والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه ~~وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه # PageV02P585 # بعمل قالت التعليمية: إنه تعالى أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم ~~يعلمنا معرفته. # وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: يا أيها الذين آمنوا ~~فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات. ثم إن ترك ما لا ينبغي ~~وفعل ما ينبغي لما كان شاقا على النفس ثقيلا على الطبع لأن العقل يدعو إلى ~~خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين ~~الضرتين والضدين أردف التكليف المذكور بقوله: وجاهدوا في سبيله والمراد ~~بهذا القيد أن تكون العبادة لأجله لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين. # ثم قال: لعلكم تفلحون والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز ~~بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار ~~وكلتا المرتبتين مرضية. ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله: إن الذين كفروا ~~وخبر «إن» مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به أي بالمذكور أو الواو بمعنى «مع» والعامل في المفعول ~~معه وهو المثل ما في «إن» من معنى الفعل أي لو ثبت: # من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم ~~وقد مر مثله في سورة آل عمران. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ~~ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك» ~~«1» . # يريدون أن يخرجوا أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك. قيل: إذا ~~رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج. وقيل: يكادون يخرجون ms1611 منها ~~لقوتها ورفعها إياهم. عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه ~~الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة. ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم ~~أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ~~والسارق والسارقة وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه ~~والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها. # وعند الفراء- وهو اختيار الزجاج- أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي ~~وخبرهما: # فاقطعوا ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت ~~فاقطعوا أيديهما. وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة ~~المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبرا إلا بتأويل وأما إذا نصبت فإنه ~~يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذنا بتلازم ما قبلها ~~وما بعدها مثل: وربك فكبر [المدثر: 3] وضعف قول سيبويه بأنه طعن في قراءة ~~واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيح للقراءة الشاذة ~~PageV02P586 # وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل. والذي مال إليه ~~الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله سبحانه: جزاء بما كسبا فإنه تصريح بأن ~~المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء. أما البحث المعنوي في الآية فإن ~~كثيرا من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي ~~وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف ~~لا يلمس فلانا بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف ~~وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين. ~~وأيضا الخطاب في: فاقطعوا إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع ~~الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة. وقال المحققون: # مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلا أن ~~السنة خصصته بالنصاب. أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه ~~سارق. والمراد بالأيدي اليدان مثل: فقد صغت قلوبكما [التحريم: 4] وقد ms1612 انعقد ~~الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معا ولا الابتداء باليسرى. واليد اسم موضوع ~~لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: وأيديكم إلى المرافق [المائدة: ~~6] وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلا أن ~~السنة خصصته بالكوع. والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى ~~حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلا. ثم إن جمهور ~~الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلا عند شروط كالنصاب والحرز، ~~وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكا بعموم ~~الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره ~~الفقير. وقد قال الشافعي: لو قال لفلان علي مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل ~~لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره. ولما طعنت ~~الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها ~~خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته. ~~وإذا كان هذا الجواب مقبولا من الكل فليكن مقبولا منا في إيجاب القطع على ~~القليل والكثير. وأيضا اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن ~~الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن. ودعوى الإجماع ~~على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين ~~كما قلنا. واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة ~~والسارق. وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصابا. ثم قال ~~الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب ~~الإمامية لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا # PageV02P587 # قطع إلا في ربع دينار» «1» # وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا قطع إلا في ثمن المجن» «2» # والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار ~~أو ثلاثة دراهم. وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك. ms1613 وقال ابن أبي ليلى: ~~خمسة دراهم. وعن الحسن: درهم. وفي مواعظه: «احذر من قطع يدك في درهم» . # ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز. فلو سرق مال ~~نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو طرأ ملكه في المسروق قل إخراجه ~~من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع. ومنها أن يكون ~~محترما لا كخمر وخنزير. ومنها أن يكون الملك تاما قويا. والمراد بالتمام أن ~~لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوة أن لا يكون ضعيفا ~~كالمستولدة والوقف. ومنها كون المال خارجا عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق ~~رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده ~~والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد ~~أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه. وإذا سرق أحد ~~الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزا عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع. ~~وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب. ومنها كون المال محرزا # لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا ~~آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» «3» # وحرز كل شيء على حسب حاله. فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزا ~~للثياب والنقود. والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون ~~الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن. وعن أبي ~~حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال. وأما السرقة فهي إخراج المال عن ~~أن يكون محرزا ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد ~~على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافا لأحمد. وأما السارق فيشترط فيه ~~التكليف والتزام الأحكام والاختيار فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره. ~~وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة ~~رجلين. ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع. وقال أبو حنيفة: ms1614 القطع والغرم لا ~~PageV02P588 # يجتمعان. حجة الشافعي أن # قوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» «1» # يوجب الضمان. # وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع ~~الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقيا وجب رده بالاتفاق. ~~حجة أبي حنيفة قوله تعالى: جزاء بما كسبا والجزاء هو الكافي، فهذا القطع ~~كاف في جناية السرقة. ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائما. أما كيفية ~~القطع # فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقطع يمينه. # قال الشافعي: فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا فيده ~~اليسرى، فإن سرق رابعا فرجله اليمنى، وبه قال مالك. وروي ذلك عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم # وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما # روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، # وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر ~~القطع بتكرر السرقة. واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل ~~بين الساق والقدم. والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: فاقطعوا ~~ولم يجوزه أبو حنيفة. واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب ~~الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلا به وما لا يتم الواجب إلا به وكان ~~مقدورا للمكلف فهو واجب. وانتصاب جزاء ونكالا على أنه مفعول لهما، والعامل ~~فاقطعوا وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: فاقطعوا أي جازوهم ~~ونكلوا بهم جزاء بما كسبا نكالا من الله. # فمن تاب من السراق من بعد ظلمه أي سرقته وأصلح أي يتوب بنية صالحة وعزيمة ~~صحيحة خالية عن الأغراض الفاسدة فإن الله يتوب عليه وعند بعض الأئمة تسقط ~~العقوبة أيضا. وعند الجمهور لا تسقط. وباقي الآيات قد مر تفسيره. وإنما قدم ~~التعذيب على المغفرة طباقا لتقدم السرقة على التوبة. ### | التأويل: # إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما ~~الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا ms1615 العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في ~~نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها. وكان في نظر القلب أيضا في غاية ~~الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح ~~لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب ~~الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله تعالى ~~الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين ~~الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقا فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا ~~PageV02P589 # كان العقل قرين القلب صار عقالا له، وإذا كان قرين النفس حرضها على ~~العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس ~~النامية وهي القوة النباتية، فقرب طعاما من أردإ زرعه وهي القوة الطبيعية، ~~وكان هابيل القلب راعيا لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب ~~الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ~~ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية. # فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من ~~سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان ~~قابيل النفس شيئا لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية تبوء بإثمي ~~وإثمك أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي. فقتل ~~قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب فأصبح من الخاسرين أما في ~~الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات ~~الوصول فبعث الله غرابا هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها. وفي ~~تعليم الغراب إشارة إلى أنه تعالى قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء ~~فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق في الأرض لمسرفون أي في ~~أرض البشرية إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله أن يقتلوا بسكين الخذلان ~~أو يصلبوا بحبل الهجران على جذع الحرمان أو تقطع أيديهم عن أذيال الوصال ~~وأرجلهم من خلاف عن الاختلاف أو ينفوا من ms1616 أرض القربة والائتلاف يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو ~~إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى ~~وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة ~~المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه ~~يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات ~~الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود وما هم بخارجين ~~منها لأنهم خلقوا مظاهر القهر السارق والسارقة كانا مقطوعي الأيدي عن قبول ~~رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر ~~أيديهما عن قبول تلك السعادة. جزاء بما كسبا الآن في عالم الصورة نكالا من ~~الله تقديرا منه في الأزل. # PageV02P590 ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 41 الى 47] # يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ~~لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم ~~يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم (41) ~~سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~(42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ~~وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44) وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ms1617 له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الظالمون (45) # وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ~~(46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون (47) ### | القراآت: # للسحت بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي. # الباقون بسكون العين. واخشوني بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ ~~عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل والعين وما بعده بالرفع علي ~~وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في والجروح بالرفع. والأذن وبابه ~~بسكون العين: نافع. # وليحكم بالنصب: حمزة. الباقون بالجزم. ### | الوقوف: # قلوبهم ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ومن الذين هادوا ~~على من الذين قالوا آمنا ووقفت على هادوا واستأنفت بقوله سماعون راجعا إلى ~~الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود آخرين لا لأن ~~ما بعده صفة لهم. لم يأتوك ط مواضعه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف. ~~فاحذروا ط شيئا ط قلوبهم ط عظيم ه للسحت ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ~~أعرض عنهم ج شيئا ط بالقسط ط المقسطين ه ذلك ط لتناهي الاستفهام بالمؤمنين ~~ه ونور ج لاحتمال ما بعده # PageV02P591 # الحال والاستئناف شهداء ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب قليلا ط الكافرون ~~ه بالنفس ط لمن قرأ والعين وما بعده بالرفع بالسن ط لمن قرأ والجروح بالرفع ~~قصاص ط لابتداء الشرط كفارة له ط الظالمون ه من التوراة الأولى ص لطول ~~الكلام ونور ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالا. # للمتقين ط لمن قرأ وليحكم بالنصب فيه ط الفاسقون ه. ### | التفسير: # خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: يا أيها النبي في مواضع ولم يخاطبه ~~بقوله: # يا أيها الرسول إلا هاهنا وفي قوله: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~[المائدة: 67] ولا شك أنه خطاب تشريف ms1618 وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي ~~آخر السور نزولا حيث تحققت رسالته في الواقع. أما وجه النظم فهو أنه سبحانه ~~لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا ~~جرم صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ~~ويكفيه شرهم. والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا ~~وجدوا فرصة لم يخطؤها. آمنا بأفواههم فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم ~~آمنا سماعون للكذب قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف ~~كتابه والطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من قولك: الملك يسمع كلام ~~فلان أي يقبله سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي قابلون من الأحبار ومن الذين ~~لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس ~~السماع. واللام في للكذب لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ~~يحرفون الكلم مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيونا وجواسيس ~~من بعد مواضعه أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب ~~وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات ~~موضع إن أوتيتم هذا المحرف المزال عن موضعه فخذوه واعلموا أنه الحق واعملوا ~~به وإن لم تؤتوه وأفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بخلافه فاحذروا فهو ~~الباطل. # عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم ~~مجلود فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من ~~علمائهم فقال صلى الله عليه وسلم: # أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في ~~كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك. نجد حد الزاني في كتابنا ~~الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا ~~الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف ~~والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله ms1619 ~~عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم فأنزل الله ~~الآية إلى قوله: إن أوتيتم هذا # PageV02P592 # يقولون ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فحذوا ~~به، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. # وفي رواية أخرى أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في ~~التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم إلى بني قريظة ليسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا: # إن أمركم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم ~~بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا ~~به فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون ~~شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا. # نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكما. فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع ~~فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، ~~هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: # نعم. فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب. ثم ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر ~~به المرسلون. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين فرجما عند باب ~~مسجده. # قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم ~~الثيب الذمي من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المقصود، وإن كان مما ~~ثبت في شريعة موسى عليه السلام فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في ~~شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ~~وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس حكمه باق في شرعنا. ومن يرد الله فتنته ~~ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر ms1620 التي حكاها عن اليهود وغيرهم. ~~والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك. ثم أكد هذا ~~بقوله: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم وفيه دليل على أنه تعالى لا ~~يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن. ~~والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: يوم هم على النار يفتنون [الذاريات: ~~13] أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالا، أو المراد ومن يرد الله ~~اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها فلن تملك ~~له من الله ثوابا ولا نفعا. ثم قال: أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم بالألطاف لأنه تعالى علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع ~~في قلوبهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الدالة على كفره، أو هو ~~استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله ~~وسوء أعماله. # ثم وصف اليهود بقوله: سماعون للكذب أكالون للسحت وهو الحرام وكل ما لا ~~يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي ~~مذهب. قال # PageV02P593 # الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ~~ويستأصلها. ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلفى إلا جائعا أبدا كأنه ~~يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام. # والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب ~~وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن ~~علي رضي الله عنه وعمر وعثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، # وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه ~~بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة. قال الحسن: كان الحاكم في ~~بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلا في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى ~~خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت. وقيل: # كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالا ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية ms1621 ~~فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت. وقيل: سماعون للأكاذيب التي ~~كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله تعالى: وأخذهم الربوا ~~[النساء: 161] . فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم خيره الله تعالى بين ~~الحكم والإعراض. فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم. ~~وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري. ~~وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف ~~وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فجعل الدية سواء. وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم ~~وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر ~~الأحكام غير منسوخ. وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن ~~هذا التخيير منسوخ في حق غير المعاهدين بقوله تعالى: وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله [المائدة: 49] فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا ~~تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارا لهم. وأهل الحجاز بعضهم ~~لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم ~~من الحدود ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول ~~الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد ~~مكان الرجم، فإذا أعرض صلى الله عليه وسلم عنهم وأبي الحكومة بينهم شق ~~عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: # وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط بالعدل ~~والاحتياط كما حكمت في الرجم. وكيف يحكمونك تعجيب من الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى ~~حكم من كانوا يعتقدونه مبطلا، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا ~~غاية الجهالة ونهاية العناد. والواو # PageV02P594 # في قوله: وعندهم للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب. ~~أما قوله: # فيها حكم الله فإما أن ينتصب حالا ms1622 من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ~~عندهم وإما أن يرتفع خبرا عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله ~~فيكون عندهم متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن ~~عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما ~~تصنع بغيره. وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث. ثم يتولون عطف ~~على يحكمونك و «ثم» لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك ~~الموافق لما في كتابهم. وما أولئك بالمؤمنين إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا، ~~أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين ~~في الإيمان على سبيل التهكم بهم. # ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ~~إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان ~~الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد. وقال الزجاج: الهدى ~~بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم حق. وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من ~~الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا ~~يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر ~~بالأصول وإلا كان تكرارا. وأيضا إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن ~~يكون داخلا فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج. ويمكن أن يجاب بأن ~~التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديما وتأخيرا والمراد فيها ~~هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون. أما قوله: الذين أسلموا فأورد عليه ~~أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟ وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل ~~المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام ~~التي هي دين الأنبياء قديما وحديثا لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله ~~وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ~~ولهذا أردفه بقوله: للذين هادوا أي ms1623 يحكمون لأجلهم. قال في الكشاف: قوله ~~تعالى: الذين أسلموا للذين هادوا مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام. ~~قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين. ~~ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟ وقال ~~الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم كقوله: إن إبراهيم كان أمة [النحل: 120] لأنه اجتمع فيه من ~~الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة. ~~فمن الأنبياء من لم تكن # PageV02P595 # شريعتهم شريعة موسى. والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران. والأحبار عن ~~ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر ~~إذا كان جميلا حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضا لقولهم: حسن الحبر ~~بالكسر أيضا. # وفي الحديث: «يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره» # أي جماله وبهاؤه. وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب ~~به لكون العالم صاحب كتب. قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة. ثم إن ذكر ~~الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالا من الأحبار فيشبه أن يكون ~~الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء. وقوله: بما استحفظوا إما أن ~~يكون من صلة يحكم أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو ~~يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه. و ~~«من» في من كتاب الله للتبيين. وقد أخذ الله تعالى على العلماء أن يحفظوا ~~كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن ~~لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه. وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون ~~والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء ~~لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير استحفظوا إلى النبيين وغيرهم جميعا. # والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء. ثم نهى ~~اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: فلا تخشوا الناس واخشون وعن ~~التغيير لرغبة ms1624 فقال: ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وهو الرشوة وابتغاء ~~الجاه. ثم عمم الحكم فقال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ~~احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر. # وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول أنها مختصة باليهود ورد بأن العبرة ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا ريب أن لفظ «من» في معرض الشرط للعموم فلا ~~وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في ~~النص. وقال عطاء: هو كفر دون كفر. وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر ~~بالله واليوم الآخر. فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق ~~يراد به الكافر في الدين. وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه ~~فعل فعلا مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر. وقال عبد العزيز بن ~~يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل فيخرج الفاسق ~~لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفا. واعترض بأن سبب ~~النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: ~~المحرف داخل في الكل. وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد ~~بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله تعالى ~~ولكنه تارك فلا تتناوله الآية. # ثم إنه سبحانه لما بين أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود ~~غيروه # PageV02P596 # أراد أن يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدلوه حيث فضلوا ~~بني النضير على بني قريظة فقال: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأول بالرفع ~~فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما ~~لإجراء كتبنا مجرى «قلنا» وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت ~~سورة «إن أنزلناه» . وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير. ~~فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا ms1625 قتلتها بغير حق، والعين ~~مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة ~~بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة. وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل ~~والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين ~~والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلا وهي التي ~~توضح العظم وتبدي وضحه وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف ~~كالسمع والبصر والبطش. فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في ~~عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها في كتب الفقه. ~~فمن تصدق به فهو كفارة له الضمير في به يعود إلى القصاص وفي فهو إلى التصدق ~~الدال عليه الفعل. وفي له وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما # روى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تصدق من ~~جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه» «1» # وعن عبد الله بن عمرو «يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به» # والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك ~~العفو، وأما العافي فأجره على الله تعالى وقفينا على آثارهم أي على آثار ~~النبيين بعيسى ابن مريم أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء. ~~وقوله: على آثارهم يسد مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ~~مصدقا لما بين يديه أي مقرا بأن التوراة كتاب منزل من عند الله تعالى وأنه ~~كان حقا واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضا لكونه مبشرا ~~بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم كالتوراة. وأما النور فبيان الأحكام الشرعية ~~وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، ~~والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لأن ذلك ~~سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح ~~والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك. ومن قرأ ~~وليحكم بالجزم فإما إخبار عما قيل ms1626 لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه ~~الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم ~~PageV02P597 # بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ~~مما لم يصر منسوخا بالقرآن. ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ~~ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون ~~هدى وموعظة أيضا غرضين معطوفين للحكم والله أعلم. # أما قوله: الكافرون الظالمون الفاسقون فللمفسرين فيه خلاف. قال القفال: ~~هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك ~~أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار. وقال آخرون: ~~الأول في الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك. وقال الأصم: الأول ~~والثاني في اليهود، والثالث في النصارى. ### | التأويل: # سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها سماعون لقوم آخرين ~~يسنون السنة السيئة لغيرهم يحرفون يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة ~~وهذه حال مؤولي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم سماعون للكذب أكالون ~~للسحت لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية. فالأخلاق نتائج الأعمال ~~والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري فإن جاؤك فاحكم ~~بينهم مداويا لدائهم إن رأيت التداوي سببا لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت ~~إعواز الشفاء لشقائهم وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط داوهم على ما يستحقون من ~~دائهم بما استحفظوا من كتاب الله الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة ~~أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون [الحجر: 9] وكتبنا عليهم كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس ~~المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين ~~قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك. # فمن تصدق بهذا الإحياء فهو كفارة له فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه ~~طرفة عين. ومن لم يحكم على نفسه بما أنزل الله في تزكيتها وتحليتها فأولئك ~~الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ ms1627 مقام الحقوق والله أعلم. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 48 الى 58] # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (48) ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون (50) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن ~~تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم نادمين (52) # ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ~~حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (53) يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم (54) إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون (56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ~~واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) # وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (58) # PageV02P598 ### | القراآت: # تبغون بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة. الباقون بالياء. # ويقول بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~بالنصب. عياش: مخير. الباقون يقول بدون واو العطف. من يرتد ms1628 بالإظهار: أبو ~~جعفر ونافع وابن عامر. الباقون بالإدغام. والكفار بالجر: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وعلي. الباقون بالنصب عطفا على محل. الذين اتخذوا وقرأ أبو عمرو ~~وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران ~~بالإمالة. ### | الوقوف: # بالحق ط ومنهاجا ط الخيرات ط تختلفون ه لا لعطف وأن احكم على ما قبله. ~~ومن وقف فلأنه رأس آية. أنزل الله إليك ط ذنوبهم ط لفاسقون ه يبغون ط ~~يوقنون ه أولياء ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقا. أولياء بعض ط منهم ~~ط الظالمين ه دائرة ط لتمام المقول. # نادمين ه لا لمن قرأ ويقول بالنصب عطفا على أن يأتي. جهد أيمانهم لا لأن ~~قوله: إنهم جواب القسم. لمعكم ط خاسرين ه ويحبونه لا لأن ما بعده صفة قوم ~~الكافرين ه لشبه الآية. لائم ط من يشاء ط عليم ه راكعون ه الغالبون ه ~~أولياء ج للعطف ولطول الكلام. مؤمنين ولعبا ط لا يعقلون ه. # PageV02P599 ### | التفسير: # من الله تعالى على نبينا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن إليه مصدقا ~~لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء. ~~وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان ~~رقيبا على الشيء وشاهدا ومصدقا. وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت ~~الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك. ~~والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ البتة ولا يحرف لقوله: ~~وإنا له لحافظون [الحجر: 9] ومن هنا قرىء: ومهيمنا عليه فتح الميم أي هو من ~~عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو ~~الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة فاحكم بينهم بين اليهود ~~بالقرآن ولا تتبع أهواءهم منحرفا عما جاءك من الحق أو ضمن لا تتبع معنى لا ~~تحزن. قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي. والجواب أن ~~ذلك مقدور له ولكن لا ms1629 يفعله لمكان النهي. أو الخطاب له والمراد غيره لكل ~~جعلنا منكم أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لتقدم ذكر الثلاث شرعة ومنهاجا قال ابن السكيت: # الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته. وقيل: إنه من الشروع في الشيء ~~الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة «فعلة» بمعنى «مفعولة» وهي ~~الأمور التي أوجب الله تعالى على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق ~~الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد. ويحتمل أن ~~يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي ~~الطريقة. وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر. ~~ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة ~~واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه. وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى. ~~والمعتزلة حملوه على مشيئة الإلجاء ولكن ليبلوكم أي جعلكم مختلفين متخالفين ~~ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد ~~الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال فاستبقوا الخيرات سارعوا ~~إليها وتسابقوا نحوها. ويعني بالخيرات هاهنا ما هو الحق من الاعتقادات ~~والمحقق من التكاليف. ثم علل الاستئناف بقوله: إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل ~~والعام والمقصر. والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة ~~المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وأن احكم قيل معطوف على الكتاب أي وأنزلنا ~~إليك أن احكم على أن «أن» المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو ~~على قوله: بالحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم. وأقول: يحتمل أن تكون «أن» ~~مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم. وتكرار الأمر بالحكم إما ~~للتأكيد # PageV02P600 # وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل ~~كان بينهم. # وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: فاحكم بينهم أو ~~أعرض # وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن ms1630 أسيد وعبد الله بن صوريا ~~وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم لعلنا نفتنه عن دينه. فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود ~~وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم ~~خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنزل فيهم: واحذرهم أن يفتنوك # محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من ~~مفعول احذر. والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى ~~الباطل فقد فتن. قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان ~~جائزان على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم ~~يبق إلا الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضا لم يكن للحذر فائدة، فإن ~~تولوا عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك فاعلم أنما يريد الله أن ~~يصيبهم ببعض ذنوبهم أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض ~~الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد ~~بالبعض ذنب التولي عن حكم الله. وفيه أن لهم ذنوبا جمة وأن هذا الذنب عظيم ~~جدا كقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها. ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها. # أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفسا كبيرة لأن ~~التنكير في معنى البعضية أيضا. لفاسقون لمتمردون في الكفر. وفيه أن التولي ~~عن حكم الله فسق مؤكد جدا. # ثم استفهم منكرا لرأيهم فقال: أفحكم الجاهلية يبغون وفيه تعيير لليهود ~~بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملة الجاهلية التي هي محض الجهل ~~وصريح الهوى. # وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل ~~الجاهلية من التفاضل بين القتلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~القتلى بواء أي سواء. فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك ms1631 فنزلت. # وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله. وسئل طاوس عن الرجل يفضل ~~بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية. واللام في قوله: لقوم يوقنون للبيان ~~كاللام في: هيت لك [يوسف: 23] أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين ~~يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكما ولا أحسن منه بيانا. # قال عطية العوفي: جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من ~~اليهود كثيرا عددهم حاضرا نصرهم # PageV02P601 # وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله. ~~فقال عبد الله بن أبي: # إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت ~~فهو لك دونه. قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء # تعاشرونهم معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله: بعضهم أولياء بعض لأن ~~الجنسية علة الضم. ثم أكد ذلك بقوله: ومن يتولهم منكم فإنه منهم من جملتهم ~~وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ ~~والتشديد ما فيه. إن الله لا يهدي القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم ~~بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه. عن أبي موسى الأشعري قال: قلت ~~لعمر بن الخطاب: إن لي كاتبا نصرانيا فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت ~~حنيفا؟ أما سمعت هذه الآية؟ قلت: له دينه ولي كتابته. فقال: لا أكرمهم إذ ~~أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله. قلت: لا ~~قوام بالبصرة إلا به. قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما ~~كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الآن. فترى الذين في قلوبهم مرض يعني أمثال ~~عبد الله بن أبي. يسارعون فيهم في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ~~ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ~~يقولون يعتذرون عن الموالاة ms1632 بقولهم: نخشى أن تصيبنا دائرة قال الواحدي: هي ~~الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه. وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر ~~لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك. ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: # فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فعسى من الله الكريم إطماع ~~واجب. والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه. وقوله: أو أمر ~~من عنده المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل البتة كقذف الرعب في قلوب ~~بني النضير وغيرهم من الكفار. وقيل: هو أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم. فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من النفاق ~~والشك في أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم يتم نادمين ويقول الذين آمنوا ~~قال الواحدي: # حذف الواو هاهنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير ~~واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكرا من ~~المعطوف عليها، فإن قوله: أهؤلاء إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل ~~من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان. ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك ~~مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. ووجه ~~الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذ وإنما يقولون ~~هذا القول فيما بينهم تعجبا من حالهم وفرحا بما # PageV02P602 # من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا ~~يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: وإن قوتلتم لننصرنكم ~~[الحشر: 11] وقوله: # جهد أيمانهم أي بأغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو ~~على المصدر من غير لفظه. حبطت أعمالهم من قول الله تعالى أو من جملة قول ~~المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء. وفيه معنى التعجب أي ~~ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في ~~العقبى من يرتد منكم عن دينه أي من يتول الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله ~~تعالى يأتي ms1633 بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه. وقال الحسن: علم ~~الله تعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه سبحانه ~~سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه فتكون الآية إخبارا عن الغيب وقد وقع فيكون ~~معجزا. # روي في الكشاف أن أهل الردة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهنا ~~تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن ~~فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول. وبنو حنيفة قوم مسيلمة تنبأ وكتب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب صلى الله ~~عليه وسلم: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب. أما ~~بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. فحاربه أبو ~~بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس ~~في الجاهلية وشر الناس في الإسلام. أراد في جاهليتي وإسلامي. # وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خالدا فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه. # وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة ~~القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن ~~نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التي زوجت نفسها مسيلمة ~~الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن ~~زيد وحاربهم أبو بكر وكفى ms1634 الله أمرهم على يديه. وفرقة واحدة في عهد عمر ~~غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد ~~عمر فرأى رجلا جارا رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه. ~~فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة ~~آلاف فأبى الرجل إلا القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى # PageV02P603 # الروم وتنصر. وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: يحبونهم كحب ~~الله [البقرة: 165] وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة ~~محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع. والراجع من الجزاء إلى الاسم ~~المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم أذلة ~~جمع ذليل لأن ذلولا من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ~~ذلل. وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم ~~بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلا عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر ~~والترفع البتة. ولتضمين الذل معنى الحنو والعطف عدي بعلى دون اللام كأنه ~~قيل: عاطفين عليهم. أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على ~~المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع أعزة على ~~الكافرين يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية ~~قوله: أشداء على الكفار رحماء بينهم [الفتح: 29] أما الواو في قوله: ولا ~~يخافون فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال ~~المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: # إلى الملك القرم وابن الهمام أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين ~~الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض. ~~وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم ~~أحد من اللوام. ذلك الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها فضل ~~الله إحسانه وتوفيقه. قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة ms1635 لله ~~تعالى. والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف. وضعف بأن اللطف عام في حق الكل ~~فلا بد للتخصيص من فائدة والله واسع عليم تام القدرة كامل العلم يعلم أهل ~~الفضل فيؤتيهم الفضل. # واعلم أن للمفسرين خلافا في أن القوم المذكورين في الآية من هم. قال ~~الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا ~~أهل الردة. وقال السدي: نزلت في الأنصار. # وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أبي موسى الأشعري وقال: هم قوم هذا. # وقال آخرون: هم الفرس لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان ~~وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء ~~فارس. # وقالت الشيعة: نزلت في علي رضي الله عنه وكرم الله # PageV02P604 # وجهه لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: ~~لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، # ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين. # قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب ~~الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصا جليا ~~على إمامة علي رضي الله عنه لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم ~~وتردهم إلى الحق. ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة ~~مقهورون أبدا حصل الجزم بعدم النص. ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك ~~أنه تعالى لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن ~~محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع ~~لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله ~~أعلم. ثم إنه سبحانه لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ~~ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: إنما وليكم ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ~~ولاية ms1636 الله أصل والباقي تبع الله ورسوله والذين آمنوا وفيه قولان: الأول أن ~~المراد عامة المؤمنين لأن الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة بن ~~الصامت. # وروي أيضا أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا ~~وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه ~~الآية. فقالوا: رضينا بالله تعالى وبرسوله وبالمؤمنين أولياء. ثم قال: # الذين يقيمون الصلاة # ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني ~~وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقا. # ومعنى وهم راكعون قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله تعالى ~~ونواهيه. # وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه. وقيل: إن ~~الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ~~ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعا فنزلت الآية ~~على وفق أحوالهم. القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ~~ليرغب الناس في مثل فعله. ثم إن ذلك الشخص من هو؟ روى عكرمة أنه أبو بكر ~~وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي عليه السلام. # روي أن عبد الله بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا ~~رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه. # وروي عن أبي ذر أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة ~~الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: ~~اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئا وعلي عليه السلام ~~كان راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ # PageV02P605 # الخاتم فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم إن أخي موسى سألك ~~فقال: رب اشرح لي صدري إلى قوله: وأشركه في أمري [طه: 25، 32] فأنزلت قرآنا ~~ناطقا سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ms1637 سلطانا [القصص: 35] اللهم وأنا محمد نبيك ~~وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ~~أزري. قال أبو ذر: فو الله ما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة ~~حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ إنما وليكم الله الآية. # فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~علي بن أبي طالب عليه السلام لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، ~~وأنه علي عليه السلام برواية أبي ذر وغيره. # وأجيب بالمنع من أن الولي هاهنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب ~~لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى ~~فكذا الولاية المأمور بها. # وأيضا إن عليا لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهرا أن ~~تكون الولاية حاصلة في الحال. وأيضا إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل ~~التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة ~~المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصرا لبعض كقوله: والمؤمنون والمؤمنات ~~بعضهم أولياء بعض [التوبة: 71] وأيضا الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما ~~مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضا فيه. ثم إن علي ~~بن أبي طالب عليه السلام كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو ~~كانت الآية دالة على إمامة علي لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك ~~يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله. وهب أنها دالة ~~على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يبق إلا أنه سيصير إماما ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة. ~~ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ~~فصل؟ وأيضا إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة ~~بهم إلى ذكر ذلك. فالمراد بقوله: إنما وليكم الله ورسوله أن من كان الله ms1638 ~~ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان ~~الولي مستعملا بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا ~~يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهومية معا فكأنه تعالى قسم المؤمنين ~~قسمين وجعل أحدهما أنصارا للآخر. وأيضا الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن ~~المشهور أن عليا عليه السلام ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق ~~بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ~~ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل ~~المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل. والحق أنه إن صحت ~~الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن علي # PageV02P606 # عليه السلام، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب ~~المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار. ومن يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله من إقامة المظهر مقام المضمر ~~تشريفا. والمراد فإنهم هم الغالبون. وحزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر ~~حزبهم. وقال الحسن: جند الله. أبو روق: أولياء الله. أبو العالية: شيعة ~~الله. وقيل: أنصار الله. الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم. # صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم ~~فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب. ثم عمم النهي عن موالاة جميع ~~الكفار فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد ~~وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين ~~يوادونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا ينافي اتخاذكم إياهم ~~أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنئان والبغضاء. وإنما عطف الكفار على أهل ~~الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضا كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد ~~بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر. ~~ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة ~~الجنان. واتقوا الله في موالاة الكفار إن ms1639 كنتم مؤمنين حقا لأن الإيمان ~~الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين. قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد ~~قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك ~~فنزل وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها أي الصلاة والمناداة. وهذا بعض ما ~~اتخذوه من هذا الدين هزوا ولعبا، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية. وقال ~~السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن ~~محمدا رسول الله. قال: حرق الكاذب. # فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في ~~البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله. # وقال آخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ~~ذلك فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد لقد أبدعت ~~شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية. فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت ~~فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان ~~أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟ فما ~~أقبح من صوت وما أسمج من أمر. فأنزل الله تعالى هذه الآية، # وأنزل: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله قال بعض العلماء: فيه دليل على ~~ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده. وأقول: لو قيل إن أصل الأذان ~~بالمنام والتفرير بنص الكتاب كان أصوب ذلك الاتخاذ. بأنهم قوم لا يعقلون ما ~~في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو ~~لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه # PageV02P607 # والجهل. قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام. ### | التأويل: # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر ~~الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن. وكان مهيمنا على جميع ~~الكتب تصديقا عيانيا لا بيانيا بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق ~~جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في ms1640 الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا ~~تشاهد حقائق الكتب ومعانيها. لكل جعلنا منكم معاشر الأنبياء شرعة يشرع فيها ~~بالبيان ومنهاجا يسلك فيه بالعيان ولكن ليبلوكم أيها الأمم في ما آتاكم من ~~البيان والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا ~~واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي ~~التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل ~~يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون ~~بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا ~~والعقبى فاستبقوا الخيرات من هذه المقامات إلى الله مرجعكم جميعا اختيارا ~~بقدم الصدق أو اضطرارا بحلول الأجل فإن تولوا عن قبول الحق فاعلم بمطالعة ~~القضاء أنما يريد الله في حكم القدر أن يصيبهم مصيبة الإعراض ببعض ذنوبهم ~~وهو الاعتراض، فإن الحق سبحانه يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين ~~التصريف. فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا ~~بالإيجاب لفاسقون لخارجون عن جذبات العناية أفحكم الجاهلية يبغون أيطلبون ~~منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين ~~وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب يسارعون فيهم لأن شبيه ~~الشيء منجذب إليه أن يأتي بالفتح فتح عيون القلوب أو أمر من عنده وهو ~~الجذبة التي توازي عمل الثقلين ويقول الذين آمنوا بأنوار الغيوب في أستار ~~القلوب فأصبحوا خاسرين بإبطال الاستعداد الفطري. بقوم يحبهم ويحبونه هم ~~أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات ~~يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة ~~العبد لله إبقاء اللاهوتية في فناء الناسوتية. والشيخ نجم الدين الرازي ~~المعروف بداية رضي الله عنه قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا. ثم قال ~~إنه تعالى يحب العبد بصفته ذاته أزلا وهي الإرادة القديمة المخصوصة ~~بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبدا أذلة على المؤمنين لارتفاع ~~الأنانية أعزة على الكافرين ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية يجاهدون في ~~سبيل الله في طلب الحق في البداية ببذل ms1641 الوجود ولا يخافون لومة لائم عند ~~غلبات الوجد في # PageV02P608 # الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط ~~والاختصاص بالمحبة في النهاية والله واسع كرمه قادر على أن يتفضل على كل ~~أحد لكنه عليم بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله. يقيمون الصلاة ~~يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ويؤتون الزكاة ما زكى من ~~وجودهم وهو الفناء في الله وهم راكعون راجعون إلى الله بانحطاط. فمن قيام ~~البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا ~~والشيطان. الذين اتخذوا دينكم يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل ~~المحبة والقرب من الذين أوتوا الكتاب أي العلوم الظاهرة والكفار يعني ~~الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى لا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة ~~شهود ذلك الجمال. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 59 الى 69] # قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون (59) قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل (60) وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم ~~يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ~~ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا ~~يصنعون (63) # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (64) ولو ~~أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ~~(65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم ms1642 منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (66) يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين (67) قل يا أهل الكتاب لستم ~~على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين (68) # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69) # PageV02P609 ### | القراآت: # هل تنقمون وبابه مدغما: حمزة وعلي وهشام. وعبد الطاغوت بضم الباء ونصب ~~الدال وجر الطاغوت: حمزة. الباقون بنصب الطاغوت على أن. عبد فعل ماض عطفا ~~على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت. مبصوطتان بالصاد مثل وزاده بصطة ~~[البقرة: 247] وقد مر في البقرة. رسالته أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون رسالاته. ### | الوقوف: # من قبل لا لعطف وأن أكثركم على أن آمنا. فاسقون ه عند الله ط لتناهي ~~الاستفهام والتقدير هو. من لعنه الله ط ومن جعل محله جرا على البدل من شر ~~لم يقف. الطاغوت ط السبيل ط خرجوا به ط يكتمون ه السحت ط يعملون ه السحت ط ~~يصنعون ه مغلولة ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: غلت وهو جزاء قولهم يد الله ~~مغلولة. بما قالوا م لئلا يوهم أن قوله: بل يداه مبسوطتان مفعول قالوا. ~~مبسوطتان ط لأن قوله: ينفق من مقصود الكلام فلا يستأنف. كيف يشاء ط وكفرا ط ~~يوم القيامة ط أطفأها الله لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون ~~وفيه نظر. فسادا ط المفسدين ه النعيم ه أرجلهم ط مقتصدة ط يعملون ه من ربك ~~ط رسالته ط من الناس ط الكافرين ه من ربكم ط وكفرا ج لاختلاف النظم مع فاء ~~التعقيب. # الكافرين ه يحزنون ه. ### | التفسير: # لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا قال لهم: ما الذي ms1643 ~~تنقمون من أهل هذا الدين. نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت ~~بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضا إذا كرهته وأنكرته. وسمى العقاب نقمة لأنه يجب ~~على ما ينكر من الفعل. والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب ~~المنزلة كلها؟ وليس هذا مما يوجب عتبا وعيبا لأن الإيمان بالله رأس جميع ~~الطاعات، وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء عليهم ~~السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز ~~وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض. ثم عطف عليه: وأن ~~أكثركم فاسقون والمراد ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم ~~كأنه قيل: ما تنكرون منا إلا مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم. وفيه من حسن ~~الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر. ~~ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل ~~وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى «مع» أي ما تنكرون ~~منا إلا الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسبا للصفات # PageV02P610 # الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيرا في وقوع ~~البغض والحسد في قلب الخصم. ويحتمل أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف ~~أي ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن ~~في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا. ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما ~~قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي ~~وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف. ~~وإنما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضا بأحبارهم ورؤسائهم ~~الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك. والمراد أن أكثرهم في دينهم ~~فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا ~~يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك. # قال ابن عباس: أتى ms1644 نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: أؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل [البقرة: 136] إلى قوله ونحن له مسلمون [البقرة: 136] # فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في ~~الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل الله تعالى: قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك يعني المتقدم وهو الإيمان، ولا بد من حذف مضاف قبله أو ~~قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله ومثوبة نصب على التمييز ~~من شر وهي من المصادر التي جاءت على «مفعول» كالميسور والمجلود ومثلها ~~المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضد العقوبة. # واستعمال أحد الضدين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: فبشرهم ~~بعذاب أليم [آل عمران: 21] وقد أخرج الكلام هاهنا على حسب قولهم واعتقادهم ~~وإلا فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة ~~أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر ~~كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك. قال المفسرون: عنى بالقردة ~~أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام. ويروى أن كلا المسخين ~~كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا ~~كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة ~~والخنازير فينكسون رؤوسهم. أما قوله: وعبد الطاغوت فقد ذكر في الكشاف فيه ~~أنواعا من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلا قراءة حمزة، ~~والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلا أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن ~~البليغ في الحذر والفطنة. قال الشاعر: # أبني لبيني إن أمكم ... أمة وإن أباكم عبد # PageV02P611 # أبني لبيني لستم بيد ... إلا يدا ليست لها عضد # وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع. وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه ~~عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة. وقيل: ~~أرادوا أعبد ms1645 الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه ~~الفعل. والطاغوت هاهنا قيل: # هو العجل. وقيل: هو الأحبار. والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من ~~أطاع أحدا في معصية فقد عبده. احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل ~~الله تعالى. وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به ~~كقوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف: 19] أو أنه ~~خذلهم حتى عبدوها. أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا من المؤمنين. قال ~~ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه. وقال علماء البيان: هو من باب ~~الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان. وأضل عن سواء ~~السبيل قصده ووسطه. كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يظهرون له الإيمان نفاقا فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه ~~كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط. وقوله: بالكفر وبه ~~حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: وقد دخلوا وهم قد خرجوا ولذلك دخلت ~~«قد» تقريبا للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضا. وذلك أن أمارات النفاق ~~كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوقعا ~~لإظهار الله أسرارهم. والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: دخلوا ~~وخرجوا أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. وإنما ذكر ~~عند الخروج كلمة «هم» لتأكيد إضافة الكفر إليهم. ونفى أن يكون من النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب ~~كفرا فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار ~~أنفسهم. وهاهنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ~~ولكنه معارض بالعلم والداعي. والله أعلم بما يكتمون فيه أن حسدهم وخبثهم لا ~~يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ. الإثم الكذب كقوله بعد: عن قولهم ~~الإثم والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ms1646 ما يتعداهم إلى ~~غيرهم. وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله. وفي الآية فوائد منها: ~~ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك. # ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في ~~المنكرات. ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل ~~السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت. وفي تفسير ~~الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب. وقال # PageV02P612 # الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة. وإنما قال ~~هاهنا: لبئس ما كانوا يصنعون وفي الأول يعملون لأن الصنع أرسخ من العمل فلا ~~يسمى العامل صانعا ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ~~ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ. وتحقيقه أن ~~المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ~~ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب ~~صاحبه الدواء فما زال. وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن. وعن الضحاك: ما ~~في القرآن آية أخوف عندي منها. وقالت اليهود يد الله مغلولة قيل: في هذه ~~الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم ~~بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، ~~وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة. والجواب أن الله ~~تعالى صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم ~~قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيرا عاجزا مغلول اليدين، أو ~~لعلهم لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في غاية الفقر والضر قالوا: ~~إن إله محمد كذلك. وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياما معدودة ~~إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه ms1647 ~~العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب. وقيل: لعلهم ~~كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه تعالى موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه ~~لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل ~~اليد. وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالا وثروة، فلما بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: ~~يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع ~~في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ. وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن ~~البخل والجود ومنه قوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~[الإسراء: 29] وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، ~~فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان ~~رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم ~~بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا ~~يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال. وقد يستعمل حيث لا ~~يصح اليد كقول لبيد: # قد أصبحت بيد الشمال زمامها # PageV02P613 # فجازاهم الله تعالى بقوله: غلت أيديهم وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ~~ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليما لعباده كما علمهم ~~الاستثناء في قوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [الفتح: 29] وكما علمهم الدعاء ~~على المنافقين في قوله: فزادهم الله مرضا [البقرة: 10] وعلى أبي لهب في ~~قوله: تبت يدا أبي لهب [المسد: 1] ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي ~~حقيقة أو إخبارا. قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين ~~بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز. وإنما لم يقل ~~فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: غلت أيديهم ~~كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة ~~الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره. ولعنوا ms1648 بما قالوا قال الحسن: عذبوا في ~~الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار. ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما ~~حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقي الناس كان قد سمع ~~بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف ~~كان مكتوبا بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا ~~العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: # أين هذه الآية يعني قوله: غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا فأروه إياها ~~فمحاها، فلم يمض أسبوع إلا وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل ~~يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله. ثم إنه سبحانه رد على اليهود بقوله: بل ~~يداه مبسوطتان واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة- وهو ظاهر- وعلى ~~النعمة. يقال: لفلان عندي يد أشكرها له. وعلى القوة مثل: أولي الأيدي ~~والأبصار [ص: 45] فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا. والمعنى ~~سلب كمال القدرة. وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال تعالى: # بيده عقدة النكاح [البقرة: 237] وقد يراد به شدة العناية قال: لما خلقت ~~بيدي [ص: 75] ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئا. ولا شك أن اليد ~~بمعنى الجارحة في حقه تعالى محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي ~~أجزاء خلافا للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها. وكان طريقة السلف ~~الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله. وقد جاء في بعض ~~أقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل ~~الاصطفاء لقوله: لما خلقت بيدي [ص: 75] والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص ~~القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: يد الله فوق أيديهم [الفتح: 10] . وبإثبات ~~اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: مما عملت أيدينا أنعاما ~~[يس: 71] ووجه التوحيد والجمع ظاهر. وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى ~~بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو # PageV02P614 # المراد ms1649 نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة ~~النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه ~~في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: ~~لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعادا بعد إسعاد. ثم أكد ~~الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ينفق كيف يشاء وفيه أنه لا ينفق إلا على مقتضى ~~الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن ~~أوجب عليه شيئا أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه ~~وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به. وليزيدن جواب قسم محذوف كثيرا منهم يعني ~~علماء اليهود ما أنزل إليك من ربك من القرآن والحجج طغيانا وكفرا مجاوزة في ~~الحد وغلوا في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرها وألقينا ~~بينهم بين اليهود والنصارى- قاله مجاهد والحسن- أو فيما بين اليهود العداوة ~~والبغضاء لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية ~~وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط ~~واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ~~كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله فلا يهمون بأمر من الأمور إلا وقد ~~رجعوا بخفي حنين. وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا. وعن قتادة: لا تلقى ~~اليهود ببلدة إلا وجدتهم أذل الناس ويسعون في الأرض فسادا يستخفون كيدا ~~للإسلام وذويه والله لا يحب المفسدين فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي. ~~قيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم ~~بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليم المسلمين ~~إلى يوم القيامة. ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدد من ~~مساويهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به واتقوا المنكرات ~~التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحا لكفرنا عنهم تلك السيئات سترناها ~~عليهم ولأدخلناهم مع المسلمين جنات النعيم ms1650 من النعم خلاف البؤس أي نعيم ~~صاحبها فما أوسع رحمة الله تعالى وما أعظم عفوه وغفرانه ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله تعالى ومن الإقرار ~~بنبوة نبي آخر الزمان محمد صلى الله عليه وسلم، أو حافظوا على أحكامهما ~~وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف. وما ~~أنزل إليهم من ربهم يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور ~~داود وكتاب شعيا وحيقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها. لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار # PageV02P615 # المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل ~~منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض. ويحتمل أن يراد به ~~المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقا أو تحتا أي لأكلوا أكلا ~~كثيرا متصلا، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني ~~النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم. # والحاصل أنه سبحانه وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال ~~الثواب لشرفها. ثم فصل حالهم فقال: منهم أمة مقتصدة طائفة متوسطة في الغلو ~~والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصدا له على الطريق المستقيم ~~من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيرا يمينا ~~وشمالا، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: ~~أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولا في دينهم ولا يوجد فيهم ~~عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى. وكثير منهم ساء ما يعملون فيه معنى ~~التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافا متعصبين لا ينجع فيهم القول ~~ولا يؤثر فيهم الدليل ms1651 قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. # ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف ~~مكروههم فقال: يا أيها الرسول بلغ # عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وكرم الله وجهه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. ~~فلقيه عمر وقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ~~ومؤمنة. وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليها ~~فأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ # فقال: الله. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى ~~انتثر دماغه ونزل: والله يعصمك من الناس # وقيل: لما نزلت آية التخيير: يا أيها النبي قل لأزواجك [الأحزاب: 28] فلم ~~يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا نزلت يا أيها الرسول بلغ وقيل: نزلت ~~في أمر زيد وزينب بنت جحش. # وقيل: لما نزل ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله [الأنعام: 108] سكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عيب آلهتهم فنزلت. # أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها. # وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع. ~~قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد فنزلت. # وقيل: نزلت في قصة # PageV02P616 # الرجم والقصاص المذكورتين. # وقال الحسن: إن نبي الله قال: لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت ~~أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال ~~الخوف. # وقالت عائشة: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقلت: يا رسول ~~الله ما شأنك؟ # قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة. قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت ~~السلاح فقال: من هذا؟ قال سعد وحذيفة: ms1652 جئنا نحرسك. فنام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله. # وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فكان يرسل معه ~~أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية. فأراد عمه ~~أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله تعالى قد عصمني من الجن ~~والإنس. # ومعنى قوله: ما أنزل إليك جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك وإن لم ~~تفعل ما أمرتك به كما أمرتك به فما بلغت رسالته من قرأ على الوحدة فلأن ~~القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى ~~الجمع. ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة. فإن قيل: # معنى قوله: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته إن لم تبلغ رسالته فما بلغت ~~رسالته فما وجه صحته؟ فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم ~~تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئا لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء ~~البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها. أو المراد إن ~~لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعا ~~فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت. # فإن قيل: أين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟ فالجواب أن الآية ~~نزلت بعد يوم أحد. أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون ~~النفس والناس الكفار لقوله: إن الله لا يهدي القوم الكافرين أي لا يمكنهم ~~مما يريدون. ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن ~~يقول لأهل الكتاب: لستم على شيء أي على ms1653 دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء ~~تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد. ومعنى فلا تأس لا تأسف ولا ~~تحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب ~~نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك. يقال: # آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن. ثم لما بين أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ~~ما لم يؤمنوا بين أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا ~~سعادة إلا إذا آمن وعمل صالحا، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلا ~~بمعرفة المبدأ والمعاد- أعني # PageV02P617 # الإيمان بالله واليوم الآخر- وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم ~~المعبود والشفقة على المخلوق- أعني العمل الصالح- وغاية هذا الكمال الخلاص ~~من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا ~~أمورا أعظم وأشرف. وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلا أنه ~~بقي هاهنا بحث لفظي وهو أن قوله: والصابئون عطف على ماذا؟ فقال الكوفيون: ~~إنه معطوف على محل الذين لأن اسم «إن» إذا كان مبنيا جاز العطف على محله، ~~وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان. وإن لم يجز إن زيدا وعمرو ~~قائمان. وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقا لأنه يؤدي إلى إعمال «إن» ~~وإعمال معنى الابتداء معا في «قائمان» فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان ~~مختلفان وإنه محال. فإذن الصابئون مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه ~~قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، ~~فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: إن الذين آمنوا إلى آخره ولا محل لها ~~كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه على أن التوبة ~~مقبولة البتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن ~~الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل ~~الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في ~~شيء لأنه ثابت في مركزه ms1654 الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه ~~والراجع إلى اسم «إن» محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله ~~أعلم. ### | التأويل: # شر الفريقين من جعله الله مستعدا لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل ~~صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم. # أولئك شر مكانا من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم ~~وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~[الأعراف: 179] ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به. الربانيون مشايخ ~~الطريقة والأحبار علماء الشريعة. غلت أيديهم كانت أيديهم من إصابة الخير ~~مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: يد الله مغلولة ~~وكل إناء يرشح بما فيه. ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات ~~الظلومية والجهولية صلى الله عليه وسلم # قال: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء» ~~«1» # بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى PageV02P618 # الكافرين من الغواية والخذلان. وألقينا بينهم العداوة فلا يوجد أحد إلا ~~وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطنا بعد بطن. ولو أن أهل العلوم ~~الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا ~~بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها لأكلوا من فوقهم ورزقوا من الواردات ~~الروحانية ومن تحت أرجلهم إلى أعلى مقاماتهم. من العلماء الظاهريين أمة ~~مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد ~~الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني. بلغ ما أنزل إليك ~~يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات ~~والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوة ~~والرسالة. فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول ~~إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلا أن للتبليغ مراتب ~~كما أنزل إليه. فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ ~~بالتعليم وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات ~~الولاية وتبليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة. وللخلق أيضا مراتب ~~في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات ms1655 المختلفة أنزل من السماء ماء فسالت أودية ~~بقدرها [الرعد: 17] والله يعصمك بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف ~~في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن ~~الله. يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ~~ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين ~~وأربع نتائج. فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا ~~والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق ~~الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى 81] # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا ~~وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون ~~(71) لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار وما للظالمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (74) # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا ~~يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل ~~أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ~~(76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ~~ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل (77) لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب ms1656 هم خالدون (80) ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) PageV02P619 ### | القراءات: # ألا تكون بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل ~~وحفص وأبي بكر وحماد. الباقون بالنصب. ### | الوقوف: # رسلا ط أنفسهم لا لأن عامل كلما قوله كذبوا يقتلون ه كثير منهم ط بما ~~يعملون ه ابن مريم ط وربكم ط النار ط من أنصار ه ثلاثة لا لئلا يوهم أن ما ~~بعده من قول الكفار واحد ط أليم ه ويستغفرونه ط والوصل أيضا حسن بناء على ~~أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور رحيم ه رسول ج لاحتمال ما بعده ~~الصفة والاستئناف الرسل ط لأن الواو للاستئناف لا للعطف صديقة ط لأن ما ~~بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في كانا مثنى الطعام ط يؤفكون ه ولا نفعا ط ~~والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن ~~الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر العليم ه السبيل ه ابن مريم ط ~~يعتدون ه فعلوه ط يفعلون ه كفروا ط خالدون ه فاسقون ه أشركوا ج لطول الكلام ~~والفصل بين الوصفين المتضادين نصارى ط لا يستكبرون ه من الحق ج لاحتمال ما ~~يتلوه الحال والاستئناف الشاهدين ه من الحق لا لأن الواو بعده للحال. # الصالحين ه خالدين فيها ط المحسنين ه الجحيم ه. # PageV02P620 ### | التفسير: # افتتح الله تعالى السورة بقوله أوفوا بالعقود وانجر الكلام إلى ما انجر ~~والآن عاد الى ما بدأ به والمقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم أي ~~أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال وأرسلنا ~~إليهم رسلا لتعريف الشرائع والأحكام. قال في الكشاف كلما جاءهم رسول إلخ ~~جملة شرطية وقعت صفة ل رسلا والراجع الى الموصوف محذوف أي رسول منهم. ~~وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جوابا لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟ ~~ولهذا كان الوقف على رسلا مطلقا، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه ~~محذوف لأن الرسول ms1657 الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت ~~أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ~~فريقا كذبوا جواب قائل: كيف فعلوا؟ وأقول أما أن التركيب المذكور غير ~~مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ~~كلما يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى بما لا تهوى ~~أنفسهم بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ~~يقتلون مضارعا ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر ~~التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام في البتة ~~وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل ~~بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك ~~الزمان قريب فكان كالحاضر. وحسبوا ألا تكون فتنة قال علماء الأدب: الأفعال ~~على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن ~~المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضا لتأكيد مقتضاه كقوله ويعلمون أن الله ~~هو الحق المبين [النور: 25] فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون ~~مع فعله «قد» أو «سوف» أو «السين» أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين ~~وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل علم أن سيكون [المزمل: 20] وفعل يدل على خلاف ~~الثبات والاستقرار نحو «أطمع» و «أخاف» و «أرجو» فلا يجيء معه إلا الخفيفة ~~الناصبة للفعل كقوله والذي أطمع أن يغفر لي [الشعراء: 82] وفعل يحتمل ~~المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله وحسبوا ألا تكون قرىء بالنصب على أن ~~المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون ~~فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، ~~وما يشتمل عليه صلة «أن» و «أن» من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و ~~«كان» تامة. والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة. ms1658 وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط # PageV02P621 # ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها ~~الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن ~~لا تقع فتنة يحتمل وجهين: # الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده ~~يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم ~~كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوة إسلافهم تدفع العقاب عنهم. ~~ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض ~~المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب ~~الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأنكروا نبوته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. ~~وقوله كثير منهم بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على ~~لغة من يقول «أكلوني البراغيث» وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، ~~وقال بعضهم: عموا وصموا حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ثم ~~عموا وصموا كثير منهم بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة. وقال القفال: إنه ~~يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل فإذا جاء وعد أولاهما ~~[الإسراء: 5] فإذا جاء وعد الآخرة [الإسراء: 7] وقرىء فعموا وصموا بالضم أي ~~رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة. ثم ~~إنه سبحانه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن ~~فريق منهم أنهم قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وهذا قول اليعقوبية ~~القائلين إن مريم ولدت إلها، ولعل مرادهم أنه تعالى حل في ذات عيسى أو اتحد ~~به. ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعتقدوا فيه وذلك ~~أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ~~ثم أكد ذلك المعنى بقوله: إنه من يشرك بالله ms1659 أي في العبادة أو في تجويز ~~الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس فقد حرم الله ~~عليه الجنة التي هي دار الموحدين أي منعه منها وما للظالمين من أنصار من ~~كلام الله تعالى أو من حكاية قول عيسى عليه السلام لهم وقد مر تفسيره في ~~آخر سورة آل عمران، وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصارا ~~كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله تعالى أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون ~~بذلك تعظيمه. قال المفسرون ثالث ثلاثة معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر ~~وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما. يحكى أن النصارى يقولون أب وابن ~~وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة. ~~وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي ~~هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء # PageV02P622 # بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، ~~والكل إله واحد. # واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحدا والواحد ~~لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: وما من إله إلا إله واحد ~~فزاد من الاستغراقية. والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف ~~بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك. ثم زجرهم بقوله وإن لم ينتهوا عما يقولون ~~ليمسن الذين كفروا قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيرا ~~منهم تابوا عن النصرانية ف «من» في قوله منهم للتبعيض، ويجوز أن تكون ~~للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريرا للشهادة ~~عليهم بالكفر ورمزا إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون ~~عنوا بذلك خاصة. ومعنى عذاب أليم نوع شديد الألم من العذاب أفلا يتوبون قال ~~الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد ~~الوعيد الشديد. # ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ما المسيح ابن مريم إلا رسول وهذا ترتيب ~~في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أولا، ثم حثهم ms1660 على الإسلام ثانيا، ثم ~~شرع في حل شبههم ثالثا، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن ~~عنت له شبهة بل يسلم أولا ثم تحل شبهته ثانيا، والمعنى ما هو إلا رسول من ~~جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة الى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من ~~غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا ~~الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى وأمه ~~صديقة كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن ~~وأحوالهن قال تعالى في وصفها: وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ~~[التحريم: 12] أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في ~~إقامة مراسم العبودية. ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلها، ~~وفيه تكذيب لليهود المفرطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في ~~أن عيسى خلق من غير أب. وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان ~~مخلوقا لا إلها. ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله كانا يأكلان الطعام فإن ~~المحتاج الى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه ~~الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان. ثم ~~عجب من غاية غوايتهم فقال انظر يا محمد أو كل من له أهلية النظر كيف نبين ~~لهم الآيات الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم. والعامل في كيف قوله نبين ~~ومفعول انظر مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ~~ثم انظر أنى يؤفكون كيف يصرفون عن الحق. أفكه بالفتح يأفكه # PageV02P623 # بالكسر أفكا بالفتح والسكون صرفه عن الشيء. ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه ~~مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر. ومعنى «ثم» التراخي والبون بين ~~العجبين أي بينا لهم الآيات بيانا عجيبا ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف ~~عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، ~~وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك ms1661 مرارا. ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى ~~فقال قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك أي شيئا لا يستطيع أو الذي لا يقدر ~~على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة ~~والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئا من ذلك لنفسه، فإن اليهود ~~كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم. ومن مذهب النصارى أن اليهود ~~صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان عليه ~~السلام مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلها كان معبودا فقط لا عابدا ~~والله هو السميع العليم يسمع أبا طيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه ~~من الوعيد ما فيه. ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال يا أهل الكتاب لا تغلوا ~~والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد ~~يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلا للتقصير. ولعل المراد هاهنا هو الأول ~~فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ~~ادعوا فيه الإلهية. قال في الكشاف: قوله غير الحق صفة للمصدر أي غلوا غير ~~الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير ~~الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقه، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوات، ~~والثاني منهي عنه دون الأول، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء ~~جاوز حده شابه ضده فكيف يتصور غلو حق ولله در القائل: # كلا طرفي قصد الأمور ذميم فالأصوب أن يقال: انتصب غير الحق على أنه صفة ~~قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلوا كقوله: ولا تعثوا في الأرض مفسدين ~~[البقرة: 60] أي إفسادا وكقولهم: تعال جائيا وقم قائما. ولو سلم أن المصدر ~~محذوف كان غير الحق صفة مؤكدة مثل نفخة واحدة [الحاقة: 13] و «أمس الدابر» ~~لا صفة مميزة فافهم ولا تتبعوا أهواء قوم هي المذاهب التي تدعو إليها ~~الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى لفظ الهوى في القرآن إلا ~~ذمه ms1662 ولا تتبع الهوى فيضلك [ص: 26] وما ينطق عن الهوى [النجم: 3] أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه [الجاثية: 23] قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعا إلا في # PageV02P624 # الشر. لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال يريد الخير ويحبه. وقيل: سمي ~~هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل ~~هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة قد ضلوا من قبل يعني أئمتهم في ~~النصرانية واليهودية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأضلوا كثيرا ممن ~~شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها وضلوا عن سواء السبيل ~~عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه. والغرض بيان استمرارهم على ~~الضلال قديما وحديثا. وقيل: الضلال الأول عن الدين، والضلال الثاني عن ~~الجنة. وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق. ~~لعنهم الله في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير ~~لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم. وقال كثير من ~~المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال ~~داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة. وإن أصحاب المائدة لما أكلوا ~~منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا ~~خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي. وعن الأصم أن داود ~~وعيسى بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب ~~عصيانهم واعتدائهم. ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله كانوا لا يتناهون ~~وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ~~ينهى بعضهم بعضا. # عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من رضى عمل قوم فهو منهم ~~ومن كثر سواد قوم فهو منهم» # وذلك أن في التناهي المأمور به حسما للفساد فكان الإخلال به معصية وظلما. ~~والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون. والمراد لا يتناهون ~~عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا ms1663 يفيد، أو المراد لا يتناهون ~~عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار ~~على منكر فعلوه. ثم عجب من سوء فعلهم مؤكدا بالقسم المقدر فقال لبئس ما ~~كانوا يفعلون ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيرا ~~منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا [النساء: 51] لبئس ما قدمت لهم أنفسهم من ~~العمل لمعادهم. ومحل أن سخط رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى ~~الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدعون واتخذوا المشركين أولياء لأن ~~تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ولكن كثيرا منهم فاسقون في دينهم لأن مرادهم ~~تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى. ويحتمل أن ~~يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيمانا # PageV02P625 # خالصا ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون متمردون في ~~كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين. وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين ~~يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذهم اليهود أولياء. # تم الجزء السادس وبه يتم المجلد الثاني من تفسير غرائب القرآن ورغائب ~~الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري، ويليه الجزء السابع، وهو أول ~~المجلد الثالث، وأوله: # لتجدن أشد الناس عداوة ... # PageV02P626 ### | الفهرس # تتمة تفسير سورة البقرة الآيات: 252- 254 3 الآيات: 255- 257 11 الآيات: ~~258- 260 21 الآيات: 261- 266 35 الآيات: 267- 274 43 الآيات: 275- 281 59 ~~الآيتان: 282 و 283 73 الآيات: 284- 286 83 تفسير سورة آل عمران الآيات: 1- ~~11 98 الآيات: 12- 25 118 الآيات: 26- 34 135 الآيات: 35- 41 148 الآيات: ~~42- 60 158 الآيات: 61- 71 177 الآيات: 72- 80 185 الآيات: 81- 91 197 ~~الآيات: 92- 101 207 الآيات: 102- 111 223 الآيات: 112- 120 237 # PageV02P627 # الآيات: 121- 129 246 الآيات: 130- 141 257 ms1664 الآيات: 142- 150 268 الآيات: ~~151- 160 277 الآيات: 161- 175 298 الآيات: 176- 189 313 الآيات: 190- 200 ~~327 تفسير سورة النساء الآيات: 1- 10 338 الآيات: 11- 23 360 الآيات: 24- ~~30 382 الآيات: 31- 40 403 الآيات: 41- 57 416 الآيات: 58- 70 432 الآيات: ~~71- 81 445 الآيات: 82- 91 455 الآيات: 92- 101 468 الآيات: 102- 113 486 ~~الآيات: 114- 126 496 الآيات: 127- 141 507 الآيات: 142- 152 518 الآيات: ~~153- 169 524 الآيات: 170- 176 533 تفسير سورة المائدة الآيات: 1- 11 539 # PageV02P628 # الآيات: 12- 19 567 الآيات: 20- 26 573 الآيات: 27- 40 577 الآيات: 41- ~~47 591 الآيات: 48- 58 599 الآيات: 59- 69 610 الآيات: 70- 81 620 # PageV02P629 ### | المجلد الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السابع من أجزاء القرآن الكريم ### | تتمة سورة المائدة ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86] # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا ~~نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84) ~~فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء ~~المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم (86) # ثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال لتجدن يا محمد أوكل من ~~له أهلية الخطاب أشد الناس عداوة وقد تعلقت بها اللام في قوله للذين آمنوا ~~كما تعلقت بالمودة فيما بعد. وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية ~~العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على ~~الذين أشركوا # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» # لكنه # روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه ~~الذين قدموا من الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ولم يرد ~~جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين. # وقال ms1665 آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر الى من يخالفهم في ~~الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب المال أو بوجوه المكايد والحيل، وليس ~~النصارى مذهبهم ذلك بل الإيذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة ~~والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودة بالأشد والأقرب. وفي الآية من ~~الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ~~ولا تحزن على كيدهم. ثم ذكر سبب ذلك التفاوت فقال ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو ~~تتبع الشيء وطلبه. قال قطرب: هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق ~~بين اللغتين. وقال عروة بن الزبير: ضعيف النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس ~~منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيسا، فمن كان على هديه ~~ودينه فهو قسيس. والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس. وقيل: إنه ~~واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظم يأباه. وأصله من الرهبة بمعنى ~~الخوف من الله تعالى، وإنما صارت الرهبانية # PageV03P003 # ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله ~~تعالى ورهبانية ابتدعوها [الحديد: 27] # ولقوله صلى الله عليه وسلم «لا رهبانية في الإسلام» «1» # وهاهنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات ~~جميعا أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا ~~بعضهم القائلين بأن عزيرا ابن الله. ثم إن النصارى لما لم يشتد حرصهم على ~~طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله ~~تعالى بالمدح وذم اليهود حيث قال ولتجدنهم أحرص الناس على حياة [البقرة: ~~96] غلت أيديهم [المائدة: 64] فتبين صحة # قوله صلى الله عليه وسلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة» # قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف على أصحابه من ~~المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه الى النجاشي ~~وقال: إنه ملك صالح لا ms1666 يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله ~~للمسلمين فرجا. فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: هل تعرفون شيئا مما أنزل ~~عليكم؟ قالوا: نعم. فقرؤا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤا آية انحدرت ~~دموعهم مما عرفوا من الحق. # وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلا ~~بعثهم النجاشي وفدا الى الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب الصوف اثنان ~~وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، ~~فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا ~~فنزلت # والخطاب في ترى لكل راء. وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع ~~الامتلاء وأصله تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل ~~أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأن الأعين ~~تفيض بأنفسها. ومعنى مما عرفوا من الحق أي مما نزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو الحق ف «من» الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة ~~الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم ~~فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة؟ ربنا آمنا المراد إنشاء الايمان لا ~~الإخبار عنه فاكتبنا مع الشاهدين مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد مر ~~مثله في آل عمران. وما لنا إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه ~~وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين. قالوا ذلك ~~في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم. ومحل ~~لا نؤمن نصب على الحال نحو: مالك قائما. # والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير مؤمنين. وهو العامل أيضا في ونطمع ~~لكن مقيدا PageV03P004 # بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت: وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن ~~يكون ونطمع حالا من لا نؤمن كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في ~~الثواب وأن يكون عطفا على لا نؤمن أي ما لنا ms1667 نجمع بين التثليث وبين الطمع، ~~أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع فأثابهم الله بما قالوا ظاهره ~~يدل على أنهم إنما استحقوا الثواب بمجرد القول، ولكن فيما سبق من وصفهم ~~بمعرفة الحق ما يدل على خلوص عقيدتهم فلا جرم لما انضاف إليه القول كل ~~الإيمان. ويحتمل أن يكون مأخوذا من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده ومذهبه. ~~وروى عطاء عن ابن عباس أن المراد بما سألوا من قولهم فاكتبنا مع الشاهدين. ~~قال أهل السنة: فيه دليل على أن المعرفة مع الإقرار توجب حصول الثواب، ~~وصاحب الكبيرة له المعرفة والإقرار فلا بد أن يؤل حاله إلى هذا الثواب. ~~والمعتزلة سلموا أن الإقرار مع المعرفة يوجب الثواب ولكن بشرط عدم الإحباط. ### | التأويل: # لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذريات آدم عليه السلام وأرسلنا ~~إليهم رسلا بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم ~~الغيب فريقا كذبوا يعنى الإلهامات والواردات وفريقا يقتلون في عالم الحس ~~لقد كفر الذين قالوا النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا ~~في أودية الشبهات، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سلكوا الطريق بأقدام جذبات ~~الألوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة ~~الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول: نعم الدليل أنت. ولكن ~~الاشتغال بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد ~~التزكية والتحلية صار قابلا للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل ~~بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس إنه من يشرك ~~بالله ظاهرا فقد حرم الله عليه الجنة ومن يشرك به باطنا حرم عليه القربة ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم. # هذا سر الخلافة فإن الإنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده ~~رد الحق لا يتناهون عن منكر سمى العصيان منكرا لأنه يوجب النكرة كما سمى ~~الطاعة معروفا لأنها توجب المعرفة ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا. يعني أن ~~تعارف الأرواح يوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم ms1668 وعبادهم وصفاء ~~قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي ~~سمعوه في الأزل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ~~ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. # PageV03P005 ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 100] # يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي ~~أنتم به مؤمنون (88) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون (89) يا أيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ~~(91) # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ~~إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ~~والله يحب المحسنين (93) يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم (94) يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله ~~عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد ~~البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون (96) # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~ذلك لتعلموا أن الله ms1669 يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ما على ~~الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون ~~(100) ### | القراآت: # بما عقدتم بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ~~ذكوان عاقدتم بالألف. الباقون عقدتم بالتشديد من أوسط مثل مبسوطتان ~~[المائدة: 64] فجزاء بالتنوين مثل بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن ~~المفضل. كفارة طعام بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون كفارة ~~بالتنوين طعام بالرفع فبما بغير ألف ابن عامر. # PageV03P006 ### | الوقوف: # ولا تعتدوا ط المعتدين ه طيبا ص لعطف المتفقتين مؤمنون ه الأيمان ج ~~لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب. رقبة ط ثلاثة أيام ط حلفتم ط ~~للإضمار أي حلفتم وحنثتم أيمانكم ط تشكرون ه تفلحون ه وعن الصلاة ج لابتداء ~~الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه. منتهون ه واحذروا ط المبين ه ~~وأحسنوا ط المحسنين ه بالغيب ج أليم ه وأنتم حرم ط وبال أمره ط سلف ط منه ط ~~انتقام ه وللسيارة ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظا. ~~حرما ط لإطلاق الأمر بالابتداء تحشرون ه والقلائد ط عليم ه رحيم ه البلاغ ط ~~تكتمون ه كثرة الخبيث ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض تفلحون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد إلى بيان الأحكام ~~فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح ~~القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين. # قال المفسرون: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الناس ووصف ~~القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في ~~بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان ~~الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ~~ولا يأكلوا اللحم ms1670 ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ~~ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ ~~قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير. فقال: إني لم أؤمر بذلك إن ~~لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم ~~وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني. ثم جمع الناس وخطبهم ~~فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما ~~إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم ~~والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، ~~فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد ~~الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، ~~فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها- وكانوا حلفوا ~~على ما اتفقوا عليه- فنزلت هذه الآية # PageV03P007 # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فهذا وجه اتصال الآيات. فإن قيل: ما ~~الحكمة في قوله لا تحرموا ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات ~~يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا ~~شبعت الأجسام صارت الأرواح أجسادا، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحا؟ ~~فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي ~~القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر ~~الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات ~~عن التأمل في الروحانيات. فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء ~~بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك ~~الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه ~~تعالى قال في أول السورة أوفوا بالعقود [المائدة: 1] فبين أنه كما لا يجوز ~~تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ~~ويحرمون البحائر والسوائب. ms1671 # ومعنى لا تحرموا لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله ولا تظهروا باللسان تحريمه ~~ولا تجتنبوه اجتنابا يشبه اجتناب المحرمات. فهذه الوجوه محمولة على ~~الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو ~~لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك [التحريم: 1] أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطا لا ~~يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل. والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس ~~وتميل إليها القلوب. ثم نهى عن الاعتداء مطلقا ليدخل تحته النهي عن الإسراف ~~كقوله كلوا واشربوا ولا تسرفوا [الأعراف: 31] وكلوا أمر إباحة وتحليل مما ~~رزقكم الله في إدخال «من» التبعيضية إرشاد إلى الاقتصاد والاقتصار في الأكل ~~على البعض وصرف الباقي إلى المحتاجين، وفيه أنه تعالى هو الذي يرزق عبيده ~~وتكفل برزقهم. قال في التفسير الكبير: قوله حلالا طيبا إن كان متعلقا ~~بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالا لأنه يدل على ~~الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون ~~كل رزق حلالا، وإن كان متعلقا بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالا ~~كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالا. أقول: هذا ~~فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: حلالا حال مما رزقكم الله مع أنه من ~~المعتزلة. ثم أكد التوصية بقوله واتقوا الله وزاده تأكيدا بقوله الذي أنتم ~~به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه. ثم قال لا ~~يؤاخذكم وقد ذكرنا وجه النظم آنفا، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة ~~البقرة. أما قوله بما عقدتم # PageV03P008 # الأيمان # فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد ~~فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط ~~الكفارة عن اليمين الواحدة. وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد ~~واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو ~~عقد اليمين ms1672 بأحدهما دون الآخر فلا كفارة. # ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله. ~~والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها ~~إذا حنثتم. فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ~~فكفارته أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ~~ويسمى بالواجب المخير. وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز ~~الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأي واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن ~~هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير ~~الرقبة فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر وهو الصوم. أما مقدار الطعام ~~فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا من، وهو قول ابن عباس وزيد بن ~~ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه تعالى قال من أوسط ما تطعمون فإن ~~كان المراد ما كان متوسطا في العرف فثلثا من من الحنطة إذا جعل دقيقا وخبز ~~فإنه يصير قريبا من المن وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما ~~كان متوسطا في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما # جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره بإطعام ستين مسكينا من غير ذكر مقدار. فقال الرجل: ما أجد. فأتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أطعم هذا. # وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مد. ولا تلزم كفارة ~~الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها ~~معتبرا بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد. وقال أبو ~~حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأوسط هو ~~الأعدل. # وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي. وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ~~ابن عباس مد بإدامه والإدام تبلغ قيمته مدا آخر ويزيد في الأغلب. أجاب ms1673 ~~الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في ~~قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة. ثم قال ~~الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياسا على الكسوة. # وقال أبو حنيفة: إذا غدى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام ~~الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال من أوسط ما تطعمون أهليكم والقائل ~~أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام. وقال ~~أبو حنيفة: لو أطعم مسكينا # PageV03P009 # واحدا عشر مرات جاز. وقال الشافعي: لا يجزى إلا إطعام عشرة لأن مدار ~~الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص. # قال في الكشاف أو كسوتهم عطف على محل من أوسط ووجه بأن البدل هو المقصود ~~فكأنه قيل: فكفارته من أوسط. وأقول: الأظهر أن يكون من أوسط مفعولا آخر ~~للإطعام سواء كان «من» للابتداء أو للتبعيض، ويكون كسوتهم معطوفا على ~~الإطعام. والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به. قال الشافعي: يجزىء في ~~الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو ثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو ~~قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس ~~كانت العباءة تجزىء يومئذ. وعن مجاهد: ثوب جامع. وقال الحسن: ثوبان أبيضان. ~~والمراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق ~~حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة. ثم أجرى ذلك على العتق هكذا ~~قيل في أصل هذا المجاز. ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه. وقال ~~الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ~~ذكرا أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياسا على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق ~~المكاتب ولا شراء القريب. وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل ~~تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف. ويمكن أن يقال: الإطعام ~~أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ms1674 أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في ~~الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير ~~والإطعام قد لا يحتمل ذلك. فمن لم يجد أحد الأمور الثلاثة المذكورة فصيام ~~فعليه صيام ثلاثة أيام قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه ~~وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن ~~عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان ~~الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم. تركنا العمل به عند ~~وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوما وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على ~~حق الغير واجب شرعا فبقي الآية معمولا بها في غيره. وعند أبي حنيفة: يجوز ~~الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة. ثم صيام الأيام ~~الثلاثة مشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكا بقراءة أبي وابن مسعود فصيام ~~ثلاثة أيام متتابعات فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما. # وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتد بها ~~لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلا متوترا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له: علي أيام من رمضان # PageV03P010 # أفأقضيها متفرقات؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان عليك دين فقضيت ~~الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟ قال: بلى. قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح. # وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضا العبرة بعموم ~~اللفظ لا بخصوص السبب. # مسألة: من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى ~~الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها ~~فيخرج عن العهدة ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم فحذف ذكر ~~الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا ~~يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك ~~والشافعي وأحمد موافقا لما # روي أن النبي صلى الله ms1675 عليه وسلم قال «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها ~~خيرا فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير» «1» . # ولأن الكفارة حق مالي يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين ~~كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب. هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم ~~فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدم على وقتها إذا لم تمس إليه ~~حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن ~~جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب ~~محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضا لوجود أحد ~~السببين. والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل ~~اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه. جميع ما ذكرنا ظاهر ~~مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث ~~مطلقا. واحفظوا أيمانكم قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن ~~الحنث، وعلى هذا تكون الإيمان مختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا ~~يشرب الخمر بخلاف ما لو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث. ~~وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاونا بها كذلك مثل ذلك ~~البيان الشافي يبين الله لكم آياته أحكامه وأعلام شريعته لعلكم تشكرون نعمة ~~البيان وتسهيل المخرج من الحرج. PageV03P011 # ثم إنه سبحانه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر- وقد تقدم ~~معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب ~~والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة. واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم ~~الخمر أشياء يكرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم منها # قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي ~~في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة ~~بنت رسول الله صلى ms1676 الله عليه وسلم وأعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل ~~معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا ~~أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب ~~حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفي قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما ~~وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟ ~~قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار ~~غنت أغنية فقالت في غنائها: # ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها ~~فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كبابا ملهوجة على وهج الصلاء فأنت ~~أبا عمارة المرجى لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف فاجتب أسنمتهما ~~وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. قال علي رضي الله عنه: فانطلقت حتى دخلت ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي أتيت له فقال: ما لك؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم! ~~عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب. ~~قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، ~~- أنا وزيد بن حارثة- حتى جاء البيت الذي فيه. فاستأذن فأذن له فإذا هم ~~شرب، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل ~~محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ~~وجهه ثم قال: # وهل أنتم إلا عبيد أبي؟ فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص ~~على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا # فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر. قالت العلماء: ~~هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة ب «إنما» الدالة على ~~الحصر معناه ليست # PageV03P012 # الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان. ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه # قوله صلى الله عليه ms1677 وسلم «شارب الخمر كعابد الوثن» # ومنها أنه جعلها رجسا كما قال في موضع آخر فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~[الحج: 30] وأصل الرجس العمل القبيح والقذر. قال الفراء: ويجعل الرجس على ~~الذين لا يعقلون [يونس: 100] أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس ~~بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي ~~الدرجة في القبح رجسا. ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا ~~يصدر منه إلا الشر البحت. ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب. ~~ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منها خيبة. والضمير في ~~فاجتنبوه عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي ~~الخمر ونحو ذلك. ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض ~~والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصا وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد ~~الألفة والمودة. ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت ~~الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء ~~المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن ~~وهذان من مكايد الشيطان ومضادان لمصالح الإنسان. وأيضا الخمر سبب تهييج ~~اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال ~~عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود. وإنما أفرد ذكر ~~الخمر والميسر ثانيا لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولا بذكر الأنصاب ~~والأزلام تنبيها على أنها جميعا من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما ~~لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى ~~هذين. # ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله فهل أنتم منتهون كأنه قيل: قد ~~تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم ~~على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟ ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب. إذ فهموا ~~التحريم المؤكد. ومنها إنه قال عقيب ذلك وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~واحذروا والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر ms1678 عن ~~المخالفة في ذلك الباب. ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله فإن توليتم ~~الآية. والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة ~~البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر. عن أنس قال: كنت ~~ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، ~~فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو ~~طلحة: اخرج فأرقها. فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى ~~ليس على الذين آمنوا # PageV03P013 # وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا # الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله ومن لم يطعمه فإنه ~~مني [البقرة: 249] فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن ~~يكون معنى الطعم راجعا إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعا، فقد تقول العرب: ~~أطعم أي ذق. ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم [البقرة: 143] والعامل في إذا ما اتقوا معنى الكلام المتقدم أي لا ~~يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمات لأنهم شربوها حين كانت محللة. والمراد أن ~~أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان ~~والتقوى والإحسان. # وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما ~~كان جناح مثل وما كان الله ليضيع [البقرة: 143] والمعنى لا جناح على من ~~طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه ~~أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق. والجواب أن صيغة ~~طعموا وهي المضي تأباه، وأيضا إن سبب نزول الآية يكذبه. # روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله ~~كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين ~~عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟ فنزلت. # وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم ~~هذا النص. ثم إنه سبحانه ms1679 شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، ~~وفي الثالثة التقوى والإحسان. فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني ~~دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم. وقيل: ~~الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما ~~في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم. ~~وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر. وقال القفال: الأول الاتقاء من ~~القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان ~~بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق. ~~ثم إنه سبحانه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ~~ليبلونكم الله أي ليعاملنكم معاملة المختبر بشيء التنوين للتحقير وفيه أنه ~~ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح ~~والأموال، فامتحن الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البر كما امتحن ~~أصحاب أيلة بصيد البحر. قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام ~~الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي ~~وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء. قال ~~الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار # PageV03P014 # الوحش، والذي تناله الرماح الكبار. و «من» في من الصيد للبيان أو للتبعيض ~~وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير ~~في تناله إليه ليعلم الله ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة ~~من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل بالغيب النصب على الحال أي ~~يخافه حال كونه غائبا عن رؤيته أو عن حضور الناس فمن اعتدى فصاد بعد ذلك ~~الابتلاء فله عذاب أليم في الآخرة وقيل في الدنيا. عن ابن عباس: هو أن يضرب ~~بطنه وظهره ضربا وجيعا وينزع ثيابه. لا تقتلوا الصيد قال الشافعي: إنه ~~البري المتوحش المأكول اللحم. أما الأول فلقوله تعالى بعد ذلك أحل لكم صيد ~~البحر وأما المتوحش فيدخل فيه ms1680 نحو الظبي وإن صار مستأنسا ويخرج الإنسي وإن ~~صار متوحشا إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولا فلقوله تعالى وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام. وقال ~~أبو حنيفة: # المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمن. وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل ~~الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء ~~فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما # وقد جاء «خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب ~~والكلب العقور» «1» # وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة # بقول علي رضي الله عنه: صيد الملوك أرانب وثعالب. فإذا ركبت فصيدي ~~الأبطال. # وزيف بأن الثعلب عندنا حلال. وأنتم حرم أي محرمون بالحج والعمرة أيضا على ~~الأصح. وقيل: وقد دخلتم الحرم. وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي. ~~وقوله لا تقتلوا يفيد المنع ابتداء والمنع تسببا فليس له أن يتعرض للصيد ما ~~دام محرما أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان ~~الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من قرأ ~~فجزاء بالتنوين ومثل بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا. ومن قرأ ~~بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعليه أن يجزىء مثل ما قتل. ~~قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء ~~مثله فهو كقولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك. وقيل: الإضافة بمعنى «من» أي جزاء ~~من مثل ما قتل. قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه ~~PageV03P015 # شيء. وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكرا لإحرامه ~~أو عالما أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس لإحرامه أو رمى ~~صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير صيد فعدل السهم فأصاب صيدا فهو مخطئ ~~لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور. ويتأكد هذا الرأي بقوله ليذوق وبال أمره ms1681 ~~وبقوله ومن عاد أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضا يناسب ~~العمد لا الخطأ 575 قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمدا أو خطأ ~~قياسا على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، ~~فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمدا أو لا. وإنما ~~وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عن ~~لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل ~~له: # إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة. وعن الزهري نزل ~~الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. # قال صلى الله عليه وسلم «في الضبع كبش إذا قتله المحرم» «1» # وقالت الصحابة: في الظبي شاة. أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد ~~والخطأ. ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ~~ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياسا على ما لا مثل له. حجة الشافعي ~~قوله تعالى من النعم فإنه بيان للمثل وكذا قوله هديا بالغ الكعبة # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في الضبع بكبش. # وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا ~~في أمكنة مختلفة وأزمان متعددة في جزاء الصيد بالمثل من النعم. فحكموا في ~~النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، ~~وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل- وفي رواية بعناق- وفي الضب بسخلة، وفي ~~اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي ~~الفاختة. والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده. وفيه دليل على ~~أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة ~~لاختلف باختلاف الأسعار. والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة ~~من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز. ms1682 وأيضا ~~المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل. # (وهاهنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيدا. فالشافعي وأحمد وإسحق: ~~لا PageV03P016 # يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد. وقال أبو حنيفة ومالك ~~والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحدا يقتص منهم جميعا، ~~وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيدا فقتلوا صيدا واحدا لزم كلا منهم ~~كفارة. وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان. # الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا ~~يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن ~~الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف. وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر وعبد ~~الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال. # الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبيا فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة ~~الشاة إرشادا إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكا في ذبح شاة ويتعذر ~~عليه إخراج قسط من الحيوان. وقال المزني: عليه شاة. وقال داود: لا ضمان إلا ~~بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط. # الرابعة: إذا قتل المحرم صيدا وأدى جزاءه ثم قتل صيدا آخر لزمه جزاء آخر ~~خلافا لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح. حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر ~~العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة ~~مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم. ~~حجة داود ومن عاد فينتقم الله منه فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا ~~الكفارة. # الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيدا أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه ~~بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير. والذكر يفدى بالذكر والأنثى ~~بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقا للمثلية. فالأنثى أفضل لأنها ~~تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن. # قوله سبحانه يحكم به ذوا عدل منكم قال ms1683 ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان ~~من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به. وبهذا احتج ~~من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما ~~الخلقة والصورة فمشاهد لا # PageV03P017 # يفتقر إلى الاجتهاد. ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضا يتوقف ~~على الاجتهاد. عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبيا في الإحرام فمات فسأل عمر- ~~وكان إلى جانبه عبد الرحمن ابن عوف- فقال له: ما ترى؟ قال: عليه شاة. قال: ~~وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة. قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير ~~المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره. # قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟ قال ~~الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم فأنا عمر وهذا عبد الرحمن. قال الشافعي: ~~ما ورد فيه نص فهو متبع كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش. # وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم ~~أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ~~ونظرهم أعلى. وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم. ~~وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكما؟ إن كان القتل عمدا عدوانا فلا لأنه يورث ~~الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطرا إليه فكذلك عند ~~مالك كما في تقويم المتلفات. وجوزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ ~~فرسه ظبيا فسأل عمر فقال: احكم فيه. فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير ~~المؤمنين. فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني. فقال الرجل: ~~أرى فيه جديا فقال عمر: فذلك فيه. وأيضا فإنه حق الله فيجوز أن يكون من ~~عليه أمينا فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة. # ولو حكم عدلان بأن له مثلا وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين. ~~ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين ms1684 أنه يتخير والآخر أنه ~~يأخذ بالأغلظ. قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز. ~~وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة ~~الشاهدين وبتقويم المقومين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي ~~بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في ~~حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة ~~وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضا. وانتصب هديا على أنه حال من ~~فجزاء عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل مثل عند ~~من أضاف، أو حال من الضمير في به ووصف هديا ببالغ الكعبة لأن إضافته غير ~~حقيقية تقديره بالغا الكعبة. والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا ~~كان مرتفعا. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا ~~يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد ~~المقتول إلى الفقراء حيا لم يجز. قال الشافعي: # يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضا لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه ~~وإنما القربة في التصدق على فقراء الحرم. وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به ~~حيث شاء لأنها لما وصلت # PageV03P018 # إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة. قوله أو كفارة عطف على قوله فجزاء وطعام ~~مساكين بيان له. ومن أضاف فللبيان أيضا أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم ~~فضة أو عدل ذلك الطعام صياما نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلا. وعدل ~~الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا ~~كان غلاما يعدل غلاما، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين. ثم مذهب ~~الشافعي أنه يصوم لكل مد يوما. ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوما ~~وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين. وبالجملة ~~فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوم حيث صيد، ms1685 فإن بلغت قيمته ~~ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري ~~بقيمته طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، وإن شاء صام ~~عن طعام كل مسكين يوما. وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من ~~النعم وما ليس كذلك. فالأول جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح ~~مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم ~~مذبوحا، وبين أن يقوم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء ~~اشترى بها طعاما وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام ~~يوما حيث كان. والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها. وبالجملة كل ما ~~دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاما، ثم إن شاء ~~تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوما، فإن انكسر مد في القسمين صام يوما لأن ~~الصوم لا يتبعض. فللجزاء في القسم الأول ثلاثة أركان: الحيوان والطعام ~~والصيام. وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام وأو هنا على التخيير في ~~ظاهر المذهب لا على الترتيب. ووافق مالك وأبو حنيفة لأن «أو» للتخيير ~~غالبا، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع ~~على سبيل التغليظ بدليل قوله ليذوق وبال أمره والتخيير ينافي التغليظ. ثم ~~القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل ~~الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين ~~قياسا على تعيين المثل. ثم إن لم يكن الصيد مثليا فالعبرة في القيمة بمحل ~~الإتلاف قياسا على كل متلف متقوم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام ~~بمكة. وإن كان مثليا وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو ~~الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ لأنها محل الذبح لو كان يذبح. ولا جزاء ~~على المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد ms1686 له أو بدلالته لأنه ليس ~~بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف ~~بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي # PageV03P019 # وفي قوله القديم- وبه قال مالك وأحمد- يلزمه القيمة بعد ما أكل. وإذا ذبح ~~المحرم صيدا لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد- وبه قال مالك وأحمد ~~وأبو حنيفة- لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكا وجب مع ~~الجزاء القيمة للمالك. وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟ أظهر الوجهين لا، وكذا ~~الكلام في صيد الحرم إذا ذبح. أما قوله ليذوق فإنه متعلق بقوله فجزاء أي ~~فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما ~~شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام. # والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل ~~تقيل على الطبع والمعدة. والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل ~~على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضا، وكل منها نوع عقوبة عفا ~~الله عما سلف في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل ~~التحريم في الإسلام. وعلى مذهب داود عفا الله عما سلف في المرة الأولى بسبب ~~أداء الجزاء ومن عاد فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء فينتقم الله منه أي فهو ~~ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه. أحل لكم ~~صيد البحر أي مصيداته. ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما ~~يصاد منه ثلاثة أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها ~~حرام، وفيما سوى هذين خلاف. فقال أبو حنيفة: حرام. وقال ابن أبي ليلى ~~والأكثرون: # حلال. قوله وطعامه العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر ~~الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر ~~أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه. وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد ~~يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد ms1687 بعض ~~الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها. # فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول ~~منه. وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ~~ضعف. قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال ~~تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه # وقال صلى الله عليه وسلم في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» «1» # متاعا لكم في الحضر طريا وللسيارة في السفر مالحا. وانتصب متاعا على أنه ~~مفعول له ولكنه PageV03P020 # مختص بالطعام. وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله أحل لكم في معنى ~~التمتيع وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قال العلماء: صيد البحر هو الذي ~~لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش ~~في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان ~~والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر، ويجب على قاتله الجزاء. واتفق ~~المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال # فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم ~~كذلك لإطلاق الآية، # ولما # روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه حمار وحش وهو محرم ~~فأبى أن يأكله. # وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده ~~المحرم ولا يصطاد له لما # روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صيد ~~البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم» «1» # وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده ~~لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفة ~~وأصحابه لما # روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أشرتم؟ # هل أعنتم؟ فقالوا: لا فقال: هل ms1688 بقي من لحمه شيء؟ قالوا معنا رجله. فأخذها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأكلها. # وهذان القولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. وقال في ~~الكشاف: أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما ~~صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم. ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة. ثم حث ~~على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله واتقوا الله الذي إليه تحشرون وهو ~~كلام جامع للوعد والوعيد. # ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال جعل الله أي حكم وبين ~~بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب قياما للناس وهم ~~العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا «الناس فعلوا كذا» أرادوا أهل ~~بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم. وبيان القيام أن قوام المعيشة إما ~~بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبى إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد ~~صيره حرما آمنا، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك ~~بدعاء إبراهيم عليه السلام. فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم [إبراهيم: 37] ~~ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى ~~PageV03P021 # وأظهر من أن تخفى. وانتصب البيت الحرام على أنه عطف بيان على جهة المدح ~~لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة ~~الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية ~~والدنيوية. وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاما واحدا لم ينظروا ولم ~~يؤخروا. وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أول السورة. وإنما ~~كان الشهر الحرام سببا لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان ~~يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، ~~فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع. وأيضا هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك ~~الحج وإقامتها. وأما الهدي فإنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا ~~القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، ~~وكل ذلك ms1689 لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك ~~الذي ذكر من جعل الكعبة قياما للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وذلك أنه علم في الأزل ~~أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء ~~وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سببا للأمان ~~في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان. ولا ريب أن مثل هذا ~~التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم ~~المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، ~~موجودها ومعدومها، وذلك قوله وأن الله بكل شيء عليم فما أحسن هذا الترتيب! ~~ثم خوفهم وأطمعهم بقوله اعلموا أن الله شديد العقاب لمن انتهك محارمه وأن ~~الله غفور رحيم لمن حافظ عليها. وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن ~~جانب الرحمة أغلب كما # قال «سبقت رحمتي غضبي» «1» . # ثم قرر أن الرسول ما كان مكلفا إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي ~~الأمر من جانبكم وأنه تعالى يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، # عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله عز وجل حرم عليكم ~~عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها ~~وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها» «2» . فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول ~~الله إني كنت رجلا كانت هذه تجارتي واستفدت PageV03P022 # من بيع الخمر مالا فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند ~~الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب، وأنزل الله عز وجل تصديقا ~~لقول رسوله قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث # وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب ~~وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، ms1690 ~~وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته، والبون بين الصنفين في ~~العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح ~~أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخبيث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة ~~الخبيث، لأن كثرته في التحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف ~~العمر في طلبه حيف. ### | التأويل: # لا تحرموا على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية طيبات ما أحل الله لكم دون ~~سائر المخلوقات من المواهب الربانية ولا تعتدوا ولا تجاوزوا عن حد العبودية ~~وكلوا مما رزقكم الله واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلي جماله ~~وجلاله حلالا طيبا يحل فيكم بريئا من سمات النقائص. باللغو في أيمانكم أن ~~تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء ~~النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ولكن يؤاخذكم ~~إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان فكفارته حينئذ إطعام عشرة مساكين ~~الحواس الظاهرة والباطنة. # من أوسط ما تطعمون أهليكم وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق ~~والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود ~~والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد ~~والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو ~~يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى فمن لم يجد أمسك في اليوم الماضي ~~عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود ~~إليه. ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ~~ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئا من إقباله ووصاله وذلك ~~في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه ~~بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة. # أريد وصاله ويريد هجري ... فأترك ما أريد لما يريد # ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من ~~تجديد # PageV03P023 # العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: # وحقنك ما نظرت إلى سواكا ... بعين مودة حتى أراكا # فإن هذا ms1691 ينافي التوحيد وأين في الدار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ~~ليس على الذين آمنوا بالتقليد وعملوا الصالحات الأعمال البدنية الشرعية ~~جناح فيما طعموا من المباحات إذا ما اتقوا الشبهة والإسراف وآمنوا بالتحقيق ~~بعد التقليد وعملوا الصالحات الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما ~~سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم ~~وما عداه ثم اتقوا شرك الأنانية وآمنوا بهويته ثم اتقوا هذا الشرك وهو ~~الفناء في الفناء وأحسنوا وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء ~~كاللهب للذهب فقال يا أيها الذين آمنوا إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ~~ملاذ الدنيا وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ليبلونكم ~~الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد ~~الدنيوية الدنية. تناله أيديكم يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات ~~الخيالية فله عذاب الرد والصد لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم يعني من أحرم ~~لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال متعمدا أي عالما ~~بما في الالتفات إلى غيره من المضار مثل ما قتل من النعم يجازي نفسه برياضة ~~ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ذوا عدل هما القلب والروح يحكمان على مقدار ~~الإسلام وعلى حسب قوة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك ~~الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس هديا بالغ الكعبة خالصا عن الخلق لأجل الحق ~~طعام مساكين هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن ~~أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على ~~المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك. أو عدل ذلك صياما ~~هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال ~~أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ذو انتقام ينتقم من أحبائه بنقاب ~~الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال. أحل لكم صيد بحر المعارف والكشوف ~~تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات صيد ~~البر ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ما دمتم حرما أي في حال المحو ms1692 لا في ~~حال الصحو. جعل الله الكعبة كعبة الظاهر قياما للعوام والخواص يستنجحون بها ~~حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواما للخواص ولخواص الخواص ~~يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا # PageV03P024 # موجود إلا هو، ولا وجود إلا له البيت الحرام حرام أن يسكن في كعبة القلب ~~غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق ~~وملاحظة ما سوى الحق. والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع ~~قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، ~~فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في ~~الأرض. شديد العقاب يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب ~~بفتح الأبواب إلا البلاغ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ما تبدون ~~بإقرار اللسان وما تكتمون من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ~~ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة ~~والله أعلم. قول الله عز وجل. ### | [سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 120] # يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين (102) ما جعل الله من بحيرة ولا ~~سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم ~~لا يعقلون (103) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ~~(104) يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى ~~الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (105) # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ms1693 نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ~~الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ~~أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108) ~~يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام ~~الغيوب (109) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ~~(110) # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا ~~مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن ~~نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين (113) ~~قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا ~~لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني ~~منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين (115) # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته ~~تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب (116) ما قلت لهم ~~إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ms1694 وأنت على كل شيء شهيد (117) إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم (118) قال الله هذا يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك السماوات والأرض وما ~~فيهن وهو على كل شيء قدير (120) # PageV03P025 ### | القراآت: # ينزل من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب شهادة بالتنوين آلله ~~بالمد: روح وزيد. الباقون بالإضافة. «استحق» على البناء للفاعل: حفص ~~والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول. الأوليان جمع الأول نقيض ~~الآخر. # سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ~~الأوليان تثنية الأولى الأحق الغيوب بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو ~~بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في سحر وكذلك في هود والصف: ~~حمزة وعلي وخلف الباقون سحر هل تستطيع بتاء الخطاب ربك بالنصب: علي والأعشى ~~في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع أن ينزل بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير ~~وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد منزلها بالتشديد: عاصم وأبو جعفر ~~ونافع وابن عامر. # الباقون بالتخفيف فإني أعذبه بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأمي بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص لي أن بالفتح: ابن كثير ~~وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون يوم ينفع بفتح الميم: نافع. ~~الباقون بالرفع. ### | الوقوف: # تسؤكم ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. تبد لكم ط عنها ط # PageV03P026 # حليم ه كافرين ه ولا حام لا للاستدراك. الكذب ط لا يعقلون ه آباءنا ط ولا ~~يهتدون ه أنفسكم ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير ~~مضرورين إذا اهتديتم ط تعملون ه مصيبة الموت ط قربى ز لأن قوله ولا نكتم من ~~جواب القسم. شهادة ط لمن قرأ آلله بالمد الآثمين ه وما اعتدينا ز لظاهر ~~«إن» والوصل أجوز لتعلق «إذا» بقوله وما اعتدينا ز الظالمين ه أيمانهم ط ~~لابتداء الأمر واسمعوا ط الفاسقين ه أجبتم ط لنا ط الغيوب ه والدتك ms1695 لا لئلا ~~يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذ أيدتك وكهلا ج ~~والإنجيل ج والأبرص بإذني ج الموتى ج لأن «إذ» يجوز تعلقه تعلق به «إذ» ~~الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم سحر مبين ه وبرسولي ط ~~لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في إذ أوحيت مسلمون من السماء الأولى ط ~~مؤمنين ه الشاهدين ه وآية منك ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض الرازقين ه ~~عليكم ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب العالمين ه من دون الله ط ما ليس لي ~~ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف ~~على بحق علمته ط نفسك ط الغيوب ه وربكم ج على أن الواو للاستئناف أو الحال ~~أي وقد كنت فيهم ط لأن عامل «لما» متأخر وفاء التعقيب دخلتها عليهم ط لأن ~~الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء شهيد ه عبادك ج لابتداء الشرط مع ~~الواو الحكيم ه صدقهم ط لاختلاف الجملتين بلا عطف أبدا ط عنه ط العظيم ه ~~وما فيهن ط قدير ه. ### | التفسير: # عن أنس أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة فقام ~~على المنبر فقال: # فاسألوني فو الله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به. ~~فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من ~~أبي؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك- ويروى عكاشة بن محصن- يا ~~رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى أعاد مرتين أو ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم: ويحك وما يؤمنك أن أقول ~~نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ~~ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ~~ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وقام آخر فقال: يا رسول الله ms1696 أين ~~أبي؟ فقال: في النار. ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر ~~فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. ~~فأنزل الله هذه الآية. # فهي عائدة إلى قوله ما على الرسول إلا البلاغ كأنه قال: ما آتاكم الرسول ~~فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم. # PageV03P027 # وأيضا كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكيا ~~عنهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] إلى تمام ~~الآية. وكان لبعض المسلمين أيضا ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة ~~بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر ~~العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون [النور: 29] فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية ~~إن تبد لكم تسؤكم. وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: ~~أصلها «شياء» على وزن «حمراء» فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره ~~فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فصار وزنه «لفعاء» . وقال ~~الفراء: أصلها «أفعلاء» بناء على أن «شيا» مخفف شيء كما يقال «هين» في ~~«هين» وقد يجمع «فيعل» على «أفعلاء» كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع ~~الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي «أشياء» على وزن «أفعاء» . وقال ~~الكسائي: وزنها «أفعال» ومنع الصرف تشبيها له بحمراء. ولا يلزم منه منع صرف ~~«أبناء» و «أسماء» لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون ~~مقصورا على المسموع. والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور ~~أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليها تكاليف شاقة صعبة. فالذي سأل عن ~~أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في ~~كل عام # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل ~~عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» «1» # وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله ms1697 أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم ~~فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله تعالى ~~فاقبلوه. وقال أبو ثعلبة: إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن ~~أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا ~~تبحثوا عنها. ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن ~~الوحي غير منقطع فقال وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن أي في زمان الوحي ~~لأن الرسول بين أظهركم تبد لكم تلك الأمور أو التكاليف. فالحاصل أنهم إن ~~سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن ~~سألوا عنها ساءتهم. وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره ~~في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله لا تسئلوا والثاني السؤال عن شيء نزل به ~~القرآن. لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى ~~هذا القسم بقوله: وإن تسئلوا رفعا للحرج وتمييزا لهذا القسم من الأول. ~~وإنما حسن عود الضمير PageV03P028 # في «عنها» إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلا منهما ~~مسؤول عنه في الجملة. وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة ~~أم لا تبد لكم. والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولا ثم يسأل عفا الله ~~عنها أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا» إليها، أو المراد ~~بالعفو أنه تعالى ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف. وقيل: ~~إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها. ~~والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما # جاء في الحديث «عفوت عن صدقة الخيل والرقيق» «1» # أي خفف عنكم بإسقاطها قد سألها يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا قوم ~~من قبلكم سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى عليه السلام ~~فصار وبالا عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى عليه السلام فكفروا بها، ويحتمل ~~أن يعود ms1698 الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة ~~والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين ~~يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما ~~جميعا. ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام ~~أمور لم يؤمروا بها. ومعنى ما جعل ما حكم بذلك ولا شرع. والبحيرة «فعلية» ~~من البحر الشق. وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول. قال أبو عبيدة ~~والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا شقوا ~~أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا ~~تطرد عن ماء ولا ترد عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها ~~تحرجا. وأما السائبة فإنها فاعلة من «ساب» إذا جرى على وجه الأرض. يقال: ~~ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال ~~أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذرا أو شكر نعمة سيب ~~بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها. وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة ~~إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو ~~الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعا وبحرت أذن بنتها ~~الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة. وقال ابن عباس: السائبة هي التي ~~تسيب للأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى ~~السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل. وقيل: هي العبد يعتق ~~على أن لا يكون عليه ولاء ولا PageV03P029 # ميراث. وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو ~~لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. ~~فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت ~~أخاها. وأما ms1699 الحامي فيقال: # حماه يحميه إذا حفظه. قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين ~~فيخلى. # وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل ~~عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت. فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد ~~والإماء فلم لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟ فالجواب أن الإنسان ~~خلق لعبادة الله تعالى فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معينا له على ما خلق ~~لأجله، أما العجم من الحيوانات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي ~~تفويت كمالها عليها. وأيضا الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع ~~المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، ~~فإعناقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق. ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله ~~وكان أول من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحام. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه «لقد رأيته في النار يؤذي أهل ~~النار ريح قصبه» # والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم وأكثرهم لا يعقلون يعني العوام والأتباع. ~~ثم رد على أهل التقليد بقوله وإذا قيل لهم الآية وقد مر تفسير مثله في سورة ~~البقرة. فنفى العقل عنهم هناك والعلم هاهنا مع نفي الاهتداء في الموضعين ~~وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء ~~قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل. قال أهل البرهان: العلم ~~أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله تعالى بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان ~~دعواهم هاهنا أبلغ لقولهم حسبنا ما وجدنا فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو ~~أبلغ. ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار ~~والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم ~~وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم ~~منقادين لتكاليف الله ms1700 مطيعين لأوامره ونواهيه. تقول العرب: عليك زيدا وعندك ~~عمرا يعدونهما إلى المفعول كأنه قيل: # خذ زيدا فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه. وليس المراد في عليك أنه ~~حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معا منقول إلى معنى ~~الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي اسم فعل. فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا ~~على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا # خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها # PageV03P030 # وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأوا المنكر فلم ~~ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب. # وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر لأن معنى عليكم أنفسكم احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ ~~بعضكم بعضا ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات لا يضركم ضلال من ~~ضل إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة ~~تكليفكم كما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقاتل في سبيل الله لا ~~تكلف إلا نفسك [النساء: 84] وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله. وكان ~~ابن شبرمة يقول: من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر. وقيل: ~~إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما # روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقر ~~مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجبا من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل ~~الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد ~~قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله تعالى الآية # أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق. وقيل: كان ms1701 ~~المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما ~~قال لنبيه صلى الله عليه وسلم فلا تذهب نفسك عليهم حسرات [فاطر: 8] وعن ابن ~~مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان. ومثله ما # روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيرا ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن ~~المنكر حتى إذا ما رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كقبض على ~~الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله. # وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت. # ثم إنه سبحانه لما أمر بحفظ النفس في قوله عليكم أنفسكم أمر بحفظ المال. # عن ابن عباس أن تميما الداري وأخاه عديا- وكانا نصرانيين-، خرجا إلى ~~الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص- وكان مسلما مهاجرا- خرجوا للتجارة. ~~فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين ~~الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى ~~أهله ومات. ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا ~~بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة ~~فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. # ومعنى شهادة بينكم شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر. وإنما أضيفت ~~الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما # PageV03P031 # يحتاج إليهم عند النزاع وإذا حضر ظرف للشهادة حين الوصية بدل منه. وفي ~~هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات ~~الموت فكأن وقتيهما واحد وهما متلازمان. وارتفع اثنان على أنه قام مقام ~~الخبرية أي شهادة بينكم شهادة اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير ~~شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله منكم ومن غيركم قولان: فعن الحسن ~~والزهري وعليه ms1702 جمهور الفقهاء أن منكم أي من أقاربكم ومن غيركم أي من ~~الأجانب. والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم ~~فاستشهدوا على الوصية أجنبيين. وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت ~~وأرأف به. وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ~~وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سيرين أن منكم أي من أهل ملتكم ومن غيركم أي ~~من كافر كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو عابد وثن. قال الشافعي: مرض ~~رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد ~~رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان واليا عليها ~~فأخبراه بالواقعة. فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر بالله العظيم ~~أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما. والذاهبون إلى هذا القول احتجوا ~~بأن الخطاب في منكم لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين ~~الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطا بالسفر لجواز ذلك في ~~الحضر أيضا بالاتفاق، وبأنه تعالى أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب ~~تحليفه البتة، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى ~~قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات ~~كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلما ولا ~~تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ~~ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوزنا شهادة النساء فيما يتعلق ~~بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة. وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف ~~غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب ~~في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة # وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، # وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على ms1703 الحكم حذو القذة بالقذة، وبأن قصة ~~أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أول الإسلام لقلة المسلمين ~~وتعذرهم في السفر غالبا. ومما يصلح أن يكون مؤكدا لهذه الآية وإن لم يجز أن ~~يكون ناسخا لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولا قوله تعالى ~~وأشهدوا ذوي # PageV03P032 # عدل منكم # [الطلاق: 2] وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل ~~في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله تعالى وعلى رسله. ~~وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاما لكلمة الإسلام. ~~وموقع تحبسونهما أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ~~ارتبنا؟ فقيل تحبسونهما من بعد الصلاة قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما. ~~وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفا عندهم ~~بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا بعدي وتميم ~~فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا ~~الوقت ويذكرون الله تعالى فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون ~~لطلوع الشمس وغروبها. وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل ~~الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق ~~والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة ~~بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي ~~سائر البلدان في أشرف المساجد. وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة ~~واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ ~~بزمان أو مكان. ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية. والمقسم عليه قوله لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى وقوله إن ارتبتم اعتراض، والضمير في به، ~~للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا ~~ولو كان من يقسم له قريبا منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم ms1704 وأمانتهم ~~أبدا كقوله شهداء لله ولو على أنفسكم وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم ~~أتم والمداهنة بينهم أكمل ولا نكتم شهادة الله [النساء: # 135] التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها إنا إذا لمن الآثمين أي إذا ~~كتمناها كنا من الآثمين. ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل شهادة ~~ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروى عنه ~~بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى ~~بالله فإن عثر قال الليث: عثر الرجل يعثر عثورا إذا هجم على أمر لم يهجم ~~عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه. ~~والمعنى فإن حصل الاطلاع على أنهما استحقا إثما- وهو كناية عن الخيانة ~~والحنث في الحلف- فآخران خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ ~~محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل ~~الميت وعشيرته. وفي التفسير الكبير أنه المال. وإنما وصف موالي الميت بذلك ~~لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ # PageV03P033 # ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعليا على تعلق ~~مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال. وارتفع ~~الأوليان على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟ فقيل: هما ~~الأوليان، ويجوز أن يكون بدلا من الضمير في يقومان أو من فآخران ويجوز أن ~~يرتفع ب استحق أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة ~~لاطلاعهم على حقيقة الحال- قاله في الكشاف- ومعنى الأوليان الأقربان إلى ~~الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان ~~باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على ~~المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من ~~أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولا ms1705 ~~لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه. وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت ~~باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقا لهم. ومن قرأ الأوليان ~~على الجمع فعلى أنه نعت ل الذين استحق عليهم أو منصوب على المدح. # ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ~~يا أيها الذين آمنوا وكذلك اثنان ذوا عدل منكم ذكرا قبل قوله قرأ أو آخران ~~من غيركم ومن قرأ استحق على البناء للفاعل عليهم الأوليان فقد قال في ~~الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن ~~يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين. وفي التفسير الكبير ~~أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما ~~للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم ~~الأوليان أي خان في مالهم الأوليان. # روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه ~~لم يوجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ~~وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة. وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ~~ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه. فقالوا: ألم نقل لكم هل ~~باع صاحبنا شيئا فقلتم لا؟ فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا. ~~فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فإن عثر ~~على أنهما استحقا الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله ~~بعد العصر لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا في طلب هذا المال وفي ~~نسبتهم إلى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء ~~إليهما وإلى أولياء الميت. # وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: # صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى. وعن ابن عباس ~~أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى ms1706 أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كاذبا وقد ~~بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من ~~صاحبه خمسمائة أخرى # PageV03P034 # ودفع الألف إلى أولياء الميت ذلك الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه ~~أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أي كما هو في الواقع أو يخافوا أن ~~ترد في مثل هذه القضية أيمان على الورثة بعد أيمانهم وهذا تفسير من يرى رد ~~اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكر أيمان شهود آخرين لانقلاب ~~المدعى عليه مدعيا وعلى التقديرين يظهر كذبهم. والحاصل أن هذا الحكم يصير ~~باعثا للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف واتقوا الله في الأيمان ~~واسمعوا مواعظه سماع قبول والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن مناهج ~~شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه. قال المفسرون: هذه الآية في غاية ~~الصعوبة إعرابا ونظما وحكما. وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن ~~هذه الاية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى ~~أن حكم هذه الآية منسوخ. # ثم إنه سبحانه ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من ~~الخطاب والعتاب جريا على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات ~~والنبوات وأحوال المعاد فقال يوم يجمع الله الرسل قال الزجاج: تقديره ~~واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك ~~اليوم ولكن على أنه بدل اشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفا لقوله لا ~~يهدي أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ، أو منصوبا بإضمار «اذكر» ، أو ظرفا ~~لما يجيء بعده وهو قالوا وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها. و ~~«ماذا» منصوب ب أجبتم ولكن انتصاب المصدر على معنى أي إجابة أجبتم، ولو ~~أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم. وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال ~~الموؤدة توبيخا للوائد. ثم ظاهر قوله لا علم لنا يدل على أن الأنبياء لا ~~يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا ms1707 وبين قوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~[النساء: 41] الآية مشكل. فقال جمع من المفسرين: إن للقيامة زلازل وأهوالا ~~تزيل العقول فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، ~~فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم. ولا يرد عليه قوله لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر [الأنبياء: 31] ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~[يونس: 62] لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف في العاقبة لا ينافي ~~الحيرة والدهشة أولا. وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ~~ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟ # فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره. ~~وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم. وقال ابن عباس: ~~نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم. وقيل: ~~المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما # PageV03P035 # كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها. وقال في التفسير الكبير: إن ~~الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنيا على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم ~~بالظاهر وكان ظنا غالبا والأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور ~~وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة مع أن السكوت ~~وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب. # وقرىء علام الغيوب بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله أنت أي أنت ~~الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص أو على ~~النداء. ثم عدد أنواع نعمه على عيسى عليه السلام واحدة فواحدة تنبيها على ~~أنه عبد وليس بإله وتوبيخا للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى ~~الطاعنون في ذات الله، سبحانه باتخاذ الصاحبة والولد. وموضع إذ قال رفع ~~بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار «اذكر» ، أو هو بدل من ~~يوم يجمع وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد ~~قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ms1708 ورد على الحكاية ~~كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا. ومحل يا عيسى ~~مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو ~~المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال نعمتي عليك أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف ~~يصلح للجنس. وإنما قال وعلى والدتك لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ~~ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق. إذ أيدتك بدل من نعمتي أي قويتك ~~بروح القدس أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيما له، أو ~~بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة تكلم الناس حكاية حال ماضية في ~~المهد وكهلا في هاتين الحالتين من غير تفاوت وإذ علمتك الكتاب الخط أو جنس ~~الكتب والحكمة النظرية والعلمية والتوراة والإنجيل يعنى الإحاطة بالأسرار ~~الإلهية بعد العلوم المتداولة فتنفخ فيها الضمير للكاف لا للهيئة المضاف ~~إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في فتكون والكاف ~~مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر ~~فلهذا عاد الضمير إليه مذكرا تارة كما في آل عمران، ومؤنثا أخرى كما في هذه ~~السورة. وكرر بإذني أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه ~~وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده. وإذ كففت يروى أنه لما ~~أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى برفعه إلى ~~السماء. # إن هذا إلا سحر مبين من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو ~~سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار إلى الرجل. واللام في ~~بالبينات يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة. وذكر ~~قول الكفار في حقه إن هذا # PageV03P036 # إلا سحر مبين # يحتمل أن يكون من تمام القصة استطرادا، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم ~~أيضا لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسمو مكانه. # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي ms1709 بأني كامل # ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ~~ولا يدخر شيئا لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد ~~فيموت، أينما أمسى بات. # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي ~~بمعنى الإلهام كقوله وأوحى ربك إلى النحل [النحل: 68] وأوحينا إلى أم موسى ~~[القصص: 7] وهذا أيضا من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس ~~محبوبا في قلوبهم من أعظم نعم الله تعالى. وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم ~~أنهم آمنوا بقلوبهم. # وانقادوا بظواهرهم هل يستطيع ربك من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل ~~تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟ ومن قرأ ~~بالياء وبالرفع فمشكل لأنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصور مع ~~الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟ وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم ~~لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى اتقوا الله إن كنتم ~~مؤمنين ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا وتطمئن ~~قلوبنا ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول ~~المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، ~~فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة. ومنها قول السدي إن السين ~~زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟ ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان ~~يربيه. ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل ~~يقدر السلطان على إشباع هذا؟ يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك ~~فيه. قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما ~~عليها. وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها ~~طعام فهي خوان. وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من ~~تقدم إليه. وقال أبو عبيدة: هي بمعنى «مفعولة» مثل عيشة راضية [الحاقة: 21] ~~أي ms1710 مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين. قال عيسى اتقوا الله في تعيين ~~المعجزة فإنه كالتحكم. وأيضا اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو ~~أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2، 3] فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة ~~بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاما ~~آخر- يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام- وأن نزداد # PageV03P037 # يقينا وعرفانا وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية ~~فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوة أو فيما وعدتنا وذلك أنه ~~كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوما، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله تعالى ~~فإنه يعطيكم. وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها ~~من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة تكون ~~لنا عيدا صفة للمائدة أو استئناف. وقرىء بالجزم جوابا للأمر. كان نزولها ~~يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيدا. والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ~~ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد لأولنا وآخرنا بدل من لنا بتكرير ~~العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر ~~الناس كما يأكل أولهم، أو للمقدمين منا والأتباع. وقرىء لأولانا وأخرانا ~~بمعنى الأمة أو الجماعة. فقول عيسى ربنا ابتداء بذكر الحق وأنزل علينا ~~انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله تكون لنا عيدا إشارة إلى ابتهاج الروح ~~بالنعمة لا من حيث إنها نعمة بل من حيث إنها صادرة عن المنعم. وقوله وآية ~~منك إشارة إلى كون المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال وقوله وارزقنا ~~إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، ~~وأن عيسى بدأ بالأشرف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال وأنت خير الرازقين وهو ~~عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس ~~الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة. اللهم اجعلنا من أهل الكمال ms1711 والإشراق ~~بعميم فضلك وجسيم طولك منزلها بالتخفيف والتشديد بمعنى. وقيل: بالتشديد ~~للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قال ابن ~~عباس: يريد مسخهم خنازير. وقيل: # قردة. وقيل: جنسا من العذاب لا يكون مؤخرا إلى الآخرة. وعذابا نصب على ~~المصدر أي تعذيبا والضمير في لا أعذبه للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به ~~لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحدا، وأراد ~~بالعالمين عالمي زمانهم. واختلف في أن عيسى عليه السلام سأل المائدة لنفسه ~~أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل. أما ~~نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا ~~العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة ~~بكونها عيدا لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة. وقال ~~جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه سبحانه وعد إنزالها بقوله إني منزلها عليكم ~~ثم إن يوم نزولها كان عيدا لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم. # روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل ~~علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون ~~إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام # PageV03P038 # وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة ~~وعقوبة. ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ~~ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك. فقام عيسى عليه ~~السلام فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين. فإذا ~~سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسما، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل ~~وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها ~~زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس ~~قديد. فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال: ~~ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة ms1712 العالية، كلوا ما سألتم واشكروا ~~يمددكم الله ويزدكم من فضله. فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه ~~الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما ~~كنت فعادت مشوية. ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير. # وقيل: إن عيسى عليه السلام كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا ~~يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، وإذ قال الله معطوف على مثله. # والصحيح أن هذا القول أيضا يوم القيامة لقوله عقيب ذلك هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم وقيل: هذا عند رفع عيسى عليه السلام نظرا إلى أن «إذ» ~~للماضي وقد مر توجيه ذلك. أأنت قلت استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ ~~النصارى. قال بعض المشككين: إن أحدا من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية ~~عيسى عليه السلام وأمه مع القول بنفي إلهية الله تعالى. وأجيب بأن الإله هو ~~الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ~~ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله سبحانه في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ~~ما حكي عنهم. وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله من دون الله أي بعد الله ~~فيكون التوبيخ على التثليث. أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد ~~الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق تعالى عن ~~ذلك ولهذا قال عيسى سبحانك أي أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك. ثم لم يجب ~~بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ما ~~يكون أي ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله إظهارا لغاية الخضوع ~~والاستكانة. ثم فوض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال إن كنت قلته فقد ~~علمته ثم علل ذلك بقوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك أي تعلم ~~معلومي ولا أعلم معلومك. وذكر النفس ثانيا لأجل المشاكلة وهو من فصيح ~~الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما ms1713 تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما ~~عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل- عبارات للمفسرين- ثم ~~أكد ما ذكر بقوله إنك أنت علام الغيوب «أن» في قوله أن اعبدوا الله إن ~~جعلتها مفسرة # PageV03P039 # فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما. أما فعل القول ~~فيحكى بعده الكلام بلا «أن» فيقال: ما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا ~~أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح ~~القول المقدر، وصريح القول المقدر كالفعل المؤول بالقول في عدم الظهور حتى ~~يجوز توسيط «أن» . وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته ب اعبدوا ~~الله لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية ~~عند من يجوز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلا من ما أمرتني والمبدل في حكم ~~السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، ~~وإن جعلته بدلا من الهاء في به لم يصح أيضا لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل ~~إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد. فإذن ~~الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما ~~أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول ~~موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر «أن» ~~المفسرة. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون «أن» مصدرية عطف بيان للهاء لا ~~بدلا، وحينئذ يبقى العائد بحاله وكنت عليهم شهيدا كالشاهد على المشهود عليه ~~أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ما دمت فيهم مدة دوامي فيما بينهم فلما ~~توفيتني بالرفع إلى السماء كنت أنت الرقيب الحافظ عليهم المراقب لأحوالهم ~~وأنت على كل شيء شهيد من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور. # وإن تغفر لهم فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله تعالى لا ~~يغفر الشرك؟ والجواب أن قوله لعيسى عليه ms1714 السلام أأنت قلت للناس مبني على أن ~~قوما من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون ~~كافرا بل يكون مذنبا فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند ~~جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه ~~على الله تعالى مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن ~~الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن ~~موجودا في شرع عيسى عليه السلام، أو لعل عيسى جوز أن يكون بعضهم قد تاب ~~عنه. أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء ~~فلا إشكال أصلا لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك ~~فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما ~~سلف منهم فإنك أنت العزيز القادر على ما تريد الحكيم في كل ما تفعل لا ~~اعتراض لأحد عليك، وفى # PageV03P040 # مصحف عبد الله فإنك أنت الغفور الرحيم وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه ~~شفيعا لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه تعالى، والمقام مقام هذا لا ~~ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة ~~والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات ~~الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال ~~العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة. قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة ~~من عيسى عليه السلام لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم ~~لفساق أمته أولى هذا يوم ينفع من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة ~~أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف ل قال، وإما ~~على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا ~~اليوم كقولك: القتال يوم السبت. # وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على ms1715 الفتح كما في «يومئذ» ~~وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في ~~قول النابغة: # على حين عاتبت المشيب على الصبا أو مثل «لا» في قوله تعالى يوم لا تملك ~~[الانفطار: 19] وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة. والمراد أن صدقهم في ~~الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما ~~إبليس فقال إن الله وعدكم وعد الحق [إبراهيم: 22] فصدق وكان قبل ذلك كاذبا ~~فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقا في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه. وفي هذا ~~الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف ~~العبودية وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] وإذا صحح ~~الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته ~~مغمورة في إرادة ربه. ذلك الفوز العظيم إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى ~~الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ما فيهن لم يقل «ومن فيهن» ليكون أدل على ~~العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى ~~علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء. واعلم أنه سبحانه ~~افتتح السورة بقوله أوفوا بالعقود [المائدة: 1] وهو الشريعة والبداية وختم ~~السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة ~~والنهاية، فما أحسن هذا النسق! وأيضا في السورة بيان الشرائع والأحكام ~~الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن سبحانه ~~مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف ~~على أي وجه أراد، وليكون ردا على اليهود بحكم المالكية في # PageV03P041 # نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وليكون ردا على ~~النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان ~~بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا. وأيضا لما أخبر عن فناء وجودهم ~~المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه لله ms1716 ملك السماوات والأرض كقوله لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: 16] ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار ~~أضعاف ما عثرنا عليه والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ### | التأويل: # أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم ~~الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان ~~لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله وكذلك نري إبراهيم ~~[الأنعام: 75] لقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] # وقال صلى الله عليه وسلم «أرنا الأشياء كما هى» . # وقال الخضر لموسى عليه السلام فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء [الكهف: 76] ~~وقال موسى في الثالثة إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني [الكهف: 76] فإن ~~تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال ~~الانقطاع عن الصحبة وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن أي إن كان لا بد لكم ~~من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على ~~قدر عقولكم. والله غفور لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال حليم لمن يطلب ~~بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال قد سألها قوم من قبلكم كقدماء ~~الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا ~~في أودية الشبهات والضلال ما جعل الله من بحيرة قال الشيخ المحقق نجم ~~الدين: # المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها ~~حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ولا سائبة هم الذين يضربون في الأرض خليعي ~~العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ولا وصيلة ~~هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون ~~صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ولا حام وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ ~~مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله من الأحكام وإلى الرسول لمتابعته قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أي ~~مشايخنا وأهل صحبتنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الشريعة والطريقة ~~ولا يهتدون إلى الحقيقة. عليكم أنفسكم أي ms1717 اشتغلوا أولا بتزكية نفوسكم ثم ~~بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معا ~~إلى الله مرجعكم جميعا فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر ~~والنكاية إذا حضر أحدكم الموت أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة ~~والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان اثنان ذوا عدل ~~منكم هما العقل والسر # PageV03P042 # من الروحانيات، أو آخران من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من ~~النفسانيات. # فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم ~~والخيال شهادتهما الصدق والكذب. إن أنتم ضربتم في الأرض أي سافرتم في ~~السفليات فأصابتكم مصيبة الموت أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت تحبسونهما ~~إن كنتم في بعد من الروحانيات من بعد الصلاة من بعد حضورهما مع الله ~~وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف ~~بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم ~~القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته ~~النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفا محمودا كالحرص إذا ~~استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفا مذموما، وإذا استعمله القلب ~~في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحا. فإن عثر على أنهما استحقا إثما بأن ~~مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية فآخران من صفات القلب هما: التذكر والفكر ~~الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا ~~والباقي خير من الفاني لشهادتنا أحق من شهادتهما لأن الوهم والخيال مالا ~~إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك ~~الحظوظ. أن يأتوا بالشهادة على وجهها أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر ~~باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن ~~يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر ~~والتذكر يرد الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. ماذا ~~أجبتم قالوا وهم مستغرقون في بحر الشهود. لا علم لنا اي ببواطن الأمور ~~وحقائقها. وإذ أوحيت ms1718 إلى الحواريين أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا ~~بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في ~~الإيمان قالوا يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك فما راعوا الأدب مع نبيهم ~~حيث لم يقولوا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في ~~كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب ~~المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى اللهم ربنا أنزل علينا ~~مائدة الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية تكون لنا أي ~~لأهل الحق والصدق عيدا نفرح بها لأولنا وآخرنا أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن ~~أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله وأنت خير الرازقين ~~لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهرا من غيرك فهو أيضا منك بالواسطة، ~~وما بالذات خير مما بالواسطة. فمن يكفر بعد منكم بأن لا يقوم بحقها ويجعلها ~~شبكة يصطاد بها الدنيا فإني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك ~~الحيوانية وهو المسخ # PageV03P043 # الحقيقي، ويوم القيامة أيضا بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما # قال صلى الله عليه وسلم «يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات ~~عليه» # أأنت قلت للناس الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار ~~فكلم عيسى بدلا منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم ~~اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلانا لهم؟ # إنك أنت علام الغيوب الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، ~~وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم ~~المولى ونعم النصير. # PageV03P044 ### | (تفسير سورة الأنعام # وهي مائة وخمس وستون آية وهي مكية إلا ثلاث آيات قل تعالوا إلى قوله ثم ~~آتينا موسى الكتاب) ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من ms1719 طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم ~~تمترون (2) وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) # فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (5) ~~ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(10) قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين (11) ### | القراآت: # وأنشأنا بغير همز حيث كان: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش من طريق ~~الأصفهاني وحمزة في الوقف. ولقد استهزئ وبابه بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وحمزة وعاصم، وقرأ يزيد والشموني وحمزة في الوقف بغير همز الباقون بغير همز ~~مطلقا فحاق بالإمالة حيث كان حمزة. # PageV03P045 ### | الوقوف: # والنور ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار يعدلون ه أجلا ط تمترون ه وفي الأرض ج ~~وقيل: لا وقف ليصير التقدير وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي ~~الأرض وفيه بعد، بل المعنى وهو المستحق للعبودية في أهل السموات وأهل ~~الأرض. تكسبون ه معرضين ه لما جاءهم ط للابتداء بالتهديد يستهزؤن ه مدرارا ~~ص لعطف المتفقين آخرين ه سحر مبين ه عليه ملك ط لا ينظرون ه يلبسون ه ~~يستهزؤن ه المكذبين ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «نزلت الأنعام جملة ~~واحدة وتنزلت، معها من الملائكة سبعون ألف ملك فملؤا ما بين الأخشبين» فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم سوى آيات معدودات. # وعن أنس أن رسول ms1720 الله صلى الله عليه وسلم قال «لقد بعث إلي بها جبريل مع ~~خمسين ملكا أو خمسين ألف ملك تحفها حتى أقروها في صدري كما يقر الماء في ~~الحوض ولقد أعزني الله تعالى وإياكم بها عزا لا يذلنا بعدها أبدا فيها دحض ~~حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه» # ولاشتمال هذه السورة على دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ولنزولها جملة ~~ذهب علماء الكلام إلى أن علم الأصول مع جلالة قدره يجب تعلمه على الفور لا ~~على التراخي بخلاف الأحكام فإنها نزلت كفاء المصالح وبحسب الحوادث ~~والنوازل. # واعلم أن قوله الحمد لله مذكور في أوائل سور خمس واختص كل منها بصفة، لكن ~~أعمها صدر فاتحة الكتاب الحمد لله رب العالمين [الفاتحة: 1] فإن العالم كل ~~موجود سوى الله سبحانه فكان سائر السور تفاصيل لهذه الجملة. أثنى الله ~~سبحانه على نفسه بقوله الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والثناء على ~~النفس قبيح في الشاهد ففيه دليل على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق، فكما ~~أنه واحد في ذاته فهو واحد في صفاته وأفعاله لا اعتراض لأحد عليه. والتحقيق ~~فيه أن استحقاق المدح بحسب الفضيلة والكمال ولا يوجد في الممكن صفة كمال ~~إلا وهي مشوبة بالنقص والاختلال أدناه الأفول في أفق الإمكان بخلاف واجب ~~الوجود فإنه لا غاية لكماله ولا نهاية لعظمته وجلاله، فلا ينبغي أن يمدح ~~إلا هو، ولا أن يثنى إلا عليه، ولا أن يشكر ويحمد إلا له. ثم الأوصاف ~~الجارية عليه سبحانه إنما تذكر زيادة في المدح لا لأجل التوضيح والكشف. # أساميا لم تزده معرفة ... وإنما لذة ذكرناها # وقد تقدم في الأسماء أن معنى الخلق راجع إلى التقدير والتقدير عائد إلى ~~العلم، # PageV03P046 # فالمراد أنه أوجد السموات والأرض على حسب علمه الأزلي. قال بعض العلماء: ~~السماء كالدائرة والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس ~~لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها فلهذا ذكر السماء قبل ~~الأرض مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء. ms1721 وجمع ~~السموات حقيقة وكذا إفراد الأرض، وقد تجمع الأرض باعتبار الطبقات وسوف يجيء ~~تقرير ذلك في قوله ومن الأرض مثلهن [الطلاق: 12] والمقصود من هذا الوصف ~~إلزام المشركين، وأن تخصيص حجم الفلك بمقدار معين وتخصيص كل من أجزائه بحيز ~~معين وتخصيص الفلك بالحركة والأرض بالسكون مع اشتراكهما في الطبيعة ~~الجسمية، وتخصيص كل حركة بحد معين من السرعة والبطء وبجهة معينة دلائل ~~ظاهرة على وجود فاعل مختار واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله. وأيضا إن ~~لحركة كل فلك أولا لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة فتقتضي ~~المسبوقية بالغير، وعدم الأولية ينافي المسبوقية بالغير والجمع بينهما ~~محال. وإذا ثبت أن لكل حركة أولا فاختصاص ابتداء حدوثه بوقت معين يدل على ~~الفاعل المختار وكذا اتصاف بعض الأجسام بالفلكية وبعضها بالعنصرية مع تساوي ~~الكل في تمام الماهية. وأيضا إن خارج العالم الجسماني خلاء لا نهاية له كما ~~ثبت في الكلام، فحصول هذا العالم في حيزه الذي حصل فيه دون سائر الأحياز ~~أمر ممكن يحتاج إلى مرجح قادر مختار حكيم يفعل ما يشاء كما يشاء. هذا إذا ~~نظرنا في ذوات هذه الأجرام، أما إن اعتبرنا منافعها وكيفية تأثير الأثيريات ~~وهي- الآباء- في العنصريات- وهي الأمهات- لتحصيل المواليد الثلاثة: المعادن ~~والنباتات والحيوانات، ارتقينا من ذلك أيضا إلى وجود صانع قدير وحكيم خبير ~~رتبته أعلى وأجل من رتب الممكنات. أما قوله وجعل الظلمات والنور فمعناه ~~أحدث وأنشأ، ولهذا اقتصر على مفعول واحد، ولو كان بمعنى «صير» اقتضى ~~مفعولين. وإنما لم يقل «وخلق» لأنه أراد التضمين أعني إنشاء شيء من شيء ~~كقوله وجعل منها زوجها [النساء: 1] فالنور والظلمة لما تعاقبا صار كأن كل ~~واحد منهما تولد من الآخر. وقيل: لأن الظلمات من الأجرام المتكاثفة، والنور ~~من النار، ولهذا جمع الظلمات إذ لكل حرم ظل والظل ظلمة. # ووحد النور لأن النار واحد وهو منها، والظلمة والنور هاهنا هما الأمران ~~المحسوسان بالبصر، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة والقرينة ذكر السموات ~~والأرض. وعن ابن عباس أن الظلمة ظلمة الشرك والنفاق، والنور نور الإسلام ms1722 ~~واليقين، وعلى الأول فإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور عبارة عن تلك ~~الكيفية الكاملة القوية، ثم إنها تقبل التناقص قليلا قليلا وتلك المراتب ~~كثيرة، أو لأنه قصد بالنور الجنس. وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل ~~أكثر من أن يحصى. وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق # PageV03P047 # على وجودها، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند ~~من يجعلها هيئة مضادة للنور. وقد ورد في الأخبار أن الله تعالى خلق الخلق ~~في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. وقوله: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون معطوف ~~على قوله: الحمد لله والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا ~~يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم، أو على خلق السماوات معناه خلق ما ~~خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوون به ما لا يقدر على ~~شيء من ذلك. فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول، وعلى الثاني هو من العدل. ~~ومعنى «ثم» هاهنا وفي قوله ثم أنتم تمترون تراخي الرتبة واستبعاد مضموني ~~الجملتين أحدهما عن الآخر. ثم ذكر دليلا آخر على إثبات الصانع وعلى صحة ~~المعاد الجسماني فقال هو الذي خلقكم من طين أي من آدم لأنه مخلوق من الطين، ~~أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر، ولا ريب أن ~~خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء، ثم توليد النطفة ~~المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في ~~الصفة والصورة واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف ~~والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر ~~حكيم ومدبر رحيم. ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون ~~قادرا على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد. أما ~~قوله ثم قضى أجلا فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] وبمعنى الخبر والإعلام وقضينا إلى بني ~~إسرائيل [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل ms1723 إذا تم فقضاهن سبع سماوات [فصلت: ~~12] ومنه قولك: قضى فلان حاجة فلان. والأنسب هاهنا هو الأول. والأجل في ~~اللغة بمعنى الوقت المضروب لانقضاء الأمد. وأصله من التأخير ومنه الآجل ~~نقيض العاجل. ثم إن صريح الآية يدل على حصول أجلين لكل إنسان. فقال أبو ~~مسلم: الأول آجال الماضين لأنهم لما ماتوا صارت آجالهم معلومة، والثاني ~~آجال الباقين لأنها غير معلومة بعد وإنما هي مسماة عند الله تعالى. وقيل: # الأول أجل الموت، والثاني أجل القيامة لأنه لا آخر له ولا يعلم أحد كيفية ~~الحال في هذا الأجل إلا الله تعالى. وقيل: الأول ما بين أن يخلق إلى أن ~~يموت، والثاني ما بين الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل: الأول النوم، والثاني ~~الموت. وقيل: الأول مقدار ما انقضى من عمر كل أحد، والثاني ما بقي من عمره. ~~وقال حكماء الإسلام: الأول الأجل الطبيعي الذي يمكن بالنسبة إلى المزاج ~~الأول لكل شخص لو بقي مصونا عن الآفات الخارجية، والثاني الأجل الاخترامي ~~الذي يحصل بسبب من الأسباب الخارجية كالغرق والحرق والقتل واللدغ وغيرها من ~~الأمور المنفصلة. ومعنى مسمى أي مذكور اسمه في اللوح المحفوظ. # PageV03P048 # ومعنى عنده أي في حكمه وعلمه كما تقول: هذه المسألة عند الشافعي كذا وعند ~~أبي حنيفة كذا. وارتفع أجل بالابتداء وجاز ذلك مع تنكيره لمكان وصفه فقارب ~~المعرفة. # وإنما لم يقل «وعنده أجل مسمى» تعظيما لشأن هذا الأجل فكأنه قيل: وأي أجل ~~مسمى عنده؟ والمرية والامتراء الشك. ومعنى «ثم» تبعيد الامتراء عن مثل هذه ~~الحجة الباهرة الموجبة للتيقن في أمر المبدأ والمعاد، ثم قرر أنه سبحانه ~~عالم بجميع المعلومات ردا على من زعم أنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه ~~تمييز المطيع من العاصي ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو فقال ~~وهو الله في السماوات وفي الأرض وزعمت المجسمة بهذا وبنحو قوله أم أمنتم من ~~في السماء [الملك: 17] أنه سبحانه مستقر في السماء قالوا: # ويؤكده وقف بعض القراء على السموات والابتداء بقوله وفي الأرض يعلم سركم ~~أي يعلم سرائركم الموجودة ms1724 في الأرض. ولو سلم أن لا وقف فالإجماع حاصل على ~~أنه ليس موجودا في الأرض، ولا يلزم من ترك العلم بأحد الظاهرين ترك العمل ~~بالظاهر الآخر من غير دليل. ونوقض بأنه تعالى قال في مواضع لله ما في ~~السماوات [البقرة: 284] فلو كان هو في السماء لزم أن يكون مالكا لنفسه، ولا ~~يخفى ضعف هذا النقض لأنه مخصوص بالقرينة كقوله إن الله على كل شيء قدير ~~[البقرة: 20] وبأنه إما أن يراد كونه في سماء واحدة وهو ترك الظاهر، أو في ~~جميع السموات وهو يقتضي كونه ذا أجزاء أو حصول المتحيز الواحد في مكانين ~~وكلاهما محال. والحق أنه لا يلزم من استصحاب المكان الافتقار إليه ولا ~~التجسيم والتجزئة وهو دقيق يفهمه من وفق له، وبأنه لو كان موجودا في ~~السموات لكان محدودا متناهيا فيكون قابلا للزيادة والنقصان، فيكون اختصاصه ~~بمقدار معين لمخصص فيكون محدثا. ويرد عليه أنه لم لا يجوز أن يكون في ~~السموات وفوقها إلى ما لا يتناهى لا سيما عند من يقول إن وراء هذا العالم ~~خلاء غير متناه، وبأنه لو كان في السموات فإن لم يقدر عل عالم آخر فوقها ~~لزم تعجيزه، وإن قدر فلو فعل لحصل تحت ذلك العالم والقوم ينكرون كونه تحت ~~العالم، والاعتراض أنه لا يلزم من القدرة الإيجاد، وقال غير المجسمة: ~~المراد وهو الله في تدبير السموات والأرض كما يقال: فلان في أمر كذا أي في ~~تدبيره وإصلاحه. وعلى هذا يكون في السماوات خبرا بعد خبر، ويوقف على اسم ~~الله ثم يبتدأ بما بعد ذلك ويكون المعنى أنه يعلم في السموات والأرض سرائر ~~الملائكة والإنس والجن، أو المراد وهو المعبود فيهما، أو المعروف بالإلهية ~~أو المتوحد بها، أو هو الذي يقال له الله فيهما لا شريك له في هذا الاسم. ~~والسر من صفات القلوب وهي الدواعي والصوارف، والجهر من أعمال الجوارح، ولأن ~~الأول مقدم على الثاني طبعا فلا جرم قدم عليه وضعا. والجملة أعني قوله يعلم ~~سركم وجهركم مقررة لما قبلها أو خبر ثالث أو ms1725 كلام مبتدأ. ويعلم ما تكسبون # PageV03P049 # الكسب أخص من الأعمال السرية والجهرية لأنه الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع ~~أو اندفاع ضر ولهذا لا يوصف فعل الله تعالى بأنه كسب. وإفراد الأخص بالذكر ~~بعد الأعم للتقرير والتأكيد، أو لكونه أهم حسن لا يلزم منه عطف الشيء على ~~نفسه. والمراد أنه عالم بما يستحقه الإنسان على أفعاله من ثواب أو عقاب. # ثم لما فرغ من دلائل التوحيد والمعاد شرع في النبوات فرتب أحوال الكفار ~~مع الأنبياء في ثلاث مراتب: الأولى كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل وذلك ~~قوله وما تأتيهم من آية من آيات ربهم «من» الأولى للاستغراق والثانية ~~للتبعيض. والمراد وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر ~~والاعتبار إلا وهم على حالة الإعراض لقلة تدبرهم وفرط غفلتهم. الثانية: ~~كونهم مكذبين وهذه شر مما قبلها لأن الإعراض قد يكون للغفلة لا للتكذيب ~~وإذا كذب فقد أعرض وزاد. قال علماء المعاني: هاهنا حذف كأنه قيل: إن كانوا ~~معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وهو الحق. قال أنس: هو انشقاق ~~القمر بمكة انفلق فلقتين فذهبت فلقة وبقيت فلقة. وقيل: هو القرآن الذي ~~تحدوا به فعجزوا عنه. # وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: شرعه. وقيل: وعده ووعيده وتبشيره ~~وإنذاره. والأولى الحمل على الكل. المرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين لأن ~~التكذيب إذا انضم معه الاستهزاء كان غاية في الغواية وذلك قوله فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا أي أخبار الشيء الذي كانوا به يستهزؤن وهو القرآن وغيره من ~~المعجزات. وليس المراد نفس الأنباء بل العذاب الذي أنبأ الله تعالى به ~~كقوله ولتعلمن نبأه بعد حين [ص: 88] والحكيم إذا توعد فربما قال: # ستعرف نبأ هذا إذا نزل بك ما تحذره. وذلك أن الغرض من الخبر حصول العلم ~~بالمخبر عنه وذلك إنما يتحقق بعد المعاينة. ومعنى الآية سيعلمون بأي شيء ~~استهزؤا وأنه لم يكن موضع استهزاء وذلك عند نزول العقاب بهم في الدنيا كيوم ~~بدر وغيره أو في الآخرة. ثم لما زجرهم عن ms1726 الإعراض والتكذيب والاستهزاء ~~وأوعدهم على ذلك عاد إلى الموعظة والنصيحة بتذكير أحوال الأمم الماضية ~~والقرون الخالية. والقرن القوم المقترنون في زمان من الدهر المفترقون بعد ~~ذلك بالموت وذلك الزمان في الأغلب ستون سنة. وقيل: سبعون. # وقيل: ثمانون. والأقرب أنه غير مقدر بزمان لا يقع فيه زيادة ولا نقصان، ~~ولكنه إذا انقضى الأكثر من أهل كل عصر فقد انقضى القرن. وليس المراد أن ~~يصدق الكفار محمدا في هذه الأخيار لانهم بصدد التكذيب فسيكذبونه فيها أيضا، ~~وإنما المراد أن ما يختص بالمتقدمين منهم مشهور بين الناس فيبعد أن يقال ~~إنهم ما سمعوا تلك الحكايات ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار. ثم وصف تلك ~~القرون بثلاثة أوصاف: الأول: تمكينهم في الأرض. # مكن له في الأرض جعل له مكانا، ومكنه فيها أثبته، وهما متقاربان ولهذا ~~جمع بينهما في # PageV03P050 # الآية. والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما آتينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة ~~في الأجسام والسعة في الأموال وأسباب الدنيا. الثاني: إرسال السماء عليهم ~~مدرارا يعني الغيث أو السحاب أو الخضراء، لأن المطر ينزل من ذلك الصوب ~~والمدرار كثير الدر در اللين إذا أقبل على الحالب منه شيء كثير. ومدرارا ~~نعت المطر ويقال أيضا سحاب مدرارا إذا تتابع أمطاره. ومفعال من أبنية ~~المبالغة يستوي فيه المذكر والمؤنث. الثالث وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ~~أي من تحت أمكنتهم والمراد أنهم أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات. فإن ~~قيل: الهلاك غير مختص بهم وإنما يجري ذلك على الأنبياء والمؤمنين أيضا، ~~قلنا: لدفع هذا الإشكال كرر فقال فأهلكناهم بذنوبهم فإن الإهلاك بسبب ~~المعاصي والآثام لا يكون إلا بالعذاب والإيلام. ثم نبه بقوله وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين على كمال عزته واستغنائه ونهاية قدرته واستعلائه كقوله إن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد [فاطر: 16] فالبلاد بلاده والعباد عباده بيده ~~التخريب والتعمير وإليه الإعدام والإيجاد. ثم ان الذين يتمردون عن قبول ~~دعوة الأنبياء طوائف متعددة. منهم من بالغ في حب الدنيا وطلب لذاتها ~~وشهواتها على وفق هواه ومناه لا على قانون الخير والعدل فمنعه ms1727 ذلك عن ~~التزام التكاليف وهو المذكور في الآية، وفيه أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب ~~الكفر باق، وليس من العقل تحمل العقاب الدائم لأجل اللذات الفانية. ومنهم ~~من حملته العصبية والعناد على تكذيب معجزات الأنبياء وجعلها من قبيل السخر ~~الذي لا أصل له وهم الذين عنوا بقوله ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~والمعنى أنه لو نزل الكتاب جملة واحدة في صحيفة واحدة فرأوه ولمسوه وشاهدوه ~~عيانا لطعنوا فيه وقالوا إنه سحر. وهاهنا سؤال وهو أن نزول الكتاب من ~~السماء جملة إن لم يكن من باب المعجزات لم يكن إنكاره منكرا، وإن كان من ~~قبيل الإعجاز فالملك يقدر على إنزاله من السماء وقبل الإيمان بصدق الرسل لم ~~تكن عصمة الملائكة معلومة، وحينئذ يجوز أن يكون نزول ذلك من قبل بعض الجن ~~والشياطين، أو من بعض الملائكة الذين لم تثبت عصمتهم فلا يكون دليلا على ~~الصدق. وأجيب بأن المقصود من الآية ليس بيان الإعجاز، ولكن المراد أنهم إذا ~~لمسوه بأيديهم يقوى الإدراك البصري بالإدراك اللمسي وبلغ الغاية في القوة ~~والظهور. ثم إن هؤلاء يبقون شاكين في أن ذلك الذي رأوه ولمسوه هل هو موجود ~~أم لا، وذلك يدل على أنهم بلغوا في الجهالة إلى حد السفسطة. قال القاضي: في ~~الآية دليل على وجوب اللطف لأنه بين أنه إنما لم ينزل هذا الكتاب من حيث ~~إنه لو أنزله لقالوا هذا القول فيفهم منه أنهم لو قبلوه وآمنوا به لأنزله ~~لا محالة، وزيف بأن المفهوم ليس بحجة، ولو سلم فوقوع اللطف لا يدل على ~~وجوبه. ومن الكفرة من قابل النبوات بإيراد الشبهات والاقتراحات. قال ~~الكلبي: إن مشركي مكة قالوا: # PageV03P051 # يا محمد والله لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من ~~الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله وذلك قوله وقالوا لولا أنزل ~~عليه ملك فأجاب الله تعالى عن مقترحهم بقوله ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم ~~لا ينظرون ومعنى القضاء الإتمام والإلزام كما مر. وتقرير الجواب أن إنزال ~~الملك ms1728 على البشر آية باهرة وحينئذ ربما لم يؤمنوا فيجب إهلاكهم بعذاب ~~الاستئصال، أو لعلهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم. ألا ترى أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما رأى جبرائيل على صورته الأصلية غشي عليه؟ وأن جميع ~~الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم ولوط، وكالذين تسوروا ~~المحراب، وأن جبرائيل تمثل لمريم بشرا سويا؟ وفائدة ثم أن عدم الإنظار أشد ~~من قضاء الأمر لأن مفاجأة الشدة أفظع من نفس الشدة. ثم إنهم كانوا يطعنون ~~في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى وهي أنه بشر مثلهم ويقولون: ~~لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا [الفرقان: 7] وتقرير الشبهة أن الرسل ~~إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر وقدرتهم أشد ومهابتهم أعظم ~~وامتيازهم عن الخلق # أكمل والاشتباه في نبوتهم ورسالتهم أقل، والحكيم إذا أراد تحصيل مهم ~~اختار ما هو أسرع إفضاء إلى المطلوب، فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ولو ~~جعلناه أي الرسول ملكا لجعلناه رجلا لأن إنزال الملك آية ظاهرة جارية مجرى ~~الإلجاء وإزالة الاختيار وذلك مناف لغرض التكليف، ولأن الجنس إلى الجنس ~~أميل، ولأن البشر لا يطيق رؤية الملك، ولأن طاعات الملك كثيرة فيحقرون ~~طاعات البشر ويستعظمون إقدامهم على المعاصي فلا يصبرون معهم، ولأن إنزال ~~الملك يقوي الشبهة من وجه آخر وذلك أن أي معجزة ظهرت عليه قالوا هذا فعلك ~~فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القدرة والقوة لفعلنا ~~مثل ما فعلت. ثم قال وللبسنا عليهم ما يلبسون لبست الأمر على القوم ألبسه ~~لبسا إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلا ومنه لبس الثوب لأنه يفيد الستر. # والمعنى إذا جعلنا الملك في صورة البشر كان فعلنا نظيرا لفعلهم في ~~التلبيس، وإنما كان ذلك لبسا لأن الناس يظنونه ملكا مع أنه ليس بملك، أو ~~يظنونه بشرا مع أنه ليس ببشر وإنما كان فعلهم لبسا لأنهم يخلطون على أنفسهم ~~ويقولون إن البشر لا يصلح للرسالة فلا ينقطع السؤال أبدا ويبقى الأمر في ~~حيز الاشتباه. ms1729 وعلى هذا التفسير يكون قوله ما يلبسون مفعولا مطلقا. ويجوز ~~أن يراد ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ فيكون مفعولا به يعني أن ~~القوم إذا رأوا الملك في صورة الإنسان اشتبه الأمر عليهم، وإذا كنا قد ~~فعلنا ذلك كان اللبس منسوبا إلينا. # ثم إنه سبحانه وتعالى سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقى من قومه ~~بقوله ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق أي نزل. وقال الفراء: عاد عليهم ~~والتركيب يدور على الإحاطة ومنه # PageV03P052 # الحوق بالضم ما استدار بالكمرة ما كانوا أي الشيء الذي كانوا يستهزؤن به ~~وهو الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أسند الحق إليه حيث أهلكوا ~~لأجل الاستهزاء به. ويحتمل أن يراد بلفظة «ما» العذاب الذي كان يخوفهم ~~الرسول بنزوله وهم يستهزؤن بذلك، ثم أمر رسوله بأن يقول لهم: لا تغتروا بما ~~وجدتم من زخارف الدنيا وسيروا في الأرض لتشاهدوا آثار الأمم السالفة الذين ~~كذبوا رسلهم ونزل بهم ما نزل فإن الأسفار تورث الاعتبار وتفيد الاستبصار. # واعلم أنه سبحانه قال هاهنا ثم انظروا وفي موضع آخر فانظروا [آل عمران: ~~137] فالفاء لمجرد اعتبار ترتيب النظر على السير. وثم لتباعد ما بين المباح ~~والواجب فإن السير مباح والنظر واجب. وأيضا شتان بين السير الصوري بقدم ~~الأشباح وبين السير المعنوي بقدم الأرواح والله أعلم. ### | التأويل: # حمد نفسه القديم الأزلي بكلامه القديم الأزلي على أن خلق سموات القلوب ~~وأرض النفوس وجعل الظلمات. أي الصفات البهيمية والسبعية في النفوس والنور ~~في القلوب وهو صفاتها الملكية والروحانية، فخص الجعل بالمعاني التي هي من ~~عالم الأمر والخلق بالأعيان لأنها من عالم الصورة، ولهذا لما ذكر صورة آدم ~~قال إني خالق بشرا من طين [ص: 71] وحيث أراد معناه قال إني جاعل في الأرض ~~خليفة [البقرة: 30] ثم بعد هذا الجعل والخلق مال نفوس الكفار بغلبات ~~الظلمات إلى طاغوت الهوى فجعلوه عديلا لربهم ثم قضى أجلا للروح المفارق عن ~~حضرته لأيام فراقه وأجل مسمى عنده وهو أجل الوصال بعد الفراق بجذبة ارجعي ms1730 ~~إلى ربك [الفجر: 28] ثم أنتم تمترون يا أهل الوصال كما يمتري أهل الفراق ~~وهذا محال وهو الله في سموات القلوب وفي أرض النفوس يعلم سر الخلافة الذي ~~أودع فيكم وجهركم الذي يظهر عنكم ويعلم ما تكسبون باستعمال الاستعداد السري ~~والجهري في المأمورات والمنهيات في الخير أو الشر من آية من آيات ربهم في ~~الآفاق وفي أنفسهم مكناهم في طلب الحق من قهر النفس وأسباب الخيرات ~~والطاعات. وأرسلنا مطر الواردات من سماء القلوب عليهم مدرارا متواليا، ~~وجعلنا أنهار الحكمة تجري من تحت نظرهم فأهلكنا مع هذه المقدمات أرواحهم ~~بسموم ذنوب طلب الدنيا مالها وجاهها وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين من الطلاب ~~الصادقين التائبين المستقيمين لجعلناه رجلا ليفهموا خطابه ويكون واقفا على ~~الأحوال البشرية فيعالجهم بما يرى فيه صلاح حالهم كما قال وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم: 4] قل سيروا في أرض النفوس بقدم ~~التقوى ومخالفة الهوى إلى أن تبلغوا سواحل بحار القلوب فتشاهدوا بأنوار ~~الله المودعة فيها عاقبة من هلكوا في بوادي القطيعة إذ ساروا بقدم الطبيعة. # PageV03P053 ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 24] # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن ~~في الليل والنهار وهو السميع العليم (13) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا ~~تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) من ~~يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16) # وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء ~~قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ~~أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني ~~بريء ms1731 مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (20) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) # ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ~~(22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (24) ### | القراآت: # إني أمرت بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع إني أخاف بفتح الياء: # هما وابن كثير وأبو عمرو. الباقون: بالسكون. من يصرف مبنيا للفاعل: سهل ~~ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: مبنيا للمفعول ~~أإنكم بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ~~أينكم بالياء بعد الهمز: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ~~آينكم بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد. وقالون بريء بغير همز حيث كان: يزيد ~~وحمزة في الوقف يحشرهم ثم يقول بياء الغيبة فيهما: يعقوب. الباقون: بالنون ~~ثم لم تكن بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: ~~بالياء فتنتهم بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل. الباقون: بالنصب ~~والله ربنا بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: بالجر على ~~البدل أو البيان. ### | الوقوف: # والأرض ط قل لله ط الرحمة ط لأن قوله ليجمعنكم جواب قسم محذوف. وقيل: لا ~~وقف وليجمعنكم جواب معنى القسم في كتب وفيه نظر لأن كتب وعد ناجز وليجمعنكم ~~وعد منتظر. لا ريب فيه ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط لا يؤمنون ~~ه والنهار ط العليم ه ولا يطعم ط من # PageV03P054 # المشركين # ه عظيم ه رحمه ط المبين ه إلا هو ط قدير ه عباده ط الخبير ه شهادة ط ومن ~~بلغ ط أخرى ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار. قل لا أشهد ج لاتساق الكلام ~~بلا عطف يشركون ه أبناءهم م لئلا يوهم أن ما بعده وصف لا يؤمنون ه بآياته ط ~~الظالمون ه يزعمون ه مشركين ه يفترون ms1732 ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوات وتقرير المعاد، ~~وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب ~~بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على ~~صفات السماويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على ~~إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله ~~بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادرا على الإعادة كما هو قادر ~~على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن ~~يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ~~كتب على نفسه الرحمة أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم. ~~وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض ~~على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدقهم وقبل شريعتهم، ~~أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل ~~الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في ~~السموات والأرض لله تعالى، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا ~~يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل ~~والساهي. ومعنى ليجمعنكم ليضمنكم. وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في ~~يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان. وقيل: ليجمعنكم في ~~الدنيا بخلقكم قرنا بعد قرن إلى يوم القيامة. قال الأخفش: الذين خسروا بدل ~~من ضمير المخاطبين في ليجمعنكم. وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره فهم لا يؤمنون ~~وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا ~~يؤمنون؟ فأجيب الذين خسروا أنفسهم أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا ~~يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسببا عن سبق القضاء ~~عليهم بالخسران والخذلان. وقال في الكشاف الذين خسروا نصب أو رفع على الذم ~~بمعنى أريد الذين، أو ms1733 أنتم الذين. ثم لما بين أن له المكان والمكانيات ~~ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند ~~الحس وهو الزمان والزمانيات فقال وله ما سكن في الليل والنهار # عن ابن عباس أن كفار # PageV03P055 # مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه ~~إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيبا من أموالنا حتى ~~تكون من أغنانا رجلا وترجع عما أنت عليه فنزل وله ما سكن الآية. # قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله سرابيل تقيكم ~~الحر [النحل: 81] أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ~~للقرينة. والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا ~~أي حل فيه. والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركا أو ساكنا، ~~وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم ~~عليه وعلى نفس الزمان وهو السميع العليم الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم ~~حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعد له. # ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ~~ممكنا في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال قل أغير الله ~~أتخذ منكر الاتخاذ غير الله وليا ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف ~~الاستفهام داخلا على الفعل توجه الإنكار أولا إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير ~~مهم فاطر السماوات عطف بيان من الله أو بدل. وقرىء بالرفع على إضمار هو، ~~وبالنصب على المدح. وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان ~~يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وقال ابن الأنباري: ~~أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله فاطر السماوات والأرض [فاطر: 1] أي ~~خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه ~~بعض الأشياء إلى بعض. وقد يكون شق إفساد ومنه قوله تعالى ms1734 هل ترى من فطور ~~[الملك: 3] إذا السماء انفطرت [الانفطار: 1] وهو يطعم ولا يطعم أي هو ~~الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم ~~يحسن العطف في قوله ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون [الذاريات: 57] ~~إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر. وقرىء وهو يطعم مبنيا ~~للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء وهو يطعم ولا يطعم كلاهما للفاعل. ~~والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله والله يقبض ويبصط [البقرة: 245] ~~أو الثاني بمعنى لا يستطعم. وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع ~~العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوض ولا انتفاع. ~~ثم بين أن النبي أيضا داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدما في ذلك فقال ~~قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم وقيل لي لا تكونن من المشركين وفيه أن ~~الواعظ يجب أن يتعظ أولا بما يقوله، فالمريض لا # PageV03P056 # يتصور منه العلاج. ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مع جلالة قدره ~~بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل ~~كقولك: إن كانت الخمسة زوجا فهي منقسمة بمتساويين. # من قرأ من يصرف مبنيا للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو ~~العذاب محذوف لكونه معلوما أو مذكورا قبله. قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب ~~يومئذ على أنه مفعول به ل يصرف أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ~~ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو ~~الله تعالى للعلم به فقد رحمه أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيدا ~~من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان. أو المراد فقد أدخله الجنة فإن ~~من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلا أو استيجابا. قالت الأشاعرة: في ~~الآية دلالة على أن ms1735 إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل ~~وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة هاهنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب ~~زيدا فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟ وذلك أي صرف العذاب وإيصال الثواب ~~على سبيل التفضل أو الاستيجاب الفوز المبين لأنه المطلب الأعلى والمقصد ~~الأسنى لكل مكلف. ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في ~~اتخاذ ولي غير الله بقوله وإن يمسسك الله بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من ~~البليات فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير من غنى أو صحة فهو على كل شيء ~~قدير عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، ~~وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل ~~بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس ~~المضار هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية ~~الإيمان إلا بتوفيقه تعالى. وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو ~~المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع ~~أو الضر، فلا ضار ولا نافع بالحقيقة إلا هو سبحانه. ثم زاد لهذا المعنى ~~بيانا فقال وهو القاهر فوق عباده وهو إشارة إلى كمال القدرة وهو الحكيم ~~الخبير وإنه إشارة إلى كمال العلم. فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، ~~وكونه خبيرا أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت ~~هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت ~~الفوقية لله تعالى وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في ~~الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلا فذلك لا يقوله ~~عاقل، وإن كان ذاهبا في الأقطار كلها كان متجزئا. والجواب أنه لم لا يجوز ~~أن يكون نورا قائما بذاته غير متناه لا متجزئا ولا متبعضا قاهرا لجميع ~~الأنوار غالبا ms1736 على جميع الأشياء، فلا غاية لجوده ولا نهاية # PageV03P057 # لوجوده. وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم ولا يتبعض ~~فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى نور ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور [النور: 40] ومنها أنه لو كان غير متناه ~~من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات. # والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان. ومنها أنه لو لم يكن ~~خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله تعالى فيه، وإن كان خلاء ~~فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون ~~الواجب مفتقرا فيكون محدثا هذا خلف. والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا ~~يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض. ومنها ~~أنه سبحانه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء ~~موجودا فيها وإلا لزم التغير في ذاته. والجواب بالفرق بين المعية وبين ~~الافتقار. ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله تعالى فوق أقوام بأعيانهم ~~وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون ~~فلكا محيطا بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم. والجواب الإلزامي بعد تسليم ~~كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع ~~الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء. أو القسم الثاني ولا يلزم ~~من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكا كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر. ~~ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق ~~بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية. فالمناسب أن يراد بالفوق ~~أيضا فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق ~~الكل. والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في ~~مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما ~~على الآخر أولى من غيره، ومنها أن ms1737 الآية سيقت ردا على من اتخذ غير الله ~~وليا وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة. والجواب أن ~~الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق ~~وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من ~~الأشياء إلا بفيضه ونوره. وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزيه عن ~~التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلا لها # «وكل ميسر لما خلق له» . «1» # قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحدا يصدقك بما تقول من ~~أمر الرسالة. ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ~~ولا صفة فأرنا PageV03P058 # من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت قل أي شيء أكبر شهادة الآية. # قال العلماء: # إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله. ثم بين أن شهادة الله ~~حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أي المطالب فقيل: إنها ~~لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ذكرنا من سبب النزول. والمعنى قل ~~يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ~~تعالى، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق ~~دعواي معجزا هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته. ~~وقيل: # إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى وذلك أن الوحدانية ليست مما ~~يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى قل الله شهيد ~~بيني وبينكم في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال ~~والأشباه وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به وأبلغكم أن الدين هو التوحيد ~~والشرك مردود. واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله ~~تعالى وخالف جهم محتجا بقوله تعالى الله خالق كل شيء [الأنعام: 102] إذ لا ~~يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها ~~لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر ms1738 تنبيها على أن البقية جارية مجرى ~~العدم. فلو كان الباري تعالى شيئا لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه ~~من هذا العموم محض الكذب. وأيضا احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ~~تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله [الكهف: 23] ~~والشيء الذي سيفعله غدا معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق ~~عليه. والجواب عن الأول أن إخراج الأكثر من العموم جائز عندنا. ولو سلم ~~فإنه تعالى واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عددا من الباقي. ~~وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق ~~العلم بالضرورة. قال جهم قل الله شهيد جملة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما ~~قبلها فلا يصح استدلالكم. قلنا قل أي شيء سؤال ولا بد له من جواب. # وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدئ فقيل شهيد أي وهو ~~شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم. ~~وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد ~~علم جزما أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ومن بلغ فمعطوف على ضمير ~~المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه ~~القرآن من العرب والعجم. وقيل: من الثقلين. وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة. ~~وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى # PageV03P059 # إضمار العائد. # ثم استفهم مبكتا فقال أإنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى وصف الجمع بصفة ~~الواحدة كما يقال: الرجال فعلت. ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ~~قل لا أشهد أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها قل إنما هو إله واحد ~~وكلمة «إنما» تفيد الحصر. وثالثتها وإنني بريء مما تشركون ومن هنا قالت ~~العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي ms1739 بالشهادتين ويضم إليهما التبري ~~عن كل دين سوى دين الإسلام. ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى ~~عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذبهم الله تعالى ~~بقوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه ~~الثابتة في الكتابين كما يعرفون أبناءهم بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا ~~يشتبهون بغير أبنائهم. الذين خسروا أنفسهم إما بدل أو بيان من «الذين» ~~الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين. وإما مبتدأ والكلام ~~جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين. والمراد ~~بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر. وقيل: ما من أحد إلا ~~وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر ~~نفسه وأهله بأن ورث منزلته غيره. ثم بين سبب خسرانهم مستفهما على سبيل ~~الإنكار فقال ومن أظلم وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل ~~وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن ~~المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا ~~يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى ~~كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ، وأنهم أبناء الله ~~وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم. ~~ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إنه لا ~~يفلح الظالمون الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق ~~بإزاء الباطل. ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ويوم نحشرهم وناصبه محذوف ~~أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد. ~~ويحتمل أن يكون مفعول «واذكر» أو معطوفا على محذوف أي لا يفلح الظالمون في ~~الدنيا ويوم الحشر. أين شركاؤكم آلهتكم التي جعلتموهم شركاء الذين كنتم ~~تزعمون هم شركاء فحذف المفعولان. والمقصود من هذا الاستفهام التقريع ~~والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم ms1740 فكأنهم غيب عنهم، ~~ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي ~~علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم ~~وانتفاعكم بهم؟ والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر # PageV03P060 # في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيها لهم في الدنيا على ~~فساد هذه الطريقة ثم لم تكن فتنتهم من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ~~إلا أن قالوا والتقدير شيئا إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن ~~فبعكس ما قلنا. والتقدير شيء إلا أن قالوا، وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر ~~مؤنثا كقولهم: من كانت أمك. أو بتأويل مقالتهم. قال الواحدي: الاختيار ~~قراءة من قرأ بالنصب لأن «أن» إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع ~~وصفها المضمر. وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم. ~~كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا فكذلك هاهنا. قال الزجاج: # تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، ~~وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن ~~عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين ~~آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به. ومثاله أن ~~ترى إنسانا يحب شخصا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال ~~له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته. فعلى هذا ~~فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس. ولكن لا بد من تقدير مضاف ~~وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا، فسمي فتنة ~~لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم ~~على الكذب لأنهم يعرفون الله تعالى بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك ~~القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك ~~إلا زيادة المقت والغضب من الله تعالى عليهم؟ ولا يجوز ms1741 أن يقال: إنهم لما ~~عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا ~~كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته تعالى أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ~~ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم. ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه ~~الشخص مدة عمره نوع من السفسطة. وأيضا إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم ~~حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ~~ذلك صارت الآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذنا من الله تعالى في ~~ارتكاب الذنوب وكلاهما محال. فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا ~~يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم والله ربنا ما كنا ~~مشركين أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه ~~لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم ~~عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال وضل عنهم أي وانظر ~~كيف غاب عنهم في الآخرة ما كانوا يفترون أي يفتعلون إلهيته وشفاعته. # PageV03P061 # والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب ~~وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان ~~مقرونا بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين. قال جمهور المفسرين: إن ~~قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في ~~الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله تعالى يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون إلى قوله ألا إنهم هم الكاذبون [المجادلة: 18] ~~ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمدا إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه ~~حيرة ودهشا، ألا تراهم يقولون ربنا أخرجنا منها [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا ~~بالخلود؟ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا ~~يقضى عليهم. واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم ms1742 ~~في سائر الأوقات. ### | التأويل: # ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب قل لمن ما في ~~السماوات والأرض قل لله وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، ~~وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، وهو السميع أنين من سكن إليه ~~العليم بحنين من اشتاق إليه قل أغير الله أتخذ اليوم وليا وقد اتخذني الله ~~في الأزل حبيبا فاطر سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ~~وهو يطعم أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ولا يطعم ~~لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرات أول من أسلم ~~لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي ~~وأقول: أمتي أمتي إن عصيت ربي برؤية الغير عذاب يوم عظيم هو وقت الاستنزال ~~عن مقام التوحيد. من يصرف عنه عذاب الشرك يوم قدر الشرك لاقوام والتوحيد ~~لاقوام وإن يمسسك الله بضر إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة ~~من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به وهو ~~القاهر فوق عباده قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر ~~نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين ~~بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في ~~أوقات الوصال. وهو الحكيم فيما يقهره فلا يخلو من حكمة الخبير بمن يستأهل ~~كل صنف من قهره فيقهره به فالله أكبر شهادة لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا ~~يحيط به شيء من الأشياء ومن بلغ القرآن ووقف على حقائقه. ويقول للمشركين ~~أإنكم لتشهدون الذين آتيناهم الكتاب يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو ~~النبي. وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك ~~أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء الذين خسروا أنفسهم ~~بإفساد الاستعداد الفطري ويوم يحشرهم جميعا يعني أهل المعرفة والنكرة أين ~~شركاؤكم من الهوى والدنيا كذبوا على أنفسهم في القيامة لأنهم كذبوا # PageV03P062 # في الدنيا ومن كان ms1743 في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 الى 37] # ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن ~~هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون (26) ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ~~ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من ~~قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (28) وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) # ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (30) قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا ~~جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (32) قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من ~~قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ~~ولقد جاءك من نبإ المرسلين (34) # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (37) ### | القراآت: # ولا نكذب ونكون بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ونكون ~~الباقون: بالرفع ولدار الآخرة بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، ~~الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية. تعقلون بتاء الخطاب: أبو ~~جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف يكذبونك بالتخفيف ~~من أكذبه إذا وجده ms1744 كاذبا: علي ونافع والأعشى في اختياره. الباقون: بالتشديد ~~من كذبه إذا نسبه إلى الكذب. أن ينزل بالتخفيف: ابن كثير. ### | الوقوف: # وقرا ط بها ط الأولين ه وينأون عنه ج لابتداء النفي مع واو العطف وما ~~يشعرون ه من المؤمنين ه من قبل ط لكاذبون ه بمبعوثين ه ربهم ط بالحق ط ~~وربنا ط تكفرون ه بلقاء الله ط لأن «حتى» للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ~~على ظهورهم ط يزرون ه ولهو ط يتقون ه تعقلون ه يجحدون ه نصرنا ج لانقطاع ~~النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك. # PageV03P063 # المرسلين ه بآية ط من الجاهلين ه يسمعون ه يرجعون ه من ربه ط لا يعلمون ~~ه. ### | التفسير: # لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ومنهم من يستمع ~~إليك # قال ابن عباس: حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد ~~بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف ~~واستمعوا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر: ما تقول في ~~محمد؟ فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك. # شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن ~~القرون الماضية. # وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشا فيستملحون ~~حديثه فنزلت الآية. والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئا وستره من الأغطية ~~والقفل، ومنه أكننت وكننت. وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم. والوقر ~~الثقل في الآذان. والتركيب يدور على الثقل ومنه الوقر بالكسر الحمل، ~~والوقار الحلم. وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ~~ويحول بين المرء وبين قلبه. وقالت المعتزلة: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها ~~وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفا للعاجز. ولم يتوجه ذمهم في ~~قولهم وقالوا قلوبنا غلف [البقرة: 88] فلا بد من ### | التأويل # وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ~~ليتوسلوا بسماع قراءته إلى ms1745 مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله ~~تعالى يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل. وزيف بأن المراد ~~لو كان ذلك لقيل «أن يسمعوه» بدل «أن يفقهوه» . وبأن قوله وإن يروا كل آية ~~أي كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لا يناسبه. الثاني: أن المكلف الذي علم الله ~~تعالى أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل ~~الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ~~ليست بمانعة عن الإيمان. الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصرا عليه ~~وذلك على جهة التمثيل. # الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوض أمورهم إلى ~~أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه. الخامس: أن هذا حكاية قولهم في ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب [فصلت: 5] وعورضت هذه الأدلة بالعلم ~~والداعي، وذلك أن الله تعالى علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، ~~وأنه سبحانه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل ~~الإيمان فهو المعنى بالكنان. وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في ~~قوله ختم الله على قلوبهم [البقرة: 7] والإفراد في يستمع والجمع في قلوبهم ~~اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى حتى إذا جاؤك هي حتى المبتدأة التي # PageV03P064 # يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل. # والجملة هاهنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله إذا جاؤك يقول: ويجادلونك ~~في موضع الحال. ويجوز أن تكون حتى جارة أي حتى وقت مجيئهم ويجادلونك حال ~~بحاله ويقول تفسير له. والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة. ~~ثم فسر الجدل بأنهم يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين وأصل السطر هو أن ~~يجعل شيئا ممتدا مؤلفا في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار ~~وجمع الجمع أساطير. # وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة. وقال أبو زيد: لا ~~واحد له كعباديد. قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها ~~أي يكتبونها. ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر، ms1746 إلى أن الأغلب هو ~~أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير. ثم ~~إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزا كما أن الكتب ~~المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي ~~وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق. ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله وهم ~~ينهون عنه قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن ~~القرآن وتدبره والاستماع له وينأون عنه والنأي البعد. نأيته ونأيت عنه وناء ~~الرجل إذا بعد لغة في «نأى» وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على ~~النأي. وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوته، ~~جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا. وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس ~~أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويتباعد عما جاء به. # روي أن قريشا اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبو طالب: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما ~~عليك غضاضة وأبشر وقر بذاك منك عيونا وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان ~~البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة ~~أو حذاري سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا # وضعفت هذه الرواية بقوله إن يهلكون إلا أنفسهم يعني بما تقدم ذكره، ولكن ~~النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك. ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على ~~الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم [البقرة: 44] ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم ~~الأخير فقط. # PageV03P065 # ثم بين أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ولو ترى إذ وقفوا على النار وجواب ~~«لو» محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك. وجاز حذفه للعلم به ولما في ~~الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو ms1747 قلت لغلامك: والله لئن ~~قمت إليك وسكت عن الجواب. ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل ~~وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك. ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال وقفوا ~~بلفظ الماضي مع «إذا» الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه ~~أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو ~~وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: # وقفت على المسألة الفلانية وقوفا أي عرفوا حقيقتها تعريفا أو المراد أنهم ~~في جوف النار غائصين فيها فتكون «على» بمعنى «في» وجاز لأن النار دركات ~~بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء يا ليتنا نرد هو داخل في حكم ~~التمني. أما قوله ولا نكذب ونكون فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار «أن» على ~~جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين. ~~ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله نرد ثم ~~ابتدءوا ولا نكذب ونكون أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ~~ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل. وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ~~ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني. وثانيهما أن يكونا ~~معطوفين على نرد أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من ~~المؤمنين فيدخل المجموع تحت حكم التمني. وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا ~~يكون كاذبا وقد قال تعالى وإنهم لكاذبون وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى ~~الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالا فأحسن ~~إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه ~~كأنه قال: إن رزقني الله مالا أحسنت إليك. وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن ~~رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله تعالى عليهم بأنهم ما تمنوا ~~العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في ~~الإيمان بل لأجل خوفهم من ms1748 العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال بل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا. قال أكثر المفسرين: ~~إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون والله ربنا ما كنا ~~مشركين [الأنعام: 23] فينطق الله تعالى جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك ~~معنى بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم ~~وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهرا لهم وإنما ظهر لهم يوم ~~القيامة. وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث ~~والنشور بدليل قوله بعد ذلك وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن ~~بمبعوثين وهذا قول # PageV03P066 # الحسن. وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس ~~الأشهاد يوم القيامة. وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من ~~صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح ~~والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك ~~اليوم. ثم قال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه قيل كيف يتصور هذا وإنهم قد ~~عرفوا الله تعالى حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟ وأجاب القاضي ~~بأن المراد ولو ردوا إلى حالة التكليف. وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ~~ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم. وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام ~~المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر. وإذا فرض عودهم إلى حالة ~~التكليف زال التعجب كما هو الآن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد ~~توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا ~~الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم. وإنهم ~~لكاذبون فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا «إن» نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة المعلومة في ~~الأذهان ولهذا أضيف إلى ضمير جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة ~~التي ms1749 هي أقرب إلينا وما نحن بمبعوثين بعدها. وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا. # ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ولو ترى إذ وقفوا على ~~ربهم تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه تعالى يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن ~~استعلاء شيء على ذات الله تعالى محال بالاتفاق فوجب تأويل الآية بأنه مجاز ~~عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو ~~المضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب ~~الكافرين، أو هو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه. ثم كان لسائل أن ~~يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فأجيب قال أليس هذا الذي عاينتموه ~~من حديث البعث والجزاء بالحق الذي حدثتموه؟ قالوا بلى وربنا وفيه دليل على ~~أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد ~~الإقرار؟ فأجيب قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أي بسبب كفركم وذلك ~~ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة ~~القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل ~~المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت. فإذا ~~استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية ~~والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال # PageV03P067 # ولا ربح وذلك قوله قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله أي ببلوغ الآخرة ~~وثوابها وعقابها. # عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه ~~قد يظن أن للإنسان تصرفا واختيارا وملكا وملكا. وحمل اللقاء على الرؤية ~~أيضا غير بعيد عند أهل السنة. # و «حتى» غاية ل كذبوا لا ل خسر لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم ~~التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة ~~والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف ms1750 من وقتئذ وهذا معنى # قوله صلى الله عليه وسلم «من مات فقد قامت قيامته» # وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة ~~الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله تعالى ولهذا قال ~~بغتة أي فجأة. وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على ~~المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ~~قالوا عامل «إذ» يا حسرتنا مثل يا ويلتى [الفرقان: 28] وقد مر مثله في سورة ~~المائدة أي احضري فهذا وقتك على ما فرطنا أصله يدل على الترك والهمزة في ~~الإفراط لإزالة ذلك. وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم ~~من ورائي حتى حصل لي التقدم. أما الضمير في فيها فقال ابن عباس: أي في ~~الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو ~~الدنيا. وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان ~~بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها. # وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر ~~الخسران. وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي ~~تركناها وقصرنا فيها. ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب ~~الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم هي ~~الآثام والخطايا. وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه. ~~والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله. أما كيفية حملهم الأوزار ~~فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله فبما كسبت أيديكم [الشورى: ~~30] لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي. وقال ~~الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة. ثقل علي خطاب فلان أي كرهته، ~~فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم. وقيل: هو كقولك: ~~شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي. وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج ~~من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة ms1751 وأطيبها ريحا فيقول: أنا عملك ~~الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا [مريم: 85] قالوا ركبانا وإن الكافر إذا خرج من ~~قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحا فيقول: أنا عملك ~~الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي. # PageV03P068 # ألا ساء ما يزرون بئس شيئا يزرون وزرهم. # ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال وما الحياة الدنيا ~~إلا لعب ولهو قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن ~~تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعبا ولهوا. وقال آخرون: هو عام في حياة ~~المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل ~~له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك. وأيضا اللعب ~~واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا ~~كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون. # وللدار الآخرة قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر ~~والمعاصي. وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير. وقال الآخرون: نعيم الآخرة ~~خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات ~~والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض للذين يتقون فيه أن هذه الخيرية ~~إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة ~~إليهما خير كما # قال صلى الله عليه وسلم «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» «1» . # أفلا تعقلون قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون ~~أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار ~~الآخرة خير لهم من هذه الدار؟ وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات ~~التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، ~~فالجمل أكثر أكلا، والديك والعصفور أكثر وقاعا، والذئب والنمر والحيات أقوى ~~غضبا وقهرا، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ~~ولا عند الحكماء ms1752 والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات ~~والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على ~~شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات ~~الروحانية. وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من ~~المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعا والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد ~~غير معلوم ولا مظنون؟ فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من ~~متمول متغلب أصبح أميرا كبيرا ثم أمسى فقيرا حقيرا. وهب أنه وجد بعد هذا ~~اليوم يوما آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما ~~يخلص من شوائب المكاره PageV03P069 # والآفات كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. ~~قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: سرور يوم بتمامه» # وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟ وكفى بذلك ~~نقصا وكدرا كما قال: # كمال الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا # ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد نعلم والمراد كثرة العلم ~~والمبالغة كما مر في قوله قد نرى تقلب وجهك [البقرة: 144] والهاء في إنه ~~ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ليحزنك وما ذلك المحزن؟ ~~قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون. وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون ~~به ولا يقبلون دينه. وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب فإنهم لا يكذبونك قال أبو ~~علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى. وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذبا، وكذبته إذا ~~قلت له كذبت. وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته ~~إذا أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن ~~الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى ~~به على سبيل الافتعال والقصد. فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا ~~يعتقدون أن محمدا صلى الله عليه ms1753 وسلم ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال ~~والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل. ثم إن ظاهر الآية ~~يقتضي أنهم لا يكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم ولكنهم يجحدون بآيات الله، ~~وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ~~ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية ~~السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا ~~أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك ~~غيري. فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب ~~بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت. # وقال أبو ميسرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبي جهل وأصحابه ~~فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به ~~فنزلت. # وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا ~~أحسبه إلا صادقا فإذن هذه الآية نظير قوله تعالى في قصة موسى وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: # 14] فانظر. الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك ~~الدهر الطويل وما وجدوا منك كذبا وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك ~~كاذب، ولكن جحدوا # PageV03P070 # صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمدا عرض له نوع خبل ونقصان ~~فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في ~~كل الأمور إلا في هذا الواحد. الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن ~~القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه ~~قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله ~~قوله سبحانه إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: ms1754 # 10] فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو ~~استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه. الرابع: قيل في التفسير ~~الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق ~~مطلقا ويكذبون جميع الأنبياء والرسل. # وقوله ولكن الظالمين من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلا عليهم بالظلم في ~~جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم. ثم صبر رسوله على أذية ~~القوم فقال ولقد كذبت رسل وأي رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما ~~صبروا تظفر كما ظفروا. ولا مبدل لكلمات الله أي لمواعيده في نحو قوله كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 21] وقوله ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين إنهم لهم المنصورون [الصافات: 171] ولقد جاءك من نبإ المرسلين قال ~~الأخفش «من» زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة «من» في الإثبات، ~~ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم ~~نقصص عليك [غافر: 78] فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم. وكان يكبر على ~~النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت وإن كان كبر ~~أي شق عليك إعراضهم عن الإيمان وصحة القرآن فإن استطعت أن تبتغي نفقا في ~~الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية فافعل. يعني أنك لا تستطيع ذلك ~~والجواب محذوف وحسن للعلم به. والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه ~~اشتقاق المنافق. والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة ~~كأنه يسلمك إلى مصعدك. والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن ~~يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء ~~إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو ~~استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى قال أهل السنة: فهو دليل على ms1755 أنه تعالى لا يريد الإيمان ~~من الكافر. وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف. # والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون ~~إلى الإيمان. # مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ~~ذلك # PageV03P071 # السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعا له من القتل. وعورض ~~بالعلم والداعي كما مر مرارا. أما قوله فلا تكونن من الجاهلين أي من الذين ~~يرومون خلاف مأمور الله. فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ~~ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على ~~إيمان من لم يشأ الله إيمانه. # ثم بين السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال إنما يستجيب الذين ~~يسمعون والموتى يبعثهم الله مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة. والمراد ~~أنه تعالى هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا ~~تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا ~~يسمعون كقوله إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80] أو المعنى أن هؤلاء الكفرة ~~يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى ~~إسماعهم. أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة ~~الصانع كما أن حياة الجسد بالروح. ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا ~~في كون هذا القرآن معجزا على سبيل العناد أو قياسا على سائر الكتب ~~السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن ~~معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ~~ليست بأقل منها. أو اقترحوا مزيد الآيات بطريق التعنت واللجاج كقولهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [الأنفال: 32] ~~فأجابهم الله تعالى بقوله قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون أن فاعليته ليست إلا بحسب ms1756 محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق ~~المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم. أو أنه لما ~~ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا ~~علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحا ثانيا وثالثا وهلم جر ~~أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو ~~لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا ~~يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة- وقد علم الله ~~ذلك- لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على ~~أكمل الوجوه. ### | التأويل: # ومنهم من يستمع إليك إنكارا واختبارا وجعلنا على قلوبهم من شؤم إنكارهم ~~حجبا من غير الإنكار وفي آذانهم وقرا من فساد الاستعداد الفطري. وإن يروا ~~كل آية بعين الظاهر لا يؤمنوا بها من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ~~وهم ينهون الطلاب عن الحق. وإن يهلكون بتنفير الخلق عن الحق إلا أنفسهم لأن ~~التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي. ولو ترى إذ ~~وقفوا على # PageV03P072 # النار # أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ~~فقالوا يا ليتنا نرد إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري بل بدا لهم ما ~~كانوا يخفون من قبل أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا ~~يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ولو ردوا إلى عالم الصورة ~~لعادوا لما نهوا عنه من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى وإنهم ~~لكاذبون فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ~~ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم «بلى» في جواب خطاب ~~ألست بربكم [الأعراف: 172] إذ وقفوا على ربهم عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها ~~في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة هي ~~الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي ~~قيامة أخرى لأن ms1757 فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض وأشرقت الأرض بنور ربها ~~[الزمر: 69] فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب ~~غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك ~~السرب وما ازددت غير الحسرات وهم يحملون أثقال التعلقات الزائدة على ظهور ~~وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟ إلا ~~لعب ولهو كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان وللدار الآخرة هي السير من البشرية ~~إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه خير للذين يتقون غير ~~الله أفلا تعقلون أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله واصطنعتك لنفسي ~~[طه: 41] قد نعلم إنه ليحزنك من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة ~~الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدراته التي قدرها ودبرها من الأزل إلى ~~الأبد بكلمة «كن» ولو شاء الله لجمعهم في عالم الأرواح عند رشاش النور على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر ~~اللطف والبعض بمظاهر القهر. والنهي في حقه صلى الله عليه وسلم هو نهي ~~الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعا عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن ~~كما أنه خلق مستعدا للكمال بكلمة «كن» قل إن الله قادر على أن ينزل آية في ~~كل لحظة ولمحة ولكن أكثرهم لا يعلمون دلالة الكائنات على المكون والممكنات ~~على الواجب والمصنوعات على الصانع وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون [يوسف: 105] . # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 38 الى 50] # وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في ~~الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (39) قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (40) ~~بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ms1758 شاء وتنسون ما تشركون (41) ولقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا ~~يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين (45) قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم ~~على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون ~~(46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون (47) # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (49) ~~قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (50) # PageV03P073 ### | القراآت: # أرأيتكم وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف أريتكم ~~وبابه بغير همز: علي. الباقون: أرأيتكم بالتحقيق فتحنا بالتشديد: يزيد وابن ~~عامر به انظر بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش. ### | الوقوف: # أمثالكم ط يحشرون ه في الظلمات ط يضلله ط لابتداء شرط آخر مستقيم ه تدعون ~~ج لأن جواب «إن» منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد ~~الكلام صادقين ه تشركون ه يتضرعون ه يعملون ه كل شيء ط مبلسون ه ظلموا ط ~~العالمين ه يأتيكم به ط يصدفون ه الظالمون ه ومنذرين ج يحزنون ه يفسقون ه ~~إني ملك ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول إلي ط يتفكرون ه. ### | التفسير: # لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما ~~يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو ~~كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ~~البتة، وفيه أيضا مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع ms1759 الحيوان فضلا عن ~~الإنسان. فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير. وإنما خص من ~~الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح ~~الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن # PageV03P074 # يقال: إن الماء أيضا من جملة الأرض لأنهما جميعا ككرة واحدة. قال علماء ~~المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بأنه يطير بجناحيه ليعلم ~~أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن ~~يقدر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فيتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير ~~الجنسين المتعارفين لقوله بعده إلا أمم أمثالكم وقد يقول الرجل لعبده طر في ~~حاجتي والمراد الإسراع. قال الحماسي: # طاروا إليه زرافات ووحدانا وقيل: ذكر يطير بجناحيه ليخرج عنه الملائكة ~~ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالا. وقيل: إن الوصف للتأكيد ~~كقولهم: نعجة أنثى. وكما يقال: مشيت إليه برجلي. وإنما جمع الأمم مع أنه ~~أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع. قال الفراء: كل ~~صنف من البهائم أمة. # وفي الحديث «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها» «1» . # ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟ نقل الواحدي عن ابن عباس ~~أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~[الإسراء: 44] كل قد علم صلاته وتسبيحه [النور: 41] وعن أبي الدرداء: # أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق. ومعرفة الذكر ~~والأنثى. وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين. وقيل: وجه المماثلة كونها ~~جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضا ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها ~~من بعض. وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه. وقيل: هو ~~أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر ~~والرزق والأجل والسعادة والشقاوة. دليله قوله عقيبه ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء. وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها # وقد جاء في الحديث «يقتص للجماء من القرناء» «2» . # ولكن قوله ms1760 بعد ذلك ثم إلى ربهم يحشرون يصير كالمكرر. وعن سفيان بن عيينة: ~~ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم. فمنهم من يقدم إقدام ~~الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس ~~كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا ~~قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الآدميين من يسمع PageV03P075 # خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس ~~مجلسا إلا زاد فيه. واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر ~~والاحتراز. # وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى ~~موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى ~~أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة. وإن كانت ~~شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها ~~تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعبا وعناء. # قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات ~~الذاتية. ثم زعموا أن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولا من جنسها ~~لقوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: 24] واستشهدوا بقصة النمل وحديث ~~الهدهد ونحو ذلك. وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله تعالى أعلم ~~بحقيقة الحال. ما فرطنا في الكتاب من شيء «من» مزيدة للاستغراق أي ما تركنا ~~وما أغفلنا شيئا قط. وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف ~~إلى معرفته. والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على ~~التفصيل. وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل ~~الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير ~~من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع. وأجيب بأن ~~لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول ~~والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى. وما ms1761 من علم إلا وفي القرآن ~~أصله ومنه شرفه وفضله كقوله كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~[الأعراف: 31] للطب. وقوله وهو أسرع الحاسبين [الأنعام: 62] للحساب. وكقوله ~~خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [الأعراف: 199] للأخلاق. وأما ~~تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى ~~الكتاب كقوله وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [الحشر: 7] ~~وكقوله ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] وكقوله: # فاعتبروا [الحشر: 2] وقيل: إن القرآن واف ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل ~~براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم ~~لم يكن مذكورا في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك ~~تكليفا أو يكون باقيا على أصل الإباحة والله تعالى أعلم. أما قوله ثم إلى ~~ربهم يحشرون فللعقلاء فيه قولان: الأول قول الأشاعرة إنه تعالى يحشر الدواب ~~والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى ~~الإلهية. الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال # PageV03P076 # الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا ~~للعوض. وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما ~~لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله ~~تعالى حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك فإنه لا ~~يجب حشره عقلا إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك. فرع آخر: كل حيوان ~~أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله ~~في كونه مؤذيا أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الأثقال، وأما إذا ~~ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضا، ولو ذبح المأكول ~~لغير مأكله. فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهي عن ذبح الحيوان لغير مأكله ~~والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة ~~عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى ms1762 تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح ~~لرضيت به. فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك ~~تصير ترابا وحينئذقول الكافر يا ليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ~~ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب ~~عوضا آخر وهلم جرا إلى ما لانهاية له. وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن ~~تحصيلها إلا بالإيلام. فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضا على بهيمة أخرى: ~~فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضا على الله تعالى فإنه تعالى يوصل ~~ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي ~~في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو سبحانه أعلم. ولما ذكر من خلائقه وآثار ~~قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبه على رحمته الكاملة وعنايته ~~الشاملة قال والذين كذبوا بآياتنا صم لا يسمعون كلام الله البتة وبكم لا ~~ينطقون بالحق خابطون في الظلمات ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة ~~والضلالة. ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته ~~وتسخيره وتدبيره فقال من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ~~والجبائي أول الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما [الإسراء: 97] وأنهم شبهوا بمن حاله ~~كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله من يشأ الله يضلله أي عن ~~طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي ~~إلا للمؤمنين. أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها ~~وبالهداية منحها لأنهم من أهلها. ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم ~~يفزعون إلى الله في البليات فقال قل أرأيتكم هو منقول من رأيت بمعنى # PageV03P077 # أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني ~~عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء. فهذا من باب إيقاع ~~السبب على المسبب لأن الإخبار إنما ms1763 يكون بعد المشاهدة أو العرفان. أما ~~إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب. فالتاء يكون بلفظ واحد في ~~التثنية والجمع والتأنيث. وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك ~~أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن. والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب ~~وليست اسما وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ~~ضمائر المرفوع ولا رافع أيضا لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما ~~منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو ~~أرأيتك زيدا ما شأنه. فلو جعلت الكاف مفعولا لكان ثالثا # . وثانيها لو كان مفعولا لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك ~~إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيدا، وزيد غير ~~المخاطب ولا هو بدل منه. وثالثها لو كان منصوبا على أنه مفعول لظهرت علامة ~~التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأ رأيتموكم وأ ~~رأيتموكن. وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز ~~تصريف التاء. فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم ~~عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟ # ودل عليه قوله أغير الله تدعون وقيل: لا يحتاج هاهنا إلى المفعول لأن ~~الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام ~~في قوله أغير الله تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا ~~محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، ~~أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها بل إياه تدعون بل تخصونه ~~بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا ~~تكشف عن المشركين. وعلى هذا يكون قوله ادعوني أستجب لكم [غافر: # 60] باقيا على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في ~~الدنيا كان قوله ادعوني أستجب [غافر: 60] أيضا مقيدا بالمشيئة وتنسون ما ~~تشركون قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا ~~تنفع، ويجوز أن يراد ms1764 لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة ~~بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون ~~عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟ وفيه ~~أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد. # ثم سلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام ~~بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا ~~على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد، ~~ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع # PageV03P078 # واللجأ إلى الله لطلب إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر. وفي ~~الآية محذوف تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا فخالفوهم فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء وحسن الحذف لكونه مفهوما. والبأساء والضراء البؤس والضر. ~~أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا لعلهم يتضرعون ~~يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد. ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ~~ذليل ضعيف. احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط ~~هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان ~~والطاعة من الكل. وأجيب بأن الترجي في حقه تعالى محال فإنهم يحملونه على ~~الإرادة، ونحن نحمله على أنه تعالى يعاملهم معاملة المترجي. فالترجيح على ~~أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله ~~وتكوينه. أما قوله فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا فمعناه نفي التضرع كأنه ~~قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم ~~يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ~~ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ~~ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق ~~لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى. ومعنى كل شيء أي كل شيء كان مغلقا عنهم ~~من الخير حتى إذا فرحوا بما أوتوا أي ظنوا أن ذلك ms1765 باستحقاقهم ولم يزيدوا ~~إلا بطرا وترفها أخذناهم بغتة قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة. # وقال صلى الله عليه وسلم «إذا رأيت الله تعالى يعطي العاصي فإن ذلك ~~استدراج من الله تعالى» «1» . # قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ~~ما فات من السلامة والعطاء فإذا هم مبلسون آيسون من كل خير. وقال الفراء: ~~المبلس الذي انقطع رجاؤه. # ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس. وقال الزجاج: المبلس الشديد ~~الحسرة الحزين. «وإذا» هاهنا للمفاجأة وهي ظرف مكان «وهم» مبتدأ ومبلسون ~~خبره وهو العامل في «إذا» فقطع دابر القوم الدابر للشيء من خلفه كالولد ~~للوالد. دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم. أبو عبيدة: دابر ~~القوم آخرهم الذي يدبرهم. الأصمعي: # الدابر الأصل قطع الله دابره أي أصله والحمد لله رب العالمين حمد نفسه ~~على أن لم يترك منهم أحدا واستأصلهم لأن ذلك جار مجرى النعمة على أولئك ~~الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفرا وعنادا فيزدادوا عذابا ~~وعقابا، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل PageV03P079 # ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم ~~بالبأساء والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا ~~انهماكا في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم. وفيه إيذان بوجوب الحمد ~~لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله سبحانه، ثم عاد إلى ~~الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته جل جلاله فقال قل ~~أرأيتم إن أخذ الله وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر ~~والقلب كما عددنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل ~~قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع ~~والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير ~~كالمجانين. قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ~~يأتيكم به أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير ms1766 موضع اسم ~~الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ~~ولو فرضا. والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى ~~جميعها مؤنثا إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثا علم أنه أراد المذكور ~~مطلقا فتعين أن يشار إليه بذلك. ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود ~~إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب انظر يا ~~محمدا وكل من له أهلية النظر كيف نصرف الآيات نوردها على الوجوه المختلفة ~~المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب. ~~ومعنى «ثم» التفاوت بين الحالين. ويصدفون أي يعرضون. ويقال: امرأة صدوف ~~للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض. والصدف ميل في الحافر إلى الشق ~~الوحشي. وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض ~~والصد لم ينكر ذلك عليهم. وقالت الأشاعرة: لولا منع الله تعالى لنجع فيهم ~~الدلائل القاطعة للأعذار. ثم عمم الدليل بقوله قل أرأيتكم إن أتاكم والمعنى ~~أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحانه فوجب أن لا يكون معبودا ~~إلا هو. ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو ~~البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره ~~بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلا أو نهارا. أما قوله هل يهلك إلا القوم ~~الظالمون أي لا يهلك مع قوله واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ~~فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار ~~لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثوابا جزيلا، فهو لهم ~~بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ~~ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم «إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء # PageV03P080 # فصبر كان خيرا له وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له» «1» . # واعلم أنه ذكر هاهنا أرأيتكم مرتين فزاد ms1767 خطابا واحدا، لأن عذاب الاستئصال ~~ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال أرأيتم ~~حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس. ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير ~~والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات التي اقترحوها ~~في قوله وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه وأن ذلك مفوض إلى مشيئة الله ~~وحكمته فقال وما نرسل المرسلين إلا مبشرين بالثواب على الطاعات ومنذرين ~~بالعقاب على المعاصي. فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب ~~والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا ~~يمسهم العذاب ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل. قال في الكشاف: جعل ~~العذاب ماسا كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من ~~خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه ~~لم يكن بعيدا. # قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافرا. ~~وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم ~~العكس. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه أمورا ثلاثة فقال قل لا ~~أقول لكم عندي خزائن الله وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن ~~الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ولا أعلم الغيب قال في الكشاف: محله ~~النصب عطفا على محل قوله عندي خزائن الله لأنه من جملة المقول أي لا أقول ~~لكم ذاك ولا هذا. قلت: ويحتمل أن يكون عطفا على لا أقول أي قل لا أعلم ~~الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف ~~كون خزائن الله عنده وكونه ملكا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أن ~~يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها. واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه ~~الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله تعالى والاعتراف بعبوديته ~~حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى ms1768 في المسيح عليه السلام. وقيل: المقصود ~~إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها ~~كقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى قوله هل كنت إلا بشرا ~~رسولا [الإسراء: 93] وقيل: أي لا أدعي سوى النبوة والرسالة ولا أدعي ~~الإلهية ولا الملكية وإنما زيد هاهنا لكم بخلاف سورة هود حيث قال ولا أقول ~~إني ملك [الآية: 31] لأنه تقدم ذكر لكم في قوله إني لكم نذير [هود: 25] ~~فاكتفى بذلك. قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ ~~PageV03P081 # المراد لا أدعي فوق منزلتي. قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ~~ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى ~~عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة. إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~قيل: هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم من تلقاء نفسه ~~بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي ~~النازل عليه لقوله تعالى فاتبعوه [الأنعام: 153] فلا يجوز العمل بالقياس، ~~وأكد هذا الحكم بقوله قل هل يستوي الأعمى والبصير وذلك أن العمل بغير الوحي ~~يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم مقام عمل البصير. ثم قال ~~أفلا تتفكرون تنبيها على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين. وأجيب ~~بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل ~~للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية ~~والملكية أفلا تتفكرون فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت ~~سوى ما يليق بالبشر والله تعالى أعلم وأحكم. ### | التأويل: # وما من دابة تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس ~~وصفاتها إلا أمم أمثالكم في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا [الإسراء: 36] ما فرطنا ما تركنا في ~~القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى ~~الله ms1769 من الأوامر والنواهي والندب والآداب. ثم إلى ربهم يحشرون هاهنا بالسير ~~وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة ~~على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال والذين كذبوا بآياتنا بدلائلنا ~~الموصلة إلينا صم آذان قلوبهم عن استماع الحق بكم ألسنة أحوالهم عن إجابة ~~دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة. # بل إياه تدعون لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته. ولقد أرسلنا إلى أمم ~~أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم ~~بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا فأخذناهم ~~بالبأساء والضراء التي هي موجبة للإلجاء. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ~~وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا ~~مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الالتجاء وحسن التضرع في ~~الدعاء. فلما نسوا بسبب القساوة ما ذكروا به من معارضة البأساء والضراء ~~فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم ~~الظاهرة من المال والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة ~~من فتوحات # PageV03P082 # الغيب وأشباهها حتى إذا فرحوا بما أوتوا وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة ~~الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم أخذناهم بغتة بفقد ~~الأحوال والاشتغال بالقال فإذا هم مبلسون متحيرون في تيه الغرور. والحمد ~~لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال قل ~~أرأيتم الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية ~~المولى في عبادة الهوى. فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات ~~والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة قل لا أقول لكم ~~لم يقل ليس عندي خزائن الله ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء ~~وماهياتها عنده بإراءة سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53] ~~وباستجابة دعائه في قوله «أرنا الأشياء كما هي» ولكنه يكلم الناس على قدر ms1770 ~~عقولهم. ولا أعلم الغيب أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما ~~سيكون بإعلام الحق، # وقد قال صلى الله عليه وسلم في قصة ليلة المعراج «نظرت خلفي نظرة علمت ما ~~كان وما سيكون» # ولا أقول لكم إني ملك وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: ~~تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت إن أتبع إلا ما يوحى إلي أن أخبرهم وقل ~~معهم. قل هل يستوي الأعمى والبصير فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف ~~أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير. قوله تعالى: ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 51 الى 60] # وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما ~~عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين (52) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل ~~سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب ~~من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم (54) وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل ~~المجرمين (55) # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت ~~إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما ~~تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين (57) قل لو أن ~~عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين (58) ~~وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~(59) وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى ~~أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون (60) # PageV03P083 ### | القراآت: # بالغداة مضموم الغين ms1771 ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر. ~~الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف أنه بالفتح فأنه بالكسر: أبو جعفر ~~ونافع. وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعا بالفتح. الباقون: بالكسر ~~فيهما وليستبين بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. ~~الباقون: # بالتاء الفوقانية سبيل بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد. الباقون: بالرفع يقص ~~ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم. الباقون يقضي الحق. ### | الوقوف: # يتقون ه وجهه ط الظالمين ه من بيننا ط بالشاكرين ه الرحمة ط لمن قرأ أنه ~~بكسر الألف رحيم ه المجرمين ه من دون الله ط أهواءكم لا لتعيين «إذا» بما ~~قبله أي قد ضللت «إذا» اتبعت المهتدين ه وكذبتم به ط تستعجلون به ط لله ط ~~الفاصلين ه وبينكم ط بالظالمين ه إلا هو ط والبحر ط مبين ه مسمى ط لأن «ثم» ~~لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود. تعملون ه. ### | التفسير: # لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له وأنذر به قال ابن عباس ~~والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~[الأنعام: 50] وقال الضحاك: أي بالله. # قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن ~~الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولا لقوله وأنذرهم ~~يوم الآزفة [غافر: 18] فأنذرتكم نارا تلظى [الليل: 14] ولو زعم أن المراد ~~وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله هاهنا، والمعنى ~~أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته. أما الذين يخافون أن ~~يحشروا فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناسا من المشركين من ~~حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقا فيهلكوا فهم ممن يرجى ~~أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم. ثم قال هذا ~~القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف ~~الخوف والظن. وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة ms1772 لعدم الجزم بالثواب وقبول ~~الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل ~~لأن العاقل لا بد أن يخاف # PageV03P084 # الحشر سواء كان جازما به أو شاكا فيه. وأيضا إنه مأمور بتبليغ الكل فلا ~~وجه للتخصيص. # وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم ~~يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين. وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون ~~بالبعث. ومعنى إلى ربهم إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة. أما ~~قوله ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال ~~من ضمير يحشروا أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم. فإن كان ~~الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت ~~بإذن الله تعالى فإنها تكون بالحقيقة من الله تعالى فصح أنه ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقا ليس مخوفا وإنما ~~المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا ~~الله وإذا لم يكن الله ناصرا وشفيعا لزم أن لا يكون ناصرا أصلا. لعلهم ~~يتقون قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي. قالت ~~المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة. وأجيب بأن ~~الترجي راجع إلى العباد. ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر ~~المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم. # روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين- فقالوا: يا ~~محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم ~~اتبعناك. فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم ~~عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال: نعم طمعا في إيمانهم. # وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون. ثم إنهم قالوا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم: اكتب ms1773 بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب ~~فنزلت ولا تطرد الآية. فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته. # قال سلمان وخباب: فينا نزلت. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد ~~معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ~~واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم [الكهف: 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم ~~عنه. وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي ~~معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي. # قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر. وقيل: أي ~~يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام. والغداة لغة ما ~~بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب. قال ~~الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر. ومحل يريدون ~~وجهه نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على ~~الدعاء؟ فأجيب # PageV03P085 # بقوله يريدون وجهه ولا يثبت به لله تعالى عضو كما زعمت المجسمة ولكن ~~المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه ~~الرأي وذاك وجه الدليل. وأيضا المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب ~~جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا. ثم علل النهي بقوله ما عليك من ~~حسابهم من شيء قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت ~~بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن ~~يعود إلى الفقراء ليناسب قوله فتطردهم كما في قصة نوح إن حسابهم إلا على ~~ربي [الشعراء: 113] وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم وقالوا: يا محمد ~~إنهم قبلوا دينك ولازموك لأجل المأكول والملبوس فقال الله تعالى: إن كان ~~الأمر على ما زعموا فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي ~~فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى ~~واحد وهو المفهوم من قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى ms1774 [الأنعام: 164] كأنه قيل: ~~لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه. وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا ~~من حساب رزقك عليهم من شيء، وإنما الرازق لك ولهم هو الله سبحانه فدعهم ~~يكونوا عندك، أما قوله فتطردهم فهو جواب النفي في ما عليك وفي انتصاب فتكون ~~وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على فتطردهم على وجه ~~التسبب، لأن كونه ظالما معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب ~~التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة ~~النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد ~~هذه الواقعة مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه. والجواب أنه ما ~~طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلسا تألفا ~~لقلوب المشركين وتكثيرا لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه ~~المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك ~~الأولى والأفضل، وكذلك أي مثل ذلك الفتن العظيم فتنا ابتلينا بعض الناس ~~ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدما عليه في المناصب الدينية ~~فيقول أهؤلاء المسترذلون من الله عليهم من بيننا كقوله: أألقي الذكر عليه ~~من بيننا [القمر: 25] والفريق الآخر يرى الأول مقدما عليه في الخيرات ~~العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا. ~~وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض ~~عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح. وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ~~ولا تجتمع في إنسان واحد البتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة ~~لذاتها. فكل إنسان يحسد # PageV03P086 # صاحبه على ما آتاه الله تعالى من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب ~~نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشا طيبا في الدنيا والآخرة. قال هشام بن ~~الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه تعالى لا يعلم ~~الجزئيات إلا عند حدوثها. # والجواب أنه ms1775 يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مرارا. وقالت الأشاعرة: ~~في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ~~تعالى ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر. فهو تعالى خالق ~~للكفر. وأيضا منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان ~~الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه. أجاب المعتزلة بأن ~~معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا، فتكون اللام لام ~~العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد ~~من الانتهاء إليه تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين بمن يصرف كل ما أنعم به ~~عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله تعالى. وقال في ~~الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن ~~يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق. # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا # قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم ~~وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ~~أن أبدأهم بالسلام. # وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ~~ذنوبا عظاما، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء. فلما ذهبوا ~~وتولوا نزلت الآية. # قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن ~~بآيات الله تعالى يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أيدى إشكالا وهو أن ~~المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك ~~فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر ~~الفلاني؟ قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية ~~منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل ~~لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟! واعلم أن ما سوى الله ~~تعالى فهو آيات وجود الله، وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف ms1776 أن يكون ~~مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائما مترقيا ~~في معارجها مترقبا أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة سلام ~~عليكم ويستأهل لكرامة كتب ربكم على نفسه الرحمة فقل سلام عليكم إما أن يكون ~~أمرا بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما ~~لهم. قال الزجاج: سلام إما مصدر «سلمت سلاما وتسليما» مثل: كلمت كلاما ~~وتكليما. ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه # PageV03P087 # ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة. وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي ~~على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر. كتب ربكم من ~~جملة المقول لهم تبشيرا بسعة رحمة الله وقبوله التوبة. ومعنى كتب على نفسه ~~أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجابا يستحق بتركه الذم. وقالت المعتزلة: ~~كونه عالما بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل ~~كان ظلما، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره ~~حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما ~~يشاء ولا اعتراض عليه. أنه من عمل من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ~~ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل. والمراد أنه فاعل فعل ~~الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل ~~السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا ~~يقدم على ما لا يعرف مآل حاله. ثم تاب من بعده بأن يندم على ما فعله وأصلح ~~العمل في المستقبل فأنه غفور يزيل العقاب عنه رحيم يوصل الثواب إليه من قرأ ~~بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتح فعلى أن الخبر أو ~~المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور. قيل: إن الآية نزلت في ~~عمر حين ms1777 أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة. وكذلك أي ~~كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر نفصل ~~الآيات ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وليستبين معطوف على ~~محذوف كأنه قيل: # ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ~~ذلك التفصيل البين. من رفع «السبيل» قرأ ليستبين بالياء أو بالتاء لأن ~~السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ لتستبين بتاء الخطاب مع الرسول ~~يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم ~~استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله سرابيل تقيكم الحر ~~[النحل: 81] ولم يذكر البرد. وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق ~~واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من ~~يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده ~~فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلا منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن ~~عبادة معبوداتهم وذلك قوله قل إني نهيت أي صرفت بالدلائل العقلية والسمعية ~~أن أعبد الذين تدعون تعبدون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم لأن عبادة ~~المصنوع والمخلوق محض التقليد وعين الهوى قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ~~أثبت الضلال # PageV03P088 # إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم ~~أنهم كذلك. ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله قل إني على بينة من ربي على حجة ~~واضحة من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه وكذبتم أنتم به حيث أشركتم به غيره. ~~يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتا عنده ~~بدليل. وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن وكذبتم به أي بالبينة وذكر ~~الضمير على تأويل القرآن أو البيان. ما عندي ما تستعجلون به يعني العذاب ~~الذي استعجلوه في قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء [الأنفال: 32] قال الكلبي: نزلت في النضر ms1778 بن الحرث ورؤساء قريش ~~كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم. إن الحكم ~~إلا لله مطلق يتناول الكل. فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور ~~إلا إذا قضى الله تعالى فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت ~~المعتزلة بقوله يقضي الحق أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد ~~الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق. ويمكن أن يقال: إن ~~جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية. وانتصاب الحق على ~~أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا ~~صنعها أي يصنع الحق ويدبره. ومثله من قرأ يقصر الحق كقوله نحن نقص عليك ~~أحسن القصص [يوسف: 2] أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره وهو خير الفاصلين ~~أي القاضين، وإنما كتب يقض في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ ~~لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة يقص قل لو أن عندي أي في قدرتي وإمكاني ما ~~تستعجلون من العذاب لقضي الأمر # أمر الإهلاك بيني وبينكم عاجلا غضبا لربي والله أعلم بالظالمين فيؤخر ~~عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره. فإن ~~قلت: أما يناقض هذا قوله فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا [الكهف: ~~6] فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد ~~حرص على طول حياته طمعا في إيمانه. # قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في ~~قوله وكان الإنسان عجولا [الإسراء: 11] ثم بين سبحانه أعلميته بقوله على ~~سبيل الاستعارة وعنده مفاتح الغيب أراد أنه المتوصل إلى المغيبات وحده كمن ~~عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع ~~مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في ~~بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه ~~موجود بإيجاده ms1779 وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه # PageV03P089 # بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر- كليات كانت أو ~~جزئيات- وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح أن يقال: وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو. وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر ~~لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضا عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه ~~المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون ~~الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأول للعلم بجميع المعلومات إلا عنده. ~~ثم إن قوله وعنده مفاتح الغيب قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على ~~الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس ~~فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالا لها ليعين ~~الحس العقل فقال ويعلم ما في البر والبحر لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن ~~حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر ~~وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، ~~وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب ~~أيضا. ثم أفرد من هذه المحسوسات قسما فقال وما تسقط من ورقة إلا يعلمها أي ~~لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها. ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات ~~إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ولا حبة في ظلمات الأرض وفي تخصيص ~~الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل ~~أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى. # ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ولا رطب ولا يابس ~~إلا في كتاب مبين قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة ~~وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه. ~~وقوله إلا في كتاب مبين كالتكرير لقوله إلا يعلمها ومعنى إلا في كتاب ms1780 مبين ~~واحد. والكتاب المبين علم الله أو اللوح. قال علماء التفسير: يجوز أن يكون ~~الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف ~~الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك ~~عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في ~~العالم فيجدونه موافقا له. أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك ~~الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة ~~جملة الأحوال في ذلك الكتاب سببا تاما في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما ~~تقدم. ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله وهو الذي يتوفاكم ~~أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز. وذلك أن الأرواح ~~الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن # PageV03P090 # فتتعطل الحواس عن بعض الأعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن ~~كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من ~~هذا الوجه ويعلم ما جرحتم أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح ~~للأعضاء وللسباع ثم يبعثكم فيه أي يرد إليكم أرواحكم بالنهار ليقضى أجل ~~مسمى أي أعماركم المكتوبة. # وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت. ثم لما ذكر أنه يميتهم أولا ~~ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل ~~بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم. واعلم أن في هذه الآية ~~إشكالا لأن قوله ويعلم ما جرحتم بالنهار كان ينبغي أن يكون بعد قوله ثم ~~يبعثكم فيه فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم ~~بالكسب. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل ~~قوله جرحتم دون «تجرحون» ثم يبعثكم في النهار الآتي. والغرض بيان إحاطة ~~علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل. ولعل صاحب الكشاف لمكان ms1781 هذا ~~الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: وهو الذي يتوفاكم بالليل والخطاب ~~للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف. والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ~~ويعلم ما جرحتم بالنهار ما كسبتم من الآثام فيه ثم يبعثكم من القبور فيه أي ~~في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ~~ومن أجله كقولك: فيم دعوتني؟ فيقول: # في أمر كذا ليقضى أجل مسمى وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى ~~وجزائهم على أعمالهم ثم إليه مرجعكم وهو المرجع إلى موقف الحساب. والأصوب ~~عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد ~~بالآثام. أما الضمير في فيه فيكون جاريا مجرى اسم الإشارة إلى الكسب. ~~والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله أعلم. ### | التأويل: # وأنذر به أي بهذه الحقائق والمعاني الذين يخافون أي يرجون أن يحشروا إلى ~~ربهم بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ليس لهم في الوصول إلى الله من دونه ولي ~~من الأولياء ولا شفيع يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات ~~الحق. ولا تطرد الذين يدعون أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي ~~كما # قال «أنا جليس من ذكرني» # فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا ~~الآخرة ولكن يريدون وجهه. # وكل له سؤل ودين ومذهب ... ووصلكم سؤلي وديني رضاكم # PageV03P091 # قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى ~~يصل إلى الله. فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلا ولا نهارا، ولا يجد من دون ~~الوصول إلى الله سبحانه سكونا ولا قرارا ما عليك من حسابهم من شيء يعني ~~الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء ~~من ذلك ليكون عليك ثقلا وما من حسابك عليهم من شيء أي الذي لنا معهم في ~~الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم فتطردهم ~~فتكسر قلوبهم بالطرد فتكون من الظالمين بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت ms1782 ~~لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله واخفض جناحك للمؤمنين [الحجر: 88] وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: ~~لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد. مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز ~~أيوب عنها. ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ~~ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه ~~عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله. ومنها أن لا يرى ~~الفاضل مستحقا للفضل ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فقل سلام عليكم ~~إنه سبحانه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا ~~فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: كن مبتدئا بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم ~~الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة سلام عليكم طبتم [الزمر: 73] بل سلم ~~بذاته عليهم سلام قولا من رب رحيم [يس: # 58] وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل ~~فلهذا قال كتب ربكم على نفسه الرحمة أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ~~آتيناه رحمة من عندنا [الكهف: 65] والرحمة العامة كما # في الحديث الرباني للجنة «إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي» # أنه من عمل منكم أي من المؤمنين سوءا بجهالة أي بجهالة الجهولية التي جبل ~~الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا ~~توبة لها ثم تاب من بعده أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد ~~الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض. قل إني ~~نهيت في الأزل بإصابة النور المرشش. ما عندي ما تستعجلون به من عبادة الهوى ~~لقضي الأمر يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ~~ينفعل عن ضده لا عن شبيهه وعنده مفاتح الغيب يعني العلوم العقلية التي هي ~~سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصورها في ~~الخارج. وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب ms1783 عالم التكوين وهو ~~واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ويعلم ما في البر وهو ~~عالم الشهادة والبحر وهو عالم # PageV03P092 # الغيب وبهذا العلم ما تسقط من ورقة عن شجرة الوجود إلا يعلمها لأنه ~~مكونها ومسقطها ولا حبة هي حبة الروح في ظلمات صفات أرض النفس، أو حبة ~~المحبة في ظلمات أرض القلب ولا رطب ولا يابس الرطب المؤمن، واليابس ما ~~سيصير موجودا وما قد صار. أو الرطب الروحانيات، واليابس الجمادات. أو الرطب ~~المؤمن، واليابس الكافر. أو الرطب العالم، واليابس الجاهل. أو الرطب ~~العارف، واليابس الزاهد. أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة. أو ~~الرطب صاحب الشهود، واليابس صاحب الوجود. أو الرطب الباقي بالله واليابس ~~الباقي بنصيبه وهو الذي يتوفاكم بالليل ليل القضاء ويعلم ما جرحتم بالنهار ~~نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم ~~الوحدة. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 61 الى 73] # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته ~~رسلنا وهم لا يفرطون (61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو ~~أسرع الحاسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ~~ثم أنتم تشركون (64) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون (65) # وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون (67) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون (69) وذر ~~الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس ~~بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ~~أولئك ms1784 الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون (70) # قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ ~~هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين (71) وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (72) وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور ~~عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير (73) # PageV03P093 ### | القراآت: # توفته واستهوته ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث قل من ينجيكم من ~~الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس. الباقون: بالتشديد وخفية بالكسر حيث كان: أبو ~~بكر وحماد. الباقون: بالضم أنجانا ممالة: حمزة وعلي وخلف أنجانا بدون ~~الإمالة: عاصم. الباقون أنجيتنا قل الله ينجيكم بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف ~~وعاصم وهشام. الباقون: بالتخفيف بعض انظر وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو ~~عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ينسينك ~~بالتشديد: ابن عامر. ### | الوقوف: # حفظة ط لا يفرطون ه الحق ط الحاسبين ه وخفية ط لاحتمال الإضمار أي يقولون ~~لئن أنجيتنا، وتعلق «لئن» بمعنى القول في تدعونه أصح الشاكرين ه تشركون ه ~~بأس بعض ط يفقهون ه وهو الحق ط بوكيل ه مستقر ط للإبتداء ب «سوف» على ~~التهديد مع شدة اتصال المعنى يعلمون ه غيره ج الظالمين ه يتقون ه ولا شفيع ~~ط للشرط مع العطف بما كسبوا لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال ~~أن يكون الذين صفة أولئك وقوله لهم شراب خبر الهدى ائتنا ج هو الهدى ط ~~العالمين لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة واتقوه ط تحشرون ه بالحق ~~ط فيكون ط في الصور ط والشهادة ط الخبير ه. ### | التفسير: # من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله وهو القاهر فوق عباده ~~والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي ~~أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب ms1785 أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من ~~حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو ~~سفليات، ذوات أو صفات، نفوسا أو أبدانا، أخلاطا وأركانا. ومن جملة قهره ~~إرسال الحفظة- وهي جمع حافظ- على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي ~~والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد [ق: 18] وعلى أفعالهم بقوله يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 12] ~~وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها. ~~وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا ~~تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على ~~اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب ~~كتب عليه. قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن ~~الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله # PageV03P094 # في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجرا له عن ~~القبائح. # ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن. ومنها ~~التعبد فعلى المكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في ~~بعض ذلك. وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ ~~الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها. وقال بعض القدماء: منهم النفوس ~~البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة ~~وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف ~~والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب ~~المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل ~~الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى. فالأرواح الخيرة لها مباد من عالم ~~الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادئ في مصطلحهم تسمى بالطباع التام ~~لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية ~~المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب ~~الطلسمات والعزائم في ms1786 هذا الباب كلام كثير. وقيل: إن النفوس المفارقة تميل ~~إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان ~~فتحفظها وتعينها حتى إذا جاء أحدكم الموت أي وقته أو أماراته توفته رسلنا ~~أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله تعالى كما قال الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها [الزمر: 42] . وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ~~يتوفاكم ملك الموت [السجدة: 11] وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه ~~قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ~~ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون. وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست ~~لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم ~~مرتين. وهم لا يفرطون لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به وفيه مدح لهم ~~بالعصمة ثم ردوا إلى الله أي إلى حكمه وجزائه مولاهم الحق صفتان والضمير في ~~ردوا إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى ~~البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله تعالى والمعنى أنهم كانوا في ~~الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا ~~انتقلوا إلى تصرف المولى الحق. وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا ~~الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتا والإنسان مردود إليه تعالى. وفي ~~لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجودا قبل البدن وقد تعلق به زمانا ثم رد ~~إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] ألا له ~~الحكم كقوله: إن الحكم إلا لله [الأنعام: 57] وهو أسرع الحاسبين حسابا قيل: ~~إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام. وقيل: ~~يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله # PageV03P095 # تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ولا يكلمهم ~~الله [البقرة: # 174] وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس ~~في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض ~~بالبعض يبقى ما هو أغلب ms1787 وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده. وذلك أنه لا يحصل ~~للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر ~~من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال. قال الجبائي- ~~هاهنا: لو كان كلامه قديما لوجب أن يكون متكلما بالمحاسبة الآن وقبل خلقه ~~وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم. # وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالما بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالما ~~بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم. ثم عدد لطفه وإحسانه بقوله قل من ينجيكم ~~من ظلمات البر والبحر مجازا عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم ~~مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات ~~بالحقيقة. وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة ~~الماء. تدعونه في موضع الحال تضرعا وخفية مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر ~~خاص. والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء. ~~الثاني التضرع. والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله وخفية ورابعها: ~~التزام الشكر هو المراد من قوله لئن أنجيتنا من هذه الظلم والشدة لنكونن من ~~الشاكرين فبين الله سبحانه أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه ~~لا ملجأ الا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل ~~الأحوال والأوقات. ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن ~~والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو ~~الخفي وهو اتباع الهوى. # وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا ~~إلى الأمن والرفاهية أشركوا. ثم ذكر نوعا آخر من دلائل التوحيد مقرونا بنوع ~~من التخويف فقال قل هو القادر واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي ~~عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم كالمطر ~~أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل أو من تحت أرجلكم كما ~~أغرق فرعون ms1788 وخسف بقارون. وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم ~~وعبيدكم. وقيل: هو حبس المطر والنبات أو يلبسكم شيعا هي جمع شيعة أي يخلطكم ~~فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم أن ~~يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذابا ~~من فوقهم أو من تحت # PageV03P096 # أرجلهم فأعطاني ذلك. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني» «1» # «وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف» # قالت الأشاعرة: في قوله أو يلبسكم شيعا دلالة على أن الأهواء المختلفة ~~والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله تعالى وفي قوله ويذيق بعضكم بأس بعض ~~إشارة إلى أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله تعالى وقالت المعتزلة: ~~الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ~~ذلك أم لا؟ وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، ~~وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة انظر كيف نصرف الآيات نقرر ~~الدلائل الواضحات. وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف ~~الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها لعلهم يفقهون وكذب به أي ~~بالعذاب المذكور في الآية السابقة قومك يعني قريشا ومن دان بدينهم وهو الحق ~~أي لا بد أن ينزل بهم. وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند ~~الله. # وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات. قل لست ~~عليكم بوكيل أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل ~~إنما أنا منذر. # لكل نبإ لكل خبر يخبره الله تعالى مستقر أي استقرار أو موضع استقرار. ~~والمراد بالنبإ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله تعالى ~~أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتا ومكانا يحصل ~~فيه من غير خلف ولا تأخير وسوف تعلمون فيه من التهديد ما فيه. # ثم بين أن أولئك المكذبين إن ms1789 ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين ~~والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال وإذا رأيت أيها ~~السامع الذين يخوضون في آياتنا والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه ~~اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله ~~على سبيل الطعن والاستهزاء، وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك فأعرض عنهم ~~بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك فلا تقعد بعد الذكرى وقيل: المطلوب إظهار ~~الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز ~~المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية ~~واجبة. نعم كل ما أوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم فعله وجب عليه، سواء ~~ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ~~وإما ينسينك الشيطان أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم فلا تقعد ~~بعد الذكرى بعد أن تذكر النهي مع القوم الظالمين أي معهم فوضع الظاهر موضع ~~المضمر تسجيلا PageV03P097 # عليهم بالظلم. قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة. وقال الفراء: هي الذكر. ~~قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل ~~النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، ~~بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم. # قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة ~~على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن ~~يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن ~~الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر ~~قادرا على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان. قال ابن عباس: ~~قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم ~~لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا ~~معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله وما على الذين يتقون أي ms1790 الشرك والكبائر ~~والفواحش من حسابهم من ذنوبهم التي يحاسبون عليها من شيء ولكن ذكرى أي ولكن ~~يذكرونهم تذكيرا، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ~~ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفا على محل من شيء كقول القائل: ما في الدار من ~~أحد ولكن زيد لأن قوله من حسابهم يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب ~~المشركين. # ثم أكد الإعراض عنهم بقوله وذر الذين والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ~~والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله فأعرض عنهم وعظهم [النساء: ~~63] وصفهم بوصفين الأول أنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وفيه وجوه: اتخذوا ~~دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا به ~~واستهزؤا، أو اتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها دينا لهم، ~~أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر ~~والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعبا ولهوا لا ~~كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى. قال ابن عباس: أو هو ~~إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال ~~لا لأنه حق وصدق في نفسه، ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله وغرتهم ~~الحياة الدنيا كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ~~ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا وذكر به أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ~~أن تبسل نفس قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء ~~فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع ~~لامتناعه من قرنه. وقال قتادة: تحبس في جهنم. وعن ابن عباس: تفتضح ليس لها ~~أي النفس من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل إن تفد كل فداء لأن ~~الفادي يعدل المفدى بمثله لا يؤخذ منها قال في الكشاف: فاعل يؤخذ قوله منها # PageV03P098 # لا ضمير العدل لأن العدل هاهنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ. وأما في قوله ~~ولا يؤخذ منها عدل فبمعنى المفدى به فصح إسناده. قلت: إن فسر ms1791 الأخذ بالقبول ~~كما في قوله ويأخذ الصدقات [التوبة: 104] ارتفع الفرق. أولئك المتخذون هم ~~الذين أبسلوا بما كسبوا ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ~~لهم شراب من حميم ثم رد على عبدة الأصنام بقوله قل أندعوا من دون الله ~~النافع الضار ما لا ينفعنا ولا يضرنا أي لا يقدر على النفع والضر ونرد داخل ~~في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله تعالى منه وهدانا ~~للإسلام، فإن الردة عود الى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل ~~كقوله والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا [النحل: 78] كالذي ~~استهوته محله النصب على الحال من الضمير في نرد أي أننكص على العقبين ~~مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه ~~طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السماء [الحج: 31] وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى وحيران ~~حال أخرى لكن من الضمير في استهوته وكذا الجملة بعده. ومعنى الحيرة التردد ~~في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه. ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا ~~امتلأت فتردد فيها الماء. له أي لهذا المستهوي أصحاب رفقة يدعونه إلى الهدى ~~أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدرا. وسمي الطريق المستقيم بالهدى ~~يقولون له ائتنا أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب ~~وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال ~~عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد ~~اعتسف المهمة تابعا للجن غير ملتفت إليهم. وقيل: إن لذلك الكافر أصحابا ~~يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى. وروي أن الآية نزلت في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان قل إن هدى ~~الله وهو الإسلام هو الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال وأمرنا لنسلم ~~لرب العالمين وأن أقيموا قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف ms1792 ~~فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا. قيل: والسر ~~في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر. ~~وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك. ~~والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال ~~القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله لنسلم ورئيس أعمال الجوارح الصلاة ~~وهو قوله وأن أقيموا ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله واتقوه ثم # قال وهو الذي إليه تحشرون ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم ~~الحشر. # PageV03P099 # ثم دل على وجود الحاشر بقوله وهو الذي خلق السماوات والأرض قائما أو ~~ملتبسا بالحق بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه ~~أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثارا تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع ~~الإنسان وهكذا خلق يوم يقول كن فيكون قوله الحق فقوله فاعل فيكون ويوم ~~مفعول خلق والمعنى أنه تعالى خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر ~~والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق «كن فيكون» ~~وعلى هذا يجوز أن يكون قوله الحق مبتدأ وخبرا مستأنفا، أو قوله الحق مبتدأ ~~ويوم يقول ظرف دال على الخبر مثل «يوم الجمعة القتال» أي القتال واقع يوم ~~الجمعة. والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خال عن الجور والعبث ويوم ~~ينفخ ظرف لقوله وله الملك كقوله لمن الملك اليوم [غافر: 16] والمقصود أنه ~~لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع. # والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في ~~مواضع من القرآن ونفخ في الصور فصعق [الزمر: 68] ففزع فإذا نقر في الناقور ~~[المدثر: 8] وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة. وخطأه الأئمة ~~فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه ~~كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة ~~الإنسان على صور بالفتح كقوله فأحسن صوركم ms1793 [غافر: 64] ومن أسكن فقد أخطأ، ~~ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه تعالى لم يضف ~~النفخ إلى نفسه كما قال ونفخت فيه من روحي [ص: 72] فنفخنا فيها من روحنا ~~[الأنبياء: 91] ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14] ثم لما بين كمال قدرته ~~بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله عالم الغيب والشهادة أي هو العالم بكل ~~المعلومات القادر على كل المقدورات وهو الحكيم المصيب في أقواله وأفعاله ~~الخبير النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث ~~لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق ~~والزنديق. ### | التأويل: # وهو القاهر بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء. # ويرسل عليكم حفظة من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها ~~قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات ~~العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحا ~~من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة حتى إذا جاء أحدكم ~~الموت يعني الفناء عن أوصاف # PageV03P100 # الوجود توفته رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ثم ردوا إلى ~~البقاء بالله قل من ينجيكم من ظلمات بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم ~~الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية. تدعونه تضرعا بالجسم وخفية ~~بالروح ومن كل كرب آفة وفتنة ثم أنتم تشركون حين يتجلى لكم نور من أنوار ~~صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني عذابا من ~~فوقكم بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم أو من تحت أرجلكم حجابا من ~~أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم أو يلبسكم شيعا بجعل الخلق فيكم فرقا. ~~فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ويذيق بعضكم بأس بعض بالقتل ~~والصلب وقطع الأطراف انظر كيف نصرف آيات المعارف للسائرين إلى الله لعلهم ~~يفقهون لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء ~~بشهود المعبود وكذب بهذا المقام قومك المنكرون وهو الحق ms1794 قل لست عليكم بوكيل ~~لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال لكل ~~نبإ مستقر أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها فأعرض عنهم ولا تجالسهم ~~حتى يخوضوا في حديث غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح. وذر الذين اتخذوا ~~دينهم لعبا ولهوا لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو ~~الدنيا وقبول الحق أن تبسل نفس أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية بما ~~كانوا يكفرون بمقامات الرجال من الوصول والوصال قل أندعوا من دون الله ~~أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار. والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول ~~إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه. ونرد على أعقابنا إلى مقام الاثنينية ~~التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن ~~والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى حيران من إغوائهم. وأمرنا لنسلم بترك ~~الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلما لصولجان القضاء وأن أقيموا الصلاة ~~بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة ~~أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني. وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ~~أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبدا ~~من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائيا فيكون، ولن يصير رائيا بمجرد سعيه ~~لأن قوله في حق الإنسان كن رائيا هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ~~ينفخ الإراءة في صور القلب وهو الحكيم فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ~~الخبير بمن يخصه من بين الناس بالإراءة. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 83] # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال ~~مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين ~~(75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال ms1795 لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا ~~أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) ~~وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) وكيف أخاف ما أشركتم ~~ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق ~~بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون (82) وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من ~~نشاء إن ربك حكيم عليم (83) # PageV03P101 ### | القراآت: # إني أراك بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر ونافع لأبيه آزر ~~بالضم على النداء: يعقوب رأى كوكبا بإمالة الهمزة: أبو عمرو غير عباس ~~والنجاري عن ورش. وكذلك رآه ورآك وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس وهبيرة ~~من طريق الخراز بكسر الراء والهمزة. وافق ابن ذكوان في رأى فقط وخالفهم ~~فيما اتصلت بالكاف والهاء في سورة النجم. وافق ابن مجاهد والنقاش بالإمالة ~~وكسر الراء في سورة «اقرأ باسم» رأى القمر ورأى الشمس ونحوهما بكسر الراء ~~وفتح الهمزة: حمزة وخلف ونصر وعباس ويحي والخراز. وروى خلف عن يحي بكسر ~~الراء والهمزة أتحاجوني بتخفيف النون: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. الباقون: ~~بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية وقد هدان بالإمالة: علي. وقرأ سهل ~~ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الحالين، وافق أبو عمرو ويزيد ~~وإسماعيل في الوصل. درجات بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب. ### | الوقوف: # آلهة ج للابتداء بأن مع اتحاد القول. مبين ه الموقنين ه رأى كوكبا ج لأن ~~جواب «لما» قوله «رأى» مع اتحاد الكلام بلا عطف ربي ج لأن جواب «لما» منتظر ~~مع فاء التعقيب فيها. الآفلين ه هذا ربي ج لذلك الضالين ه هذا أكبر ج لذلك ~~يشركون ه المشركين ج لاحتمال الواو الحال أي ms1796 وقد حاجه. # قومه ط هدان ط لانتهاء الاستفهام شيئا ط علما ط تتذكرون ه سلطانا ط ~~للاستفهام بعد تمام الاستفهام بالأمن ج لأن جواب «إن» منتظر محذوف التقدير: ~~إن كنتم تعلمون فأجيبوا مع اتحاد الكلام المشركين ه لتناهي الاستفهام ~~وابتداء إخبار، ولو وصل اتصل بما قبله يهتدون ه على قومه ط من نشاء ط عليم ~~ه. # PageV03P102 ### | التفسير: # إنه سبحانه كثيرا ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن ~~عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ~~ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان. ثم إن بظاهر ~~الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح. قال ~~الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا ~~النسب لهذا السبب. والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى ~~قول الواحد أو الأثنين- مثل وهب وكعب- أو غيرهما. # سلمنا أن اسمه كان «تارح» لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقبا والآخر ~~اسما أصليا، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطىء والمخذول. وقيل: إن ~~آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ ~~قليلة من غير لغة العرب. وقيل: # إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد ~~فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب قال تعالى يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ~~[الإسراء: 71] وقال الشاعر: # أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأن أسماء أضحت بعض أسمائي. # أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: إن والد ~~إبراهيم كان تارح وكان آزر عما له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق [البقرة: 133] ومعلوم أن ~~إسماعيل كان عما ليعقوب. ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى ~~والمشركين كانوا حراصا متهالكين على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذبا لامتنع في ms1797 العادة سكوتهم عن تكذيبه، وحيث ~~لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحدا من ~~آباء الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان كافرا وفسروا قوله وتقلبك في ~~الساجدين [الشعراء: 219] بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى ~~أرحام الطاهرات» # وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والدا له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة ~~والجفاء في قوله: إني أراك وقومك في ضلال مبين وقد قال تعالى فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما [الإسراء: 23] ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ «آزر» ~~بالضم. والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني [الأعراف: 142] وأجيب بأن قوله وتقلبك في الساجدين ~~[الشعراء: 219] يحتمل وجوها أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن # قوله «لم أزل أنتقل» # محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحا. والتغليظ من إبراهيم إنما ~~كان لأجل إصرار # PageV03P103 # أبيه على الكفر كما قال فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه [التوبة: 114] ~~لا لأجل السفه والجفاء لقوله إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75] ثم إن ~~إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكرا على آزر وقومه ~~أتتخذ أصناما آلهة أي معبودين. وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير ~~والشر لكان الصنم الواحد كافيا فلما لم يكن الواحد كافيا دل ذلك على عجزها ~~وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله تعالى، وعلى أن وجوب ~~الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من ~~حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء ~~المتقدمين عليه وكذلك أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال ~~بغير الله نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض والنكتة فيه أن التخلي عن غير ~~الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم ~~يقل «أريناه» بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف ms1798 بلغ إبراهيم هذا ~~المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟ فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته ~~لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج ~~الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن ~~كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته ~~سبحانه غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ~~ومعلوماته في تلك المعلومات أيضا غير متناهية. فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه ~~في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على ~~البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله تعالى، وكل تلك الأحوال دالة ~~على حكمة الله تعالى وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل ~~الملكوت! ولهذا قيل: السفر إلى الله تعالى له نهاية، فأما السفر في الله ~~سبحانه فإنه بلا نهاية. والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من ~~الرغبة والرهبوت ومن الرهبة. قال بعضهم: إنه سبحانه أراه الملكوت بالعين. ~~قالوا: شق له السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، ~~وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب. # عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها ~~وما في الأرض من العجائب رأى عبدا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، ~~فقال الله تعالى له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية ~~طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم. # وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات ~~والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ ~~الملكوت ضائعا. وأيضا قوله فلما جن عليه الليل جار مجرى الشرح والتفسير ~~لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها # PageV03P104 # وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم. ثم قال بالآخرة وتلك حجتنا ~~والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه. وأيضا الإراءة بالعين تفيد العلم ~~الضروري بالإله القادر ومثل ms1799 هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار ~~في الآخرة. وأيضا اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقا بالشك، ~~فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين ~~نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سببا للجحود لا الإيقان كما في ~~حق فرعون ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى [طه: 56] وأيضا الإنسان لا ~~يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير ~~الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن ~~الله. أما إذا نظر بعين البصيرة في المخلوقات وعرف حدوثها وإمكانها، وعرف ~~أن كل ممكن يحتاج إلى الصانع الحق الواجب فكأنه بهاتين المقدمتين قد طالع ~~صفحة الملكوت بعين عقله وسمع بأذن قلبه شهادتها بالاحتياج والانقياد لله، ~~وهذه الرؤية باقية غير زائلة ولا شاغلة عن الله بل هي شاغلة للقلب والروح ~~بالله. وهذه الرؤية وإن كانت حاصلة لجميع الموحدين لقوله سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53] إلا أن الاطلاع على تفاصيل آثار حكمة الله ~~تعالى في كل واحد من مخلوقات هذه العوالم بحسب أجناسها وأنواعها وأصنافها ~~وأشخاصها وعوارضها ولواحقها كما هي، لا تحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم في دعائه «أرني الأشياء كما هي» # ثم إن الإنسان في أول استدلاله لا ينفك قلبه عن اختلاج شبهة فيه، فإذا ~~كثرت الدلائل وتوافقت وتطابقت كان لكل واحد منها نوع تأثير وقوة، ويكون ~~جاريا مجرى تكرار الدرس الواحد وتزداد النفس بكل منها نورا وإشراقا ~~وانبساطا إلى أن يحصل الجزم ويكمل الإيقان وتطلع شمس العلم والعرفان إلى ~~حيث أتيح لها من الارتقاء والتصاعد وذلك قوله فلما جن عليه الليل قال في ~~الكشاف: إنه معطوف على قوله وإذ قال إبراهيم وقوله وكذلك نري جملة وقعت ~~اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه. # يقال: جن عليه الليل وأجنه الليل. والتركيب يدور على الستر ومنه الجنة ~~والجن والمجنون والجنين. وقيل: جن عليه الليل أي أظلم عليه ولأجل هذا ~~التضمين عدي ب ms1800 «على» . وأما «أجنة» فمعناه ستره من غير تضمين معنى أظلم. ~~واعلم أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها ~~المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه، فأمر بذبح كل غلام يولد فحملت أم ~~إبراهيم عليه السلام به وما أظهرت حملها للناس، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى ~~كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل عليه السلام فوضع ~~أصبعه في فيه فمصه فخرج منه رزقه، وكان يتعهده جبريل عليه السلام وكانت ~~الأم تأتيه أحيانا وترضعه. وبقي في الغار حتى كبر وعرف أن له ربا فسأل الأم ~~فقال لها: من ربي؟ فقالت: # PageV03P105 # أنا. فقال: من ربك؟ فقالت: أبوك. فقال لأبيه: من ربك؟ فقال: ملك البلد. ~~فعرف إبراهيم جهلهما بربهما. فنظر من باب ذلك الغار ليرى ما يستدل به على ~~وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي كان أصغر النجوم في السماء فقال: هذا ربي ~~إلى آخر القصة. ثم منهم من قال: كان هذا بعد البلوغ وأوان التكليف، ومنهم ~~من قال: كان هذا قبل البلوغ. # وأكثر المحققين على فساد هذا القول لوجوه منها: أن القول بربوبية النجم ~~كفر بالإجماع والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق. ومنها أن إبراهيم كان ~~قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله تعالى أخبر عنه أنه دعا أباه إلى ~~التوحيد بالرفق مرارا بقوله يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # [مريم: 42] الآيات. وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن، ~~والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة. ومنها أن هذه الواقعة ~~كانت بعد أن أراه ملكوت السموات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله فلما جن ~~ومنها أنه تعالى وصفه بقوله إذ جاء ربه بقلب سليم [الصافات: 84] ومدحه ~~بقوله ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل [الأنبياء: 5] أي من أول زمان ~~الفطرة. ومنها قوله عقيب هذه القصة وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~ولم يقل «على نفسه» . ومنها أنه قال بعد القصة يا قوم إني بريء مما تشركون ~~مع أنه ما كان ms1801 في الغار لا قوم ولا صنم. ومنها قوله وحاجه قومه وفيه دليل ~~على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون ~~الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال لا أحب الآفلين ردا عليهم وتنبيها على فساد ~~قولهم، ويؤكده قوله كيف أخاف ما أشركتم لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه ~~بالأصنام كما في قصة هود إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء # [هود: 54] ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، وكان ينبغي أن يستدل ~~أولا بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب ~~بالطريق الأولى، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم. ~~والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم، ~~ثم امتدت المناظرة الى أن طلعت الشمس. ثم هاهنا احتمالان: الأول أن يقال إن ~~هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله، ~~مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم ~~نشاهده ونراه متركبا متغيرا. فقولك «الجسم قديم» إعادة لكلام الخصم لإلزام ~~الحجة عليه، أو المراد هذا ربي في زعمكم واعتقادكم كقول الموحد للجسم: ~~الإله جسم محدود أي في زعمه واعتقاده. قال تعالى ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائي [القصص: 62] وقال ذق إنك أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] أي عند ~~نفسك. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول: يا إله الآلهة في زعمهم. # أو المراد منه # PageV03P106 # لاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام لدلالة الكلام، أو ~~أضمر القول أي يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير وإذ يرفع إبراهيم القواعد ~~من البيت وإسماعيل ربنا [البقرة: 127] أي يقولان ربنا والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم [الزمر: 3] أي يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~[الزمر: 3] أو ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، أو أنه عليه السلام قد ~~عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة ~~لم يقبلوا قوله فمال إلى الاستدراج وذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم ms1802 مع أن ~~إبراهيم كان مطمئنا بالإيمان فكان بمنزلة المكره على كلمة الكفر حيث لم يجد ~~إلى الدعوة المأمور بها طريقا سوى ذلك. وإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة ~~تعود إلى شخص واحد لقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [النحل: ~~106] فلأن يجوز ذكرها لتخليص جم غفير من الكفر والعقاب الأبدي أولى. قالت ~~العلماء: إن المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر. ثم إذا جاء ~~وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا ~~يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم. وإن من ~~كان في الصلاة فرأى طفلا أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة ~~لإنقاذهما ومثل هذه الواقعة قوله فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ~~[الصافات: 88] وذلك أنهم كانوا يستدلون بعلم النجوم على الحوادث المستقبلة ~~فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع إنه كان بريئا عنه في الباطن ~~ليتوصل بذلك إلى كسر الأصنام. قال المتكلمون: إنه يصح من الله تعالى إظهار ~~خوارق العادات على يد من يدعي الإلهية، لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على ~~كذبه فلا يروج التلبيس ولكنه لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة كاذبا ~~لأن التلبيس يروج حينئذ فكذا هاهنا قوله هذا ربي لا يوجب الضلال لأن دلائل ~~بطلانه جلية وفي ذلك استدراج لهم لقبول الدليل فكان جائزا. الاحتمال ~~الثاني: أنه ذكر ذلك قبل البلوغ فلعله خطر بباله لشدة ذكائه قبل بلوغه ~~إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب ~~الآفلين ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا الفكر فقال عند أفول الشمس ~~إني بريء مما تشركون واعلم أن القصة التي ذكرناها من أن إبراهيم عليه ~~السلام ولد في الغار وتركته أمه وكان جبريل يربيه محتملة في الجملة، لأن ~~الإرهاص- وهو تقديم المعجز على وقت الدعوى- جائز عندنا. ولم يجوزه القاضي ~~إلا إذا حضر في ذلك الزمان رسول من الله تعالى ms1803 فتكون تلك الخوارق معجزة ~~لذلك الرسول. قال في الكشاف: فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ ~~وكلاهما انتقال من حال إلى حال؟ قلت الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع ~~خفاء واحتجاب. وأنا أقول: الاحتجاج بالبزوغ في # PageV03P107 # الآية لا يصح لأنه تعالى بين أنه نظر إلى الكوكب وقت كونه طالعا لا حين ~~بزوغه ليلزم مشاهدة التغير والانتقال، وكذا إلى القمر وإلى الشمس دليله أنه ~~لم يقل رأى القمر يبزغ بل بازغا. ولو سلم فإن أحسن الكلام ما يحصل فيه حصة ~~الخواص والأوساط والعوام، فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان فكل ممكن محتاج ~~والمحتاج لا يجوز أن يكون منقطع الحاجات فلا بد من الانتهاء إلى الواجب ~~بالذات. وأما الأوساط فإنهم يفهمون من الأفول مطلق الحركة، فكل متحرك محدث ~~وكل محدث فهو محتاج إلى القديم. وأما العوام فإنهم يفهمون من الأفول ~~الغروب، فكل كوكب يغرب فإنه يزول نوره ويذهب سلطانه ويصير كالمعزول ومن كان ~~كذلك فإنه لا يصلح للإلهية، أقصى ما في الباب أن يقال: إن لها تأثيرات في ~~أحوال العالم السفلى، ولكن تلك التأثيرات لما لم تكن لها بذاتها لزم استناد ~~الكل إلى الواجب سبحانه وهو الإله الأعظم القادر على خلق السموات والنجوم ~~النيرات، فيجب ان يكون قادرا على خلق البشر وعلى تدبير السفليات بالطريق ~~الأولى فلا يلزم من وضع الواسطة رفع المبدإ بحال، ويعلم من قوله لا أحب ~~الآفلين أنه تعالى ليس بجسم وإلا كان غائبا عنا فكان آفلا، وإنه لا يصح ~~عليه المجيء والذهاب والنزول والصعود ولا الصفات المحدثة. وفيه أن معارف ~~الأنبياء استدلالية لا ضرورية وأنه لا سبيل إلى معرفته تعالى إلا النظر ~~والاستدلال. أما قوله فلما رأى القمر بازغا يقال بزغ القمر أو الشمس إذا # ابتدأ بالطلوع. وأصل البزغ الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا قاله الأزهري. ~~وفي قوله لئن لم يهدني ربي إشارة إلى أن الهداية ليست إلا من الله تعالى. ~~والمعتزلة حملوها على التمكين وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل، وزيف بأن كل ~~ذلك كان حاصلا فالهداية التي ms1804 كان يطلبها بعد ذلك لا بد أن تكون زائدة عليها ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أراد هذا الطالع أو هذا المرئي، أو ذكر ~~بتأويل الضياء والنور، أو باعتبار الخبر وهو رب مع رعاية الأدب وهو ترك ~~التأنيث عند اللفظ الدال على الربوبية كما لم يقولوا في صفة الله علامة وإن ~~كانت بتاء مبالغة هذا أكبر أي أكبر الكواكب جرما ونورا، وقد برهن في الهيئة ~~على أنها مائة وستة وستون مثلا لكرة الأرض كلها. وإنما لم يقتصر على ذكر ~~الشمس أولا مع أنه يلزم منه عدم ربوبية ما دونها من القمر والكواكب، لأنه ~~أراد الأخذ من الأدون إلى الأعلى لمزيد التقرير والتصوير يا قوم إني بريء ~~مما تشركون قيل: لا يلزم من نفي ربوبية النجوم نفي الشريك مطلقا. والجواب ~~أن القوم لم ينازعوه إلا في الصور المذكورة، فلما أثبت أنها ليست أربابا ~~ثبت بالاتفاق نفي الشركاء على الإطلاق. ومعنى وجهت وجهي للذي فطر وجهت ~~عبادتي لأجله فإن من كان مطيعا لغيره منقادا لأمره فإنه يوجه وجهه إليه، ~~فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة. وأصل الفطر الشق يقال: تفطر الشجر ~~بالورق والورد إذا # PageV03P108 # أظهرهما، والحنيف المائل عن كل معبود سوى الله تعالى. قال أبو العالية: ~~الذي يستقبل البيت في صلاته. # ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~[الزخرف: 22] وكقولهم للرسول صلى الله عليه وسلم «أجعل الآلهة إلها واحدا ~~إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] ومخوفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله ~~أتحاجوني في الله وقد هدان أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي ~~فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟ ولا أخاف ما تشركون به لأن الخوف إنما يحصل ~~ممن يقدر على النفع والضر إلا أن يشاء إلا وقت مشيئة ربي شيئا يخاف. فحذف ~~المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي، أو إلا أن يريد ابتلائي ~~بمحنة، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب، أو كان ~~قد أودع ms1805 فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله تعالى، وفائدة ~~الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله ~~الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام وسع ربي كل شيء علما فلا يفعل إلا الخير ~~والصلاح أفلا تتذكرون أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجب حلول العقاب ~~ونزول العذاب، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد، والعاجز لا يساوي القادر؟ ثم ~~أكد ذلك بقوله وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا إذ لا سلطان فينزل. # وقيل: إنه لا يمتنع عقلا أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة ~~والدعاء، ولكنه لم يؤمر به. والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ~~ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟ ثم قال فأي الفريقين يعني ~~فريقي المشركين والموحدين. ولم يقل «فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم» اجتنابا ~~عن تزكية نفسه. والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن ~~السؤال بقوله الذين آمنوا الآية، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم ~~المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان، ولكمال القوة العلمية وهو ~~وضع الأشياء في موضعها وإليه الإشارة بقوله ولم يلبسوا أي لم يخلطوا ~~إيمانهم بظلم. قالت الأشاعرة: شرط في الإيمان الموجب للأمن عدم الظلم، ولو ~~كان ترك الظلم داخلا في الإيمان لم يكن لهذا التقييد فائدة فثبت أن الفاسق ~~مؤمن. وقالت المعتزلة: شرط في حصول الأمن حصول الأمرين: الإيمان وعدم ~~الظلم. فوجب أن لا يحصل إلا من للفاسق وذلك يوجب حصول الوعيد له أبدا. ~~وأجيب بأن الظلم هاهنا الشرك لقوله إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] ~~واجتماعه مع الإقرار بالصانع ممكن وحينئذ يصح إطلاق اللبس بمعنى الخلط ~~ويكون المراد: الذين آمنوا بالله ولم يثبتوا له شريكا في # PageV03P109 # المعبودية، ويؤيده أن القصة وردت في نفي الأضداد والأنداد. وأيضا لا يلزم ~~من عدم الأمن المطلق حصول القطع بالعذاب الأبدي. واعلم أن المحاجة في الله ~~تارة تكون موجبة للذم والإنكار كمحاجة ms1806 قوم إبراهيم، وتارة تكون موجبة للمدح ~~وذلك إذا كان الغرض تقريرا لدين الحق والمذهب الصدق كمحاجة إبراهيم من قوله ~~فلما جن عليه الليل إلى هاهنا وإليها الإشارة بقوله وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم أرشدناه إليها ووفقناه لها نرفع درجات من نشاء من قرأ بالإضافة ~~فظاهر لأنه رفع يتعدى إلى واحد، ومن قرأ بالتنوين فيكون كقوله ورفع بعضهم ~~درجات [البقرة: 253] وقد تقدم في البقرة، واختلف في تلك الدرجات فقيل: ~~أعماله في الآخرة، وقيل: تلك الحجج درجات رفيعة لأنها تقتضي ارتفاع الروح ~~من حضيض العالم الجسماني إلى أعلى العالم الروحاني، وقيل: نرفع من نشاء في ~~الدنيا بالنبوة والحكمة، وفي الآخرة بالجنة والثواب. أو نرفع درجات من نشاء ~~بالحكمة والعلم إن ربك حكيم عليم فيرفع الدرجات بمقتضى الحكمة والعلم لا ~~لموجب التشهي والشهوة. ### | التأويل: # رأى إبراهيم ملكوت الأشياء أي بواطنها ليكون من الموقنين عند كشفها كما ~~كان موقنا عند كشف الضلال المودع في آزر وقومه فلما جن عليه ظلمة ليل ~~البشرية أمطر سحاب العناية غيث الهداية على أرض قلبه فأنبت بذر الخلة ~~المودعة في ملكوت قلبه، فرأى نور الرشد في صورة الكوكب طالعا من أفق سماء ~~روحانيته فقال: هذا ربي أراد به سره المكوكب لا الكوكب وإن لم يشعر به نفسه ~~كما قيل: # هوى فؤادي ولم يعلم به بدني ... فالجسم في غربة والروح في وطن # فإن كذبت النفس فيما قالت للكوكب «هذا ربي» ما كذب الفؤاد ما رأى من ~~الكوكب. # فقال هذا ربي فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه ~~إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب قال سره لا أحب الآفلين فلما اتسع ~~انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة ~~القمر قال هذا ربي فلما أفل عند رجوعه إلى أوصافه ازداد الشوق قال إن لم ~~يهدني ربي برفع حجب الأوصاف ويبقني على وجود الخليقة لأكونن من القوم ~~الضالين عن الحق كآزر وقومه. فلما انخرقت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من ~~غيم البشرية، وأشرقت أرض القلب ms1807 بنور ربها قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت ~~شمس الهداية تعززا وتعظما ليغرب إبراهيم عليه السلام عن شرك الأنانية. # إن شمس النهار تغرب بالليل ... وشمس القلوب ليست تغيب. # PageV03P110 # تبرأ عن الأضداد والأنداد ونزعته همة الخلة عن الجهات وخلصه تجلي صفة ~~الجمال عن شبكة الوهم والخيال. فقال يا قوم إني بريء مما تشركون وقد يدور ~~في الخلد أن إبراهيم صلوات الله الرحمن عليه جن عليه ظلمة الشبهة فنظر أولا ~~في عالم الأجسام فوجدها آفلة في أفق التغير فلم يرها تصلح للإلهية، فارتقى ~~منها إلى عالم النفوس المدبرة للأجسام فرآها آفلة في أفق الاستكمال فكان ~~حكمها حكم ما دونها فصعد منها إلى عالم العقول المجردة، فصادفها آفلة في ~~أفق الإمكان فلم يبق إلا الواجب الحق. ومن الناس من حمل الكوكب على الحس، ~~والقمر على الخيال، والشمس على الوهم والعقل، ومراده أن هذه القوى المدركة ~~الثلاثة قاصرة متناهية القوة، ومدبر العالم قاهر لها مستول عليها وحاجه ~~قومه ليسبلوا ستور شبههم على شموس عرفانه، وقد هداني إليه بالعيان بعد ~~توالي البرهان إلا أن يشاء ربي شيئا من الخذلان وهذا محال لأنه وسع ربي كل ~~شيء علما فهو أعلم بأهل العرفان وبأصحاب الخذلان ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~بشرك الالتفات إلى غيره من الأكوان حتى قال لجبريل: أما إليك فلا وتلك يعني ~~إراءة الملكوت وشواهد الربوبية في مرآة الكواكب وصدق التوجه إلى الحق ~~والتبري عما سواه والخلاص عن شرك الأنانية والإيمان الحقيقي بالعيان حتى ~~ارتقى من الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات آتيناها إبراهيم بذاتنا من غير ~~واسطة حتى جعلها حجة على قومه نرفع درجات من نشاء بجذبات الألوهية عن حضيض ~~الأنانية الله حسبي. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 84 الى 90] # ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين (86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم (87) ذلك ms1808 هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون (88) # أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا ~~بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) ### | القراآت: # واليسع بتشديد اللام: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالتخفيف، اقتده بإشباع ~~الهاء: ابن عامر الحلواني عن هشام مختلسة، وبحذف الهاء في الوصل: # سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بسكون هاء السكت على الأصل. ### | الوقوف: # ويعقوب ط كلا هدينا ج لأن ونوحا مفعول ما بعده، ولو وصل # PageV03P111 # التبس بأنه مفعول ما قبله مع اتفاق الجملتين وهارون ط المحسنين ه لا ~~للعطف وإلياس ط من الصالحين ه لا للعطف ولوطا ط العالمين ه لا للعطف. # وإخوانهم ج لبيان أن قوله واجتبيناهم يعود إلى قوله كلا هدينا كقوله وممن ~~هدينا واجتبينا [مريم: 58] ولاحتمال الواو الحال أي وقد اجتبيناهم وذكر ~~هديناهم بعده مستقيم ه من عباده ط يعملون ه والنبوة ج بكافرين ه اقتده ط ~~أجرا ط للعالمين ه. ### | التفسير: # لما حكى حجج إبراهيم صلوات الرحمن عليه في التوحيد والذب عن الدين ~~الحنيفي عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه بعد نعمة إيتاء الحجة ورفع الدرجة فقال ~~ووهبنا له باللفظ الدال على العظمة كما يقوله عظماء الملوك ليدل بذلك على ~~عظم العطية، وذلك أنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله وعقبه. ~~قيل: وإنما لم يذكر إسماعيل مع إسحق وإن كان هو أيضا ابنه لصلبه، لأن ~~المقصود بالذكر هاهنا أنبياء بني إسرائيل وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب، ~~وأما إسماعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يجوز ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المقام لأنه أمر محمدا ~~أن يحتج على العرب بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد شرفه الله ~~بالنعم الجسام في الدين والدنيا، ومن جملة ذلك أن آتاه أولادا كانوا ملوكا ~~وأنبياء، فإذا كان ms1809 المحتج بهذه الحجة هو محمد امتنع أن يذكر نفسه في هذا ~~المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحق. أما قوله ونوحا هدينا من قبل ~~فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم بحسب الآباء أيضا مثل نوح وإدريس وشيث، ~~وأما الضمير في قوله ومن ذريته فقد قيل: إنه يعود إلى «نوح» لأنه أقرب ~~ولأنه تعالى ذكر في جملتهم لوطا وهو كان ابن أخي إبراهيم وما كان من ذريته، ~~بل كان من ذرية نوح، ولأن ولد الإنسان لا يقال إنه ذريته فعلى هذا إسماعيل ~~ما كان من ذرية إبراهيم وكان من ذرية نوح، ولأن يونس عليه السلام لم يكن من ~~ذرية إبراهيم على قول بعضهم. وقيل: الضمير عائد إلى إبراهيم لأنه هو ~~المقصود بالذكر في هذا المقام. واعلم أن الله تعالى ذكر أربعة من الأنبياء ~~وهم: نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب. ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبيا: داود ~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل ~~واليسع ويونس ولوطا. فالمجموع ثمانية عشر. وأنه لم يراع الترتيب بينهم في ~~الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة، فاستدل العلماء بذلك ~~على أن الواو لا تفيد الترتيب. وقال في التفسير الكبير: إن وجه الترتيب أنه ~~تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الكرامة. فمن المراتب ~~المعتبرة عند الجمهور الملك # PageV03P112 # والسلطنة وقد أعطى داود وسليمان من ذلك نصيبا عظيما، والمرتبة الثانية ~~البلاء والمحنة وقد خص أيوب بذلك، والثالثة استجماع الحالتين وذلك في حق ~~يوسف فإنه ابتلي أولا ثم أوتي الملك ثانيا. الرابعة قوة المعجزات وكثرة ~~البراهين والبينات وذلك حال موسى وهارون الخامسة الزهد الكامل كما في حق ~~زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ولهذا وصفهم بأنهم من الصالحين. السادسة الأنبياء ~~الذين ليس لهم في الخلق أتباع ولا أشياع وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. ~~وأما المراد بقوله كلا هدينا ونوحا هدينا قيل: المراد الهداية إلى طريق ~~الجنة بدليل قوله وكذلك نجزي المحسنين فإن جزاء المحسن على إحسانه لا يكون ~~إلا الثواب. وقيل: لا يبعد ms1810 أن يقال: المراد الهداية إلى الدين والمعرفة ~~لأنهم اجتهدوا في طلب الحق فجازاهم الله بالوصال والوصول كما قال والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا [العنكبوت: 69] وقيل: إنها الإرشاد إلى النبوة ~~والرسالة لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك، وهذا إنما يصح عند ~~من جوز أن تكون الرسالة جزاء على عمل. واستدل بعضهم بقوله وكلا فضلنا على ~~العالمين على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، وذلك أن العالم اسم لكل موجود ~~سوى الله تعالى فيدخل فيه الملائكة وكذا الأولياء. وقيل: فضلناهم على عالمي ~~زمانهم فلا يتم الاستدلال. قال القاضي: ويمكن أن يقال: المراد وكل من ~~الأنبياء يفضلون على كل من سواهم من العالمين. ثم الكلام في أن أي الأنبياء ~~أفضل من بعض كلام آخر لا تعلق له بالأول. ثم قال ومن آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم معطوف على كلا أي فضلنا بعض آبائهم. فالآباء هم الأصول، والذريات ~~هم الفروع، والإخوان فروع الأصول. وفيه دليل على أنه تعالى خص كل من تعلق ~~بهؤلاء بنوع من الشرف والكرامة. ثم إن قلنا المراد من الهداية الهداية إلى ~~الثواب والجنة فقوله من آبائهم # وكلمة «من» للتبعيض يدل على أنه قد كان في آباء هؤلاء الأنبياء من كان ~~غير مؤمن ولا واصل إلى الجنة، وإن فسرنا الهداية بالنبوة لم يفد ذلك إلا ~~أنه يفيد أن لا تكون المرأة رسولا ولا نبيا واجتبيناهم أي اصطفيناهم من ~~جبيت الماء في الحوض وجبوته أي جمعته، ذلك هدى الله إشارة إلى معرفة ~~التوحيد والتنزيه بدليل قوله ولو أشركوا لحبط وفيه دليل على أن الهداية من ~~الله تعالى وليس للعبد فيها اختيار. وفيه تهديد عظيم كقوله لئن أشركت ~~ليحبطن عملك [الزمر: 65] والغرض من ذلك زجر الأمة. أولئك يعني الأنبياء ~~الثمانية عشر. الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ولا بد بحكم العطف من ~~تغاير الأمور الثلاثة. ووجه بأن الحكام على الخلق ثلاث طوائف: الحكام على ~~بواطن الناس وهم العلماء، والحكام على ظواهر الخلق وهم السلاطين، والجامعون ~~بين الأمرين وهم الأنبياء. فالأمور الثلاثة إشارة إلى هذه الأصناف الثلاثة. ms1811 ~~ومعنى إيتاء الكتاب الفهم # PageV03P113 # التام بما في هذا الجنس والعلم المحيط بحقائقه وأسراره. ولو قيل: المراد ~~بالإيتاء الابتداء بالوحي والتنزيل كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى ~~لم يشمل كل المذكورين لأنه تعالى ما أنزل على كل واحد منهم كتابا على ~~التعيين. فإن يكفر بها أي بالأمور الثلاثة أو بالنبوة هؤلاء يعني أهل مكة ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أي ليسوا كافرين بها ومن توكيلهم بها ~~أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ~~ويتعهده ويحافظ عليه. ومن القوم؟ قيل: كل مؤمن وقيل: أهل المدينة وهم ~~الأنصار. # وقيل: هم والمهاجرون. وقال الحسن: هم الأنبياء الذين تقدم ذكرهم واختاره ~~الزجاج لقوله عقيب ذلك أولئك الذين هدى الله وقال أبو رجاء: يعني الملائكة ~~وضعف بأن اسم القوم قلما يقع على غير بني آدم. وفي الآية دلالة على أنه ~~تعالى سينصر نبيه ويظاهر دين الإسلام على كل الأديان وقد وقع ما وعد وكان ~~إخبارا بالغيب فصح إعجاز القرآن. وفيها استدلال للأشاعرة على أنه تعالى خلق ~~قوما للإيمان ولو كان خلق الكل للإيمان والبيان والتمكين وفعل الألطاف ~~مشتركا بين الكل لم يصح هذا التخصيص. أجاب الكعبي بأنه زاد المؤمنين من ~~الألطاف ما لا يحصيه إلا الله، وبتقدير أن يستوي فإذا لم ينتفع به الكافر ~~صح بحسب الظاهر أن يقال إنه لم يحصل له تلك الألطاف. ورد بأن الألطاف ~~الداعية إلى الإيمان مشترك فيها بين الكافر والمؤمن، وبأن الوالد لما سوى ~~بين الولدين في العطية ثم إن أحدهما ضيع نصيبه فأي عاقل يجوز أن يقول أحد ~~إن الأب ما أنعم عليه وما أعطاه شيئا فبهداهم اقتده من حذف الهاء في الوصل ~~فعلى الأصل، ومن أثبتها في الوصل كما في الوقف أراد موافقة المصحف فإن ~~الهاء ثابتة في الخط فكره مخالفة الخط في الحالين. وأما قراءة ابن عامر ~~بكسر الهاء بغير إشباع فقال أبو بكر بن مجاهد: إنها غلط. وقال أبو علي ~~الفارسي: # ليست بغلط ووجهها أن يجعل الهاء كناية عن ms1812 المصدر الدال عليه الفعل. ~~والتقدير: فبهداهم اقتد الاقتداء. وتقديم المفعول للاختصاص أي لا تقتد إلا ~~بهم. ولا خلاف في أنه أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بالأنبياء ~~المذكورين. إنما الكلام في تفسير الهدى. فمن الناس من قال: المراد الذي ~~أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات ~~والصفات والأفعال. وقال آخرون: المراد به الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما ~~خصه الدليل، وعلى هذا فيلزمنا شرع من قبلنا، وقيل: اللفظ مطلق فيحمل على ~~الكل إلا ما خصه الدليل المفصل. وقال القاضي: هذا بعيد لأن شرائعهم مختلفة ~~متناقضة ولا يمكن الإتيان بالأمور المتناقضة معا، ولأن الهدى عبارة عن ~~الدليل دون نفس العمل، ودليل إثبات شرعهم كان مخصوصا بتلك الأوقات، ولأن ~~منصبهم يلزم أن يكون أجل من منصبه وأنه باطل بالإجماع، وأجيب بأن العام يجب ~~تخصيصه في الصورة المتناقضة فيبقى فيما عداها حجة، وبأن # PageV03P114 # المستدل بالدليل فصل في ذلك الحكم فلا معنى للاقتداء بالدليل إلا إذا كان ~~فعل الأول سببا لوجوب الفعل على الثاني، وبأنه يلزم أن يكون منصبه أجل من ~~منصبهم لأنه أمر باستجماع خصال الكمال وصفات الشرف التي كانت متفرقة فيها ~~كالشكر في داود وسليمان، والصبر في أيوب، والزهد في زكريا ويحيى وعيسى، ~~والصدق في إسماعيل، والتضرع في يونس، والمعجزات الباهرة في موسى وهارون، ~~ولهذا # قال «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي» . # ولما أمره بالاقتداء بالأنبياء وكان من جملة هداهم أن لا يطلبوا الأجر أي ~~المال والجعل في إيصال الدين وإبلاغ الشريعة قيل له: قل لا أسئلكم أيها ~~الأمة عليه على البلاغ أجرا إن هو يعني القرآن إلا ذكرى للعالمين يريد كونه ~~مشتملا على كل ما يحتاجون إليه في المعاش والمعاد. وفيه دليل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الناس كافة لا إلى قوم دون قوم. ### | التأويل: # ومما رفعنا به درجات إبراهيم أنا وهبنا له إسحق ويعقوب. ولعله أفرد ذكر ~~إسماعيل لمكان محمد صلى الله عليه وسلم وآله كيلا ms1813 يقع ذكره تبعا لموهبة ~~إبراهيم، فإن الكائنات تبيع لوجود محمد صلى الله عليه وسلم وآله، ومن ~~آبائهم إلى آدم ومن ذرياتهم إلى محمد واجتبيناهم في الأزل لهذا الشأن ~~وهديناهم إلى الأبد ولو أشركوا بأن لاحظوا غيرنا فأثبتوا شيئا من دوننا ~~ونسبوا شيئا من الحوادث إلى غير قدرتنا، أو لم يبدلوا أنانيتهم في هويتنا ~~لحبط عنهم ما كانوا يعملون لتلاشي عرفانهم وتلف ما سلف من إحسانهم فبهداهم ~~اقتده لأنهم سلكوا حتى انتهى مسير كل منهم إلى ما قدر له: آدم في السماء ~~الدنيا، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، ~~وهارون في الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وجميع الملائكة ~~المقربين إلى سدرة المنتهى، وأنت محمد إلى مقام قاب قوسين أو أدنى قل لا ~~أسئلكم أيها الأنبياء على الاقتداء أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ليعلموا ~~أن الطريق إلى الله لا يسلك إلا بالاقتداء، أو لا أسئلكم أيها الأمة على ~~دعوتكم إلى الحق أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين من الله وبه وإليه وهو ~~المستعان. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 100] # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون ~~كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون (91) وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ~~ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون (92) ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون (93) ولقد جئتمونا فرادى كما ~~خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين ~~زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ms1814 تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (94) إن ~~الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله ~~فأنى تؤفكون (95) # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز ~~العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ~~ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون (98) وهو الذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل ~~من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ~~انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون (99) وجعلوا ~~لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما ~~يصفون (100) # PageV03P115 ### | القراآت: # يجعلونه يبدونها ويخفون بياءات الغيبة: أبو عمرو وابن كثير، الباقون: على ~~الخطاب ولينذر بياء الغيبة: أبو بكر وحماد. الباقون: بتاء الخطاب بينكم ~~بفتح النون: أبو جعفر ونافع وعلي وحفص والمفضل. الباقون: بالرفع وجعل الليل ~~على لفظ المضي ونصب الليل عاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون وجاعل الليل على ~~لفظ اسم الفاعل وبالإضافة وجنات بالرفع: الأعشى والبرجمي الباقون: بالنصب ~~فمستقر بكسر القاف: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب. الباقون: بالفتح ثمره ~~بضمتين: حمزة وعلي وخلف وكذلك في آخر السورة ويس. الباقون: بفتحتين وخرقوا ~~بالتشديد: أبو جعفر ونافع. الباقون: بالتخفيف. ### | الوقوف: # من شيء ط كثيرا ط لمن قرأ يجعلونه بياء الغيبة. ومن قرأ بالتاء فوقفه ~~حائز لانتهاء الاستفهام مع اتفاق الخطاب على تقدير وقد علمتم آباؤكم ط قل ~~الله ط لأن قوله ذرهم معطوف على قل يلعبون ه ومن حولها ط يحافظون ه أنزل ~~الله ط أيديهم ج لاتساق الكلام معنى مع تقدير # PageV03P116 # حذف أي يقولون أخرجوا أنفسكم ط لأن المراد من اليوم يوم القيامة تستكبرون ~~ه ظهوركم ج لاتحاد القول. والوقف أوضح لابتداء النفي وانقطاع النظم شركاء ط ~~تزعمون ه والنوى ط من الحي ط تؤفكون ه ms1815 فالق الإصباح ج لمن قرأ وجعل لانقطاع ~~النظم واتصال المعنى على تقدير فلق وجعل، أو وقد جعل وعامل الحال معنى ~~الفعل في فالق حسبانا ط العليم ه والبحر ط يعلمون ه ومستودع ط يفقهون ه ماء ~~ج للعدول مع اتحاد المقصود متراكبا ط ومن قرأ وجنات بالرفع فللعطف على ~~قنوان لفظا فيلزمه وقفه على دانية وإلا فليعطف ويفهم أن جنات من جملة ~~النخل، ومن خفض فوقفه على متراكبا جائز للعطف على قوله خضرا مع وقوع العارض ~~وغير متشابه ط وينعه ط يؤمنون ه بغير علم ط يصفون ه. ### | التفسير: # اعلم أن مدار القرآن على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد. فبعد ذكر دليل ~~التوحيد وإبطال الشرك شرع في تقرير أمر النبوة فقال وما قدروا الله حق قدره ~~قال ابن عباس: أي ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أنكروا النبوة والرسالة. ~~وقال أيضا في رواية: ما آمنوا بأن الله على كل شيء قدير. وقال أبو العالية: ~~ما وصفوه حق صفته. وقال الأخفش: # ما عرفوه حق معرفته أي في اللطف بأوليائه أو في القهر لأعدائه، وقال ~~الجوهري: قدر الشيء مبلغه وقدرت الشيء أقدره وأقدره قدرا من التقدير أي ~~حرره وعرف مقداره. ثم بين سبب عدم عرفانه بقوله إذ قالوا ما أنزل الله على ~~بشر من شيء وإنما كان منكر البعث والرسالة غير عارف بالله تعالى، لأنه إما ~~أن يدعي أنه تعالى ما كلف أحدا من الخلائق تكليفا أصلا وهو باطل لأنه فتح ~~باب المنكرات والقبائح بأسرها، وإما أن يسلم أنه تعالى كلف الخلق بالأوامر ~~والنواهي ولكن لا على ألسنة الرسل وهذا أيضا جهل. فإن قيل: لم لا يجوز أن ~~يكون العقل كافيا في إيجاب الواجبات وحظر المنكرات؟ فالجواب هب أن الأمر ~~كذلك إلا أنه لا يمتنع تأكيد التصريف العقلي بل يجب تفصيل ذلك المجمل ~~بالتعريفات المشروحة على ألسنة الرسل، لأن أكثر العقول قاصرة عن إدراك ~~مدارك الأحكام الشرعية كما أن نور البصر قاصر عن إدراك المبصرات إلا إذا ~~أعين بنور من خارج كنور الشمس ms1816 أو السراج. # وأيضا تفويض مصالح العباد إلى مقتضى عقولهم يؤدي إلى التنازع والتشاجر ~~لتصادم الأهواء وتناقض الآراء فلا بد من أن يتفقوا على واحد يصدرون عن ~~رأيه، وتعيين ذلك الواحد من الخلق ترجيح بلا مرجح وإشراف على الضلال ~~لاحتمال الخطأ في اجتهادهم، فلعل الخير في نظرهم يكون شرا في نفس الأمر ~~فلزم أن يكون التعيين من الله سبحانه بكونه أعرف # PageV03P117 # بالبواطن كقوله الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وإنما يعرف ذلك ~~المعين بظهور المعجزة على وفق دعواه تصديقا له، ومن أنكر ذلك ولم يجوز خرق ~~العادة فقد وصف الله تعالى بالعجز ونقصان القدرة. وقد طعن بعض الملحدة في ~~الآية بأن هؤلاء القائلين إن كانوا كفار قريش أو البراهمة فهم ينكرون رسالة ~~كل الأنبياء كما ينكرون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن إبطال ~~قولهم بقوله قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى على أن قوله تجعلونه ~~قراطيس بتاء الخطاب إنما يليق باليهود وإن كانوا أهل الكتاب فهم لا يقولون ~~ما أنزل الله على بشر من شيء، بل يقرون بنزول التوراة على موسى والإنجيل ~~على عيسى. وأيضا الأكثرون اتفقوا على أن السورة مكية وأنها نزلت دفعة واحدة ~~ومناظرات اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله كانت مدنية، فكيف ~~يمكن حمل الآية على تلك المناظرة؟ # والجواب أنهم إن كانوا كفار قريش فإنهم كانوا مختلطين باليهود والنصارى ~~وكانوا قد سمعوا من الفريقين على سبيل التواتر ظهور المعجزات على يد موسى ~~كالعصا وفلق البحر وإظلال الجبل وغيرها وكان جاريا مجرى ما يوجب عليهم ~~الاعتراف بنبوة موسى، وعلى هذا لا يبعد إيراد نبوة موسى إلزاما لهم في ~~قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء ولما كان كفار قريش مع اليهود والنصارى ~~متشاركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وآله لم يبعد أن يكون ~~الكلام الواحد خطأ بالكفار قريش أولا ولأهل الكتاب آخرا وأما إن كانوا أهل ~~الكتاب- وهو المشهور عند الجمهور- فالوجه ما # روي عن ابن عباس أن مالك بن ms1817 الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم وكان رجلا ~~سمينا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وآله: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن ~~الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك ~~اليهود. فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من ~~شيء. فقال له قومه: ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال: إنه أغضبني. # ثم إن اليهود لأجل هذا الكلام عزلوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. فلعل ~~مالك بن الصيف لما تأذى من الكلام المذكور طعن في نبوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وإنه ما أنزل عليه من شيء البتة فأمر بأن يقول في جوابه من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى أي لما سلمت أن الله تعالى أنزل الوحي والتنزيل ~~على بشر وهو موسى فكيف يمكنك أن تقطع بأنه ما أنزل علي شيئا غاية ما في ~~الباب أن تطالبني بالمعجز. والحاصل أنهم قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال ~~القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فألزموا ما لا بد لهم من الإقرار ~~به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم بالتحريف وإبداء ~~بعض وإخفاء بعض. وقيل: اللفظ وإن كان مطلقا بحسب اللغة إلا أنه مقيد بحسب ~~العرف بتلك الواقعة، فكأنه قال: ما أنزل الله على بشر من شيء في أنه يبغض ~~الحبر السمين، وهذا كما إذا أرادت المرأة أن تخرج من الدار فغضب الزوج # PageV03P118 # وقال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فإن كثيرا من الفقهاء قالوا: التعليق ~~مقيد بتلك المرة حتى لو خرجت مرة أخرى لم تطلق. ويرد على هذا التوجيه أن ~~قوله من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى لا يكون مبطلا لكلام الخصم. أما قوله ~~«إن السورة مكية والمناظرات مدنية» فأجيب عنه بأن السورة مكية إلا هذه ~~الآية فإنها نزلت بالمدينة في هذه الواقعة والله أعلم. # ومن الأحكام المستنبطة من الآية أن ms1818 قوله وما قدروا الله حق قدره يفيد أن ~~عقول الخلق قاصرة عن كنه معرفة الله تعالى وإن كانوا مقرين بالنبوة ~~والرسالة لإطلاق قوله في موضع آخر وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته [الزمر: 67] ومنها أن النكرة في سياق النفي تعم وإلا لم يكن قوله من ~~أنزل مبطلا لقوله ما أنزل الله على بشر من شيء ومنها أن النقض يقدح في صحة ~~الكلام وإلا لم يكن في قوله من أنزل حجة. # ويعلم منه أن قول من يقول إبداء الفارق بين الصورتين يمنع من كون النقض ~~مبطلا ضعيف وإلا بطلت حجة الله تعالى في هذه الآية، فإن لليهود حينئذ أن ~~تقول: معجزات موسى كانت أظهر وأبهر من معجزاتك فلا يلزم نبوتك. ومنها أن ~~الغزالي رحمه الله تكلف وقال: حاصل الآية يرجع إلى أن موسى أنزل الله عليه ~~شيئا، وأحد من البر ما أنزل الله عليه شيئا فينتج من الشكل الثاني أن موسى ~~ما كان من البشر وهذا خلف محال، وليس هذه الاستحالة بحسب شكل القياس ولا ~~بحسب صحة المقدمة الأولى فلم يبق إلا أنه لزم من فرض صحة المقدمة الثانية ~~وهي قولهم ما أنزل الله على بشر من شيء فوجب القول بكونها كاذبة فثبت أن ~~دلالة هذه الآية على المطلوب إنما تصح عند الاعتراف بصحة الشكل الثاني، ~~وعند الاعتراف بصحة قياس الخلف. ثم اعلم أنه سبحانه وصف كتاب موسى بكونه ~~نورا وهدى للناس والعطف يقتضي المغايرة. فالمراد بالنور ظهوره في نفسه، ~~وبالهدى كونه سببا لظهور غيره كقوله في وصف القرآن ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشاء من عبادنا [الشورى: 52] قال أبو علي الفارسي تجعلونه قراطيس أي ~~ذات قراطيس أي يودعونه إياها. فإن قيل: # إذا كان جميع الكتب كذلك فلم ذكر في معرض الذم؟ قلنا: لأنهم جعلوه قراطيس ~~مفرقة مبعضة ليتوسلوا بذلك إلى إبداء بعض وإخفاء بعض مما فيه نعت محمد صلى ~~الله عليه وسلم، أو شيء من الأحكام التي لا توافق هواهم كالرجم وغيره ~~وعلمتم أيها اليهود على لسان ms1819 محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم أن هذا القرآن يقص على بنى ~~إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، وقيل: كانوا يقرؤن الآيات المشتملة على ~~نعت محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفقهون معانيها إلى أن بعث الله ~~محمدا، فظهر أن المراد منها هو البشارة # PageV03P119 # بمقدمه، وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش كقوله لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم ~~[يس: 6] قل الله أي أنزله الله فإنهم لا يقدرون على أن ينكروا ذلك فإن ~~العقل السليم والطبع المستقيم يشهد بأن الكتاب الموصوف المؤيد قول صاحبه ~~بالمعجزات الباهرة لا يكون إلا من الله سبحانه. ونظيره قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله [الأنعام: 19] والمقصود أنه بلغت هذه الدلالة إلى حيث يجب ~~على كل عاقل أن يعترف بها، فسواء أقر الخصم به أو لم يقر فالغرض حاصل. ثم ~~ذرهم في خوضهم يلعبون يقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب ~~ويلعبون حال من ذرهم أو من خوضهم ويحتمل أن يكون في خوضهم حالا من يلعبون ~~وأن يكون صلة له أو ل ذرهم. والمعنى أنك إذا أقمت الحجة عليهم وبلغت في ~~الأعذار والإنذار هذا المبلغ العظيم فقد قضيت ما عليك كقوله إن عليك إلا ~~البلاغ [الشورى: 48] قيل: إنها منسوخة بآية السيف وفيه نظر لأنه مذكور لأجل ~~التهديد فلم يكن نزول آية القتال رافعا لشيء من مدلولات هذه الآية. ثم لما ~~ذكر حال التوراة أعقبه بذكر القرآن فقال وهذا كتاب أنزلناه وفائدة هذا ~~الوصف أنه كان من الممكن أن يظن أن محمدا مخصوص من الله بعلوم كثيرة يتمكن ~~بسببها من تركيب القرآن على هذا النسق من الفصاحة، فنفى ذلك الوهم وبين أن ~~الله هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل عليه السلام مبارك كثير ~~خيره دائم نفعه باعث على الخيرات زاجر عن المنكرات لما فيه من أصول العلوم ~~النظرية والعملية. وقد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه والمتمسك به يفوز ~~بعز ms1820 في الدنيا وسعادة في الآخرة وقد جرب فوجد كذلك. مصدق الذي بين يديه أي ~~موافق لما قبله من الكتب الإلهية. أما في الأصول فلأنه يمتنع وقوع التفاوت ~~فيها بحسب الأزمنة والأمكنة، وأما في الفروع فلأنها مشتملة على التبشير ~~بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم. # ويحصل منه أن التكاليف الموجودة فيها إنما تبقى إلى وقت ظهوره ثم تصير ~~منسوخة ولتنذر من قرأ بتاء الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فلأنه أسند ~~الإنذار إلى الكتاب مجازا لأنه سبب الإنذار إنما أنذركم بالوحي [الأنبياء: ~~45] وهو معطوف على ما دل عليه سائر الأوصاف كأنه قيل: أنزلناه للبركة ~~ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار، قال ابن عباس: سميت مكة أم القرى لأن ~~الأرضين دحيت من تحتها. وقال أبو بكر الأصم: # لأنها قبلة أهل الدنيا فصارت هي كالأصل وسائر البلاد تبعا، وأيضا الناس ~~يجتمعون إليها للحج وللتجارة كما يجتمع الأولاد إلى الأم. وقيل: لأن الكعبة ~~أول بيت وضع للناس. # وقيل: إن مكة أول بلدة في الأرض ولا بد من تقدير مضاف محذوف أي أهل أم ~~القرى ومن حولها. قيل: المراد أهل جزيرة العرب فاستدل اليهود بذلك على أنه ~~مبعوث إلى العرب فقط. وأجيب بأن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على نفي ~~ما عداها لا سيما وقد # PageV03P120 # ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى العالمين. ويحتمل أن يقال: ما ~~حوالي مكة يتناول جميع البلاد والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به أي بهذا ~~الكتاب لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. ~~وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير قاعدة البعث والقيامة مثل محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا ~~يعتقدون البعث والحشر وهم على صلاتهم يحافظون يعني أن الإيمان بالآخرة كما ~~أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على محافظة ~~الصلوات. # وخص الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين وسنام الطاعات كاد المحافظ عليها أن ~~يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها. ms1821 # ثم ذكر ما يدل على وعيد من ادعى النبوة وإنزال الكتاب عليه فرية وامتراء ~~فقال ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا قال المفسرون: نزلت في الكذابين ~~مسيلمة الحنفي والأسود العنسي. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ~~ذهب فكبرا علي وأهماني. فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني ~~فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء ~~الأسود العنسي «1» » . # أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء كان مسيلمة يقول: محمد صلى الله عليه ~~وسلم وآله رسول الله في بني قريش، وأنا رسول الله في بني حنيفة. واعلم أن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من نسب إلى الله تعالى ما هو بريء ~~منه إما في الذات وإما في الصفات وإما في الأفعال كان داخلا تحت هذا الوعيد ~~ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله قال المفسرون: هو النضر بن الحرث كان يدعي ~~معارضة القرآن وهو قوله لو نشاء لقلنا مثل هذا [الأنفال: 31] # وروي أيضا أن عبد الله بن سعد أبي سرح القرشي كان يكتب الوحي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان إذا تلا عليه «سميعا عليما» كتب هو «عليما حكيما» ~~وإذا قال «عليما حكيما» كتب «غفورا رحيما» فلما نزل ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين [المؤمنون: 12] أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما وصل ~~إلى قوله أنشأناه خلقا آخر عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال: تبارك ~~الله أحسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبها فكذلك نزلت، فشك ~~عبد الله وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا لقد أوحي إلي كما ~~أوحي إليه، وإن كان كاذبا لقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة. ~~فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان- وكان أخاه من ~~الرضاعة- فغيبه عنده حتى اطمأن أهل PageV03P121 # مكة، ثم أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمن له. # ثم فصل ما أجمل ms1822 من الوعيد فقال ولو ترى الآية. وجوابه محذوف أي لرأي يا ~~إنسان أمرا عظيما إذ الظالمون يعني الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة. ~~فاللام للعهد، ويحتمل أن تكون للجنس فيندرج هؤلاء فيه. وغمرات الموت شدائده ~~وسكراته. وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة والملائكة ~~باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم قيل: إنه لا قدرة لهم على إخراج أرواحهم من ~~أجسادهم فما الفائدة في هذا الخطاب؟ وأجيب بوجوه منها: أن المراد ولو ترى ~~الظالمين إذا صاروا إلى غمرات الموت في الآخرة إذا ما دخلوا جهنم، وغمرات ~~الموت عبارة عما يصيبهم هناك من أنواع الشدائد والتعذيبات والملائكة باسطوا ~~أيديهم بالعذاب يكلمونهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد إن ~~قدرتم. ومنها ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت عند نزول الموت بهم في ~~الدنيا والملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم يقولون لهم أخرجوا أنفسكم من ~~هذه الشدائد وخلصوها من هذه الآفات والآلام، ومنها هاتوا أرواحكم وأخرجوها ~~إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير ~~تنفيس وإمهال، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من ~~عليه الحق ويقول: أخرج إلي مالي عليك ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك. ~~ومنها أنه ليس بأمر وإنما هو وعيد وتقريع كقول القائل: امض الآن لترى ما ~~يحل بك، والتحقيق أن نفس المؤمن حال النزع تنبسط في الخروج إلى لقاء ربه، ~~ونفس الكافر تكره ذلك ويشق عليها الخروج، وقطع التعلق لأنها تصير إلى ~~العذاب وإليه الإشارة # في الحديث «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله ~~لقاءه» «1» # فهؤلاء الكفار يكرههم الملائكة على نزع الروح وعلى فراق المألوف. وفي ~~الآية دلالة على أن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل المحسوس، لأن ~~المخرج يجب أن يكون مغايرا للمخرج منه اليوم يريد وقت الإماتة أو الوقت ~~الممتد الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة تجزون عذاب الهون كقولك ~~«رجل سوء» بالإضافة لأن العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة ms1823 بالإهانة كما أن ~~الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم، والتركيب يدور على قلة ~~المبالاة بالشيء ومنه الهون بالفتح السكينة والوقار، وهان عليه الشيء أي ~~حقر، وأهانه استخف به، والاسم الهون بالضم والهوان والمهانة. PageV03P122 # والحاصل أنه جمع لهم بين الأمرين الإيلام والإهانة بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون يعني أن هذا العذاب الشديد إنما حصل ~~بمجموع الأمرين: # الافتراء على الله والتكبر على آيات الله وهو عدم الإيمان بها. قال ~~الواحدي وكنتم عن آياته تستكبرون أي لا تصلون له # لقوله صلى الله عليه وسلم «من سجد لله سجدة واحدة بنية صادقة فقد برىء من ~~الكبر» . # ولقد جئتمونا يحتمل أن يكون معطوفا على قول الملائكة أخرجوا أنفسكم اليوم ~~تجزون ثم الملائكة إما الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم، وإما الملائكة ~~الموكلون بعذابهم، ويحتمل أن يكون القائل هو الله تعالى إن جوزنا أنه يتكلم ~~مع الكفار فرادى جمع ينون ولا ينون واحده. قيل: فرد على غير قياس. وقيل: ~~فردان كسكارى وسكران قاله ابن قتيبة. وقيل: فريد كرديف وردا في وهم الحداة ~~والأعوان لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر كما خلقناكم أي على الهيئة التي ~~ولدتم عليها في الانفراد، أو مجيئا مثل خلقنا لكم. # أول مرة والمراد التوبيخ والتقريع لأنهم بذلوا جهدهم وصرفوا كدهم في ~~الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما المال والجاه، والثاني أنهم عبدوا الأصنام ~~وجعلوها شركاء لله فيهم فقلبوا القضية وتركوا الحقيقة، وذلك أن النفس ~~الإنسانية إنما تعلقت بالجسد ليكون البدن آلة لها في اكتساب المعارف الحقة ~~والأخلاق الفاضلة، فإذا فارقت البدن ولم يحصل لها هذان المطلبان عظم ~~خسرانها وطال حرمانها فاستحق التوبيخ بقوله ولقد جئتمونا فرادى أي منفردين ~~عما يجب من الأعمال والعقائد. ثم إنها مع ذلك اكتسبت أشياء قد علق الرجاء ~~بها لأنه أفنى العمر في تحصيلها وأنها ليست مما يبقى معها فلا جرم استحق ~~التقريع بقوله وتركتم ما خولناكم أي أعطينا وتفضلنا به عليكم وراء ظهوركم ~~يعني أنها كالشيء الذي يبقى وراء ظهر الإنسان فلن يمكنه ms1824 الانتفاع به وربما ~~بقي معوج الرأس بسبب التفاته إليه وما نرى معكم شفعاءكم أي ليسوا معكم حتى ~~يروا، أو ليسوا معكم بالشفاعة والنصرة كما زعمتم بدليل قوله لقد تقطع بينكم ~~الآية. من قرأ بالنصب على الظرف فمعناه وقع التقطع بينكم كقوله وتقطعت بهم ~~الأسباب [البقرة: 166] يقال: جمع بين الشيئين أي وقع الجمع بينهما على ~~إسناد الفعل إلى مصدره. وقيل: المراد لقد تقطع وصلكم بينكم كقولهم إذا كان ~~غدا فأتني أي إذا كان الرجاء أو البلاء غدا فأتني فأضمر لدلالة الحال، ومن ~~قرأ بالرفع فلأنه أسند الفعل إلى الظرف اتساعا كما تقول: قوتل خلفكم ~~وأمامكم، أو لأن المراد بالبين الوصل وإنما حسن استعماله في معنى الوصلة مع ~~أن أصله الافتراق والتباين لأنه يستعمل في الشيئين اللذين بينهما مشاركة ~~ومواصلة من بعض الوجوه # PageV03P123 # كقولهم: بيني وبينه مشاركة وبيني وبينه رحم. والمعنى لقد تقطع وصلكم. ~~قلت: ويحتمل أن يكون البين بمعنى الافتراق ويفيد المبالغة كقولهم: جد جده. ~~فإذن العاقل من يكسب الزاد ليوم المعاد حتى لا يوبخ بقوله ولقد جئتمونا ~~فرادى ويصرف المال في وجوه التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله حتى لا ~~يخاطب بقوله وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم بل يكون من زمرة وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله [المزمل: # 20] كيلا تطول حسرته يوم ينقطع بين النفس والجسد وصله. ثم إنه سبحانه لما ~~فرغ من تقرير التوحيد والنبوة والمعاد عاد إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود ~~الصانع وكمال قدرته لتعلم أن حاصل المباحث العقلية والنقلية إنما هو معرفة ~~ذات الله وصفاته وأفعاله فقال إن الله فالق الحب والنوى أي بالنبات والشجر. ~~وعن مجاهد أراد الشقين اللذين في الحنطة والنواة، والفلق هو الشق. وعن ابن ~~عباس والضحاك: الفلق هو الخلق. ووجه بأن العقل يتصور من العدم ظلمة متصلة ~~لا انفراج فيها ولا انشقاق، فإخراج الشيء من العدم إلى الوجود شق لذلك ~~العدم وفلق بحسب التخيل والتعقل. واعلم أنه إذا وقعت الحبة والنواة في ~~الأرض الرطبة ثم مر بها قدر من ms1825 المدة أظهر الله في أعلاها شقا ومن أسفلها ~~شقا، أما العالي فيخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما السافل فإنه ~~يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وهاهنا عجائب ~~منها: أن طبيعة الشجرة إن كانت تقتضي الهوي في الأرض فكيف تولدت منها ~~الشجرة الصاعدة إلى الهواء وبالعكس. # فاتصال الشجرتين على التبادل ليس بمقتضى الطبع والخاصية بل بمقتضى إرادة ~~الموجد المختار. ومنها أن باطن الأرض جسم صلب كثيف لا تنفذ فيه المسلة ولا ~~السكين، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق مع غاية نعومتها تقوى على النفوذ ~~والغوص في جرم الأرض، فحصول هذه القوة الشديدة للجرم الضعيف ليس إلا بتقدير ~~العزيز العليم. ومنها أنه يتولد من النواة شجرة ويحصل من الشجرة أغصان ~~وأوراق وأزهار وأثمار، وللثمر قشر أعلى وقشر أسفل وفيه اللب، وفي اللب ~~الدهن الذي هو المقصود الأصلي فتولد هذه الأجرام المختلفة في طبائعها ~~وصفاتها وألوانها وطعومها وأشكالها مع تساوي تأثيرات النجوم والطبائع في ~~المادة الواحدة يدل على وجود الفاعل المختار. ومنها أنك قد تجد الطبائع ~~الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فالأترج قشره حار يابس ولحمه بارد رطب، ~~وحماضه بارد يابس وبزره حار يابس، وكذلك العنب قشره وعجمه بارد يابس وماؤه ~~ولحمه حار رطب. ومنها أنك تجد أحوال الفواكه مختلفة، فبعضها يكون لبه في ~~الداخل وقشره في الخارج كالجوز واللوز، وبعضها يكون فاكهته المطلوبة في ~~الخارج والخشبة في الداخل كالخوخ والمشمش، وبعضها يكون لنواها لب كالخوخ ~~وقد لا يكون كالتمر، وبعض الفواكه # PageV03P124 # يكون كله مطلوبا كالتين. فهذه الأحوال المختلفة والأشكال المتخالفة. ~~تتضمن حكما وفوائد لا يعلمها إلا مبدعها. ومنها أنك إذا أخذت ورقة واحدة من ~~أوراق الشجرة وجدت في وسطها خطا واحدا مستقيما يشبه النخاع في بدن الإنسان ~~ولا يزال يستدق حتى يخرج عن إدراك الحس، ثم ينفصل عن ذلك الخط خطوط دقاق ~~أصغر من الأول، فكأنه سبحانه أوجد ذلك لتقوى به الجاذبة المركوزة في جرم ~~تلك الورقة على جذب الأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة. فإذا ms1826 ~~وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في ~~إيجاد جملة تلك الشجرة أكثر، وعلمت أن عنايته بتخليق الحيوان الذي خلق ~~النبات لأجله يكون أكمل، وكذا عنايته بحال الإنسان الذي خلق لأجله النبات ~~والحيوان ويصير ذلك مرقاة لك إلى وجود الصانع الخبير الحكيم القدير. # ثم بين كونه فالق الحب والنوى بقوله يخرج الحي من الميت لأن فلق الحب ~~والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت، لأن النامي في ~~حكم الحيوان ولهذا قال يحي الأرض بعد موتها [الحديد: 17] ثم عطف على قوله ~~فالق الحب قوله ومخرج الميت من الحي قال ابن عباس: أخرج من النطفة بشرا حيا ~~ثم يخرج من البشر الحي نطفة، أو يخرج من البيض دجاجة ومن الدجاجة بيضا، أو ~~يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم، والكافر من المؤمن كنوح وابنه، ~~أو المطيع من العاصي والعاصي من المطيع، أو العالم من الجاهل والجاهل من ~~العالم، أو الكامل من الناقص والناقص من الكامل، وقد يجعل الضار نافعا ~~وبالعكس. يحكى أن إنسانا سقى الأفيون في الشراب ليموت فلما تناوله ظن القوم ~~أنه سيموت فرفعوه وجعلوه في بيت مظلم فلدغته حية وصارت تلك اللدغة لقوة ~~حرارة سم الحية سببا لدفع ضرر برد الأفيون. ونقل عن عبد القاهر الجرجاني أن ~~قوله ومخرج الميت معطوف على قوله يخرج وإنما حسن عطف الاسم على الفعل ~~هاهنا، لأن لفظ الفعل يدل على اعتناء الفاعل بذلك الفعل في كل وقت بخلاف ~~لفظ الاسم ولهذا قال هل من خالق غير الله يرزقكم [فاطر: 3] ليفيد أنه ~~يرزقهم حالا فحالا وساعة فساعة إذا ثبت هذا فنقول الحي أشرف من الميت، ~~فذكره بلفظ الفعل فيدل على أن الاعتناء بإخراج الحي من الميت أكثر من العكس ~~ذلكم الله المدبر الخالق النافع الضار المحيي المميت فأنى تؤفكون فكيف ~~تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره، أم كيف تستبعدون البعث والنشور لأن ~~الإعادة أهون من الإبداء؟ ثم عدل عن الأحوال الأرضية إلى الاستدلال بما ~~فوقها وهي ms1827 الأحوال الفلكية فقال فالق الإصباح وهو مصدر سمي به الصبح، ~~المراد فالق ظلمة الإصباح وهو الغبش في آخر الليل وكأن الأفق كان بحرا ~~مملوءا # PageV03P125 # من الظلمة. ثم إنه سبحانه شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى فيه جدولا من ~~النور. فالمعنى فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح، وحسن الحذف للعلم به. أو ~~المراد فالق الإصباح ببياض النهار وإسفاره ومنه قولهم «انشق عمود الفجر ~~وانصدع الفجر» أو المراد مظهر الإصباح بواسطة فلق الظلمة، فذكر السبب وأراد ~~المسبب، أو الفالق بمعنى الخالق كما مر وقد سلف لنا تقرير الصبح في البقرة ~~في تفسير قوله عز من قائل إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~[البقرة: 164] ثم إن كون الصبح بسبب وقوع ضوء الشمس على ضلع مخروط ظل الأرض ~~في جانبه الشرقي لا ينافي كون الله سبحانه فالق الإصباح بالحقيقة، كما أن ~~وجود النهار بسبب طلوع جرم الشمس عن الأفق لا ينافي ذلك، والإمام فخر الدين ~~الرازي أراد أن يبين أن ذلك بقدرة الفاعل المختار فنفى كونه بسبب ضوء الشمس ~~بحجج اخترعها من عنده وكلها خلاف المعقول والمنقول من علم الرياضة فلذلك ~~أسقطناها عن درجة الاعتبار. النوع الثاني من الدلائل الفلكية الدالة على ~~التوحيد قوله وجاعل الليل سكنا حجة من قرأ باسم الفاعل أن المعطوف عليه اسم ~~فاعل، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله بعد ذلك والشمس والقمر منصوبان ولا ~~بد من عامل وما ذلك إلا أن يقدر «جاعل» بمعنى «جعل» . والسكن ما يسكن إليه ~~الرجل ويطمئن إليه من زوج أو حبيب ومنه قيل للنار: سكن كما سموها المؤنسة ~~لأنها يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه. ~~ويحتمل أن يراد: وجعل الليل مسكونا فيه كما قال لتسكنوا فيه [يونس: 67] ~~فالليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم، فهما نعمتان من الله تعالى ~~وآيتان على وحدته وقدرته. النوع الثالث قوله والشمس والقمر حسبانا أي سببي ~~حسبان لأن حساب الأوقات يعلم بسيرهما ودورهما. والحسبان بالضم مصدر حسب ~~بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر ms1828 حسب بالكسر. وقيل: إنه جمع حساب مثل ~~«شهاب» «وشهبان» . # قال في الكشاف: الشمس والقمر قرئا بالحركات الثلاث. فالنصب على إضمار فعل ~~دل عليه جاعل الليل أو يعطفان على محل الليل لأن اسم الفاعل أريد به هاهنا ~~الاستمرار كما تقول: الله عالم قادر. فلا تقصد زمانا دون زمان فتكون ~~الإضافة غير حقيقية ويكون لليل محل. قلت: وهذا مناقض لما ذكره في مالك يوم ~~الدين [الفاتحة: 3] من أنه يجوز أن يراد به زمان مستمر حتى تكون الإضافة ~~حقيقية، ويصح وقوعه صفة للمعرفة. وأما وجه الجر فظاهر. ووجه الرفع كونهما ~~مبتدأين محذوفي الخبر أي والشمس والقمر مجعولان أو محسوبان حسبانا وذلك ~~الجعل تقدير العزيز الذي قهرهما العليم الذي دبرهما. # وذلك أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيآتها المحدودة وأوضاعها ~~المعينة لا يتم إلا بقدرة شاملة لجميع الممكنات وعلم نافذ في الكليات ~~والجزئيات. النوع الرابع قوله # PageV03P126 # وهو الذي جعل لكم النجوم عد هاهنا من منافع النجوم كونها سببا للاهتداء ~~إلى الطرق والمسالك في ظلمات البر والبحر حيث لا يرون شمسا ولا قمرا. ~~والتقدير في ظلمات الليل بالبر والبحر فأضافها إليهما لملابستها لهما. ~~وقيل: المراد ظلمات بر التعطيل وبحر التشبيه فإن اختصاص كل من هذه الكواكب ~~بحال وصفة أخرى مع تشاركها في الجسمية دليل ظاهر على مختار قادر. وأيضا ~~اتصافها بالأعضاء والأبعاض والحدود والأحياز مع أنها لا تصلح للإلهية ~~بالاتفاق دليل على تنزيه الله سبحانه من هذه السمات ولهذا قال قد فصلنا ~~الآيات لقوم يعلمون فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى ~~الغائب. # ثم عدل عن الآيات الآفاقية إلى آيات الأنفس فقال وهو الذي أنشأكم أي ~~خلقكم بطريق النشؤ والنماء من نفس واحدة هي آدم وحواء مخلوقة من ضلع من ~~أضلاعه، وكذا عيسى لأنه من مريم وإن كان يتوسط كلمة «كن» أو بالنفخ وهي من ~~آدم فمستقر من قرأ بكسر القاف فالتقدير فمنكم مستقر ومنكم مستودع الأول اسم ~~فاعل والثاني اسم مفعول. ومن قرأ بفتح القاف فالتقدير: فلكم مستقر ولكم ~~مستودع. فيكون كلاهما اسمي ms1829 مكان أو مصدرا. وذلك أن استقر لازم فلا يجيء منه ~~المفعول به بلا واسطة فينبغي تفسير مستودع أيضا بما يشاكله استحسانا. وعن ~~ابن عباس: أن المستودع الصلب والمستقر الرحم لقوله ونقر في الأرحام ما نشاء ~~[الحج: 5] ولأن اللبث في الرحم أكثر فيكون لفظ القرار بذلك أنسب بخلاف ~~المستودع فإنه في معرض الاسترداد ساعة فساعة، وهذا شأن المني في الأصلاب ~~فإنه بصدد الإراقة في كل حين وأوان. وقيل: المستقر صلب الأب والمستودع ~~الرحم، لأن النطفة قد حصلت في صلب الأب أولا واستقرت هناك، ثم حصلت في ~~الرحم على سبيل الوديعة، ولأن هذا الترتيب يناسب تقديم المستقر على ~~المستودع. وعن الحسن: # المستقر حاله بعد الموت لأن سعادته وشقاوته تبقى وتستقر على حالة واحدة ~~والمستودع حاله قبل الموت، لأن الكافر قد ينقلب مؤمنا والفاسق صالحا ~~والوديعة على شرف الزوال والذهاب. وقال الأصم: المستقر الذي خلق من النفس ~~الأولى وحصل في الوجود والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وعنه أيضا ~~المستقر من في قرار الدنيا، والمستودع من في القبور إلى يوم البعث. وعن ~~قتادة بالعكس. وعن أبي مسلم الأصفهاني: المستقر الذكر لأن النطفة إنما ~~تستقر في صلبه، والمستودع الأنثى لأنها تستودع النطفة. وحاصل الكلام أن ~~الإنسان خلق من نفس واحدة ثم إنه يتقلب في الأطوار ويتردد في الأحوال، وليس ~~هذا بمقتضى الطبع والخاصية وإلا لتساوى الكل في الأخلاق والأمزجة فذلك إذن ~~بتدبير # PageV03P127 # فاعل قدير مختار خبير. ولهذا قال قد فصلنا الآيات ميزنا بعضها عن بعض ~~لقوم يفقهون لأن الفائدة تعود إليهم وإن كان الإرشاد عاما، ولأن آيات ~~الأنفس أقرب إلى الاعتبار وأهون لدى الاستبصار ختم هذه الآية بالفقه، وخصص ~~خاتمة الآية الأولى بالعلم ليعلم أن الغافل عن هذه لا فطنة له ولا ذكاء ~~أصلا فضلا عن العلم. ثم عدد ما كونه نعمة أبين فيه من كونه آية فقال وهو ~~الذي أنزل من السماء ماء قيل: أي من جانب السماء وقيل: أي من السحاب لأن ~~العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت. وقال أكثر ms1830 أهل الظاهر: أي من ~~السماء نفسها لأنه تعالى فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد. ~~ونحن قد حكينا في أول سورة البقرة مذهب الحكماء في هذا الباب والله تعالى ~~أعلم. قال ابن عباس: يريد بالماء هاهنا المطر، ولا تنزل قطرة من السماء إلا ~~ومعها ملك. # والفلاسفة يحملون ذلك على الطبيعة الحالة فيها الموجبة للنزول إلى ~~مركزها. فأخرجنا به أي بواسطة ذلك الماء وذلك يوجب الطبع والمتكلمون ~~ينكرونه نبات كل شيء قال الفراء: أي نبات كل شيء له نبات فيخصص بنبت كل صنف ~~من أصناف النامي ويخرج ما عدا ذلك. وفي الآية التفاتان: الأول من الحكاية ~~إلى الغيبة حيث لم يقل «نحن الذين أنزلنا» والثاني من الغيبة إلى الحكاية ~~وأنت خبير أن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب باب من أبواب البلاغة، وصيغة ~~الجمع لأجل التعظيم كما هو ديدن الملوك. ثم لما بين أن السبب وهو الماء ~~واحد والمسببات صنوف كثيرة فصل ذلك بعض التفصيل حسب ما ذكر في قوله إن الله ~~فالق الحب والنوى فقال فأخرجنا منه أي من النبات خضرا شيئا أخضر طريا وهو ~~ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة. نخرج منه أي من ذلك الخضر حبا ~~متراكبا بعضه على بعض. قال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة، ~~فأصل ذلك هو العود الأخضر وتكون السنبلة راكبة عليه من فوقه والحبات ~~متراكبة وفوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كالإبر. والمقصود من تخليقها أن ~~تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة. ولما ذكر ما نبت من الحب ~~أتبعه ذكر ما ينبت من النوى فقال ومن النخل وهو خبر وقوله من طلعها بدل منه ~~كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان أو الخبر محذوف لدلالة أخرجنا عليه. ~~والتقدير: ومخرجة من طلع النخل قنوان وهو جمع قنو كصنوان وصنو. والقنو ~~العذق وهو من التمر بمنزلة العنقود من العنب، والطلع أول ما يبدو من غذق ~~النخلة. قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية من ~~تحتها. # وعنه ms1831 أيضا أنه أراد عذوق النخلة اللاصقة بالأرض. قال الزجاج: ولم يقل ~~ومنها قنوان بعيدة لأن أحد القسمين يغني عن الآخر كما قال سرابيل تقيكم ~~الحر [النحل: 81] ويحتمل أن يقال: ترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل ~~وأتم. وقيل: أراد بكونها دانية أنها سهلة # PageV03P128 # المجتنى متعرضة للقاطف كالشيء الداني القريب المتناول، وأن النخلة وإن ~~كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتي بالثمر لا تنتظر الطول وجنات من أعناب ~~بالنصب عطفا على خضرا أي وأخرجنا به جنات من أعناب. ومن قرأ بالرفع فعلى ~~أنها مبتدأ محذوف الخبر أي وثم جنات من أعناب، أو وجنات من أعناب مخرجة، ~~ولا يجوز أن يكون عطفا على قنوان وإن جوزه في الكشاف، إذ يصير المعنى ~~وحاصلة أو مخرجة من النخل من طلعها جنات حصلت من أعناب. أما قوله والزيتون ~~والرمان بالنصب فللعطف على منصوبات قبلها أو للاختصاص لفضل هذين الصنفين. ~~قال الفراء: أراد شجر الزيتون وشجر الرمان فحذف المضاف. واعلم أنه سبحانه ~~قدم الزرع على الأشجار لأنه غذاء وثمار الأشجار فواكه والغذاء مقدم على ~~الفواكه، ثم قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يقوم مقام الغذاء ولا ~~سيما للعرب. ومن فضائلها أن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوانات مشابهات ~~كثيرة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من ~~بقية طينة آدم» ثم ذكر العنب عقيب النخل لأنه أشرف أنواع الفواكه وأنه ~~ينتفع به من أول ظهوره إلى آخر حاله. فأوله خيوط دقيقة حامضة الطعم لذيذة ~~وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه، ثم يظهر الحصرم وهو طعام شريف للأصحاء وللمرضى ~~من أصحاب الصفراء، ثم يتم العنب فيؤكل كما هو ويدخر ويتخذ منه الزبيب ~~والدبس والخمر والخل ومنافع كل منها لا تحصى، إلا أن الخمر حرمها الشرع ~~لإسكارها. وأخس ما في العنب عجمه والأطباء يتخذون منه جوارشنات نافعة ~~للمعدة الضعيفة الرطبة. ويتلو العنب في المنفعة الزيتون لأنه يمكن تناوله ~~كما هو، وينفصل منه الزيت الذي يعظم غناؤه، وأما الرمان فحاله عجيبة جدا ~~لأنه قشر وشحم وعجم ms1832 وماء. # والثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة قابضة عفصة، وأما ماء الرمان ~~فبالضد من هذه الصفات وأنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال ~~وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف وهو غذاء من وجه ~~ودواء من وجه، وكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين فيكون دلالة القدرة ~~والرحمة والحكمة فيه أكمل وأنواع النبات أكثر من أن يفي بشرحها المجلدات ~~فاكتفي بذكر هذه الأنواع الخمسة تنبيها على البواقي. وأما قوله مشتبها وغير ~~متشابه ففي تفسيره وجوه الأول أن هذه الفواكه تكون متشابهة في اللون والشكل ~~مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة، فإن الأعناب والرمان قد تكون متشابهة ~~في الصورة واللون والشكل ثم إنها تكون مختلفة في الحلاوة والحموضة وبالعكس. ~~الثاني أن أكثر الفواكه يكون ما فيها من القشر والعجم متشابها في الطعم ~~والخاصية، وأما ما فيها من اللحم والرطوبة فإنها تكون مختلفة، ومنهم من ~~يقول: الأشجار متشابهة والثمار مختلفة. ومنهم من قال: بعض حبات العنقود ~~متشابهة وبعضها غير متشابه وذلك أنك قد تأخذ العنقود من # PageV03P129 # العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة فإنها بقيت ~~على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة، ومعنى اشتبه وتشابه واحد يقال: ~~اشتبه الشيئان وتشابها كقولك: استويا وتساويا. وإنما قال مشتبها ولم يقل ~~«مشتبهين» إما اكتفاء بوصف أحدهما، أو على تقدير والزيتون مشتبها وغير ~~متشابه والرمان كذلك كقوله: # رماني بأمر كنت ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوي رماني # انظروا إلى ثمره من قرأ بفتحتين فلأنه جمع ثمرة مثل: بقر وبقرة، وشجر ~~وشجرة. ومن قرأ بضمتين فعلى أنه جمع ثمرة أيضا مثل: خشبة وخشب. قال تعالى ~~كأنهم خشب مسندة [المنافقون: 4] أو على أن ثمرة جمعت على ثمار ثم جمع ثمار ~~على ثمر إذا أثمر إذا أخرج ثمره وينعه يقال: ينعت الثمرة ينعا وينعا بالفتح ~~والضم إذا أدركت ونضجت. أمر بالنظر في حال ثمر كل شجرة أول حدوثها وفي آخر ~~حالها فإنها قد تكون موصوفة بالخضرة والحموضة ثم تصير إلى السواد والحلاوة، ~~وربما كانت أول ms1833 الأمر باردة بحسب الطبيعة ثم تصير حارة الطبع وقد يخرج ~~ضئيلا ضعيفا لا يكاد ينتفع به، ثم يؤل إلى كمال اللذة والمنفعة فحصول هذه ~~الانتقالات والتغيرات لا بد له من سبب مستقل في التأثير سوى الطبائع ~~والفصول والأفلاك والنجوم وما ذاك إلا السبب الأول ومبدع الكل، ولهذا ختم ~~الآية بقوله إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون قال القاضي: المراد لمن يطلب ~~الإيمان بالله لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن، ويحتمل أن يقال: خص المؤمنين ~~لأنهم المنتفعون بذلك دون غيرهم، أو المراد أن هذه الدلالة على قوتها ~~وظهورها دلالة لمن سبق قضاء الله تعالى في حقه بالإيمان وإلا فلا ينتفع به ~~البتة ويكون من زمرة من قال في حقهم وجعلوا لله شركاء الجن قال الكلبي: عن ~~ابن عباس نزلت في الزنادقة قالوا: # إن الله تعالى وإبليس أخوان، فالله خالق الناس والدواب والأنعام، وإبليس ~~خالق الحيات والسباع والعقارب. قال في التفسير الكبير: هذا مذهب المجوس ~~فإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة لأن ~~الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله يسمى بالزند والمنسوب ~~إليه زندي، ثم عرب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، ثم إنهم قالوا كل ما في ~~هذا العالم من الخيرات فهو من يزدان، وجميع ما فيه من الشرور فهو من أهرمن ~~وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن أهرمن محدث ~~ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة كقولهم إنه تعالى فكر في مملكة نفسه ~~واستعظمها ففعل نوعا من العجب فتولد الشيطان من ذلك العجب، وكقولهم شك في ~~قدرة # PageV03P130 # نفسه فتولد من شكه الشيطان. والأقلون منهم قالوا إنه قديم أزلي والحاصل ~~أنهم يقولون: # عسكر الله تعالى هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشياطين والملائكة فيهم ~~كثرة عظيمة وهم أرواح طاهرة مقدسة تلهم الأرواح البشرية الطاعات، والشياطين ~~فيهم أيضا كثرة عظيمة يلقون الوساوس إلى الأرواح البشرية، والله تعالى مع ~~عسكره يحاربون إبليس مع عسكره فلهذا السبب حكى الله تعالى عنهم أنهم ms1834 أثبتوا ~~لله شركاء من الجن بلفظ الجمع وإن كان شريكه عندهم بالحقيقة واحدا وهو ~~أهرمن. وانتصاب الجن على أنه بدل أو بيان لشركاء أو على أنه مفعول أول ل ~~جعلوا وشركاء ثانيه ويكون لله طرفا لغوا. وفائدة تقديم المفعول الثاني على ~~هذا القول استعظام أن يتخذ لله شريك كائنا من كان، ملكا أو جنيا أو إنسيا، ~~ولذلك قدم اسم الله على الشركاء. وقرىء الجن بالرفع كأنه قيل: من هم؟ # فقيل: الجن. وبالجر على الإضافة التي للتبيين. وقيل: إن الآية نزلت في ~~الكفار الذين جعلوا الملائكة بنات الله. وحسن إطلاق الجن على الملائكة ~~لاستتارهم عن العيون. ومعنى كونها شركاء أنها مدبرة لأحوال هذا العالم ~~ومعينة لله إعانة الولد للوالد. وعن الحسن وطائفة من المفسرين: أن المراد ~~أن الجن دعوا الكفار إلى عبادة الأصنام وإلى القول بالشركة فأطاعوهم كما ~~يطاع الله. أما قوله وخلقهم فإشارة إلى الدليل القاطع على إبطال الشريك. ~~والضمير فيه إما أن يعود إلى الجن أو إلى الجاعلين فإن عاد إلى الجن فإن ~~قلنا إن الآية نزلت في المجوس فتقريره أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ~~محدث ولو لم يعترفوا بذلك والبرهان العقلي قائم على أن ما سوى الحق الواحد ~~ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محدث، فنقول حينئذ، كل محدث مخلوق وله خالق ~~وما ذاك إلا الله سبحانه، وحينئذ يلزمهم نقض قولهم لأنه ثبت أن إله الخير ~~قد فعل أعظم الشرور وهو خلق إبليس الذي هو مادة كل شر. وإن قلنا: إنها نزلت ~~في كفار العرب القائلين الملائكة بنات الله، فظاهر لأنهم يسلمون أن ~~الملائكة مخلوقون وأنهم تولدوا منه تولد الولد من الوالد. وإن عاد الضمير ~~إلى الجاعلين فالمعنى: وعلموا أن الله خالقهم دون الجن كقوله ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] ولم يمنعهم علمهم أن ~~يتخذوا من لا يخلق شريكا للخالق. والجملة في موضع الحال أي وقد خلقهم. ~~وقرىء وخلقهم بسكون اللام أي اختلاقهم للإفك يعني جعلوا لله خلقهم حيث ~~نسبوا قبائحهم إلى الله ms1835 في قولهم والله أمرنا بها [الأعراف: 28] ثم حكي عن ~~قوم آخرين نوعا آخر من الإشراك فقال وخرقوا له بنين وبنات وذلك قول أهل ~~الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في الملائكة، ومن هنا يعلم ضعف قول من ~~قال وجعلوا لله شركاء الجن نزل في كفار قريش لأنه يلزم التكرار من غير ~~فائدة ظاهرة، يقال: خرق الإفك وخلقه واخترقه واختلقه # PageV03P131 # بمعنى. قال الحسن: كلمة عربية كان الرجل، إذا كذب كذبة في نادي القوم ~~يقول له بعضهم: قد خرقها والله أعلم. ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه ~~أي اشتقوا له بنين وبنات. أما قوله بغير علم فكالتنبيه على إبطال قولهم، ~~فإن من عرف الإله حق معرفته استحال أن يثبت له ولدا لأن ذلك الولد إن كان ~~واجب الوجود لذاته كان مستقلا بنفسه قائما بذاته لا تعلق له في وجوده ~~بالآخر تعلق الفرعية، وإن كان ممكن الوجود لذاته كان موجودا بإيجاد الواجب ~~وكان عبدا له لا ولدا. وأيضا الولد إنما يحتاج إليه ليقوم مقام الوالد بعد ~~فنائه ومن تقدس عن الفناء لم يحتج إلى الولد. وأيضا الولد جزء من أجزاء ~~الوالد ومن لم يكن مركبا استحال أن ينفصل منه جزء يتولد منه الولد. ثم نزه ~~نفسه عما لا يليق به فقال سبحانه وهذا على لسان المسبحين وتعالى عما يصفون ~~وهذا له في نفسه سواء سبحه مسبح أم لا. والمراد بالتعالي العلو بالشرف ~~والرفعة بدليل قوله عما يصفون. ### | التأويل: # وما قدروا الله حق قدره حين أنكروا إنزال الكتب والبعثة على أنهم لو ~~اعترفوا بذلك أيضا لم يعرفوه حق معرفته لأن المحاط لا يحيط بالمحيط. نعم ~~تزداد معرفته بازدياد معرفة أوصافه تجعلونه قراطيس أي في القراطيس، وما ~~يجعلونه في قلوبهم بالتخلق بأخلاقه وعلمتم بتعليم محمد صلى الله عليه وسلم ~~ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم كقوله ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون [البقرة: 151] ومن الحكمة ما هو سره الذي يكون تعليمه بسر ~~المتابعة سرا بسر وإضمارا بإضمار، والذي علم النبي هو ms1836 الله في خلوة ما سوى ~~الله ولهذا قال قل الله مبارك على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم، وعلى الخواص ~~بأن يهديهم إلى ربهم، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم ~~بأخلاقه، وفي كتاب المحبوب شفاء لما في القلوب مصدق الذي بين يديه لأنه ~~يصدق حقائق جميع ما في الكتب ولتنذر أم القرى وهي الذرة المودعة في القلب ~~التي هي المخاطب في الميثاق وقد دحيت جميع أرض القلب من تحتها ومن حولها من ~~الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوروا ~~بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه. والذين يؤمنون بالآخرة ~~فيستعملون الأدوات والآلات في أمور الدنيا والآخرة لا في الدنيا الفانية ~~وشهوات النفس وهواها يؤمنون بالقرآن وهم على صلاتهم بالترقي من صفاتهم إلى ~~التخلق بأخلاق القرآن يداومون، فإن الصلاة معراج المؤمن ومن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا بإظهار المواجد والحالات رياء ومراء من غير أن يكون له منها ~~نصيب، أو قال أوحي إلي الإشارات ولم يلهم نفسه شيئا منها، ومن قال متشدقا ~~متفيهقا سأتكلم بمثل كلام الله من الحقائق والأسرار فتظهر مضرة ظلمه ~~وافترائه عند # PageV03P132 # سكرات الموت، وانقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس عن القالب كرها ~~لتعلقها بالشهوات واللذات وطلب الرياسات، ويكون شدة النزع والهوان بحسب ~~التعلقات ولقد جئتمونا فرادى عن الدنيا وما يتعلق بها، أو فرادى عن تعلقات ~~الكونين كما خلقناكم أول مرة في أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب. وتركتم ~~بالتجريد عن الدنيا وبالتفريد عن الدنيا والآخرة ما خولناكم من تعلق ~~الكونين وراء ظهوركم وما نرى معكم الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم ~~إلى الله لقد تقطع بينكم وبينها عند انتهاء سيركم كما انتهى سير جبريل عند ~~سدرة المنتهى، وحينئذ لا يصل إلى الوحدة إلا بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: ~~28] ولو لم تدركه الجذبة المسندة إلى العناية لانقطع عن السير في الله ~~بالله ونفى السدرة وهو يقول وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] إن ~~الله فالق حبة الذرة التي أخذ منها الميثاق المودعة في حبة ms1837 القلب عن نبات ~~المحبة، وفالق النوى ذكر لا إله إلا الله في أرض القلب عن شجرة الإيمان، ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة يخرج نبات المحبة التي هي من صفات الحي القيوم من ~~الذرة الميتة الإنسانية، ومخرج الأفعال الطبيعية التي هي من صفات الكفار ~~الموتى من المؤمن الحق في الدارين. وأيضا يخرج نخل الإيمان الحق من نوى ~~الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله، ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية ~~وهي لا إله إلا الله فالق الإصباح فالق ظلمة الجمادية بصباح العقل والحياة ~~والرشاد، وفالق ظلمة الجهالة بصباح الفهم والإدراك، وفالق ظلمات العالم ~~الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صحبة عالم الأفلاك، وفالق ظلمات ~~الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات ~~والمبدعات. وبالجملة فالق أنوار الروح عن ظلمة ليل البشرية، وجاعل ليل ~~البشرية سترا عن ضياء شمس الروح ليسكن فيه النفس الحيوانية والأوصاف ~~البشرية والشمس والقمر حسبانا يعني تجلي شمس الروحانية وطلوع قمر القلب ~~بالحساب لئلا يفسد أمر القلب والقالب. وأيضا تجلى شمس الربوبية وطلوع قمر ~~الروحانية لليل البشرية بالحساب لئلا يفسد أمر الدين والدنيا على العبد ~~بالتفريط والإفراط، فإن إفراط طلوع شموس المعارف والشهود آفة «أنا الحق ~~وسبحاني» وفي تفريطه آفة أنا ربكم الأعلى وعبادة الهوى. ذلك تقدير العزيز ~~الذي لا يهتدى إليه إلا به العليم بمن يستحق الاهتداء إليه وهو الذي جعل ~~لكم النجوم نجوم أنوار الغيوب في سموات القلوب لتهتدوا بها في ظلمات بر ~~البشرية وبحر الروحانية إلى عالم الربوبية. وهو الذي أنشأكم أرواحكم # من روح واحد هو روح محمد صلى الله عليه وسلم # «أول ما خلق الله روحي كما خلق أجسادكم من جسد واحد هو جسد آدم أبي ~~البشر» # فمن الأرواح ما تعلق بالأجساد واستقر وما هو بعد # PageV03P133 # مستودع في عالم الأرواح. وأيضا من الأرواح ما هو مستقر فيه نور صفة ~~الإيمان وما هو مستودع فيه جذبات الحق، ومنها ما هو مستقر في أنانيته مع ~~علو رتبته بالبقاء وما هو مستودع أنانيته بالفناء، وما هو ms1838 مستقر ببقاء الحق ~~باق وما هو مستودع في بقاء البقاء عن الفناء قد فصلنا دلالات الوصول في ~~الوصال لقوم يفقهون إشارات القلوب وهو الذي أنزل من سماء العناية ماء ~~الهداية فأخرجنا به نبات كل شيء من أنواع المعارف فأخرجنا منه خضرا طريا من ~~المعاني والأسرار يخرج به من الحقائق ما تركب بعضها بعضها فترتب بعضها على ~~بعض ومن النخل يعني أصحاب الولايات من طلعها من ثمرات ولايتهم ما هو متدان ~~للطالبين أي منهم من يكون مرئيا فينتفع بثمرات ولايته، ومنهم من يختار ~~العزلة والانقطاع عن المريدين. وجنات يريد أرباب الزهد والتقوى والفتوة ~~الذين لم يبلغوا رتبة الولاية من أعناب الاجتهاد وزيتون الأصول ورمان ~~الفروع مشتبها أي متفقا في الأصول والفروع وغير متشابه أي مختلفا فيما بين ~~العلماء انظروا إلى ثمر الولايات كيف ينتفع به الخواص والعوام وينعه أي ~~الكامل منها. إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون بأحوالهم وينتفعون بأموالهم ~~وأحوالهم. وجعلوا لله إشارة إلى أنه كما يخرج بماء اللطف من أرض القلوب ~~لأربابها أنواع الكمالات كذلك يخرج بماء القهر من أرض النفوس لأصحابها ~~أنواع الضلالات. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 101 الى 110] # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو ~~على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير (103) قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما ~~أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم ~~يعلمون (105) # اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء ~~الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا ~~تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل ~~أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون (108) وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ms1839 الله وما ~~يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم ~~يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون (110) ### | القراآت: # ولم يكن بياء الغيبة: قتيبة درست بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ~~دارست بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو. والباقون بتاء الخطاب ~~درست من الدرس. عدوا على فعول بالضم: يعقوب. الباقون عدوا # PageV03P134 # على فعل. أنها إذا جاءت بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف ~~وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد. الباقون: بالفتح. لا تؤمنون بتاء الخطاب: ابن ~~عامر وحمزة. # الباقون: على الغيبة. ### | الوقوف: # والأرض ط صاحبة ط كل شيء ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف عليهم ط ربكم ~~ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة إلا هو ط لأن قوله ~~خالق بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف فاعبدوه ط لاحتمال الواو ~~الحال والاستئناف وكيل ه لا تدركه الأبصار ج لاختلاف الجملتين مع أن ~~الثانية من تمام المقصود يدرك الأبصار ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي ~~يدرك الأبصار لطيفا خبيرا. الخبير ه من ربكم ط لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب فلنفسه ط كذلك مع الواو. فعليها ط بحفيظ ه يعلمون ه من ربك ط ~~لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة إلا هو ط للعطف مع ~~العارض المشركين ه ما أشركوا ط حفيظا ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ~~بوكيل ه بغير علم ط يعملون ه ليؤمنن بها ط وما يشعركم ط لمن قرأ أنها بكسر ~~الألف. لا يؤمنون ه يعمهون ه. ### | التفسير: # لما نبه إجمالا بقوله بغير علم على الدليل الدال على إبطال قول من خرق له ~~بنين وبنات، فصل ذلك بقوله بديع السماوات والأرض الآية. والمراد هو بديع ~~السموات، ويجوز أن يكون بديع مبتدأ والجملة بعده خبره. وتقرير الدليل أنكم ~~إما أن تريدوا بكون عيسى ولدا له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غير تقدم ~~نطفة ولا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعا ~~لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما ms1840 أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في ~~الحيوانات وهذا أيضا محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من ~~جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم ~~الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة ~~واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار الى هذا بقوله أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة وأيضا الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق ~~الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون فذلك ~~في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله خلق كل شيء وأيضا هذا الولد لا يكون ~~أزليا وإلا كان واجبا لذاته غنيا عن غيره فبقي أن يكون حادثا فنقول: إنه ~~تعالى عالم بكل المعلومات أزلا وأبدا كما قال وهو بكل شيء عليم فإن كان قد ~~علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالا أو نفعا أو لذة لتعلقت # PageV03P135 # إرادته بإيجاده في الأزل دفعا لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزليا ~~على تقدير كونه حادثا هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن ~~الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ذلكم ~~الله فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع ~~لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره. وإنما قال هاهنا لا إله إلا هو خالق ~~كل شيء وفي «المؤمن» بالعكس لأنه وقع هاهنا بعد ذكر الشركاء والبنين ~~والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان ~~تقديم الخالقية أهم. ثم قال فاعبدوه وهو مسبب عن مضمون الجملة المتقدمة ~~يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقا بالعبادة وهو مع تلك الصفات ~~على كل شيء وكيل يحفظه ويرزقه ويراقبه. قال في التفسير الكبير: إنه سبحانه ~~أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكا وهذا القدر لا ~~يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق ms1841 منها: أن الدليل قد ~~دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي ~~من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما ~~محال فلم يبق إلا الاكتفاء بواحد وهو المطلوب. ومنها أنا لو قدرنا إلهين ~~قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار ~~كونه فاعلا لذلك الفعل مانعا للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل ~~واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية. ~~ومنها أنا لو فرضنا إلها ثانيا فكان إما أن يكون الثاني مشاركا للأول في ~~جميع صفات الكمال أو لا. وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم ~~يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال ~~مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن ~~لم يكن الثاني مشاركا للأول في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه ~~الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم. # قالت الأشاعرة: عموم قوله خالق كل شيء يدل على أنه خالق أفعال العباد. ~~وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق ~~الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا. وأيضا احتج كثير ~~من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق. أما الثاني فلأن ~~القرآن شيء فيدخل تحت العموم. وأما الأول فلأن الصفات لو كانت موجودة له ~~تعالى لزم أن تكون مخلوقة له. وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ~~ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقا لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضا نخصصه ~~بحسب الصفات وبحسب القرآن. وأما الفرق بين قوله وخلق # PageV03P136 # كل شيء # وقوله خالق كل شيء فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول ~~الأوقات كلها على سبيل الاستمرار. ثم بين أن شيئا من القوى المدركة لا يحيط ~~بحقيقته وأن عقلا من العقول لا يقف ms1842 على كنه صمديته فقال لا تدركه الأبصار ~~هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته تعالى. قالوا: ~~الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما ~~رأيته متناقضان. ثم إن قوله لا تدركه الأبصار يقتضي أنه لا يراه شيء من ~~الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء. # وأيضا أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحا ولم ~~يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصا كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: ~~255] لم يلد ولم يولد [الصمد: 3] فوجب كون الرؤية نقصا في حقه تعالى. وإنما ~~قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في ~~قوله وما ربك بظلام للعبيد [فصلت: # 46] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم. وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر ~~عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه قال أصحاب ~~موسى إنا لمدركون [الشعراء: 61] أي لملحقون وقوله تعالى حتى إذا أدركه ~~الغرق [يونس: 90] أي لحقه. وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت. ~~وإذ قد ثبت ذلك فنقول: # الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة. ولا يلزم من نفي ~~الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية. سلمنا أن إدراك ~~البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله لا تدركه الأبصار لا يفيد إلا نفي العموم ~~وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا. وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي ~~العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق ~~أيضا. فقوله لا تدركه الأبصار يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تدركه ~~إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه ~~جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد ~~أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمدا ما آمن به كل الناس فإنه يفيد ~~أنه آمن به بعض الناس، سلمنا ms1843 أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول ~~إدراك الله تعالى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة كما هو مذهب ~~ضرار بن عمرو الكوفي. أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن ~~المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو ~~لم يكن الله تعالى جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله لا تدركه الأبصار وإنما ~~يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته. ثم إنه تعالى يحجب الأبصار عن رؤيته ~~لغاية جلاله ونهاية جماله. والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا ~~يكون موجبا # PageV03P137 # للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلا على حصول صفة ثابتة من ~~صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم ~~[البقرة: 255] فإنه لا يفيد المدح نظرا إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضا لا ~~تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري تعالى يدل على كونه عالما ~~بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال. فقوله لا تدركه الأبصار يمتنع أن ~~يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادرا على حجب ~~الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم ~~لأنها أفادت أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته. ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب ~~القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز ~~الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا ~~القول يبقى الأول حقا لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل ~~به أحد وهذا استدلال لطيف. ثم إن القاضي استدل هاهنا على نفي الرؤية بوجوه ~~أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول. فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان ~~المرئي حاضرا وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة- وهو أن لا يحصل القرب القريب ~~والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلا أو في حكم المقابل- فإنه ~~يجب حصول الرؤية وإلا لجاز ms1844 أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا ~~نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد ~~والحجاب والمقابلة في حقه تعالى ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول ~~تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان ~~حاصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ~~ممتنعة في نفسها. وأجيب بأن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ~~ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه. وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة ~~لرآه أهل النار أيضا لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه تعالى. # وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يخلق الله تعالى الرؤية في عيون أهل الجنة ولا ~~يخلقها في عيون أهل النار؟ وثالثها أن كل ما كان مرئيا كان مقابلا أو في ~~حكم المقابل، والله تعالى منزه عن ذلك. وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين ~~الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصا بمكان وجهة هل ~~يجوز رؤيته أم لا. ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند ~~الجماع لأن القرب والبعد عليه تعالى محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ~~ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة. وأجيب بأنهم لعلهم ~~يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع. # (في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية) : منها هذه الآية كما بينا. ~~ومنها أن موسى # PageV03P138 # عليه السلام طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها. ومنها أنه تعالى علق الرؤية ~~على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز. ومنها قوله للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة [الكهف: # 110] قد اتفق الجمهور على أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله فسر الحسنى ~~بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله فمن كان يرجوا لقاء ربه [الكهف: 11] ~~ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله كانت لهم جنات الفردوس ~~نزلا [الكهف: 107] والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس ~~لا يكون إلا اللقاء. ومنها قوله ولقد ms1845 رآه نزلة أخرى [النجم: 13] وسوف يأتي ~~في سورة النجم إن شاء الله تعالى. ومنها قوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة [القيامة: 22، 23] ومنها قوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ~~[المطففين: 15] فيكون المؤمنون غير محجوبين. ومنها قوله فيها ما تشتهيه ~~الأنفس [الزخرف: 71] ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله ~~على أكمل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان. ومنها قوله وإذا رأيت ثم ~~رأيت نعيما وملكا كبيرا [الدهر: # 20] فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام. وأما الأخبار فكثيرة منها: # الحديث المشهور «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في ~~رؤيته» «1» # والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي ~~بالمرئي. ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم وآله هل ~~رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب فدل ذلك على ~~أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية. أما قوله تعالى وهو يدرك الأبصار ففيه ~~دليل على أنه سبحانه مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم ~~بعوارضها وذاتياتها. ثم قال وهو اللطيف الخبير وليس المراد باللطافة ضد ~~الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في ~~تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ ~~الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها. أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة ~~لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم. أو الغرض أنه يثني عليهم ~~بالطاعة ولا يقطع مواد إحسانه عنهم بالمعصية. أو المراد أنه يلطف عن أن ~~يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير ~~أمر الدعوة والرسالة فقال قد جاءكم بصائر أي موجباتها والبصيرة للقلب ~~بمنزلة البصر للعين. فمن أبصر الحق وآمن فلنفسه أبصر PageV03P139 # وإياها نفع. ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر. قالت المعتزلة: فيه ~~تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك. وعورض بالعلم والداعي وما ~~أنا عليكم بحفيظ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله ms1846 هو ~~الحفيظ عليكم. ثم حكى شبه المنكرين بقوله وكذلك أي مثل ذلك التقرير البليغ ~~نصرف الآيات نأتي بها متواترة حالا بعد حال وليقولوا عطف على محذوف أي ~~لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها. ومعنى ~~درست قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ دارست أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك ~~وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة. وأما قراءة ابن عامر درست فهي من الدروس ~~بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من ~~جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: # التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلله بكثرة ~~القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق «دريس» ، لأنه قد لان فكأنه تعالى ذكر الوجه ~~الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله وليقولوا دارست والثاني قوله ~~ولنبينه أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بين أن الحكمة في هذا التصريف أن ~~يظهر منه البيان والعلم والضمير في لنبينه للآيات لأنها في معنى القرآن، أو ~~يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر ~~الفعل نحو: ضربته زيدا أي ضربت الضرب زيدا. وأما الأول فقد أورد عليه أن ~~قولهم للرسول دارست كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر ~~والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه ~~الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفرا على كفر، ونبينه ~~لبعض فيزدادوا إيمانا على إيمان كقوله يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~[البقرة: 26] وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات ~~محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله يبين الله لكم أن ~~تضلوا [النساء: 176] أي لئلا تضلوا. أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل ~~الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون ~~حجة. وأيضا إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجما فنجما هو الذي أوقع ~~الشبهة للقوم في أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما ms1847 أتى بالقرآن على سبيل ~~المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه ~~القرآن جملة واحدة. فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن ~~يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضا حمل اللام على لام ~~العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى. # ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى ~~أنه دارس # PageV03P140 # أقواما واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآنا وادعى أنه نزل عليه من ~~الله أتبعه قوله اتبع ما أوحي إليك من ربك لئلا يصير ذلك القول سببا لفتوره ~~في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه ~~بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله لا إله ~~إلا هو على أنه سبحانه لما كان واحدا في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز ~~الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين. ثم ختم الآية بقوله ~~وأعرض عن المشركين وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال. وضعف بأن ~~المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى ~~الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ. ولو شاء الله ~~ما أشركوا مذهب الأشاعرة فيه ظاهر. وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء ~~والقسر. وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه ~~أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه تعالى لما علم أن ذلك لا يقع ولا ~~يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من ~~العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن ~~الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلئ فإنك لا تجدها واكتف ~~بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام ~~بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل. ثم ختم ~~الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول صلى الله عليه ms1848 وسلم وآله، وذلك أنه بين له ~~قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظا ولا وكيلا عليهم وإنما فوض إليه ~~الإبلاغ والإنذار. ثم إنهم لما نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه ~~جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك ~~فيسبوا آلهتهم نهى الله تعالى عن ذلك فقال ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ~~ينبغي من القول. وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك ~~أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة ~~والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء. قال ابن عباس: لما نزل إنكم وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] قال المشركون: لئن لم تنته عن سب ~~آلهتنا وعيبها لنهجون إلهك فنزلت. # وقال السدي: لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا ~~الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول ~~العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن ~~الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن ~~البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا # PageV03P141 # وسيدنا، وأن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر ~~آلهتنا ولندعه وإلهه. فدعاه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وآله فقال له ~~أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ~~تريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك. فقال أبو طالب: # قد أنصفك قومك وبنو عمك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن ~~أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها ~~العجم؟ قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟ قال: قولوا ~~لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: # قل غيرها يا ابن ms1849 أخي فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: يا عم ما أنا بالذي ~~أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها. فقالوا: لتكفن ~~عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فكيف يتصور ~~إقدامهم على شتم الله؟ وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلا بالدهر ونفي الصانع ~~فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وآله فأجرى الله تعالى شتمه مجرى شتم الله كما في قوله إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله [الفتح: 10] أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن ~~الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآله. وهاهنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات ~~فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنه؟ والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة ~~إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكرا وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان ~~يستلزم إقدامهم على شتم الله سبحانه وشتم رسول وفتح باب السفاهة ويقتضي ~~تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم. وفيه أن الأمر ~~بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى ~~إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب. وفيه تأديب لمن ~~يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها ~~جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى ~~شتمها، يقال: عدا فلان عدوا وعدوانا وعداء إذا ظلم ظلما يتجاوز القدر. قال ~~الزجاج عدوا منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدوا وقرىء عدوا بفتح العين ~~والتشديد أي في حال كونهم أعداء. ومعنى بغير علم على جهالة بالله وبما يجب ~~أن يذكر به وكذلك أي مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة عملهم قالت الأشاعرة: ~~فيه دلالة على أنه تعالى هو ms1850 الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي ~~المعصية، وزيفه الكعبي بقوله تعالى وزين لهم الشيطان أعمالهم [النمل: 24] ~~[العنكبوت: 38] وبقوله والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت [البقرة: 257] فإذا ~~المراد أنه تعالى زين لهم ما # PageV03P142 # لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار ~~عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا ~~الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم إن الله أمرنا بهذا وزينه ~~لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله تعالى كذلك زينا بعد ~~قوله فيسبوا الله مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله ~~تعالى. وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا ~~وجهلا والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيمانا وعلما ~~وحقا وصدقا، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب ~~الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله تعالى ~~فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيمانا والجهل علما. قال: وأقسموا بالله ~~جهد أيمانهم والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره ~~فليس من جنس المعجزات البتة، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينة ~~قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام. قال الواحدي: # إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ~~ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام ~~إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين. # عن محمد بن كعب قال: كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله قريش ~~فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن صالحا كانت له ناقة، فأتنا ~~ببعض تلك الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء ~~تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. قال: فإن فعلت تصدقوني؟ ms1851 ~~قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون. فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهبا ولكن لم ~~أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتركهم حتى يتوب تائبهم وأنزل الله ~~الآيات إلى قوله ولكن أكثرهم يجهلون # قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه. وقال الزجاج: ~~معناه بالغوا في الأيمان. والمراد بقوله لئن جاءتهم آية ما روينا من جعل ~~الصفا ذهبا. وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا [الإسراء: 90] الآيات. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم وآله يخبرهم ~~بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا ~~مثلها. قل إنما الآيات عند الله أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات ~~لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، أو المراد بالعندية هو العلم ~~بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي # PageV03P143 # إيمانهم أم لا كقوله وعنده مفاتح الغيب [الأنعام: 59] أو المراد أنها وإن ~~كانت معدومة في الحال إلا أنه تعالى متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في ~~طلبها كقوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه [الحجر: 21] وما يشعركم ما ~~استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ أنها بكسر الهمزة على الابتداء- وهي ~~القراءة الجيدة- فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا ~~تحسن لأنها تصير عذرا للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل ~~هو أنه يفعل. فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ~~ويصير هذا الكلام عذرا لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ~~ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: «أن» بمعنى «لعل» تقول العرب: ائت ~~السوق أنك تشتري لنا شيأ أي لعلك. ويقوي هذا الوجه قراءة أبي لعلها إذا ~~جاءت لا ms1852 يؤمنون وثانيها «أن» تجعل «لا» صلة كما في قوله ما منعك ألا تسجد ~~[الأعراف: 12] وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون [الأنبياء: 95] ~~وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون ~~مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم ~~لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون. وأما من قرأ لا تؤمنون بتاء ~~الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار. قال القاضي والجبائي: في الآية ~~دلالة على أنه تعالى يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في ~~المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة ~~بأنهم لا يؤمنون وجه. وأيضا لو كان الإيمان بخلق الله تعالى ولم يكن لفعل ~~الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر. ~~وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به ~~لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ونقلب أفئدتهم وأبصارهم تدل ~~على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره. ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو ~~أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق ~~الرسول إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا ~~على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات. والتقليب تحريك الشيء عن وجهه، # وكان صلى الله عليه وسلم وآله يقول «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي ~~على دينك» «1» # والمراد أنه تعالى يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر ~~وبالعكس. وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي ~~والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل ~~PageV03P144 # أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب. قال ~~الجبائي: # المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم. ~~وزيف بأن قوله ونذرهم إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم. وقال ~~الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا ms1853 لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين ~~من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم. وضعف بأنه ~~إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو ~~الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله ~~ونقلب وقال القاضي: القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب ~~والتبديل في الدلائل. واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة ~~إلى حالة. أما قوله كما لم يؤمنوا به أول مرة فقال الواحدي: فيه حذف ~~والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني ~~أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره. والكناية في به إما عائدة ~~إلى القرآن، أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم وآله، أو إلى ما طلبوا من ~~الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم عقوبة لهم. قال الجبائي: ونذرهم أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ~~ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك ~~من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم. وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من ~~الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى. ### | التأويل: # قد جاءكم بصائر دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل ~~بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه فإن الله غني عن ~~العالمين ومن عمي فبالعكس. ولا تسبوا الذين يدعون لا تخاطبوا أهل الضلال ~~على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار ~~الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة. وأقسموا بالله ~~حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، ~~وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ونقلب أفئدتهم عن الآخرة ~~إلى الدنيا وأبصارهم عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم ~~يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟ قالوا بلى. # تم الجزء السابع ويليه الجزء الثامن وأوله ولو أننا نزلنا ms1854 إليهم الملائكة # PageV03P145 # بسم الله الرحمن الجزء الثامن من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 111 الى 121] # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو ~~شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) أفغير الله أبتغي ~~حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ~~لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115) # وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم ~~إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (117) ~~فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) وما لكم ألا ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) ~~وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ~~(120) # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) ### | القراآت: # قبلا بكسر القاف وفتح الباء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون: # بضمتين. منزل بالتشديد: ابن عامر وحفص والمفضل. كلمة ربك عاصم وحمزة وعلي ~~وخلف وسهل ويعقوب. الباقون كلمات من يضل من الإضلال: الأصبهاني عن نصير، ~~فصل على البناء للفاعل وحرم على البناء للمفعول: حمزة وخلف وعاصم غير حفص ~~والمفضل، وقرأ أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وحفص جميعا بالفتح، الباقون: على ~~البناء للمفعول فيهما ليضلون بضم الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف، الباقون: ~~بالفتح. ### | الوقوف: # يجهلون ه غرورا ط يفترون ه مفصلا ط الممترين ه # PageV03P146 # وعدلا ط لكلماته ج لابتداء الضمير المنفصل مع ms1855 احتمال الواو الحال أي لا ~~تبديل لكلماته وهو يسمع ويعلم، العليم ه عن سبيل الله ط يخرصون ه عن سبيله ~~ج بالمهتدين ه مؤمنين ه إليه ط بغير علم ط بالمعتدين ه وباطنه ط يقترفون ه ~~لفسق ط ليجادلوكم ج لمشركون ه. ### | التفسير: # هذا شروع في تفصيل ما أجمله قوله أنها إذا جاءت لا يؤمنون [الأنعام: # 109] وكان المستهزءون بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي ~~بن وائل السهمي والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب والحرث بن ~~حنظلة، أتوا الرسول صلى الله عليه وآله في رهط من أهل مكة فقالوا: أرنا ~~الملائكة يشهدون بأنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ابعث لنا بعض ~~موتانا حتى نسألهم أحق ما تقول أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا أي ~~كفيلا على ما تدعيه، فنفى الله تعالى عنهم الإيمان وإن أوتوا هذه ~~المقترحات. قال أبو زيد: يقال لقيت فلانا قبلا وقبلا ومقابلة كلها بمعنى ~~واحد وهو المواجهة رواه الواحدي، وقال أبو عبيدة والفراء والزجاج: قبلا ~~بكسر القاف معناه معاينة. # روي عن أبي ذر قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله: أكان آدم نبيا؟ قال: ~~نعم، كان نبيا كلمه الله تعالى قبلا، # وأما قبلا بضمتين فقيل: إنه جمع قبيل ومعناه الجماعة تكون من الثلاثة ~~فصاعدا من قوم شتى مثل الروم والزنج والعرب ولهذا قال الأخفش في تفسيره أي ~~قبيلا قبيلا. أو معناه الكفيل والعريف من قبل به يقبل قبالة، والمعنى لو ~~حشرنا عليهم كل شيء فكفلوا بصحة ما يقول ما آمنوا، وموضع الإعجاز فيه أن ~~الأشياء المحشورة منها ما ينطق ومنها ما لا ينطق، ومنها حي ومنها ميت، فإذا ~~حشرها الله تعالى على اختلاف طبائعها مجتمعة في موقف واحد ثم أنطقها ~~وأطبقوا على قبول هذه الكفالة كان ذلك من أعظم المعجزات، أما قوله تعالى: ~~ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله إيمانهم، فقد قالت الأشاعرة: فلما لم ~~يؤمنوا دل على أنه تعالى ما شاء إيمانهم، وقالت المعتزلة: لو لم يرد منهم ~~الإيمان ms1856 لما وجب عليهم الإيمان كما لو لم يأمرهم به لم يجب، ولو أراد الكفر ~~من الكافر لكان الكافر في كفره مطيعا لله لأنه لا معنى للطاعة إلا فعل ~~المراد، ولو جاز من الله تعالى أن يريد الكفر لجاز أن يأمر به، ولجاز أن ~~يأمرنا بأن نريد الكفر. فالمراد من الآية أنه شاء من الكل الإيمان ~~الاختياري وما شاء الإيمان القهري. والمعنى: ما كانوا ليؤمنوا إيمانا ~~اختياريا إلا أن يشاء الله مشيئة إكراه واضطرار فحينئذ يؤمنون، وزيف بأن ~~الاختيار لا بد معه من حصول داعية يترجح بها أحد طرفي الممكن، ولا تحصل تلك ~~الداعية إلا بتخليق الله تعالى فكأنه لا اختيار. قال الجبائي: قوله: إلا أن ~~يشاء الله يدل على حدوث المشيئة إذ لو كانت قديمة وهي الشرط لزم من حصولها ~~حصول المشروط. وأجيب بأنها قديمة إلا أن # PageV03P147 # تعلقها بأحداث المحدث في الحال إضافة حادثة. ثم ختم الآية بقوله: ولكن ~~أكثرهم يجهلون قالت الأشاعرة: أي لا يعلمون أن الكل بقضاء الله وبقدره. ~~وقالت المعتزلة: # إنهم لا يدرون أنهم يبقون كفارا عند ظهور الآية التي طلبوها والمعجزات ~~التي اقترحوها فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم، ~~أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في ~~إيمانهم الاختياري بمجيء الآيات المقترحات. # ثم قال: وكذلك قيل: إنه منسوق على قوله: كذلك زينا [الأنعام: 108] أي ~~وكما زينا لكل أمة عملهم جعلنا وقيل: إن المشار إليه محذوف أي وكما خلينا ~~بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من ~~العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب ~~والأجر. قالت الأشاعرة: # لا شك أن تلك العداوة معصية وكفر، وأن جعلها شرفا لآية تدل على أن خالق ~~الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله. قال الجبائي: ~~المراد بهذا الجعل أنه حكم وبين فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل إنه ~~كفره، وإذا أخبر عن عدالته قيل عدله. وقال الكعبي: ms1857 إنه أمر الأنبياء ~~بعداوتهم وأعلمهم بكونهم أعداء لهم فاقتضى ذلك أنهم صاروا أعداء للأنبياء. ~~لأن العداوة تكون من الجانبين. أجاب أبو بكر الأصم بأنه لما أرسل محمدا إلى ~~العالمين وخصه بتلك المعجزات صار ذلك التخصيص سببا للحسد والعداوة أو ~~للبغضاء فهذا هو المراد بجعلهم أعداء له. وزيف بأن الأفعال مستندة إلى ~~الدواعي وهي من الله تعالى، وبأن العداوة والمحبة متعلقة بالطبع لا ~~بالإرادة والتكلف فلا يقدر عليها إلا الله تعالى. وانتصاب ال شياطين كما مر ~~في قوله: وجعلوا لله شركاء الجن [الأنعام: # 100] قال الزجاج وابن الأنباري: عدوا في معنى الجمع، ولقائل أن يقول: لا ~~حاجة إلى هذا التكلف لصحة قولنا: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا ~~واحدا. إذ ليس يجب أن يحصل لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد. عن ابن ~~عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان. وقال مجاهد وقتادة والحسن: ~~إن من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، وإن شيطان الجن إذا أعياه المؤمن ذهب ~~إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليعينه عليه. # روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأبي ذر: هل تعوذت بالله من شر ~~شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: # نعم، هم شر من شياطين الجن. # وقيل: إن الجميع من ولد إبليس إلا أن الذي يوسوس للإنس يسمى شيطان الإنس، ~~والذي يوسوس للجن يسمى شيطان الجن. وزيف بأن المقصود من الآية الشكاية من ~~سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين. وعن # PageV03P148 # مالك بن دينار أن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن لأني إذا تعوذت ~~بالله ذهب شيطان الجن عني وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا. ~~ومعنى الإيحاء الإيماء أو القول السريع أي يوسوس شياطين الجن إلى شياطين ~~الإنس، وكذلك بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وكأنه لا يتصور وسوسة ~~الإنس إلى الجن إلا على تقدير القول بالتسخير. وزخرف القول ما يزينه من ~~القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، والتحقيق فيه أن ms1858 الإنسان ما لم يعتقد ~~في أمر من الأمور خيرية أو نفعا لم يرغب فيه. ثم إن كان هذا الاعتقاد ~~مطابقا للواقع فهو الحق والصدق والإلهام وكان صادرا من الملك وإلا كان ~~مزخرفا أي يكون باطنه فاسدا وظاهره مزينا، قال الواحدي: غرورا نصب على ~~المصدر لأن إيحاء الزخرف من القول في معنى الغرور. ولو شاء ربك ما فعلوه ~~استدلال الأشاعرة به ظاهر والمعتزلة يحملونه على مشيئة الإلجاء. فذرهم وما ~~يفترون منصوب على أنه مفعول معه أو مفعول به أي وافتراءهم أو ما يفترونه. ~~قال ابن عباس: يريد ما زين لهم إبليس وغرهم به، وفيه تحذير من الكفر وترغيب ~~في الإيمان وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وتنبيه له على ما أعد ~~للكفرة من العقاب وله من الثواب بسبب صبره على سفاهتهم وتلطفه بهم. الصغو ~~في اللغة الميل. يقال في المستمع إنه مصغ إذا مال بحاسته إلى ناحية الصوت. ~~وأصغى الإناء إذا أماله حتى انصب بعضه في بعض. ويقال للقمر إذا مال إلى ~~الغروب صغا وأصغى. قال الجوهري: صغا يصغو ويصغي صغوا أي مال، وكذلك صغى ~~بالكسر يصغي بالفتح صغى وصغيا، واللام في ولتصغى لا بد لها من متعلق فقالت ~~الأشاعرة: التقدير وإنما جعلنا مثل ذلك الشخص عدوا للنبي لتميل إليه أو إلى ~~قوله المزخرف أفئدة الكفار فيبعدوا بذلك السبب عن قبول دعوة النبي وليرضوه ~~وليختاروه على أنفسهم وليقترفوا وليكتسبوا من الآثام ما هم مقترفون وقال ~~الجبائي: إن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ومعناه الزجر كقوله: واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك [الإسراء: 14] . وزيف بأن حمل لام كي على لام الأمر ~~تحريف. وقال الكعبي: هي لام العاقبة تقديره: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة ~~الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار جعلنا لكل نبي عدوا. وعن أبي مسلم ~~أنها معطوفة على موضع غرورا والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~ليغتروا بذلك ولتميل قلوب الكفار إلى المذاهب الباطلة. وأورد عليه أن ميل ~~القلوب إلى الآراء الفاسدة هو عين الاغترار فيلزم عطف الشيء على نفسه. ms1859 ~~وهاهنا بحث وهو أن الأشاعرة قالوا: البنية ليست شرطا للحياة، فالحي هو ~~الجزء الذي قامت الحياة به، والعالم هو الجزء الذي قام العلم به. وقالت ~~المعتزلة: الحي والعالم هو الجملة لا ذلك الجزء. حجة الأشاعرة أنه جعل ~~الموصوف # PageV03P149 # بالميل والرغبة في الآية هو القلب لا جملة الحي، وبمثله استدل من جعل ~~المتعلق الأول للنفس هو القلب لا مجموع البدن. ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه ~~لا فائدة لهم في إظهار الآيات التي اقترحوها بين بقوله: أفغير الله أبتغي ~~حكما الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل والزائد على ذلك لا يجب ~~الالتفات إليه، وإنما قلنا إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين: ~~الأول: أن الله تعالى قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل عليه الكتاب المبين ~~المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة وقد عجز الخلق عن معارضته ~~وأشار إلى هذا الوجه بقوله: أفغير الله أبتغي حكما يعني قل يا محمد إنكم ~~تتحكمون في طلب سائر المعجزات، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكما ~~فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز. الوجه الثاني: اشتمال التوراة والإنجيل ~~على أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله حقا، وعلى أن القرآن كتاب حق من ~~عند الله وأشار إليه بقوله: والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك ~~بالحق ثم قال: فلا تكونن من الممترين والخطاب لكل أحد أي إذا ظهرت الدلائل ~~فلا ينبغي # أن يمتري فيه أحد. وقيل: الخطاب للرسول في الظاهر والمراد به الأمة. ~~وقيل: الخطاب للرسول في الحقيقة والمراد التهييج والإلهاب كقوله: # ولا تكونن من المشركين [الأنعام: 14] والمراد فلا تكونن من الممترين في ~~أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم. قال ~~الواحدي: الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة. وقال بعض أهل التأويل: الحكم ~~أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم والحكم هو الذي لا يحكم إلا بالحق. # ثم لما بين أن القرآن معجز قال: وتمت كلمة ربك أي ms1860 القرآن. وقوله: صدقا ~~وعدلا مصدران منتصبان على الحال من الكلمة، ومعنى تمامها أنها وافية كافية ~~في كونها معجزة دالة على صدق محمد، أو كافية في بيان ما يحتاج المكلفون ~~إليه إلى القيامة علما وعملا، أو المراد بالتمام أنها أزلية ولا يحدث بعد ~~ذلك شيء. واعلم أن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف فالخبر كل ما ~~أخبر الله تعالى عن وجوده أو عن عدمه كالخبر عن وجود ذاته وحصول صفاته أعني ~~كونه تعالى قادرا سميعا بصيرا ويدخل فيه الخبر عن صفات التقديس والتنزيه ~~كقوله تعالى: لم يلد ولم يولد [الإخلاص: 3] لا تأخذه سنة ولا نوم [البقرة: ~~255] ويدخل فيه الخبر عن أقسام أفعال الله تعالى وكيفية تدبيره لملكوته في ~~السموات والأرض وفي عالم الأرواح والأجسام، ويدخل فيه الخبر عن أحكام الله ~~تعالى في الوعد والوعيد والثواب والعقاب، ويدخل فيه الخبر عن أقسام أسماء ~~الله تعالى والخبر عن النبوات وأقسام المعجزات، والخبر عن أحوال النشر ~~والقيامة وصفات أهل الجنة والنار، والخبر عن أحوال المتقدمين والخبر عن ~~المغيبات. وأما التكليف فيدخل فيه # PageV03P150 # كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبيده سواء كان ملكا أو بشرا أو شيطانا، ~~وسواء كان ذلك في شرعنا أو في شرائع الأنبياء المتقدمين أو في مراسيم ~~الملائكة المقربين الذين هم سكان السموات والجنة والنار والعرش وما وراءه ~~مما لا يعلم أحوالهم إلا الله تعالى. فإذن المراد وتمت كلمات ربك صدقا إن ~~كان من باب الخبر وعدلا إن كان من باب التكاليف وهذا ضبط حسن. وقيل: إن كل ~~ما أخبر الله تعالى عنه من وعد ووعيد وثواب وعقاب فهو صدق لأنه لا بد أن ~~يكون واقعا، وهو بعد وقوعه عدل لأن أفعاله منزهة عن أن تكون بصفة الظلم. ثم ~~قال: لا مبدل لكلماته والمعنى أن هؤلاء الكفار يلقون الشبه في كون القرآن ~~دالا على صدق محمد إلا أن تلك الشبهات لا تأثير لها في هذه الدلالة البتة ~~لجلاء الدلالة ووضوحها. أو المراد أن كلماته تبقى موصوفة بصفتها مصونة عن ms1861 ~~التحريف والتغيير كما قال: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9] ~~أو الغرض أنها بريئة عن التناقض كما قال: ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] أو المعنى أن أحكام الله تعالى لا تتغير ~~ولا تتبدل لأنها أزلية والأزلي لا يزول، وهذا الوجه أحد الأصول القوية في ~~إثبات الجبر إذ يلزم منه أن لا ينقلب السعيد شقيا وبالضد. ثم لما أجاب عن ~~شبه الكفار بين أن عند ظهور الحجة وتبين المحجة لا ينبغي للعاقل أن يلتفت ~~إلى كلمات الجهال فقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~والمضل لا بد أن يكون ضالا ويعني بهم الذين ينازعون النبي في الدين غير ~~قاطعين بصحة مذاهبهم كالزنادقة وعبدة الكواكب والأصنام، وكالذين يحرمون ~~البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة فيحكمون على الحق بأنه باطل وعلى ~~الباطل بأنه حق. ثم قال: إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون يقدرون على ~~أنهم على شيء أو يكذبون في أن الله أحل كذا وحرم كذا. وأصل الخرص حزر ما ~~على النخل من الرطب تمرا. وليس لنفاة القياس تمسك بالآية من قبل توجه الذم ~~على متبع الظن، لأن المذموم من اتباع الظن هو الذي لا يستند إلى أمارة كظن ~~الكفار المستند إلى تقليد أسلافهم فقط، أما إذا كان الاعتقاد الراجح مستندا ~~إلى أمارة فلم يتم أنه كذلك. ثم قال: إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين والمراد أنك بعد ما عرفت أن الحق ما هو والباطل ما هو فلا ~~تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم لأن الله تعالى عالم بأن المهتدي من ~~هو والضال من هو فيجازي كل أحد بما يليق بعمله، أو المراد أن هؤلاء الكفار ~~وإن أظهروا من أنفسهم ادعاء الجزم واليقين فهم كاذبون والله تعالى عالم ~~بأحوال قلوبهم وبواطنهم، ومطلع على تحيرهم في أودية الجهالة وتيه الضلال، ~~قال النحويون: إن أفعل التفضيل لا يعمل في مظهر، ففي الكلام محذوف أي يعلم ms1862 ~~من يضل عن سبيله، فإن لم يقدر محذوف قوي # بالباء كما في القلم # PageV03P151 # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [القلم: 7] وهذا هو ~~الأصل، وإنما خص هذه السورة بالحذف موافقة لقوله: الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته [الأنعام: # 124] وعدل إلى لفظ المستقبل تنبيها على قطع الإضافة لأن أكثر ما يستعمل ~~«أفعل من» يستعمل مع الماضي نحو «أعلم من دب ودرج» و «أحسن من قام وقعد» و ~~«أفضل من حج واعتمر» . فلو لم يعدل إلى لفظ المستقبل التبس بالإضافة تعالى ~~الله عن ذلك. وجوز بعضهم أن يكون «من» للاستفهام كقوله: لنعلم أي الحزبين ~~أحصى [الكهف: 12] ثم قال: فكلوا والفاء مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين ~~يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم ~~تزعمون أنكم تعبدون الله فما قتله الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم. فقال ~~الله سبحانه للمسلمين: إن كنتم محققين بالإيمان فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه وهو المذكى ببسم الله. فإن قيل: إن القوم كانوا يبيحون ما ذبح على اسم ~~الله تعالى ولا ينازعون فيه. وإنما النزاع في أكل الميتة فإنهم كانوا ~~يبيحونها والمسلمون يحرمونها، فما الحكمة في إثبات الحكم في المتفق عليه ~~وترك الحكم في المختلف فيه؟ # فالجواب لعل القوم كانوا يحرمون أكل المذكاة ويبيحون أكل الميتة فرد الله ~~تعالى عليهم في الأمرين بقوله: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وبقوله: ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه [الأنعام: 145] أو نقول: المراد اجعلوا ~~أكلكم مقصورا على ما ذكر اسم الله عليه، وعلى هذا فيكون المراد تحريم ~~الميتة فقط والله أعلم. أما قوله: وقد فصل لكم فأكثر المفسرين قالوا: ~~المراد به ما فصل في أول المائدة من قوله: حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] ~~إلى آخر الآية، واعترض عليه بأن سورة الأنعام مكية والمائدة من آخر ما نزل ~~بالمدينة، والآية تقتضي أن يكون المفصل مقدما على هذا المجمل بل الأولى أن ~~يقال: # المراد قوله تعالى بعد هذه الآية: قل لا أجد في ما ms1863 أوحي إلي محرما ~~[الأنعام: 145] إلى آخرها. فإن هذا القدر من التأخر غير ضائر. وقوله: إلا ~~ما اضطررتم أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة وإن كثيرا ليضلون ~~المبالغة في قراءة ضم الياء أكثر لأن كل مضل فإنه يكون ضالا، وقد يكون ~~الضال غير مضل، قيل: إنه عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين لأنه أول من غير ~~دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة. # وقوله: بأهوائهم بغير علم يريد أن عمرو بن لحي أقدم على هذه المذاهب عن ~~الجهالة الصرفة، وقال الزجاج: المراد منه الذين يحللون الميتة ويناظرون في ~~إحلالها، أو يحتجون عليها بقولهم إذ حل ما تذبحونه أنتم فلأن يحل ما يذبحه ~~الله تعالى أولى، وكذلك كل ما يضلون فيه من عبادة الأوثان والطعن في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله. وفي الآية دلالة على أن النزاع في الدين بمجرد ~~التقليد حرام إن ربك هو أعلم بالمعتدين فيجازيهم عليها # PageV03P152 # وفيه من التهديد ما فيه. # ثم ذكر آية جامعة فقال: وذروا ظاهر الإثم وباطنه فقيل: ظاهره الزنا في ~~الحوانيت وباطنه الصديقة في السر. قال الضحاك: كان أهل الجاهلية يرون الزنا ~~حلالا ما كان سرا. # والأصح أن النهي عام إذ لا دليل على تخصيصه. ثم قيل: المراد ما أعلنتم ~~وما أسررتم. # وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقال ابن الأنباري: يريد وذروا الإثم من جميع ~~جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال قليلا ولا كثيرا أي ما أخذته بوجه من ~~الوجوه. وقريب منه قول من قال: المراد النهي عن الإثم مع بيان أنه لا يخرج ~~عن كونه إنما بسبب إخفائه وكتمانه. وقيل: المراد النهي عن الإقدام على ~~الإثم. ثم قال: وباطنه ليظهر بذلك أن الداعي له إلى ترك ذلك الإثم خوف الله ~~لا خوف الناس. وقيل: ظاهر الإثم أفعال الجوارح، وباطنه أفعال القلوب من ~~الكبر والحسد والعجب وإرادة الشر للمسلمين، ويدخل فيه الاعتقاد والعزم ~~والنظر والظن والتمني والندم على أفعال الخيرات، ومنه يعلم أن ما يوجد في ~~القلب قد يؤاخذ ms1864 به وإن لم يقترن به عمل إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون أي يكتسبون من الآثام ومنه الاعتراف يمحو الاقتراف كما يقال: ~~التوبة تمحو الحوبة. وظاهر النص يدل على أنه يعاقب المذنب البتة إلا أن ~~المسلمين أجمعوا على أنه إذا تاب لم يعاقب. وأهل السنة على أنه إذا لم يتب ~~احتمل العفو ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه نقل عن عطاء أنه قال: كل ~~ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه من طعام أو شراب فهو حرام تمسكا بعموم ~~الآية. وأجمع سائر الفقهاء على تخصيص هذا العموم بالذبح، ثم اختلفوا فمالك: ~~كل ذبح لم يذكر اسم الله تعالى عليه فهو حرام، ترك الذكر عمدا أو نسيانا ~~وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين. أبو حنيفة: إن ترك عمدا حرام وإن ~~ترك نسيانا حل. الشافعي: متروك التسمية عمدا وسهوا حلال إذا كان الذابح ~~مسلما لقوله تعالى: وإنه لفسق والضمير عائد إلى الأكل الذي دل عليه الفعل ~~أو إلى الموصول على أنه في نفسه فسق مثل «رجل عدل» أو على تقدير حذف المضاف ~~أي وإن أكله لفسق. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يفسق بأكل ذبيحة المسلم ~~الذي ترك التسمية ولقوله تعالى: وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ~~ليجادلوكم وهذه المناظرة كانت في مسألة الميتة # وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة من قتلها إذا ماتت؟ ~~قال: الله قتلها، قالوا: # فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتل الكلب والصقر حلال، وما قتله ~~الله حرام؟ فأنزل الله الآية، # فالمراد من الشياطين هاهنا إبليس وجنوده وسوسوا إلى أوليائهم من المشركين ~~ليخاصموا محمدا وأصحابه في أكل الميتة. وقال عكرمة: وإن الشياطين- يعني ~~مردة المجوس- ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش. وذلك أنه لما نزل تحريم ~~الميتة # PageV03P153 # سمعه المجوس من أهل فارس فكتبوا إلى قريش وكانت بينهم مكاتبة أن محمدا ~~وأصحابه يزعمون أن ما يذبحونه حلال وأن ما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ~~ناس من المسلمين شيء فنزلت الآية. ثم ms1865 قال: وإن أطعتموهم يعني في استحلال ~~الميتة إنكم لمشركون قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم ~~الله تعالى أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك لأنه أثبت حاكما سوى الله ~~تعالى. ثم قال الشافعي: الفسق في آية أخرى وهي، قوله: قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما [الأنعام: 145] إلى قوله: أو فسقا أهل لغير الله مفسر بما أهل به ~~لغير الله فعلمنا أن الفسق في هذه الآية أيضا مفسر به نزلنا عن هذا المقام ~~وهو التمسك بالمخصصات، فلم قلتم إنه لم يوجد ذكر الله هاهنا لما # روي أنه صلى الله عليه وآله قال: «ذكر الله مع المسلم سواء قال أو لم ~~يقل» # فيحمل هذا الذكر على ذكر القلب. أو نقول: هب أن هذا الدليل يوجب الحرمة ~~إلا أن معنا ما يدل على الحل، وإذا تعارض الحل والحرمة فالحل راجح لأن ~~الأصل في الأشياء الإباحة وللعمومات الدالة على الحل كقوله: خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا [البقرة: 29] كلوا واشربوا [الطور: 19] ولأنه مستطاب وقد قال: ~~أحل لكم الطيبات [المائدة: 4] ، ولأن الطبع يميل إليه وقد نهى عن إضاعة ~~المال، هذا تقرير مذهب الشافعي ومع ذلك فالأولى بالمسلم أن يحترز عنه لقوة ~~ظاهر النص. قال الكعبي: في الآية دلالة على أن الإيمان اسم لجميع الطاعات ~~لأنه تعالى سمى مخالفته شركا. وأجيب بأنه لم لا يجوز أن يراد بالشرك هاهنا ~~اعتقاد أن لله شريكا في الحكم. ### | التأويل: # وكلمهم الموتى أي: قلوبهم الميتة وحشرنا أي أريناهم جميع الآيات المودعة ~~في المكونات إلا أن يشاء الله فإن المشيئة تغير السجية والعناية الأزلية ~~كفاية الأبدية ولكن أكثرهم يجهلون أن الهدى ليس بالمنى وأنه بمشيئة المولى، ~~ثم أخبر أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا فقال: وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الإنس هي النفس الأمارة التي هي أعدى الأعداء. والذين ~~آتيناهم الكتاب هديناهم بنور الكتاب إلى حضرة الجلال فلا تكونن نهى التكوين ~~في الأزل وتمت كلمة ربك كلامه وقضاؤه في الأزل ms1866 صدقا فيما قال وعدلا فيما ~~حكم بالوجود والعدم والسعادة والشقاوة والرد والقبول والخير والشر والحسن ~~والقبح والإيمان والكفر، وأحسن شيء خلقه هو الإنسان لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم [التين: 4] وكذلك شر شيء هو الإنسان عند فساد استعداده ثم ~~رددناه أسفل سافلين [التين: 5] ولأهل الكمال نرق في كمال الحسن إلى الأبد، ~~ولأهل النقصان تسفل في القبح إلى الأبد أيضا إظهارا للقدرة الكاملة غير ~~المتناهية وهو السميع لحاجة كل ذي حاجة العليم بما يستأهله كل موجود وإن ~~تطع أكثر من # PageV03P154 # في الأرض # وهم أهل الأهواء وأقلهم أهل الحق وإن هم إلا يخرصون في دعوى طلب الحق. ~~فإن سبيل الحق لا يسلك بالهوى وإنما يسلك بالصدق والهدى. فكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه فمن أمارات الإيمان أن يأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق ~~الطبع ويذيبوه بذكر الله كما # قال صلى الله عليه وآله «أذيبوا طعامكم بذكر الله» # فالأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان ~~والحرمان من الجنان. وقد فصل لكم يا أهل الله ما حرم عليكم وهو الدنيا وما ~~فيها والآخرة ونعيمها إلا ما اضطررتم إليه من ضروريات البشر في الدارين ~~بأمر المولى لا بالطبع والهوى إن ربك هو أعلم بالمعتدين الذين جاوزوا ~~المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى وذروا ظاهر الإثم يعني الأعمال الطبيعية ~~وباطنه يعني الأخلاق، الذميمة الردية سيجزون بما كانوا يقترفون لأن الأخلاق ~~الظلمانية توجب صدأ مرآة القلب وتزيدها رينا إلى أن يصير حجابا بين العبد ~~وبين الله تعالى: ولا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب ~~الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته، وإنه يعني ظلام الطعام يؤدي ~~إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الكلمة النفسانية. وإن ~~الشياطين ليوحون فإن للشيطان مجالا في الوسوسة إذا كانت النفوس في المجادلة ~~مع القلوب لتدعوها إلى متابعة الهوى الله حسبي. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 130] # أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس ms1867 بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (122) وكذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما ~~يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد ~~بما كانوا يمكرون (124) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون (125) وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم ~~يذكرون (126) # لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم ~~جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم (128) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ~~بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم ~~الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين (130) # PageV03P155 ### | القراآت: # ميتا بالتشديد: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب رسالته بالنصب والتوحيد: ابن ~~كثير وحفص والمفضل. الباقون: رسالاته على الجمع وبالكسر في موضع النصب ضيقا ~~وبابه بالتخفيف: ابن كثير حرجا بكسر الراء: أبو جعفر ونافع وسهل وأبو بكر ~~وحماد. الباقون: بالفتح يصعد من الصعود: ابن كثير يصاعد من التصاعد بإدغام ~~التاء في الصاد: أبو بكر وحماد. الباقون: يصعد بالإدغام من التصعد. # يحشرهم بياء الغيبة: حفص. الآخرون بالنون. ### | الوقوف: # بخارج منها ط يعملون ه فيها ط وما يشعرون ه رسل الله ط رسالاته ط يمكرون ~~ه للإسلام ج لابتداء شرط آخر مع العطف. في السماء ج لا يؤمنون ه مستقيما ط ~~يذكرون ه يعملون ه جميعا ج للحذف أي يحشرهم ويقول لهم مع اتحاد المقصود من ~~الإنس الأول ج لتبدل القائل مع اتفاق الجملتين أجلت لنا ط قال النار يغلظ ~~الصوت ms1868 على النار إشارة إلى أن النار مبتدأ بعد القول وليست فاعله شاء الله ~~ط عليم ه يكسبون ه ومكم هذا # طافرين # ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد أن ذكر أن المشركين يجادلون المؤمنين ضرب مثلا للفريقين ~~فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فجعله الله حيا وأعطاه نورا ~~يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها لا ~~خلاص له منها فيكون متحيرا على الدوام، وهل هما خاصان أو عامان فيه قولان: ~~الأول # قال ابن عباس: يريد حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل وذلك أن أبا جهل رمى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بفرث وحمزة لم يؤمن بعد، فأخبر حمزة بما فعل ~~أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس ~~وهو يتضرع إليه ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب ~~آلهتنا وخالف آباءنا؟ فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون ~~الله، أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأنزلت ~~الآية. وعن مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وأبي جهل وذلك أنه ~~قال: زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي ~~يوحى إليه. والله لا نؤمن به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت، # وعن عكرمة أنها نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وعن الضحاك هي في عمر بن ~~الخطاب وأبي جهل. والقول الثاني أنها عامة في كل مؤمن # PageV03P156 # وكافر لحصول المعنى في الكل. وإنما جعل الكفر موتا لأنه جهل والجهل يوجب ~~الحيرة والوقفة فهو كالموت الذي يوجب السكون. وأيضا الميت لا يهتدي إلى شيء ~~وكذلك الجاهل، والهدى علم وبصيرة وهما يوجبان الفوز بالمطالب كالحياة ~~والنور، قال بعض العلماء: قوله: أومن كان ميتا إشارة إلى أول مراتب النفس ~~الإنسانية وهي الاستعداد المحض المسماة بالعقل الهيولاني عند الحكيم. ~~وقوله: فأحييناه إشارة إلى ثانية مراتبها المسماة بالعقل بالملكة وهي ms1869 أن ~~يحصل لها العلوم الكلية الأولية. وقوله وجعلنا له نورا إشارة إلى ثالثة ~~المراتب وهي التي قد حصلت لها المعقولات المكتسبة ولكنها لا تكون حاضرة ~~بالفعل بل تكون بحيث متى شاء صاحبها استرجاعها واستحضارها قدر عليه ولهذا ~~يسمى عقلا بالفعل أي الفعل القريب، وقوله: يمشي به في الناس إشارة إلى ~~رابعة المراتب وهي النهاية المسماة بالعقل المستفاد، وقد حصلت المعارف ~~القدسية والجلايا الروحانية للنفس حاضرة بالفعل وصار جوهر الروح مشرقا بتلك ~~المعارف مستضيئا بها. # ويمكن أن يقال: الحياة عبارة عن الاستعداد القائم بجوهر الروح، والنور ~~عبارة عن اتصال نور الوحي والتنزيل فإنه لا بد في الإبصار من أمرين: سلامة ~~الحاسة والنور الخارجي من الشمس والسراج، فكذلك البصيرة لا بد لها في ~~الإدراك من سلامة حاسة العقل ومن طلوع نور الوحي فلهذا قال جمع من ~~المفسرين: المراد بهذا النور القرآن، ومنهم من قال: نور الدين أو نور ~~الحكمة. والأقوال متقاربة، وأما مثل الكافر فهو كمن مثله في الظلمات ليس ~~بخارج منها وفيه أن ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت كالصفة اللازمة له ~~لا تكاد تزول عنه فيبقى متحيرا خائفا فزعا نعوذ بالله من هذه الحالة. ومعنى ~~المثل هاهنا الصفة الغريبة أي كمن صفته هذه والمراد كمن هو في الظلمات. ثم ~~قال: كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون والمزين هو الله بالتحقيق عند ~~الأشاعرة. والشيطان بالحقيقة أو الله مجازا عند المعتزلة، والإضافة إلى ~~الله بالحقيقة أو المجاز أولى بدليل قوله: وكذلك جعلنا أي وكما جعلنا في ~~مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا، أو وكما زينا للكافرين أعمالهم كذلك ~~جعلنا في كل قرية أكابر وهي جمع الأكبر ومجرميها مضاف إليه والظرف مفعول ~~ثان قدم ليعود الضمير إلى القرية. وقيل: التقدير جعلنا مجرميها أكابر. قال ~~الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر ~~وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل ~~الناس على المبالغة في حفظهما وذلك لا يتم إلا باستعمال بعض الأخلاق ~~الذميمة من المكر والغدر ms1870 والكذب والغيبة والنميمة والشح والأيمان الكاذبة ~~وكفى بهذه الأمور دليلا على خساسة المال والجاه. واللام في ليمكروا على ~~أصله عند الأشاعرة، واستدلوا به على أن الشر بإرادة الله تعالى. وحمله # PageV03P157 # المعتزلة على لام العاقبة مجازا كما حملوا الجعل في قوله: وكذلك جعلنا ~~على التخلية والخذلان. ثم قال في معرض التهديد وما يمكرون إلا بأنفسهم لأن ~~وباله يعود عليهم وما يشعرون وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله ~~وتقديم موعد بالنصرة، ثم إنه سبحانه حكى قول أبي جهل وأضرابه «زاحمنا بني ~~عبد مناف في الشرف إلى آخره» وقول الوليد بن المغيرة «لو كانت النبوة حقا ~~لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا» فقال: وإذا جاءتهم ~~آية أي معجزة قاهرة أو وحي. قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~قال الضحاك: أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى: بل يريد كل امرئ ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة [المدثر: 52] ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو ~~المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة، وللمفسرين في مقترحهم قولان: # أحدهما- وهو الأشهر- أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا ~~خادمين. وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن ~~تأمرهم باتباع محمد صلى الله عليه وآله قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] إلى قوله: حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ~~[الإسراء: 93] من الله تعالى إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا ~~النبوة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء ~~المتقدمين تدل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقوله سبحانه في ~~جوابهم على سبيل الاستئناف الله أعلم حيث يجعل رسالته على القول الأول ~~ظاهر، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو ~~أظهر الله تعالى تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب ~~الرسالة. قال بعض العقلاء: ms1871 الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوة ~~والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من الله تعالى وإحسان وتفضل. وقال آخرون: بل ~~النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات ~~مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات، ~~فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة. ومراتب ~~الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر، ومنهم من له تبع ~~قليل ومنهم من آمن به جم غفير، ومنهم من كان الرفق غالبا عليه ومنهم من كان ~~مدار أمره على التغليظ والتشديد. وفي الآية تعريض بأن حصول النبوة والرسالة ~~لا بد فيه من قلب سليم، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل ~~حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال ~~تعالى: سيصيب الذين أجرموا صغار ذل وهوان عند الله أي في الآخرة أو في ~~الدنيا # PageV03P158 # بحكم الله وإيجابه من الأسر والقتل. أو المراد من عند الله فحذف «من» . ~~أو قوله: عند الله مستأنف أي معد لهم ذلك، واعلم أن كمال العقاب لا بد فيه ~~من أمرين: الضرر، والإهانة. ثم إن القوم لما تردوا عن طاعة محمد صلى الله ~~عليه وآله طلبا للعز والكرامة فالله تعالى بين أنه يقابلهم بضد مقصودهم، ~~فأول ما يوصل إليهم الذل والهوان وبعده عذاب شديد جميع ذلك بسبب مكرهم ~~ونكرهم فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام يقال: شرح فلان أمره، إذا ~~أظهره وأوضحه ومنه شرح المسألة إذا بينها. وقال الليث: شرح الله صدره ~~فانشرح أي وسعه لقبول ذلك الأثر. ولا شك أن توسيع الصدر غير ممكن على سبيل ~~الحقيقة ولكن هاهنا معنى وهو أنه إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن ~~نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه وقوي طلبه ورغبته في حصوله وظهر في ~~القلب استعداد شديد لتحصيله فسميت هذه الحالة سعة الصدر، وإن حصل في القلب ~~علم أو اعتقاد أو ظن يكون ذلك العمل مشتملا على ضرر زائد ومفسدة ms1872 راجحة دعاه ~~ذلك إلى تركه وحصل في النفس نبوة عن قبوله فيقال لهذه الحال ضيق الصدر، لأن ~~المكان إذا كان ضيقا لم يتمكن الداخل من الدخول فيه، وإذا كان واسعا قدر ~~على الدخول فيه. وأكثر استعمال شرح الصدر في جانب الحق والإسلام وقد ورد في ~~الكفر أيضا قال تعالى: ولكن من شرح بالكفر صدرا [النحل: 106] . # قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل ~~له: كيف يشرح الله صدره؟ فقال صلى الله عليه وآله: يقذف الله تعالى فيه ~~نورا حتى ينفسخ وينشرح، فقيل له: وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، ~~والاستعداد للموت قبل نزوله» # وهذا البيان مناسب لما ذكرنا فإن الإنابة إلى دار الخلود لا بد أن تترتب ~~على اعتقاد أن عمل الآخرة زائد النفع والخير، والتجافي عن دار الغرور إنما ~~ينبعث عن اعتقاد كون عمل الدنيا زائد الضر والضير، والاستعداد للموت قبل ~~نزوله نتيجة مجموع الأمرين الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة. أما قوله: ~~حرجا فمن قرأ بكسر الراء فعلى النعت، ومن قرأ بالفتح فعلى الوصف بالمصدر ~~للمبالغة. قال الزجاج: الحرج في اللغة أضيق الضيق. وقيل: الحرج بالفتح جمع ~~حرجة وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية. حكى الواحدي ~~بإسناده عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ قال ~~رجل: نعم. قال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الأشجار المشتبك الذي ~~لا طريق فيه. فقال: كذلك قلب الكافر. # ومعنى: يصعد في السماء كأنما يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل ~~فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه ~~بمنزلة من يتكلف # PageV03P159 # الصعود إلى السماء. وقيل: المراد أن قلبه يتباعد عن الإسلام وقبوله تباعد ~~ما بين الأرض والسماء. كذلك يجعل أي كما جعل ضيق الصدر في قلوبهم كذلك يجعل ~~الرجس عليهم. وقال الزجاج: أي مثل ما قصصنا عليك يجعل ms1873 الله الرجس. عن ابن ~~عباس هو الشيطان يسلطه الله عليهم. وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وعن ~~عطاء: الرجس هو العذاب. وقال الزجاج: هو اللعنة في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن الهداية والضلال من الله ~~تعالى بيانه أن العبد قادر على الإيمان وعلى الكفر وقدرته بالنسبة إلى ~~الأمرين سواء ولا يترجح إلا لداعية، ولا معنى للداعية إلا علمه أو اعتقاده ~~أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة، ومجموع القدرة مع الداعي ~~يوجب الفعل، ولا بد أن تنتهي تلك الداعية إلى تخليق الله وتكوينه دفعا ~~للتسلسل فإذا خلق الله تعالى في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة- وهو ~~المراد بشرح الصدر- مال القلب إليه، وإذا خلق في قلبه اعتقاد أن الإيمان ~~بمحمد سبب للمفسدة الدينية والدنيوية نبا طبعه عنه وبقي على الكفر. فحاصل ~~الآية أن من أراد الله منه الإيمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفر ~~قوى صوارفه عن الإيمان. وقالت المعتزلة: إنه لا دلالة في الآية على قولكم ~~لأنه ليس فيها أكثر من أنه إذا أراد أن يهدي إنسانا أو يضله فعل به كيت ~~وكيت، وليس فيها أنه أراد ذلك أو لم يرده نظيره قوله: لو أردنا أن نتخذ ~~لهوا لاتخذناه من لدنا [الأنبياء: 17] فبين أنه كيف يفعل اللهو لو أراده، ~~ثم إنه لم يرد ذلك بالاتفاق وأيضا لم قلتم إنه أراد ومن يرد أن يضله عن ~~الإيمان بل المراد من يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح ~~صدره للإسلام حتى يثبت عليه، وتفسير الشرح هو أنه يفعل به ألطافا تدعوه إلى ~~البقاء على الإيمان والثبات عليه. ومن يرد أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك ~~يلقي في صدره الضيق والحرج لا في كل الأوقات بل في بعضها كيلا يمكن دفعه ~~وخصوصا عند ظهور نصرة المؤمنين وبدو الذل والصغار في الكافرين. وأيضا لم لا ~~يجوز أن يقال: المعنى فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام ~~في ms1874 ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة لما رأى من فوائد الإيمان ونتائجه ~~من الدرجات العالية والمراتب الشريفة فتزداد رغبته فيه، ومن يرد أن يضله ~~يوم القيامة عن طريق الجنة ففي ذلك الوقت يضيق صدره للحزن الشديد الذي ناله ~~عند الحرمان من الجنة والدخول في النار؟ وقال في الكشاف: فمن يرد الله أن ~~يهديه أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف يشرح صدره للإسلام يلطف ~~به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه ومن يرد أن يضله ~~أي يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له يجعل صدره ضيقا حرجا يمنعه ~~ألطافه حتى # PageV03P160 # يقسو قلبه وينبو عن قبول الحق وينسد فلا يدخله الإيمان. وأجيب عن قولهم ~~«ليس في الآية أنه أراد ذلك أو لم يرده» بأن قوله في آخر الآية: كذلك يجعل ~~الله الرجس تصريح بأنه فعل به ذلك الإضلال لأن الكاف للتشبيه والتقدير: كما ~~جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره كذلك يجعل. وفيه أيضا دلالة على أن المراد ~~من قوله: ومن يرد أن يضله هو أنه يضله عن الدين، وتفسير الضيق والحرج ~~باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر بعيد لأن أكثر من يعتريه الحزن في ~~الدنيا هو المؤمن ولهذا # قال صلى الله عليه وعلى آله: «خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم ~~الأمثل فالأمثل» «1» # ولو خص ذلك بالآخرة كان من إيضاح الواضحات. فمن المعلوم لكل أحد أن من ~~يضله الله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت. والجواب على قول ~~صاحب الكشاف مما مر من أن فعل الإيمان يتوقف على أن تحصل في القلب داعية ~~جازمة إلى الإيمان، وفاعل تلك الداعية هو الله تعالى وكذا القول في جانب ~~الكفر، فإن سمى الداعيتين أحد باللطف والخذلان فلا مشاحة في الأسامي. قال ~~القاضي في تفسيره: روي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: تذاكرنا أمر القدرية ~~عند ابن عمر فقال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا فإذا كان يوم القيامة ~~نادى مناد وقد ms1875 جمع الناس بحيث يسمع الكل أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية. ~~قال: ولا يخفى أنهم الذين ينسبون أفعال العباد إلى الله قضاء وقدرا وخلقا ~~لأنهم يقولون الذنب لله فأي ذنب لنا حتى تعاقبنا أنت الذي خلقته فينا ~~وأردته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له ولا يسرت لنا غيره، فهؤلاء لا ~~بد أن يكونوا خصماء الله. أما الذين قالوا إن الله تعالى مكن وأزاح العلة ~~وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة، ~~فهؤلاء منقادون لله تعالى لا خصماؤه. هذا كلام القاضي وتعجب منه الأشاعرة ~~فقالوا: كيف يكون خصم الله من يقول ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق ~~بوجه من الوجوه وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد ~~على ربه اعتراض ولا مناظرة وكل ما يصل منه إلى عباده حتى الملائكة ~~والأنبياء فهو تفضل منه وإحسان، لكن الخصم من يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ~~ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولا عن الربوبية وكنت من ~~السفهاء وأن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات، فإن رب العالمين أعطاه النعم ~~الفائقة سنين غير محصورة، ثم إنه لو ترك ذلك لحظة واحدة قال العبد له إنك ~~معزول عن الإلهية. يحكى أن PageV03P161 # الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك ~~مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن أبا علي عقد ~~مجلس التذكير وحضر عنده جم غفير، فذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس ~~مختفيا عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز: إني أعلمك مسألة ~~فاذكريها لهذا الشيخ. قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد في غاية الزهد، ~~وآخر في غاية الفسق، والثالث كان صبيا لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات ~~فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم. فقال الجبائي: أما الزاهد ففي درجات الجنة، ms1876 ~~وأما الكافر ففي دركات النار، وأما الصبي فمن أهل السلامة. فقال: قولي له ~~إن الصبي لو أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه ~~الزاهد فهل يمكن منه؟ قال الجبائي: لا لأن الله تعالى يقول له إنما أخوك ~~وصل إلى تلك الدرجات لأنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذلك. ~~فقال أبو الحسن: قولي له لو أن الصبي يقول: يا رب العالمين ليس الذنب لي ~~لأنك أمتني قبل بلوغي، ولو أبلغتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد، ~~فقال الجبائي: يقول الله تعالى له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوجب ~~النار فراعيت مصلحتك. فقال لها أبو الحسن: قولي له لو أن الأخ الكافر ~~الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار وقال: يا رب العالمين ويا أحكم ~~الحاكمين ويا أرحم الراحمين، لم راعيت حال الأخ الصغير وما راعيت حالي ~~ومصلحتي؟ # قال الراوي: فانقطع الجبائي فنظر فرأى أبا الحسن فعلم أن المسألة منه لا ~~من العجوز. ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار وأكثر مجيبا عن ~~الجبائي قائلا: نحن لا نرضى بهذا الجواب وإنما نقول: الجواب مبني على مسألة ~~اختلف شيوخنا فيها، وهي أنه هل يجب على الله تعالى أن يكلف العبد أم لا؟ ~~فقال البصريون: إنه غير واجب ولكنه تفضل وإحسان. وقال البغداديون: إنه واجب ~~وعلى الأول لله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته ~~على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أحد بشيء أن أتفضل على غيره ~~بمثله، وعلى قول البغداديين فلله أن يقول: إن إطالة عمر أخيك وتوجيه ~~التكليف في حقه لم يستلزم مفسدة الغير فلا جرم فعلته، أما إطالة عمرك ~~وتوجيه التكليف عليك فكان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا ما فعلته وظهر ~~الفرق. وأورد على القسم الأول أنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما ~~فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح منه عقلا لأنه ليس فعلا شاقا عليه ولا ~~ينقص بذلك ms1877 شيء من ملكه، والصبي محتاج إلى الإحسان إليه ومثل هذا الامتناع ~~قبيح في الشاهد كمن منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجواد لعامة ~~الناس. فإن كان حكم العقل في التحسين والتقبيح مقبولا فليكن هاهنا # PageV03P162 # أيضا مقبولا وإلا فلا يقبل في شيء من الصور وتبطل كلية مذهبكم. وأورد على ~~الشق الثاني أن قولنا: «تكليفه يتضمن مفسدة» ليس معناه أن ذات التكليف ~~تتضمن المفسدة وإلا لم ينفك تكليف عن المفسدة وأنه باطل بالاتفاق، فمعناه ~~إذا أنه تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنسانا آخر يختار من قبل نفسه ~~فعلا قبيحا، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تعالى تكليفه وجب أن يقبح ~~تكليف كل من علم الله من حاله أنه يكفر وإلا لزم محض التحكم. هذا تمام ~~مناظرة الفريقين، ولعلك قد عرفت التحقيق هنا فيما سلف فتذكر. # ثم قال: وهذا صراط ربك في المشار إليه وجوه منها: أنه المذكور في الآية ~~المتقدمة. أما على مذهب الأشاعرة وهو أن الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك ~~الداعية من الله تعالى فيكون الفعل من الله، ويلزم استناد الكل إلى قضائه ~~وقدره. وأما على مذهب المعتزلة فالمراد هذا الذي قررنا طريقته التي اقتضتها ~~الحكمة وعادته الجارية في عباده من التوفيق والخذلان. ومعنى مستقيما عادلا ~~مطردا. وانتصابه على الحال المؤكدة والعامل ما في اسم الإشارة من معنى ~~الفعل. أو هو محذوف أي أحقه. وعن ابن عباس: يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد ~~دين ربك. وقال ابن مسعود: يعني القرآن. قد فصلنا الآيات ذكرناها فصلا فصلا ~~بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر. قال في التفسير الكبير: قد بين الله تعالى ~~صحة القول بالقضاء والقدر في آيات من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق ~~كثيرة ووجوه مختلفة. وختم الآية بقوله: لقوم يذكرون لأنه تقرر في عقل كل ~~واحد أن أحد طرفي الممكن لا يترجح عن الآخر إلا لمرجح فكأنه يقول للمعتزلي: ~~تذكر ما تقرر في عقلك أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا لمرجح حتى ms1878 تزول ~~الشبهة عن قلبك فإن حصول الفعل عن القادر لو لم يتوقف على الداعي مع تساوي ~~طرفيه وجب أن يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذ يلزم نفي ~~الصانع وإبطال القول والفعل والفاعل والتأثير والمؤثر. ثم لما بين عظمة ~~نعمته في الصراط المستقيم بين ما أعد وهيىء للمتذكرين فقال: لهم دار السلام ~~أي دار الله يعني الجنة، والإضافة للتشريف والتعظيم كما قيل: # الكعبة بيت الله: أو دار السلامة من كل آفة وكرب والسلام والسلامة مثل: ~~الضلال والضلالة والرضاع والرضاعة كلاهما مصدر. وقيل: السلام جمع السلامة ~~لأن أنواع السلامة حاصلة في الجنة. ومعنى عند ربهم أنها معدة عنده وفي ~~ضمانه كما يقال لفلان عندي حق لا ينسى وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها ~~وكونهم على ثقة من حصولها وهو وليهم أي قريب منهم بالرحمة والرضوان أو ~~مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم، وذلك أن القوم قد عرفوا أن المدبر ~~والمقدر ليس إلا هو جل جلاله، وأن النافع والضار ليس إلا هو # PageV03P163 # سبحانه، فانقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم إلا إليه، وما كان توكلهم ~~إلا عليه، ولم يكن أنسهم إلا به، فلما صاروا بالكلية له لا جرم قال سبحانه: ~~وهو وليهم على أنه متكفل لجميع مصالحهم دينا ودنيا. ثم قال: بما كانوا ~~يعملون أي بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون لئلا يقطعوا ~~العمل ولا يتكلوا، وذلك أن بين النفس والبدن تعلقا شديدا وكما أن الهيآت ~~النفسانية قد تؤثر في البدن كحمرة الخجل وصفرة الوجل فالهيآت البدنية قد ~~تصعد من البدن إلى النفس، فإذا واظب الإنسان على أعمال الخير ظهرت الآثار ~~المناسبة لها في جوهر النفس فلا بد للسالك من العمل بعد كمال العلم ~~والمعرفة. ثم لما بين حال من تمسك بالصراط المستقيم أردفها بذكر من تعلق ~~بضده فقال: # ويوم نحشرهم والمراد واذكر يوم كذا، أو يوم نحشرهم قلنا، أو متعلقة محذوف ~~والتقدير: ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير ~~إما أن يعود ms1879 إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله: شياطين الإنس والجن أو ~~يعود إلى جميع المكلفين الذين علموا أن الله تعالى يبعثهم من الثقلين ~~وغيرهم، ويكون القائل على تقدير حذف القول هو الله تعالى كما أنه الحاشر ~~لجميعهم. وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون إلا للتبكيت وإنهم وإن ~~تمردوا في الدنيا انتهى حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد ~~والاعتراف. وقال الزجاج: التقدير فيقال لهم: يا معشر الجن لأنه يبعد أن ~~يتكلم الله تعالى بنفسه مع الكفار لقوله: ولا يكلمهم الله [البقرة: 174] قد ~~استكثرتم من الإنس لا بد فيه من إضمار لأن الجن أي الشياطين لا يقدرون على ~~الاستكثار من نفس الإنس، فالمراد قد استكثرتم من إضلال الإنس واستتباعهم ~~فحشر معكم منهم الجم الغفير كما يقال استكثر الأمير من الجنود. أما قوله: ~~وقال أولياؤهم من الإنس فالأقرب عند بعضهم أن فيه حذفا فكما قال للجن ~~تبكيتا ناسب أن يقول للإنس أيضا مثل ذلك توبيخا لأنه حصل من الجن الدعاء ~~ومن الإنس القبول. ولما بكت الله كلا الفريقين حكى جواب الإنس وهو قوله: ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض وفيه قولان: الأول أن المراد استمتع الجن بالإنس ~~والإنس بالجن وعلى هذا ففي الاستمتاع وجهان: أحدهما أن الرجل كان إذا سافر ~~فأمسى بأرض منفردا وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. ~~فيبيت آمنا في نفسه. فهذا استمتاع الإنس بالجن، وأما استمتاع الجن بالإنس ~~فهو أن الإنسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيما منهم للجن وذلك الجني يقول: ~~قد سدت الجن والإنس لأن الإنسي قد اعترف له بأنه يقدر أن يدفع عنه. وهذا ~~قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج ويعضده قوله سبحانه: وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن [الجن: 6] # PageV03P164 # وثاني الوجهين أن الإنس كانوا ينقادون للجن ويطيعون حكمهم فصار الجن ~~كالرؤساء والإنس كالأتباع فانتفعوا بالإنس انتفاع الرئيس بالخادم، وأما ~~انتفاع الإنس بالجن فهو أن دلوهم على الشهوات واللذات إلى أن بلغوا هذا ~~المبلغ الذي أيقنوا أنه يسوء عاقبتهم ms1880 وهذا اختيار الزجاج. والقول الثاني أن ~~البعضين كليهما من الإنس لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر ~~وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا أي ذلك الاستمتاع كان حاصلا إلى وقت محدود ثم ~~جاءت الحسرة والندامة من حيث لا ينفع. وما ذلك الأجل؟ قيل: هو وقت الموت ~~وعلى هذا فكل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله لأنهم أقروا بأنهم ~~بلغوا أجلهم وفيهم المقتول وغير المقتول. وقيل: هو وقت التخلية والتمكين ~~وقيل: وقت المحاسبة في القيامة قال الله تعالى في جوابهم النار مثواكم ~~مقامكم ومقركم من ثوى بالمكان يثوي ثويا إذا أقام به. قال أبو علي الفارسي: ~~المثوى اسم للمصدر دون المكان لأن قوله تعالى: خالدين فيها حال واسم الموضع ~~لا يعمل عمل الفعل فالمعنى النار أهل أن يقيموا فيها خالدين. إلا ما شاء ~~الله قيل: المراد منه أوقات المحاسبة ووقت كونهم في المحشر كأنه قيل: ~~خالدين فيها منذ يبعثون إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار ~~مدتهم في محاسبتهم. وقال ابن عباس: استثنى الله قوما سبق في علمه أنهم ~~يسلمون ويصدقون النبي صلى الله عليه وآله. وعلى هذا يلزم أن يكون «ما» ~~بمعنى «من» وفيه خلل آخر وهو أن الاستثناء إنما هو من يوم القيامة الذي ~~يحشرون فيه، وقيل: المراد الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب ~~الزمهرير. # روي أنهم يدخلون واديا فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد الشديد ~~إلى حر الجحيم. # وقال في الكشاف: أو يكون هذا من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل ~~يحرق عليه أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه أهلكني الله، إن نفست عنك ~~إلا إذا شئت، فيكون قوله: «إلا إذا شئت» من أشد الوعيد مع تهكم لأنه إطماع ~~محض ويأس كلي. وقال أبو مسلم: هذا الاستثناء غير راجع إلى الخلود وإنما هو ~~راجع إلى الأجل المؤجل لهم كأنهم قالوا: وبلغنا أجلنا الذي سميته لنا إلا ~~من أهلكته قبل الأجل المسمى يعني الآجال الاخترامية ms1881 إن ربك حكيم فيما يفعله ~~من ثواب وعقاب وسائر وجوه المجازاة. عليم بما يستأهله كل طائفة فكأنه تعالى ~~يقول: # إنما حكمت لهؤلاء بعذاب الأبد لعلمي أنهم يستحقون ذلك. ثم لما حكى عن ~~الجن أن بعضهم يتولى بعضا بين أن ذلك إنما حصل بتقديره وقضائه فقال: وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا وذلك أن القدرة صالحة للعداوة والصداقة فترجيح أحد ~~الجانبين لا يكون إلا بداعية خلقها الله قطعا للتسلسل، وأيضا لما بين أنه ~~سبحانه ولي أهل الجنة بقوله: هو # PageV03P165 # وليهم # ذكر أن أولياء أهل النار من يشبههم في الظلم والخزي والنكال وأشار إليه ~~بقوله: # بما كانوا يكسبون أي بسبب كون ذلك البعض مكتسبا للظلم وهذه مناسبة في ~~غاية اللطف لأن الجنسية علة الضم فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. وفي ~~الآية دلالة على أن الرعية متى كانوا ظلمة فإن الله تعالى يسلط عليهم ظالما ~~مثلهم، فإن أرادوا الخلاص منه فليتركوا الظلم # وعن مالك بن دينار قال: جاء في بعض الكتب السماوية «أنا الله مالك ~~الملوك، قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليهم رحمة، ومن عصاني جعلتهم ~~عليهم نقمة، لا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك لكن توبوا إلي أعطفهم عليكم» . # ثم بين أن كفار الثقلين لا يكون لهم إلى الجحود يوم القيامة سبيل وأنهم ~~لا يعذبون إلا بالحجة فقال: امعشر الجن والإنس # قال أهل اللغة: المعشر كل جماعة مختلطة يجمعهم أمير واحد لم يأتكم رسل ~~منكم # استفهام على سبيل التقدير فلا جرم استدل الضحاك بالآية وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير [فاطر: 24] على أن من الجن رسلا كالإنس، ولأن استئناس الجنس ~~بالجنس أكمل ولهذا قال سبحانه: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] ~~والأكثرون على أنه ما كان من الجن رسول البتة إنما كانت الرسل من بني آدم ~~وزعموا أن ذلك مجمع عليه. ورد بأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف؟ ~~واستدل بعضهم على المطلوب بقوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين [آل عمران: 33] والمراد بالاصطفاء هاهنا ~~النبوة بالإجماع. وأجيب ms1882 عن قول الضحاك بأن الآية تقتضي أن رسل الجن والإنس ~~تكون بعضا من أبعاض هذا المجموع فكان هذا القدر كافيا في حمل اللفظ على ~~ظاهره فلا يلزم إثبات رسول من الجن. وأيضا لا يبعد أن يقال: إن الرسل كانوا ~~من الإنس، ثم كان من الجن نفر يستمعون من رسول الإنس وينذرون قومهم بذلك ~~قال: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن [الأحقاف: 29] الآية. وقد يسمى رسول ~~الرسول رسولا كما أنه تعالى سمى رسل عيسى رسل نفسه فقال: إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين [يس: 14] ثم إنه سبحانه يكون قد بكت كفار الثقلين بهذه الآية لأنه ~~أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه أرسل الرسل إليهم فإذا وصلت البشارة ~~والنذارة إلى الكل بهذا الطريق فقد حصل المقصود. وقال الواحدي: أراد رسل من ~~أحدكم وهو الإنس كقوله: يخرج منهما اللؤلؤ [الرحمن: 22] أي من أحدهما وهو ~~الملح الذي ليس بعذب. وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد يبعثون إلى ~~الإنس ورسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلى الجن والإنس. أما قوله: قصون ~~عليكم آياتي # فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتأويل وبالتلاوة ينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا # يخوفونكم # PageV03P166 # عذاب هذا اليوم فلم يجدوا بدا من الاعتراف فلذلك الوا شهدنا على أنفسنا # والسبب في أنهم أقروا في هذه الآية وجحدوا في قوله: والله ربنا ما كنا ~~مشركين [الأنعام: 23] هو أنهم مختلفو الأحوال في يوم القيامة مضطربون فتارة ~~يقرون وأخرى يجحدون. ومنهم من حمل هذه الشهادة على شهادة الجوارح عليهم. ثم ~~أخبر الله تعالى عن حالهم في الدنيا بقوله: غرتهم الحياة الدنيا # وعن حالهم في الآخرة بقوله: شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين # والمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجر أمثالهم في الدنيا عن الكفر ~~والمعصية. وقد يستدل بالآية على أن لا وجوب قبل ورود الشرع وإلا لم يكن ~~لهذا التوبيخ والتبكيت فائدة. ### | التأويل: # أومن كان ميتا في حالة العدم فأحييناه بالحياة الحقيقية أي بالحي الذي لا ~~يموت وجعلنا له نور الوجود الحقيقي الذي يمشي به في الناس وبه ms1883 يسمع وبه ~~يبصر كمن هو محبوس في الظلمات الطبيعة وكذلك جعلنا في كل قرية أي كل قالب ~~أكابر مجرميها من النفس والهوى والشيطان ليمكروا فيها بمخالفات الشرع ~~وموافقات الطبع. ما أوتي رسل الله من القلب والسر والروح. يشرح صدره أي ~~ينظر إلى قلبه بنظر العناية فينوره بنور جماله وهو نور الإيمان، فيشرح ~~الصدر بضوء النور الواقع في القلب وهذا الضوء هو المسمى بنور الإسلام. وهذا ~~النور يقبل الزيادة والاشتداد إلى أن يصير الإيمان إيقانا والإيقان عيانا ~~والعيان عينا. ضيقا لتزاحم ظلمات صفات البشرية حرجا لتعلقاته بالدنيا ~~وشهواتها كأنما يصعد في السماء لأنه سفلي بالطبع لا يصعد إلا بالتصعيد ~~والقسر. وهذا الذي بينا من الهداية والضلالة صراط ربك باللطف والقهر ~~فبجذبات اللطف يهدي السعيد وبسطوات القهر يضل الشقي. لهم دار السلام أي ~~السلامة عن القطيعة في مقام العندية بالوصول إلى الوحدة بعد الخروج عن ~~ظلمات الاثنينية. ويوم يحشرهم في موقف القالب البشري بالحكمة البالغة ~~والقدرة الكاملة يا معشر الجن أي الصفات الشيطانية قد استكثرتم من الإنس أي ~~غلبتم على الصفات الإنسانية وقال أولياؤهم من الإنس يعني النفس الأمارة ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض واستمتاع النفس الأمارة بالشيطان هو أن يستعين ~~بصفات مكره على تحصيل شهواتها ولذاتها العاجلة وحظوظها، واستمتاع الشيطان ~~بالإنس هو أن يستعين به على إضلال الحق وإغوائهم كما استعان بحواء على ~~إغواء آدم. وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا # يعني أن مدة الاستمتاع وما جرى بيننا إنما كان بمقتضى قضائك وقدرك ~~فأجابهم بأن الثوى في النار أيضا بقضاء الله إلا أن يشاء الله فيتوب عليهم ~~إن ربك حكيم في تقدير الاستمتاع عليم بأهل الجنة # PageV03P167 # وبأهل النار، وكذلك أي كما جعلنا مردة الجن والإنس بعضهم أولياء بعض ~~فكذلك نجعل بعض الظالمين أولياء بعض بما كانوا يكسبون من إفساد الاستعداد ~~الفطري لم يأتكم رسل منكم # يعني الإلهامات الربانية. وشهدوا على أنفسهم أقروا عند الحرمان عن ~~السعادة العظمى أنهم بذواتهم كانوا صدأ مرآة قلوبهم وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى وأن سعيه سوف يرى ms1884 [النجم: 39، 40] وما التوفيق إلا منه. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 131 الى 140] # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (131) ولكل درجات مما ~~عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (132) وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون ~~لآت وما أنتم بمعجزين (134) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف ~~تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (135) # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ~~وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون (138) وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم ~~على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) ~~قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين (140) ### | القراآت: # عما تعملون بتاء الخطاب: ابن عامر مكاناتكم بالجمع حيث كان: # أبو بكر وحماد. الباقون مكانتكم على التوحيد. من يكون بالياء التحتانية: ~~حمزة وعلي وخلف. الباقون: بتاء التأنيث. بزعمهم بضم الزاي علي وكذلك ما ~~بعده الباقون: # بالفتح زين على البناء للمفعول قتل بالرفع أولادهم بالنصب شركائهم بالجر: # ابن عامر. الآخرون زين على البناء للفاعل قتل بالنصب أولادهم بالجر # PageV03P168 # شركاؤهم بالرفع وإن تكن بتاء التأنيث: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد ~~ميتة بالرفع: ابن كثير وابن عامر ويزيد، وقرأ ميتة بالتشديد ابن كثير وابن ~~عامر. الباقون: # بالتخفيف. ### | الوقوف: # غافلون ه مما عملوا ط يعملون ه ذو الرحمة ط آخرين ه لآت لا لأن الواو ~~بعده للحال بمعجزين ه عامل ms1885 ج لابتداء التقرير مع فاء التعقب تعلمون ه لا ~~لأن ما بعده مفعول سواء كان من استفهامية أو موصولة عاقبة الدار ط الظالمون ~~ه لشركائنا ج للشرط مع الفاء إلى الله ج للفصل بين المتضادين معنى مع ~~الاتفاق حكما شركائهم ط يحكمون ه دينهم ط يفترون ه افتراء عليه ط يفترون ه ~~أزواجنا ج للشرط مع العطف. شركاء ط وصفهم ط عليم ه على الله ط مهتدين ه. ### | التفسير: # ذلك إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر ~~مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك ويحتمل أن يكون مبتدأ خبره أن لم يكن وهو للتعليل ~~والمعنى الأمر ما قصصنا عليك، أو ذلك الذي ذكر لانتفاء كون ربك مهلك القرى ~~و «أن» هي الناصبة للأفعال أو مخففة من الثقيلة، وعلى هذا يكون ضمير الشأن ~~محذوفا أي أن الحديث كذا، ويجوز أن يكون، أن لم يكن بدلا من ذلك كقوله: ~~وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع [الحجر: 66] ومعنى قوله: بظلم ~~أي بسبب ظلم أقدموا عليه وهذا أليق بأصول الأشاعرة. أو المراد ظالما لكم ~~فيكون من فعل الله وهذا أنسب بأصول المعتزلة. ومعناه أنه تعالى لو أهلكهم ~~قبل بعثة الرسل ولم ينبهوا برسول ولا كتاب كان ظالما. وعلى هذا التفسير ~~يمكن للأشاعرة أن يقولوا إنه لو فعل ذلك لم يكن ظلما ولكنه يكون في صورة ~~الظلم فأطلق الظلم على نفسه مجازا وإلا فهو تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله. وأما قوله: وأهلها غافلون ~~فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به وإنما معناه أنه لا ~~يبين لهم كيفية الحال وأن لا يزيل عذرهم وعلتهم. قالت الأشاعرة: في الآية ~~دلالة على أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع، وأن العقل المحض لا يدل على ~~الوجوب البتة لأنها تدل على أنه تعالى ما يعذب أحدا على أمر من الأمور قبل ~~بعثة الرسل لكن بعدها. والمعتزلة قالوا: إنها تدل من ms1886 وجه آخر على تقرير ~~الوجوب قبل الشرع لأن قوله: بظلم إن كان عائدا إلى العبد دل على أنه يمكن ~~أن يصدر منه الظلم والقبيح قبل البعثة، وإن كان عائدا إلى الله تعالى فقد ~~تم الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه. ثم لما شرح أحوال أهل الثواب والعقاب ~~ذكر # PageV03P169 # كلاما كليا فقال: ولكل درجات أي ولكل عامل في عمله درجات، وعلى حسب تلك ~~الدرجات يكون الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ومعنى مما عملوا أي من جزاء ~~أعمالهم. وقيل: إن أول الآية مختصة بأهل الطاعات لأن لفظ الدرجة يليق بهم ~~ولأهل المعصية تكون الدركات وإليه الإشارة بقوله وما ربك بغافل عما يعملون ~~قالت الأشاعرة: # في الآية دليل على مسألة الجبر والقدر فإنه تعالى حكم لكل واحد بدرجة ~~معينة في وقت معين وبحسب فعل معين، وأثبت تلك الدرجة في اللوح المحفوظ ~~وأشهد عليها الملائكة وخلاف علمه وإثباته وإشهاده محال. ثم بين أنه ليس ~~يحتاج إلى طاعة المطيعين ولا يدخل عليه نقص بمعصية العاصين فقال: وربك ~~الغني ذو الرحمة أما أنه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وفي أحكامه عن كل ما ~~سواه فلوجوب وجوده، وأن ما سواه ممكن لذاته مفتقر في الوجود وفي الأمور ~~التابعة للوجود إليه فلا غني إلا هو، وأما أنه ذو الرحمة فلأن كل ما دخل في ~~الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات من الروحانيات ومن ~~الجسمانيات فهو من الحق وبإيجاده وتخليقه، والاستقراء دل على أن الخير غالب ~~كالصحة والشبع والسمع والبصر وما ذلك إلا لرحمته الكاملة ورأفته الشاملة. ~~والذي يتصور من رحمة الوالدين وغيرهما فإنما ذلك بإيجاد داعية ذلك فيهم ومع ~~ذلك فتمكن الشخص من الانتفاع بها ليس إلا منه تعالى. ومن هذا يعلم تنزهه ~~تعالى عن الظلم والسفه والكذب والعبث. ومن رحمته تكليف الخلائق ليعرضهم ~~للمنافع الباقيات الدائمات. ثم لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة كان لظان أن ~~يظن أن للرحمة معدنا مخصوصا وموضعا معينا فبين تعالى بقوله تعالى: إن يشأ ~~يذهبكم أنه قادر على وضع الرحمة في هذا ms1887 الخلق وقادر على أن يخلق قوما آخرين ~~ويضع رحمته فيهم، وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم. ~~ومعنى الإذهاب الإهلاك وأن لا يبلغهم مبلغ التكليف ويستخلف من بعدكم أي: # من بعد ذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون، إلا على طريق البدل من فائت، ~~وقوله: # ما يشاء أي خلق ثالث ورابع. ثم اختلفوا فقال بعضهم: خلقا آخرين من أمثال ~~الجن والإنس لكن أطوع، وقال أبو مسلم: يعني خلقا ثالثا مخالفا للثقلين ~~ليكون أقوى في دلالة القدرة. ثم بين سبب قدرته على ذلك فقال كما أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين لأن من قدر على تصوير النطفة المتشابهة الأجزاء بهذه الصور ~~المخصومة قدر على تصويرها بصور أخرى مخالفة لها. وقال في الكشاف: المعنى ~~كما أنشأكم من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم أهل سفينة نوح ~~عليه السلام، ثم ذكر حال المعاد فقال: إن ما توعدون لآت قال الحسن: أي من ~~مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة، ويحتمل أن يقال: إن ما توعدون لآت ~~إشارة إلى لطفه أي ما يتعلق بالوعد والثواب فهو آت لا محالة. # PageV03P170 # وقوله: وما أنتم بمعجزين أي خارجين عن قدرتتا وحكمنا إشارة إلى قهره، ~~يقال: # أعجزه الشيء أي فاته. فالجزم في جانب الوعد والتعريض في جانب الوعيد دليل ~~على أن جانب الرحمة والإحسان أغلب. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بتهديد ~~منكري البعث فقال: # قل يا قوم اعملوا على مكانتكم قال الواحدي: قراءة الإفراد أوجه لأن ~~المصدر لا يجمع في أغلب الأحوال، وقال في الكشاف: المكانة تكون مصدرا. ~~يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكين. وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ~~ومقام ومقامة، فمعنى الآية اعملوا على نمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم ~~وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. يقال للرجل: على ~~مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه إني عامل على مكانتي ~~التي أنا عليها. والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي فإني ثابت على ~~الإسلام وعلى مصابرتكم، والغرض ms1888 تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد كقوله ~~اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، ~~والفاء لتعقيب الجزاء ألا يعادي أي قل اعملوا فستجزون وهكذا في سورة الزمر ~~بخلاف سورة هود حيث لم يقل هناك «قل» فصار استئنافا ومحل «من» نصب إن كان ~~بمعنى «الذي» أو رفع والجملة مفعول تعلمون إن كان بمعنى أي وعاقبة الدار ~~العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها وهي مصدر كالعافية. وهذا طريق ~~من الإنذار لطيف المسلك فيه إنصاف وأدب ووثوق بأن المنذر محق ولهذا قيل له ~~فإن الكافر تكون العاقبة عليه لا له. # ثم حكى أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم وقلة ~~محصولهم وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى أقوال أمثالهم فقال: وجعلوا لله ~~قال الزجاج: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا بدليل قوله: فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا وجعل الأوثان شركاء لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ~~ينفقونها عليها. ثم قال: فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم وفي تفسيره وجوه: قال ابن عباس: كان المشركون يجعلون ~~لله تعالى من حروثهم وأنعامهم نصيبا وللأوثان نصيبا، فما كان للصنم أنفقوه ~~عليه وما كان لله أطعموه الضيفان والمساكين ولا يأكلون منه البتة. ثم إن ~~سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا إن الله غني عن هذا، ~~وإن سقط شيء مما جعلوا للأوثان في نصيب الله تعالى أخذوه وردوه إلى نصيب ~~الصنم وقالوا: إنه فقير. وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها. وعن الحسن ~~والسدي: كان إذا هلك لأوثانهم شيء أخذوا بدله مما لله ولا يفعلون مثل ذلك ~~فيما لله تعالى. وقال مجاهد: إنه إذا انفجر من سقى ما جعلوه للشيطان في ~~نصيب الله عز وجل # PageV03P171 # سدوه وإن كان على ضد ذلك تركوه، وقال قتادة: إذا أصابهم شدة استعانوا ~~بالله وإذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى شركائهم. وقال مقاتل: إن زكا ونما نصيب ~~الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة. وقالوا: ms1889 لو شاء زكى نصيب ~~نفسه. وأما إن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة قالوا لا بد لآلهتنا من ~~نفقة وأخذوا نصيب الإله تعالى فأعطوه السدنة. # فمعنى فلا يصل إلى الله أنه لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها ~~من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، ومعنى الوصول إلى شركائهم أنهم ~~ينفقونه عليها بذبح نسائك عندها والأجراء على سدنتها ونحو ذلك. وقوله: مما ~~ذرأ فيه أن الله تعالى كان أولى بأن يجعل له الزاكي لأنه هو الذي ذرأه أي ~~خلقه. ثم إنه سبحانه ذم فعلهم فقال: # ساء ما يحكمون وذكر العلماء فيه وجوها: الأول أنهم رجحوا جانب الأصنام في ~~الرعاية والحفظ على جانبه وهو سفه. الثاني جعلوا بعض الحرث لله وبعضه لغيره ~~مع أنه تعالى هو الخالق للجميع. الثالث أن ذلك حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ~~ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع وأشار إليه بقوله بزعمهم الرابع لو حسن إفراز ~~نصيب الأصنام لحسن إفراز نصيب لكل حجر ومدر. الخامس لا تأثير للأصنام في ~~حصول الحرث والأنعام ولا قدرة لها على الانتفاع بذلك النصيب، فإفراز النصيب ~~لها عبث. النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة قوله: وكذلك زين كان أهل ~~الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر أو من التزويج، وكان الرجل ~~يحلف بالله إن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما فعل عبد المطلب على ابنه ~~عبد الله، والشركاء على الوجه الأول الشياطين الذين أطاعوهم في معصية الله ~~تعالى، وعلى الثاني هم السدنة والخدام، والأول قول مجاهد، والثاني للكلبي. ~~وتقدير الكلام ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله ~~والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي علم من الشياطين زين لهم شركاؤهم ~~من الشياطين أو من سدنة الأصنام قتل أولادهم بالوأد أو بالنحر. ثم إن وجه ~~القراءة الأكثري ظاهر وليس فيها إلا تقديم المفعول وذلك لشدة الاعتناء به، ~~وأما قراءة ابن عامر فخطأها الزمخشري من جهة الفصل بين المضاف والمضاف إليه ~~بغير الظرف فإن ذلك قد جوز بالظرف كقوله: ms1890 # لله در اليوم من لامها وضعف بغير الظرف كقوله: # فزججتها بمزجة ... زج القلوص أبي مزاده # وحملوه على ضرورة الشعر مع الاستكراه، والحق عندي في هذا المقام أن ~~القرآن # PageV03P172 # حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، والقراآت السبع كلها متواترة فكيف يمكن ~~تخطئة بعضها؟ فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته ~~وفصاحته وأن لا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم ~~لا، وإن ورد فكثير أم لا؟ # ومع ذلك فقد وجهه بعض الفضلاء بأن المضاف إليه من الأول محذوف على نحو ~~قوله: # بين ذراعي وجبهة الأسد والمضاف مضمر مع الثاني كقراءة من قرأ والله يريد ~~الآخرة [الأنفال: 67] بالجر على تقدير عرض الآخرة، فتقدير الآية: قتل ~~شركائهم أولادهم قتل شركائهم. ومعنى ليردوهم ليهلكوهم بالإغواء. قال ابن ~~عباس: ليردوهم في النار. واللام محمول على العاقبة إن كان التزيين من ~~السدنة، وعلى حقيقة التعليل إن كان من الشيطان وليلبسوا عليهم دينهم ~~ليخلطوه عليهم ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل فهذا الذي ~~أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق. وقيل: دينهم ~~الذي وجب أن يكونوا عليه، وقيل: وليوقعوهم في دين ملتبس ولو شاء الله ما ~~فعلوه لما فعل المشركون ما زين لهم، أو لما فعل الشياطين والسدنة التزيين ~~أو الإرداء أو اللبس أو جميع ما ذكر إن جعل الضمير جاريا مجرى اسم الإشارة. ~~والمعتزلة حملوا هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر. ثم قال: فذرهم وما ~~يفترون على قانون قوله: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] وفيه مع التهديد التسجيل ~~على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر والشرك. # قيل: إنما قال في هذه الآية ولو شاء الله ما فعلوه ليكون مناسبا لقوله: ~~وجعلوا لله وقال فيما قبل: ولو شاء ربك ما فعلوه [الأنعام: 112] لأنه وقع ~~عقيب آيات فيها ذكر الرب كقوله: قد جاءكم بصائر من ربكم [الأنعام: 104] ~~الآيات. النوع الثالث من أحكامهم الباطلة أنهم قسموا أنعامهم أقساما فأولها ~~أن قالوا هذه أنعام ms1891 وحرث حجر وحجر «فعل» بمعنى «مفعول» كالذبح والطحن ~~ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء ~~غير الصفات، وأصل الحجر المنع وسمي العقل الحجر لمنعه من القبائح، وفلان في ~~حجر القاضي أي في منعه. كانوا إذا عينوا شيئا من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم ~~قالوا: لا يطعمها إلا من نشاء يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء ~~وثانيها أن قالوا: هذه أنعام حرمت ظهورها وهي البحائر والسوائب والحوامي ~~وقد سبق في المائدة. وثالثها: أنعام لا يذكرون اسم الله عليها في الذبح ~~وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل: هي أنعام لا يحجون عليها ولا ~~يلبون على ظهورها وإنما فعلوا ذلك كله من غير حكم من الله وشرع منه بل ~~افتراء عليه وانتصابه # PageV03P173 # على أنه مفعول له أو حال أو مصدر مؤكد لأن قولهم ذلك في معنى الافتراء. ~~ثم قال: # سيجزيهم بما كانوا يفترون والمقصود منه الوعيد، والنوع الرابع من قضاياهم ~~الفاسدة أن قالوا ما في بطون هذه الأنعام يعنون أجنة البحائر والسوائب ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا هذا إن ولد حيا وإن يكن ميتة فهم فيه ~~شركاء أي اشترك فيه الذكور والإناث، من قرأ بنصب ميتة فتقديره وإن يكن ما ~~في بطونها ميتة، ومن قرأ بالرفع فعلى أن «كان تامة» ، أو لأن التقدير: وإن ~~يكن لهم أو هناك ميتة. وإنما جاز تذكير الفعل وتأنيثه لأن تأنيث الميتة غير ~~حقيقي، أو لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى فكأنه قيل: ميت ولهذا جاز عود ~~الضمير إليه مذكرا في قوله: فهم فيه شركاء وتذكير الضمير في قوله: # فهم للتغليب سيجزيهم وصفهم أي جزاء وصفهم على الله الكذب في التحليل ~~والتحريم إنه حكيم عليم ليكون الزجر واقعا على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق. ~~فإن قيل: كيف أنث خالصة وذكر محرما؟ قلنا: الأول حمل على المعنى لأن ما في ~~بطون الأنعام في معنى الأجنة، والثاني حمل على اللفظ، وفي الأول وجهان ~~آخران: أن تكون التاء للمبالغة مثل راوية الشعر وأن يكون مصدرا كالعاقبة ~~والعاقبة أي ms1892 ذو خالصة. ثم إنه سبحانه جمع قبائح أحكامهم وأفعالهم وحكم ~~عليهم بالخسران والسفاهة وعدم العلم والضلال وعدم الاهتداء فقال قد خسر ~~الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم الآية. وذلك أن الولد نعمة عظيمة من ~~الله تبقي ذكره ونسله فالسعي في إبطال مثل هذه النعمة لضرر مظنون هو الفقر ~~أو نحوه، أو لفائدة موهومة هي القربة إلى الأصنام دليل خفة العقل وعدم ~~العلم وأنه موجب لخسران الدارين. وكذا تحريم ما أحل الله من الطيبات بالهوى ~~والتقليد بل لمحض الافتراء على الله وإن ذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، ~~ولهذا سجل عليهم آخرا بالضلال ثم بعدم الاهتداء ليحصل كلا الأمرين لهم ~~بالمطابقة كما حصل بالتضمن والله أعلم. ### | التأويل: # مهلك القرى أي قرى أشخاص الإنسان بظلم وهو صرف الاستعداد الفطري في ~~استيفاء اللذات الفانية وأهلها غافلون لم يبلغوا مبلغ التكليف بعد. وربك ~~الغني عن كل مخلوق عامة وعن الإنسان خاصة ذو الرحمة خلقهم ليربحوا عليه لا ~~ليربح عليهم. واعملوا على مكانتكم أي على ما جبلتم عليه إني عامل على ما ~~جبلت عليه قتل أولادهم شركاؤهم من الشياطين والنفس والهوى والدنيا سيجزيهم ~~بما كانوا يفترون لأنهم ذهبوا مذهب الطبع لا مذهب الشرع، والعمل بالطبع وإن ~~كان فيه نوع مجاهدة النفس لا يكون له نور إذا لم يكن لامتثال الشرع قد خسر ~~الذين قتلوا # PageV03P174 # أولادهم # لأن ذلك نتيجة انتزاع الرحمة عن قلوبهم وحرموا ما رزقهم الله صورة وهو ~~ظاهر، ومعنى وهو استعداد حصول مراتب أهل القرب وما كانوا مهتدين لأن خشية ~~الفقر حملتهم على قتل الأولاد. وقال أهل التحقيق: من أمارات اليقين وحقائقه ~~كثرة العيال على بساط التوكل. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 150] # وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (141) ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا ~~مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ms1893 ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن الإبل ~~اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (144) قل لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ~~ربك غفور رحيم (145) # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ~~إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم ~~المجرمين (147) سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة ~~البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا ~~والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون (150) ### | القراآت: # حصاده بفتح الحاء: أبو عمرو وعاصم وابن عامر وسهل ويعقوب، الباقون: ~~بالكسر وكلاهما مصدر من الضأن بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية # PageV03P175 # والأعشى والأصبهاني عن ورش ويزيد وحمزة في الوقف. ومن المعز ساكن العين: # عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وأبو جعفر وابن فليح وزمعة والخزاعي عن البزي ~~والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل عنه، الباقون: بفتحها إلا أن تكون ~~بتاء التأنيث: ابن كثير وابن عامر ويزيد وحمزة وعباس من طريق ابن رومي عنه. ~~ميتة بالتخفيف والرفع: ابن عامر وزاد يزيد التشديد. الباقون: بالياء ~~وبالنصب. الحوايا ممالة: ms1894 علي وحمزة وخلف. فقل ربكم وبابه مظهرا: الحلواني ~~عن قالون والبرجمي. ### | الوقوف # . متشابه ط. ولا تسرفوا ط المسرفين ه لا لأن قوله: حمولة منصوب ب أنشأ ~~وفرشا ط الشيطان ط مبين ه لا لأن ثمانية منصوب ب أنشأ جنات أزواج ج لانقطاع ~~النظم مع اتحاد المعنى المعز اثنين ط أرحام الأنثيين ط لانتهاء الاستفهام ~~صادقين ه لا لأن اثنين منصوب ب أنشأ أيضا ومن البقر اثنين ط أرحام الأنثيين ~~ط لأن «أم» في قوله: أم كنتم بمعنى ألف استفهام توبيخ. # بهذا ج للاستفهام مع الفاء ولانقطاع النظم مع اتحاد المعنى علم ط ~~الظالمين ه. # لغير الله ج رحيم ه ظفر ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى. بعظم ط ببغيهم ~~ز للابتداء بأن وإثبات وصف الصدق مطلقا. وللوصل وجه لأن المعنى وإنا ~~لصادقون فيما أخبرنا عن التحريم ببغيهم. واسعة ط لاختلاف الجملتين المجرمين ~~ه من شيء ط بأسنا ط لنا ط تخرصون ه البالغة ج للشرط مع الفاء أجمعين ه حرم ~~هذا ج لذلك معهم ج لتناهي جزاء الشرط مع العطف يعدلون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه جعل مدار هذا الكتاب الكريم على تقرير التوحيد والنبوة ~~والمعاد وإثبات القضاء والقدر وإنه بالغ في تقرير هذه الأصول وانتهى الكلام ~~إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة منكري ~~البعث والقيامة، ثم أتبعه حكاية أقوالهم الركيكة تنبيها على ضعف عقولهم، ~~فلما تمم هذه المقاصد عاد إلى ما هو المقصود الأصلي وهو إقامة الدلائل على ~~إثبات ذاته ووجوب توحيده فقال: وهو الذي أنشأ الآية نشأ الشيء ينشأ نشأ إذا ~~ظهر وارتفع، وأنشأه الله ينشئه إنشاء أظهره ورفعه جنات معروشات وغير ~~معروشات يقال: عرشت الكرم إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القبضان. ~~وقيل: كلاهما الكرم فإن بعض الأعناب تعرش وبعضها يبقى على # PageV03P176 # وجه الأرض منبسطا كالقرع والبطيخ. وقيل: المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ ~~له عروش يحمل عليها فتمسكه وهو الكرم وما يجري مجراه، وغير معروشات هو ~~القائم من الشجر المستغني باستوائه ms1895 وقوة ساقه عن التعريش. وقيل: المعروشات ~~ما في البساتين والعمارات مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه، وغير معروشات ~~ما أنبته الله وحشيا في البراري والجبال فيبقى غير معروش. والنخل والزرع ~~فسر ابن عباس الزرع بجميع الحبوب التي تقتات مختلفا أكله والأكل كل ما يؤكل ~~والمراد هاهنا ثمر النخل والزرع فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: 11] أي إليهما. والمراد أن ~~لكل شيء منهما طعما غير طعم الآخر ومختلفا حال مقدرة أي أنشأه مقدرا اختلاف ~~أكله لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك متشابها وغير متشابه في القدر واللون ~~والطعم. ثم قال كلوا من ثمره وقد قال في الآية المتقدمة أعني نظير هذه ~~الآية وذلك قوله: وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ~~الآية إلى قوله انظروا إلى ثمره [الأنعام: 99] تنبيها على أن الأمر ~~بالاستدلال بها على الصانع الحكيم متقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن ~~الحاصل من الأول سعادة روحانية أبدية، والحاصل من الانتفاع سعادة جسمانية ~~زائلة. وفائدة هذا الأمر الإباحة، وقدم إباحة الأكل على إخراج الحق كيلا ~~يظن أنه يحرم على المالك تناوله لمكان شركة المتشاركين فيه. وفي الآية ~~إشارة إلى أن خلق هذه النعم إما للأكل وإما للتصدق، والأول لكونه حق النفس ~~مقدم على الثاني لأنه حق الغير. وفيه أن الأصل في المنافع الإباحة والإطلاق ~~لأن قوله: كلوا خطاب عام يتناول الكل، ويمكن أن يستدل به على أن الأصل عدم ~~وجوب الصوم وأن من ادعى إيجابه فهو المحتاج إلى الدليل، وأن المجنون إذا ~~أفاق في أثناء النهار لا يلزمه قضاء ما مضى، وأن الشارع في صوم النفل لا ~~يجب عليه الإتمام. قال علماء الأصول: من المعلوم من لغة العرب أن صيغة ~~الأمر تفيد ترجيح جانب الفعل فحملها على الإباحة أو الوجوب لا يصار إليه ~~إلا بدليل منفصل، وفائدة قوله: إذا أثمر وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل ~~منه هي أن يعلم أن أول وقت الإباحة وقت ms1896 اطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم أنه لا ~~يباح إلا إذا أدرك وأينع، أما قوله: وآتوا حقه يوم حصاده فعن ابن عباس في ~~رواية عطاء وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وطاوس والضحاك، أن الآية مدنية ~~والحق هو الزكاة المفروضة وعلى هذا فكيف يؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في ~~السنبل. والجواب أن المراد فاعزموا على إيتاء الحق يوم الحصاد واهتموا به ~~حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء، وقال مجاهد: الآية مكية وإن ~~هذا حق في المال سوى الزكاة وكان يقول: إذا حصدت فحضرك # PageV03P177 # المساكين فاطرح لهم منه، وكذا إذا دسته وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته وزيف # بقوله صلى الله عليه وآله: «ليس في المال حق سوى الزكاة» «1» # وبأن قوله: وآتوا حقه إنما يحسن ذكره لو كان ذلك الحق معلوما قبل ورود ~~هذه الآية والإلزام الإجمال. وعن سعيد بن جبير أن هذا كان قبل وجوب الزكاة ~~فلما فرض العشر أو نصف العشر فيما سقي بالسواقي نسخ، والقول الأول أصح. ثم ~~إن أبا حنيفة احتج بالآية على وجوب الزكاة في الثمار لأنه قال: # وآتوا حقه بعد ذكر الأنواع الخمسة وهي العنب والنخل والزرع والزيتون ~~والرمان. # واعترض عليه بأن لفظ الحصاد مخصوص بالزرع. وأجيب بأن الحصد في اللغة ~~عبارة عن القطع وذلك يتناول الكل. واحتج هو أيضا بها على أن العشر واجب في ~~القليل والكثير للإطلاق، والجواب أن بيانه # في الحديث «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» «2» . # ثم قال تعالى: ولا تسرفوا ولأهل اللغة فيه تفسيران: فعن ابن الأعرابي: ~~السرف تجاوز ما حد لك. فعلى هذا إذا أعطى الكل ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد ~~أسرف كما # جاء في الخبر «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» «3» # وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فخذها فقسمها في يوم ~~واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فنزلت الآية ولا تسرفوا # أي لا تعطوا كله وإذا منع الصدقة فقد أسرف وبه فسر الآية سعيد بن المسيب، ~~فإن مجاوزة الحد تكون إلى ms1897 طرف الإفراط وإلى طرف التفريط. وقال عمر: سرف ~~المال ما ذهب منه في غير منفعة. وعلى هذا فقد قال مقاتل: معناه لا تشركوا ~~الأصنام في الأنعام والحرث. وقال الزهري: ولا تنفقوا في معصية الله تعالى. ~~وعن مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقه رجل في طاعة الله تعالى لم يكن ~~مسرفا، ولو أنفق درهما في معصية الله كان مسرفا، وهذا المعنى أراد حاتم ~~الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير. ثم ختم الآية ~~بقوله: إنه لا يحب المسرفين والمقصود منه الزجر فإن كل مكلف لا يحبه الله ~~فإنه من أهل النار لأن محبة الله تعالى عبارة عن إرادة إيصال الثواب إليه. ~~قوله: حمولة وفرشا معطوف على جنات أي وأنشأ من الأنعام هذين الجنسين. ~~فالحمولة ما يحمل الأثقال PageV03P178 # «فعولة» بمعنى «فاعلة» والفرش ما يفرش للذبح أو ينسج من وبره وصوفه وشعره ~~الفرش مصدر بمعنى «مفعول» . وقيل: الحمولة الكبار التي تصلح للحمل، والفرش ~~الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها مثل ~~الفرش المفروش عليها. كلوا مما رزقكم الله قالت المعتزلة: أي مما أحلها لكم ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان لا تسلكوا طريقه الذي يدعوكم إليه في التحليل ~~والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية. إنه لكم عدو مبين بين ~~العداوة. وفي انتصاب ثمانية أزواج وجهان: قال الفراء: هو بدل من قوله: ~~حمولة وفرشا. وجوز غيره أن يكون مفعول كلوا والعرب تسمي الواحد فردا إذا ~~كان وحده فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منهما زوجا وهما زوجان، ~~قال عز من قائل: خلق الزوجين الذكر والأنثى [النجم: # 45] وقال: ثمانية أزواج ثم فسرها بقوله: من الضأن اثنين أي زوجين اثنين ~~ومن المعز اثنين وفي الآية الثانية: ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قال ~~الجوهري: الضائن خلاف الماعز والجمع يعني اسم الجمع الضأن والمعز مثل راكب ~~وركب وسافر وسفر. # وضأن أيضا مثل حارس وحرس. وقال في الكشاف: إنه قرىء بفتح العين. والضأن ~~ذوات الصوف ms1898 من الغنم والمعز ذوات الشعر منها قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~نصب بقوله: # حرم والاستفهام يعمل فيه ما بعده ولا يعمل فيه ما قبله. ويريد بالذكرين ~~الذكر من الضأن وهو الكبش، والذكر من المعز وهو التيس، وبالأنثيين الأنثى ~~من الضأن وهي النعجة، والأنثى من المعز وهي العنز، وذلك على طريق الجنسية ~~والمشاكلة. ومعنى الاستفهام إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم ضأنها ومعزها ~~شيئا من نوعي ذكورها وإناثها ولا مما يشتمل عليه أرحام الأنثيين أي مما ~~يحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكر من جنسي الإبل والبقر يعني الجمل والثور ~~والأنثيان منهما الناقة والبقرة وما يحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرمون ~~ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى وأولادها كيفما كانت ذكورا أو إناثا، أو من ~~خلط تارة وكانوا يقولون: قد حرمها الله فقيل لهم: إنكم لا تقرون بنبوة نبي ~~ولا شريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم؟ وأكد ذلك بقوله: نبئوني ~~بعلم أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم إن كنتم ~~صادقين في أن الله حرمه. # واعلم أنه سبحانه من على عباده بإنشاء الأزواج الثمانية من الأنعام ~~لمنافعهم وإباحتها لهم إلا أنه فصل بين بعض المعدود وبعضه بالاحتجاج على من ~~حرمها وليس ذلك بأجنبي وإنما هي جملة معترضة جيء بها تأكيدا وتشديدا ~~للتحليل، فالاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد، أما قوله: أم كنتم ~~شهداء ف «أم» منقطعة أي بل أكنتم شهداء ومعناه الإنكار # PageV03P179 # وفحواه أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون إن ~~الله حرم هذا فلم يبق إلا المشاهدة فتهكم بهم بذلك وسجل عليهم وعلى أمثالهم ~~بالظلم بقوله: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فنسب إليه تحريم ما لم ~~يحرم. قال المفسرون: يريد عمرو بن لحي بن قمعة الذي غير شريعة إسماعيل عليه ~~السلام وبحر البحائر وسيب السوائب. # والأقرب أن اللفظ عام فيتناول كل مفتر وإذا استحق هذا الوعيد على افتراء ~~الكذب في تحريم مباح فكيف إذا كذب على الله تعالى في مسائل التوحيد ms1899 ومعرفة ~~الذات والصفات والملائكة وفي النبوات وفي المعاد؟! قال القاضي: في الآية ~~دلالة على أن الإضلال عن الدين مذموم فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. ~~وأجيب بأنه ليس كل ما كان مذموما منا كان مذموما من الله تعالى فإن تمكين ~~العبيد من أسباب الفجور وتسليط الشهوة عليهم مذموم منا دونه إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين قال القاضي: لا يهديهم إلى ثوابه وإلى زيادات الهدى ~~التي يختص المهتدى بها. وقالت الأشاعرة: معناه أنه لا ينقل المشركين من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ثم لما بين فساد طريقة الجاهلية فيما يحل ~~ويحرم من المطاعم أتبعه البيان الصحيح في الباب فقال: قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما أي طعاما محرما على طاعم يطعمه على آكل يأكله إلا أن يكون ذلك ~~المأكول أو الموجود أو الطعام ميتة أو دما مسفوحا مصبوبا سائلا. قال ابن ~~عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء وما خرج من الأوداج عند الذبح فلا ~~يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، وما يختلط باللحم من الدم فإنه غير سائل. ~~وسئل أبو مجلز عما يتلطخ باللحم من الدم وعن القدر التي ترى فيها حمرة الدم ~~فقال: لا بأس به إنما النهي عن الدم المسفوح. وباقي الآية ظاهر مما سلف في ~~أمثالها، وانتصاب فسقا على أنه معطوف على المنصوبات قبله، وأهل صفة له ~~منصوبة المحل سمي ما أهل به لغير الله فسقا لتوغله في باب الفسق كما يقال: ~~فلان كرم وجود. وجوز أن يكون فسقا مفعولا له من أهل وعلى هذا فقد عطف أهل ~~على يكون والضمير في به يعود إلى ما يرجع إليه المستكن في يكون قالت ~~العلماء: إن هذه السورة مكية وقد بين في الآية أنه لم يجد فيما أوحي إليه ~~قرآنا أو غيره محرما سوى هذه الأربعة، وقد أكد هذا بما في النحل وفي البقرة ~~مصدرة بكلمة «إنما» الدالة على الحصر فصارت المدنية مطابقة للمكية، والذي ~~جاء في المائدة حرمت عليكم الميتة والدم إلى قوله: وما ms1900 أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم [الآية: 3] من أقسام الميتة ولكنه خص بالذكر لأنهم كانوا يحكمون على ~~تلك الأشياء بالتحليل فثبت أن الشريعة من أولها إلى آخرها كانت مستقرة على ~~هذا الحكم. وعلى هذا الحصر بقي الكلام في الخمر وفي سائر النجاسات # PageV03P180 # والمستقذرات فنقول: إنه سبحانه قد وصف الخمر بأنه رجس وهاهنا علل تحريم ~~لحم الخنزير بكونه رجسا فعلمنا أن النجاسة علة لتحريم الأكل وكل نجس فإنه ~~يحرم أكله، هذا بعد إجماع الأمة على تحريم الخبائث والنجاسات. وإن جوزنا ~~تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد كما # روي أنه صلى الله عليه وآله نهى عن كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من ~~الطيور. # فلا إشكال. وقيل: المراد أن وقت نزول هذه الآية لم يكن محرم غير هذه ~~الأربعة وزيف بأن تحريم شيء خامس نسخ والأصل عدمه. ثم بين سبحانه أنه حرم ~~على اليهود أشياء أخر سوى هذه الأربعة فقال: وعلى الذين هادوا حرمنا وذلك ~~نوعان: الأول أنه حرم عليهم كل ذي ظفر وفيه لغات: ضم الفاء والعين وهي ~~الفصحى، وكسرهما وهي قراءة ابن السماك، والضم مع السكون والكسر مع السكون ~~وهي قراءة الحسن، واختلف في ذي الظفر فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه الإبل ~~فقط، وعنه في رواية أخرى وهو قول مجاهد أنه الإبل والنعام، وقيل: كل ذي ~~مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب، وسمي الحافر ظفرا على الاستعارة، ~~وزيف بأن الحافر لا يكاد يسمى ظفرا وبأن البقر والغنم مباحان لهم كما يجيء ~~مع أن لهما حافرا فإذن يجب حمل الظفر على المخلب والبراثن من الجوارح ~~والسباع بل على كل ما له إصبع من دابة وطائر. وكان بعض ذوات الظفر حلالا ~~لهم فلما ظلموا عمم التحريم. فعموم التحريم خاص بهم ولهذا قدم الجار في ~~قوله وعلى الذين هادوا حرمنا فيستدل بذلك على حل بعض هذه الحيوانات على ~~المسلمين وهو ما سوى ذات المخلب والناب فيكون الخبر مبينا للآية لا مخالفا ~~كما ظن صاحب التفسير الكبير. النوع الثاني قوله ومن ms1901 البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما قال في الكشاف: هو كقولك: «من زيد أخذت ماله» تريد بالإضافة ~~يعني إضافة الأخذ إلى زيد بواسطة من زيادة الربط. والمعنى أنه حرم عليهم من ~~كل ذي ظفر كله ومن البقر والغنم بعضهما وذلك شحومهما فقط، هذا أيضا ليس على ~~الإطلاق لقوله: إلا ما حملت ظهورهما قال ابن عباس: إلا ما علق بالظهر من ~~الشحم فإني لم أحرمه. وقال قتادة: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل ~~بطونها. وقيل: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة وهي الشحمة التي ~~على الظهر الملتزقة بالجلد فيما بين الكتفين إلى الوركين. وهي بالحقيقة لحم ~~سمين لأنه يحمر عند الهزال ولهذا لو حلف لا يأكل الشحم فأكل من ذلك اللحم ~~السمين لم يحنث على الأصح. والاستثناء الثاني قوله: أو الحوايا قال ~~الجوهري: # الحوايا الأمعاء واحدها حوية وفي معناها حاوية البطن وحاوياء البطن. وقال ~~الواحدي: هي المباعر والمصارين والفحوى، أو ما اشتمل على الأمعاء يعني أن ~~الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة، والاستثناء الثالث: أو ما ~~اختلط بعظم قال جمهور المفسرين: # PageV03P181 # يعني شحم الألية. وقال ابن جريج: كل شحم في القوائم والجنب والرأس وفي ~~العينين والأذنين فإنه مخلوط بعظم فهو حلال لهم. والحاصل أن الشحم الذي حرم ~~الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية. وقيل: إن الحوايا غير معطوف على المستثنى ~~وإنما هو معطوف على المستثنى منه والتقدير: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا ~~أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. ودخوله كلمة «أو» ~~كدخولها في قوله تعالى: ولا تطع منهم آثما أو كفورا [الدهر: 24] والمعنى كل ~~هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا واعص هذا فكذا هاهنا المعنى حرمنا عليهم هذا ~~وهذا ذلك الجزاء وهو تحريم الطيبات جزيناهم ببغيهم بسبب قتلهم الأنبياء ~~وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وغير ذلك من قبائح أفعالهم ~~وإنا لصادقون في هذه الأخبار أو فيما يوعد به العصاة. قال القاضي: نفس ~~التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم لأن ms1902 التكليف تعريض للثواب ~~والتعريض للثواب إحسان. وأجيب بأن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد ~~الثواب ويمكن أن يكون بشؤم الجرم المتقدم فإن كذبوك في ادعاء النبوة ~~والرسالة أو في تبليغ الأحكام، وعلى أصول المعتزلة فإن كذبوك في إنجاز ~~إيعاد العصاة وزعموا أن الله واسع الرحمة وأنه يخلف الوعيد جودا وكرما. فقل ~~ربكم ذو رحمة واسعة فلذلك لا يعجل بالعقوبة ولا يرد بأسه إذا جاء وقت عذابه ~~عن القوم المجرمين يعني المكذبين. وعلى أصولهم رحمته واسعة لأهل طاعته ولا ~~يرد بأسه مع ذلك عن الذين ارتكبوا الكبائر فماتوا قبل التوبة. # ثم حكى أعذار الكفار الواهية فقال: سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا وإنما جاز العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير أن ~~أكد بالمنفصل لمكان الفصل بعد حرف العطف بلا الزائدة لتأكيد النفي. أخبر ~~الله تعالى بما سوف يقولونه ولما قالوه. قال في سورة النحل: وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء [النحل: 35] وإنما قال في سورة ~~النحل بزيادة «نحن» و «من دونه» مرتين لأن الإشراك مستنكر مطلقا. فلفظ ~~الإشراك يدل على إثبات شريك لا يجوز إثباته، وعلى تحليل أشياء وتحريم أشياء ~~من دون الله فلم يحتج إلى لفظ من دونه، وأما العبادة فإنها غير مستنكرة على ~~الإطلاق وإنما المستنكر عبادة شيء مع الله سبحانه، ولا تدل على تحريم شيء ~~فلم يكن بد من تقييده بقوله: من دونه ولما حذف من الآية لفظة من دونه مرتين ~~حذف معه نحن لتطرد الآية في حكم التخفيف. أما تفسير الآية فزعمت المعتزلة ~~أنها تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه: الأول أن الذي ~~حكى عن الكفار في معرض الذم والتقبيح وذلك قولهم: «لو شاء الله منا أن لا ~~نشرك لم نشرك» هو صريح قول المجبرة # PageV03P182 # فيكون هذا المذهب مذموما. الثاني قوله: كذلك كذب الذين من قبلهم فلم يذكر ~~المكذب به تنبيها على أنهم جاؤا بالتكذيب المطلق لأن الله عز وعلا ركب ms1903 في ~~العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئته القبائح وإرادتها، ~~والرسل أخبروا بذلك فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله ~~وإرادته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله ورسله وكتبه ونبذ أدلة السمع ~~والعقل وراء ظهره. والحاصل أن هذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين منهم ~~والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم لأنهم يقولون الكل ~~بمشيئة الله تعالى. الثالث قوله: حتى ذاقوا بأسنا وذلك يدل على أنهم ~~استوجبوا الوعيد من الله تعالى في هذا المذهب. الرابع قوله: قل هل عندكم من ~~علم فتخرجوه لنا وإنه استفهام على سبيل الإنكار أي لا علم لهؤلاء القائلين ~~ولا حجة. # الخامس: إن تتبعون إلا الظن السادس: وإن أنتم إلا تخرصون السابع: قل فلله ~~الحجة البالغة لأنه أزال الأعذار بالتمكين والإقدار فلم يبق لكم على الله ~~حجة وإنما الحجة البالغة له عليكم وذلك أنكم تقولون: لو أتينا بعمل على ~~خلاف مشيئة الله لزم أن يكون الإله عاجزا مغلوبا. وهذا الكلام غير لازم لأن ~~الله قادر على أن يحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء إلا ~~أن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف وهذا هو المراد من قوله: فلو شاء ~~لهداكم أجمعين وبوجه آخر إن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة ~~الله فلله الحجة الكاملة عليكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن ~~تعلقوا دين من يخالفكم أيضا بمشيئته فتوالوا جميع أهل الأديان ولا تعادوهم. ~~أجابت الأشاعرة بأنا قد بينا بالدلائل القاطعة من أول القرآن إلى هاهنا صحة ~~مذهبنا فوجب تأويل هذه الآية دفعا للتناقض فنقول: إن القوم كانوا يتمسكون ~~بمشيئة الله تعالى في إبطال دعوة الأنبياء، وفي أن التكليف عبث فبين الله ~~تعالى أن ذلك من تكاذيبهم وأكاذيبهم، وأن التشبث بهذا العذر لا يفيدهم لأنه ~~إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، شاء الكفر من الكافر ~~ومع ذلك بعث الأنبياء وأمر بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ~~ممتنع ms1904 ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب ~~القدر فجرى بما يكون إلى قيام الساعة. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله «المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة» «1» # ثم إن ظاهر آخر الآية معناه وهو قوله: فلو شاء لهداكم أجمعين وحمل ~~المشيئة على مشيئة الإلجاء والقسر تعسف والله أعلم. ثم لما أبطل جميع حجج ~~الكفار بين أنه ليس PageV03P183 # لهم على قولهم شهود فقال: قل هلم ومعناه إذا كان لازما أقبل وإذا كان ~~متعديا أحضر. # قال الخليل: أصله «هالم» من قولهم لم الله شعثه أي جمعه كأنه قال: لم ~~نفسك إلينا أي أقرب والهاء للتنبيه واستعطاف المأمور، ثم حذفت ألفها لكثرة ~~الاستعمال وجعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث في ~~لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها «هلما هلموا هلمي هلممن» والأول أفصح ~~وقد يوصل بإلى كقوله تعالى: # والقائلين لإخوانهم هلم إلينا [الأحزاب: 18] وقال الفراء: أصلها «هل أم» ~~أرادوا بهل حرف الاستفهام ومعنى أم اقصد. وقيل: إن أصل استعماله أن قالوا ~~هل لك في الطعام أم أي اقصد. ثم شاع في الكل. أمر الله تعالى نبيه باستدعاء ~~إقامة الشهداء من الكافرين ليظهر أن لا شاهد لهم على تحريم ما حرموه. وإنما ~~لم يقل شهداء يشهدون لأنه ليس الغرض إحضار أناس يشهدون بالتحريم وإنما ~~المراد إحضار شهدائهم الموسومين بالشهادة لهم المعروفين بنصرة مذهبهم ولهذا ~~قال: فإن شهدوا أي فإن وقعت شهادتهم فلا تشهد معهم أي لا تسلم لهم ما شهدوا ~~به ولا تصدقهم لأن شهادتهم محض الهوى والتعصب ولأجل ذلك قال أيضا: ولا تتبع ~~أهواء الذين كذبوا بآياتنا فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالتكذيب ~~وليرتب عليه باقي الآية فيعلم أن المتصف بهذه الصفات لا تكون شهادتهم عند ~~العقلاء مقبولة. ### | التأويل: # وهو الذي أنشأ جنات في القلوب معروشات من شجرة الإسلام والإيمان والإحسان ~~وغير معروشات هي الصفات الروحانية التي جبلت القلوب عليها كالسخاء والحياء ~~والوفاء والمودة والفتوة والشفقة والعفة والعلم والحلم والعقل والشجاعة ~~والقناعة ونخل الإيمان ms1905 وزرع الأعمال الصالحة وزيتون الأخلاق الحميدة ورمان ~~الإخلاص بالشواهد والأحوال متشابها أعمالها وغير متشابه أحوالها كلوا من ~~ثمره انتفعوا من ثمار الإيمان والأعمال والإخلاص بالشواهد والأحوال لا ~~بالدعاوى والقيل والقال. # وآتوا حقه وحقه دعوة الخلق وتربيتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ويوم حصاده ~~أوان بلوغ السالك مبلغ الرجال البالغين عند إدراك ثمرة الكمال للواصلين دون ~~السالك الذي يتردد بعد بين المنازل والمراحل. ولا تسرفوا بالشروع في الكلام ~~في غير وقته والحرص على الدعوة قبل أوانها. ومن الأنعام أي ومن الصفات ~~الحيوانية التي هي مركوزة في الإنسان ما هو مستعد لحمل الأمانة وتكاليف ~~الشرع، ومنها ما هو مستعد للأكل والشرب لصلاح القالب وقيام البشرية. كلوا ~~مما رزقكم الله فرزق القلب هو التحقيق من حيث البرهان، ورزق الروح هو ~~المحبة بصدق التحرز عن الأكوان، ورزق السر هو شهود العرفان # PageV03P184 # يلحظ العيان، فانتفعوا من هذه الأرزاق بقدر ما ينبغي. إنه لكم عدو مبين ~~يخرجكم بالتفريط والإفراط إلى ضد المقصود. ثم إن الصفات الحيوانية ثمان ~~بعضها ذكور وبعضها إناث يتولد منها صفات أخر كلها محمودة إذا استعملت في ~~محالها، وبمقدار ما ينبغي من الضأن اثنين ومن المعز اثنين والضأن والمعز من ~~جنس الفرشية كما أن الإبل والبقر من جنس الحمولية. والذكر من الضأن والمعز ~~هما صفة شهوة البطن والفرج والأنثى منهما صفة حسن الخلق عند الاستمتاع بها ~~وصفة التسليم عند تحمل الأذى، والذكر من الإبل والبقر صفتا الظلومية ~~والجهولية، وأنثاهما الحمولية والاستسلام للاستعمال. فبهذه الصفات ~~الإنسانية صار الإنسان حامل أعباء الأمانة التي أبت المكونات عن حملها وهن ~~أيضا حملة عرش القلب فافهم. وقد أحل الله تعالى استعمالها واستعمال المتولد ~~منها على قانون الشريعة والطريقة، ومن زعم أنه يجب تركها وفصلها بالكلية ~~فقد افترى لو شاء الله ما أشركنا الكلام في نفسه حق وصدق إلا أنهم لما ~~ذكروه في معرض الإلزام دفعا للأذية والآلام كذبوا فيما قالوا والله سبحانه ~~أعلم بالصواب. ### | [سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 165] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ms1906 وبالوالدين إحسانا ~~ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون (151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ~~وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون (153) ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا ~~لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) # أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (157) هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض ~~آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ~~قل انتظروا إنا منتظرون (158) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم ~~في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159) من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون ~~(160) # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) قل أغير الله أبغي ربا وهو ~~رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ~~ورفع بعضكم فوق بعض ms1907 درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه ~~لغفور رحيم (165) # PageV03P185 ### | القراآت: # تذكرون # بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا ~~إحدى التاءين. الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال وأن هذا ~~بسكون النون: ابن عامر ويعقوب وأن هذا بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي ~~وخلف، الباقون: وأن بالفتح والتشديد صراطي بفتح الياء: ابن عامر والأعشى ~~والبرجمي فتفرق بتشديد التاء: البزي وابن فليح أن يأتيهم بالياء التحتانية ~~وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف. الباقون: بالتاء الفوقانية. فارقوا وكذلك ~~في الروم: حمزة وعلي الباقون فرقوا بالتشديد عشر بالتنوين أمثالها بالرفع: ~~يعقوب. الباقون بالإضافة ربي إلى بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ~~ونافع، قيما بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير ~~المفضل. الباقون: بالعكس مع تشديد الباء. محياي بالسكون مماتي بالفتح: أبو ~~جعفر ونافع. الباقون: بالعكس. # وأنا أول بالمد: نافع وأبو جعفر. ### | الوقوف: # شيئا ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا ج لابتداء النهي مع احتمال ~~العطف أي وأن لا تقتلوا، من إملاق ط. وإياهم ج للعطف مع العارض. # وما بطن ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين بالحق ط لانتهاء ~~بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام تعقلون ه أشده # ج للفصل بين الحكمين بالقسط # ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ذا قربى # ج لتناهي جواب «إذا» وتقدم مفعول أوفوا # تذكرون # ه لمن قرأ وأن هذا بالكسر. فاتبعوه ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق ~~نظما. عن سبيله ط تتقون ه يؤمنون ه ترحمون ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا ~~تقولوا من قبلنا ص. لغافلين ه لا للعطف أهدى منهم # PageV03P186 # ج للفاء مع أن «قد» لتوكيد الابتداء. ورحمة ج للاستفهام مع الفاء وصدف ~~عنها ط يصدفون ه بعض آيات ربك ط خيرا ط منتظرون ه في شيء ط يفعلون ه ~~أمثالها ج لابتداء شرط آخر مع العطف لا يظلمون ه مستقيم ج لاحتمال أن دينا ~~نصب على البدل من ms1908 محل إلى صراط أو على الإغراء أي الزموا. # حنيفا ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى المشركين ه العالمين ه لا. لا ~~شريك له ج المسلمين ه كل شيء ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار إلا عليها ج ~~لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين أخرى ج لأن «ثم» لترتيب ~~الإخبار مع اتحاد المقصود تختلفون ه آتاكم ط العقاب ز للتفصيل بين تحذير ~~وتبشير والوصل للعطف أوضح رحيم ه. ### | التفسير: # لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان ~~الشافي في الباب فقال: قل تعالوا وهو من الخاص الذي صار عاما لأن أصله أن ~~يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه. و «ما» في قوله: ما حرم إما ~~منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف. وقوله: عليكم ~~يكون متعلقا ب أتل أو ب حرم وإما منصوب ب حرم على أن «ما» استفهامية فلا ~~راجع. والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول ~~للتخصيص. فإن قيل: قوله ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا كالتفصيل لما ~~أجمله في قوله: ما حرم فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين ~~محرما. فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند ~~قوله: ما حرم ربكم ثم ابتدأ فقال: عليكم ألا تشركوا أو «أن» مفسرة أي ذلك ~~التحريم هو قوله: ألا تشركوا وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم ~~بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل ~~والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله. ولا يجوز أن يجعل «أن» ناصبة ~~وإلا لزم عطف الطلب أعني الأمر على الخبر. واعلم أنه سبحانه بين فرق ~~المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله ~~تعالى فأشار إليهم بقوله: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة [الأنعام: 74] ومنهم عبدة ~~الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: لا أحب الآفلين [الأنعام: 76] ومنهم ~~القائلون بيزدان وأهرمن ومنهم الذين ms1909 يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن ~~الله وزيف معتقدهم بقوله: وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم [الأنعام: 100] ثم عمم النهي بقوله: ألا تشركوا به شيئا ثم ~~حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله # PageV03P187 # تاليا لتوحيده. ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين. ~~ومعنى من إملاق أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة ~~وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل ذلك الوهم بقوله: نحن ~~نرزقكم وإياهم فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا ~~القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومتعد. أملق الرجل إذا افتقر، ~~وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده. وإنما قال هاهنا: نحن نرزقكم وإياهم وقال ~~في سبحان بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، ~~وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن ~~نرزقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها. ومعنى ما ظهر منها وما بطن ~~كما مر في قوله: وذروا ظاهر الإثم وباطنه [الأنعام: 120] وفيه أن الإنسان ~~إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن ~~احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله تعالى وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من ~~مذمة الناس. ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيها على فظاعتها ~~ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله إلا بالحق وذلك أن قتل النفس المحرمة ~~قد يكون حقا لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلا ~~لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق» «1» وينخرط في ~~سلكه جزاء قاطع الطريق. والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا ~~يثبت إلا لأمر منفصل. ثم لما بين النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب ~~إلى القلوب القبول فقال: # ذلكم وصاكم لما في لفظ التوصية ms1910 من الرأفة والاستعطاف. ومعنى لعلكم تعقلون ~~لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا. ثم ذكر أربعة ~~أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي # أي بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن # وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول ~~سورة النساء حتى يبلغ أشده # أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه ~~الرشد. قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع. وقال أبو الهيثم: # الواحد شدة كأنعم في نعمة، والشدة القوة ومنه قولهم: «بلغ الغلام شدته» . ~~وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط # بالعدل PageV03P188 # والسوية. وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس. وقوله: والميزان # أي الوزن بالميزان. فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة ~~التكرار؟ قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان ~~وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة. ثم قال: # لا نكلف نفسا إلا وسعها # ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي ~~إلى الحرج والعسر. فزعمت المعتزلة هاهنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم ~~يجوزه الله تعالى فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق ~~القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم ~~والداعي كما تقدم مرارا وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان # المقول له أو عليه ذا قربى # حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على ~~الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين. وتقرير الدلائل ~~عليه بأن يذكر الدليل مخلصا عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجردا عن العصبية ~~والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وكذا الحكاية والرواية والرسالة. وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب ~~والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: وبعهد الله أوفوا # كما قال: ms1911 # أوفوا بالعقود [المائدة: 1] ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع ~~المذكورة وأن هذا صراطي من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن ~~والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد ~~وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر. # وإن شئت جعلتها خفضا متعلقا بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما ~~بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ومن كسر فلأن التلاوة في ~~معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ولا تتبعوا ~~السبل المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع ~~والضلالات فتفرق بكم الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع عن سبيله ~~المستقيم وهو دين الإسلام. # وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطا ثم قال: هذا سبيل ~~الرشد. ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها ~~شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية. # فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها ~~بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله لعلكم تعقلون ~~لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ~~لعلكم تذكرون # لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على ~~موضع الاعتدال. أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام ~~جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية # PageV03P189 # بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر ~~الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت ~~الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: تذكرون # أي تتعظون بمواعظ الله تعالى. # قوله: ثم آتينا موسى الكتاب معطوف على وصاكم فسئل كيف صح عطفه عليه بثم ~~والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟ وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف ~~لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ~~ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: ms1912 إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن ~~تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول ~~شيء في التوراة. وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت ~~بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما ~~وحديثا، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك. ~~وقيل: إن في الآية حذفا تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا ~~آتينا. والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى. وقيل: هو ~~معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~[الأنعام: 84] وقوله: تماما على الذي أحسن مفعول له أي لتتم نعمتنا على ~~الذي أحسن أي على من كان محسنا صالحا، أو المراد إتماما للنعمة والكرامة ~~على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماما على الذي ~~أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على ~~علمه. وقرىء أحسن بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه وتفصيلا لكل ~~شيء فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ~~وهدى دلالة ورحمة لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب وهذا ~~كتاب أنزلناه لا شك أنه القرآن مبارك كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق ~~إليه النسخ كما في الكتابين فاتبعوه واتقوا لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى ~~رحمة الله تعالى، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على ~~رجاء الرحمة. قال الفراء قوله: أن تقولوا مفعول واتقوا وقال الكسائي: ~~التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا. وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن ~~تقولوا والخطاب لأهل مكة إنما أنزل الكتاب أي التوراة والإنجيل على طائفتين ~~من قبلنا اليهود والنصارى وإن كنا هي المخففة من الثقيلة واللام في لغافلين ~~هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة. ~~وإنما ms1913 قالوا: لكنا أهدى منهم لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ~~ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين # PageV03P190 # قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم. ثم قال: فقد جاءكم أي إن صدقتم أن ~~عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم ~~فقد جاءكم بينة من ربكم فيما يعلم سمعا وهدى فيما يعلم سمعا وعقلا ورحمة من ~~الله في إصلاح المعاش والمعاد فمن أظلم بعد هذه المعجزات والبينات ممن كذب ~~بآيات الله وصدف عنها أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ~~ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة ~~العذر لا يؤمنون البتة، وشرح أحوالا توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة ~~فقال: هل ينظرون أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية إنهم لا ~~يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني ~~به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة. قال في ~~الكشاف: # الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ~~يوم يأتي بعض آيات ربك وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة. # عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذ أشرف النبي صلى الله ~~عليه وآله فقال: «أتتذاكرون الساعة؟ إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: ~~الدخان ودابة الأرض وخسفا بالمشرق وخسفا بالمغرب وخسفا بجزيرة العرب ~~والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ونارا تخرج من ~~عدن» «1» # والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفسا ~~إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفسا ما كسبت في إيمانها خيرا. ثم أوعدهم ~~بقوله قل انتظروا إنا منتظرون ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ~~إن الذين فارقوا دينهم أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي ~~فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه. قال ابن عباس: ~~يريد أن المشركين بعضهم ms1914 يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم ~~يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعا أي فرقا ~~وإخوانا في الضلالة. والشيعة كل فرقة تشيع إماما لها. وقال مجاهد وقتادة: ~~هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقا وكفر بعضهم بعضا وأخذوا بعضا وتركوا بعضا ~~كقوله: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض [البقرة: 85] وعن مجاهد أيضا ~~أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات # وفي الحديث «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة- كلها في الهاوية إلا ~~واحدة وهي الناجية- وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة- كلها في ~~الهاوية إلا واحدة. وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية ~~PageV03P191 # إلا واحدة» «1» # لست منهم في شيء أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك ~~الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك. وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم ~~فلما أمر بقتالهم نسخ. ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي ~~الأمر في وقت آخر فلا نسخ إنما أمرهم إلى الله بالاستئصال والإهلاك ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون وفيه من الوعيد ما فيه. وفي الآية حث على أن كلمة ~~المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: من جاء ~~بالحسنة هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك. والأولى حملها على العموم فله ~~عشر أمثالها أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها ~~كقراءة من قرأ عشر أمثالها بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد ~~سبعمائة وبغير حساب. وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقا كقول ~~القائل: لئن أسديت إلي معروفا لأكافئنك بعشرة أمثاله. وفي الوعيد لئن ~~كلمتني واحدة لأكلمنك عشرا. # روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: «الحسنة عشر ~~أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره» وقال صلى ~~الله عليه وآله يقول الله تعالى: «إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن ~~لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها ~~فسيئة» «2» # وهم لا يظلمون أي لا ms1915 ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم. ~~أسئلة: ما الحكمة في الأضعاف؟ جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة ~~فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر حيرا من ألف شهر وأضعاف الأعمال من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ~~[البقرة: 261] إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [الزمر: 10] وأيضا لو أن ~~الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف ~~فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبدا. آخر: ~~كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟ جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبدا ~~فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون ~~على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضا الذي جهله الكافر وهو ~~ذات القديم سبحانه وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا ~~عقابه. PageV03P192 # آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلا عن صيام ستين يوما وهو في كفارة ~~الظهار وتارة بدلا عن صيام أيام قلائل. آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين ~~فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجر بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ~~ازدادت الجناية وقل العقاب. # آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل ~~الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين. الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو ~~البصر، الأجفان، المارن، الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، ~~اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، ~~السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال ~~لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي. وقد تضاف إليها موجبات الجوائف ~~والمواضح وسائر الشجات. فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده ~~بنصفين لم يجب إلا دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير ~~معتبرة في الشرع. والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات ~~الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها. ويمكن أن يجاب عن الثالث ~~بأن بدل الأطراف لما لم يستقر ms1916 بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك ~~والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم. قال أهل السنة: كل ~~الثواب تفضل من الله تعالى فلا إشكال. وقالت المعتزلة: إن بين الثواب ~~والتفضل فرقا لأن الثواب هو المنفعة المستحقة والتفضل هو المنفعة التي لا ~~تكون مستحقة. ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو ~~كان الواحد ثوابا والتسعة تفضلا لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون ~~للتكليف فائدة. وقال آخرون: # لا يبعد أن يكون الواحد ثوابا إلا أنه يكون أعلى شأنا من التسعة الباقية. ~~ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف ~~المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر ورد على أهل الجاهلية ~~أباطيلهم أمره بأن يقول: إنني هداني ربي ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا ~~بالله عز وجل. وقيما «فيعل» من قام كسيد من ساد. ومن قرأ قيما فعلى أنه ~~مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة وملة إبراهيم عطف بيان ~~وحنيفا حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال ~~كونه أو كونها موصوفا بالحنيفية. ثم قال في صفة إبراهيم: وما كان من ~~المشركين ردا على من زعم عليه شيئا من ذلك. # ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه ~~فقال: قل إن صلاتي ونسكي أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن ~~الأعرابي أنه قال: # النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة. وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص ~~نفسه من # PageV03P193 # دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث. وقيل: المراد بالنسك هاهنا ~~الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: فصل لربك وانحر [الكوثر: 2] ~~وقيل: صلاتي وحجي أخذا من مناسك الحج. ومحياي ومماتي أي حياتي وموتي مصدران ~~ميميان. # وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل ~~الصالح. وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن ~~يكون جميع حركات المرء وسكناته ms1917 لله رب العالمين وبذلك من الإخلاص أمرت وأنا ~~أول المسلمين لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. وقال في التفسير ~~الكبير: إنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته ~~كلها واقعة بخلق الله تعالى وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات ~~بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه ~~بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: قل أغير الله ~~أبغي ربا وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود ~~والنصارى والثنوية كلهم معترفون بأن الله تعالى خالق الكل فكأنه سبحانه ~~قال: قل يا محمد منكرا أغير الله أطلب ربا مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من ~~دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب ~~والعبد شريكا للرب والمولى. وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن ~~لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا ~~يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن ~~المربوب لا يكون شريكا للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره. ثم لما بين ~~الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا ~~عقاب فقال ولا تكسب كل نفس إلا عليها ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على ~~غيره ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد ~~لقولهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم [العنكبوت: 12] ثم بين أن رجوع هؤلاء ~~المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله تعالى فقال: ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط ~~والمعاد على سبيل الإجمال فقال وهو الذي جعلكم خلائف الأرض قيل: الخطاب ~~لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضا. وقيل: # لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، ~~وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله ms1918 في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها ~~بالحق كقوله: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس [ص: 26] ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجات في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز ~~والبخل ولكن لأجل شبه # PageV03P194 # الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ~~ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير. ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة ~~على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ~~فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحا لجانب ~~الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر ~~عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا # قال «سبقت رحمتي غضبي» # وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب. # وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في ### | سورة الأعراف # في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، ~~وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة ~~فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه. ### | التأويل: # من إملاق فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله وأوفوا الكيل # أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد ~~وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية. وبعهد الله أوفوا # بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه وأن هذا صراطي مستقيما إشارة ~~إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله تعالى هو صراط محمد صلى الله عليه ~~وسلم تماما على الذي أحسن أي على من أحسن من أمتك إسلامه. وفيه أن الكتب ~~المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ~~ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم. ويحتمل أن يراد ~~بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ~~أنزلناه مبارك وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن فقد جاءكم بينة ~~ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما ~~جاء في الكتابين ولا ms1919 رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [الأنعام: 59] هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة عيانا وتسوقيهم إلى الله قهرا والجاء أو ~~يأتي ربك إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك قل انتظروا للمستحيلات إنا ~~منتظرون للميعاد في المعاد إن الذين فارقوا الدين الحقيقي الذي فيه كمالية ~~الإنسان وكانوا شيعا فرقا مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء ~~وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة لست منهم في شيء لأنك على الحق وهم ~~على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد ~~كما شاء ثم ينبئهم يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من ~~العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق ~~وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، ~~وحسنة التوفيق للحسنة # PageV03P195 # وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة ~~بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا [الأعراف: 58] والتحقيق أنه كما ~~للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث ~~لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر. فالعمل ~~الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحدا، وفي مرتبة القلب يكون ~~بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى ~~أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء ~~في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله تعالى أعلم ورسوله. # قل إنني هداني ربي من أسفل سافلين القالب بجذبة العناية الأزلية ونسكي أي ~~سيري على منهاج «الصلاة معراج المؤمن» ومحياي أي حياة قلبي وروحي ومماتي أي ~~موت نفسي لطلب رب العالمين والوصول إليه وأنا أول المستسلمين عند الإيجاد ms1920 ~~لأمر «كن» كما قال: «أول ما خلق الله نوري» . قل أغير الله كيف أطلب غير ~~الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له ~~لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى فإن كان القلب سليما من كدورات صفات النفس باقيا على ما جبل عليه من ~~حب الله تعالى وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون ~~النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال ~~وأزاغه الله تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات ~~النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة ~~والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف ~~العبودية فيكون مأخوذا بوزره لا بوزر غيره وهو الذي جعلكم كل واحد من بني ~~آدم وقته خليفة ربه في الأرض. وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حيا قيوما ~~سميعا بصيرا عالما قادرا مريدا متكلما ورفع بعضكم فوق بعض درجات في استعداد ~~الخلافة ليبلوكم ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في ~~العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد ~~للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة لغفور رحيم لمن وفقه لمرضاته ~~ورفع درجاته الله حسبي. # PageV03P196 ### | (سورة الأعراف) # (مكية إلا خمس آيات) وسئلهم عن القرية إلى قوله: # وقطعناهم حروفها 14210 كلماتها 3325، آياتها مائتان وست. # تفسير سورة الأعراف ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # المص (1) كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون (3) وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ~~(4) # فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (5) فلنسئلن ~~الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ms1921 (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ~~(7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (9) # ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون (10) ### | القراآت: # يتذكرون بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر. والباقون كما مر في آخر ~~الأنعام. ### | الوقوف: # المص ه كوفي للمؤمنين ه أولياء ط تذكرون ه قائلون ه ظالمين ه المرسلين ه ~~لا للعطف غائبين ه الحق ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب المفلحون ه يظلمون ~~ه معايش ط تشكرون ه. ### | التفسير: # قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم. وعن ابن عباس ~~معنى المص أنا الله أعلم وأفصل. وقال السدي: معناه أنا المصور. وقيل: معناه ~~ألم نشرح لك صدرك بدليل فلا يكن في صدرك حرج منه كما زاد في الرعد راء ~~لقوله بعده رفع السماوات [الآية: 2] ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا ~~محل لها من # PageV03P197 # الإعراب، وإن كانت اسما للسورة جاز أن يكون المص مبتدأ وكتاب يعني به ~~السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون المص خبر مبتدأ محذوف وكذا ~~كتاب أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك. والدليل على أنه منزل من الله تعالى ~~هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتابا ولم يخالط أهل ~~الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب ~~المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق ~~الوحي. القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى ~~حال وهذا من سمات المحدثات. وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل ~~المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة. فإن قيل: ~~الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل ~~التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟ أجيب بأنه تعالى أحدث هذه ~~الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش ms1922 وحفظها ونزل فعلمها ~~محمدا صلى الله عليه وآله. # ثم قال: فلا يكن في صدرك حرج أي شك. وسمي الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر ~~حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى منه أي من شأن الكتاب أي لا ~~تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه ~~النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك هاهنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ~~ذلك سبب رؤيته ومثله قوله تعالى وليجدوا فيكم غلظة [التوبة: 123] ظاهره أمر ~~للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين. وفي متعلق ~~قوله لتنذر أقوال. قال الفراء: إنه متعلق ب أنزل وفي الكلام تقديم وتأخير ~~أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج. وفائدة التقديم والتأخير أن ~~الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن ~~الصدر. # وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن ~~في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا ~~أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله ~~على ربه وثقته بعصمته. وقال صاحب النظم: اللام بمعنى «أن» كقوله: يريدون أن ~~يطفؤا [التوبة: 32] وفي موضع آخر ليطفؤا [الصف: 8] والتقدير لا يضق صدرك ~~ولا تضعف عن أن تنذر به. وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك ~~وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا ~~يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظا وناصرا لم يخف أحدا، وإذا زال ~~الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا ~~تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال. ثم قال: وذكرى للمؤمنين قال ابن عباس: # PageV03P198 # يريد مواعظ للمصدقين. وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر. قال الليث: ~~الذكرى اسم للتذكرة. وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها ~~كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيرا، والرفع ms1923 عطفا على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ ~~محذوف والجر للعطف على محل أن تنذر أي للإنذار وللذكرى. وإنما لم نقل على ~~محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحدا ولو ~~صح ذلك لكان محله النصب لا الجر. # وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: هدى للمتقين [البقرة: 2] والتحقيق فيه أن ~~النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات ~~الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قوي، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة ~~للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ~~ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا ~~سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى تذكرت معدنها ~~وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلم تحتج ~~إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه سبحانه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون ~~إنذارا في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة. ثم كما أمر الرسول بالتبليغ ~~والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ومعنى كونه منزلا إليهم أنهم مخاطبون بذلك ~~مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول ~~للقرآن والسنة جميعا. عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة ~~رسوله. وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن ~~متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض. فإن قيل: العمل بالقياس ~~لكونه مستفادا من القرآن وهو قوله: فاعتبروا [الحشر: 2] عمل بالقرآن أيضا. ~~قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل ~~بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ولا تتبعوا من دونه أي لا ~~تتخذوا من دون الله أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة ~~الأوثان والأهواء والبدع. ويجوز أن يكون الضمير في من دونه لما أنزل أي لا ~~تتبعوا من دون دين الله أولياء. احتج نفاة القياس بأن الآية ms1924 دلت على أنه لا ~~يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة غير ما أنزل فلا ~~يجوز. لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: فاعتبروا [الحشر: 2] لأنا ~~نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافرا لقوله: ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [المائدة: 44] وقد أجمعت الأمة ~~على عدم تكفيره. أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة ~~والإجماع دليل # PageV03P199 # قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع. وزيف بأنكم أثبتم أن ~~الإجماع حجة بعموم قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر [آل عمران: 110] وبعموم # قوله صلى الله عليه وآله «لا تجتمع أمتي على الضلالة» «1» # والفرع لا يكون أقوى من الأصل. أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث ~~والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح. ومن الحشوية ~~من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكا بالآية. وأجيب بأن العلم بكون ~~القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر. ثم ختم ~~المخاطبة بنوع معاتبة فقال: # قليلا ما تذكرون أي تذكرون تذكرا قليلا. و «ما» مزيدة لتوكيد القلة. ثم ~~ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: وكم من قرية فموضع «كم» رفع ~~بالابتداء و «من» مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى أهلكناها مثل زيد ~~ضربته وتقدم النصب أيضا عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن ~~القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل ~~قرية لقوله فجاءها بأسنا والبأس بالأهل أنسب ولقوله: # أو هم قائلون ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى ~~البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم. وإنما قال: فجاءها ردا بالكلام على ~~اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت. وهنا سؤال وهو أن قوله: فجاءها بأسنا يقتضي ~~أن يكون الهلاك مقدما على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس. والعلماء أجابوا ~~بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا إهلاكها فجاءها كقوله: إذا ~~قمتم إلى الصلاة ms1925 فاغسلوا [المائدة: 6] ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء ~~البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام ~~صحيح. فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟ # فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير # كقوله صلى الله عليه وآله «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور ~~مواضعه فيغسل وجهه ويديه» # فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا هاهنا مجيء ~~البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد ~~يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال ~~البأس والهلاك يقعان معا كما يقال: أعطيتني فأحسنت. وما كان الإحسان بعد ~~الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معا. ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف ~~والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء ~~البأس. ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقولهم: عرضت ~~الناقة على الحوض. وقوله بياتا PageV03P200 # قال الجوهري: بيت العدو أي أوقع بهم ليلا والاسم البيات. وفي الكشاف أنه ~~مصدر بات الرجل بياتا حسنا. وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين ~~أو مبيتين. ثم قال: # أو هم قائلون والجملة حال معطوفة على بياتا كأنه قيل: فجاءها بأسنا ~~مبيتين أو بائتين أو قائلين. وإنما حسن ترك الواو هاهنا من الجملة الاسمية ~~الواقعة حالا لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل ~~فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل. فقولك: جائني زيد ~~راجلا أو هو فارس. كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفا. وقال ~~بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا. أما معنى القيلولة ~~فالمشهور أنها نومة الظهيرة. وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم ~~يكن نوم لقوله تعالى: أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا [الفرقان: ~~24] والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة ~~والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وكأنه قيل للكفار لا تغتروا ~~بالفراغ والرفاه والأمن ms1926 والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق ~~أمارة. # أيا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة. ثم قرر حالهم عند ~~مجيء البأس فقال: فما كان دعواهم أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم ~~وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم ~~على أنفسهم. وقال ابن عباس: # فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم ~~بالشرك. وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء. حكى سيبويه اللهم ~~أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا ~~اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ~~ما فرط منهم وفرطوا فيه. ومحل دعواهم وعلى عكسه محل أن قالوا يجوز أن يكون ~~نصبا أو رفعا كما سبق في إعراب قوله: ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ~~[الأنعام: 23] ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيدا آجلا فقال: فلنسئلن ~~الذين أرسل إليهم نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ويوم ~~يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] ولنسئلن المرسلين عما ~~أجيبوا به كما قال: يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [المائدة: 109] ~~ثم قال: # فلنقصن عليهم أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم بعلم عالمين ~~بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم وما كنا غائبين عنهم وعما وجد ~~منهم. فإن قيل: # ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعد ما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟ ~~فالجواب أنهم لما # PageV03P201 # أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير ~~تقريعا وتوبيخا. فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر ~~عنهم تقصير البتة؟ # قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله تعالى في حق الرسل ~~لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق ~~الكفار. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: فلنسئلن وبين قوله: فيومئذ لا يسئل ~~عن ذنبه إنس ms1927 ولا جان [الرحمن: 39] فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان ~~أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون ~~عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها. أو المراد نفي ~~سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض. وفي ~~الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها ~~أنه سبحانه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في ~~السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك. وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز ~~والجهات وإلا كان غائبا عن غيره. ثم بين أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن ~~الأعمال فقال: والوزن وهو مبتدأ خبره يومئذ وقوله الحق صفة المبتدأ أي ~~الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم. وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد ~~بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون الحق خبرا ويومئذ ظرفا للوزن ومعنى ~~الحق أنه كائن لا محالة. وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما # جاء في الخبر «إنه تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به ~~أعمال العباد خيرها وشرها» . # وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصور أعماله بصور حسنة وأعمال ~~الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس. وثانيهما أن الوزن يعود ~~إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: ~~الصحف. # وعن عبد الله بن سلام أن ميزان رب العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل ~~به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات ~~والأرض في أحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، # وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى برجل ~~يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر فيها ~~خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة ~~أن لا إله إلا ms1928 الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في ~~الآخرة فترجح» «1» PageV03P202 # قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات ~~وإلا كان إغراء على المعصية. ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ~~ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله تعالى أشرف ~~العقائد والأعمال. # وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي ~~فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك وهذه ~~صلواتك التي كنت تصليها علي قد وافتك أحوج ما تكون إليها # القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من ~~الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا ~~يبعد جعل الوزن مجازا عن العدل. ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها ~~قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها. # وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال ~~فنقول: # المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقرا بأنه تعالى عادل حكيم وحينئذ يكفيه ~~حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا ~~يكون مقرا فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان. ~~أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن ~~الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد ~~الفرح والسرور للمؤمن وبالضد للكافر. واختلف العلماء أيضا في كيفية الرجحان ~~فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات. وقال ~~آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة. واختلف أيضا في الموازين فقيل: إنها جمع ~~موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد. ولئن سلم أنها جمع ~~الميزان فالعرب قد توقع لفظا لجمع على الواحد فتقول: ms1929 خرج فلان إلى مكة على ~~الأفراس والبغال. قاله الزجاج. وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له ~~لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك ~~الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة [الأنبياء: 47] وأيضا لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال ~~الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر. ثم إن المرجئة الذين يقولون ~~المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من ~~تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر ~~لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب ~~بها وهذا لا يليق إلا بالكافر. ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياما ~~ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله تعالى فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز ~~برحمة الله أبد # PageV03P203 # الآباد من غير زوال ولا انقطاع. قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون ~~حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم. # ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء ~~بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ولقد مكناكم في الأرض ~~أقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش هي جمع معيشة وهي ما يعاش ~~به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه ~~المنافع التي تحصل بتخليق الله تعالى ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب ~~والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة. ~~وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيها بصحائف واستبعده ~~النحويون البصريون. ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي ~~فقال: قليلا ما تشكرون وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون وقليل من عبادي ~~الشكور [سبأ: 13] . ### | التأويل: # المص هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق ~~والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة كتاب أنزل إليك فانفسح ms1930 له صدرك ~~وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد ~~عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح. وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه ~~حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا ~~بأخلاق الله. وكم من قرية قبل أفسدنا استعدادها فجاءها بأسنا أي إزاغة ~~قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار ~~الخذلان فما كان ادعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب إنا ~~كنا ظالمين فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله تعالى مقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم فلنسئلن الذين أرسل إليهم وهم عامة الخلائق هل قبلتم ~~الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين ~~قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ولنسئلن المرسلين سؤال إنعام ~~وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمما قابلي الدعوة فلنقصن عليهم بعلم فليعلمن ~~أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثا وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم وما ~~كنا غائبين عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ~~والوزن يومئذ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزنا. روي أنه ~~يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة. ~~فمن ثقلت موازينه بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ~~فأولئك هم المفلحون من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن # PageV03P204 # كل مكلف ميزانا يوزن به أعماله ولنفسه ميزانا يوزن به صفاتها ولقلبه ~~ميزانا يوزن به أوصافه ولروحه ميزانا يوزن به نعوته ولسره ميزانا يوزن به ~~أحواله ولخفيه ميزانا يوزن به أخلاقه. # والخفي لطيفة روحانية قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا # قال صلى الله عليه وآله: «ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق» # وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد ~~مأمورون بالتخلق بأخلاقه خسروا أنفسهم أفسدوا استعدادها ولقد مكناكم هيأنا ~~لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك وجعلنا لكم خاصة معايش ولكل ~~صنف ms1931 من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية ~~والحيوانية والشيطانية والإنسانية. فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة ~~الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد ~~حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك ~~والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة ~~سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 11 الى 25] # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين (12) قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر ~~فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك ~~من المنظرين (15) # قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) قال ~~اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (18) ويا ~~آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا ~~من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ~~وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين (20) # وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت ~~لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما ~~عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (22) قالا ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون ومنها تخرجون (25) ### | القراآت: # لأملأن بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في # PageV03P205 # الوقف. تخرجون من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان ~~الباقون: مبنيا للمفعول من الإخراج والله أعلم. ### | الوقوف: # إلا إبليس ط لأنه معرفة ms1932 فلا تصلح الجملة صفة له. الساجدين ه إذ أمرتك ط ~~منه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول. طين ه الصاغرين ه. # يبعثون ه المنظرين ه المستقيم ه لا للعطف شمائلهم ط شاكرين ه مدحورا ط ~~لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف. أجمعين ه الظالمين ه الخالدين ه الناصحين ه ~~بغرور ج لأن جواب «لما» منتظر مع الفاء ورق الجنة ط لأن الواو للاستئناف ~~مبين ه أنفسنا سكتة للأدب إعلاما بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة. ~~الخاسرين ه عدو ط لعطف المختلفين إلى حين ه تخرجون ه. ### | التفسير: # من جملة نعم الله تعالى علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجودا للملائكة ~~فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة ~~البقرة كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [البقرة: 28] منع من المعصية ~~بقوله: كيف تكفرون ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم ~~كانوا أمواتا فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعا من المنافع، ثم ختم ذلك ~~بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجودا للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد ~~والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام. وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ~~ذكرها الله في سبعة مواضع: في «البقرة» وهاهنا وفي «الحجر» وفي «سبحان» وفي ~~«الكهف» وفي «طه» وفي «ص» وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن ~~شاء الله تعالى. وهاهنا سؤال وهو أن قوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في ~~الواقع بالعكس. # وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طينا غير ~~مصور ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا. وإنما حسن هذه الكناية لأن ~~آدم عليه السلام أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور [البقرة: 63] أي ميثاق أسلافكم. # وقال صلى الله عليه وسلم: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل. وإنما ~~قتله أحدهم. # ومنها أن المراد من خلقناكم ms1933 آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في ~~صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد. ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~نخبركم أنا قلنا للملائكة. ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله ~~تعالى عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له. ~~فقوله: # PageV03P206 # خلقناكم إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم. وقوله: # صورناكم إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت ~~صور كل كائن كما # جاء في الخبر «اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» . # ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له. قال ~~الإمام فخر الدين رضي الله عنه: وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل ~~هذه الآية، وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة ~~البقرة فلا وجه لإعادته. أما قوله سبحانه: ما منعك ألا تسجد فظاهره يقتضي ~~أنه تعالى طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود ~~طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~[ص: 75] فلهذا الإشكال حصل للمفسرين رضي الله عنهم أقوال أولها وهو الأشهر: ~~أن «لا صلة» زائدة كما في لا أقسم [القيامة: 1] وكما في قوله: لئلا يعلم ~~أهل الكتاب [الحديد: 29] أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج ~~والأكثرين. قال في الكشاف: # وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ~~لئلا يعلم ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ما منعك ألا تسجد ما منعك أن تحقق ~~السجود وتلزمه نفسك. قلت: لعله أراد أن زيادة «لا» إشارة إلى نفي ما عدا ~~المذكور ليلزم منه تحقق المذكور. وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله ~~تعالى خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء ~~كقول القائل لمن ضربه ظلما: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟ ~~والمعنى أنه لم يوجد ms1934 أحد هذه فما امتنعت من ضربي. وثالثها قال القاضي: ذكر ~~الله تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن ~~مخالفة أمر الله تعالى حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها. وقيل: # الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه. وقيل: معناه ما الذي جعلك في ~~منعة من عذابي؟ وقيل: معناه من قال لك لا تسجد. وأقول: يمكن أن لا يعلق ~~قوله: ألا تسجد بقوله: ما منعك وإنما يكون متعلقه محذوفا التقدير: ما منعك ~~من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال. والحاصل أن عدم ~~سجودك ما سببه؟ إذ أمرتك أمر إيجاب. وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب ~~توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده. واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر ~~يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم ~~يستوجب الذم بترك السجود في الحال. ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه ~~بالفضل على آدم زعما منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية ~~هي التي منعته عن السجود فقال: أنا خير منه ثم بين هذه المقدمة بقوله ~~خلقتني من نار # PageV03P207 # وخلقته من طين # والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور ~~لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن ~~الأجرام اللطيفة كلها، وأيضا النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها ~~إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال. وأيضا النار مناسبة للحرارة ~~الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت ~~والحياة أشرف من الموت. وأيضا فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال ~~الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد ~~واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف ~~الفرع. وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول ~~فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار ms1935 أفضل من الأرض ~~فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ~~ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على ~~البعض تطويل بلا طائل. ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى: ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا [البقرة: 22] وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن ~~اللعين مردود جدا، ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش ~~والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع ~~لكفى به ردا لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع ~~لأن الفضيلة عطية من الله تعالى ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة ~~الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول ~~الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل. فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق ~~منه # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم» # إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] وفي كلام الحكماء: العاقل من ~~يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية. فثبت أن دعوى اللعين في قوله: أنا ~~خير منه باطلة. ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعا وإسقاطا ~~لحق النفس؟ ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف ~~المفضول والرفع من مقداره؟ قالت العلماء هاهنا: إن قوله تعالى للملائكة: ~~اسجدوا لآدم خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا ~~العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله ~~فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن ~~عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس. وأول من قاس ~~إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس. ~~ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلا # PageV03P208 # للنص بالكلية لا مخصصا. وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقا من النار ~~بسجوده لمن كان مخلوقا من ms1936 الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقا من النور المحض ~~بسجوده لمن هو مخلوق من الأرض أولى. ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف ~~إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذ لا يقبح أمره بذلك. ثم إن ~~الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح ~~أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق ~~الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا. # قال أي الله تعالى كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان ~~بعض ملائكته فاهبط يعني إذ لم تمتثل أمري فاهبط منها. قال ابن عباس: يريد ~~من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم. وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط ~~من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي ~~مقر العاصين المتكبرين من الثقلين فما يكون فما يصح لك أن تتكبر فيها وتعصي ~~فاخرج إنك من الصاغرين من أهل الصغار والهوان. يقال للرجل قم صاغرا إذا ~~أهين. وفي ضده قم راشدا، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله ~~بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: «من تواضع لله رفعه الله ~~ومن تكبر وضعه الله» «1» قال أنظرني إلى يوم يبعثون طلب الإنظار من الله ~~تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ~~ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك بل قال مطلقا إنك من ~~المنظرين قيل: # إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر إلى يوم الوقت المعلوم [ص: 81] أي ~~اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم ~~يوقت الله تعالى له أجلا. والمراد الوقت المعلوم في علم الله تعالى والدليل ~~على ذلك أن إبليس كان مكلفا والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على ~~المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على ~~المعاصي فيكون قبيحا. أجاب الأولون بأن من علم ms1937 الله تعالى من حاله أنه يموت ~~على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه ~~بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف ~~والإعلام قال فبما أغويتني الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى ~~الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن. ولا يمكن أن ~~يتعلق PageV03P209 # الباء بقوله: لأقعدن لأن لام القسم تأبى ذلك. لا يقال: والله يريد لأمرن. ~~لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي ~~تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها ~~شيء من معمولاتها لضعفها. وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و «ما» مصدرية ~~تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم. ويجوز أن تكون الباء ~~للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن. # ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك علي ونفاذ ~~سلطانك في لأقعدن. # وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من ~~أحسن أفعال الله لكونه تعريضا لسعادة الأبد فكان جديرا بأن يقسم به وهذا ~~يناسب أصول الاعتزال. # قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة ~~يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يمينا. ويعني بصفات الفعل ~~ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلانا ولم يرحم فلانا وغضب ولم يغضب. وقال ~~بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: لأقعدن ويرد ~~على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» استفهامية قليل. ~~قيل: إن إبليس أضاف الإغواء هاهنا إلى الله وفي قوله: فبعزتك لأغوينهم [ص: ~~82] أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا ~~دليل على أنه كان متحيرا في هذه المسألة. أجابت المعتزلة عن قوله: فبما ~~أغويتني بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه تعالى لما أمره ~~بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى ms1938 الله. وقد ~~يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء ~~الإهلاك واللعن. وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء هاهنا ~~هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا ~~أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغو وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار ~~الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى ~~خالق الكل وهو المقصود. أما قوله: لأقعدن لهم صراطك المستقيم فانتصابه على ~~الظرف كقوله: # لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب # قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيدا الظهر والبطن أي على الظهر والبطن. ~~والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، ~~والحاصل أنه يواظب على # PageV03P210 # الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر القعود لأن من أراد ~~المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام ~~المقصود. # واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل. فمن قائل ~~بالأول لقوله: صراطك المستقيم وصراط الله المستقيم هو دينه الحق. ومن قائل ~~بالثاني لقوله: # فبما أغويتني فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما ~~وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن ~~مذهبه ضلال وغواية فقد علم أن ضده هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا ~~القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضا ~~الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على ~~الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين ~~استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه ~~بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى ~~الكفر ms1939 والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح ~~العباد امتنع منه أن يفعل ذلك. قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض: إنه لا ~~يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا ~~عدم إبليس لكان يضل أيضا بدليل قوله تعالى: فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه ~~بفاتنين إلا من هو صال الجحيم [الصافات: 162] ولأنه لو ضل به أحد لكان ~~بقاؤه مفسدة. وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جاريا مجرى ~~زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب. وضعف قول ~~الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في ~~عينه أمرا من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك ~~الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب ~~الكفار والفساق. وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا ~~في أنه تعالى لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في ~~الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول ~~هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب. # فلو كان إله العالم مراعيا لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة ~~التي لا ضرورة إليها. # أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها من بين أيديهم أي أشككهم في صحة ~~البعث والقيامة ومن خلفهم ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية. وثانيها من ~~بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، من خلفهم أقوي رغبتهم في ~~لذات الدنيا وطيباتها فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، ~~والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول # PageV03P211 # الحكم والسدي من بين أيديهم يعني الدنيا لأنها بين يدي الإنسان وإنه ~~يشاهدها ومن خلفهم الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك. وأما قوله: وعن أيمانهم وعن ~~شمائلهم فقيل: # عن أيمانهم في الكفر والبدعة وعن شمائلهم في أنواع المعاصي. وقيل: عن ms1940 ~~أيمانهم في الصرف عن الحق وعن شمائلهم في الترغيب في الباطل. وقيل: عن ~~أيمانهم افترهم عن الحسنات وعن شمائلهم أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن ~~الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا ~~تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين. وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة ~~حسنة وبالشمال للعكس. وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعا هي ~~الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها ~~مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: من ~~بين أيديهم وثانيتها القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام ~~المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ومن خلفهم ~~وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن. # ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر. فالشياطين الخارجة ~~ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة. وقيل: من ~~بين أيديهم الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه ~~المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين ~~والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد ~~أن الغائب مثل الشاهد ومن خلفهم شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ~~وعن أيمانهم الترغيب في ترك المأمورات وعن شمائلهم الترغيب في فعل ~~المنهيات. وعن شقيق رضي الله عنه ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات ~~الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن وعمل صالحا [طه: 82] وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في ~~الفقر فأقرأ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6] وإما من ~~يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ والعاقبة للمتقين [الأعراف: 128] وإما ~~من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وحيل بينهم وبين ما يشتهون [سبأ: ~~54] # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد ~~له بطريق الإسلام. فقال له: تدع ms1941 دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق ~~الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال ~~له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل» «1» # وعلى هذا فالقعود في PageV03P212 # الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر ~~له كقوله: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك [الإسراء: 64] ~~وبقي هاهنا بحث وهو أنه تعالى كيف قال: من بين أيديهم ومن خلفهم بحرف ~~الابتداء وعن أيمانهم وعن شمائلهم بحرف المجاوزة؟ قال في الكشاف: وقد تختلف ~~حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع. يقال: جلس عن يمينه ~~وعلى يمينه، فمعنى «على» أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى ~~عليه، ومعنى «عن» أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ملاصق له، ~~ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به «رميت السهم عن ~~القوس وعلى القوس ومن القوس» لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على ~~كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في ~~لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين ~~كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل. وقال بعض المفسرين: خص اليمين ~~والشمال بكلمة «عن» لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ~~ملكان لقوله: عن اليمين وعن الشمال قعيد [ق: 17] والشيطان لا بد أن يتباعد ~~عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف. وقالت الحكماء من بين أيديهم ومن ~~خلفهم هما الوهم والخيال كما مر والناشئ منهما العقائد الباطلة والكفر وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم الشهوة والغضب والناشئ منهما الأفعال الشهوية ~~والغضبية. وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها ~~منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة «عن» تنبيها على أنهما في اللزوم ~~والاتصال دون القسم الأول. وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق ~~والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه ms1942 ~~الموصوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر # فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر ~~فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من ~~الجهات؟ فأوحى الله تعالى إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا ~~رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريق ~~الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة. # قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أنه لا يمكنه أن يدخل في ~~بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة ~~أحق. قلت: هذا مناف لما # في الحديث «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «1» . # أما قوله: ولا تجد أكثرهم شاكرين فسئل أنه من PageV03P213 # باب الغيب فكيف عرف؟ وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال ~~على سبيل القطع واليقين. وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازما ~~على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون ~~قوله، ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~[سبأ: 20] وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] . وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: ~~الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة ~~والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وهي بأسرها تدعو ~~النفس إلى عالم الجسم. وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي ~~العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي ~~في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفا وهي بعد قوتها يعسر جعلها ~~ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ولا تجد أكثرهم شاكرين قال الله تعالى في ~~جوابه إذا كان هذا عزمك اخرج منها مذؤما مدحورا الذام العيب والذأم يهمز ~~ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاما. واللام ~~في لمن تبعك موطئة للقسم ولأملأن جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط. وعن عاصم ~~لمن تبعك ms1943 بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: لأملأن جهنم ~~فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: إنكم قوم تجهلون [الأعراف: 138] أي إنكم ~~وإنهم على هذا. فقوله: # لأملأن في محل الابتداء ولمن تبعك خبره. قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه ~~كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار. وأجيب بشرط عدم ~~العفو. قوله: # ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة الآية. فيها من المسائل أن قوله: اسكن أمر ~~تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف. وأن زوج ~~آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من ~~جنان الأرض. وأن قوله وفكلا أمر إباحة لا أمر تكليف. وأن قوله: ولا تقربا ~~نهي تنزيه أو نهي تحريم. وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو ~~بالنوع وإنها أي شجرة كانت. وأن ذلك الذنب كان صغيرا أو كبيرا. وأن الظلم ~~في قوله: فتكونا من الظالمين بأي معنى هو؟ وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة ~~آدم أو بعدها؟ ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى ~~الإعادة فوسوس لهما الشيطان الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت ~~المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضا بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم ~~PageV03P214 # كالزلزال. ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى. فمعنى وسوس له فعل الوسوسة ~~لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاما خفيا يكرره ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوآتهما قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد ~~بالوسوسة ظهور عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو ~~العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في ~~اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك ~~سقوط حشمته. وقوله: ووري مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة. ثم ~~بين وسوسة إبليس بأنه قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ms1944 تكونا ~~ملكين أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: إني لكما لمن الناصحين. سؤال: ~~كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكا عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد ~~الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟ والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد ~~النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين ~~سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي ~~والملائكة المقربون فما سجدوا البتة لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسدا. ~~وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم ~~التكرار من قوله: أو تكونا من الخالدين. قال الواحدي: # كان ابن عباس يقرأ ملكين بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك ~~كقوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى [طه: 120] واعترض بأنه لا نزاع ~~في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة. ويمكن أن يجاب ~~بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة ~~بأن يصير جوهرا نورانيا مقره العرش والكرسي. نقل أن عمرو بن عبيد قال ~~للحسن: إن آدم وحواء هل صدقاه في قوله؟ فقال الحسن: معاذ الله لو صدقاه ~~لكانا من الكافرين. أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة ~~وإنه كفر. ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو ~~سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر ~~لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل ~~إلى آدم وقتئذ. ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا ~~قطعا ولا ظنا وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند ~~الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن ~~الأمر كما قال. ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ~~ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير. ms1945 سؤال: المقاسمة من ~~الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟ والجواب كأنه قال لهما: أقسم ~~بالله إني # PageV03P215 # لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح. أو أقسم لهما بالنصيحة ~~وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها ~~اجتهاد المقاسم فدلاهما بغرور أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن ~~الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت ~~التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من ~~قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده. قال ابن عباس: ~~غرهما باليمين. وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذبا. وعن ابن عمر أنه ~~كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا ~~للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. فلما ذاقا ~~الشجرة فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصدا إلى معرفة طعمه ولولا أنه ~~ذكر في آية أخرى فأكلا منها [طه: 121] لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون ~~من غير أكل. # بدت لهما سوآتهما ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل صغت قلوبكما [التحريم: ~~4] مكان قلباكما وطفقا يخصفان أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى ~~كاد. # قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة ~~على طرقة وتوثق بالسيور. والورق ورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة ~~قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من ~~قبح كشف العورة؟ ألم أنهكما عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة ~~البقرة. عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة ~~فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني ~~فيك. فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وترا وحنطته وكفنته في وتر من ~~الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه ms1946 ~~سنتكم بعده. # وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ ~~لها. قوله: # ما منعك وفي ص يا إبليس ما منعك [الآية: 75] وفي الحجر يا إبليس ما لك ~~[الآية 32] حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى ~~إعادة اسم اللعين بالنداء. # قوله: ما منعك ألا تسجد وفي ص ما منعك أن تسجد [الآية: 75] جمع بين لفظ ~~المنع ولفظ «لا» في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة «لا» زيادة في ~~النفي وإعلاما بأن المخاطب به إبليس. وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في ~~«ص» وما في «الحجر» فقال: ما منعك أن تسجد وما منعك ألا تسجد وحذف أن تسجد ~~وحذف ما منعك لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ما منعك ألا تسجد. # PageV03P216 # قوله: أنا خير منه الآية في ص مثله كلاهما في جواب ما منعك ظاهر إلا أنه ~~زاد في الحجر لفط الكون فقال: لم أكن لأسجد [الآية: 33] ليكون مطابقا ~~للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين. # قوله: أنظرني إلى يوم يبعثون وفي ص وفي الحجر رب فأنظرني [الآية: 36] ~~لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر هاهنا أيضا على ~~الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين. وأما زيادة الفاء في السورتين دون ~~هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ~~ربنا فاغفر [آل عمران: 193] أي أدعوك فاغفر. فلما حذف النداء في هذه السورة ~~تركت الفاء. وكذلك من قوله: إنك من المنظرين ليطابق الجواب السؤال. # قوله: فبما أغويتني وفي الحجر رب بما أغويتني [الآية: 39] بزيادة النداء ~~ليوافق ما قبله. وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في «ص» فبعزتك لأغوينهم ~~[الآية: 82] لزيادة الربط. ولم يمكن دخول الفاء في «رب» لامتناع النداء منه ~~لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب. # قال اخرج منها مذؤما ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن ~~اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: لأقعدن ms1947 لهم إلى آخره فبالغ الله جل ~~وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم. # قوله: فكلا بالفاء وفي البقرة وكلا [الآية: 35] لأن اسكن هاهنا من السكنى ~~التي معناها اتخاذ الموضع مسكنا وهذا لا يستدعي زمانا ممتدا يمكن الجمع بين ~~الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به ~~الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ~~ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة. وإنما زاد ~~في البقرة رغدا لما زاد في الخبر تعظيما بقوله: # وقلنا قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا ~~لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى ~~المعنى المقصود. وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله ~~أعلم. ### | التأويل: # ولقد خلقناكم أرواحكم ثم صورناكم أي خلقنا لأرواحكم أجسادا كما جاء في ~~الحديث «إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام» ولتصوير الأجساد ~~بداية وهي قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم [الأعراف: 172] ~~فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط يصوركم في الأرحام كيف يشاء [آل ~~عمران: 6] # PageV03P217 # ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وأنتم ~~في صلبه وهذا من التمكين أيضا فسجدوا لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم ~~لأمر الله إلا إبليس لم يكن من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار ~~الناري قال ما منعك خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه ~~لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين ~~اليمنى بصيرا بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: أنا خير منه أي منعني ~~خيريتي منه أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي ~~علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف. وهذا القياس ~~معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء ~~والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير ms1948 الإنسان مستمسكا للفيض الإلهي ونفخ ~~الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية. فلما ابتلي إبليس ~~بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالعباد واطمأن ~~بالحياة فقال: أنظرني فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالا عليه ويزيد في شقوته، ~~ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر إلى يوم الوقت ~~المعلوم [ص: 81] قال فبما أغويتني لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه من ~~نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: لأغوينهم [الحجر: 39] ~~لأقعدن ثم لآتينهم من الجهات التي فيها حظوظ النفس من بين أيديهم من قبل ~~الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ومن خلفهم من قبل الطعن ~~في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين. وعن أيمانهم من قبل إفساد ذات البين ~~وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان وعن شمائلهم من جهة ترك النصيحة مع ~~أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين. أو المراد من بين ~~أيديهم من قبل الرياء والعجب ومن خلفهم من قبل الصلف والفخر وعن أيمانهم من ~~قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد وعن شمائلهم من قبل الافتراء على ~~أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال. أو من بين أيديهم من قبل الاعتراض ~~على الشيخ ومن خلفهم من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ وعن أيمانهم من ~~قبل ترك حشمة المشايخ وعن شمائلهم من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول. ~~أو من بين أيديهم أثور عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ومن ~~خلفهم أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم وعن أيمانهم أثور عليهم أحباءهم وعن ~~شمائلهم أثور عليهم أعداءهم وحسادهم. ولا تقربا هذه الشجرة يعني شجرة ~~المحبة فإن المحبة مطية المحنة فتكونا من الظالمين على أنفسكما لأن للمحبة ~~نارا ونورا فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته ~~فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به # PageV03P218 # كقوله: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده ~~لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل ms1949 هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضا ~~له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع. ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم ~~وأولاده إلا أن تكونا ملكين أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة أو ~~تكونا من الخالدين في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم ~~شراب ذكر الحبيب وقاسمهما فلما غرقا في لجة المحنة وذاقا شجرة المحبة بدت ~~لهما سوآتهما أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ~~وطفقا لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت ~~احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة. # فبينما نحن في لهو وفي طرب ... بدا سحاب فراق صوبه هطل # وإن من كنت مشغوفا بطلعته ... مضى وأقفر منه الرسم والطلل # فالصبر مرتحل والوجد متصل ... والدمع منهمل والقلب مشتعل # وناداهما ربهما نداء العزة والكبرياء ألم أنهكما عن تلكما الشجرة فإنها ~~تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب إن الشيطان لكما ~~عدو مبين ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين. # واخجلتا من وقوفي باب دارهم ... لو قيل لي مغضبا من أنت يا رجل # فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما ~~طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا ~~المحنة تفنينا بالزوال وإن لم تغفر لنا بنوال الوصال وترحمنا بتجلي الجمال ~~لنكونن من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى. فأمرا ~~بالصبر على الهجر وقيل: اهبطوا بعضكم لبعض عدو النفس عدو القلب والروح، ~~والقلب عدو لما سوى الله ولكم للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع ~~في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة ~~تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط. # إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى ms1950 فرجا # PageV03P219 # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا. # قال فيها أي في المحبة تحيون بصدق الهمة وقرع باب العزيمة وفيها تموتون ~~بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ومنها تخرجون إلى عالم الحقيقة. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 34] # يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما ~~أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (27) ~~وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) ~~فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون ~~الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) # يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون (32) قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون (33) ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ~~(34) ### | القراآت: # ورياشا أبو زيد عن المفضل. الباقون ريشا ولباس بالنصب: # أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي. الباقون بالرفع. خالصة بالرفع: نافع. ~~الآخرون بالنصب ربي الفواحش مرسلة الباء: حمزة. ### | الوقوف: # وريشا ط لمن قرأ ولباس مرفوعا ومن قرأ بالنصب وقف على التقوى خير ط ~~يذكرون ه سوآتهما ط لا يؤمنون ه أمرنا بها ط بالفحشاء ط ما لا تعلمون ه ~~الدين ط تعودون ه على جواز الوصل لرد النهاية إلى البداية الضلالة ms1951 ج مهتدون ~~ه ولا تسرفوا ج لاحتمال الفاء أو اللام. # المسرفين ه من الرزق ط يوم القيامة ط يعلمون ه ما لا تعلمون ه أجل ج لأن ~~جواب «إذا» منتظر مع دخول الفاء فيها ولا يستقدمون ه. # PageV03P220 ### | التفسير: # لما ذكر أن الأرض مستقر لبني آدم ذكر أنه أنزل كل ما يحتاجون إليه في ~~الدين والدنيا فقال: يا بني آدم قد أنزلنا وأيضا لما ذكر واقعة آدم في ~~انكشاف العورة وأنه كان يخصف عليها أتبعه ذكر اللباس الساتر للعورة إظهارا ~~للمنة وإشعارا بأن التستر باب من أبواب التقوى. ومعنى إنزال اللباس أنه قضى ~~ثمة وكتب أو أنه حاصل بالمطر المنزل من السماء ومثله وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج [الزمر: 6] وأنزلنا الحديد [الحديد: 25] والريش لباس الزينة ~~استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري ~~سوآتكم ولباسا لزينتكم لأن الزينة غرض صحيح كما قال: لتركبوها وزينة ولكم ~~فيها جمال [النحل: 6] ومن قرأ رياشا فقد قيل: إنه جمع ريش كشعب وشعاب. وقال ~~الجوهري: الريش والرياش بمعنى كاللبس واللباس وهو لباس الفاخر. # ويقال: الريش والرياش المال والخصب والمعاش. وبالجملة كل شيء يعيش به ~~الإنسان ومنه قولهم رشت فلانا أصلحت حاله، وقال ابن السكيت: الرياش مختص ~~بالثياب والأثاث، والريش قد يطلق على سائر الأموال. أما قوله: ولباس التقوى ~~فمن قرأ بالنصب فعلى المنصوب قبله عطف، ومن رفع فعلى الابتداء وخبره إما ~~الجملة التي هي ذلك خير كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة ~~كالضمائر في صلاح العود بسببها، وإما المفرد الذي هو خير وذلك بدل أو عطف ~~بيان أو صفة بتأويل ولباس التقوى المشار إليه خير. والعدول إلى الإشارة إما ~~لتعظيم لباس التقوى وإما أن يكون المراد بلباس التقوى هو اللباس المواري ~~للسوأة لأن مواراة السوأة من التقوى تفضيلا له على لباس الزينة. ثم من ~~المفسرين من حمل لباس التقوى على نفس الملبوس أي اللباس الذي أنزله الله ~~تعالى ليواري به السوأة هو لباس التقوى لأن قوما من ms1952 أهل الجاهلية كانوا ~~يتعبدون بالتعري وخلع الثياب ويطوفون بالبيت عراة فيكون كقول القائل: قد ~~عرفتك الصدق في أبواب البر والصدق خير لك من غيره فيعيده. أو المراد به ما ~~يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها في الحروب. أو يراد الملبوسات ~~المعدة لأجل إقامة الصلاة. # ومنهم من حمله على لباس التقوى مجازا فقال قتادة والسدي وابن جريج: إنه ~~الإيمان. # وقال ابن عباس: هو العمل الصالح. وقيل: هو السمت الحسن. وقيل: هو العفاف ~~والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عاريا عن الثياب، والفاجر لا ~~تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسيا. وقال معبد: هو الحياء. وقيل: هو ما يظهر ~~على الإنسان من السكينة والإخباث والأعمال الصالحات. وعلى هذا فمعنى الآية ~~إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب إلى الله تعالى مما خلق من ~~اللباس والرياش الذي يتجمل به فأضاف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع ~~والخوف في قوله: فأذاقها الله لباس # PageV03P221 # الجوع والخوف # [النحل: 112] ذلك من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده لعلهم ~~يذكرون فيعرفون عظيم النعمة فيه. ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان ~~لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال: ~~يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان الفتنة الامتحان، تقول: فتنت الذهب إذا ~~أدخلته النار لتنظر ما جودته. # وقال الخليل: الفتن الإحراق. وورق فتين أي فضة محرقة، قال الله تعالى: ~~يوم هم على النار يفتنون [الذاريات: 13] من قدر على إخراج الأب من الجنة مع ~~كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة ~~أقدر. ومحل كما أخرج نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا ~~الإخراج نوع من الفتنة. ومحل ينزع عنهما لباسهما حال أي أخرجهما نازعا ~~لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما. # واللام في ليريهما سوآتهما لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله: ~~ليبدي لهما [الأعراف: 20] قال ابن عباس: يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء ms1953 سوأة ~~آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة رضي الله ~~عنها ما رأيت منه ولا رأى مني. # وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم. واختلفوا في اللباس الذي نزع ~~عنهما فقيل: # الثوب الحائل بينهما وبين النظر. وعن سعيد بن جبير: كان لباسهما من جنس ~~الأظفار. # وقيل: اللباس الذي هو ثياب الجنة، قال الكعبي: في الآية دلالة على أن ~~المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان. وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى ~~خالق الكل وموجد القدر والدواعي. ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله: إنه ~~يراكم هو وقبيله أي جماعته من الثلاثة فصاعدا. والقبيل بنو أب واحد. وقال ~~ابن قتيبة: أي أصحابه وجنده. وقال الليث: # هو وقبيله أي وجماعته. من حيث لا ترونهم أي يكيدون ويغتالون من حيث لا ~~تشعرون. # قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة: الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة ~~أجسام الجن ولطافتها، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس، والوجه ~~في رؤية الجن بعضهم بعضا أن الله تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو ~~زاد الله في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا، ولو أنه تعالى كثف ~~أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم. وقال أهل السنة: إنهم يرون ~~الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم ~~يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس. قال بعض العلماء: من حيث لا ترونهم يتناول ~~أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون ~~للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ~~ومخرقة. ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاؤا لارتفع الوثوق عن # PageV03P222 # الناس حتى الزوجة والولد، ولو كانوا قادرين على تخبيط الناس، وإزالة ~~العقل عنهم لكان أولى الناس بذلك العلماء والمشايخ لأن العداوة بينهم وبين ~~خواص الإنس أشد. وعن مجاهد قال إبليس: أعطينا أربع خصال: نرى ولا نرى ونخرج ~~من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى. ms1954 وعن مالك بن دينار أن عدوا يراك ولا تراه ~~لشديد المئونة إلا من عصمه الله. والضمير في إنه للشأن وهو تأكيد ليصح ~~العطف على المرفوع المتصل، ثم قال إنا جعلنا الشياطين الآية. واحتج أهل ~~السنة على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم ويتأكد ~~هذا النص بقوله: أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا [مريم: 83] ~~اعتذر القاضي بأن المراد من الجعل الحكم بأن الشيطان ولي لمن لا يؤمن أو ~~المراد التخلية بينهم وبينهم كمن يربط الكلب في داره ولا يمنعه من التوثب ~~على الداخل وأجيب بأن حمل الجعل على الحكم خلاف الظاهر، وهب أنه حكم بذلك ~~فهل يمكن مخالفة حكم الله؟ وبأن الإرسال إنما يصدق على التسليط لا على ~~التخلية المجردة قوله: # وإذا فعلوا فاحشة قال بعضهم: نزلت في اتخاذهم البحائر والسوائب. وقيل: في ~~الطواف بالبيت عراة والأولى التعميم والفحشاء الخصلة المتزايدة في القبح ~~أعني الكبيرة والمراد أنهم كانوا يفعلون أشياء هي في أنفسها فواحش ويعتقدون ~~أنها طاعات فوبخوا على ذلك لينتهوا عنها. ثم إنه حكى عنهم حجتين: الأولى ~~التقليد ولم يذكر جوابها لظهور بطلانها عند كل عاقل، والثانية أن الله ~~أمرهم بذلك فأجاب عنها بقوله: قل إن الله لا يأمر بالفحشاء فللمعتزلة أن ~~يحتجوا به على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه وأن كونه في نفسه من ~~الفحشاء مغاير لتعلق الأمر والنهي ولهذا أكد هذا المعنى بقوله: أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون؟ والجواب أن عدم الأمر بالفحشاء لا ينافي إرادة الفحشاء ~~ومشيئتها ونحن لا ندعي إلا أنه تعالى مريد لجميع الكائنات وأن شيئا منها لا ~~يخرج عن حكمه وأرادته وتقديره مع أنه لا يأمر إلا بالعدل والصواب كما قال: ~~قل أمر ربي بالقسط قال عطاء والسدي: أي بالعدل وبما ظهر في العقول كونه ~~حسنا. وعن ابن عباس هو قول لا إله إلا الله ويندرج فيه معرفة الله تعالى ~~بذاته وأفعاله وأحكامه. أما قوله: وأقيموا فليس من باب عطف الطلب على الخبر ~~وإنما التقدير: وقل ms1955 أقيموا وجوهكم أي استقبلوا القبلة واستقيموا وأخلصوا ~~عند كل مسجد في كل وقت سجود أو في مكان سجود كأن المعنى وجهوا وجوهكم حيثما ~~كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال ابن عباس: المراد أنه إذا حضرت الصلاة ~~وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحد إني لا أصلي إلا في مسجد قومي. ثم ~~لما أمر بالتوجه إلى القبلة أمر بعده بالدعاء والأظهر أن المراد به أعمال ~~الصلاة سميت دعاء لأن # PageV03P223 # أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر، ويمكن أن يقال: الدعاء بمعنى ~~العبادة فيكون كقوله: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين [البينة: ~~5] ثم برهن على المعاد ليتحقق الجزاء فقال: كما بدأكم تعودون قال الحسن ~~ومجاهد: كما بدأ خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا كذلك تعودون أحياء. وعن ~~ابن عباس: المراد كما بدأ خلقكم مؤمنا أو كافرا تعودون فيبعث المؤمن مؤمنا ~~والكافر كافرا، فإن من خلقه الله تعالى في أول الأمر للشقاوة يعمل بعمل أهل ~~الشقاوة وكانت عاقبته ذلك، ومن خلقه للسعادة فإنه يعمل عمل أهل السعادة ~~وكانت عاقبته السعادة. ويؤيد هذا التفسير قوله عقيب ذلك فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة وانتصاب فريقا الثاني بفعل مضمر يفسره ما بعده أي وخذل أو ~~أضل فريقا حق عليهم الضلالة كقولك زيدا مررت به. قال القاضي: المعنى فريقا ~~هدى إلى الجنة والثواب وفريقا حق عليهم الضلالة أي العذاب والصرف عن طريق ~~الثواب لأن هذا هو الذي يحق عليهم دون غيره إذ العبد لا يستحق أن يضل عن ~~الدين إذ لو استحق ذلك لجاز أن يأمر أنبياءه بإضلالهم عن الدين كما أمرهم ~~بإقامة الحدود المستحقة. وأجيب بأن قوله: هدى وحق ماض وحمله على المستقبل ~~خلاف الظاهر، وبأن الهدى إلى الجنة أو الضلال عنها لا بد أن يكون محكوما به ~~في الأزل وخلاف حكمه محال. ثم بين ما لأجله حقت على هذه الفرقة الضلالة ~~أعني السبب القريب وإلا فانتهاء الكل إلى مسبب الأسباب فقال: إنهم اتخذوا ~~الشياطين أولياء من دون الله فقبلوا دعوتهم دون دعوته ms1956 ولم يتأملوا في ~~التمييز بين الحق والباطل. ثم بين أن جهلهم مركب لا بسيط فقال: ويحسبون ~~أنهم مهتدون وفيه أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في أصول الدين بل لا بد ~~فيه من القطع واليقين. # ثم لما أمر بالقسط وكان من جملته أمر اللباس والمأكول والمشروب وأيضا أمر ~~بإقامة الصلاة وكان ستر العورة شرطا لصحتها فلا جرم قال: يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عن ابن عباس قال: كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن ~~كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفليها سيورا مثل هذه ~~السيور التي تكون على وجه الحمر تقيها من الذباب وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله. # وعن طاوس: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ~~ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا لا نعبد ~~الله في ثياب # PageV03P224 # أذنبنا فيها: وقيل: كانوا يفعلون ذلك تفاؤلا ليتعروا من الذنوب كما تعروا ~~من الثياب. # وقال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون ~~دسما في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق ~~بذلك فأنزل الله الآية. # قال أكثر المفسرين: المراد من الزينة لبس الثياب لقوله تعالى: ولا يبدين ~~زينتهن [النور: # 31] يعني الثياب. وأيضا الزينة لا تحصل إلا بالستر التام للعورات ولأنه ~~يناسب ما تقدم من ذكر اللباس والرياش، ولأن ظاهر الأمر الوجوب وكل ما سوى ~~اللبس غير واجب فوجب حمل الزينة على اللبس عملا بالنص بقدر الإمكان. والسنة ~~فيه أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة. وقيل: الزينة المشط. وقيل: الطيب. ثم ~~إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية تقتضي وجوب اللبس التام عند ~~كل صلاة ترك العمل به في القدر الذي لا يجب ستره من الأعضاء إجماعا بقي ~~الباقي داخلا تحت اللفظ. فإذن ستر العورة واجب في الصلاة وإلا فسدت صلاته. ~~قال أصحاب أبي حنيفة: لبس الثوب المغسول بماء الورد على أقصى ms1957 وجوه النظافة ~~أخذ للزينة فيكفي في صحة الصلاة. وأجيب بأن اللام في قوله: # ويقيموا الصلاة [البينة: 5] تنصرف إلى المعهود السابق وهو صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلم قلتم إنه يصلي في الثوب المغسول بماء الورد؟ أما ~~قوله: وكلوا أي اللحم والدسم. # واشربوا فقد قيل إنهما أمر إباحة بالاتفاق فوجب أن يكون أخذ الزينة أيضا ~~على الإباحة. # وأجيب بأنه لا يلزم من ترك الظاهر في المعطوف تركه في المعطوف عليه مع أن ~~الأكل والشرب قد يكونان واجبين. أيضا في الجملة وهما يشملان جميع المطعومات ~~والمشروبات ويتناولان الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل المنفصل. والعقل ~~أيضا مؤكد لهذا المعنى لأن الأصل في المنافع الحل والإباحة. وفي قوله: ولا ~~تسرفوا وجهان: الأول أنه يأكل ويشرب بحيث لا يتعدى إلى الحرام ولا يكثر ~~الإنفاق المستقبح ولا يتناول مقدارا كثيرا يضره ولا يحتاج إليه. الثاني- ~~وهو قول أبي بكر الأصم- أن المراد من الإسراف قولهم بتحريم البحيرة ~~والسائبة فإنهم أخرجوها عن ملكهم وتركوا الانتفاع بها. وأيضا إنهم حرموا ~~على أنفسهم في وقت الحج ما أحله الله تعالى لهم، قال بعض العلماء: إن حمل ~~الإسراف على الاستكثار مما لا ينبغي أولى من حمله على المنع مما يجوز ~~وينبغي. وعن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ~~ومخيلة، # ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد ~~صاحب المغازي: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم أبدان وعلم ~~أديان. فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال: وما هي؟ ~~قال: قوله كلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال النصراني: # PageV03P225 # ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~الطب في ألفاظ يسيرة. # قال: وما هي؟ قال: قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل ~~بدن ما عودته» فقال: النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما ms1958 يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها ~~فأنكر ذلك عليهم بقوله: قل من حرم زينة الله قال ابن عباس وأكثر المفسرين: ~~هي اللباس الساتر للعورة. وقال آخرون: # إنها تتناول جميع أنواع الزينة من الملابس والمراكب والحلي وكذا كل ما ~~يستطاب ويستلذ من المآكل والمشارب والنساء والطيب. # عن عثمان بن مظعون أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # غلبني حديث النفس عزمت على أن اختصي فقال: مهلا يا عثمان فإن خصاء أمتي ~~الصيام. # قال: فإن نفسي تحدثني بالترهب فقال: إن ترهب أمتي القعود في المساجد ~~لانتظار الصلوات. فقال: تحدثني نفسي بالسياحة قال: سياحة أمتي الغزو والحج ~~والعمرة. فقال: # إن نفسي تحدثني أن أخرج مما أملك. فقال: الأولى أن تكفي نفسك وعيالك وأن ~~ترحم المسكين واليتيم وتعطيه ما فضل من ذلك. فقال: نفسي تحدثني أن أطلق ~~خولة. فقال: إن الهجرة في أمتي هجرة ما حرم الله تعالى. قال: فإن نفسي ~~تحدثني أن لا أغشاها فقال: إن المسلم إذا غشى أهله وما ملكت يمينه فإن لم ~~يصب من وقعته تلك ولدا كان له وصيف في الجنة وإن كان له ولد مات قبله أو ~~بعده كان له قرة عين وفرح يوم القيامة، وإن مات قبل أن يبلغ الحنث كان له ~~شفيعا ورحمة يوم القيامة. قال: فإن نفسي تحدثني أن لا آكل اللحم. # قال: مهلا إني آكل اللحم إذا وجدته ولو سألت الله أن يطعمنيه كل يوم ~~فعله. قال: فإن نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب. قال: مهلا فإن جبريل يأمرني ~~بالطيب غبا وقال: لا تتركه يوم الجمعة. ثم قال: يا عثمان لا ترغب عن سنتي ~~فإنه من رغب عن سنتي ومات فليس مني، ولو مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة ~~وجهه عن حوضي. # واعلم أن كل واقعة تقع فإما أن لا يكون فيها نفع ولا ضر أو يتساوى ضرها ~~ونفعها فوجب الحكم في القسمين ببقاء ما كان على ما كان، وإن كان النفع ~~خالصا وجب لإطلاق الآية، وإن كان الضرر خالصا وكان تركه ms1959 خالص النفع فيلتحق ~~بالقسم المتقدم، وإن كان النفع راجحا والضرر مرجوحا تقابل المثل بالمثل ~~وبقي القدر الزائد نفعا خالصا، وإن كان الضرر راجحا بقي القدر الزائد ضررا ~~خالصا وكان تركه نفعا خالصا، فبهذا الطريق صارت هذه الآية دالة على الأحكام ~~التي لا نهاية لها في الحل والحرمة إلا أن نجد نصا خاصا في الواقعة فنقضي ~~به تقديما للخاص على العام. قال نفاة القياس: لو تعبدنا الله تعالى بالقياس ~~لكان حكم ذلك القياس إما أن يكون موافقا لحكم هذا النص العام وحينئذ يكون ~~ضائعا لأن هذا النص مستقل به، وإن كان # PageV03P226 # مخالفا كان ذلك القياس تخصيصا لعموم هذا النص فيكون مردودا لأن العمل ~~بالنص أولى من العمل بالقياس، فإذن القرآن واف بجميع الأحكام الشرعية والله ~~تعالى أعلم. ثم بين أن الزينة والطيبات خلقت في الحياة الدنيا لأجل ~~المؤمنين بالأصالة وللكفرة بالتبعية كقوله: # ومن كفر فأمتعه قليلا [البقرة: 126] وأما في الآخرة فإنها خالصة لهم ~~فقال: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة من قرأ بالرفع فلأنه خبر ~~بعد خبر. قال أبو علي: أو على الخبر وللذين آمنوا متعلق به والتقدير: هي ~~خالصة للذين آمنوا في الحياة الدنيا يوم القيامة وعلى هذا يكون في الحياة ~~ظرفا ل آمنوا ويوم القيامة ظرفا ل خالصة فيفهم من ذلك أنها في غير يوم ~~القيامة غير خالصة لهم بل تكون مشوبة برحمة الكفار. وعلى الأول يكون في ~~الحياة ظرفا لمحذوف أي هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا وهي لهم ~~خالصة يوم القيامة. ومن قرأ بالنصب فعلى الحال وباقي التقدير كما ذكرنا ~~آنفا كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون أي لقوم يمكنهم النظر والاستدلال حتى ~~يتوصلوا به إلى تحصيل العلوم النظرية. ثم بين أصول الأفعال المحرمة وحصرها ~~في ستة أنواع لأن الجناية إما على الفروج وأشار إليها بقوله: قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن وإما أن تكون على العقول وهي شرب الخمر ~~وإليها الإشارة بقوله: # والإثم وقيل: الفواحش الكبائر والإثم الصغائر. وقيل: ms1960 الفواحش كل ما تزايد ~~قبحه وتبالغ، والإثم عام لكل ذنب كأنه خصص أولا ثم عمم. وإما أن تكون ~~الجناية على النفوس والأموال والأعراض وإليهن الإشارة بقوله: والبغي بغير ~~الحق ومعنى بغير الحق أن لا يقدموا على إيذاء الناس بالقتل والقهر إلا أن ~~يكون لهم فيه حق فحينئذ يخرج عن أن يكون بغيا، وإما أن تكون الجناية على ~~الأديان إما بالطعن في التوحيد وإليه أشار بقوله: # وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا أي لا سلطان حتى ينزل وإما ~~بالافتراء على الله وذلك قوله: وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون فإن قيل: ~~الفاحشة وغيرها هي التي نهى الله تعالى عنها فيصير تقدير الآية إنما حرم ~~ربي المحرمات وهذا كلام خال عن الفائدة. # فالجواب أن كون الفعل فاحشة عبارة عن اشتماله في ذاته على أمور باعتبارها ~~يجب النهي عنه فيزول الإشكال. ثم شدد أمر التكاليف بالآجال المحدودة ~~والأنفاس المعدودة فقال: # ولكل أمة أجل عن ابن عباس والحسن ومقاتل: معناه أنه تعالى أمهل كل أمة ~~كذبت رسولها إلى وقت معين لا يعذبهم قبل ذلك ولا يؤخرهم عنه والمقصود وعيد ~~أهل مكة. # وقيل: معناه أن أجل العمر لا يتقدم ولا يتأخر سواء الهالك والمقتول. ~~وأورد على القول الأول أنه ليس لكل أمة من الأمم وقت معين في نزول عذاب ~~الاستئصال. وعلى الثاني أنه كان ينبغي أن يقال: ولكل إنسان أو أحد أجل. ~~ويمكن أن يقال: الأمة هي الجماعة في كل # PageV03P227 # زمان والمعلوم من حالها التفاوت في الآجال فزال السؤال. وليس المراد أنه ~~تعالى لا يقدر على تبقيته أزيد من ذلك ولا أنقص ولا يقدر على أن يميته إلا ~~في ذلك الوقت لأن هذا يقتضي خروجه سبحانه وتعالى عن كونه قادرا مختارا أو ~~صيرورته كالموجب لذاته، بل المراد أنه تعالى اختار أن الأمر يقع على هذا ~~الوجه وإنما ذكر الساعة لأن هذا الجزء من الزمان أقل ما يستعمل في تقليل ~~الأوقات عرفا. والساعة في اصطلاح أهل النجوم جزء من أربعة وعشرين جزءا من ms1961 ~~يوم بليلته. قيل: إن عند حضور الأجل يمتنع عقلا وقوع ذلك الأجل في الوقت ~~المتقدم فما معنى قوله: ولا يستقدمون؟ وأجيب بأن مجيء الأجل محمول على قرب ~~حضور الأجل كقول العرب: جاء الشتاء إذا قارب وقته ومع مقاربة الأجل يصح ~~التقدم على ذلك الوقت تارة والتأخر عنه أخرى. ### | التأويل: # قد أنزلنا عليكم لباسا هو لباس الشريعة يواري سوآت الأفعال القبيحة في ~~الظاهر وسوآت الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن ~~وريشا زينة وجمالا في الظاهر والباطن ولباس التقوى وهو لباس القلب والروح ~~والسر والخفي. فلباس القلب من التقوى هو الصدق في طلب المولى فيواري به ~~سوآت الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى هو محبة المولى ~~فيواري به سوآت التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى هو رؤية المولى ~~فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى بقاؤه بهوية المولى ~~فيواري بها هوية غير المولى ذلك خير لأن لباس البدن بالفتوى هو الشريعة ~~ولباس القلب بالتقوى هو الحقيقة ذلك من آيات الله أي إنزال الشريعة ~~والحقيقة مما يدل على المولى. لا يفتننكم الشيطان بالدنيا وما فيها ومتابعة ~~الهوى فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق كما أخرج أبويكم من الجنة وجوار ~~الحق ينزع عنهما لباسهما من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة ليريهما ~~سوآتهما من مخالفة الحق وما علما أن فيها هذه الصفة، ومن جملة سوآتهما كل ~~كمال ونقصان كان مستورا فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة إنه يراكم هو ~~وقبيله يعني من الروحانيين الذين لا صورة لهم في الظاهر فإنهم يرون بنظر ~~الملكوت الروحاني من الإنساني بعض الأفعال التي تتولد عن الأوصاف البشرية ~~كما رأوا في آدم قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] من حيث لا ~~ترونهم أي إنما يرونكم من حيث البشرية التي منشؤها الصفات الحيوانية فإنكم ~~محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ علوم ~~الأسماء والمعرفة فإنهم لا يرونكم في هذا المقام، وأنتم ترونهم بالنظر ~~الروحاني بل بالنور ms1962 الرباني. إنا جعلنا الشياطين أولياء خلقناهم مستعدين ~~لتولية أمور أهل الغفلة # PageV03P228 # والطبيعة. وإذا فعلوا فاحشة هي طلب الدنيا وحبها قالوا إنا وجدنا آباءنا ~~على محبة الدنيا وشهواتها والله أمرنا بطلب الكسب الحلال قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب ~~بالقوت واللباس ليقوم بأداء حق العبودية وذلك قوله: قل أمر ربي بالقسط كما ~~بدأكم لطفا أو قهرا تعودون إليه. # فأهل اللطف يعودون إليه بالإخلاص والطاعة وأهل القهر الذين حقت عليهم ~~الضلالة يعودون إليه جبرا واضطرارا فيسحبون في النار على وجوههم خذوا ~~زينتكم فزينة الظاهر التواضع والخضوع، وزينة الباطن الانكسار والخشوع، ~~وزينة نفوس العابدين آثار السجود، وزينة قلوب العارفين أنوار الوجود ~~فالعابد على الباب بنعت العبودية والعارف على البساط بحكم الحرية وكلوا ~~واشربوا في مقام العندية كما # قال: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # ولا تسرفوا بالإفراط فوق الحاجة الضرورية والتفريط في حفظ القوة بحيث ~~تضيع حقوق العبودية. زينة الله فزين الأبدان بالشرائع وآثارها، وزين النفوس ~~بالآداب وأقدارها، وزين القلوب بالشواهد وأنوارها، وزين الأرواح بالمعارف ~~وأسرارها، وزين الأسرار بالطوالع وآثارها، فمن تصدى لطلب هذه المقامات فهي ~~مباحة له من غير تأخير وقصور وحظر ومنع والطيبات من الرزق ما لم يكن مشوبا ~~بحظوظ النفس، فهذه الكرامات والمقامات لهؤلاء السادة في الدنيا مشوبة ~~بشواهد الآفات النفسانية وكدورات الصفات الحيوانية خالصة يوم القيامة من ~~هذه الآفات والكدورات كما قال: ونزعنا ما في صدورهم من غل [الحجر: 47] ~~الفواحش ما يقطع على العبد طريق السلوك إلى الرب ففاحشة العوام ما ظهر منها ~~ارتكاب المناهي وما بطن خطورها بالبال، وفاحشة الخواص ما ظهر منها تتبع ما ~~لأنفسهم نصيب منه ولو بذرة وما بطن # الصبر على المحبوب ولو بلحظة، وفاحشة الأخص ما ظهر منها ترك أدب من ~~الآداب أو التعلق بسبب من الأسباب وما بطن الركون إلى شيء في الدارين ~~والالتفات إلى غير الله من العالمين. والإثم الإعراض عن الله ولو طرفة عين ~~والبغي وهو حب غير الله فإنه وضع في غير ms1963 موضعه. وأن يستغيثوا بغير الله ما ~~لم يكن فيه رخصة وحجة من الشريعة وأن تقولوا بفتوى النفس وهواها أو بنظر ~~العقل على الله ما لا تعلمون حقيقتها أو تقولوا في معرفة الله وبيان أحوال ~~السائرين ما لستم به عارفين ولكل أمة من السائرين إلى الله أو إلى ~~PageV03P229 # الجنة مدة مضروبة في الأزل، وفيه وعد للأولياء واستمالة لقلوبهم ووعيد ~~للأعداء وسياسة لنفوسهم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 43] # يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا ~~أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين (37) قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في ~~النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا ~~تعلمون (38) وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكسبون (39) # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين (40) لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (41) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (42) ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون (43) ### | القراآت: # حتى إذا اداركوا كان يعقوب: إذا وقف على «إذا» يبتدىء تداركوا بالتاء. ~~سهل: مخير، وكذلك قوله تعالى: قلتم قالوا إنا تطيرنا وافق الكسائي في ~~تثاقلتم أخراهم لأولاهم بالإمالة ms1964 الشديدة: إبراهيم بن حماد وحمزة وعلي ~~وخلف. # وقرأ أبو عمر وغير إبراهيم بن حماد لأولاهم بالإمالة اللطيفة أخراهم ~~بالإمالة الشديدة، وافق ورش من طريق النجاري والخزاز عن هبيرة في أخراهم ~~بالإمالة الشديدة فآتهم بضم الهاء: رويس وكذلك كل كلمة سقطت الياء لعلة. ~~إلا قوله: ومن يولهم [الأنفال: 6] لا يعلمون بياء الغيبة: أبو بكر وحماد لا ~~تفتح لهم بتاء التأنيث والتخفيف: أبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بفتح ياء ~~تحتانية وبالتخفيف. الباقون بتاء التأنيث والتشديد. غواشي بالياء في الوقف: ~~يعقوب وكذلك كل كلمة سقطت الياء لأجل التنوين أو لاجتماع الساكنين وهو مذهب ~~سهل من طريق ابن دريد، ما كنا بغير # PageV03P230 # واو العطف: ابن عامر. الآخرون بالواو. أورثتموها وبابه بإدغام الثاء: أبو ~~عمرو وحمزة وعلي وهشام. ### | الوقوف: # آياتي لا لأن الفاء بعده لجواب الشرط ولا هم يحزنون ه النار ط خالدون ه ~~بآياته ط من الكتاب ط يتوفونهم لا لأن ما بعده جواب «إذا» . # من دون الله ط كافرين ه في النار ط أختها ط جميعا لا لما قلنا. من النار ~~ط لا يعلمون ه يكسبون ه الخياط ط المجرمين ه غواش ج الظالمين ه وسعها ط ~~وجعل أولئك خبرا للموصول أوجه بناء على أن قوله: # لا نكلف نفسا إلا وسعها معترضة الجنة ط خالدون ه الأنهار ط للعطف مع ~~العارض. هدانا الله ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى بالحق ط لابتداء ~~النداء بأنها جزاء بعد انتهاء الحمد والثناء على أنها عطاء تعملون ه. ### | التفسير: # لما بين أحوال التكليف وأن لكل أحد أجلا معينا لا يتقدم ولا يتأخر بين ~~أنهم بعد الموت إن كانوا قد قبلوا الشرائع الحقة فلا خوف عليهم ولا حزن، ~~وإن كانوا متمردين وقعوا في أشد العذاب فقال: يا بني آدم إما يأتينكم ~~وإعرابه مثل ما مر في سورة البقرة فإما يأتينكم مني هدى [الآية: 38] ~~والراجع محذوف أي فمن اتقى وأصلح منكم والذين كذبوا منكم. وإنما قال: رسل ~~منكم لأن ذلك يكون أقطع لعذرهم وأقرب إلى الفهم والأنس. ومعنى ms1965 آياتي أحكامي ~~وشرائعي الدالة على صحة المبدأ والمعاد. ثم قطع شأن الجاحدين بقوله: فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته والأول الحكم بوجود ما لم يوجد ~~كأقوال أصناف المشركين وطوائف المبتدعة. والثاني إنكار حكم وجد من نبي أو ~~كتاب. ثم أخبر عن عاقبة أمرهم فقال أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب قيل: أي ~~العذاب المعين من سواد الوجه وزرقة العين. وقال الزجاج: أي أنواع البلايا ~~المعدة لكل صنف منهم من السلاسل والأغلال وغيرها على مقدار ذنوبهم، وقيل: ~~هم اليهود والنصارى يجب علينا إذا كانوا في ذمتنا أن ننصفهم ولا نتعدى ~~عليهم وأن نذب عنهم فذلك معنى النصيب. وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ~~أن النصيب هو ما سبق لهم في حكم الله تعالى ومشيئته من الشقاوة والسعادة ~~والختم على الكفر والشرك، أو على الإيمان والتوحيد. # وقال الربيع وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار ~~كأنه سبحانه بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم إلا أن ذلك ليس ~~بمانع من أن ينالهم ما قدر لهم من رزق وعمر تفضلا من الله تعالى لكي يصلحوا ~~ويتوبوا ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ~~وذلك أن «حتى» هي التي يبتدأ بعدها الكلام وأنه # PageV03P231 # هاهنا جملة شرطية فدل على أن مجيء الرسل المتوفين كالغاية، فحصول ذلك ~~النصيب يكون مقدما على حصول الوفاة وليس ذلك إلا العمر والرزق. ومحل ~~يتوفونهم نصب على الحال من الرسل. قال ابن عباس: هم ملك الموت وأعوانه ~~وإنهم يطالبون الكفار بهذه الأشياء عند الموت على سبيل الزجر والتوبيخ. ~~وقال الحسن والزجاج: إن هذا يكون في الآخرة والرسل ملائكة العذاب يتوفون ~~عدتهم عند حشرهم إلى النار أي يستكملون عدتهم حتى لا ينفلت منهم أحد. قال ~~في الكشاف: «ما» وقعت موصولة بأين في خط المصحف قلت: وإني رأيت النقل على ~~العكس كما ذكرته في المقدمة السابقة من مقدمات الكتاب، ومعنى الآية أين ~~الآلهة التي تدعون أي تعبدونهم وتدعونهم في الشدائد ms1966 قالوا على سبيل ~~الاعتراف والعود إلى الإنصاف ضلوا عنا أي غابوا وذهبوا ولم ننتفع بهم ~~وشهدوا على أنفسهم بالاعتراف أو بشهادة الجوارح عند معاينة الموت أنهم ~~كانوا كافرين ثم شرح بقية أحوال الكفار وذلك قوله: قال أي الله. وعن مقاتل ~~هو من كلام خازن النار. وهذا مبني على أنه سبحانه لا يجوز أن يكلم الكفار ~~وإن كان كلام سخط ادخلوا في أمم قيل: # أي ادخلوا في النار مع أمم والأولى أن لا يلتزم الإضمار والمجاز. والمعنى ~~ادخلوا كائنين في جملة أمم تقدم زمانهم زمانكم في النار. وفيه دليل على أن ~~أصحاب النار لا يدخلون النار دفعة واحدة ولكن فيهم سابق ومسبوق كلما دخلت ~~أمة لعنت أختها في الدين والعقيدة. فالمشرك يلعن المشرك، واليهودي يلعن ~~اليهودي، والنصراني يلعن النصراني، وكذا المجوس وسائر أديان الضلالة وإذا ~~لعنت نظيرها فلأن تلعن غيرها أولى حتى إذا اداركوا فيها أي تداركوا بمعنى ~~تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضا واستقر معه قالت أخراهم أي ~~آخرتهم دخولا في النار لأولاهم دخولا فيها أو أتباعهم وسفلتهم لرؤسائهم ~~وقادتهم والمعنيان متلازمان عندي لأن المضل لا بد وأن يكون مقدما على الضال ~~في دخول النار. واللام بمعنى التعليل أي لأجل أولاهم وذلك لأن خطابهم مع ~~الله لا معهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم الفاء للجزاء عذابا ضعفا أي مضاعفا ~~وذلك عذاب الضلال وعذاب الإضلال بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم ~~والسعي في إخفاء الدلائل. قال أبو عبيدة: الضعف مثل الشيء مرة واحدة وهو ~~قول الشافعي في رجل أوصى فقال: أعطوا فلانا ضعف نصيب ولدي يعطى مثل نصيبه ~~مرتين. وقال الأزهري: العرب تريد بالضعف المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على ~~المثلين بدليل قوله عز من قائل: # فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا [سبأ: 37] وأقل ذلك عشرة لقوله: من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] وإنما قال الشافعي ما قال لأن ذلك ~~متقن وما فوقه مشكوك قال أي الله أو خازن النار لكل من القادة والأتباع ضعف ~~أما # PageV03P232 # للقادة فلما قلنا، ms1967 وأما للأتباع فلأنهم عظموهم وقلدوهم وروجوا أمرهم. سئل ~~هاهنا إن تضعيف العذاب للشخص الذي يستحق العذاب ظلم وأجيب في التفسير ~~الكبير بأن عذاب الكفار مؤبد فكل ألم يحصل فإنه يعقبه حصول ألم آخر إلى غير ~~النهاية. قلت: وهذا لا يختص بصنف من الكفار دون صنف ولا بشخص دون شخص فلا ~~يصلح للجواب. # والصواب أن يقال: معنى تضعيف عذاب التابع والمتبوع أن ذلك العذاب زائد ~~على مقدار ما تستحقه تلك العقيدة لو حصلت لا من حيثية التابعية والمتبوعية ~~والله أعلم ولكن لا تعلمون من قرأه على الغيبة فمعناه لا يعلم كل فريق ~~مقدار عذاب الفريق الآخر لأن الاسم الظاهر يعود الضمير إليه على الغيبة، ~~ومن قرأ على الخطاب فالمعنى لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل منكم من ~~العذاب أو لا تعلمون يا أهل الدنيا ما مقدار ذلك. وقالت أولاهم لأخراهم إذ ~~قد حكم الله بأن لكل منا ضعفا فما كان أي فما ثبت لكم علينا من فضل لأنكم ~~مؤاخذون بالاتباع كما نحن مؤاخذون بالاستتباع فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون يحتمل أن يكون من قول القادة وأن يكون من قول الله تعالى فيهم. قال ~~في التفسير الكبير: قول القادة ليس لكم علينا فضل كذب لأن الرؤساء لهم عذاب ~~الضلال وعذاب الإضلال والاتباع لهم عذاب الضلال فقط لكنه حكاية قول الكفار ~~يوم القيامة والكذب عليهم جائز عندنا كقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين ~~[الأنعام: 23] قلت: إن سلمنا أن الكذب يجوز أن يصدر عنهم يوم القيامة إلا ~~أن هذا الكلام لا يجوز أن يكون كاذبا لأنهم بنوا كلامهم على حكم الله ~~سبحانه بأن لكل ضعفا. # ثم ذكر ما يدل على خلودهم في النار فقال: إن الذين كذبوا بآياتنا وهي ~~الدلائل الدالة على الذات والصفات والنبوات والمعاد واستكبروا عنها أي ~~ترفعوا عن قبولها لا تفتح لهم أبواب السماء قال ابن عباس: أي لا تفتح ~~لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله تعالى من قوله: ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: ms1968 # 10] ومن قوله: إن كتاب الأبرار لفي عليين [المطففين: 18] وقال السدي ~~وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء التي هي موضع بهجة الأرواح وأماكن ~~سعاداتها كما # جاء في الحديث «إن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال ~~مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى ~~السماء السابعة. ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح ~~لك أبواب السماء» «1» # وقيل: بناء على أن الجنة في السماء معناه ولا يؤذن لهم في الصعود إلى ~~السماء ولا تطرق لهم إليها حتى يدخلوا PageV03P233 # الجنة. وقيل: أي لا تنزل عليهم البركة والخير من قوله تعالى: ففتحنا ~~أبواب السماء بماء منهمر [القمر: 11] ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط الولوج الدخول. وسئل ابن مسعود عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالا ~~للسائل وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. والسم بالحركات الثلاثة وقد قرىء ~~بها ثقب الإبرة وكل ثقب في البدن لطيف ومنه السم القاتل لنفوذه بلطفه في ~~مسام البدن حتى يصل إلى القلب. والخياط ما يخاط به قال الفراء: خياط ومخيط ~~كإزار ومئزر ولحاف وملحف وقناع ومقنع. ولما كان جسم الجمل من أعظم الأجسام ~~المشهورة عند العرب كما قال: # لا عيب بالقوم من طول ومن عظم ... جسم الجمال وأحلام العصافير # وكان سم الإبرة مثلا في ضيق المسلك حتى قيل: أضيق من خرت الإبرة. وقالوا ~~للدليل الماهر خريت لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر، وقف الله ~~تعالى دخولهم الجنة على حصول هذا الشرط المحال ليلزم يأسهم من دخول الجنة ~~قطعا فإن الموقوف على المحال محال ومثله قول العرب: «لا أفعل كذا حتى يشيب ~~الغراب ويبيض القار» ، وقرىء الجمل بوزن القمل وكذا الجمل بوزن الحبل ~~وبمعناه لأنه حبل ضخم من ليف أو خوص من آلات السفن. واختار ابن عباس هذا ~~التفسير قائلا: إن الله تعالى أحسن تشبيها من أن يشبه بالجمل يعني أن الحبل ~~مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة والبعير لا يناسبه. وأهل التناسخ أولوا ~~الآية ms1969 بأن الأرواح التي كانت في الأبدان البشرية لما عصت وأذنبت فإنها بعد ~~موت الأبدان ترد من بدن إلى بدن ولا تزال تبقى في التعذيب حتى تنتقل من بدن ~~الجمل إلى بدن الذرة فتنفذ في سم الخياط، وحينئذ تصير مطهرة عن تلك الذنوب ~~فتدخل الجنة وتصل إلى السعادة وكذلك ومثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي المجرمين ~~قيل: هم الكافرون المكذبون المستكبرون المار ذكرهم، وقيل: يدخل فيه الفساق ~~بشرط عدم التوبة عند المعتزلة، وبشرط عدم العفو عند الأشاعرة. ثم لما بين ~~أنهم لا يدخلون الجنة ذكر أنهم يدخلون النار فقال: لهم من جهنم مهاد أي ~~فراش ومن فوقهم غواش هي جمع غاشية وهي كل ما يغشاك أي يجللك، والمراد ~~الإخبار عن إحاطة النار بهم من كل جانب فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف. ~~والتنوين في غواش مثله في «جوار» أعني أنه للتمكن عند بعض لأنه بعد حذف ~~يائه لم يبق على زنة مساجد، وللعوض عند بعض، إما عن الياء أو عن إسكان ~~الياء وكذلك نجزي الظالمين هم المشركون أو الفسقة الذين ظلموا أنفسهم. ثم ~~عقب الوعيد بالوعد فقال: والذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية. وقوله # PageV03P234 # لا نكلف نفسا إلا وسعها وقد مر تفسيره في آخر سورة البقرة اعتراض بين ~~المبتدأ وخبره وليس بأجنبي وإلا لم يحسن. وفيه تنبيه للمقصرين على أن الجنة ~~مع عظم قدرها تحصل بالعمل السهل من غير ما حرج وصعوبة فبعدا لمن فاتته ~~وسحقا لمن فارقته. ومن جعله خبرا فالعائد محذوف أي لا نكلف نفسا منهم. ثم ~~وصف أخلاق أهل الجنة فقال: ونزعنا ما في صدورهم من غل نزع الشيء قلعه من ~~مكانه، والغل الحقد والتركيب يدور على الإخفاء ومنه الغلول كما مر في تفسير ~~قوله: وما كان لنبي أن يغل [آل عمران: 161] وللآية تفسيران: الأول أزلنا ~~الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا بتصفية الطباع وإسقاط ~~الوسواس ومنعه من أن يرد على القلوب فإن الشيطان مشغول بالعذاب فلا يتفرغ ~~لإلقاء الوسواس فلم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف. # عن ms1970 علي كرم الله وجهه أني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. # الثاني: أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقص، فالله تعالى ~~أزال الحسد عن قلوبهم حتى إن صاحب الدرجة الناقصة لا يحسد صاحب الدرجة ~~الكاملة فيكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من ~~بعض ولعن بعضهم بعضا وليس هذا ببديع ولا بعيد من حال أهل الجنة، فإن أولياء ~~الله تعالى في دار الدنيا أيضا بهذه المثابة بحسن توفيق الله تعالى ونور ~~عنايته وهدايته كل منهم قد قنع بما حصل له من نعيم الدنيا وطيباتها لا يميل ~~طبعه إلى زوجة لغيره أحسن من زوجته ولا إلى مشتهى ألذ مما رزقه الله، وكل ~~هذا نتيجة ملكة الرضا بالقضاء والتسليم لأمر رب الأرض والسماء، فيموتون ~~كذلك ويحشرون على ذلك وفقنا الله لنيل هذا المقام ببركة أولئك الكرام تجري ~~من تحتهم الأنهار وهذه من جملة أسباب التنزه والترفه أن أجرى على ظاهره، ~~ومن جملة السعادات الروحانية أن أريد بها أنواع المكاشفات وأصناف التجليات ~~وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا النعيم المقيم والفوز العظيم بأن يسر ~~الأسباب وخلق الدواعي ومنع الصوارف، أو بأن أعطى العقل ونصب الأدلة وأزاح ~~العلة وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله من قرأ بواو العطف فظاهر، ومن خذف ~~الواو فلأنها جملة يقرب معناها من معنى الأولى وكأنها تفسرها فلا حاجة إلى ~~العطف المؤذن بالتغاير. ثم حكى عنهم سبب الاهتداء وذلك قوله: لقد جاءت رسل ~~ربنا بالحق فجعله واسطة لهدايتنا أو لطفا وتنبيها يقولون ذلك فيما بينهم ~~سرورا واغتباطا بما نالوا وتلذذا بالتكلم به لا تقربا وتعبدا فإن الجنة ~~ليست دار التكليف ونودوا أن تلكم بأنه تلكم الجنة والضمير للشأن والحديث ~~ويجوز كونه بمعنى أي لأن النداء في معنى القول. وإنما قيل: تلكم لأنهم ~~وعدوا بها في الدنيا وكأنه قيل لهم هذه تلكم التي وعدتم بها، ويجوز أن يكون ~~التبعيد للتعظيم. ومعنى أورثتموها صارت إليكم كما يصير الميراث إلى أهله. ~~قد يستعمل ms1971 الإرث ولا يراد به زوال # PageV03P235 # الملك عن الميت إلى الحي كما يقال هذا الفعل يورثك الشرف أو العار. وقيل: ~~أعطوا تلك المنازل من غير تعب في الحال فصار شبيها بالميراث. وقيل: إن أهل ~~الجنة يرثون منازل أهل النار لما # روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «ليس من مؤمن ولا كافر إلا له ~~في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت ~~الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم ~~بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل ~~الجنة منازلهم» # قالت المعتزلة قوله: بما كنتم تعملون يدل على أن الموجب للجزاء هو العمل ~~لا التفضل. وقال غيرهم: لما كان الموفق للعمل الصالح هو الله تعالى كان ~~دخول الجنة بفضله. وجعل العمل أمارة على ذلك والمنادي هو الله جل وعلا أو ~~الملك الموكل بذلك والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # يا بني آدم إما يأتينكم رسل الهامات من أنفسكم من طريق قلوبكم وأسراركم ~~وفيه أن بني آدم كلهم مستعدون لإشارات الحق وإلهاماته. افترى على الله كذبا ~~بأن يقول أكرمني الله بالكرامات والمقامات ولم يعط أو كذب بمقامات أعطاها ~~بعض أوليائه أولئك ينالهم نصيبهم من الشقاء الذي كتب لهم حتى إذا جاءتهم ~~رسل الإلهامات الإلهية والواردات الربانية بعد أن كان هائما في تيه البشرية ~~يتوفونهم بجذبات الألطاف الإلهية عن الأوصاف البشرية قالوا أين ما كنتم ~~تدعون من دون الله من الدنيا وشهواتها وشهدوا هؤلاء المجرمون المحرومون ~~أنهم كانوا كافرين ساترين الحق بالباطل فهداهم الله تعالى. ثم قال لأهل ~~الخذلان ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار وقدم الجن ~~لأن الله تعالى خلق أولا بني الجان منهم مؤمن ومنهم كافر، فلما استولى أهل ~~الكفر منهم بعث إليهم جندا من الملائكة- وقيل رئيسهم إبليس- فاستأصلوهم ثم ~~خلق آدم وذريته منهم مؤمن ومنهم كافر. كلما دخلت أمة في أعمال أهل النار ~~لعنت أختها المتقدمة في تلك الأعمال ms1972 لأنهم سنوها حتى إذا تدارك الكل في ~~الأعمال الموجبة للنار. عذابا ضعفا لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها لكل ضعف لأن المتأخر أيضا متقدم الذي يتلوه ويستن بسنته ولكن لا ~~تعلمون أنكم متقدمون لمتأخريكم فما كان لكم علينا من فضل لأنكم سننتم ~~لمتأخريكم كما سننا لكم لا تفتح لهم أبواب سماء القلوب إلى الحضرة ولا ~~يدخلون جنة القربة والوصلة حتى يدخل جمل النفس المتكبرة في سم خياط أحكام ~~الشريعة وآداب الطريقة، وحتى تصير بالتربية في إزالة الصفات الذميمة وقطع ~~تعلقات ما سوى الله أدق من الشعرة بألف مرة فيلج في سم خياط الفناء فيدخل ~~جنة البقاء وكذلك نجزي المجرمين الذين # PageV03P236 # صارت أنفسهم في حمل الأوزار كالجمل لهم من جهنم المجاهدة والرياضة فراش ~~ومن فوقهم من مخالفات النفس قمع الهوى لحاف فتذهبهم وتحرق أنانيتهم. لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها فيرفع عن ظاهرهم وباطنهم كلفة الإيمان والعمل حتى تيسر ~~عليهم العبودية بحسن التوفيق. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 53] # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون (45) وبينهما ~~حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين (47) ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا ~~أنتم تحزنون (49) ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ~~أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم ~~هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون (51) ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون ms1973 إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين ~~نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ~~فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) ### | القراآت: # نعم بكسر العين حيث كان: علي. الباقون بالفتح مؤذن بغير همز: # النجاري عن روش ويزيد والشموني وحمزة في الوقف. أن مخففة لعنة الله ~~بالرفع: # عاصم وأبو عمرو وأبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن ~~قنبل. # الباقون: مشددة وبالنصب. ### | الوقوف: # حقا ج لانتهاء الاستفهام. نعم ج للعطف مع الابتداء بالتأذين. # على الظالمين ه لا لأن «الذين» صفتهم عوجا ج لاحتمال الواو الاستئناف أو ~~الحال كافرون ه لأن ما بعده لم يدخل في التأذين ولم يجز أن يكون حالا حجاب ~~ج لتناهي حال الفئتين واتفاق الجملتين بسيماهم ط يطمعون ه أصحاب النار لا ~~لأن ما بعده جواب «إذا» الظالمين ه تستكبرون ه برحمة ط لتناهي الاستفهام ~~والأقسام # PageV03P237 # تحزنون ه رزقكم الله ط الكافرين ه الحياة الدنيا ج للابتداء مع فاء ~~التعقيب هذا لا «وما» مصدرية كما في كما نسوا والتقدير ننساهم كنسيانهم ~~وجحودهم يجحدون ه يؤمنون ه إلا تأويله ط بالحق ج لابتداء الاستفهام مع ~~الفاء للتعقيب كنا نعمل ط يفترون ه. ### | التفسير: # ولما شرح وعيد الكفار وثواب الأبرار أتبعه المناظرات التي تدور بين ~~الفريقين فقال: ونادى وإنما ذكره بلفظ الماضي لأن المستقبل الذي يخبر الله ~~تعالى عنه من حيث تحقق وقوعه كالماضي. والظاهر أن هذا النداء إنما يكون بعد ~~الاستقرار في الجنة لأنه ورد بعد قوله: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها ~~قيل: الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرض. ومع هذا البعد الشديد ~~كيف يصح هذا النداء؟ وأجيب بأن البعد الشديد والقرب القريب عندنا ليس من ~~موانع الإدراك، ولو سلم المنع في الشاهد فلا يسلم في الغائب. وهذا النداء ~~يقع من كل أهل الجنة لكل أهل النار لأن أصحاب الجنة وأصحاب النار يفيد ~~العموم لكن الجمع إذا قرن بالجمع يوزع ms1974 الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل ~~الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار. و «أن» في أن قد وجدنا مفسرة أو مخففة ~~من الثقيلة كما مر في قوله: أن تلكم الجنة [الأعراف: 43] وكذا قوله: أن ~~لعنة الله لأن النداء والتأذين في معنى القول. قال ابن عباس: وجدنا ما ~~وعدنا ربنا في الدنيا من الثواب حقا صحيحا مطابقا للواقع فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم من العقاب حقا والغرض من هذا الاستفهام إظهار الشاشة والاغتباط وإيقاع ~~الحزن في قلب العدو، وفي هذه الحكاية لطف للمؤمنين وترغيب كما في سائر ~~الأخبار. وإنما حذف المفعول في وعد ربكم لدلالة المفعول في وعدنا عليه، ~~ولأن كونهم مخاطبين من قبل الله تعالى بهذا الوعد يوجب مزيد التشريف وأنه ~~لا يليق إلا بحال المؤمنين ويحتمل أن يكون الإطلاق ليتناول كل ما وعد الله ~~من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة قالوا نعم قال ~~سيبويه: نعم عدة وتصديق أي تستعمل تارة عدة وتارة تصديقا. فإذا قال: # أتعطيني؟ قال: نعم، فهو عدة. وإذا قال: قد كان كذا وكذا فقلت: نعم فقد ~~صدقت. # والحاصل أن نعم للتصديق في الخبر والتحقيق في الاستفهام مثبتين كانا أو ~~منفيين. # فلو قيل: قام زيد أو أقام زيد فتقول: نعم. كان معناه نعم قام زيد مصدقا ~~أو محققا ولو قيل: ما قام زيد أو ألم يقم زيد فقلت: نعم. كان المعنى ما قام ~~زيد مصدقا أو محققا. ومن ثم قال ابن عباس: لو قالوا في جواب ألست بربكم ~~[الأعراف: 172] «نعم» لكان كفرا. هذا من حيث اللغة وقد يكون العرف على خلاف ~~ذلك كقول الفقهاء: لو قيل أليس لي عليك دينار # PageV03P238 # فقلت: نعم التزمت بالدينار بناء على العرف الطارئ بعد الوضع. وكنانة تكسر ~~العين من نعم. وروي عن عمر أنه سأل قوما عن شيء فقالوا: نعم فقال عمر: أما ~~النعم فالإبل وقولوا نعم وأنكر هذه الرواية أبو عبيد فأذن مؤذن قال ابن ~~عباس: هو الملك صاحب الصور يأمره الله فينادي نداء يسمع أهل الجنة ms1975 وأهل ~~النار. ومعنى التأذين النداء والتصويت للإعلام ومنه الأذان لأنه إعلام ~~بالصلاة وبوقتها. والظالمون في الآية قيل: عام للكافر والفاسق والظاهر أنهم ~~الكفار لأن الصد عن سبيل الله أي المنع عن قبول الدين الحق بالقهر أو ~~بالحيلة وإلقاء الشكوك والشبهات في الدلائل وهو المراد بقوله: ويبغونها ~~عوجا وقد مر في آل عمران. والكفر بالآخرة كلها من أوصاف الكفرة وإنما قدم ~~بالآخرة تصحيحا لفواصل الآي ولم يزد لفظة هم هنا على القياس. وأما في سورة ~~هود فلما تقدم هؤلاء الذين كذبوا على ربهم وقال: ألا لعنة الله على ~~الظالمين [الآية: 18] ولم يقل «عليهم» والقياس ذلك التبس أنهم هم أم غيرهم ~~فكرر ليعلم أنهم هم المذكورون لا غيرهم. ثم وصف أهل الجنة والنار فقال: ~~وبينهما يعني بين الجنة والنار أو بين الفريقين حجاب وهو السور المذكور في ~~قوله سبحانه: فضرب بينهم بسور له باب [الحديد: 13] قيل: أي حاجة إلى ضرب ~~هذا السور والجنة فوق السموات والجحيم في أسفل سافلين. وأجيب بأن بعد ~~أحدهما عن الآخر لا يمنع أن يكون بينهما سور وحجاب. والأعراف لغة جمع عرف ~~بالضم وهو الرمل المرتفع ومنه عرف الفرس وعرف الديك، وكل مرتفع من الأرض ~~عرف لأنه بسبب ارتفاعه يصير أعرف مما انخفض منه. الأعراف في الآية يفسر ~~بالمكان تارة وبغيره أخرى. أما الذين فسروه بالمكان وهم الأكثرون فقال: إن ~~الأعراف أعلى أعالي السور المضروب بين الجنة والنار ويروى عن ابن عباس. ~~وعنه أيضا أن الأعراف شرف الصراط وعلى هذا التفسير فالذين هم على الأعراف ~~من هم فيه قولان: أحدهما أنهم أقوام يكونون في الدرجة العليا من الثواب. ~~وثانيهما: أنهم في الدرجة النازلة. وعلى الأول فيه وجوه: # فقال أبو مجلز: هم ملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. فقيل له: يقول ~~الله تعالى: # وعلى الأعراف رجال وأنت تقول: إنهم ملائكة. فقال: الملائكة ذكور لا إناث. ~~ويرد عليه أن الرجل لغة يطلق على من يصلح أن يكون من نوعه أنثى بل يطلق على ~~الذكر من بني آدم. وقيل: إنهم الأنبياء ms1976 عليهم السلام أجلسهم الله تعالى على ~~ذلك المكان العالي إظهارا لشرفهم وليكونوا مشرفين على الفريقين مطلعين على ~~أحوالهم ومقادير ثوابهم وعقابهم. # وقيل: إنهم الشهداء. وعلى القول الثاني قيل: إنهم قوم تساوت حسناتهم ~~وسيئاتهم أوقفهم الله على هذه الأعراف لأنها درجة متوسطة بين الجنة والنار. ~~ثم تؤل عاقبة أمرهم إلى الجنة # PageV03P239 # برحمة من الله وفضل قاله حذيفة وابن مسعود واختاره الفراء. وخصصه بعضهم ~~فقال: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن أمهاتهم فاستشهدوا فساوت معصيتهم ~~طاعتهم وفي هذا التخصيص نظر. وقال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل ~~الجنة. وقال قوم: هم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم الأعراف. ~~وأما الذين فسروه بغير المكان وهو قول الحسن والزجاج فقد قالوا: إن المعنى ~~وعلى معرفة أهل الجنة والنار رجال يميزون البعض من البعض إما بالإلهام أو ~~بتعريف الملائكة. قال الحسن: والله لا أدري لعل بعضهم الآن معنا. وعلى جميع ~~التفاسير فهم يعرفون أهل الجنة وأهل النار. قال قوم: يعرفون أهل الجنة بكون ~~وجوههم ضاحكة مستبشرة مبيضة، وأهل النار بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. وزيف ~~بأن هذا النوع من المعرفة عام لأهل المحشر فلا وجه لتخصيص أصحاب الأعراف ~~بذلك. # ويمكن أن يقال: إن معرفتهم لكونهم على الأمكنة المرتفعة آمنين. وقال ~~المحققون: إنهم كانوا يعرفون أهل الخير والإيمان والصلاة وأهل الشر والكفر ~~والإفساد وهم كانوا في الدنيا شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة وعلى أهل ~~الكفر والمعصية، فهو تعالى يجلسهم على الأعراف ليكونوا مطلعين على الكل ~~يشهدون على كل أحد بما يليق به. ثم قال: ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ~~أي إنهم إذا نظروا إلى الجنة سلموا على أهلها. ثم أخبر على سبيل الاستئناف ~~أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون كأن سائلا سأل عن حالهم أو على ~~أنه صفة أخرى لرجال. فإن قلنا: إن أصحاب الأعراف هم الأشراف فيكون الله ~~تعالى أخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار، ثم إنه تعالى ~~ينقلهم إلى الدرجات العلا في الجنة كما ms1977 # روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ان أهل الدرجات العلا ليراهم ~~من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في وسط السماء وإن أبا بكر وعمر منهم» # ومعنى يطمعون على هذا يتيقنون كقول إبراهيم: والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي يوم الدين [الشعراء: 82] ولا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الأدب. ~~وإن قلنا أصحاب الأعراف هم الأوساط فلا إشكال لأنهم يطمعون من فضل الله ~~وإحسانه أن ينقلهم من ذلك الموضع إلى الجنة وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب ~~النار قال الواحدي: # التلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفا. ولم ~~يأت من المصادر على «تفعال» بالكسر إلا حرفان «تبيان» و «تلقاء» وإنه في ~~الاسم كثير كتمثال وتقصار، والمعنى أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على ~~أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى أن لا يجعلهم من زمرتهم. وفي بناء الفعل ~~للمفعول وإن لم يقل وإذا أبصروا فائدة هي أن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا ~~فيستعيذوا ويوبخوا. ثم بين أن أصحاب الأعراف ينادون رجالا من أكابر أهل ~~النار واستغنى عن التصريح بهم بوصفهم بما لا يليق إلا بهم فقال # PageV03P240 # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم ~~المال أو كثرتكم واجتماعكم وما كنتم تستكبرون عن الحق وعلى الناس، وفيه ~~تبكيت للمخاطبين وشماتة بهم، ثم زادوا في التبكيت مشيرين إلى فريق من أهل ~~الجنة كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما استهزؤا بهم وأنفوا من ~~مشاركتهم في دينهم لقلة حظوظهم من الدنيا فقالوا: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ~~ينالهم الله برحمة أما قوله: ادخلوا الجنة إلى آخر الآية. فمن قول الله ~~تعالى لأصحاب الأعراف، أو من قول الملائكة لهم بأمره، أو من قول بعضهم لبعض ~~وذلك بعد أن يحبسوا ويجلسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين ويقولوا. قال ~~المفسرون: الرجال هاهنا الوليد بن المغيرة وأبو جهل ابن هشام والعاص بن ~~وائل السهمي ونظراؤهم. وكانوا يقولون إن بلالا وسلمان وعمارا وأمثالهم ~~يدخلهم الله الجنة ويدخلنا النار كلا والله إن الله لا ms1978 يفضل علينا خدمنا ~~ورعاتنا، أقسموا أن لا يخصهم بفضل دونهم فناداهم أصحاب الأعراف. # ثم ختم المناظرات بقوله: ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة قال ابن عباس: ~~لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار بفرج بعد اليأس فقالوا: ~~ربنا إن لنا قرابات من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله ~~بالجنة فزخرفت ثم نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم ~~فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل جهنم فلم يعرفوهم قد اسودت ~~وجوههم وصاروا خلقا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم وقالوا: ~~أفيضوا علينا من الماء طلبوا الماء أولا لما في بواطنهم من الاحتراق ~~الشديد. وفي الإفاضة نوع دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانا من أهل النار. # قال بعض العلماء: إنهم سألوا ذلك مع جواز الحصول. وقال آخرون: بل مع ~~اليأس لأنهم عرفوا دوام عقابهم ولكن الآيس من الشيء قد يطلبه كما يقال في ~~المثل: الغريق يتعلق بالزبد. وإن علم أنه لا يغنيه. قوله: أو مما رزقكم ~~الله قيل: أي سائر الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة. وقيل: أي من الثمار أو ~~الطعام. والمراد: وألقوا علينا من الطعام والفاكهة كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدة جوعهم. ~~ثم كأن سائلا سأل فبماذا أجابهم أهل الجنة؟ فقيل: قالوا إن الله حرمهما على ~~الكافرين أي منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه وهذه ~~نهاية الحسرة والخيبة أعاذنا الله منها. ثم # PageV03P241 # وصف هؤلاء الكافرين بأنهم الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة ~~وقد مر تفسير الوصفين في أوسط سورة الأنعام. وقال ابن عباس: يريد ~~المستهزئين المقتسمين، وجملة الأمر أن الإنسان يطمع في طول العمر وحسن ~~العيش وكثرة المال وقوة الجاه فلشدة رغبته في هذه الأشياء يصير محجوبا عن ~~طلب الدين غريقا في بحر الدنيا ومشتهياتها. ثم ذكر جزاءهم يوم القيامة على ~~سبيل الحكاية فقال: فاليوم ننساهم أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل ~~للقاء يومهم ms1979 هذا قاله الحسن ومجاهد والسدي والأكثرون، وقيل: أي نعاملهم ~~معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آياتنا، فسمي ~~جزاء النسيان نسيانا كقوله: وجزاء سيئة سيئة # [الشورى: 40] والحاصل أنه لا يجيب دعائهم ولا يرحم ضعفهم وذلهم. عن أبي ~~الدرداء أن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم ~~فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ثم يستغيثون ~~فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون الشراب فيستغيثون إلى أهل الجنة كما في ~~هذه الآية فتقول أهل الجنة إن الله حرمهما على الكافرين، ويقولون لمالك ~~ليقض علينا ربك فيجيبهم على ما قيل بعد ألف عام إنكم ماكثون، ويقولون ربنا ~~أخرجنا منها فيجيبهم اخسؤا فيها ولا تكلمون، فعند ذلك ييأسون من كل خير ~~ويأخذون في زفير وشهيق. وعن ابن عباس في صفة أهل الجنة: إنهم يرون الله عز ~~وجل في كل جمعة، ولمنزل كل واحد منهم ألف باب فإذا رأوا الله تعالى دخل من ~~كل باب ملك معهم الهدايا الشريفة. وقال: إن نخل الجنة خشبها الزمرد ~~وقوائمها الذهب الأحمر وسعفها حلل وكسوة لأهل الجنة وثمرتها أمثال القلال ~~أشد بياضا من الفضة وألين من الزبد وأحلى من العسل لا عجم فيها. فهذه صفة ~~الفريقين من القرآن والحديث فتأهب لأيهما شئت والله الموفق. ولما شرح الله ~~تعالى حال الطائفتين والمناظرات الجارية بينهم لتكون حاملا للمكلف على ~~الحذر من مواجب النار وعلى الرغبة في مستتبعات الجنة بين شرف هذا الكتاب ~~الكريم وغاية منافعه الجليلة فقال: ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ميزنا بعضه عن ~~بعض تمييزا يهدي إلى الرشاد ويؤمن من الغلط والتخليط. وإنما فعلنا ذلك لا ~~كيفما اتفق بل على علم بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد الكثيرة ~~والمنافع الغزيرة حتى جاء بريئا من كل خلل وقدح ومعجزا باقيا على وجه ~~الدهر. وقوله: وهدى ورحمة حالان من منصوب فصلناه كما أن على علم حال من ~~مرفوعه. ويحتمل أن يكونا مفعولا لهما لقوم يؤمنون لأن فائدته تعود ms1980 إليهم، ~~ثم لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية ~~والرحمة بين بعده حال من كذب به فقال: هل ينظرون إلا تأويله والنظر هاهنا ~~بمعنى الانتظار والتوقع، وكيف ينتظرون مع جحدهم وإنكارهم؟ الجواب لعل فيهم ~~أقواما تشككوا # PageV03P242 # وتوقفوا ولهذا السبب انتظروه. وأيضا إنهم كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة ~~المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة. قال الفراء: الضمير في ~~تأويله للكتاب أي إلا عاقبة أمره وما يؤل إليه من بيان صدقه وظهور صحة ما ~~نطق به من الوعد والوعيد، أو عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب ~~والعقاب، والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل يوم يأتي يريد ~~يوم القيامة وانتصابه على أنه ظرف يقول ومعنى: # نسوه تركوا العمل به والإيمان أو أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من ~~نسيه قد جاءت رسل ربنا بالحق أي متلبسين بما هو الحق، أو الباء للتعدية ~~والمراد اعترافهم بثبوت الحشر والنشر وأحوال القيامة وأهوالها إذا عاينوها ~~فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا منصوب بإضمار «أن» بعد الفاء والتقدير: هل ~~يثبت لنا شفيع فيشفع أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل فنوحد الله تعالى ~~بدلا عن الشرك ونطيعه بدلا عن المعصية. وفيه دليل على أن أهل الآخرة لا ~~تكليف لهم خلافا للنجار ومن تبعه وإلا لم يسألوا الرد إلى دار التكليف ولم ~~يتمنوه بل كانوا يتوبون في الحال. ثم حكم بأن ذلك التمني لا يفيدهم شيئا ~~وأن مطلوبهم لا يكون البتة فقال: قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~أي لا ينتفعون بالأصنام التي عبدوها في الدنيا وليس تفيدهم نصرة الأوثان ~~التي بالغوا في نصرها. ### | التأويل: # نادى أهل المحبة أهل القطيعة أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا يعني # قوله: «ألا من طلبني وجدني» # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا وهو # قوله: «ومن طلب غيري لم يجدني» # فأذن مؤذن العزة والعظمة على الظالمين الذين وضعوا استعداد الطلب في غير ~~موضع مطلوبه، الذين يصدون ms1981 القلب والروح عن سبيل الله وطلبه، ويطلبون صرف ~~وجوههم إلى الدنيا وما فيها وبينهما حجاب من الأوصاف البشرية والأخلاق ~~الذميمة النفسانية فلا يرى أهل النار أهل الجنة وكذا بين أهل الجنة وأهل ~~الله- وهم أصحاب الأعراف- حجاب من أوصاف الخلقية والأخلاق الحميدة ~~الروحانية. وسميت أعرافا لأنها موطن أهل المعرفة، وسموا رجالا لأنهم ~~بالرجولية يتصرفون فيما سوى الله تصرف الرجال في النساء ولا يتصرف فيهم شيء ~~منه، فالأعراف مرتبة فوق الجنان في حظائر القدس عند الرحمن يعرفون كلا من ~~أهل الجنة وأهل النيران بسيماهم من آثار نور القلب وظلمته ونادوا أصحاب ~~الجنة أن سلام عليكم يعني هنيئا لكم ما أنتم فيه من النعيم والحور والقصور. ~~ثم أخبر عن همة أهل الأعراف فقال: لم يدخلوها أي الجنة ونعيمها ولم يلتفتوا ~~إلى غير المولى وهم يطمعون في الوصول إلى الحق سبحانه. وإذا صرفت # PageV03P243 # أبصارهم تلقاء أصحاب النار # ابتلاء ليعرفوا أنه تعالى من أي دركة خلصهم وبأي كرامة خصصهم ومن هذا ~~القبيل يكون ما يسنح لأرباب الكمالات من الخواطر النفسانية وما أتاهم الله ~~بشيء من الدنيا والجاه والقبول والاشتغال بالخلق ليعرفوا قدر العزلة ~~والتجريد والأنس مع الله في الخلوات رجالا يعرفونهم بسيماهم يعني أهل الجنة ~~وأهل النار ما أغنى عنكم جمعكم يا أهل الجنة وأهل الله من الطاعات ويا أهل ~~النار من الدنيا والشهوات وما كنتم تستكبرون عن السير في حقيقة لا إله إلا ~~الله أهؤلاء الذين أقسمتم يعني أن من المؤمنين والعلماء بعلم الظاهر في بعض ~~الأوقات من يقول لدناءة همته لأهل المحبة والمعرفة لا ينالهم الله برحمة ~~الوصول ادخلوا الجنة يعني الجنة المضافة إليه في قوله: ادخلي جنتي [الفجر: ~~30] في حظائر القدس وعالم الجبروت لا خوف عليكم من الخروج ولا أنتم تحزنون ~~على ما فاتكم من نعيم الجنة إذ فزتم بشهود جمالنا. اعلم أن أهل الجنة وأهل ~~النار يرون أهل الله وهم أصحاب الأعراف بالصورة ما داموا في مواطن الكونين، ~~فإذا دخلوا الجنة الحقيقية المضافة إلى الله في حظائر القدس وسرادق العزة ~~انقطع عنهم ms1982 نظرهم ونظر الملائكة المقربين فافهم. يحكى عن بابا جعفر الأبهري ~~أنه دخل على بابا طاهر الهمداني فقال: أين كنت فإني حضرت البارحة مع الخواص ~~على باب الله فما رأيتك ثمة؟ فقال بابا طاهر: صدقت كنت على الباب مع الخواص ~~وكنت داخلا مع الأخص فما رأيتني. أفيضوا علينا من الماء كانوا في الدنيا ~~عبيد البطون حراصا على الطعام والشراب فماتوا على ما عاشوا وحشروا على ما ~~ماتوا، وإن أهل الجنة لما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس كان اشتغالهم في ~~الجنة بشهوات النفس والمضايقة بها قالوا إن الله حرمهما على الكافرين وفي ~~الحقيقة إنما حرمهما عليهم في الأزل فلم يوفقوا لمعاملات تورث الجنة هل ~~ينظرون إلا تأويله أي ما يؤل إليه عاقبته في شأنهم. فللمؤمنين كشف الغطاء ~~وسبوغ العطاء، ولأهل الجحود الفرقة والافتقار وعذاب النار أعاذنا الله ~~تعالى منها. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 الى 58] # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له ~~الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين (56) وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من ~~كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون (58) # PageV03P244 ### | القراآت: # يغشي بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد وسهل ويعقوب غير ~~روح. والشمس والقمر والنجوم مسخرات كلها بالرفع: ابن عامر. # الآخرون بالنصب. الريح على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلى وخلف نشرا ~~بالنون وسكون الشين: ابن عامر. وبفتح النون وسكون الشين: حمزة وعلي وخلف ~~وأبو زيد عن المفضل. وبضم الباء الموحدة والشين الساكنة: عاصم غير أبي زيد ~~الباقون بضم النون والشين. ميت بالتشديد: أبو جعفر ونافع ms1983 وحمزة وعلي وخلف ~~وحفص والمفضل نكدا بفتح الكاف: يزيد. الآخرون بكسرها. ### | الوقوف: # حثيثا ط لمن قرأ والشمس وما بعده مرفوعات بأمره ط والأمر ط العالمين ه ~~وخفية ط المعتدين ه للعطف مع الآية. وطمعا ط المحسنين ه رحمته ط الثمرات ط ~~تذكرون ه بإذن ربه ج للابتداء مع العطف نكدا ط يشكرون ه. ### | التفسير: # لما بالغ سبحانه في تقرير أمر المعاد عاد على عادته إلى بيان المبدإ وهو ~~ذكر الدلائل الدالة على التوحيد وكمال القدرة والعلم تأكيدا للمعاد. ~~والمعنى إن الذي يربيكم ويصلح شأنكم ويوصل إليكم الخيرات ويدفع عنكم ~~المكاره هو الذي بلغ كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته إلى حيث خلق هذه ~~الأجسام الجسام وأودع فيها أنواع المنافع وأصناف الفوائد، فكيف يليق أن ~~يرجع إلى غيره في طلب الخيرات ويعول على غيره في تحصيل السعادات؟ قال علماء ~~الأدب: أصل ست سدس بدليل سديس وأسداس. ثم إن العرب كانوا يخاطبون اليهود ~~فالظاهر أنهم سمعوا بعض أوصاف الخالق منهم فكأنه سبحانه يقول: لا تشتغلوا ~~بعبادة الأوثان والأصنام فإن ربكم هو الذي سمعتم من عقلاء الناس أنه هو ~~الذي خلق السموات والأرض على غاية عظمتهما ونهاية جلالتهما في ستة أيام. ~~قيل: # إنه تعالى كان قادرا على إيجادهما دفعة واحدة فما الفائدة في ذكر أنه ~~خلقهما في ستة أيام في أثناء ذكر ما يدل على وجود الصانع؟ وأجيب بأنه أراد ~~أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور والصبر فيها كيلا يحمل المكلف تأخير ~~الثواب والعقاب على التعطيل. ومن العلماء من قال: إن الشيء إذا أحدث دفعة ~~واحدة ثم انقطع الإحداث فلعله يخطر ببال بعضهم أن ذلك إنما وقع على سبيل ~~الاتفاق، أما إذا أحدثت الأشياء على التعاقب والتواصل مع كونها مطابقة ~~للحكمة والمصلحة كان ذلك أقوى في الدلالة على كونها واقعة بإحداث محدث # PageV03P245 # حكيم عليم قادر رحيم. وأيضا ثبت بالدليل أنه تعالى يخلق العاقل أولا ثم ~~يخلق السموات والأرض بعده لأن خلق ما لا ينتفع به في الحال يجر إلى العبث. ~~ثم إن ذلك ms1984 العاقل- ملكا كان أو جنيا- إذا شاهد في كل ساعة وحين حدوث شيء ~~آخر على سبيل التعاقب والتوالي كان ذلك أقوى في إفادة اليقين لأنه يتكرر ~~على عقله ظهور هذه الدلائل لحظة فلحظة. وأما تقدير المدة بستة أيام فلا يرد ~~عليه إشكال لأن السؤال يعود على أي مقدار فرض، وقيل: إن لعدد السبعة شرفا ~~عظيما ولهذا خصت ليلة القدر بالسابع والعشرين. فالأيام الستة لتخليق العالم ~~والسابع لتحصيل كمال الملك والملكوت. فإن قيل: كيف يعقل حصول الأيام قبل ~~خلق الشمس التي نيط تقدير الأزمنة بطلوعها وغروبها؟ فالجواب أن المراد خلق ~~السموات والأرض في مقدار ستة أيام كقوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~[مريم: 62] والمراد مقدار البكرة والعشي في الدنيا لأنه لا صباح عند الله ~~ولا مساء. وعن ابن عباس أن هذه الأيام أيام الآخرة كل يوم ألف سنة مما ~~تعدون. والأكثرون على أنها أيام الدنيا لأن التعريف بها يقع. والظاهر أنها ~~الأيام بلياليها لا النهار. ونقول: يمكن أن تحمل الأيام الستة على الأطوار ~~الستة التي للأجسام الهيولى والصورة والجسم البسيط ثم المركب المعدني ~~والنباتي والحيواني والله تعالى أعلم بمراده. أما قوله سبحانه: ثم استوى ~~على العرش فحمل بعضهم الاستواء على الاستقرار وزيف بوجوه عقلية ونقلية ~~منها: أن استقراره على العرش يستلزم تناهيه من الجانب الذي يلي العرش، وكل ~~ما هو متناه فاختصاصه بذلك الحد المعين يستند لا محالة إلى محدث مخصص فلا ~~يكون واجبا. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإله تعالى نورا غير ~~متناه ويراد باستقراره على العرش بلا تناهيه إحاطته به من الجوانب ونفوذه ~~في الكل لا كإحاطة الفلك الحاوي بالمحوى، ولا كنفوذ النور المحسوس في ~~الشرف، بل على نحو آخر تعوزه العبارة. ومنها أنه تعالى لو كان في مكان وجهة ~~لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات أو متناهيا من بعضها دون بعض. ~~وعلى الأول يلزم اختلاطه بجميع الأجسام حتى للقاذورات ومع ذلك فالشيء الذي ~~هو محل السموات، إما أن يكون عين الشيء الذي هو محل ms1985 الأرض أو غيره، وعلى ~~الأول يلزم أن يكون السماء والأرض حالين في محل واحد فهما شيء واحد لا ~~شيئان. وعلى الثاني يلزم التركيب والتجزئة في ذاته تعالى. وأما إن كان ~~متناهيا من الجهات فلو حصل في جميع الأحياز فهو محال بالبديهة، وإن حصل في ~~حيز واحد فلو كان جوهرا فردا لزم أن يكون واجب الوجود أحقر الأشياء وإلا ~~لزم التبعيض لأن جهة الفوق منه تكون مغايرة لمقابلتها. وكذا الكلام فيه إن ~~كان متناهيا من بعض الجهات، ولو جاز أن يكون الشيء المحدود من جانب أو ~~جوانب # PageV03P246 # قديما أزليا فاعلا للعالم فلم لا يجوز أن يقال فاعل العالم هو الشمس ~~والقمر أو كوكب آخر؟ # وأيضا يصح على الشق المتناهي أن يكون غير متناه وعلى غير المتناهي أن ~~يكون متناهيا، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد ~~منها صح على الباقي فيصح النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفريق والتمزق ~~على ذاته تعالى فيكون ممكنا محدثا لا واجبا قديما. ولقائل أن يقول: إنه غير ~~متناه ولا يلزم من ذلك أن يكون محلا للعالم ولا حالا فيه، واستصحاب الشيء ~~للمحل غير كونه نفس المحل أو مفتقرا إلى المحل. # وحديث اختلاطه بالقاذورات تخييل لا أصل له عند الرجل البرهاني. ومنها أنه ~~لو كان الباري يتعالى حاصلا في المكان والجهة لكان الأمر المسمى بالجهة إما ~~أن يكون موجودا مشارا إليه أو لا يكون. فإن كان موجودا كان له بعد وامتداد ~~وللحاصل فيه أيضا بعد وامتداد فيلزم تداخل البعدين ومع ذلك يلزم كون الجهة ~~والحيز أزليين ضرورة كون الباري تعالى أزليا ومحال أن يكون ما سوى الواجب ~~أزليا، وإن لم يكن موجودا لزم كون العدم المحض ظرفا لغيره ومشارا إليه ~~بالحس وذلك باطل. واعترض بأن ذلك أيضا وارد عليكم في قولكم: «الجسم حاصل في ~~الحيز والجهة» . وأجيب بأن مكان الجسم عندنا عبارة عن السطح الظاهر من ~~الجسم المحوي وهذا المعنى بالاتفاق في حق الله محال فسقط الاعتراض. ولقائل ~~أن يقول: الجهة مقطع الإشارة الحسية ms1986 وهذا في حقه محال لعدم تناهيه. # ولم لا يجوز أن يكون المكان خلاء فلا يلزم تداخل البعدين ولو لزم هناك ~~لزم في الأجسام أيضا بل لا بعد هناك ولا امتداد، ولو فرض فلن يلزم منه ~~الانقسام في الخارج، ومنها أنه لو امتنع وجود الباري تعالى بحيث لا يكون ~~مختصا بالحيز والجهة لكانت ذاته مفتقرة في تحققها ووجودها إلى غيره فيكون ~~ممكنا. والجواب ما مر من أن استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إليه. ومنها ~~أن الحيز والجهة لا معنى له إلا الفراغ المحض، ولأن هذا المفهوم واحد ~~فالأحياز بأسرها متساوية في تمام الماهية. فلو اختص ذاته تعالى بحيز معين ~~لكان اختصاصه به لمخصص مختار، وكل ما كان فعل الفاعل المختار فهو محدث، ~~فحصوله في الحيز محدث وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو أولى بالحدوث فالواجب ~~محدث هذا خلف. # ولقائل أن يقول: ما لا يتناهى لا يعقل له حيز معين ولو فرض لا تناهي ~~الأحياز أيضا فافتقاره إليها ممنوع، وكيف يفتقر الشيء إلى ما تأخر وجوده عن ~~وجود ذلك الشيء والمعية بعد ذلك لا تضر؟ ومنها لو كان في الحيز والجهة لكان ~~مشارا إليه بالحس، ثم إن كان قابلا للقسمة لزم التجزي وإلا لكان نقطة أو ~~جوهرا فردا فلا يبعد أن يقال: إن إله العام جزء من ألف جزء من رأس إبرة ~~ملتصقة بذنب قملة أو نملة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن كونه مع # PageV03P247 # الحيز من جميع الجهات المفروضة يستلزم كونه مشارا إليه حسا فإن العقل ~~يعجز عن إدراكه فضلا عن الحس وباقي الكلام لا يستحق الجواب. ومنها كل ذات ~~قائمة بالنفس يشار إليها بحسب الحس فلا بد أن يكون جانب يمينه مغايرا لجانب ~~شماله فيكون منقسما وكل منقسم مفتقر ممكن. قالوا: هذا الدليل مبني على نفي ~~الجوهر الفرد. ومنها لو كان في حيز لكان إما أعظم من العرش أو مساويا له أو ~~أصغر منه والثالث باطل بالإجماع والأولان يستلزمان الانقسام لأن المساوي ~~للمنقسم منقسم وكذا الزائد عليه، لأن القدر ms1987 الذي فضل به عليه مغاير لما ~~سواه. ولقائل أن يقول: لا نسبة بين الجسم وبين نور الأنوار وتستحيل هذه ~~التقادير. # ومنها أنه لو فرض كونه تعالى غير متناه من جميع الجهات كما يزعم الخصم ~~لزم لا تناهي الأبعاد وإنه محال لبرهان تناهي الأبعاد. ولقائل أن يقول: إن ~~برهان تناهي الأبعاد لا يسلم ولو سلم فلا بعد فيما وراء العالم الجسماني ~~ولا امتداد. ومنها أنه سبحانه لو كان حاصلا في الحيز لكان كونه هناك إما أن ~~يمنع من حصول جسم آخر فيه أو لا يمنع. وعلى الأول كان تعالى مساويا لجميع ~~الأجسام في هذا المعنى، ثم إنه إن لم تحصل بينه وبينها مخالفة بوجه آخر صح ~~عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها مخالفة بوجه ~~آخر صح عليه ما يصح عليها من التغيرات وإنه محال، وإن حصل بينه وبينها ~~مخالفة من سائر الوجوه كان ما به المشاركة مغايرا لما به المخالفة فيكون ~~الواجب مركبا بل ممكنا. # وأيضا إن ما به المشاركة وهو طبيعة البعد والامتداد إما أن يكون محلا لما ~~به المخالفة أو حالا فيه أو لا هذا ولا ذاك. فإن كان محلا له كان البعد ~~جوهرا قائما بنفسه والأمور التي بها حصلت المخالفة أعراضا وصفات، وإذا كانت ~~الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما يصح على بعضها يصح على البواقي، وكل ~~ما يصح على بعض الأجسام من التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد ~~يصح على ذاته تعالى. وإن كان ما به المخالفة محلا وذوات وما به المشاركة ~~حالا وصفة فذلك المحل إن كان له أيضا اختصاص بحيز وجهة فيجب افتقاره إلى ~~محل آخر لا إلى نهاية وإلا كان موجودا مجردا فلا يكون بعدا وامتدادا هذا ~~خلف. وإن لم يكن حالا ولا محلا كان أجنبيا مباينا فتكون ذات الله تعالى ~~مساوية لتمام الأجسام في الماهية ويصح عليه ما يصح عليها هذا محال، وعلى ~~التقدير الثاني- وهو أن ذاته تعالى لا تمنع من حصول جسم آخر في حيزه- لزم ms1988 ~~سريانه في ذلك الجسم وتداخل البعدين كما مر والكل محال، فالمقدم وهو كونه ~~تعالى في حيز محال. # ولقائل أن يقول: كون البارئ تعالى مع الحيز مغاير لكون الجسم في الحيز ~~فأين الاشتراك؟ # ولو سلم فالاشتراك في اللوازم لا يوجب الاشتراك في الملزومات فمن أين ~~يلزم التركيب؟ # قوله: «فإن كان محلا له كان البعد جوهرا قائما بنفسه» قلنا: كون البعد ~~جوهرا قائما بنفسه # PageV03P248 # حق، ولكن الملازمة ممنوعة، وكذا قوله: «الأمور التي بها حصلت المخالفة» ~~أعراض وصفات لجواز قيام العرض بالعرض كالبطء والسرعة القائمين بالحركة، ~~قوله: «وإلا كان موجودا مجردا فلا يكون بعدا» ممنوع لما قلنا من احتمال ~~وجود بعد مجرد بلا وجوبه، والكلام في سريانه في الموجودات قد مر. ومنها أنه ~~لو كان في حيز فإن أمكنه التحرك منه بعد سكونه فيه كان المؤثر في حركته ~~وسكونه فاعلا مختارا، وكل فعل لفاعل مختار فهو محدث وما لا يخلو عن المحدث ~~أولى بأن يكون محدثا وإن لم يمكنه التحرك منه كان كالزمن المقعد العاجز ~~وذلك محال. وأيضا لا يبعد فرض أجسام أخرى مختصة بأحياز معينة بحيث يمتنع ~~خروجها عنها فلا يمكن إثبات حدوث الأجسام بدليل الحركة والسكون والكرامية ~~يساعدون على أنه كفر. ولقائل أن يقول: إن الحركة والسكون من خواص الأجسام ~~المفتقرة إلى أحياز، فأما النور المجرد فلا يوصف بالحركة والسكون وإن كان ~~مع الحيز والمتحيز. سلمنا وجوب اتصافه بأحدهما فلم لا يجوز أن لا يمكنه ~~التحرك لا لكونه زمنا مقعدا ولكن لأنه نور غير متناه لا يصح وصفه بالتخلخل ~~والتكاثف ونحو ذلك، فتستحيل عليه الحركة لأنها موقوفة على شغل حيز وتفريغ ~~حيز آخر، ولأن العالم النوراني الذي لا نهاية له مملوء منه فكيف يتصور خلو ~~حيز عنه؟ ومنها أنه لو كان مختصا بحيز فإن كان لطيفا كالماء والهواء كان ~~قابلا للتفرق والتمزق، وإن كان صلبا كان إله العالم جبلا واقفا في الحيز ~~العالي، وإن كان نورا محضا جاز أن تفرض هذه الأنوار التي تشرق على الجدران ~~إلها. وأيضا إن كان له ms1989 طرف وحد فإن كان ذا عمق وثخن كان باطنه غير ظاهره ~~وإلا كان سطحا في غاية الرقة مثل قشرة الثوم بل أرق منها ألف ألف مرة. قلت: ~~إن أمثال هذه الكلمات لا تصدر إلا عمن لا يفرق بين النور المعقول والنور ~~المحسوس، والجوهر المجرد والجوهر المادي، والشيء القائم بذاته والمفتقر إلى ~~غيره. ومن العجب العجاب أن هذا المستدل قد سمع من جمهور العقلاء أن الأجرام ~~الفلكية لا تطلق عليها الصلابة واللين، وإذا جاز أن يكون في أنواع الأجسام ~~نوع لا يمكن أن يتصف بهذين المتقابلين لأن ذلك الموضع. # أجل وأشرف من أن يتصف بأحدهما، فلم لا يجوز أن يكون فيما هو أشرف من ذلك ~~النوع شيء لا يتصف بهما؟! ومنها لو كان إله العالم فوق العرش لكان مماسا ~~للعرش أو مباينا له ببعد متناه أو غير متناه. وعلى الأول فإن لم يكن له ثخن ~~كان سطحا رقيقا كما مر، وإن كان له ثخن فالمماس مغاير لغير المماس ويلزم ~~تركيبه، وإن كان مباينا ببعد متناه فلا يمتنع أن يرتفع العالم من حيزه إلى ~~أن يماسه ويعدو الإلزام المذكور، وإن كان مباينا ببعد غير متناه لزم أن ~~يكون غير المتناهي محصورا بين الحاصرين، ولقائل أن يقول: المباينة والمماسة ~~من # PageV03P249 # خواص الأجسام وإنه تعالى نور مجرد محض فلا يصلح عليه الاتصال والانفصال ~~والتماس والتباين والتداخل وأشباه ذلك. ومنها أن الاستقراء قد دل على أن ~~الجرمية كلما كانت أقوى كانت الفاعلية والتأثير أضعف وبالعكس، ولهذا كان ~~تأثير الأرض أقل من تأثير الماء، وتأثير الماء من تأثير الهواء، وتأثير ~~الهواء من تأثير النار بالإحراق والطبخ، وتأثير النار من تأثير الأفلاك ~~المؤثرة في العنصريات. ثم إنه لا قدرة ولا قوة أشد من قدرة الواجب لذاته ~~فيكون بريئا من الحجم والجرم والكثافة والرزانة. قلت: في الاستقراء نزاع ~~إنه صحيح تام أولا، ولكن لا نزاع في أن واجب الوجود تعالى شأنه بريء عن ~~الحجمية والكثافة وعن كل شيء يقدح في قيوميته. وهاهنا حجج قد أوردت في ~~أوائل سورة ms1990 الأنعام في تفسير قوله سبحانه: # وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] وقد عرفت ما عليها فهذه حجج عقلية ~~عول عليها الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه في تفسيره الكبير، وقد ~~أوردنا عليها ما كانت ترد من المنوع والاعتراضات لا اعتقادا للتشبيه ~~والتجسم أو تقليدا لأولئك الأقوام بل تشحيذا للذهن وتقريبا إلى المعارف ~~والحقائق وجذبا بضبع المتأمل في المضايق والمزالق فليختر المنصف ما أراد ~~والله الموفق للرشاد. ولعل هذا المقام مما لا يكشف المقال عنه غير الخيال ~~والله أعلم بحقيقة الحال. ثم قال رضي الله عنه: وأما الدلائل السمعية ~~فكثيرة منها قوله تعالى: # قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] والأحد مبالغة في كونه واحدا والذي يمتلىء ~~منه العرش ويفضل عن العرش يكون مركبا من أجزاء فوق أجزاء العرش وذلك ينافي ~~كونه أحدا. # وأجيب بأنه ذات واحدة حصلت في كل الأحياز دفعة واحدة، وزيف بأن هذا معلوم ~~الفساد بالضرورة لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال جميع العرش إلى ما تحت ~~الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن ذلك الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة ~~الأحياز فظن أنه أشياء كثيرة. قلت: وهذه مغالطة فإن هذا الجزء الذي لا ~~يتجزأ لصغره غير الشيء الذي لا يقبل التجزئة والانقسام لذاته. وأيضا ~~المتحيز الذي مقداره ذراع في ذراع لا يشغل بالبديهة حيزين كل منهما ذراع في ~~ذراع فلزم منه أن لا يشغل ذينك الحيزين متحيز مقداره. ضعف ذلك على أن الحق ~~ما عرفت مرارا أن نور الأنوار قيوم في ذاته حاصل في جميع الأشياء لا منفصل ~~عنها انفصال المحيط عن المحاط، ولا متصل بها اتصال العرض الساري في ~~الأجسام، ولهذا لا يلزمه بانقسامها الانقسام. ومنها قوله: ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17] ويلزم منه أن يكون حامل العرش حاملا ~~للإله. والجواب أنك إن سميت المعية حملا فلا نزاع. ومنها قوله: والله الغني ~~[محمد: 38] فوجب أن يكون غير مفتقر إلى المكان والجهة، والجواب أن ~~الاستصحاب غير الافتقار. ومنها أن فرعون # PageV03P250 # طلب حقيقة الإله في ms1991 قوله: وما رب العالمين [الشعراء: 23] ولم يزد موسى ~~على ذكر الأوصاف. وأما فرعون فقد طلب الإله في السماء في قوله فأطلع إلى ~~إله موسى [القصص: 38] فعلمنا أن التنزيه دين موسى ووصفه بالمكان والحيز دين ~~فرعون. والجواب لا نزاع في أن حقيقة ذاته كما هي لا يعلمها إلا هو والبسائط ~~المحضة لا تعرف إلا بلوازم، وطلب فرعون إنما كان مذموما لأنه تصور أن يكون ~~الإله شخصا مثله على تقدير وجوده لقوله: ما علمت لكم من إله غيري [القصص: ~~38] . ومنها هذه الآية لأنها تدل على أنه استقر على العرش بعد تخليق ~~السموات والأرض وكان قبل ذلك مضطربا. والجواب المراد بالاستقرار أنه كان ~~ولم يكن معه شيء فإذا خلق ما خلق من عالم الأجسام والاختلاط بقي ما وراءه ~~نورا محضا. ومنها قصة إبراهيم وتبرئه من الآفلين ولو كان جسما لكان آفلا في ~~أفق الإمكان. والجواب أن نور الأنوار أجل من ذلك ولا يلزم من كونه مع جميع ~~الأحياز ومع ما سواها أن يكون في مرتبة الأجسام بل النفوس والعقول. ومنها ~~أن أول الآية أعني قوله: # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض يدل على قدرته وحكمته وكذا قوله ~~يغشي الليل النهار إلى آخر الآية. فلو كان المراد من الاستواء هو الاستقرار ~~كان أجنبيا عما قبله وعما بعده لأنه ليس من صفات المدح إذ لو استقر عليه بق ~~وبعوض صدق عليه أنه استقر على العرش. فإذن المراد بالاستواء كمال قدرته في ~~تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها. ~~والجواب أن الاستقرار بالتفسير الذي ذكرناه أدل شيء على المدح والثناء، ~~وحديث البق والبعوض خراف وهل هو إلا كقول القائل: لو كان واجب الوجود بقا ~~أو بعوضا صدق عليه أنه إله فلا يكون الإله دالا على المدح. ومنها أنه ~~سبحانه حكم في آيات كثيرة بأنه خالق السموات فلو كان فوق العرش كان سماء ~~لساكني العرش لأن السماء عبارة عن كل ما علا وسما، ومن هنا قد يسمى السحاب ~~سماء فيلزم أن ms1992 يكون خالقا لنفسه. والجواب بعد تسليم أن كل ما سما وارتفع ~~فهو سماء من غير اعتبار أنه نور أو جسم، أن ذاته سبحانه مخصوصة بدليل منفصل ~~كقوله: الله خالق كل شيء [الرعد: # 16] هذا ولغير الموسومين بالمجسمة والمشبهة في الآية قولان: الأول القطع ~~بكونه متعاليا عن المكان والجهة ثم الوقوف عن تأويل الآية وتفويض علمها إلى ~~الله، والثاني الخوض في التأويل وذلك من وجوه: أحدها تفسير العرش بالملك ~~والاستواء بالاستعلاء أي استعلى على الملك. وثانيها: أن «استوى» بمعنى ~~«استولى» كقول الشاعر: # قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق. # وثالثها ذكر القفال أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ~~ثم # PageV03P251 # جعل العرش كناية عن نفس الملك. يقال: استوى على عرشه واستقر على سرير ~~ملكه إذا استقام له أمره واطرد. وفي ضده خلا عرشه أي انتقض ملكه وفسد. ~~فالله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم بالوجه الذي ألفوه من ~~ملوكهم ورؤسائهم لتستقر عظمة الله تعالى في قلوبهم إلا أن ذلك مشروط بنفي ~~التشبيه، فإذا قال: إنه عالم فهموا منه أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، ثم ~~علموا بعقولهم أنه لم يحصل ذلك العلم بفكرة أو روية ولا باستعمال حاسة وإذا ~~قال: قادر. علموا منه أنه متمكن من إيجاد الكائنات وتكوين الممكنات ثم ~~عرفوا أنه غني في ذلك الإيجاد والتكوين عن الآلات والأدوات وسبق المادة ~~والمدة والفكرة والروية، وكذا القول في كل من صفاته. وإذا أخبر أن له بيتا ~~يجب على عباده حجه فهموا منه أنه نصب موضعا يقصدونه لمآربهم وحوائجهم كما ~~يقصدون بيوت الملوك والرؤساء لهذا المطلوب، ثم علموا بعقولهم نفي التشبيه ~~وأنه لم يجعل ذلك البيت مسكنا لنفسه ولم ينتفع به لدفع الحر والبرد. وإذا ~~أمرهم بتحميده وتمجيده فهموا منه أنه أمرهم بنهاية تعظيمه ثم علموا أنه لا ~~يفرح بذلك التحميد والتمجيد ولا يحزن بتركه والإعراض عنه. وإذا أخبر أنه ~~خلق السموات والأرض ثم استوى على العرش فهموا منه أنه بعد أن خلقهما استوى ms1993 ~~على عرش الملك والجلال. ومعنى التراخي أنه يظهر تصرفه في هذه الأشياء ~~وتدبيره لها بعد خلقها لأن تأثير الفاعل لا يظهر إلا في القابل. وقال أبو ~~مسلم: # العرش لغة هو البناء والعارش الباني قال تعالى: ومن الشجر ومما يعرشون ~~[النحل: # 68] فالمراد أنه بعد أن خلقها قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها ~~بالأشكال الموافقة لها. # قوله سبحانه: يغشي الليل النهار قال صاحب الكشاف: يلحق الليل بالنهار أو ~~النهار بالليل يحتملهما اللفظ جميعا. وقال القفال: لما أخبر بالاستواء على ~~العرش وأن أمر المخلوقات منوط بتدبيره ومشيئته أراهم ذلك عيانا فيما ~~يشاهدونه لينضم العيان إلى الخبر. وقدم ذكر الليل والنهار لما في تعاقبهما ~~من المنافع الجليلة فبهما تتم أمور الحياة، ثم وصف الحركة التي يحصلان منها ~~بالسرعة والشدة فقال يطلبه حثيثا قال الليث: # الحث الإعجال وذلك أن حركة الفلك الأعظم أشد الحركات سرعة حتى إنها في ~~مقدار ما تقول واحد واحد واحد يتحرك ألفا وسبعمائة واثنين وثلاثين فرسخا من ~~مقعر فلكه والله أعلم بتحرك محدبه. فإن قيل: ما محل الجملتين؟ قلت: أما ~~الأولى فمستأنفة كأنه قيل: # فماذا يفعل بعد خلق السموات والأرض؟ فأجيب يغشي الليل النهار. وعلى قول ~~من يفسر الاستواء بالتدبير والتصرف يحتمل أن تكون هذه الجملة مبينة. وأما ~~الثانية ففي محل النصب على الحال من الملحق كما أن حثيثا منصوب على الحال ~~من الطالب وهو الملحق # PageV03P252 # بعينه. ثم قال: والشمس والقمر والنجوم مسخرات من قرأهن منصوبات فمعناه ~~وخلق هذه الأجرام حال كونهن تحت تسخيره، ومن قرأها مرفوعات فعلى الابتداء ~~والخبر، وكلتا القراءتين حسنة لأنك إذا قلت: ضربت زيدا استقام أن يقال زيد ~~مضروب. وقوله: بأمره متعلق بمسخرات أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره. ~~قال في الكشاف: سمي ذلك أمرا على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك. ومنهم من حمل ~~هذا الأمر على الأمر الذي هو الكلام، وعلى هذا لا يبعد أن يكون بأمره ~~متعلقا ب خلق. بدأ بالشمس لأنه سلطان الكواكب، وثنى بالقمر لأنه كالنائب، ~~وثلث بسائر النجوم لأنها كالخدم. فالشمس سلطان النهار، والقمر ms1994 سلطان الليل، ~~والشمس تأثيرها بالتسخين، والقمر تأثيره بالترطيب، وتوليد المواليد الثلاثة ~~المعادن والنبات والحيوان لا يتم ولا يكمل إلا بتأثير الحرارة في الرطوبة. # ثم إنه سبحانه وتعالى خص كل كوكب بخاصية عجيبة وتأثير غريب لا يعلمه ~~بتمامه إلا مبدعه وخالقه، واعلم أن الأجسام متماثلة في الجسمية فاختصاص جرم ~~الشمس بالنور الباهر والتسخين الشديد والتدبيرات العجيبة في العالم العلوي ~~والسفلي وكذا تخصيص كل واحد من سائر السيارات والثوابت بقوة أخرى لا بد أن ~~يستند إلى فاعل حكيم قدير عليم فلهذا قال: مسخرات بأمره. وأيضا إن لكل واحد ~~من أجرام الشمس والقمر والكواكب سيرا خاصا من المغرب إلى المشرق، وسيرا آخر ~~سريعا بسبب حركة الفلك الأعظم، فقوله: # يغشي الليل النهار تنبيه على أن حدوث الليل والنهار إنما هو بحركة الفلك ~~الأعظم المسمى بالعرش، وقوله: والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إشارة ~~إلى أن العرش يحرك جميع الأفلاك والكواكب وأنه سبحانه أودع في جرمه قوة ~~قاهرة قاسرة باعتبارها قويت على تحريك ما دونه على خلاف طبعها من المشرق ~~إلى المغرب. وأيضا أن أقسام الأجسام ثلاثة: متحرك إلى الوسط وهما العنصران ~~الثقيلان، ومتحرك عن الوسط وهما الخفيفان، ومتحرك على الوسط وهي الأجرام ~~الفلكية، فيكون الأفلاك والكواكب متحركة بالاستدارة لا إلى المركز ولا عن ~~المركز لا يكون إلا بتسخير الله تعالى، ولأمر ما أكثر الله سبحانه في كتابه ~~الكريم من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السموات والأرض ~~وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس ~~والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والغبراء وبالتفكر فيهما ~~قائلا: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض [الأعراف: 185] أفلم ينظروا ~~إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها [ق: 6] أولم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [الروم: 8] وإن من صنف ~~كتابا شريفا مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية # PageV03P253 # فالمعتقدون في شرفه وفضيلته فريقان: منهم من اعتقد كونه كذلك على ~~الإجمال، ومنهم من وقف على دقائقها على سبيل التفصيل والكمال، ولا ريب أن ~~اعتقاد الفريق ms1995 الثاني يكون أكمل وأقوى إذا ثبت هذا فنقول: من اعتقد أن جملة ~~هذا العالم محدث وكل محدث فله محدث حصل له بهذا الطريق إثبات الصانع، أما ~~الذي ضم إلى هذه المعرفة البحث عن أحوال هذا العالم العلوي والعالم السفلي ~~على التفصيل الممكن لا يزال ينتقل من برهان إلى برهان ومن دليل إلى دليل ~~فإن يقينه يتزايد وبصيرته تتكامل إلى أن يصير علما معقولا مضاهيا لما عليه ~~الموجود، ولمثل هذه الفوائد والأغراض والغايات أنزل هذا الكتاب الكريم لا ~~لتكثير وجوه الإعراب والاشتقاقات المؤدية إلى الإطناب والإسهاب، وأما قوله ~~عز من قائل ألا له الخلق والأمر فالخلق عبارة عن التقدير ويختص بكل ما هو ~~جسم وجسماني لأنه خص بمقدار معين، فكل ما كان بريئا عن الحجم والمقدار فهو ~~من عالم الأرواح وعالم الأمر لأنه أوجد بأمر «كن» من غير سبق مادة ومدة، ~~فعالم الخلق في تسخيره وعالم الأمر في تدبيره واستيلاء الروحانيات على ~~الجسمانيات بتقديره. وهاهنا مسائل ذكرها العلماء: # الأولى أنه تعالى متكلم آمر ناه مخبر مستخبر لأن قوله: ألا له الخلق ~~والأمر دل على أن له الأمر فوجب أن يكون له النهي وسائر أنواع الكلام ضرورة ~~أنه لا قائل بالفرق. الثانية لا خالق إلا هو لأن قوله: ألا له الخلق بتقديم ~~الخبر يفيد الحصر. ولو سلم أنه لا يفيده فلا أقل من إفادة أنه خالق بعض ~~الأشياء، وحينئذ يثبت المطلوب لأن افتقار المخلوق إلى الخالق لإمكانه ~~والإمكان مفهوم واحد في الممكنات وإنه علة للحاجة إلى موجود معين، فجميع ~~الممكنات محتاجة إلى ذلك المعين فالذي يكون مؤثرا في وجود شيء واحد يجب أن ~~يكون هو المؤثر في جميع الممكنات ولا يحتاج إلى الممكنات. الثالثة قالت ~~الأشاعرة: # كل أثر يصدر عن فلك أو ملك أو جني أو إنسي فخالق ذلك الأثر في الحقيقة هو ~~الله تعالى لقوله: ألا له الخلق والأمر ويتفرع على هذا أنه لا إله إلا الله ~~وإلا كان الثاني مدبرا وخالقا، وأنه لا تأثير للكواكب في أحوال هذا العالم، ~~وأن ms1996 القول بالطبائع والعقول والنفوس على ما يزعم الفلاسفة وأصحاب الطلسمات ~~باطل، وأن خالق أعمال العباد هو الله تعالى. # والقول بأن العلم يوجب العالمية والقدرة توجب القادرية باطل، كل ذلك لئلا ~~يلزم خالق ومؤثر غير الله تعالى. الرابعة كلام الله تعالى قديم لأنه ميز ~~بين الخلق وبين الأمر ولو كان أمر الله مخلوقا لما صح هذا التمييز. أجاب ~~الجبائي بأنه لا يلزم من إفراد الأمر بالذكر عقيب الخلق أن لا يكون الأمر ~~داخلا في الخلق كقوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] وعارض ~~الكعبي بقوله: فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله # PageV03P254 # وكلماته # [الأعراف: 158] فإنه لو وجب مغايرة المعطوف للمعطوف عليه لزم أن تكون ~~الكلمات غير الله تعالى، وكل ما كان غير الله تعالى فإنه محدث ومخلوق ~~فكلمات الله مخلوقة. وقال القاضي: اتفق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا ~~الأمر كلام الله تعالى بل المراد به نفاذ إرادته وإظهار قدرته، وقال قوم: ~~لا يبعد أن يقال الأمر داخل في الخلق ولكنه من حيث كونه أمرا يدل على نوع ~~آخر من الكمال والجلال، والمعنى له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى. ثم ~~بعد الإيجاد والتكوين له الأمر والتكليف في المرتبة الثانية. وقال آخرون: ~~معنى قوله: ألا له الخلق أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق، فقوله: # والأمر يجب أن يكون معناه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر، ويلزم منه أن يكون ~~الأمر محدثا مخلوقا لأنه لو كان قديما لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئته بل كان ~~من لوازم ذاته فلا يصدق أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر هذا خلف. وأجيب ~~بأنه لو كان الأمر داخلا تحت الخلق لزم التكرار والأصل عدمه فلا يصار إليه ~~إلا للضرورة ولا ضرورة هاهنا. الخامسة في الآية دلالة على أنه ليس لأحد أن ~~يلزم غيره شيئا إلا الله، ففعل الطاعة لا يوجب الثواب، وفعل المعصية لا ~~يوجب العقاب، وإيصال الألم لا يوجب العوض. السادسة دلت الآية على أن القبيح ~~لا يجوز أن يقبح لوجه ms1997 عائد إليه، وأن الحسن لا يحسن لأمر عائد إليه وإلا لم ~~يأمر إلا بما حصل فيه وجه الحسن ولم ينه إلا عما حصل فيه وجه القبح، فلا ~~يكون متمكنا من الأمر والنهي كيف شاء وأراد هذا خلف. السابعة أطلق الخلق ~~والأمر فيعلم أنه لو أراد خلق ألف عالم بما فيه من العرش والكرسي والكواكب ~~في أقل من لحظة لقدر عليه، لأن هذه الماهيات ممكنة والحق قادر على كل ~~الممكنات. الثامنة قال قوم: الخلق صفة من صفات الله تعالى وهو غير المخلوق ~~لأن أهل السنة يقولون: معنى قوله: الأمر تبارك الله أنه صفة له فكذا الخلق ~~صفة قائمة بذاته فلا يكون مخلوقا، وأجيب بأن الخلق لو كان غير المخلوق فإما ~~أن يكون قديما ويلزم من قدمه قدم المخلوق، وإما أن يكون حادثا فيفتقر إلى ~~خلق آخر ويتسلسل، ويمكن أن يقال: الصفة قديمة والتعلق حادث. التاسعة له ~~الأمر يقتضي أن لا أمر إلا لله. # وقول النبي صلى الله عليه وآله: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» # لا ينافي ذلك لأن الموجب لأمره في الحقيقة هو أمر الله تعالى، العاشرة في ~~الآية دلالة على أن الله تعالى أمرا ونهيا على عباده والخلاف مع نفاة ~~التكليف. قالوا: إن كان التكليف معلوم الوقوع كان واجب الوقوع فكان الأمر ~~به تحصيلا للحاصل، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع فكان الأمر ~~به أمرا بما يمتنع وقوعه وهو محال. وأيضا إنه تعالى إن خلق الداعي إلى فعله ~~كان واجب الوقوع وإلا فلا فائدة في الأمر به. وأيضا # PageV03P255 # الكافر أو الفاسق لا يستفيد بالتكليف، إلا الضرر المحض لأنه تعالى يعلم ~~أنه لا يؤمن ولا يطيع وخلاف علم الله محال فلا يحصل من الأمر إلا مجرد ~~استحقاق العذاب وهذا لا يليق بالرحيم الحليم. وأيضا التكليف إن لم يكن ~~لفائدة في الأمر فهو عبث، وإن كان لفائدة فلا بد أن تعود إلى المكلف لأنه ~~سبحانه غني فجميع الفوائد منحصرة في تحصيل نفع أو دفع ضر والله تعالى قادر ms1998 ~~على تحصيلهما للمكلف من غير واسطة التكليف فكان توسيط التكليف إضرارا محضا. ~~والجواب أن أول الآية دل على أنه تعالى هو الخالق لكل العبيد، وإذا كان ~~خالقا لهم كان مالكا لهم، وتصرف المالك في ملك نفسه كيف شاء مستحسن، ويحسن ~~منه تعالى أن يأمر عباده بما شاء بمجرد كونه خالقا لا كما يقول المعتزلة من ~~كون ذلك الفعل صلاحا أو من كونه موجب عوض أو ثواب. ولما بين أن له الأمر ~~والنهي والحكم والتكليف ذكر أنه يستحق الثناء والتقديس فقال: تبارك الله رب ~~العالمين وللبركة تفسيران: أحدهما الثبات والدوام ولا ريب أنه الواجب لذاته ~~القائم بذاته الدائم الغني بذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه. ~~وثانيهما كثرة الآثار الفاضلة. ولا شك أن كل الخيرات والكمالات فائضة من ~~جوده وإحسانه بل جميع الممكنات رشحة من بحار فضله وامتنانه. ثم لما بين ~~كمال قدرته وحكمته وأرشد إلى التكليف الموصل إلى سعادة الدارين أتبعه ذكر ~~ما يستعان به على تحصيل المطالب والمآرب الدينية والدنيوية فقال: ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية قال في الكشاف: نصب على الحال أي ذوي تضرع وخفية وكذلك ~~خوفا وطمعا قلت: ويحتمل الانتصاب على المصدر مثل: رجع القهقرى. والتضرع ~~التذلل وهو إظهار ذل النفس والخفية بالضم أو الكسر ضد العلانية. قال بعض ~~العلماء: الدعاء هاهنا بمعنى العبادة لئلا يلزم التكرار وعطف الشيء على ~~نفسه في قوله: وادعوه خوفا وطمعا والأظهر أنه على الأصل. ومن الناس من أنكر ~~الدعاء قال: لأن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع أو كان مرادا في ~~الأزل أو كان على وفق الحكمة والمصلحة وقع لا محالة وإلا فلا فائدة فيه. ~~وأيضا إنه نوع من سوء الأدب وعدم الرضا بالقضاء وقد يطلب ما ليس بنافع له. ~~وفيه من الاشتغال بغير الله وعدم التوكل عليه ما لا يخفى. والحق أن الدعاء ~~نوع من أنواع العبادة ورفضه يستدعي رفض كثير من السوائل والوسائط والروابط، ~~ولو لم يكن فيه إلا معرفة ذلة العبودية وعزة الربوبية لكفى بذلك فائدة، ~~ولهذا # روي ms1999 عنه صلى الله عليه وآله: «ما من شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء» # إلا أنه لا بد فيه من الإخلاص والصون عن الرياء والسمعة، وإليهما أشار ~~بقوله: تضرعا وخفية ونحن قد أطنبنا في تحقيق الدعاء وشرائطه في سورة البقرة ~~في تفسير قوله: وإذا سألك عبادي # PageV03P256 # عني # [البقرة: 186] ثم ختم الآية بقوله: إنه لا يحب المعتدين وللمسلمين اتفاق ~~على أنه ليس معنى المحبة عند إطلاقها على الله شهوة النفس وميل الطبع ~~ولكنها عبارة عن إيصاله الثواب والخير إلى العبد، وهذا مبني على قول الكعبي ~~وأبي الحسين أنه تعالى غير موصوف بالإرادة، وأن كونه مريدا لأفعال نفسه ~~عبارة عن إيجادها وفعلها، وكونه مريدا لأفعال غيره هو كونه آمرا بها. وأما ~~الأشاعرة ومعتزلة البصرة القائلون بصفة الإرادة فإنهم فسروا المحبة بإرادة ~~إيصال الثواب. وقال بعض العلماء: إنا نجد في الشاهد أن الأب يحب ابنه ~~فيترتب على تلك المحبة إرادة إيصال الخيرات إلى ذلك الابن وكانت هذه ~~الإرادة أثرا من آثار تلك المحبة وثمرة من ثمراتها. غاية ما في الباب أن ~~هذه المحبة في الشاهد عبارة عن الشهوة وميل الطبع ورغبة في النفس وذلك في ~~حقه تعالى محال. إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال أن محبة الله صفة أخرى ~~يترتب عليها إيصال الثواب أو إرادة الإيصال؟ لكنا لا نعرف تلك المحبة ما هي ~~وكيف هي لأن عدم العلم بالشيء لا يوجب العلم بعدم ذلك الشيء. نظير ذلك أن ~~أهل السنة يثبتون كونه مرئيا ثم يقولون إن تلك الرؤية لا كرؤية الأجسام ~~والألوان. ويعني بالمعتدين المجاوزين ما أمروا به فيشمل كل من خالف أمر ~~الله ونهيه. وقال الكلبي وابن جريج: # من الاعتداء رفع الصوت في الدعاء ويؤيده أنه أمر بالدعاء مقرونا بالإخفاء ~~وظاهره الوجوب إذ قد أثنى على زكريا فقال: إذ نادى ربه نداء خفيا [مريم: 3] # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في ~~العلانية» # وعنه صلى الله عليه وسلم «خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي» ms2000 «1» # وعنه صلى الله عليه وآله: «سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن ~~يقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار ~~وما قرب إليها من قول وعمل ثم قرأ قوله إنه لا يحب المعتدين» «2» # ومن هنا اختلف أرباب الطريقة أن الأولى في العبادات الإخفاء أم الإظهار ~~فقيل: الأولى الإخفاء صونا لها عن الرياء. وقيل: الأولى الإظهار ليرغب غيره ~~في الاقتداء. وتوسط الشيخ محمد بن علي الحكيم الترمذي فقال: إن كان خائفا ~~على نفسه من الرياء فالأولى في حقه الإخفاء، وإن بلغ في الصفاء وقوة اليقين ~~إلى حيث صار آمنا من شائبة الرياء فالأولى في حقه الإظهار ليحصل فائدة ~~الاقتداء. قال الشافعي: إظهار التأمين أفضل. وقال أبو حنيفة: الإخفاء أفضل ~~لأنه إن كان دعاء وجب إخفاؤه لقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية PageV03P257 # وإن كان اسما من أسماء الله تعالى على ما قيل فكذلك لقوله تعالى: واذكر ~~ربك في نفسك تضرعا وخيفة فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندبية، ثم نهى عن ~~مجامع المفاسد والمضار بقوله: ولا تفسدوا في الأرض فيدخل فيه خمسة أشياء: ~~المنع من إفساد النفوس بالقتل، ومن إفساد الأموال بقطع الطريق والسرقة، ~~وإفساد الأنساب بالزنا واللواط والقذف، وإفساد العقول بشرب المسكرات، ~~وإفساد الأديان بالكفر والبدعة، وذلك أن قوله: لا تفسدوا منع عن إدخال ~~ماهية الفساد في الوجود والمنع من الماهية يقتضي المنع من جميع أنواعه. ~~ومعنى: بعد إصلاحها بعد أن أصلح خلق الأرض على الوجه المطابق لمنافع الخلق ~~الموافق لمصالح المكلفين، أو المراد إصلاح الأرض بسبب إرسال الأنبياء ~~وإنزال الكتب وتفصيل الشرائع، فإن الإقدام على تكذيب الرسل وإنكار الكتب ~~والتمرد عن قبول الشرائع يقتضي وقوع الهرج والمرج وحدوث الفتن في الأرض. ~~وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار الحرمة فإن وجدنا نصا خاصا يدل على ~~جواز الإقدام على بعض المضار قضينا به تقديما للخاص على العام. وفيها أيضا ~~دلالة على أن كل عقد وقع التراضي به بين الخصمين فإنه منعقد صحيح ms2001 لأن رفعه ~~بعد ثبوته يكون إفسادا بعد الإصلاح، فإن وجدنا نصا يدل على عدم صحة بعض تلك ~~العقود قضينا فيه بالبطلان عملا بالأخص. # فجميع أحكام الله تعالى داخلة تحت عموم هذه الآية الدالة على أن الأصل في ~~المضار والآلام الحرمة كما كانت داخلة تحت عموم قوله: قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [الأعراف: 32] بأنها كانت تدل على أن ~~الأصل في المنافع واللذات الإباحة والحل، فكل واحدة من الآيتين مطابقة ~~ومؤكدة للأخرى، ثم لما بين أن الدعاء لا بد أن يكون مقرونا بالتضرع ~~والإخفاء وبعدم المنافي وهو الإفساد بالوجوه الخمسة، ذكر أن فائدة الدعاء ~~والباعث عليه أحد الأمرين الخوف من العقاب والطمع في الثواب. واعترض عليه ~~بأن أهل السنة يقولون: التكاليف إنما وردت بمقتضى الإلهية والعبودية أي ~~كونه إلها لنا، وكوننا عبيدا له اقتضى أن يحسن منه أن يأمر عبيده بما شاء ~~كيف شاء ولا يعتبر فيه كونه في نفسه صلاحا وحسنا. والمعتزلة يقولون: إنها ~~وردت لأنها في نفسها مصالح. فعلى القولين من أتى بها للخوف من العقاب ~~والطمع في الثواب لم يأت بها لوجه وجوبها فوجب أن لا يصح. وأجيب بأن المراد ~~من الآية ادعوه مع الخوف من وقوع التقصير في بعض الشرائط المعتبرة في قبول ~~ذلك الدعاء ومع الطمع في حصول تلك الشرائط بأسرها أي كونوا جامعين في ~~نفوسكم بين الخوف والرجاء في جميع أعمالكم ولا تقطعوا أنكم وإن اجتهدتم قد ~~أديتم حق ربكم كقوله: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: # 6] . والجواب الصحيح عندي أن غاية التكليف من الآمر غير غايته من المأمور ~~إذا فهب أن # PageV03P258 # الغاية الأولى هي المصلحة أو الإلهية والعبودية فلم لا يجوز أن تكون ~~الغاية الثانية الخلاص من العذاب والوصول إلى الثواب؟ ثم ختم الآية بقوله: ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين ظاهره أن يقال قريبة. وذكروا في حذف علامة ~~التأنيث وجوها: فقيل: لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي. وقال الزجاج: لأن الرحمة ~~غير حقيقي. وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران ms2002 والعفو والإنعام بمعنى واحد، ~~أو لأن المراد بالرحمة الترحم أو الرحم. # وقيل: إنه صفة موصوف محذوف أي شيء قريب، أو شبه بفعيل الذي بمعنى مفعول ~~كما شبه ذاك به فقيل: قتلاء وأسراء، وقيل: لأنه بزنة المصدر كالنقيض صوت ~~العقبان أو الدجاجة والضغيب صوت الأرنب. وقيل: المراد ذات مكان قريب كلابن ~~وتامر، وروى الواحدي بإسناده عن ابن السكيت تقول العرب: هو قريب مني وهما ~~قريب مني وهي قريب لأنه في تأويل هو في مكان قريب مني. قال بعض المفسرين: ~~معنى هذا القرب أن الإنسان يزداد بعدا عن الماضي وقربا من المستقبل أي ~~الآخرة التي هي مقام رحمة الله. ويمكن أن يقال: المراد به قرب الحصول سواء ~~كان في الدنيا أو في الآخرة كقوله: ألا إن نصر الله قريب [البقرة: 214] ~~قالت المعتزلة: إن ماهية الرحمة لما كانت حصة المحسنين وجب أن لا يحصل ~~للكافر والفاسق منها شيء، والغرض أن صاحب الكبيرة لا يكون له نصيب من ~~العفو. وأجيب بأن المحسن من صدر عنه الإحسان ولو من بعض الوجوه، فكل من آمن ~~بالله تعالى وأقر بالتوحيد والنبوة فقد أحسن والدليل عليه الإجماع. على أن ~~الصبي إذا بلغ وقت الضحوة وآمن بالله ورسوله واليوم الآخر ومات قبل الوصول ~~إلى الظهر فإنه يسمى مؤمنا محسنا، على أن قوله ماهية الرحمة نصيب المحسنين ~~ممنوع لأن الكافر أيضا في رحمة الله ونعمته في الدنيا بدليل قوله: ومن كفر ~~فأمتعه [البقرة: 126] ثم إنه سبحانه لما ذكر دلائل الإلهية وكمال العلم ~~والقدرة من العالم العلوي أتبعه ذكر الدلائل من أحوال هذا العالم وهي ~~الآثار العلوية من المعادن والنبات والحيوان ومن جملتها أحوال الرياح ~~والسحب والأمطار. وأيضا لما أقام الدلالة في الآية الأولى على وجود الإله ~~القادر العليم الحكيم الرحيم أقام الدلالة في هذه الآية على صحة القول ~~بالحشر والنشر ليتم بالآيتين تقرير المبدأ والمعاد فقال: وهو الذي يرسل ~~الرياح الريح هواء متحرك، وتحركه ليس لذاته ولا للوازم ذاته وإلا دام بدوام ~~الذات، فهو بتحريك الفاعل المختار. قالت الحكماء: من ms2003 أسباب الريح أن يرتفع ~~من الأرض أجزاء أرضية لطيفة تسخنت تسخينا شديدا، فبسبب تلك السخونة ترتفع ~~وتتصاعد، فإذا وصلت إلى قريب من الفلك فإن الهواء الملتصق بمقعر الفلك يمنع ~~هذه الأدخنة من الصعود بل يردها عن سمت حركتها لتحرك تلك الطبقة على # PageV03P259 # الاستدارة تشيعا للفلك، فحينئذ ترجع الأدخنة وتتفرق في الجوانب وبسبب ~~تفرقها تحصل الرياح. وكلما كانت تلك الأدخنة أكثر وكان صعودها أقوى كان ~~رجوعها أيضا أشد فكانت الرياح أقوى، وزيف بأن صعود تلك الأجزاء الأرضية ~~إنما يكون لأجل شدة تسخينها بالعرض، فإذا تصاعدت ووصلت إلى الطبقة الباردة ~~بردت فامتنع صعودها إلى الطبقة العليا المتحركة بحركة الفلك. سلمنا أنها ~~تصعد إلى الطبقة المتحركة بالاستدارة لكن رجوعها يجب أن يكون على الاستقامة ~~كما هو مقتضى طبيعة الأرض لكنها تتحرك يمنة ويسرة. # وأيضا إن حركة تلك الأجزاء لا تكون قاهرة فإن الرياح إذا أصعدت الغبار ~~الكثير ثم عاد ذلك الغبار ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها، ونحن نرى ~~هذه الرياح تقلع الأشجار وتهدم الجبال وتموج البحار، وأيضا لو كان الأمر ~~على ما قالوا لكانت الرياح كلما كانت أشد وجب أن يكون حصول الأجزاء ~~الغبارية الأرضية أكثر وليس كذلك، لأنه قد توجد الرياح العاصفة في وجه ~~البحر وليس فيها شيء من الغبار. ويمكن أن يجاب بأن الحكم بامتناع الصعود ~~استبعاد محض وحديث الرجوع على الاستقامة مبني على أن الريح هي تلك الأجزاء ~~الراجعة فقط وليس كذلك، فإن الراجع إذا خرق الهواء حدث فيما يجاوره من ~~الهواء تحرك واضطراب وتموج شبه ما يحدث في الماء إذا ألقي فيه حجر، وكذا ~~الكلام في الوجهين الباقيين. وقال المنجمون: قد يحدث بسبب وصول كوكب معين ~~إلى موضع معين من البروج ريح عاصفة، وزيف بأنه لو كان كذلك لزم تحرك كل ~~الهواء. والجواب أن وصول الكوكب إلى الموضع الفلاني إنما يوجب تحرك الهواء ~~بتسخين أو تلطيف أو تكثيف يحدث في بعض المواد المستعدة لذلك فيطلب ذلك ~~القابل مكانا أكثر أو أقل مما كان عليه، فيلزم من ذلك ms2004 تحرك الهواء المجاور ~~له لاستحالة التداخل والخلاء لا يتدافع إلى أن يتحرك جميع كرة الهواء بل ~~يتموج بعض أجزاء الهواء ثم يستقر كل في موضعه، ويختلف مقدار ذلك بحسب ~~المؤثر والمتأثر والكل يستند إلى تدبير الله سبحانه وتقديره، وإنما قال في ~~هذه السورة يرسل الرياح بلفظ المستقبل وكذا في «الروم» لأن ما قبله هاهنا ~~ذكر الخوف والطمع وأنهما يناسبان المستقبل، وأما في «الروم» فليناسب ما قبل ~~ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات [الروم: 46] وقال في الفرقان: أرسل الرياح ~~[الفرقان: 48] بلفظ الماضي ليناسب ما قبله: كيف مد الظل الفرقان: 45] وما ~~بعده وهو الذي جعل [الفرقان: # 62] وكذا في «فاطر» مبني على أول السورة فاطر السماوات والأرض جاعل ~~الملائكة [فاطر: 1] وهما بمعنى الماضي والله تعالى أعلم. أما قوله: نشرا ~~بنون مفتوحة وشين ساكنة فإنه مصدر نشر. وانتصابه إما على الحال بمعنى ~~منتشرات وإما لأن أرسل ونشر # PageV03P260 # متقاربان كأنه قيل: نشرها نشرا. ومن قرأ نشرا بضمتين فلأنه جمع نشور ~~كرسول ورسل، وقد تخفف كرسل، ومن قرأ بشرا بضم الباء الموحدة وسكون الشين ~~فلأنه مخفف بشر جمع بشير. ومعنى: بين يدي رحمته أمام نعمته وهي الغيث الذي ~~هو من أجل النعم وأحسنها وهذا بحسب الأغلب، فإن المطر قلما لا يتقدمه رياح ~~يسلطها الله تعالى على السحاب والعرب تستعمل اليدين بدل قدام وأمام مجازا ~~لأن اليدين من الحيوان متقدمان على الرجلين. حتى إذا أقلت حملت ورفعت ~~واشتقاقه من القلة لأن الرافع الذي يقدر على حمل الثقيل يزعم أن ما يرفعه ~~قليل سحابا جمع سحابة ولهذا قال: # ثقالا على الجمع جمع ثقيلة والضمير في سقناه يعود إلى السحاب على لفظه، ~~وضمير المتكلم في سقناه على أصله. أما الذي في قوله: وهو الذي فعلى طريقة ~~الالتفات وإلا فالظاهر أن يقال: نحن أرسلنا. واعلم أن السحاب المستمطر ~~للمياه العظيمة إنما يبقى معلقا في الهواء لأنه تعالى دبر بحكمته أن يحرك ~~الرياح تحريكا شديدا. ولتلك الحركات فوائد منها: أن أجزاء السحاب ينضم ~~بعضها إلى بعض ويتراكم وينعقد السحاب الكثيف الماطر ms2005 ثم تصير متفرقة. ومنها ~~أن تتحرك الرياح يمنة ويسرة فتمنع الأجزاء المائية الرشية عن النزول فيبقى ~~معلقا في الهواء. ومنها أن ينساق السحاب إلى موضع علم الله احتياجهم إلى ~~نزول الأمطار، ومن الرياح مقوية للزروع والأشجار ومكملة لما فيها من النشوء ~~والنماء وهي اللواقح. ومنها مبطلة لها كما في الخريف. ومنها طيبة لذيذة ~~موافقة للأبدان. # ومنها مهلكة للحر الشديد كالسموم أو البرد الشديد. ومنها مشرقية ومغربية ~~وشمالية وجنوبية، وبالحقيقة تهب الرياح من كل جانب ولكنها ضبطت كذلك، وقد ~~يصعد الريح من قعر الأرض فقد يشاهد غليان شديد في البحر بسبب تولد الرياح ~~في قعره ثم لا يزال يتزايد ذلك الغليان إلى أن ينفصل الريح إلى ما فوق ~~البحر، وحينئذ يعظم هبوب الرياح في وجه البحر، وعن ابن عمر: الرياح ثمان: ~~أربع منها عذاب وهو العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة ~~الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، # وعن النبي صلى الله عليه وآله: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور والجنوب ~~من ريح الجنة» «1» . # وعن كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر الأرض. وعن ~~السدي أنه تعالى يرسل الرياح فتأتي بالسحاب، ثم إنه تعالى يبسطه في السماء ~~كيف يشاء ثم يفتح أبواب السماء فينزل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ~~ذلك برحمته وهي المطر. ومعنى PageV03P261 # لبلد ميت أي لأجل بلد ميت ليس فيه نبات ولا زرع، والبلد كل موضع من الأرض ~~عامر أو غير عامر خال أو مسكون. فأنزلنا به الماء قال الزجاج وابن ~~الأنباري: أي بالبلد. # وجائز أن يراد بالسحاب أو بالسوق فالباء للسببية. فأخرجنا به قال الزجاج: ~~أي بالبلد. # من كل الثمرات ويجوز أن يراد أي بالماء. قال جمهور الحكماء: إنه تعالى ~~أودع في الماء قوة وطبيعة توجب حدوث الأحوال المخصوصة عند امتزاج الماء ~~بالتراب. وقال أكثر المتكلمين: إن الثمار ليست متولدة من الماء وإنما أجرى ~~الله تعالى عادته بخلق النبات ابتداء عقيب اختلاط الماء بالتراب كذلك مثل ~~ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات. نخرج الموتى فالتشبيه إنما ms2006 وقع في أصل ~~الإحياء أي كما أحيا هذا البلد وأنبت فيه الشجر وجعل فيه الثمر كذلك يحيي ~~الموتى بعد أن كانوا ترابا لأن من قدر على إحداث الجسم وخلق الرطوبة والطعم ~~فيه كان قادرا على إحداث الحياة في بدن الميت. وقال كثير من المفسرين: # المراد أنه تعالى كما يخلق النبات بواسطة إنزال الماء كذلك يحيي الموتى ~~بواسطة إنزال مطر على الأجساد الرميمة. # يروى أنه يمطر على أجساد الموتى فيما بين النفختين مطر كالمني أربعين ~~يوما فينبتون عند ذلك أحياء. # وعن مجاهد: تمطر السماء عليهم حتى تنشق عنهم الأرض كما ينشق الشجر عن ~~النور والثمر، ثم يرسل الأرواح فتعود كل روح إلى جسدها. # قال العلماء: إن هؤلاء المفسرين ذهبوا إلى هذا بناء على النقل وعلى إجراء ~~العادة وإلا فإنه تعالى قادر على خلق الحياة في الجسم ابتداء من غير واسطة ~~المطر كما أنه يجمع بقدرته الأجزاء المتفرقة والمتمزقة غاية التفرق والتمزق ~~ولهذا ختم الآية بقوله: لعلكم تذكرون والمعنى أنكم شاهدتم أن الأرض كانت ~~مزينة وقت الربيع والصيف والخريف بالأزهار والثمار والأشجار ثم صارت وقت ~~الشتاء ميتة عارية عن تلك الزينة، ثم أحياها مرة أخرى، فالقادر على إحيائها ~~قادر على إحياء الأجساد بعد موتها، ثم ضرب الله سبحانه مثلا للمؤمن والكافر ~~وشبه القرآن بالمطر، وذلك أن الأرض الحرة إذا نزل بها المطر حصل فيها أنواع ~~الأزهار والثمار والأرض السبخة بعد نزول المطر لا يخرج منها إلا النزر ~~القليل من النبات، فكذلك النفس الطاهرة النقية من شوائب الأخلاق الذميمة ~~إذا اتصل بها أنوار القرآن ظهرت عليها أنواع المعارف والأخلاق الفاضلة، ~~والنفس الخبيثة لا ترجع من ذلك إلا بخفي حنين. # وقيل: ليس المراد من الآية تمثيل المؤمن والكافر وإنما المراد أن الأرض ~~السبخة يقل نفعها وثمرتها، ومع ذلك فإن صاحبها لا يهمل أمرها بل يتعب نفسه ~~في إصلاحها طمعا منه في تحصيل ما يليق بها من المنفعة. فمن يطلب هذا النفع ~~اليسير فلأن يطلب النفع العظيم الموعود به في الدار الآخرة بالمشقة التي لا ms2007 ~~بد منها ومن تحملها في أداء الطاعات كان # PageV03P262 # أولى. وفي الآية دلالة على أن السعيد لا ينقلب شقيا وبالعكس، لأنها دلت ~~على أن الأرواح قسمان: منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن ~~تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومنها ما تكون بالضد لا تقبل ~~المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة كالأرض السبخة التي لا يتولد فيها ~~الأشجار والأنهار والثمار. ومما يقوي هذا الكلام أن النفوس نراها مختلفة في ~~الصفات فمنها مجبولة على حب الإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانيات كقوله ~~تعالى: ترى أعينهم تفيض من الدمع [المائدة: 83] للفقراء الذين أحصروا في ~~سبيل الله [البقرة: 273] ومنها قاسية قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، ومنها ~~مائلة إلى الشهوة دون الغضب، ومنها على العكس، ومنها راغبة في المال دون ~~الجاه، ومنها بالخلاف ومن الراغبين في المال من يرغب في العقار دون الأثمان ~~والنقود، ومنهم من هو بالعكس. ومما يؤكد هذه المعاني قوله سبحانه وتعالى: ~~بإذن ربه أي بتيسيره وهو في موضع الحال كأنه قيل: يخرج نباته حسنا كاملا ~~لوقوعه في طباق نكدا والنكد الذي لا خير فيه. وتقدير الآية ونبات البلد ~~الخبيث لا يخرج، أو البلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا فحذف المضاف الذي ~~هو النبات وأقيم المضاف إليه وهو الضمير الراجع إلى البلد مقامه فانقلب ~~مرفوعا مستكنا بعد أن كان مجرورا بارزا. من قرأ نكدا بفتح الكاف فعلى ~~المصدر أي ذا نكد كذلك مثل ذلك التصريف نردد الآيات ونكررها لقوم يشكرون ~~نعمة الله لأن فائدة التصريف تعود عليهم وإنما ختم الآية بالحث على الشكر ~~لأن الذي سبق ذكره هو أن الله تعالى يرسل الرياح النافعة فيجعلها سببا ~~للمطر الذي هو سبب الملاذ والطيبات فهذا يدل من أحد الوجهين على وجود ~~الصانع وقدرته، ومن الوجه الثاني على عظيم نعمته وقدرته فوجب من هذا الوجه ~~مقابلتها بالشكر والله أعلم. ### | التأويل: # عرف ذاته للخلق بصفات الهوية والألوهية والقادرية والخالقية والمدبرية ~~والحكيمية والاستوائية فقال: إن ربكم الله الآية وإنما خص ستة أيام لأن ~~أنواع المخلوقات ms2008 ستة: الأول الأرواح الإنسانية (ب) الملكوتيات منها ~~الملائكة والجن والشياطين وملكوت السموات والأرض ومنها العقول المفردة ~~والمركبة. (ج) النفوس السماوية الأرضية. # (د) الأجرام البسيطة العلوية كالعرش والكرسي والسموات والجنة والنار. (ه) ~~الأجسام البسيطة السفلية وهي العناصر، والأجسام الكثيفة المركبة من ~~العناصر، فلما خلق الأنواع الستة استوى على العرش بعد الفراغ من خلقها ~~استواء التصرف في العالم وما فيه. وخص العرش بالاستواء لأنه مبدأ الأجسام ~~اللطيفة القابلة للفيض الرحماني. والاستواء كالعلم صفة من صفاته لا يشبه ~~استواء المخلوقين كما أن علمه لا يشبه علم المخلوقين. ومن أسرار # PageV03P263 # الخلافة الروح تتصرف في النطفة أيام الحمل فتجعلها عالما صغيرا، فبدنه ~~كالأرض. ورأسه كالسماء والقلب كالعرش، والسر كالكرسى، والقلب يقسم فيض ~~الروح إلى القالب كما أن العرش يقسم فيض الإله إلى سائر المخلوقات يغشي أي ~~يستولي ليل ظلمات النفس وصفاتها على نهار أنوار القلب وبالعكس. ألا له ~~الخلق بواسطة والأمر بلا واسطة ادعوا ربكم تضرعا بالجوارح وخفية بالقلوب. ~~أو تضرعا بأداء حق العبودية وخفية بمطالب حق الربوبية إنه لا يحب المعتدين ~~الذين يطلبون منه سواه ولا تفسدوا في أرض القلوب بعد أن أصلحها الله برفع ~~الوسائط. وادعوه خوفا من الانقطاع وطمعا في الاصطناع، أو خوفا من الاثنينية ~~وطمعا في الوحدة، أو خوفا من الانفصال وطمعا في الوصال. إن رحمت الله قريب ~~من المحسنين الذين لا يرون سواه يرسل رياح العناية فينشر سحاب الهداية ~~سحابا ثقالا بأمطار المحبة، سقناه لكل قلب ميت فأنزلنا به ماء المحبة ~~فأخرجنا به ثمرات المكاشفات والمشاهدات، كذلك نخرج موت القلوب من قبور ~~الصدور ولعلكم تذكرون أيام حياتكم في عالم الأرواح إذ كنتم في رياض القدس ~~وحياض الأنس. # والبلد الطيب القلب الحي يتخلق بأخلاقه الحميدة كذلك نصرف الآيات أي ~~النفوس وصفاتها إلى أوصاف القلب وأخلاقه. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 72] # لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال ~~مبين (60) قال ms2009 يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين (61) أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) أوعجبتم أن جاءكم ~~ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) # فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم ~~كانوا قوما عمين (64) وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين (66) قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من ~~رب العالمين (67) أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين (68) # أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ~~(69) قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ~~أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (72) # PageV03P264 ### | القراآت: # إله غيره بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملا على ~~محل من إله إني أخاف بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ~~أبلغكم بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو. والباقون: بالتشديد. عباس: بالاختلاس ~~بصطة بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ~~وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيرا. ### | الوقوف: # غيره ط عظيم ه مبين ه العالمين ه لا يعلمون ه ترحمون ه بآياتنا ط عمين ه ~~هودا ط غيره ط تتقون ه الكاذبين ه العالمين ه أمين ه لينذركم ط لتناهى ~~الاستفهام بسطة ج تنبيها على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق ~~الجملتين تفلحون ه آباؤنا ج للعدول مع فاء التعقيب الصادقين ه ms2010 وغضب ط من ~~سلطان ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد المنتظرين ه مؤمنين ه. ### | التفسير: # لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص ~~الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل ~~عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها بيان ~~سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر ~~قلوب المبطلين. ومنها التنبيه على أن الله سبحانه لا يهمل المبطلين وإن كان ~~يمهلهم. ومنها العظة والاعتبار لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب [يوسف: ~~111] ومنها الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث إنه إخبار ~~بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة. فمن ~~القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أول السورة. الثانية قصة نوح وهو نوح بن ~~لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس. قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحا ~~لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في ~~شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك. قال ~~الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟ وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا ~~تفيد صفة في المسمى. والصحيح أنه اسم أعجمي. قال ابن عباس: معنى أرسلنا ~~بعثنا. وقال آخرون: معناه أنه تعالى حمله رسالة # PageV03P265 # يؤديها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع ~~لا أنه أصل. # قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول ~~أرسل إلى قوم ليعرفهم أحكاما لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من ~~بعثته مجرد تأكيد ما في العقول. وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، ~~أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم ~~هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلا على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms2011 بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما ~~حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم ~~أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضا قد مر دلائل التوحيد ~~والنبوة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى هاهنا غير مرة، فوقع التعويل ~~على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأول لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره ~~كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلا منه، ~~ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا ~~عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوزنا التعدد لم يتعين ~~المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في ~~الأزل غير معبود. ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: # الجزم واليقين فإنه كان جازما بنزول العذاب بهم عاجلا وآجلا. وقال آخرون: ~~الشك لأنه كان يجوز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل ~~السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفا، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر ~~على الجوار. ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب. وقيل: ~~المراد من الخوف التحذير. وجملة قوله: إني أخاف بيان للداعي إلى عبادته ~~لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام قال الملأ من قومه أي الأشراف وصدور ~~المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح إنا لنراك في ضلال في ذهاب عن طريق ~~الحق. والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون ~~المشاهدة والبديهة. نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد ~~والنبوة والمعاد قال يا قوم ليس بي ضلالة لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم ~~السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب ~~الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ولكني رسول من ~~رب العالمين وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم. ~~وفي ذلك بيان فرط ms2012 جهالتهم وعتوهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى ~~بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده. وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في ~~موضع الضرورة جائز. ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: # الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال أبلغكم الآية. والجملة ~~استئناف # PageV03P266 # بيان لكونه رسولا من رب العالمين، أو صفة لرسول. وإنما جاز أن تكون صفة ~~ولفظ الرسول غائب نظرا إلى المعنى # كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره # رسالات ربي ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي الي في المعاني ~~المختلفة من الأوامر والنواهي. وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ~~ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا. # ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ~~ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة وأنصح لكم قال الفراء: العرب لا ~~تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزا ولكن تقول نصحت لك. قال في الكشاف: وفي ~~زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة. وحقيقة النصح الإرشاد إلى ~~المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر. ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ~~ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله تعالى وأحب لكم ما ~~أحب لنفسي وأعلم من الله ما لا تعلمون أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم ~~بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله ~~يعاقبكم في الآخرة عقابا، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا ~~تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم. ~~أوعجبتم الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن ~~جاءكم ذكر من ربكم. قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به. وقال آخرون: ~~الذكر المعجز كتابا أو غير كتاب. وقيل: هو الموعظة على رجل أي على لسانه ~~قاله ابن قتيبة ونظيره آتنا ما وعدتنا على رسلك [آل عمران: 194] وقال ~~الفراء «على» بمعنى «مع» تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز. ~~وقيل: أي ms2013 منزل على رجل. # ومعنى منكم من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ~~لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه ~~للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله تعالى ~~قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف. # وأيضا إن العقل كاف في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه ~~فإن كان المكلف مضطرا إليه فعل لأنه تعالى لا يكلف مالا يطاق، وإن لم يكن ~~مضطرا إليه ترك حذرا عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال ~~الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل ~~والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان ~~فقيرا خاملا لا يصلح للنبوة فأنكر نوح عليه السلام كل هذه الأشياء لأنه ~~تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن ~~بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى ~~حد # PageV03P267 # الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكا لأن الجنس ~~إلى الجنس أسكن وقد مر في أول «الأنعام» . ثم بين ما لأجله يبعث الرسول ~~فقال لينذركم الآية. # وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن ~~التقوى الفوز برحمة الله. قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه ~~تعالى لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر ~~والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا فكذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ ~~التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء ~~نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا. # والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا فأنجيناه والذين استقروا معه ~~في الفلك وأنجيناهم في السفينة من الطوفان. قيل: كانوا أربعين رجلا وأربعين ~~امرأة. وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به. وإنما ~~قال في سورة يونس فنجيناه ومن معه في الفلك ms2014 [الآية: 73] لأن التشديد ~~للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع ~~والذكر والمؤنث بخلاف الذين إنهم كانوا قوما عمين قال ابن عباس: عميت ~~قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد. وقال أهل اللغة: يقال رجل عم في ~~البصيرة وأعمى في البصر. فالعمى يدل على عمى ثابت والعامي على عمى حادث. # القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله سبحانه وإلى عاد أخاهم هودا والتقدير ~~لقد أرسلنا نوحا إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. واتفقوا على أن هودا ~~ما كان أخاهم في الدين. ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا ~~من جنس الملائكة والجن. # وقيل: أراد واحدا منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد ~~منهم، وقيل: # خص واحدا منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته. وقيل: ~~معناه صاحبهم. والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم # قال صلى الله عليه وسلم «إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن» # يريد صاحبهم. ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح وهودا عطف بيان ~~لأخاهم. وأما عاد فهم كانوا باليمن بالأحقاف. قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل ~~الذي بين عمان إلى حضرموت. واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ ~~المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك فقال ~~يا قوم اعبدوا الله وهاهنا قال يا قوم والفرق أن نوحا عليه السلام كان ~~مواظبا على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود ~~فما كان جده إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود. ~~ويمكن أن يقال: لما أضمر أرسلنا أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء أرسلنا ~~وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف. ومنها قوله ما لكم من إله # PageV03P268 # غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # وفي قصة هود ما لكم من إله غيره أفلا تتقون لأن واقعة هود كانت مسبوقة ~~بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك ms2015 العذاب العظيم ~~الذي اشتهر خبره في الدنيا. ومنها قال الملأ من قومه وفي قصة هود قال الملأ ~~الذين كفروا من قومه إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في ~~أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد ~~الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف. ومنها أن قوم نوح قالوا إنا ~~لنراك في ضلال مبين وقوم هود قالوا إنا لنراك في سفاهة أي متمكنا منها تمكن ~~المظروف من الظرف. # وذلك أن نوحا كان يخوفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدة ~~طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد. وأما هو فما ذكر شيئا إلا أنه ~~زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة ~~وخفة العقل حيث فارق دين قومه. ثم قالوا وإنا لنظنك من الكاذبين في ادعاء ~~الرسالة. قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~ربهم [البقرة: 46] قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز ~~في أصول الدين يوجب الكفر. ومنها قول نوح وأنصح لكم وقال هود وأنا لكم ناصح ~~وذلك لأنه كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل ~~يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا قال رب إني ~~دعوت قومي ليلا ونهارا [نوح: 5] إلى آخر الآيات. وأما هود فكان ثابتا على ~~النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح. ثم إن نوحا عليه السلام ~~قال وأعلم من الله ما لا تعلمون لأنه كان يعلم من أسرار الله تعالى ما لم ~~يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أمينا ثقة ~~أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش. أو ~~المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم ~~إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه. وفي هذين الجوابين عن مثل ms2016 ذينك ~~الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا ~~بالكلام المبني على الحلم والإغضاء. ومنها أن هودا اقتصر على قوله لينذركم ~~لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن ~~حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئا آخر يختص بهم فقال واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكا قد ~~استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها ~~من المنافع، «وإذا» مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء وزادكم في ~~الخلق بصطة فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا # PageV03P269 # على الشيء الذي له مقدار وحجمية. والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة ~~خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان. قال الكلبي: كان أطولهم مائة ~~ذراع وأقصرهم ستين ذراعا. وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد ~~الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر. ومنهم من حمل ~~اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم ~~كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة متناصرين متوادين ~~فاذكروا آلاء الله في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه ~~وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه إني وآناء كعنب وأعناب. قال الجوهري: ~~واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء. استدل الطاعنون في وجوب الأعمال ~~الظاهرة بالآية قالوا: إنه تعالى رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر. وأجيب ~~بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء ~~الله واعملوا عملا يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون. ذكرهم نبيهم نعم الله ~~عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا ~~بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد ~~والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك ~~بطريقة التقليد وذلك قولهم أجئتنا لنعبد الله وحده الهمزة لإنكار اختصاص ~~الله وحده ms2017 بالعبادة. وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه ~~أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء قبل المبعث، ~~فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم. # ومنها الاستهزاء اعتقادا منهم أن الله لا يرسل إلا ملكا فكأنهم قالوا: ~~أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟ ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب ~~يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله ~~وحده أي منفردا عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالا بتأويل. ولا يمكن ~~أن يكون وحده هاهنا اعترافا كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله ~~وحده لأن الفرض أنهم مشركون. ثم إن قول هود فيما قبل أفلا تتقون كان مشعرا ~~بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعما منهم أنه كاذب وذلك قولهم ~~فأتنا بما تعدنا فأجابهم هود بقوله قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ولا بد ~~أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف. أما الغضب في حقه تعالى فإرادة ~~إيقاع السوء كما سبق مرارا، وأما الرجس فقيل: العذاب. واعترض عليه بلزوم ~~التكرار. وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة. وذلك أن الرجس ضد ~~التطهير كما قال سبحانه في صفة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا [الأحزاب: 33] وقال القفال: الرجس هو الازدياد في ~~الكفر بالرين على القلوب كما قال فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 125] ~~وهذا التفسير أخص. أما قوله قد وقع ولم يقع العذاب بعد # PageV03P270 # ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله تعالى حادثة: معناه أنه تعالى ~~أحدث إرادة في ذلك الوقت. وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب. وقيل: جعل ~~المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك. ~~تريد أنها ستكون البتة. وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل ~~فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟ # فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني ms2018 قد ~~قلت الشعر. # ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال أتجادلونني في أسماء تناظرونني في شأن ~~آلهة أشياء ما هي إلا أسماء سميتموها أحدثتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله ~~بها من سلطان أي لا حجة على حقيقتها فتنزل. والحاصل أنها أسماء بلا مسميات ~~لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال. سموا واحدا بالعزي ~~مشتقا من العز وما أعطاه الله تعالى عزا أصلا. وسموا آخر منها باللات من ~~الإلهية وماله من الإلهية أثر. وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما ~~سيجيء أنزل لأن «نزل» للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل ~~للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم. ثم إنه ذكرهم وعيدا محدودا فقال ~~فانتظروا سوء عاقبة هذه الأصنام إني معكم من المنتظرين عاقبة السوء أو ~~عاقبة الحسنى وذلك قوله فأنجيناه والذين معه برحمة بسبب رحمة كانوا ~~يستحقونها منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا أي استأصلناهم ودمرناهم عن ~~آخرهم وقد مر مثله في الأنعام. وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله وما كانوا ~~مؤمنين مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضا بمن آمن منهم كمرثد بن ~~سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن ~~منهم، أو معنى وما كانوا مؤمنين في علم الله تعالى أي لم يكونوا من ~~المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا. قال في الكشاف: وإن عادا قد تبسطوا في ~~البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها. صداء وصمود والهباء ~~فبعث الله هودا نبيا وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسبا فكذبوه وازدادوا ~~عتوا وتجبرا، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا. وإن الناس كانوا ~~إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ~~ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ~~وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا منهم قيل ~~بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية ms2019 بن بكر ~~وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ~~فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية ~~إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا ~~لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي # PageV03P271 # وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ~~ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولا نغنيهم به لا يدرون من ~~قاله فقال معاوية: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما # ويسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما # الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقيا لنا. ~~وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولا من ضعفهم وسوء حالهم. ~~فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم ~~عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم. فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا ~~يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه. ~~فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود ~~وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم فأنشأ ~~الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء يا قيل ~~اختر لنفسك ولقومك. فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من ~~واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا. فجاءتهم ~~منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله ~~فيها حتى ماتوا. ### | التأويل: # لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس ~~وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى ~~الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه ~~والتعجب فكذبوه يعني النفس وصفاتها نوح الروح فأنجيناه والذين معه في الفلك ~~الشريعة وأغرقنا النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها إنهم كانوا قوما ~~عمين عن رؤية الله والوصول إليه ms2020 وزادكم في الخلق بصطة كما أوقع التفاوت بين ~~شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى ~~المعاني قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه ~~أصابكم سطوات العذاب. فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار ~~وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 84] # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما ~~أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (76) ~~فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من ~~المرسلين (77) # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين (79) ولوطا إذ قال ~~لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (80) إنكم لتأتون ~~الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا ~~أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) # فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) # PageV03P272 ### | القراآت: # وقال الملأ بالواو: ابن عامر إنكم بحذف همزة الاستفهام: أبو جعفر ونافع ~~وحفص وسهل. أإنكم بهمزتين: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير جفص، وهشام ~~يدخل بينهما مدة، آينكم بالمد وبالياء: أبو عمرو وزيد. أينكم بالهمزة ~~والياء: ابن كثير ويعقوب غير زيد. ### | الوقوف: # صالحا ج لئلا يظن أن صالحا صفة لا علم فالجملة بعده نعت له وهذا بخلاف ~~اسم شعيب ms2021 وغيره من الأعلام العربية غيره ط من ربكم ط أليم ه بيوتا ط لما مر ~~في قصة هود مفسدين ه من ربه ج مؤمنون ه كافرون ه المرسلين ه جاثمين ه ~~الناصحين ه من العالمين ه من دون النساء ط لمكان الإضراب. مسرفون ه من ~~قريتكم ج لاحتمال التعليل استهزاء إلا امرأته ز لاحتمال الاستئناف والأشبه ~~أنها حال المرأة من الغابرين ه مطرا ط المجرمين ه. ### | التفسير: # القصة الرابعة قصة صالح مع قومه ثمود. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود ~~لقلة مائها من الثمد وهو الماء القليل. وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز ~~والشام إلى وادي القرى. وإنه لا ينصرف تارة بتأويل القبيلة وينصرف أخرى ~~بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن ~~إرم بن سام بن نوح. وقيل: إن ثمود أخو جديس وطسم. وقد ورد القرآن بالصرف ~~وبمنعه جميعا قال تعالى ألا إن ثمود كفروا ربهم # PageV03P273 # ألا بعدا لثمود # [هود: 68] قد جاءتكم بينة آية ظاهرة دالة على صدقي وكأنه قيل: # ما تلك البينة فقال هذه ناقة الله لكم آية وانتصابها على الحال والعامل ~~فيها ما في اسم الإشارة أو حرف التنبيه من معنى الفعل أي أشير إليها أو ~~أنبه عليها آية. ولكم بيان لمن هي له آية موجبة للإيمان وهم ثمود. وسبب ~~تخصيص أولئك الأقوام بها مع أنها آية لكل أحد أنهم عاينوها وغيرهم أخبروا ~~بها وليس الخبر كالمعاينة. أو لعله يثبت سائر المعجزات إلا أن القوم ~~التمسوا هذه المعجزة بعينها على سبيل الاقتراح فأظهرها الله تعالى لهم ~~فلهذا حسن التخصيص. # وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها وتفخيما لشأنها حيث جاءت مكونة من ~~عنده من غير فحل وطروقة آية من آياته كما تقول: آية الله وبيت الله، ~~وبالحقيقة هي آية تشتمل على آيات. # فخروجها من الجبل آية، وكونها لا من ذكر وأنثى آية، وكمال خلقها من غير ~~تدريج ومهل آية، وأن لها شرب يوم ولجميع ثمود شرب يوم آية، وكذا الكلام في ms2022 ~~قوتها المناسب للماء وفي غزارة لبنها، وأنكر الحسن فقال: إنها لم تحلب قطرة ~~لبن قط. # ويروى أن جميع الحيوانات كانت تمتنع عن الورود في يوم شربها. # وقيل: سميت ناقة الله لأنه لا مالك لها سوى الله تعالى. وقيل: لأنها حجة ~~الله على القوم فذروها تأكل في أرض الله أي الناقة ناقة الله والأرض أرض ~~الله فدعوها تأكل في أرض ربها ومما أنبت منها ولا تمسوها بسوء من الضرب ~~والطرد وسائر أنواع الأذى إكراما لآية الله. فيأخذكم عذاب أليم يعني أخذ ~~الاستفزاز والاستئصال واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد تفسيره كما في قصة ~~هود وبوأكم في الأرض أنزلكم فيها والمباءة المنزل والأرض أرض الحجر تتخذون ~~من سهولها أي تبنون من سهول الأرض قصورا بما تعملون من الأراضي السهلة لبنا ~~وآجرا ورهصا. وانتصاب بيوتا على الحال المقدرة كما تقول خط هذا الثوب قميصا ~~لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت ولا الثوب قميصا في حال الخياطة. ~~ويجوز أن تكون من مقدرة اكتفاء بقوله من سهولها كما جاءت في موضع آخر ~~تنحتون من الجبال بيوتا فارهين [الشعراء: # 149] فيكون منصوبا على أنه مفعول به. وقيل: المراد أنهم كانوا يسكنون ~~السهول في الصيف والجبال في الشتاء فاذكروا آلاء الله يعني إني قد ذكرت لكم ~~بعض نعم ربكم فاذكروا أنتم تمامها ولا تعثوا في الأرض مفسدين قيل: نهى عن ~~عقر الناقة والأولى حمله على العموم. وإعرابه قد مر في أوائل سورة البقرة. ~~قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا أي المساكين الذين ~~استحقرهم رؤساء الكفار. وقوله لمن آمن منهم بدل من قوله للذين استضعفوا ~~بتكرار الجار لشدة الاتصال. والضمير في منهم إما أن يرجع إلى الذين ~~استضعفوا فيكون البدل بدل البعض ودل على أن المستضعفين فريقان مؤمنون ~~وكافرون، وإما أن يرجع إلى قومه فيكون البدل بدل الكل ودل على أن الاستضعاف ~~من شأن # PageV03P274 # أهل الإيمان يستحقرهم المستكبرون، ولا يكون صفة ذم في حقهم وإنما الذم ~~يعود إلى المستحقرين. وفي الآية دلالة على أن ms2023 الفقر خير من الغنى لأن ~~الاستكبار يتولد من كثرة المال والجاه والتصديق والانقياد ينشأ من قلتهما ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوه على سبيل التهكم والسخرية لا للاستعلام ~~والاسترشاد. قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون جعلوا إرساله أمرا بينا مكشوفا ~~مسلما لا يدخله ريب وإنما الكلام في وجود الإيمان فنخبركم أنا به مؤمنون ~~ولذلك قال الذين استكبروا في جوابهم إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا ~~الناقة قال الأزهري: العقر عند العرب كشف عرقوب البعير ثم أطلق على النحر ~~إطلاقا لاسم السبب على المسبب، وأسند العقر إلى جميعهم مع أنه ما باشره إلا ~~بعضهم لأنه كان برضاهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة أنتم فعلتم كذا ولعله لم ~~يفعله إلا واحد منهم كقوله وإذ قتلتم [البقرة: 72] وعتوا عن أمر ربهم ~~استكبروا عن امتثاله. قال مجاهد: # العتو الغلو في الباطل وأمر ربهم شأنه أي دينه، أو المراد أمر به صالح من ~~قوله فذروها ولا تمسوها والمعنى أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم فإن ~~الإنسان حريص على ما منع. وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من ~~المرسلين أطلقوا الوعد وأرادوا ما وعدهم من العذاب واستعجالهم العذاب إنما ~~كان لأجل تكذيبهم بكل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد، ولذلك علقوه بما كانوا ~~ينكرونه وهو كونه من المرسلين فأخذتهم الرجفة قال الفراء والزجاج: هي ~~الزلزلة الشديدة قال تعالى يوم ترجف الأرض والجبال [المزمل: 14] قال الليث: ~~هي كرجفان البعير تحت الرحل وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح وهذا لا ~~يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية وفي آخر أنهم أهلكوا ~~بالصيحة لأن الطغيان مجاوزة الحد. قال تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم ~~[الحاقة: 11] فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد، والغالب أن ~~الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة. # فأصبحوا في دارهم أي في بلدهم كقولك: دار الحرب ودار الإسلام. وقد جمع في ~~آية أخرى فقال: في ديارهم [هود: 67] لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزله ~~الخاص إلا أنه حيث ذكر ms2024 الرجفة وحد وحيث ذكر الصيحة جمع لأن الصيحة كأنها من ~~السماء فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة. ومعنى جاثمين موتى لا حراك بهم. قال ~~أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل فجثوم الطير هو وقوعه ~~لاطئا بالأرض في حال سكونه بالليل ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها وهي ~~البهيمة التي تربط وتجمع قوائمها لترمى فتولى عنهم الفاء للتعقيب. فالظاهر ~~أن صالحا عليه السلام أدبر عنهم بعد ما أبصرهم جاثمين وكأنه تولى وهو مغتم ~~متحسر على ما فاته من إيمانهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي وحد # PageV03P275 # الرسالة بخلاف ما مر في قصتي نوح وهود لأن المراد هناك أشياء كانا يأمران ~~بها قومهما بعد الإيمان بالله، وهاهنا وقع في آخر القصة فأراد بها مجموع ما ~~أدى من الرسالة، أو أراد بذلك أداء حديث الناقة فقط. ونصحت لكم لم آل جهدا ~~في النصيحة ولكن لا تحبون الناصحين حكاية لحال ماضية. واعترض على هذا ~~التفسير بأنه كيف يصح خطاب الموتى؟ # وأجيب بأنه قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه في حياته فلم يصغ ~~إليه يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني حتى ألقيت بنفسك إلى ~~التهلكة. والفائدة في مثل هذا الكلام أن يسمعه بعض الإحياء فيعتبر به. ولعل ~~القائل أيضا يتسلى بذلك وتزول بعض الغصة عن قلبه ويخف عليه ما نزل به، # وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب قتلى بدر وقال: يا فلان ~~ويا فلان قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقيل له: ~~كيف تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على ~~الجواب. # وتفسير آخر وهو أن يكون تولى عنهم تولى ذاهب عنهم منكر لإصرارهم حين رأى ~~العلامات قبل نزول العذاب. وجملة قصتهم ما # روي أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض فكثروا وعمروا ~~أعمارا طوالا حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتوا ~~البيوت من ms2025 الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا عن أمر الله وأفسدوا ~~في الأرض وعبدوا الأوثان فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا. # وصالح من أوسطهم نسبا. فدعاهم إلى الله فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون ~~فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال: أية آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى ~~عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة فندعو آلهتنا وتدعوا إلهك، فإن استجيب لك ~~اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا. # فقال صالح: نعم. فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم. ~~ثم قال سيدهم جندع بن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها ~~الكاثبة أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء، والمخترجة التي ~~شاكلت البخت فإن فعلت صدقناك وأجبناك، فأخذ صالح عليهم المواثيق لئن فعلت ~~ذلك لتؤمنن ولتصدقن. قالوا: # نعم. فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة ~~عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا، وكانت في غاية العظم حتى قال أبو موسى ~~الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة يعني- موضع بروكها- فوجدته ستين ~~ذراعا. ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط من قومه ومنع ~~بقاياهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا فمكثت الناقة وولدها ترعي الشجر وتشرب ~~الماء وكانت ترد غبا # كما قال عز من قائل لها شرب ولكم شرب يوم معلوم [الشعراء: 155] وذلك أن ~~الماء كان عندهم قليلا فجعلوا # PageV03P276 # ذلك الماء بالكلية شربا لها يوما وشربا للقوم يوما. قال السدي: وكانت ~~الناقة في اليوم الذي بشرب فيه الماء تحلب فيكفي الكل فكأنها كانت تصب ~~اللبن صبا، وفي اليوم الذي يشربون الماء لا تأتيهم وكانت إذا وقع الحر تصيف ~~بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطن الوادي، وإذا وقع البرد كان ~~الأمر بالعكس فشق ذلك عليهم وقال لهم صالح: يولد في شهركم هذا غلام يكون ~~هلاككم على يديه فذبحوا تسعة نفر من أبنائهم ثم ولد العاشر فأبى أن يذبح ~~ابنه فنبت نباتا سريعا، ولما كبر الغلام جلس مع قوم يشربون الشراب فأرادوا ~~ماء يمزجونه ms2026 به وكان يوم شرب الناقة فما وجدوا الماء فاشتد ذلك عليهم. فقال ~~الغلام: هل لكم في أن أعقر هذه الناقة فشد عليها فلما بصرت به شدت عليه ~~فهرب منها إلى جانب صخرة فردوها عليه، فلما مرت به تناولها فعقرها فسقطت ~~فذلك قوله تعالى فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر [القمر: 29] وأظهروا حينئذ ~~كفرهم وقيل: زينت لهم عقرها امرأتان- عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار- لما ~~أضرت الناقة بمواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها ~~وطبخوه فانطلق فصيلها حتى رقي جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثا وكان صالح قال ~~لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه وانفجرت ~~الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة، وبعد غد ~~ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب. فلما رأوا ~~العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين. ولما كان اليوم ~~الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء ~~فتقطعت قلوبهم فهلكوا. # واستبعد بعضهم أن العاقل مع مشاهدة هذه المعجزات والعلامات كيف يبقى مصرا ~~على كفره؟ وأجيب بأنهم عنده مشاهدة العلامات خرجوا عن حد التكليف وأن تكون ~~توبتهم مقبولة. # عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: لا تسألوا ~~الآيات فقد سألها قوم صالح فأخذ بهم الصيحة فلم يبق منهم إلا رجل واحد كان ~~في حرم الله. قالوا: من هو قال صلى الله عليه وسلم: ذاك أبو رغال. فلما خرج ~~من الحرم أصابه ما أصاب قومه، # وروي أن صالحا كان بعثه إلى قوم فخالف أمره. # وروي أن نبينا صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال: أتدرون من هذا؟ # قالوا: الله ورسوله أعلم. فذكر قصة أبي رغال وأنه دفن هاهنا وأنه دفن معه ~~غصن من ذهب فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن. # وروي أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت. # وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ~~ساطعا فعلم أنهم قد ms2027 هلكوا وكانوا ألفا وخمسمائة دار، # وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارهم، # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال ~~لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين # PageV03P277 # إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، وقال صلى الله عليه وسلم ~~يا علي، أتدري من أشقى الأولين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: عاقر ناقة ~~صالح أتدري من أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال قاتلك. # القصة الخامسة قوله سبحانه ولوطا إذ قال لقومه تقديره أرسلنا لوطا وقت ~~قال لقومه، ويجوز أن يكون معناه واذكر لوطا إذ قال لقومه على أن «إذ» بدل ~~من المفعول به لا ظرف. وإنما صرف نوح ولوط مع أن فيه سببين: العجمة ~~والعلمية، لأن سكون وسطه قاوم أحد السببين أتأتون الفاحشة أتفعلون الخصلة ~~المتمادية في القبح ما سبقكم بها قال في الكشاف: الباء للتعدية من قولك: ~~سبقته بالكرة إذا ضربتها قبله أي ما عملت قبلكم. # قلت: ومن المحتمل أن تكون الباء فيه مثله في قولك: كتبت بالقلم. وفي قوله ~~تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] أي ما سبقكم ملتبسا بها من أحد من العالمين ~~«من» الأولى زائدة لتأكيد النفي وإفادة الاستغراق، والثانية للتبعيض. وموقع ~~هذه الجملة استئناف لأنه أنكر عليهم أولا بقوله أتأتون الفاحشة ثم وبخهم ~~عليها فقال: وأنتم أول من عملها. أو هو جواب سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا ~~نأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها من أحد فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به. ويجوز أن ~~تكون صفة للفاحشة كقوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني وهاهنا سؤال وهو أنه كيف يجوز دعوى عدم السبق ~~في هذه الخصلة ولم تزل الشهوة داعية إليها؟ والجواب لعل متقدميهم كانوا ~~يستقذرونها وينفرون عنها طبعا كسائر الحيوانات، أو المراد أن الإقبال ~~بالكلية على ذلك العمل لم يوجد في الأعصار المتقدمة. # قال الحسن: كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم وكانوا لا ينكحون إلا ~~الغرباء. وقال عطاء عن ابن عباس: استحكم ذلك ms2028 فيهم حتى فعل بعضهم ببعض أإنكم ~~لتأتون الرجال بيان لما أجمله في قوله أتأتون الفاحشة وكلا الاستفهامين ~~للإنكار. وفي الثاني أكثر ولهذا زيد فيه «إن» ومثله في النمل أتأتون وبعده ~~أإنكم لتأتون [النمل: 55] وفي العنكبوت إنكم لتأتون الفاحشة [الآية: 28] ~~أإنكم لتأتون الرجال [النمل: 55] فجمع بين «إن» «وأئن» القصة إنا منجوك إنا ~~منزلون. وانتصب شهوة على أنها مفعول له أي لا حامل لكم على غشيان الرجال من ~~دون النساء إلا مجرد الشهوة، أو مصدر وقع حالا يقال: # شهى يشهى شهوة بل أنتم قوم مسرفون إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم ~~بالحالة الموجبة لارتكاب القبائح وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف وتجاوز ~~الحدود في كل شيء. # وختم هذه الآية بلفظ الاسم موافقة لرؤوس الآيات التي تقدمت العالمين ~~الناصحين # PageV03P278 # جاثمين المرسلين وفي النمل قال بل أنتم قوم تجهلون [الآية: 55] أما ~~العدول من الإسراف إلى الجهل فلتغير العبارة، وكل إسراف جهل وكل جهل إسراف. ~~وأما العدول من الاسم إلى الفعل فلتوافق ما قبلها من الآيات وكلها أفعال ~~ينصرون تتقون يعلمون واعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع ووجوه ~~القبح فيه كثيرة منها: # أن أكثر الناس يحترزون فيه عن الولد لأن الولد يحمل المرء على طلب المال ~~وإتعاب النفس في وجوه المكاسب إلا أنه تعالى جعل الوقاع سببا لحصول اللذة ~~العظيمة حتى إن الإنسان يطلب تلك اللذة ويقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد ~~شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع ~~يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والغرض إبقاء النوع الإنساني ~~الذي هو أشرف الأنواع. فكل لذة لا تؤدي إلى هذا الغرض وجب الحكم بتحريمها ~~لما فيه من ضياع البذر ولزوم خلاف الحكمة. ومنها أن الذكورة مظنة الفعل ~~والأنوثة مظنة الانفعال، فانعكاس القضية يكون خروجا عن مقتضى الطبيعة ~~والحكمة، ومنها أن الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهائم وخروج عن الغريزة ~~الإنسانية. وهب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل إلا أنه سعى في إلحاق العار ~~العظيم بالمفعول ما دام ms2029 حيا، والعاقل لا يرضى لأجل لذة زائلة إلحاق منقصة ~~دائمة بغيره. ومنها أنه يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول إلى حيث ~~يقدم المفعول عل قتل الفاعل، أو على إلحاق الضرر به بكل طريق يقدر عليه ~~وذلك لنفور طبعه عن رؤيته. وأما حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فإنه ~~يوجب زيادة الألفة والمحبة كما قال تعالى خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [الروم: 21] ومنها أنه تعالى أودع في الرحم ~~قوة جاذبة للمني بحيث لا يبقى شيء منه في مجاريه وأوعيته، أما إذا واقع ~~الذكر فإنه يبقى شيء من أواخر المني في المجاري فيعفن ويفسد ويتولد منه ~~العلل والأورام في الأسافل كما يشهد به القوانين الطبية. قال بعضهم: والذين ~~هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [المؤمنون: 5، 6] ~~يقتضي حل وطء المملوك مطلقا ذكرا كان أو أنثى. ولا يمكن تخصيص هذا العموم ~~بقوله أتأتون الذكران من العالمين [الشعراء: 165] لأن كلا من الآيتين أعم ~~من الأخرى من وجه لأن المملوك قد يكون ذكرا وقد لا يكون، والذكر قد يكون ~~مملوكا وقد لا يكون، فتخصيص إحداهما بالأخرى ترجيح من غير مرجح بل الترجيح ~~لجانب الحل لمقتضى الأصل وذلك لأن المالك مطلق التصرف، ولأن شرع محمد أولى ~~من شرع لوط. وأجيب بأن الاعتماد على التواتر الظاهر من دين محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن هذا العمل حرام قال تعالى وما كان جواب قومه بالواو كيلا يكون ~~التعقيب # PageV03P279 # بالفاء بعد الاسم. وفي النمل تجهلون فما كان [النمل: 55] وفي العنكبوت ~~وتأتون في ناديكم المنكر فما كان لصحة تعقيب الفعل الفعل إلا أن قالوا ~~أخرجوهم من قريتكم [الآية: 29] وفي النمل أخرجوا آل لوط [الآية: 56] ليكون ~~ما في النمل تفسيرا لهذه الكناية وقيل: إن سورة النمل نزلت قبل الأعراف ~~فيكون قد صرح في الأولى وكنى في الثانية. قال في الكشاف: يعني ما أجابوه ~~بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة. ووسمهم ~~بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر ms2030 كله ولكنهم جاؤا بكلام آخر لا يتعلق بكلامه ~~ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من فريتهم ضجرا بهم وبما ~~يسمعونهم من وعظهم ونصحهم، وقولهم إنهم أناس يتطهرون سخرية بهم وبتطهرهم من ~~الفواحش وافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الشطار من الفسقة لبعض ~~الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتزهد. وقيل: ~~المراد أن ذلك العمل في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر. وقيل: ان البعد عن ~~الإثم يسمى طهارة، فالمراد أنهم يتباعدون عن المعاصي والآثام فأنجيناه ~~وأهله أي أنصاره وأتباعه والذين قبلوا دينه، وعن ابن عباس: أراد المتصلين ~~به في النسب بدليل قوله إلا امرأته يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته ولا يقال ~~مرء المرأة يعني زوجها لأن المالكية حق الزوج كانت من الغابرين وفي النمل ~~قدرناها من الغابرين [النمل: 57] أي كانت في علم الله من الغابرين. قدرناها ~~من الغابرين وإن قلنا بتأخر نزول الأعراف فالمعنى قدرناها من الغابرين ~~فصارت من الغابرين، والغبور المكث والبقاء أي من الذين بقوا في ديارهم ~~فهلكوا، أو التذكير لتغليب الذكور وكانت كافرة موالية لأهل سدوم. روي أنها ~~التفتت فأصابها حجر فماتت. ثم وصف العذاب فقال وأمطرنا عليهم مطرا أي ~~أرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا. قيل: كانت المؤتفكة خمس مدائن. وقيل: ~~كانوا أربعة آلاف بين الشام والمدينة. فأمطر # الله عليهم الكبريت والنار. وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على ~~مسافريهم وشذاذهم. وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي أن تاجرا منهم كان في ~~الحرم فوقف له الحجر أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه ~~فانظر يا محمد أو كل من له أهلية النظر والاعتبار كيف كان عاقبة المجرمين ~~وهذه الأمة وإن أمنت من عذاب الاستئصال إلا أن الخوف والاعتبار من شعار ~~المؤمن لا ينبغي أن ينفك عنه على أن عذاب الآخرة أشد وأبقى ولم يأمنوه ~~بعده. # مسائل: الأولى مذهب الشافعي أن اللواط يوجب الحد لأنه ثبت في شريعة لوط ~~فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ ولم ms2031 يظهر نسخ في شرعنا، ولأن ذكر الحكم عقيب # PageV03P280 # الوصف المناسب يدل على علية الوصف للحكم، فالآية دلت على أن هذا الجرم ~~المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص. وقال أبو حنيفة: إن الواجب فيه ~~التعزير لأنه فرج لا يجب المهر بالإيلاج فيه فلا يجب الحد كإتيان البهيمة، ~~وعلى الأول ففي عقوبة الفاعل قولان: أحدهما أن عقوبته القتل محصنا كان أو ~~لم يكن لما # روي انه صلى الله عليه وسلم قال «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا ~~الفاعل والمفعول» «1» # وأصحهما أن حده حد الزنا فيرجم إن كان محصنا ويجلد ويغرب إن لم يكن محصنا ~~لأنه حد يجب بالوطء، ويختلف فيه البكر والثيب كالإتيان في القبل. وعلى قول ~~القتل فيه وجوه أحدها: يقتل بالسيف كالمرتد، والثاني وبه قال مالك وأحمد ~~يرجم تغليظا، ويروى عن علي عليه السلام أيضا. والثالث يهدم عليه جدار أو ~~يرمى من شاهق جبل ليموت أخذا من عذاب قوم لوط. وأما المفعول فإن كان صغيرا ~~أو مجنونا أو مكرها فلا حد عليه ولا مهر لأن منفعة بضع الرجل لا تتقوم، وإن ~~كان مكلفا طائعا فيقتل بما يقتل به الفاعل إن قلنا إن الفاعل يقتل، وإن ~~قلنا يحد حد الزنا فيجلد ويغرب محصنا كان أو لم يكن، وإن أتى امرأة في ~~دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط لأنه إتيان في غير المأتي ويجيء ~~في الفاعل والمفعول ما ذكرنا. وقيل: إنه زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في ~~القبل فعلى هذا حده حد الزنا بلا خلاف. وترجم المرأة إن كانت محصنة. وإذا ~~لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر ~~فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه بالجملة. ### | التأويل: # هذه ناقة الله معجزة الخواص أن يخرج لهم من حجارة القلب ناقة السر عشراء ~~بسقب سر السر وهو الخفي. وناقة الله هي التي تحمل أمانة معرفته وتعطي ساكني ~~بلد القالب من القوى والحواس لبن الواردات الإلهية، فذروها ترتع في رياض ~~القدس وحياض الإنس ولا تمسوها ms2032 بسوء مخالفات الشريعة ومعارضات الطريقة ~~فيأخذكم عذاب أليم بالانقطاع عن مواصلات الحقيقة. إذ جعلكم خلفاء مستعدين ~~للخلافة وبوأكم في أرض القلوب تتخذون من سهولها وهي المعاملات بالصدق ~~والإخلاص قصورا في الجنان وتنحتون من جبال أطوار القلب بيوتا هي مقامات ~~السائرين إلى الله فاذكروا آلاء الله النعماء والإخلاص. فالأول يتضمن ترويح ~~الظاهر، والثاني يوجب تلويح السر. فالترويح بوجود المسار والتلويح بشهود ~~الأسرار ولا تعثوا في الأرض القلب بالفساد للاستعداد الفطري الذين استكبروا ~~هم الأوصاف البشرية PageV03P281 # والأخلاق الذميمة للذين استضعفوا من أوصاف القلب والروح. أتعلمون أن صالح ~~الروح مرسل بنفخة الحق إلى بلد القلب وساكنيه ليدعوهم من الأوصاف السفلية ~~لظلمانية إلى الأخلاق العلوية النورانية فعقروا أي النفس وصفاتها ناقة سر ~~القلب بسكاكين مخالفات الحق فأخذتهم رجفة الموت فأصبحوا في دار قالبهم ~~جاثمين والله العزيز. # تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله: وإلى مدين أخاهم شعيبا ### | .... # PageV03P282 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء التاسع من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا ~~بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ ~~كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين (86) وإن كان طائفة منكم ~~آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين (87) قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) ~~قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على ~~الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين (89) # وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن ms2033 اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (93) ### | القراءة: # كما مر. ### | الوقوف: # شعيبا ط غيره ط إصلاحها ط مؤمنين ج ه لعطف المتفقتين أو وقوع العارض أو ~~رأس الآية عوجا ج لاتفاق الجملتين مع طول الكلام فكثركم ج لعطف المتفقتين ~~المفسدين ه بيننا ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف الحاكمين ه ملتنا ط ~~كارهين ه وقيل لا وقف لأن الابتداء بقوله وقد افترينا قبيح قلنا إذا كان ~~محكيا عن شعيب كان أقبح ولكن الكلام معلق بشرط يعقبه. منها # PageV03P283 # ط الله ط ربنا ط علما ط توكلنا وللعدول الفاتحين ه لخاسرون ه جاثمين ه ج ~~إن وصل وقف على كأن لم يغنوا فيها على جعل الذين بدلا من الضمير في فأصبحوا ~~وكأن لم يغنوا حال لمعنى الفعل في الجاثمين. وإن جعل الذين مبتدأ خبره كأن ~~لم يغنوا وقف على جاثمين وعلى فيها ومن لم يقف على فيها وجعل الذين بدلا من ~~الذين الأول وقف على شعيبا ويستأنف ب كانوا ولا يخلو من تعسف. الخاسرين ه ~~ونصحت لكم ط لأن فكيف للتعجب فيصلح للابتداء مع أن فيه فاء التعقيب. كافرين ~~ه والله أعلم. ### | التفسير: # القصة السادسة قصة شعيب ومدين اسم البلد. وقيل: اسم القبيلة لأنه شعيب بن ~~توبب بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن ~~مراجعته قومه، وذلك أنه أمرهم بأشياء: الأول: عبادة الله، أمرهم بها ونهاهم ~~عن عبادة غير الله وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء. الثاني: تصديق ~~ما ادعاه من النبوة وأشار إليه بقوله قد جاءتكم بينة أي معجزة دالة على ~~نبوتي. ففي الآية دلالة مجملة على أن لشعيب معجزة ظاهرة كما ينبغي لكل مدعي ~~نبوة وإلا كان متنبئا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن كما لم يذكر أكثر ~~معجزات نبينا صلى ms2034 الله عليه وآله فيه. يحكى أنه دفع إلى موسى عصاه وتلك ~~العصا ربت التنين وأيضا قال لموسى: إن هذه الأغنام تلد أولادا عنقها أسود ~~وسائرها أبيض وقد وهبتها منك وكان الأمر كما أخبر. وكل ذلك قبل أن يستنبأ ~~موسى. فقال أهل السنة: إن هذه الأمور علامات نبوة موسى ويسمى إرهاصا. # وقالت المعتزلة: إنها معجزات شعيب بناء على أن الإرهاص عندهم غير جائز. ~~الثالث قوله فأوفوا الكيل الآية. واعلم أن للأنبياء عليهم السلام أن يبدأوا ~~في الموعظة بما يكون قومهم مقبلين عليه. وكان قوم شعيب مشغوفين بالبخس ~~والتطفيف فكأنه يقول: # البخس عبارة عن الخيانة بالشيء القليل وهو أمر مستقبح في العقول ومع ذلك ~~فقد جاءت البينة والشريعة الموجبة لتحريمه فلم يبق لكم فيه عذر فأوفوا ~~الكيل والميزان. قال في الكشاف: لم يقل المكيال والميزان كما في سورة هود ~~لأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمى ما يكال به بالكيل كما قيل ~~العيش لما يعاش به، أو أريد فأوفوا الكيل ووزن الميزان، أو الميزان مصدر ~~كالميعاد والميلاد. الرابع ولا تبخسوا الناس أشياءهم يقال: بخسته حقه إذا ~~نقصته إياه ومنه قيل للمكس البخس. وفي المثل تحسبها حمقاء وهي باخس. قال ~~ثعلب: وإن شئت قلت باخسة وذلك بتأويل الإنسان أو النسمة يضرب لمن لا يعبأ ~~به وفيه دهاء وجربزة. خص أولا ثم عمم ليشمل جميع أنواع الظلم كالغصب # PageV03P284 # والسرقة وأخذ الرشوة وقطع الطريق وانتزاع الأموال بوجوه الاحتيال. يروى ~~أنهم كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه، وكانوا إذا دخل الغريب بلدهم ~~أخذوا دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطعا ثم أخذوها بنقصان ظاهر ~~وأعطوه بدلها زيوفا. الخامس ولا تفسدوا في الأرض وهذا أعم من البخس لشموله ~~الأموال والأعراض والنفوس وكل ما يوجب مفسدة دنيوية أو دينية. والمعنى بعد ~~إصلاح أهلها على حذف المضاف أو هو كقوله بل مكر الليل والنهار [سبأ: 33] أي ~~بعد الإصلاح فيها يعني إصلاح الصالحين من الأنبياء ومتابعيهم العالمين ~~بشرائعهم ذلكم الذي ذكر من الأمور الخمسة خير لكم في ms2035 الإنسانية وحسن ~~الأحدوثة وزيادة البركة لرغبة الناس في متاجرتكم عند اشتهاركم بالأمانة ~~والديانة. ولا يخفى أن حاصل هذه التكاليف الخمسة يرجع إلى التعظيم لأمر ~~الله والشفقة على خلق الله إن كنتم مؤمنين مصدقين لي في قولي. ثم فصل بعض ~~ما أجمل فقال ولا تقعدوا بكل صراط قيل: الصراط حقيقة وذلك أنهم كانوا ~~يجلسون على الطرق والمراصد كما كانت تفعل قريش بمكة يخوفون من آمن بشعيب ~~ويقولون إنه كذاب لا يفتنكم عن دينكم، أو كانوا يقطعون الطرق أو كانوا ~~عشارين. وقيل: إنه مجاز عن الدين أي لا تقعدوا على طريق الدين ومنهاج الحق ~~لأجل أن تمنعوا الناس عن قبوله اقتداء بالشيطان حيث قال لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم [الأعراف: 16] ودليل هذا المجاز قوله وتصدون عن سبيل الله يقال: ~~قعد بمكان كذا أي التصق به، وعلى مكان كذا أي علا ذلك المكان وفيه إذا حل، ~~فحروف الجر تتعاقب في مثل هذا الموضع لتقارب معانيها. ومحل توعدون وما عطف ~~عليه نصب على الحال، نهاهم عن القعود على صراط الله حال الاشتغال بأحد هذه ~~الأفعال. وإنما قال بكل صراط مع أن صراط الحق واحد لأنه يتشعب إلى معالم ~~وحدود وأحكام كثيرة كل منها في نفسه سبيل، وكانوا إذا رأوا أحدا يشرع فيها ~~أوعدوه وصدوه. والضمير في به راجع إلى كل صراط والتقدير: # توعدون من آمن به وتصدون عنه فوضع الظاهر موضع الضمير زيادة في التقبيح ~~والتفظيع. # ومعنى وتبغونها تطلبون لسبيل الله عوجا أي تصفونها للناس بأنها معوجة ~~وذلك بإلقاء الشكوك والشبهات. قال في الكشاف: أو يكون تهكما بهم وأنهم ~~يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الحق لا تعوج. ثم ذكرهم نعم الله تعالى لأن ~~ذكر النعم مما يحمل على الطاعة ويبعد عن المعصية فقال واذكروا إذ كنتم أي ~~وقت كونكم قليلا فكثركم قال الزجاج يحتمل كثرة العدد بعد القلة وكثرة الغنى ~~بعد الفقر وكثرة القدرة والشدة بعد الضعف والذلة. قيل: إن مدين بن إبراهيم ~~تزوج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها # PageV03P285 # بالبركة والنماء ms2036 وصاروا كثيرا في العدة والعدة والشدة. ثم حذرهم سوء ~~عاقبة من أفسد قبلهم من الأمم وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة فقال ~~وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين رغبهم أولا ثم رهبهم ثانيا وأكد الترهيب ~~بقوله وإن كان طائفة الآية. وفيه وعيد للكافرين ووعد للمؤمنين وحث لهم على ~~الصبر على ما يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم بمقتضى العدل والحكمة خير ~~الحاكمين. ثم حكى جواب قومه المحجوجين المستكبرين وذلك قولهم لنخرجنك يا ~~شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أي أحد الأمرين كائن ~~لا محالة إما إخراجكم وإما عودكم إلى الكفر. وهاهنا سؤال وهو أن الكفر على ~~الأنبياء محال فكيف يتصور عوده إليه؟ وهب أن قول الكفار ليس حجة أليس قول ~~شعيب حجة حيث قال إن عدنا في ملتكم؟ وأجيب بأن الكلام بني على التغليب، وأن ~~شعيبا أراد عود قومه إلا أنه نظم نفسه في جملتهم لما ذكرنا، أو لعل رؤساءهم ~~قالوا ذلك تلبيسا على القوم وشعيب أجرى كلامه على وفق ذلك، أو أنه كان في ~~أول أمره يخفي مذهبه فتوهموا أنه على دينهم، أو أريد بالملة الشريعة التي ~~صارت منسوخة بشرعه، أو يطلق العود على الابتداء كقوله: # وإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب. # قال شعيب في جوابهم أولو كنا كارهين الهمزة للاستفهام والواو للحال ~~والتقدير: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهيتنا؟. ثم صرح بأنه لا يفعل ذلك ~~فقال قد افترينا على الله كذبا إن فعلنا ذلك وذلك أن أصل الباب في النبوة ~~والرسالة صدق اللهجة والبراءة عن الكذب والعود في ملتكم ينافي ذلك. ومعنى ~~قوله بعد إذ نجانا الله منها بعد أن علمنا قبحه وفساده ونصب الأدلة على ~~بطلانه، أو المراد نجى قومه فغلب، أو المراد على حسب زعمكم ومعتقدكم كما ~~مر. قال في الكشاف: وقوله قد افترينا إخبار مقيد بالشرط وفيه وجهان: ~~أحدهما: أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجب كأنهم قالوا: ما أكذبنا على ~~الله إن عدنا في الكفر بعد ms2037 الإسلام لأن الارتداد أعظم من الكفر حيث إن ~~المرتد يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل وكفره ~~أزيد. والثاني أن يكون قسما على تقدير حذف اللام معناه والله لقد افترينا ~~على الله كذبا وما يكون لنا أي ما ينبغي لنا وما يصح أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا قال أهل السنة: في الآية دلالة على أن المنجي من الكفر هو ~~الله تعالى وكذا المعيد إليه قال الواحدي: ولم تزل الأنبياء والأكابر ~~يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام [إبراهيم: 35] وكثيرا ما # كان يقول # PageV03P286 # نبينا صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ~~وطاعتك» «1» # وقال يوسف توفني مسلما [يوسف: 101] أجابت المعتزلة بوجوه: الأول: أن قوله ~~إلا أن يشاء قضية شرطية أي إن شاء يعد وليس فيه بيان أنه شاء أم أبى. ~~الثاني: أن هذا على طريق التبعيد والإحالة. كما يقال لا يفعل ذلك إلا إذا ~~ابيض القار وشاب الغراب. الثالث: لعل المراد ما لو أكرهوا على العود فإن ~~إظهار الكفر عند الإكراه جائز وإن كان الصبر أفضل وما كان جائزا صح أن يكون ~~مراد الله تعالى كما أن المسح على الخفين مراد الله وإن كان غسل الرجلين ~~أفضل. الرابع: يحتمل أن يعود الضمير في فيها إلى قرية. كأنه قال: إن ~~أخرجتمونا من القرية حرم علينا العود فيها إلا بإذن الله تعالى. الخامس: ~~المشيئة عند أهل السنة لا توجب جواز الفعل فإنه تعالى يريد الكفر من الكافر ~~ولا يجوز فعله إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر فيحتمل أن يراد بالمشيئة ~~هاهنا الأمر فيكون التقدير: إلا أن يأمر الله أن نعود إلى شريعتكم ~~المنسوخة، فإن الشرع المنسوخ لا يبعد أن يأمر الله تعالى بالعمل به مرة ~~أخرى. السادس: قال الجبائي: المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف ~~التعبد فيها بالأوقات كالصوم والصلاة، فمن الجائز أن يكون بعض أحكام ~~الشريعة المنسوخة باقيا فيكون ms2038 المعنى إلا أن يشاء الله إبقاء بعض تلك الملة ~~فيدلنا عليها. ثم إن المعتزلة تمسكوا بالآية على صحة قولهم من وجهين: ~~أحدهما: أن قوله وما يكون لنا معناه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن ~~نعود وذلك يقتضي أن كل ما شاء تعالى وجوده كان فعلا جائزا مأذونا فيه، وما ~~كان حراما ممنوعا منه لم يكن مراد الله تعالى. وثانيهما: أن قوله لنخرجنك ~~أو لتعودن لا وجه للفصل بينهما فإن كان العود بخلق الله كان الإخراج أيضا ~~بخلقه. قلت: للسني أن يلتزم ذلك. أما قوله وسع ربنا كل شيء فوجه تعلقه بما ~~تقدمه على قول الجبائي هو أن التكليف بحسب المصالح فيكون معنى قول شعيب إلا ~~أن يشاء الله إلا أن تختلف المصلحة في تلك العبادات فحينئذ يكلفنا بها ~~والعلم بالمصالح لا يكون إلا بأن وسع كل شيء علما. وقالت الأشاعرة: وجه ~~التعلق هو أن القوم لما قالوا لنخرجنك أو لتعودن قال شعيب وسع ربنا كل شيء ~~علما فربما كان في علمه قسم ثالث: وهو أن يبقينا في القرية مؤمنين ويجعلكم ~~مقهورين خاسرين ويؤكد هذا التفسير قوله عقيب ذلك على الله توكلنا أي لا على ~~غيره. وانتصاب علما على التمييز. # وفي قوله وسع بلفظ الماضي دلالة على أنه تعالى كان في الأزل عالما بجميع ~~PageV03P287 # المعلومات فلا يخرج عن شيء عن مقتضى علمه وهو معنى جفاف الأقلام وطي ~~الصحف ولزوم الأحكام وسعادة السعيد وشقاوة الشقي ويعلم من عموم كل شيء أنه ~~علم الماضي والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف يكون. فهذه أقسام ~~أربعة يقع كل منها على أربعة أوجه لأنه علم الماضي كيف كان، وعلم أنه لو لم ~~يكن ماضيا بل كان حالا أو مستقبلا أو معدوما محضا فإنه كيف يكون، وكذا ~~الكلام في الأقسام الأخر فيكون المجموع ستة عشر. وإذا اعتبر كل منها بحسب ~~كل جنس أو نوع أو صنف أو شخص من الجواهر أو الأعراض صار مبلغا تتحير فيه ~~عقول العقلاء بل تقف دون أول قطرة ms2039 من قطرات بحاره. ثم إن شعيبا لما أعرض عن ~~الأسباب وارتقى بطريق التوكل إلى مسببها ختم كلامه بالدعاء قائلا ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: احكم واقض. وعن ~~ابن عباس: ما أدري ما معناه حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها: تعالى ~~أفاتحك أي أحاكمك. وجوز الزجاج أن يكون معنى الآية أظهر أمرنا حتى يتضح ~~وينكشف ما بيننا وبين قومنا. والمراد أن ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم ~~مبطلين وعلى كون شعيب وقومه محقين. ثم أثنى على الله بقوله وأنت خير ~~الفاتحين كما قال وهو خير الحاكمين قالت الأشاعرة: الإيمان فتح باب الخيرات ~~وهو أشرف صفات المحدثات، فلو كان موجد الإيمان هو العبد كان خير الفاتحين ~~هو العبد. وللمعتزلة أن يقولوا: لولا ألطافه المرجحة الداعية لم يوجد ~~الإيمان من العبد فصح أن الله هو خير الفاتحين. ثم بين أن رؤساء قوم شعيب ~~لمن يقتصروا على الضلال بل بادروا إلى الإضلال قائلين لمن دونهم لئن اتبعتم ~~شعيبا إنكم إذا لخاسرون أي في الدين أو في الدنيا لأنه يمنعكم من ازدياد ~~الأموال بطريق البخس والتطفيف فأخذتهم الرجفة قد سبق تفسيرها الذين كذبوا ~~شعيبا كأن لم يغنوا فيها يقال غني القوم في دراهم إذا طال مقامهم فيها. ~~والمغاني المنازل إذا كان فيها أهلها. وقال الزجاج: أي كأن لم يعيشوا فيها ~~مستغنين من الغنى الذي هو ضد الفقر. وعلى التفسيرين شبه حال المكذبين بحال ~~من لم يكن قط في تلك الديار كقوله: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ~~ولم يسمر بمكة سامر. قال في الكشاف الذين كذبوا مبتدأ خبره كأن لم يغنوا ~~وكذلك كانوا هم الخاسرين وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: الذين ~~كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا في ديارهم ~~لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله الذين كذبوا شعيبا هم المختصون ~~بالخسران العظيم دون أتباعه فإنهم الرابحون، وفي هذا الاستئناف والابتداء ~~والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم # PageV03P288 # وتسفيه ms2040 لرأيهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم. قلت: ~~والعرب قد تكرر للتفخيم والتعظيم فتقول: أخوك الذي ظلمنا أخوك الذي أخذ ~~أموالنا أخوك الذي هتك أعراضنا. وأيضا إن القوم لما قالوا لئن اتبعتم شعيبا ~~إنكم إذا لخاسرون بين الله تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون. ~~وفي الآية فوائد أخرى منها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار وليس ~~ذلك أثر الكواكب والطبيعة وإلا حصل في أتباع شعيب كما حصل في حق الكفار. ~~ومنها أن ذلك الفاعل عليم بالجزئيات حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي. ~~ومنها أن يكون معجزة لشعيب حيث وقع ذلك العذاب على قوم دون قوم مع كونهم ~~مجتمعين في بلد واحد فتولى عنهم قد تقدم أن هذا التولي جائز أن يكون قبل ~~نزول العذاب وجائز أن يكون بعده. قال الكلبي: خرج من بينهم ولم يعذب قوم ~~نبي حتى أخرج من بين أظهرهم. ولما اشتد حزنه على قومه من جهة الوصلة ~~والقرابة والمجاورة وطول الإلفة لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم ~~الإجابة للإيمان عزى نفسه وقال فكيف آسى على قوم كافرين لأنهم الذين أهلكوا ~~أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر. والأسى شدة الحزن. وقيل: المراد لقد أعذرت ~~إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا ~~نصيحتي فكيف آسى عليكم لأنكم لستم مستحقين لذلك؟. ### | التأويل: # ولا تبخسوا فيه أن البخاسة والدناءة والحرص والظلم من الصفات التي يجب ~~تزكية النفس عنها فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويبغض سفسافها. ولا ~~تفسدوا في الأرض أرض الطبيعة التي جبل الإنسان عليها ولا تقعدوا بكل صراط ~~لا تقطعوا الطريق على الطالبين بأنواع الحيل والمكايد. إذ كنتم قليلا ~~فكثركم بالتناصر والتعاون في الأمور وبكثرة العدد والعدد نعمة تامة يجب أن ~~تصرف في إعلاء كلمة الدين وإن كان طائفة منكم أي الروح والقلب وطائفة لم ~~يؤمنوا وهم النفس وصفاتها وهو خير الحاكمين لا يجعل الروح والقلب المؤمنين ~~تبعا للنفس الكافرة في العذاب وإذاقة ألم الهجران أو لتعودن في ملتنا ms2041 إشارة ~~إلى أن كل جنس لا يميل إلا إلى أشكاله وإلا وجد في إيابه من يأمن نهج ~~أضرابه بعد إذ نجانا الله منها في القسمة الأزلية افتح بيننا احكم بيننا ~~وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير وإظهار ما قدرت لهم من ~~خاتمة السوء فأخذتهم الرجفة فصارت صورتهم تبعا لمعناهم فإنهم كانوا جاثمي ~~الأرواح في ديار الأشباح كأن لم يغنوا فيها لأن الباطل زاهق لا محالة. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 102] # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون (94) ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا ~~الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (95) ولو أن أهل القرى آمنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون (97) أوأمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) # أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (99) أولم يهد ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على ~~قلوبهم فهم لا يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم ~~رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على ~~قلوب الكافرين (101) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ~~(102) # PageV03P289 ### | القراآت: # لفتحنا بالتشديد: ابن عامر ويزيد أوأمن بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ~~ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن ~~قبلها أولم نهد النون حيث كان: زيد عن يعقوب. الباقون: بالياء التحتانية ~~رسلهم بسكون السين حيث كان: أبو عمرو. ### | الوقوف: # يضرعون ه لا يشعرون ه يكسبون ه نائمون ه لمن قرأ أوأمن بفتح الواو على أن ~~الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن «أو» للعطف يلعبون ه مكر الله ~~ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب. # الخاسرون ه بذنوبهم ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع ~~اتحاد ms2042 القصة. لا يسمعون ه من أنبائها ج لعطف المختلفتين بالبينات ط لأن ~~ضمير فما كانوا ليؤمنوا لأهل مكة وضمير. جاءهم للأمم الماضية مع أن الفاء ~~توجب الاتصال من قبل ط الكافرين ه من عهد ج لعطف الجملتين المختلفين ~~لفاسقين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما عرفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل ~~على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصورا عليهم، وبين العلة ~~التي لأجلها فعل بهم ما فعل. والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضا ~~وتقدير الكلام: # وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء. قال ~~الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان. وقيل بالعكس ~~لعلهم يضرعون أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية ~~التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم. ثم بين أن # PageV03P290 # تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ثم بدلنا مكان السيئة وهي ~~كل ما يسوء صاحبه الحسنة وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما ~~كانوا فيه من الفقر والضر والسعة والصحة حتى عفوا كثروا ونموا في أنفسهم ~~وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم: «وأعفوا اللحى» «1» # وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة ~~الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة. والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله ~~تعالى فيهم من رجاء بعد شدة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء فأخذناهم بغتة آمن ~~ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة وهم لا يشعرون بنزول العذاب. ~~والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان ~~سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال ولو أن أهل ~~القرى أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية آمنوا بما ~~يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد واتقوا كل ما نهى الله عنه لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو ms2043 أراد القطر ~~والنبات. # والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارئ ~~إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم بالجدب والمحل ~~وهو ضد البركة والخير بما كانوا يكسبون أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي. ~~ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية ~~الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على ~~المرء فيه التشاغل باللذات والمهمات فقال أفأمن قال في الكشاف: الهمزة ~~للإنكار والفاء للعطف على قوله فأخذناهم بغتة والآية بينهما اعتراض ~~والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا، وأمنوا أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى؟ فلهذا عطف الثانية بالواو. وأما قوله أفأمنوا مكر الله فتكرير ~~لقوله أفأمن أهل القرى فلهذا رجع فعطف بالفاء. قلت: يجوز أن يقدر المعطوف ~~عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ «أو» ساكنة ~~فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، ~~وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم. على أن المراد هو ~~الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم. ومعنى بياتا قد تقدم في ~~أول السورة. وضحى نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ~~ثم بعده الضحى وهو حين تشرق PageV03P291 # الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة. ثم بعده ~~الضحاء ممدودا مذكرا وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. في قوله وهم يلعبون ~~يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل ~~خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع. ومكر الله كما تقدم في ~~آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكرا. عن الربيع بن خثيم أن ~~ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إن ~~أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية. # اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين. ثم لما بين ~~حال ms2044 المهلكين مفصلا ومحلا ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال ~~أولم يهد من قرأ بالياء ففاعله أن لو نشاء والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون ~~أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم ~~بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم. ومن قرأ بالنون فقوله أن لو نشاء ~~منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عدي فعلها باللام، ~~والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن ~~المذكور. وأما قوله ونطبع على قلوبهم فإما أن يكون منقطعا عما قبله بمعنى ~~ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلا بما قبله. قال الكشاف: ~~وذلك هو يرثون أو ما دل عليه معنى أولم يهد كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ~~ونطبع. ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفا على أصبناهم وطبعنا لأن القوم ~~كانوا مطبوعا على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم ~~من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع ~~لأن يذنب أولا أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعا على قلبه. وأيضا جاز ~~أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله سبحانه أعلم بمراده. ثم ~~أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال تلك القرى ~~وهي مبتدأ وخبر. وقوله يقص حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، ~~أو القرى صفة ل تلك ونقص خبر. # وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة. وأما على الأولين فترجع الفائدة ~~إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم. ~~الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم ~~نقصها عليك، وأيضا خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول ~~الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيها ~~على الاحتراز عن مثل أعمالهم. ثم عزى رسوله بقوله ولقد جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل اللام ms2045 لتأكيد النفي # PageV03P292 # وأن الإيمان كان منافيا لحالهم. قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك ~~الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم ~~من ظهر آدم أقروا باللسان كرها وأضمروا التكذيب. وقال الزجاج: فما كانوا ~~ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات. وعن ~~مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار ~~التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: ~~28] وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم. # وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان ~~الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ~~ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات كذلك أي مثل ذلك الطبع الشديد يطبع ~~الله على قلوب الكافرين الذي كتب أن لا يؤمنوا أبدا. والطبع والختم والرين ~~والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف. وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب ~~الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن. # وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك ~~الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى فلم يزدهم دعائي إلا فرارا [نوح: ~~6] ثم شرح حال المكلفين فقال وما وجدنا لأكثرهم من عهد والضمير للناس على ~~الإطلاق. قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر ألست بربكم [الأعراف: 172] ~~أقروا به ثم خالفوا. عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله إلا من اتخذ عند الرحمن ~~عهدا [مريم: 87] يعني من قال لا إله إلا الله. # وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوة والمراد الوفاء بالعهد ~~وإن وجدنا هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله لفاسقين وقد ~~عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين ~~خارجين عن الطاعة والآية اعتراض. # ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ~~ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر. ### | التأويل: ms2046 # إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل ~~عليه والعدو يذهل عن الحق ولا يرجع إليه ولو أن أهل القرى يعني صفات النفس ~~آمنوا بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق واتقوا مشتبهات النفس ~~لفتحنا عليهم أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب فأخذناهم عاقبناهم ~~بعذاب البعد بما كسبوا من مخالفات الحق وموافقات الطبع بياتا في صور القهر ~~ضحى في صورة اللطف بسطوات الجذبات وهم يلعبون يشتغلون بالدنيا. إلا القوم ~~الخاسرون من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم # PageV03P293 # الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 126] # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين (103) وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ~~(104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل ~~معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ~~(106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) # ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (108) قال الملأ من قوم فرعون إن هذا ~~لساحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه ~~وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين (111) يأتوك بكل ساحر عليم (112) # وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم ~~وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤ بسحر ~~عظيم (116) وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) # فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~(119) وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى ~~وهارون (122) # قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم ms2047 منا إلا ~~أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126) ### | القراآت: # حقيق على بالتشديد: نافع. الباقون: بالتخفيف معي بفتح الياء حيث كان: حفص ~~أرجه بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل أرجه بكسر الجيم والهاء من ~~غير إشباع: يزيد وقالون أرجهي بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف ~~المفضل أرجئه بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ~~ذكوان وهشام غير الحلواني أرجئهو بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ~~أرجئه بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان سحار بالمبالغة: # حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس. وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ~~ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة. الباقون ساحر. إن لنا بحذف همزة الاستفهام: ~~ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص. أإن لنا بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير ~~حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام. يدخل بينهما مدة آين لنا المدة وقلب ~~الهمزة ياء: # PageV03P294 # أبو عمرو وزيد. أين لنا بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد تلقف ~~بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل تلقف بالتشديد وإدغام التاء الأولى في ~~الثانية: البزي وابن فليح. # الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل. آمنتم بهمزة واحدة ممدودة: حفص. # أأمنتم بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. آمنتم ~~بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن ~~كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل فرعون وآمنتم بالواو ~~الخالصة: الهاشمي عن قنبل وآمنتم بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد ~~وأبو عون والهرندي عن قنبل. ### | الوقوف: # فظلموا بها ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء المفسدين ه ~~العالمين ه ج وقف لمن قرأ حقيق على بالتشديد أي واجب علي، ومن قرأه مخففا ~~جاز له الوصل على جعل حقيق وصف الرسول و «على» بمعنى الباء إلا الحق ط بني ~~إسرائيل ط الصادقين ه مبين ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين ~~الحجتين للناظرين ه عليم ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ms2048 من أرضكم ج لاحتمال أن ~~ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه ~~حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون قاهرون ه حاشرين ه ~~لا لأن ما بعده جواب الأمر عليم ه الغالبين ه المقربين ه الملقين ه ألقوا ج ~~للعطف عظيم ه عصاك ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ما يأفكون ه ~~ما كانوا يعملون ه صاغرين ه ج لمكان حروف العطف ساجدين ه ج لاحتمال كون ~~قالوا حالا بإضمار «قد» العالمين ه لا للبدر هارون ه آذن لكم ج للابتداء مع ~~اتحاد القائل أهلها ج لأن «سوف» للتهديد مع العطف تعلمون ه أجمعين ه ~~منقلبون ه للآية مع اتحاد المقول جاءتنا ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ~~مسلمين ه. ### | التفسير: # القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى عليه السلام. وقد ذكر في هذه ~~القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من ~~جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء. # والضمير في قوله ثم بعثنا من بعدهم يعود إلى الرسل أو إلى الأمم ~~المذكورين، في قوله بآياتنا دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من ~~آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي. فظلموا بها أي بتلك الآيات والمراد كفرهم ~~بها لأن وضع الإنكار في موضع # PageV03P295 # الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا ~~الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها. فانظر أيها ~~المعتبر المستبصر بعين بصيرتك كيف كان عاقبة المفسدين كيف فعلنا بهم؟ وهذه ~~قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله وقال موسى يا فرعون إني رسول من ~~رب العالمين أي إله قادر عليم حكيم. وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها ~~افتقر إلى رب يربيه حقيق على أن لا أقول من قرأ بالتشديد في على وحقيق إما ~~بمعنى فاعل أي واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق، أو ms2049 بمعنى مفعول أي ~~حق علي ذلك. تقول العرب إني لمحقوق على أن أفعل خيرا. وأما قراءة العامة ~~حقيق على أن لا أقول مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون «علي» بمعنى ~~«الباء» كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ولا ~~تقعدوا بكل صراط [الأعراف: 86] أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبي ~~حقيق بأن لا أقول أي أنا خليق بذلك. وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت ~~والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على ~~أن لا أقول إلا الحق. وثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص. ورابعها: أن يكون ~~من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع. وخامسها: ~~أن يكون إغراقا في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي ~~واجب علي أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقا به. ~~وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله ~~تعالى فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] ويقال: جاءني فلان على ~~هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات. فمعنى الآية لم ~~أتحقق إلا على قول الحق. ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالا على ~~وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعا قال قد جئتكم ببينة من ~~ربكم أي بمعجزة قاهرة باهرة منه. ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله فأرسل ~~معي بني إسرائيل أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض ~~المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم. وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي ~~وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ~~قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فيه سؤالان: أحدهما لفظي ~~وهو أن هاهنا شرطين فأين جوابهما؟ والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في ~~المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا. وثانيهما: ~~أن قوله إن كنت ms2050 جئت بآية وقوله فأت بها كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد ~~تعليق أحدهما بالآخر؟ # وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح ~~دعواك. ثم # PageV03P296 # إن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة الدالة على وجود الرب ~~وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعبانا وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله سبحانه ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ومعنى كون ~~الثعبان مبينا أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من ~~التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات، أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول ~~المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر. # روي أنه كان أشقر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وضع لحيه الأسفل على ~~الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من ~~سريره وهرب وأخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك. ~~وهرب الناس وصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا، ~~ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، ~~فأخذه موسى فعاد عصا. والنزع في اللغة القلع والإخراج أي أخرجها من جيبه أو ~~من جناحه بدليل قوله في موضع آخر وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء [النمل: 12] # روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ فقال: يدك. ثم أدخلها في جيبه وعليه ~~مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعها الشمس، # وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة وقوله للناظرين يتعلق ببيضاء ~~فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيبا خارجا عن العادة ~~اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب. واعلم أن القول بجواز انقلاب ~~العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه ~~فالأشاعرة جوزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوزوا في ~~الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة ms2051 مادة ومدة، ~~وجوزوا في الجوهر الفرد أن يكون حيا عالما قادرا قاهرا من غير حصول بنية ~~ولا مزاج، وجوزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة ~~التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من ~~غير حائل. والمعتزلة جوزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ~~ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ~~ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا ~~على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا ~~جاز أن تنقلب العصا ثعبانا جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد ~~مثلا أنه ليس هو الشخص الأول وهذا يوجب القدح في النبوة والرسالة. # فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء. قلنا: المخصص في ~~ذلك # PageV03P297 # الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه ~~الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبدا فلا ينقضي ~~التجويز سرمدا. # هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كاف لأن كثرة الدلائل ~~توجب مزيد اليقين. قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى ~~كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان ~~الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء ~~كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوة كاملة ومرتبة ظاهرة. ~~والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام ~~متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله سبحانه قادر على ~~كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم ~~أن السحر كان غالبا في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم ~~أتباع فرعون أن موسى عليه السلام كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى ~~بتلك الصفة ms2052 وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله سبحانه قال الملأ ~~من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ولا ينافي هذا ما ~~حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا ~~القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ ~~فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فإن الملوك إذا ~~رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة. والأظهر أن قوله فماذا تأمرون ~~من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من ~~قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في ~~جوابه أرجه وأخاه أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير ~~عجلتك حجة عليك. قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز. وعن ~~الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس ~~المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى ~~بعد مشاهدة حال العصا. وأرسل في المدائن حاشرين أي جامعين جمع مدينة وهي ~~فعلية من مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به، ولهذا أطبق القراء على همز ~~المدائن لأنه كصحائف. وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا ~~يهمز مدائن. وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فعل بها ما ~~فعل بنحو «مبيع» في «مبيوع» وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود ~~مدائن صعيد مصر. وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ~~يأتوك بكل سحار الباء بمعنى «مع» أو للتعدية. قيل: كانوا سبعين ساحرا سوى ~~رئيسهم. # PageV03P298 # وقيل: بضعة وثلاثين ألفا. وقيل: سبعين إلفا. وقيل ثمانين ألفا وقيل: كان ~~يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل. وضعف بأن المجوس من أتباع ~~زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى. وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك ~~الزمان ولهذا كانت معجزة موسى ms2053 شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما ~~أن الطب لما كان غالبا على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء ~~الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، ~~وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر وجاء السحرة ~~فرعون قالوا لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلا سأل ما ~~قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب قالوا إن لنا لأجرا أي جعلا على الغلبة والتنكير ~~للتعظيم كقول العرب إن له لإبلا وإن له لغنما يقصدون الكثرة قال نعم أي إن ~~لكم أجرا وإنكم لمن المقربين أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ~~ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان ~~مقرونا بالتعظيم. # روي أنه قال لهم تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج. # وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا قد عملنا سحرا لا ~~يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لنا به. # وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا ~~قلبوا الحجر ذهبا بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، ~~فعلى العاقل أن لا يغتر بأكاذيبهم ومزخرفاتهم. ثم إن السحرة راعوا حسن ~~الأدب فخيروا موسى أولا وقدموه في الذكر ثانيا حيث قالوا يا موسى إما أن ~~تلقي وإما أن نكون نحن الملقين كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن ~~في قولهم وإما أن نكون نحن بالأمر أليق منه بالخبر. # وبدليل قوله والله مع الصابرين وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد. فمعنى ~~الآية إذن إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا ~~مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قويا جلدا شجاعا غير جبان ~~ولا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان ms2054 يجب على ~~الواحد أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله حسبك الله ومن اتبعك ~~من المؤمنين [الأنفال: 64] وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان ~~يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينقص عددها على العشرين وما ~~كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما ~~كررت النسبة للطباق وليكون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول ~~من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده. ثم بين السبب في # PageV03P299 # الغلبة فقال بأنهم قوم لا يفقهون [الأنفال: 65] أي بسبب أن الكفار قوم ~~جهلة لا يعرفون معادا وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة. ~~وأيضا إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ~~ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن ~~أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم ~~أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب ~~العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور. # قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب ~~نحن جياع وعدونا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم. وقال الأنصار: شغلنا ~~بعدونا وواسينا إخواننا. # وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث حمزة في ثلاثين راكبا قبل بدر فلقي أبا جهل في ~~ثلاثمائة راكب وأرادوا قتالهم فمنعهم حمزة. وبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله ~~فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك ~~قشعريرة. # وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك. ~~قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت ~~فاها ثمانين ذراعا وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما ms2055 أخذها موسى ~~صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلا، فلعل الله سبحانه ~~أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال سبحانه ~~وتعالى فوقع الحق. قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من ~~السحر. وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلا إلى مستقره. وسبب هذا الظهور ~~أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ~~ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر. وقال ~~القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن ~~يصير لا واقعا. ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال ~~والعصي وذلك قوله وبطل ما كانوا يعملون أي الذي عملوه أو عملهم فغلبوا ~~هنالك أي حين التحدي وانقلبوا صاغرين لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق ~~المبطل من دحوض حجته. # روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلاثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان ~~موسى وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما ~~هو أمر إلهي. # قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره ~~فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان # PageV03P300 # الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة. وفي قوله وألقي السحرة ساجدين ~~دليل على أن ملقيا ألقاهم وما ذاك إلا الله سبحانه الموجد للدواعي والقدر. ~~وقال الأخفش. من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا ~~أن وقعوا ساجدين. قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم ~~أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟ وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند ~~الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في ~~الحال شكرا على الفوز بذلك وإظهارا للخشوع والتذلل وإقرارا باللسان بعد ~~التصديق بالجنان. قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: ~~إياي يعنون. فلما قالوا رب موسى قال: إياي يعنون لأني ms2056 أنا الذي ربيته فلما ~~زادوا هارون زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون. ~~وقيل: # أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى. ~~وقيل: خصا بالذكر تعظيما وتشريفا. ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس ~~بالسحر أقر بنبوة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه ~~فألقى في الحال شبهة في البين بعد ما أنكر عليهم إيمانهم. أما الإنكار فذلك ~~قوله آمنتم له من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخا أي فعلتم هذا ~~الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار. وفي قوله ~~قبل أن آذن لكم دلالة على مناقضة فرعون في ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلها ~~لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي ~~يظهر على المبطلين. وأما الشبهة فقوله إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~لتخرجوا منها أهلها أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها ~~لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل. # وروى محمد ابن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من ~~الصحابة رضي الله عنهم أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك ~~إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟ فقال الساحر: لآتين غدا بسحر لا ~~يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم ~~التواطؤ # فسوف تعلمون وعيد إجمالي وتفصيله لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف أي كل من ~~شق طرفا ثم لأصلبنكم أجمعين واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا. فمن ~~قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل ~~والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن ~~الملأ أنهم قالوا لفرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض [الأعراف: 127] ~~ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكروهم أيضا وحذروه إياهم، # PageV03P301 # لأنهم قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا والصبر لا ms2057 يطلب إلا عند نزول البلاء ~~وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله وقومه وعن الثاني بأنهم طلبوا ~~الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده. وعن قتادة: كانوا ~~أول النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا ~~عند الوعيد إنا إلى ربنا منقلبون أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى ~~لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد ~~القطع والصلب أو إنا جميعا يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، ~~أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه وما تنقم ~~منا قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا إلا أن آمنا ~~بآيات ربنا لما جاءتنا وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا ~~الله تعالى وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ~~ربنا أفرغ علينا صبرا أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما ~~توعدنا به فرعون وتوفنا مسلمين ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا ~~عن إيمانهم أولا وسألوا التوفي على الإسلام ثانيا. فيمكن أن يستدل بالآية ~~على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان ~~والإسلام بخلق الله تعالى وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ~~ذلك على منح الألطاف. واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي ~~الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، وإنكم ~~إذا لمن المقربين، قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، فسوف تعلمون وفي كل ~~ذلك زيادة وأما قوله هاهنا وأرسل في المدائن وهناك وابعث فلأن الإرسال يفيد ~~معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أن المخاطب به فرعون دون ~~غيره. وإنما قال هاهنا آمنتم ms2058 به وفي طه والشعراء آمنتم له باللام لأن ضمير ~~به في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به ~~وآمنت له واحد. وقال هاهنا ثم لأصلبنكم وفي السورتين لأصلبنكم لأنه لما ~~أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافيا وكثير من متشابهات هذه السور الثلاث ~~يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه. ### | التأويل: # فظلموا بها بأن جعلوها سحرا فوضعوها في غير موضعها عاقبة المفسدين الذين ~~أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها # PageV03P302 # حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق لأني قائم بحقائق الجمع فان على ~~الخلق وآثار التفرقة فإذا هي ثعبان لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله هي ~~عصاي [طه: 18] ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ~~ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ألقها يا موسى [طه: 19] فإذا هي بيضاء فيه أن ~~الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد ~~لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة ~~للناظرين إلا بإظهار الله تعالى في بعض الأوقات خرقا للعادات على يده ~~الجسمانية يريد أن يخرجكم لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من ~~أرض بشريتهم إلى نور الروحانية. قالوا أرجه وأخاه توهموا أن التأخير وحسن ~~التدبير يغير شيئا من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان ~~للعلم والفهم. أإن لنا لأجرا لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في ~~الغالبية قال نعم وإنكم لمن المقربين أجرى الله تعالى هذا على لسان فرعون ~~حقا وصدقا فصاروا مقربين عند الله قالوا يا موسى إما أن تلقي أكرموا موسى ~~بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله تعالى بالسجود والإيمان بسحر عظيم أي ~~عظيم في الإثم كما قال سبحانك هذا بهتان عظيم وعظمة إثم السحر لمعارضة ~~المعجزة فإذا هي تلقف ما يأفكون فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء ~~سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس فوقع ~~الحق بإثبات لا إله إلا الله ms2059 وبطل ما كانوا يعملون من تزيين زخارف الدنيا ~~في العيون فغلبوا أي سحرة صفات النفس إذ تنورت بنور الذكر وانقلبوا صاغرين ~~ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه وألقي السحرة ساجدين أي صارت صفات النفس ~~بعد التمرد منقادة للعبودية. رب موسى الروح وهارون القلب. واعلم أن صفات ~~النفس إذا تنورت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا ~~تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية ~~كحال فرعون وإيمانه عند الغرق. وفي القصة دلالة على أنه تعالى قد يبرز ~~العدو في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة قبل أن آذن لكم هذا من جملة ~~جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله لمكر ~~مكرتموه في موافقة موسى الروح في مدينة القالب لتخرجوا منها أهلها هو ~~اللذات والشهوات البدنية لأقطعن بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ~~ولأصلبنكم في جذوع # تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 127 الى 141] # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ~~قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة ~~للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون (129) ولقد أخذنا ~~آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة ~~قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند ~~الله ولكن أكثرهم لا يعلمون (131) # وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ~~(135) فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم ms2060 كذبوا بآياتنا وكانوا عنها ~~غافلين (136) # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا ~~فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال ~~إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون ~~(139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين (140) وإذ ~~أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # PageV03P303 ### | القراآت: # سنقتل بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع يورثها بالتشديد: الخزاز عن ~~هبيرة كلمات ربك على الجمع: يزيد في رواية يعرشون بضم الراء حيث كان: # ابن عامر وأبو بكر وحماد. الباقون: بالكسر يعكفون بكسر الكاف: حمزة وخلف. # الباقون: بالضم أنجاكم ابن عامر. الآخرون أنجيناكم على الحكاية يقتلون ~~بالتخفيف: نافع. ### | الوقوف: # وآلهتك ط نساءهم ج للابتداء والعطف واتحاد القائل قاهرون ه واصبروا ج لما ~~قلنا من عباده ط للمتقين ه ما جئتنا ط تعملون ه يذكرون ه لنا هذه ج لبيان ~~تباين الإضافتين على التناقض ومن معه ج لا يعلمون ه فما نحن لك بمؤمنين ه ~~مجرمين ه بما عهد عندك ج لأن جواب «لئن» منتظر مع اتحاد القائل بني إسرائيل ~~ج لأن جواب «لما» منتظر مع دخول الفاء فيه ينكثون ه غافلين ه باركنا فيها ط ~~للعدول عن الحكاية وكذلك بما صبروا ط لعكسه. يعرشون ه يعكفون ه أصنام لهم ج ~~لاتحاد القائل بلا عطف آلهة ط # PageV03P304 # تجهلون ه يعملون ه العالمين ه سوء العذاب ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفا ~~أو حالا نساءكم ط عظيم ه والله أعلم. ### | التفسير: # ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه ~~كان كلما يرى موسى يخافه أشد الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على ~~أخذه وحبسه فقالوا أتذر موسى ms2061 أتتركه وقومه ليفسدوا في الأرض أي يغيروا على ~~الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك. وقوله ويذرك عطف ~~على ليفسدوا، وقوله وآلهتك مفعول معه. والمراد أنه إذا تركهم ولم يمنعهم ~~كان ذلك مؤديا إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه جواب ~~الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك. ~~قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناما صغارا وأمرهم ~~بعبادتها وسمى نفسه الرب الأعلى. وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه ~~بأنه لعله كان اتخذ أصناما على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم ~~السفلي. وأما المجدي في هذا العالم للخلق والمربي لهم فهو نفسه ولذلك قال ~~أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء ~~على أنه كان دهريا ينكر وجود الصانع. ثم إن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم ~~يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط ~~والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته وإنا فوقهم قاهرون أي سنعيد عليهم ~~ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من ~~الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر ~~بعده قال موسى لما وصله ما جرى بين فرعون وملته لقومه استعينوا بالله ~~واصبروا ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر ~~للعالم إلا الله تعالى انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله ~~وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال إن ~~الأرض يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية لله يورثها من يشاء ~~من عباده ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف والعاقبة للمتقين ~~والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط. وهذا من كلام المنصف ~~وإلا فمعلوم أن القبط لا ms2062 تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله تعالى ~~وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة. ثم إنهم خافوا وفزعوا ~~من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر وقالوا أوذينا من قبل أن ~~تأتينا ومن بعد ما جئتنا # يعنون قتل أبنائهم # PageV03P305 # قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله سنقتل إلى غير ذلك ~~من أنواع المحن والمهن. فعند ذلك قال لهم موسى مصرحا بما رمز إليهم من ~~البشارة قبل عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض أرض مصر ولا ريب أن ~~في عسى طمعا وإشفاقا ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات ~~القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف. ثم قال ~~فينظر كيف تعملون قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره ~~وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديما ~~وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثا فتتعلق الرؤية الأزلية به. عن عمرو بن ~~عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة. وعلى مائدته رغيف أو رغيفان. فطلب ~~زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الاية، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر ~~له ذلك وقال قد بقي فينظر كيف تعملون. وكيف نصب ب تعملون لا ب فينظر لأن ~~الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه. ثم حكى سبحانه ما نزل بفرعون وآله من ~~المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين أي ~~بسني القحط. فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد ~~يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام. قال أبو زيد والفراء: بعض العرب ~~يقول هذه سنين ورأيت سنينا فيعرب النون ومنه قول الشاعر: # دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا. # والسنون من الجموع المصححة الشاذة. عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي ~~وأصحاب المواشي ونقص من الثمرات لأهل الأمصار. وفائدة توسيط من أن يعلم أن ~~كل الثمرات لم تنقص ms2063 وإنما نقص بعضها لعلهم يذكرون فيتنبهوا ويرجعوا إلى ~~الانقياد والطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب. قيل: عاش ~~فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروها في ثلاثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك ~~المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية. قال القاضي: في الآية دلالة ~~على أنه تعالى أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر. ~~وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن ~~الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~فلهذا حكى عن فرعون وقومه فإذا جاءتهم الحسنة قال ابن عباس: أي العشب ~~والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة قالوا لنا هذه أي ~~نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم ~~يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته وإن تصبهم سيئة أضداد ~~ما ذكرنا # PageV03P306 # يطيروا يتشاءموا بموسى ومن معه. وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب ~~مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت ب إذا ونكرت السيئة وقرنت ب إن لأن جنس ~~الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ~~ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟ ألا إنما طائرهم عند ~~الله قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة. وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى ~~عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه. ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة ~~والتطير عيافة الطير. قال الإمام فخر الدين الرازي: # وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن ~~الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني. ومعنى الآية أن كل ما ~~يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ~~الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه. وقد تشاءمت ~~اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم وآله في ms2064 المدينة فقالوا: غلت أسعارنا ~~وقلت أمطارنا مذ أتانا. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب ~~شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ~~ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكي عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم ~~لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين ~~المعجزة والسحر قالوا لنبيهم مهما تأتنا به الآية وفي «مهما» قولان: فعن ~~البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها «ما» المؤكدة الإبهامية ثم كرهوا ~~التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء. وعن الكسائي أن «مه» بمعنى «اكفف» و ~~«ما» للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به. # ومحل «مهما» الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا ~~تأتنا به. # ومن آية بيان لمهما والضمير في «به» وكذا في «بها» يعود إلى «مهما» لأن ~~البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ~~ذكر تارة حملا على اللفظ وأنث أخرى حملا على المعنى. وسموها آية تهكما إذ ~~لو قالوا ذلك اعتقادا لم يردفوها بقولهم لتسحرنا بها وبقولهم فما نحن لك ~~بمؤمنين قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلا حديدا ~~دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان. قيل: هو الجدري وهو أول عذاب وقع فيهم ~~فبقي في الأرض. وقيل: هو الموتان. وقيل: # الطاعون. والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله ~~عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ~~فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث ~~والبناء والتصرف فقالوا لموسى: # ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك. فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم ~~تلك السنة # PageV03P307 # من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير ~~لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم ~~أكلت كل شيء حتى ms2065 الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها ~~شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله تعالى ريحا فاحتملت الجراد ~~فألقته في البحر. وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق ~~والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ~~ديننا. فأقاموا شهرا فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان. وعن ~~أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وقيل: # البراغيث. وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف. وعن ~~سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ~~ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاما ممتلئا قملا. وعن سعيد بن ~~جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملا فأخذ في أبشارهم ~~وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا ~~وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ~~ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبدا. # فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم ~~وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء ~~منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي ~~تغلي. فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا ~~العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دما، وكان يجتمع القبطي ~~والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي ~~دما. وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها ~~صار ماؤها الطيب ملحا أجاجا. وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم. وقوله ~~آيات مفصلات نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل ~~أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون ~~بالعهد أم ينكثون كما # روي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه ~~الآيات. # ولا شك أن كل واحدة من هذه ms2066 معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون ~~الإسرائيلي معجزة أخرى واستكبروا عن العبادة والطاعة وكانوا قوما مجرمين ~~مصرين على الذنب والجرم. # ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ولما وقع عليهم الرجز أي الأنواع الخمسة ~~المذكورة من العذاب. وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي ~~كان # PageV03P308 # أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ~~قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك أي بعهده عندك وهو النبوة ف بما ~~مصدرية والباء يتعلق ب ادع تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع ~~الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء ~~الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد ~~الله وكرامته بالنبوة. ووجه آخر وهو أن يكون قسما مجابا ب لنؤمنن فيكون ~~متعلقا بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت فلما كشفنا ~~عنهم العذاب لا مطلقا ولا في جميع الوقائع بل إلى أجل هم بالغوه لا محالة ~~ومعذبون فيه إذا هم ينكثون جواب «لما» أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث ~~وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب فأغرقناهم في اليم وهو ~~البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه سمي باليم لأن ~~المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه بأنهم كذبوا بآياتنا أي كان إغراقهم بسبب ~~التكذيب وبأنهم كانوا عنها أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي ~~وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ~~ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها. ثم بين ما فعله بالمحقين بعد ~~إهلاك المبطلين فقال وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون بقتل الأبناء ~~واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة مشارق الأرض ومغاربها يعني ~~أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون. وقوله التي باركنا فيها ~~أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا ms2067 يليق إلا بأرض الشام. وقيل: المراد جملة ~~الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان وتمت كلمت ربك ~~الحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة. قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة [القصص: 5] إلى ~~تمام الآيتين. ومعنى تمت مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه. ~~وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم ~~واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار ~~تاما كاملا بما صبروا أي بسبب صبرهم. # وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ودمرنا أي أهلكنا والدمار ~~والهلاك ما كان يصنع فرعون وقومه قال ابن عباس: يريد المصانع. وقال غيره: ~~يعني العمارات وبناء القصور. ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان ~~وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله هو الذي أنشأ جنات معروشات [الأنعام: ~~141] وقيل: وما كانوا يرفعون من # PageV03P309 # الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وهاهنا تمت قصة فرعون ~~والقبط. ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال وجاوزنا ببني إسرائيل ~~البحر # روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه ~~شكرا لله # فأتوا على قوم أي فمروا بقوم يعكفون يواظبون على عبادة أصنام لهم قال ابن ~~جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل. وقيل: كانوا قوما من لخم نزلوا ~~بالرقة عن قتادة. # وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم قالوا: يا موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة. ~~وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى ~~الله تعالى كقول الكفرة ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر: 3] . ~~فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله ~~واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية ~~الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني ms2068 إسرائيل وعظمائهم كالسبعين ~~المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا قال لهم موسى إنكم قوم ~~تجهلون تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل ~~المطلق المؤكد. # وعن علي رضي الله عنه أن يهوديا قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ~~ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه. ثم قال: قلتم اجعل لنا إلها ولما تجف ~~أقدامكم # إن هؤلاء يعني عبدة تلك التماثيل متبر أي مكسر مهلك ما هم فيه من قولهم ~~إناء متبر إذا كان فضاضا والتبار الهلاك. وباطل ما كانوا يعملون أي يتبر ~~الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال ~~والاضمحلال. وفي إيقاع هؤلاء اسما ل إن وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة ~~الواقعة خبرا لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء البتة وأن ~~مصيرهم إلى النار لا محالة. قال أغير الله أبغيكم إلها انتصب «غير» على ~~الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم إلها غير الله. ~~وانتصب إلها على المفعول به. قال الواحدي: يقال بغيت فلانا شيئا وبغيته له ~~قال تعالى يبغونكم الفتنة [التوبة: 47] والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب ~~معبودا وهو فضلكم على العالمين خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم. ومعنى ~~الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن ~~الإله ليس شيئا يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد ~~والإعدام والإكرام والإنعام. # والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها هاهنا ~~التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم. وإنما قيل هاهنا تقتلون ~~دون يذبحون لتناسب قوله سنقتل أبناءهم والله أعلم. # PageV03P310 ### | التأويل: # وقال الملأ من قوم فرعون من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس أتذر موسى ~~الروح وقومه من القلب والسر والعقل ليفسدوا في أرض البشرية ويذرك وآلهتك من ~~الدنيا والشيطان والطبع قال فرعون النفس سنقتل أبناءهم يعني أعمالهم ~~الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ونستحيي نساءهم أي الصفات التي عنها يتولد ~~الأعمال وإنا فوقهم قاهرون بالمكر ms2069 والخديعة والحيلة قال موسى الروح لقومه ~~هم القلب والعقل والسر استعينوا بالله واصبروا على جهاد النفس ومخالفتها ~~ومتابعة الحق إن الأرض لله أي أرض البشرية يورثها من يشاء من عباده يورث ~~أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء ~~النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها والعاقبة للمتقين يعني عاقبة الخير والسعادة ~~للأتقياء السعداء بصفاتها. أوذينا من قبل أن تأتينا بالواردات الروحانية ~~قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها من بعد ما جئتنا ~~بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا ~~تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية فإذا ~~جاءتهم الحسنة الكفور لا يرى فضل المنعم. # وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا. # ولكن أكثرهم لا يعلمون لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ~~فأرسلنا عليهم الطوفان العلم الكثير والجراد الواردات والقمل الإلهامات ~~والضفادع الخواطر والدم أصناف المجاهدات والرياضات مفصلات وقتا بعد وقت ~~وحينا غب حين فاستكبروا عن قبولها والعمل بها وكانوا قوما مجرمين في الأزل، ~~فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ولما وقع عليهم الرجز وهو عذاب القطيعة ~~فأغرقناهم في يم الدنيا وشهواتها وما كانوا يعرشون أي يرفعون بالتجبر ~~والتكبر أنفسهم. يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته وجاوزنا ~~بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح. ~~يعكفون على أصنام لهم من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها ~~وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح قال لهم موسى الوارد الرباني عند ~~ركونهم إلى الروحانيات إنكم قوم تجهلون يعني صفات الروح متبر ما هم فيه من ~~الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة وباطل ما كانوا يعملون في غير ~~طلب الحق والوصول إلى المعارف الربانية وهو فضلكم على العالمين من الحيوان ~~والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى ~~المعارف والحقائق الإلهية. # PageV03P311 ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 الى 154] # وواعدنا موسى ثلاثين ms2070 ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال ~~موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (142) ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر ~~موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143) قال يا ~~موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ~~(144) وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة ~~وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين (145) سأصرف عن آياتي الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) # والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (147) واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في ~~أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من ~~الخاسرين (149) ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم ~~الراحمين (151) # إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها ~~هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (154) ### | القراآت: # أرني أنظر بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي. ~~الباقون: بكسر الراء وسكون الياء. دكاء بالمد: حمزة ms2071 وعلي وخلف. إني اصطفيتك ~~بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو برسالتي على التوحيد: أبو جعفر ونافع ~~وابن كثير. الباقون: برسالاتي آياتي الذين مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة. # الرشد بفتحتين: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بضم الراء وسكون الشين. من # PageV03P312 # حليهم # بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب حليهم بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي. ~~الباقون: مثله ولكن بضم الحاء. ترحمنا وتغفر لنا بالخطاب والنداء: حمزة ~~وعلي وخلف والمفضل. الباقون: على الغيبة ورفع ربنا على الفاعلية بعدي ~~أعجلتم بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. قال ابن أم بكسر ~~الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الباقون: بفتحها ~~ومثله ابن أم # [الآية: 94] في طه. ### | الوقوف: # أربعين ليلة ج للعطف مع اختلاف القائل المفسدين ه ربه لا لأن ما بعده ~~جواب إليك ط فسوف تراني ج صعقا ط المؤمنين ه الشاكرين ه الشاكرين ه لكل شيء ~~ج للعدول مع فاء التعقيب بأحسنها ج الفاسقين ه بغير الحق ج بها ج لابتداء ~~شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف سبيلا ج ذلك سبيلا ه غافلين ه ~~أعمالهم ط يعملون ه خوار ط سبيلا ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ~~ضمير العجل ظالمين ه ضلوا ج لأن ما بعده جواب. الخاسرين ه أسفا ج لما بعدي ~~ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل أمر ربكم ج لأن قوله وألقى معطوف ~~على قوله قال بئسما وقد اعترض بينهما استفهام إليه ط يقتلونني ط ز صلى ~~والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي. ~~الظالمين ه في رحمتك ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسينا للدعاء ~~بالثناء الراحمين ه الدنيا ط المفترين ه وآمنوا ج لظاهر إن والوجه الوصل ~~لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم. ~~رحيم ه الألواح ج صلى لاحتمال ما بعده الحال يرهبون ه. ### | التفسير: # لما أهلك الله سبحانه أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن ms2072 يؤتيه الكتاب ~~الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من ~~نفسه خلوف الفم فتسوك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها ~~بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ~~ريح المسك؟ فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. ~~وقيل: فائدة التفصيل أنه تعالى أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من ~~الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. وقال أبو مسلم الأصفهاني: ~~من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه ~~بدليل قوله في طه وما أعجلك عن قومك يا موسى [طه: 83] فلما أعلمه الله ~~تعالى خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى ~~فتم أربعون ليلة. وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأول لحضرة موسى وحده ~~والوعد الثاني لحضرة # PageV03P313 # المختارين معه ليسمعوا الكلام. ومن فوائد الفذلكة في قوله فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ~~ثلاثين. والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال ~~والوقت وقت الشيء قدره مقدرا أم لا. وانتصب أربعين على الحال أي تم بالغا ~~هذا العدد. وهارون عطف بيان لأخيه وقرىء بالضم على النداء اخلفني في قومي ~~كن خليفتي فيهم وأصلح كن مصلحا أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ~~ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه. # وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوة بدليل وأشركه في أمري [طه: 32] ~~والشريك أعلى حالا من الخليفة لأن نبوة موسى كانت بالأصالة ونبوة هارون ~~بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره. وإنما وصاه بالإصلاح تأكيدا واطمئنانا وإلا ~~فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح. ولما جاء موسى لميقاتنا اللام بمعنى الاختصاص ~~كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من ~~شهر كذا وكلمه ربه للناس في كلام الله ms2073 مذاهب فقيل: # هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة. وقيل: صفة حقيقية مخالفة ~~للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله تعالى ~~وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة. وعلى ~~التالي فالأشعرية قالوا إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الأزلية لأنه ~~كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع ~~كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى ~~عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة «1» . واختلف العلماء ~~أيضا في أن الله تعالى كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين ~~وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوة موسى فلا بد من ~~ظهور هذا المعنى لغيره قال رب أرني أنظر إليك أي أرني نفسك واجعلني متمكنا ~~من رؤيتك فانظر إليك وأراك. عن ابن عباس: أن موسى عليه السلام جاء ومعه ~~السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في ~~الألواح كتابا وقربه نجيا. فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر ~~إليك. قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع ~~على الله تعالى. فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها. قال القاضي: للمحصلين ~~من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن ~~الرؤية غير جائزة على الله تعالى وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم ~~بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفا على السمع، وزيف بأنه يلزم ~~أن يكون موسى أدون حالا من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على ~~الله PageV03P314 # تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون ~~مقابلا أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلا لموسى كان ناقص ~~العقل وهو محال، وإن كان حاصلا وجوز موسى عليه المقابلة كان كفرا وهو أيضا ~~محال. وثانيها طريقة أبي علي ms2074 وأبي هاشم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية عن ~~لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة [البقرة: 55] وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ~~ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالا لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل ~~لنا إلها، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره ~~مع أنهم كانوا مقرين بنبوة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا ~~فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من ~~الله بل هذا مما افتريته على الله. وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي ~~أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في ~~معرفة أهل الآخرة. ورد بأنه تعالى أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما ~~لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟ ولو ~~فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله تعالى عن ذلك؟ ولقائل أن يقول: # منعه في الدنيا لحكمة علمها الله تعالى ولا يلزم منه المنع في الآخرة. ~~ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل ~~السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء. وضعف بأنه كان الواجب عليه ~~حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر ~~في عقلي. ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق. وفي الآية سؤال وهو أنه تعالى ~~لم قال لن تراني دون لن تنظر إلي ليناسب قوله أنظر إليك والجواب لأن موسى ~~لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل أرني ومن حجج ~~الأشاعرة أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على ~~الجائز جائز. ورد بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل ~~قوله ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه أي في وقت النظر وعقيبه واستقرار ~~الجبل حال حركته محال. ms2075 ومنها قوله فلما تجلى ربه أي ظهر وبان ومنه جلوت ~~العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته جعله دكا ~~أي مدكوكا كالمصدر بمعنى «مفعول» . والدك والدق أخوان. ومن قرأ بالمد أراد ~~أرضا دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام. والدكاء أيضا اسم للرابية ~~الناشزة من الأرض كالدكة. والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحدا لا ~~يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده. وقالت المعتزلة: # الرؤية أمر محال لقوله لن تراني وكلمة «لن» إن لم تفد التأبيد فلا أقل من ~~التأكيد. # وأيضا الاستدراك في قوله ولكن انظر معناه أن النظر إلي محال فلا تطلبه ~~ولكن عليك # PageV03P315 # بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، ~~وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟ قالت الأشاعرة هاهنا: لم يبعد أن ~~يخلق الله تعالى حينئذ في الجبل حياة وعقلا وفهما ورؤية. وأيضا قوله وخر ~~موسى صعقا أي مغشيا عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء ~~فضلا عن غيرهم. # روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: ~~يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة. # وأيضا قوله بعد الافاقة من الصعقة سبحانك أنزهك عما لا يليق بك من جواز ~~الرؤية عليك إني تبت إليك من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو ~~تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك وأنا أول المؤمنين بأنك لست بمرئي ~~ولا مدرك بشيء من الحواس. وقالت الأشاعرة: وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى ~~في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك. ثم لما سأل الرؤية ومنعه ~~الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ف قال يا ~~موسى إني اصطفيتك الآية. والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية. قيل: وفي هذا ~~دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة. وإنما قال ~~اصطفيتك على الناس ولم يقل «على الخلق» لأن الملائكة قد تسمع ms2076 كلام الله ~~تعالى من غير واسطة كما سمعه موسى. والغرض أنه تعالى خصه من دون الناس ~~بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط. وإنما كان ~~الكلام بلا وسط سببا للشرف بناء على العرف الظاهر # وقد جاء في الخبر أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعين ~~الرأس. # وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيبا ~~وقربه إليه بلطفه تقريبا وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود ~~بواب ونواب. والمزاد بالرسالات هاهنا أسفار التوراة فخذ ما آتيتك من شرف ~~الرسالة والكلام وكن من الشاكرين لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علما ~~وعملا. ثم فصل تلك الرسالة فقال وكتبنا له في الألواح قيل: خر موسى صعقا ~~يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر. وذكروا في عدد الألواح وفيو ~~جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من ~~زمرد جاء بها جبرائيل، وقيل من زبرجدة خضراء أو ياقوتة حمراء، وقيل كانت من ~~خشب نزلت من السماء. وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله تعالى ~~لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه. وقيل: طولها كان عشرة أذرع. والتحقيق أن ~~أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما ~~يدل على ذلك. وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج: # كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا ~~النقل أيضا كما قلنا من كل شيء مفعول كتبنا و «من» للتبعيض نحو أخذت من ~~الدراهم # PageV03P316 # موعظة وتفصيلا بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة ~~والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد. وأراد بالتفصيل تبيين كل ما ~~يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون موعظة وتفصيلا ~~مفعولين ل كتبنا والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلا ~~لكل شيء. قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة ms2077 لم ~~يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى. # وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا ~~ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذبا فإن من حلف باسمي كاذبا فلا ~~أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين. # فخذها على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله فخذ ما ~~آتيتك والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو ~~للتوراة بقوة بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها سئل هاهنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به، ~~فظاهر قوله يأخذوا بأحسنها يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ ~~به. وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو ~~أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في ~~الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ~~[الزمر: 55] وكقوله الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18] قال ~~قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن. وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب ~~والمباح والأحسن الواجب والمندوب. وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما ~~أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء. ثم ختم الآية ~~بالوعيد والتهديد فقال سأريكم دار الفاسقين قال ابن عباس والحسن ومجاهد ~~يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضرا في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم. وعن ~~قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشأم ومصر ليعتبروا بذلك ~~فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصيبهم مثل ما أصابهم. وقال الكلبي: هي منازل عاد ~~وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم. وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن ~~الله تعالى سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء سأورثكم. وقوله وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون [الأعراف: 137] . # ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال سأصرف عن آياتي الآية. ~~فاحتجت الأشاعرة بها على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه. وقال ~~الجبائي: قوله ms2078 سأصرف للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن ~~الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو ~~الكفر. وأيضا الصرف مذكور # PageV03P317 # على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه ~~فوجب تأويل الآية. وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام ~~لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على ~~منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليك ~~إلى قوله والله يعصمك من الناس [المائدة: # 67] وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة ~~المعدة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة ~~جاريا مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله تعالى. وقيل: إن من الآيات ~~آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا ~~أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفهم الله تعالى ~~عنها. وبوجه آخر إن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك ~~الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ~~تعالى ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره ~~وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد ~~بالمصروفين هؤلاء. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة ~~الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي» # قوله بغير الحق أما أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير ~~بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل ~~من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا ~~أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على ~~المتكبر صدقة. والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، ~~وفرق أبو ms2079 عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله فإن آنستم منهم رشدا ~~[النساء: # 6] وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله تعالى مما علمت رشدا [الكهف: 66] ~~وسبيل الغي ضد ما ذكرنا. ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان ~~الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على ~~الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا. ثم ~~بين أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير ~~فقال والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم. ثم ~~قال هل يجزون إلا ما كانوا يعملون احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي ~~هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ~~ذلك. قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل. ~~أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء. ورد # PageV03P318 # بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، ~~لكن العقاب على ترك الواجب كاف في الزجر عن ذلك فكان جزاء. قيل: إن بني ~~إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة ~~فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم ~~على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضا تحقق الإضافة وتصححها. والحلي جمع حلي ~~كثدي وثدي. ومن كسر الحاء فللإتباع. فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلا ~~مطاعا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلها يعبدونه فصاغ ~~السامري لهم عجلا. واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر ~~فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحما ودما وظهر منه الخوار مرة ~~واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى. قال أكثر المفسرين من المعتزلة: ~~إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفا ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع ~~التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل. ms2080 وقال آخرون: ~~إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس. ~~وإنما قال سبحانه واتخذ قوم موسى من أن المتخذ هو السامري وحده لأن القوم ~~رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو ~~عبادته كقوله ثم اتخذتم العجل من بعده [البقرة: 51] أي من بعد مضيه إلى ~~الطور. # قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ~~رب اغفر لي ولأخي ولو كان غيرهما أهلا للدعاء لأشركهم في ذلك. وقال آخرون: ~~بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله سبحانه من قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 181] وهل انقلب ذلك التمثال لحما ~~ودما أو بقي ذهبا كما كان مال بعضهم إلى الأول لأنه تعالى قال عجلا جسدا له ~~خوار والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة. ~~واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح. ثم قال: إن ذلك الصوت ~~لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه. # وقرأ على كرم الله وجهه جؤار بالجيم والهمزة # من جأر إذا صاح وجسدا بدلا من عجلا ثم إنه سبحانه احتج على فساد كون ذلك ~~العجل إلها بقوله ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ومن حق الإله أن ~~يكون متكلما هاديا إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما ~~أنزل من الكتب. قالت المعتزلة: # هاهنا سؤال فمن كان مضلا عن الدين لا يصلح أن يكون إلها. قالت الأشاعرة: ~~لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلما هاديا لزم أن يكون كل متكلم هاد إلها. ~~والحق أن الملازمة # PageV03P319 # ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلما هاديا والموجبة ~~الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة ~~إلا الله تعالى. ثم ختم الآية بقوله اتخذوه وكانوا ظالمين وهذا كما قال في ~~البقرة ثم ms2081 اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون [البقرة: 51] ثم أخبر عن عقبى ~~حالهم بقوله ولما سقط في أيديهم معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة ~~العجل. واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب ~~والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد ~~تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين. وقال في ~~الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه ~~وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه ~~كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم «مر بزيد» وهذا من باب الكناية ~~لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم. وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك ~~لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك ~~العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ ~~«ذلك منه سقطة» ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة ~~التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك ~~الندم يشتغل بالتدارك والتلافي. # وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع ~~في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من ~~خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعة. وقال بعضهم: الآلة الأصلية في ~~أكثر الأعمال اليد والعاجز فى حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما ~~يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه. وقيل: إن «في» بمعنى ~~«على» أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده ~~تحت ذقنه. ثم قال الله تعالى ورأوا أنهم قد ضلوا أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم ~~أبصروه بعيونهم. قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم ~~والتحسر بعد تعرف ms2082 الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ~~ضلوا سقط في أيديهم. ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: ~~الإقدام على ما لا يعلم كونه صوابا أو خطأ فاسد موجب للندم وقد يتكامل ~~العلم فيظهر أنه خطأ جزما. ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم ~~وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء إن لم ترحمنا ربنا الآية. ولما رجع ~~موسى إلى قومه قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم. وقال ~~الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفا بذلك # PageV03P320 # قبل رجوعه بدليل قوله غضبان أسفا فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان ~~له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه قد فتنا قومك من بعدك [الآية: 85] ~~وفيه دليل ظاهر على أنه تعالى أخبره بوقوع الواقعة في الميقات. والأسف ~~الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج. وعن ابن عباس والحسن إنه ~~الحزين. وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ~~ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفا من فتنة ربه بئسما ~~خلفتموني خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم- هارون والمؤمنين- حيث لم يكفوا ~~العبدة. وفاعل بئسما مضمر يفسره خلفتموني والمخصوص محذوف التقدير: بئس ~~خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ومعنى من بعدي مع قوله خلفتموني من بعد ~~ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه ~~من التوحيد والكف عن اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلها ومن حق ~~الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ~~فخلف من بعدهم خلف [مريم: 58] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ~~أعجلتم أمر ربكم قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت ~~مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أول وقته. قال ابن عباس: ~~يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي ~~وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدروا أنه ms2083 لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة ~~فقد مات. # وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. # وروي أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. # وقال الكلبي: أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. وقال عطاء: ~~أعجلتم سخط ربكم. وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه ~~تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: # عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما ~~وصاكم به وألقى الألواح التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضبا ~~لله. # عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «يرحم الله أخي موسى ما الخبر ~~كالمعاينة» «1» # لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره الله تعالى به حق وأنه ~~مع ذلك متمسك بما في يده. # وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة ~~أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى ~~والرحمة. # قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث ~~تكسرت فلا وإنه جراءة PageV03P321 # عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء. وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا ~~بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذرا عن نفس الإلقاء يصح أن ~~يجعل عذرا عن التكسر وأخذ برأس أخيه أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته. واعلم ~~أن موسى عليه السلام كان في نفسه حديدا شديد الغضب وكان هارون ألين منه ~~جانبا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى. وقد استتبع غضبه أمرين: ~~أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة ~~الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية الواقعة لا ~~لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن ~~موسى فعل ما فعل به إهانة فال يا بن أم # من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيها بخمسة عشر ms2084 لكثرة ~~الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة. وإنما أضافه إلى الأم ~~إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى ~~العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه ~~الشدائد فذكره حقها إن القوم استضعفوني استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي ~~لقلة أنصاري وكادوا يقتلونني حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها فلا تشمت ~~بي الأعداء العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا ~~على الإكرام ولا تجعلني مع القوم الظالمين في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا ~~تعتقد أني واحد منهم. ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، ~~والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة ~~وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك قال موسى رب اغفر لي ما أقدمت ~~عليه من الحدة قبل جلية الحال ولأخي أن عساه فرط في شأن الخلافة ثم أخبر عن ~~مجازاة القوم فقال إن الذين اتخذوا العجل إلها سينالهم غضب من ربهم وذلة ~~كلاهما في الحياة الدنيا. فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم ~~من ديارهم وذل الغربة لا يخفى. واعترض بأن قوله سينالهم للاستقبال وفي وقت ~~نزول الآية كان القتل واقعا. وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله ~~تعالى موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقا على وقوعهم في الغضب ~~والذلة. قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله وكذلك ~~نجزي المفترين ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض. ولما في هذا التفسير ~~من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: # إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو ~~غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل # PageV03P322 # والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذوا العجل ms2085 ~~سينال أولادهم وكذلك نجزي المفترين أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب ~~والذلة. قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه ~~الآية والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ظاهر الآية يدل على ~~أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن ~~المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب ~~فإن الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين لغفور ستور عليهم محاء لما صدر ~~منهم رحيم منعم عليهم بالجنة. وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه ~~أعظم وأجل. # ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ولما ~~سكت عن موسى الغضب قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن ~~الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك ~~وقطع الإغراء. # وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في ~~رجلي وإنما أدخل الرجل في الخف. وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به. # أخذ الألواح التي ألقاها منبها على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من ~~إمارات الغضب وفي نسختها فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في ~~مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى ~~بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ ~~بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين ~~يوما فأعاد الله تعالى الألواح وفيها غير ما في الأولى هدى من الضلال ورحمة ~~من العذاب للذين هم لربهم يرهبون أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير ~~الفعل يكسبه ضعفا ونظيره للرءيا تعبرون [يوسف: 43] وقولك: لزيد ضربت. # ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوز ~~بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم. ### | التأويل: # ثلاثين ليلة ms2086 لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية وأتممناها بعشر ~~الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان وقال موسى ~~الروح لأخيه هارون القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في ~~قومي من الأوصاف البشرية وو أصلح ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ~~ولا تتبع سبيل المفسدين من الهوى والطبيعة. وهذه الخلافة هي السر الأعظم في ~~بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ولما جاء موسى ولما ~~حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات ~~فطال لسان # PageV03P323 # انبساطه عند التمكن على بساطه ف قال رب أرني أنظر إليك فقيل: هيهات أنت ~~بعد في بعد الاثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من ~~كنت له بصرا فبي يبصر ولكن انظر إلى جبل الأنانية فإن استقر مكانه عند ~~التجلي فسوف تراني ببصر أنانيتك وخر موسى صعقا بالأنانية فكان ما كان بعد ~~أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها. # قد كان ما كان سرا أبوح به ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر # فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال ~~وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح ~~إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي ~~فافهم. فلما أفاق من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية قال موسى بلا هويته ~~سبحانك تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى ~~بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك. برسالاتي وبكلامي دون رؤيتي وكن من ~~الشاكرين فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة ~~والزيادة هي الرؤية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] فخذها بقوة أي ~~بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا سأريكم دار الفاسقين الخارجين عن ~~طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا سأصرف عن آياتي فبحجاب التكبر يحجب ~~المتكبر عن رؤية الآيات واتخذ قوم موسى أي سامري ms2087 الهوى من بعد توجه موسى ~~الروح لميقات مكالمة الحق. اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي ~~استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس عجلا هو الدنيا له خوار ~~يدعو الخلق به إلى نفسه ولما سقط في أيديهم عند رجوع موسى الروح إلى قومه ~~وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق ~~والإخلاص له قائلة لئن لم يرحمنا بجذبات العناية ربنا الآية غضبان مما عبدت ~~صفات القلب عجل الدنيا أسفا على ما فاتها من عبودية الحق أعجلتم أمر ربكم ~~بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ~~ربكم. وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من ~~الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى ~~كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق وألقى ~~الألواح يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي. ~~وأخذ برأس أخيه القلب فإنه أخو الروح يجره إليه قسرا عند استيلاء طبيعة ~~الروحانية قال ابن أم هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما ~~نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعا وتذللا بالنسبة إلى عالم # PageV03P324 # الأمر. إن القوم استضعفوني يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند ~~غيبتك وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء وهم الشيطان والنفس والهوى ولا ~~تجعلني مع القوم الظالمين فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ~~ورعوناتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله ~~وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت ~~عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوامية ~~والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت ~~إلى طبعها رب اغفر لي ولأخي إشارة إلى أن للروح والقلب استعداد قبول الجذبة ~~الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ms2088 وكذلك نجزي المفترين الذين ~~يدعون أن الله أعطاهم قوة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 155 الى 159] # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها ~~من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ~~(155) واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي ~~أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال ~~التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون (157) قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ~~الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) ### | القراآت # عذابي أصيب بفتح الياء: أبو جعفر ونافع أصارهم على الجمع: # أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون على التوحيد. ### | الوقوف # لميقاتنا ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب وإياي ط منا ج لتصدر ~~«ان» النافية مع اتحاد القائل فتنتك ج لأن ما بعده مستأنف وتهدي من تشاء ط ~~الغافرين ه إليك ط من أشاء ط للفصل بين الجملتين تعظيما لشأنهما مع الاتفاق # PageV03P325 # في اللفظ كل شيء ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على ~~الخصوص يؤمنون ه ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على ~~البدل الإنجيل ج لأن يأمرهم يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، ~~وأن يكون نعتا أي مكتوبا أمرا أو بدلا من مكتوبا أو مفعولا بعد مفعول أي ~~يجدونه أمرا، أو يكون التقدير الأمي ms2089 الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة ~~كانت عليهم ط أنزل معه لا لأن ما بعده خبر «فالذين» . المفلحون ه والأرض ج ~~لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك ويميت ط ~~لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولا فأمنوا إجابة. تهتدون ه ~~يعدلون ه. ### | التفسير: # الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن ~~هنا سمي فعل الحيوان فعلا اختياريا، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف ~~على حكمه بكون ذلك الفعل خيرا له من تركه. قال النحويون: أصله واختار موسى ~~من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني ~~بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف. من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيدا ثم ~~يتسع فيقال اخترت الرجال زيدا. وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي. ~~وجوز بعضهم في الآية أن يراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقا لاسم الجنس على ~~ما هو المقصود منهم فيكون مفعولا أول من غير واسطة ويكون سبعين بدلا أو ~~بيانا قيل: اختار من اثني عشر سبطا من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين ~~فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج ~~فقعد كالب ويوشع. # وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخا فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة ~~فاختارهم فأصبحوا شيوخا. # وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم ~~الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور ~~سينا لميقات ربه. وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام ~~والرؤية أم غيره؟ الذاهبون إلى الأول قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه ~~في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن ~~لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية. # والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله وإذ ~~قلتم يا موسى لن ms2090 نؤمن لك وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت ~~قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل. ~~واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب ~~الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال ~~يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك # PageV03P326 # القصة وإلا انخرم التناسب. # عن علي عليه السلام أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه ~~الله تعالى، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه ~~سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله تعالى فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم ~~الرجفة هنالك. # قيل: كانت موتا. وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم ~~فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله تعالى وقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول ~~النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا أتهلكنا ~~جميعا يعني نفسه وإياهم بما فعل السفهاء منا قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن ~~موسى أن الله تعالى أهلك قوما بذنوب غيرهم، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد ~~أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال ~~المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا. قيل: لو كان تسفيههم لقولهم لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [النساء: # 153] ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء. فإذن التسفيه لفعل صدر ~~عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب ~~الرؤية إن هي إلا فتنتك الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد ~~وإن هي إلا هند قاله الواحدي. ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة ~~التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا ~~كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل تضل بها أي بالفتنة ms2091 من تشاء فيفتتن وتهدي ~~من تشاء فيثبت على الحق. قالت المعتزلة: إن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا ~~واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمير يعود إلى ~~الرجفة أي تضل على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان ~~بأنها من عندك من تشاء وتهدي إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا من تشاء أو ~~المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء أنت ~~ولينا يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت فاغفر لنا وارحمنا قيل: ~~تذكر أن قوله إن هي إلا فتنتك جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب ~~المغفرة والرحمة وأنت خير الغافرين لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو ~~دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم. واكتب أوجب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة [البقرة: 201] وقد فسرناها في سورة البقرة. واعلم أن كونه ~~تعالى وليا للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع # PageV03P327 # المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته. وأيضا اشتغال العبد ~~بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء. فذكر السبب الأول ثم رتب عليه ~~الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله إنا هدنا إليك قال أهل اللغة: النهود ~~التوبة أي تبنا ورجعنا. وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل ~~العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم ~~طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين قال الله تعالى في ~~جواب موسى عذابي من حالة وصفته أني أصيب به من أشاء إذا ليس لأحد علي ~~اعتراض في ملكي. وقالت المعتزلة: أي من وجب علي في الحكمة تعذيبه ولم يكن ~~في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وقرأ الحسن من أساء من الإساءة ورحمتي من ~~شأنها أنها وسعت كل شيء قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص. ~~وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا ms2092 تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا ~~مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته. وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين ~~وذلك قوله فسأكتبها للذين يتقون وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا ~~وهو مشمول بنعمته. وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات ~~راجح غالب. وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد ~~خلقه الله تعالى للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة. ~~واعلم أن تكاليف الله تعالى كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك ~~والأفعال. فقوله فسأكتبها للذين يتقون إشارة إلى التروك. التكليف الفعلي ~~إما ما لي وهو قوله ويؤتون الزكاة وإما غيره وذلك قوله والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علما وعملا. ثم ضم إلى ذلك اتباع ~~النبي الأمي إلى آخره. # وصف محمدا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة. ~~الثانية النبوة. فإن قيل: # النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟ قلت: لا بل بينهما عموم ~~وخصوص من وجه فقد يكون رسولا ولا يكون نبيا كقوله جاعل الملائكة رسلا ~~[فاطر: 1] وقد يكون نبيا لا رسولا ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين ~~على الإطلاق مغنيا عن الآخر. # ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمنا. الثالثة: كونه أميا. قال ~~الزجاج: # معناه أنه على صفة أمة العرب. # قال صلى الله عليه وسلم وآله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» «1» . # وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطا ودراسة. ~~وكان هذا من جملة معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم وبيانه من وجوه: الأول ~~أنه كان يقرأ PageV03P328 # عليهم كتاب الله منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ~~ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد ~~سماوي كقوله سنقرئك فلا تنسى [الأعلى: 6] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة ~~لصار متهما بأنه طالع كتب الأولين، ولما ms2093 أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل ~~على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة ~~بقوله وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ~~[العنكبوت: 48] الثالث: أن تعلم الخط لا يفتقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك ~~كان الخط مشكلا عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وما لم ~~يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة ~~للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان ~~المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في ~~التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد ~~من قوله والإنجيل أنهم يجدون نعته مكتوبا عندهم في الإنجيل فمن المحال أن ~~يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن ~~هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل ~~في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته ~~وصحة نبوته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم ~~القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور ~~والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على ~~أن الأمر في نفسه كذلك. الخامسة والسادسة يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ~~ومجامع ذلك محصورة في # قوله صلى الله عليه وسلم: «ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق ~~الله» # فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا قاهرا وبرهانا باهرا على ~~توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق ~~بها. السابعة ويحل لهم الطيبات قيل: أي ما يستطاب طبعا لأن تناول ذلك يفيد ~~لذة. وقيل: يعني الأشياء التي حكم ms2094 الله تعالى بحلها وزيف بأنه يجري مجرى ~~قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم ~~المحللات. وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعا وأن الأصل في كل ~~ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل. وقيل: يعني ما يحرم ~~عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. الثامنة ويحرم عليهم الخبائث قال # PageV03P329 # عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات. وقيل: كل ما ~~يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل. التاسعة ويضع عنهم إصرهم ~~الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة ~~تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة. وكذا الأغلال التي كانت عليهم ~~مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع ~~الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، ~~وتحريم العروق في اللحم جعلها الله تعالى أغلالا لأن التحريم يمنع من الفعل ~~كما أن الغل يمنع من الفعل. عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا ~~المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف ~~السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة. فالأغلال على هذا ~~القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة ~~كما # قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» # وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة. ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به ~~بقوله فالذين آمنوا به قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على ~~العموم وعزروه وقروه وعظموه. قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير ~~للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح. فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى ~~عليه عدوه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله ونصروه فرق كبير واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه وهو القرآن أي أنزل مع نبوته لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن ~~أو يتعلق ب اتبعوا أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، ~~واتبعوا ms2095 القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه أولئك هم المفلحون ~~الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه سبحانه لما قال فسأكتبها للذين ~~يتقون بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر ~~الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال قل يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا وانتصابه على الحال من إليكم وفيه دليل على أن ~~محمدا صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافا لطائفة من اليهود ~~يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم ~~بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولا حقا امتنع الكذب ~~عليه، وإن لم يكن رسولا حقا فهذا يقتضي القدح في كونه رسولا إلى العرب وإلى ~~غيرهم. وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه # PageV03P330 # غير مبعوث إلى غير المكلفين # بقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن ~~النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق» # وأيضا يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم ~~لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوته. # والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضا حكم عليهم بهذا الاعتبار ~~يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق ~~الالتفات إليه. قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه صلى الله عليه ~~وسلم مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان ~~مبعوثا إلى كلهم. وقد تمسك جمع من العلماء # بالحديث المشهور: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر ~~والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي ~~الغنائم، وختم بي النبيون» # ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل ~~أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثا إلى كل الناس وقتئذ. ولا ms2096 يخفى ضعف هذا ~~الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده # في رواية أخرى: «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي» # وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك. # وأيضا أن آدم لم يكن مبعوثا إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم ~~بدليل ولا تقربا. ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم ~~أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: ~~أولها إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا وأشار إليه بقوله الذي له ملك ~~السماوات والأرض إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار ~~لم يمكن القول ببعثة الرسول. ومحل الذي نصب أو رفع على المدح أو جر بدلا أو ~~وصفا لله. وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله لا إله إلا هو إذ لو فرض ~~إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر. وثالثها أنه تعالى قادر ~~على الخير والشر والبعث والحساب كما قال يحيي ويميت # وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، ~~وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله تعالى ~~إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف. أما بالأصل الأول والثاني فلأنه يحسن ~~من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فردا منزها عن ~~الشريك والنظير مستقلا بالأمر والنهي. وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من ~~القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالا له إلى الجزاء وإلى لذة الجزاء، ~~فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله ~~فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي اقتصر من الصفات المذكورة هاهنا على ~~الأمية # PageV03P331 # لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ~~ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ms2097 ومع ذلك فتح الله عليه أبواب ~~العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأولين ~~والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي. ثم وصفه بقوله الذي يؤمن ~~بالله وكلماته لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله ~~وبكتبه. وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قوله إني رسول الله بل عدل إلى ~~المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة. ولما في طريقة الالتفات من ~~البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان، أنا أو غيري إظهارا ~~للنصفة واحترازا عن العصبية. واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها ~~بقوله فآمنوا بالله وإما عملية وإليها الإشارة بقوله واتبعوه والأولى إشارة ~~إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من ~~أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واظب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك ~~الفعل جانب فعله راجحا على تركه. ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا ~~اتباعه وإن كان ذلك مندوبا له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من ~~خصائصه. ومعنى الترجي في لعلكم تهتدون قد مر في نظائره ولا سيما في أول ~~البقرة في قوله لعلكم تتقون [البقرة: # 21] ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من ~~اتبع الحق وهدي إليه فقال ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق أي يهدون الناس ~~بكلمة الحق وبه أي بالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون. وهذه الآية متى ~~حصلت وفي أي زمان كانت؟ اختلف المفسرون في ذلك. فقيل: هم اليهود الذين ~~كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا ~~وغيرهما. ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على ~~الواحد في قوله إن إبراهيم كان أمة [النحل: # 120] وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس ms2098 ~~إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ~~ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز ~~أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل ~~لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا ~~واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقا في ~~الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين. ثم من المفسرين من ~~قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم # PageV03P332 # يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر ~~هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون ~~يستقبلون قبلتنا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل ذهب به صلى الله عليه وسلم ~~ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: ~~لا. قال: هذا محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي فآمنوا به. # وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني ~~السلام، فرد محمد على موسى عليه السلام ثم أقرأهم عشر سور من القران نزلت ~~بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم ~~وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم. ### | التأويل: # واختار موسى قومه المختار من الخلق من اختاره الله تعالى وربك يخلق ما ~~يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة [القصص: 68] فالذي اختاره الله كان مثل موسى ~~وأنا اخترتك [طه: 13] . والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب ~~للرجفة والصعقة. وهاهنا نكتة هي أن قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصا ~~بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة ~~مقرونا بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله رب أرني أنظر إليك قدم عزة ~~الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية ~~فتصاعد دخان الشوق ms2099 بسوء الأدب فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~[البقرة: 55] قدموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهارا فأخذتهم الصاعقة. ~~فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر ~~عند إظهار صفة العزة والعظمة. ولما كان موسى عليه السلام ثابتا في مقام ~~التوحيد كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة ~~القوم من آثار صفات قهره فتنة واختيارا لهم فقال إن هي إلا فتنتك تزيغ بها ~~قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف. واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد صلى الله عليه وسلم فسأكتبها ~~يعني حسنة الرؤية والرحمة للذين يتقون بالله عن غيره ويؤتون عن نصاب هذا ~~المقام الزكاة إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا ~~بالتقليد يؤمنون. وفي قوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إشارة إلى أن ~~في أمته من يكون مستعدا لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه ~~أم الموجودات وأصل المكونات كما # قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله روحي» . # وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون. فأما اتباعه في مقام الرسالة ~~فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا [الحشر: 7] فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام ~~شركة مع الخواص # PageV03P333 # في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى ~~حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن ~~فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف ~~المملكية، وربما يؤل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ~~ولعله يصير مأمورا بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما # قال صلى الله عليه وآله: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» # وأما اتباعه في مقام أميته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله ~~يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي ~~أنزل في مقام التوحيد وهو قاب ms2100 قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته ~~إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم ~~اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته ~~مكتوبا عندهم بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق يأمرهم بالمعروف وهو طلب ~~الحق وينهاهم عن المنكر طلب ما سواه ويحل لهم الطيبات كل ما يقرب إلى الله ~~فإن الله هو الطيب ويحرم عليهم الخبائث الدنيا وما فيها ويضع عنهم إصرهم أي ~~العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته ~~وأهل شفاعته كقوله: «الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم» فكان من هذا ~~العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام. فقد وضع النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه ~~المعاني بقوله فالذين آمنوا به وعزروه وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به ~~دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة واتبعوا نور الوحدة الذي أنزل ~~معه له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء ~~من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية. وكلماته هي ما أوحى ~~إليه ليلة المعراج بلا واسطة ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق يعني خواصهم ~~الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى وبه يعدلون في الحكم بين ~~العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوبا ~~بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب ب لن تراني وبين أمة أمية بلغوا ~~بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين # وقال في حقهم: «كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق» ~~«1» # فلهذا دعا موسى عليه السلام: # اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شوقا إلى لقاء ربه فافهم ~~جدا. PageV03P334 ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 الى 171] # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ms2101 قد علم كل أناس مشربهم ~~وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (160) وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية ~~وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم ~~سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا ~~عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) وسئلهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم ~~يتقون (164) # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين (166) وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من ~~يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون (168) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون (169) # والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (170) ~~وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (171) ### | القراآت: # تغفر بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ~~ويعقوب والمفضل. الباقون: بالنون وكسر الفاء خطاياكم مجموعا جمع التكسير: ~~أبو عمرو خطيئتكم بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر خطيئاتكم بالرفع مجموعا ~~جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: مثله ولكن ~~بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث. يسبتون من الإسبات. زيد عن المفضل ~~معذرة بالنصب حفص والمفضل. الباقون: بالرفع ms2102 يئس مثل رئم: أبو جعفر ونافع ~~بيس على فيعل كسيد: ابن عامر بئيس على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي. # الباقون بئيس على فعيل. تأذن بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة # PageV03P335 # في الوقف تعقلون بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب ~~وحفص. الباقون بياء الغيبة يمسكون من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون ~~بالتشديد. ### | الوقوف: # أمما ط وإن اتفقت الجملتان لأن أوحينا عامل إذ استسقاه دون قطعناهم فإن ~~تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء الحجر ط للحذف مع اتحاد الكلام أي ~~فضرب فانبجست عينا ط مشربهم ط والسلوى ط ما رزقناكم ط لحذف جمل أي قلنا لهم ~~كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم وما ظلمونا ط يظلمون ه خطيئاتكم ط ~~المحسنين ه يظلمون ه البحر لا كيلا يصير ما بعده ظرفا لقوله وسئلهم فإنه ~~محال لا تأتيهم ج لاحتمال تعلق كذلك به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتيانا ~~كإتيانهم يوم السبت. والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك ~~فالوقف على كذلك جائز أيضا يفسقون ه قوما لا لأن الجملة بعده صفته شديدا ط ~~يتقون ه يفسقون ه خاسئين ه العذاب ط رحيم ه وأمما ج لاحتمال كون ما بعده ~~صفة أو مستأنفا دون ذلك ز للعطف على قطعناهم فإن لم تجعل الجار صفة للأمم ~~كان عطفا مع عارض يرجعون ه سيغفر لنا ج يأخذوه ط يتقون ه تعقلون ه الصلاة ص ~~على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ولا نضيع أجر المصلحين، ~~وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم ~~المصلحين. واقع بهم ط الحق المحذوف تتقون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين ~~بعدهم. ومعنى قطعناهم أي صيرناهم قطعا أي فرقا وميزنا بعضهم عن بعض كيلا ~~يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج. الأسباط أولاد الأولاد جمع ~~سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان ~~الأسباط ms2103 في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وهاهنا سؤال وهو أن مميز ما عدا ~~العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطا؟ وأجيب بأن كل قبيلة ~~أسباط لا سبط فوضع أسباطا موضع قبيلة كقوله: # بين رماحي مالك ونهشل ... ولهذا أنث اثنتي عشرة. # وقال الزجاج: المميز محذوف وأسباطا نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي ~~عشرة فرقة أسباطا. وقال الفارسي والجوهري: أسباطا بدل من اثنتي عشرة ~~والمميز كما قال الزجاج. وقوله أمما بدل من اثنتي عشرة لأن كل أسباط كانت ~~جماعة # PageV03P336 # كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى. وباقي الآية إلى قوله بما ~~كانوا يظلمون قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع ~~الآخر من أحوالهم. قوله تعالى وسئلهم عن القرية أي عن أهلها وليس المقصود ~~تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم من ~~قبل الله تعالى، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء ~~والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~أول مناكيرهم. وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ~~ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟ وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابا ~~ولم يتعلم علما كان ذلك مستفادا من الوحي فيكون معجزا. والأكثرون على أن ~~تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية. ومعنى ~~حاضرة البحر قريبة من البحر وعلى شاطئه إذ يعدون في السبت يتجاوزون حد الله ~~فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت. ومحل إذ يعدون مجرور بدلا عن القرية بدل ~~الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون منصوبا ~~بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه ~~نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في ~~جميع الأحيان وقوله إذ تأتيهم منصوب ب يعدون أو مجرور بدلا بعد بدل. # والحيتان جمع الحوت وهو السمكة شرعا ظاهرة ms2104 على وجه الماء جمع شارع كركع ~~وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم ~~شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، ~~وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض. وقال ابن عباس ومجاهد: إن ~~اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت ~~فابتلاهم الله تعالى به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في ~~البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا ~~والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن. قالت الأشاعرة: لو وجب ~~رعاية الأصلح على الله تعالى لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صونا ~~لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب ~~الشرور. والنوع الثالث قوله وإذ قالت وهو معطوف على إذ يعدون وحكمه حكمه في ~~الإعراب أمة منهم جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى ~~آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم لم تعظون قوما الله مهلكهم مدمرهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا ~~يكاد يفلح قالوا معذرة من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر ~~إلى الله. والمعذرة # PageV03P337 # مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم ~~أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ~~ولعلهم يتقون ولأنا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت فلما ~~نسوا يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ومعناه على اختلاف القراآت شديد من ~~بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد. والظاهر أن هذا العذاب عير المسخ المتأخر في قوله ~~فلما عتوا تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن ~~الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة قلنا لهم كونوا قردة خاسئين والمراد أمر ~~التكوين والإيجاد لا أن هناك ms2105 قولا. وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله فلما نسوا ~~والعذاب البئيس هو المسخ. عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها ~~أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة، هاه وأيم الله ما حوت أخذه ~~قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعدا والساعة ~~أدهى وأمر. وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ~~هاهنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟ # فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة «لم تعظون» فهم ~~المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ~~بزعمكم. والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في ~~الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية ~~للفرقة العاصية. والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا ~~للواعظين لم تعظون أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا. ~~بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت ~~شعري ما فعل بهؤلاء. وعنه أيضا أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية ~~بكى. وقال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ~~ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئا. وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون ~~عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا ~~فيه غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي ~~لا ينجع فيه سقط عنه النهي. ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم ~~يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين. ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ ~~سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله تعالى أعلم بالسرائر. النوع ~~الرابع: وإذ تأذن ربك هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن ~~العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل ~~القسم في الجزم بالجزاء نحو «علم الله» و «شهد الله» ms2106 . فأجيب بجواب القسم ~~أي ختم ربك # PageV03P338 # وكتب على نفسه ليبعثن ومعناه التسليط كقوله بعثنا عليكم عبادا لنا أولي ~~بأس شديد [الإسراء: 5] واختلف في العائد في عليهم فقيل: يرجع إلى الممسوخين ~~بناء على أن لهم نسلا. وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين ~~وألحق الذل بالبقية. وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية. ~~أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم ~~القيامة. وقيل: # الاستخفاف والإهانة. وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره. ~~وقيل: # الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير. وإذ قد أخبر ~~الله تعالى بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذا ~~إخبار عن الغيب فيكون معجز. قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم ~~اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا ~~بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين ~~غالبين. النوع الخامس: وقطعناهم في الأرض أمما فرقناهم فيها تفريقا شديدا ~~فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة منهم الصالحون الذين كانوا في زمن ~~موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين. وعن ابن عباس ومجاهد: الذين ~~أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به. ومنهم دون ذلك أي ومنهم ناس ~~دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من ~~صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك لعلهم يرجعون يدل على أن المراد بهم ~~الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد. ومحل دون ذلك رفع على أنه صفة ~~مرفوع محذوف كما قلنا وبلوناهم عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات ~~الخصب والعافية والسيئات بالجدب والشدائد لعلهم يرجعون لأن كلا من الحالتين ~~تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب فخلف من بعدهم ~~خلف ms2107 ظاهره يدل على أن الأول ممدوح والثاني مذموم. فالمراد فخلف من بعد ~~أولئك الصلحاء خلف سوء. قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف ~~سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم. # قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق ~~من أبيه بالتحريك قال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفا ونطق خلفا أي سكت عن ألف كلمة ثم ~~تكلم بخطأ ورثوا الكتاب أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ~~ويقفون على # PageV03P339 # ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها يأخذون عرض هذا الأدنى أي ~~حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها. يقال الدنيا عرض ~~حاضر يأكل منها البر والفاجر. وفي الإشارة بقوله هذا الأدنى تحقير وتخسيس. ~~وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل. أو دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد كانوا ~~يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ويقولون سيغفر لنا يؤاخذنا الله ~~بما أخذنا. وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ~~يأخذون، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه الواو للحال أي يرجون المغفرة جزما وهم ~~مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن: هذا إخبار عن ~~حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها. # ثم بين نكث عهدهم فقال ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أي التوراة. ومحل أن ~~لا يقولوا على الله إلا الحق رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو ~~أن لا يحرفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع ~~الجزم بالغفران. # فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ~~ليس بحق. # ويجوز أن يكون أن لا يقولوا مفعولا لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن ~~تكون «أن» مفسرة ولا يقولوا نهيا كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله ~~إلا الحق؟ ودرسوا عطف على ألم يؤخذ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق ~~وقرأوا ms2108 ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرأوه ودرسوه. والدار ~~الآخرة خير من ذلك العرض الخسيس للذين يتقون الرشا والمحرمات. ثم لما ذكر ~~حال من ترك التمسك بالتوراة أتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال والذين ~~يمسكون الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك ~~بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين. ~~النوع السادس: وإذ نتقنا الجبل قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن ~~موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رميا. ~~والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه فوقهم كأنه ظلة وهي كل ما أظلك من ~~سقف أو حائط وظنوا أنه واقع بهم علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم. وقيل: قوي ~~في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا. # روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار ~~عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ. # وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل ~~خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل ~~فرقا من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه ~~السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله ~~لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهوديا تقرأ عليه التوراة إلا # PageV03P340 # اهتز ونغض لها رأسه. خذوا على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ما ~~آتيناكم من الكتاب بقوة بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه واذكروا ما ~~فيه من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم ~~من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا [الرحمن: 33] واذكروا ما فيه من الدلالة على ~~القدرة الباهرة لعلكم تتقون ما أنتم عليه من الإباء. ### | التأويل: # القرية التي كانت حاضرة البحر هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر ~~البشرية، ms2109 وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف ~~قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن ~~صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات ~~النفسانية إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا لأن الإنسان حريص على ما منع ~~فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات بما كانوا يفسقون أي بما كان من ~~طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله لأنها أمارة بالسوء وإذ قالت ~~أمة منهم هي صفات القلب قالوا لصفات الروح لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات أو معذبهم عذابا شديدا وهو المسخ ~~بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية قالوا معذرة إلى ربكم لأنه ~~خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنا ما ~~تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها يتقون فتتصف ~~بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك بعذاب بئيس وهو إبطال استعداد قبول ~~الفيض الإلهي ليبعثن عليهم على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ~~من يسومهم وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة سوء العذاب عذاب البعد عن ~~الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان وقطعناهم فرقنا الأرواح والقلوب في ~~أرض الأجساد منهم الصالحون قابلون لفيض نور الله ومنهم دون ذلك في القبول ~~وبلوناهم بالحسنات وهي الطاعات والسيئات وهي المعاصي لعلهم يرجعون إلى ~~الحق. وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا ~~قيل خطوتان وقد وصلت. أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، ~~والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان ~~حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم فخلف من بعد ~~الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس ~~الأمارة بالسوء ورثوا الكتاب وهو ما ألهم الله تعالى الأرواح والقلوب من ~~المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس # PageV03P341 # وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ~~ويقولون سيغفر لنا مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون ms2110 كما هو مذهب أهل ~~الإباحة، أو سيغفر لنا إذا استغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب وإذ ~~نتقنا الجبل فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئا من الأمور ~~الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن. # وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم ~~بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله تعالى بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 183] # وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو ~~تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون (174) واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون (176) # ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد ~~الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله ~~الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا ~~يعملون (180) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) # والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملي لهم إن ~~كيدي متين (183) ### | القراآت: # ذريتهم على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل. ~~الباقون: على الجمع يقولوا بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو يلهث ذلك ~~بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة ~~عن قنبل يلحدون بفتح الياء والحاء: حمزة. الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من ~~الإلحاد ولقد ذرأنا مظهرا: أبو جعفر ونافع ms2111 وابن كثير غير ورش وعاصم غير ~~الأعشى ذرأنا بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة ~~في الوقف. الباقون: بالهمز. ### | الوقوف: # أنفسهم ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام. بربكم ط فصلا بين ~~السؤال والجواب. بلى ج لأن شهدنا يصلح أن يكون من قولهم # PageV03P342 # فيوقف على شهدنا ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن ~~يكون شهدنا من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون ~~منفصلا من جملة بلى متصلا بأن تقولوا. غافلين ه لا للعطف من بعدهم ج ~~لابتداء الاستفهام واتحاد القائل. المبطلون ه يرجعون ه الغاوين ه هواه ج ~~لأن قوله فمثله مبتدأ ولدخول الفاء فيه كمثل الكلب ج لابتداء الشرط من أن ~~الجملة تفسير للمثل أو تتركه يلهث ط بآياتنا ط يتفكرون ه يظلمون ه المهتدي ~~ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه الخاسرون ه والإنس ط ~~والوصل أولى لأن الجملة بعده صفه ل كثيرا، لا يفقهون بها ج لأن العطف صحيح ~~ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة لهم في أول ~~كل جملة لا يسمعون بها ط أضل ط الغافلون ه فادعوه بها ص لعطف المتفقتين في ~~أسمائه ط يعملون ه يعدلون ه لا يعلمون وج وعطف وأملي على سنستدرجهم أحسن من ~~جعله مستأنفا فيوقف على أملي، لهم، متين ه. ### | التفسير: # لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع ~~المكلفين. وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما # روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ~~ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة ~~يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل ~~النار يعملون. قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه ms2112 وسلم: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله ~~بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار» # وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن ~~جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس. وأما المعتزلة وأصحاب النظر ~~والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب ~~آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى إلى أرحام ~~الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا، ثم أشهدهم ~~على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته ~~وكأنه قررهم وقال ألست بربكم وكأنهم قالوا بلى أنت ربناهدنا على أنفسنا # وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام ~~العرب نظيره فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين [فصلت: ~~11] وقال الشاعر: # PageV03P343 # امتلأ الحوض وقال قطني وهذا القول الثاني غير مناف للقول الأول ولا هو ~~مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول. والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: ~~منها أن قوله من ظهورهم بدل من بني آدم بدل البعض من الكل. فالمعنى وإذ أخذ ~~ربك من ظهور بني آدم. وعلى هذا فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر بني آدم ~~شيئا. ويمكن أن يجاب بأنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن ~~فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم ~~من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ~~ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الطعن. ومنها ~~أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا ~~عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل ~~التناسخ. # ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا ms2113 كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ~~ودهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في ~~أسرع زمان فلم يبعد حصول النسيان فيه. ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم ~~جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية ~~شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت ~~صغيرة والمجموع يبلغ مبلغا عظيما في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية ~~عندنا ليست شرطا في الحياة والعقل. فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهرا ~~فردا. ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في ~~الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه ~~على الذر؟ وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل. وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح ~~القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في ~~إسماع هذه الأشياء نطق فكذا هاهنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في ~~تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق. وقيل: إن الله تعالى ~~يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة. ومنها أنه سبحانه قال ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين [المؤمنون: 12] وقال فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء ~~دافق [الطارق: 5، 6] وكون أولئك الذر أناسا ينافي كون الإنسان مخلوقا من ~~الماء والطين. والجواب لا يجوز أن يخرج الله تعالى من صلب آدم ذرة من الماء ~~ثم منها ذرة أخرى وهلم جرا إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل ~~الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟ وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، ~~وثالثها: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل ~~حياتين واحد. ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين # PageV03P344 # [غافر: 11] لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم. أما قوله أن تقولوا ~~فالتقدير: # وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا المشهود ms2114 له غافلين من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة ~~وهو قوله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا. ومن ~~قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ألست بربكم وكلا ~~الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى. أو تقولوا يعني الكفار ~~إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا ~~فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله أفتهلكنا بما فعل المبطلون ~~والحاصل أن الله تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا ~~العذر. وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على ~~سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في ~~الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. وقال في الكشاف: ~~المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا ~~في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن ~~اليهود. وكذلك قوله واتل عليهم أي على اليهود نبأ الذي آتيناه آياتنا أما ~~قوله وكذلك أي ومثل ذلك التفصيل البليغ نفصل الآيات لهم لعلهم يرجعون ~~وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ ~~الله عليهم من الميثاق في التوحيد. ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن ~~الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها ~~وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد ~~بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها ~~فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر واتل عليهم على بني آدم أو ~~اليهود خاصة. # قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء وذلك أن موسى ~~عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفارا فطلبوا أن يدعو ~~على موسى وقومه. وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم. فامتنع منه فما ~~زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى عليه ms2115 السلام وبنو ~~إسرائيل بدعائه في التيه. فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: ~~بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه. ثم دعا موسى عليه ~~السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ~~ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. # ويقال أيضا أنه كان نبيا من أنبياء الله تعالى فلما دعا عليه موسى عليه ~~السلام انتزع الله تعالى منه الإيمان فكان # PageV03P345 # كافرا وهذا بعيد لأنه سبحانه قال الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: ~~124] وفيه أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه ~~عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟ # وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في ~~أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولا في ذلك ~~الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات ~~كافرا ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم: لقد كاد يسلم. # وذلك أنه يوحد الله تعالى في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء ~~والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار. # وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر ~~المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه ~~وآله فمات هناك طريدا وحيدا وهو قول سعيد ابن المسيب. # وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نبي الحق عن الحسن والأصم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ~~ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ~~ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة. قال: لك منها واحدة فماذا ms2116 ~~تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أن ~~ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة ~~نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: # ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع ~~الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت ~~الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: «أشأم من البسوس» . وقيل: هو عام ~~فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم. ومعنى قوله ~~آتيناه آياتنا عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار ~~عارفا بها فانسلخ منها فخرج من محبة الله تعالى إلى معصيته ومن رحمته إلى ~~سخطه. يقال لكل من فارق شيئا بالكلية إنه انسلخ منه. وقال أبو مسلم آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل ~~كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر. والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل ~~على أن الشيء كان موجودا فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلا. ~~وأيضا ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفا بدين الله ثم خرج من ~~المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله فأتبعه الشيطان أي أدركه ولحقه وصار ~~قرينا له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل ~~كفار الإنس أتباعا له فكان من الغاوين في علم الله تعالى أو فصار # PageV03P346 # منهم ولو شئنا لرفعناه إلى منازل الأبرار بها أي بتلك الآيات ولكنه أخلد ~~إلى الأرض أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ~~ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به. قال ابن عباس: معناه مال إلى ~~الدنيا. وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا. وقال الزجاج: # سكن إلى الدنيا. وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في ~~الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات ~~والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ms2117 ويقوى، ومعنى قوله واتبع هواه أنه أعرض ~~عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو ~~شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ولكنه أخلد إلى الأرض لما دل على ~~هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه. قالت الأشاعرة: لفظة «لو» تدل على أن الله ~~تعالى قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر. وقال الجبائي: معناه ولو شئنا ~~لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له ~~الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على ~~الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهرا أو جبرا ~~إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره. # وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه ~~بها، وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة ~~والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ~~ترى إلى قوله ولكنه أخلد إلى الأرض فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله ~~فوجب أن يكون ولو شئنا في معنى ما هو فعله. ثم وضع قوله فمثله كمثل الكلب ~~موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا ~~المعنى ومحل قوله إن تحمل عليه النصب على الحال كأنه قيل: # كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيرا ~~للمثل كما مر. # قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند ~~شدة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو ~~عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته ~~الخسيسة. فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضا ~~لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له. عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد ~~يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه. # قيل: لما ms2118 دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث ~~الكلب فيكون هذا وجه التمثيل. واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما ~~وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن ~~الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم ~~أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه # PageV03P347 # ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما ~~تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله ~~شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبدا من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد ~~الطبيعة الجسدية. وأيضا هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ~~ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك ~~الكلب إن شد عليه لهث وإن ترك لهث. # ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا ~~يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه. ~~وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر ~~القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به. فاقصص القصص يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي ~~هو نحو قصص المكذبين لعلهم يتفكرون فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروا نحو سيرته. ~~ثم ذكر تأكيدا آخر في باب التحذير فقال ساء مثلا القوم ولا بد من تقدير ~~مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلا القوم، أو ساء ~~أصحاب مثل القوم. وفي ساء ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده. وظاهر الآية يقتضي ~~كون المثل مذموما فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله تعالى ذكره؟ والجواب أن ~~الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها ~~حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث. ms2119 أما قوله وأنفسهم كانوا يظلمون فإما ~~أن يكون معطوفا على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين ~~التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاما منقطعا بمعنى وما ~~ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا ~~أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها. ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره ~~فقال من يهد الله فهو المهتدي وهو محمول على اللفظ من حيث إن «من» مفرد ~~اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون محمول على ~~المعنى لأن من معناه هاهنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل ~~الإضلال. مطاوع له والخسار لازم اللازم. ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق ~~لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله تعالى، ~~والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في ~~الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة. وقال بعضهم: # التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو ~~الخاسر. وقيل: # من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما ~~تقدم منه # PageV03P348 # بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، ~~وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله ~~تعالى من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها ~~وهي قوله ولقد ذرأنا إلى آخره. # وذلك أنه بين أنه خلق كثيرا من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل ~~وخلاف مقدوره ومعلومه محال. وأيضا العاقل لا يريد الكفر والجهل. الموجبين ~~لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ~~ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة. لا يقال العبد إنما يسعى ~~في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقادا صحيحا ~~لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا ~~يتسلسل بل ms2120 ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام. # قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه سبحانه أراد من العبد الطاعة ~~العبادة والخير فقط كثيره كقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~[الذاريات: 56] وأيضا أنه قال في معرض الذم لهم قلوب لا يفقهون بها إلى ~~آخره. ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم. وأيضا ~~لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلا لأن منافع الدنيا بأسرها ~~لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم ~~على جميع الخلائق. وأيضا مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب ~~والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ~~ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم. وأيضا ~~الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر «ولقد ~~ذرأناهم» لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] لأن ظاهره يصح من غير حذف. وعلى هذا ~~أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا [القصص: 8] أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدة ~~شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان ~~غريقا في بعض الأمور. وأجيب إجمالا بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلا بأن ~~النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام ~~على العاقبة تجوز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وهاهنا لا ضرورة ~~فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن ~~الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو ~~قوله من يهد الله فهو المهتدي وما بعدها وهو قوله والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم يدل على ما قلنا. وأيضا لا ريب أن أولئك الكفار # PageV03P349 # كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، ~~فالمراد أنهم ms2121 كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين. ثم ~~إنه تعالى كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في ~~عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغا لا ~~يكتنه كنهه. والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس ~~باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ ~~يثبت القول بالجبر. # وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن علي بن أبي طالب عليه ~~السلام خطب الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة ~~وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، ~~وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد ~~بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله ~~الجزع، وإن وجد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده ~~الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. # وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة ~~بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت ~~قبلها. وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف ~~بالجبر. وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلا ثم قال: فإن قلت أني أجد من ~~نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلا بي لا ~~بغيري. # أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك ~~إن شئت أن تشاء شيئا شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك ~~وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد ~~حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار. والله تعالى أعلم. قال بعض ~~العلماء أنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل ms2122 على ~~أن محل الفقه هو القلب. # وأقول: ليس المراد بالقلب هاهنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي ~~بها يكون الإنسان إنسانا وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح. أما قوله ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى ~~الطبيعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي ~~أحوال التخيل والتفكر. وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي ~~تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية ~~للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل ~~مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس # PageV03P350 # حالا ممن لم يكتسبها مع العجز عنها. وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة ~~لله والكافر غير مطيع. وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ~~ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون ~~وقيل: إنها تفر أبدا إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه ~~إلى الأصنام. وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال ~~الرسل وإنزال الكتب أولئك هم الغافلون الكاملون في الغفلة. # وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من ~~العقاب. ثم نبه بقوله ولله الأسماء الحسنى على أن الموجب لدخول جهنم هو ~~الغفلة عن ذكره سبحانه، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد ~~من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في ~~نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى ~~طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران ~~الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات. وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع ~~أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أول طه وفي آخر الحشر. ومعنى حسن الأسماء حسن ~~معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلال وهي ~~محصورة في نوعين: عدم افتقاره تعالى إلى غيره ms2123 وثبوت افتقار غيره إليه. وقد ~~عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله تعالى لا تكاد تنحصر بحسب السلوب ~~والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه ~~بأسماء الله الحسنى أكثر. والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله ~~المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه تعالى. ~~ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم ~~وإن كان معناها في حق الله مغايرا لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو ~~«الله» و «الرحمن» . وقد يقيد القسم الأول بقيود مثل «يا أرحم الراحمين» و ~~«يا أكرم الأكرمين» و «يا خالق السموات والأرضين» . ومنها أن يقال من ~~الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا «يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم» . ومنها ~~ما لا يكون كذلك كقولنا «مميت» و «ضار» فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب ~~أن يقال «يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع» . ومنها أن يقال أول ما يعلم من ~~صفات الله تعالى كونه محدثا للأشياء مرجحا لوجودها على عدمها، وذلك إنما ~~يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على ~~سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأول باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، ~~والثاني هو المعني بكونه قادرا. ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة ~~متقنة على كونه عالما ثم # PageV03P351 # نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حيا فظهر أن العلم بصفاته ~~وبأسمائه ليس واقعا في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها ~~من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله تعالى لأن كل الشرف ~~والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا ~~يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله تعالى. ومن ~~هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟ # وقد مر تحقيق ذلك في تفسير ms2124 البسملة وفي الأنعام في قوله قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله [الأنعام: 19] أما قوله فادعوه بها ففيه دليل على أن الإنسان ~~لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون ~~مستحضرا الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم ~~«الله أكبر» يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من ~~الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء ~~وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء وذروا الذين يلحدون في أسمائه قال ~~ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه. يقال قد ألحد ~~في الدين ولحد. وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة ~~والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر. قال الواحدي: الأجود ~~قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد. والإلحاد في أسماء ~~الله تعالى يقع على ثلاثة أوجه: الأول: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام ~~كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة ~~الكذاب يسمى نفسه الرحمن. والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن ~~البدو وإن قالوا بجهلهم «يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخي» بناء على ~~أن النخوة مدح. الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلا. ~~قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ ~~المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال «يا معلم» وإن ورد وعلم آدم الأسماء ~~[البقرة: 31] وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاص أو غاو وإن ~~ورد وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121] ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله سيجزون ~~ما كانوا يعملون ثم لما أخبر أن كثيرا من الثقلين مخلوقون للنار حكى أن ~~بعضا منهم مخلوقون للجنة فقال وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وقد مر مثل هذه ~~الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة ms2125 ~~محمد صلى الله عليه وآله. # وروى الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا قرأها هذه لكم ~~وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها» . # وعن الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: إن ~~من أمتي قوما على الحق # PageV03P352 # حتى ينزل عيسى. # وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. وقال الجبائي: هم العلماء ~~والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد ~~فقال والذين كذبوا بآياتنا قال ابن عباس: يريد أهل مكة والظاهر أنه عام. ~~والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج ~~الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء. ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف ~~عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم. وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح ~~الله عليهم بابا من أبواب الخير فيزدادون بطرا وانهماكا في الغي والفساد، ~~ثم يأخذهم أغفل ما يكونون وأملي لهم أطيل لهم مدة عمرهم إن كيدي متين عن ~~ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي. يقال متن متانة. ~~واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر ~~حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء ~~الكفر لا يكون كفرا آخر. وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى ~~العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما ~~يزيد الكافر به كفرا وعتوا واستحقاقا للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل ~~أن يصير مستوجبا لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته ~~للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف فلما خلقه وألقاه في ورطة ~~التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد ~~استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ولقد ذرأنا لجهنم ~~الآية. ### | التأويل: # وإذ أخذ ربك لم يقل «ربكم» ليعلم أن في الآية غموضا لا يطلع عليه غيره ms2126 ~~صلى الله عليه وسلم وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه صلى الله ~~عليه وسلم، وأنه تعالى لم يكلم أحدا وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم ~~وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا ~~بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله تعالى سمعهم وأبصارهم ~~وألسنتهم إنما أشرك آباؤنا بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة ~~بالفناء في الله بما فعل المبطلون الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة ~~لله ولعلهم يرجعون بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ~~فانسلخ منها أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة ~~الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك ~~الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ~~ولا يميل إلى حب المال والجاه ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا وهم مظاهر القهر ~~فادعوه بها بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم ~~تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله # PageV03P353 # تعالى. والذين كذبوا بآياتنا بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم سنستدرجهم ~~فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم. ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 184 الى 198] # أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا ~~في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في ~~طغيانهم يعمهون (186) يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ~~لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~يسئلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(187) قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) # هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل ms2127 منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها ~~حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ~~لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ~~ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193) # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ~~صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين ~~يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ~~(195) إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين (196) والذين تدعون ~~من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى ~~لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) ### | القراآت: # فبأي بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ويذرهم ~~بالياء مرفوعا: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل ويذرهم بالياء ~~مجزوما: عياش وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون مرفوعا إن أنا إلا بالمد: ~~أبو نشيط شركا بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد. ~~الآخرون: شركاء على الجميع يتبعوكم مخففا: نافع. الباقون: بالتشديد. # يبطشون بضم الطاء يزيد قل ادعوا بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة ~~وعاصم وسهل ويعقوب وعياش. الآخرون: بالضم للإتباع كيدوني بالياء في ~~الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل ~~والحلواني عن هشام في # PageV03P354 # الوصل ينظرون بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل. إن ولي ~~الله بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام ~~الكبير وليي بثلاث ياءات: رويس والبرجمي. الباقون: بياءين أولاهما مشددة ~~مكسورة والثانية مفتوحة. ### | الوقوف: # من جنة ط مبين ه من شيء لا لأن التقدير وفي أن عسى أجلهم ط لابتداء ~~الاستفهام مع الفاء يؤمنون ه هادي له ط لمن قرأ ويذرهم، بالرفع على ~~الاستئناف، ومن جزم ms2128 فلا وقف لأنه معطوف على موضع فلا هادي له، يعمهون ه ~~مرساها ط عند ربي ج لاختلاف الجملتين إلا هو ط والأرض ط بغتة ط عنها ط لا ~~يعلمون ه ما شاء الله ط من الخير ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون ~~معطوفا على جواب «لو» . واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ~~ابتداء نفي يؤمنون ه إليها ج لأجل الفاء فمرت به ج لذلك الشاكرين ه فيما ~~آتاهما ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه يشركون ه وهم يخلقون ه ~~والوصل أولى للعطف ينصرون ه لا يتبعوكم ط صامتين ه صادقين ه يمشون بها ز ~~لأن «أم» عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار والثانية والثالثة ~~كذلك يسمعون بها ط ينظرون ه الكتاب ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة ~~الصالحين ه وينصرون ه لا يسمعوا ط لا يبصرون ه. ### | التفسير: # إنه تعالى لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن ~~التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال أولم يتفكروا وإذا علم أن ~~الرؤية بالبصر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة ~~إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة ~~بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلبا لذلك، ~~وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته. وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم ~~يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة. كان جهال ~~أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: # أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة ~~بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله تعالى كان مخالفا لفعلهم. # وعن الحسن وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلا على الصفا يدعو ~~فخذا فخذا من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال ~~قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح. ms2129 # فأمرهم الله تعالى بالتفكر والتدبر في أمره وذلك # PageV03P355 # أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم ~~الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن ~~الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظبا على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة ~~لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه ~~بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب ~~المؤمنين. ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعا على دلائل التوحيد قال أولم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض أي في مدلولاتهما. والملكوت الملك العظيم، ~~وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر ~~في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في ~~سورة البقرة عند قوله إن في خلق السماوات والأرض [البقرة: 164] ثم قال وما ~~خلق الله من شيء أي مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس غير محصورة. والغرض ~~التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ~~ذرة من ذرات هذا العالم فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها ~~مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع ~~معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، ~~وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب ~~واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته وأن عسى هي مخففة من الثقيلة والأصل «وأنه ~~عسى» على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضا والمعنى: أو لم ~~ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون الشأن قد اقترب أجلهم الموت أو ~~القيامة. وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائما وجب على العاقل المسارعة إلى ~~هذا الفكر والنظر سعيا في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم. ~~أما قوله فبأي حديث بعده يؤمنون فمتعلق بقوله عسى أن يكون كأنه قيل: لعل ~~أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون ms2130 الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ~~ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. ودلالة في ~~إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما ~~يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في ~~حدوثها، قوله من يضلل الله قد سبق تفسير مثله. ثم لما تكلم في النبوة ~~والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال يسئلونك عن الساعة ~~وأيضا لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك ~~حاملا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض. ومن السائل؟ عن ابن ~~عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم ~~متى هي. وعن قتادة: # PageV03P356 # إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة. ~~قال في الكشاف: # الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها ~~بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو ~~لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق وأيان استفهام عن ~~الزمان ويختص بالأمور العظام نحو أيان مرساها [النازعات: 42] وأيان يوم ~~الدين [الذاريات: 12] ولا يقال أيان نمت. وكسر همزته لغة بني سليم. وعن ابن ~~جني أن اشتقاقه من أي «فعلان» منه وأي فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى ~~الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من «أين» لأنه للزمان و «أين» للمكان ولقلة ~~«فعال» في الأسماء وكثرة «فعلان» فيها. وقال الأندلسي: # أصله «أي أو أن» حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي «أيوان» فأدغم بعد ~~القلب. وقيل: أصله «أي آن» بمعنى «أي حين» فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف ~~والنون بأي. ورد بأن «آنا» لا يستعمل إلا بلام التعريف. والمرسى بمعنى ~~الإرساء والإثبات، والرسو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ~~ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق قل إنما ~~علمها أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها عند ربي قد استأثر ms2131 به لم يخبر ~~به أحدا من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى ~~الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك لا يجليها لا يظهرها ~~لوقتها أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد إلا هو والحاصل أنه لا يقدر على ~~إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو ثقلت في السماوات والأرض قال ~~الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار ~~النجوم، وعلى أهل الأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم. أو ثقل هذا اليوم ~~على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها ~~المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلا على الأفهام لا تأتيكم إلا ~~بغتة إلا فجأة على حين غفلة منكم. وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ~~ولهذا فقد العاطف. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه ~~والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه» ~~«1» # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده ~~لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ~~PageV03P357 # ذلك» «1» . # ثم كرر يسئلونك للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله كأنك حفي عنها فكان ~~السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ~~ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله قل إنما علمها عند الله لأن أعظم ~~أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة ~~والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و «عن» بمعنى «الباء» أي ~~كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد ~~إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة. والمعنى ~~أنك لا تكون حفيا بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار ~~عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. وعلى هذا ~~القول جاز ms2132 أن يكون عنها متعلقا ب يسئلونك أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم ~~بها فحذف قوله «بها» لطول الكلام أو لأنه معلوم. وقيل: عنها متعلق بمحذوف. ~~وحفي «فعيل» من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال ~~عنها لأن من أكثر السؤال علم. وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء ~~الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف. وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها ~~تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله ~~به ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة ~~حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله ~~خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق. ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ~~ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال قل لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان ~~عبدا كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله تعالى. واحتجت ~~الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب ~~أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى. وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك ~~لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه. ~~وظاهر الآية وإن كان عاما إلا أنها مخصوصة بصورة النزول. قال الكلبي: إن ~~أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري ~~فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله ~~هذه الآية. فالمراد بالخير في قوله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ~~هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب. PageV03P358 # وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن ~~الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذلك فكنت أشتغل بدعوة هذا ~~دون ذاك. # وقال بعضهم: لما رجع ms2133 صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق جاء في ~~الطريق ريح نفرت ناقته. منها فأخبر صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة وكان فيه ~~غيظ للمنافقين وقال: «انظروا أين ناقتي» . فقال عبد الله بن أبي لقومه: ألا ~~تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته. فقال ~~صلى الله عليه وآله: «إن ناسا من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا ~~الشعب قد تعلق زمامها بشجرة» فوجدوها على ما قال فنزلت. # أما قوله وما مسني السوء فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من ~~المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير ~~إن أنا إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب. وقوله ~~لقوم يؤمنون إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين ~~محذوفا للعلم به كقوله سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] أو يتعلق بالوصفين ~~جميعا إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين بها خصوا بالذكر كقوله هدى ~~للمتقين [البقرة: 2] واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع ~~معا جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفا ~~من عقابه أولا ثم طمعا في ثوابه ثانيا يؤيده قوله يدعون ربهم خوفا وطمعا ~~[السجدة: # 16] وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في ~~هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله من يهد الله فهو المهتدي ~~ومن يضلل [الكهف: # 17] وتقدم الخير على السوء في قوله لاستكثرت من الخير وما مسني السوء وفي ~~الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله طوعا وكرها [آل عمران: 83] والطوع نفع. وفي ~~الفرقان تقدم قوله هذا عذب فرات [الفرقان: 53] وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط ~~في قوله الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [الرعد: 26] وقس على هذا. ثم رجع ~~إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال هو الذي خلقكم من نفس واحدة ~~والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك ms2134 في أول سورة النساء. ~~قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ~~ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله فلما ~~آتاهما صالحا ولدا سويا جعلا يعني آدم وحواء له شركاء والمراد تسميته بعبد ~~الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: # أنه تعالى قال فتعالى الله عما يشركون بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ~~ولو كان المراد إبليس # PageV03P359 # لكان «أيشركون ما لا يخلق شيئا وهو يخلق» ؟. ومنها أن آدم عليه السلام ~~كان عالما بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم ~~إبليس كان حارثا، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟ ~~ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأول لا يستلزم محذورا إلا أن ~~أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب ~~الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في ~~تأويله وجوها: أحدها أن هذا مثل فكأنه تعالى يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد ~~منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية يسكن أي ~~تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملا على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى ~~الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى فلما تغشاها أي جامعها ~~لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها حملت حملا خفيفا قالوا: يريد النطفة. ~~والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على ~~الظهر أو على الدابة فمرت به أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق. ~~وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل. وقيل: # المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب ~~والأذى فلما أثقلت كان وقت ثقل حملها ولادتها دعوا أي الزوج والزوجة الله ms2135 ~~ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا لئن آتيتنا ~~صالحا ولدا قد صلح بدنه أو ولد ذكرا لأن الذكورة من الصلاح والجودة لنكونن ~~من الشاكرين لنعمائك فلما آتاهما صالحا كما طلبا جعلا له شركاء ومن قرأ ~~شركا فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضا. أو المراد أحدث لله ~~إشراكا في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى ~~الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين ~~كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصي والمعنى: هو الذي ~~خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من ~~الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي ~~وعبد الدار. والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في ~~الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون ~~قوله جعلا واردا بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟. ثم قال ~~فتعالى الله عما يشركون أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون ~~إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ~~ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ~~ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في ~~حق فلان كذا # PageV03P360 # وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك. ~~فغرضه من # قوله «إنه يقابلني بالشر» # النفي والتبعيد. أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله جعلا له على حذف ~~المضاف أي جعلا أولادهما له شريكا؟ وكذا فيما آتاهما أي آتى أولادهما عبر ~~عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكرا وأنثى وبلفظ الجمع أخرى ~~وهو قوله فتعالى الله عما يشركون سلمنا أن الضمير في جعلا وفي آتاهما لآدم ~~وحواء إلا أنهما كانا عزما أن يجعلا وقفا على خدمة الله وطاعته ثم ms2136 بدا لهما ~~فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر. وعلى هذا فإنما ~~قال تعالى عما يشركون لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. أو نقول: إنما ~~سمياه عبد الحرث اعتقادا منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد ~~يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفا. ~~فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله تعالى أعلم. ثم ~~أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~وهم يخلقون اعتبر اللفظ أولا فوحد والمعنى ثانيا، وإنما جمع بالواو والنون ~~بناء على معتقدهم أنهم عقلاء. واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال ~~فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بين أن المعبود يجب أن يكون قادرا ~~على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال ولا يستطيعون لهم ~~نصرا وهو المعونة على العدة ولا أنفسهم ينصرون ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها ~~فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه. والحاصل أن الأصنام لا تنصر من ~~أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم. ~~ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها ~~لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ~~ممن يسكت عنهم فقال وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ويجوز أن يكون المراد ~~وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ~~ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد فادعوهم فليستجيبوا لكم ثم قوى ~~هذا الكلام بقوله سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون وإعرابه شبيه بما ~~تقدم في أول سورة البقرة في قوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ~~[البقرة: 6] وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا ~~وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة ~~بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق ms2137 بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا ~~على صمتكم. ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها # PageV03P361 # عباد؟ وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم ~~أنها عقلاء. # وفيه أيضا نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ~~ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم ~~وأربابا؟. ثم بين عدم التفاضل بقوله فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ~~في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على ~~الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون ~~بدليل قوله ألهم أرجل يمشون بها الآية. وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون ~~له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن ~~خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول ~~الخسيس الدنيء؟ وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل ~~عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة ~~وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدة كان أشرف ممن يفتقر ~~في أفعاله إلى الآلات فضلا عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار ~~المشبهة أن الله تعالى لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلا على عدم ~~إلهيته. # ثم إنهم كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بآلهتهم كما قال قوم ~~هود إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء [هود: 54] فقال عز من قائل لنبيه ~~قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون أمر من الكيد المكر فلا تنظرون نهي عن الإنظار ~~والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعا. وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا ~~يبالي بغير الله كائنا من كان. ثم لما أمره صلى الله عليه وسلم بالتبري حثه ~~على التولي فقال إن وليي أي ms2138 ناصري عليكم الله الآية. وفيه أن الواجب على كل ~~عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين. أما الدينية الأخروية فبسبب ~~إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله ~~وهو يتولى الصالحين أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ~~ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم. يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر ~~لأولاده شيئا فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه ~~الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال تعالى فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته. أقول: وفي ~~التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال ~~التقريب في التقرير. ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال والذين ~~تدعون من دونه الآية. قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور ~~على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من ~~لا # PageV03P362 # يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه ~~الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ~~لا سماع سمع ولا سماع إجابة وتراهم تحسبهم ينظرون إليك يشبهون الناظرين ~~إليك لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك وهم لا ~~يبصرون لا يدركون المرئي. وقيل: الضمير في قوله وإن تدعوهم إلى آخر الآية ~~يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله قل ادعوا والمراد أنهم بلغوا في ~~الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا ~~بعقولهم البتة وتراهم إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدة إعراضهم عن قبول ~~الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] . ### | التأويل: # أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض لأرباب العقول النظر والاستدلال ~~لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان وما ~~خلق ms2139 الله من شيء يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي ~~أبدع من غير شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم يعني أجل فنائهم عما سوى ~~الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالا فبأي حديث بعده أي بعد النظر ~~يؤمنون، يسئلونك عن الساعة يريد الساعة التي يظهر الله تعالى فيها آثار صفة ~~القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار لاستكثرت من الخير من الحياة الأبدية ورفع ~~الحاجات البشرية. # خلقكم من نفس واحدة هي الروح وخلق منها زوجها وهي القلب ليسكن إليها لأن ~~القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ~~ألطاف الحق حملت حملا خفيفا في البداية بظهور أدنى أثر من آثار الصفات ~~البشرية في القلب الروحاني فلما أثقلت كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب ~~على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات ~~النفسانية الدنيوية الظلمانية ف دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا قابلا ~~للعبودية لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا أي الروح والقلب له ~~شركاء أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة ~~وعبد الدرهم والدينار. ولا يستطيعون لهم نصرا أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها ~~للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله ولا أنفسهم ينصرون للبقاء ~~والدوام. # PageV03P363 ### | [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 206] # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (199) وإما ينزغنك من الشيطان ~~نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا ~~يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (203) # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ~~(205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن ms2140 عبادته ويسبحونه وله يسجدون (206) ### | القراآت: # طيف بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. # الباقون: طائف على وزن «فاعل» يمدونهم من الإمداد: أبو جعفر ونافع. # الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد العفو وأمر مدغما: أبو عمرو. ~~وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # الجاهلين ه بالله ط عليم ه مبصرون ه ج لأن قوله وإخوانهم مبتدأ إلا أن ~~المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين لا يقصرون ه اجتبيتها ط من ~~ربي ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول يؤمنون ه ترحمون ه من ~~الغافلين ه يسجدون ه. ### | التفسير: # لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم ~~أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة. واعلم أن ~~الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد ~~بقوله خذ العفو ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة ~~والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما ~~قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: ~~159] وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله وأمر بالعرف وهو ~~والمعروف. والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيرا ~~من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه ~~كان راضيا بتغيير الدين وإبطال الحق. ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن ~~المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال ~~وأعرض عن الجاهلين # قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~جبرائيل ما هذا؟ فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك ~~أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو # PageV03P364 # عمن ظلمك. # قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك ~~فقد عفوت عنه، ms2141 وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك ~~فقد أعرضت عن الجاهل. # يروى عن جعفر الصادق رضي الله عنه: ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم ~~الأخلاق من هذه الآية # ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا خذ العفو أي ما أتوك به ~~عفوا فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة وأمر بالعرف أي بإظهار ~~الدين الحق وهذا غير منسوخ وأعرض عن الجاهلين أي المشركين وهذا منسوخة بآية ~~القتال. والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييما للمطلق من غير دليل، ولو ~~سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور ~~بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي. وأيضا لا ~~يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، ~~وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكنا فلا حاجة إلى التزام النسخ. # قال أبو زيد: لما نزل قوله وأعرض عن الجاهلين قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: كيف يا رب والغضب؟ فنزل وإما ينزغنك من الشيطان نزغ # أي غرز ونخس جعل النزغ نازغا كما قيل: جد جده. عن أبي زيد: نزغت ما بين ~~القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ~~ذلك عند الغضب. ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي ~~وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى ~~حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع # عن معاذ بن جبل قال: استب رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم. # قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على ~~وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة. والجواب أن كلمة «إن» لا تفيد وقوع ~~الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه صلى الله عليه وسلم قبل تلك الوسوسة منه؟ ms2142 ~~ولو سلم فمحمول على ترك الأولى. ثم ختم الآية بقوله إنه سميع عليم ليعرف أن ~~القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه تعالى قال: اذكر ~~لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم. ~~ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي ~~لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم ~~الشيطان وذلك قوله إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف قال الفراء: الطائف ~~كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدرا كالعاقبة ولكنه بلا تاء. والأصح أنه اسم ~~فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفا. ومن قرأ طيف فهو إما # PageV03P365 # مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف «فيعل» من طاف يطيف كلين، أو من ~~طاف يطوف كهين. قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب ~~الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من ~~الشيطان وإلمام بوسوسته. ومفعول تذكروا محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ~~ونهى عنه فأبصروا السداد. واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من ~~المغضوب عليه عملا من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادرا وفي المغضوب ~~عليه كونه عاجزا هذا إذا كان واقفا على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر ~~الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم ~~على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة ~~في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما # قال صلى الله عليه وسلم: «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» # وأيضا إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا ~~أمضى الغضب كان شريكا للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهيا ~~للأنبياء والأولياء مستأهلا للثواب الجزيل، وإنه ربما انقلب الضعيف قويا. ~~وبالجملة فالمراد من قوله تعالى إذا مسهم ms2143 طائف من الشيطان ما ذكرنا من ~~الاعتقادات، والمراد من قوله تذكروا الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما ~~قوله وإخوانهم فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس ~~كقوله أولياؤهم الطاغوت [البقرة: 257] والضمير المرفوع في يمدونهم يرجع إلى ~~الإخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى ~~الشياطين فيكون الخبر جاريا على غير من هو له. والمعنى وإخوان الشياطين ~~ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مددا لهم في الغي. وجوز أن ~~يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر ~~جاريا على ما هو له. قال في الكشاف: والأول أوجه لأن إخوانهم في مقابلة ~~الذين اتقوا قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت ~~على «أفعلت» كقوله أنما نمدهم به من مال [المؤمنون: 55] وأمددناهم بفاكهة ~~[الطور: 22] أتمدونن بمال [النمل: 36] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت ~~قال ويمدهم في طغيانهم يعمهون [البقرة: 15] فالوجه هاهنا قراءة العامة ووجه ~~الضم الاستهزاء والتهكم نحو فبشرهم بعذاب أليم [آل عمران: 21] أما قوله ثم ~~لا يقصرون فالإقصار الكف عن الشيء. قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن ~~الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى «ثم» تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه ~~يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعا أن يتمادى فيه وينهمك ~~ولهذا قيل: # PageV03P366 # الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل. ثم ذكر نوعا واحدا من ~~إغوائهم فقال وإذا لم تأتهم بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ~~ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا [الإسراء: 90] ثم إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأتيهم بها فعند ~~ذلك قالوا لولا اجتبيتها يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى ~~إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم ~~كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر. والمراد هلا ~~أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقا ms2144 في أن الله يجيب دعاءك ~~ويسعف باقتراحك؟ وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب إنما أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها. ثم بين أن عدم الإتيان ~~بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق ~~دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت ~~فقال هذا يعني القرآن بصائر إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججا ~~بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفا هدى للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال ~~إلى درجة العرفان. فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، ~~والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع لقوم يؤمنون ولما عظم شأن ~~القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدبا حسنا في بابه فقال وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا والإنصات السكوت للاستماع. قال العلماء: ظاهر الأمر ~~للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبا وقت قراءة القرآن في صلاة ~~وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر. وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في ~~الصلاة فنزلت. وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم ~~وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت. ثم صار سنة في غير ~~الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن. وقيل: نزلت في ~~ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما # روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة ~~وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه صلى الله عليه وسلم فنزلت. # وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات ~~عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة ~~القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآنا ~~لاشتمالها عليه. وأجيب بأن كلمة «إذا» لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال ~~لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة ~~أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن ms2145 يقرأ الفاتحة، ورد بأن ~~المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة # PageV03P367 # الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت ~~يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع. واعترض ~~بأن سكوت الإمام واجب أم لا. والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا ~~يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك ~~الاستماع. وأيضا فهذا السكوت ليس له حد محدود والمأمومون مختلفون ببطء ~~القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار ~~سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور. وأيضا الإمام في هذا السكوت يصير ~~كالتابع للمأموم وذلك غير جائز. قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند ~~العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحدا. وأورد عليه أن غاية توجيهه ~~هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ~~ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على ~~الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصاف المفسر ممكن أن ~~يحصل مع قراءة الإمام. هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم ~~جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك هاهنا # قوله صلى الله عليه وآله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» # وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة ~~الفاتحة في الصلاة الجهرية عملا بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في ~~الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة. وفي الآية تفسير آخر ~~وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا ~~يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا ~~له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على ~~طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسير قوله في آخر الآية لعلكم ترحمون ~~والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزما ~~في قوله ورحمة ms2146 لقوم يؤمنون ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم ~~يبق إلا الفرق. وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه. # ثم أمر نبيه وأمته تبعيته صلى الله عليه وسلم بالذكر العام- قرآنا كان أو ~~غيره- على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال واذكر ~~ربك في نفسك وفي الآية قيود: # الأول: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيها على أن سبب الذكر هو ~~التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء. والثاني: ذكر الرب في النفس ~~ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء. قيل: ذكره في النفس هو أن يكون ~~عارفا بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه. قال بعض المتكلمين: الذكر ~~النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة. # PageV03P368 # الثالث والرابع: قوله تضرعا وخيفة أي متضرعا وخائفا، فالتضرع لإظهار ذلة ~~العبودية. # والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام ~~العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف ~~الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة. الخامس: قوله ودون الجهر من ~~القول والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطا بين الجهر والإخفاء. قال ابن عباس: ~~هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن ~~الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك ~~إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه ~~سريانا معتدلا خاليا عن التكلف بريئا من التعسف. السادس: قوله بالغدو ~~والآصال والغدو مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي ~~وقته. # وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر ~~إلى المغرب. وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته. إنما يبتديء في ~~الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلا لكونه ملاصقا لما هو الأصل لليوم ~~الثاني. وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عند ما ينقلب الحيوان من النوم ~~الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي ~~هي ms2147 طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد ~~وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير ~~وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلا بالذكر والحضور، ويمكن أن ~~يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان. السابع: # قوله ولا تكن من الغافلين وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم ~~عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ~~ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر ~~الجبروت مدحهم الله بقوله إن الذين عند ربك ومعنى عند دنو الشرف والقرب من ~~عنايته وألطافه لا يستكبرون عن عبادته فيداومون على ذلك ويسبحونه يبرئونه ~~وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم وله يسجدون بحضرته بغاية ~~الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح. وفي هذا الترتيب دليل على ~~أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح. ~~والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن ~~بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية ~~والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات ~~البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ~~ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية ~~والمعارف الحقية # PageV03P369 # والله ولي التوفيق. ### | التأويل: # وأمر بالعرف وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين وأعرض عن الجاهلين الذين ~~يطلبون غير الله من الشيطان نزغ في طلب غير الله فاستعذ بالله من طلب غير ~~الله إن الذين اتقوا هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما # قال صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا» # وأشار إلى صدره. طائف من الشيطان نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور ~~التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه وإخوانهم يعني إخوان ~~القلوب وهم النفوس الأمارة وإذا لم تأتهم أي لم تأت القلوب بآية من الله ~~لتعجز النفوس عن تكذيبها قالوا أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية ms2148 ~~قلبيتك لتزكية النفوس قل إنما أتبع إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس ~~إلا بقوة الإلهام الرباني. فاستمعوا بآذانكم الظاهرة وأنصتوا بألسنتكم ~~الباطنة لعلكم ترحمون بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك # قوله: «كنت له سمعا وبصرا فبي يسمع وبي يبصر» «1» # فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو ~~المستعد لخطاب واذكر ربك في نفسك بأن تبدل أخلاقها الله تضرعا في البداية ~~وهو من باب التكلف وخيفة في الوسط ودون الجهر من القول في النهاية وهو مقام ~~الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدو الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر ~~والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] ~~ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله ولا تكن من ~~الغافلين الذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله إن الذين عند ~~ربك وهم الذين بقوا ببقاء الله يستكبرون عن عبادته لأنهم أفنوا أخلاقهم في ~~أخلاقه يسبحونه ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد وله يسجدون في الوجود ~~والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى. PageV03P370 ### | (سورة الأنفال # مدنية إلا سبع آيات من قوله وإذ يمكر بك إلى قوله يحشرون حروفها 5294 ~~كلمها 1231 آياتها خمس وسبعون. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1) إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~(2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) # كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك ~~في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن ~~يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل الباطل ولو ms2149 كره ~~المجرمون (8) إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين (9) # وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن ~~الله عزيز حكيم (10) ### | القراآت: # مردفين بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن ~~قنبل. الباقون: بالكسر. ### | الوقوف: # عن الأنفال ط والرسول ج لعطف المختلفين مع الفاء ذات بينكم ص مؤمنين ه ~~يتوكلون ه ج لاحتمال جعل الذين مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على ينفقون ~~ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفا إلى قوله هم المؤمنون حقا ط كريم ه ج ~~لما يجيء في ### | التفسير # بالحق ص لطول الكلام لكارهون ه لا ينظرون ه الكافرين ه المجرمون ه ج ~~لاحتمال كون «إذ» متعلقا بمحذوف وهو «اذكر» أو بقوله ويحق مردفين ه قلوبكم ~~ج لابتداء النفي مع احتمال الحال عند الله ط حكيم ه. # PageV03P371 ### | التفسير: # روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما ~~كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا ~~كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله تعالى يسئلونك عن ~~الأنفال فقسمها بينهم بالسواء. # وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدو يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، ~~أحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم واستولت طائفة بالعسكر والنهب، ~~فلما نفى الله العدو رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدو ~~وبنا قفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدو منه صلى الله ~~عليه وسلم غزة. وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه ~~واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهم بالسواء. # وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص ms2150 ~~فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن ~~الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ليس هذا لي ولا لك ~~اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله ~~من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال: «يا سعد إنك سألتني السيف ~~وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه.» # والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار ~~قهرا. قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن ~~المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم. وصلاة التطوع ~~نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال تعالى ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ~~[الأنبياء: 72] أي زيادة على ما سأل. والضمير في يسئلونك عائد إلى جامع ~~معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا. وحسن العود وإن لم يجر لهم ~~ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهما إلا أن تعيين ~~الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق ~~لها. قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراما على من كان قبلهم. وضعف ~~بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها ~~لا عن حلها وحرمتها. وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي ~~يطلبون منك الغنائم. وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائدا ~~على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضا على البلاء في الحرب. من قتل ~~قتيلا فله سلبه. # أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه. ولا يخمس النفل ~~ويلزم الإمام # PageV03P372 # الوفاء بما وعد به. وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء ~~السيف إياه. # وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى ms2151 ~~المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يضعه حيث يشاء. وعن مجاهد: # إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس. وعلى هذا فالقوم إنما سألوا ~~عن الخمس فنزلت الآية. ثم أمر بالشروع في الجواب فقال قل الأنفال لله ~~والرسول أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ~~ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد. قال ~~مجاهد وعكرمة والسدي: # إنها منسوخة بقوله واعلموا أنما غنمتم [الأنفال: 41] الآية. وضعف بأن جعل ~~أربعة أخماسها ملكا للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر ~~الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال. ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى ~~المؤاخاة والمصافاة فقال فاتقوا الله أي عقابه ولا تقدموا على معصيته ~~واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال وأصلحوا ذات بينكم أي التي هي ~~بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة. لما كانت الأحوال ~~واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور ~~قيل لها ذات الصدور. ثم ختم الآية بقوله إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإيمان ~~تنبيها على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله. # ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم أي فزعت لذكره استعظاما لجلاله وحذرا من أليم عقابه. وقد يطمئن ~~القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23] وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم ~~لمعصية فيقال له اتق الله فينزع وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا قالت ~~العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأول: بقوة الدليل وبكثرته، ~~فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات. ولا شك في أن النفوس مختلفة في ~~الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه ~~بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح ms2152 له على ~~المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب سوى دليل واحد ولذا ~~يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له ~~آية تدل على أنه واحد. الثاني: بتعدد التصديق وتجدده فمن المعلوم أن من صدق ~~إنسانا في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى ~~الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد. الثالث: أن يقال: # الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر ~~الآية لأنه لما ذكر # PageV03P373 # الأمور الخمسة قال أولئك هم المؤمنون فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة ~~في مسمى الإيمان ويؤيده # ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ~~والحياء شعبة من الإيمان» «1» # وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل ~~يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصورا. ~~أما قوله وعلى ربهم يتوكلون فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه ~~الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية ~~الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه. ثم لما فرغ من ~~أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح ~~وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله أولئك هم ~~المؤمنون حقا وفي أولئك وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد حقا من ~~المبالغات ما لا يخفى وحقا صفة مصدر محذوف أي إيمانا حقا وهو مصدر مؤكد ~~للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخبارا حقا، وقيل: # إنه منوط بما بعده أي حقا لهم درجات. واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن ~~الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن ~~يضيف إليه حقا أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله. والأول مذهب أصحاب أبي ~~حنيفة ms2153 لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق ~~والإقرار كلاهما محقق. والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه ~~لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقا إنما النزاع في أن القائل ~~أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزما أم لا. وأما حديث الشك فمبني على أن ~~الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتيا بالأعمال ~~الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك ~~الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو ~~لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض ~~بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~[الفتح: 27] وإنه تعالى منزه عن الشك والريب. عن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن ~~أنت؟ قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت ~~تسألني عن قوله إنما المؤمنون فو الله لا أدري PageV03P374 # أمنهم أنا أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقا ثم لم يشهد أنه ~~من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية. وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من ~~أهل الجنة حقا فلا يقطع بأنه مؤمن حقا. ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: ~~لم تستثني في إيمانك؟ فقال: اتباعا لإبراهيم في قوله والذي أطمع أن يغفر لي ~~خطيئتي [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله أولم تؤمن قال بلى ~~[البقرة: 260] قيل: وكان لقتادة أن يقول ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] ~~وفيه ما فيه. ثم أخبر عن مآل حالهم فقال لهم درجات عند ربهم أي سعادات ~~روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته ~~الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال سبحانه ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل، ومغفرة [الحجر: 47] وتجاوز عن سيئاتهم ورزق كريم هو ms2154 نعيم ~~الجنة المقرون بالدوام والتعظيم. والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في ~~بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة. فالله سبحانه موصوف بأنه كريم لأنه محمود ~~في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء وقالت يا ~~أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم [النمل: 29] وقال من كل زوج كريم ~~[لقمان: 10] وقال وقل لهما قولا كريما [الإسراء: 23] قال بعض العارفين: # المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله. والرزق الكريم ~~الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته. # قوله عز من قائل كما أخرجك يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه ~~وجوها: الأول: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك. والمعنى أن ~~حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ~~وذلك # أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين ~~قال: «من قتل قتيلا فله كذا وكذا» . # ومن أسر أسيرا فله كذا وكذا. ترغيبا لهم في القتال، فلما انهزم المشركون ~~قال سعد بن عبادة: # يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت ~~قل الأنفال لله والرسول # يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من ~~الكراهة. والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدر في قوله ~~قل الأنفال لله والرسول أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ~~ثباتا مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به ~~بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبها به ~~كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه. وقيل: التقدير هو أن الحكم ~~بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق. الثالث: ~~قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله # PageV03P375 # يجادلونك والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين ~~كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. والبيت ms2155 بيته صلى الله عليه وآله ~~بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص ~~البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم. # ثم بين الكراهة بقوله يجادلونك ويجوز أن تكون الجملة بدلا أو خبرا بعد ~~خبر. # روي أن قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكبا- منهم ~~أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام- فأخبر جبريل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما ~~خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء ~~النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها ~~أبدا. وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجبا ~~رأيت كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من ~~بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما ~~يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم. فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم ~~النفير على ما قيل في المثل السائر: «لا في العير ولا في النفير» فقيل له: ~~إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا ~~يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر ~~فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمدا لم يصب العير. فمضى بهم إلى بدر ونزل ~~جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا ~~فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد ~~خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟ قالوا: بل ~~العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~رد عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل ms2156 قد أقبل ~~فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. فقام عند غضب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر ~~فامض فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال: المقداد ~~بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك ~~كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ~~[المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين ~~تطرف. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «أشيروا علي أيها الناس» ~~. وهو يريد الأنصار # PageV03P376 # لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ~~ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته ~~إلا على عدو دهمه بالمدينة. فقام سعد بن معاذ فقال: # لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ~~ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ~~فامض يا رسول الله لما أردت فو الذي بعثك بالحق نبيا لو استعرضت بنا هذا ~~البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، ~~إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقر به عينك، ~~فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشطه قول سعد ~~ثم قال: # «سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله ~~لكأني أنظر إلى مصارع القوم» . # ولنرجع إلى التفسير. قوله في الحق أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد ~~إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان ~~خروجنا إلا للعير. # وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال ms2157 كأنما يساقون إلى الموت ~~المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد. روي أنه ما كان منهم إلا ~~فارسان. وانتصب بإضمار «اذكر» . قوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين وقوله ~~أنها لكم بدل من إحدى الطائفتين وهما العير أو النفير وتودون أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة ~~لها ولا شدة. والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك ويريد الله أن يحق الحق ~~يثبته ويعليه بكلماته بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال ~~الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر ويقطع دابر الكافرين أي ~~يستأصلهم. والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد ~~معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين. قوله ليحق الحق ~~متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر. فعل ما فعل وإنما قدر ~~المحذوف متأخرا ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال ~~الباطل وقيل: # يتعلق ب يقطع فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء ~~لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل. قلنا: المراد إظهار كون الحق حقا ~~والباطل باطلا وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء ~~الحق وقهر رؤساء الباطل. فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟ قلنا: لا إذ ~~المراد بالأول تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد ~~الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر. والحاصل أن الأول جزئي أي # PageV03P377 # أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية ~~وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر. ~~احتجت الأشاعرة بقوله كما أخرجك ربك وقوله ليحق الحق على أن الأعمال ~~والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق ~~وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه ~~الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة. # والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا ms2158 ~~والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل. وأجيب بأن ~~اللام في الحق ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه ~~كذلك في جميع الصور ولو كره المجرمون أي الكافرون أو المشركون كقوله ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون [التوبة: 32] وفي موضع آخر ولو كره ~~المشركون [الصف: 90] وقوله إذ تستغيثون بدل من قوله وإذ يعدكم وقيل: يتعلق ~~بقوله ليحق الحق واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا ~~يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا. # وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى ~~أصحابه ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، ~~اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، ~~فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك ~~منا شدتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. # ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بالدعاء المذكور. # ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني ~~فاستجاب لكم، أني أي بأني ممدكم بألف من الملائكة مردفين بكسر الدال وفتحها ~~من أردفته إياه إذا أتبعته متعديا إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي ~~جئت بعده متعديا إلى مفعول واحد. ومعنى الأول جاعلين بعضهم أو مجعولين ~~بعضهم تابعا لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى. # ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم ~~يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة. واختلف في قتال الملائكة يوم بدر # فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل ~~في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب ~~بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، # وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم ms2159 حنين. وعن أبي جهل أنه ~~قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ قال: من # PageV03P378 # الملائكة. فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم. # وروي أن رجلا من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع ~~صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيا وشق وجهه، فحدث ~~الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: صدقت ذاك ~~من مدد السماء. # وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع ~~رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون ~~السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا، وقد ~~أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله وما جعله ~~الله الآية. وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف لكم ~~هاهنا لأن المخاطبين معلومون في قوله فاستجاب لكم وقدم قلوبكم وأخر به في ~~«آل عمران» ازدواجا بين الخطابين وعكس هاهنا ازدواجا بين الغائبين. ثم إن ~~قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال إن الله عزيز حكيم ليستقر الخبر ~~وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم. ### | التأويل: # كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ~~ما تمنوا. وقيل: الأنفال لله والرسول قطعا لطريق الاعتراض والسؤال. وأصلحوا ~~ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية وأطيعوا الله ورسوله بالتسليم ~~والائتمار زادتهم إيمانا بحسب تزايد الأنوار كما أخرجك ربك فيه أنه أخرج ~~المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية كما أخرجك ~~من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال وإن فريقا هم القلب ~~والروح لكارهون للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود ~~يجادلونك أي الروح والقلب في مجيء الحق بعد ما تبين مجيئه كأنهم ينظرون إلى ~~الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت ms2160 وإذ يعدكم الله أيها ~~السائرون إحدى الطائفتين إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات ~~الروحانية وغنائم الأسرار الربانية. # وتودون أن غير ذات الشوكة أي أردتم أن لا تجاهدوا عدو النفس ذات المكر ~~والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: ~~سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات ~~الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، ~~فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع ~~الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى ~~سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان ~~مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه # PageV03P379 # كما قال ويريد الله أن يحق الحق بكلماته أي بجذباته ويقطع دابر الكافرين ~~النفوس الأمارة بالسوء. إذ تستغيثون ربكم يعني استغاثة الروح والقلب من ~~النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها بألف من الملائكة هم الصفات الملكية ~~والروحانية إلا بشرى لكم بتبديل الأخلاق وما النصر بإهلاك النفس وصفاتها ~~إلا بتجلي صفته القهارية إن الله عزيز لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود ~~حكيم في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 11 الى 19] # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ذلكم فذوقوه وأن ~~للكافرين عذاب النار (14) يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ~~فلا تولوهم الأدبار (15) # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب ~~من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما ~~رميت إذ رميت ولكن الله رمى ms2161 وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع ~~عليم (17) ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم ~~الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو ~~كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) ### | القراآت: # يغشيكم النعاس ابن كثير وأبو عمرو. يغشيكم النعاس من باب الأفعال: أبو ~~جعفر ونافع. الباقون يغشيكم النعاس من باب التفعيل. ويقال من الإنزال: ابن ~~كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر. والآخرون: بالتشديد رمى بالإمالة: # حمزة وعلي وخلف ويحيى. موهن من الأفعال كيد بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس موهن من الأفعال كيد بالجر للإضافة: حفص. ~~الباقون موهن بالتشديد كيد بالنصب وأن الله بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ~~ونافع وحفص والمفضل. الباقون: بالكسر. ### | الوقوف: # الأقدام ه ط لتعلق «إذ» بمحذوف هو «اذكر» . الذين آمنوا ط كل بنان ط ~~رسوله # الأول ج عقاب # ه النار ه الأدبار ه جهنم ط المصير ه ط قتلهم ص لعطف المتفقتين رمى ج ~~لاحتمال أن تكون الواو # PageV03P380 # مقحمة واللام متعلقا بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ولكن الله رمى ~~أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى حسنا ط عليم ط الكافرين ه الفتح ج للفصل ~~بين الجملتين المتضادتين مع العطف خير لكم ج لذلك نعد ج كثرت ط لمن قرأ ~~«وإن» بالكسر المؤمنين ه. ### | التفسير: # قال في الكشاف إذ يغشيكم «إذ» بدل ثان من إذ يعدكم أو منصوب بالنصر أو ~~بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا وأمنة ~~مفعول لأجله ومنه صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله. ولما كان غشيان ~~النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمنا لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل ~~والعلة واحدا كما هو شريطة انتصاب المفعول له. والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم ~~أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمنا. وجوز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون ~~الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيمانا منه. وجوز أن ينتصب الأمنة على أنها ~~للنعاس الذي هو فاعل ms2162 يغشيكم أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى ~~النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه ~~أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على ~~غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة ~~التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران. ومن نعم الله ~~تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: ~~تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان. وقيل: هو الجنابة التي ~~أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص. وقيل: ~~المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على ~~نجاسة المني لقوله والرجز فاهجر [المدثر: 5] وقيل: المراد وسوسة الشيطان ~~إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل ~~المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم ~~فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم ~~على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطشتم، ولو كنتم على ~~حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا ~~قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة. ~~فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي ~~واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا ~~وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام ~~وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ويثبت به # PageV03P381 # أي بالماء الأقدام وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ليربط ~~على قلوبكم والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من ~~كان قلبه ضعيفا فر ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قواها ثبتت أقدامهم ~~ومعنى «على» أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع ms2163 فوقها. ~~قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع ~~فيها من اليقين. # روي أن المطر نزل على الكافرين أيضا ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان ~~موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعا لهم من المشي والاستقرار. # فقوله ويثبت به الأقدام يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك. ~~ومن جملة النعم قوله إذ يوحي ربك وهو بدل ثالث من إذ يعدكم ومنصوب ب يثبت ~~أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم. ~~وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ~~ما كانوا يخافون الكفار. وقوله فثبتوا الذين آمنوا في هذا التثبيت وجوه: ~~أحدها: أنه مفسر لقوله سألقي فاضربوا ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في ~~قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة. ~~وثانيها: # أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ~~ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين. وثالثها: أن ~~الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر. ~~ومعنى فوق الأعناق أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع ~~الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد. وقيل: # أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق. والبنان الأصابع سميت بذلك لأن ~~بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، ~~والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين. ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد ~~أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان ~~عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيها على كل الأعضاء. بوجه آخر ~~الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معا. ~~ومنهم من قال: الأول إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات ~~المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال. وجوز في الكشاف أن يكون قوله سألقي ~~إلى قوله كل بنان تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول ms2164 سألقي، ~~أو يكون واردا على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قول ~~سألقي. فالضاربون على هذا هم المؤمنون لك # العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم أنهم شاقوا # بسبب مشاقتهم ومخالفتهم له ورسوله # ثم بين أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد ~~الله لهم ولأمثالهم في # PageV03P382 # الآجل فقال من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب # أي له. والكاف في لك # للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ذلكم للكفرة على طريقة الالتفات ~~ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، ~~أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيدا فاضربه. ~~قال في الكشاف: # وأن للكافرين عطف على ذلكم في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى «مع» ~~والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة. فوضع ~~الظاهر موضع ضمير الخطاب. قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن ~~للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين. وفي ذكر ~~الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة. # قوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا قال ~~الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على استه قبل أن يقوم، شبه بزحف الصبي ~~مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب. ~~فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز ~~أن يكون حالا من الذين كفروا. # والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا سمي بالمصدر، ~~والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا ~~تفروا فضلا عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين ~~وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى فلا تولوهم ~~الأدبار لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمة نهي عن الفرار يوم حنين ~~حين تولوا مدبرين وهم ms2165 زحف من الزحوف اثنا عشر ألفا. وفي قوله من يولهم ~~يومئذ دبره أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال إلا ~~متحرفا لقتال هو المكر بعد الفر يخيل إلى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو ~~نوع من خدع الحرب أو متحيزا أي منحازا إلى فئة # إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعلى هذا انتصب ~~متحرفا ومتحيزا على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس ~~في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف ~~عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أو التحيز، ويجوز أن يكون ~~الاستثناء تاما على أن الموصوف محذوف والتقدير: # ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا. ووزن متحيزا «متفيعل» ~~لأنه من حاز يجوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان «متفعلا» لقيل «متحوزا» . # عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا ~~فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن # PageV03P383 # الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم. # والعكرة البكرة. وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين ~~من أكبر الكبائر. واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل ~~الصلاة. وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو. وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة ~~والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~حاضرا بنفسه، لأنه تعالى وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ~~ولهذا منع من أخذ الفداء. وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما ~~كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت ~~وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم. والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم ~~بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن صلى الله عليه وسلم قتلهم لأنه هو الذي أنزل ~~الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم ms2166 وشاء النصر والظفر وقوى قلوبكم وربط عليها. # ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه قريش قد جاءت ~~بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبرائيل ~~عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: - لما التقى الجمعان- ~~لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: «شاهت ~~الوجوه» فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت وما رميت إذ رميت # أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ولكن الله رمى أثبت الرمية للرسول صلى ~~الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه عليه السلام ونفاها عنه لأن أثرها فوق ~~حد تأثير القوى البشرية. # قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض ~~كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك ~~الحصباء فانهزمنا، # وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي من فرجة بين سابغة البيضة والدرع ~~فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعا من أضلاعه، ~~فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: # والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات ~~أبي إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى # وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوس فرمى منها ~~بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه. # وأصح الأقوال هو الأول كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد ~~أن يدخل تحته سائر الوقائع ms2167 لأن العبرة بعموم اللفظ لا # PageV03P384 # بخصوص السبب. وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا وليعطهم عطاء جميلا فعل ما ~~فعل وما فعله إلا لذلك. قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى ~~البلاء هاهنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله تعالى يوم بدر ~~كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات. إن الله سميع ~~لكلامكم عليم بضمائركم. وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد ~~بظواهر الأمور ذلكم الغرض أي الغرض ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين إعرابه ~~كما مر في قوله وأن للكافرين عذاب النار [الأنفال: 14] قال ابن عباس: ينبىء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إني قد أوهنت كيد عدوك حتى قتلت ~~جبابرتهم وأسرت أشرافهم. # قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى ~~الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله تعالى خطابا ~~لهم على سبيل التهكم إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح # وقال عكرمة: قال المشركون: # اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت. وروي أن ~~أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي ~~فأهلكه. وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر. ثم ~~خاطب الكفار بقوله وإن تنتهوا أي عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو خير لكم وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم. # وجوز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة ~~في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم وإن تعودوا إلى تلك المنازعات ~~نعد إلى ترك نصرتكم. ثم ختم الآية بقوله وأن الله مع المؤمنين تقديره على ~~قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك. ### | التأويل: # إذ يغشيكم النعاس أمنة فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال ~~للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم [الأنبياء: 69] كذلك قال للخوف كن أمنا ms2168 ~~على محمد وأصحابه فكان ينزل عليكم من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ~~ليطهركم به من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ويذهب عنكم وساوس الشيطان ~~وهواجسه وليربط على قلوبكم بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ويثبت ~~به الأقدام على طريق الطلب أني معكم فثبتوا فيه أن التثبيت من الله لا من ~~غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك. إذا لقيتم الذين كفروا إذا ~~لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا ~~فتقعوا عن صراط الطلب إلا متحرفا إلا قلبا يتحرف ليتهيأ لأسباب القتال مع ~~النفس أو راجعا إلى الاستمداد من # PageV03P385 # الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله تعالى مستمدا في قمع ~~النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة فلم تقتلوهم نفى القتل عن ~~الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ولكن ولم ينف الرمي عن النبي ~~بالكلية حيث قال إذ رميت لأن الله تعالى كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد ~~الله كما كان حال عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى وليبلي ~~المؤمنين منه فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام إن تستفتحوا أي ~~تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ~~فقد جاءكم الفتح بالتجلي فأنه تعالى متجل في ذاته أزلا وأبدا فلا تغير له ~~وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند ~~انفتاح أبوابها محظوظون وإن تنتهوا عن طلب غير الله فهو خير لكم وإن تعودوا ~~إلى طلب الدنيا وزخارفها نعد إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ~~ودواعيها ولن تغني عنكم لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء ~~مما أعد لأهل الله وخاصته. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 30] # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ~~ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21) إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم ms2169 معرضون (23) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون (24) # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ~~(25) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ~~فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (26) يا أيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (27) واعلموا ~~أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28) يا أيها الذين ~~آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ~~ذو الفضل العظيم (29) # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين (30) ### | القراآت: # ولا تولوا بالإدغام: البزي وابن فليح. ### | الوقوف: # تسمعون ه ج للآية وللعطف لا يسمعون ه لا يعقلون ه لأسمعهم ط معرضون ه لما ~~يحييكم ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف تحشرون ه خاصة ج لما مر العقاب ه ~~تشكرون ه تعلمون ه فتنة # PageV03P386 # لا للعطف عظيم # ه ويغفر لكم ط العظيم ه أو يخرجوك ط ويمكر الله ط الماكرين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم. أدب المؤمنين أحسن تأديب ~~فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال ولا تولوا عنه ~~فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول ~~قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان ~~رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه ~~[التوبة: 62] وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوز أن يرجع إلى ~~الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله وأنتم تسمعون لم يبين ~~أنهم ماذا يسمعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم ~~تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم ~~تصدقون بدليل قوله ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ms2170 يسمعون لأنهم ~~ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم. وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه ~~أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ~~ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله إن شر الدواب أي إن شر من يدب على الأرض، ~~أو إن شر البهائم. والفرق بين التفسيرين أن الأول حقيقة إلا أنه ذكر في ~~معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد. والثاني مذكور في معرض ~~التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله ~~بل هم أضل [الأعراف: 179] ومعنى عند الله أي في حكمه وقضائه. ثم قال ولو ~~علم الله فيهم أي في هؤلاء الصم البكم خيرا لأسمعهم عن ابن جريج: هم ~~المنافقون. وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم ~~منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي ~~عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب ~~اللواء. # وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ~~ليخبروهم بصحة نبوته، فبين تعالى أنه لو علم فيهم خيرا وهو انتفاعهم بقول ~~هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا ~~يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت. وأنهم لو أسمعهم الله ~~كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة. # واعلم أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام: # جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان ~~معدوما فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا فكيف يكون ~~حاله، # PageV03P387 # والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل. ~~قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيرا ~~لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، ~~وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت ~~النتيجة: لو علم الله ms2171 فيهم خيرا لتولوا ولكن كلمة «لو» وضعت للدلالة على ~~انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفيا لأجل انتفاء علم الله الخير ~~فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم. لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأول ~~الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وآخره يقتضي. حصول الخير فيهم وهذا تناقض ~~والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأول إسماع ~~التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضا ~~كلمة «لو» في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى «أن» # كقوله صلى الله عليه وسلم: «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» # فإذا لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس. واستدلت الأشاعرة بالآية ~~على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير ~~الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال. وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم ~~خيرا أي انتفاعا باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما ~~نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك ~~وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل. ثم علم المؤمنين أدبا آخر ~~فقال استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم فوحد الضمير كما مر. والمراد ~~بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض. # عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه ~~وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟ قال: كنت ~~أصلي. قال: ألم تخبر فيما أوحي إلي استجيبوا لله وللرسول؟ # قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك، # وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه ~~اللوم. ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: إن ~~دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته. ~~ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه ~~وجوها: قال السدي: هو الإسلام والإيمان ms2172 لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته ~~بدليل قوله يخرج الحي من الميت [الأنعام: 95] أي المؤمن من الكافر. وقال ~~قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية. والأكثرون على ~~أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول ~~الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله بل أحياء عند ربهم [آل عمران: 169] ~~، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن # PageV03P388 # والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة. والمراد لما يحييكم الحياة ~~الطيبة كما قال فلنحيينه حياة طيبة [آل عمران: 169] ، واعلموا أن الله يحول ~~بين المرء وقلبه اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل ~~الواحدي عن ابن عباس والضحاك: # يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته. فالسعيد من أسعده الله ~~والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود ~~والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع ~~الأسباب إليه. ثم ختم الآية بقوله وأنه إليه تحشرون ليعلم أنهم مع كونهم ~~مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين ~~معطلين. وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر ~~العاجز سفه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإنه تعالى أمر بالاستجابة لله ~~وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير ~~المقدور جائزا لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم. فإذا لا ~~يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر. فتأويلها أن الله يحول بين المرء ~~وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله وأنه أي وأن الشأن أو الله ~~إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه تعالى ~~يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: ~~بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون ~~الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسببب ما تجدون في ~~قلوبكم من ms2173 الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى ~~القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفا وبالخوف أمنا، وبالذكر نسيانا ~~وبالنسيان ذكرا، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى، فأما ما يثاب ~~عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا. وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل ~~والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون. ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ~~ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان. وعن الحسن: إن الغرض ~~التنبيه على أنه تعالى مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد ~~من قرب قلبه منه كقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ق: 16] ثم حذرهم ~~الفتن والاختلاف فقال واتقوا فتنة قيل: هو العذاب. وقيل: افتراق الكلمة. ~~وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم. وقوله لا تصيبن إما أن يكون جوابا للأمر ~~وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: ~~انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك. وعلى هذا «من» في منكم ~~للتبعيض. وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم ~~الظالمون حال كونهم خاصة # PageV03P389 # ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله تعالى ذلك بحكم المالكية ~~أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهيا بعد أمر و «من» ~~للبيان كأنه قيل: احذروا ذنبا أو عقابا. ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة ~~خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة. وهكذا ~~إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولا ~~فيها لا تصيبن كقوله: # جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير ~~وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانا وما رأينا ~~أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها. وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا ~~يوم الجمل. # وروي أن الزبير كان يسامر النبي صلى الله عليه وسلم يوما إذ أقبل علي ~~فضحك إليه الزبير فقال رسول ms2174 الله صلى الله عليه وسلم: كيف حبك لعلي؟ فقال: ~~يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حبا. قال: فكيف أنت ~~إذا سرت إليه تقاتله؟ # ثم ختم الآية بقوله واعلموا أن الله شديد العقاب والمراد منه الحث على ~~لزوم الاستقامة. ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال واذكروا إذ أنتم وانتصابه على ~~أنه مفعول به أي وقت أنكم قليل يستوي فيه الواحد والجمع مستضعفون في الأرض ~~أرض مكة قبل الهجرة تخافون أن يتخطفكم الناس يستلبونكم لكونهم أعداء لكم ~~فآواكم إلى المدينة وأيدكم بنصره بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم ~~بدر ورزقكم من الطيبات من الغنائم لعلكم تشكرون أي ينقلكم من الشدة إلى ~~الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف ~~يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في ~~الأمانة. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ~~ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات ~~وأريحا من أرض الشام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على ~~حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر ~~وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم. فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى ~~هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح. ~~قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت ~~الآية. فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: # والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة ~~أيام حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك. ~~فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~يحلني. فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن # PageV03P390 # أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن ms2175 أنخلع من مالي. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: يجزيك الثلث أن تتصدق به. # وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فيفشونه ~~ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك. وقال ابن زيد: نهاهم الله أن ~~يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. # وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمدا ~~يريدكم فخذوا حذركم فنزلت. # وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ~~بخروج النبي صلى الله عليه وسلم إليها حكاه الأصم. قال القاضي: والأقرب ~~أنها في الغنائم. فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله ~~لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق. قال: ~~ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف ~~بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ~~ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد ~~أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب. # والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقي سمي كربا لأنه يكرب من ~~الدلو أي يقرب منه. واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه. وتخونوا يحتمل أن يكون ~~جزما داخلا في حكم النهي وأن يكون نصبا بإضمار أن كقوله وتكتموا الحق ~~[البقرة: 42] ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا ~~فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم ~~تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم ~~عمدا لا سهوا. وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن. ثم لما كان ~~الداعي إلى الخيانة هو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان ~~بسبب ذلك نبه الله سبحانه على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار ~~المتولدة من ms2176 ذلك الحب فقال أنما أموالكم وأولادكم فتنة # أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ~~ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب وأن الله عنده أجر عظيم # فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى ~~السعادات الروحانية الباقية. ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال ~~بالنوافل لكونه مفضيا إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال ~~بالنكاح لأدائه إلى الفتنة. ثم رغب في التقوى التي توجب الإعراض عن محبة ~~الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا ~~الله في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ويجعل لكم فرقانا فارقا بينكم ~~وبين الكفار في الأحوال الباطنة # PageV03P391 # بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر ~~وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة ~~بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب ~~الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة. ويكفر عنكم سيئاتكم ~~يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم ويغفر لكم في دار الجزاء والله ~~ذو الفضل العظيم فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء. ومن عظيم فضله أنه ~~يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل ~~إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من ~~الانتفاع بذلك. وبعد أن يكون قد تصور فيه ثوابا أو ثناء، أو حمله على ذلك ~~رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله سبحانه فلهذا وصفه ~~بالعظم. ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم واذكروا إذ أنتم قليل ذكر ~~رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله ~~في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة. والمعنى واذكر وقت مكرهم. # فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشا اجتمعوا ~~في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله صلى ms2177 الله عليه وسلم فدخل عليهم ~~إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت ~~باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا. فقالوا: هذا من نجد ~~لا بأس عليكم به. فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في ~~بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها ~~وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ~~ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من ~~بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال: بئس الرأي يفسد قوما غيركم ~~ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه ~~سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم ~~على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ: صدق هذا ~~الفتى هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر ~~جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله ~~له في الهجرة فأمر عليا عليه السلام فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي ~~فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه. وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه ~~فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم. # ومعنى ليثبتوك قال ابن عباس: # ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري. ~~وقوله أو # PageV03P392 # يقتلوك # إشارة إلى رأي أبي جهل. وقوله أو يخرجوك أي من مكة إشارة إلى رأي هشام. ~~وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس. قال: لأن ذلك ~~التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل ~~إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله تعالى لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه ~~إعانة له على الإغواء والتلبيس. هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا ~~الاعتراض وارد ms2178 على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد ~~أجبنا عن أمثال ذلك مرارا، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران. والحاصل ~~أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع ~~الله. فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟ وأجيب ~~بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير ~~في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير. ### | التأويل: # إن شر من دب في الوجود هم الصم عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول ~~البكم عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا ~~بالذكر الذين لا يعقلون أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا ~~خير البرية إلى أن يكونوا شر الدواب استجيبوا لله إنه تعالى يطلب بالمحجة ~~من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة ~~الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة ~~الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ~~ويبقيكم به واعلموا أن الله يحول بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه ~~وظلمة أوصاف قالبه وأنه إليه تحشرون بالفناء عنكم والبقاء به واتقوا أيها ~~الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس ~~الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها ~~من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس واعلموا أن الله شديد ~~العقاب يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عند الالتفات إلى ما سواه ~~واذكروا إذ أنتم أيها الأرواح والقلوب قليل لم ينشأ بعد لكما الصفات ~~الأخلاق الروحانية مستضعفون من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان ~~آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. يخافون ~~أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه فآواكم إلى حظائر القدس وأيدكم ~~بالواردات الربانية ورزقكم المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. يا أيها الذين ~~آمنوا يعني الأرواح والقلوب المنورة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات ~~العرفان لا تخونوا ms2179 الله فيما آتاكم من المواهب # PageV03P393 # فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام ~~بالبدعة وتخونوا أماناتكم التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة ~~المخلوقات وأنتم تعلمون إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى فتنة # يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. يا ~~أيها الذين آمنوا بهذه المقامات والكرامات إن تتقوا الله من غير الله يجعل ~~لكم فرقانا يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث ~~والقدم ويكفر عنكم سيئات وجودكم الفاني ويغفر لكم يستركم بأنوار جماله ~~وجلاله والله ذو الفضل العظيم وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه ليثبتوك ~~أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك أو يخرجوك من ~~عالم الأرواح والله خير الماكرين يصلح حال أهل الصلاح البتة. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 31 الى 40] # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا ~~أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (34) وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون (35) # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث ~~من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم ~~الخاسرون (37) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد ~~مضت سنت الأولين (38) وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى ونعم النصير (40) ### | القراآت: # بما تعملون، بصير بتاء الخطاب: يعقوب. ### | الوقوف: # مثل هذا لا لأن الابتداء ms2180 بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح الأولين ه أليم ~~ه وأنت فيهم ط يستغفرون ه وما كانوا أولياءه ط لا يعلمون ه وتصدية ط تكفرون ~~ه عن سبيل الله ط يغلبون ط لأن ما بعده مبتدأ يحشرون ه لا لتعا اللام في ~~جهنم ط الخاسرون ه ما قد سلف ط لابتداء الشرط # PageV03P394 # مع العطف الأولين ه كله لله ط بصير ه مولاكم ط النصير ه. ### | التفسير: # لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه. # وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجرا واشترى أحاديث كليلة ودمنة ~~وقصة رستم وإسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ~~ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا ~~منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم ~~الاستطاعة. # ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه ~~اللهم إن كان هذا هو الحق الآية. وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله هو ~~الحق بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو ~~الحق. ومعنى حجارة من السماء الحجارة المسومة للعذاب أي إن كان القرآن هو ~~المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع ~~آخر من جنس العذاب الأليم. ومراده نفي كونه حقا فلذلك علق بحقيته العذاب ~~كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقا فأمطر علينا ~~حجارة. # وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة. ~~قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى ~~الحق إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ولم يقولوا إن كان هذا ~~هو الحق فاهدنا له. # ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال وما كان الله ليعذبهم اللام لتأكيد ~~النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين ms2181 أظهرهم غير مستقيم ~~عادة تعظيما لشأن النبي وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون قال قتادة ~~والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر ~~لما عذبهم. وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة ~~فلانا وإنما قتله واحد منهم أو اثنان. وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى ~~وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون ~~بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن ~~حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده. وفي الآية ~~دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب. قال ابن عباس: كان فيهم ~~أمانان: نبي الله والاستغفار. أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باق ~~إلى يوم القيامة. ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال وما لهم ~~ألا يعذبهم الله وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك ~~وهم معذبون لا محالة. قيل: لحقهم هذا العذاب # PageV03P395 # المتوعد به يوم بدر. وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله وهم يصدون أي كيف لا ~~يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام ~~الحديبية. والأولون قالوا: إن إخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين من الصد. وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه ~~عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء ~~وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله وما كانوا أولياءه إن ~~أولياؤه إلا المتقون من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلا عن مشرك ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة، أو أراد ~~بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم. ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم ~~فقال وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية المكاء «فعال» ms2182 كالثغاء ~~والرغاء من مكا يمكو إذا صفر. والتصدية التصفيق «تفعلة» من الصدى وهو الصوت ~~الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صد يصد مضاعفا أي صاح ~~فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم ~~وصوبه الأزهري وأبو عبيدة. قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن ~~عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا. وقيل: هو أن يجعل بعض ~~أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به. وقيل: تصويت يشبه صوت ~~المكاء بالتشديد وهو طائر معروف. عن ابن عمر: # كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. ~~فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على ~~معتقدهم. وفيه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما ~~لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له. وقال مجاهد ~~ومقاتل: كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف والصلاة عند ~~المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم ~~كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة. ثم خاطبهم ~~على سبيل المجازاة بقوله فذوقوا العذاب عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب ~~الآخرة بما كنتم تكفرون بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا ~~الكفرة. # ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في ~~الطاعات المالية فقال إن الذين كفروا ينفقون أموالهم الآية. قال مقاتل ~~والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر ~~بن الحرث وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل ~~والعباس ابن عبد المطلب. وكلهم من # PageV03P396 # قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيد بن جبير وابن ~~أبزى: # نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر ms2183 يوم أحد ألفين من الأحابيش- والأحبوش ~~جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة- وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة. ~~والأوقية اثنان وأربعون مثقالا- قاله في الكشاف. وقال محمد بن إسحق عن ~~رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى ~~عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش ~~أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في ~~تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ~~فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا لمن أصيب ~~منا فأنزل الله تعالى الآية. ومعنى ليصدوا عن سبيل الله أن غرضهم فى ~~الإنفاق كان هو الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك. ~~ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال فسينفقونها أي سيقع منهم هذا ~~الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب ~~حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالا لقوله ~~كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 21] ومعنى «ثمك» في الجملتين إما ~~التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من ~~الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من ~~المباينة. ثم قال والذين كفروا أي الكافرون منهم ولم يقل «ثم يغلبون وإلى ~~جهنم يحشرون» لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا ~~يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم. ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل ~~بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال ليميز الله الخبيث أي الفريق الخبيث ~~من الكفار من الفريق الطيب وهم المؤمنون ويجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام. يقال: ركم الشيء يركمه ~~إذا جمعه وألقى بعضه على بعض أولئك الفريق الخبيث هم الخاسرون وقيل: الخبيث ~~والطيب صفة المال ms2184 أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون ~~والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه ~~في جهنم ويعذبهم بها كقوله فتكوى بها جباههم وجنوبهم [التوبة: 35] وعلى هذا ~~فاللام في قوله ليميز الله يتعلق بقوله ثم تكون عليهم حسرة قاله في الكشاف. ~~ولا يبعد عندي أن يتعلق ب يحشرون وأولئك إشارة إلى الذين كفروا. ولما بين ~~ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى # PageV03P397 # الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال قل للذين كفروا أي قل لأجلهم ~~هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في ~~السلم والإسلام يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي. ولو كان المراد ~~خطابهم بهذا القول لقيل: «أن تنتهوا يغفر لكم» . وقد قرأ بذلك ابن مسعود ~~وإن تعودوا لقتاله فقد مضت سنت الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر ~~أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي [المجادلة: 21] واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب ~~أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع ~~الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب ~~أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال ~~الردة وقبلها وفسر وإن يعودوا بالعودة إلى الردة. واختلفوا في أن الزنديق ~~هل تقبل توبته أم لا؟ والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار # لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن نحكم بالظاهر» # ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا ~~يطاق. ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال وقاتلوهم الآية. وقد مر ~~تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد هاهنا لفظة كله في قوله ويكون الدين كله ~~لله لأن القتال هاهنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب فإن ms2185 انتهوا ~~عن الكفر وأسلموا فإن الله بما يعملون بصير يثيبهم على توبتهم وإسلامهم. ~~ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة ~~إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء. وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن ~~الله مولاكم ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه نعم ~~المولى ونعم النصير فثقوا بولايته ونصرته. ### | التأويل: # قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن ~~كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله. ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب ~~دعواهم لقلنا مثل هذا قولهم اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ليعلم ~~أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان ~~هذا حقا فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب إن أولياؤه إلا المتقون، ~~ولكن أكثرهم يعني أكثر المتقين أو لا يعلمون أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا ~~يعرف أنه ولي إن الذين كفروا ينفقون أموالهم كذلك دأب كفار النفوس ينفقون ~~أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات ~~والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ثم يغلبون لا يظفرون # PageV03P398 # بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة ~~والنفوس إلى جهنم البعد والقطيعة يحشرون، ليميز الله الأرواح والقلوب ~~الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس. ~~فيركمه جميعا فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في ~~جهنم القطعية قل للذين كفروا من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني ~~بظلمات صفات النفس إن ينتهوا عن اتباع الهوى يغفر لهم يستر لهم تلك الظلمات ~~بنور الفرقان والرشاد. وقاتلوهم كفار النفوس حتى لا تكون آفة مانعة عن ~~الوصول ويكون الدين كله لله ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة ~~الشهود والله تعالى أعلم. # تم الجزء التاسع ويليه الجزء العاشر وأوله: واعلموا أنما غنمتم.. # PageV03P399 # بسم الله ms2186 الرحمن الرحيم الجزء العاشر من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 49] # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير (41) إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في ~~الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم (42) إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات ~~الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44) يا أيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) # وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون ~~عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47) وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال ~~لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ~~وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ~~(48) إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز حكيم (49) ### | القراآت: # بالعدوة بكسر العين في الحرفين: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. # الباقون: بالضم. من حيي بياءين: أبو جعفر ونافع وخلف وسهل ويعقوب والبزي ~~ونصير وأبو بكر وحماد. الباقون: بالإدغام. ولا تنازعوا بالإدغام: البزي ~~وابن فليح # PageV03P400 # وتذهب بالجزم للجزاء عن هبيرة وإذ زين وبابه مدغما: أبو عمرو وعلي وحمزة ~~في رواية خلاد ابن سعدان وهشام إني أرى، إني أخاف بفتح الياء فيهما: أبو ~~جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. تراءت الفئتان بالإمالة: نصير. ### | الوقوف: # وابن السبيل ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما ms2187 قبلها تقديره: واعلموا ~~واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم. الجمعان ط قدير ه أسفل منكم ط في الميعاد لا ~~لعطف لكن مفعولا لا لتعلق اللام من حي عن بينة ط عليم لا لتعلق «إذ» قليلا ~~ط منكم ط الصدور ه مفعولا ط الأمور ه تفلحون ه ج للآية وللعطف واصبروا ط ~~الصابرين ه ج لما ذكر عن سبيل الله ط محيط ه جار لكم ط أخاف الله ط العقاب ~~ه دينهم ط حكيم ه. ### | التفسير: # لما أمر سبحانه بالقتال في قوله وقاتلوهم [الأنفال: 39] والمقاتلة مظنة ~~حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال واعلموا أنما غنمتم ~~أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهرا. وقوله من شيء بيان «ما» أي من كل ما ~~يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط. وقوله فأن لله بالفتح مبتدأ محذوف ~~الخبر. وروى الجعفي عن أبي عمرو فإن الله بالكسر. قال في الكشاف: والمشهورة ~~آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى ~~الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت ~~واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. عن الكلبي أن الآية نزلت ~~ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة ~~أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة. واعلم أن الآية تقتضي ~~أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: ~~أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسما بخمسة وعشرين قسما عشرون ~~الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية ~~فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ~~كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم ~~فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ~~ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضا لما # روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم- وكان عثمان ms2188 من بني عبد شمس وجبير من ~~بني نوفل- أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم ~~لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك # PageV03P401 # الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم ~~بمنزلة واحدة؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما ~~بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد- وشبك بين أصابعه- يستوي في هذا السهم غنيهم ~~وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين. # وثلاثة أخماس الخمس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل. # وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون ~~لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء. فعلى مذهب الإمامين. معنى قوله سبحانه فأن ~~لله خمسه وللرسول [التوبة: # 62] فأن لرسول الله خمسة كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه وعن أبي ~~العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم. والذاهبون إلى ~~هذا القول اختلفوا فقيل: # إن ذلك السهم لبيت المال. وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فبه فيأخذ منه ~~قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله. # وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى ~~قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، ~~وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء. # وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوج ~~أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني ~~لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئا، # وروي عن زيد بن علي أنه قال: # ليس لنا أن نبني منه قصورا ولا أن نركب منه البراذين. وقيل: الخمس كله ~~للقرابة لما # روي عن علي عليه السلام أنه قيل له: إن الله تعالى قال واليتامى ~~والمساكين فقال: # أيتامنا ومساكيننا. # وعن الحسن: في سهم رسول الله ms2189 صلى الله عليه وسلم أنه لولي الأمر من بعده. ~~وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين ~~الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم ~~أولى وأهم فذاك. فعند هذا يكون معنى قوله فأن لله خمسه أن من حق الخمس أن ~~يكون متقربا به إلى الله لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلا ~~لها على غيرها كقوله وملائكته ورسله وجبريل وميكال وحاصل الآية إن كنتم ~~آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علما يتضمن العمل والطاعة أن الخمس ~~من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة ~~يوم الفرقان يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل. والجمعان ~~فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد والله ~~على كل شيء قدير فبذلك نصر القليل على الكثير إذ أنتم بدل # PageV03P402 # من يوم الفرقان بالعدوة بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته. وقال ~~أبو عمرو: # هي المكان المرتفع والدنيا تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة ~~وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن «فعلى» من بنات الواو وتقلب ياء ~~كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء ~~القصيا أيضا قليلا والعدوة القصوى مما يلي مكة والركب يعني الأربعين الذين ~~كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل وهو نصب على الظرف مرفوع المحل خبرا ~~للمبتدأ أي مكانا أسفل من مكانكم. والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث ~~تصوير وقعة بدر وما دبر الله سبحانه من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى ~~كان ما كان. وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان ~~فيه الماء وكانت أرضا لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها ~~الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت ~~الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب ~~بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل ms2190 مجهودهم حيث لم يتركوا ~~وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه. ولو تواعدتم أنتم وأهل مكة على ~~موضع تتلاقون فيه لاختلفتم في الميعاد فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء ~~بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من ~~التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه ولكن ليقضي الله أي ليظهر أمرا كان ~~مفعولا مقدرا وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. وقوله ليهلك بدل من ~~ليقضي بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن ~~وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر ~~لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك ~~للمسلمين في حقية دين الإسلام. وفي قوله ليقضي وليهلك دلالة على أن أفعاله ~~تعالى مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة. وإن ~~الله لسميع لدعائكم عليم بنياتكم إذ يريكهم منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم ~~الفرقان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم في منامك أي في رؤياك ~~قليلا أراه وإياهم في رؤياه قليلا فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتا لهم ~~وتشجيعا على عدوهم. وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع ~~النوم وفيه تكلف. ولو أراكهم كثيرا على ما هم عليه لفشلتم والفشل الجبن ~~والخور. ولتنازعتم في الأمر أمر الحرب والإقدام ولكن الله سلم عصم من الفشل ~~والتنازع إنه عليم بذات الصدور يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام ~~والإحجام وإذ يريكموهم يبصركم إياهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا نصب على ~~الحال لأن # PageV03P403 # الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ~~ثالث ويقللكم في أعينهم الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع ~~أن في ذلك تصديقا لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة ~~في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدوا لهم كما ينبغي ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا فعل ما فعل من التقليل وإلى ms2191 الله ترجع الأمور ~~فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون ~~زادا للمعاد. ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة ~~بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف ~~والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما. واذكروا الله كثيرا في ~~مواطن الحرب لعلكم تفلحون تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة. وفيه إشعار ~~بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا ~~أقبل من المغرب إلى المشرق منفقا أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ~~ضاربا بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرا. وقيل: المراد من هذا ~~الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى ~~حمله على العموم وأطيعوا الله ورسوله في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ~~ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات ولا تنازعوا فتفشلوا منصوب بإضمار «أن» ~~أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير «أن» في قوله # وتذهب ريحكم على القراءتين. والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته ~~على وفق المشيئة بالريح وهبوبها. يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ~~ونفذ أمره. وقيل: # الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله. # وفي الحديث: «نصرت بالصبا» «1» # حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله. ~~احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالبا إلى النزاع المنهي عنه. ~~وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس. # قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان ~~وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا ~~نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب. فوافوها ~~فسقوا كؤوس PageV03P404 # المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى ms2192 الله المؤمنين ~~أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم الآية. وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر ~~وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضا شدة المرح. والتحقيق إن النعم إذا كثرت ~~من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر ~~وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو ~~البطر. وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد ~~الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة ~~مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطال الكفر. وثالثها ~~قوله ويصدون عن سبيل الله أي يمنعون عن قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم. ~~قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفا للاسم على الاسم، أو يكون ~~الكل أحوالا على تأويل بطرين مرائين صادين أو يبطرون ويراءون ويصدون. ~~واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى ~~بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر ~~السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل. ثم ذكر السبب ~~فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم ~~تنبيها على أصالتهم فيهما، وأما الصد فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة ~~فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد. قلت: لو جعلنا قوله ويصدون عطفا على صلة ~~«الذين» لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان. والله بما يعملون ~~محيط فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب ~~إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار. وإذ زين معناه واذكر إذ زين أو هو ~~معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله وإذ يريكموهم وفي هذا التزيين ~~وجهان: أحدهما. أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو ~~قول الحسن والأصم. وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في ms2193 ~~معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا ~~يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم. فلما تلاقى ~~الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله. ~~وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى ~~بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ~~ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني ~~وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولا بمعنى لا غالب إلا إياكم ~~لانتصب كما يقال لا ضاربا زيدا. وإني جار لكم أي مجيركم من بني كنانة أو # PageV03P405 # من كل عدو يعرض من البشر. ومعنى الجار هاهنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر ~~كما يدفع الجار عن الجار. فلما تراءت الفئتان أي التقى الجمعان بحيث رأت كل ~~واحدة الأخرى نكص على عقبيه والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع. وقال إني ~~بريء منكم قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى ~~أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة فقال إني أرى ما لا ترون أي من نزول الملائكة ~~ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة ~~فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما ~~أسلموا علموا أنه الشيطان. # وفي الحديث: «ما رؤي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما ~~يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر» «1» . # وأما قوله إني أخاف الله فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى ~~الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر. ~~قال قتادة: صدق في قوله إني أرى ما لا ترون وكذب في قوله: إني أخاف الله ~~وقوله والله شديد العقاب يجوز أن يكون من بقية ms2194 حكاية كلام إبليس، ويجوز أن ~~يكون اعتراضا وظرفه إذ يقول أو لا ظرف له وإذ يقول ينتصب بذكر على أنه كلام ~~مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف. والمنافقون قوم من الأوس والخزرج ~~بالمدينة والذين في قلوبهم مرض يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم ~~من قريش أسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشا لما ~~خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان ~~محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن ~~إسحق: ثم قتلوا جميعا مع المشركين يوم بدر. غر هؤلاء دينهم قال ابن عباس: ~~معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم ~~اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن ~~يجعلوا أحياء بعد الموت. ثم قال جوابا لهم ومن يتوكل على الله يكل أمره ~~إليه ويثق بفضله فإن الله عزيز غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير ~~حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه. ### | التأويل: # واعلموا يا أهل الجهاد الأكبر أنما غنمتم عند رفع الحجب من أنوار ~~المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله ~~وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصا وللرسول متابعا ولذي ~~القربى يعني الإخوان في PageV03P406 # الله مواصلا واليتامى يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل ~~بلوغهم إلى حد الكمال والمساكين الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم ~~وابن السبيل يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعيا جانب كل طائفة ~~على حسب صدقهم وإرادتهم واستعدادهم. إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى ~~الإيمان بالله عيانا وما أنزلنا على عبدنا في سفر فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] يوم الفرقان الذي فيه الرحمن علم القرآن يوم التقى الجمعان ~~جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل والله ms2195 على كل شيء قدير ~~فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود ~~والبقاء بالمعبود إذ أنتم أيها الصادقون في الطلب بالعدوة الدنيا نازلة وهم ~~بالعدوة القصوى أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة والركب أسفل منكم يعني ~~الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة. ولو تواعدتم أيها الأرواح والنفوس ~~والأجساد لاختلفتم في الميعاد لما بينكم من التباين والتضاد ولكن جمعكم ~~الله بالقدرة والحكمة ليقضي الله أمرا كان مفعولا وهو إيصال كل شخص إلى ~~رتبته التي استعد لها ليهلك من هلك عن بينة عن حجة ثابتة عليه ويحيى من حي ~~عن بينة فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء ~~فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ارجعي إلى ربك راضية [الفجر: 28] ~~ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال فادخلي في عبادي [الفجر: 29] ~~وأبدانهم في جنات النعيم كما قال وادخلي جنتي [الفجر: 30] إن الله لسميع ~~لمن دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال عليم بمن يستحق الإذلال أو يستأهل ~~الإجلال إذ يريكهم الله في منامك قليلا مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم ~~في المعنى لفشلتم على عادة طبع الإنسان ولكن الله سلم من الخوف البشري ~~ويقللكم في أعينهم لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة ~~معناكم ومددكم بالملائكة. وإذا لقيتم فئة هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه ~~والدنيا وزينتها فاثبتوا على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص ~~والطلب ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديار أوصافهم وتركوا الدنيا وداروا ~~البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران. وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في ~~الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق ~~أهل الملامة. # فلما تراءت الفئتان فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله ~~تعالى فئة # PageV03P407 # الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس ~~لها نكص على عقبيه زهق باطله وصار مخالفا للنفس كما قال إني بريء منكم، إني ~~أرى ما لا ms2196 ترون لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ~~ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال إني أخاف الله وفيه ~~إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 50 الى 66] # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (51) كدأب ~~آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله ~~قوي شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ~~(54) # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ~~ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا ~~يعجزون (59) # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله ~~يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ~~إنه هو السميع العليم (61) وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ~~ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) # يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ~~(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ms2197 ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (66) ### | القراآت: # تتوفى بتاء التأنيث: شامي. الباقون: بالتذكير ولا يحسبن بياء الغيبة: ابن ~~عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل. الآخرون: بتاء الخطاب. إنهم بالفتح: ابن ~~عامر للسلم بكسر السين: أبو بكر وحماد ترهبون بالتشديد: رويس. # PageV03P408 # الباقون: بالتخفيف من الإرهاب وإن يكن منكم بالياء التحتانية: أبو عمرو ~~وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالتاء الفوقانية وعلم مبنيا ~~للمفعول ضعفاء بالمد جمعا: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ~~ضعفا بفتح الضاد. الآخرون بالضم. فإن لم يكن منكم مائة بالتحتانية: عاصم ~~وحمزة وعلي وخلف. ### | الوقوف: # كفروا لا لأن فاعل يتوفى الملائكة. وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح ~~لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا ~~واسطة. وأدبارهم ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا الحريق ه للعبيد ه لا لتعلق ~~الكاف فرعون لا للعطف. من قبلهم ط بذنوبهم ط العقاب ه بأنفسهم لا لعطف «أن» ~~على «أن» عليم ه لا للكاف من قبلهم ط بآيات ربهم ج لاختلاف الجملتين من ~~الفاء آل فرعون ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ظالمين ه لا يؤمنون ه ج ~~لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم لا يتقون ه يذكرون ه على سواء ~~ط الخائنين ه سبقوا ط لمن قرأ إنهم بالكسر لا يعجزون ه من دونهم ج لاحتمال ~~الجملة بعده الوصف والاستئناف لا تعلمونهم ج لذلك يعلمهم ط لا تظلمون ه على ~~الله ط العليم ه حسبك الله ط بين قلوبهم الأول ط بينهم ط حكيم ه من ~~المؤمنين ه على القتال ط مائتين ج لابتداء الشرط مع العطف لا يفقهون ه ضعفا ~~ج مائتين ج بإذن الله ط الصابرين ه. ### | التفسير: # لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم. # وجواب «لو» محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية «لو» ، وكذا يتوفى لخاصية ~~«إذ» وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف. ويمكن أن يكون مفعولا به والمعنى ~~لو رأيت أو ms2198 عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرا ~~فظيعا. # يضربون وجوههم وأدبارهم قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم ~~يكني. # وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال. وعن ابن عباس: المراد ما ~~أقبل منهم وما أدبر. وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى ~~المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم ~~الله بمثله في وقت خروج أرواحهم. ومعنى عذاب الحريق مقدمة عذاب النار أو ~~عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيرا لهم بذلك. وعن ابن عباس أن معهم مقامع ~~من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار. # PageV03P409 # قوله ذلك بما قدمت أيديكم الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل ~~أن تكون هنا حكاية كلام الملائكة. ولما بين سبحانه ما أنزله بأهل بدر من ~~الكفار عاجلا أم آجلا ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال كدأب آل ~~فرعون يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء ~~بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق. ثم ذكر ما يجري مجرى ~~العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ذلك بأن الله لم يك حذف النون لكثرة ~~الاستعمال. ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم ~~في حكمته وتدبيره أن يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بهم من ~~الأحوال والأخلاق. والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب ~~الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومن عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم ~~إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل ~~النعم بالنقم والمنح بالمحن وأن الله سميع للأقوال عليم بالأحوال فيجزي كل ~~فريق بما يستأهله. ثم ذكر مرة أخرى قوله كدأب آل فرعون وفي التكرير بعد ~~التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق ~~كالبيان للأخذ بالذنوب. ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد ~~الموت. قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت ms2199 أنسب. ~~ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحدا من فعله وهو ضرب الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم. والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل ~~مثله وهو الإهلاك والإغراق. ومنها أن المراد في الأول كدأب آل فرعون فيما ~~فعلوا وفي الثاني كدأب آل فرعون فيما فعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون ~~في الثاني. ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء ~~لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم. ومنها أن يجعل الضمير في كفروا ~~وكذبوا لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم ~~كدأب آل فرعون. ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإلهية فكان ~~لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان ~~لازمه الإهلاك والإغراق. ثم ختم الآية بقوله وكل كانوا ظالمين أي وكل واحد ~~من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر ~~والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم. # ثم خص من الظلمة سرهم فقال إن شر الدواب الآية. جعلهم شر الدواب لأن شر ~~الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله فهم لا يؤمنون ~~وشر # PageV03P410 # المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله الذين عاهدت منهم و «من» ~~للتبعيض ومفعول عاهدت محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني ~~الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ثم ينقضون عطف المستقبل على الماضي ~~لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد في كل مرة من مرات المعاهدة. ~~ومعنى «ثم» تبعيد النقض عن المعاهدة. قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر ~~وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق وهم لا ~~يتقون عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار. ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم ~~والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال فإما تثقفنهم تصادفنهم ~~وتظفرن بهم في الحرب فشرد بهم ms2200 من خلفهم والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ~~ففرق عن محاربتك من وراءهم. وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك ~~غيرهم. والضمير في لعلهم يذكرون لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم ~~شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظا بحالهم وإما تخافن من قوم معاهدين ~~خيانة ونكثا بأمارات تلوح لك فانبذ إليهم فاطرح إليهم العهد على سواء على ~~طريق مستو قصد أي أخبرهم أخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا ~~تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك. وقيل: على ~~استواء في العلم بنقض العهد. وقيل: على استواء في العداوة. قال في الكشاف: ~~الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد ~~سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ ~~والمنبوذ إليهم معا. قلت: ويحتمل أن يكون حالا من المنبوذ أي حال كون ~~المنبوذ وهو العهد واقعا على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ~~ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ. قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ~~ظهرت فإما أن تظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به. فإن كان الأول وجب ~~الإعلام به كما هو مذكور في الآية. وذلك أن قريظة عاهدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام ~~أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا قطعيا ~~فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل ~~مكة لما نقضوا العهد. ثم بين حال من فاته في يوم بدر ولم يتمكن من التشفي ~~منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغا ~~عظيما فقال ولا يحسبن من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله # PageV03P411 # الأول الذين كفروا وثانيه سبقوا أي فاتوا ms2201 وأفلتوا من أن يظفر بهم إنهم لا ~~يعجزون كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة ~~الاستئناف كأن سائلا سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟ فأجيب بما أجيب. ~~والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ~~ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم. أو عجزت فلانا وعجزته جعلته أو وجدته ~~عاجزا. والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد ~~تخلصوا من العقاب عاجلا أم آجلا. ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوها ~~منها «أن» فاعله الذين كفروا ومفعولاه سبقوا على أن الأصل أن سبقوا فحذفت ~~«أن» كقوله ومن آياته يريكم البرق ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا. ~~ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع ~~الحال. ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا ~~يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا. ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل ~~المؤمنين الذين كفروا سبقوا. ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم الله أن لا يعودوا ~~لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة عن # عكرمة: هي الحصون. # وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على ~~المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثا ومات عقبة عن سبعين قوسا في ~~سبيل الله # والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: «القوة الرمي» «1» # كقوله: «الحج عرفة» «2» # وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود ومن رباط الخيل هو ~~اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها. ويجوز أن يكون جمع ربيط ~~كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابطة. ويجوز أن يكون قوله ومن رباط ~~الخيل تخصيصا للخيل من بين ما يتقوى به كقوله وجبريل وميكال فلا ريب ms2202 أن ربط ~~الخيل من أقوى آلات الجهاد. روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله ~~في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها. فقيل له: ~~إنما أوصى في الحصون. فقال: ألم تسمع قول الشاعر: PageV03P412 # ولقد علمت على توقي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى # وعن عكرمة أن الخيل هاهنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل. وقيل: ~~هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر. والظاهر العموم. ثم ذكر ما لأجله أمر ~~بإعداد هذه الأشياء فقال ترهبون به أي بما استطعتم عدو الله وعدوكم لأن ~~الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما ~~يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة وآخرين من دونهم يريد بالأولين أهل مكة ~~وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله لا تعلمونهم الله يعلمهم ~~والمنافقين على قول. واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك ~~المسلمين ظاهرا. وأجيب بأن الخائن خائف فكلما اشتدت شوكة المسلمين ازداد ~~المنافقون في أنفسهم خوفا ورعبا فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص. # وعن السدي: هم أهل فارس. وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن # وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق # وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن. وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من ~~دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر. ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد ~~فقال وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم أي ثوابه وأنتم لا تظلمون ~~لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا. ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها ~~فقال وإن جنحوا للسلم الآية جنح له وإليه جنوحا إذا مال. وإنما قيل فاجنح ~~لها لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة. ~~عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~[التوبة: 29] وبقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [التوبة: 5] والأولى أن ~~يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبدا، أو ms2203 يجابوا إلى الهدنة ~~أبدا، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا ~~رأى الصلاح في الصلح فذاك. والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة ~~العدد أو لقلة المال وبعد العدو وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو ~~قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم. وأما مدة ~~المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد ~~قال الشافعي يهادون أربعة أشهر فما دونها لقوله تعالى فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر [التوبة: 2] وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم منصرفه من تبوك. # وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال ~~عشر سنين. إلا أنهم # PageV03P413 # نقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد. ~~ثم قال وتوكل على الله أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عونا ~~لك على السلامة وينصرك عليهم. إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من ~~شأن قريظة والنضير. # وعن مجاهد نزلت فيهم إنه هو السميع للأقوال العليم بالأحوال. وفيه زجر عن ~~نقض الصلح ما أمكن. ثم ذكر حكما من أحكام المهادنة فقال وإن يريدوا أن ~~يخدعوك فإن حسبك محسبك وكافيك الله والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل ~~المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل ~~الإيمان مبني على الظاهر. ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما تقدم من قوله ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم [الأنفال: 58] لأن هذه المخادعة ~~محمولة على أمور خفية تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة ~~قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة. ثم أكد كون الله تعالى ~~كافيا له بقوله هو الذي أيدك بنصره أي من غير واسطة أسباب معتادة. ~~وبالمؤمنين أي بوساطة الأنصار. ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال ms2204 وألف ~~بين قلوبهم قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب ~~والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله تعالى ذلك بلطيف صنعه، ~~والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية ~~والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم ~~شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج ~~والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال. # والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب. ~~ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمرا سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة ~~الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق ~~لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا ~~متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالا ~~حقيقيا روحانيا دائما لم يتصور لها تغير وزوال. ثم إن العرب كانوا قبل مقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقبلين على المفاخرة والتسابق في المال والجاه ~~والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخوانا ~~متراحمين متحابين في الله ولله. إنه عزيز حكيم أي قادر قاهر على تقليب ~~القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب ~~المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر # PageV03P414 # والقدر. قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة لما حصلت هذه ~~الأحوال. # ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة ~~الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد ~~والإرادات والكراهات كلها بخلق الله تعالى وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ~~ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ms2205 ولا ~~يكون إلا ما تشاء. # ثم إنه سبحانه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده ~~النصر والكفاية على الإطلاق فقال يا أيها النبي حسبك الله ومحل ومن اتبعك ~~منصوب بمنزلة «زيدا» في قولك «حسبك وزيدا درهم» قال الفراء: وليس بكثير في ~~كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة ~~الجار. فلو كان قوله ومن اتبعك مجرورا لقيل حسبك وحسب من اتبعك. ومعنى ~~الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا. وجوز أن يكون محل الرفع أي ~~كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ~~ويؤكده ما # روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله تعالى ~~الآية. # ثم بين سبحانه أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال يا أيها ~~النبي حرض المؤمنين على القتال والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على ~~الشيء. وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدة ~~الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ ~~فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف. وفي قوله إن يكن منكم عشرون صابرون عدة ~~من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون ~~الله وتأييده. واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار ~~عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله ~~يكون من فقدان الشرط وهو الصبر. قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر ~~كقوله والوالدات يرضعن [البقرة: 233] والمطلقات يتربصن [البقرة: 228] بدليل ~~قوله الآن خفف الله عنكم والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ~~ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل. ~~قال الفراء: # قد جمع بين «إما» و «أن» في هذه الآية بخلاف قوله وإما يعذبهم وإما يتوب ms2206 ~~عليهم لأن الفعل هاهنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول ~~القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن ~~الأمر لا يصلح هناك. قال موسى # PageV03P415 # للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر ~~الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط ~~أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقا فإذا لم يكن كذلك فلا أمر البتة كقول ~~القائل: اسقني الماء من الجرة. فهذا إنما يكون أمرا بشرط حصول الماء من ~~الجرة. والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع ~~في التقديم والتأخير. الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من ~~الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها ~~يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها فلما ~~ألقوا سحروا أعين الناس [الأعراف: 116] قال القاضي: لو كان السحر حقا ~~لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة ~~بخلافه. وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب ~~تلك التمويهات. # وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق ~~دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل ~~إلى الناس أنها تسعى # واسترهبوهم [الأعراف: 116] أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا ~~رهبتهم. # وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها ~~الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب وجاؤ بسحر عظيم [الأعراف: 116] كما زعموا ~~أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض. عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى عليه ~~السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله عز وجل إليه أن الق ~~عصاك. وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي هاهنا الإلهام وهاهنا إضمار ~~والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف. قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه ~~وتلقفته أيضا تناولته بسرعة و «ما» في ما يأفكون ms2207 موصولة أو مصدرية بمعنى ما ~~يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه # وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟ قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ~~ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك ~~يوم القيامة. # وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان ~~المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر ~~من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر. والحاصل أن الجمهور ادعوا أن ~~قوله الآن خفف الله عنكم ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم ~~الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر. سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم ~~قلتم إن التقدير ليكن العشرون # PageV03P416 # يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر ~~والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل ~~عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم، وإذا كان الشرط غير ~~حاصل في حق هؤلاء لقوله وعلم أن فيكم ضعفا فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا ~~يتصور النسخ. ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام ~~قد تقوله العرب ابتداء. ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب ~~أن يكون بعد المنسوخ بزمان. وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب ~~لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم. ومعنى قوله ~~وعلم أن فيكم ضعفا ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه تعالى لا ~~يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها. والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في ~~البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك. والظاهر أن المراد ~~الضعف الإنساني المذكور في قوله وخلق الإنسان ضعيفا [النساء: 28] . ### | التأويل: # يضربون وجوههم وأدبارهم لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها ms2208 فيحصل له ~~ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له ~~تألم من قدام ولم يك مغيرا نعمة مبدلا حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده ~~حتى يغيروا بالكفر والتكذيب ما بأنفسهم من نعم الاستعداد الفطري الذين ~~عاهدت منهم يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها ~~فشرد يا روح بهم من خلفهم أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث ~~يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها فانبذ إليهم على سواء أي أظهر ~~عداوتك معهم وجاهدهم أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا ~~تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده ~~بمداومة الذكر وقطع التعلق ومن رباط الخيل ومن ربط القلب بطريق المراقبة ~~لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها ترهبون بالذكر والمراقبة عدو الله الشيطان ~~وعدوكم النفس والهوى وآخرين من دونهم من نفوس شياطين الإنس لا تعلمونهم ~~أنهم عدوكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء الله يعلمهم أنهم عدو لكم كقوله ~~إن من أزواجكم وأولادكم [التغابن: 14] وما تنفقوا من شيء من شهوات النفس ~~ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة يوف إليكم فوائد من تقرب إلي شبرا ~~تقربت إليه ذراعا وألف بين قلوبهم بين الروح والقلب والسر وبين النفس ~~وصفاتها. لو أنفقت ما في الأرض وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين ~~الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد ولكن الله ألف بين الروح والنفس ~~وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسما على كنز وجوده لم يكسر ~~الطلسم # PageV03P417 # للوصول إلى الكنز والله أعلم. ### | [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 75] # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله ~~يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~(69) يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ ms2209 منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا ~~خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71) # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك ~~منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ~~(75) ### | القراآت: # أن تكون بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد أسارى يزيد ~~والمفضل. الآخرون أسرى من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من ~~الأسرى. من ولايتهم بكسر الواو حمزة. والباقون: بفتحها. ### | الوقوف: # في الأرض ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون الآخرة ط حكيم ه عظيم ه واتقوا ~~الله ط رحيم ه ويغفر لكم ط رحيم ه منهم ط حكيم ه أولياء بعض ط حتى يهاجروا ~~ج ميثاق ط بصير ه أولياء بعض ط كبير ه حقا ط كريم ه منكم ط في كتاب الله ط ~~عليم ه. ### | التفسير: # هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان ~~كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل ~~الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا- فيهم العباس عمه ~~وعقيل بن أبي طالب- فاستشار أبا بكر. # فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية ~~تقوي بها أصحابك. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء ~~أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ~~ومكني من فلان ms2210 لنسيب # PageV03P418 # له فلنضرب أعناقهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ليلين قلوب ~~رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من ~~الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح قال رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة ~~فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. # وروي إنه قال لهم: إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم ~~بعدتهم. فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين ~~أوقية وفداء العباس أربعين أوقية. # وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهما. # وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت ~~بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ~~ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه. # وروي أنه قال: لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر. وسعد بن معاذ ~~لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إلي. # واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام ~~بوجوه: الأول: وما كان لنبي صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى. الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله فاضربوا فوق ~~الأعناق فكان الأسر معصية. وأجيب بأن قوله حتى يثخن يدل على أن الأسر كان ~~مشروعا ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقا عظيما فلعل ~~العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل ~~بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله فاضربوا فوق الأعناق تكليفا ~~مختصا بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار. الثالث: قالوا: ~~الحكم بأخذ ms2211 الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله تريدون عرض الدنيا أي ~~حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر والله يريد الآخرة أي ~~ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه. ~~وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل. والله عزيز يغلب أولياؤه على ~~أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه حكيم لا ~~يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء. # والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله لولا كتاب ~~من الله سبق أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب ~~أحدا يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في ~~إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد # PageV03P419 # منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم ~~أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم. قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان ~~يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ~~ذلك في الأسارى حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء ~~[محمد: 4] قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس ~~كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء. وعن سعيد ~~بن جبير لولا كتاب من الله سبق بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من ~~التحليل يوجب تخفيف العقاب. وقال محمد بن إسحق لولا كتاب من الله سبق أنه ~~لا يعذب أحدا إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي. وحاصل هذا القول يرجع إلى ~~ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما ~~يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل ~~الأولى. وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدرا. واعترض بأنه ~~يلزم أن لا يكونوا مكلفين. والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم ~~التكليف فلعل التكليف لأجل ms2212 زيادة الثواب. # وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب ~~حاصلا. # روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت ~~فكلوا # والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا وحلالا نصب على ~~الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلا حلالا واتقوا الله فيما يستقبل فلا ~~تقدموا على شيء لم تؤمروا به إن الله غفور لما فرط منكم من ترك الأولى رحيم ~~فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى يا ~~أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله إن يظهر معلومه أن في ~~قلوبكم خيرا وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع ~~التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة ~~الرسول والتوبة عن محاربته يؤتكم في الدنيا خيرا مما أخذ منكم من المنافع ~~العاجلة ويغفر لكم في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة ~~إزالة العقاب. ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في ~~الدنيا خيرا لدلالة الآية على ذلك إجمالا، وذلك الخير إن كان دينيا فلا شك ~~أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع ~~الكفر، وإن كان دنيويا فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما # روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه مال ~~البحرين ثمانون ألفا، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن ~~يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو # PageV03P420 # المغفرة. # وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث. # وكان العباس أسر يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، ~~وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر ~~فقال العباس. كنت مسلما إلا أنهم استكرهوني فقال صلى ms2213 الله عليه وسلم: إن ~~يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا. قال العباس: ~~وكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك ذلك الذهب علي فقال: أما شيء ~~خرجت به تستعين به علينا فلا. قال: وكلفني الرسول صلى الله عليه وسلم فداء ~~ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث. فقال العباس: # تركتني يا محمد أتكفف قريشا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين ~~الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما ~~يصيبني في وجهي فإن حدث في حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل. فقال ~~العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي. قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق ~~وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ~~ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتابا في أمرك فأما إذا أخبرتني ~~بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك لي الآن عشرون عبدا إن ~~أدناهم ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل ~~مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي. # ثم قال وإن يريدوا خيانتك أي نكث ما بايعوك عليه، # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا ~~إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس ~~والأسر. # وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. فقد خانوا الله من قبل ~~في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه. فأمكن أي المؤمنين منهم ~~يوم بدر قتلا وأسرا فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن ~~أعادوا الخيانة والله عليم بأحوالهم حكيم فيجازيهم على حسب أعمالهم. # واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس ~~هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في ~~الهجرة ms2214 وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر ~~بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر ~~أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضا فقال إن الذين آمنوا ويدخل فيه ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف ~~وهاجروا فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا ~~الديار ضاعت # PageV03P421 # مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق ~~في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس ~~فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدة ~~والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم ~~عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداما على هذه ~~الأفعال والتزاما لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من ~~بعد وقاتلوا [الحديد: 10] وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون ~~منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في ~~الإسلام ذكر الله تعالى الأنصار بعدهم فقال والذين آووا ونصروا أي الذين ~~أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم أولئك بعضهم ~~أولياء بعض أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه ~~الولاية الإرث كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون ~~القرابة حتى نسخ ذلك بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض واستبعد الإمام ~~فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ ~~محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث ~~كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له. وقال سبحانه ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم [يونس: 62] فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضا ~~وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب ms2215 كل واحد لغيره ~~جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم ~~من شيء فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضا شبه بالعمل والصناعة والتجارة ~~والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمرا ويباشر عملا. قال المفسرون: لا يجوز ~~أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف وإن ~~استنصروكم # عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر. وأجيب بأنا ~~لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر ~~بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، ~~وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله تعالى حكم هؤلاء المؤمنين ~~متوسطا بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن ~~يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا ~~يبدأون بالقتال. ثم قال والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ظاهره إثبات ~~الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن موالاتهم وإن كانوا أقارب، وأن ~~يتركوا # PageV03P422 # يتوارث بعضهم بعضا. وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في ~~عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض ~~وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من ~~أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن ~~جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في ~~التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني ~~يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس. ثم قال إلا تفعلوه أي ما ~~أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا ~~في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلا تكن فتنة أي تحصل مفاسد ~~عظيمة في الأرض من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر # ووقوع الهرج والمرج. ثم كرر تعظيما لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله ~~والذين آمنوا وهاجروا الآية. فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقا ولهم ms2216 مغفرة ورزق ~~كريم وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة. والحاصل أن هذه السعادات العالية ~~إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن ~~وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا ~~بالإعراض عن هذه الجسمانيات. ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها ~~فقال والذين آمنوا من بعد نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية ~~وهي الهجرة الثانية. وقيل: بعد نزول الآية. وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن ~~المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى فأولئك منكم ألحقهم بالأولين ~~تشريفا للآخرين وتعظيما لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح ~~هذا الإلحاق. ثم ختم الكلام بقوله وأولوا الأرحام أي ذوو القرابات بعضهم ~~أولى ببعض أي أحق بهم وأجدر في كتاب الله أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو ~~في القرآن وهو آية المواريث. وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوراث ~~بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم ~~فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بين الله ~~تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود ~~من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى ~~الإرث. وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو ~~قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات ~~وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات ~~الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، # PageV03P423 # وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات. والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو ~~فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟ فقدمهم أبو ~~حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء ~~الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال في كتاب الله كان معناه في الحكم الذي ~~بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام ms2217 آية الميراث فلا تبقى حجة ~~في توريث ذوي الأرحام. واعلم أنه سبحانه قال في أول الآيات وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله في براءة بتقديم في سبيل الله لأن في هذه ~~السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله تريدون عرض الدنيا وفي ~~قوله لمسكم فيما أخذتم أي من الفداء وفي قوله فكلوا مما غنمتم وفي براءة ~~تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~[التوبة: 16] وفي قوله كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ~~[التوبة: 19] ثم إنه حذف من الآية الثانية بأموالهم وأنفسهم اكتفاء بما في ~~الأولى وحذف في الثالثة في سبيل الله أيضا اكتفاء بما في الآيتين قبلها ~~والله أعلم. ثم ختم السورة بقوله إن الله بكل شيء عليم والمراد أن هذه ~~الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن ~~العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها قال مجيبا لهم إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] ~~. ### | التأويل: # ما كان لنبي الروح أن يكون له أسرى أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير ~~أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفا بالحق للحق حتى يشيع في أرض ~~البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي يتحنث في غار حراء تريدون عرض الدنيا ~~فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلا إلى الدنيا ~~راغبا فيها والله يريد الآخرة منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل ~~إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية لولا كتاب من الله ~~سبق بأن الإنسان لا يكون منجذبا نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون ~~متوسطا بين العالمين مراعيا للطرفين لمسكم فيما أخذتم من فداء النفس ~~المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن عذاب عظيم هو عذاب القطيعة والبعد ~~عن عالم النور فكلوا مما غنمتم من أوقات ms2218 الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار ~~عند رفع الأستار حلالا طيبا نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن ~~الالتفات إلى الله فهو شرك وصنم. واتقوا الله عما سواه إن الله غفور يستر ~~بأنوار # PageV03P424 # وجوده ظلمات وجودكم رحيم بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. يا أيها النبي ~~قل لمن في أيديكم من الأسرى من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر ~~عند استيلاء سلطان الذل عليها إن يعلم الله في قلوبكم خيرا من الاطمئنان ~~إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من اللذات الفانية ~~وأسبابها وذلك هو البقاء الحقيقي والذوق السرمدي وإن يريدوا خيانتك يعني ~~الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية فقد خانوا ~~الله من قبل بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة فأمكن منهم عند ~~استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة والله عليم بأحوالها حكيم فيما ~~دبر من أمر جهادها وتزكيتها. والذين آووا ذكر الله ومحبته في القلوب ونصروا ~~المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم أولئك بعضهم أولياء بعض في المرافقة ~~والموافقة في الطلب والسير إلى الله والذين آمنوا بأن الطلب حق ولم يهاجروا ~~عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. وإن استنصروكم تمسكوا بأذيال إرادة ~~الواصلين منكم فعليكم النصر بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ~~ليقتدوا بكم وبأحوالكم إلا على قوم أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم ~~عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على ~~هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد فأولئك منكم يشير إلى أن ~~المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم ~~الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا # قال عليه الصلاة والسلام: «أمتي كالمطر لا يدري أولهم خير أم آخرهم» . # PageV03P425 ### | (سورة التوبة) # (مدنية حروفها 10087 كلمها 2479 وآياتها 129) ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 16] # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ms2219 (2) وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله ~~فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~إن الله غفور رحيم (5) # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6) كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن ~~الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8) اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ~~ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) # فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين (13) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ~~والله عليم حكيم (15) # أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون ~~الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) # PageV03P426 ### | القراآت: # ورسوله بالنصب: روح وزيد. الباقون: بالرفع. أئمة بهمزتين: # عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة. الباقون أيمة ~~بهمز ثم ياء. لا أيمان بكسر الهمزة: ابن عامر. الباقون: بالفتح جمع يمين ~~يعملون بياء الغيبة: عباس. ### | الوقوف: # من المشركين ط معجزي ms2220 الله لا للعطف الكافرين ه من المشركين لا للعطف ~~ورسوله ط لكم ج لابتداء الشرط مع الواو معجزي الله ط أليم ه للاستثناء ~~مدتهم ط المتقين ه مرصد ج سبيلهم ط رحيم ه مأمنه ط لا يعلمون ه المسجد ~~الحرام ج لأن «ما» للجزاء مع اتصالها بالفاء فاستقيموا لهم ط المتقين ه ولا ~~ذمة ط قلوبهم ج فاسقون ه ج لأن ما بعده يصلح وصفا واستئنافا. يعملون ه ولا ~~ذمة ط المعتدون ه في الدين ط يعلمون ه أئمة الكفر لا لتعلق «لعلهم» بقوله ~~فقاتلوا وما بينهما اعتراض ينتهون ه أول مرة ط أتخشونهم ج لأن ما بعده ~~مبتدأ مع الفاء مؤمنين ه لا للعطف قلوبهم ط من يشاء ط حكيم ه وليجة ط ~~تعملون ه. ### | التفسير: # قد عد في الكشاف من أسماء هذه السورة «براءة» وذلك واضح، و «التوبة» لأن ~~فيها ذكر التوبة على المؤمنين و «المقشقشة» لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ ~~منه و «المبعثرة» و «المثيرة» و «الحافرة» و «الفاضحة» و «المنكلة» و ~~«المشردة» و «المخزية» و «المدمدمة» لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين تبحث ~~عنها وتثيرها وتحفر عنها وتفضحهم وتنكلهم وتشرد بهم وتخزيهم وتدمدم عليهم. ~~وعن حذيفة: إنكم تسمونها سورة التوبة وإنما هي سورة العذاب، والله ما تركت ~~أحدا إلا نالت منه. وعن ابن عباس: ما زالت تقول ومنهم حتى حسبنا أن لا تدع ~~أحدا. وللعلماء خلاف في سبب إسقاط التسمية من أولها. # فعن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان في ذلك فقال: كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة يقول: ضعوها في موضع كذا، وكانت براءة آخر ~~القرآن نزولا وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها، وكانت ~~قصتها شبيهة بقصة الأنفال فقرنت بينهما وكأنه أراد بالمشابهة. # ما روي عن أبي بن كعب في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نبذ العهود، ~~فوضعت إحداهما بجنب الأخرى. واستبعد جمع من العلماء هذا القول لأنا لو ~~جوزنا في بعض السور أن لا يكون ms2221 ترتيبها من الله على سبيل الوحي لجوزنا مثله ~~في سائر السور وفي آيات السورة الواحدة وذلك يفضي إلى تجويز الزيادة ~~والنقصان في القرآن على ما يقول به # PageV03P427 # الإمامية. وقال بعض العلماء: إن الصحابة اختلفوا في أن «الأنفال» مع ~~«التوبة» سورتان أم سورة واحدة لأنهما مائتان وست آيات فهما بمنزلة إحدى ~~الطوال، وكلتاهما وردت في القتال والمغازي، فلمكان هذا الاختلاف فرجوا ~~بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول إنهما سورتان، ولم تكتب البسملة تنبيها ~~على قول من يرى أنهما واحدة فعملوا عملا يدل على أن هذا الاشتباه حاصل. ~~وفيه أنهما لما لم يسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا متشددين ~~في ضبط الدين وحفظ القرآن من التغيير والتحريف وذلك يبطل قول الإمامية، ~~وفيه دليل على أن البسملة آية من كل سورة والإجازات كتابتها هاهنا بل عند ~~كل مقطع كلام. # وعن ابن عباس: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك فقال: لأن بسم ~~الله الرحمن الرحيم أما وأن هذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود. # وذكر سفيان بن عيينة هذا المعنى وأكده بقوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا [النساء: 94] فقيل له: أليس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتب إلى أهل الحرب «بسم الله الرحمن الرحيم» ؟. فأجاب بأن ذلك ابتداء ~~منه يدعوهم إلى الله ولم ينبذ إليهم عهدهم ولهذا قال في آخر الكتاب والسلام ~~على من اتبع الهدى [طه: 47] ومما يؤكد شبهة من زعم أنهما سورة واحدة هو أن ~~ختم الأنفال وقع بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين ~~عن الكفار بالكلية، وقوله براءة من الله ورسوله تأكيد لذلك الكلام وتقرير ~~له. ومعنى البراءة انقطاع العصمة وهي خبر مبتدأ محذوف وو «من» لابتداء ~~الغاية متعلق بمحذوف لا بالبراءة لفساد المعنى. والمعنى هذه براءة واصلة من ~~الله ورسوله إلى الذين عاهدتم كما تقول: كتاب من فلان إلى فلان. ويجوز أن ~~يكون براءة مبتدأ لتخصصها بصفتها هي الجار والمجرور كما قلنا والخبر محذوف ~~كما ms2222 ذكرنا نظيره قولك: رجل من بني تميم في الدار. كان قد أذن الله في ~~معاهدة المشركين فاتفق المسلمون مع رسول الله وعاهدوهم فلما نقضوا العهد ~~أوجب الله النبذ إليهم وكأنه قيل للمسلمين: اعلموا أن الله ورسوله قد برئا ~~من العهد الذي عاهدتم به المشركين. روي أنهم كانوا عاهدوا المشركين من غير ~~أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا إلا ناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة، ~~فنبذ العهد إلى الناكثين وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ~~ساروا. والأشهر هي الحرم لقوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم والسياحة الضرب في ~~الأرض والاتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة مع الإقلال من ~~الطعام والشراب منه يقال للصائم سائح لتركه المطعم والمشرب. والمعنى في هذا ~~الأمر إباحة الذهاب مع الأمان وإزالة الخوف. # روي أن فتح مكة كان سنة ثمان من الهجرة وكان # PageV03P428 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولى عتاب بن أسيد الوقوف بالناس في ~~الموسم، فاجتمع في تلك السنة في المواقف ومعالم الحج المسلمون والمشركون ~~ونزلت هذه السورة سنة تسع، وكان أمر فيها أبا بكر على الموسم فلما نزلت ~~السورة أتبعه عليا راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم فقيل له: لو بعثت ~~بها إلى أبي بكر؟ فقال: لا يؤدي عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر ~~الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لحقه ~~قال: أمير أو مأمور؟ قال: مأمور. # وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام وقال: يا ~~محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فأرسل عليا فرجع أبو بكر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أشيء نزل من السماء؟ قال: نعم. # فسر وأنت على الموسم وعلي ينادي بالآي. فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر ~~وحدثهم عن مناسكهم وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال: يا أيها الناس ~~إني رسول رسول الله إليكم. فقالوا: بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين ms2223 أو أربعين ~~آية. وعن مجاهد ثلاث عشرة. ثم قال: أمرت بأربع: أن لا يقرب البيت بعد هذا ~~العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن ~~يتم إلى كل ذي عهد عهده. فقالوا عند ذلك: يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا ~~العهد وراء ظهورنا، وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب السيوف. # استدلت الإمامية بهذه القصة على تفضيل علي كرم الله وجهه وعلى تقديمه. ~~وأجاب أهل السنة بأنه أمر أبا بكر على الموسم وبعث عليا خلفه لتبليغ هذه ~~الرسالة حتى يصلي علي خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى التنبيه على إمامة ~~أبي بكر. وأما # قوله: «لا يبلغ عني إلا رجل مني» # فذلك لأن المتعارف بين العرب أنه إذا عقد السيد الكبير منهم لقوم حلفا أو ~~عاهد عهدا لم يحل ذلك العهد إلا هو أو رجل من ذوي قرابته كأخ أو عم. فلو ~~تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينافي نقض العهد فأزيلت ~~علتهم بتولية ذلك عليا. وقيل: لما أحضر أبا بكر لتولية أمر الموسم أحضر ~~عليا لهذا التبليغ تطبيبا للقلوب ورعاية للجوانب. ولنرجع إلى التفسير. قال ~~ابن الأنباري: # في الكلام إضمار التقدير: فقل لهم سيحوا. ويكون ذلك رجوعا من الغيبة إلى ~~الحضور كقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء [الدهر: 21، 22] ~~واختلفوا في الأشهر الأربعة.. فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال والمراد ~~شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم ~~وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر. وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم ~~قتلهم وقتالهم، أو سميت حرما على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها. وقيل: ~~ابتداء المدة من عشر ذي القعدة إلى # PageV03P429 # عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي ~~كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة. قال المفسرون: هذا تأجيل ~~من الله للمشركين فمن كانت مدة ms2224 عهده أكثر من أربعة أشهر حطت إلى أربعة ومن ~~كانت مدته أقل رفعت إليها. والمقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا في أنفسهم ~~ويحتاطوا في الأمر ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة: ~~الإسلام أو قبول الجزية أو السيف. فيصير ذلك حاملا لهم على قبول الإسلام ~~ظاهرا وإلى هذا المعنى أشار بقوله واعلموا أنكم غير معجزي الله أي اعلموا ~~أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ولطف ليتوب من تاب، وفيه ضرب من ~~التهديد كأنه قيل: افعلوا في هذه المدة كل ما أمكنكم من إعداد الآلات ~~والأدوات فإنكم لا تفوتون الله وهو مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي ~~الآخرة بالعذاب. وقوله مخزي الكافرين من باب الالتفاف من الحضور إلى ~~الغيبة. ومن وضع الظاهر موضع المضمر ليكون فيه إشارة إلى أن سبب الإخزاء هو ~~الكفر. # ثم أراد أن يعلم جميع الناس البراءة المذكورة فقال وأذان وارتفاعه ~~كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على مثلها. وخطىء الزجاج في ~~قوله «إنه معطوف على براءة» لأنه لو عطف عليها لكان هو أيضا مخبرا عنه ~~بالخبر الأول وهو إلى الذين عاهدتم لكنه غير مقصود بل المقصود الإخبار عنه ~~بقوله إلى الناس والأذان اسم بمعنى الإيذان الإعلام كالأمان والعطاء بمعنى ~~الإيمان والإعطاء ومنه أذان الصلاة. أمر الله تعالى بهذا الإعلام يوم الحج ~~الأكبر وهو الجمع الأعظم الذي حضر فيه المؤمن والمشرك والعاهد الناكث وغير ~~الناكث ليصل الخبر إلى جميع الأطراف ويشتهر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يريد أن يحج في السنة الآتية فأمر بإظهار هذه البراءة لئلا يحضر الموقف غير ~~المؤمنين الموحدين وقيل: يوم الحج الأكبر يوم عرفة لأن فيه أعظم أعمال الحج ~~وهو الوقوف بعرفة ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» «1» وهو قول عمر وسعيد بن المسيب ~~وابن الزبير وعطاء وطاوس ومجاهد وإحدى الروايتين عن علي عليه السلام وابن ~~عباس ورواية المسور بن مخرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: خطب ~~رسول الله صلى ms2225 الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: أما بعد فإن هذا يوم الحج ~~الأكبر. # وقال ابن عباس في رواية عطاء: هو يوم النحر. ووافقه قول الشعبي والنخعي ~~والسدي والمغيرة بن شعبة وسعيد بن جبير. وذلك أن معظم أفعال الحج من الطواف ~~والحلق والرمي والنحر يقع فيه. ومثله ما # روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا أخذ بلجام دابته فقال: ما يوم الحج ~~الأكبر؟ فقال: يومك هذا خل عن دابتي يعني يوم النحر. # وعن ابن PageV03P430 # عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة ~~الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر. # قال ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها وهو قول سفيان ~~الثوري. وكان يقول: يوم الحج الأكبر أيامه كلها كيوم صفين ويوم الجمل يراد ~~به الحين والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما كثيرة. وعلى هذا ~~فقد وصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر. وقيل: الحج الأكبر ~~القران والأصغر الإفراد. عن مجاهد أيضا: هذا وقد حذفت الباء التي هي صلة ~~الأذان تخفيفا والتقدير أن الله بريء من المشركين وقوله ورسوله بالرفع ~~مبتدأ محذوف الخبر أي ورسوله أيضا كذلك، أو هو معطوف على المنوي في بريء أي ~~بريء هو ورسوله. وجاز العطف من غير تأكيد بالمنفصل للفصل. وقرىء بالجر على ~~الجوار أو على أن الواو للقسم كقوله سبحانه لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ~~[الحجر: 72] والفرق بين قوله براءة من الله وبين قوله أن الله بريء أن ~~المقصود من الكلام الأول هو الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الثاني ~~إعلام جميع الناس بما حصل وثبت. وأيضا المراد بالأول البراءة من العهد، ~~وبالثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة، ولهذا لم يصف المشركين ثانيا بوصف ~~معين كالمعاهدة تنبيها على أن الموجب لهذه البراءة وهو كفرهم وشركهم ولهذا ~~أتبعه قوله فإن تبتم أي عن الشرك فهو خير لكم وفيه ترغيب في التوبة ~~والإقلاع الموجب لزوال البراءة وإن توليتم أعرضتم عن التوبة أو بقيتم على ms2226 ~~التولي والإعراض عن الإيمان والوفاء فاعلموا أنكم غير فائتين أخذ الله ~~وعقابه. قال بعض العلماء: قوله سبحانه فاعلموا أنكم غير معجزي الله ليس ~~بتكرار لأن الأول للمكان والثاني للزمان. # وبشر يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب. وفيه من التهكم والتهديد ما فيه ~~كيلا يظن أن عذاب الدنيا لو فات وزال خلصوا من العذاب بل العذاب الشديد معد ~~لهم يوم القيامة. # أما قوله إلا الذين قد قال الزجاج: إن الاستثناء يعود إلى قوله براءة ~~والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المشركين المعاهدين إلا الذين لم ~~ينقضوا العهد. وقال في الكشاف: # وجهه أن يكون مستثنى من قوله فسيحوا في الأرض لأن الكلام خطاب للمسلمين ~~والتقدير: فقولوا لهم سيحوا إلا الذين عاهدتم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم ~~عهدهم. وقيل: # استثناء من قوله إلى الذين عاهدتم ومعنى لم ينقصوكم شيئا لم يقتلوا منكم ~~أحدا ولم يضروكم قط. ومعنى لم يظاهروا لم يعاونوا أي لم يقدموا على ~~المحاربة بأنفسهم ولم يهيجوا أقواما آخرين. وقرىء ينقضوكم بالضاد المعجمة ~~أي لم ينقضوا عهدكم. # ومعنى فأتموا إليهم أدوه إليهم تاما كاملا. قال ابن عباس: بقي لحي من ~~كنانة من # PageV03P431 # عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم. ثم ختم الآية بقوله إن الله يحب ~~المتقين يعني أن قضية التقوى أن لا يسوى بين القبيلين ولا يجعل الوفي ~~كالغادر، ومن جملة الغادرين بنو بكر عدوا على خزاعة عيبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وظاهرتهم قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشد: # لا هم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيك الأتلدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ذمامك المؤكدا # هم بيتونا بالحطيم هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا # فقال صلى الله عليه وسلم: لا نصرت إن لم أنصركم # ومعنى ناشد محمدا أذكر له الحلف والعهد لأنه كان بين أبيه عبد المطلب ~~وبين خزاعة حلف قديم. والأتلد الأقدم. # ثم بين حكم انقضاء أجل الناكثين فقال فإذا انسلخ الأشهر الحرم أي التي ~~أبيح فيها للناكثين ms2227 أن يسيحوا. وانسلاخ الشهر تكامله جزءا فجزءا إلى أن ~~ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن ~~عن مكانه فكلاهما ظرف فاقتلوا المشركين يعني الناقضين حيث وجدتموهم من حل ~~أو حرم وفي أي وقت كان. وخذوهم وأسروهم والأخيذ الأسير واحصروهم امنعوهم من ~~التصرف في البلاد وقيدوهم. وقال ابن عباس: حصرهم أن يحال بينهم وبين المسجد ~~الحرام. # واقعدوا لهم كل مرصد أي في كل ممر ومجاز ترقبوهم هناك. وانتصابه على ~~الظرف كما مر في قوله لأقعدن لهم صراطك المستقيم [الأعراف: 16] فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة إن حصلوا على شروطها فخلوا سبيلهم المراد من ~~التخلية الكف عنهم وإطلاقهم من الأسر والحصر عن البيت الحرام، أو عن التصرف ~~في مهماتهم إن الله غفور رحيم يغفر لهم ما سلف لهم من الكفر والغدر. قال ~~الشافعي: إنه تعالى أباح دماء الكفار بجميع الطرق والأحوال ثم حرمها عند ~~التوبة عن الكفر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فما لم يوجد أحد هذه الأمور ~~لم يوجد هذا المجموع، فوجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل. فتارك الصلاة ~~يقتل، ولعل أبا بكر استدل بمثل ذلك على جواز قتال مانعي الزكاة. وحمل أكثر ~~الأئمة الإقامة والإيتاء هاهنا على اعتقاد وجوبهما والإقرار بذلك وإن كان ~~له وجه عدول عن الظاهر. # وعن الحسن أن أسيرا نادى بحيث يسمع النبي صلى الله عليه وسلم أتوب إلى ~~الله ولا أتوب إلى محمد ثلاثا. فقال صلى الله عليه وسلم: # «عرف الحق لأهله فأرسلوه» . # قال بعض العلماء: ذكر التوبة هاهنا عبارة عن تطهير القوة النظرية عن ~~الجهل، وذكر الصلاة والزكاة عبارة عن تطهير القوة العملية عما لا ينبغي، ~~ولا # PageV03P432 # ريب أن كمال السعادة منوط بهذا المعنى جعلنا الله من أهلها. لما أوجب ~~الله سبحانه بعد انسلاخ الأشهر الحرم قتل المشركين دل ذلك على أن حجة الله ~~تعالى قد قامت عليهم وأن ما ذكره الرسول قبل ذلك من أنواع الدلائل والبينات ~~كفي في إزاحة علتهم فينتج ذلك أن أحدا من المشركين لو طلب ms2228 الدليل والحجة ~~يلتفت إليه بل يطالب إما بالإسلام أو بالجزية أو بالقتل، فأزال الله تعالى ~~بكمال رأفته هذه الشبهة فقال وإن أحد من المشركين استجارك الآية. قال علماء ~~العربية: ارتفع أحد بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: # وإن استجارك أحد استجارك. كرهوا الجمع بين المفسر والمفسر فحذفوا المفسر. # والغرض بناء الكلام على الإبهام ثم التفسير من حيث إن «إن» من مظان وقوع ~~الفعل بعده. وأيضا ذكر الفاعل هاهنا أهم لما بينا أن ظاهر الدليل يقتضي ~~إباحة دم المشرك فقدم ليدل على مزيد العناية بصون دمه عن الإهدار. يقال: ~~استجرت فلانا أي طلبت منه أن يكون جارا لي أي محاميا وحافظا من أن يظلمني ~~ظالم، ومنه يقال: أجاره الله من العذاب أي أنقذه. والمعنى وإن جاءك أحد من ~~المشركين بعد انسلاخ الأشهر لا عهد بينك وبينه. # فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن فأمنه حتى يسمع كلام ~~الله سماع تدبر وتأمل ثم أبلغه داره التي يأمن فيها إن لم يسلم ثم قاتله إن ~~شئت فيها، وفيه أن المقصود من شرع القتل قبول الدين والإقرار بالتوحيد وأن ~~النظر في دين الله من أعلى المقامات فإن الكافر الذي دمه مهدر لما أظهر من ~~نفسه كونه طالبا للنظر والاستدلال زال ذلك الإهدار ووجب على الرسول أن ~~يبلغه مأمنه، أما زمان مهلة النظر فليس في الآية ما يدل على ذلك ولعله مفوض ~~إلى اجتهاد الإمام، فمتى ظهر على ذلك المشرك علامات كونه طالبا للحق باحثا ~~عن وجه الاستدلال أمهل وترك، ومتى ظهر عليه كونه معرضا عن الحق دافعا ~~للزمان بالأكاذيب لم يلتفت إليه وأبلغ المؤمن. ويشبه أن يقال: المدة أربعة ~~أشهر وهو الصحيح من مذهب الشافعي. والمذكور في الآية كونه طالبا لسماع ~~القرآن إلا أنه ألحق به كونه طالبا لسماع الدلائل والجواب الشبهات لأنه ~~تعالى علل وجوب الإجارة بكونه غير عالم حيث قال في آخر الآية ذلك بأنهم قوم ~~لا يعلمون فكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت إجارته. وفي سماع كلام الله ~~وجوه: قيل ms2229 أراد جميع القرآن لأن تمام الدلائل والبينات فيه. وقيل: سماع ~~سورة براءة لأنها مشتملة على كيفية المعاملة مع المشركين والأولى حمله على ~~كل الدلائل، وإنما خص القرآن بالذكر لأنه الكتاب الحاوي لمعظم الدلائل. ~~واعلم أن الأمان قد يكون عاما يتعلق بأهل إقليم أو بلدة أو ناحية وهو عقد ~~المهادنة ويختص بالإمام وقد مر في تفسير قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها # PageV03P433 # وقد يكون خاصا يتعلق بأفراد الكفار وهذا يصح من الولاة ومن آحاد المسلمين ~~أيضا وهذا مقصود الآية وإنه ثابت غير منسوخ. # روي عن سعيد بن جبير أن رجلا من المشركين جاء إلى علي رضي الله عنه فقال: ~~أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله أو ~~يأتيه لحاجة قتل؟ قال: «لا» . واستدل بالآية. # وعن السدي والضحاك هو منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين وشرط الأمان الإسلام ~~والتكليف فيصح من العبد والمرأة والفاسق. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «يسعى بذمتهم أدناهم» «1» # وعن أم هانىء قالت: أجرت رجلين من أحمائي فقال صلى الله عليه وسلم: «أمنا ~~من أمنت» . # ويعتبر أن الإسلام والتكليف الاختيار فلا يصح أمان المكره على عقد ~~الأمان، وينعقد الأمان بكل لفظ مفيد للغرض صريحا كقوله: أجرتك أو لا تخف، ~~وكناية كقوله: أنت على ما تحب أو كن كيف شئت، ومثله الكتابة والرسالة ~~والإشارة المفهمة. # روي عن عمر أنه قال: والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك ~~فنزل على ذلك ثم قتله لقتلته. # هذا إذا دخل الكافر بلا سبب أما إذا دخل لسفارة فلا يتعرض له، وكذا إذا ~~دخل لسماع الدلائل وقصد التجارة لا يفيد الأمان إلا إذا رأى الإمام مصلحة ~~في دخول التجار. وحكم الأمان إذا انعقد عصمة المؤمن من القتل والسبي فإن ~~قتله قاتل ضمن بما يضمن له الذمي، ولا يتعدى الأمان إلى ما خلفه في دار ~~الحرب من أهل ومال، وأما الذي معه منهما فإن وقع التعرض لأمانه اتبع الشرط ~~وإلا فالأرجح أن لا يتعدى الأمان إلى ms2230 ذلك. وقد بقي في الآية مسألة أصولية ~~هي أن المعتزلة استدلوا بالآية على أن كلام الله تعالى هو هذه الحروف ~~المسموعة ويتبع ذلك أن يكون كلامه محدثا لأن دخول هذه الحروف في الوجود على ~~التعاقب. وأجيب بأن هذه المسموعة فعل الإنسان وليست هي التي خلقها الله ~~تعالى أولا عندكم فعلمنا أن هذا المسموع ليس كلام الله بالاتفاق فيجب ~~ارتكاب التجوز البتة، ونحن نحمله على أنها هي الدالة على الكلام النفسي ~~فلهذا أطلق عليها أنها كلام الله كما أن الجبائي قال: إن كلام الله شيء ~~مغاير لهذه الحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارئ. وزعم بعض الناس حين ~~رأوا أنه تعالى جعل كلامه مسموعا أن هذه الحروف والأصوات قديمة ليلزم قدم ~~كلامه تعالى وفيه ما فيه، ثم أكد المعاني المذكورة من أول السورة إلى هاهنا ~~فقال على سبيل الاستنكار والاستبعاد كيف يكون للمشركين عهد المرفوع اسم كان ~~وفي خبره PageV03P434 # ثلاثة أوجه: الأول كيف وقدم للاستفهام، الثاني للمشركين وعند على هذين ~~ظرف للعهد أو ليكون أو للجار أو هو وصف للعهد. الثالث الخبر عند الله ~~وللمشركين تبيين أو متعلق ب يكون وكيف حال من العهد يعني محال أن يثبت ~~لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم يضمرون الغدر في كل عهد، فلا تطعموا في الوفاء ~~منهم ولا تتوانوا في قتلهم. ثم استثنى منهم المعاهدين عند المسجد الحرام ~~الذين لم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة ثم بين حكمهم فقال فما ~~استقاموا لكم في «ما» وجهان: أحدهما أن تكون زمانية وهي المصدرية على ~~التحقيق أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. الثاني شرطية أي إن استقاموا ~~لكم على العهد فاستقيموا لهم على مثله. إن الله يحب المتقين فيه إشارة إلى ~~أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين. # ثم كرر الاستبعاد فقال كيف وحذف الفعل لكونه معلوما أي كيف يكون لهم عهد ~~وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم أي يغلبوكم، ويظفروا بكم وذلك أن الغلبة من ~~الكمال عند الشخص وكل من تصور في نفسه كمالا ms2231 فإنه يريد أن يظهر ذلك لغيره ~~فأطلق الظهور على الغلبة لكونه من لوازمها لا يرقبوا لا يراعوا فيكم ولا ~~ينتظروا بكم إلا ولا ذمة قال في الصحاح: الأل العهد والقرابة. ووجه ذلك في ~~الكشاف بأن اشتقاقه من الأل هو الجؤار والأنين لأنهم إذا تحالفوا رفعوا به ~~أصواتهم، وسميت به القرابة لأنها تعقد بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق. ~~وفي الصحاح أيضا أن الأل بالكسر من أسماء الله عز وجل. # وفي الكشاف أنه قرىء «إيلا» بمعناه. وقيل: جبرئيل وجبرئل من ذلك. وقيل: ~~منه اشتق الأل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن. قال الزجاج: الأل ~~عندي على ما توجبه اللغة يدور على معنى الحدة من ذلك الألة الحربة، وأذن ~~مؤللة محددة. ومعنى العهد والقرابة غير خارج من ذلك، والذمة العهد وجمعها ~~ذمم وذمام وهو كل أمر لزمك وكان بحيث لو ضيعته لزمك مذمة. وقال أبو عبيدة: ~~الذمة ما يتذمم منه أي ما يجتنب فيه الذم. قال في الكشاف يرضونكم كلام ~~مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على ~~العهد وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من ~~الكلام الجميل. ثم قال سبحانه وأكثرهم فاسقون عن ابن عباس: لا يبعد أن يكون ~~بعض هؤلاء الكفار قد أسلم وتاب فلهذا لم يحكم بالفسق على الكل. والظاهر أنه ~~أراد أن أكثرهم فساق في دينهم لا يتحرزون عن الكذب ونقض العهد الذي هو ~~مذموم في جميع الأديان والنحل اشتروا استبدلوا بآيات الله بالقرآن أو ~~بالإسلام ثمنا قليلا هو اتباع الأهواء فصدوا عن سبيله فصرفوا عنه غيرهم ~~وعدلوا هم # PageV03P435 # أنفسهم. قال مجاهد: أراد الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم. وقيل: ~~يبعد أن يراد طائفة من اليهود الذين أعانوا المشركين على نقض العهود، فإن ~~هذا اللفظ من القرآن كالأمر المختص باليهود ولأنه وصفهم بقوله لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة ولو أراد المشركين كان تكرارا وأولئك هم المعتدون ~~المتجاوزون حدود الله في دينه وما يوجبه العهد والعقد. ms2232 ثم قال فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإن كان هذا في اليهود وما ذكره قبل في الكفار ~~فلا تكرار، وإن كان كلاهما في الكفار فجزاء الأول تخلية سبيلهم وجزاء ~~الثاني قوله فإخوانكم أي فهم إخوانكم في الدين فلم يكن من التكرار في شيء. ~~قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة: ونفصل الآيات نبينها لقوم ~~يعلمون لأنهم هم المنتفعون بالبيان. وهذه جملة معترضة تفيد الحث على التأمل ~~في أحكام المشركين وعلى المحافظة على مواردها وإن نكثوا يعني هؤلاء ~~التائبين أيمانهم من بعد عهدهم أي من بعد إسلامهم حتى يكونوا مرتدين، أو ~~المراد نكث المشركين عهودهم ومواثيقهم. والنكث نقض طاقات الخيط من بعد ~~برامه. وطعنوا في دينكم ثلبوه وعابوه فقاتلوا أئمة الكفر هي جمع إمام ~~وأصلها «أأممة» كمثال وأمثلة نقلت حركة الميم إلى الهمزة وأدغمت الميم في ~~الميم، وهو من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن من كان بهذه المثابة من ~~الغدر وقلة الوفاء وعدم الحياء فهو عريق في الكفر متقدم فيه لا يشق كافر ~~غباره. وقيل: خص سادتهم بالذكر لأن من سواهم يتبعهم لا محالة. ثم أبدى غرض ~~القتال بقوله لعلهم ينتهون ليعلم أن الباعث على قتالهم هو ردهم إلى طاعة ~~معبودهم رحمة عليهم لا أمر نفساني وداع شهواني ووسط بين الأمر بالقتال وبين ~~الحامل عليه قوله إنهم لا أيمان لهم تنبيها على العلة الفاعلية للقتال، ~~أثبت لهم الأيمان أولا في الظاهر حيث قال وإن نكثوا أيمانهم ثم نفاها عنهم ~~في الحقيقة لأن إيمانهم ليست مما يعد أيمانا إذ لم يوفوا بها. وبهذا تمسك ~~أبو حنيفة في أن يمين الكافر لا تكون يمينا، وعند الشافعي يمينهم يمين لأنه ~~تعالى وصفها بالنكث ولو لم تكن منعقدة لم يتصور نكثها. ومن قرأ لا أيمان ~~لهم بالكسر أي لا إسلام لهم أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث فظاهر. ~~قال العلماء: إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله لأن العهد ~~معقود معه على أن لا يطعن فإذا ms2233 طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة. # ثم شرع في ذكر سائر الأسباب المحرضة على القتال فقال ألا تقاتلون قال أهل ~~المعاني: إذا قلت: ألا تفعل كذا. فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده. وإذا ~~قلت: # ألست تفعل فإنما تقول فى ذلك في فعل تحقيق وجوده. والفرق أن «لا» ينفي ~~بها # PageV03P436 # المستقبل فإذا دخلت عليه الألف صار تحضيضا على فعل ما يستقبل و «ليس» ~~مستعمل في نفي الحال فإذا دخلت عليه الألف صار لتحقيق الحال. # قال ابن إسحق والسدي والكلبي: نزلت فى كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد ~~الحديبية وأعانوا بني بكر على خزاعة وهموا بإخراج الرسول من مكة حتى هاجر ~~أو من المدينة. يريد اليهود هموا بإخراجه منها ونكثوا عهده وظاهروا أبا ~~سفيان عليه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب. # وقيل: همت قريش يوم الحديبية بأن يدخلوه صلى الله عليه وسلم مكة ثم ~~يخرجوه قبل أن يتم حجه استخفافا به صلى الله عليه وسلم، # وعلى هذا أريد بالهم العزم على الفعل وإن لم يوجد وهم بدؤكم أول مرة ~~بالقتال يعني يوم بدر لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل ~~محمدا ومن معه. أو المراد أنهم قاتلوا حلفاءه من خزاعة، أو المراد أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير وتحداهم به فعدلوا عن ~~المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة والبادئ أظلم. والحاصل أن من كان في مثل ~~صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء للقتال حقيق بأن لا تترك مقاتلته ~~وأن يوبخ من فرط فيها. ثم زاد في التوبيخ فقال فيه أتخشونهم تقريرا للخشية ~~منهم وتقوية لداعية القتال كما إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك لأنه يستنكف أن ~~ينسب إلى كونه خائفا من خصمه. # ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه قائلا فالله أحق أن تخشوه إن كنتم ~~مؤمنين يعني أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا الله، لأن قدرته ~~أتم وعقابه أشد بل لا قدرة إلا له ولا يكون إلا ما يريد. وفي ms2234 الفاء نوع من ~~تعليل لأن الاستفهام في معنى النهي كأنه قيل: لا تخشوهم لأن الله أحق ~~بالخشية وأحرى بالطاعة، وفيه نوع مجازاة كأنه قيل: # إن صح أنكم مؤمنون فلا تخشوا إلا الله. ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال ~~فقال قاتلوهم ورتب عليه خمس نتائج: الأولى: قوله يعذبهم الله بأيديكم أي ~~القتل والأسر واغتنام الأموال، وهذا لا ينافي وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم [الأنفال: 33] لأنه أراد هناك عذاب الاستئصال. قالت الأشاعرة: في ~~الآية دلالة على أن الذي يدخل في الوجود من الأفعال كلها من الله يظهرها ~~على أيدي العباد. واعترض الجبائي بأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: كذب الله ~~أنبياءه على لسان الكفرة. وأجيب بأن الأمر كذلك عندنا إلا أنا لا نقوله ~~رعاية للأدب كما لا يقال يا خالق الخنافس والحشرات. وكما أنكم لا تقولون يا ~~مسهل أسباب الزنا واللواط ويا دافع الموانع عنها. الثانية: ويخزهم قيل: هو ~~الأسر. # وقيل: المراد ما نزل بهم من الذل والهوان حين شاهدوا أنفسهم مقهورين في ~~أيدي المؤمنين وهو قريب من الأول. أو هو هو. وقيل: هو عذاب الآخرة. ~~الثالثة: وينصركم عليهم أورد عليه أن النصر يستتبعه إخزاء الخصم فأي حاجة ~~إلى إفراده بالذكر؟ والجواب # PageV03P437 # أن المغايرة كافية في إفراد كل من المتلازمين بالذكر على أنه من المحتمل ~~أن يحصل لهم الخزي من جهة المؤمنين إلا أن المؤمنين يحصل لهم آفة لسبب آخر، ~~فلما وعدهم النصر على الإطلاق زال ذلك الاحتمال. الرابعة: ويشف صدور قوم ~~مؤمنين هم خزاعة. # وعن ابن عباس: بطون من اليمن وسبأ، قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى ~~شديدا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه فقال: أبشروا ~~فإن الفرج قريب. # الخامسة: ويذهب غيظ قلوبهم قيل: شفاء الصدر وإذهاب غيظ القلب كلاهما ~~بمعنى فيكون تكرارا. والجواب أن القلب أخص من الصدر كقوله: # يا دار مية بالعلياء فالسند أو شفاء الصدر إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ~~ريب أن الانتظار شاق وإن كان مع الثقة بالموعود فإذهاب غيظ ms2235 القلب إشارة إلى ~~الفتح وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها وكان ذلك دليلا على صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإعجازه. ثم قال ويتوب الله على من يشاء وهو ابتداء ~~كلام للإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره وقد وقع، فقد أسلم ناس منهم ~~وحسن إسلامهم. وقرىء ويتوب بالنصب بإضمار «أن» ودخول التوبة في جملة ما ~~أجيب به الأمر من طريق المعنى كقوله فأصدق وأكن [المنافقون: 10] أما أن ~~التوبة كيف تقع جزاء للمقاتلة فذلك من قبل الكفرة واضح فإن القتال قد يصير ~~سببا لتوبة بعضهم عن الكفر، وأما من جهة المؤمنين فلعل القتال كان شاقا على ~~بعضهم فإذا أقدم عليه صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة عن تلك الكراهة. ~~وأيضا إن حصول النصر والظفر إنعام عظيم والعبد إذا شاهد توالي النعم لم ~~يبعد أن يصير ذلك داعيا له إلى أن يتوب عن جميع الذنوب وقد تصير كثرة المال ~~والجاه سببا لتحصيل اللذات بالطريق الحلال فينتهي عن الحرام. وأيضا الإنسان ~~حريص على ما منع فإذا انفتحت عليه أبواب الخيرات الدنيوية فربما يصير ذلك ~~سببا لانقباضه عن الدنيا وإعراضه عنها وهذا هو أحد الوجوه التي ذكروها في ~~تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي [ص: 35] يعني بعد حصول هذا الملك لا ينبغي للنفس الاشتغال بالدنيا ~~والله عليم بكل ما يجري في ملكه وملكوته حكيم مصيب في أفعاله وأقواله ~~وأحكامه وتدابيره. عن ابن عباس أن قوله ألا تقاتلون الآية. ترغيب في فتح ~~مكة لأن النتائج المذكورة مشاكلة لتلك الأحوال. واستبعده الحسن لأن هذه ~~السورة نزلت بعد فتح مكة بسنة. ثم بين أنه ليس الغرض من إيجاب القتال نفس ~~القتال وإنما المقصود أن يؤتى به انقيادا لأمر الله ولتكاليفه ليظهر المخلص ~~من المنافق فقال أم حسبتم الآية. # وقد مر وجه إعرابه في آل عمران عند قوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا [آل عمران: 142] . # PageV03P438 # وقوله ولم يتخذوا معطوف ms2236 على جاهدوا داخل في حيز الصلة. والوليجة لبطانة ~~يعني الحبيب الخالص «فعلية» من ولج كالدخيلة من دخل، أو هو الرجل يكون في ~~القوم وليس منهم. قال الواحدي: يقال هو وليجتي وهم وليجتي يستوي فيه الواحد ~~والجمع. ومعنى الآية لا تحسبوا أن تتركوا على ما أنتم عليه ولم يظهر بعد ~~معلوم الله من تميز المجاهدين المنافقين من المجاهدين الخلص الذين جاهدوا ~~لوجه الله ولم يتخذوا حبيبا من الذين يضادون رسول الله والمؤمنين. ثم ختم ~~الآية بقوله والله خبير بما تعملون ليعلموا أنه لم يزل عالما بالأشياء لا ~~يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيجدوا في استقامة السيرة ويجتهدوا ~~في نقاء السريرة. ### | التأويل: # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من النفوس المشركة التي اتخذت ~~الهوى وصنم الدنيا معبودا فهادنها الروح والقلب في أوان الطفولية لاستكمال ~~القالب وتربيته فسيحوا في أرض البشرية أربعة أشهر هي مدة كمال الأوصاف ~~الأربعة: النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية وأذان من الله ورسوله ~~إلى الصفات الناسوتية يوم الحج الأكبر يوم الوصول إلى كعبة الجمال والحج ~~الأصغر الوصول إلى كعبة القلب إن زيارة كعبة الوصال حرام على مشركي الصفات ~~الناسوتية فإن تبتم عن الناسوتية بإفنائها في اللاهوتية فهو خير لكم من ~~قيامكم بالناسوت وإن توليتم ركنتم إلى غير الله فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله عن التصرف فيكم. أما لأهل السعادة فبالجذبات الأزلية، وأما لأهل ~~الشقاوة فبأليم عذاب القطيعة إلا الذين عاهدتم أيها القلوب والأرواح من ~~مشركي النفوس على التوافق في العبودية ثم لم ينقصوكم شيئا من وظائف الشريعة ~~ولم يظاهروا عليكم أحدا من الشيطان والدنيا فأتموا إليهم عهدهم بالمداراة ~~والرفق إلى أوان طلوع قمر العناية ونجم الجذبة والهداية. فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم استكملت مدة التربية تمام الأوصاف الأربعة فاقتلوا النفوس المشركة ~~بسيف النهي عن الشهوات حيث وجدتموهم في الطاعة بأن تكلفوها إياها وفي ~~المعصية بأن تزجروها عنها وخذوهم بآداب الطريقة واحصروهم احبسوهم في حصار ~~الحقيقة واقعدوا لهم كل مرصد راقبوهم في الأحوال كلها فإن تابوا رجعوا إلى ms2237 ~~طلب الحق وأقاموا الصلاة أدوا حق العبودية وآتوا الزكاة تزكت عن الأخلاق ~~الذميمة فخلوا سبيلهم اتركوا التشديد عليهم بالرياضات ليعملوا بالشريعة بعد ~~الوصول إلى الحقيقة فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية وإن أحد من مشركي ~~صفات النفس استجارك يا قلب لترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة فأجره ~~حتى يسمع # PageV03P439 # كلام الله # حتى يلهم بإلهام ثم أبلغه مأمنه وهو وارد الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا ~~تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها ذلك بأنهم قوم لا ~~يعلمون الله وأسراره فلا يميلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيركنون ~~إليها. كيف يكون لمشركي النفوس ثبات على العهد وقد جبلت ميالة إلى السفليات ~~وغايتها بعد إصلاح حالها أن تميل إلى نعيم الجنات إلا الذين عاهدتم عند ~~المسجد الحرام وهو مقام الوصول المحرم على أهل الدنيا وهو مقام أهل الله ~~وخاصته، الذين تنورت نفوسهم بأنوار الجمال والجلال فيثبتها الله على العهد ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة فما استقاموا لكم على الصراط ~~المستقيم فاستقيموا لهم بشرحها في متسع رياض الشريعة ولا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة لا يحفظوا حقوق الجنسية فإن الأرواح والقلوب والنفوس مزدوجة في ~~عالمي الأمر والخلق يرضونكم بالأعمال الظاهرة وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ~~فيما يعملون خارجون عن الصدق والإخلاص اشتروا بدلالات توصلهم إلى الله ثمنا ~~قليلا من متاع الدنيا ومصالحها فصدوا عن سبيله قطعوا طريق الحق على الأرواح ~~والقلوب فإخوانكم في الدين رفقاؤكم في طلب الحق فارعوا حقوقهم فإن لنفسك ~~عليك حقا. لقوم يعلمون أن السير إلى الله من أعظم المقامات وأهم المهمات ~~وطعنوا في دينكم أنكروا مذهب السلوك أئمة الكفر النفوس وهموا بإخراج الرسول ~~يعني الواردات الغيبية بانسداد روزنة القلب أول مرة في أوان الطفولية. ~~أتخشونهم في فوات حظوظهم فالله أحق أن تخشوه بفوات حقوقها. ويذهب غيظ ~~قلوبهم يعني وحشة الأرواح والقلوب وكدورتها ويتوب الله على من يشاء بالرجوع ~~إلى الحق قبل التمادي في الباطل من غير حاجة إلى رياضة شديدة والله عليم ~~باستعدادات النفوس حكيم فيما ms2238 يدبر لكل منها. أم حسبتم أيها النفوس الأمارة ~~أن تتركوا بلا رياضة وليجة أولياء من الشيطان والدنيا والهوى. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 17 الى 28] # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك ~~حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين (18) أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ~~بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي ~~القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (21) # خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم ~~منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين (24) لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ~~ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) # ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27) يا أيها الذين ~~آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28) # PageV03P440 ### | القراآت: # مسجد الله ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون: على الجمع يبشرهم ~~خفيفا: حمزة وعشيراتكم على الجمع: أبو بكر وحماد وجبلة وضاقت ونحو ممالة: ~~حمزة رحبت ثم مظهرا: أبو جعفر ونافع وابن كثير وخلف ويعقوب وعاصم غير ~~الأعشى. ### | الوقوف: # بالكفر ط أعمالهم ج ms2239 لعطف المختلفين خالدون ه المهتدين ه في سبيل الله ط ~~عند الله ط الظالمين ه لئلا يشتبه بالوصف وأنفسهم لا لأن ما بعده خبر ~~«الذين» عند الله ط الفائزون ه مقيم ه لا لأن ما بعده حال أبدا ط عظيم ه ~~على الإيمان ط الظالمون ه بأمره ط الفاسقين ه كثيرة لا لعطف الظرف على ~~الظرف حنين لا لأن «إذ» ظرف نصركم. مدبرين ه ج للآية والعطف. كفروا ط ~~الكافرين ه من يشاء ط رحيم ه هذا ج إن شاء ط حكيم ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بدأ السورة بذكر البراءة من المشركين وبالغ في إيجاب ذلك ~~بتعداد فضائحهم وقبائحهم، ثم أراد يحكي شبهاتهم التي كانوا يحتجون في أن ~~هذه البراءة غير جائزة مع الجواب عنها. # قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه # PageV03P441 # المسلمون فعيروه بالكفر وقطيعة الرحم وأغلظ علي رضي الله عنه له القول ~~فقال العباس: # ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟ فقال علي عليه السلام: ألكم ~~محاسن؟ # فقال: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك العاني ~~فأنزل الله تعالى ردا عليهم ما كان للمشركين # ما صح لهم وما استقام أن يعمروا مسجد الله يعني المسجد الحرام. ومن قرأ ~~على الجمع فإما أن يراد جميع المساجد فيشمل المسجد الحرام أيضا الذي هو ~~أشرفها وهذا آكد لأن طريقه طريق الكناية كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله ~~كنت أنفي لقراءته القرآن من تصريحك بذلك، أو يراد المسجد الحرام وجمع لأنه ~~قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد، أو لأن بقعة منه ~~مسجد. قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم: فلان كثير ~~الدرهم، وبالعكس كقولهم: فلان يجالس الملوك ولعله لم يجالس إلا ملكا واحدا. ~~وعمارة المسجد إما لزومه وإما كثرة إتيانه للصلاة والاعتكاف، ولا شك أنه ~~ليس للمشرك ذلك وإما مرمته وتعهده، وليس للمشرك هذا أيضا لأنه يجري مجرى ~~الإنعام على المسلمين ولا ينبغي أن يكون للكافر منه على أهل الإسلام، ولأن ms2240 ~~دخوله المسجد يؤدي إلى تلوث المسجد إما لكونه نجسا في الحكم، وإما لأنه ~~قلما يحترز من النجاسات. وما # روي أنه صلى الله عليه وآله أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار وشد ثمامة ~~بن أثال الحنفي على سارية من سواري المسجد # محمول على تعظيم شأنه صلى الله عليه وسلم كأنه أراد أن يكون ذلك بمحضر ~~منه وهو في المسجد. وقوله شاهدين على أنفسهم حال من الواو في يعمروا ~~والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع ~~الكفر به. وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة ~~الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ~~ما أنت؟ قال: # نصراني. واليهودي يقول: يهودي، وعابد الوثن يقول: أنا عابد الوثن. وقيل: ~~هي قولهم في طوافهم «لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك» . وعن ~~ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر. وإنما جاز هذا ~~التفسير لقوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 128] ثم بين تعالى ~~ما هو الحق في هذا الباب فقال أولئك حبطت أعمالهم الصادرة عنهم كإكرام ~~الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر ~~يوجب عقاب الأبد ولهذا قال وفي النار هم خالدون ولإفادة هذا التركيب الحصر ~~احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة. ثم وصف من له استئهال عمارة ~~المسجد فقال إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر لأن # PageV03P442 # المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه. وإنما طوى ذكر ~~الرسول تنبيها على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد ~~في الحديث: «المصلي يناجي ربه» . وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمدا ~~ادعى رسالة الله طلبا للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل: دل عليه بقوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة لأنهما معلومتان ~~من أفعاله صلى الله عليه وسلم ولما في الصلاة من ms2241 التشهد وقبلها الأذان ~~والإقامة. ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه، ~~وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سببا للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء ~~والمساكين لأخذ الزكاة، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل ~~والإنسان ما لم يفرغ عن الواجب لم يشتغل بالنافلة، فلو لم يكن مؤديا للزكاة ~~فالظاهر أنه لم يشتغل بعمارة المسجد. ثم قال ولم يخش إلا الله ليعلم أنه لو ~~أتى المسجد وبناه رياء وسمعة لم يكن عامرا له. فعلى المؤمن أن يختار في ~~جميع الأحوال رضوان الله على غيره فإن ذلك لو ضره في العاجل فسينفعه في ~~الآجل وفي إدخال كلمة «إنما» في صدر الآية تنبيه على أن من لم يكن موصوفا ~~بالصفات المذكورة لم يكن من أهل عمارة المسجد، وأن المسجد يجب صونه عن غير ~~العبادة. # فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يأتي في آخر الزمان ناس ~~من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا لا تجالسوهم فليس ~~لله بهم حاجة» # وعنه صلى الله عليه وسلم: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل ~~البهيمة الحشيش» # وقال صلى الله عليه وآله: قال الله تعالى: «إن بيوتي في أرضي المساجد وإن ~~زواري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على ~~المزور أن يكرم زائره» # ومن عمارة المساجد تعظيمها والدرس فيها وقمها وتنظيفها وتنويرها ~~بالمصابيح. # فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: من أسرج في مسجد سراجا لم تزل ~~الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه» . # وفي قوله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين حسم لأطماع الكفار في ~~الانتفاع بأعمالهم فإن الموصوفين بالصفات المذكورة إذا كان اهتداؤهم ~~المستعقب لصلاح حالهم في الدارين دائرا بين عسى ولعل فما ظنك باهتداء ~~المشركين ومغبتهم؟ وفيه أن المؤمن يجب أن لا يغتر بالله عز وجل. هذا وقد مر ~~أن بعض الأمة ذهبوا إلى أن «عسى» من الله الكريم واجب. وقال بعضهم: إن ms2242 ~~الرجاء راجع إلى العباد. # ثم إنه قال أجعلتم سقاية الحاج ومعناه هبوا أن عمارة المسجد وسقي الحجيج ~~يوجب لكم نوعا من الفضيلة إلا أن هذه الأعمال في مقابلة الإيمان بالله ~~والجهاد شيء # PageV03P443 # نزر. قال المفسرون: إنها نزلت في مناظرة جرت بين فريقين إلا أنهم اختلفوا ~~فقيل: # «كافر» و «مؤمن» لقوله كمن آمن وقصة ما مر أن العباس بن عبد المطلب حين ~~أسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فلقد كنا ~~نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج. وروي أن المشركين قالوا لليهود: نحن سقاة ~~الحجيج وعمار المسجد الحرام أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود لهم: ~~أنتم أفضل. وقيل: إن كلا الفريقين مؤمن لقوله أولئك أعظم درجة وهذا يقتضي ~~أن يكون للمفضول أيضا درجة. # وقصته ما # روى عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج. وقال الآخر: ما ~~أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في ~~سبيل الله أفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكني إذا صليت دخلت ~~فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه ففعل فأنزل الله ~~الآية. # ويروى عن الحسن والشعبي أن طلحة قال: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه ولو ~~أشاء بت فيه. وقال العباس: وذلك بعد إسلامه أنا صاحب السقاية والقائم ~~عليها. وقال علي رضي الله عنه: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل ~~الناس وأنا صاحب الجهاد فنزلت. # وعن ابن سيرين: قال علي رضي الله عنه للعباس بعد إن كان أسلم: ألا تهاجر ~~ألا تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ففقال: ألست في أفضل من الهجرة، ألست ~~أسقي حاج بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت هذه الآية. فقال العباس: ما ~~أراني إلا ترك سقايتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا على ms2243 ~~سقايتكم فإن لكم فيها خيرا» . # والسقاية والعمارة مصدران من سقي وعمر، ولا بد من تقدير مضاف أي أجعلتم ~~أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كخصال من آمن؟ ثم كان لسائل أن يسأل ما بال أحد ~~الفريقين لا يشبه بالآخر فلا جرم قال مستأنفا لا يستوون عند الله ثم صرح ~~بالمفضول فقال والله لا يهدي القوم الظالمين أي المشركين إن الشرك لظلم ~~عظيم وأي ظلم أشنع من وضع أخس الموجودات وهو الأصنام مقام أشرفها وهو الله ~~سبحانه. وإنما لم يهدهم الله لعدم قابلية وقع في استعدادهم الفطري. وذلك ~~لكونهم مظاهر القهر فافهم. ثم صرح بالفريق الفاضل فقال الذين آمنوا الآية. ~~ثم من قال إن الفريقين المتناظرين كافر ومؤمن أورد عليه أن قوله أعظم درجة ~~وجب أن يكون للمفضول أيضا درجة ولكنه ليس للكافر درجة. # وأجيب بأن هذا وارد على حسب ما كانوا يقدرونه لأنفسهم من الدرجة والفضيلة ~~نظيره # PageV03P444 # قوله أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم. أو المراد أنهم أعظم درجة من كل من ~~لم يكن موصوفا بالهجرة ولا الجهاد وإن كان مؤمنا فضلا عن الكافر. أو المراد ~~ترجيح الإيمان والهجرة والجهاد على السقاية والعمارة. ولا شك أنهما من ~~أعمال والخير وموجبان للثواب لولا الكفر. وفي قوله عند الله تشريف عظيم ~~لقوله ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته وكذا في قوله وأولئك هم الفائزون ~~لدلالته على انحصار الفوز فيهم. ثم فسر الفوز بقوله يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات التنكير فيها يفيد أنها وراء وصف الواصف، قال المتكلمون: ~~الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالتبشير بالرحمة والرضوان ~~إشارة إلى غاية التعظيم ونهاية الإجلال والجنات إشارة إلى حصول المنافع ~~العظيمة. وقوله لهم فيها نعيم إشارة إلى خلوص تلك المنافع عن شوائب ~~الكدورات. ثم عبر عن دوامها بثلاثة ألفاظ مؤكدات أولها مقيم وثانيها خالدين ~~وثالثها أبدا وقال أهل التحقيق: الفرح بالنعمة قد يكون من حيث إنها نعمة ~~وقد يكون من حيث إن المنعم خصه بها ms2244 كالسلطان إذا أعطى بعض الحاضرين تفاحة ~~مثلا، ثم النعمة قد تكون حسية وقد تكون عقلية فقوله يبشرهم ربهم إشارة إلى ~~أعلى المراتب وهو مقام العارفين الذين نظرهم على مجرد سماع البشارة لا على ~~المبشر به. وقوله برحمة منه ورضوان إشارة إلى المرتبة الوسطى وهم العاكفون ~~على عتبة اللذات الروحانية العقلية. وقوله جنات إلى آخره إشارة إلى المرتبة ~~السفلى وهم الواقفون عند ساحات مواقع اللذات الحسيات. وفي تخصيص الرب ~~بالمقام إشارة إلى أن الذي رباكم في الدنيا بالنعم التي لا حد لها يبشركم ~~بخيرات دائمة وسعادات باقية لا حصر لها. ويجوز أن تكون الرحمة إشارة إلى ~~رضا العبد بقضائه فيسهل عليه الغموم والآفات، والرضوان إشارة إلى رضاه عن ~~العبد فيكون كقوله ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 28] ثم أكد المعاني ~~المذكورة بقوله الله عنده أجر عظيم وفي تصدير الجملة الاسمية بأن وفي لفظ ~~«عند» وتقديمه وتنكير «أجر» ووصفه بالعظم مبالغات لا تخفى. # قال الكلبي: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى ~~المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه ولقرابته إنا قد أمرنا بالهجرة فمنهم ~~من يسرع إلى ذلك ويعجبه، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده فيقولون: ~~ننشدك الله أن لا تدعنا إلى غير شيء فنضيع فيرق فيجلس معهم ويدع فنزل فيهم ~~يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الآيتين. # وذكروا في وجه النظم أن هذه الآية جواب عن شبهة أخرى قالوها وهي أنه كيف ~~يمكن دعوى البراءة من الكفار وبينهم وبين المسلمين قرابات ومواصلات ~~ومعاملات؟ فذكر الله تعالى أن الانقطاع # PageV03P445 # عن الآباء والأبناء والإخوان واجب بسبب الكفر. ومعنى استحبوا اختاروا وهو ~~في الأصل طلب المحبة. ثم إن النهي كان يحتمل أن يكون نهي تنزيه لا تحريم ~~فلإزالة الوهم ختم الآية بقوله ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قال ابن ~~عباس: يريد أنه يكون مشركا مثلهم لأن الرضا بالشرك شرك. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في ~~الله ويبغض في الله حتى ms2245 يحب في الله أبعد الناس ويبغض في الله أقرب الناس» ~~«1» # وعن ابن عباس: هي في المهاجرين خاصة كان قبل فتح مكة من آمن لم يتم ~~إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه الكفرة ويقطع موالاتهم.. فقالوا: يا ~~رسول الله إن نحن اعتزلنا من يخالفنا في الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا ~~وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ديارنا ضائعين فنزلت قل إن كان ~~آباؤكم الآية. فهاجروا فجعل الرجل يأتيه ابنه وأبوه وأخوه أو بعض أقاربه ~~فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه ثم رخص لهم بعد ذلك. # وقيل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله عز وجل عن ~~موالاتهم. قال الواحدي: عشيرة الرجل أهله الأدنون وهم الذين يعاشرونه. ومن ~~قرأ على الوحدة فلأن العشيرة اسم جمع. ومن قرأ على الجمع فلأن كل واحد من ~~المخاطبين له عشيرة. قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات ~~وإنما يجمعونها على عشائر القرآن حجة عليه. والاقتراب الاكتساب والتركيب ~~يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه. والترتيب ~~المذكور في الآية غاية الحسن لأن أعظم الأسباب الداعية إلى المخالطة ~~القرابة القريبة ثم البعيدة، ثم إنه يتوسل بتلك المخالطة إلى إبقاء الأموال ~~المكتسبة ثم إلى التجارات المثمرة، وفي آخر المراتب الرغبة في الأوطان التي ~~بنيت للسكنى، فبين تعالى أنه يجب تحمل هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين ~~سليما، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندهم من طاعة ~~الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله فتربصوا انتظروا بما تحبون حتى ~~يأتي الله بأمره عن الحسن هو عقوبة عاجلة أو آجلة. وقيل: يعني القتال. وعن ~~ابن عباس: هو فتح مكة وفيه بعد لما روي أن هذه السورة نزلت بعد فتح مكة ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعة الله إلى معصيته ولا يخفى ~~ما فيه من التهديد. # ثم لما أوجب ترك مصالح الدنيا لأجل الدين أراد أن يبين أن كل من أعرض عن ~~الدنيا لأجل مصالح دينه فإن ms2246 الله تعالى يراعي مصالح دنياه فيفوز بسعادة ~~الدارين وضرب لنا مثلا فقال لقد نصركم الله في مواطن كثيرة قال الواحدي: ~~النصر المعونة على الأعداء PageV03P446 # خاصة، والمواطن جمع موطن وهو كل موضع أقام به الإنسان لأمر. ومواطن الحرب ~~مقاماتها ومواقعها. وامتناعها من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع ولا هاء ~~كمساجد. والمواطن الكثيرة غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي على ما في ~~الصحاح تسع عشرة منها: غزوة بدر وقريظة والنضير وأحد وغزوة الخندق وذات ~~الرقاع وغزوة بني المصطلق وغزوة أنمار وغزوة ذي قرد وخيبر والحديبية ~~والفتح. ويوم حنين أي يوم حنين. واستبعد صاحب الكشاف عطف الزمان على المكان ~~فقال: معناه في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، وجوز أن يراد بالموطن الوقت ~~كمقتل الحسين رضي الله عنه. # قال علي: أن الواجب أن يكون يوم حنين منصوبا بالفعل مضمر لا بهذا الظاهر ~~أي ونصركم يوم حنين لأن قوله إذ أعجبتكم كثرتكم بدل من يوم حنين فلو جعلت ~~ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع المواطن ولم يكونوا ~~كثيرا في جميعها، وجوز أن يكون «إذ» منصوبا بإضمار «اذكر» . قلت: ولعله لا ~~حاجة إلى هذه التكلفات فلا استبعاد في عطف الزمان والمكان، وما جعل بدلا عن ~~الزمان لا يلزم أن يكون بدلا عن المكان حتى يكون الفعل الأول مقيدا بهما ~~جميعا. وحنين ودا بين مكة والطائف. قال المفسرون: لما فتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان خرج متوجها إلى حنين لقتال ~~هوازن وثقيف. واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ فعن ~~عطاء عن ابن عباس كانوا ستة عشر ألفا. وقال قتادة: كانوا اثني عشر ألفا ~~وعشرة آلاف من الذين حضروا مكة وألفان من الطلقاء الأسارى الذين أعتقهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف. وبالجملة ~~كانوا عددا كثيرين وكانت هوازن وثقيف أربعة آلاف، فلما التقوا قال رجل من ~~المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة. فهذه ms2247 الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي المراد من قوله إذ أعجبتكم وقيل: قالها أبو بكر. وقيل: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو بعيد لأنه كان في جميع الأحوال متوكلا على الله ~~منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها. ثم قال فلم تغن عنكم شيئا والإغناء إعطاء ~~ما يدفع الحاجة أي لم تعطكم الكثرة شيئا يدفع حاجتكم ولم تفدكم وضاقت عليكم ~~الأرض بما رحبت «ما» مصدرية والباء بمعنى «مع» والرحب السعة والجار ~~والمجرور في موضع الحال أي متلبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، ~~والمعنى أنكم لشدة ما لحقكم من الرعب لم تجدوا في الأرض ذات الطول والعرض ~~موضعا يصلح لهربكم إليه وكأنها ضاقت عليكم ثم وليتم مدبرين أي انهزمتم ~~انهزاما. # قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وأكببنا ~~على # PageV03P447 # الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث، والذي لا ~~إله إلا الله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط، ولقد رأيته ~~وأبو سفيان أخذ بالركاب والعباس آخذ بلجام الدابة وهو يقول: # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا ~~يبالي وكانت بغلته شهباء ثم قال للعباس: ناد المهاجرين والأنصار وكان ~~العباس رجلا صيتا فنادى يا أصحاب الشجرة فرجعوا ونزلت الملائكة عليهم ثياب ~~بيض وهم على خيول بلق، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كفا من ~~الحصباء فرماهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما زال جدهم مدبرا وحدهم كليلا ولم ~~يبق منهم أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب فانهزموا # وذلك قوله سبحانه ثم أنزل الله سكينته رحمته التي سكنوا بها وآمنوا على ~~رسوله وعلى المؤمنين الذين كانوا انهزموا وعلى الذين ثبتوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين وقع الهرب. # وأنزل الله جنودا لم تروها يعني الملائكة ستة عشر ألفا أو ثمانية آلاف أو ~~خمسة آلاف ms2248 على اختلاف الروايات. وعن سعيد بن المسيب قال: حدثني رجل كان من ~~المشركين يوم حنين: قال لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم فلما انتهينا إلى ~~صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسان فقالوا: شاهت الوجوه ~~ارجعوا فرجعنا وركبوا أكتافنا. واختلفوا في قتال الملائكة فقيل: قاتلوا. ~~وقيل: ما قاتلوا إلا يوم بدر وإنما نزلوا في هذا اليوم لتكثير السواد ~~ولإلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين. ثم قال وعذب الذين كفروا أي ~~بالقتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذراري. واحتجت الأشاعرة بإنزال السكينة ~~وهي داعية السكون والثبات وبقوله وعذب على أن الدواعي والأفعال كلها بخلق ~~الله تعالى. # ثم ختم الآية بقوله وذلك جزاء الكافرين واعلم أن الحنفية تمسكوا في مسألة ~~الجلد مع التغريب بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا [النور: 2] قالوا ~~الفاء للجزاء اسم للكافي وكون الجلد كافيا يمنع أن يكون غيره مشروعا معه. ~~وأجابت الشافعية بأنه قال تعالى في هذه الآية وذلك أي الأخذ والأسر جزاء ~~الكافرين سمي العذاب العاجل جزاء مع أنه غير كاف لأن العذاب الآجل باق. أما ~~قوله ثم يتوب الله من بعد ذلك أي يسلم ناس منهم. # روي أن ناسا منهم جاؤا تائبين فأسلموا وقالوا: يا رسول الله أنت خير ~~الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. قيل سبي يومئذ ستة ~~آلاف نفس وأخذ من الإبل والغنم ما لا يحصى. فقال: إن عندي ما ترون العساكر ~~الفقراء وإن خير القول أصدقه، # PageV03P448 # اختاروا وإما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم. قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب ~~شيئا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء جاؤا مسلمين وإنا ~~خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا. فمن كان بيده شيء ~~وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا ~~فنعطيه مكانه. قالوا: رضينا وسلمنا فقاال: إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى ~~فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا. فرفعت إليه صلى الله عليه وسلم العرفاء ~~أن قد رضوا. # ثم إنه سبحانه أجاب عن شبهة أخرى ms2249 لهم وذلك أن عليا عليه السلام حين قرأ ~~عليهم براءة فنبذ إليهم عهدهم قال أناس: يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من ~~الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس قال في الكشاف: هو مصدر كالقذر ومعناه ذو ونجس. وقال الليث: ~~إنه صفة يستوي فيه الواحد وغيره: رجل نجس وقوم نجس وامرأة نجس. قلت: ويجوز ~~أن يجعل المصدر نعتا للمبالغة في الوصف. واختلف في تفسير كون المشرك نجسا ~~فعن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. وعن الحسن من صافح مشركا ~~توضأ وهو قول الهادي من أئمة الزيدية. وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة ~~أبدانهم واحتج القاضي على ذلك بما # روي أنه صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم # وبأنه لو كان نجس العين لما تبدلت النجاسة بسبب الإسلام، وأولوا الآية ~~بأن معناها أنهم لا يغتسلون عن الجنابة ولا يتوضؤون عن الحدث، أو أنهم ~~بمنزلة الشيء النجس في وجوب الاجتناب والاحتراز عنهم، أو أن كفرهم الذي هو ~~صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وهي السنة التاسعة من الهجرة التي وقع النداء فيها بالبراءة من ~~المشركين واختلفوا في هذا النهي فعن أبي حنيفة وأصحابه أن المراد أن لا ~~يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، والدليل عليه قول علي ~~عليه السلام في النداء: ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك. وقال الشافعي: ~~المراد المنع من الدخول فيه وهو ظاهر النص. وقاس مالك سائر المساجد على ~~المسجد الحرام في المنع من الدخول فيه. وقيل: المراد أن يمنعوا من تولي ~~المسجد الحرام والقيام بمصالحه ويعزلوا عن ذلك. وعن عطاء أن المراد بالمسجد ~~الحرام والحرم وأن على المسلمين أن لا يمكنوهم من دخوله، ونهي المشركين أن ~~يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم منه لقوله وإن خفتم عيلة أي فقرا ~~بسبب منع المشركين وموضع التجارات ليس هو عين المسجد بل الحرم كله. ومن قال ~~إن المراد منعهم من الحج قال ms2250 إنهم إذا لم يحضروا الموسم لم يحصل للمسلمين ~~ما كان لهم في قدومهم عليهم من الأرفاق والمكاسب فلهذا خافوا الفقر، ثم ~~وعدهم الله إزالة الفقر بقوله فسوف يغنيكم الله من فضله أي من تفضله بوجه ~~آخر قال عكرمة: أنزل الله عليهم # PageV03P449 # المطر فكثر خيرهم. وعن الحسن: جعل الله لهم أخذ الجزية بدلا عن ذلك. ~~وقيل: # أغناهم من الفيء. وعن مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش وحملوا الطعام إلى ~~مكة فكان ذلك أعود عليهم. واعلم أن هذا إخبار بالغيب وقد وقع فكان معجزا. ~~ومعنى إن شاء تعليم وإرشاد وأن لا يغتر المسلمون بذلك فيتركوا التضرع إلى ~~الله واللجأ إليه، وليعلم أن حصول ذلك لا يكون في كل الأوقات لأغراض ومقاصد ~~لا يعلمها إلا ضابط الأمور ورابط الأسباب، ولهذا ختم الآية بقوله إن الله ~~عليم أي بأحوالكم حكيم لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. ### | التأويل: # ما كان لمشركي النفوس الأمارة أن يعمروا مساجد الله وهي القلوب وهم مصرون ~~على ما جبلوا عليه من التمرد وتعبد الهوى. حبطت أعمالهم التي صدرت عنهم ~~رياء وسمعة إنما يعمر القلوب من آمن بالله واليوم الآخر صدق بأن المقصود ~~والمعبود هو الله، وعمل لنيل السعادات الأخروية وأدام المناجاة مع الله ~~بصدق الطلب، وزكى نفسه عن الأخلاق الذميمة ولم يخف فوات الخطوط الدنيوية ~~وإنما يخاف فوات الحقوق الإلهية. سقاية الحاج خدمة هذه الطائفة للأغراض ~~الفاسدة وعمارة المسجد الحرام الأعمال الموجبة لعمارة القلوب إذا كانت ~~مشوبة بالرياء والهوى لا يستوون عند الله الطالبون والبطالون والله لا يهدي ~~القوم الظالمين الذين يضعون الأعمال الصالحة في غير موضعها الذين آمنوا أي ~~القلوب المؤمنة وهاجروا أي الأرواح المهاجرة إلى القوالب وجاهدوا في سبيل ~~الله الجهاد الأكبر بأموالهم وأنفسهم ببذل الموجود والوجود جميعا يبشرهم ~~ربهم بعد الخلاص عن حبس الوجود بتجلي صفات لطفه وجنات الشواهد والكشوف إن ~~الله عنده أجر عظيم أي من وصل إلى مقام العندية فالله يعظم أجره لا تتخذوا ~~آباءكم الآيتان. فيهما إشارة إلى أن آثر محبة المخلوق ms2251 على محبة الخالق فقد ~~أبطل الاستعداد الفطري لقبول الفيض الإلهي. # ويوم حنين أي حين حنت قلوبكم شوقا إلى لقاء ربها وحسبتم أنكم تبلغونه ~~بكثرة الطاعات، وضاقت عليكم أرض الوجود ثم أعرضتم عن الطلب إذ احتجبتم بحجب ~~العجب مدبرين إلى عالم الطبيعة الحيوانية ثم أنزل الله سكينته هي واردات ~~ترد على الأرواح والقلوب فتسكن إلى ربها على رسول الروح وعلى القلوب ~~المؤمنة وأنزل جنودا من المواهب الربانية وعذب النفوس المتمردة باستعمالها ~~في أحكام الشريعة وآداب الطريقة ذلك جزاء الكافرين أي علاج النفوس المتمردة ~~ثم يتوب الله من بعد ذلك العلاج بجذبة ارجعي، إنما المشركون النفوس العابدة ~~للدنيا والشيطان والهوى # PageV03P450 # فلا يقربوا القلب بعد عامهم هذا وهو حالة البلوغ وجريان قلم التكليف على ~~الإنسان، نهى القلوب حينئذ عن اتباع النفوس وأمرها بقتالها ومنعها عن ~~طوافها لئلا تنجس كعبة القلب بنجاسة شرك النفس وأوصافها الذميمة وإن خفتم ~~عيلة حظوظا يستلذ بها عند اتباع النفس فسوف يغنيكم الله بعد انقطاع تصرفات ~~النفس عن القلب بالواردات الربانية والكشوف الروحانية إن الله عليم بمستحقي ~~فضله حكيم فيما دبر من قتال النفوس. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 29 الى 37] # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~(30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون ~~أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ~~(32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون (33) # يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله ms2252 فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) ~~إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين (36) إنما ~~النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا ~~يهدي القوم الكافرين (37) ### | القراآت: # عزير ابن بالتنوين مكسورة للساكنين: عاصم وعلي وسهل ويعقوب. # الباقون: بغير تنوين. يضاهؤن بالهمز. عاصم. الآخرون يضاهؤن بحذف # PageV03P451 # الهمزة. أن يطفؤا وليواطؤا بحذف الهمزة فيهما. يزيد وحمزة في الوقف وإن ~~شاء لين الهمزة اثنا عشر بسكون العين: يزيد والخزاز إنما النسيء بالتشديد: ~~ورش من طريق النجاري وحمزة في الوقف. الباقون: بباء بعدها همزة. يضل بضم ~~الياء وفتح الضاد: علي وحمزة غير العجلي وحفص وخلف لنفسه. يضل بضم الياء ~~وكسر الضاد: العجلي وأوقية ورويس. الباقون يضل بفتح الياء وكسر الضاد. ### | الوقوف: # صاغرون ه المسيح ابن الله ط بأفواههم ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ~~من قبل ط قاتلهم الله ج يؤفكون ه ابن مريم ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون ~~حالا واستئنافا. واحدا ج لأن ما بعده يصلح ابتداء ووصفا إلا هو ط يشركون ه ~~الكافرون ه كله لا لتعلق «لو» بما قبله المشركون ه عن سبيل الله ط في سبيل ~~الله لا لتعلق الفاء أليم ه لا أي في يوم. وظهورهم ط تكنزون ه حرم ط ~~يقاتلونكم كافة ط المتقين ه فيحلوا ما حرم الله ط أعمالهم ط الكافرين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر شبهات المشركين وأجاب عنها بأجوبة صحيحة أراد أن يبين ~~أحكام أهل الكتاب والمقصود تميزهم من المشركين في الحكم لأن الواجب في ~~المشركين القتال إلى الإسلام، والواجب في أهل الكتاب القتال إلى الإسلام أو ~~الجزية. # واعلم ms2253 أنه تعالى ذكر صفات أربع وأمر بقتال من اتصف بها ثم بين الموصوفين ~~بها بقوله من الذين أوتوا الكتاب فدل ذلك على أن أهل الكتاب متصفون بتلك ~~الصفات فالصفة الأولى أنهم لا يؤمنون بالله فأورد عليه أن القوم يقولون نحن ~~نؤمن بالله، وأجيب بأن إيمانهم بالله كلا أيمان لأنهم مشبهة وحلولية. ~~واعترض ثانيا بأن كل من نازع في صفة من صفات الله وكان منكرا لله لزم أن ~~يكون أكثر المتكلمين كذلك فالأشعري من أهل السنة أثبت البقاء صفة، والقاضي ~~أنكره، وعبد الله بن سعيد أثبت القدم صفة، والباقون أنكروه، والقاضي أثبت ~~لله إدراك الطعوم وإدراك الروائح والحرارة والبرودة والأستاذ أبو إسحق ~~أنكره، والقاضي أثبت للصفات سبعة أحوال معللة بغير الصفات وغيره أنكره، ~~وعبد الله ابن سعيد زعم أن كلام الله في الأزل ما كان أمرا ولا نهيا ولا ~~خبرا ثم صار كذلك عند الإنزال، والآخرون أنكروه، وقوم من قدماء الأشاعرة ~~أثبتوا لله خمس كلمات: الأمر والنهي والاستخبار والخبر والنداء. والمشهور ~~أن كلام الله واحد. واختلفوا في أن خلاف المعلوم هل هو مقدور لله؟. وأما ~~اختلافات المعتزلة وسائر الفرق فأكثر من أن تحصى هاهنا. وأجيب بأن المجسم ~~خالف في الذات لأنه يقول إن الإله جسم والبرهان دل على # PageV03P452 # أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني. وأما الخلاف في المسائل المذكورة ~~فراجع إلى الصفة فظهر الفرق. نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن ~~كلام الله تعالى حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى ~~القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى. # الصفة الثانية: أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون ~~المعاد الجسماني. والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات ~~يتمتعون، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها. الصفة الثالثة: ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله أي لا يحرمون ما حرم الله في القرآن، والرسول في سنته ~~كالخمر والخنزير ونحوهما. وقال أبو روق: أي لا يعملون بما في التوراة ~~والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم. ms2254 الصفة الرابعة: ولا ~~يدينون دين الحق أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق. يقال: فلان ~~يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده. وقيل: الحق هو الله. # ثم ذكر غاية القتال فقال حتى يعطوا الجزية فعله من جزى يجزي إذا قضى ما ~~عليه. # قال الواحدي: هي ما يعطى المعاهد على عهده. وقال في الكشاف: سميت جزية ~~لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو لأنهم يجزون بها من ~~من عليهم بالإعفاء عن القتل. ومعنى عن يد إن أريد بها يد المعطي أي عن يد ~~مؤاتية غير ممتنعة يقال: أعطى بيده إذا انقاد وأصحب، أو المراد حتى يعطوها ~~عن يد إلى نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد، وإن أريد بها يد الآخذ ~~فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله: # ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن بسببهما. أو المراد عن إنعام ~~عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلا عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم. قيل: إن من ~~اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم؟ والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية ~~على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم. ~~أما مقدار الجزية # فعن أنس: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل محتلم دينارا، # وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهما، وعلى الأوساط أربعة ~~وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين. فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية ~~دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي. وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر. ~~والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب # لقوله صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر # وذلك أن لهم شبهة كتاب. ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم # PageV03P453 # قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثوها. وليس المقصود من أخذ الجزية تقرير ~~الكفرة على كفرهم بدينار واحد حتى يصير موجبا للطعن، ms2255 وإنما الغرض حقن ~~دمائهم وإمهالهم مدة لعلهم يتفكرون في كتابهم فيعرفون صدق محمد وما دعاهم ~~إليه. وأيضا فيه حرمة أنبيائهم وحرمة كتابهم وحرمة آبائهم الذين انقرضوا ~~على الحق من شريعة التوراة والإنجيل. وأما قوله وهم صاغرون فمعناه أنه لا ~~بد مع أخذ الجزية من إلحاق الذل والصغار بهم. والسبب فيه أن طبع العاقل ~~ينفر عن تحمل الذل فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام وذل الكفر ~~ويسمع الدلائل فالظاهر أن مجموع ذلك يحمله على الانتقال إلى الإسلام. ~~وفسروا الصغار في الآية بأخذ الجزية على سبيل الإهانة بأن يكون الذمي قائما ~~والمسلم الذي يأخذ الجزية قاعدا ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ويحني ظهره ~~ويطأطىء رأسه فيصب ما معه في كفة الميزان ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في ~~لهزمتيه. وهذه الهيئة مستحبة على الأصح لا واجبة. وقيل: الصغار هو نفس أخذ ~~الجزية. والجزية تسقط بالإسلام عند أبي حنيفة دون الشافعي. وإنها تؤخذ عند ~~أبي حنيفة في أول السنة وعند الشافعي في آخرها. ولا تؤخذ من فقير لا كسب له ~~ولا من امرأة وخنثى ولا صبي ولا مجنون وعبد ولا من سيده بسببه، وتضرب على ~~الزمن والعسيف والشيخ الفاني والراهب والأعمى على الأصح من قولي الشافعي، ~~لأن الجزية بمنزلة الكراء يستوي فيه المعذورون وغيرهم. قال الشافعي في أحد ~~قوليه. العاجز عن الكسب يعقد له الذمة بالجزية فإذا تم الحول أخذنا إن أيسر ~~وإلا فهي في ذمته إلى أن يوسر وهكذا في كل حول. ولا يصح عقد الذمة إلا من ~~الإمام أو نائبه الذي فوضه إليه لأنه من الأمور الكلية. # وكيفية العقد أن يقول: أقررتكم وأذنت لكم في الإقامة في دار الإسلام على ~~أن تبذلوا كذا وتنقادوا لأحكام الإسلام التي يراها الإمام. ولا يقرأ أهل ~~الكتاب بالجزية في أرض الحجاز لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز» # قال الشافعي: هو مكة والمدينة ومخالفيهما أي قراهما. # وما روي أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يخرجوا اليهود ms2256 والنصارى من ~~جزيرة العرب # فمحمول على أنه أراد الحجاز جمعا بين الحديثين. # وقد بقي في الآية نكتة ذكرها بعض العلماء في أن المسلم لا يقتل بالذمي ~~قال: لأن قوله قاتلوا مشتمل على إباحة دمهم وعلى عدم وجوب القصاص بسبب ~~قتلهم فلما قال حتى يعطوا الجزية علمنا أن المجموع انتفى عند إعطاء الجزية، ~~ولكن انتفاء المجموع يكفي فيه انتفاء أحد جزأيه وأحد الجزأين- وهو وجوب ~~قتلهم- مرتفع بالاتفاق فيبقى الآخر وهو عدم وجوب القصاص بقتلهم بعد أداء ~~الجزية كما كان. ولقائل أن يقول: لا نزاع في الاحتمال ولكن ما الدليل على ~~عدم وجوب القصاص وأنت بصدد إثباته؟. # PageV03P454 # ولما حكم في الآية المتقدمة أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله شرع في إثبات ~~تلك الدعوى فقال وقالت اليهود عزير ابن الله الآية. العلم مبتدأ والابن ~~خبره ومن أسقط التنوين من عزير فلأنه اسم أعجمي زائد على ثلاثة أحرف فيمتنع ~~من الصرف كعازر. # وقيل: منصرف لكونه عربيا وكان الوجه كسر التنوين كقراءة عاصم ولكنه أسقط ~~التنوين للساكنين على مذهب بعضهم. أو لأن الابن وقع وصفا والخبر محذوف وهو ~~معبودنا. # وطعن في هذا الوجه عبد القاهر باستلزامه احتمال توجه الذم إلى الخبر دون ~~الوصف، وحينئذ يحصل تسليم كونه ابنا لله ومعلوم أن ذلك كفر. وهذا قول ناس ~~من اليهود بالمدينة وما هو بقول كلهم إلا أنه جاء على عادة العرب في إيقاع ~~اسم الجماعة على الواحد. # يقال: فلان يركب الخيول أو يجالس الملوك. ولعله لم يركب أو لم يجالس إلا ~~واحدا. # عن ابن عباس: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ونعمان بن ~~أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف فقالوا ذلك. # وعنه أيضا أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق فأنساهم الله ~~التوراة ونسخها من صدورهم، فتضرع عزير إلى الله تعالى وابتهل إليه فعاد حفظ ~~التوراة إلى قلبه فأنذر قومه، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه فقالوا: # هذا ابن الله. وقال عبيد بن عمير: إنما قال هذا القول رجل من اليهود اسمه ~~فنحاص بن ms2257 عازوراء. وقيل: لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع، ولا عبرة ~~بإنكار اليهود قول الله أصدق. وقال في الكشاف: الدليل على أن هذا القول كان ~~فيهم أن الآية تليت عليهم فما أنكروا ولا كذبوا مع تهالكهم على التكذيب. ~~وأما النصارى فلا شك أنهم يقولون ذلك وقد حكى الواحدي في سبب ذلك أن أتباع ~~عيسى كانوا على الحق بعد رفع عيسى إلى السماء حتى وقع حرب بينهم وبين ~~اليهود وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له بولس. # قتل جمعا من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا ~~والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار وإني أحتال ~~فأضلهم، فعرقب فرسه وأظهر الندامة بما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: ~~نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تنتصر وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة. ~~ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس ~~واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ~~وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت وقال: ما كان عيسى إنسانا ولا ~~جسما ولكنه الله. وعلم رجلا آخر- يقال له يعقوب- ذلك ثم دعا رجلا- يقال له ~~ملكا- فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى. ثم دعا هؤلاء الثلاثة وقال ~~لكل واحد منهم: أنت خليفتي فادع الناس إلى نحلتك، ولقد رأيت عيسى في المنام ~~ورضي عني وإني غدا أذبح نفسي لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه. هذا هو # PageV03P455 # السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى. والأقرب أن لفظ الابن قد وقع ~~في الإنجيل على سبيل التشريف حيث قال: إنك أنت الابن الوحيد كما وقع لفظ ~~الخليل في حق إبراهيم عليه السلام. وقال المسيح عليه السلام للحواريين: ~~أحبوا أعداءكم وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا على من ~~يؤذيكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي أشرق شمسه على الصالحين ~~والفجرة. ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في ~~أحد الطرفين ms2258 بغلو فاسد في الطرف الآخر حملوا لفظ الابن على البنوة الحقيقية ~~والله تعالى أعلم يحقيقة الحال. ثم قال سبحانه ذلك قولهم بأفواههم وفائدة ~~هذا التخصيص- وكل قول فإنما يقال بالفم- أنه قول لا يعضده برهان بل البرهان ~~دال على نقيضه لاستحالة إثبات الولد لمن هو مبرأ عن الحاجة والشهوة ~~والمضاجعة واتخاذ الصاحبة، فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى تحته ~~كالألفاظ المهملة التي لا تجاوز الحناجر ولا يؤثر معناها في القلب بل لا ~~معنى لها حتى تؤثره، نظيره قوله وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~[النور: 15] أو نقول: إن الإنسان قد يختار مذهبا ولكن لا يصرح به ولا يذكره ~~بلسانه، أما إذا نطق به فذلك هو الغاية في اختياره وإذا ساعده عليه دليل ~~كان نهاية في الحسن والتأثير. فالمراد بالقول المذهب وأنهم يصرحون به لا ~~يخفونه البتة، أو أنه مذهب لا يساعده دليل فلا تأثير له في القلوب. ويحتمل ~~أن يراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت في الأفواه والألسنة ~~يضاهنون من قرأ بغير همز فظاهر لأنه من ضاهى يضاهي منقوصا أي شاكل، ومن قرأ ~~بالهمز فلمجيء ضاهأت من قولهم امرأة ضهيأ على وزن «فعيل» وهي التي شاكلت ~~الرجال في أنها لا تحيض ومن جعل ضهيأ على «فعلأ» بزيادة الهمزة كما في ~~«غرقىء» لقشرة البيض السفلى لمجيء ضهياء ممدودا بمعناه فلا ثبت في هذا ~~الثاني عنده. ولا بد من تقدير مضاف أي يضاهي قولهم قول الذين، حذف المضاف ~~وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا لفقد الجار. والمعنى أن قول ~~هؤلاء المعاصرين للنبي من أهل الكتاب يشبه قول قدمائهم أي إنه كفر قديم ~~فيهم غير مستحدث، أو يضاهي قول أهل الكتاب قول المشركين القائلين الملائكة ~~بنات الله. وقيل: الضمير في يضاهؤن للنصارى فقط أي يشاكل قول النصارى ~~«المسيح ابن الله» قول اليهود «عزير ابن الله» لأن اليهود أقدم منهم. ثم ~~قال على عادة محاورات العرب معجبا ومستفهما على سبيل الإنكار قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون كيف يصرفون عن ms2259 الحق أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا تعجبا من ~~شناعة قولهم كما يقال القوم ركبوا شنعاء: قاتلهم الله ما أعجب فعلهم، ولمن ~~ضل عن الطريق أين تذهب؟. ثم وصفهم # PageV03P456 # بضرب آخر من الإشراك فقال اتخذوا أحبارهم ورهبانهم قال أهل المعاني: ~~الحبر العالم الذي يعبر عما يريد بأحسن بيان، والراهب الذي ظهرت آثار ~~الرهبة من قلبه على وجهه ولباسه، ولكن في عرف الاستعمال اختص الأحبار ~~بعلماء اليهود من ولد هارون، والرهبان بعلماء النصارى من أصحاب الصوامع. ~~واختلفوا في معنى اتخاذهم إياهم أربابا بعد الاتفاق على أنه ليس المراد ~~أنهم جعلوهم آلهة العالم فقال أكثر المفسرين: المراد أنهم أطاعوهم في ~~أوامرهم ونواهيهم. # نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقرأ سورة براءة، فلما وصل إلى هذه الآية قال عدي: إنا لسنا نعبدهم فقال: ~~أليس تحرمون ما أحل الله وتحلون ما حرم الله؟ فقلت: بلى. فقال: فتلك ~~عبادتهم. # قال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ ~~فقال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف قول الأحبار والرهبان فكانوا ~~يأخذون بأقوالهم وما كانوا يقبلون حكم الله. قال العلماء: إنما لم يلزم ~~تكفير الفاسق بطاعة الشيطان خلاف ما عليه الخوارج لأن الفاسق وإن كان يقبل ~~دعوة الشيطان إلا أنه يلعنه ويستخف به بخلاف أولئك الأتباع المعظمين ~~لمتبوعهم. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: قد شاهدت جماعة من ~~مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في مسائل كانت تلك ~~الآيات مخالفة لمذهبهم فيها فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها ~~وكانوا ينظرون إلي كالمتعجب يعني كيف الآيات مع أن الرواية عن سلفنا. وردت ~~بخلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا ساريا في عرف الأكثرين. وقلت: ~~ولعلهم توقفوا لحسن ظنهم بالسلف لأنهم ربما وقفوا من تلك الآي على ما لم ~~يقف عليه الخلف. وقيل في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا ~~بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل ms2260 طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وقد ~~يساعدهم الشيخ في ذلك إذا كان مزورا طالبا للدنيا وقد يرضى بسجودهم له ~~تعظيما وإجلالا مع أن السجود عبادة لا تليق إلا بالله. وإذا كان هذا مشاهدا ~~في هذه الأمة فكيف بالأمم السالفة؟! وأما المسيح فحين جعلوه ابنا لله فقد ~~أهلوه للعبادة والإلهية، ولعل السبب في إفراد المسيح بالذكر أن قولهم فيه ~~أشنع من قولهم في الأحبار والرهبان، أو لأن القول بإلهية المسيح مخصوص بأحد ~~الفريقين. فلو قيل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أربابا لأوهم ~~اشتراك الفريقين في اتخاذ المسيح ربا وما أمروا الضمير للمتخذين. والذي ~~أمرهم بذلك أدلة العقل والكتب السماوية، وفي القرآن حكاية عن المسيح إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة [المائدة: 72] ويجوز أن يكون الضمير ~~للأحبار والرهبان أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا بأن يكونوا ~~مربوبين. ثم نزه نفسه عن مقالة # PageV03P457 # الظالمين فقال سبحانه عما يشركون ثم ذكر نوعا آخر من قبائح أفعال أهل ~~الكتاب وهو سعيهم في إبطال أمر محمد وجدهم في إخفاء الدلائل الدالة على صحة ~~نبوته فقال يريدون أن يطفؤا نور الله أي دينه الثابت بالدليل المشبه بالنور ~~لاشتراكهما في الاهتداء بهما. وذلك أن دين محمد مؤيد بالمعجزات الباهرة ~~التي بمثلها ثبتت نبوة موسى وعيسى ولا سيما بالقرآن، وحاصل شرعه تعظيم الله ~~وتنزيهه عما لا يليق به والانقياد لطاعته وصرف النفس عن الأمور الفانية ~~والترغيب في السعادات الباقية، ثم إنهم بكلماتهم الركيكة وشبهاتهم السخيفة ~~أرادوا إبطال هذه الدلائل فكانوا كمن يريد إبطال نور الشمس الذي هو أشد ~~الأنوار المحسوسة بسبب أن ينفخ فيه. ولا ريب أن ذلك سعي باطل وكيد زاهق ~~ولهذا قال ويأبى الله إلا أن يتم نوره أي لم يرد الله إلا ذلك إلا أن ~~الإباء يفيد زيادة على عدم الإرادة وهي المنع والامتناع قال: # وإن أرادوا ظلمنا أبينا امتدح بذلك ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم ~~لأن ذلك يستوي فيه القوي والضعيف. وفيه وعد بمزيد النصرة والقوة وإعلاء ms2261 ~~الدرجة. ثم أكد ذلك المعنى بقوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى أي بكثرة ~~الدلائل والمعجزات ودين الحق لاشتماله على أمور تظهر لكل أحد كونه موصوفا ~~بالصواب ومطابقا للحكمة ومؤديا إلى صلاح الدنيا والآخرة. ثم بين غاية أمره ~~وتمام حكمه فقال ليظهره على الدين كله أي ليجعل الرسول أو دين الحق غالبا ~~على أهل الأديان كلهم أو على كل دين. عن أبي هريرة أنه قال هذا وعد من الله ~~بأن يجعل الإسلام ظاهرا على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يظهر عند خروج ~~المهدي ونزول عيسى. وقال السدي: ذلك عند خروج المهدي عليه السلام لا يبقى ~~أحد إلا دخل الإسلام وأدى الخراج. قلت: قد دخل في عصرنا من الملوك الكفرة ~~ومن أشياعهم في الإسلام ما لا يعد ولا يحصى، وازدياد ذلك كل يوم دليل ظاهر ~~على أن الكل سيدخلون في الإسلام. # وقد جاء في الحديث: «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك ~~أمتى ما زوي لي منها» «1» # وقيل: ليظهر الإسلام على غيره في جزيرة العرب. # وهذا تخصيص أوجبه ضيق العطن. وقيل: ليظهر الرسول على جميع شرائط الدين ~~حتى لا يخفى عليه شيء من مدارك الأحكام. وقيل ليظهره بالحجة والبرهان لأن ~~غلبة الكفار في PageV03P458 # بعض الأقطار ظاهرة. ولقائل أن يقول: إن المسلمين في تلك البلاد وإن قلوا ~~غالبون على الكفار وإن كثروا بدليل أنهم لا يمنعونهم من إظهار شعائر ~~الإسلام والتزام أحكامه، قوله هو الذي أرسل فيه مدح منه تعالى لنفسه من جهة ~~أنه هو القادر على إبداء مثل هذا الأمر العظيم ومن جهة أنه هو الغالب على ~~إيصاله إلى حيث شاء وأراد من غير معاند ولا منازع، ومن جهة أنه هو المعطي ~~لمثل هذه النعمة التي لا يوازيها نعمة وهي نعمة الهدى والإسلام. وقوله ولو ~~كره الكافرون وفي الآية الثانية ولو كره المشركون إما متساويا الدلالة ~~تنبيها على أن اليهود والنصارى أيضا مشركون، وإما تخصيص بعد تعميم، ولعله ~~رغم لأنف مشركي قريش ثم لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر ~~وادعاء ms2262 الربوبية والترفع على الخلق أراد أن يصفهم بالطمع والحرص فقال يا ~~أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان الآية. وفيه تنبيه على أن ~~مقصودهم من إظهار تلك الربوبية والتجبر تحصيل حطام الدنيا. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي رحمه الله. ولعمري أن من تأمل في أحوال أهل الناقوس والتزوير ~~في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وشرح أحوالهم، فترى ~~الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يعلق خاطره بجميع المخلوقات ~~وأنه من الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى ~~الرغيف الواحد تراه يتهالك ويتحمل الذل والدناءة في تحصيله. وفي قوله كثيرا ~~دلالة على أن هذه الطريقة طريقة بعضهم لا كلهم، فإن العالم لا يخلو عن ~~المحق وإطباق الكل على الباطل وإثبات ذلك كالممتنع، وهذا يوهم أنه كما أن ~~إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل فكذلك في سائر الأمم. وعبر عن أخذهم ~~أموال الناس بالأكل تسمية للشيء باسم ما هو أعظم مقاصده. وأيضا من أكل شيئا ~~فقد ضمه إلى نفسه ومنعه عن الوصول إلى غيره كما لو أخذه، ولهذا فإن من أخذ ~~أموال الناس فإذا طولب بردها قال أكلتها وما بقيت فلا قدرة لي على ردها. ~~وفي تفسير الباطل وجوه: منها أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام ~~والمسامحة في الشرائع وفي إخفاء نعت محمد وتأويل الدلائل الدالة على نبوته. ~~ومنها أنهم كانوا يدعون عند عوامهم الحمقى أنه لا سبيل إلى الفوز بمرضاة ~~الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في مرضاتهم، والعوام كانوا ~~يغترون بتلك الأكاذيب. ومنها أنهم قالوا لا طريق إلى تقوية دينهم إلا إذا ~~كان أولئك الفقهاء أقوياء عظماء أصحاب الجاه والحشمة والأموال كما يفعله ~~المزورون في زماننا هذا. أما قوله ويصدون عن سبيل الله فمعناه يبالغون في ~~المنع من متابعة محمد كيلا يبطل جاههم وحشمتهم عند العوام لو أقروا بدينه. # PageV03P459 # ثم قال سبحانه والذين يكنزون الكنز هو المال المدفون وقد كنزه يكنزه. # والتركيب يدل على الجمع ومنه ms2263 ناقة كناز مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء ~~اجتمع. قيل: # المراد بقوله والذين يكنزون الأحبار والرهبان لما وصفهم بالحرص الشديد، ~~أراد أن يصفهم بالامتناع من إخراج الواجبات عن أموالهم. وقيل: المقصود ~~مانعو الزكاة من المسلمين. ووجه النظم أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه ~~بالباطل كذلك فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والخديعة؟! عن ~~زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك هذه ~~البلاد؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية فقال معاوية: ~~نزلت في أهل الكتاب. وقلت: نزلت فينا وفيهم فصار ذلك سببا للوحشة. فكتب إلي ~~عثمان يشكوني فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فلما قدمت المدينة انحرف ~~الناس عني كأنهم لم يروني من قبل، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت ~~فكنت قريبا. قلت: إني والله لا أدع ما كنت أقول. وعن الأحنف قال: لما قدمت ~~المدينة رأيت أبا ذر يقول: بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم فيوضع ~~على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من ~~حلمة ثديه. فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت: ما رأيت هؤلاء إلا ~~كرهوا ما قلت لهم. فقال: ما عسى يصنع بي قريش. واختلف علماء الصحابة في هذا ~~الكنز المذموم فقال الأكثرون: هو المال الذي لم تؤد زكاته. عن عمر بن ~~الخطاب: مال أديت زكاته فليس بكنز. وقال ابن عمر: كل ما أديت زكاته فليس ~~بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق ~~الأرض. وقال جابر: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز. ~~وعن ابن عباس: قوله ولا ينفقونها في سبيل الله يريد الذين لا يؤدون زكاة ~~أموالهم. قال القاضي: ويندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات والديون ونفقة ~~الحج والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات. ~~وقال الأقلون: كل مال كثير فهو مذموم سواء أديت زكاته أو ms2264 لم تؤد. # وحجة الأولين قوله تعالى لها ما كسبت [البقرة: 286] ولا يسئلكم أموالكم ~~[محمد: 36] # وقوله عليه السلام: كل امرئ أحق بكسبه» «1» «نعم المال الصالح للرجل ~~الصالح ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكى ولم يزك ~~فهو كنز وإن كان ظاهرا» «2» . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع من ~~الأغنياء كعثمان بن PageV03P460 # عفان وعبد الرحمن بن عوف وكان يعدهم من أكابر المؤمنين، وقد ندب إلى ~~إخراج الثلث أو الأقل في المرض. # ولو كان جمع المال محرما لكان يأمر المريض أن يتصدق بالكل بل الصحيح في ~~حال صحته. حجة الأقلين عموم الآية وما # روى سالم بن الجعد أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبا ~~للذهب تبا للفضة قالها ثلاثا فقالوا له صلى الله عليه وسلم: # أي مال نتخذ؟ قال: «لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه» ~~. # وقوله: «من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها» «1» وتوفي رجل فوجد في مئزره ~~دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كية. وتوفي آخر فوجد في مئزره ~~ديناران فقال: # كيتان. # وعن علي رضي الله عنه: كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه ~~الزكاة أو لم تؤد. # ومن المعقول أن الله تعالى خلق الأموال لدفع الحاجات فإذا حصل للمرء منه ~~ما زاد على قدر حاجته ومنع منه الغير كان مانعا من ظهور حكمة الله ودافعا ~~لوجوه الإحسان إلى عبيده. وقد رام طائفة من العلماء الجمع بين القولين ~~فقالوا: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم ~~من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ويؤدي عنه ما أوجب عليه ثم يعاقبه. ~~وقال أهل التحقيق: النهي عن جمع المال محمول على التقوى لأن تزايد المال لا ~~حد له يقف هنالك فينجز إلى تضييع العمر تارة في تحصيله وأخرى في حفظه، لأنه ~~كلما ازداد المال ازدادت لذته بذلك فيشتد حرصه ولا ينقطع البتة، وقد يفضي ~~إلى ms2265 الطغيان والخذلان كقوله تعالى إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: ~~6، 7] ولو لم يكن في الفقر سوى الانكسار وقلة التعلق وفراغ البال لكفى بها ~~منقبة وفخرا، وكل ما يلهيك عن الله ولم يكن في سبيل الله فعدمه خير من ~~وجوده. وأما ظاهر الفتوى فهو أن صاحب المال الكثير لا عتب عليه إذا أدى منه ~~حقوقه. # هذا ومن حمل الآية على وعيد مانعي الزكاة في النقود قاس الزكاة في ~~المواشي عليه. # وقد ورد أيضا في الحديث: «ما من صاحب إبل أو بقر أو غنم» «2» # وهو مشهور. ولا ريب أن الأصل المعتبر في الأموال هو النقدان، وسائر ~~الأمتعة إنما تحصيل بهما وتدور عليهما. # ولمن أوجب الزكاة في الحلي المباح الاستدلال بالآية لأن الذهب والفضة ~~يشمله، ومن لم يوجب الزكاة فيه خصص عموم الآية بما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا زكاة في الحلي المباح» # ولم يصححه أبو عيسى الترمذي. وبتقدير أن يصح حملوه على اللآلئ لقوله ~~تعالى PageV03P461 # وتستخرجون حلية تلبسونها [فاطر: 12] ولقائل أن يقول: لو حملنا الحلي في ~~الحديث على اللآلئ لم تبق لقيد المباح فائدة، ثم إنه تعالى ذكر شيئين الذهب ~~والفضة ثم قال ولا ينفقونها فقيل: الضمير عائد إلى المعنى وهو الكنوز أو ~~الأموال، أو لأن كل واحد منهما جملة واحدة وافية وعدة كثيرة ودراهم ودنانير ~~فهو كقوله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] وقيل: إلى اللفظ ~~أي ولا ينفقون الفضة. وحذف الذهب إما لأنه داخل في الفضة من حيث كونهما ~~جوهرين ثمينين نفيسين مقصودين بالكنز فأغنى ذكر أحدهما عن الآخر كقوله وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: 11] ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا # [النساء: 112] وإما لأن التقدير والذهب كذلك كما أن معنى قوله: # فإني وقيار بها لغريب وقيار كذلك. ثم قال فبشرهم بعذاب أليم تهكما مثل ~~قولهم: تحيتهم الضرب وإكرامهم الشتم. ولو قيل: البشارة وهي الخبر الذي يؤثر ~~في القلب فيتغير بسببه لون بشرة الوجه سواء كان من الفرح أو من الغم ms2266 كان ~~حقيقة يوم يحمى عليها معناه أن النار تحمى عليها أي يوقد عليها نار ذات حمى ~~وحر شديد من قوله نار حامية [القارعة: # 11] ولو قيل يوم تحمى أي الكنوز كقولك: أحميت الحديد لم يفد هذا المعنى ~~وإنما ذكر الفعل مع أن الإحماء للنار لأنه مسند إلى الجار والمجرور بعد حذف ~~النار كما تقول: # رفعت القصة إلى الأمير. فإن لم تذكر القصة قلت: رفع إلى الأمير. فتكوى ~~بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ذكر العلماء في تخصيص هذه الأعضاء بالكي وجوها ~~منها. إن حصول الأموال يقصد به فرح القلب يظهر أثره في الوجه وشبع ينتفخ ~~بسببه الجنبان ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فعورضوا بنقيض المقصود. ~~ومنها أن هذه الأعضاء يعظم تألمها لكونها مجوفة ولما في داخلها من الأعضاء ~~الشريفة. ومنها أنهم يكوون على الجهات الأربع، أما من قدام فعلى الجبهة، ~~وأما من خلف فعلى الظهر، وأما من اليمين واليسار فعلى الجنبين. ومنها أن ~~المراد وقوع الكي على كل الأعضاء لأنها إما في غاية النظافة ومثاله الجبهة، ~~وإما في غاية الصلابة ومثاله الظهر، وإما متوسطة ومثاله الجنبان. # ومنها أن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب ~~المال للجمال والقوة فعورض بإزالتهما. ومنها قول أبي بكر الوراق: خصت ~~بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جنبيه، وإذا قعد بجنبه تباعد ~~وتجافى عنه وولى ظهره. وأنا أقول: # يحتمل أن يراد بالجباه قدام الشخص حيث لم يقدم لنفسه خير، أو بالظهور جهة ~~الخلف # PageV03P462 # حيث خلف ما أعقبه الحسرات وبالجنوب اليمين والشمال حيث لم يصرف المال في ~~مرضاة الله وأنفقه في معصيته وسخطه وهذا بالتأويل أليق. ثم الذي جعل كيا هو ~~كل ماله أو قدر الزكاة الظاهر أنه الكل لأنه لما لم يخرج منه الحق كان ذلك ~~الجزء شائعا في كل ماله فناسب أن يعذب بكل الأجزاء ثم قال هذا ما كنزتم ~~والتقدير فيقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم وفيه توبيخ وإشعار بأنهم عورضوا ~~بنقيض ما قصدوا وأكد ذلك بقوله فذوقوا ما كنتم ms2267 تكنزون ما مصدرية أو موصولة ~~والمعنى اعرفوا وبال كونكم كانزين، أو ذوقوا وبال المال الذي كنتم تكنزونه. # ثم ذكر نوعا آخر من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين فقال إن عدة ~~الشهور الآيتان وذلك أنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص فإذا غيروا تلك ~~الأوقات بسبب النسيء والكبيسة كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم الله بحسب ~~الهوى فكان ذلك زيادة في كفرهم. واعلم أن المعالم الشرعية كلها منوطة ~~بالشهور القمرية الهلالية لقوله سبحانه قل هي مواقيت للناس والحج [البقرة: ~~189] والسنة القمرية عبارة عن اثني عشر شهرا قمريا بدليل قوله تعالى إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا قال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن يتعلق قوله ~~في كتاب الله بقوله عدة الشهور للفصل بالأجنبي وهو الخبر أعني اثنا عشر. ~~فقوله في كتاب الله ويوم خلق الثاني بدل من الأول وهو من عند. والتقدير إن ~~عدة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض. وفائدة ~~الإبدالات تقرير الكلام في الأذهان لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند ~~الله وثابت في عمله في أول ما خلق الله العالم. ويجوز أن يكون في كتاب الله ~~صفة اثنا عشر أي اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب الله وعلى هذا لا يجوز أن ~~يراد بالكتاب كتاب من الكتب لأن يوم متعلق به ولا تتعلق الظروف بأسماء ~~الأعيان. لا يقال: غلامك يوم الجمعة بل الكتاب يكون مصدرا بمعنى المفعول أي ~~فيما أثبته في ذلك اليوم اللهم إلا إذا قدر الكلام هكذا. إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب الله يوم خلق. قال ابن عباس: هو اللوح ~~المحفوظ. وقيل: القرآن. # منها أربعة حرم ثلاثة سرد أي مسرودة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد ~~فرد وهو رجب ذلك الدين القيم يعني أن تحريم الأشهر الحرم الدين المستقيم ~~الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل وقد توارثته العرب منهما، وكانوا يعظمونها ~~ويحرمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ms2268 أخيه تركه فلا تظلموا ~~فيهن أي في الأشهر الأربعة أنفسكم بأن تجعلوا حرامها حلالا. عن عطاء قال: ~~تالله ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في # PageV03P463 # الأشهر الحرام إلا أن يقاتلوا وما نسخت. وعن الحسن مثله لأنه فسر الدين ~~القيم بأنه الثابت الدائم الذي لا يزول. وعن عطاء الخراساني: أحلت القتال ~~في الأشهر الحرم براءة من الله ورسوله وقيل: معناه لا تأثموا فيهن بيانا ~~لعظم حرمتهن كما عظم أشهر الحج بقوله فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ~~[البقرة: 197] والسبب فيه أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب أو العقاب ~~كالأمكنة، وكانت الحكماء يختارون لإجابة الدعاء أوقاتا مخصوصة. وفيه فائدة ~~أخرى هي أن الإنسان جبل مطبوعا على الظلم والفساد، ومنعه من ذلك على ~~الإطلاق شاق عليه فخص بعض الأزمنة والأمكنة بطاعة ليسهل عليه الإتيان بها ~~فيهما ولا يمتنع عن ذلك. ثم لو اقتصر على ذلك فهو أمر مطلوب في نفسه وإن ~~جره ذلك إلى الاستدامة والاستقامة بحسب الإلفة والاعتياد أو لاعتقاده أن ~~الإقدام على ضد ذلك يبطل مساعيه السالفة فذلك هو المطلوب الكلي. ولا ريب أن ~~تخصيص ذلك من الشارع أقرب إلى اتحاد الآراء وتطابق الكلمة. وقيل: الضمير في ~~قوله فيهن عائد إلى اثنا عشر والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد ~~مدة عمره، أو المراد المنع من النسيء على ما يجيء. قال الفراء: الأولى رجوع ~~الضمير إلى الأربعة لقربها ولما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد شرف، فناسب أن ~~تخص بالمنع من الظلم، ولأن العرب تختار فيما بين الثلاثة إلى العشرة ضميرا ~~الجماعة، وفيما جاوز العشرة وهو جمع الكثرة تختار ضمير الوحدة. قال حسان: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # ويقال: لثلاث خلون من شهر كذا ولإحدى عشرة ليلة خلت. ثم قال عز من قائل ~~وقاتلوا المشركين وظاهر الآية يدل على إباحة القتال في جميع الأشهر لأن ~~الأمر الوارد عقيب الحرمة يدل على الإباحة. ومعنى كافة جميعا لأنهم إذا ~~اجتمعوا تزاحموا فكف بعضهم ms2269 بعضا. ونصبه على المصدر عند بعضهم لأنه مثل ~~العاقبة والعافية. وقال الزجاج: # نصبه على الحال. ولا يجوز أن يثنى ويجمع ويعرف باللام كقولك: قاموا معا ~~وقاموا جميعا. وفي وجه التشبيه في قوله كما يقاتلونكم كافة قولان: فعن ابن ~~عباس: # قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال كما أنهم يستحلون قتال ~~جميعكم. وقيل: # قاتلوهم بأجمعكم غير متفرقين في مقاتلة الأعداء ومقابلتهم. فعلى الأول ~~يكون كافة حالا من المفعول وعلى الثاني يكون حالا من الفاعل وفي قوله ~~واعلموا أن الله مع المتقين حث لهم على التقوى وعلى الجهاد بضمان النصر ~~والمعونة. ثم فسر الظلم المنهي عنه في الآية المتقدمة وأكد النهي عنه بقوله ~~إنما النسيء وهو مصدر نسأ إذا أخر كالنذير والنكير. وقال # PageV03P464 # قطرب: أصله الزيادة من قوله: نسأت المرأة إذا حبلت لزيادة الولد فيها. ~~ورد بأنه يقال لها ذلك فيؤول لتأخر حيضها. وقيل: هو معنى منسوء كقتيل بمعنى ~~مقتول. واعترض بأن المؤخر هو الشهر المعنى إلى أن الشهر زيادة في الكفر ~~وهذا الحمل غير صحيح. ويمكن أن يجاب بأن المراد أن العمل الذي بسببه يصير ~~الشهر الحرام مؤخرا زيادة في الكفر. احتج الجبائي هاهنا بأن الكفر يقبل ~~الزيادة فكذا الإيمان. وأيضا أطلق الكفر على هذا العمل فتركه يكون إيمانا ~~فلا يكون الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار. وأجيب بأن الزيادة راجعة إلى ~~الكمال وإنما سمي هذا العمل كفرا لأنه يؤول إلى اعتقاد تحليل ما هو حرام ~~وبالعكس. وفي قوله يضل به الذين كفروا بحث مشهور بين المعتزلة وغيرهم أن ~~إسناد الإضلال إلى الله تعالى بالمجاز أو بالحقيقة وقد مر مرارا. قوله ~~يحلونه عاما الضمير فيه عائد إلى النسيء. قال الواحدي: # أي يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا فيه في الشهر ~~الحرام. # ويحرمون التأخير عاما آخر وهو الذي يتركون فيه الشهر الحرام على تحريمه. ~~قال المفسرون: إنهم كانوا أصحاب حروب وغارات وكان يشق عليهم مكث ثلاثة أشهر ~~متوالية من غير قتل وغارة، فإذا اتفق لهم في شهر منها أو في المحرم ms2270 حرب ~~وغارة أخروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر. قال الواحدي وأكثر العلماء: على ~~أن هذا التأخير كان من المحرم إلى صفر. ويروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم ~~كانوا فقراء محاويج إلى الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في قومه ~~وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته: إن آلهتكم قد أحلت لكم ~~المحرم فأحلوه. ثم يقوم في القابل فيقول: إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم ~~فحرموه. والأكثرون على أنهم كانوا يحرمون من جملة شهور العام أربعة أشهر ~~وذلك قوله ليواطؤا عدة ما حرم الله أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا ~~يخالفوا ولم يعلموا أنهم خالفوا ترك القتال ووجوب التخصيص وذلك قوله تعالى ~~فيحلوا ما حرم الله أي من القتال وترك الاختصاص. قال أهل اللغة: يقال تواطأ ~~القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه كأن واحد منهم يطأ حيث يطأ صاحبه. والإيطاء ~~في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين لفظهما ومعناهما واحد. ~~قال ابن عباس: إنهم ما أحلوا شهرا من الأشهر الحرم إلا حرموا مكانه شهرا ~~آخر من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا آخر من ~~الحرام لأجل أن تكون عدة الحرم أربعة مطابقة لما ذكره الله تعالى فهذا هو ~~المراد بالمواطأة. وللآية تفسيرا آخر وهو أن يكون المراد بالنسيء كبس بعض ~~السنين القمرية بشهر حتى يلتحق بالسنة الشمسية، وذلك أن السنة القمرية أعني ~~اثني عشر شهرا قمريا هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس من # PageV03P465 # يوم على ما عرف من علم النجوم وعمل الزيجات، والسنة الشمسية وهي عبارة عن ~~عود الشمس من أية نقطة تفرض من الفلك إليها بحركتها الخاصة ثلاثمائة وخمسة ~~وستون يوما وربع يوم إلا كسرا قليلا، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية ~~بعشرة أيام وإحدى وعشرين ساعة وخمس ساعة تقريبا، وبسبب هذا النقصان تنتقل ~~الشهور القمرية من فصل إلى فصل فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة وفي الصيف ~~أخرى، وكذا في الربيع والخريف، فكان يشق الأمر ms2271 عليهم إذ ربما كان وقت الحج ~~غير موافق لحضور التجار من الأطراف فكان يختل أسباب تجاراتهم ومعايشهم ~~فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة بحيث يقع الحج دائما عند اعتدال ~~الهواء، وإدراك الثمار والغلات وذلك بقرب حلول الشمس نقطة الاعتدال ~~الخريفي، فكبسوا تسع عشر سنة قمرية بسبعة أشهر قمرية حتى صارت تسع عشرة سنة ~~شمسية فزادوا في السنة الثانية شهرا ثم في الخامسة ثم في السابعة ثم في ~~العاشرة ثم في الثالثة عشرة ثم في السادسة عشرة ثم في الثامنة عشرة، وذلك ~~ترتيب بهر يحوج عند المنجمين، وقد تعلموا هذه الصفة من اليهود والنصارى ~~فأنهم يفعلون هكذا لأجل أعيادهم، فالشهر الزائد هو الكبس وسمي بالنسيء لأنه ~~المؤخر والزائد مؤخر عن مكانه، وهذا التفسير يطابق ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع وكان في جملة ما خطب به: ~~«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر ~~شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر ~~الذي بين جمادى وشعبان» «1» # والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه وعاد الحج في ذي الحجة وبطل النسيء ~~الذي كان في الجاهلية. وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة في نفس الأمر فكانت ~~حجة أبي بكر قبلها وفي ذي القعدة التي سموها ذا الحجة. وإنما لزم العتب ~~عليهم في هذا التفسير لأنهم إذا حكموا على بعض السنين بأنها ثلاثة عشر شهرا ~~كان مخالفا لحكم الله بأن عدة الشهور اثنا عشر شهرا أي لا أزيد ولا أنقص ~~وإليه الإشارة بقوله ذلك الدين القيم على هذا التفسير. ويلزمهم أيضا ما ~~لزمهم في التفسير الأول من تغيير الأشهر الحرم عن أماكنها، فيجوز أن تكون ~~الإشارة إلى المجموع. ومعنى قوله يحلونه عاما أي يحلون النسيء في عام الكبس ~~ويحرمونه عاما أي في غير سنة الكبس. ومعنى قوله ليواطؤا عدة ما حرم الله ما ~~روي أنه كان يقوم في الموسم منهم خطيب ويقول: أنا أنسئ لكم في هذه السنة ~~شهرا ms2272 وكذا أفعل في كل سنين أقبلت حتى يأتي حجكم وقت الإدراك فينسىء المحرم ~~ويجعله كبيسا. ثم إنه متى انتهت النوبة إلى PageV03P466 # الشهر الحرام فتكرر حرم عليهم واحدا برأيه وعلى وفق مصلحتهم، وأحل الآخر. ~~وباقي في الآية قد مر في تفسير مثله مرارا والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # قاتلوا النفوس الذين لا يؤمنون بالله بتعبده ولا باليوم الآخر أي لا ~~يعملون للآخرة ولا يحرمون ما حرم الله من حب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة ~~وحرم رسوله على نفسه ولا يدينون دين الحق أي لا يطلبون الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب من النفوس الملهمة بالواردات الربانية حتى يعطوا الجزية وهي ~~معاملتها على خلاف طبعها عن يد عن حكم صاحب قوة وهو الشارع وقالت يهود ~~النفس أن عزير القلب ابن الله وذلك إذا انعكس عن مرآه القلب آثار أنوار ~~الواردات إلى النفس المظلمة فتنورت، كما أن اليهود لما سمعت التوراة ~~والعلوم التي هم عنها بمعزل من عزير قالوا إنه ابن الله وقالت النصارى ~~القلوب إن مسيح الروح ابن الله، وذلك أن الروح ربما يتجلى للقلب في صفة ~~الربوبية والخلافة مقترنا بصفة إبداع الحق وبتشريف إضافة ونفخت فيه من روحي ~~[الحجر: 29] يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل وهم النفوس الكافرة الذين ~~اتخذوا أحبارهم أي قلوبهم ورهبانهم أي أرواحهم أربابا والمسيح ابن مريم وهو ~~الخفي وذلك أن الخفي هو أول مظهر للفيض الإلهي الذي منه التربية ثم الروح ~~ثم القلب ثم النفس ثم القالب. فالنفس من قصر نظرها ترى التربية من القالب، ~~ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى التربية من القلب، ثم يرتقي نظرها إلى أن ترى ~~الكل من الحق فإن رؤية ذلك من شأن القلب كقوله ما كذب الفؤاد ما رأى ~~[النجم: 11] يريدون أي النفوس أن يطفؤا نور الله الذي رش على الأرواح في ~~بدء الخلق بأفواههم أي بأفواه استيفاء الشهوات واللذات الجسمانيات هو الذي ~~أرسل رسوله وهو النور المرشش بالهداية إلى الله وطلب الحق ليظهره في طلب ~~الحق على طلب غيره إن كثيرا من ms2273 أحبار القلوب ورهبان الأرواح ليأكلون أي ~~يتمتعون بحظوظ النفس وهواها والذين يكنزون الذهب والفضة حرصا وطمعا في ~~الاستمتاع بحظوظ النفوس ولا ينفقونها في سبيل الله ليقطعوا مسافة البعد عن ~~الله بقدمي ترك الدنيا وقمع الهوى يحمى عليها في نار جهنم الحرص فتكوى بها ~~جباه القلوب والأرواح لأنهم امتنعوا بذلك عن التوجه إلى الحق وجنوبهم حيث ~~لا تتجافى جنوبهم عن مضاجع المكونات وظهورهم حيث لم يقضوا حق التواضع ~~والخشوع فيقال لهم هذا الذي أصابكم من ألم الحرمان وعذاب القطيعة بسبب ما ~~كنزتم فذوقوا الآن ألم كي نار الحرص لأنكم لم تذوقوه في الدنيا حيث كنتم في ~~منام الغفلة منها أربعة حرم فيه إشارة إلى أن الطالب المضطر إلى # PageV03P467 # تحصيل قوت نفسه وعياله يجب أن يجعل أوقات عمره أثلاثا: ثلثا لطلب المعاش ~~وترتيب مصالح الدنيا، وثلثا للطاعات التي ينتفع بها في الآخرة، وثلثا من ~~ذلك حرام أن يقع في خاطره غير المولى. ومن استغنى عن الموانع فيحرم عليه ~~صرف لحظة في غير طلب الحق وإلى هذا المعنى أشار بقوله ذلك الدين القيم وفيه ~~تنبيه على أن من لم يكن هكذا كان في سلوكه اعوجاج. ثم ذكر أن من شأن النفوس ~~المشركة أنها إن أقبلت على طاعة أخرتها عن وقتها وهو النسيء الموجب لازدياد ~~كفرها لأنها قد خالفت الشرع من حيث تركها الطاعة باختيارها، ومن حيث إنها ~~اعتقدت أن ذلك التأخير مما لا بأس به. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 49] # يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة ~~إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا والله على كل شيء قدير (39) إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله ms2274 هي العليا والله عزيز حكيم (40) انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان ~~عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين (43) ~~لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ~~ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ~~والله عليم بالظالمين (47) # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون (48) ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين (49) ### | القراآت: # وكلمة الله بالنصب: يعقوب. الباقون: بالرفع. # PageV03P468 ### | الوقوف: # إلى الأرض ط من الآخرة ط قليل ه شيئا ط قدير ه معنا ج لعطف فأنزل على ~~نصره مع عوارض الظروف. السفلى ط إلا لمن قرأ وكلمة بالنصب العليا ط حكيم ه ~~في سبيل الله ط تعلمون ه الشقة ط معكم ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال. ~~أنفسهم ج لواو الابتداء والحال. # لكاذبون ه عنك ج لحق الاستفهام مع اتصال الكلام معنى. الكاذبين ه وأنفسهم ~~ط بالمتقين ه يترددون ه القاعدين ه الفتنة ج لاحتمال ما بعده الاستئناف ~~والحال لهم ط بالظالمين كارهون ه ولا تفتني ط سقطوا ط بالكافرين ه. ### | التفسير: # لما شرح الله معايب هؤلاء الكفار عاد إلى الترغيب في قتالهم. # عن ابن عباس أنها نزلت في غزوة تبوك سنة عشر وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما رجع من الطائف أقام بالمدينة أياما فأمر بجهاد الروم فاستثقله الناس ~~لكون الزمان زمان صيف وللقحط ولبعد المسافة ولمزيد احتياج إلى الاستعداد ~~ولشدة الحر وللخوف ms2275 من عسكر الروم ولوجود أسباب الرفاهية بالمدينة لكون ~~الوقت وقت إدراك الثمار وحصول الغلات. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خرج في غزوة إلا ورى عنها بغيرها ~~إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة. # وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر هاج عليه واسم ذلك القوم الذين يخرجون ~~النفير. وأصل اثاقلتم تثاقلتم كما قلنا في فادارأتم [البقرة: 72] ومعناه ~~تباطأتم. وإنما عدي بإلى لتضمين معنى الميل والإخلاد كقوله أخلد إلى الأرض ~~[الأعراف: 176] أي مال إلى الدنيا وشهواتها. وقيل: المراد لتم إلى الإقامة ~~بأرضكم والبقاء فيها. ومعنى الاستفهام في ما لكم الإنكار. وقرىء اثاقلتم ~~على الاستفهام للإنكار أيضا فيكون جواب «إذا» فعلا آخر مدلولا عليه ~~باثاقلتم كنحو ملتم، وذلك أن جواب «إذا» عامل في «إذا» ، والاستفهام لا ~~يعمل فيما قبله. ويجوز على هذه أن يكون «إذا» لمجرد الظرفية والعامل فيه ما ~~في ما لكم من معنى الفعل كأنه قيل: ما تصنعون إذا قيل لكم و «من» في من ~~الآخرة للبدل كقوله لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون كأنه قيل: قد ذكرنا ~~الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال وبينا أنواع فضائحهم التي تحمل العاقل ~~على مقاتلتهم، ولو لم يكن فيه إلا طاعة المعبود المستلزمة لثواب الآخرة ~~لكفى به باعثا. فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة أي في جنبها وفي مقابلها. ~~إلا قليل ويجوز أن يراد بالقلة العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير ~~المتناهي الباقي. والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من جميع المخاطبين ~~لاستحالة إطباق # PageV03P469 # هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل ~~وأطلق لفظ الكل على الأغلب. ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم ~~رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال إلا تنفروا ورتب عليه ثلاث خصال: الأولى قوله ~~يعذبكم عذابا أليما قيل: هو عذاب الدنيا. عن استنفرهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتثاقلوا فأمسك الله عنهم المطر. وقال الحسن: # الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم. وقيل: هو عذاب الآخرة فإن الأليم ~~لا ms2276 يليق إلا به. وقيل: إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين. الثانية ~~قوله ويستبدل قوما غيركم يعني قوما آخرين خيرا منهم وأطوع. قيل: هم أهل ~~اليمن. عن أبي روق. # وقيل: أبناء فارس عن سعيد بن جبير. وقيل: يحتمل أن يراد بهم الملائكة. ~~وقال الأصم: # معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على ~~الإطلاق. الثالثة قوله ولا تضروه شيئا قال الحسن: الضمير لله وفيه أنه غني ~~عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء. وقال آخرون: الضمير للرسول لأن الله وعده ~~أن يعصمه ووعد الله كائن لا محالة. وفي قوله والله على كل شيء قدير تنبيه ~~على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد، وقادر على إيقاع العذاب بكل من ~~يخالف أمره كائنا من كان. عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة [التوبة: 122] والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا فلا نسخ. # قال الجبائي: في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا ~~وعيد لهم. # وقال القاضي: فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله ~~تعالى ما لكم إذا قيل لكم ولم ينص على أن القائل هو الرسول. ومن قال إن ~~الضمير في قوله لا تضروه عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع ~~من عموم أولها. ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال إلا تنصروه فقد نصره ~~الله وهذا كالتفسير لما تقدم. # والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن الله سينصره بدليل أن الله نصره وقواه ~~حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد. وفيه أنه لما أوجب له ~~النصرة وقتئذ فلن يخذله بعد ذلك. وقوله إذ أخرجه الذين كفروا أي ألجئوه إلى ~~أن خرج ظرف لنصره، وثاني اثنين نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا ~~حضر اثنان فكل واحد منهما ثان للآخر وواحد منهما. وقوله إذ هما في الغار ~~بدل من إذ ms2277 أخرجه وإذ يقول بدل ثان والغار نقب عظيم في الجيل والمراد به ~~هاهنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة. واعلم أنا قد ~~ذكرنا في سورة الأنفال # أن قريشا ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا [الأنفال: 30] فأمره # PageV03P470 # الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار. فخرج وأمر عليا أن ~~يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال ~~له الرسول: مالك؟ # فقال: بأبي أنت وأمي، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان ~~بي لا بك، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج ~~منه ما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما طلب المشركون الأثر وقربوا ~~بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: لا ~~تحزن إن الله معنا وقيل: طلع المشركون فوق الغار فاشفق أبو بكر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن تصب اليوم ذهب دين الله فقال صلى الله ~~عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما! وقيل: لما دخلا الغار بعث الله ~~حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اللهم أعم أبصارهم. فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد ~~أخذ الله أبصارهم عنه. # استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته ~~وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة، وأنه ~~كان ثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار وفي العلم # لقوله «ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر» # وفي الدعوة إلى الله لأنه صلى الله عليه وسلم عرض الإيمان أولا على أبي ~~بكر فآمن، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة ~~أخرى من أجلة الصحابة، وكان لا يفارق الرسول صلى الله عليه ms2278 وسلم في الغزوات ~~وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل، وقد أقامه في مرضه مقامه في ~~الإمامة، ولما توفي دفن بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثاني ~~اثنين من أول أمره إلى آخره، ولو قدرنا أنه توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر. وأن لا ~~يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر. وقوله لا تحزن ~~نهى عن الحزن مطلقا والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت ~~وعنده وبعده. ولا شك أن من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين ~~لقوله إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: # 128] قال الحسين بن فضيل: من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون ~~كذابا مبتدعا، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافرا لأنه خالف قول الله ~~تعالى إذ يقول لصاحبه أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون ~~الله رابعا لكل ثلاثة في قوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ~~[المجادلة: 7] وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن. وكون المصاحبة موجبة للتشريف ~~معارض بقوله تعالى للكافر قال له صاحبه # PageV03P471 # وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك # [الكهف: 37] وكما احتمل أن يقال إنه عليه السلام استخلصه لنفسه في هذا ~~السفر لأجل الثقة، احتمل أن يكون ذلك لأجل إنه خاف أن يدل الكفار عليه أو ~~يوقفهم على أسراره لو تركه. ثم إن حزنه لو كان حقا لم ينه عنه فهو ذنب ~~وخطأ. سلمنا دلالة الآية على فضل أبي بكر إلا أن اضطجاع علي رضي الله عنه ~~على فراشه أعظم من ذلك فيه من خطر النفس. أجاب أهل السنة بأن كون الله ~~رابعا لكل ثلاثة أمر مشترك، وكونه ثاني اثنين تشريف زائد اختص الله أبا بكر ~~به على أن المعية هنالك بالعلم والتدبير وهاهنا بالصحبة والمرافقة، فأين ~~إحداهما من الأخرى؟! والصحبة في قوله قال له صاحبه مقرونة ms2279 بما تقتضي ~~الإهانة والإذلال وهو قوله أكفرت وفي الآية مقرونة بما يوجب التعظيم ~~والإجلال وهو قوله ولا تحزن إن الله معنا قالوا: والعجب أن الشيعة إذا ~~حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل. واستنكروا أن يقال: وحق اثنين الله ~~ثالثهما. والاحتمال الذي ذكروه مدفوع بما روي أن أبا بكر هو الذي اشترى ~~الراحلة للرسول وأن عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر هما اللذان ~~كانا يأتيانهما بالطعام مدة مكثهما في الغار وذلك ثلاثة أيام وقيل بضعة عشر ~~يوما. # وروي أن جبريل عليه السلام أتاه وهو جائع فقال هذه أسماء قد أتتك بحيسة ~~ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر به أبا بكر، # ولو كان أبو بكر قاصدا له لصاح بالكفار عند وصولهم إلى باب الغار، ولقال ~~ابنه وابنته نحن نعرف مكان محمد. وكون حزنه معصية معارض بقوله تعالى لموسى ~~لا تخف إنك أنت الأعلى [طه: 68] وقول الملائكة لإبراهيم لا تخف وبشروه ~~[الذاريات 28] ثم إنا لا ننكر أن اضطجاع علي رضي الله عنه على فراش الرسول ~~طاعة وفضيلة إلا أن صحبة أبي بكر أعظم لأن الحاضر أعلى حالا من الغائب، ~~ولأن عليا رضي الله عنه ما تحمل المحنة إلا ليلة وأبو بكر مكث في الغار ~~أياما، وإنما أختار عليا للنوم على فراشه لأنه كان صغيرا لم يظهر عنه بعد ~~دعوة بالدليل والحجة ولا جهاد بالسيف والسنان بخلاف أبي بكر فإنه قد دعا ~~حينئذ جماعة إلى الدين وكان يذب عن الرسول بالنفس والمال، فكان غضب الكفار ~~على أبي بكر أشد من غضبهم على علي رضي الله عنه ولهذا لم يقصدوا عليا بضرب ~~ولا ألم لما عرفوا أن المضطجع هو. ثم زعم أهل السنة أن الضمير في قوله ~~فأنزل الله سكينته عليه عائد إلى أبي بكر لا إلى الرسول لأنه أقرب ~~المذكورين فإن التقدير: إذ يقول محمد لصاحبه أبي بكر ولأن الخوف كان حاصلا ~~لأبي بكر والرسول كان آمنا ساكن القلب بما وعده الله من النصر، ولو كان ~~خائفا لم ms2280 يمكنه إزالة الخوف عن غيره بقوله لا تحزن ولناسب أن يقال: فأنزل ~~الله سكينته # PageV03P472 # عليه فقال لصاحبه لا تحزن. واعترض بأن قوله وأيده عطف على فأنزل فواجب أن ~~يتحد الضميران في حكم العود. وأجيب بأن قوله وأيده معطوف على قوله فقد نصره ~~والتقدير: إلا تنصروه فقد نصره في واقعة الغار وأيده في واقعة بدر والأحزاب ~~وحنين بالملائكة، والظاهر أن الحزن لا يبعد أن يكون شاملا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أيضا من حيث البشرية كقوله وزلزلوا [البقرة: 214] ويكون في ~~الكلام تقديم وتأخير والتقدير: فأنزل الله سكينته عليه إذ يقول، أو يكون ~~فأنزل معطوفا على نصره. والمراد بالسكينة ما ألقي في قلبه من الأمنة التي ~~سكن عندها قلبه وعلم أنه منصور لا محالة كقوله في قصة حنين ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله [التوبة: 26] وقوله وجعل يعني يوم بدر وسائر الوقائع كلمة ~~الذين كفروا وهي دعوتهم إلى الكفر وعبادة الأصنام السفلى وكلمة الله وهي ~~دعوته إلى الإسلام أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله هي العليا وفي توسيط ~~كلمة الفصل- أعني هي- تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة بالعلاء ~~دون سائر الكلم. قال الفراء: لا أحب قراءة نصب الكلمة لأن الأجود حينئذ أن ~~يقال: # وكلمته هي العليا. ألا ترى أنك تقول: أعتق أبوك غلامه ولا تقول أعتق أبوك ~~غلام أبيك؟ # قلت: وفي الرفع أيضا الاستئناف وما في الجملة الاسمية من الثبات والله ~~عزيز حكيم قاهر غالب لا فعل له إلا الصواب. # ثم لما توعد من لا ينفر مع الرسول وضرب له من الأمثال ما وصف عقبه بالأمر ~~الجزم فقال انفروا خفافا وثقالا قال المفسرون: أي خفافا في النفور لنشاطكم ~~وثقالا عنه لمشقته عليكم، أو خفافا لقلة عيالكم وثقالا لكثرتهم، أو خفافا ~~من السلاح وثقالا منه، أو ركبانا ومشاة، أو شبانا وشيوخا، أو مهازيل ~~وسمانا، أو صحاحا ومراضا، والصحيح التعميم، وأن المراد انفروا سواء كنتم ~~على الصفة التي يخف عليكم الجهاد معها أو على ضدها. قال الأكثرون: ظاهر هذا ~~الأمر يقتضي تناول ms2281 جميع الناس حتى المرضى والعاجزين ويؤيده ما # روي عن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # أعلي أن أنفر؟ قال: ما أنت إلا خفيف أو ثقيل فرجع إلى أهله ولبس سلاحه ~~ووقف بين يديه فنزل قوله ليس على الأعمى حرج [النور: 61] # وقال مجاهد: إن أبا أيوب شهد بدرا مع الرسول الله ولم يتخلف عن غزوات ~~المسلمين ويقول: قال الله انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ~~ثقيلا. وعن صفوان بن عمرو قال: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا كبيرا قد سقط ~~حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: # يا عم لقد أعذر الله إليك. فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله ~~خفافا وثقالا إلا أنه # PageV03P473 # من يحبه الله يبتليه. وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت ~~إحدى عينيه فقيل: إنك عليل صاحب ضرر. فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن ~~لم تمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. وعن أنس قال: قرأ أبو طلحة هذه ~~الآية فقال: ما أسمع الله عذر أحدا فخرج مجاهدا إلى الشام حتى مات. # وقال السدي: جاء المقداد بن الأسود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان عظيما سمينا وشكا إليه وسأله أن يأذن له فنزل فيه انفروا خفافا وثقالا ~~فاشتد شأنها على الناس فنسخها الله بقوله ليس على الضعفاء ولا على المرضى ~~[التوبة: 91] الآية. # وقيل: لا حاجة إلى التزام النسخ لأن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك ~~بالاتفاق، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم خلف من النساء والرجال أقواما ~~فذلك يدل على أن هذا الوجوب ليس على الأعيان ولكنه من فروض الكفايات. فمن ~~أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخرج لزمه ذلك ومن أمره أن يبقى لزمه ~~أن يبقى. ولقائل أن يقول: لا نزاع في هذا إنما النزاع في الضعفاء والمرضى. ~~ثم قال وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم وفيه إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو ~~بالنفس إن لم يكن مال زائد على أسباب الجهاد، أو ms2282 بالمال بأن يستنيب من يغزو ~~وعنه إن لم تكن له نفس سليمة صالحة للجهاد وهذا قول كثير من العلماء. ذلكم ~~خير لكم يعني أنه خير في نفسه أو أنه خير من القعود لما فيه من الراحة ~~والدعة والنعيم العاجل. وإنما قال إن كنتم تعلمون لأن ما يحصل من الخيرات ~~في الجهاد لا يدرك إلا بالتأمل ولا يعرفه إلا المؤمن الذي عرف بالدليل أن ~~وعد الله حق. ثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين لو كان عرضا ~~قريبا قال الزجاج: أي لو كان المدعو إليه فحذف لدلالة ما تقدم عليه. # والعرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومنه قولهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه ~~البر والفاجر، والمراد بالقرب سهولة مأخذه وسفرا قاصدا أي وسطا بين القرب ~~والبعد وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد أي ذو قصد لأن كل أحد ~~يقصده. والشقة المسافة الشاقة الشاطة، ووصف المسافة البعيدة بالبعد مبالغة ~~نحو جد جدة. وفحوى الكلام لو كانت المنافع قريبة الحصول والسفر وسطا ~~لاتبعوك طمعا في الفوز بتلك المنافع ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من ~~الفوز بالغنيمة. ثم أخبر أنه سيجدهم إذا رجع من الجهاد يحلفون بالله إما ~~ابتداء على طريق إقامة العذر وإما عند ما يعاتبهم بسبب التخلف وقد وقع كما ~~أخبر فكان معجزا. وبالله متعلق ب سيحلفون أو هو من جملة كلام المتخلفين ~~والقول مقدر في الوجهين أي سيحلفون بالله قائلين لو استطعنا وقوله لخرجنا ~~ساد مسد جوابي القسم ولو جميعا. قيل: في الآية دلالة على أن قوله انفروا ~~خطاب # PageV03P474 # للمستطيعين وإلا لما أمكنهم جعل عدم الاستطاعة عذرا في التخلف. قال ~~الجبائي: فيها دليل على أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لما كذبهم الله تعالى، ~~فإن لم من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعا للقتال عند من يجعل الاستطاعة مع ~~الفعل. وقال الكعبي: زائدا عليه فإن قيل: لم لا يجوز أن يراد أنهم ما كان ~~لهم زاد ولا راحلة ولا يراد نفس القدرة؟ قلنا إن من لا راحلة له ms2283 يعذر في ~~ترك الخروج فمن لا قدرة له أولى. وأيضا الظاهر من الاستطاعة قوة البدن وإذا ~~أريد به المال فلأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن. وأجيب بأن ~~المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم الفعل إلا بوقت واحد فإن ~~الإنسان الجالس في مكان لا يكون قادرا في هذا الزمان على أن يفعل فعلا في ~~مكان بعيد عنه وإنما يقدر على فعله في المكان الملاصق لمكانه. فالقوم الذين ~~تخلفوا ما كانوا قادرين على القتال عندنا وعندهم فيلزمهم ما ألزموه علينا ~~فوجب المصير إلى تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فيسقط السؤال. ولقائل أن ~~يقول: إنهم وإن كانوا غير قادرين على القتال إلا أنهم كانوا قادرين على ~~الاشتغال بأسباب القتال فيعود السؤال. قال في الكشاف يهلكون بدل من سيحلفون ~~أو حال أي يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب، أو حال من ضمير لخرجنا أي ~~لخرجنا معكم وإن ألقينا أنفسنا في التهلكة. وإنما جاء به على لفظ الغائب ~~لأنه مخبر عنهم. حلف بالله ليفعلن أو لأفعلن فالغيبة على الإخبار والتكلم ~~على الحكاية. # قلت: وفي الوجه الأخير نظر للزوم بناء أول الكلام على التكلم وآخره على ~~الغيبة، ولعل الصحيح حينئذ أن لو قيل: لخرجنا معكم نهلك أنفسنا والله تعالى ~~أعلم. # ثم بين أن ذلك التخلف من بعضهم كان بإذن الرسول ولهذا توجه عليه العتاب ~~بقوله عفا الله عنك فإن العفو يستدعي سابقة الذنب. وبقوله لم أذنت لهم فإنه ~~استفهام في معنى الإنكار وبيان لما كنى عنه بالعفو. قال قتادة وعمرو بن ~~ميمون: شيئان فعلهما الرسول لم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من ~~الأسارى. فعاتبه الله بطريق الملاطفة كما تسمعون. والذي عليه المحققون أنه ~~محمول على ترك الأولى. وقوله عفا الله عنك إنما جاء على عادة العرب في ~~التعظيم والتوقير فيقدمون أمثال ذلك بين يدي الكلام يقولون: عفا الله عنك ~~ما صنعت في أمري، رضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت ~~حقي. وبعد حصول العفو من الله تعالى يستحيل أن ms2284 يكون قوله لم أذنت لهم واردا ~~على سبيل الذم والإنكار بل يحمل على ترك الأكمل والأولى لا سيما وهذه ~~الواقعة كانت من جنس ما يتعلق بالحروب ومصالح الدنيا. قال كثير من العلماء: # في الآية دلالة على جواز الاجتهاد لأنه عليه السلام أذن لهم من تلقاء ~~نفسه من غير أن # PageV03P475 # يكون من الله في ذلك إذن وإلا لم يعاتب أو منع وإلا كان عاصيا بل كافرا ~~لقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله [المائدة: 47] ولا ريب أنه لا يكون بمجرد ~~التشهي فيكون بالاجتهاد ثم إنه لم يمنع من الاجتهاد مطلقا وإنما منع إلى ~~غاية هي قوله حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ولا يمكن أن يكون ~~المراد من ذلك التبين هو التبين بطريق الوحي وإلا كان ترك ذلك كبيرة فتعين ~~أن يحمل التبين على استعلام الحال بطريق الاجتهاد ليكون الخطأ واقعا في ~~الاجتهاد لا في النص ويدخل تحت # قوله «ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» «1» # وفي الآية دلالة على وجوب الاحتراز عن العجلة وترك الاغترار بظواهر ~~الأمور. قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون ثم رخص له في سورة النور في قوله ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم [الآية: 62] . قال أبو مسلم: ~~يحتمل أن يريد بقوله لم أذنت لهم الإذن في الخروج لا في القعود، فقد يكون ~~الخروج غير صواب لكونهم عينا للمنافقين على المسلمين، وإذا كان هذا محتملا ~~فلا تتعين الآية لرخصة الإذن في القعود. وقال القاضي: هذا بعيد لأن سياق ~~الآية يدل على أن الكلام في القاعدين وفي بيان حالهم. # ثم ذكر أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا لأن الاستئذان من علامات ~~النفاق فقال لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا أي في ~~أن يجاهدوا، وكان الأكابر من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الجهاد وكانوا بحيث لو أمرهم بالقعود شق عليهم ذلك. ~~ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أمره الرسول صلى الله عليه ms2285 ~~وسلم بأن يبقى في المدينة شق عليه ذلك ولم يرض إلى أن # قال له الرسول صلى الله عليه وسلم «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» # وقيل: إن حرف النفي مضمر كإضمار الجار والتقدير في أن لا يجاهد والآن ~~سياق الآية يدل على ذم من يستأذن في القعود. # وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله والله عليم ~~بالمتقين رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم. ثم بين الذين من ~~شأنهم الاستئذان فقال إنما يستأذنك الآية. وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي ~~أصوله لا في بعض مسائله غير مؤمن بالله تعالى، وفيه أن محل الريب واليقين ~~هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن ~~المنافقين. ومعنى قوله فهم في ريبهم يترددون أن الشاك متردد بين النفي ~~والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين. وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازما ~~PageV03P476 # أولا، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقا فإما بضرورة أو ~~نظر فهو العلم أولا وهو اعتقاد المقلد. وغير الجازم إن كان أحد الطرفين ~~راجحا عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم، وإن تساوى الطرفان فهو ~~الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات ~~والاستقرار ديدن المستبصر. قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون ~~وكانوا تسعة وثلاثين رجلا. ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال ولو ~~أرادوا الخروج لأعدوا له عدة قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة ~~لأن سفرهم بعيد والزمان شديد، فتركهم العدة دليل على أنهم أرادوا التخلف. ~~قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة ~~والعدة. ولكن كره الله انبعاثهم أي انطلاقهم فثبطهم والتثبيط رد الإنسان عن ~~الفعل الذي هم به. # ومعنى الاستدراك أن قوله ولو أرادوا الخروج يعطي معنى نفي الخروج وكأنه ~~قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن ~~إلي زيد ولكن أساء إلي. ومثل هذا يسمى في علم ms2286 البديع صنعة الاستدراك. وقد ~~يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح. ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد ~~المدح بما يشبه الذم. وهاهنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة ~~فلم عاتب الله رسوله في إذنه لهم بالقعود، وإن كان مصلحة فلم كره الله ~~انبعاثهم؟ والجواب أنه كان مفسدة لقوله عقيب ذلك لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا وحديث العتاب ظاهر عند من لا يجوز الاجتهاد على الأنبياء لتمكنهم ~~من استعلام الصواب بطريق الوحي، وكذا على قول أبي مسلم. ومما يوهم أنه صلى ~~الله عليه وسلم أذن لهم في الخروج قوله تعالى في هذه السورة فإن رجعك الله ~~إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا [التوبة: 83] ~~وقوله في سورة الفتح سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم إلى قوله قل لن ~~تتبعونا [الفتح: 15] وأما عندنا فإنما لم يستحسن الله من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إذنه لهم بالقعود وإن كان قعودهم مصلحة لأنه أذن لهم قبل إتمام ~~التفحص وإكمال التدبر ولأنه لو لم يأذن لهم فهم كانوا يقعدون من تلقاء ~~أنفسهم فكان يصير ذلك القعود علامة على نفاقهم ولا تبقى حاجة إلى إظهار ~~نفاقهم بوجوه أخر دالة على هتك أستارهم وكشف أسرارهم. قال معتزلة البصرة: ~~في الآية دلالة على أنه تعالى موصوف بصفة الكراهة كما أنه موصوف بصفة ~~الإرادة. قالت الأشاعرة: معنى كره الله أنه أراد عدم ذلك الشيء، وزيف بأن ~~العدم لا يصلح أن يكون متعلق الإرادة لأن العدم مستمر فتعلق الإرادة به ~~يكون تحصيلا للحاصل. ويمكن أن يجاب بأن الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي ~~الممكن # PageV03P477 # على الآخر سواء في ذلك طرف الوجود وطرف العدم، وطرف العدم غير حاصل إلا ~~بإرادة العدم فكيف يكون تعلق الإرادة به تحصيلا للحاصل؟ وأيضا عدم الشيء ~~المخصوص ليس عدما محضا. أما قوله وقيل اقعدوا فيحتمل أن يكون قد جعل إلقاء ~~الله في قلوبهم كراهة الخروج أمرا بالقعود، ويحتمل أن يراد به قول الشيطان ~~بطريق الوسوسة، أو قول ms2287 بعضهم لبعض لما أرادوا الاجتماع على التخلف، أو هو ~~قول الرسول كأنه غضب عليهم حين استأذنوه فقال على سبيل الزجر اقعدوا مع ~~القاعدين فاغتنموا هذه اللفظة وقالوا قد أذن لنا فلهذا عوتب بقوله لم أذنت ~~لهم أي لم ذكرت هذه اللفظة التي أمكنهم أن يتوسلوا بها إلى تحصيل غرضهم. ~~ومعنى قوله مع القاعدين ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى ~~الذين شأنهم الجثوم في البيوت. رضوا بأن يكونوا مع الخوالف # قال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية ~~الوداع وضرب عبد الله بن أبي عسكره على ذي حدة- أسفل من ثنية الوداع- ولم ~~يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد ~~الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب فأنزل الله يعزي نبيه لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # فيكون استثناء متصلا من أعم العام، وحمله على الاستثناء المنقطع بناء على ~~أن التقدير ما زادوكم خيرا إلا خبالا ضعيف. والخبال في اللغة الفساد ومنه ~~المخبل للمعتوه، وللمفسرين عبارات قال الكلبي: إلا شرا. وقال سلمان إلا ~~مكرا. وقال الضحاك: إلا غدرا. وقيل: إلا خبثا. وقيل: هو الاضطراب في الرأي ~~وذلك بتزيين أمر لقوم وتقبيحه لآخرين حتى يختلفوا وتتفرق كلمتهم. قالت ~~المعتزلة: دلت الآية على أنه كره انبعاثهم لاشتماله على هذا الخبال والشر. ~~وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إلا الخير والصلاح. # ولقائل: أن يقول إثبات حكم كلي بحكم جزئي غير معقول. واعلم أنه سبحانه عد ~~من مفاسد خروجهم ثلاثة: الأول: قوله ما زادوكم إلا خبالا الثاني: ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة قال في الكشاف: زيد ألف في الكتابة لأن الفتحة كانت ~~تكتب ألفا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن وقد ~~بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا أخرى ونحوه أو ~~لأذبحنه [الآية: 21] في النمل لآتوها [الآية: 14] في الأحزاب ولا رابع لها ~~في القرآن. وفي الإيضاع قولان لأهل اللغة فقال أكثرهم: هو ms2288 متعد يقال: وضع ~~البعير إذا عدا، وأوضعه الراكب إذا حمله على العدو. وعلى هذا يكون في الآية ~~حذف والتقدير: ولأوضعوا ركائبهم. وقال الأخفش وأبو عبيد: إنه جاء لازما ~~ويقال: أوضع الرجل إذا سار بنفسه سيرا حثيثا. ومنه ما # روي أن # PageV03P478 # النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة وعليه السكينة وأوضع في وادي محسر # أي أسرع. قال الواحدي: والآية تشهد للأخفش وأبي عبيد. وعلى القولين ~~المراد في الآية السعي بين المسلمين بالتضريب والنميمة والمبالغة في الأول ~~أكثر لأن الراكب أسرع من الماشي. ومعنى خلالكم أي فيما بينكم. والخلل ~~الفرجة فيما بين الشيئين. # ويبغونكم الفتنة أي يبغون لكم. قال الأصمعي: يقال ابغني كذا وابغ لي أي ~~اطلبه لأجلي. ومعنى الفتنة هنا افتراق الكلمة والتشويش في المقاصد فعند ذلك ~~يحصل الانهزام أسرع ما يكون. فالحاصل من النوع الأول اختلاف الآراء، ومن ~~الثاني المشي بالنميمة لتسهيل ذلك الغرض. وأما النوع الثالث فذلك قوله ~~وفيكم سماعون لهم قال مجاهد وابن زيد: أي عيون لهم ينقلون إليهم ما يسمعون ~~منكم. وقال قتادة: فيكم من يسمع كلامهم ويقبل قولهم وإذا تعاضد الفاعل ~~والقابل وقع الأثر على أكمل الوجوه لا محالة. # واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز ذلك على المؤمنين مع قوة دينهم؟ ~~وأجيب بأن ذلك إنما يقع لمن قرب عهده بالإسلام أو لمن جبل على الجبن والفشل ~~أو لمن حسن ظنه ببعض المنافقين لقرابة أو هيبة، وقلما يخلو الأقوياء من ~~ضعيف سخيف أو أهل الحق من مبطل منافق ولهذا ختم الآية بقوله والله عليم ~~بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم ونفاقهم وغيرهم بإلقاء الفتنة فيما ~~بينهم. # ثم سلى نبيه بتوهين كيد أهل النفاق قديما وحديثا فقال لقد ابتغوا الفتنة ~~من قبل أي من قبل وقعة تبوك. # قال ابن جريج: هو أن اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على ثنية الوداع ~~ليلة العقبة ليفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: المراد ما فعله عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms2289 مع أصحابه. # ومعنى الفتنة السعي في تشتيت شمل المسلمين والاختلاف الموجب للفرقة بعد ~~الألفة فسلمهم الله منه وقلبوا لك الأمور حرفوها ودبروا كل الحيل والمكايد. ~~ومنه فلان حول قلب إذا كان دائرا حول مصايد المكايد حتى جاء الحق الذي هو ~~القرآن وظهر أمر الله غلب دينه وشرعه وهم كارهون رد الله مكرهم في نحرهم ~~وأتى بضد مقصودهم. ولما كان الأمر كذلك في الماضي فكذا يكون الحال في ~~المستقبل لقوله ويأبى الله إلا أن يتم نوره [التوبة: 32] ومنهم من يقول ~~ائذن لي في القعود ولا تفتني ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن ~~لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. احتمل أن يكون قد ذكره على سبيل السخرية ~~أو على سبيل الجد بأن كان يغلب على ظن ذلك المنافق صدق محمد وإن كان غير ~~جازم به بعد. وقيل: لا تفتني أي لا تلقني في التهلكة فإني إن # PageV03P479 # خرجت معك هلك مالي وعيالي. # وقيل: قال الجد بن قيس قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ~~ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكني أعينك بما لي فاتركني، فأعرض عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك فنزلت الآية. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لبني سلمة- وكان الجد منهم- من سيدكم يا بني سلمة؟ # قالوا: جد بن قيس غير أنه بخيل جبان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأي ~~داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الفتى الأبيض الجعد الشعر البراء ابن معرور. # ألا في الفتنة سقطوا أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة النفاق ~~والتمرد عن قبول التكليف المستتبع لشقاء الدارين ولهذا ختم الآية بقوله وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين أما في الدنيا فلإحاطة أسبابها بهم من النعي عليهم ~~بالنفاق وإفشاء الأسرار وهتك الأستار وتحقير المقدار، وأما في الآخرة فلمآل ~~حالهم إلى الدرك الأسفل من النار. ### | التأويل: # أيها الأرواح والقلوب المؤمنة ما مصيبتكم وبلواكم إذا قيل لكم بالإلهام ~~الرباني اخرجوا من الدنيا وما فيها في طلب والسير إليه، أثاقلتم ms2290 إلى أرض ~~الدنيا وشهواتها. إلا تنفروا من سجن الدنيا وقيود شهواتها يعذبكم عذابا ~~أليما باستيلاء ظلمات الصفات النفسانية وغلبات الأوصاف السبعية والشيطانية ~~وبألم البعد عن الحضرة الربانية ويستبدل قوما غيركم من الأرواح والقلوب ~~العاشقة الصادقة بل من العقول الكاملة المفارقة إلا تنصروه والرسول الوارد ~~الرباني فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا أي النفوس الأمارة الكافرة من ~~أرض القبول. ثاني اثنين ثاني النفس الملهمة إذ هما في غار العدم. وكلمة ~~الله هي العليا بجعل النفس المطمئنة بجذبة ارجعي [الفجر: 28] واصلة إلى ~~مقام العنديه انفروا أيها الطلاب خفافا مجردين من علائق الأهل والأولاد ~~والأموال وثقالا متلبسين بها، أو خفافا مجذوبين بالعناية وثقالا سالكين ~~بالهداية وجاهدوا بقدمي بذل الأموال والأنفس. وقدم إنفاق المال لأن بذل ~~النفس مع بقاء صفاتها الذميمة غير معتبر، ومن صفاتها الذميمة الحرص على ~~الدنيا والبخل بها ذلكم خير لكم لأن الحاصل من المال ومن النفس الوزر ~~والوبال. والحاصل من الطلب الوصول والوصال لو كان مطلوبك يا محمد عرضا ~~قريبا هو الدنيا ونعيمها وسفرا قاصدا هو تتبع شهوات النفس وهواها لاتبعوك ~~ولكن بعدت عليهم الشقة لأنها الخروج من الدنيا والعقبى. وسيحلفون يعني ~~أرباب النفوس لخرجنا معكم يا أهل القلوب. عفا الله عنك قدم العفو على ~~العتاب تحقيقا لقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] ~~فهم في ريبهم يترددون بين أوصافهم # PageV03P480 # الذميمة النفسانية والحيوانية بلا داعية لخروج إلى الأنوار الروحانية ~~لأعدوا له عدة وهي متابعة الأنبياء فثبطهم حبسهم في سجن البشرية ما زادوكم ~~إلا خبالا فيه إشارة إلى أن قعود أهل الطبيعة في حبس البشرية صلاح لأرباب ~~القلوب وأصحاب السلوك لأنهم لو خرجوا لا عن نية صادقة وعزيمة صالحة ما ~~زادوهم إلا تشويشا وتفرقة لأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. لقد ابتغوا الفتنة ~~من قبل يعني أن صفات النفس قبل البلوغ كانت تستخدم الروح في شهواتها حتى ~~جاء الحق وهو العقل القابل لأوامر الشرع وظهر أمر الله وهو التكليف ومنهم ~~أي من صفات النفس من يقول وهو الهوى ائذن ms2291 لي في القعود عن الارتقاء في ~~مدارج المعارف والمشارع ولا تفتني يا روح بتكليفي ما ليس من شأني. وذلك أن ~~الهوى مركب المحبة تستعمله الروح في تصاعده إلى ذروة الكمال والوصال. ألا ~~في الفتنة سقطوا أي إن فتنة الهبوط هي الفتنة بالحقيقة وإن جهنم البعد ~~والقطيعة من لوازم كفار النفس وصفاتها أعاذنا الله منها. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 50 الى 59] # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا ~~وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم ~~أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52) قل ~~أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) وما منعهم ~~أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون (54) # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55) ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ~~ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم ~~يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59) ### | القراآت: # هل تربصون بإظهار اللام وتشديد التاء: البزي وابن فليح، وقرأه حمزة وعلي ~~وهشام مدغما حتى لا يجتمع ساكنان. الباقون: بإظهار اللام وتخفيف التاء أن ~~تقبل بالياء التحتانية: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالفوقانية. مدخلا بضم ~~الميم # PageV03P481 # وسكون الدال: سهل ويعقوب. الباقون: بالدال المشددة المفتوحة. يلمزك بضم ~~الميم: سهل ويعقوب. الآخرون: بكسرها سوى عباس فإنه مخير. ### | الوقوف: # تسؤهم ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف فرحون ه لنا ج للابتداء لفظا مع ~~الاتحاد معنى هو مولانا ط لابتداء إخبار من الله أو الحكاية ms2292 عنهم. # المؤمنون ه الحسنيين ط للاستئناف بعد تمام الاستفهام بأيدينا ط والوصل ~~أصح لأن الفاء جواب نتربص متربصون ه منكم ط. فاسقين ه كارهون ه ولا أولادهم ~~ط كافرون ه لمنكم ط يفرقون ه يجمحون ه في الصدقات ط للشرط مع الفاء يسخطون ~~ه ورسوله لا إلى قوله راغبون لأن الكل يتعلق ب «لو» وجواب «لو» بعد التمام ~~محذوف أي لكان خيرا لهم. ### | التفسير: # هذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين. عن ابن عباس: الحسنة في يوم بدر ~~والمصيبة في يوم أحد. والأولى حمله على العموم إذ معلوم من حال المنافقين ~~أنهم كانوا في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكر الله تعالى. ومعنى ~~أخذنا أمرنا أي أمرنا الذي نحن موسومون به من التيقظ والتحرر وحسن الرأي ~~والتدبير. ومن قبل أي من قبل ما وقع ويتولوا أي عن مقام التحدث بذلك إلى ~~أهاليهم أو أعرضوا عن الرسول وهم فرحون مسرورون ثم أمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقول في جوابهم لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا قيل: أي في اللوح ~~المحفوظ من خير أو شر أو خوف أو رجاء أو شدة أو رخاء. وفائدته أنه إذا علم ~~الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع- لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال- ~~زالت عنه منازعة النفس وهانت عليه المصائب. وقيل: # أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو وإظهار دين الله على كل الأديان فيكون ~~المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن ~~العاقبة والدولة تكون لهم والظفر يقع في جانبهم فلا معنى لفرح المنافقين في ~~الحال. وقال الزجاج: معناه لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله به من النصرة ~~عليكم أو الشهادة، وعلى هذا القول يقع ما في الآية الثانية كالمكرر هو ~~مولانا لا يتولى أمورنا إلا هو يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني ~~والتعازي، لا اعتراض لأحد عليه. وعلى الله فليتوكل المؤمنون فيه تنبيه على ~~أن المؤمن يجب أن لا يعلق الرجاء إلا برب ms2293 الأرباب فإنهم يتعلقون بالوسائط ~~والأسباب. # ثم أمره بجواب ثان فقال قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين التربص ~~التمسك بما ينتظر به مجيء حينه ومنه تربص بالطعام إذا تمسك به إلى حين ~~زيادة سعره. والحسنى تأنيث الأحسن وهي صفة الحالة أو الخصلة أو العاقبة ~~يعني النصرة أو الشهادة. وفي # PageV03P482 # الأولى إحراز الغنيمة والظفر بالأعداء، وفي الثانية إبقاء الذكر والفوز ~~بنعيم الآخرة. # ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده قارعة مثل قارعة عاد وثمود ~~وقيل: # عذاب الله يشمل عذاب الدارين أو بأيدينا يعني القتل بأن يظهر نفاقكم ~~ويأمر بقتلكم كالكافر الحربي فتربصوا أمر للتهديد نحو ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم [الدخان: # 49] ثم ذكر أنهم إن أتوا بشيء من صورة البر لم يكن له قدر عند الله ولا ~~ينتفعون به في الآخرة، والغرض أن أسباب الذل والهوان مجتمعة عليهم في ~~الدنيا والأخرى. # عن ابن عباس نزلت في الجد بن قيس حين قال النبي صلى الله عليه وسلم ائذن ~~لي في القعود وهذا مالي أعينك به. # ولا يبعد أن يكون السبب خاصا والحكم عاما. وأنفقوا لفظه أمر ومعناه خبر ~~كقوله فيما يجيء استغفر لهم أو لا تستغفر لهم [التوبة: 80] ومعناه أنفقوا ~~وانظروا هل يتقبل منكم واستغفر لهم، أو لا تستغفر لهم وانظر هل ترى اختلافا ~~بين حال الاستغفار وتركه؟ # ومثله قول كثير لعزة: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة كأنه يقول: امتحني لطف محلك عندي وعامليني ~~بالإساءة والإحسان وانظري هل تجدين منى تفاوتا في الحالين. وإنما يجوز ~~إقامة الخبر والطلب أحدهما مقام الآخر إذا دل الكلام عليه فيعدل عن الأصل ~~لإفادة المبالغة. وانتصب طوعا أو كرها على الحال ومعناه طائعين من غير ~~إلزام من الله ورسوله أو ملزمين من جهتهما. وسمي الإلزام كراها لأنهم ~~منافقون فكان إلزام الله إياهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه. ويحتمل أن ~~يراد طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو ملزمين من جهتهم، وذلك أن رؤساء ~~أهل النفاق كانوا يحملونهم على الإنفاق إذا رأوا فيه مصلحة. ومعنى لن ms2294 يتقبل ~~منكم أن الرسول لا يقبله منكم، أو أنه لا يقع مقبولا عند الله. ثم علل عدم ~~القبول بقوله إنكم كنتم قوما فاسقين قال الجبائي: فيه دليل على أن الفسق ~~يحبط الطاعات. وأجيب بأن الفسق هاهنا بمعنى الكفر ولا يلزم منه كون الفسق ~~المطلق كذلك. وإنما قلنا إن الفسق بمعنى الكفر لقوله سبحانه وما منعهم أن ~~تقبل منهم الآية علل منع القبول بأمور ثلاثة: أولها: الكفر بالله وبرسوله. ~~وثانيها ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى قال المفسرون: معناه أنه إن كان في ~~جماعة صلى وإن كان وحده لم يصل، وفيه أنه يصلي للناس لا لله، وفيه أنه غير ~~معتقد للصلاة ووجوبها فلهذا لزم منه الكفر. # وثالثها: ولا ينفقون إلا وهم كارهون وذلك أنهم لا ينفقون رغبة في ثواب ~~الله وإنما ينفقون لأجل المصالح الدنيوية، فهم في حكم الكارهين وإن أنفقوا ~~مختارين يعدون الإنفاق مغرما ومنعه مغنما خلاف # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «أدوا زكاة أموالكم # PageV03P483 # طيبة بها نفوسكم» . # قيل: الكفر بالله سبب مستقل في منع القبول فكيف ضم إليه الأمرين الآخرين؟ ~~والجواب أنها أمارات ويجوز توارد الأمارات المتعددة على شيء واحد. بوجه آخر ~~أطلق كفرهم أولا ثم قيده بعدم اعتقادهم وجوب الصلاة والزكاة، وبعبارة أخرى ~~حكم عليهم بالكفر مطلقا ثم خص من أنواع كفرهم هذين تفظيعا لشأن تارك الصلاة ~~والزكاة. # قال في الكشاف: وقرأت في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية، وأن الكسل من صفات ~~المنافقين. # قال بعض العلماء: وجه الجمع بين قوله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~[الزلزلة: 7] وبين مضمون هذه الآية وهو أن شيئا من أعمال البر لا يكون ~~مقبولا عند الله مع الكفر، هو أن يصرف ذلك إلى تأثيره في تخفيف العقاب. ~~ولقائل أن يقول: لو لم يكن مقبولا بوجه لم يكن له في التخفيف أيضا أثر. ~~وقيل: في الآية دلالة على أن الصلاة لازمة للكفار وإلا لم يكن الإتيان بها ms2295 ~~على وجه الكسل مانعا من تقبل طاعاتهم كما أن قيامهم وقعودهم وسائر تصرفاتهم ~~على وجه الكسل ليس مانعا من التقبل بالإنفاق. ثم لما قطع رجاء المنافقين عن ~~منافع الآخرة أراد أن يبين أن ما يظنونه من منافع الدنيا فهو أيضا في ~~الحقيقة سبب لتعذيبهم وبلائهم وتشديد المحنة عليهم فقال مخاطبا للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل أحد فلا تعجبك الآية. ونظيره ولا تمدن عينيك [طه: ~~131] وإنما قال فلا تعجبك بالفاء لأن ما قبله مستقبل يصلح للشرط أي إن يكن ~~فيهم ما ذكرنا من الإتيان بالصلاة على وجه الكسل وغير ذلك فهذا جزاؤه، وهذ ~~بخلاف ما سيجيء في الآية الأخرى من هذه السورة. والإعجاب سرور المرء بالشيء ~~مع نوع من الافتخار واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وأنه من البعيد في ~~حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عنه ويحصله لغيره كقوله ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا [الكهف: 35] ولا شك أن هذه خصلة مذمومة من جهة استغراق النفس في ذلك ~~الشيء وانقطاعها عن الله، ومن جهة استبعاد إزالته في قدرة الله، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متيع وإعجاب المرء ~~بنفسه» # والمقصود من الآية زجر الناس عن الانصباب إلى الدنيا والمنع من التهالك ~~في حبها، فإن المسكن الأصلي هو الآخرة لا الأولى. وقوله إنما يريد الله ~~ليعذبهم إعرابه كما مر في قوله يريد الله ليبين لكم [النساء: 26] قال مجاهد ~~والسدي وقتادة: # في الآية تقديم وتأخير والتقدير: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في ~~الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة كأنهم نظروا إلى أن ~~المال والولد لا يكونان عذابا بل هما من نعم الله تعالى على عباده، وأورد ~~عليه أنهما لا يكونان عذابا في الآخرة أيضا. فإن # PageV03P484 # تكلفوا وقالوا: أراد بذلك أنهما سبب العذاب فقد استغنوا عن التقديم ~~والتأخير لأنهما قد يكونان سببا للعذاب في الدنيا أيضا. وبوجه أخر، المال ~~والولد وكذا الإعجاب بهما يكونان. في الدنيا لا محالة، فأي فائدة في ذكرها؟ ~~واعلم ms2296 أن الأموال والأولاد قد يكونان سببا للتعذيب في الدنيا والآخرة، وذلك ~~أن كل ما كان حبه للشيء أشد كان خوفه عن فواته أكثر وحزنه على فواته أعظم. ~~فصاحب المال أبدا إما في خوف فوات المال وإما في حزن فواته وإما في تعب ~~حفظه وتثميره. ثم إن الدنيا حلوة خضرة فإذا كثر ماله انصب بكليته إليه ~~ويفضي إلى طغيانه وقساوة قلبه إلى أن ينسى حب الله وذكر الآخرة. ثم إنه إن ~~بقي عليه ذلك إلى آخر عمره فعند الموت يعظم أسفه على مفارقته وكان كمن ~~ينتقل من بستان ونعيم إلى سجن وجحيم وعند الحشر يكون حلاله حسابا وحرامه ~~عذابا فثبت أن حصول المال سبب لعذاب الدارين. إلا من يتصرف فيه بالحق ومثله ~~يكون نادرا، وكذا الكلام في الولد. وهذا المعنى وإن كان عاما للكل إلا أن ~~المنافقين لهم وجوه اختصاص بالتعذيب. وذلك أن الرجل إذا كان مؤمنا بالله ~~واليوم الآخر علم أنه إنما خلق للآخرة لا للدنيا فيفتر حبه للأمور الدنيوية ~~بخلاف المنافق الذي اعتقد أن لا سعادة إلا هذه الخيرات العاجلة. وأيضا إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يكفلهم إنفاق الأموال وبعث الأولاد إلى الغزو ~~والجهاد، وكانوا لا يعتقدون في ذلك فائدة أخروية، وكانوا في أشق تكليف، ~~وكانوا مبغضين للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مضطرين إلى بذل ~~المال وبعث الأولاد إلى خدمته، وكانوا خائفين من افتضاحهم وإظهار نفاقهم ~~وتعريض أولادهم وأموالهم للنهب والسبي، وكثير منهم كان لهم أولاد أتقياء ~~مخلصون كحنظلة بن أبي عامر غسلته الملائكة، وكعبد الله بن عبد الله بن أبي ~~شهد بدرا وكان عند الله بمكان، وهم خلق كثير كانوا يزيفون طريق آبائهم في ~~النفاق ويقدحون فيهم، والابن إذا صار هكذا تأذى الأب بسبه ولأجل هذه ~~المعاني ذكر بعض العلماء أن التقدير: يريد الله أن يزيد في أموالهم ~~ليعذبهم. أما قوله وتزهق أنفسهم أي تخرج وهم كافرون فقد قالت الأشاعرة: فيه ~~دليل على أنه تعالى أراد منهم الكفر. وأورد الجبائي عليه أن المريض ms2297 إذا قال ~~للطبيب أريد أن تدخل علي في حالة مرضي لم يلزم منه كونه مريدا لمرض نفسه، ~~والجواب أن أمثال هذه موكولة إلى قرائن الحال ففي قول المريض لا ريب أن ~~المطلوب هو دخول الطبيب، وكون الدخول واقعا في تلك الحالة من ضرورات كونه ~~مريضا وهو طبيبه. وفي الآية ليس المراد زهوق الروح فقط لأن المسلم والمنافق ~~في ذلك سيان، فالمراد وقوع الزهوق في حالة الكفر فيكون الكفر منهم مرادا ~~بالضرورة. وقال في الكشاف: المراد الاستدراج # PageV03P485 # بالنعم كقوله إنما نملي لهم ليزدادوا إثما [آل عمران: 178] كأنه قيل: ~~ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن ~~النظر للعاقبة. ومن قبائح أفعال المنافقين ما حكى الله سبحانه عنهم في قوله ~~ويحلفون بالله إنهم لمنكم أي على دينكم. ثم قال وما هم منكم أي ليسوا على ~~دينكم. ولكنهم قوم يفرقون يخافون القتل فيظهرون الإيمان تقية. # ثم أكد نفاقهم بقوله لو يجدون ملجأ مفرا فيتحصنون فيه آمنين على أنفسهم ~~منكم لفروا إليه ولفارقوكم، فلا تظنوا أن موافقتهم إياكم في الدار والمسكن ~~من صميم القلب. والمغارات جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور الإنسان فيه أي ~~يستتر. والمدخل بالتشديد مفتعل من الدخول أدغمت التاء في الدال لقرب ~~مخرجيهما. والتدخل «تفعل» من الإدخال ومعناه المسلك الذي يتحفظ بالدخول ~~فيه. قال الكلبي وابن زيد: نفق كنفق اليربوع. والمراد أنهم لو وجدوا مكانا ~~على أحد هذه الوجوه مع أنها شر الأمكنة لولوا إليه يقال: ولي إليه بنفسه ~~إذا انصرف وولي غيره إذا صرفه وهم يجمحون أي يسرعون إسراعا لا يرد وجوهم ~~شيء. ومنه الفرس الجموح لا يرده اللجام. والحاصل أنهم من شدة تأذيهم ~~وتنفرهم من الرسول والمسلمين صاروا بهذه الحالة. قال بعض العلماء: إنه ~~تعالى ذكر ثلاثة أشياء والأقرب حملها على المعاني المتغايرة، فالملجأ ~~الحصون، والمغارات الكهوف في الجبال، والمدخل السرب تحت الأرض كالآبار ~~والله تعالى أعلم. ومن جملة قبائحهم قوله ومنهم من يلمزك الآية. قال ~~الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها ms2298 إذا عبته. وفرق الليث ~~فقال: اللمز العيب في الحضور، والهمز الغيب في الغيبة، واعلم أن العيب في ~~الصدقات يحتمل وجوها: # الأول: في أخذها بأن يقال انتزاع كسب الإنسان من يده غير معقول لأن الله ~~هو المتكفل بمصالح عبيده إن شاء أفقرهم وإن شاء أغناهم. الثاني: أن يقال: ~~هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن ما تأخذه كثير فوجب أن تقنع بأقل من ذلك. ~~الثالث: هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه فيكون العيب ~~قد وقع في قسمة الصدقات وفي تفريقها وهذا هو الذي دلت الأخبار على أنهم ~~أرادوه. # عن أبي سعيد الخدري بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم حنين ~~قال له ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج: أعدل يا رسول الله. فقال: ويلك ومن ~~يعدل إذا لم أعدل فنزلت. # وعن الكلبي هو أبو الجواظ قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في ~~رعاة الغنم وهو يزعم أنه يعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أبا ~~لك أما كان موسى راعيا. أما كان داود راعيا فلما ذهب قال # PageV03P486 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون. # وقيل: هم المؤلفة قلوبهم. ثم بين أن عيبهم ذلك وسخطهم لأجل نصيب نفسهم لا ~~للدين فقال فإن أعطوا منها رضوا وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم فضجر المنافقون. ومعنى إذا ~~هم يسخطون فهم يسخطون. وفائدته أن يعلم أن الشرط مفاجىء للجزاء ومتهجم ~~عليه. ثم أرشدهم إلى ما صلاحهم في نفس الأمر فقال ولو أنهم رضوا الآية ~~ورتبه على أربع مراتب: الأولى: الرضا بما آتاهم الله ورسوله لعلمهم بأنه ~~تعالى حكيم يعلم عواقب الأمور، فكل ما كان حكما له وقضاء منه كان حقا ~~وصوابا ولا اعتراض عليه. الثانية: أن يظهر أثر ذلك الرضا على لسانهم وهو ~~قولهم حسبنا الله كفانا فضله وصنعه، لغيرنا المال ولنا الرضا والتسليم وذكر ~~الحبيب. # الثالثة: أن نزل من هذه المرتبة ms2299 العالية كان واثقا بأن الله لا يهمله ~~وسيعوضه من فضله في غنيمة أخرى. الرابعة الرغبة إلى الله بأنه المقصد ~~الحقيقي والمقصود الأصلي من الإيمان والطاعة والمال والمنال. # يروى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر بقوم يذكرون الله فقال: # ما الذي يحملكم عليه؟ قالوا: الخوف من عقاب الله. فقال: أصبتم. ومر على ~~قوم آخرين يذكرون الله فقال: ما الذي حملكم عليه؟ فقالوا: الرغبة في ~~الثواب. فقال: أصبتم. ومر على قوم ثالث مشتغلين بالذكر فسألهم فقالوا: لا ~~نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة في الثواب بل لإظهار ذلة العبودية وعزة ~~الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بذكره. فقال: أنتم المحقون. ### | التأويل: # إن تصبك يا روح حسنة من عواطف الحق تحزن النفس وصفاتها فبها تظفر الروح ~~عليها وإن تصبك مصيبة من الموانع والقواطع أخذنا نصيبنا من المراتع ~~الحيوانية لما خالفناه في السير إلى العالم الروحاني. قل يا روح لن يصيبنا ~~إلا ما كتب الله لنا لا علينا فإن الفترات والوقفات للتربية لا للرد. وانظر ~~وقل هل تربصون بنا أيتها النفس وصفاتها إلا إحدى الحسنيين الإحسان والعواطف ~~الربانية والوقفة والفترة الموجبة لحسن التربية. بعذاب من عنده هو الابتلاء ~~بالمصائب من الخوف والجوع وغيرهما أو بأيدينا بالمنع من المخالفات وبكثرة ~~الرياضات والمجاهدات طوعا أو رياء أو كرها أي نفاقا لن يتقبل منكم لأن ~~أعمال اللسان وغيره من الجوارح من غير عمل القلب ليست بمقبولة وإن كان عمل ~~القلب بدون الجوارح مقبولا # لقوله صلى الله عليه وسلم «نية المؤمن أبلغ من عمله» # وباقي الآيات إشارات إلى أن من أمارات النفاق عدم الرضا بقسمة الخلاق ~~وحال المخلص بالعكس. # PageV03P487 ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 60 الى 69] # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي ~~الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ~~(60) ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ms2300 أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا ~~فيها ذلك الخزي العظيم (63) يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما ~~في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون (64) # ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم ~~تستهزؤن (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب ~~طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66) المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ~~هم الفاسقون (67) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين ~~فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ### | القراآت: # أذن خير كلاهما بالرفع والتنوين: الأعشى والمفضل. الباقون: # بالإضافة. ورحمة بالجر: حمزة الآخرون: بالرفع الم تعلموا بتاء الخطاب: ~~جبلة عن المفضل الباقون: بياء الغيبة إن نعف نعذب كلاهما بالنون ونصب طائفة ~~عاصم غير المفضل. الباقون: على البناء للمفعول بياء الغيبة في الأول، وبتاء ~~التأنيث في التالي. ### | الوقوف: # وابن السبيل ط أي فرض الله فريضة من الله ط حكيم ه هو أذن ط آمنوا منكم ط ~~أليم ه ليرضوكم ط لاحتمال الواو الحال أو الاستئناف. # مؤمنين ه خالدا فيها ط العظيم ه بما في قلوبهم ط استهزؤا ط لاحتمال ~~الهمزة في «إن» للتعليل تحذرون ه ونلعب ط تستهزؤن ه بعد إيمانكم ط مجرمين ه ~~من بعض ط كيلا تصير الجملة صفة لبعض المنافقين وهي صفة لكلهم # PageV03P488 # أيديهم ط فنسيهم ط الفاسقون ه فيها ط حسبهم ط لاختلاف النظم مع اتحاد ~~المقصود في إتمام الجزاء ولعنهم الله ج لذلك مقيم ه لا بناء على تعلق الكاف ~~وأولادا ط خاضوا ط والآخرة ج الخاسرون ه. ### | التفسير: # إن المنافقين لما لمزوا الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة ms2301 الصدقات بين ~~لهم الله سبحانه مصرفها كيلا يبقى لهم طعن إذا وجدوا فعله موافقا لحكم الله ~~فقال إنما الصدقات الآية. وفي تصدير الكلام بإنما دلالة على أنه لا حق لأحد ~~في الصدقات إلا لهؤلاء، ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: إن كنت من الأصناف الثمانية فلك ~~فيها حق. وإلا فهو صداع في الرأس وداء في البطن. # ولنتكلم في تعريف هؤلاء الأصناف. فالأول والثاني: الفقراء والمساكين. # ولا شك أن كلا من الصنفين محتاجون لا يفي دخلهم بخرجهم إنما الكلام في ~~أنهما متساويا الدلالة أو أحدهما أسوأ حالا. فعن أبي يوسف ومحمد والجبائي ~~أنهما واحد حتى لو أوصى لزيد وللفقراء والمساكين بمال كان لزيد النصف لا ~~الثلث. قال الجبائي: إنه تعالى ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في الصدقات. ~~والفائدة فيه أن أصرف إليهم من الصدقات سهمان لا كسائرهم. وعند الشافعي ~~الفقير أسوأ حالا لأنه تعالى أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعا لحاجاتهم ~~فالذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة لأن الظاهر تقديم الأهم على المهم، ~~ومما يدل على إشعار الفقر بالشدة العظيمة قوله تعالى تظن أن يفعل بها فاقرة ~~[القيامة: # 25] جعل الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر، وقد سأل المسكنة في ~~قوله «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» # فكأنه سأل توسط الحال، ولهذا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ~~أشياء معلومة مع أنه تعالى أجاب دعاءه ظاهرا فأماته مسكينا. وتقييده تعالى ~~المسكين بقوله ذا متربة [البلد: 16] يدل على أن المسكين قد لا يكون كذلك. # وقال تعالى أما السفينة فكانت لمساكين [الكهف: 79] وكان ابن عباس يفسر ~~الفقير بأنه الذي لا يجد شيئا كأهل الصفة، والمسكين بأنه الطواف الذي يسأل ~~الناس. والغالب أنه يحصل له منهم شيء وقريب منه قول من قال سمي مسكينا لأنه ~~الدائم السكون إلى الناس. ولما كان المسكين هو السائل لما قلنا فالمحرم في ~~قوله سبحانه وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ms2302 [الذاريات: 19] هو الفقير صاحب ~~الحرمان. واتفق الناس على أن الفقير ضد الغني ولم يقل أحد أن الغنى ~~والمسكنة ضدان فلعل الترفع هو ضد التمسكن. وقال أبو حنيفة: المسكين أسوأ ~~حالا لقوله تعالى أو مسكينا ذا متربة [البلد: 16] وقد تقدم الكلام عليه ~~ولأنه تعالى جعل الكفارات من الأطعمة ولا فاقة أعظم # PageV03P489 # من الجوع ونقل الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن الفقير الذي له ما يأكل ~~والمسكين هو الذي لا شيء له، وقال يونس: قلت لأعرابي، أفقير أنت؟ قال: لا ~~والله بل مسكين. # وقيل: سمي مسكينا لأنه يسكن حيث يحضر لأجل أنه لا بيت له ولا منزل. وأجيب ~~بأنه تعالى جعل الكفارة للمسكين ذي المتربة وهو الفقير بعينه وإنما النزاع ~~في المسكين المطلق والروايات معارضة بأمثالها والله أعلم. الصنف الثالث: ~~العاملون على الصدقات وهم السعاة الجباة للصدقة. قال ابن عمر وابن الزبير ~~والشافعي: يعطى هؤلاء أجور أمثالهم لأنها أجرة للعمل. وقال مجاهد والضحاك: ~~يعطون الثمن من الصدقات لأنهم صنف من الثمانية، والصحيح أن الهاشمي ~~والمطلبي لا يجوز أن يكون عاملا على الصدقات لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبى أن يبعث أبا رافع عاملا على الصدقات وقال: أما علمت أن مولى القوم ~~منهم. وفائدة التعدية بعلى التسليط والولاية. يقال: فلان على بلدة كذا إذا ~~كان واليا عليها. واختلفوا في أن الإمام هل له حق لأنه هو العامل في ~~الحقيقة أو لا حق له لخروجه عن الأصناف؟ والجمهور على أن العامل يأخذ نصيبه ~~وإن كان غنيا لأن ذلك أجرة عمله. وعن الحسن أنه لا يأخذ إلا مع الحاجة. ~~الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم. # عن ابن عباس هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلا منهم أبو سفيان والأقرع بن حابس وعيينة ~~بن حصن أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل. # قال العلماء: لعل مراد ابن عباس إنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى ~~المؤلفة وإلا فلم يكن ما أعطاهم من الصدقات. ms2303 ويروى أن أبا بكر الصديق أعطى ~~عدي بن حاتم لما جاءه بصدقاته وصدقات قومه أيام الردة. والذي استقر عليه ~~رأى الأئمة أن المؤلفة ثلاثة أقسام: ضعيف النية في الإسلام، وشريف بإعطائه ~~يتوقع سلام نظرائه، والمتألف على جهاد من يليهم من الكفار ومانعي الزكاة ~~حيث يكون ذلك أهون للإمام من بعث جيش يعطى كل واحد ما رأى الإمام باجتهاده، ~~هذا كله إذا كانوا مسلمين، فأما الكفار الذين يميلون إلى الإسلام فيرغبون ~~فيه بإعطاء مال، والذين يخاف شرهم فيتألفون لدفع الشر بمال فلا يعطون شيئا ~~من الزكاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس والآن لا ~~يعطون أصلا لقوة الإسلام والاستغناء عن تألفهم ولأنه ليس في الآية دلالة ~~على أن المؤلفة يجوز أن يكونوا من الكفار فلا ينبغي أن يقال إن حكم الآية ~~منسوخ، الصنف الخامس قوله وفي الرقاب. قال الزجاج: تقديره وفي فك الرقاب، ~~وللأئمة في تفسيره أقوال فعن ابن عباس أنهم المكاتبون وهو مذهب الشافعي ~~قال: إذا عجزوا عن أداء النجوم بأن يكون لهم شيء أو لا يفي ما في أيديهم # PageV03P490 # بنجومهم صرف إليهم أو إلى سيدهم بإذنهم ما يعينهم على العتق. وقال مالك ~~وأحمد وإسحق: المراد أنه يشتري به عبيد فيعتقون. وعن أبي حنيفة وأصحابه. ~~وهو قول سعيد بن جبير والنخعي، أنه لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة ولكن يعطى ~~منها في رقبة ويعان بها مكاتب لأن قوله وفي الرقاب يقتضي أن يكون له فيه ~~مدخل وذلك ينافي كونه تاما فيه. وقال الزهري: سهم الرقاب نصفه للمكاتبين ~~المسلمين ونصفه يشتري به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم فيعتقون. قال ~~المفسرون: إنما عدل عن اللام إلى «في» لأن الأصناف الأربعة الأول يصرف ~~المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاؤا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال ~~إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا ~~سهم الزكاة. ففي الرقاب يوضع نصيبهم في تخليص رقابهم عن الرق أو الأسر ولا ~~يدفع إليهم، وفي الغارمين يصرف المال ms2304 إلى قضاء ديونهم، وفي الغزاة يصرف ~~المال إلى إعداد ما يحتاج إليه في الغزو، وفي ابن السبيل كذلك يصرف إلى ما ~~يبلغه المقصد. وقال في الكشاف: إنما عدل للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق ~~التصديق عليهم ممن سبق لأن «في» للوعاء فنبه به على أنهم أحقاء بأن يجعلوا ~~مصبا للصدقات. وتكرير «في» في قوله وفي سبيل الله وابن السبيل فيه فضل ~~ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين الصنف السادس الغارمون قال الزجاج: أصل ~~الغرم لزوم ما يستحق وسمي العشق غراما لكونه أمرا شاقا لازما. وفلان مغرم ~~بالنساء، وسمي الدين غرما لأنه شاق لازم. فالغارمون المديونون والدين إن ~~حصل بسبب معصية لم يدخل في الاية لأن المعصية لا تستوجب الإعانة وإن حصل لا ~~بالمعصية فهو مقصود الآية سواء حصل بسبب نفقات ضرورية أو لإصلاح ذات البين. ~~وإن كان متمولا أو للضمان إن أعسر هو والأصيل وكل داخل في الآية. # روى الأصم في تفسيره أنه صلى الله عليه وسلم لم قضى بالغرة في جنين قالت ~~العاقلة: لا نملك الغرة يا رسول الله، فقال لحمد ابن مالك: أعنهم بغرة من ~~صدقاتهم، وكان حمد على الصدقة يومئذ. وإنما يعطى الغارم قدر دينه إن لم ~~يقدر على شيء وإن قدر على بعض أعطى الباقي. # الصنف السابع قوله في سبيل الله يعني الغزاة. قال الشافعي: يجوز له أن ~~يأخذ من مال الصدقات وإن كان غنيا وهو مذهب مالك وأحمد وإسحق وأبي عبيد. ~~وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي إلا إذا كان محتاجا وظاهر لفظ الآية لا ~~يوجب القصر على الغزاة فلهذا نقل القفال عن بعض الفقهاء أنهم أجازوا صرف ~~الصدقة إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الحصون وعمارة المساجد ~~لأن كلها في سبيل الله. الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر لا لأجل ~~معصية، يعطى ما يبلغه # PageV03P491 # المقصد أو موضع ماله إن كان له في الطريق مال. قال الشافعي: ويدخل في ~~المسافر الشاخص من وطنه أو من بلد كان مقيما به منشئا للسفر والغريب ~~المجتاز ببلدنا والله ms2305 أعلم. # ولنذكر طرفا من أحكام هذه الأصناف: # الحكم الأول: اتفقوا على دخول الزكاة الواجبة في قوله إنما الصدقات لقوله ~~في موضع آخر خذ من أموالهم صدقة [التوبة: 103] # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» «1» # واختلفوا في الصدقة المندوبة فمنهم من قال تدخل، والفائدة أن تعلم أن ~~مصارف جميع الصدقات ليست إلا هؤلاء الأصناف، والأقرب اختصاص الآية بالواجبة ~~لدخول لام التمليك في الأصناف، والصدقة المملوكة لهم ليست إلا الزكاة ولأن ~~الآية تدل على الحصر في الأصناف الثمانية والصدقة المندوبة يجوز صرفها إلى ~~وجوه أخر كالمساجد والمدارس وتجهيز الموتى، ولأن الصدقات تنصرف إلى معهود ~~سابق وهو الصدقات الواجبة في قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات. # الحكم الثاني: في الآية دلالة على أن الزكاة إنما يتولى أخذها الإمام أو ~~نائبه لأنه تعالى جعل للعاملين سهما منها. والعامل هو الذي نصبه الإمام ~~لأخذ الزكوات ويتأكد هذا النص بقوله خذ من أموالهم صدقة فالقول بأن المالك ~~يجوز له إخراج زكاة الأموال الباطنة بنفسه إنما يعرف بدليل آخر كقوله في ~~أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم [الذاريات: 19] وإذا كان حقا لهما وجب أن ~~يجوز دفعه إليهما ابتداء، وإذا كان الإمام جائرا فالتفريق بنفسه أفضل. # الحكم الثالث: مذهب أبي حنيفة أنه يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف ~~وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية والنخعي، ~~لأنه تعالى جعل جملة الصدقات لهؤلاء الثمانية فلا يلزم أن يكون كل جزء من ~~أجزائها كصدقة زيد مثلا موزعا على كل واحد منهم، ولأن الرجل الذي لا يملك ~~إلا عشرين دينارا فأخرج نصف دينار لو كلفناه أن يقسمه على أربعة وعشرين ~~لدفع كل ثلاثة منها إلى ثلاثة من كل PageV03P492 # صنف صار كل قسم حقيرا صغيرا غير منتفع به في مهم معتبر. وعن سعيد بن جبير ~~لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي. ~~وقال الشافعي: لا بد من صرفها، إلى الأصناف الثمانية وهو قول عكرمة والزهري ~~وعمر ms2306 بن عبد العزيز. واحتجوا عليه بأن الله تعالى ذكر هذه القسمة في نص ~~الكتاب ثم أكدها بقوله فريضة من الله وهو في معنى المصدر المؤكد لأن قوله ~~إنما الصدقات للفقراء في قوة قوله فرض الله الصدقات لهم، وهذا كالزجر عن ~~مخالفة الآية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله تبارك وتعالى لم يرض بقسمة ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها بنفسه» . # ثم ختم الآية بقوله والله عليم أي بتقدير الأنصباء والمصالح حكيم لا يفعل ~~إلا ما هو الأصوب والأصلح وكل هذه المؤكدات دليل على وجوب الاحتياط في صرف ~~الزكاة، ومن هاهنا قال الشافعي: لا بد في كل صنف من ثلاثة لأنه تعالى ذكر ~~أكثر الأصناف بلفظ الجمع وأقل الجمع ثلاثة، فإن دفع نصيب الفقراء إلى اثنين ~~غرم للثالث أقل متمول على الأقيس لا الثلث، لأن التفضيل في أفراد الصنف ~~جائز للمالك لأن العدد من كل صنف غير محصور فيصعب اعتبار التسوية بخلاف ~~التسوية بين الأصناف لأنهم محصورون فتسهل التسوية بينهم. # الحكم الرابع: العامل والمؤلفة قلوبهم مفقودان في زماننا فبقي أن تصرف ~~الزكاة إلى الأصناف الستة الباقية كما لو فقد بعض الأصناف في بلد فإنه يصرف ~~إلى الباقين، ولا يؤمر بالنقل إلى بلد وجدوا فيه جميعا والأحوط رعاية ~~التسوية بينهم على ما يقوله الشافعي، أما إذا لم يفعل ذلك فإنها مجزئة عند ~~سائر الأئمة. أما الحكمة في إيجاب الزكاة فهو أن المال محبوب بالطبع لأن ~~القدرة من صفات الكمال والمال سبب. لحصول القدرة على المشتهيات والمآرب لكن ~~الاستغراق في حبه يذهل النفس عن حب الله وعن التأهب للآخرة فاقتضت الحكمة ~~الإلهية تكليف مالك المال إخراج طائفة منه كسرا للنفس ومنعا من انصبابها ~~بالكلية إليه. فإيجاب الزكاة علاج صالح لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب وهو ~~المراد من قوله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم أي عن دنس الاستغراق في حب ~~المال. وأيضا إن كثرة الأموال توجب القوة والقدرة والشدة، وتزايد تلك ~~اللذات يدعو الإنسان إلى تحصيل الأموال المتزايدة فتصير ms2307 المسألة دورية لا ~~مقطع لها ولا آخر فأثبت الشرع لها مقطعا وآخرا وهو صرف طائفة من المال في ~~طلب مرضاة الله ليصرف النفس عن ذلك الطريق الظلماني الذي لا آخر له ويفضي ~~في الأغلب إلى الطغيان وقساوة القلب. # وأيضا النفس الناطقة لها قوتان: نظرية وكمالها في التعظيم لأمر الله، ~~وعملية وكمالها في # PageV03P493 # الشفقة على خلق الله فأوجب الله الزكاة ليتصف جوهر الروح بهذا الكمال ~~ويصير بسبب ذلك محسنا إلى الخلق، وإذا أحسن إليهم أمدوه بالدعاء والهمة. ~~وأيضا المال سمي مالا لكثرة ميل كل أحد إليه وهو غاد ورائح سريع الزوال ~~مشرف على التلف والبوار، فإذا أنفقه لوجه الله بقي بقاء لا يمكن زواله. وفي ~~إنفاق المال تشبه بالمجردات والمفارقات وليس الغنى إلا عن الشيء لا به لأن ~~الاستغناء عن الشيء صفة الحق والاستغناء بالشيء صفة المخلوقين العاجزين، ~~ففي الأمر بالزكاة نقل للإنسان من درجة أدنى إلى درجة أعلى. # وأيضا للإنسان روح وبدن ومال فإذا بذلك الروح في الاستغراق في بحار معرفة ~~الله، وبذل البدن في العبودية لله والصلاة له فكيف يليق به أن لا يبذل ~~المال في ابتغاء مرضاته؟! وأيضا إذا فضل المال عن قدر الحاجة وحضر إنسان ~~آخر محتاج فههنا حصل سببان كل واحد منهما يوجب تملك ذلك المال، أما في حق ~~المالك فهو أنه سعى اكتسابه وتحصيله وتعلق قلبه به، وأما في حق الفقير ~~فلاحتياجه الموجب للتعلق به فلما وجد هذان السببان المتدافعان اقتضت حكمة ~~الشارع رعاية كل منهما بقدر الإمكان. ورجح جانب المالك لأن له حق الاكتساب ~~وحق التعلق فأبقى عليه الكثير وأمر بصرف جزء يسير إلى الفقير توفيقا بين ~~الأمرين وجمعا بين المصلحتين مع رعاية المال عن التعطيل فلا معطل في ~~الوجود. # وأيضا الأغنياء خزان الله لأن المال مال الله وهم عبيده ولولا أنه ألقاها ~~في أيديهم لما ملكوا منها حبة، فكم من عاقل لا يملك ملء بطنه، وكم من غافل ~~تأتيه الدنيا عفوا صفوا. وليس بمستبعد أن يقول الملك لخزانه اصرفوا طائفة ~~من مال خزانتي ms2308 إلى المحتاجين من عبيدي. وأيضا إن الأغنياء لو لم يلزموا ~~بإصلاح مهمات الفقراء فربما حملتهم شدة الحاجة على تحصيل المال من وجوه ~~منكرة كالسرقة ونحوها أو على الالتحاق بأعداء المسلمين. # وقال صلى الله عليه وسلم «الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر» # وكأن الله تعالى يقول للغني أعطيتك المال فشكرت فصرت من الشاكرين فأخرج ~~من يدك نصيبا منه حتى تصبر على فقدان المال فتصير من الصابرين، ويقول ~~للفقير ما أعطيتك الأموال الكثيرة فصبرت فصرت من الصابرين ولكني أوجبت على ~~الغني أن يصرف إليك طائفة من المال لتشكرني فتكون من الشاكرين. وأيضا أراد ~~الله سبحانه أن يكون الغني منعما على الفقير بما يؤديه إليه ويكون الفقير ~~منعما على الغني بما قبله منه ليحصل الخلاص في الدنيا من الذم والعار وفي ~~الآخرة من عذاب النار. # ثم حكى نوعا من فضائح المنافقين وهو أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على وجه الطعن والذم هو أذن # عن ابن عباس كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم # PageV03P494 # ويقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون ~~فنحلف له. فقال الجلاس بن سويد، نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول ~~فإنما محمد أذن سامعة فنزلت الآية. # وقال محمد بن إسحق بن يسار وغيره: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل ~~بن الحرث وكان رجلا أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وهو الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فليننظر إلى نبتل ~~بن الحرث» وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين فقيل له: ~~لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نأتيه ~~فنحلف له فيصدقنا. # وقال السدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن الصامت ووديعة ~~بن ثابت فأرادوا إن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وعندهم غلام من ~~الأنصار يدعى عامر بن قيس، فحقروه فتكلموا وقالوا إن كان ms2309 ما يقوله محمد حقا ~~لنحن شر من الحمير فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وإنكم لشر ~~من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا ~~أن عامرا كاذب وحلف عامر أنهم كذبة. وقال: اللهم لا تفرق بيننا حتى يتبين ~~صدق الصادق من كذب الكاذب فنزلت الآيتان. # قال علماء اللغة: الأذن الرجل الذي يصدق بكل ما يسمع ويقبل قول كل أحد ~~سمي بالجارحة التي هي آلة السماع كأن جملته أذن سامعة ومثله قولهم للربيئة ~~عين. وفسر إيذاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يقولون له أذن وذلك أنهم ~~قصدوا به المذمة وأنه ليس ذا ذكاء ولا بعيد غور بل هو سليم القلب سريع ~~الاغترار بكل ما يسمع. ويجوز أن يراد بالإيذاء أنواع أخر سوى هذا القول أي ~~يؤذونه بالغيبة والنميمة وسائر أنواع الأذية ويقولون في وجه الاعتذار عن ~~ذلك هو أذن يقبل كل ما يسمع، فنحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا فيرضى، ثم ~~إنه سبحانه أجاب عن قولهم فقال قل أذن خير لكم بالإضافة كقولهم: رجل صدق ~~يريدون الجودة والصلاح. ومجوز الإضافة هو الملابسة كأنه قيل: # نعم هو أذن ولكن نعم الأذن إذ أريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب ~~سماعه وقبوله وليس بإذن في غير ذلك ويؤيده قراءة حمزة رحمة بالجر عطفا عليه ~~عطف الخاص على العام أي هو أذن خير ورحمة لا يسمع ولا يقبل غيرهما. ثم بين ~~كونه أذن خير بأنه يؤمن بالله أي يقر به ويعترف بوحدانيته لما قام عنده من ~~الأدلة ويؤمن للمؤمنين يسلم لهم قولهم لوثوقه بقولهم وعلمه بإخلاصهم لا ~~لكونه من أهل الغرة والبله وهو رحمة للذين آمنوا منكم باللسان دون الجنان ~~لأنه يجري أمركم على الظاهر ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم فإن الله هو ~~الذي يتولى السرائر ولهذا ختم الآية بقوله والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم وأما من قرأ أذن خير بالرفع فيهما فعلى أن الإذن # PageV03P495 # خبر مبتدأ محذوف وخير كذلك أي ms2310 هو أذن هو خير. والمعنى هو أذن موصوف ~~بالخيرية في حقكم لأنه يقبل معاذيركم ويتغافل عن جهالاتكم فتحفظ بذلك ~~دماؤكم وأموالكم. وقيل: التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا ~~الطعن الفاسد. ثم ذكر بعده ما يدل على فساد هذا الطعن وهو قوله يؤمن بالله ~~إلى آخره. ووجه ثالث ذكره صاحب النظم واستحسنه الواحدي وهو أن قوله أذن وإن ~~كان رافعا في الظاهر لكنه نصب في الحقيقة على الحال وتأويله: قل هو أذنا ~~خير لكم. # ذكر أن من قبائح المنافقين إقدامهم على الإيمان الكاذبة فقال يحلفون ~~بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه أي كان من الواجب أن يرضوا ~~الله تعالى بالإخلاص والتوبة لا بإظهار ما يستسرون خلافه. وإنما لم يقل ~~يرضوهما تعظيما لله بالإفراد بالذكر، أو المراد والله أحق أن يرضوه ورسوله ~~كذلك، أو وقع الاكتفاء بذكر الله لأن رضا الله ورضا رسوله شيء واحد كما ~~يقال إحسان زيد وإجماله بعثني ومعني إن كانوا مؤمنين أي بزعمهم. ثم وبخهم ~~بقوله ألم يعلموا وذلك أنه يقال ذلك لمن تتولع في تعليمه مدة ثم لم يظهر ~~عليه أثر العلم والرشد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم طال مكثه فيهم وكثر ~~تحذيره عن المعصية وترغيبه في الطاعة. والضمير في قوله أنه للشأن وفائدته ~~مزيد التعظيم والتهويل. والمحادة المخالفة لأن كلا منهما في حد غير حد ~~صاحبه كالمشاقة لأن كلا منهما في شق آخر. وقال أبو مسلم: هي من الحديد حديد ~~السلاح. ثم ذكر في الجزاء قوله فأن له بالفتح أي فحق أن له نار جهنم وقيل ~~«أن» مكرر للتأكيد والتقدير فله نار جهنم. وقيل «فإن» معطوف على «أنه» ~~وجواب من محذوف وهو يهلك. قال الزجاج: يجوز كسر «أن» على الاستئناف بعد ~~الفاء ولكن القراءة بالفتح. # ونقل الكعبي في تفسيره أنه قرىء بالكسر. # قال السدي: قال بعض المنافقين: والله لوددت إني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ~~ينزل فينا شيء فيفضحنا فأنزل الله تعالى يحذر المنافقون وقال مجاهد: كانوا ~~يقولون القوم ms2311 بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا فنزلت. ~~والضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين وفي قلوبهم للمنافقين، ويجوز أن تكون ~~الضمائر كلها للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ~~وكأنها تخبر عما في بواطنهم وتذيع عليهم أسرارهم. قيل: المنافق كافر فكيف ~~يحذر نزول الوحي لأنه غير قائل به؟ وأجيب بأنهم عرفوا ذلك بالتجربة أو ~~كفرهم كان كفر عناد أو كانوا شاكين في صحة نبوته والشاك في أمر خائف من ~~وقوعه، أو هذا الخبر في معنى الأمر أي ليحذر المنافقون. عن أبي # PageV03P496 # مسلم أنهم أظهروا هذا الحذر على سبيل الاستهزاء ولهذا أجابهم الله بقوله ~~استهزؤا وهو أمر تهديد إن الله مخرج ما تحذرون مظهر ما تحذرونه من نفاقكم ~~أو محصل إنزال السورة لأن الشيء إذا حصل بعد عدم فكأن فاعله أخرجه من العدم ~~إلى الوجود. قوله ولئن سألتهم الآية. # عن ابن عمر أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك. ما رأيت مثل هؤلاء ~~الفراء أرغب بطونا أي أوسع ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعني رسول ~~الله وأصحابه. فقال واحد من المؤمنين: كذبت وأنت منافق. ثم ذهب ليخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنا كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: ~~رأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة ~~تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أبا ~~لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن؟ ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه. # وقال الحسن وقتادة: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك ~~وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن ~~يفتتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات. فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك ~~فقال: احبسوا ms2312 علي الركب فأتاهم فقال: قلتم كذا وكذا فقالوا: يا رسول الله ~~إنما كنا نخوض ونلعب. # قال الواحدي: أصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى أطلق ~~على كل دخول فيه تلويث وأذى أي كنا نخوض في الباطل كما يخوض الركب لقطع ~~الطريق. ثم أمر نبيه بأن يقول في جوابهم أبالله أي بتكاليفه أو بأسمائه أو ~~بقدرته حيث استبعدتم إعانته النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على فتح قصور ~~الشام وآياته يعني القرآن ورسوله كنتم تستهزؤن لم يعبأ باعتذارهم فجعلوا ~~كأنهم معترفون بوقوع الاستهزاء منهم فأوقع الإنكار على الاستهزاء بالله بأن ~~أولى الاستفهام الذي يفيد التقرير المستهزأ به ولم يقل «أتستهزؤن بالله» . ~~ثم قال: لا تعتذروا نقل الواحدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر ~~الذنب أو قطعه من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس. # واعتذرت المياه إذا انقطعت، ومنه عذرة الجارية لأنها تعذر أي تقطع. ~~والعذر سبب لقطع اللوم، نهاهم الله عن الاعتذار بالخوض واللعب لأن الشيء ~~الذي يوجب الكفر لا يصلح للعذر. ثم بين ذلك بقوله قد كفرتم أي صريحا بعد ~~إيمانكم أي بعد الإيمان الذي أظهرتموه. وفيه أن الاستهزاء بالدين كيف كان ~~كفر بالله صريح لأن العمدة الكبرى في الإيمان هو التعظيم لأمر الله ~~ولشرائعه. إن نعف عن طائفة منكم ذكر المفسرون أنهم كانوا ثلاثة، استهزأ ~~اثنان وضحك الثالث، ولما كان ذنب الضاحك أخف لأنه لم يوافق # PageV03P497 # القوم في الكفر فلا جرم عفا الله عنه. وفيه إشارة إلى أنه من خاض في عمل ~~باطل فعليه أن يجتهد في التقليل ويحذر من الانهماك فإنه يرجى له ببركة ذلك ~~القليل أن يعفو الله عنه الكل. قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة لأنها ~~المقدار الذي يمكنه أن يطيف بالشيء، ثم يجوز أن يسمى الواحد بالطائفة قال ~~تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] وأقله الواحد. وروى ~~الفراء بإسناده عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الواحد فما فوقه. ووجه بأن من ~~اختار مذهبا فإنه ينصره ويذب عنه من كل ms2313 الجوانب فلا يبعد أن يسمى طائفة ~~بهذا السبب والتاء للمبالغة. وقال ابن الأنباري: العرب قد توقع لفظ الجمع ~~على الواحد وقال تعالى الذين قال لهم الناس [آل عمران: 173] يعني نعيم بن ~~مسعود. ثم علل كونه معذبا للطائفة الثانية بأنهم كانوا مجرمين أي مصرين ~~مستمرين على الجرم، ويجوز أن يكون سبب العفو عن الطائفة الأولى إحداثهم ~~التوبة وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ويجوز أن يراد بالعذاب العذاب العاجل. ~~ومن قرأ أن يعف على البناء للمفعول والتذكير فلأنه مستند إلى الظرف كما ~~تقول: سير بالدابة دون سيرت. # وقرىء بالتأنيث ذهابا إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة. # ثم ذكر جملة أحوال المنافقين وأن إناثهم في ذلك كذكورهم فقال المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض أي في صفة النفاق وأريد به نفي أن يكونوا من ~~المؤمنين وتكذيبهم في قولهم إنهم لمنكم وتقرير قوله وما هم منكم ثم فصل ذلك ~~المجمل ببيان مضادة حالهم الحال المؤمنين فقال يأمرون بالمنكر وهو كل قبيح ~~عقلا أو شرعا وأعظم ذلك تكذيب الله ورسوله. وينهون عن المعروف وهو كل حسن ~~عقلا أو شرعا وأعظم ذلك الإخلاص في الإيمان ويقبضون أيديهم عن كل خير أو عن ~~كل واجب كصدقة أو زكاة أو اتفاق في سبيل الله، وهذا أولى ليتوجه الذم ~~بتركه. وقبض الأيدي كناية عن الشح والبخل كبسطها في الكرم والسخاء نسوا ~~الله أغفلوا أمره وتركوا ذكره وذلك أن النسيان الحقيقي لا يتوجه عليه الذم ~~فنسيهم جازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته وهذا على سبيل ~~المزاوجة والطباق. وإنما جعل النسيان عبارة عن ترك الذكر لأن من نسي شيئا ~~لم يذكره فدل بذكر الملزوم على اللازم. ثم قال إن المنافقين هم الفاسقون ~~وفيه دليل على أنهم هم الكاملون في الفسق وأن على المسلم أن يحترز عما ~~يكسبه هذا الاسم. ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر فقال وعد الله الآية ~~ومعنى خالدين فيها مقدرين الخلود فيها قاله في الكشاف ويحتمل أن يراد ~~مستأهلين للخلود هي حسبهم كافيهم في الجزاء والإيلام ms2314 ومع ذلك فقد لعنهم ~~الله ليكون العذب مقرونا # PageV03P498 # بالإهانة والطرد ولهم عذاب مقيم نوع آخر من العذاب الدائم سوى عذاب ~~النار، أو عذاب عاجل لا ينفكون عنه من تعب النفاق والخوف من افتضاحهم. ثم ~~شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن ~~المعروف وقبض الأيدي عن الخيرات فقال ملتفتا من الغيبة إلى الخطاب كالذين ~~من قبلكم أي أنتم مثل الذين أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم. فعلى الأول ~~محل الكاف رفع وعلى الثاني نصب. ثم وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة ~~أي جسامة من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم وهو ~~ما خلق للإنسان أي قدر له من خير كما قيل له قسم لأنه قسم ونصيب لأنه نصب ~~أي أثبت. فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم قيل: ما ~~الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق ~~المنافقين ثانيا ثم تكريره في حق الأولين ثالثا؟ وأجيب بأنه تعالى ذم ~~الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وحرمانهم عن سعادة الآخرة ~~بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ، فلما قرر تعالى هذا الذم عاد فشبه حال ~~المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة. قال جار الله: نظيره أن ~~تقول لبعض الظلمة أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب وأنت تفعل مثل ~~فعله. وأما قوله وخضتم كالذي خاضوا فمعطوف على ما قبله مستند إليه مستغن ~~بإسناده إليه عن تلك التقدمة. ومعنى «كالذي» كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج ~~الذي خاضوا. وقيل: أصله كالذين فحذف النون. ثم بين أن أولئك الكفار لم يحصل ~~لهم إلا حبوط الأعمال أما في الدنيا فبسبب الفقر والانتقال من العز إلى ~~الذل ومن القوة إلى الضعف، وأما في الآخرة فلأنهم هلكوا وبادوا وانتقلوا ~~إلى العقاب الدائم وخسران الدارين. فهؤلاء المنافقون المشاركون لهم في هذه ~~الأعمال والفضائح مع ضعف بنيتهم وقلة عددهم وعددهم أولى بخزي الدارين وخسار ~~الأمرين. ### | التأويل: # إنما الصدقات وهي صدقات مواهب الله كما # قال صلى الله ms2315 عليه وسلم «ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا لله فيها صدقة ~~على من يشاء من عبادة الفقراء وهم الأغنياء بالله الذين فنوا عنهم وبقوا ~~به» # والمساكين الذين لهم بقية أوصاف الوجود ألقوا سفينة القلب في بحر الطلب ~~وقد خرقها خضر المحبة وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا [الكهف: # 73] والعاملين عليها وهم أرباب الأعمال كما كان الفقراء والمساكين أرباب ~~الأحوال والمؤلفة قلوبهم الذين تتألف قلوبهم بذكر الله وفي الرقاب الذين ~~يريدون أن يتخلصوا عن رق الموجودات تحر لعبودية موجدها. والمكاتب عبد ما ~~بقي عليه درهم. # والغارمين الذين استقرضوا من مراتب المكونات أوصافها وطبائعها وخواصها ~~وهم # PageV03P499 # محبوسون في سجن الوجود فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص عن حبس الوجود ~~وفي سبيل الله المجاهدين الجهاد الأكبر مع كفار النفوس والهوى والشيطان ~~والدنيا وابن السبيل المسافرون عن أوصاف الطبيعة وعالم البشرية، السائرون ~~إلى الله على أقدام الشريعة والطريقة فريضة من الله أوجبها على ذمة كرمه ~~كما قال «ألا من طلبني وجدني» والله عليم بطالبيه حكيم في معاونتهم بعد ~~الطلب كقوله «من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا» ويقولون هو أذن رأوا ~~محامده بنظر المذمة والعيب قل أذن خير لكم أي سامعيته خير لكم لأن له مقام ~~السامعية يسمع ما يوحى إليه يؤمن بالله عيانا ويؤمن للمؤمنين لأن فوائد ~~إيمانه تعود إليهم كما تعود إلى نفسه ورحمة للذين آمنوا لأنهم يهتدون بهداه ~~والذين يؤذون رسول الله بأقوالهم وأفعالهم وأحوالهم يحذر المنافقون والحذر ~~لا يغني عن القدر إن نعف عن طائفة إظهارا للفضل والرأفة نعذب طائفة إظهار ~~للقهر والعزة ولكن إظهار اللطف بلا سبب. وإظهار القهر لا يكون إلا بسبب ~~أنهم كانوا مجرمين وبعضهم من بعض لأن أرواحهم كانت في صف واحد في الأزل ~~فمعاملاتهم من نتائج خصوصيات أرواحهم نسوا الله ولو ذكروه قبل الإتيان ~~بالمعاصي لم يفعلوا ما فعلوا، ولو ذكروه بعد الإتيان لاستغفروا فغفر لهم هي ~~حسبهم لأنها نصيبهم في الأزل كانوا أشد منكم قوة بالاستعداد الفطري وضيعوها ~~في الاستمتاع العاجل فخسروا ms2316 رأس المال ولم يربحوا. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 70 الى 79] # ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب ~~مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون (70) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك ~~سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله ~~أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (73) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا ~~كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن ~~أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله ~~عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير (74) # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب (78) الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ~~منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) # PageV03P500 ### | القراآت: # والمؤتفكات وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع وورش ويزيد والحلواني عن ~~قالون والأعشى وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # والمؤتفكات ط بالبينات ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب. # يظلمون ه أولياء بعض م لما مر. ورسوله ط سيرحمهم الله ط حكيم ه عدن ط ~~أكبر ط العظيم ه واغلظ عليهم ط جهنم ط المصير ه ما قالوا ط لم ينالوا ج من ~~فضله ط خيرا لهم ج والآخرة ج ولا نصير ه من الصالحين ه معرضون ه يكذبون ه ~~علام الغيوب ه ج لاحتمال النصب أو الرفع على الذم. وكونه بدلا من ms2317 الضمير في ~~نجواهم فيسخرون منهم ط. # سخر الله منهم ط لإتمام الجزء مع اختلاف النظم. أليم ه. ### | التفسير: # لما شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في تكذيب الأنبياء والاشتغال ~~بالنعيم الزائل بين أن أولئك الكفار من هم فذكر ست طوائف سمع العرب أخبارهم ~~لأن بلادهم- وهي الشام- قريبة من بلادهم وقد بقيت آثارهم مشاهدة، ولهذا صدر ~~الكلام بحرف الاستفهام للتقرير. فأولهم قوم نوح وقد أهلكوا بالإغراق، ~~وثانيهم: قوم عاد وأهلكوا بالريح العقيم، وثالثهم: ثمود وأخمدوا بالصيحة، ~~ورابعهم: قوم إبراهيم سلط الله عليهم البعوض وكفى شر ملكهم وهو نمرود ~~ببعوضة واحدة سلطها على دماغه، وخامسهم: # أصحاب مدين قوم شعيب أخذتهم الرجفة، وسادسهم: أصحاب المؤتفكات قوم لوط ~~أمطر الله عليهم الحجارة بعد أن جعل مدائنهم عاليها سافلها. والائتفاك ~~الانقلاب سميت مدائنهم بذلك لأن الله تعالى قلبها عليهم. ويمكن أن يراد ~~بالمؤتفكات الناس لانقلاب أحوالهم من الخير إلى الشر. ثم قال أتتهم رسلهم ~~بالبينات أي بالمعجزات ولا بد بعد هذا من إضمار والتقدير فكذبوهم فأهلكهم ~~الله. فما كان الله ليظلمهم قالت المعتزلة: # أي ما صح منه الظلم ولكنهم استحقوا ذلك بسبب كفرهم، وقد مر الكلام في ~~أمثال ذلك. # ثم بين أن شأن المؤمنين في الدنيا والآخرة بخلاف المنافقين فقال ~~والمؤمنون الآية قال بعض العلماء: إنما قال هاهنا أولياء بعض وهناك من بعض ~~[الآية: 66] لأن نفاق # PageV03P501 # أتباع المنافقين حصل بسبب التقليد لأكابرهم بمقتضى الطبع والعادة بخلاف ~~الموافقة بين المؤمنين فإنها بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق ~~والهداية. وأقول: كون بعض المنافقين من بعض يوجب اشتراكهم في أمر من الأمور ~~بالجملة كالدار أو حكم من الأحكام الشرعية أو سيرة وطريقة وهذا هو المقصود، ~~ولكنه يحتمل أن يكون تكلفا أو بطريق النفاق لأن سببه انعقاد غرض من الأغراض ~~الدنيوية العاجلة فذكر الله تعالى اشتراكهم في ذلك بلفظ «من» لمكان ~~الاحتمال المذكور. وأما تشارك المؤمنين في السيرة فلما كان سببه الإخلاص ~~والعصبية للدين والاجتماع على ما يفضي إلى سعادة الدارين كانت الموالاة ~~بينهم محققة فصرح الله تعالى بذلك. ثم وصفهم بأضداد صفات ms2318 المنافقين فقال ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهاتان الصفتان بالنسبة إلى غيرهم. ثم ~~قال ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهاتان لهم في أنفسهم وهما بإزاء قوله في ~~صفة المنافقين ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ~~[التوبة: 54] . # ثم وصفهم بالطاعة على الإطلاق فقال ويطيعون الله ورسوله أي في كل ما ~~يأتون ويذرون. ثم ذكر ما أعد لهم من الثواب على سبيل الإجمال فقال أولئك ~~سيرحمهم الله والسين تفيد المبالغة في إنجاز الوعد بالرحمة كما يؤكد الوعيد ~~به إذا قلت سأنتقم منك يوما يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك. ثم ختم ~~الآية بقوله إن الله عزيز حكيم وفيه ترغيب للمؤمنين وترهيب للكافرين لأن ~~العزيز هو من لا يمنع من مرادة في عباده من رحمة أو عقوبة. والحكيم هو الذي ~~يدبر عباده على وفق ما يقتضيه العدل والصلاح. ثم فصل ما أجمل من الرحمة ~~بقوله وعد الله المؤمنين لآية. وقد كثر كلام أصحاب الآثار في معنى جنات عدن # فقال الحسن: سألت عمران بن الحصين وأبا هريرة عن ذلك فقالا: # على الخبير سقطت سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هو قصر في ~~الجنة من اللؤلؤ وفيه سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من ~~زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا على كل فراش ~~زوجة من الحور العين، وفي كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من ~~الطعام، وفي كل بيت سبعون وصيفة يعطى المؤمن من القوة ما يأتي على ذلك ~~أجمع» . # وعن ابن عباس أنها دار الله لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر. وقال ابن ~~مسعود: جنات عدن بطنان الجنة أي وسطها قاله الأزهري. وبطنان الأودية ~~المواضع التي يستنقع فيها السيل واحدها بطن. وقال عطاء عن ابن عباس: هي ~~قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن وهي المدينة التي فيها الرسل والأنبياء ~~والشهداء وأئمة الهدى. وسائر الجنات حولها. وفيها عين التسنيم وفيها قصور ~~الدر والياقوت والذهب. ms2319 فتهب الريح من تحت العرش فتدخل عليها كثبان المسك ~~الأبيض. # PageV03P502 # وقال عبد الله بن عمر: وإن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج وله ~~خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو ~~شهيد. وفي هذه الأخبار دلالة على أن عدنا علم ويؤيده قوله جنات عدن التي ~~وعد الرحمن عباده بالغيب [مريم: 61] ولو لم يكن علما لم يوصف بالمعرفة. ولا ~~ريب أن أصله صفة من قولك عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن للمكان الذي ~~تخلق فيه الجواهر. وعلى هذا فالجنات كلها جنات عدن. إلا أن يغلب الاسم على ~~بعضها. ورضوان من الله شيء يسير من رضاه أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل ~~فوز وكرامة وكل خطب مع رضا المولى هين، وكل نعيم مع سخطه منغص. وفيه دليل ~~على أن السعادات الروحانية أعلى حالا وأشرف مآلا من السعادات الجسمانية بل ~~لانسبة لتلك اللذة والابتهاج إلى هذه على أن الاعتراف بالسعادات الجسمانية ~~واجب من حيث الشرع ذلك الموعود والرضوان هو الفوز العظيم وحده دون ما يعده ~~الناس فوزا. # في الحديث «إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ومالنا لا ~~نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك ~~قالوا وأي شيء أفضل من ذلك قال أدخل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» «1» # ثم عاد مرة أخرى إلى شرح أحوال المنافقين فقال يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم قال الضحاك: أي جاهد الكفار واغلظ على المنافقين ~~لأن المنافق لا تجوز محاربته في ظاهر الشرع. وضعف بأن النسق يأباه. وقيل: ~~المراد بهؤلاء المنافقين هم الذين عرفه الله حالهم فصاروا كسائر الكفرة ~~فجاز قتالهم، وزيف بأنه وإن علم حالهم بالوحي إلا أنه مأمور بأن يحكم ~~بالظاهر والقوم كانوا يظهرون الإسلام فكيف يجوز قتالهم؟ والصحيح أن الجهاد ~~بذل المجهود في حصول المقصود وهو شامل للسيف واللسان، فالمراد جاهد الكفار ~~بالسيف والمنافقين بالحجة واغلظ عليهم ms2320 في الجهادين جميعا عن ابن مسعود: إن ~~لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه، فإن لم يستطع فبقلبه ~~بأن يكرهه ويبغضه ويتبرأ منه. وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود ~~عليهم إذا تعاطوا أسبابها. واعترض عليه بأن إقامة الحدود واجبة على كل فاسق ~~فلا يكون لهذا تعلق بالنفاق. واعتذر عنه بأنه قال ذلك لأن عنده أن كل فاسق ~~منافق أو PageV03P503 # لأن الغالب ممن يقام عليه الحد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كونه ~~منافقا. # قال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، ~~وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟ ~~فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك فأنزل الله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر وعن قتادة أن رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار ~~فظهر الغفاري على الجهني فنادى عبد الله بن أبي يا بني الأوس انصروا أخاكم ~~فو الله ما مثلنا محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك وقال لئن رجعنا ~~إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل [المنافقون: 8] فسعى بها رجل من ~~المسلمين إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما ~~قال فنزلت الآية. # ومعنى قوله وكفروا بعد إسلامهم أنهم أظهروا الكفر بعد ما كانوا يظهرون ~~الإسلام. أما قوله وهموا بما لم ينالوا فهو الفتك برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند مرجعه من تبوك، وذلك أنه توافق خمسة عشر رجلا منهم على أن يدفعوه ~~عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، وكان عمار بن ياسر أخذ بخطام ~~راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبيناهم كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف ~~الإبل وبقعقعة السلام فالتفت فإذا هم قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا ~~أعداء ms2321 الله فهربوا. وقيل: هم المنافقون بقتل عامر بن قيس لرده على الجلاس ~~بن سويد وقد مر في تفسير قوله يحلفون بالله لكم ليرضوكم [التوبة: 62] وقيل: ~~أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وما نقموا وما أنكروا وما عابوا إلا أن أغناهم كقول القائل. # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ~~فظفروا بالغنائم وجمعوا الأموال. # وروي أنه قتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني ~~عشر ألفا فاستغنى، # ثم استعطف قلوبهم بعد صدور هذه الجنايات العظيمة عنهم فقال فإن يتوبوا بك ~~يعني ذلك الرجوع خيرا لهم وكان الجلاس ممن تاب فحست توبته وإن يتولوا ~~يعرضوا عن التوبة يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا بالقتل والسبي واغتنام ~~الأموال. وقيل: بما ينالهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب. وقيل: في ~~القبر وأما عذاب الآخرة فمعلوم وما لهم في الأرض يحتمل أرض الدنيا وأرض ~~القيامة. # ثم بين أن هؤلاء كما ينافقون الرسول والمؤمنين فكذلك ينافقون ربهم فيما ~~يعاهدونه # PageV03P504 # عليه فقال ومنهم من عاهد الله # يروى عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالا فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي ~~شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل ~~نبي الله، فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال فضة وذهبا لسارت. ~~فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله أن يرزقني مالا لأوتين كل ذي حق حقه. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالا. فاتخذ غنما ~~فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها ونزل واديا من أوديتها ~~حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت حتى ترك ~~الصلوات إلا ms2322 الجمعة، وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فسأل عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر خبره فقال: يا ويح ثعلبة ثلاثا وأنزل ~~الله عز وجل خذ من أموالهم صدقة [التوبة: 103] فبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلين على الصدقة رجلا من جهينة ورجلا من بني سليم، وكتب لهما ~~كيف يأخذان الصدقة وقال لهما. مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا ~~صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما ~~هذا، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودان إلي. فانطلقا وأخبرا السلمي فنظر إلى خيار ~~أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا: ما يجب هذا ~~عليك وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى خذوه فإن نفسي بها طيبة. فأخذوها ~~منه ثم رجعا على ثعلبة فقال: أروني كتابكما ثم قال: # ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة قبل أن يكلمهما ودعا للسلمي ~~بالبركة ثم نزلت الآية وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ~~ثعلبة، فخرج إليه وقال: يا ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا. # فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته ~~فقال: إن الله قد منعني أن أقبل منك صدقتك. فجعل يحثو التراب على رأسه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني. فلما أبى أن ~~يقبل منه شيئا رجع إلى منزله وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل ~~منه شيئا، ثم أتى أبا بكر حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وموضعي من الأنصاري فاقبل صدقتي. فقال: لم يقبلها رسول ~~الله وأنا أقبلها؟ فقبض أبو بكر وأبى أن يقبلها، ثم جاء بها إلى ms2323 عمر في ~~خلافته فلم يقبلها في خلافة عثمان ولم يقبل صدقته واحد من الخلفاء اقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. # وأقول وما ذاك إلا بشؤم اللجاج أولا وآخرا. قال بعض العلماء: المعاهدة ~~أعم من أن تكون باللسان أو بالقلب. وقال المحققون: إنه لا بد من التلفظ بها ~~لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به نفوسهم ~~ولم # PageV03P505 # يتلفظوا به» «1» # ولأن قوله عز من قائل ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ظاهره ~~مشعر بالقول اللساني. والمراد بالفضل إيتاء المال بطريق التجارة أو ~~الاستغنام ونحوهما. وأصل لنصدقن لنتصدقن أدغمت التاء في الصاد. والمصدق ~~المعطي لا السائل كقوله تعالى وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين [يوسف: ~~88] ومعنى قوله ولنكونن من الصالحين عن ابن عباس أنه أراد الحج. ولعل ~~المراد إخراج كل ما يجب إخراجه إذ لا دليل على التقييد. ثم وصفهم بصفات ~~ثلاث فقال فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فالبخل عبارة عن ~~منع الحق الشرعي، والتولي نقض العهد، والإعراض أراد به الإحجام عن تكاليف ~~الله وأن ذلك منهم عادة معتادة، ولترتب هذا الذم عل أمنع الصدقة ولإطلاق ~~لفظة البخل عليه وهو في عرف الشرع عبارة عن منع الواجب. ذكر العلماء أن ~~الصدقة الملتزمة في قوله لنصدقن هي الصدقة الواجبة. وأن الرجل قد عاهد ربه ~~أن يقوم بما يلزمه من الإنفاقات الواجبة. إن وسع الله عليه دون ما يلتزمه ~~الإنسان بالنذر من المندوبات إذ لا دليل في الآية على ذلك مع أن سبب النزول ~~يأباه. فإن قيل: الزكاة لا تلزم بسبب الالتزام وإنما تلزم بسبب ملك النصاب ~~وحلول الحول. قلنا إن قوله لنصدقن لا دليل فيه على الفور بل المراد لنصدقن ~~في وقته الذي يليق به. وفي الآية دلالة على أن الرجل حين عاهد بهذا العهد ~~كان مسلما ثم إنه لما بخل بالمال ولم يف بالعهد صار منافقا ويؤكده قوله ~~سبحانه فأعقبهم نفاقا عن الحسن وقتادة أن أعقب ms2324 مسند إلى ضمير البخل أي ~~أورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم لأنه كان سببا فيه وباعثا عليه، وكذا ~~التأويل إن جعل عائدا إلى التولي أو الإعراض. وضعت بأن حاصل هذه الأمور ~~كونه تاركا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثرا في حصول النفاق فى القلب ~~لأن ترك الواجب عدم والنفاق جهل وكفر وهو أمر وجودي والعدم لا يؤثر في ~~الوجود، ولأن هذا الترك قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه ~~النفاق، ولأنه لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان الترك جائزا ~~شرعا أو محرما فسبب اختلافات الأحكام الشرعية لا يخرج السبب عن كونه مؤثرا، ~~ولأن البخل أو التولي أو الإعراض هو بعينه خلاف ما وعدوا الله به فيصير ~~تقدير الآية إن التولي أوجب النفاق بسبب التولي وهذا كلام كما ترى فلم يبق ~~إلا أن يسند الفعل إلى الله تعالى فيكون فيه دليل PageV03P506 # على أن خالق الكفر في القلوب هو الله، ومن هنا قال الزجاج: معناه أنهم ~~لما ضلوا في الماضي فالله تعالى يضلهم عن الدين في المستقبل ومما يؤكد ~~القول بأن الضمير في فأعقبهم لله أن الضمير في قوله إلى يوم يلقونه عائد ~~إلى الله. وللمعتزلة أن يقولوا: # النفاق وإن سلم أنه وجودي لكنه أمر شرعي ولا يبعد جعل شيء عدمي أمارة ~~عليه. وأيضا الترك المقرون بالتولي والإعراض لا نسلم أنه لا يحصل معه ~~النفاق، ولا يلزم من كون الترك المحرم موجبا للكفر بجعل الشارع كون الترك ~~الجائز كذلك، ولا نسلم أن البخل هو بعينه إخلاف الوعد والكذب بل قد يقع ~~البخل من غير سبق وعد. سلمنا عود الضمير إلى الله لكن من أين يلزم كونه ~~خالقا للكفر والنفاق، ولم لا يجوز أن يراد فأعقبهم الله العقوبة على النفاق ~~بإحداث الغم في قلوبهم وضيق الصدور ما ينالهم من الذل والخوف، أو يراد ~~فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا؟ ~~ولأهل السنة أن يقولوا هذا عدول عن الظاهر ms2325 مع أن الدلائل الدالة على وجوب ~~انتهاء الكل إلى مشيئة الله وتقديره تعضد ما قلناه. قال العلماء: ظاهر ~~الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق، فعلى المسلم أن يبالغ ~~في الاحتراز عنه. ومذهب الحسن البصري أن نقض العهد يوجب النفاق لا محالة ~~تمسكا بهذه الآية # وبقوله صلى الله عليه وسلم «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم ~~أنه مؤمن إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» «1» # وقال عطاء بن أبي رباح: حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنما ذكر قوله «ثلاث من كن فيه فهو منافق» في المنافقين خاصة ~~الذين حدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوه واؤتمنوا على سره فخانوه ~~ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه. # ونقل أن عمرو بن عبيد فسر الحديث فقال: إذا حدث عن الله كذب عليه وعلى ~~دينه ورسوله، وإذا وعد أخلف كما ذكره الله فيمن عاهده، وإذا اؤتمن على دين ~~الله خان في السر وكان قلبه على خلاف لسانه. ونقل أن واصل بن عطاء أرسل إلى ~~الحسن رجلا فقال: إن أولاد يعقوب حدثوه في قولهم فأكله الذئب [يوسف: 17] ~~فكذبوا، ووعدوه في قولهم وإنا له لحافظون [يوسف: 12] فأخلفوا وائتمنهم ~~أبوهم على يوسف فخانوه، فهل تحكم بكونهم منافقين؟ فتوقف الحسن في مذهبه. ~~قال أهل التفسير: قوله إلى يوم يلقونه دل على أن ذلك المعاهد يموت على ذلك ~~وكان كما أخبر فيكون إخبارا بالغيب ومعجزا. قال الجبائي: هذا اللقاء لا شك ~~أنه ليس بمعنى الرؤية لأن الكفار لا يرونه بالاتفاق فدل على PageV03P507 # أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا ~~اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله الذين يظنون ~~أنهم ملاقوا ربهم [البقرة: 46] . # ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم الله وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم ~~فقال ألم يعلموا الآية. والسر ما ينطوي عليه الصدر، والنجوى ما يكون بين ~~اثنين وأكثر ms2326 مع الإخفاء عن غيرهم. والترتيب يدل على التخليص كما مر في ~~الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه خلصوا نجيا [يوسف: 80] ومعنى ~~الآية كيف تتجرؤون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما ~~بينهم مع أنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما ~~يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض؟! # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحثهم على أن ~~يجمعوا الصدقات، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل ~~الله وأمسكت نصفها لعيالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله ~~لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك الله في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف ~~امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وقيل صولحت ~~إحداهما على ثمانين ألفا. وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من ~~تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي ~~من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر، أمسكت أحدهما لعيالي ~~وأقرضت الآخر لربي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في الصدقات ~~فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء وسمعة، وأما ~~أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر والله غني عن صاعه فأنزل ~~الله سبحانه الذين يلمزون المطوعين # أي المتطوعين فأدغمت. والتطوع التنفل وهو الطاعة لله بما ليس بواجب. # والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل، قاله الليث. وقال الفراء: ~~الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم. وفرق ابن السكيت بينهما فقال: الجهد ~~بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. وقال الشعبي: الأول في العمل والثاني في ~~القوة سخر الله منهم خير لا دعاء كقوله الله يستهزئ بهم [البقرة: 15] وقد ~~عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل ~~والهوان بهم. وقال الأصم: ms2327 المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا ~~يثيبهم عليه، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم ~~بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف # PageV03P508 # وعاصم حكم على بواطن الأمور وذلك أمر استأثر الله به ورسوله. وأيضا لمز ~~الفقير على جهد المقل سفه لأنه لما لم يقدر إلا عليه فقد بذلك كل ما له ~~فعلم منه غالبا أنه إن قدر على أكثر من ذلك لم يكن منه منع، وسعي الإنسان ~~في أن يضم نفسه إلى أهل الخير والدين خير له من أن يضم نفسه إلى أهل الكسل ~~والبطالة، ولو لم تكن فيه إلا الثقة بالله والدخول في زمرة من يؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة لكفى به منقبة وفضلا. # التأويل بعضهم أولياء بعض لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في ~~عالم الأشباح يأمرون بالمعروف الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله ~~«فأحببت أن أعرف» وينهون عن المنكر وهو ما يقطع العبد عن الله ويقيمون ~~الصلاة الحقيقية ويؤتون الزكاة يعني ما فضل عن كفافهم الضروري ويطيعون الله ~~ورسوله بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى ومساكن طيبة على مراتب ~~النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين يا أيها النبي يعني القلب الذي له نبأ ~~من مقام الانباء جاهد النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس ~~المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن واغلظ عليهم في ~~المأخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا ومأواهم جهنم ~~القطيعة ولقد قالوا كلمة الكفر وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ ~~وهموا بما لم ينالوا أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشيخوخة قبل أوانها وما ~~نقموا إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق ~~حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليما ~~في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض ~~عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله ومنهم من عاهد الله باستعداده الفطري ~~لئن آتانا من ms2328 فضله جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال لنصدقن لنصرفن كل ما ~~أعطانا فيما أعطى لأجله إلى يوم يلقونه أي يلقون جزاء النفاق وأن الله علام ~~الغيوب يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلق ويعلم ما يستكن في قلوبهم ~~وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال الغيوب. سخر الله منهم ذكره بلفظ الماضي ليعلم ~~ان سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 80 الى 89] # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80) فرح ~~المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ~~(81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك ~~الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (83) ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون (84) # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85) وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين ~~آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ~~(88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم (89) # PageV03P509 ### | القراءات: # معي أبدا بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص والمفضل ~~معي عدوا بالفتح: حفص فقط. ### | الوقوف: # أو لا تستغفر لهم ط فلن يغفر الله لهم ط ورسوله ط الفاسقين ه في الحر ط ~~حرا م لأن المعنى لو كانوا يفقهون حرارة النار لما قالوا لا تنفروا في ~~الحر. ولو وصل لأوهم أن جهنم لا ms2329 يكون نارها أشد حرا إذا لم يفقهوا ذلك ~~يفقهون ه كثيرا ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولا له أو مصدر محذوف أي يجزون ~~جزاء يكسبون ه معي عدوا ط الخالفين ه على قبره ط فاسقون ه وأولادهم ط ~~كافرون ه القاعدين ه لا يفقهون ه وأنفسهم ط الخيرات ز لابتداء وعد الفلاح ~~على التعظيم بدليل تكرار أولئك مع اتفاق الجملتين. # المفلحون ه خالدين فيها ط العظيم ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس ان عند نزول الآية الأولى في المنافقين قالوا: يا رسول الله ~~استغفر لنا واشتغل بالاستغفار لهم فنزل استغفر لهم الآية، ومن المفسرين من ~~قال: إنهم طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم وإن الله نهاه ~~عنه. والنهي عن الشيء لا يدل على أن المنهي أقدم على ذلك الفعل. ثم إن ~~الدليل قد يدل على أنه ما اشتغل بالاستغفار لأن المنافق كافر، وقد ظهر في ~~شرعه ان الاستغفار للكافر غير جائز، ولأن الاستغفار للمنافق يجري مجرى ~~إغرائه على مزيد النفاق ولأنه يلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير ~~مجاب الدعوة وإن أكثر في الدعاء. ومن الفقهاء من قال: التخصيص بالعدد ~~المعين يدل على أن الحال # PageV03P510 # فيما وراء ذلك العدد بخلافه لما # روي أنه لما نزلت الآية قال صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين فنزل ~~سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم [المنافقون: 6] ~~فكف عنه. # فلولا أنه فهم بدليل الخطاب أن الأمر فيما وراء السبعين بالخلاف لم يقل ~~لأزيدن على ذلك. وأجيب بأنه أراد إظهار الرحمة والرأفة بأمته ودعاء لهم إلى ~~ترحم بعضهم لبعض لا أنه فهم منه ذلك، كيف وقد قال تعالى فلن يغفر الله لهم ~~وأردفه بقوله ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله. فليس المقصود بهذا العدد تحديد ~~المنع وإنما هو كقول القائل لمن يسأله حاجة: لو سألتني سبعين مرة لم أقضها. ~~ولهذا بين العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول وهي كفرهم وفسقهم، ~~وهذا المعنى قائم في ms2330 الزيادة على السبعين. # وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها هو أن السبعة عدد شريف لأنه عدد السموات ~~والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فضرب ~~السبعة في عشرة لأن الحسنة بعشر أمثالها. وقيل: خص بالذكر لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كبر على حمزة سبعين تكبيرة وكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~بإزاء تكبيراتك على حمزة. هذا وقد مر في تفسير قوله قل أنفقوا طوعا أو كرها ~~[التوبة: 53] أن هذا أمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت ~~لهم أم لا، وانتصاب سبعين على المصدر كقولك: ضربته عشرين ضربة. ثم ذكر نوعا ~~آخر من قبائح أفعالهم فقال فرح المخلفون قيل: إنهم احتالوا أن يتخلفوا وكان ~~الأولى أن يقال فرح المتخلفون. وأجيب بأنهم استأذنوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك، أو أريد خلفهم كسلهم ~~ونفاقهم والشيطان، أو المجاهدون لما لم يوافقوهم في القعود فكأنهم خلفوهم، ~~أو أطلق عليهم المخلفون باعتبار أنهم سيصيرون ممنوعين من الخروج في الآية ~~الآتية فإن رجعك الله إلى قوله ولن تقاتلوا معي عدوا ومعنى بمقعدهم بقعودهم ~~قاله مقاتل. أو بموضع قعودهم وهو المدينة قاله ابن عباس. ومعنى خلاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار ~~وأقاموا قاله قطرب والزجاج فانتصابه على أنه مفعول له أي قعد والأجل خلافه ~~أو على الحال مثل «فأرسلها العراك» أي مخالفين له. وقال الأخفش ويونس: ~~الخلاف بمعنى الخلف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن جهة ~~الأمام التي يقصدها الإنسان يخالفها جهة الخلف وكرهوا أن يجاهدوا كيف لا ~~يكرهون وليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإخلاص ومعهم صارف الكفر والنفاق؟ ~~وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين أموالهم وأرواحهم في الله المؤثرين ذلك على ~~الدعة والخفض. واعلم أن الفرح بالإقامة يدل على كراهية الذهاب إلا أنه صريح ~~بذلك للتوكيد، ولعل المراد أنه مال طبعهم إلى الإقامة لإلفهم بالبلد ~~واستئناسهم بالأهل والولد، وكرهوا الخروج إلى الغزو ms2331 لأنه تعريض بالنفس # PageV03P511 # والمال للقتل والإهدار. قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون أن بعد هذه ~~الدار دار أخرى وبعد هذه الحياة حياة أخرى. وهذه المشقة منقضية سهلة وتلك ~~باقية صعبة ولبعضهم وكأنه صاحب الكشاف: # مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أنها شبه أنصاب # فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب # وفي هذا استجهال عظيم لهم. ثم قال فليضحكوا وهو خبر إلا أنه أخرج على لفظ ~~الأمر للدلالة على أنه حتم لا يكون غيره ومعناه فسيضحكون قليلا أي ضحكا ~~قليلا أو زمانا قليلا وسيبكون كثيرا. # يروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا ~~يكتحلون بنوم. # ثم عرف نبيه وجه الصلاح في سائر الغزوات فقال فإن رجعك الله إلى طائفة ~~منهم أي إن ردك إلى المدينة. الرجع متعد مثل الرد، والرجوع لازم. # وإنما قال طائفه لأن منهم من تاب عن النفاق وندم أو اعتذر بعذر صحيح. ~~وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين فأراد بالطائفة المخلفين من المنافقين. ~~فاستأذنوك للخروج إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~عاقبهم بإسقاط عن ديوان الغزاة جزاء على تخلفهم لما فيه من الذم والطرد ~~وصلاحا لأمر الجهاد لما في استصحابهم من المفاسد المذكورة في قوله لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا [التوبة: 47] ويعني بأول مرة غزوة تبوك. وإنما لم ~~يقل أول المرات معرفا مجموعا لأن المعنى إن فصلت المرات مرة مرة كانت هذه ~~أولها نظيره «هو أفضل رجل» يعني إن عد الرجال رجلا رجلا كان هو أفضلهم. ~~وإنما لم يقل «أولى مرة» لأن أكثر اللغتين «هند أكبر النساء» ولا يكاد يقال ~~«هي كبرى امرأة» فاقعدوا مع الخالفين كقوله وقيل اقعدوا مع القاعدين ~~[التوبة: 46] والخالف من يخلف الرجل في قومه. وعن الأصمعي أنه الفاسد من ~~خلف اللبن والنبيذ إذا فسد. وعن الفراء معناه المخالف. قال قتادة: ذكر لنا ~~أن الخالفين الذين أمروا بالقعود كانوا اثني عشر رجلا. # عن ابن عباس أنه لما اشتكى ms2332 عبد الله ابن أبي ابن سلول عاده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ويعطيه قميصه ~~الذي يلي جلده ليكفن فيه ففعل كل ذلك. # وعنه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة ~~تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله أعلى عدو الله عبد الله ابن أبي ~~القائل يوم كذا كذا وكذا؟ أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، ~~حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قد قيل لي استغفر ~~لهم أو لا تستغفر لهم إن # PageV03P512 # تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، ولو أعلم أني إن زدت على ~~السبعين غفر له لزدت. قال: ثم صلى عليه ومشى معه فقام على قبره حتى فرغ منه ~~قال: فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. ~~قال: فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~الآية. فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على ~~قبره حتى قبضه الله. # قال المفسرون: وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل بعبد الله بن ~~أبي قال: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله إن كنت لأرجو أن يسلم ~~به ألف من قومه وكان كما قال. # وقيل: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ~~غلب على ظن الرسول أنه انتقل إلى الإيمان لأنه وقت يتوب فيه الكافرة فرغب ~~أن يصلي عليه. وذكر من أسباب دفع القميص أن العباس عم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذ أسيرا ببدر ولم يجدوا له قميصا طويلا فكساه عبد الله قميصه، ~~ومنها أن المشركين قالوا له يوم الحديبية إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد ms2333 ~~لك. فقال: إن لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فشكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صنيعه. ومنها أنه كان لا يرد السائل لقوله تعالى ~~وأما السائل فلا تنهر [الضحى: 10] ومنها أن ابنه عبد الله كان من الصالحين ~~فالرسول أكرمه لمكان ابنه. ومنها إظهار الرأفة والرحمة كما مر. # قوله مات صفة لأحد وأبدا ظرف لقوله لا تصل وإنه يحتمل تأبيد النفي ونفي ~~التأبيد والظاهر الأول، لأن القرائن تدل على منعه من أن يصلي عل أحد منهم ~~منعا كليا دائما. # قال الزجاج: معنى قوله ولا تقم على قبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع هاهنا منه. # وقال الكلبي: معناه لا تقم بإصلاح مهمات قبره وإنهم كفروا تعليل للنهي ~~ويرد عليه أن الكفر حادث وحكم الله قديم والحادث لا يكون علة للقديم. وأجيب ~~بأن العلة هاهنا بمعنى الإمارة المعرفة للحكم. قال في الكشاف: وإنما قيل ~~مات وماتوا بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير لكون والوجود لأنه ~~كائن موجود لا محالة. وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد ~~يكون عدلا في دينه، والكذب والنفاق والخداع والجبن والخبث مستقبح في جميع ~~الأديان. أما قوله ولا تعجبك أموالهم وأولادهم فقد سبق مثله في هذه السورة ~~بتفاوت ألفاظ فوجب علينا أن نذكر سبب التفاوت، ثم فائدة التكرار فنقول ~~والله تعالى أعلم بمراده: إنما ذكر النهي هاهنا بالواو وهناك بالفاء لأنه ~~لا تعلق له هاهنا بما قبله وهو موتهم على حالة الفسق خلاف ما هنالك. وإنما ~~قال هاهنا وأولادهم بدون «لا» لأن المراد هنالك الترقي من الأدون إلى ~~الأعلى وهو أن إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم # PageV03P513 # كقولك: لا يعجبني أمر النائب ولا أمر المنوب. وهاهنا أراد المعية فقط إما ~~اكتفاء بما سبق هناك، وإما لأن هؤلاء أقوام آخرون لم يكن عندهم تفاوت بين ~~الأمرين. وقيل: إنه هناك لما علق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط أكد ~~معنى النهي ms2334 بتكرار «لا» ، وإنما قال هاهنا أن يعذبهم لأنه إخبار عن قوم ~~ماتوا على الكفر فتعلق الإرادة بما هم فيه وهو العذاب. وأما في الآية ~~المتقدمة فالمفعول محذوف وقد مر. وقيل: الفائدة فيه التنبيه على أن التعليل ~~في أحكام الله محال وأنه أينما ورد حرف التعليل فمعناه «أن» ، وإنما حذف ~~الحياة هاهنا اكتفاء بما ذكر هنالك وقيل تنبيها على أن الحياة الدنيا لا ~~تستحق أن تسمى حياة لخستها. وأما فائدة التكرير فهي المبالغة في التحذير من ~~الأموال والأولاد لأنها جذابة للقلوب فتحتاج إلى صارف قوي، ويحتمل أن تكون ~~الأولى في قوم والثانية في آخرين. وقيل: الثانية في اليهود والأولى في ~~المنافقين. ثم عاد إلى توبيخ المنافقين فقال وإذا أنزلت سورة أي تمامها ~~ويجوز أن يزاد عليها كما يقع القرآن والكتاب على بعضه. وقيل: هي براءة لأن ~~فيها الأمر بالإيمان والجهاد أن آمنوا «أن» هي المفسرة لأن إنزال السورة في ~~معنى القول. وقال الواحدي: تقديره بأن آمنوا وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن ~~الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان أولوا الطول ذو الفضل والسمعة من ~~طال عليه طولا قاله ابن عباس والحسن. وقال الأصم: الرؤساء والكبراء المنظور ~~إليهم، وخصوا بالذكر لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود مع ~~القاعدين مع أصحاب الأعذار من الضعفة والزمنى. والخوالف النساء اللواتي ~~تخلفن في البيت، وجوز بعضهم أن يكون الخوالف جمع خالف وكان يصعب على ~~المنافقين تشبيههم بالخوالف. ثم قال وطبع على قلوبهم كقوله ختم الله على ~~قلوبهم [البقرة: 7] وقد مر البحث فيه، وقال الحسن: # الطبع بلوغ القلب في الكفر إلى حد كأنه مات عن الإيمان. وقالت الأشاعرة: ~~هو حصول داعية الكفر المانعة من الإيمان. والطبع في اللغة الختم وهو ~~التأثير في الطين ونحوه، ومنه الطبع للسجية التي جبل عليها الإنسان فهم لا ~~يفقهون أسرار حكمة الله في الجهاد أو في الذهاب من السعادة وما في التخلف ~~من الشقاء. وفي قوله لكن الرسول نكتة هي أنه إن تخلف هؤلاء فقد أنهض إلى ~~الغزو ms2335 من هو خير منهم وأصدق نية كقوله فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما ليسوا بها بكافرين [الأنعام: 89] ثم ذكر منافع الجهاد على الإجمال ~~فقال وأولئك لهم الخيرات وهي شاملة لمنافع الدارين. وقيل: هي الحور لقوله ~~فيهن خيرات حسان [الرحمن: 70] وقوله وأولئك هم المفلحون المراد منه الخلاص ~~من المكاره. ثم فصل ما أجمل فقال أعد الله الآية وقيل: الخيرات # PageV03P514 # الفلاح في الدنيا وهذه في الآخرة. والفوز العظيم عبارة عن كون تلك الحالة ~~مرتبة رفيعة ودرجة عالية. ### | التأويل: # إنما لم يؤثر استغفار الرسول في حقهم لقصور في القائل لا لتقصير في ~~الفاعل، والأثر يتوقف على الأمرين جزاء بما كانوا يكسبون من رين القلوب ~~وكدورة الأرواح بظلمة الصفات الحيوانية. وهم كافرون مستورو القلوب بحجاب حب ~~الأموال والأولاد. لهم الخيرات لما سعوا سعي العبودية نالوا خيرات ~~الربوبية، هم المفلحون المتخلصون عن حجب صفات النفس ذلك الفوز العظيم إذ لا ~~حجاب أعظم من حجاب النفس والله أعلم. # تم الجزء العاشر من تفسير النيسابوري ويليه الجزء الحادي عشر وأوله وجاء ~~المعذرون ### | ......... # PageV03P515 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الحادي عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 90 الى 99] # وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم (90) ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من ~~سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ~~ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) ~~إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ~~وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93) يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل ~~لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ~~ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ms2336 ~~ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا ~~عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96) الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله ~~سميع عليم (98) ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن ~~الله غفور رحيم (99) ### | القراآت: # المعذرون من الأعذار: قتيبة ويعقوب. الباقون: بالتشديد دائرة السوء بضم ~~السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير. الآخرون بفتحها قربة بضم الراء: ~~نافع غير قالون. الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى. ### | الوقوف: # ورسوله ط أليم ه لله ورسوله ط من سبيل ط رحيم ه لا للعطف، ما ينفقون ه ~~أغنياء ج لاحتمال أن يكون رضوا مستأنفا أو وصفا. # مع الخوالف لا لأن الواو إما للعطف أو للحال. لا يعلمون ه إليهم ط من # PageV03P516 # أخباركم # ط تعملون ه لتعرضوا عنهم ط عنهم ط رجس ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال ~~المعنى في إتمام الوعيد. جهنم ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولا له أو مفعولا ~~مطلقا لمحذوف أي يجزون جزاء يكسبون ه لترضوا عنهم ط لابتداء الشرط مع فاء ~~التعقيب. الفاسقين ه على رسوله ط حكيم ه الدوائر ط دائرة السوء ط عليم ه ~~الرسول ط لهم ط في رحمته ط رحيم ه. ### | التفسير: # لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال ~~وجاء المعذرون. من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ~~ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر. فكأنه تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين ~~الكافرين فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا ~~أتباعا وعيالا وإن بنا جهدا فأذن لنا في التخلف. # وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على ~~أهالينا ومواشينا فقال ms2337 صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم. # وعن مجاهد: نفر من غفار. ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأول أن يكون من ~~التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذرا ~~فيما يفعل ولا عذر له. الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه ~~من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى ~~العين. والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله تعالى: # يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا وقد يكون صحيحا كقول ~~القائل: # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي ما جاء بعذر صحيح. فإذا أخذنا بقراءة ~~التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها ~~بالمعتذرين فاحتمل الأمران. ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه تعالى ~~ميزهم من الكاذبين بقوله: وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ومنهم من مال إلى ~~أنهم كاذبون. روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواما تكلفوا ~~عذرا بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله وجاء المعذرون وتخلف آخرون لا بعذر ~~ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر ~~بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان. سيصيب الذين كفروا منهم ~~أي من الأعراب عذاب أليم في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار. وإنما قال: ~~منهم لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب. ثم ذكر أن تكليف الجهاد ~~ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال ليس على # PageV03P517 # الضعفاء # وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم ولا على المرضى ويدخل ~~فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفا بمرض يمنعه من التمكن ~~من المحاربة ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون في الغزو على أنفسهم حرج ~~قيل: # هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا ~~أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ~~ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل ms2338 نفسه كلا ووبالا عليهم. ثم إنه شرط في ~~جواز القعود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة ~~الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم. # وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما ~~يفعل المولى الناصح بصاحبه. ثم قال: ما على المحسنين أي المعذورين الناصحين ~~من سبيل للعتاب والمؤاخذة. قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن ~~المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله. فهذا يدل على أن المكلف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن ~~مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته ~~تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلا على ~~أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا ~~بهذا الطريق. وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك ~~تنصيصا على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف ~~وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافيا ببيان ~~التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن ~~الأصل براءة الذمة. فإن كان القياس مفيدا للبراءة أيضا فضائع، وإن كان يفيد ~~شغل الذمة صار مخصصا لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس. ~~ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بين قسما رابعا وهم الذين لا يجدون ~~الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم أي ~~على المركوب. قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في أتوك بإضمار «قد» أي ~~إذا ما أتوك قائلا لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وجوز أن يكون واسطة بين ~~الشرط والجزاء كالاعتراض. قلت: ويحتمل أن يكون بدلا من أتوك. قال مجاهد: هم ~~أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، # وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه ms2339 وآله ~~يستحملونه ووافق منه غضبا فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه ~~فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري. فقال أبو موسى: ~~ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف # PageV03P518 # بيمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. # وقيل: هم البكاءون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد ~~الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ~~ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك. ~~فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون. # وقوله تفيض من الدمع كقولك تفيض دمعا وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين ~~جعلت كلها فائضة. و «من» للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز. # حزنا ألا يجدوا أي على أن لا يجدوا. إنما السبيل أي سبيل الخطاب والعتاب ~~في أمر الغزو والجهاد على الذين يستأذنونك في التخلف وهم أغنياء. ثم قال ~~على سبيل الاستئناف رضوا كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على ~~الاستعداد؟ فقيل: # رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن ~~طبع الله تعالى على قلوبهم. قال أهل العلم: لما قال في الآية الأولى وإذا ~~أنزلت سورة [التوبة: 86] قال هناك وطبع [التوبة: 87] ليكون المجهول مبنيا ~~على المجهول بخلافه في هذه الآية. ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام ~~الذي جرى فيه ذكر الله. أما قوله قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم فإنه علة المنع ~~من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولا فإذا علم بأن القوم ~~يكذبونه وجب عليه تركه. وقوله قد نبأنا الله علة لانتفاء التصديق. وسيرى ~~الله عملكم يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها ~~أم لا. وفي قوله ثم تردون إلى عالم الغيب تخويف ms2340 شديد وفيه أنه مطلع على ~~بواطنهم الخبيثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب. وإنما لم يقل في هذه ~~الآية و «المؤمنون» كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع ~~على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما ~~قال قد نبأنا الله من أخباركم والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة ~~للكل. وختم آية المنافقين بقوله ثم تردون لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف ~~آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله. ثم ذكر أن منافقي الأعراب ~~سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى تعالى عن منافقي المدينة ~~فقال: سيحلفون بالله لكم أي لأجلكم إذا انقلبتم أي رجعتم إليهم ولم يذكر ~~المحلوف عليه. والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين ~~غرضهم من الحلف فقال لتعرضوا عنهم أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين ~~بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك ~~الكلام # PageV03P519 # والسلام. # وقال مقاتل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلا منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير. ثم ~~بين علة الاجتناب عنهم فقال: # إنهم رجس # فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم ~~إنما يعاتب الأديم ذو البشرة. المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي ~~عليه الشعر أي إنما يعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه ~~مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب ومأواهم ~~جهنم منقلبهم النار عتابا توبيخا. # ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله يحلفون لكم لترضوا عنهم نهاهم عن ~~الرضا بقوله فإن ترضوا عنهم الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة ~~لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله تعالى ساخطا عليهم؟. ~~ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعا معينين كانوا يوالون منافقي المدينة. ~~قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ms2341 ثابتا، ورجل أعرابي إذا ~~كان بدويا سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس ~~واليهودي واليهود. فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا ~~أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو ~~أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب. # قال صلى الله عليه وسلم: «لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاسق مؤمنا ولا أعرابي ~~مهاجرا» «1» # قيل: إنما سمى العرب عربا لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشؤا بالعربة ~~وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو ~~منهم. وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة ~~والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم ~~يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في ~~أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم ~~وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد ~~كفرا ونفاقا لأنهم يشبهون الوحوش. سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا ~~يحتاجون إلى الطبيب؟ فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء ~~الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح ~~وأمسى مشرفا عليه أنوار النبوة ومشرفا باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون ~~مساويا PageV03P520 # لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟! وإن شئت فقس ~~الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «إن الجفاء والقسوة في الفدادين» «1» # أي الأكارين لأنهم يفدون أي يصيحون. وقوله: وأجدر أي أولى وأحق ب ألا ~~يعلموا حدود ما أنزل الله أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة ~~العقلية والسمعية والله عليم بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر ~~والمدر حكيم في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء. ثم نوع جنس ~~الأعراب فقال: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما هو مفعول ثان ms2342 ليتخذ لأنه ~~بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة ~~وخسران. وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج ~~كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع. # ويتربص بكم الدوائر نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في ~~المكروه تشبيها بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص. ~~ثم خيب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: عليهم دائرة السوء ~~وإنها جملة معترضة كقوله غلت أيديهم [المائدة: 64] والسوء بالفتح مصدر أضيف ~~إليه الدائرة للملابسة كقولك «رجل صدق» . قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة ~~لأن من دارت عليه ذام لها وبالضم اسم بمعنى البلاء. والعذاب، والمراد أنهم ~~لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم. والله سميع لأقوالهم عليم بنياتهم. ~~قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم. ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: ~~ومن الأعراب من يؤمن الآية. # والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سببا لحصول القربات عند الله وسببا ~~لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ~~كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى. ثم إنه تعالى شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما ~~اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكدا بحرفي التنبيه والتحقيق ألا إنها ~~قربة لهم ثم فسر القربة بقوله: سيدخلهم الله في رحمته والسين لتحقيق الوعد. ~~قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجادا وهو كساء مخطط فشقته ~~نصفين فردته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكان قائده والله أعلم. ### | التأويل: # الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون ~~الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء ~~فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في ~~الطلب بقدر PageV03P521 # الاستعداد. ولا على الذين إذا ما أتوك بطريق المتابعة لتحملهم على جناح ~~الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية ~~والروحانية قلت لا أجد ما ms2343 أحملكم عليه ترفعا ودلالا واستيراء لزناد أشواقهم ~~كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة ~~فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلا وميلا إلى اللذات العاجلة. الأعراب أشد ~~كفرا إن في عالم الإنسانية بدوا هو نفسه وحضرا هو قلبه، والكفر والنفاق ~~للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب ~~كافرا بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون ~~أشد كفرا من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيمانا من النفس المؤمنة. ~~حدود ما أنزل الله على رسوله يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب ~~حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن النفوس من ~~يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب ~~اشتغالا وفترة. عليهم دائرة السوء باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف ~~هواها والله سميع يجيب هذا الدعاء عليم بمن ينبغي أن يسمع في حقه. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 100 الى 110] # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم (100) وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا ~~على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ~~(101) وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم (102) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (105) وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106) والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا ms2344 تقم فيه أبدا لمسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس ~~بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين (109) # لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم ~~حكيم (110) # PageV03P522 ### | القراآت: # من تحتها بزيادة من: ابن كثير. والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف. ~~والأنهار بالرفع: يعقوب. الآخرون بالجر. إن صلاتك على التوحيد: # حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون على الجمع بكسر التاء ~~علامة للنصب مرجون بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف ~~وعاصم سوى أبي بكر وحماد. الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم. الذين ~~اتخذوا بغير واو: # أبو جعفر ونافع وابن عامر أسس بنيانه مجهولا في الحرفين: ابن عامر ونافع ~~حرف بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد. الباقون بالضم هار ~~بالإمالة: # أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون ~~وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد إلى ~~أن قرأها يعقوب. الباقون إلا أن تقطع فعلا ماضيا أو مضارعا بحذف التاء من ~~التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس. تقطع مضارعا مجهولا ~~من التقطع: روح. الباقون تقطع مضارعا مجهولا من التقطيع. ### | الوقوف: # بإحسان لا لأن قوله: رضي الله عنهم خبر والسابقون أبدا ط ه العظيم ه ~~منافقون ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على أهل المدينة ~~تقديره هم مردوا على النفاق ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل ~~لا تعلمهم صفة للقوم فلم يقف لا تعلمهم ط نحن نعلمهم ط عظيم ه ج لاحتمال أن ~~يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفا على منافقون أو على قوم المقدر ~~سيئا ط عليهم ط رحيم ه وصل عليهم ط لهم ط عليم ms2345 ه الرحيم ه والمؤمنون ط ~~تعملون ه يتوب عليهم ط حكيم ه من قبل ط الحسنى ط لكاذبون ه أبدا ط أن تقوم ~~فيه ط أن يتطهروا ط المطهرين ه في نار جهنم ط الظالمين ط قلوبهم ط حكيم ه. ### | التفسير: # لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل ~~السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قال ابن عباس: السابقون الأولون من ~~المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرا. وعن الشعبي: هم الذين ~~بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا ~~سبعة نفر، وأهل بيعة # PageV03P523 # العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب ~~بن عمير فعلمهم القرآن. والظاهر أن الآية عامة في كل من سبق في الهجرة ~~والنصرة. قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من ~~السابقين فيها وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنه رضي عنهم. ولا شك أن الرضا ~~معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق ~~اللعن والمقت. قال أكثر العلماء: كلمة «من» في قوله من المهاجرين والأنصار ~~للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد ~~المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد ~~المسلمين واقتدى بهم غيرهم. وقد قيل: من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل ~~بها. وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة. # وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني ~~عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان بينهم؟ # فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ~~ومسيئهم. قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله ألا تقرأ ~~قوله تعالى: والسابقون الأولون إلى آخر الآية؟ # أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطا لم يشترط عليهم وهو الاتباع ~~بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، ms2346 أو بإحسان في ~~القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءا ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في ~~حقهم. قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم. ثم عاد إلى شرح أحوال ~~المنافقين فقال: وممن حولكم هو خبر ومن الأعراب بيان أو حال ومنافقون مبتدأ ~~ومن أهل المدينة عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن ~~أهل المدينة قوم مردوا التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ~~ذلك «صرح ممرد» و «غلام أمرد» و «أرض مرداء» لا نبات فيها وتمرد إذا عتا ~~فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من ~~غير تغير. فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقا معودين ~~إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك. ثم قال سنعذبهم مرتين ~~قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر. # روى السدي عن أبي مالك أنه صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم الجمعة ~~فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناسا ~~وفضحهم. # وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر. وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب ~~القبر. وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم ~~عذابهم في القبور. وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر. وقيل: ~~أحد العذابين # PageV03P524 # ضرب الملائكة الوجوه والإدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار. ثم ~~يردون إلى عذاب عظيم هو الدرك الأسفل من النار. قال الكلبي: وممن حولكم ~~جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن ~~قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم. ثم قال وآخرون وهو معطوف على ~~منافقون أو مبتدأ. # واعترفوا صفته وخلطوا خبره عسى الله جملة مستأنفة. وقيل: خلطوا حال ~~بإضمار «قد» عسى الله خبر. وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا ~~عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا ms2347 للكفر والنفاق ولكن ~~للكسل ثم ندموا على ما فعلوا. عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم ~~كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد. روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو ~~لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام. # وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا ~~بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى ~~يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا. فقدم رسول الله ~~فدخل المسجد وصلى ركعتين- وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر- فرآهم موثقين ~~فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى ~~تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم. فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا ~~أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم ~~فقالوا: # يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا. ~~فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزل خذ من أموالهم صدقة. الآية. # والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه ~~كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم ~~على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال. خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: # خلطت الماء واللبن. وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن. لأنك جعلت في ~~الأول كلا منهما مخلوطا ومخلوطا به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن ~~بالماء. ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهما أي شاة ~~بدرهم. وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان. ويجوز أن يقال: ~~الخلط هاهنا بمعنى الجمع. قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة ~~لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما. # وفي قوله عسى الله أن يتوب عليهم دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول ~~مقدمتها ms2348 وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن عسى من الكريم ~~إطماع # PageV03P525 # واجب. وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، ~~وفيه أن التوبة بخلق الله. وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة. ~~ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهاء الكل إلى ~~مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه. # ثم قال سبحانه خذ من أموالهم صدقة عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من ~~هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا ~~يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر. وقال أكثر الفقهاء: المراد بها ~~الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة ~~الواجبة تصحيحا لدعواهم. ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضا ~~التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع. وفي قوله من أموالهم دلالة على ~~أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة. ~~وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون ~~الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك ~~وهو قول الشافعي. وقوله تطهرهم وتزكيهم التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها ~~الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة. وقيل: التاء في تطهرهم للتأنيث والضمير ~~للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين. قال العلماء: المعطوفان متغايران لا ~~محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه تعالى جعل ~~النقصان سببا للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم ~~والإثناء عليهم. قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام ~~فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل ~~دون الصبي والمجنون. وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من ~~انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقا وصل عليهم قال ابن عباس: معناه ادع ~~لهم. فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ~~ويقول: # أجرك الله فيما أعطيت ms2349 وبارك لك فيما أبقيت. وقال آخرون بظاهر اللفظ لما # روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه ~~أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى. # وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعا. ~~وأطلق بعضهم- كالغزالي وإمام الحرمين- لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضا في ~~معنى الصلاة. # وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضا كعلي ~~وأولاده عليه السلام وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني ~~أمية وبني نوفل وغيرهم. قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف ~~يمتنع ذكره أو لا يحسن # PageV03P526 # في أهل بيت الرسول؟ ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟ ~~وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في ~~آل الرسول؟ إن صلاتك سكن لهم والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، ~~وذلك لأن دعاءه يستجاب البتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم ~~بتوجهه إليهم والترحم لهم؟ احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: ~~الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن. ورد عليهم بسائر الآيات. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين ~~لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما ~~لهم فنزلت ألم يعلموا يعني غير التائبين. # وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم أن الله ~~هو يقبل التوبة الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية. وفائدة توسط ~~هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ~~ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حالة الطاعة وجب على ~~كرمه قبول توبته. وفيه أيضا أن قبول التوبة ليس إلى الرسول. وفي قوله عن ~~عباده دون «من» إشارة إلى ms2350 البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو ~~إلى تبعيده نفسه عن الله هضما وانكسارا. وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله ~~بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، ~~وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد ~~وقد جاء هذا المعنى في الحديث. ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير ~~التائبين ترغيبا لهم في التوبة اعملوا فيه نوع تهديد وتخويف فسيرى الله ~~عملكم وقد مر تفسير مثله عن قريب. والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في ~~العمل فإن له في الدنيا حكما وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي ~~الآخرة حكما وهو الجزاء. وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل ~~لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول ~~والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية. ~~ولا شك أن رؤية الله تعالى شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعا. أما رؤية ~~الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه. ~~واعلم أنه تعالى قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا ~~على النفاق، والثاني التائبون المتعرفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا ~~مرقوفا أمرهم وذلك قوله وآخرون وإعرابه كإعراب قوله وآخرون اعترفوا ومعنى ~~مرجون أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله: أرجه وأخاه ~~[الأعراف: 111] كما مر، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ~~ولكن # PageV03P527 # يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله. وقال الأوزاعي: ~~لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان. وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة ~~بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا ~~يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري ~~وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أخذا لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى ~~الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا كما ~~سيجيء. وقال الحسن: ms2351 إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم ~~يتوبوا. وقوله: إما يعذبهم التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على ~~الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذرا، ويقول ~~آخرون: # عسى الله أن يغفر لهم. قال الجبائي: جعل أمرهم دائرا بين التعذيب والتوبة ~~فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز ~~أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط. ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم ~~المختلفة قال: والذين اتخذوا كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا. في الكشاف: أن ~~محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا ~~هؤلاء الأقوام. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني ~~عشر رجلا بنوا مسجدا يضارون به مسجد قباء. # وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف ~~وقالوا: نبني مسجدا كذلك. # واعلم أنه سبحانه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أمورا أربعة: ~~الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين ~~المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا ~~صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع ~~قوله: وإرصادا لمن حارب الله ورسوله وقوله من قبل يتعلق ب حارب أي من قبل ~~بناء مسجد الضرار. وقال في الكشاف: إنه متعلق ب اتخذوا والمراد من قبل أن ~~ينافق هؤلاء بالتخلف. قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: ~~الانتظار مع العداوة. # وقال الأكثرون: إنه الإعداد. والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي ~~حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في ~~الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه ~~لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله صلى الله ms2352 عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوما ~~يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم # PageV03P528 # حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هاربا إلى الشام وأرسل الى المنافقين أن ~~استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج ~~محمدا وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجدا وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك ~~المسجد. ثم أخبر الله تعالى عن نفاقهم بقوله: وليحلفن إن أردنا # أي ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله ~~والتوسعة على المسلمين. # قال المفسرون. إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله ~~وقالوا: بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ~~ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة. فقال صلى الله عليه وسلم: # إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه. فلما قفل ~~من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل لا تقم فيه أبدا الآية فدعا بمالك بن ~~الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي- قاتل حمزة- فقال لهم: انطلقوا ~~إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه ~~كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين. # وقال الحسن: هم رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم ~~فيه. # ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه. ثم بين علة ~~النهي فقال: لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أي من ابتداء وجوده أحق أن ~~تقوم فيه والمعنى لو كان القيام في غيره جائزا لكان هذا أولى لاشتماله على ~~الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملا على المفاسد الكثيرة من الضرار ~~وغيره؟ قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنيا على التقوى من ~~أول يوم كان أولى بالصلاة فيه فالإمام أولى بأن يكون متقيا من أول عمره وما ~~ذاك إلا علي عليه السلام لأنه لم يكفر بالله طرفة عين. واختلفوا في هذا ~~المسجد فقيل: مسجد رسول الله صلى ms2353 الله عليه وسلم بالمدينة، # عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي ~~أسس على التقوى. فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد ~~المدينة. وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ~~أيام مقامه بقباء وهي يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم ~~الجمعة، # قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقال ~~القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح ~~أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصورا على واحد. وأيضا كل مسجد بني مباهاة أو ~~رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار. ~~ثم ذكر لمسجد التقوى وصفا آخر وذلك قوله: فيه رجال يحبون أن يتطهروا فقيل: ~~إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار # PageV03P529 # وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن ~~أشد تأثيرا من طهارة الظاهر في القرب من الله. وقيل: إنه التطهر بالماء ~~وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول. # وروي أنها لما نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد ~~قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟ # فسكت القوم. ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم. ~~فقال عليه السلام: أترضون بالقضاء؟ قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟ ~~قالوا: نعم. قال: # أتشكرون في الرخاء؟ قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: مؤمنون ورب ~~الكعبة. فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما ~~الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط ~~الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء. فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: ~~رجال يحبون أن يتطهروا # وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم. ومحبة ~~التطهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما ms2354 يفعل ~~المحب بمحبوبه. ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بونا بعيدا ~~فقال مستفهما على سبيل التقرير أفمن أسس بنيانه وهو مصدر كالعمران وأريد به ~~المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ~~ورضوانه خير أم من أسس دينه على ضد ذلك. والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف ~~هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واه مشرف على ~~السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو ~~أيضا المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط. قال الليث: الهاء مصدرها الجرف ~~يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار. وقال ~~في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما ~~هي عينه وأصله «هور» على «فعل» ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على ~~حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفا على السقوط، ولكونه على ~~طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، # يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه. # ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: لا يزال بنيانهم الذي ~~بنوا ريبة في كونه سببا للريبة في قلوبهم وجوه منها: أن هدمه صار سببا ~~لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع ~~أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ~~ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة إلا أن تقطع قلوبهم أجزاء متفرقة إما ~~بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذ يضمحل أثرها عنها. والمقصود أن هذا # PageV03P530 # الشك يبقى في قلوبهم أبدا ويموتون على النفاق. قال في الكشاف: يجوز أن ~~يكون ذكر التقطيع تصويرا لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة ~~تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار. وقيل: معناه إلا ~~أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ms2355 ندما وأسفا على تفريطهم. ### | التأويل: # والسابقون الأولون الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأولون ~~عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في ~~جواب ألست بربكم # [الأعراف: 172] الأولون في استماع هذا الخطاب، أو السابقون في استحقاق ~~المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر ~~يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، ~~الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحا، أو السابقون عند ~~رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، ~~وهذا السبق مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته كما # قال: «نحن الآخرون السابقون» «1» . # من المهاجرين عن الأوطان البشرية والأنصار لهم في طلب الحق والذين ~~اتبعوهم بإحسان بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان رضي الله عنهم بإعطاء ~~الاستعدادات الكاملة ورضوا عنه بإيفاء حقوقها. وممن حولكم من أعراب صفات ~~النفس منافقون ومن أهل مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة ~~الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة ~~الشريعة وتربية الطريقة ظاهرا لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى ~~الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء» # ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام ~~البدن باقيا لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية ~~والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها ~~من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان ~~والذكر. فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن ~~مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما # قال صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم ~~أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن ~~كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق PageV03P531 # حتى يدعها» «1» # لا تعلمهم ms2356 نحن نعلمهم يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم ~~الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة. سنعذبهم مرتين مرة بأحكام ~~الشريعة ومرة بآداب الطريقة ثم يردون بجذبات اللطف إلى عذاب عظيم هو الفطام ~~عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء ~~في عالم الطبيعة وآخرون يعني القلب وصفاته اعترفوا بذنوب ثبوت صفات النفس ~~والتلوث بها خلطوا عملا صالحا هو صدق التوجه وآخر سيئا هو مطاوعة النفس ~~والهوى في بعض الأوقات. عسى الله أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية ~~والإعراض عما سواه. خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها عن دنس حب ~~الدنيا وتزكيهم بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. ويأخذ ~~الصدقات فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمن على الفقير ~~أصلا وستردون بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج ~~أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في ~~عالمي الملك والملكوت. وآخرون مرجون أخرت توبتهم ليترددوا بين الخوف ~~والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة ~~والأنس. والله عليم بتربية عباده حكيم فيما يفعل من القبول والرد. والذين ~~اتخذوا في عالم الطبيعة مزبلة النفس مسجدا ضرارا لأرباب الحقيقة وكفرا ~~بأحوالهم لمن حارب الله هم أهل الإباحة من مدعي الفقر لا تقم يا رسول ~~الروح. # أسس على التقوى هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة من أول يوم من ~~الميثاق رجال يحبون أن يتطهروا هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس ~~الطبيعة ولوث الحدوث. ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: أفمن أسس ~~بنيانه أي جبل على الخير وما فيه رضا الله لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ~~لأنهم جبلوا على الشقاء إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك محال أو ~~لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم ~~غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات. ### | [سورة التوبة ms2357 (9) : الآيات 111 الى 119] # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~(111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112) ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ~~(114) وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله ~~بكل شيء عليم (115) # إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (116) لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رؤف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين (119) PageV03P532 ### | القراآت: # فيقتلون مبنيا للمفعول ويقتلون مبنيا للفاعل: حمزة وعلي وخلف. # الآخرون على العكس. ويقتلون بالتشديد: أبو عون عن قنبل. إبراهام وكذلك ما ~~بعده: هشام يزيغ بياء الغيبة: حمزة وحفص والمفضل. والباقون بتاء التأنيث ~~خلفوا بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس. الباقون بالتشديد مجهولا. ### | الوقوف: # الجنة ط ويقتلون ط والقرآن ط بايعتم به ط العظيم ه لحدود الله ط المؤمنين ~~ه الجحيم ه إياه ط منه ط ج حليم ه ط ما يتقون ط عليم ه والأرض ط ويميت ط ~~نصير ه تاب عليهم ط رحيم ه ط للعطف على النبي خلفوا ط إلا إليه ط ليتوبوا ط ~~الرحيم ms2358 ه الصادقين ه. ### | التفسير: # لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر ~~أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقا به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد ~~والترغيب فيه فقال: إن الله اشترى الآية. # قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة- وهم سبعون نفسا- قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما ~~شئت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ ~~قال: الجنة، # PageV03P533 # قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إن الله اشترى الآية. # قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم. # وقال جعفر الصادق عليه السلام: والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا ~~تبيعوها إلا بها. # واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازا عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا ~~يملك والعبد وما يملكه لمولاه. ولهذا قال الحسن: اشترى أنفسا هو خلقها ~~وأموالا هو رزقها. والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ~~ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع. ~~وهاهنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية ~~الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد ~~كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه حتى ~~يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات. وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة ~~عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج اليه من ~~ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات ~~العاليات فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين ~~الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات ~~الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به وفي قوله يقاتلون معنى الأمر كقوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم [الصف: 11] وهو كالتفسير لتلك المبايعة فيقتلون ويقتلون ~~أي إنهم يقتلون الكفار فلا ms2359 يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين. ومن قرأ بتقديم ~~المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعا للباقين ~~عن المقاتلة بقدر الإمكان. ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر ~~قوله: # يقاتلون. والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة ~~والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثرا من القتال ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: «لأن يهدي الله على يدك رجلا ~~خير لك مما طلعت عليه الشمس» «1» # ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان ~~جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى ~~من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعا به من بعض الوجوه حث ~~الشرع على إبقائه # فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» «2» # قوله PageV03P534 # وعدا عليه قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: بأن لهم الجنة كأنه قيل: ~~وعدهم الجنة وعدا فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله حقا أو هو نعت للمصدر مؤكد وما ~~الذي حصل في التوراة والإنجيل والقرآن قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، ~~وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال ومن أوفى استفهام ~~بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد من الله لأنه الغني عن كل الحاجات ~~القادر على كل المقدورات. # وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: إن الله اشترى وإذا كان ~~المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات ~~فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقا ~~مؤكدا. ومنها أنه قال بأن لهم الجنة بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن ~~يقول بالجنة. ومنها قوله وعدا وإنه لا يخلف الميعاد. ومنها قوله عليه وكلمة ~~«على» للوجوب ظاهرا. ومنها قوله: # حقا وهو تأكيد التحقيق. ومنها قوله: في التوراة والإنجيل والقرآن وإنه ~~يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه ~~المبايعة. ومنها قوله: # ومن أوفى بعهده من الله وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ms2360 ولا يخلف البتة. ~~ومنها قوله: # فاستبشروا والبشارة الخبر الصدق الأول. ومنها قوله: وذلك هو الفوز ثم وصف ~~الفوز ب العظيم واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها ذلك الفوز ~~بغير «هو» وإنه في ستة مواضع: في «براءة» موضعان، وفي «النساء والمائدة ~~والصف والتغابن» وما في «النساء» بزيادة واو. والآخر وذلك هو الفوز بزيادة ~~«هو» وذلك في ستة مواضع أخرى في «براءة» موضعان و «يونس» و «المؤمن» و ~~«الدخان» و «الحديد» وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه ~~الآية، وكذلك ما في «المؤمن» . وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد ~~جملة من غير تراخ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من ~~الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها، وربما جمع بين الشيئين منها ~~والثلاثة للدلالة على المبالغة. وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية ~~التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب ~~واحد. وكذلك في «المؤمن» وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية فاغفر وقهم ~~وأدخلهم قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال ~~والبهائم قياسا على ما أثبته الله تعالى للمكلفين من العوض على ألم القتل ~~وهو الجنة. # ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: التائبون قال الزجاج: إنه مبتدأ ~~محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا كقوله ~~وكلا وعد الله الحسنى [النساء: 95] وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير ~~في # PageV03P535 # يقاتلون وقيل: مبتدأ خبره العابدون وما بعده أي التائبون من الكفر على ~~الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس ~~والحسن: # التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق. ومال آخرون الى ~~التعميم ليشمل المعاصي أيضا إذ لا دليل على التخصيص والعابدون قال ابن ~~عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم. وقال الحسن: هم الذين عبدوا ~~الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية ~~الخضوع. ms2361 وقال قتادة: هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. والحامدون ~~هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن ~~الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة ونحن نسبح بحمدك [البقرة: 30] وذكر ~~أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من ~~يكون بعد خراب الدنيا لقوله: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: ~~10] والسائحون قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله: «سياحة أمتي الصيام» ~~. ثم قيل: هذا صوم الفرض. وقيل: الذين يديمون الصيام. قال الأزهري: إنما ~~قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبد لا زاد معه فيكون ممسكا عن ~~الأكل والشرب كالصائم. وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي ~~يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب ~~والوقاع. وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه ~~أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في ~~عالم العقول. وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب ~~العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل. # قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثرا عظيما في تكميل النفس ~~لأنه يلقى أنواعا من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على ~~الله فيصير ذلك ملكة له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ~~ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال ~~والأخلاق والسير والآثار الراكعون الساجدون يعني المصلين قال بعض العلماء: ~~إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة ~~للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود. ~~وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر ~~تنبيها على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع. ثم قال: الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن هاهنا بحثا آخر وهو أنه ~~لم أدخل الواو في قوله: والناهون والحافظون دون سائر ms2362 الأوصاف؟ وأجيب بأن ~~النسق يجيء # PageV03P536 # بالواو وبغيرها كقوله: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب [غافر: 2] أو ~~المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر ~~الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب ~~أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه ~~الواو تنبيها على هذه المخالفة والمباينة. ولبعض النحويين جواب عام يشمل ~~هذه الآية وما في «الكهف» في قوله: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [الآية: 22] ~~وما في «الزمر» في قوله في ذكر الجنة وفتحت أبوابها [الآية: # 73] وما في «التحريم» في قوله: ثيبات وأبكارا [الآية: 5] وذلك أنهم سموا ~~هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها ~~في القرآن والأخبار. # فالثمانية تجري مجرى استئناف كلام فلهذا فصل بالواو. وأما قوله: ~~والحافظون لحدود الله فكإجمال بعد تفصيل وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق ~~بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد ~~والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات. وإنها إما لجلب ~~المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية. ~~فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ~~ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ~~ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما ~~يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب ~~إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات ~~البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها. ~~والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما ~~يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ~~ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها ~~كحالة الإحرام. ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في ~~المسجد. والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال ms2363 والبحث عنها إما من جهة ~~الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ ~~الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بين العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو ~~السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئا في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع ~~الكالئ بالكالئ المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب ~~المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي ~~توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي ~~تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس. وأما دفع المضار # PageV03P537 # والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب ~~الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف ~~واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما ~~على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو ~~السرقة. وهاهنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ~~ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ ~~الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولا ~~إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى ~~والبينات. فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده، ~~وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله ~~تعالى. ولكن قوله: والحافظون لحدود الله يشمل ذلك أيضا بل رعايته أهم من ~~رعاية أحوال الظواهر. # ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه. ولما بين من ~~أول السورة إلى هاهنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد ~~أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضا وإن كانوا أقارب فقال: ما كان للنبي ~~ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك. ثم علل المنع ~~بقوله: من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم لأنهم ماتوا على الشرك ms2364 وقد ~~قال تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء: 116] فطلب غفرانهم جار ~~مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا ~~يستجاب له. وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا ~~بالغ فيه بقوله: ولو كانوا أولي قربى # روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب ~~الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعنده أبو جهل وعبد الله بن ~~أبي أمية- فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال ~~أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا ~~يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما ~~يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا ~~محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت ما كان للنبي الآيتان. # وقيل عن ابن عباس: لما افتتح صلى الله عليه وسلم مكة سأل أي أبويه أحدث ~~به صلى الله عليه وسلم عهدا أي آخرهما موتا؟ فقيل: أمك آمنة. فزار صلى الله ~~عليه وسلم قبرها ثم قام باكيا فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن ~~لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن # PageV03P538 # لي فيه ونزل علي ما كان للنبي الآية. # فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة ~~من آخر القرآن نزولا، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام. ويمكن أن ~~يوجه الأول بأنه صلى الله عليه وسلم لعله بقي مستغفرا إلى حين نزول الآية. ~~ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن ~~أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد. فلما ~~تبين لإبراهيم أنه عدو لله إما بإصراره على الكفر أو ms2365 بموته على ذلك أو ~~بطريق الوحي تبرأ منه وترك الاستغفار. ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم عليه ~~السلام ويوافقه قراءة الحسن وعدها أباه بالباء الموحدة وذلك في قوله: ~~لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه. وقيل: المراد من ~~استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع ~~إلى الله تعالى أن يرزقه الإيمان. وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة ~~فكان قوله: ولا تصل على أحد منهم [التوبة: 84] في حق المنافقين خاصة وهذه ~~في حق الكافرين عامة. ثم ختم الآية بقوله: إن إبراهيم لأواه حليم قال أهل ~~اللغة: # أواه «فعال» مأخوذ من حروف «أوه» كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح ~~القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها ~~خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الأواه الخاشع المتضرع» # والحلم ضد السفه، وصفه تعالى بشدة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن ~~إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى ~~أولى. ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين ~~فأنزل الله ما كان الله ليضل قوما أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال ~~أو يخذلهم أو يوقع الضلالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به ~~العقاب بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ما يجب عليهم أن يحتزروا عنه. ~~والحاصل أن الله لا يسمي قوما ضلالا بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على ~~شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب ~~الخمر والربا قبل تحريمهما. وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام ~~إذا أقدم على بعض المحظورات داخلا في حكم الضلال. ثم قال: إن الله بكل شيء ~~عليم إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت والمراد أن من كان عالما ~~قادرا هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر. قالت ~~المعتزلة: ms2366 وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب. وأجيب بأن له ~~ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر ~~عادة، وفي قوله: إن الله له ملك السماوات # PageV03P539 # والأرض # فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية ~~نصرته لمن أراد استظهارا للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب ~~والأنصار كأنه قال: # وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي. # ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال لقد تاب الله على النبي الآية. ولنبن ~~تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها. فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل ~~سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ~~ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم. والجواب أنه ما من ~~مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب ~~الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى. والأفضل كما أشير إلى ~~ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: عفا الله عنك لم أذنت لهم ~~[التوبة: 43] ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما ~~عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله سبحانه أن تلك ~~الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في ~~مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص. ويجوز أن يكون ذكر ~~الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب. السؤال ~~الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟ # فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر ~~وصعوبته. # والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جدا في ذلك السفر، كانوا في عسرة من ~~الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد، وفي عسرة من الزاد تزودوا التمر المدود ~~والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم ~~التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من ~~الماء حتى ms2367 نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما ~~قال المنافقون لا تنفروا في الحر [التوبة: # 81] وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات ~~العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله تعالى في غزوة الخندق وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] الثالث: ما معنى كاد يزيغ ~~وكيف إعرابه؟ والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد. ومعنى ~~الأول كاد زيد خارجا أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني ~~قارب الشأن هذا الخبر. وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ~~ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: # قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان. وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ~~ثم # PageV03P540 # حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا. وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ~~ومع ذلك خافوا أن يكون معصية. الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها ~~في قوله: ثم تاب عليهم؟ الجواب إن عاد الضمير في عليهم الى الفريق فلا ~~تكرار، وإن عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار جميعا ~~فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، ~~وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييبا لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم ~~أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال ~~الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك. وإليه الإشارة # بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة» . # وقال ابن عباس في تفسير قوله: ثم تاب عليهم يريد ازداد عنهم رضا. ثم أكد ~~هذه المعاني بقوله إنه بهم رؤف رحيم فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، ~~وبالرحمة إيصال المنفعة. أو الأول رحمة سابقة، والثاني لاحقة. الخامس: # الثلاثة الذين خلفوا من هم؟ الجواب هم المرجون لأمر الله كما مر، سموا ~~مخلفين كما سموا مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد ~~أولئك. وقيل: # لأنهم خلفوا عن ms2368 الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين. ~~وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، # وقرأ جعفر الصادق عليه السلام: خالفوا. # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض مع سعتها وهو مثل للحيرة في الأمر، وضاقت عليهم ~~أنفسهم أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور وظنوا أي علموا وتيقنوا أن لا ملجأ ~~من سخط الله إلا إلى استغفاره # كقوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك منك» . # وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ~~ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون ~~المدة قصيرة وجواب «إذا» محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، ~~وحسن حذفه لتقدم ذكره. # عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فرد ~~علي كالمغضب بعد ما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعبا فقيل ~~له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه. فقال: معاذ الله ما أعلم إلا ~~فضلا وإسلاما ونهى عن كلامنا- أيها الثلاثة- فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا ~~أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا ~~نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع- وهو جبل بالمدينة- ~~أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجدا وكنت كما وصفني ربي ضاقت عليهم الأرض بما ~~رحبت [التوبة: # 25] وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إلي طلحة بن عبيد الله ~~يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة # PageV03P541 # الله عليك فلن أنساها لطلحة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا ~~علينا الآية. # سئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما ~~رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. السادس: قد عرفنا فائدة ~~قوله: ثم تاب ms2369 عليهم فما فائدة قوله: ثم تاب عليهم ليتوبوا؟ الجواب معناه ~~رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب ~~عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علما منهم بأن ~~الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى ~~حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة ~~وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم. وقالت ~~الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى حتى إنه لو لم يتب ~~عليهم لم يتوبوا. وأيضا قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب ~~عقلا لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أول الأمر، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوما. ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص ~~والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أول الأمر فلهذا تأخر القبول دليله ~~قوله تعالى: حتى إذا ضاقت الآية. # ثم حث سبحانه المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل ~~الصدق لا النفاق فقال: يا أيها الذين آمنوا الآية. قال بعض العلماء: ظاهر ~~الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا ~~على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة. والكون مع ~~الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين. ثم إنه ثبت بالتواتر ~~من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على ~~المكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصا بالكون مع الرسول ~~وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك. ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصرا في ~~الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون ~~كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، ~~فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على ~~شيء كانوا صادقين ms2370 فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهرا وباطنا. ~~وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا ~~عليه من الطاعة نية وقولا وعملا. وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في ~~الصدق والثبات. وعن ابن عباس: # الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، ~~وقيل: # PageV03P542 # الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري. وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق ~~وكمال درجته. ومن خصائص الصدق ما # روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني أريد أن ~~أؤمن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم ~~هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها ~~آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم. فلما خرج من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ~~ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد ~~أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل. # ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن ~~الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرده وكفره ~~استنكف منه حتى استثنى في قوله لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ~~[ص: 82] . ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذبا عند المعتزلة وكونه مفضيا ~~إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم. ### | التأويل: # إن الله اشترى في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال ~~في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم ~~الجنة. التائبون عما سوى الله العابدون المتوجهون إليه على قدم العبودية ~~الحامدون ms2371 له على ما وفقهم لنعمة طلبه السائحون السائرون إليه بقدمي الصبر ~~والشكر أو التبري والتولي الراكعون أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى ~~القيام بموجدهم الساجدون الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم الآمرون بالمعروف ~~الحقيقي الناهون عما سواه والحافظون لحدود الله لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى ~~طلب غيره. ما كان للنبي فيه أن الاجتهاد ليس سببا لنيل المراد، وأن الهداية ~~من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية إن إبراهيم لأواه الأواه هو ~~المتبرئ من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية ~~تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس ~~القلب المضطر من الخلق إلى الحق. حليم عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له ~~من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا # وما كان الله ليضل قوما ليردهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد بعد إذ هداهم ~~إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد حتى يبين لهم ما يتقون من آفات # PageV03P543 # البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا ~~بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن ~~الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم ~~إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ ~~الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك ~~الأحوال. إن الله له ملك السماوات سموات القلوب والأرض أرض النفوس يحيي ~~بنور ربوبيته من يشاء ويميت عن صفات بشريته من يشاء وما لكم من دون الله من ~~ولي فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا ~~المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعا لقد تاب الله على النبي ~~التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقا لقوله وما ~~أرسلناك ms2372 إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107] الذين اتبعوه في ساعة عسرة ~~الدنيا وترك شهواتها. أو نقول لقد تاب الله أي أفاض أنوار عرفانه على نبي ~~الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة- عالم الروح- إلى مدينة الجسد ~~والأنصار من القلب والنفس وصفاتهما الذين اتبعوه في ساعة رجوعه إلى عالم ~~العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل. وعلى الثلاثة الذين خلفوا من النفس ~~والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء حتى إذا ضاقت ~~عليهم أرض البشرية شوقا إلى تلك الحضرة وضاقت عليهم أنفسهم تحننا إلى نيل ~~تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من ~~عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه ثم تاب عليهم بجذبة العناية، ولو وكلهم ~~إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبدا مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق ~~والله أعلم. ### | [سورة التوبة (9) : الآيات 120 الى 129] # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ~~(121) وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يا ~~أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا ~~أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ~~(125) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ms2373 ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (128) فإن تولوا ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) # PageV03P544 ### | القراآت: # موطئا ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف غلظة بفتح الغين: ~~المفضل. الباقون بكسرها. أولا ترون بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب. # الباقون على الغيبة. ### | الوقوف: # عن نفسه ط صالح ط المحسنين ه لا للعطف يعملون ه كافة ط يحذرون ه غلظة ط ~~المتقين ه إيمانا ط يستبشرون ه كافرون ه يذكرون ه إلى بعض ط لحق المحذوف أي ~~يقولون هل يراكم ثم انصرفوا ط لا يفقهون ه عزيز ط، على تأويل عليه شفاعة ما ~~عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى ~~قوله رحيم حسبي الله ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالا أي يكفي الله غير ~~مشارك في الألوهية إلا هو ط العظيم ه. ### | التفسير: # لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله وكونوا مع ~~الصادقين [الآية: 119] أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: ما كان ~~لأهل المدينة أي لا يستقيم ولا يجوز لهم. والأعراب الذين كانوا حول المدينة ~~قد ذكرنا- عن ابن عباس- أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد ~~المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام. ومعنى ولا يرغبوا ولا أن يرغبوا. يقال: ~~غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا ~~يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب صلاح أنفسهم ~~وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه ~~الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في ~~شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه. وفي هذا ~~النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد # PageV03P545 # بعينه للإجماع وأن ms2374 أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون ~~بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلا تحت عموم الآية. ثم ذكر ~~ترغيبا يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: ذلك بأنهم أي الوجوب الدال ~~عليه بقوله: ما كان لأهل المدينة بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب ~~وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب. والظمأ ~~شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ~~ضمور البطن، والموطئ إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في ~~يغيظ عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر. ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد ~~به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازا ~~فيراد به الإيقاع والإهلاك. قال ابن الأعرابي: # غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى. ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما ~~يسوءهم ويلحق بهم ضررا من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا ~~يتصرفون في أرض الكفار تصرفا يغيظهم ويرزؤهم شيئا إلا كتب لهم به عمل صالح. ~~وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه ~~كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما ~~أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية. # وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب ~~يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم. وقال ~~الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن ~~الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطرا. # قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا ~~بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر. # وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: ~~وما كان المؤمنون لينفروا كافة. وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم ~~الرسول وأمرهم. قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة ~~لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص ms2375 بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل ~~الجهاد. # قوله: ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة. قال المفسرون: يريد تمرة فما ~~فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة ~~ولا يقطعون واديا أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب ~~يقولون: لا تصل في وادي غيرك. وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال. والوادي ~~كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل. إلا كتب لهم ذلك الإنفاق والقطع ~~أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة. ثم ذكر غاية الكتب فقال: ~~ليجزيهم الله أي أثبت في صحائفهم # PageV03P546 # لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل. وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي ~~يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح. واعلم أنه سبحانه عدد ~~أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من ~~أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم ~~شطرا منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيها على أنه في الثواب جار مجرى عملهم ~~ولهذا صرح بذلك فقال: إلا كتب لهم به عمل صالح أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك ~~بقوله: إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو ~~الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر هاهنا على قوله إلا كتب لهم لأن هذا القسم من ~~عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد ~~إلى المصدر الدال عليه الفعل والله تعالى أعلم بمراده. ثم قال: وما كان ~~المؤمنون وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه سبحانه لما ~~بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سرية إلى الكفار ينفرون جميعا ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية. قاله ~~ابن عباس. والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل ~~يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى ~~الغزو. ثم هاهنا احتمالان لأنه قال محرضا فلولا ms2376 نفر أي هلا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة ليتفقهوا في الدين فذهب الأكثر إلى أن الضمير في ليتفقهوا عائد ~~إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا بقوا في ~~خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من ~~إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه ~~المقيمون في الدين ولينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ~~معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع ~~أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة ~~النافرة. وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد ~~القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار ~~فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته. فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم ~~بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق. القول ~~الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم ~~أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن ~~الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئا فشيئا، وأما في زماننا ~~فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب # PageV03P547 # عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول ~~الأسفار وحاول الأخطار. ومعنى ليتفقهوا ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا ~~المتاعب في دلائلها التفصيلية. والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث ~~يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات ~~كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي. وفي قوله: ولينذروا ~~قومهم إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما ~~يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب ~~والمفاخر، أعاذنا الله تعالى بفضله من ms2377 قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن ~~لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا. القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: # أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو ~~واحدا. ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: ولينذروا وأجيب بأن إيجاب ~~الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن ~~لم يلزم القبول ورد بأن قوله: لعلهم يحذرون إيجاب للعمل بأخبارهم. ثم أرشد ~~سبحانه إلى ترتيب القتال فقال: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم أي ~~يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلا إلى الأبعد. # والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض ~~منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه ~~منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من ~~المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في ~~الدعوة وكما في سائر المهمات مثلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين. وأيضا المئونة في قتال ~~الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على ~~أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد ~~فقد عرضوا الذراري للفتنة. وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ثم ~~غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام. # ويروى أن أعرابيا جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من ~~تلك المائدة فقال صلى الله عليه وسلم: كل مما يليك. # فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى ~~العدول ضرورة. وقوله وليجدوا فيكم غلظة أي شدة نظير قوله: # واغلظ عليهم [التحريم: 9] ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضا كالسخطة ~~وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل ~~والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، ~~أما فيما يتصل بالبيع # PageV03P548 # والشراء والمجالسة فلا وليكن ms2378 تقوى الله سبحانه على ذكر منه في موارده ~~ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: واعلموا أن الله مع المتقين فإن قلته قتله ~~لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة ~~راعى فيه حدود الله. ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكارا واستهزاء ~~بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، ~~أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول أيكم مرفوع ~~بالابتداء وخبره زادته هذه إيمانا. ثم إنه تعالى حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب ~~نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة ~~الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما ~~بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة ~~من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب. وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد ~~فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: # أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر ~~أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، ~~وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة ~~لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند ~~الأشاعرة لأنهم يقولون إنه سبحانه يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد ~~إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم ~~أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة ~~وازدادوا إيمانا. والتحقيق فيه أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا ~~باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجبا لازدياد رغبته في ~~الآخرة ونفرته عن الدنيا. وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا ~~وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض ~~النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل ~~بقدر. ثم عجب من حال المنافقين فقال: ms2379 أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة ~~أو مرتين قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض ثم لا يتوبون من النفاق ولا ~~يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين ~~يدي ربه فيزيده ذلك إيمانا وخوفا. وقال مجاهد: # بالقحط والجوع. وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة ~~الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل ~~وأموالهم للنهب من غير فائدة. وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول ~~بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم # PageV03P549 # بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون. ثم ذكر نوعا آخر من مخازيهم فقال وإذا ما ~~أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك. ~~والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين هل يراكم من أحد من ~~المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح ~~بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا ~~إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع ~~الباطل. ثم انصرفوا أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى ~~الطعن فيه. ومعنى صرف الله قلوبهم قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير. ~~وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم. وقال الزجاج: # أضلهم الله. قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن ~~الإيمان والمنع منه. # وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو ~~إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف ~~قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد. قالوا: ومعنى قوله: لا يفقهون لا ~~يتدبرون حتى يفقهوا. وعند الأشاعرة: # هم قوم جبلوا على ذلك. يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا ~~من الصلاة فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان ~~مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه تعالى قال: فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا ms2380 في الأرض وابتغوا من فضل الله [الجمعة: 10] . ثم لما أمر ~~رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون ~~الخطب في تحملها فقال: لقد جاءكم رسول من أنفسكم أي من جنس البشر لا الملك ~~لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم ~~في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب ~~لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا ~~يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم ~~فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته ~~مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟ أو المقصود من ذكر هذه الصفة ~~التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة ~~والعفاف، وتعرفون كونه حريصا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم. ~~فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم. وقرىء من أنفسكم ~~بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم. وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل ~~البيت عليهم السلام. ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج ~~وذلك قوله: عزيز عليه ما عنتم العزة # PageV03P550 # الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم. و «ما» مصدرية ~~أي شديد شاق عليه- لكونه بعضا منكم- عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره ~~بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه. حريص عليكم الحرص يمتنع ~~أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين فالصفة ~~الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار. وقال ~~الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع ~~تكرار. ثم بين أنه رحمة للعالمين فقال بالمؤمنين أي منكم ومن غيركم رؤف ~~رحيم قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه ~~الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم ~~وإنه كالطبيب الحاذق ms2381 وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق ~~فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعبا مؤلما فاقبلوا ما أمركم ~~به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن ~~لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جميع أمورك ~~إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك وهو رب العرش العظيم فلا يخرج عن قبضة ~~قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم. ### | التأويل: # ما كان لأهل مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب ومن حولهم من الأعراب ~~الصفات النفسانية والقلبية أن يتخلفوا عن رسول الروح السائر إليه ولا ~~يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ من ~~ماء الشهوات ولا نصب من أنواع المجاهدات ولا مخمصة بترك اللذات وحطام ~~الدنيا في طلب الله لا يطؤن موطئا من مقامات الفناء يغيظ كفار النفس والهوى ~~ولا ينالون من عدو الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقرا وحزنا وغير ذلك ~~من أسباب الفناء إلا كتب لهم به عمل صالح من البقاء بالله بقدر الفناء في ~~الله ولا ينفقون نفقة صغيرة هي بذل الصفات ولا كبيرة هي بذل الذات في صفات ~~الله وفي ذاته ولا يقطعون واديا من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى ~~والقلب والروح. أحسن ما كانوا يعملون لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق ~~عنه نطاق فهمهم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم [السجدة: 17] وما كان المؤمنون ~~لينفروا في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة ~~فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا ~~بذلك قومهم لعلهم يحذرون من غير الله. قاتلوا الذين يلونكم من كفار النفس ~~والهوى وصفاتها # PageV03P551 # وليجدوا فيكم غلظة عزيمة صادقة في ترك شهواتها وماتوا وهم كافرون أي لموت ~~قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: أولا يرون ~~أنهم يفتنون والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب [ق: ms2382 # 37] أي قلب حي هل يراكم من أحد في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد ~~إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولا يرانا بنور رسالته ثم انصرفوا ~~على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات ~~حياة القلب. # من أنفسكم تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم ~~استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم ~~الله. ومن قرأ من أنفسكم أي أشرفكم فلأنه أول جوهر خلقه الله تعالى # «أول ما خلق الله تعالى روحي» # ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه ~~بحلية فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] ولعلو همته، ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] ولرؤيته سر ~~القدر ولقد رأى من آيات ربه الكبرى [النجم: 18] بالمؤمنين رؤف رحيم فمن ~~رأفته أمر بالرفق كما # قال: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق» «1» # ومن رحمته قيل له فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159] وهاهنا نكتة ~~وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته ~~تعالى ورأفته للناس عامة إن الله بالناس لرؤف رحيم ونكتة أخرى هي أن رحمته ~~صلى الله عليه وسلم عامة للعالمين بقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~[الأنبياء: 107] وأما رحمته المضمومة الى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن ~~الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة ~~جميعا وغيرهم أمة الدعوة فقط فقل حسبي الله لأن المقصود من التبليغ قد حصل ~~لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان. ~~PageV03P552 ### | (سورة يونس) # (مكية إلا ثلاث آيات قوله تعالى فإن كنت في شك إلى آخرهن حروفها 5567 ~~كلماتها 1832 وآياتها 109) ### | [سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن ~~هذا لساحر مبين (2) إن ربكم الله الذي ms2383 خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ~~ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب ~~من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في ~~اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون ~~(6) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم ~~عن آياتنا غافلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات ~~النعيم (9) # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين (10) ### | القراآت: # الر بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة ~~والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. لساحر بالألف: ابن ~~كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون لسحر حقا إنه بالفتح. # يزيد. ضياء بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل يفصل بالياء: ابن # PageV03P553 # كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي. الباقون بالنون. واطمأنوا ~~بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. ### | الوقوف: # الر ق كوفي الحكيم ه ط عند ربهم ط مبين ه يدبر الأمر ط إذنه ط فاعبدوه ط ~~تذكرون ه جميعا ط، حقا ط، إلا لمن قرأ أنه بالفتح. بالقسط ط يكفرون ه ~~والحساب ط إلا بالحق ط لمن قرأ نفصل بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ~~يفصل حالا. يعلمون ه يتقون ه غافلون ه لا لأن غافلون خبر «إن» إن ج ط للحذف ~~تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام ~~الموعود النعيم ه سلام ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة ms2384 ~~أخرى لأن قوله وآخر دعواهم معطوف على دعواهم الأول العالمين ه. ### | التفسير: # اتفقوا على أن قوله الر ليس بآية وعلى أن طه آية. ولعل الفرق أن الر لا ~~يشاكل مقاطع الآي التي بعده، عن ابن عباس الر معناه انا الله أرى. وقيل: # لا رب غيري. وقيل: الر وحم ون اسم الرحمن تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة ~~من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله ~~عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة. وقيل: «فعيل» ~~بمعنى «فاعل» لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمدا صادق لأن ~~القرآن أظهر معجزاته وأبقاها. # وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى ~~المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ~~ولا يغيره الدهور. # ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة ~~والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون تلك ~~إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن. واعلم أنه سبحانه لما ختم ~~السورة المتقدمة بقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: 127] صدر هذه ~~السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس ~~الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه. ولما بين بهذا ~~الطريق أن محمدا رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه ~~رسولا فقال: أكان للناس عجبا نصب على أنه خبر كان واسمه أن أوحينا وفائدة ~~اللام في قوله: للناس مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم ~~إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالوحي والنبوة # فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله # PageV03P554 # إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، # وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ولو جعلناه ~~ملكا لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] قل لو كان في الأرض ms2385 ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا. [الاسراء: 95] . وأما الثاني فلأن ~~الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحا لأن الله غني عن العالمين وما أموالكم ~~ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى [سبأ: 37] وإنما المعتبر في الاستنباء ~~كونه متصفا بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمدا الأمين. و «أن» في قوله: أن أنذر ~~الناس هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد ~~عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس. وقوله: ~~وبشر الذين آمنوا أن لهم أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام ~~للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين. ويحتمل أن يراد بالناس الكفار ~~فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائدا إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل ~~المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدى، وإرسال الرسل أمر ما ~~أخلى الله تعالى المكلفين عنه شيئا من الأزمنة، وبه تتم المالكية والأمر ~~والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء. وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن ~~الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي ~~والتخلية مقدمة على التحلية. ومعنى قدم صدق سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق ~~لهم عند الله خير. قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير. وقال ابن ~~الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء. والسبب في ~~إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب ~~باسم السبب كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق ~~لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ~~ويحق أن تسمى قدما. وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال ~~الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. أما قوله: قال الكافرون فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما ~~أنذرهم قالوا ms2386 ذلك. ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومن قرأ السحر فهو إشارة الى القرآن وفيه دليل على عجزهم ~~واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا ~~أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جار مجرى السحر. ~~ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم ~~البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين ~~متواليتين. وقد مر في الأعراف تفسير قوله: إن ربكم الله # PageV03P555 # الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش # فلا حاجة إلى الإعادة. # ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من ~~قضائه وتقديره فقال: يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه وإنما فقد ~~العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: إن ربكم الله إلخ. ~~والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش. ~~والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله ~~الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. قال ~~الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام ~~شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا ~~بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا ~~يعلمون أنه صواب وصلاح. ففي قوله: يدبر الأمر إشارة إلى استقلاله في التصرف ~~في جانب المبدإ، وفي قوله ما من شفيع إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد. ~~ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح ~~مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى ~~عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم. قال أبو مسلم: الشفيع ~~معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي ~~معه ms2387 ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في ~~الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: «كن» حتى كان وحصل. ثم أشار إلى المعلوم ~~بالأوصاف المذكورة فقال: ذلكم الله ربكم الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء ~~النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما فاعبدوه وحده أفلا ~~تذكرون فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته ~~وجلاله. ثم شرع في إثبات المعاد فقال: إليه مرجعكم أي رجوعكم جميعا ~~مجموعين. وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا ~~إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: وعد الله حقا وفيه ~~تأكيدان كما مر. # ثم قال: إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال ~~إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: وننشئكم ~~في ما لا تعلمون # [الواقعة: 61] يعني أنه سبحانه لما كان قادرا على إنشاء ذواتكم أولا ثم ~~على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانيا شيئا فشيئا من غير أن تكونوا عالمين ~~بوقت حدوثه وبوقت نموه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء ~~بعد البلى والتفرق. ومن قرأ أنه بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو ~~على أنه منصوب بالفعل الذي نصب # PageV03P556 # وعد الله أي وعد الله وعدا بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعا ~~بما نصب حقا أي حق حقا بدء الخلق. # ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم ~~يميتهم ثم يعيدهم ليجزي. وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: فاعبدوه ولأن ~~الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام. وقوله: بالقسط أي بالعدل متعلق ~~ب ليجزي أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا ~~أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحا وهذا وجه حسن لطباق قوله: بما كانوا يكفرون ~~وفي قوله: والذين كفروا # من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في ms2388 الأولى دليل على أنه ~~خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر. ~~والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره. قالت الأشاعرة: في الآية ~~دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة. وأجيب بأن ~~عدم الذكر لا يدل على العدم ورد بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز ~~طي ذكرهم؟ واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين ~~بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلا ~~يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج ~~عقلية منها: أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولا وقدرا فيجب في حكمته أن ~~يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا ~~بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك. هذا في المأمورات وبالعكس في ~~المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من ~~دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله تعالى كاذبا ~~في قوله: ليجزي إلخ. # فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين ~~الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟ ولئن سلم فلم لا ~~يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا ~~يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه ~~لا كذب؟ سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل ~~إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟ # فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى ~~والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض ~~فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف ~~في ذلك مناف للغرض، وأخذ # PageV03P557 # الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو ms2389 في ~~العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم ~~وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات. ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم ~~أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه ~~كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: # كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت. ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، ~~والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى ~~يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى ~~تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج ~~والفتن وحينئذ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به. فإن قيل: لم لا يكفي في ~~نظام العالم مهابة الملوك وسياستهم؟ # قلنا: إن لم يكن السلطان قاهرا قادرا على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان ~~قاهرا غالبا ولا خوف له من المعاد فحينئذ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء ~~لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة. ومنها ~~أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم ~~فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات ~~هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي ~~وكان هذا حاصلا قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة. وأيضا إن لذات الدنيا ~~مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للراحة دار ~~أخرى. فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟ قلنا: الفرق ~~أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق ~~فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. ~~ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها ~~تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم ms2390 الإنسان، ~~والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في ~~الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن ~~للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سببا لشقائه وخسته دون ~~شرفه ومزيته. ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوبا بالآفات أو خالصا ~~عنها، فلما أنعم الله تعالى علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم ~~علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهارا لكمال القدرة والرأفة والحكمة، ~~فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن # PageV03P558 # المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات. ومما يقوي هذا الكلام ~~أن الإنسان دائما في الترقي من حين كونه جنينا في بطن أمه إلى أن يخلص من ~~ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد ~~الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير ~~أميرا نافذ الحكم على الخلق أو عالما مشرفا على حقائق الأشياء، فوجب بحكم ~~هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة ~~المشوبة بالآلام. ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له ~~فإن كان هذا المذهب حقا فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلا لم يضرنا هذا ~~الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات. ومنها أن ~~أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء. ثم ~~إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك ~~في الإنسان؟ ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة نولدت من الأغذية الكائنة ~~من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت ~~تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟ ومنها ~~أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم ~~بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملا يكذبون عليه ويجورون، فلا بد ~~من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز ms2391 خلف فيهما كما مر، ولا ~~يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء. # وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية المصالح ~~فإنهم يقولون: # المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى ~~جائزا فالمرة الثانية أيضا جائزة. ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع ~~المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد- وإن اختلطت ~~بأجزاء التراب والبحار- عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل ~~الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن ~~والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني. أما ~~شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شرا من هذه ~~فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيرا منها فإما أن يقال إنه ~~قادر على خلق ذلك الأجود أولا ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ~~ما كان قادرا ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل ~~إلى الحكمة فهو محال على القديم. والجواب أن كلا من الدارين خير في وقتها ~~فالأولى لتحصيل الكمالات # PageV03P559 # النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة ~~والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له ~~وما لا ضد له لا يقبل الفساد. والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل ~~جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة. ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير ~~أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي ~~المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان ~~الجمع بين الأزل والحركة محالا. ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن ~~يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضيا لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟ ومن ~~ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل ~~بشرط وقوعها على ms2392 تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان ~~والموجود مغاير للمعدوم. فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك ~~الصورة والأعراض وعود المعدوم محال. وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا ~~الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهرا مجردا مفارقا أو جسما مخصوصا لطيفا ~~باقيا في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصونا عن التحلل والتبدل وهو ~~الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية. ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل ~~الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من ~~الشخصين وذلك محال. وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءا ~~من إنسان آخر. فهذه خلاصة ما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله تعالى ~~أعلم بحقائق الأمور. # ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: هو الذي جعل الشمس ضياء وهو أجوف ~~واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ~~ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف ~~فانقلب همزة كما في «كساء» . وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ~~ضاء يضوء مثل قام قياما وصام صياما، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ~~ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما ~~يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود. والضياء أقوى من النور. ولا خلاف بين ~~العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، وأما نور القمر فقد ذهب ~~جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من ~~الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله تعالى: # يسئلونك عن الأهلة [البقرة: 189] وقدره منازل قال في الكشاف: أي قدر ~~مسيره منازل أو قدره ذا منازل. ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم ~~وليلة بحركته الخاصة # PageV03P560 # به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين إلخ. ~~وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازل، فنرى القمر كل ليلة ms2393 ~~نازلا بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجا على ثمانية ~~وعشرين- عدد أيام دور القمر- فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل ~~بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه. ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على ~~المكلفين فقال: لتعلموا عدد السنين والحساب حساب الأوقات من الأشهر والأيام ~~والليالي. وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما ~~على الأخرى في تفسير قوله تعالى: إن عدة الشهور [التوبة: 36] الآية فلا ~~حاجة إلى التكرار. ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: # ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبسا بالحق والصواب دون الباطل والعبث، ~~فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى ~~فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، ~~وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف ~~أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ~~ولهذا قال: يفصل الآيات لقوم يعلمون لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل. ~~وقيل: المراد بالعلم هاهنا العقل الذي يعم الكل. ثم ذكر المنافع الحاصلة من ~~اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة «البقرة» في قوله: إن في خلق ~~السماوات والأرض [الآية: 164] . ومعنى قوله: # وما خلق الله في السماوات والأرض كقوله: وما خلق الله من شيء [الآية: ~~185] وقد مر في آخر «الأعراف» . وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون ~~العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر. قال القفال: من تدبر في هذه ~~الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل ~~جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ~~ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول ~~بالمبدإ والمعاد. # ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: إن الذين لا ~~يرجون لقاءنا عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله ~~تعالى: # وهم من الساعة مشفقون [الأنبياء: 49] واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء ~~بالخوف وقالوا: ms2394 إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله ~~السعداء، أو لا يتوقعونه أصلا لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب ~~اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ورضوا مع ذلك ~~بالحياة الدنيا الحسية الخسيسة واطمأنوا # PageV03P561 # بها # سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك والاستغراق في ~~اللذات الجسمانية والذين هم عن آياتنا غافلون فلا يعتبرون بالآيات ولا ~~ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ~~ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد أولئك مأواهم النار فيه معنى الجزاء ولذلك ~~تعلق به قوله: بما كانوا يكسبون وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في ~~حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد ~~من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن ~~مجالسة معشوقة فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها ~~أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات. هذا حال من لا ~~يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: إن الذين ~~آمنوا استكملوا من جهة القوة النظرية وعملوا الصالحات استكملوا من قبل ~~القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به ~~الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم ~~جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام ~~الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله تعالى: يهديهم ربهم ~~بإيمانهم قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثوابا لهم على إيمانهم ~~وأعمالهم الصالحة. ومعنى قوله: بإيمانهم أي بإيمانهم هذا المضموم إليه ~~العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله تعالى: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم [الحديد: 12] # وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله ~~الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة. ~~والكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا ms2395 عملك فينطلق ~~به إلى النار» . # وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من ~~الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ~~ولذلك جعل تجري من تحتهم الأنهار بيانا له وتفسيرا لأن التمسك بسبب السعادة ~~كالوصول إليها. فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا ~~بعد الإيمان. قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم ~~وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: تجري خبرا مستأنفا ~~منقطعا عما قبله. والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة ~~والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش ~~الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية ~~وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعانا وإشراقا حتى إنه يقوى بها على تحصيل ~~المعارف الباقية # PageV03P562 # بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدئ، فإن ~~الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال ~~الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال ~~تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما ~~كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه ~~الهداية. وفي قوله: يهديهم ربهم بإيمانهم دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين ~~لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق. ~~ومعنى: تجري من تحتهم الأنهار أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة ~~كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم. دعواهم فيها قال بعض ~~المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد. ~~وقيل: # الدعاء العبادة كقوله: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله [مريم: 48] وإنما ~~تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجا ~~بذكر الله. وقيل: # الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة ~~تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصله من الدعاء ~~لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما. وقيل: أي ms2396 طريقتهم وسيرتهم وذلك ~~لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن ~~لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى. وقيل: أي تمنيهم كقوله: ولهم ~~ما يدعون [يس: 57] أي ما يتمنونه. # وتقول العرب: ادع علي ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح ~~الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ~~ويستنصرونه فيقولون: # يا آل فلان فأخبر الله تعالى عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم ~~بتحميده وتحيتهم فيها سلام أي بعضهم يحيي بعضا بالسلام. وقيل: هي تحية الله ~~أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول وآخر دعواهم أن الحمد هي «أن» ~~المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد لله على أن الضمير للشأن. قال أهل ~~الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: سبحانك ~~اللهم علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه. ~~قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مر بهم طير يشتهونه قالوا: سبحانك ~~اللهم فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: الحمد لله ~~رب العالمين وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل ~~الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في ~~الوعد. وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به # PageV03P563 # الملائكة قبلهم في قولهم: ونحن نسبح بحمدك [البقرة: 30] ويمكن أن يقال: ~~إن لكل إنسان معراجا بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله ~~تعالى قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك ~~المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام ~~فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه ~~وذلك قوله: وتحيتهم فيها سلام ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم ~~بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: # الحمد لله رب العالمين. وعلى هذا يدور أمرهم في العروج ms2397 والنزول ما داموا ~~في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى # لقوله: «كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون» . ### | التأويل: # الر فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد صلى الله عليه ~~وسلم كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود ~~وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد. والثانية من الحق لنبيه عليه السلام ~~إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به ~~حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير ~~كله بيديك. وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] ~~تلك أي هذه الآيات المنزلة عليك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك في الأزل ~~وراثته لك ولأمتك. # والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام ~~والكتب كلها إلى رجل منهم لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل ~~أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله قدم صدق محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ~~أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية # «سبقت رحمتي غضبي» «1» # لساحر مبين صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس. ~~إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة ~~أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة ~~المعدنية ثم استوى على عرش القلب يدبر أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف ~~يشاء. إليه مرجعكم جميعا فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ~~ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف ~~النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع PageV03P564 # المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال. ومن نتائجه تعلقات الدنيا ~~واستيلاء صفات النفس بالقسط أي لكل بحسب كماله ونقصانه. جعل شمس الروح ضياء ~~يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس ~~انكسف ولهذا سمي قلبا لتقلب أحواله بين الروح والنفس. وتلك الأحوال هي ~~منازله ومقاماته لتعلموا عدد ms2398 سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات إن في ~~اختلاف ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية وما خلق الله في سموات ~~الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال لآيات دالة على ~~التوحيد لقوم يتقون الأخلاق الذميمة والذين هم عن آياتنا غافلون وإن لم ~~يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله ~~تعالى أعلم. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 11 الى 20] # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه ~~أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون (12) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ~~ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما ~~يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم (15) # قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله ~~أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا ~~يفلح المجرمون (17) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) ويقولون لولا ~~أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ~~(20) ### | القراآت: # لقضي إليهم مبنيا للفاعل أجلهم بالنصب: ابن عامر ويعقوب. # الآخرون مبنيا للمفعول ورفع أجلهم أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى ~~خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام لي أن بفتح الياء وكذلك إني ~~أخاف: ms2399 أبو # PageV03P565 # جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. نفسي إن بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ~~ونافع. # ولأدراكم بلام الابتداء فعلا ماضيا مثبتا: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة. ~~وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة ~~وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون ~~بالإمالة فعلا ماضيا منفيا بلا. الباقون: مثله ولكن بالتفخيم. تشركون بتاء ~~الخطاب وكذلك في «النحل» و «الروم» : حمزة وعلي وخلف. الباقون بالياء. ### | الوقوف: # أجلهم ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر يعمهون ه أو قائما ط مسه ط يعملون ه ~~ظلموا لا لأن الواو للحال ليؤمنوا ط المجرمين ه تعملون ه بينات لا لأن ما ~~بعده جواب «إذا» أو بدله ط. نفسي ج ط لأن «ان» النافية لها صدر الكلام ولكن ~~القائل متحد إلي ط ج لمثل ما قلنا عظيم ه به ط والوصل أولى للفاء أو لشدة ~~اتصال المعنى من قبله ط تعقلون ه بآياته ط المجرمون ه عند الله ط في الأرض ~~ط يشركون ه فاختلفوا ط يختلفون ه من ربه ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ~~فانتظروا ج لاحتمال الابتداء أو التعليل المنتظرين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم فالأولى أنهم تعجبوا من ~~تخصيص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار ~~وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل ~~التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى. ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم ~~كانوا يقولون أبدا اللهم إن كان محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء ~~فأجابهم بقوله: ولو يعجل الله الآية. وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم ~~الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة ~~الدنيا وإلا نافى التكليف. وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك ~~بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبين الله تعالى ~~أنه ms2400 لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم ~~من يؤمن. كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية ~~التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو ~~عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا ~~وأهلكوا. قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم ~~الخير. فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم # PageV03P566 # الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم. ~~وقيل: # التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر. فمعنى الآية لو ~~أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم. وقيل: هما متلازمان ~~فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم ~~بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب. وسمي العذاب في الآية شرا ~~لأنه أذى وألم في حق المعاقب به. ثم إن قوله لو يعجل كان متضمنا لمعنى نفي ~~التعجيل فيمكن أن يكون قوله فنذر الذين معطوفا على منوي كأنه قيل: ولكن لا ~~يعجل فيذرهم إلزاما للحجة أو لمصالح أخرى. ثم بين أنهم كاذبون في استعجال ~~الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: # وإذا مس الإنسان الضر أي هذا الجنس دعانا لجنبه اللام في معنى الوقت ~~كقولك: # جئته لشهر كذا. وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح ~~عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعا أو قاعدا أو ~~قائما أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه. والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله ~~لا يفتر عن الدعاء. ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين ~~كان مضطجعا غير قادر على القعود أو قاعدا غير قادر على القيام، أو قائما لا ~~يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها. أو يراد أن من ~~المضرورين من هو أسوأ حالا وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر ~~على القعود، ms2401 ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء. قال بعض ~~المفسرين: الإنسان هاهنا هو الكافر. ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ~~ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر. وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله ~~تعالى: هل أتى على الإنسان [الدهر: 1] إلا أن يساعده نقل صحيح. # والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفا لا يصبر على اللأواء ~~ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في ~~جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن ~~أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ~~ورضوا بقضائه. قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس ~~الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما. وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ ~~من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعيا على الدوام ثم نسي ذلك في وقت ~~الرخاء كان أعجب. ومعنى مر مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومر عن ~~موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه. ومعنى كأن لم يدعنا كأنه لم يدعنا فخفف ~~وحذف ضمير الشأن كذلك مثل ذلك التزيين زين للمسرفين ما كانوا يعملون من # PageV03P567 # تتبع الشهوات. والمزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة ~~الجبر والقدر وقد مر مرارا. قال العلماء: سمي الكافر مسرفا لأنه أنفق ماله ~~من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة ~~الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا ~~أصل لها ولا دوام. والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض ~~الخسيس فصح ما قلنا. # ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ~~ولقد أهلكنا القرون وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ولما ظرف لأهلكنا ~~والواو في وجاءتهم للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالدلائل ~~والحجج على صدقهم وهي المعجزات. وقوله: وما كانوا ليؤمنوا إما أن يكون عطفا ~~على ظلموا أو ms2402 يكون اعتراضا واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم ~~يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم كذلك أي ~~مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على ~~تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: ثم جعلناكم خلائف أي استخلفناكم في الأرض بعد ~~تلك القرون لننظر كيف تعملون خيرا أو شرا. # استعير النظر للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي ~~يتعلق به الجزاء كما مر في «الأعراف» . قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا ~~خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار. ~~ثم حكى نوعا ثالثا من شبهاتهم فقال: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يؤمنون ~~بالمعاد لأن كل من كان مؤمنا بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، ~~وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم. طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما ~~الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، وإما تبديل هذا ~~القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها، فأمره الله تعالى أن يقول في ~~جوابهم ما يكون لي أي ما ينبغي وما يحل أن أبدله من تلقاء نفسي من قبل نفسي ~~فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر ~~بالطريق الأولى. ثم أكد الجواب بقوله: إن أتبع أي ما أتبع إلا ما يوحى إلي ~~إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل. وقد تمسك بهذا ~~نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد. وأجيب بأن رجوعهما أيضا إلى الوحي. # ونقل عن ابن عباس أن قوله: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم منسوخ ~~بقوله: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح: 2] وضعف بأن النسخ ~~إنما # PageV03P568 # يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية. قال ~~المفسرون: هذا الالتماس ms2403 منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية. فقد روى ~~مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزءون في قوله: إنا ~~كفيناك المستهزئين [الحجر: # 95] . ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك ~~علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآنا ~~آخر لا يكون كذلك. # ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله سبحانه وأنه غير مستبد في إيراده ~~فقال: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ولا أعلمكم الله به على ~~لساني. ومن قرأ بلام الابتداء فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به ~~على لسان غيري، ولكنه يمن على من يشاء من عباده فرآني أهلا لذلك دون غيري. ~~وقرىء لا أدراكم به بالهمزة. ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو ~~يكون من الدرء الدفع. ومعنى ادرأته جعلته دارئا أي لم أجعلكم بتلاوته خصما ~~تدرؤنني بالجدال وتكذبونني فقد لبثت فيكم عمرا أي بعضا معتبرا من العمر وهو ~~أربعون سنة من قبله أي من قبل نزول القرآن أفلا تعقلون فيه قدح في صحة ~~عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأولين والآخرين ~~المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ~~ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك ~~إنكارا للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا الآية. وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلى الله لم يكن أحد أظلم منه. # ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقض مقصودهم من الالتماس فقال ويعبدون ~~من دون الله ما لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه ومن حق المعبود ~~أن يكون مثيبا معاقبا. وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل ~~من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا ~~له ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ms2404 عند الله. # قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون [الآية: 22] ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: قل أتنبئون الله ~~بما لا يعلم والمراد انه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجودا لكان ~~معلوما للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور. تقول: ما ~~علم الله ذلك مني. والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط. وفي قوله: في السماوات ~~ولا في الأرض تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتف معدوم. قوله: ~~سبحانه وتعالى عما يشركون إما أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تعالى تنزيها لنفسه عن إشراكهم ~~أو عن # PageV03P569 # الشركاء الذين يشركونهم به. ثم بين أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس- ~~يعني العرب أو البشر كلهم- كانوا على الدين الحق فاختلفوا. وقد مر تفسير ~~مثله في سورة البقرة في قوله: كان الناس أمة واحدة [الآية: 213] والمقصود ~~هاهنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير ~~طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ولولا كلمة سبقت من ربك من بناء ~~أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم ~~بينهم إلى يوم القيامة، أو من # قوله: «سبقت رحمتي غضبي» «1» # لقضي بينهم عاجلا ولميز المحق من المبطل. ثم ذكر نوعا رابعا من أغاليطهم ~~فقال: ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه وقد مر تفسيره في «الأنعام» في ~~قوله: لولا نزل عليه آية من ربه [الأنعام: 37] كأنهم لم يعتدوا بالقرآن آية ~~فاقترحوا غيره تعنتا. فقل إنما الغيب لله هو المختص بعلمه فانتظروا نزول ما ~~اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 21 الى 30] # وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) هو الذي يسيركم في البر والبحر ~~حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ms2405 طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ~~وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في ~~الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ~~ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ~~(24) والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون (26) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ~~ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) ~~فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلوا ~~كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) ~~PageV03P570 ### | القراآت: # يمكرون بياء الغيبة: سهل وروح. الباقون: بالتاء الفوقانية. # ينشركم بالنون: ابن عامر ويزيد. الباقون يسيركم من التسيير متاع بالنصب: # حفص والمفضل. الباقون بالرفع قطعا بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ~~ويعقوب. # والآخرون بفتحها تتلوا بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن ~~عاصم نبلوا بالنون ثم الباء الموحدة. كل نفس بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ~~كل بالرفع. ### | الوقوف: # آياتنا ط مكرا ط، تمكرون ه والبحر ط في الفلك ج ط للعدول مع أن جواب ~~«إذا» منتظر، أحيط بهم لا لأن قوله: دعوا بدل من ظنوا لأن دعاءهم من لوازم ~~ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل دعوا جوابا عن سؤال سائل فما صنعوا كان ~~للوقف ms2406 وجه. الدين ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ~~الشاكرين ه بغير الحق ط. على أنفسكم ط، إلا لمن جعله متعلقا ب بغيكم تعملون ~~ه الأنعام ط عليها لا لأن ما بعده جواب «إذا» . # بالأمس ط يتفكرون ه السلام ط مستقيم ه وزيادة ط ولا ذلة ط، الجنة ج ط ~~خالدون ه بمثلها لا لأن قوله وترهقهم معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة ~~وترهقهم ذلة. عاصم ج ط لأن الكاف لا يتعلق ب عاصم مع تعلقها بذلة قبله ~~معنى، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما مظلما ط أصحاب ~~النار ج ط خالدون ه وشركاؤكم ج للعدول مع فاء التعقيب تعبدون ه لغافلين ه ~~يفترون ه. ### | التفسير: # لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عنادا ومكرا ~~ولجاجا أكد ذلك بقوله: وإذا أذقنا روي أنه سبحانه سلط القحط على أهل مكة ~~سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى ~~الأصنام- وقيل نسبوها إلى الأنواء- فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم ~~وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط ~~في المناظرة. وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة ~~قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة. وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا ~~يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه. قال في الكشاف: ~~معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. وهذا أيضا من جملة الضعف ~~لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد. و «إذا» الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء ~~في # PageV03P571 # جواب الشرط كما في قوله: إذا هم يسخطون [التوبة: 58] وفائدته أن يعلم ~~أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ~~ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال سبحانه قل الله أسرع مكرا يقدر ~~على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل ~~معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظا بيانه ms2407 قوله إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ~~وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ويرسل عليكم حفظة [الأنعام: 62] . واعلم ~~أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: وإذا مس الإنسان الضر [يونس: 12] ~~إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون ~~الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأسا برأس. ثم ضرب لأجل ~~ما وصفهم به مثالا حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: هو الذي يسيركم ~~ومن قرأ ينشركم فكقوله: # فانتشروا في الأرض [الجمعة: 10] قال بعض العلماء: المسير في البحر هو ~~الله سبحانه وتعالى، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار. ~~والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله تعالى، غاية ذلك أن ~~آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: والفلك التي تجري ~~في البحر [البقرة: 164] قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر ~~طلبا للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير. وحتى ~~لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في ~~الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، ~~والضمير في جرين للفلك على أنها جمع كما مر. وثالثها فرحهم بها. والقيود ~~المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضا: أولها جاءتها أي الفلك أو الريح الطيبة ~~تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف ~~شدة هبوب الريح. وثانيها وجاءهم الموج من كل مكان أي من جميع جوانب أحياز ~~الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر. وثالثها وظنوا أنهم أحيط بهم ~~أي غلب على ظنونهم الهلاك. وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا ~~من البوار، فجعل إحاطة العدو بالشخص مثلا في الهلاك. وقرىء في الفلكي ~~والياء زائدة كما في «الأحمري» أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك ~~إلا فيه. قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: # وجرين بهم إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم ~~حالهم ليعجبهم ms2408 منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. وقال الإمام فخر الدين ~~الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت ~~والتبعيد كما أن عكس ذلك في # PageV03P572 # قوله: إياك نعبد [الفاتحة: 5] دليل الرضا والتقريب. قلت: هذا وجه حسن. ~~أما قوله: دعوا الله مخلصين فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به ~~من آلهتهم شيئا، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية. وقال الحسن: ليس هذا ~~إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك ~~جاريا مجرى الإيمان الاضطراري. وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ~~ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله. وعن أبي عبيدة: أن ~~المراد من ذلك الدعاء قولهم: «أهيا شراهيا» تفسيره «يا حي يا قيوم» # يحكى أن رجلا قال لجعفر الصادق رضي الله عنه: ما الدليل على إثبات ~~الصانع؟ # فقال: أخبرني عن حرفتك. فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟ ~~فقال: # ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح ~~العاصفة. قال جعفر الصادق رضي الله عنه: هل وجدت في قلبك تضرعا؟ فقال: نعم. ~~قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت. # لئن أنجيتنا من هذه الشدة كما مر في الأنعام يبغون في الأرض بغير الحق ~~البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله ~~الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: بغير الحق قال في الكشاف: # إنما زاد هذا القيد احترازا من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم ~~دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. ~~قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ويقتلون النبيين بغير الحق ~~[البقرة: 61] من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال ~~على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا. # ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو ~~على أنه خبر وقوله: على أنفسكم صلة أي ms2409 إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم ~~جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من ~~منكرات المعاصي # قال صلى الله عليه وسلم: «أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشر عقابا ~~البغي واليمين الفاجرة» # وروي «اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين» # وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر. قال ~~تعالى: إنما بغيكم على أنفسكم أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياما ~~قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ثم إلى ما وعدنا من المجازاة ~~مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل ~~في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت. ثم ذكر مثلا لمن يبغي في الأرض ويغتر ~~بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: إنما مثل الحياة الدنيا أي صفتها العجيبة ~~الشأن كماء أنزلناه من السماء فاختلط به أي اشتبك بسبب هذا الماء # PageV03P573 # نبات الأرض فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب ~~المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ~~ولا مترعوع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض ~~وتكاثف. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به ~~كل مموه مزور. وازينت أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل. وهذا كلام ~~في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل ~~لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها وظن ~~أهلها أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون عليها متمكنون من تحصيل ~~ريعها. أتاها أمرنا بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات. ليلا أو ~~نهارا أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ~~فجعلناها أي زرعها حصيدا شبيها بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله. كأن ~~لم تغن أي كأن الشأن لم يلبث زرعها بالأمس أي في زمان قريب. يقال: غنى ~~بالمكان بالكسر يغنى ms2410 بالفتح إذا أقام به. والأمس مثل في الوقت القريب. هذا ~~والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب. قال في ~~الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في ~~جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه. وقيل: ~~المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا ~~النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك ~~بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه ~~الموت. وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر ~~بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد. ويحتمل أن يكون هذا مثلا لمن لا ~~يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى ~~فكذا النشور كذلك نفصل الآيات نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها ~~وتواليها سببا لقوة اليقين وموجبا لزوال الشك لقوم يتفكرون في أحوال الآفاق ~~والأنفس. ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في ~~الآخرة بقوله: والله يدعوا إلى دار السلام ومثله ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيد بنى دارا وصنع مائدة ~~وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم ~~يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة ~~الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم» «1» PageV03P574 # وعنه صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان ~~يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله ~~يدعو إلى دار السلام» # واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية. فقيل: لأن ~~السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه ~~تعالى لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم ~~والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى ms2411 ~~بدار أضافها الله تعالى لنفسه فضلا وشرفا وبهجة وسرورا. وقيل: سميت دار ~~السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات. وقيل: # لفشو السلام بينهم تحيتهم فيها سلام [يونس: 10] والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب سلام عليكم [الرعد: 24] سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] واعلم أن ~~الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة ~~الله تعالى وإرادته. # وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من ~~أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها. والمراد من الهداية ~~الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس ~~أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله. وذهب غيره إلى أن المراد إتيان ~~الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم. وأما ~~الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى. وقال ابن الأنباري: العرب ~~توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك ~~موصوفها. وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى ~~للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله تعالى لعباده، فالزيادة ~~عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية. وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن ~~تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى بعد تسليم جوازها ليست من جنس ~~نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله [فاطر: 30] . وزيف بأن الزيادة إذا كان ~~المزيد عليه مقدرا بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل ~~لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة. أما إذا كان غير مقدر كما لو ~~قال: أعطيتك الحنطة وزيادة. لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه. ~~والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء ~~مغاير لكل ما ms2412 في الجنة. # وعن علي عليه السلام: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة. # وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر # PageV03P575 # أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن ~~سمرة: # هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون ~~شيئا إلا أمطرتهم. هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن ~~الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ولا يرهق أي لا يغشى وجوههم قتر غبرة فيها سواد ~~ولا ذلة ولا أثر هوان وكسوف بال. ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة ~~من الانقطاع بقوله: # أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون وهذا معنى قول علماء الأصول «الثواب ~~منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم» . ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ~~والذين أي وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أي جزاؤهم أن تجازى ~~سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها. ومن جوز العطف على عاملين مختلفين ~~جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها. قالت ~~المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه ~~دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات ~~الزيادة على المثوبة على فضله. وترهقهم ذلة فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين ~~عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سببا لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا ~~على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ~~ونور ومنه قول الشبلي رضي الله عنه: # كل بيت أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج # ومريض أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج # ما لهم من الله من عاصم أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من ~~جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين. والتحقيق أنه لا عاصم من الله ~~لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة ~~أظهر كقوله: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: 16] ثم بالغ في ~~الكشف عن سواد وجوههم فقال: # كأنما أغشيت ms2413 أي ألبست وجوههم قطعا من الليل من قرأ بسكون الطاء فمعناه ~~البعض والطائفة ومظلما صفته. ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعة فمظلما حال ~~من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في من الليل أو أغشيت لأن قوله: من ~~الليل صفة لقوله: قطعا فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة ~~قاله في الكشاف. واعلم أن جمعا من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ~~والذين كسبوا السيئات هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل ~~قوله: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم [آل عمران: 106] وقوله: ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة # PageV03P576 # ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 40- 42] ولقوله بعدها ويوم نحشرهم والضمير عائد إلى هؤلاء. ثم إنه ~~وصفهم بالشرك. وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن ~~الآيات المذكورة مخصصة. ثم شرح بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ويوم ~~نحشرهم منصوب بإضمار «اذكر» أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس. ~~وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد ~~خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وفيه إشارة إلى أن ~~الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبودا برىء من ذلك ~~في مقام لا ينفع إلا الصدق. قال في الكشاف: مكانكم أي الزموا مكانكم لا ~~تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم. وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال ~~وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب. وأنتم لتأكيد الضمير في مكانكم ~~لسده مسد قوله: # «الزموا» . وشركاؤكم عطف عليه. فزيلنا بينهم ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل ~~التي كانت بينهم في الدنيا. قيل: عين الكلمة «واو» لأنه من زال يزول. وإنما ~~قلبت ياء لأن وزن الكلمة «فيعل» أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد. وقيل: ~~هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن «فعل» ونظير زيلنا قوله: ~~ونادى أصحاب الأعراف [الآية: 48] لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن وقال ~~شركاؤهم في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم ms2414 جعلوا نصيبا من أموالهم لتلك ~~الأصنام فهم شركاؤهم. ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: مكانكم ومنها ~~أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء. # وقيل: هم الملائكة لقوله: ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون وقيل: كل من عبد من دون الله. وقيل: الأصنام لأن هذا ~~الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين. وكيف تنطق هذه ~~الأصنام؟ قيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق. ثم هل يبقيهم أو ~~يفنيهم؟ الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه. وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط. ~~وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديدا في حق المعبودين؟ قالت ~~المعتزلة: لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده ~~وتخويفه. وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل. أما قول الشركاء ما كنتم إيانا ~~تعبدون وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا ~~لقولهم: # فكفى بالله شهيدا الآية. ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ~~ولا شعور. وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى ~~كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين. وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار ~~وزنا فجعلوها # PageV03P577 # كالعدم. وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ~~ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال. وهنالك أي في ذلك المقام وفي ذلك ~~الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان. تبلوا كل نفس تختبر ~~وتذوق ما أسلفت من العمل. ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو ~~نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر. ومن قرأ ~~تتلوا بتاءين فمعناه تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة ~~أو إلى طريق النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر. وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق الصادق ربوبيته وضل عنهم وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم ~~شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة. # والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق ms2415 حين لا ينفعهم ذلك. ### | التأويل: # وإذا أذقنا الناس ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود من بعد ضراء وهي ~~الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف إذا لهم مكر في آياتنا بإظهارها إلى ~~غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول. قل الله أسرع مكرا فيستدرجهم عن ~~تلك المقامات إلى دركات البعد من حيث لا يشعرون هو الذي يسيركم في بر ~~البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية حتى إذا كنتم في ~~فلك جذبات العناية وجرين بهم بهبوب نسيم شهود الجمال وفرحوا بالوصول ~~والوصال جاءتها نكباء تجلى صفات الجلال وجاءهم موج البلايا والمحن من أماكن ~~النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل فلما أنجاهم ~~فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال ~~واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى ~~البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق كماء أنزلناه من سماء القلب ~~إلى أرض البشرية فاختلط به الصفات المولدة من أرض البشرية مما يأكل الناس ~~والأنعام من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية أتاها حكمنا ~~الأزلي ليلا عند استيلاء ظلمات صفات النفس أو نهارا عند بقاء ضوء الفيض ~~الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد ~~الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة. والله يدعوا إلى دار السلام وهي مقام ~~الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه ~~يسلم عن آفة الاثنينية والجهالة ويهدي من يشاء بجذبات العناية إلى صراط ~~مستقيم يؤدي إلى السير بالله في الله. للذين أحسنوا الحسنى فالإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة ~~وما فيها من # PageV03P578 # النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ~~ولي التوفيق. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 41] # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ~~(31) فذلكم ms2416 الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) ~~كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) قل هل من شركائكم ~~من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل ~~هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق ~~أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما ~~يفعلون (36) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) أم يقولون افتراه قل ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم ~~فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين (40) # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون (41) ### | القراآت: # كلمات ربك وكذلك في آخر السورة على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر لا ~~يهدي مثل يرمي: حمزة وعلي وخلف يهدي بسكون الهاء وتشديد الدال: أبو جعفر ~~ونافع غير ورش وعباس وأبو عمرو غير عباس بإشمام الفتحة قليلا يهدي بكسر ~~الهاء وتشديد الدال: عاصم غير يحيى وجبلة ورويس يهدي بكسرتين والتشديد: ~~يحيى يهدي بفتحتين والتشديد: ابن كثير وابن عامر وورش وسهل ويعقوب غير ~~رويس. ### | الوقوف: # يدبر الأمر ط الله ج تتقون ه ج ط ربكم الحق ج ط للاستفهام مع الفاء إلا ~~الضلال ج ط تصرفون ه لا يؤمنون ه ثم يعيده الأول ط تؤفكون ه إلى الحق ط ~~للحق ط أن يهدى ج ط لما مر فما لكم ص لحق الاستفهام الثاني تحكمون ه ط إلا ~~ظنا ط شيئا ط يفعلون ه العالمين ه افتراه ط صادقين ه تأويله ط الظالمين ms2417 ه ~~لا يؤمن به ط بالمفسدين ه عملكم ج لأن أنتم مبتدأ والعامل واحد تعملون ه. # PageV03P579 ### | التفسير: # لما بين فضائح عبدة الأوثان أكدها بالحجج اللامعة والبراهين القاطعة من ~~أحوال الرزق والموت والحياة والإبداء والإعادة والإرشاد والهداية، وقد بنى ~~الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسئول ليكون أبلغ في إلزام الحجة ~~وأوقع في النفوس. # فالحجة الأولى قوله: قل من يرزقكم من السماء والأرض بإنزال الأمطار ~~النافعة الموجبة لتولد الأغذية النباتية والحيوانية في الأرض بعد رعاية ~~شرائط تربيتها وإنمائها وحفظها من العاهات. أمن يملك السمع والأبصار خص ~~الحاستين بالذكر لما في خلقهما وتسويتهما من الفطرة العجيبة، # وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «سبحان من بصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق ~~بلحم» # ولما في تحصينهما من الآفات في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى ~~شيء مزيد قدرة ورأفة. ومن يخرج الحي من الميت الحيوان الماشي والطائر من ~~النطفة والبيضة وقد مر سائر الأقوال في سورة الأنعام. ومن يدبر الأمر عمم ~~بعد ما خصص لأن أقسام تدبيره تعالى في العالم العلوي والعالم السفلي وعالمي ~~الغيب والشهادة أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر. فسيقولون الله وفيه ~~دليل على أنهم كانوا يعبدون الأصنام بناء على أنها شفعاؤهم وأنها تقربهم ~~إلى الله زلفى، ولكنهم كانوا مخطئين في هذا الاعتقاد فلهذا ختم الآية بقوله ~~فقل أفلا تتقون الله الذي اعترفتم بأنه سبب فيضان جميع الخيرات فكيف أشركتم ~~بعبادته الجمادات التي لا تقدر على نفع أو ضر. # فذلكم الموصوف بالقدرة الكاملة والرحمة الشاملة الله ربكم الحق الثابت ~~ربوبيته بالوجدان والبرهان. فماذا بعد الحق «ذا» مزيدة و «ما» نافية أو ~~استفهامية أو مجموع «ماذا» كلمة واحدة معناها أي شيء بعد الحق إلا الضلال ~~والمراد أنه لما ثبت وجود الواجب الحق كان ما سواه ممكنا لذاته باطلا دعوى ~~الإلهية فيه، لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحدا في ذاته وفي صفاته وفي ~~جميع اعتباراته وإلا لزم افتقاره إلى ما انقسم إليه فلا يكون واجبا هف محال ~~ولهذا ختم الآية بقوله: فأنى ms2418 تصرفون كيف تستجيزون العدول عن هذا الحق ~~الظاهر وتقعون في الضلال، إذ لا واسطة بين الأمرين، فمن يخطىء أحدهما وقع ~~في الآخر. كذلك أي كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم ~~مصروفون عن الحق فكذلك حقت كلمة ربك. وتفسير الكلمة أنهم لا يؤمنون على أنه ~~بدل أي حق عليهم انتفاء الإيمان وقد علم الله منهم ذلك في الأزل، وأراد ~~بالكلمة العدة بالعذاب وأنهم لا يؤمنون تعليل على حذف اللام. احتجت ~~المعتزلة بمثل قوله تعالى: فأنى تصرفون أن الصارف لو كان هو الله تعالى لم ~~يصح منه هذا التعجيب والإنكار. وقالت الأشاعرة: قد تعلق علمه تعالى بأنهم ~~لا يؤمنون كما قال: حقت كلمة ربك وتعلق خبره بأنهم لا يؤمنون وقدرته لم ~~تتعلق بخلق الإيمان فيه بل بخلق الكفر # PageV03P580 # فيه، وأثبت ذلك في اللوح المحفوظ وأشهد عليه ملائكته وأنزله على أنبيائه ~~وأشهدهم عليه، فلو حصل الإيمان لبطلت هذه الأشياء فينقلب علمه جهلا وخبره ~~الصدق كذبا وقدرته عجزا وإرادته عبثا وإشهاده باطلا. الحجة الثانية قل هل ~~من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده وإنما قال: ثم يعيده مع أن الخصم لا ~~يعترف به لأنه قدم في هذه السورة دلائل الإعادة بحيث لا يتمكن العاقل من ~~دفعها إذا تأمل وأنصف فبنى الأمر على ذلك. وإنما أمر نبيه أن ينوب عنهم في ~~الجواب بقوله قل الله الآية. تنبيها على أن هذا المعنى بلغ في الوضوح إلى ~~حيث لا حاجة فيه الى إقرار الخصم المكابر، فكأنه قيل: # تكلم عنهم إذ لا يدعهم لحاجهم أن ينطقوا بكلمة الحق. وقوله: فأنى تؤفكون ~~كقوله: # فأنى تصرفون وقد مر في «المائدة» . الحجة الثالثة قل هل من شركائكم من ~~يهدي الآية. الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا ثم بالهداية عادة مطردة ~~في القرآن، فحكى عن الخليل صلى الله عليه وسلم الذي خلقني فهو يهدين ~~[الشعراء: 78] وعن موسى ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 5] وأمر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم سبح اسم ربك الأعلى الذي ms2419 خلق فسوى والذي قدر فهدى ~~[الأعلى: 1- 3] والسر فيه أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح ~~وارتسام العلوم والمعارف فيه بإرشاد الحق سبحانه إذ الطرق المنحرفة كثيرة ~~والظنون والأغاليط غير محصورة، فتحصيل الوسط الحقيقي لا يمكن إلا بتوفيقه ~~وهدايته، ولا مدخل في ذلك بالاستقلال لملك أو إنسي أو جني فضلا عن الأصنام ~~التي هي في أدنى مراتب الوجود لأنها جمادات لا شعور لها هذا تقرير الحجة ~~الثالثة. وقال الزجاج: يقال: هديت للحق وإلى الحق بمعنى، فجمع بين ~~العبارتين. # ويقال: هدى بنفسه بمعنى اهتدى كما يقال شرى بمعنى اشترى ومنه قوله: أمن ~~لا يهدي وسائر القراآت أصلها «يهتدي» فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو ~~كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء لاتباع ما بعدها. قيل: هذه الشركاء ~~جمادات فكيف قال في حقها إلا أن يهدى وأجيب بوجوه منها: أن المراد في الآية ~~رؤساؤهم وأشرافهم كقوله: # اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا [التوبة: 31] والمراد أن الله سبحانه هو ~~الذي يهدي الخلق إلى الدين الحق بالدلائل النقلية وبما يمكنهم منه من ~~الدلائل العقلية، وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا ~~غيرهم إلا إذا هداهم الله. ومنها أنهم لما اتخذوها آلهة وصفهم الله تعالى ~~بصفة من يعقل كقوله: إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم [فاطر: 14] ومنها أن ذلك ~~بالفرض والتقدير يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهتدي فإنها لا تهدي ~~غيرها إلا أن تهدى. ومنها أن البنية عندنا ليست بشرط في صحة الحياة # PageV03P581 # والعقل فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة، ثم إنها تشتغل بهداية ~~الغير. ومنها أن المراد من الهدي النقل والحركة يقال: هديت المرأة زوجها أي ~~نقلت إليه، فالمعنى لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه. ثم عجب من مذهبهم ~~الفاسد باستفهامين متواليين فقال: # فما لكم كيف تحكمون. # ثم بين ما بنوا عليه أمر دينهم فقال: وما يتبع أكثرهم إلا ظنا أي في ~~إقرارهم بالله لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم أو ~~في قولهم للأصنام ms2420 أنها آلهة أو شفعاء، وعلى هذا فالمراد بالأكثر الجميع. إن ~~الظن في معرفة الله وفيما يجب تحقيقه لا يغني من الحق وهو العلم والتحقيق ~~شيئا من الغناء. والمعنى أن الظن لا يقوم مقام العلم في شيء من الأحوال. ثم ~~أوعدهم على اتباعهم الظن وتقليد الآباء بقوله: # إن الله عليم بما يفعلون. وتمسك نفاة القياس بالآية ظاهر من قبل أن ~~القياس لا يفيد إلا الظن، وأجيب بأن التمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن ~~وهذه الآية من العمومات فلم يجب اتباعها بزعمكم، وما أفضى ثبوته إلى نفيه ~~كان متروكا. ولما فرغ من دلائل التوحيد شرع في إثبات النبوة فقال: ما كان ~~هذا القرآن أن يفترى أي افتراء من دون الله أو كلمة «أن» بمعنى اللام أي ما ~~ينبغي له وما استقام أن يكون مفترى. والحاصل أن وصفه ليس وصف شيء يمكن أن ~~يفترى به على الله لأنه معجز لا يقدر البشر على إتيان مثله وإنما القادر ~~عليه هو الله تعالى. ولكن كان تصديق الذي بين يديه من الكتب المنزلة ~~لإعجازه دونها فهو عيار عليها شاهد بصحتها، ونفس هذا التصديق أيضا معجز لأن ~~أقاصيصه موافقة لما في كتب الأولين مع أنه لم يتعلم قط ولم يتلمذ، ولأن ~~بشارته جاءت في تلك الكتب على وفق دعواه، ولأنه يخبر عن الغيوب المستقبلة ~~فيقع مطابقا فظهر أن القرآن معجز من قبل اشتماله على الغيوب الماضية ~~والمستقبلة. أما أنه معجز من جهة اشتماله على العلوم الجمة فذلك قوله: ~~وتفصيل الكتاب أي يبين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع كقوله: كتاب الله ~~عليكم [النساء: 24] قال في الكشاف قوله: لا ريب فيه من رب العالمين داخل في ~~حيز الاستدراك كأنه قال: ولكن كان تصديقا وتفصيلا منتفيا عنه الريب كائنا ~~من رب العالمين، وجوز أن يكون من رب العالمين متعلقا بتصديق وتفصيل ولا ريب ~~فيه اعتراض كقولك: زيد لا شك فيه كريم. # والمعنى ولكن كان تصديقا من رب العالمين وتفصيلا منه لا ريب فيه. ثم أعاد ~~بيان إعجازه مرة أخرى ms2421 فقال مستفهما على سبيل الإنكار أم يقولون افتراه قل ~~إن كان الأمر # PageV03P582 # كما تزعمون فأتوا أنتم على وجه الافتراء بسورة مثله في البلاغة وحسن ~~النظم فأنتم مثلي في العربية والفصاحة وادعوا من استطعتم من دون الله أي لا ~~تستعينوا بالله وحده ثم استعينوا بكل من سواه إن كنتم صادقين أنه افتراه. ~~قال بعض العلماء: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فلعل المراد بالسورة ~~المتحدي بها هذه السورة. والأصح أن التحدي واقع على أقصر سورة. قالت ~~المعتزلة: لو لم يكن الإتيان بمثل القرآن صحيح الوجود في الجملة لم يتحد ~~العرب به لكنهم تحدوا بذلك فدل على أن القرآن محدث إذ لو كان قديما ~~والإتيان بالقديم محال لم يصح هذا التحدي. وأجيب بأن القرآن يقال بالاشتراك ~~على الصفة القديمة القائمة بذات الله وعلى هذه الحروف والأصوات المحدثة، ~~والتحدي إنما وقع بهذه لا بتلك بل كذبوا سارعوا إلى التكذيب بما لم يحيطوا ~~بعلمه وهو القرآن ولما يأتهم تأويله ومعنى التوقع فيه أنهم كذبوا به على ~~البديهة قبل التدبر ومعرفة التأويل تقليدا للآباء، وكذبوا به بعد التدبر ~~وتكرير التحدي عليهم واستيقان عجزهم عن هذا بغيا وحسدا وعنادا. وذلك إنما ~~حملهم على التكذيب أولا وآخرا وجوه منها: أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص ~~الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين، وخفي عليهم أن ~~الغرض منها بيان قدرة الله تعالى على التصرف في هذا العالم ونقل الأمم من ~~العز إلى الذل وبالعكس، ليعرف المكلف أن الدنيا ليست مما يبقى، فنهاية كل ~~حركة سكون وغاية كل سكون أن لا يكون كقوله: عز من قائل لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب [يوسف: 111] . ومنها أنهم كلما سمعوا حروف التهجي في ~~أوائل السور ولم يفهموا منها شيئا ساء ظنهم بالقرآن فأجاب الله تعالى عنه ~~بقوله: هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله: وأخر متشابهات [آل عمران: 7] ~~الآية. ومنها أنهم رأوا القرآن يظهر شيئا فشيئا فاتهموا النبي وقالوا: لولا ~~أنزل عليه القرآن جملة واحدة [الفرقان: 32] ومنها أنهم وجدوا القرآن ms2422 مملوءا ~~من حديث الحشر والنشر، وكانوا قد ألفوا المحسوسات فاستبعدوا ذلك. وأنهم ~~وجدوا فيه تكاليف كثيرة من الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وكانوا ~~يقولون. إن إله العالم غني عنا وعن طاعاتنا كذلك كذب الذين من قبلهم يعني ~~قبل النظر في معجزات أنبيائهم. قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن من ~~كان غير عارف بوجوه التأويل قد يقع في الكفر والبدعة، لأن ظواهر النصوص قد ~~تتعارض فيفتقر هنالك إلى تطبيق التنزيل على التأويل. وقيل: معنى الآية أن ~~القرآن كتاب معجز من جهتين: من جهة إعجاز نظمه ومن جهة ما فيه من الأخبار ~~بالغيوب ومن جملتها أحوال الآخرة. فقوله: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ~~إشارة إلى التكذيب # PageV03P583 # به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقوله: ولما يأتهم تأويله ~~إشارة إلى تكذيبهم قبل أن يمتحنوا غيوبه هل تطابق الواقع أم لا. ثم ختم ~~الآية بقوله: فانظر كيف كان عاقبة الظالمين والمراد أنهم طلبوا الدنيا ~~وأعرضوا عن الآخرة فلم تبق عليهم الدنيا وفاتتهم الآخرة فبقوا في خسران ~~الدارين. وقيل: المقصود عذاب الاستئصال الذي نزل بالمكذبين قبلهم. ثم قسم ~~طوائف الأمم المكذبين فقال: ومنهم من يؤمن به أي بالقرآن أو بالرسول أي ~~يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ومنهم من يشك فيه لا يصدق به لا ~~ظاهرا ولا باطنا، ويمكن أن يقال: المراد به قسمتهم في الاستقبال أي ومنهم ~~من سيؤمن به ومنهم من يبقى على الكفر فتكون الآية كالعذر في تبقيتهم وعدم ~~استئصالهم وربك أعلم بالمفسدين فيجازيهم على حسب مراتبهم في التكذيب ويعلم ~~طوياتهم هل يتوبون أو يصرفون. ثم بين اختصاص كل مكلف بأفعاله وبنتائج ~~أعماله من الثواب والعقاب فقال: وإن كذبوك فقل لي عملي أي جزاء عملي على ~~الطاعة والإيمان وتبليغ الرسالة ولكم عملكم قال مقاتل والكلبي: هي منسوخة ~~بآية القتال. والتحقيق أن آية القتال لا تدفع شيئا من مدلولات هذه فلا نسخ ~~والله أعلم. ### | التأويل: # قل من يرزقكم أي من ينزل من سماء النفس مطر ms2423 الهواجس ويخرج من أرض النفس ~~نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فيض الروح ويخرج من ~~أرض النفس نبات الصفات البشرية والحيوانية، أو ينزل من سماء الروح مطر فيض ~~الروح ويخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة ~~مطر تجلي الصفات والفيض الرباني ويخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق ~~الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات ويخرج من أرض الوجود نبات ~~الفناء في الله وثمرات البقاء بالله أمن يملك السمع والأبصار فيكون سمعه ~~الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر. يخرج الحي من الميت النفس من القالب ~~والقلب من الروح والروح من القلب وبالعكوس ومن يدبر أمر الإنسان بالتربية ~~من التراب إلى أن يصل إلى رب الأرباب. # فسيقولون هذه الأحوال كلها من الله فقل لمن بلغ نظره إلى هذه المراتب ~~العلية وإنها عتبة باب التوحيد والمعرفة أفلا تتقون بالله عن غيره لتدخلوا ~~بيت الوحدة كذلك حقت كلمة ربك هكذا جرى القلم في الأزل على الذين خرجوا عن ~~قبول فيض النور حين رش على الخلق من نوره. وتفصيل الكتاب وتفصيل الجملة ~~التي هي مكتوبة عنده في أم الكتاب وهو علمه القائم بذاته. وربك أعلم ~~بالمفسدين الذين أفسدوا استعدادهم الفطري والله أعلم. # PageV03P584 ### | [سورة يونس (10) : الآيات 42 الى 60] # ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم ~~من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) إن الله لا يظلم ~~الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ~~ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا ~~مهتدين (45) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون (46) # ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ms2424 يستقدمون ~~(49) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون ~~(50) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) # ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ~~ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل ~~نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم ~~بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد ~~الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) # يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) ~~قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم ~~القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) ### | القراآت: # أفأنت بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. # ولكن الناس بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف يحشرهم بالياء: حفص. # الباقون بالنون نرينك أو نتوفينك بالنون الخفيفة: رويس آلان بوزن «عالان» ~~بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ~~ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ربي إنه بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع. ~~فليفرحوا بياء الغيبة تجمعون بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد. وقرأ زيد على ~~ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب. الباقون على الغيبة فيهما. ### | الوقوف: # إليك ط لا يعقلون ه إليك ط لا يبصرون ه يظلمون ه بينهم ط مهتدين ه يفعلون ~~ه رسول ج ط لا يظلمون ه صادقين ه ما # PageV03P585 # شاء الله # ط أجل ط ولا يستقدمون ه المجرمون ه آمنتم به ط، تستعجلون ه الخلد ج ط ~~للاستفهام مع أن القائل واحد تكسبون ه أحق هو ط بمعجزين ه لافتدت به ط ~~العذاب ج ط للعطف ms2425 على أسروا دون رأوا يظلمون ه والأرض ط لا يعلمون ه ترجعون ~~ه للمؤمنين ه فليفرحوا ط يجمعون ه وحلالا ط تفترون ه القيامة ط لا يشكرون ~~ه. ### | التفسير: # إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة ~~إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن ~~معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك ~~الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من ~~يعاديه، فبين الله سبحانه في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة ~~إلى هذا الحد يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ~~ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا ~~يتبصرون ولا يصدقون. قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف النظر. فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق ~~اللفظ المعنى ووحد النظر حملا على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم. ثم قال: ~~أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على ~~هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم ~~إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده. وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ~~أفأنت. والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الطبيب ~~إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أصلا أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير ~~من المزاج لا من الصنعة والحذق. ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة ~~إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: إن الله لا يظلم الآية. فسرها ~~المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح ~~والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها. وأجاب الواحدي عنه بأنه ~~إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه. وإنما ~~قال: ولكن الناس أنفسهم يظلمون لأن الفعل منسوب إليهم بسبب ms2426 الكسب. والتحقيق ~~أنه نفى الظلم عنه لأن وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص ~~وقوعهم في الطريق وفيه دقة. ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ويوم يحشرهم أي واذكر ~~يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ~~إلا ساعة وقوله يتعارفون إما حال أخرى أو بيان لقوله: كأن لم يلبثوا لأن ~~التعارف لا يبقى مع طول العهد. ويجوز أن يكون قوله: # PageV03P586 # ويوم يحشرهم متعلقا ب يتعارفون والمراد باللبث. قيل: لبثهم في الدنيا ~~وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا ~~فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، ~~أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها. وأما التعارف ~~فقد قيل: يعرف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل ~~واحد أهل معرفته. والجمع بين ذلك وبين قوله: ولا يسئل حميم حميما [المعارج: ~~10] أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت اضللتني يوم كذا، ~~أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة. وإنما حذف «جميعا» في هذه ~~الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا ~~[الأنعام: 122] ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد ~~بقوله: # جميعا ليشمل الفريقين صريحا والله أعلم. قوله: قد خسر استئناف فيه معنى ~~التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم! وفيه شهادة من الله على خسرانهم. وجوز في ~~الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك. ثم أكد ~~خسرانهم بقوله: وما كانوا مهتدين أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم ~~أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة ~~خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب ~~سعيه وفات أمله. # ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: وإما نرينك وجوابه محذوف. وقوله: ~~فإلينا مرجعهم جواب أو نتوفينك والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي ~~نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل ms2427 أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن ~~مرجع الكل إلينا. ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم ~~بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي ~~سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ «ثم» لتبعيد الرتبة في قوله: ثم ~~الله شهيد على ما يفعلون ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ~~ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله. ثم ~~بين أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ولكل أمة ~~رسول وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم ~~ووقوع موجبات التخليط في شرعه. فإذا جاء رسولهم فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ~~قضي بينهم بالقسط أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون ~~فهذه الآية نظيرة قوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] ويحتمل أن يقال: المراد ~~ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه تعالى ~~يقول: أنا شهيد على # PageV03P587 # أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد ~~عليهم بالكفر والإيمان. فإذا جاء رسولهم وشهد لهم أو عليهم قضي بينهم ~~والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد [النساء: 41] ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك ~~أنه صلى الله عليه وسلم كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك ~~العذاب كانوا يقولون متى هذا الوعد استبعادا لنزوله وقدحا في نبوته وهذا ~~مما يؤكد القول الأول في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا ~~الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذ. وأيضا قوله: ~~إن كنتم صادقين لفظ الجمع موافق لقوله: ولكل أمة رسول ثم أمره أن يجيب بما ~~يحسم مادة الشبهة وهو قوله: قل لا أملك لنفسي ضرا من مرض أو فقر ولا نفعا ~~من صحة أو غنى إلا ما شاء الله قال ms2428 العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما ~~شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب. ثم بين أن أحدا لا ~~يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمدا محدودا لا يتجاوزه فلا وجه ~~للاستعجال. فقال ولكل أمة أجل الآية. وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف ~~إلا أنه أدخل الفاء هاهنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو ~~البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتبا على قوله: ولكل أمة أجل ~~[الأعراف: # 34] فلم يحسن الجمع بين الفاءين. ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة ~~أخرى فقال: # قل أرأيتم أي أخبروني إن أتاكم عذابه بياتا أي في حين الغفلة والراحة. أو ~~نهارا حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ماذا يستعجل أي شيء ~~يستعجل منه أي من العذاب المجرمون وإنما لم يقل «ماذا يستعجلون منه» دلالة ~~على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على ~~إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلا عن أن يستعجله. و «من» للبيان أو للابتداء ~~والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأي شيء يستعجلون منه وليس ~~شيء منه يوجب الاستعجال؟ أو المراد التعجب كأنه قيل: أي شيء هائل شديد ~~يستعجلون؟ وقيل: الضمير في «منه» لله تعالى وجواب الشرط محذوف وهو تندموا ~~على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه. و «ماذا» الجملة مفعول أرأيتم ويجوز أن ~~يكون جوابا للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة ب أرأيتم ~~ويجوز أن يكون اعتراضا وجواب الشرط ثم إذا ما وقع آمنتم به والمعنى إن ~~أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف ~~الاستفهام على «ثم» كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي ~~قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به وقد كنتم به تستعجلون على ~~جهة التكذيب والإنكار # PageV03P588 # وقوله ثم قيل عطف على قيل المضمر قبل آلآن والحاصل ان الذي تطلبونه ضرر ~~محض عار عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ms2429 ذلك. وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه ~~إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا ~~فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة. ذوقوا عذاب ~~الخلد فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد ~~والتهديد؟ أجبتم هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون فالجزاء مرتب على العمل ترتب ~~المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، ~~أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة. وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم [الآية: 134] . # ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب ~~فقال: # ويستنبئونك أحق هو وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما ~~تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟ وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع ~~الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه. وقيل: ~~المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟ وقيل: أي ما تعدنا من البعث ~~والقيامة؟ فأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: قل إي وربي ومعناه نعم ولكنه ~~مستعمل مع القسم البتة. وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام ~~معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم. ومن الظاهر أن من أخبر عن ~~شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد. فقد يكون هذا ~~القدر مقنعا إذا لم يكن الخصم ألد. ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله وما ~~أنتم بمعجزين فائتين العذاب. # والغرض التنبيه على أن أحدا لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى. ثم زاد في ~~التأكيد بقوله: # ولو أن لكل نفس الآية. وقد مر مثله في «آل عمران» و «المائدة» . وقوله: ~~ظلمت صفة لنفس. أما قوله: وأسروا الندامة فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار ~~والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذ لضعفهم وليس هناك ms2430 تجلد. والمشهور ~~أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخا ~~ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفا من ~~توبيخهم. وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا ~~يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، ~~وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته وقضي بينهم بالقسط ~~قيل: أي بين المؤمنين والكافرين. وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين ~~الكفار بإنزال العقوبة عليهم. وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين ~~منهم فيكون في # PageV03P589 # ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في ~~العذاب. # ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء ~~والإماتة والإبداء والإعادة. وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء ~~بين أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه. وقيل: إنه لما ~~أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلا إقناعيا أراد أن يصححها بالبرهان ~~النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور ~~وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادرا على جميع الممكنات يقدر على ~~إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكونه منزها عن النقائص ~~والآفات يكون بريئا عن الخلف في الوعد والإيعاد. وفي تصدير الكلام بكلمة ~~«ألا» تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة ~~القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ~~ولا يعلمون أن كلها عوار وودائع. # ولا بد يوما أن ترد الودائع واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء ~~بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقا لدعواه، وقد قرره الله سبحانه ~~في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: وما كان هذا القرآن أن يفترى إلى ~~تمام الآيتين. والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما ~~هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوة ms2431 تكميل ~~الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار سبحانه إلى هذا الطريق بقوله: # قل يا أيها الناس الآية. فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة ~~والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أولا عما يضره. ~~الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة ~~فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل ~~الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة. الثالثة حصول الهدى ~~بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة ~~النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس ~~اللاهوت. الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه ~~الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين ~~فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم. وإنما خص المؤمنين بهذه ~~الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع ~~بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها. ~~والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، ~~والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة # PageV03P590 # والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور ~~الحق في قلوب الصديقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في ~~الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة. # ولما أرشد سبحانه إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر ~~أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية ~~فقال: قل بفضل الله وبرحمته قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته ~~فليفرحوا فبذلك فليفرحوا والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل ~~والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة ~~الآخر عليه. والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما ~~بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد ~~قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا. وعلى ms2432 هذا ~~يكون قل اعتراضا. ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت ~~فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح ~~وأشد تحريضا به. # وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف ~~أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى ~~همزة الوصل. ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين ~~جميعا إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث ~~لهم على ترجيح الجواذب العقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية ~~لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا ~~يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى ~~من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع- وهي أقوى اللذات- إلى ألم ~~القولنج وسائر الآلام القوية. وأيضا إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها ~~البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن. وأيضا اللذات ~~الجسمانية لا بقاء لها مثلا إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما ~~لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع ~~إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى. # ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته ~~وفيه قال المعري: # إن حزنا في ساعة الموت ضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد # فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا # PageV03P591 # بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ~~ما وعد عليه. # وعن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قل بفضل الله ~~وبرحمته فقال: بكتاب الله والإسلام. # ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من ~~أهله. ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: قل أرأيتم الآية. ~~وتقريره أنكم ms2433 تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد ~~التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف ~~الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان ~~بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله. ~~وفي الآية أيضا إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم ~~السوائب والبحائر وقولهم: هذه أنعام وحرث حجر [الأنعام: 138] وغير ذلك. وما ~~أنزل الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره آلله أذن لكم وقل مكرر للتأكيد ~~والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق ب أرأيتم والمعنى أخبروني الذي ~~أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا آلله أذن لكم في تحريمه ~~وتحليله أم على الله تفترون وعن الزجاج أن «ما» في ما أنزل بمعنى الاستفهام ~~منصوبا ب أنزل وأنه مع معموله مفعول أرأيتم معناه أخبرونيه. وعلى هذا يكون ~~قل آلله كلاما مستأنفا. ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج [الزمر: 6] وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب ~~الماء النازل من السماء. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في آلله ~~للإنكار و «أم» منقطعة بمعنى «بل» أتفترون على الله تقريرا للافتراء. ثم ~~قال: وما ظن الذين يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟ وهو في ~~صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره ~~وكفى به زاجرا للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت لذو فضل على ~~الناس إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته. ### | التأويل: # أفأنت تسمع الصم صم آذان القلوب أفأنت تهدي العمي عمي أبصار البصائر. ~~ويوم نحشرهم حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص ~~خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر ~~الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: يوم ms2434 ~~نحشر المتقين إلى الرحمن [مريم: 85] كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه ~~لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد. يتعارفون بينهم يعرفون تفاوت ~~مقامات كل صنف من # PageV03P592 # هؤلاء وإما نرينك بعض الذي نعدهم بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء ~~الرحمن أو نتوفينك فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود فإلينا مرجعهم رجوعا ~~اضطراريا لا اختياريا ثم الله شهيد على ما يفعلون من خسارة الدارين ولكل ~~أمة رسول في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق. لكل أمة أجل في ~~استكمال السعادة والشقاوة بياتا أي في الأزل أو نهارا أي يظهر الآن ما قدر ~~لكم في الأزل. # قل إي وربي إنه لحق أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق ~~لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات. ألا إن ~~لله ما في السماوات الأرواح وأرض القلوب والنفوس ألا إن وعد الله لأهل ~~السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل حق ... هو يحيي قلوب بعضهم بالمعرفة ويميت ~~قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ~~ويميت بصفة الجلال يا أيها الناس يا أهل النسيان قد جاءتكم موعظة هي خطاب ~~ألست بربكم [الأعراف: 172] وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق ~~إجابة بلى لما في الصدور وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ ~~الدعوة عامة والهداية خاصة. ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية ~~الكمال ويفوز بالوصول والوصال قل بفضل الله وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو ~~الإبقاء على مدلول الخطاب فليفرحوا هو خير مما يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ~~ما أنزل الله لكم من رزق القلوب والأرواح فضلا عن النفوس والأشباح من ~~الواردات والشواهد فجعلتم منه حراما على أنفسكم وحلالا على غيركم أي حدثت ~~أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من ~~شأن الأنبياء وخواص الأولياء قل آلله أذن لكم أن تعرضوا عن هذه المقامات ~~وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها أم ms2435 على الله تفترون بأن ~~الدعوة اختصت بهم دوننا إن الله لذو فضل على الناس بتسوية الاستعداد ~~الفطري. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 61 الى 70] # وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) ~~ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) # ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا ~~اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم ~~من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على ~~الله الكذب لا يفلحون (69) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم ~~العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) # PageV03P593 ### | القراآت: # شأن بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ~~ورش وحمزة في الوقف يعزب بالكسر حيث كان: علي. الباقون بالضم. ولا أصغر ولا ~~أكبر بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل. # الآخرون بالنصب. ### | الوقوف: # تفيضون فيه ط مبين ه يحزنون ه ج لأن الذين يصلح صفة ل أولياء ويصلح نصبا ~~أو رفعا على المدح فيوقف على يتقون أو مبتدأ خبره هم البشرى # فلا يوقف على يتقون في الآخرة # طكلمات الله # طعظيم # ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى أولياء وقول الأولياء لا يحزن ~~الرسول. # قولهم م لئلا يوهم أن قوله: إن العزة مقول الكفار. جميعا ط العليم ه ~~الأرض ط شركاء ط ms2436 يخرصون ه مبصرا ط يسمعون ه سبحانه ط الغني ط وما في الأرض ~~ط بهذا ط ما لا تعلمون ه لا يفلحون ه ط، يكفرون ه. ### | التفسير: # لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بين كونه سبحانه عالما ~~بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك ~~فقال: # وما تكون يا محمد في شأن أي أمر من الأمور. وأصله الهمز بمعنى القصد من ~~شأنت شأنه إذا قصدت قصده. قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر. وقال ~~الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و «ما» في وما تكون وما يتلوا نافية والضمير ~~في منه إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن ~~من شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر ~~كقوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] وإما للقرآن والإضمار ~~قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه ~~قرآن. ثم عمم الخطاب فقال: ولا تعملون أيها المكلفون من # PageV03P594 # عمل # أي عمل كان إلا كنا عليكم شهودا شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن ~~المراد الملائكة الموكلون إذ تفيضون فيه الإفاضة الشروع في العمل على جهة ~~الانصباب والاندفاع ومنه قوله: فإذا أفضتم من عرفات [البقرة: 198] قيل: ~~شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها. والجواب أن ~~الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو ~~أخبرنا الصادق أن زيدا يفعل كذا غدا فنكون عالمين بذلك لا شاهدين. ثم زاد ~~في التعميم فقال: وما يعزب عن ربك أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي ~~بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل. ومعنى مثقال ذرة قد مر في قوله: إن ~~الله لا يظلم مثقال ذرة [النساء: 140] . وذلك في سورة النساء. والمقصود أنه ~~لا يغيب عن علمه شيء أصلا وإن كان في غاية الحقارة. وإنما قال هاهنا في ~~الأرض ولا في ms2437 السماء خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام ~~سيق لشهادته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد ~~تسليم أن الواو تفيد الترتيب. ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاما ~~برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوبا معطوفا على لفظ مثقال لأنه في موضع ~~الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعا معطوفا على محل من مثقال لأنه ~~فاعل يعزب فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في ~~الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في ~~الكتاب خارجا عن علم الله وإنه محال. # ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله تعالى ~~ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض، وقسم آخر أوجده بواسطة ~~القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني ~~متباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية ~~أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب ~~مبين. وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه ~~تعالى غير عالم بالجزئيات. أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في ~~كتاب مبين. وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم أن «إلا» بمعنى الواو على أن ~~الكلام قد تم عند قوله: ولا أكبر ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: إلا في ~~كتاب أي وهو أيضا في كتاب مبين والعرب تضع «إلا» موضع واو النسق كثيرا ومنه ~~قوله: إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم [النمل: 11] يعني ومن ظلم. ~~وقوله: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا يعني والذين ظلموا. # PageV03P595 # ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين ~~وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال ms2438 كل فريق فقال: ألا إن أولياء الله ~~الآية. والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه تعالى لاستغراقهم في نور ~~معرفته وجماله وجلاله. قال أبوبكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم ~~بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه. وقال المتكلمون: ولي ~~الله من يكون آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتيا ~~بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله تعالى في وصفهم الذين ~~آمنوا وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية. وكانوا يتقون وهو إشارة إلى ~~كمال حال القوة العملية. وهاهنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع ~~الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقيا في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن ~~يقدس ذاته عن أن يكون مقصورا على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام ~~العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبدا ~~في الخوف والدهشة. وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة ~~البقرة. # وعن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أولياء الله؟ ~~فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم. # يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات ~~والسكينة. # وعن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من عباد الله عبادا ما ~~هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من ~~الله. قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم. # قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فو ~~الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا ~~يحزنون إذا حزن الناس. ثم قرأ الآية» «1» . # يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض ~~الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا ~~بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفا منها والشيخ كان فارغا من تلك ~~السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة. ففي ms2439 الليلة الثانية وقعت بعوضة على ~~بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما ~~قبلها؟ فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، ~~فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله. ثم أخبر الله سبحانه عنهم بأن هم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # فقيل: بشراهم في الدنيا ما PageV03P596 # بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات [البقرة: 25] يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان ~~وجنات [التوبة: 21] وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم ~~بالثناء الحسن. # عن أبي ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه ~~الناس. قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. # والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان ~~محبوبا لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه ~~مستغرق القلب في معرفة الله معرضا عما سواه. ونور الله مخدوم بالذات ففي أي ~~قلب حصل كان مخدوما بالطبع لما سوى الله. وقيل: هي الرؤيا الصالحة. # وعنه صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من ~~النبوة» «1» # وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي صلى الله عليه وسلم استنبىء بعد أربعين ~~سنة إلى كمال عمره- وهو ثلاث وستون سنة- وكان يأتيه الوحي أولا بطريق ~~المنام ستة أشهر. ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة ~~الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة ~~فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما ~~هنالك. وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت تتنزل عليهم ~~الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة [فصلت: 30] وأما البشرى في ~~الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من ~~بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في ~~الجنة تبديل لكلمات الله # لا تغيير لأقواله ولا إخلاف ms2440 لمواعيده وقد مر مثله في «الأنعام» لك # إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن ~~يقع بعد الاعتراض كلام. تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ~~تبديل لكلمات الله # يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديما ومحل ~~المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك ~~لله. ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: # ولا يحزنك أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ألا إن ~~أولياء الله أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ولا يحزنك قولهم أي تكذيبهم ~~لك وتهديدهم بالخدم PageV03P597 # والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون ~~به في شأنك من المطاعن والقوادح. ثم استأنف قوله: إن العزة لله كأنه قيل: ~~ما لي لا أحزن؟ # فقيل: لأن العزة لله. جميعا إن الغلبة والقهر له ولحزبه كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي [المجادلة: 21] وقرىء «أن» بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي ~~إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعا والرسول كان يحزنه ذلك وهذا ~~كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واثقا بوعد الله تعالى في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض ~~الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها. ثم أكد الوعد بقوله: ~~هو السميع العليم يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم. # ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ألا إن لله من ~~في السماوات ومن في الأرض فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت ~~لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين- وهم الملائكة ~~والثقلان- كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكا له فما وراءهم ~~ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون ندا له. ثم أكد هذا المعنى ~~بقوله وما يتبع «ما» نافية ومفعول يدعون محذوف أي ms2441 ليس يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة ~~الله في الربوبية محال. وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ~~يدعون والثاني مفعول يتبع ويجوز أن تكون «ما» استفهامية بمعنى أي شيء ~~يتبعون. وشركاء على هذا نصب ب يدعون ولا حاجة إلى إضمار. ويجوز أن تكون ~~«ما» موصولة معطوفة على «من» كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون ~~الله شركاء أي وله شركاؤهم. ثم زاد في التأكيد فقال: إن يتبعون إلا الظن ~~وإن هم إلا يخرصون وقد مر مثله في سورة الأنعام. ثم ذكر طرفا من آثار قدرته ~~مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه طلبا ~~للراحة والنهار مبصرا ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئا لتهتدوا به في ~~حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ~~سماع تأمل وتدبر وقبول. # ثم حكى نوعا آخر من أباطيلهم فقال: قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه وقد مر ~~في «البقرة» . ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: هو الغني ~~وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور ~~إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضا إنما يحتاج ~~إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم # PageV03P598 # مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى ~~الولد ولا يصح له مثل. وأيضا الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة ~~الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضا متولدا من مثله ولا ~~يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا ~~الوقوع. ثم بالغ في البرهان فقال: له ما في السماوات وما في الأرض وإذا كان ~~الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولدا له لأن الأب يساوي الابن في ~~الطبيعة بخلاف المالك. ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: إن عندكم من سلطان بهذا ms2442 ~~أي ما عندكم من حجة بهذا القول. قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق ~~بقوله: إن عندكم على أن يجعل القول مكانا للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم ~~موز. كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان. أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال ~~الباء بمعنى «في» أكثر منه بمعنى «على» . ثم وبخهم على القول بلا دليل ~~ومعرفة فقال: أتقولون على الله ما لا تعلمون. ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ~~قل إن الذين يفترون الآية. ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب ~~العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك متاع قليل في ~~الدنيا. ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد ~~والعذاب الأليم أعاذنا الله منه. ### | التأويل: # وما تكون في شأن من النبوة وما تتلوا من شأن النبوة من قرآن ولا تعملون ~~يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من عمل من الأعمال من قبول القرن ورده من ~~مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر. ولا ~~في السماء أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ولا أصغر من الحركة ~~وهو القصد دون الفعل ولا أكبر من النية وهو العمل ألا إن أولياء الله الذين ~~هم أعداء النفوس لا خوف عليهم من تمني النظر بنفوسهم ولا هم يحزنون على ما ~~فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم هم البشرى في الحياة الدنيا # بالوقائع والمبشرات في الآخرة # بكشف القناع عن جمال العزة. تبديل لكلمات الله # لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن وليا وللعدو كن عدوا ولا يحزنك يا رسول ~~القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك إن العزة ~~لله جميعا يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعا فلا يمنعه نعيم الدنيا ~~عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما # جاء في الحديث الرباني «وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته ~~يفسده ذلك» # ألا إن لله من في السماوات ومن ms2443 في الأرض أي القلوب السماوية والنفوس ~~الأرضية إن يتبعون إلا الظن أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى ~~باختيارهم لا باختيارنا # PageV03P599 # هو الذي جعل لكم ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم ~~الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك ~~والترقي في المقامات لقوم يسمعون حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية. ثم ~~أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي ~~الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفا بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح ~~مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة ~~والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد. وهذا الكشف ~~والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى له ما في السماوات الروحانية من ~~الكشوف والأحوال وما في الأرض البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من ~~الشبهات والآفات إن الذين يفترون هم النفوس الأمارة بالسوء لا يفلحون لا ~~يظفرون بكشف الحقائق ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا ~~بالألم والله أعلم. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 92] # واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم ~~غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري ~~إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في ~~الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين (73) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ~~(75) # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون ~~للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن ms2444 لكما بمؤمنين (78) ~~وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ~~ما أنتم ملقون (80) # فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) فما آمن ~~لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال ~~في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله ~~فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا ~~فتنة للقوم الظالمين (85) # ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86) وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين (87) ~~وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون (89) وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده ~~بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين (90) # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92) # PageV03P600 ### | القراآت: # وشركاؤكم بالرفع: يعقوب إن أجري بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو ~~عمرو وابن عامر وحفص ويكون لكما بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد. # الباقون بتاء التأنيث آلسحر بالمد: يزيد وأبو عمرو أن تبويا بالياء: ~~الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة. الآخرون بالهمز. ليضلوا بضم ~~الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ولا تتبعان بتخفيف النون: ابن عامر ~~غير الحلواني عن هشام. تتبعان خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ~~ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيها ~~بنون التثنية. الباقون والحلواني عن هشام تتبعان بتشديدها في الحالين منت ~~أنه بكسر الهمزة على الاستئناف بدلا من آمنت: ms2445 حمزة وعلي وخلف. الآخرون ~~بالفتح. ننجيك من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة. والآخرون بالتشديد. ### | الوقوف: # نبأ نوح م لئلا يوهم أن «إذ» ظرف لقوله: اتل بل التقدير: واذكر إذ قال. ~~ولا تنظرون ه من أجر ط على الله ج لأن التقدير وقد أمرت من المسلمين ه ~~بآياتنا ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر المنذرين ه من ~~قبل ط المعتدين ه مجرمين ه مبين ه لما جاءكم ط بناء على أن التقدير أتقولون ~~للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: أسحر يستحق الابتداء وسيجيء له ~~مزيد بيان هذا ط للفصل بين الأخبار والاستخبار الساحرون ه في الأرض ط ~~بمؤمنين ه عليم ه ملقون ه ما جئتم به ط لمن قرأ آلسحر مستفهما السحر ط ~~سيبطله ط المفسدين ه المجرمون ه أن يفتنهم ط في الأرض ج لاتصال الكلام ~~المسرفين ه مسلمين ه توكلنا ج للعدول مع اتحاد القائل الظالمين ه لا للعطف. ~~الكافرين ه ج وأقيموا الصلاة ط لأن قوله # PageV03P601 # وبشر خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ~~المؤمنين ه الدنيا لا لتعلق قوله: ليضلوا بقوله: آتيت وربنا تكرار للأول ~~لأجل التضرع. عن سبيلك ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل الأليم ه لا ~~يعلمون ه وعدوا ط الغرق لا لأن قال جواب «إذا» المسلمين ه المفسدين ه آية ط ~~لغافلون ه. ### | التفسير: # لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص ~~الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح ~~الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك ~~من الفوائد التي سبق ذكرها في «الأعراف» . ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: وإنها ~~لكبيرة [البقرة: 45] وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان ~~فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه [الرحمن: 46] أي ربه ومثله ~~قولهم: فلان ثقيل الظل. # ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي ms2446 بين أظهركم مددا طوالا ألف سنة ~~إلا خمسين عاما، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا ~~تكرر الدعاء كان ذلك موجبا للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة ~~مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة. ومنها أن يكون المقام ~~بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون ~~مكانهم بينا وكلامهم مسموعا كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ ~~الحواريين قائما وهم قعود. وجواب الشرط إما قوله: # فعلى الله توكلت أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا ~~لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديما وحديثا وإما ~~قوله: فأجمعوا وقوله: فعلى الله توكلت اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت علي شيئا ~~فالله حسبي فاعمل ما تريد. ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة ~~للاختلاف طلبا وخبرا، ومعنى فأجمعوا أمركم اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا ~~نواه وعزم عليه قاله الفراء. وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعا بعد ~~ما كان متفرقا وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على ~~أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعا. فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى ~~العزم حتى وصل ب «على» فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت ~~الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم. وانتصب شركاءكم على المفعول معه ~~أي مع شركائكم. ومن قرأ بالرفع جعله عطفا على الضمير المتصل، وإنما يحسن ~~ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل. والمراد بالشركاء إما من هم على مثل ~~قولهم ودينهم، وإما الأصنام. وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم # PageV03P602 # كقوله: قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون [الأعراف: 195] واعلم أنه عليه السلام ~~قال في أول الأمر فعلى الله توكلت ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن ~~تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ~~فأجمعوا أمركم كأنه قال: # حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى ms2447 مطلوبكم غير مقتصرين على ~~ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم. ثم ~~ضم إلى ذلك قيدا آخر فقال: ثم لا يكن أمركم عليكم غمة قال أبو الهيثم: أي ~~مبهما من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس. وقال الليث: لقي غمة ~~من أمره إذا لم يهتد له. وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهرا ~~منكشفا أي تجاهرونني بالإهلاك. ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي ~~أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غما وهما والغم ~~والغمة كالكرب والكربة. ثم زاد قيدا آخر فقال: ثم اقضوا إلي ذلك الأمر الذي ~~تريدون بي أي أدوا إلي قطعه واحكموا بصحته وإمضائه. # وعن القفال أن فيه تضمينا والمعنى ألقوا إلي ما استقر عليه رأيكم محكما ~~مفروغا منه. ثم ختم الكلام بقوله: ولا تنظرون أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون ~~عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في ~~التوكل الغاية القصوى. ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع ~~الدنيوي والغرض الخسيس فقال: فإن توليتم أعرضتم عن نصحي وتذكيري فما سألتكم ~~من أجر فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل إن ~~أجري ليس أجري إلا على الله أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو. وفي ~~الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك ~~قوله: فعلى الله توكلت إلى آخره. ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: فإن ~~توليتم الآية. وأمرت أن أكون من المسلمين أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم ~~تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ~~ألقى من قبل هذه الدعوة. فكذبوه بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة. # فنجيناه ومن معه في الفلك قد ذكرنا في «الأعراف» الفرق بين هذه العبارة ~~وبين ما هنالك وجعلناهم خلائف يخلفون الهالكين بالطوفان فانظر ms2448 كيف كان ~~عاقبة المنذرين تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم بعثنا من بعده من بعد نوح رسلا كهود وصالح وإبراهيم ولوط ~~وشعيب فجاؤهم بالبينات بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا ~~أنه زيد هاهنا لفظة «به» فقيل: لتناسب ما قبله وهو كذبوا # PageV03P603 # بآياتنا # وكذلك في «الأعراف» راعى المناسبة لأن ما قبله ولكن كذبوا [الآية: 96] ~~بغير الباء ثم بعثنا من بعدهم بعد الرسل أو الأمم بآياتنا يعني الآيات ~~التسع فاستكبروا عن قبولها وكانوا قوما مجرمين كفارا ذوي آثام ولذلك ~~اجترءوا على رد الآيات. أما قوله: أسحر هذا فليس بمقول لقوله: أتقولون ~~لأنهم قطعوا في قوله: # إن هذا لسحر مبين بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن ~~القول هاهنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: سمعنا فتى يذكرهم ~~[الأنبياء: 60] ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: ~~أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟ ثم أنكر عليهم قولهم فقال: أسحر هذا أو يقال: ~~مفعول تقولون محذوف وهو قولهم إن هذا لسحر مبين أو يقال: جملة قوله أسحر ~~هذا ولا يفلح الساحرون حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به ~~أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل ~~وتمويه قالوا أجئتنا لتلفتنا التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل ~~والالتفات «افتعال» من اللفت وهو الصرف واللي وتكون لكما الكبرياء في الأرض ~~أي الملك والعز في أرض مصر. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما ~~يطلب من أمر الدنيا. وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا اعترف القوم ~~بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم. وقيل: لأن الملوك ~~موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك ~~بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء ~~الرياسة. ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا. ثم ~~صرحوا بالتكذيب قائلين ms2449 وما نحن لكما بمؤمنين ثم حاولوا المعارضة وقد مرت ~~تلك القصة في «الأعراف» . أما قوله: ما جئتم به فمعناه الذي جئتم به هو ~~السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحرا من آيات الله. قال الفراء: وإنما قال ~~السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت ~~به سحر. فقال موسى: بل ما جئتم به السحر. فوجب دخول الألف واللام لأن ~~النكرة إذا عادت عادت معرفة. يقول الرجل لغيره: لقيت رجلا. فيقول له: من ~~الرجل؟ ولو قال: من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره. ومن ~~قرأ آلسحر بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ وجئتم به خبره كأنه قيل أي شيء ~~جئتم به. ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به إن ~~الله سيبطله بإظهار المعجزة عليه إن الله لا يصلح عمل المفسدين لا يؤيده ~~بجميل الخاتمة ويحق الله الحق يثبته بكلماته بمواعيده أو بما سبق من قضائه ~~أو بأوامره فما آمن لموسى أي في أول أمره إلا ذرية # PageV03P604 # من قومه # قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب ~~أن المراد هاهنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد. وقيل: ~~المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، ~~وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط ~~أنواع البلاء عليهم. وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون ~~وأمهاتهم من بني إسرائيل. وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه ~~وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في قومه على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر ~~لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل ~~والضمير في ملئهم إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو ~~المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم ~~كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ms2450 ذلك قوله: # أن يفتنهم أي يعذبهم فرعون. ثم أكد أسباب الخوف بقوله: وإن فرعون لعال ~~لغالب في الأرض أرض مصر وإنه لمن المسرفين في القتل والتعذيب أو لمن ~~المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا وقال موسى تثبيتا ~~لقومه إن كنتم آمنتم بالله صدقتم به وبآياته فعليه توكلوا خصوه بتفويض ~~أموركم إليه إن كنتم مسلمين قال العلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في ~~المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة. والمراد إن كانت بك قوة ~~فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ~~ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ~~محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده. فقالوا ~~مؤتمرين لموسى على الله توكلنا ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ربنا لا تجعلنا ~~فتنة أي موضع فتنة لهم. والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو ~~المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في ~~أنا لسنا على الحق. ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا ~~مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في ~~أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ونجنا الآية. وفي ~~ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا ~~يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق. وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا تبوأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعا مثل توطنه إذا اتخذه ~~وطنا. واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: في ~~بيوت أذن الله أن ترفع # PageV03P605 # [النور: 36] فالمراد من قوله: واجعلوا بيوتكم قبلة أن يجعل تلك البيوت ~~مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن ~~عباس. وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء. وإنما وقع العدول عنه بأمر ~~الله تعالى في أيام نبينا صلى الله ms2451 عليه وسلم بعد الهجرة. ومنهم من قال: ~~إنها مطلق البيوت. ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم. ~~وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن ~~يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول ~~الإسلام بمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض. وقيل: على التفسير ~~الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ ~~المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم. وإنما ثنى الخطاب أولا ~~ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون ~~بذلك، ثم جعل الخطاب عاما لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة ~~واجب على الجمهور. ثم خص موسى عليه السلام بالتبشير في قوله: وبشر المؤمنين ~~لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال ~~موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال ~~الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ~~وبشر المؤمنين لنبينا صلى الله عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض. # ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجدا وطهورا دون سائر ~~الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه البتة للعبادة والله أعلم ~~بمراده. ثم إن موسى عليه السلام لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى ~~القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير ~~أن يذكر أولا سبب الدعاء عليه فلهذا قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة وأموالا فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت ~~والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق. عن ابن عباس كانت لهم من ~~فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة. # قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ليضلوا لام التعليل كأن موسى عليه السلام ~~قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على ~~أنه تعالى تسبب ms2452 لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه. ثم شرع في ~~الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم. والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة ~~النساء في قوله سبحانه: من قبل أن نطمس وجوها [النساء: 47] وبالشد على ~~قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم. وقالت المعتزلة: قوله ليضلوا دعاء بلفظ ~~الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال # PageV03P606 # وبالطمس وبالشد. كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال ~~أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون ~~غيره قائلا ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما ~~يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه. سلمنا أن قوله: ~~ليضلوا ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: «لدوا للموت» . سلمنا ~~أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سببا في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا. ~~ولم لا يجوز أن يكون «لا» مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: يبين الله لكم أن ~~تضلوا [النساء: 176] أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدرا في آتيت ~~على سبيل التعجب. أما قوله تعالى: فلا يؤمنوا فإما أن يكون معطوفا على ~~قوله: # ليضلوا على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جوابا لقوله ~~واشدد ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفا على اشدد. قال قد أجيبت ~~دعوتكما أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا ~~جميعا يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى ~~أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته فاستقيما فاثبتا على ما ~~أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث ~~نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا. قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين ~~سنة يدعوهم إلى الله ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون أن الاستعجال لا يفيد ~~في اجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين. وجاوزنا ببني ~~إسرائيل البحر قد مرت تلك القصة في أوائل ms2453 سورة البقرة في قوله: # وإذ فرقنا بكم البحر [البقرة: 50] الآية، ومعنى قوله: فأتبعهم لحقهم. ~~يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد. وفي ~~الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاث مرات إحداها قوله: آمنت وثانيتها أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وثالثتها وأنا من المسلمين فلم تقبل ~~توبته. والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ~~ينافي التكليف. الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية ~~الحاضرة والمحنة الناجزة. الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنيا على محض التقليد ~~والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش ~~لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية. الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل ~~لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي ~~آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سببا لزيادة الكفر. الخامس ~~أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما ~~آمن إلا بالإله الموصوف # PageV03P607 # بالجسمية والحلول والنزول. السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار ~~بوحدانية الله تعالى وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لا إله إلا الله ~~لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة. السابع # يروى أن جبريل عليه السلام أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في ~~مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟ # فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على ~~سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه ~~خطه فعرفه. # أما قوله آلآن فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل. وقيل: إنه قول الله ~~سبحانه والتقدير: # أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك. وقوله: وكنت من ~~المفسدين في مقابلة قوله: وأنا من المسلمين # يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: آمنت لئلا يتوب غضبا عليه، # والأقرب عند العلماء أن ms2454 هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء ~~التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على ~~كل طاعة لقوله تعالى: وتعاونوا [المائدة: 2] ولو منعه لكانت التوبة ممكنة ~~لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه ~~من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر. وكيف يليق به ~~سبحانه أن يقول لموسى وهارون فقولا له قولا لينا [طه: 44] ثم يأمر جبريل ~~بمنعه عن الإيمان. ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافيا ~~لقوله: وما نتنزل إلا بأمر ربك [مريم: 64] لا يسبقونه بالقول [الأنبياء: ~~27] وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم ~~إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضبا لله على ~~الكافر. قوله: فاليوم ننجيك ببدنك فيه أقوال منها: # أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد ~~أن تغرق. وقوله: ببدنك في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما ~~أنت بدن. قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملا ~~سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عريانا لست إلا بدنا وفيه نوع تهكم ~~كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك ~~أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت. وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من ~~الأرض وهي المكان المرتفع. # وقيل: ببدنك أي بدرعك. قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين. عن ابن ~~عباس قال: # كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، ~~فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى عليه السلام. وأما قوله: لتكون لمن ~~خلفك # PageV03P608 # آية # فقيل: إن قوما اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله ~~تعالى أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه، ms2455 وزالت الشبهة عن قلوبهم ~~وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: لمن خلفك وقيل: إنه تعالى ~~أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: أنا ~~ربكم الأعلى [النازعات: 24] ليكون ذلك زجرا للعابرين عن مثل طريقته، ~~ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا ~~يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه. وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون ~~المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في ~~الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون. ### | التأويل: # واتل عليهم نبأ نوح الروح إذ قال لقومه وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ~~يا قوم إن كان عظم عليكم مقامي في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى ~~الله ببراهينه الواضحة فما سألتكم من أجر من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ~~ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله. وجعلناهم خلائف خلفاء الله في أرضه ~~وباقي التأويل كما مر في «الأعراف» . وهكذا في قصة موسى ولا يفلح الساحرون ~~لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي. ويحق الله الحق أي الذكر ~~بكلماته وهي لا إله إلا الله ولو كره أهل الهوى والنفوس الأمارة فما آمن ~~لموسى القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة ~~بالأخلاق الحميدة القلبية على خوف من فرعون النفس والهوى والدنيا وشهواتها ~~أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها. وأوحينا إلى موسى القلب ~~وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم ~~النفس السفلي. واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق. وأقيموا الصلاة ~~أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ليضلوا عن ~~سبيلك ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في ~~طلبك ربنا اطمس على أموالهم بمحقها وتحقيرها في نظرهم واشدد طريق النظر إلى ~~الدنيا وما فيها على قلوبهم واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط حتى ms2456 ~~يروا العذاب الأليم فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى ~~يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها. سبيل الذين لا يعلمون طريق الوصول ~~إلى الله ولا يعرفون قدره وجاوزنا ببني إسرائيل هم القلب والسر وصفاتها. ~~والبحر بحر الروحانية الملكوتية فأتبعهم فرعون النفس وصفاتها بعد الفطام عن ~~شوائب عالم الملك # PageV03P609 # قهرا وقسرا، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى ~~القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، ~~أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق قال: آمنت ومن أمارات ~~أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد ~~الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بيد ~~الاضطراب والتقليد فقال: لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل ننجيك ببدنك ~~أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلا على كمال قدرتنا وعنايتنا. ~~وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل ~~الهلاك والدركات والله حسبنا. ### | [سورة يونس (10) : الآيات 93 الى 109] # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى ~~جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك ~~الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ~~ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97) # فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن ~~تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا ~~في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ms2457 ~~ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين (102) # ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103) قل يا ~~أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن ~~أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك ~~للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو ~~الغفور الرحيم (107) # قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ~~ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر ~~حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (109) # PageV03P610 ### | القراآت: # بوأنا مثل أنشأنا ونجعل بالنون: يحيى وحماد. الآخرون بالياء التحتانية. ~~ثم ننجي من الإنجاء: نصر وروح ويزيد. ننجي المؤمنين من الإنجاء أيضا: علي ~~وسهل ويعقوب وحفص والمفضل. الآخرون بالتشديد فيهما. ### | الوقوف: # الطيبات ج للابتداء بالنفي مع الفاء العلم ط يختلفون 5 من قبلك ج لانقطاع ~~النظم مع اتفاق المعنى الممترين ه لا للعطف الخاسرين ه لا يؤمنون ه لا ~~لتعلق لو بما قبلها الأليم ه يونس ط حين ه جميعا ط مؤمنين ه بإذن الله ط أي ~~وهو يجعل لا يعقلون ه والأرض ط للفصل بين الاستخبار والإخبار. لا يؤمنون ه ~~من قبلهم ط من المنتظرين ه كذلك # ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على آمنوا والتقدير ~~ننجي المؤمنين إنجاء كذلك وحقا علينا اعتراض. المؤمنين ه يتوفاكم ج لاحتمال ~~أن يراد وقد أمرت المؤمنين ه لا للعطف حنيفا ج للعطف مع زيادة نون التأكيد ~~المؤذن بالاستئناف المشركين ه ولا يضرك ج للابتداء بالشرط مع الفاء ~~الظالمين ه إلا هو ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين لفضله ط من عباده ط ~~الرحيم ms2458 ه من ربكم ج لنفسه ج عليها ج للعطف مع النفي بوكيل ه ط يحكم الله ج ~~لاحتمال العطف والاستئناف الحاكمين ه. ### | التفسير: # لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع ~~عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ولقد بوأنا أي أسكناهم مسكن صدق أو ~~إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدرا، والعرب إذا مدحت شيئا أضافته ~~إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ~~ويوجد فيه فيكون المعنى منزلا صالحا مرضيا. والمراد ببني إسرائيل إما ~~اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام فمبوأ الصدق الشام ومصر وما ~~يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله ~~جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت فما اختلفوا في دينهم ~~وما تشعبوا فيه شعبا وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها ~~بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما ~~اليهود المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب جم غفير من ~~المفسرين. عن ابن عباس: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ~~ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطبا وتمرا ليس في ~~غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو ~~القرآن النازل على محمد صلى الله عليه وسلم # PageV03P611 # فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون. وبالجملة ~~فالله تعالى يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار ~~التكليف ليست دار القضاء. # ولما بين كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته ~~وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: فإن كنت في شك والشك في اللغة ضم الشيء بعضه ~~إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، ~~والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة. والشاك يضم إلى ما ~~يتوهمه شيئا آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول ms2459 في الظاهر والمراد أمته كقوله: ~~يا أيها النبي إذا طلقتم [الطلاق: # 1] والدليل عليه قوله بعيد ذلك قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ~~ولأنه لو كان شاكا في شأنه لكان غيره بالشك أولى. ويمكن أن يقال: الخطاب ~~للرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه ~~قيل: فإن وقع لك شك مثلا والقضية الشرطية لا إشعار فيها البتة بوقوع الشرط ~~ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول. وقد ~~يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين. ~~وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول ~~الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، ~~وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعه مثلك ~~فضلا عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى ~~الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك # قال صلى الله عليه وسلم عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق. # وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحدا منهم. وقيل: «إن» ~~نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا. ~~وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك. ومن المسئول منه قال المحققون: هم ~~مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب ~~الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم. ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا ~~بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر ~~دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل. والظاهر أن المقصود من ~~السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: مما ~~أنزلنا إليك وقيل: # السؤال راجع إلى قوله: فما اختلفوا حتى جاءهم العلم. ثم إنه ms2460 سبحانه لما ~~بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: لقد جاءك الحق من ربك ثم إن فرق ~~المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين ~~مخاطبا في الظاهر لنبيه قائلا # PageV03P612 # فلا تكونن من الممترين ولا تكونن الآية. والمراد فاثبت ودم على ما أنت ~~عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين ~~والتصديق ما فيه. ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عبادا قضى عليهم ~~بالشقاء وعبادا ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم البتة. أما الأولون ~~فأشار إليهم بقوله: إن الذين حقت الآية. # وقد مر مثله في هذه السورة. وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى ~~حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل ~~بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد. وقالت الأشاعرة: ~~كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مرارا ~~كثيرة. وأما الآخرون فذلك قوله: فلولا كانت أي فهلا حصلت قرية واحدة آمنت ~~تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معاينة العذاب فنفعها إيمانها لوقوعه في ~~وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار إلا قوم يونس هو استثناء ~~منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد ~~أهلها. وقيل: إن «لولا» في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: # ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس. # يروى أن يونس صلى الله عليه وسلم بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه ~~فذهب عنهم مغاضبا كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول ~~العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة. وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم ~~أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ~~أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ~~ويسود سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ~~ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحن بعضها ms2461 إلى ~~بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف ~~عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة. # وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان ~~يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده. وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية ~~علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا يا حي حين لا ~~حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا ~~بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم. وعن ~~الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، ~~افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله. ثم بين أن الإيمان وضده ~~كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة # PageV03P613 # لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد ~~إيمان الكل. # وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر. وأجيب بأن الكلام في ~~الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا ~~الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية ~~وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام. ثم ذكر أن ~~القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى فقال: أفأنت ~~تكره فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، ~~وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده. فحمل المعتزلة هذا ~~الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان. ~~وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان ~~والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل ~~الرجس أي الكفر والفسق على الذين لا يعقلون وفسر المعتزلة الإذن بمنح ~~الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس ~~بالنفس ms2462 المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر. واستدلت ~~الأشاعرة بقوله: وما كان لنفس على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن ~~الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر. # وإذا كان أصل الشرع- وهو الإيمان بإذن الله- فما ترتب عليه أولى. أجابت ~~المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف. ولما بين أن ~~الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل ~~السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: قل انظروا ~~ماذا في السماوات والأرض أي شيء فيهما من الآيات والعبر. ثم ذكر أن التفكر ~~والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من حكم الله عليه في الأزل بالشقاء ~~فقال: وما تغني يحتمل أن تكون «ما» نافية أي لا تفيد هذه الآيات والنذر وهي ~~جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان. وأن تكون ~~استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟ ثم قال: فهل ينتظرون والمراد أن ~~الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع ~~العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل ~~الكفار المعاصرون للرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه قل فانتظروا وفيه ~~تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء ~~الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: # ثم ننجي رسلنا الآية. قالت المعتزلة: حقا علينا المراد به الوجوب ~~والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين. وقالت الأشاعرة: إنه حق ~~بحسب الوعد والحكم فإن # PageV03P614 # العبد لا يستحق على خالقه شيئا. ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين ~~طريقته وطريقة المشركين فقال: قل يا أيها الناس والمعنى يا أهل مكة إن كنتم ~~لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أولا وعلى الإعادة ثانيا كما ~~مر مرارا، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر ~~والردع، أو لأنه قد تقدم ms2463 ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية ~~فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي. وفي الآية إشارة إلى ~~أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه. ولما ذكر ~~أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: وأمرت أن أكون ~~أي بأن أكون من المؤمنين ثم عطف عليه قوله: وأن أقم وجهك ولا تدع نظرا إلى ~~المعنى كأنه قيل له: كن مؤمنا ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي ~~إلي أن أقم. قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل «أن» بالأمر والنهي وشبه ~~ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في ~~معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال. ~~ومعنى أقم وجهك استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالا. وحنيفا حال من للدين ~~أو من الوجه. قال المحققون: الوجه هاهنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية ~~إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظرا تاما فإنه يقيم وجهه في ~~مقابلته لا يصرفه عنه. ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ولا تكونن من ~~المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت أي فإن دعوت ~~من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار. و «إذا» جزاء ~~للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من ~~الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في ~~غير موضعه. ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: وإن ~~يمسسك الله الآية. وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام. قال الواحدي: ~~وإن يردك بخير من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد ~~منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهما بالآخر. وأقول في تخصيص الإرادة ~~بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات ~~والشر بالعرض. ثم ختم ms2464 السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية ~~والضلال فقال: قل يا أيها الناس الآية. وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في ~~الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في ~~دفعه كما مر في سورة الأنعام قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ~~[الأنعام: 104] الآية. وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة ~~وقطع المعذرة، فمن اختار # PageV03P615 # الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على ~~نفسه. يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه. ثم ~~أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه ~~إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين. ولبعضهم في الصبر: # سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري # سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمر من الصبر ### | التأويل: # ولقد بوأنا بني إسرائيل يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون ~~النفس لأنها من البنات لا من البنين مبوأ صدق منزلا عليا في العالم ~~النوراني ورزقناهم من الطيبات من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح ~~مستو على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على ~~القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردودا. وبوجه آخر مبوأ صدق بين ~~الإصبعين من أصابع الرحمن فما اختلفوا حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة ~~والشقاء فإن كنت في شك خلق الإنسان ضعيفا، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات ~~وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من ~~كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم من ~~خصوصية إنما أنا بشر مثلكم [الكهف: 110] يرتع في هذه الرياض وباختصاص يوحى ~~إلي [الكهف: 110] يسقى بكاسات المناولات من تلك الحياض، فشك عند سكره أنها ~~من شهود التلوين أو من ms2465 كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ~~لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ~~ممتريا ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل. إلا مثل أيام الذين خلوا من أنه ~~كل ميسر لما خلق له قل فانتظروا ظهور ما قدر لكم ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفا طاهرا عن لوث الالتفات إلى ما سواه ~~والله أعلم. # تم الجزء الحادي عشر، وبه يتم المجلد الثالث من تفسير غرائب القرآن ~~ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري، ويليه المجلد الرابع وأوله ~~تفسير سورة هود # PageV03P616 ### | الفهرس # فهرس المجلد الثالث من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان # PageV03P617 # تتمة تفسير سورة المائدة الآيات: 82- 86/ 3 الآيات: 87- 100/ 6 الآيات: ~~101- 120/ 26 تفسير سورة الأنعام الآيات: 1- 11/ 45 الآيات: 12- 24/ 54 ~~الآيات: 25- 37/ 63 الآيات: 38- 50/ 74 الآيات: 51- 60/ 84 الآيات: 61- 73/ ~~94 الآيات: 74- 83/ 102 الآيات: 84- 90/ 111 الآيات: 91- 100/ 116 الآيات: ~~101- 110/ 134 الآيات: 111- 121/ 146 الآيات: 122- 130/ 156 الآيات: 131- ~~140/ 168 الآيات: 141- 150/ 175 الآيات: 151- 165/ 186 تفسير سورة الأعراف ~~الآيات: 1- 10/ 197 الآيات: 11- 25/ 205 الآيات: 26- 34/ 220 الآيات: 35- ~~43/ 230 # PageV03P619 # الآيات: 44- 53/ 237 الآيات: 54- 58/ 245 الآيات: 59- 72/ 265 الآيات: ~~73- 84/ 273 الآيات: 85- 93/ 283 الآيات: 94- 102/ 290 الآيات: 103- 126/ ~~294 الآيات: 127- 141/ 304 الآيات: 142- 154/ 312 الآيات: 155- 159/ 325 ~~الآيات: 160- 171/ 335 الآيات: 172- 183/ 342 الآيات: 184- 198/ 354 ~~الآيات: 199- 206/ 364 تفسير سورة الأنفال الآيات: 1- 10/ 371 الآيات: 11- ~~19/ 380 الآيات: 20- 30/ 386 الآيات: 31- 40/ 394 الآيات: 41- 49/ 400 ~~الآيات: 50- 66/ 408 الآيات: 67- 75/ 418 تفسير سورة التوبة الآيات: 1- 16/ ~~426 الآيات: 17- 28/ 441 الآيات: 29- 37/ 451 الآيات: 38- 49/ 468 الآيات: ~~50- 59/ 481 الآيات: 60- 69/ 488 الآيات: 70- 79/ 501 # PageV03P620 # الآيات: 80- 89/ 510 الآيات: 90- 99/ 518 الآيات: 100- 110/ 523 الآيات: ~~111- 119/ 533 الآيات: 120- 129/ 545 تفسير سورة يونس الآيات: 1- 10/ 553 ~~الآيات: 11- 20/ 565 الآيات: 21- 30/ 571 الآيات: 31- 41/ 579 الآيات: 42- ~~60/ 585 الآيات: 61- 70/ 594 الآيات: 71- 92/ 601 الآيات: 93- 109/ 611 # PageV03P621 ### | المجلد الرابع # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثاني عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة هود) # مكية غير آية قوله وأقم الصلاة طرفي النهار وحروفها 7605 وكلامها 1715 ~~وآياتها 123 ### | [سورة هود (11) : الآيات 1 الى 24] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله ~~إنني ms2466 لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا ~~حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير (4) # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5) وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (6) وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ~~يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (8) ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور (9) # ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ~~(10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11) ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل (12) أم يقولون افتراه ~~قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم ~~صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ~~هو فهل أنتم مسلمون (14) # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن ~~قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ms2467 ويقول الأشهاد ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (19) # أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لا جرم أنهم في الآخرة ~~هم الأخسرون (22) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير ~~والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24) # PageV04P003 ### | القراآت: # وإن تولوا بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح فإني أخاف بفتح ~~الياء، أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. عني إنه بفتح الياء: أبو جعفر ~~ونافع وابو عمرو. ### | الوقوف: # الر ق كوفي خبير ه لا بناء على أن ألا يتعلق بما قبله إلا الله ط وبشير ه ~~لا للعطف فضله ج كبير ه مرجعكم ج لاحتمال الحال والاستئناف قدير ه منه ط ~~ثيابهم لا بناء على أن عامل حين قوله: يعلم يعلنون ج الصدور ه ومستودعها ط ~~مبين ه عملا ط مبين ه ما يحبسه ط يستهزؤن ه منه ج لحذف جواب لئن أي لييأسن. ~~وقيل: جوابها إنه والأول أوجه كفور ه عني ط فخور لا للاستثناء الصالحات ط ~~كبير ه ملك ط نذير ه وكيل ه ط «أم» استفهام تقريع افتراه ط صادقين ه إلا هو ~~ج ط للاستفهام مع الفاء. مسلمون ه يبخسون ه إلا النار ز بناء على أن «ليس» ~~بمنزلة حرف النفي والوصل أوجه لأن «ليس» فعل ماض وهو مع ما عطف عليه ~~المجموع جزاء. يعملون ه رحمة ط يؤمنون به ط موعده ج لاختلاف الجملتين مع ~~الفاء لا يؤمنون ه كذبا ط على ربهم الثاني ج لأن ما بعده يحتمل أن يكون من ~~قول الأشهاد أو ابتداء إخبار. الظالمين ه لا عوجا ط من أولياء م لئلا يوهم ~~أن ما بعده صفة أولياء العذاب ط ms2468 يبصرون ه يفترون # ه الأخسرون ه إلى ربهم لا لأن ما بعده خبر «إن» . الجنة ج خالدون ه ~~والسميع ط مثلا ط تذكرون ه. ### | التفسير: # الر إن كان اسما للسورة فما بعده خبره، وإن كان واردا على سبيل # PageV04P004 # التعديد أو كان معناه أنا الله أرى فقوله: كتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا ~~الكتاب. # والإشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن. ومعنى أحكمت نظمت ~~نظما رصينا من غير نقض ونقص، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيما، أو ~~منعت من الفساد والبطلان من قولهم: أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها ~~من الجماح. أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على ~~العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع، فلا ~~محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير. ثم فصلت كما تفصل القلائد بالفرائد من ~~دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص، لكل معنى من هذه المعاني ~~فصل انفرد به. أو جعلت فصولا سورة سورة وآية وآية، أو فرقت في التنزيل ولم ~~تنزل جملة واحدة، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح ~~المعاش والمعاد. ومعنى «ثم» التراخي في الحال كقولك: فلان كريم الأصل ثم ~~كريم الفعل. وأحكمت صفة كتاب. ومن لدن صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة ~~لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها. وفي قوله: حكيم خبير لف ونشر ~~لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور. احتج الجبائي ~~بقوله: أحكمت ثم فصلت على كون القرآن محدثا لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل ~~جاعل، وكذا بقوله: من لدن لأن القديم لا يصدر من القديم. وأجيب بأنه لا ~~نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي. وقوله: ألا ~~تعبدوا إلا الله مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون «أن» مفسرة لأن في تفصيل ~~الآيات معنى القول كأنه قيل: ثم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم لا ~~تعبدوا. وجوز في الكشاف أن يكون كلاما مبتدأ منطقعا عما ms2469 قبله محكيا على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم يغري أمته على اختصاص الله بالعبادة كأنه ~~قال: ترك عبادة غير الله مثل فضرب الرقاب [محمد: 4] والضمير في منه لله عز ~~وجل حالا من نذير وبشير أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد، ~~وبشير إن خصصتموه بذلك. ويجوز أن يكون منه صلة لنذير أي أنذركم منه ومن ~~عذابه، ويكون صلة بشير محذوفا أي أبشركم بثوابه. ثم عطف على قوله: ألا ~~تعبدوا قوله: وأن استغفروا أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم. ثم بين ~~الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال: ثم توبوا إليه فالتوبة مطلوبة ~~لكونها من متممات الاستغفار، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب، ~~فلهذا قدم الاستغفار على التوبة. وقيل: استغفروا أي توبوا ثم قال: توبوا أي ~~أخلصوا التوبة واستقيموا عليها. وقيل: استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من ~~أنف الذنوب. وقيل: # استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة. وقيل: الاستغفار أن يطلب من ~~الله الإعانة في # PageV04P005 # إزالة ما لا ينبغي، والتوبة سعي الإنسان في الطاعة والاستعانة بفضل الله ~~مقدم على الاستعانة بسعي النفس. ثم رتب على الامتثال أمرين: الأول التمتع ~~بالمنافع الدنيوية إلى حين الوفاة كقوله فلنحيينه حياة طيبة [النحل: 97] . # سؤال: كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~[الزخرف: 33] # وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن» «1» ، # «البلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء» ؟ «2» # وأجيب بأن المراد أن لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أو يرزقهم كيف كان. # والجواب الثاني أن الإنسان إذا كان مشغولا بطاعة الله مستغرقا في نور ~~معرفته وعبادته كان مبتهجا في نفسه مسرورا في ذاته، هينا عليه ما فاته من ~~اللذات العاجلة، قانعا بما يصيبه من الخيرات الزائلة. الثاني قوله: ويؤت أي ~~في الآخرة كل ذي فضل فضله أي موجب فضل ذلك الشخص ومقتضاه يعني الجزاء ~~المرتب على عمله بحسب تزايد الطاعات. وتسمية العمل الحسن فضلا تشريف ويجوز ~~أن يعود الضمير في فضله إلى الله تعالى. ms2470 وفيه تنبيه على أن الدرجات في ~~الجنة تتفاضل بحسب تزايد الطاعات. ثم أوعد على مخالفة الأمر فقال: وإن ~~تولوا أي تتولوا فحذفت إحدى التاءين والمعنى إن تعرضوا عن الإخلاص في ~~العبادة وعن الاستغفار والتوبة فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير هو يوم ~~القيامة الموصوف بالعظم والثقل أيضا ويذرون وراءهم يوما ثقيلا [الدهر: 27] ~~. ثم بين كبر عذاب ذلك اليوم بقوله: إلى الله مرجعكم أي لا حكم في ذلك ~~اليوم إلا لله ولا رجوع إلا إلى جزائه، وهو مع ذلك كامل القدرة نافذ الحكم ~~فما ظنكم بعذاب يكون المعذب به مثله. وفيه من التهديد ما فيه ولكن الآية ~~تتضمن البشارة من وجه آخر. وذلك أن الحاكم الموصوف بمثل هذه العظمة والقدرة ~~والاستقلال في الحكم إذا رأى عاجزا مشرفا على الهلاك فإنه يرحم عليه ولا ~~يقيم لعذابه وزنا. اللهم لا تخيب رجاءنا فإنك واسع المغفرة. ثم ذكر أن ~~التولي عن الأوامر المذكورة باطنا كالتولي عنها ظاهرا فقال: ألا إنهم يثنون ~~يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازور عنه وانحرف وطوى عنه كشحا. PageV04P006 # قال المفسرون: وهاهنا إضمار أي يثنون صدورهم ويريدون ليستخفوا منه أي من ~~الله. ثم كرر كلمة ألا تنبيها على وقت استخفائهم وهو حين يستغشون ثيابهم أي ~~يريدون الاستخفاء في وقت استغشاء الثياب. قال الكلبي: ثني صدورهم كناية عن ~~نفاقهم لما روي أن طائفة من المشركين منهم الأخنس بن شريق قالوا: إذا ~~أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة ~~محمد فكيف يعلم بنا. وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار. وقيل: إنه حقيقة، وذلك ~~أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ~~ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتلو ~~من القرآن، وليقول في نفسه ما يشتهي من الطعن. ثم استأنف قوله: يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون تنبيها على أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأنه تعالى ~~عالم بالسرائر كما أنه عالم بالظواهر. # ثم أكد كونه ms2471 عالما بكل المعلومات بكونه كافلا لأرزاق جميع الحيوانات ~~ضامنا لمصالحها ومهامها فضلا وامتنانا وكرما وإحسانا فقال: وما من دابة ~~الآية. والمستقر مكانها من الأرض، والمستودع ما قبل ذلك من الأمكنة من صلب ~~أو رحم أو بيضة. وقال الفراء: # مستقرها حيث تأوي إليه ليلا أو نهارا، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه. ~~وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام. واستدل الأشاعرة بالآية على أن ~~الحرام رزق لأنها تدل على أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله بحسب ~~الوعد عندنا أو بحسب الاستحقاق عند المعتزلة شبه النذر. ثم إنا نرى إنسانا ~~لا يأكل من الحلال طول عمره وقد سماه الله تعالى رزقا. ثم ختم الآية بقوله: ~~كل في كتاب مبين أي كل واحد من الدواب. # ورزقها ومستقرها ومستودعها ثابت. في علم الله أو في اللوح المحفوظ. وقد ~~ذكرنا فائدته في قوله: ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين [الأنعام: 59] ~~يروى أن موسى عليه السلام عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأهله فأمره الله ~~تعالى أن يضرب بعصاه صخرة فانشقت فخرجت منها صخرة ثانية، ثم ضرب فانشقت ~~فخرجت ثالثة، ثم ضربها فخرجت دودة كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء ~~لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ~~ولا ينساني. ثم أكد دلائل قدرته بقوله: # وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء قال كعب ~~الأحبار: خلق الله ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم ~~خلق الريح فجعل الماء على متنها ووضع العرش على الماء. وقال أبو بكر الأصم: ~~هذا كقولك: لا سماء إلا على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملصقا ~~بالآخر. وعلى هذا فيكون الآن أيضا عرشه على الماء. وقال في الكشاف: المراد ~~أنه ما كان تحت العرش خلق سوى الماء، وفيه دليل على أن العرش والماء كانا ~~مخلوقين قبل السموات والأرض، # PageV04P007 # وعلى أن الملائكة خلقت قبل العرش والماء ليعتبروا بهما وإلا لزم أن يكون ~~خلقهما قبل ms2472 أن يعتبر بهما عبثا إذ لا يتصور عود نفعهما إليه تعالى. وقال ~~أبو مسلم: العرش البناء أي بناؤه للسموات كان على الماء. وقال حكماء ~~الإسلام: المراد بالماء تحركه شبه سيلان الماء أي وكان عرشه يتحرك. ~~وبالجملة مقصود الآية بيان كمال قدرته في إمساك الجرم العظيم على الصغير. ~~أما قوله: ليبلوكم فالمعتزلة قالوا: اللام للتعليل، وذلك أنه خلق هذا ~~العالم الكبير لأجل مصالح المكلفين وأن يعاملهم معاملة المختبر المبتلى ~~لأحوالهم كيف يعملون فيجازي كل فريق بما يستحقه. والأشاعرة قالوا: إن ~~أحكامه غير معللة بالمصالح ومعناه أنه فعل فعلا لو كان يفعله من يجوز عليه ~~رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض. وإنما علق فعل البلوى لما في ~~الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إلى العلم فهو ملابس له كالنظر والاستماع ~~في قولك: انظر أيهم أحسن وجها واسمع أيهم أحسن كلاما. قال في الكشاف: الذين ~~هم أحسن عملا هم المتقون، وإنما خصهم بالذكر وطرح ذكر من وراءهم من الفساق ~~والكفار تشريفا لهم. قلت ويجوز أن يقال إن أحسن بمعنى حسن ليشمل الخطاب ~~جميع المكلفين. ثم لما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك قوله: ولئن ~~قلت الآية. والإشارة في قوله: إن هذا إلا سحر إلى البعث أي هو باطل كبطلان ~~السحر أو إلى القرآن لأنه الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته ~~إنكار ما فيه من البعث. وقال القفال: معناه أن هذا القول خديعة منكم ~~وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا واجتذابهم إلى الانقياد لكم والدخول ~~تحت طاعتكم. ومن قرأ ساحر فالإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بين ~~أنه متى تأخر عنهم العذاب الذي توعدهم الرسول به أخذوا في الاستهزاء وقالوا ~~ما الذي حبسه عنا فقال: ولئن أخرنا عنهم الآية. # والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد والمراد بها الوقت المقصود لإيقاع ~~الموعود. وقيل: # هي في الأصل الجماعة من الناس وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه كقولك: ~~كنت عند فلان صلاة العصر أي في ذلك الحين. فالمراد إلى حين ms2473 ينقضي أمة ~~معدودة من الناس. وقال في الكشاف: أي جماعة من الأوقات. والعذاب عذاب ~~الآخرة. وقيل: # عذاب يوم بدر. عن ابن عباس: قتل جبريل المستهزئين. ومعنى ما يحبسه أي شيء ~~يمنعه من النزول استعجالا له على جهة الاستهزاء والتكذيب فأجابهم الله ~~بقوله: ألا يوم يأتيهم وهو متعلق بخبر ليس أي ليس العذاب مصروفا عنهم يوم ~~يأتيهم. واستدل به من جوز تقديم خبر ليس على ليس لأنه إذا جاز تقديم معمول ~~الخبر عليها فتقديم الخبر عليها أولى وإلا لزم للتابع مزية على المتبوع. ثم ~~قال: وحاق بهم أي أحاط بهم ما كانوا به # PageV04P008 # يستهزؤن أراد يستعجلون ولكنه وضع يستهزؤن موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان ~~على وجه الاستهزاء. وإنما قال: وحاق بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع. ثم حكى ~~ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال: ولئن أذقنا الإنسان الآية. # واختلف المفسرون فقيل: الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله: إلا ~~الذين صبروا ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات. ~~وقيل: المراد الكافر، والاستثناء منقطع واللام للعهد. وقد مر ذكر الكافر، ~~ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق ~~إلا بالكافر، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور ~~الاتفاقية، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد، وعند ~~حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر الله بل يكفره، وإذا انتقل من ~~مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن ~~السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية ~~المقاصد. وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد الله بالمغفرة ~~والأجر الكبير. أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم، ~~وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه، وفيه أن جميع ~~نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات ~~المبرسمين. والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة، ونزعها سلبها. # واليؤوس والكفور بناءان للمبالغة، ms2474 والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، ~~والضراء مضرة كذلك. قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو ~~حوراء وعوراء. # والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: فلعلك تارك قال ابن عباس: إن رؤساء مكة قالوا: إن كنت رسولا فاجعل ~~لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب الله سبحانه نبيه ~~بقوله: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن ~~المشركين قالوا له: ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن ~~بكتابك. وقال الحسن: طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يترك قوله: إن الساعة ~~آتية [طه: 15] وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما ~~أوحى الله إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة، ~~فأولوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب عدم التقصير في أداء الوحي ~~فلهذا خوطب بها، أو لعله كان صلى الله عليه وسلم بين محذورين: أحدهما ترك ~~أداء شيء من الوحي، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء، ~~فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين ~~وجب أن يختار أسهلهما، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره: لعلك تفعل ~~كذا أي لا # PageV04P009 # تفعل. وإنما قال: وضائق ولم يقل وضيق به صدرك دلالة على أنه ضيق حادث ~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدرا. ومعنى أن يقولوا مخافة أن ~~يقولوا: لولا أنزل أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من الكنز والملائكة ولم ~~أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه. # ثم بين أن حاله مقصور على النذارة لا يتخطاها الى إنزال المقترحات، والذي ~~أرسله هو القادر على ذلك حفيظ عليه وعلى كل شيء، ومن كمال قدرته إنزال ~~القرآن المعجز لدهماء المصاقع وأشار إلى ذلك بقوله: أم يقولون الآية. وقد ~~مر مثله في سورة يونس. عن ابن عباس: السور العشر هي من أول القرآن إلى ~~هاهنا. واعترض عليه بأن هذه ms2475 السورة مكية وبعض السور المتقدمة عليها مدنية، ~~فكيف يمكن أن يشار إلى ما ليس بمنزل بعد. فالأولى أن يقال: إن التحدي وقع ~~بمطلق السور التي تظهر فيها قوة ترتيب الكلام وتأليفه. تحداهم أولا بمجموع ~~القرآن في قوله: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله [الإسراء: 88] الآية. وبعشر سور في هذه الآية وذلك أن ~~العشرة أول عقد من العقود، ثم بسورة في يونس وفي البقرة، وهذا كما يقول ~~الرجل لصاحبه: اكتب كمثل ما أكتب فإذا عجز قال: اكتب عشرة أسطر مثل ما ~~أكتب، فإذا ظهر عجزه عنه قال في آخر الأمر: قد اقتصرت منك على سطر واحد ~~مثله، ثم إذا أراد غاية المبالغة قال: قد جوزت لك أن تستعين بكل من تريد ~~فإذا ظهر عجزه حال الانفراد وحال الاجتماع والتعاون تبين عجزه عن المعارضة ~~على الإطلاق ولهذا قال: فإلم يستجيبوا إلى معارضة القرآن أو إلى الإيمان ~~لكم أي لك وللمؤمنين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا ~~يتحدونهم، أو الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنما أنزل ~~بعلم الله أي ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله من النظم المعجز والاشتمال على ~~العلوم الجمة الظاهرة والغائبة. ومعنى الأمر راجع إلى الثبات أي اثبتوا على ~~ما أنتم عليه من العلم واليقين بشأن القرآن ودوموا على التوحيد الذي ~~استفدتم من القرآن أو دلكم على ذلك عجز آلهتهم عن المعارضة والإعانة. ثم ~~ختم الآية بقوله: فهل أنتم مسلمون وفيه نوع من التهديد كأنه قيل للمسلمين ~~إذا تبينتم صدق قول محمد صلى الله عليه وسلم وازددتم بصيرة وطمأنينة وجب ~~عليكم الزيادة في الإخلاص والطاعة. وتفسير آخر وهو أن يكون الضمير في فإلم ~~يستجيبوا لمن في من استطعتم والخطاب في لكم للمشركين، وكذا في قوله: # فاعلموا وفي أنتم والمعنى فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المظاهرة ~~لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنه منزل من عند الله وأن توحيده واجب. ثم رغبهم ~~في أصل الإسلام وهددهم ms2476 على تركه بقوله: فهل أنتم بعد لزوم الحجة مسلمون ثم ~~أوعد من كانت # PageV04P010 # همته مقصورة على زينة الحياة الدنيا وكان مائلا عن الدين جهلا أو عنادا ~~فقال: من كان يريد الآية. عن أنس أنهم اليهود والنصارى. وقيل: المنافقون ~~كانوا يطلبون بغزوهم مع الرسول الغنائم فكان صلى الله عليه وسلم يسهم لهم ~~فيها. وقال الأصم: هم منكر والبعث. وقال آخرون: # هي عامة في الكافر والمسلم المرائي. وقال القاضي: المراد من كان يريد ~~بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم، نوصل إليهم أجور ~~أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف ~~وسائر اللذات والمنافع. # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة ~~يدعى برجل جامع للقرآن فيقال له: ما عملت فيه؟ فيقول: يا رب قمت فيه آناء ~~الليل والنهار. فيقول الله: كذبت أردت أن يقال فلان قارئ. وقد قيل ذلك ~~ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم أوسع عليك فماذا عملت فيه؟ # فيقول: وصلت الرحم وتصدقت فيقول الله: كذبت بل أردت أن يقال فلان جواد ~~وقد قيل ذلك. ثم يؤتى بمن قتل في سبيل الله فيقول: قاتلت في الجهاد حتى ~~قتلت فيقول الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان جريء. قال أبو هريرة: ثم ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتي وقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة ~~أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة» «1» . # وروي أن أبا هريرة ذكر هذا الحديث عند معاوية فبكى معاوية حتى ظننا أنه ~~هالك ثم أفاق فقال: # صدق الله ورسوله: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآيتان. ثم بين أن ~~بين طالب الدنيا وحدها وبين طالب السعادات الباقية تفاوتا بينا فقال: أفمن ~~كان والمعنى أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة أي لا يعقبونهم ~~في المنزلة عند الله ولا يقاربونهم؟ # نظيره إذا أتاك العلماء والجهال فاستأذن الجهال للدخول قبل العلماء ~~فتقول: الجهال ثم العلماء كلا وحاشا تريد أن العلماء ينبغي ms2477 أن يدخلوا أولا ~~ثم الجهال. ويمكن أن يقال: # التقدير أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا فحذف الخبر ~~للعلم به ومثله أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا [فاطر: 35] أمن هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما [الزمر: 9] واعلم أن أول هذه الآية يشتمل على ~~ألفاظ أربعة مجملة: الأول أن هذا الذي وصفه الله بأنه على بينة من هو؟ ~~الثاني ما المراد بالبينة؟ الثالث ما معنى يتلوه أهو من التلاوة أم من ~~التلو؟ الرابع الشاهد من هو؟ وللمفسرين فيها أقوال: أصحها أن معنى البينة ~~البرهان العقلي الدال على صحة الدين الحق، والذي هو على البينة مؤمنو أهل ~~الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه، ومعنى يتلوه يعقبه وتذكير الضمير العائد ~~إلى البينة PageV04P011 # بتأويل البيان والبرهان، والمراد بالشاهد القرآن ومنه أي من الله أو من ~~القرآن المتقدم ذكره في قوله: أم يقولون افتراه، ومن قبله كتاب موسى أي ~~ويتلو ذلك البرهان من قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة حال كونها إماما أو ~~أعني إماما كتابا مؤتما به في الدين قدوة فيه ورحمة ونعمة عظيمة على المنزل ~~إليهم. والحاصل أن المعارف اليقينية المكتسبة إما أن يكون طريق اكتسابها ~~بالحجة والبرهان، وإما أن يكون بالوحي والإلهام، وإذا اجتمع على بعض ~~المطالب هذان الأمران واعتضد كل واحد منهما بالآخر كان المطلوب أوثق. ثم ~~إذا توافقت كلمة الأنبياء على صحته بلغ المطلوب غاية القوة والوثوق، ثم إنه ~~حصل في تقرير صحة هذا الدين هذه الأمور الثلاثة جميعا: البينة. وهي الدلائل ~~العقلية اليقينية، والشاهد وهو القرآن المستفاد من الوحي، وكتاب موسى ~~المشتمل على الشرائع المتقدمة عليه الصالح لاقتداء الخلف به، وعند اجتماع ~~هذه الأمور لم يبق لطالب الحق المنصف في صحة هذا الدين شك وارتياب. وقيل: ~~أفمن كان محمد صلى الله عليه وسلم، والبينة القرآن، ويتلوه يقرؤه شاهد هو ~~جبرائيل نزل بأمر الله وقرأ القرآن على محمد أو شاهد من محمد هو لسانه، أو ~~شاهد هو بعض محمد يعني علي بن أبي طالب رضي الله ms2478 عنه، أو يتلوه أي يعقب ذلك ~~البرهان شاهد من النبي صلى الله عليه وسلم هو صورته ومخايله، فإن من نظر ~~إليه بعقله تفرس أنه ليس بمجنون ولا وجهه وجه كذاب ولا كاهن. وقيل: الكائن ~~على البينة هم المؤمنون، والبينة القرآن، ويتلوه يعقب القرآن شاهد من الله ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم أو الإنجيل لأنه يعقبه في التصديق والدلالة على ~~المطلوب وإن كان موجودا قبله، أو ذلك الشاهد كون القرآن واقعا على وجه يعرف ~~المتأمل فيه إعجازه لاشتماله على فنون الفصاحة وصنوف البلاغة إلى غير ذلك ~~من المزايا التي قلما يخبر عنها إلا الذوق السليم. ثم مدح الكائن على ~~البينة بقوله: أولئك يؤمنون به أي بالقرآن. ثم أوعد غيرهم بقوله: ومن يكفر ~~به من الأحزاب يعني أهل مكة ومن انحاز معهم كاليهود والنصارى والمجوس ~~فالنار موعده فلا تك في مرية في شك منه من القرآن أو من الموعد، ولما أبطل ~~بعض عادات الكفرة من شدة حرصهم على الدنيا وذلك قوله: من كان يريد الحياة ~~الدنيا ومن إنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك قوله: أفمن كان على ~~بينة أراد أن يبطل ما كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها شفعاء تشفع لهم فقال: ~~ومن أظلم. ثم قال: أولئك يعرضون لم يحمل عليهم العرض لأنهم مخصوصون بالعرض ~~فإن العرض عام، ولكن فائدة الحمل ترجع إلى المعطوف. أراد أنهم يعرضون ~~فيفضحون بقول الأشهاد. ومعنى عرضهم على ربهم أنهم يعرضون على الأماكن ~~المعدة للحساب. والسؤال أو المراد عرضهم على من # PageV04P012 # يوبخ ويبكت بأمر الله من الأنبياء والمؤمنين، أو أراد أنهم يحبسون في ~~المواقف وتعرض أعمالهم على الرب. قال مجاهد: الأشهاد الملائكة الحفظة. وقال ~~قتادة: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي الناس. وقيل: هم الأنبياء ~~لقوله: ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] والأشهاد إما جمع شاهد كصاحب وأصحاب، ~~أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي: وهذا أرجح لكثرة ورود شهيد في ~~القرآن ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا ms2479 بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] والفائدة في اعتبار قول ~~الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة. وباقي الآية قد مر تفسير مثلها في ~~«الأعراف» . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض أي لم يكن يمكنهم أن يهربوا ~~من عذابنا لأنه سبحانه قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالنسبة ~~إلى القريب والبعيد والضعيف والقوي. وما كان لهم من دون الله من أولياء ~~تنصرهم وتمنعهم من عقابه. جمع تعالى بين ما يرجع إليهم وبين ما يرجع إلى ~~غيرهم وبين بذلك انقطاع حيلهم في الخلاص من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. ~~وقيل: هذا من كلام الأشهاد والمراد أنه تعالى لو شاء عقابهم في الدنيا ~~لعاقبهم ولكنه أراد إنظارهم وتأخيرهم إلى هذا اليوم يضاعف لهم العذاب من ~~قبل الكفر والصد أي الضلال والإضلال. ما كانوا يستطيعون السمع يريد ما هم ~~عليه في الدنيا من صمم القلوب وعمى # البصائر. ثم إن الأشاعرة قالوا: إن ذلك بتخليق الله تعالى حيث صيرهم ~~عاجزين ممتنعين عن الوقوف على دلائل الحق، ويوافقه ما روي عن ابن عباس أنه ~~قال: إنه تعالى منع الكافرين من الإيمان في الدنيا وذلك قوله: ما كانوا ~~يستطيعون الآية. وفي الآخرة كما قال: يدعون إلى السجود فلا يستطيعون ~~[القلم: 42] . وقالت المعتزلة: المراد استثقالهم لاستماع الحق ونفورهم عنه ~~كقول القائل: هذا الكلام مما لا أستطيع أن أسمعه، وهذا الشخص لا أستطيع أن ~~أبصره. والمراد بالأولياء الأصنام كأنه قال: الذي سموه أولياء ليسوا في ~~الحقيقة بأولياء. ثم نفى كونهم أولياء بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون فكيف ~~يصلحون للولاية؟ وعلى هذا يكون قوله: يضاعف لهم العذاب اعتراضا بوعيد. ~~واعلم أنه سبحانه وصف الكفار في هذه الآيات بصفات كثيرة. الأولى ومن أظلم ~~ممن افترى الثانية أولئك يعرضون أي في موقف الذل والهوان. الثالثة بيان ~~الخزي والفضيحة في قوله: ويقول الأشهاد الرابعة اللعنة عليهم. الخامسة الصد ~~عن سبيل الله. السادسة سعيهم في إلقاء الشبهات وذلك قوله: ويبغونها عوجا. ~~السابعة كونهم كافرين بالآخرة. الثامنة كونهم عاجزين عن الفرار أولئك لم ~~يكونوا. التاسعة وما ms2480 كان لهم # PageV04P013 # من دون الله من أولياء. العاشرة مضاعفة العذاب لهم. الحادية عشرة ~~والثانية عشرة ما كانوا يستطيعون الآية. الثالثة عشرة أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم # وقد مر في «الأنعام» . الرابعة عشرة وضل عنهم ما كانوا يفترون # وقد سبق في «يونس» . الخامسة عشرة لا جرم قال الفراء إنها بمنزلة قولك لا ~~بد ولا محالة ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا. وقال النحويون: «لا» ~~حرف نفي وجرم أي قطع معناه لا قطع قاطع أنهم في الآخرة هم الأخسرون وقال ~~الزجاج «لا» نفي لما ظنوا أنه ينفعهم و «جرم» معناه كسب، والمعنى لا ينفعهم ~~ذلك وكسب لهم ذلك الفعل خسار الدارين. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في ~~هذه اللفظة قوله في وعد المؤمنين وأخبتوا إلى ربهم معناه اطمأنوا إليه ~~وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع من الخبت وهي الأرض المطمئنة، وفيه إشارة إلى ~~أن الأعمال لا بد فيها من الأحوال القلبية الموجبة للالتفات عما سوى الله. # وقيل: المراد اطمئنانهم وتصديقهم كل ما وعد الله به من الثواب وضده. ~~وقيل: المراد كونهم خائفين من قوع الخلل في بعض تلك الأعمال. ثم ضرب ~~للفريقين مثلا وهو إما تشبيهان بأن شبههما تارة بالأعمى والبصير وأخرى ~~بالأصم والسميع، وإما تشبيه واحد والواو لعطف الصفة على الصفة فيكون قد شبه ~~الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين البصر والسمع. ولا شك ~~أن الفريق الكافر هو الذي وصفه بالصفات الخمس عشرة، وأما الفريق المؤمن ~~فقيل: المراد به قوله: أفمن كان على بينة وقيل: # المذكورون في قوله: إن الذين آمنوا ثم أنكر تساويهما في الأحكام والمراتب ~~بقوله هل يستويان مثلا أي تشبيها. وفي قوله: أفلا تذكرون تنبيه على أن علاج ~~هذا العمى وهذا الصمم ممكن بتبديل الأخلاق وتغيير الأحوال بتيسير الله ~~تعالى وتوفيقه. ### | التأويل: # الر الألف إشارة إلى الله، واللام الى جبرائيل، والراء إلى الرسول. يعني ~~ما أنزل الله على لسان جبرائيل إلى الرسول كتاب مبين من لدن حكيم خبير ~~كقوله: وعلمناه من لدنا [الكهف: 65] ورأس العلم اللدني ms2481 أن تقول لأمتك يا ~~محمد ألا تعبدوا إلا الله وأن استغفروا ربكم مما ضاع من عمركم في غير طلب ~~الله ثم توبوا ارجعوا إليه بقدم السلوك لتكون التوبة تحلية لكم بعد التزكية ~~بالاستغفار. يمتعكم متاعا حسنا هو الترقي في المقامات العلية إلى أجل مسمى ~~هو حين انقضاء المقامات وابتداء درجات الوصول ويؤت كل ذي فضل فضله أي يؤت ~~كل ذي صدق واجتهاد في الطلب درجات الوصول، فإن المشاهدات بقدر المجاهدات. ~~والحاصل أن المتاع الحسن في مراتب السير إلى الله وإيتاء الفضل في درجات ~~السير في الله. عذاب يوم كبير هو عذاب الانقطاع عن # PageV04P014 # الله الكبير ألا حين يستغشون ثياب الجسمية على وجه الروح كان يعلم ما ~~يسرون من حرمان النور المرشش ومن نقص الحرمان تحت ثياب القالب وما يعلنون ~~من ثني الصدور إنه عليم بذات الصدور أي بما في الصدور من القلوب الظلمانية. ~~وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها لأن كل حيوان له صفة مخصوصة ومزاج ~~مخصوص وغذاؤه يجب أن يكون ملائما لمزاجه. فعلى ذمة كرم الله أنه كما خلق ~~أجسادها على الأمزجة المتعينة يخلق غذاءها موافقا لمزاج كل منها، ثم يهديها ~~إلى ما هو أوفق لها ويعلم مستقرها في العدم كيف قدرها مستعدة للصور المختصة ~~بها ومستودعها الذي تؤول إليه عند ظهور ما فيها بالقوة إلى الفعل. ليبلوكم ~~فإن العالم بما فيه محل الابتلاء ومحك السعداء والأشقياء. ولئن قلت ~~للأشقياء موتوا عن الطبيعة باستعمال الشريعة ومزاولة الطريقة لتحيوا ~~بالحقيقة فإن الحياة الحقيقية تكون بعد الموت عن الحياة الطبيعية ليقولن ~~الذين كفروا ستروا حسن استعدادهم الفطري بتعلق الشهوات الفانية إن هذا إلا ~~سحر مبين أي كلام مموه لا أصل له. ولئن أخرنا عنهم عذاب البعد إلى أمة إلى ~~حين ظهور ذوق العذاب فإن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. ### | [سورة هود (11) : الآيات 25 الى 49] # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملأ الذين كفروا ms2482 من قومه ما نراك ~~إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ~~لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين (27) قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة ~~من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28) ~~ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين ~~آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) # ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم ~~لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31) ~~قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ~~(32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم ~~نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ~~(34) # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون (35) ~~وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39) # حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك ~~إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها ~~بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج ~~كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ~~(42) قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا ~~من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ms2483 (43) وقيل يا أرض ابلعي ماءك ~~ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين (44) # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ~~(45) قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به ~~علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس ~~لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل يا نوح اهبط ~~بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب ~~أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ~~قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين (49) # PageV04P015 ### | القراآت: # إني لكم بكسر الهمزة: نافع وابن عامر وعاصم وحمزة. والآخرون بفتحها بادي ~~بالهمزة: أبو عمرو ونصير. الرأي بالياء: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى ~~والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف فعميت مجهولا مشددا: حمزة وعلي وخلف ~~وحفص. الباقون بضدهما أنلزمكموها باختلاس ضمة الميم: عباس أجري إلا بالفتح: ~~أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ولكني أراكم بالفتح حيث كان: أبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو نصحي إن أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بأعيننا مدغما. # حيث كان: عباس من كل بالتنوين حيث كان: حفص والمفضل مجراها بفتح الميم ~~بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحفص مجراها بالضم وبالإمالة: أبو عمرو. والباقون ~~بالضم مفخما. يا بني بفتح الياء: عاصم اركب معنا مظهرا: عاصم وحمزة عمل على ~~أنه فعل غير بالنصب: علي وسهل ويعقوب. الآخرون عمل غير بالرفع فيهما تسئلن ~~بالنون المشددة المكسورة لإدغام النون المخففة في نون الوقاية بعد حذف ياء ~~المتكلم في # PageV04P016 # الحالين: ابن عامر وقالون: بإثبات الياء في الوصل: أبو جعفر ونافع غير ~~قالون بفتح النون المشددة: ابن كثير تسئلني بغير نون التأكيد وإثبات الياء ~~في الحالين سهل ويعقوب الباقون بغير ياء في الحالين إني أعظك إني أعوذ بفتح ~~الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر ms2484 وأبو عمرو. ### | الوقوف: # مبين ه لا إلا الله ط أليم ه الرأي ج كاذبين ه فعميت عليكم ط كارهون ه ~~مالا ط آمنوا ط تجهلون ه طردتهم ط تذكرون 5 خيرا ط أنفسهم ج الظالمين ه ~~الصادقين ه بمعجزين ه أن يغويكم ط ترجعون ه ط افتراه ط تجرمون ه يفعلون ه ج ~~للآية والعطف ظلموا ج لاحتمال التعليل. مغرقون ه سخروا منه ه تسخرون ه ط ~~تعلمون ه لا لأن ما بعده مفعول مقيم ه التنور ه لا لأن ما بعده جواب «إذا» ~~ومن آمن ط قليل ه ط ومرساها ط رحيم ه الكافرين ه من الماء ط، رحم ج لاتفاق ~~الجملتين مع اختلاف العامل. المغرقين ه الظالمين ه الحاكمين ه من أهلك ج ~~علم ط الجاهلين ه علم ط الخاسرين ه معك ط أليم ه إليك ج ط لاحتمال ما بعده ~~الحال أو الاستئناف هذا ط وعلى قوله: فاصبر أحسن للابتداء ب «أن» للمتقين ~~ه. ### | التفسير: # لما أورد على الكفار أنواع الدلائل أكدها بالقصص على عادته من التفنن في ~~الكلام والنقل من أسلوب إلى أسلوب في الموعظة فبدأ بقصة نوح. ومعنى إني لكم ~~أي متلبسا بهذا الكلام وهو قوله: إني لكم فلما اتصل به الجار فتح ومن كسر ~~فعلى إرادة القول. وأن لا تعبدوا بدل من إني لكم نذير أي أرسلناه بأن لا ~~تعبدوا إلا الله أو يكون «أن» مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير. ووصف اليوم ~~بأليم لوقوع الألم فيه فيكون مجازا. وكذا لو جعل الوصف للعذاب والجر ~~بالجوار. ثم حكى أنه طعن أشراف قومه في نبوته من ثلاث جهات: الأولى أنه بشر ~~مثلهم. الثانية أنه لم يتبعه إلا الأراذل يعنون أصحاب الحرف الخسيسة ~~كالحياكة وغيرها قالوا: لو كنت صادقا لا تبعك الأكياس من الناس والأشراف ~~منهم. والأراذل جمع أرذل. وقيل: جمع الأرذال جمع رذل وهو الدون من كل شيء ~~في منظره وحالاته. ومعنى بادي الرأي أول الرأي وهو نصب على الظرف أي اتبعوك ~~في ابتداء حدوث الرأي ms2485 من غير روية، أو معناه ظاهر الرأي من قولك بدا الشيء ~~إذا ظهر، ومنه البادية للبرية لظهورها وبروزها للناظر. وهذا تفسير من # PageV04P017 # قرأ بغير همز. وعلى هذا فالمراد أنهم اتبعوك في الظاهر وباطنهم بخلافه، ~~أو اتبعوك وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز ~~أن يتعلق بادي الرأي بقوله: أراذلنا أي كونهم كذلك أمر ظاهر لكل من يراهم ~~عيانا، ويتأكد هذا التأويل بما نقل عن مجاهد أنه قرأ إلا الذين هم أراذلنا ~~رأي العين وإنما استرذلوا المؤمنين لاعتقادهم أن المزية عند الله سبحانه ~~بالمال والجاه ولم يعلموا أن ذلك مبعد من الحق لا مقرب منه، وأن الأنبياء ~~ما بعثوا إلا لترك الدنيا والإقبال على الآخرة فكيف يجعل قلة المال طعنا في ~~النبوة وفي متابعة النبي. الشبهة الثالثة: وما نرى لكم علينا من فضل لا في ~~العقل ولا في كيفية رعاية المصالح ولا في قوة الجدل بل نظنكم كاذبين خطاب ~~لنوح ولمن آمن به بتبعيته، أو خطاب للأراذل كأنهم نسبوهم إلى الكذب في ~~ادعاء الإيمان. ثم حكى ما أجاب به نوح قومه وهو أن حصول المساواة في صفة ~~البشرية لا يمنع من حصول المفارقة في صفة النبوة وذلك قوله: أرأيتم إن كنت ~~على بينة برهان من ربي وآتاني بإيتاء تلك البينة رحمة وعلى هذا البينة هي ~~الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة وقيل بالعكس فعميت ~~خفيت أو أخفيت البينة أو كل من البينة والرحمة أي صارت مظلمة مشتبهة في ~~عقولكم. والبينة توصف بالإبصار والعمى مجازا باعتبار نتيجتها كما أن دليل ~~القوم إن كان بصيرا اهتدوا وإن كان أعمى بقوا خابطين متحيرين. ثم قال: ~~أنلزمكموها # أي أنكرهكم على قبول البينة وأنتم لها كارهون والمراد أنا لا نقدر على ~~إيصال حقيقة البينة إليك. وإنما يقدر على ذلك من هو قادر على الإيجاد ~~والإعدام وتغيير الأحوال وتبديل الأخلاق. ثم ذكر أنه لا يطلب على تبليغ ~~الرسالة مالا حتى يتفاوت الحال بسبب كون المجيب غنيا أو فقيرا وما أنا ~~بطارد ms2486 الذين آمنوا عن ابن جريج أنهم قالوا: إن أحببت يا نوح أن نتبعك ~~فاطردهم فإنا لا نرضى بمشاركتهم، فلم يبذل ملتمسهم وعلل ذلك بقوله إنهم ~~ملاقوا ربهم فيعاقب من يطردهم أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من ~~الإيمان الصحيح أو النفاق بزعمكم، أو المراد أنهم معتقدون لقاء ربهم ولكني ~~أراكم قوما تجهلون لقاء ربكم وأنهم خير منكم، أو قوما تسفهون حيث تسمون ~~المؤمنين أراذل. # ثم أكد عدم طردهم بقوله: ويا قوم من ينصرني من الله من يمنعني من عقابه ~~إن طردتهم لأن العقل والشرع توافقا على أنه لا بد من تعظيم المؤمن البر ~~المتقي ومن إهانة الكافر الفاجر فكيف يليق بنبي الله أن يقلب هذه القضية. ~~سؤال: إن كان طرد المؤمن لطلب مرضاة الكافر معصية فكيف فعل ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى نهي عنه بقوله: ولا # PageV04P018 # تطرد الذين يدعون ربهم؟ الجواب أنه لم يكن ذلك طردا مطلقا وإنما عين ~~لأجلهم أوقاتا مخصوصة، ولأشراف قريش أوقاتا أخرى فعوتب على ذلك القدر. ~~احتجت المعتزلة بالآية على عدم الشفاعة للفاسق إذ لو كانت جائزة لكانت في ~~حق نوح أولى، فلم يقل من الذي يخلصني من عذابه. وأجيب بأنه مخصوص بآيات ~~العفو. ثم ذكر أنه كما لا يسألهم مالا فإنه لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى ~~يجحدوا أن له فضلا عليهم من هذه الجهة. ولا أعلم الغيب حتى أصل به إلى ما ~~أريده لنفسي ولأتباعي وأطلع على الضمائر ولا أقول إني ملك أتعظم بذلك عليكم ~~بل طريقي الخضوع والتواضع وعدم الاستنكاف عن مخالطة الفقراء وقد مر في ~~«الأنعام» سائر ما يتعلق بالآية. ومعنى تزدري تعيب وتحقر والازدراء افتعال ~~من زرى عليه إذا عابه. وفي قوله تعالى الله أعلم بما في أنفسهم دلالة على ~~أنهم كانوا ينسبون اتباعه مع الفقر والذلة الى النفاق إني إذا أي إن قلت ~~شيئا من ذلك كنت من الظالمين لنفسي. أو إن قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا مع ~~أنه لا وقوف لي على باطنهم. ms2487 ثم إن قومه وصفوه بكثرة الجدال قائلين يا نوح ~~قد جادلتنا فأكثرت جدالنا قال أهل المعاني: أردت جدالنا وشرعت فيه فأكثرته ~~كقولك: جاد لي فلان فأكثر. لم ترد أنه أعطى عطيتين أقل فأكثر بل تريد أن ~~الوصف مقارن للموصوف. وفي الآية دلالة على أن الجدال في تقرير دلائل ~~التوحيد من دأب أكابر الأنبياء. ثم استعجلوا العذاب الذي كان يتوعدهم به ~~فأجاب نبي الله بأن ذلك ليس إلي وإنما هو بمشيئة الله وإرادته ولا يعجزه عن ~~ذلك أحد. وقوله: ولا ينفعكم نصحي كقول القائل لامرأته: # أنت طالق إن دخلت الدار إن أكلت الخبز لم يقع الطلاق إلا إذا دخل الدار ~~فأكل الخبز. # ولهذا قال الفقهاء: المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى فكأنه قيل: إن كان ~~الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم لم ينفعكم نصحي. واحتجاج ~~الأشاعرة بالآية ظاهر. # وأجابت المعتزلة بأنه لا يلزم من فرض أمر وقوعه، ولعل نوحا إنما قال ذلك ~~ليبين لهم أنه تعالى بنى أمر التكليف على الاختيار وإلا لم يكن للنصح ~~فائدة، ولو تشبت الخصم بالجبر لزم إفحام النبي. ومن الجائز أن يراد ~~بالإغواء التعذيب من غوى الفصيل إذا بشم فهلك، أو يراد به الخيبة كقوله: ~~فسوف يلقون غيا [مريم: 59] أي خيبة من خير الآخرة، أو يراد به منع الألطاف ~~وقد تقدم أمثال ذلك مرارا. ثم أشار إلى المبدإ والمعاد بقوله: هو ربكم ~~وإليه ترجعون ثم أنكر الله سبحانه عليهم قولهم إنما ادعاء نوح أنه أوحي ~~إليه مفترى فقال: أم يقولون افتراه فأمره بأن يجيب بكلام منصف وهو قوله: قل ~~إن افتريته فعلي إجرامي أي عقاب إثمي وهو الافتراء. وأنا بريء مما تجرمون ~~أي من # PageV04P019 # إجرامكم وهو إسناد الافتراء إلي وهاهنا إضمار كأنه قيل: لكني ما افتريته ~~فالإجرام وعقابه عليكم وأنا بريء منه. وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من ~~تمام قصة نوح. وعن مقاتل أنها من قصة محمد صلى الله عليه وسلم وقعت في ~~أثناء قصة نوح. # قوله سبحانه: وأوحي إلى نوح أنه ms2488 لن يؤمن إقناط له من إيمانهم الذي كان ~~يتوقعه منهم بدليل قوله: إلا من قد آمن فإن «قد» للتوقع. وقوله: فلا تبتئس ~~تسلية له أي لا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام ~~منهم. قال أكثر المعتزلة: إنه لا يجوز أن ينزل الله عذاب الاستئصال على قوم ~~يعلم أن فيهم من يؤمن أوفي أولادهم من يؤمن بدليل دعاء نوح رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا إلى قوله: إلا فاجرا كفارا [نوح: 27] علل الإهلاك ~~بمجموع الأمرين فدل ذلك على أنهما لو لم يحصلا لم يجز الإهلاك. وذهب كثير ~~منهم إلى الجواز، فليس كل خبر معلوم بواجب الوقوع نعم كلما يقع يجب أن يكون ~~على الوجه الأصلح. ومذهب الأشاعرة في هذا المعنى ظاهر فله أن يفعل في ملكه ~~ما شاء. ثم عرفه وجه إهلاكهم وألهمه وجه خلاص من آمن فقال: واصنع الفلك وهو ~~أمر إيجاب على الأظهر لأنه لا سبيل إلى صون روحه عن الهلاك في الطوفان إلا ~~بذلك، وصون النفس واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقيل: أمر إباحة ~~كمن أمر أن يتخذ الإنسان لنفسه دارا يسكنها. والإنصاف أن الأمر ظاهره ~~الوجوب وإن قطعنا النظر عن فائدته وغايته. وقوله: بأعيننا ووحينا في موضع ~~الحال أي متلبسا بذلك. والسبب فيه أن إقدامه على صنعة السفينة مشروط ~~بأمرين: # أحدهما أن لا يمنعه أعداؤه عن ذلك العمل وأشار إليه بقوله: بأعيننا وليست ~~العين بمعنى الجارحة لأنه منزه عن الجوارح والأعضاء فالمراد بها الحفظ ~~والحياطة والكلاءة لأن العين آلة الحفظ والحراسة. والثاني أن يكون عالما ~~بكيفية تركيب الأخشاب ونحتها. عن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى ~~الله تعالى إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. وقيل: المراد عين الملك الذي ~~كان يعرفه كيفية اتخاذ السفينة. ثم قال: ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي في ~~شأنهم. وقيل: علل عدم الخطاب بقوله: إنهم مغرقون أي إنهم محكوم عليهم ~~بالإغراق وقد جف القلم عليهم بذلك فلا فائدة للشفاعة. # وقيل: ms2489 لا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم يغرقون في الوقت المعين لذلك فلا ~~فائدة في الاستعجال فلكل أمة أجل. وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته واعلة ~~وكنعان ابنه. ثم حكى الحال الماضية بقوله: ويصنع الفلك والحال أنه كلما مر ~~عليه ملأ من قومه سخروا منه يحتمل أن يكون هذا جوابا ل «كلما» وقوله: قال ~~إن تسخروا استئناف # PageV04P020 # على تقدير سؤال سائل كأنه قيل: ماذا قال نوح حينئذ؟ ويحتمل أن يكون سخروا ~~بدلا من مر أو صفة ل ملأ وقال جواب قيل كانوا يقولون: يا نوح كنت نبيا فصرت ~~نجارا، ولو كنت صادقا في دعواك لكان إلهك يغنيك عن هذا العمل الشاق. # وقيل: إنهم ما رأوا السفينة قبل ذلك فكانوا يتعجبون ويسخرون. وقيل: إنها ~~كانت كبيرة وكان يصنعها في مفازة بعيدة عن الماء فكانوا يقولون هذا من باب ~~الجنون. وقيل: طالت مدته وكان ينذرهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة ~~وليس منه عين ولا أثر فغلب على ظنونهم كونه كاذبا فيسخرون منه فأجابهم ~~بقوله: إن تسخروا منا في الحال فإنا نسخر منكم في المستقبل إذا وقع عليكم ~~الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة، أو إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع ~~فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله، أو إن ~~تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم لأنكم لا تستجهلون إلا عن الجهل ~~بحقيقة الأمر. والبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الأغمار. وسمي جزاء ~~السخرية سخرية كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] ثم هددهم بقوله: # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا وهو عذاب الغرق ويحل عليه ~~عذاب مقيم في الآخرة لازم لزوم الدين الحال للغريم. و «من» موصولة أو ~~استفهامية وقد مر في «الأنعام» . روي أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في ~~سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين، ~~وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: الأسفل للوحوش والسباع والهوام، ~~والأوسط للدواب والأنعام، والأعلى للناس ولما يحتاجون إليه من الزاد وحمل ~~معه جسد آدم. ms2490 وقال الحسن: كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة. # قوله: حتى إذا جاء أمرنا هي غاية لقوله: ويصنع الفلك أي كان يصنعها إلى ~~أن جاء وقت الأمر بالإهلاك. وفار التنور أي نبع الماء منه بشدة وسرعة ~~تشبيها بغليان القدر. والتنور هي التي يختبز فيها فقيل: هو مما استوى فيه ~~العربي والعجمي. وقيل: # معرب لأنه لا يعرف في كلام العرب نون قبل راء. عن ابن عباس والحسن ~~ومجاهد: هو تنور نوح. وقيل: كان لآدم وحواء حتى صار لنوح وموضعه بناحية ~~الكوفة قاله مجاهد والشعبي. # وعن علي رضي الله عنه أنه في مسجد الكوفة وقد صلى فيه سبعون نبيا. # وقيل: # بالشام بموضع يقال له عين وردة قاله مقاتل. وقيل: بالهند. روي أن امرأته ~~كانت تخبز فأخبرته بخروج الماء من ذلك التنور فاشتغل في تلك الحال بوضع ~~الأشياء في السفينة وكان الله تعالى جعل هذه الحالة علامة لواقعة الطوفان. # ويروى عن علي رضي الله عنه # PageV04P021 # أيضا أن المراد بالتنور وجه الأرض لقوله: وفجرنا الأرض عيونا [القمر: 12] # وعنه أيضا كرم الله وجهه أن معنى فار التنور طلع الصبح. # وقيل: معناه اشتد الأمر كما يقال حمي الوطيس. والمراد إذا رأيت الأمر ~~يشتد والماء يكثر فاركب في السفينة وذلك قوله قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين والزوجان شيئان يكون أحدهما ذكرا والآخر أنثى. # فمن قرأ بالإضافة فمعناه احمل من كل صنفين بهذا الوصف اثنين، ومن قرأ ~~بالتنوين فالمراد حمل من كل شيء زوجين. واثنين للتأكيد ولا يبعد أن يكون ~~النبات داخلا فيه لاحتياج الناس إليه وأهلك معطوف على مفعول احمل وكذا من ~~آمن وقوله إلا من سبق عليه القول قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته قدر الله ~~لهما الكفر إذ علم منهما ذلك. ثم قال وما آمن معه إلا قليل أي نفر قليل: عن ~~مقاتل أنهم ثمانون وبهم سموا قرية الثمانين بناحية الموصل لأنهم لما خرجوا ~~من السفينة بنوها. وقيل: اثنان وسبعون رجلا وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ~~ويافث ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم ms2491 نساء. وعن محمد بن ~~إسحق كانوا عشرة، # وعن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ثمانية، نوح وأهله وبنوه الثلاثة ~~ونساؤهم. # وقيل في بعض الروايات: إن إبليس دخل معه السفينة وفيه بعد لأنه جسم ناري ~~فلا يؤثر الغرق فيه. # قوله سبحانه وتعالى حكاية عن نوح وأهله وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ~~ومرساها الآية. فيه أبحاث الأول: أن الركوب متعد بنفسه يقال: ركبت الدابة ~~والبحر والسفينة أي علوتها. فما الفائدة في زيادة لفظة «في» ؟ قال الواحدي: ~~فائدته أن يعلم أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف الفلك لا على ظهره. الثاني ~~قوله: بسم الله إما أن تتعلق بقوله: اركبوا حالا من الواو أي مسمين الله، ~~أو قائلين باسم الله ومجراها ومرساها مصدران حذف منهما الوقت المضاف ~~كقولهم: جئتك خفوق النجم ومقدم الحاج، أو يراد مكان الإجراء والإرساء أو ~~زمانهما. وانتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل، أو بالقول المقدر. ~~وعلى التقادير يكون مجموع قوله: وقال اركبوا إلى قوله: ومرساها كلاما ~~واحدا. وإما أن يكون بسم الله مجراها ومرساها كلاما آخر من مبتدإ وخبر أي ~~باسم الله إجراؤها وإرساؤها. # يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال ~~بسم الله فرست. # ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: تم اسم السلام عليكما، ويراد بالله إجراؤها ~~وإرساؤها، وكان نوح أمرهم بالركوب أولا ثم أخبرهم بأن إجراءها وإرساءها ~~بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته. وجوز في الكشاف أن تكون هذه الجملة في موضع ~~الحال من ضمير الفلك ولا تكون جملة مستأنفة ولكن فضلة من تتمة الكلام الأول ~~كأنه قال اركبوا # PageV04P022 # فيها مقدرين أن إجراءها وإرساءها باسم الله تعالى. يقال: رسا الشيء يرسو ~~إذا ثبت، وأرساه غيره. # يروى أنها سارت لأول يوم من رجب أو لعشر مضين منه فسارت ستة أشهر ثم ~~استوت على الجودي يوم العاشر من المحرم. # ويروى أنها مرت بالبيت وطافت به سبعا فأعتقها الله من الغرق. # البحث الثالث قوله: إن ربي لغفور رحيم كيف ناسب مقام ms2492 الإهلاك وإظهار ~~العزة؟ والجواب كان القوم اعتقدوا أنهم نجوا ببركة إيمانهم وعملهم، فنبههم ~~الله تعالى بهذا الذكر على أن الإنسان في كل حال من أحواله لا ينفك عن ~~ظلمات الخطأ والزلل فيحتاج إلى مغفرة الله ورحمته. وفي الآية إشارة إلى أن ~~العاقل إذا ركب في سفينة الفكر ينبغي أن يكون قد برىء من حوله وقوته وقطع ~~النظر عن الأسباب وربط قلبه وعلق همته بفضل واهب العقل فيقول بلسان الحال ~~باسم الله مجريها ومرسيها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل الإيقان، وتتخلص عن ~~أمواج الشبه والظنون والأوهام. # قال في الكشاف: وهي تجري بهم متصل بمحذوف كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون ~~باسم الله وهي تجري بهم وهم فيها في موج كالجبال في التراكم والارتفاع، ~~فلعل الأمواج أحاطت بالسفينة من الجوانب فصارت كأنها في داخل تلك الأمواج. # واختلف المفسرون في قوله: ونادى نوح ابنه فالأكثرون على أنه ابن له في ~~الحقيقة لئلا يلزم صرف الكلام عن الحقيقة الى المجاز من غير ضرورة، ولا ~~استبعاد في كون ولد النبي كافرا كعكسه. واعترض على هذا القول بأنه كيف ~~ناداه مع كفره وقد قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا؟ [نوح: 26] ~~وأجيب بأنه كان منافقا وظن نوح أنه مؤمن أو ظن أنه كافر إلا أنه توقع منه ~~الإيمان عند مشاهدة العذاب بدليل قوله: ولا تكن مع الكافرين أو لعل شفقة ~~الأبوة حملته على ذلك النداء. وعن محمد بن علي الباقر والحسن البصري أنه ~~كان ابن امرأته ويؤيده ما روي أن عليا رضي الله عنه قرأ ونادى نوح ابنها ~~ويؤكد هذا الظن قوله: إن ابني من أهلي دون أن يقول «إنه مني» وقيل: إنه ولد ~~على فراشه لغير رشدة وإليه الإشارة بقوله تعالى فخانتاهما [التحريم: 10] ~~ورد هذا القول بأنه يجب صون منصب الأنبياء عن مثل هذه الفضيحة لقوله: ~~الخبيثات للخبيثين [النور: 26] وفسر ابن عباس تلك الخيانة بأن امرأة نوح ~~كانت تقول زوجي مجنون. # وامرأة لوط دلت الناس على ضيفه. وقوله: وكان في معزل هو مفعل ms2493 من عزله عنه ~~إذا نحاه أو أبعده أي كان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن السفينة وعمن ~~فيها، أو كان في معزل عن دين أبيه. وقيل في معزل عن الكفار ولهذا ظن نوح ~~أنه يريد مفارقة الكفرة، ولكن قوله: ولا تكن مع الكافرين لا يساعد هذا ~~القول. وقوله يا بني بكسر الياء # PageV04P023 # لأجل الاكتفاء به عن ياء الإضافة، وبفتحها اكتفاء به عن الألف المبدلة من ~~الياء، ويجوز أن يكون الياء والألف ساقطتين من اللفظ فقط لالتقاء الساكنين. ~~ثم حكى إصرار ابنه على الكفر بأن قال سآوي إلى جبل فأجاب نوح بأنه لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم واعترض عليه بأن معنى من رحم من رحمه الله ~~وهو معصوم فكيف يصح استثناؤه من العاصم؟ وأجيب بأن «من» فاعلة في المعنى لا ~~مفعول، والمراد نوح لأنه سبب الرحمة والنجاة كما أضيف الإحياء إلى عيسى ~~عليه السلام، أو الرحيم الذي مر ذكره في قوله: إن ربي لغفور رحيم وهو عاصم ~~لا معصوم، أو هو استثناء مفرغ والتقدير لا عاصم اليوم لأحد من أمر الله إلا ~~لمن رحم، أو العاصم بمعنى ذو العصمة كلابن وتامر. # وذو العصمة المعصوم أو المضاف محذوف والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من ~~رحمهم الله ونجاهم يعني السفينة، أو هو استثناء منقطع كأنه قيل: ولكن من ~~رحمه الله فهو المعصوم وحال بينهما الموج أي بسبب هذه الحيلولة خرج من أن ~~يخاطبه نوح فصار من جملة الغرقى. # قوله سبحانه: وقيل يا أرض الآية. مما اختص بمزيد البلاغة حتى صارت ~~متداولة بين علماء المعاني فتكلموا فيها وفي وجوه محاسنها فلا علينا أن ~~نورد هاهنا بعض ما استفدنا منهم فنقول: النظر فيها من أربع جهات: من جهة ~~علم البيان، ومن جهة علم المعاني، ومن جهتي الفصاحتين المعنوية واللفظية. ~~أما من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية ~~وما يتصل بها. فالقول فيه أنه عز سلطانه أراد أن يبين معنى أردنا أن نرد ما ms2494 ~~انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض ~~الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجاؤه وإغراق قومه كما ~~وعدناه فقضي، وأن تستوي السفينة على الجودي- وهو جبل بقرب الموصل- فاستوت، ~~وأبقينا الظلمة غرقى، فبنى الكلام على تشبيه الأرض والسماء بالمأمور الذي ~~لا يتأتى منه- لكمال هيبته- العصيان، وعلى تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم ~~النافذ في تكون المقصود تصويرا لاقتداره، وأن السماء والأرض مع عظم جرمهما ~~تابعتان لإرادته إيجادا وإعداما وتغييرا وتصريفا كأنهما عقلاء مميزون قد ~~أحاطا علما يوجب الامتثال والإذعان لخالقهما، فاستعمل قيل بدل «أريد» مجازا ~~إطلاقا للمسبب على السبب، فإن صدور القول إنما يكون بعد إرادته. وجعل قرينة ~~المجاز الخطاب للجماد بقوله: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء والخطابان أيضا ~~على سبيل الاستعارة للشبه المذكور وهو كون السماء والأرض كالمأمورين ~~المنقادين. وأيضا # PageV04P024 # استعار لغور الماء في الأرض البلع الذي هو إعمال القوة الجاذبة في الطعوم ~~للشبه بين الغور والبلع وهو الذهاب إلى مقر خفي. وو جعل قرينة الاستعارة ~~نسبة الفعل إلى المفعول، وفي جعل الماء مكان الغذاء أيضا استعارة لأنه شبه ~~الماء بالغذاء لتقوى الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار تقوي الآكل ~~بالطعام، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ابلعي لكونها موضوعة للاستعمال في ~~الغذاء دون الماء. ثم أمر الجماد على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ~~وخاطب في الأمر دون أن يقول ليبلع ترشيحا لاستعارة النداء إذ كونه مخاطبا ~~من صفات الحي كما أن كونه منادى من صفاته ثم قال ماءك بإضافة الماء إلى ~~الأرض على سبيل المجاز تشبيها لاتصال الماء بالأرض باتصال الملك بالمالك. ~~واختار ضمير الخطاب دون أن يقول «ليبلع ماؤها» لأجل الترشيح المذكور. ثم ~~اختار مستعيرا لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه ~~بينهما في عدم ما كان ثم أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر لمثل ما ~~تقدم في ابلعي من ترشيح استعارة النداء. ثم قال وغيض الماء غاض الماء قل ~~ونضب، وغاضه الله يتعدى ولا يتعدى وقضي الأمر واستوت ms2495 على الجودي وقيل بعدا ~~فلم يصرح بالفاعل سلوكا لسبيل الكناية لأن هذه الأمور لا تتأتى إلا من قدير ~~قهار فلا مجال لذهاب الوهم إلى غيره، ومثله في صدر الآية ليستدل من ذكر ~~الفعل وهو اللازم على الفاعل وهو الملزوم وهذا شأن الكناية، ثم ختم الكلام ~~بالتعريض لأنه ينبىء عن الظلم المطلق وعن علة قيامة الطوفان. # وأما النظر فيها من جهة علم المعاني وهو النظر في فائدة كل كلمة منها، ~~وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها، فذلك أنه اختير «يا» للنداء لأنها ~~أكثر استعمالا ولدلالتها على تبعيد المنادى الذي يستدعيه مقام العزة ~~والهيبة، ولهذا لم يقل «يا أرضي» بالإضافة تهاونا بالمنادى، ولم يقل «يا ~~أيتها الأرض» للاختصار مع الاحتراز عن تكلف التنبيه لمن ليس من شأنه ~~التنبيه. واختير لفظ الأرض والسماء لكثرة دورانهما مع قصد المطابقة، واختير ~~ابلعي على ابتلعي لكونه أخصر ولمجيء حظ التجانس بينه وبين أقلعي أوفر. ~~وقيل: ماءك بلفظ المفرد لما في الجمع من الاستكثار المتأتي عنه مقام العزة ~~والاقتدار، وكذا في إفراد الأرض والسماء. ولم يحذف مفعول ابلعي لئلا يلزم ~~تعميم الابتلاع لكل ما على الأرض. ولما علم اختصاص الفعل فيه اقتصر عليه ~~فحذف من أقلعي حذرا من التطويل. وإنما لم يقل «ابلعي ماءك فبلعت» لأن عدم ~~تخلف المأمور به عن أمر الآمر المطاع معلوم. واختير غيض على غيض المشددة ~~للاختصار ولمثل هذا عرف الماء والأمر دون أن يقال ماء الطوفان، أو أمر نوح ~~للاستغناء عن الإضافة # PageV04P025 # بالتعريف العهدي ولم يقل سويت لتناسب أول القصة وهي تجري بهم من بناء ~~الفعل للفاعل، ولأن استوت أخصر لسقوط همزة الوصل. ثم قيل: بعدا للقوم دون ~~أن يقال «ليبعد القوم من بعد» بالكسر يبعد بالفتح إذا هلك، للتأكيد مع ~~الاختصار ودلالة «لام» الملك على أن البعد حق لهم. وقول القائل «بعدا له» ~~من المصادر التي لا يستعمل إظهار فعلها. ثم أطلق الظلم ليتناول ظلم أنفسهم ~~وظلمهم غيرهم. وأما ترتيب الجمل فقدم النداء على الأمر ليتمكن الأمر الوارد ~~عقيب النداء ms2496 كما في نداء الحي، وقدم نداء الأرض لابتداء الطوفان منها بدليل ~~قوله: وفار التنور ثم بين نتيجة البلع والإقلاع بقوله: وغيض الماء ثم ذكر ~~مقصود القصة وهو قوله وقضي الأمر أي أنجز الموعود من إهلاك الكفرة وإنجاء ~~المؤمنين. ثم بين حال استقرار السفينة بقوله: واستوت على الجودي وكان جبلا ~~منخفضا فكان استواء السفينة عليه دليلا على انقطاع مادة الماء. ثم ختمت ~~القصة بما ختمت من التعريض. قيل: كيف يليق بحكمة الله تغريق الأطفال بسبب ~~إجرام الكفار؟ وأجيب على أصول الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل، وعلى أصول ~~المعتزلة بأنه يعوض الأطفال والحيوانات كما في ذبحها واستعمالها في الأعمال ~~الشاقة. وقد روى جمع من المفسرين أنه سبحانه أعقم أرحام نسائهم قبل الغرق ~~بأربعين سنة فلم يغرق إلا من بلغ أربعين. وهذا مع تكلفه لا يتمشى في الجواب ~~عن إهلاك سائر الحيوانات. # والظاهر أن القائل في قوله: وقيل بعدا هو الله تعالى لتناسب صدر الآية، ~~ويحتمل أن يكون القائل نوحا وأصحابه لأن الغالب ممن يسلم من الأمر الهائل ~~بسبب اجتماع القوم الظلمة أنه يقول مثل هذا الكلام، ولأنه جار مجرى الدعاء ~~عليهم فجعله من كلام البشر أليق. # وأما النظر في الآية من جهة الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظم للمعاني ~~لطيف، وتأدية المراد بأبلغ وجه وأتمه. وأما من جهة الفصاحة اللفظية فهي ~~أنها كالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقة عذبة على العذبات سلسة على ~~الأسلات، ولعل ما تركنا من لطائف هذه الآية بل كل آية أكثر مما نذكر والله ~~تعالى أعلم بمراده من كلامه. ونادى نوح ربه أي أراده أن يدعوه فقال رب إن ~~ابني من أهلي بعض سواء كان من صلبه أو ربيبا له وإن وعدك أي كل ما تعد به ~~الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه وقد وعدتني أن تنجي أهلي وأنت أحكم ~~الحاكمين أعلمهم وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل، ~~ويجوز أن يكون الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدارع. قال يا نوح إنه ليس من ms2497 أهلك # أي من أهل دينك أو من أهلك الذين وعدتهم الإنجاء معك. ثم صرح # PageV04P026 # بأن العبرة بقرابة الدين والعمل الصالح لا بقرابة النسب فقال: إنه عمل ~~غير صالح من قرأ على لفظ الفعل فمعناه أنه عمل عملا غير صالح وهو الإشراك ~~والتكذيب، ومن قرأ على لفظ الاسم فللمبالغة كما يقال: فلان كرم وجود إذا ~~غلب عليه الكرم والجود وفي قوله: غير صالح دون أن يقول «فاسد» تعريض بل ~~تصريح بأنه إنما نجا من نجا بالصلاح، ويحتمل على هذه القراءة أن يعود ~~الضمير في إنه إلى سؤال نوح أي إن نداءك هذا المتضمن لسؤال إنجاء ابنك عمل ~~غير صالح. وقيل: المراد أن هذا الابن ولد زنا وقد عرفت سقوطه. ثم نهاه عن ~~مثل هذا السؤال ووبخه عليه بقوله: فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين قال المحققون: الظاهر أن ابنه كان منافقا فلذلك اشتبه ~~أمره على نوح، وحمله شفقة الأبوة أولا على دعوته إلى ركوب السفينة، فلما ~~حال بينهما الموج لجأ إلى الله في خلاصه من الغرق، فعوتب على ذلك لأنه لما ~~وعده الله إنجاءه أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول كان عليه أن يتوكل ~~على الله حق توكله ويعلم أن كل من كان من أهله مؤمنا فإنه يخلص من الغرق لا ~~محالة. ولما لم يصبر إلى تبين الحال توجه إليه العتاب على ترك الأولى فلذلك ~~تنبه ورجع إلى الله قائلا رب إني أعوذ بك أن أسئلك فيما يستقبل من الزمان ~~ما ليس لي به علم تأدبا بآدابك واتعاظا بعظتك. وإلا تغفر لي ما فرط مني من ~~الخطأ في باب الاجتهاد، أو من قلة الصبر على ما يجب عليه الصبر، وهذا ~~التضرع مثل تضرع أبيه وأبينا آدم في قوله: ربنا ظلمنا [الأعراف: 23] الآية. ~~فلذلك عفى عنه. # وقيل يا نوح اهبط أي من السفينة بعد استوائها على الجبل، أو انزل من ~~الجبل إلى الفضاء ملتبسا بسلام منا بسلامة من التهديد والوعيد بل من جميع ~~الآفات ms2498 والمخافات، لأنه لما خرج من السفينة كان خائفا من عدم المأكول ~~والملبوس وسائر جهات الحاجات لأنه لم يبق في الأرض شيء يمكن أن ينتفع به من ~~النبات والحيوانات. # وقيل: أي مسلما عليك مكرما. والبركات الخيرات النامية الثابتة، وفسروها ~~في هذا المقام بأنه وعد له بأن جميع أهل الأرض من الأشخاص الإنسانية يكون ~~من نسله إما لأنه لم يكن في السفينة إلا من هو من ذريته، وإما لأنه لما خرج ~~من السفينة مات من لم يكن من أهله وبقي النسل والتوالد في ذريته، دليله ~~قوله سبحانه وجعلنا ذريته هم الباقين [الصافات: 77] فنوح آدم الأصغر. وقيل: ~~لما وعده السلامة من الآفات وعده أن موجبات السلامة والراحة تكون في ~~التزايد والثبات لا عليك وحدك بل وعلى أمم ممن معك إن كان «من» للبيان ~~فالمراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة لأنهم كانوا جماعات، أو هم أصل # PageV04P027 # الأمم التي انشعبت منه. وإن كان لابتداء الغاية فالمعنى على أمم ناشئة ~~ممن معك إلى آخر الدهر. وهذا شأن الأمة المؤمنة ثم ذكر حال الأمة الكافرة ~~المتوالدة فقال: وأمم وهو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي وممن معك أمم ~~سنمتعهم في الدنيا ثم يمسهم في الآخرة منا عذاب أليم عن ابن زيد: هبطوا ~~والله عنهم راض، ثم أخرج منهم نسلا منهم من رحم ومنهم من عذب. وخصص بعضهم ~~الأمم الممتعة بقوم هود وصالح ولوط وشعيب وتلك إشارة إلى قصة نوح وهو مبتدأ ~~والجمل بعدها أخبار. # وقوله ولا قومك للمبالغة كقول القائل: لا تعرف هذه المسألة لا أنت ولا ~~قومك ولا أهل بلدك. والمراد تفاصيل القصة وإلا فمجملها أشهر من أن يخفى. ~~ومعنى من قبل هذا أي من قبل هذا الإيحاء أو العلم الذي كسبته بالوحي، أو من ~~قبل هذا الوقت وكأن هذه القصة أعيدت في هذه السورة تثبيتا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم على إنذار قومه ولذلك ختمت بقوله: # فاصبر كما صبر نوح وإن العاقبة الحميدة للمتقين. ### | التأويل: # ما نراك إلا بشرا مثلنا أي مخلوقا محتاجا مثلنا. ms2499 وفيه أن النفس بنظرها ~~السفلي ترى الروح العلوي سفليا فلهذا تنظر إلى النبي ولا ترى نبوته ~~الحميدة، بل تراه بنظر الكذب والسحر والجنون إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي والأراذل من اتباع الروح البدن والجوارح الظاهرة، فإن الغالب على ~~الخلق أن البدن يقبل دعوة الروح ويستعمل الجوارح بالأفعال الشرعية، ولكن ~~النفس الأمارة تكون على كفرها ولا تخلي البدن أن يشتغل بالأعمال الشرعية ~~الدينية إلا لغرض فاسد ومصلحة دنيوية كما هو المعتاد لأكثر الخلق. وما أنا ~~بطارد الذين آمنوا من طبع النفس أن تتأذى من استعمال البدن وجوارحه في ~~التكاليف الشرعية فتقول للروح: إن ترد أن أو من بك وأتخلق بأخلاقك فأمتع ~~البدن وجوارحه في التكاليف من ينصرني من الله من يمنعني من قهره إن منعت ~~البدن من الطاعة، فاقتصر على مجرد إيمان النفس وتخلقها بأخلاق الروح كما هو ~~معتقد أهل الفلسفة والإباحة يقولون: إن أصل العبودية معرفة الربوبية وجمعية ~~الباطن والتحلي بالأخلاق الحميدة. أفلا تذكرون أن جمعية الباطن ونوره من ~~نتائج استعمال الشرع في الظاهر؟ فالنور في الشرع والظلمة في الطبع، وإنما ~~بعث الأنبياء ليخرجوا الخلق من ظلمات الطبع إلى نور الشرع لن يؤتيهم الله ~~خيرا أي استعدادا لتحصيل الدرجات العلوية وإنهم مخلوقون من السفليات الله ~~أعلم بما في نفس كل جارحة من استعداد تحصيل الكمال وأنا بريء مما تجرمون من ~~التكذيب. وفيه أن ذنوب النفس لا تؤثر في صفاء الروح ولا يتكدر بها ما كان ~~الروح متبرئا من ذنوب النفس متأسفا على معاملات # PageV04P028 # النفس وتتبع هواها. وأوحي إلى نوح الروح أنه لن يؤمن من قومك وهم القلب ~~وصفاته والسر والنفس وصفاتها والبدن وجوارحه إلا من قد آمن من خواص العباد ~~وهم القلب وصفاتها والسر وصفات النفس والبدن وجوارحه. فأما النفس فإنها لا ~~تؤمن أبدا اللهم إلا نفوس الأنبياء وخواص الأولياء فإنها تسلم أحيانا دون ~~الإيمان فلا تبتئس بما كانوا يفعلون لأن أعمال الشر لنفوس السعداء كالجسد ~~للإكسير ينقلب ذهبا مقبولا عند طرح الروح عليها، فكذلك تنقلب أعمال الشر ~~خيرا ms2500 عند طرح التوبة عليها فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ولا تبتئس على ~~نفوس الأشقياء لأن أعمالها حجة الله على شقاوتهم، وبتلك السلاسل يسحبون في ~~النار على وجوههم واصنع الفلك اتخذ يا نوح الروح سفينة الشريعة بنظرنا لا ~~بنظرك فإن نظرك تبع الحواس يبصر ظاهرها ويغفل عن أسرارها ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا فإن الظلم من شيم النفوس إنهم مغرقون في بحر الدنيا وشهواتها. ~~وكلما مر عليه ملأ هم النفس وهواها وصفاتها تسخرون من استعمال أركان ~~الشريعة إذ لم يفهموا حقائقها حتى إذا جاء أمرنا وهو حد البلوغ والركوب في ~~سفينة الشريعة وفار ماء الشهوة من تنور القالب قلنا احمل في سفينة الشريعة ~~من كل صفة وزوجها: كالشهوة وزوجها العفة، والحرص وزوجها القناعة، والبخل ~~وزوجها السخاء، والغضب وزوجها الحلم، وكذا الحقد مع السلامة، والعداوة مع ~~المحبة، والكبر مع التواضع، والتأني مع العجلة وأهلك وهم صفات الروح لا ~~النفس ومن آمن وهم القلب والسر. وفي قوله تعالى: وقال اركبوا فيها بسم الله ~~إشارة إلى أن من ركب سفينة الشرع بالطبع وتقليد الآباء والمعلمين لم يحصل ~~له النجاة الحقيقية كما ركب إبليس بالطبع في سفينة نوح وإنما النجاة لمن ~~ركب بأمر الله وذكره مجراها من الله ومرساها إلى الله كقوله: وأن إلى ربك ~~المنتهى [النجم: 42] في موج من الفتن كالجبال ونادى نوح الروح ابنه كنعان ~~النفس المتولد بينه وبين القالب وكان في معزل من معرفة الله وطلبه سآوي إلى ~~جبل العقل يعصمني من الماء الفتن لا عاصم اليوم أي إذا نبع ماء الشهوات من ~~أرض البشرية ونزل ماء ملاذ الدنيا وزينتها من سماء القضاء فلا يتخلص منه ~~إلا من يرحمه الله بالاعتصام بسفينة الشريعة ابلعي ماء شهواتك أقلعي عن ~~إنزال مطر الآفات وغيض ماء الفتن ببركة الشرع وقضي الأمر ما كان مقدرا من ~~طوفان الفتن للابتلاء والتربية، واستوت سفينة الشريعة على الجودي وهو مقام ~~التمكين بعد مقامات التلوين وإن وعدك الحق وهو ما وعد نوح الروح عند إهباطه ~~إلى العالم السفلي من # الرجوع ms2501 إلى العالم العلوي: إنه ليس من أهلك وكان للروح أربعة بنين: ثلاثة ~~من المؤمنين وهم القلب والسر والعقل، وواحد # PageV04P029 # كافر وهو النفس. فنفى عن النفس أهلية الدين والملة لأنها خلقت للأمارية ~~اهبط من سفينة الشريعة عند مفارقة الجسد والخلاص من طوفان الفتن وأمم ~~سنمتعهم هم النفوس متعت بالحظوظ الدنيوية ثم يمسهم في الآخرة عذاب البعد عن ~~المألوفات، فاصبر على تربية الروح والنفس إن العاقبة لمن اتقى طوفان فتن ~~الدنيا والنفس والهوى. ### | [سورة هود (11) : الآيات 50 الى 68] # وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون (50) يا قوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني ~~أفلا تعقلون (51) ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يا هود ما جئتنا ~~ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون ~~(54) # من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربي وربكم ~~ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم (56) فإن تولوا فقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي ~~على كل شيء حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة ~~منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله ~~واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا ~~بعدا لعاد قوم هود (60) وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه إن ربي قريب مجيب (61) قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا ~~أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب (62) ~~قال يا قوم ms2502 أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من ~~الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية ~~فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) # فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما ~~جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (67) ~~كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68) ### | القراآت: # فطرني بفتح الياء: أبو جعفر ونافع والبزي غير الخزاعي إني أشهد # PageV04P030 # بالفتح: أبو جعفر ونافع. فإن تولوا بتشديد التاء: البزي وابن فليح. ~~ويستخلف بالجزم: الخزاز عن هبيرة. الباقون بالرفع يومئذ بفتح الميم وكذلك ~~في «المعارج» : # أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعلي الشموني والبرجمي وعباس. الآخرون بالجر. ~~ألا إن ثمود غير منصرف والوقف بغير الألف: حمزة وحفص وسهل ويعقوب. الباقون ~~بالتنوين والوقف بالألف. لثمود بالتنوين في الوصل: علي. ### | الوقوف: # هودا ط غيره ط مفترون ه أجرا ط فطرني ط تعقلون ه مجرمين ه بمؤمنين ه بسوء ~~ط تشركون ه لا لا تنظرون 5 وربكم ط بناصيتها ط مستقيم ه به إليكم ط ~~للاستئناف إلا لمن قرأ ويستخلف بالجزم غيركم ج لاحتمال ما بعده الاستئناف ~~والحال شيئا ط حفيظ ه منا ج لحق المحذوف أي وقد نجيناهم غليظ ه ط عنيد ه ~~ويوم القيامة ط ربهم ط هود ه صالحا م لما مر في «الأعراف» . غيره ط إليه ط ~~مجيب ه مريب ه تخسير ه قريب ه أيام ط مكذوب ط يومئذ ط العزيز ه جاثمين ه لا ~~لكاف التشبيه فيها ط ربهم ط لثمود 5. ### | التفسير: # قد مر في «الأعراف» تفسير قوله: وإلى عاد الآية، ومعنى قوله: إن أنتم إلا ~~مفترون أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام يحسن عبادتها مع أنها لا حس ~~لها ولا شعور. ثم قال مثل قول نوح يا قوم ms2503 لا أسئلكم عليه أجرا لأن النصيحة ~~لا يمحضها إلا حسم المطامع أفلا تعقلون أن نصح من لا يطلب الأجر إلا من ~~الله لا يكون من التهمة في شيء. قيل: إنما قال في قصة نوح مالا دون أجرا ~~لذكر الخزائن بعده، فلفظ المال بها أليق. وحذف الواو من يا قوم لأنه أراد ~~الاستئناف أو البدل دون العطف. ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه قد مر ~~مثله في أول السورة. # وقال الأصم: المراد سلوه أن يغفر لكم ما تقدم لكم من إسرافكم ثم اعزموا ~~على أن لا تعودوا إلى مثله. ثم قصد استمالتهم وترغيبهم في الإيمان بكثرة ~~المطر وزيادة القوة لأن القوم كانوا حراصا على جميع الأموال من وجوه ~~العمارة والزراعة مفتخرين بما أوتوا من البطش والقوة، فقدم إليهم في باب ~~الدعوة إلى الدين والترغيب فيه ما كانت همتهم معقودة به ليحصل في ضمنه ~~الغرض الكلي والمقصود الأصلي وهو الفوز بالسعادات الأخروية، وكأنه إنما خصص ~~هذين النوعين من السعادات الدنيوية لأن الأول أصل جميع النعم، والثاني أصل ~~في الانتفاع بتلك النعم. وقيل: المراد بالقوة الزيادة في المال. وقيل # PageV04P031 # في النكاح. وروي أنه حبس عنهم القطر بشؤم التكذيب ثلاث سنين وأعقم نساؤهم ~~فوعدوا أنهم إن آمنوا أحيا الله بلادهم ورزقهم المال والولد. والمدرار ~~الكثير الدر كما مر في أول «الأنعام» . # عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه وفد على معاوية فلما خرج تبعه بعض ~~حجابه فقال: إني رجل ذو مال لا يولد لي فقال: عليك بالاستغفار. فكان يكثر ~~الاستغفار حتى إنه ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة فولد له عشرة بنين ~~فبلغ ذلك معاوية فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ فوفد وفدة أخرى فسأله الرجل ~~فقال: ألم تسمع قول هود ويزدكم قوة إلى قوتكم وقول نوح ويمددكم بأموال ~~وبنين [نوح: 12] # ثم قال هود لا تتولوا أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه مجرمين مصرين على ~~الإجرام والآثام. فجحدوا هودا وقالوا ما جئتنا ببينة كما قالت قريش لرسول ~~الله صلى الله عليه ms2504 وسلم لولا أنزل عليه آية من ربه [الرعد: 27] ولم يشتهر ~~منه معجزة ولكن العلماء قالوا: إظهار الدعوة مع أولئك الأقوام من غير ~~مبالاة وتوان آية من الآيات. وقوله: عن قولك حال من الضمير كأنه قيل: وما ~~نترك آلهتنا صادرين عن قولك وما نحن لك بمؤمنين لا يصدق مثلنا مثلك أبدا. ~~ثم زعموا أن بعض آلهتهم اعتراه بسوء أي غشيه وأورثه الخبل والجنون لأنه كان ~~يسب آلهتهم وذلك قولهم: إن نقول إلا اعتراك وإلا لغو أي ما نقول شيئا إلا ~~هذا القول فمن ثم يتكلم بكلام المجانين. والمراد أن الأصنام كافأته على سوء ~~فعله بسوء الجزاء فأظهر نبي الله الجلادة والثقة بالله فيما هو بصدده وتبرأ ~~منهم ومن شركهم فأشهد الله وذلك إشهاد صحيح، وأشهدهم أيضا وهذا كالتهاون ~~وقلة المبالاة بهم كقول الرجل لمن نوى قطعه بالكلية: اشهد علي أني لا أحبك ~~تهكما به. وقد مر قوله: فكيدوني الآية في آخر سورة الأعراف. وقوله: ما من ~~دابة إلا هو آخذ بناصيتها تمثيل لغاية التسخير ونهاية التدليل، وكانوا إذا ~~أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره. ~~قالت المعتزلة: هذا دليل التوحيد لدلالته على أنه لا مالك إلا هو. وقوله: # إن ربي على صراط مستقيم دليل العدل. والأشاعرة قالوا: معناه معنى إن ربك ~~لبالمرصاد [الفجر: 14] أي لا يخفى عليه شيء ولا يفوته هارب فإن تولوا فقد ~~أبلغتكم كقول القائل إن أكرمتني الآن فقد أكرمتك فيما مضى. والمراد فإن ~~تتولوا فأنا غير معاتب ولا مقصر لأني قد قضيت حق الرسالة. وفي قوله: ~~ويستخلف إشارة إلى عذاب الاستئصال وأنه يخلق بعدهم من هو أطوع منهم وأنه لا ~~ينقص من ملكه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ يحفظ أعمال العباد حتى يجازيهم ~~عليها، أو يحفظني من شرككم وكيدكم، أو يحفظني من الهلاك والذين آمنوا معه ~~قيل: كانوا أربعة آلاف # PageV04P032 # برحمة منا أي بفضل وامتنان أو بسبب ما هم فيه من الإيمان والعمل الصالح ~~ونجيناهم من عذاب غليظ أطلق التنجية أولا ثم ms2505 قيدها على معنى وكانت تلك ~~التنجية من عذاب غليظ سموم تدخل في أفواههم وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا ~~عضوا. # ويحتمل أن يراد بالثانية النجاة من عذاب الآخرة ولا عذاب أغلظ منه. # ولما ذكر قصتهم خاطب محمدا وأشار إلى قبورهم وآثارهم بقوله: وتلك عاد ~~فانظروا واعتبروا. ثم استأنف وصف أحوالهم مجملة فقال: جحدوا بآيات ربهم فلم ~~يتسلقوا من المعجزات إلى صدق الأنبياء، ولم يرتقوا من الممكنات إلى وجود ~~الواجب بالذات وعصوا رسله قيل: لم يرسل إليهم إلا هود، وصح الجمع لأن عصيان ~~رسول واحد يتضمن عصيان كلهم لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 285] واتبعوا ~~أمر كل جبار عنيد أطاعوا رؤساءهم وكبراءهم المتمردة والمعاندة ولهذا جعلت ~~اللعنة تابعة لهم في الدارين. وفي تكرير «ألا» والنداء على كفرهم، والدعاء ~~عليهم بالبعد بعد إهلاكهم دلالة على تفظيع شأنهم وأنهم كانوا مستأهلين ~~للدعاء عليهم بالهلاك، ويحتمل أن يراد البعد من رحمة الله في الآخرة. ~~وقوله: قوم هود عطف بيان لعاد إما للتأكيد ومزيد التقرير، وإما لأن عادا ~~عادان القديمة التي هي قوم هود، والأخرى وهي إرم. قوله في قصة ثمود هو ~~أنشأكم تقديم الضمير للحصر أي لم ينشئكم إلا هو، ومعنى الإنشاء من الأرض أن ~~الكل مخلوق من صلب آدم وهو مخلوق من الأرض. ويمكن أن يقال: إن الإنسان ~~مخلوق من المني وهو يحصل من الغذاء والغذاء ينتهي إلى النبات ثم إلى الأرض. ~~وقيل: إن «من» بمعنى «في» . واستعمركم من العمارة أي جعلكم عمارا للأرض ~~وأمركم بالعمارة. فمنها واجب وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا ~~من حفر الأنهار وغرس الأشجار فعمروا الأعمار الطوال مع ما كان منهم من ~~الظلم. # فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم فأوحى إليه أنهم عمروا ~~بلادي فعاش فيها عبادي وقيل: من العمر نحو استبقاكم من البقاء. وقيل: من ~~العمرى. ومعناه أعمركم الله فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء ~~أعماركم، أو جعلكم معمرين دياركم فيها لأن الرجل إذا ورث داره من بعده ~~فكأنه أعمره ms2506 إياها لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لوارثه. # ومعنى كونه تعالى قريبا قد مر في قوله: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~[البقرة: # 186] وذلك في «البقرة» . قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا عن ابن عباس: ~~فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا. وقيل: كنا نظن بك الرشد والصلاح وكمال العقل ~~وإصابة الرأي. وقيل: كنت تعطف على فقيرنا وتعين ضعيفنا وتعود مرضانا فظننا ~~أنك من الأنصار # PageV04P033 # والأحباب وأهل الموافقة في الدين، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء؟ ثم ~~أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء، ثم صرحوا بالتوقف ~~والريب في أمره. ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل إذا ~~كان ذا ريبة وهو من الإسناد المجازي واعلم أن قوله وإننا لفي شك بنون ~~الوقاية هاهنا على الأصل، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال: وإنا بغير نون ~~الوقاية لقوله بعده: تدعوننا [الآية: 9] على الجمع فكان اجتماع النونات ~~مستكرها. فأجابهم هو بقوله: إن كنت على بينة الآية. وبنى أمره على الفرض ~~والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال: قدروا ~~أني على بينة من ربي وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب الله إن ~~عصيته في أوامره فما تزيدونني غير تخسير أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي ~~وتبطلونها، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران ~~وأقول إنكم خاسرون. # والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران ~~الدارين. ويا قوم هذه ناقة الله قد مر تفسيره في «الأعراف» . ومعنى عذاب ~~قريب عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام وغير مكذوب من باب الاتساع أي غير ~~مكذوب فيه فحذف الحرف. # وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به ~~فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به. # قوله: فلما جاء أمرنا بالفاء. وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب هاهنا ~~بدليل قوله: عذاب قريب ومثله في قصة لوط لقوله: أليس الصبح بقريب [هود: 81] ~~وأما في قصة ms2507 هود فإنه قال: ويستخلف بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب فسوف ~~تعلمون من يأتيه بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسبا. واعتبر هذا المعنى في ~~سائر المواضع كما في سورة يوسف قال: ولما جهزهم [الآية: 59] بالواو أولا ~~لأن التعقيب لم يكن مرادا ثم قال: فلما جهزهم [الآية: 70] لمكان التعقيب ~~والله أعلم. قوله: # ومن خزي يومئذ معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحا ومن معه من العذاب ~~النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من ~~خزي يومئذ كما قال: ونجيناهم من عذاب غليظ والمعنيان كما قلنا هناك. ~~والقراءتان في يومئذ لأن الظرف المضاف إلى «إذ» يجوز بناؤه على الفتح، ~~والتنوين في «إذ» عوض من المضاف إليه أعني الجملة، والتقدير يوم إذ كان كذا ~~وكسر الذال للساكنين إن ربك هو القوي العزيز القادر الغالب فمن قدرته ميز ~~المؤمن من الكافر، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب ~~السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في # PageV04P034 # سحاب مع برق شديد محرق. وإنما تصير الصيحة سببا للهلاك لأن التموج الشديد ~~في الهواء يوجب تأذي صماخ الإنسان، وقد يتمزق غشاء الدماغ بذلك، والأعراض ~~النفسانية أيضا إذا قويت أوجبت الموت وتمام القصة مذكور في سورة الأعراف. ~~وقوله: ألا إن ثمود إلى آخره. شبيه بما مر في قصة هود، والتأويل كما مر في ~~سورة الأعراف والله أعلم. ### | [سورة هود (11) : الآيات 69 الى 83] # ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا ~~لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ~~ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن ~~هذا لشيء عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد (73) # فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن ~~إبراهيم لحليم أواه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا ms2508 إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76) ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ~~أليس منكم رجل رشيد (78) # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن ~~لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ~~ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما ~~هي من الظالمين ببعيد (83) ### | القراآت: # سلم بكسر السين بلا ألف فيهما: حمزة وعلي ويعقوب بالنصب: # ابن عامر وحمزة وحفص، الآخرون بالرفع. سيء بهم وبابه كضرب مجهولا: أبو ~~جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس. الآخرون سيء مثل قيل تخزوني بالياء في ~~الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في ~~الوصل ضيفي بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو فأسر وبابه بهمزة الوصل: # أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس من طريق الموصلي وحمزة في الوقف وإن شاء ~~لين الهمزة إلا امرأتك بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو. الباقون بالنصب. # PageV04P035 ### | الوقوف: # سلاما ط حنيذ ه خيفة ط قوم لوط ه ط بإسحاق ط لمن قرأ يعقوب بالرفع يعقوب ~~ه شيخا ط عجيب ه أهل البيت ط مجيد ه في قوم لوط ط منيب ه عن هذا ج لاحتمال ~~التعليل أمر ربك ج للابتداء بأن مع اتصال المعنى. مردود ه عصيب ه إليه ج ~~للعطف ولاختلاف النظم السيئات ط ضيفي ط رشيد ه من حق ج لما مر ما نريد ه ~~شديد ه. إلا امرأتك ط أصابهم ط الصبح ط بقريب ه منضود ه لا لأن ما بعده صفة ~~حجارة ms2509 عند ربك ط ببعيد ه. ### | التفسير: # الرسل هاهنا الملائكة، وأجمعوا على أن الأصل فيهم جبرائيل، ثم اختلفوا ~~فقيل: كان معه اثنا عشر ملكا على أحسن ما يكون من صورة الغلمان. وقال ~~الضحاك: # كانوا تسعة. وقال ابن عباس: كانوا ثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وهم ~~الذين ذكر الله تعالى في سورة الحجر ونبئهم عن ضيف إبراهيم [الآية: 51] وفي ~~الذاريات هل أتاك حديث ضيف إبراهيم [الآية: 24] والظاهر أن البشرى هي ~~البشارة بالولد. وقيل: بهلاك قوم لوط. ومعنى سلاما سلمنا عليك. ومعنى سلام ~~أمركم سلام أو سلام عليكم، ولأن الرفع يدل على الثبات والاستقرار، والنصب ~~يدل على الحدوث لمكان تقدير الفعل. قال العلماء: إن سلام إبراهيم كان أحسن ~~اقتداء بقوله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها [النساء: 86] وإنما ~~صح وقوع سلام مبتدأ مع كونه نكرة لتخصصها بالإضافة إلى المتكلم إذ أصله ~~سلمت سلاما فعدل إلى الرفع لإفادة الثبات. ومن قرأ سلما فمعناه السلام ~~أيضا. قال الفراء: سلم وسلام كحل وحلال وحرم وحرام. وقال أبو علي الفارسي: ~~يحتمل أن يراد بالسلم خلاف الحرب. قالوا: مكث إبراهيم خمس عشرة ليلة لا ~~يأتيه ضيف فاغتم لذلك فجاءته الملائكة فرأى أضيافا لم ير مثلهم فما لبث أن ~~جاء أي فما لبث في أن جاء بل عجل أو فما لبث مجيئه بعجل هو ولد البقرة حنيذ ~~مشوي في حفرة من الأرض بالحجارة المحماة وهو من فعل أهل البادية معروف، ~~ومعناه محنوذ كطبيخ بمعنى مطبوخ. وقيل: الحنيذ الذي يقطر دسما لقوله: بعجل ~~سمين [الذاريات: # 26] تقول: حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل حتى يقطر عرقا فلما رأى ~~أيديهم لا تصل إليه إلى العجل أو الطعام نكرهم أي أنكرهم واستنكر فعلهم ~~وأوجس أضمر منهم خيفة لأنه ما كان يعرف أنهم ملائكة وكان من عادة العرب أنه ~~إذا نزل بهم الضيف ولم يتناول طعامهم توقعوا منه المكروه والشر. وقيل: إنه ~~كان ينزل في طرف من الأرض بعيد عن الناس، فلما امتنعوا من الأكل خاف أن ~~يريدوا به شرا. وقيل: إنه كان # PageV04P036 # يعرف ms2510 أنهم ملائكة الله لقولهم: لا تخف. وإنا أرسلنا إلى قوم لوط لم ~~يقولوا لا تخف إنا ملائكة بل ذكروا سبب الإرسال وهو إهلاك قوم لوط. وعلى ~~هذا فإنما خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله أو لتعذيب قومه، والاحتمال ~~الأول وهو أنه كان لا يعرف أنهم ملائكة أقرب بدليل إحضاره الطعام واستدلاله ~~بترك أكلهم على توقع الشر منهم. # وإنما ذكروا سبب الإرسال إيجازا واختصارا لدلالة الإرسال على كونهم رسلا ~~لا أضافيا. وإنما أتوه على صورة الأضياف ليكونوا على صفة يحبها لأنه كان ~~مشغوفا بالضيافة. وبم عرف الملائكة خوفه؟ قيل: بالتغير في وجهه أو بتعريف ~~الله، أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف لأنهم كانوا لا ينزلون إلا ~~بعذاب وامرأته وهي سارة بنت هاران بن ناحورا بنت عم إبراهيم قائمة وراء ~~الستر تسمع تحاورهم، أو كانت قائمة على رؤوسهم تخدمهم وهم قعود فضحكت. # قال العلماء: لا بد للضحك من سبب فقيل: سببه السرور بزوال الخيفة. وقيل: # بهلاك أهل الخبائث. # وعن السدي أن إبراهيم قال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا ~~بالثمن. فقال: ثمنه أن تذكروا اسم الله على أوله وتحمدوه في آخره. فقال ~~جبرائيل لميكائيل: حق لمصل هذا الرجل أن يتخذه ربه خليلا، فضحكت امرأته ~~فرحا بهذا الكلام. # وقيل: كانت تقول لإبراهيم اضمم لوطا ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل ~~بهؤلاء القوم عذاب، ففرحت بموافقة قولهم لقولها فضحكت. وقيل: طلب إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم منهم معجزة دالة على أنهم من الملائكة فدعوا ربهم ~~بإحياء العجل المشوي فطفر ذلك العجل المشوي إلى مرعاه فضحكت سارة من طفرته. ~~وقيل: ضحكت تعجبا من قوم أتاهم العذاب وهم غافلون. وقيل: تعجبت من خوف ~~إبراهيم مع كثرة خدمه وحشمه من ثلاثة أنفس. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير ~~أي فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورا. وعن مجاهد وعكرمة ضحكت أي حاضت ومنه ضحكت ~~الطلعة إذا انشقت يعني استعدادها لعلوق الولد. من قرأ يعقوب بالرفع فعلى ~~الابتداء والخبر محذوف أي يعقوب مولود أو موجود ms2511 بعد إسحق، ومن قرأ بالنصب ~~فعلى العبارة المتروكة كأنه قيل: ووهبنا لها إسحق ومن بعد إسحق يعقوب. ~~أقول: من المحتمل أن يكون يعقوب مجرورا بالعبارة الموجودة أي وبشرناها ~~بيعقوب من بعد إسحق وقيل: الوراء ولد الولد ووجهه أن يراد بيعقوب أولاده ~~كما يقال هاشم ويراد أولاده يا ويلتى كلمة تلهف وقد مرت في «المائدة» في يا ~~ويلتى أعجزت [المائدة: 31] وشيخا نصب على الحال والعامل فيه ما في هذا من ~~معنى أنبه أو أشير إن هذا يعني إن تولد ولد من هرمين لشيء # PageV04P037 # عجيب عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف ~~رحمت الله وبركاته عليكم يا أهل بيت خليل الرحمن. والمقصود أن رحمته عليكم ~~متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب. ~~ويحتمل أن يكون انتصاب أهل البيت على الاختصاص. وقيل: الرحمة النبوة ~~والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم. ~~ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم: إنه حميد محمود في أفعاله مجيد ذو الكرم ~~الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه. # فلما ذهب عن إبراهيم الروع الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه وجاءته ~~البشرى البشارة بحصول الولد يجادلنا في قوم لوط في معناهم وفي شأنهم وهو ~~جواب «لما» على حكاية الحال، أو لأن «لما» ترد المضارع إلى الماضي عكس «إن» ~~، ويحتمل أن يكون جواب «لما» محذوفا دل عليه يجادلنا أي اجترأ على خطابنا ~~أو قال كذا، ثم ابتدأ فقال: يجادلنا. وقيل: معناه أخذ يجادلنا ولا بد من ~~حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر الله فإن ذلك يكون معصية بل ~~سعيا في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم. # يروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال: أرأيتم لو كان فيها ~~خمسون من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا قال: فأربعون؟ قالوا: لا حتى بلغ ~~العشرة قالوا لا. قال: فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. ~~فعند ذلك قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ms2512 لننجينه وأهله ~~[العنكبوت: 32] # قال الأصوليون: إن إبراهيم كان يقول: إن أمر الله ورد بايصال العذاب ~~ومطلق الأمر لا يوجب الفور، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق ~~الأمر يستدعي ذلك، فهذه هي المجادلة. # أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط بشرط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون. # وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضا عند التمسك بالنصوص وليس يوجب ~~القدح في واحد منهم فكذلك هاهنا ولذلك مدحه بقوله: إن إبراهيم لحليم غير ~~عجول في الأمور أواه كثير التأوه من الذنوب منيب راجع إلى الله في كل ما ~~يسنح له. وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق الله حتى حملته ~~على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم. ولما عرفت الملائكة أن العذاب ~~قد حق عليهم قالوا: يا إبراهيم أعرض عن هذا الجدال إنه قد جاء أمر ربك ~~بإهلاكهم وإنهم آتيهم لا حق بهم عذاب غير مردود فلا راد لقضائه فلا ينفع ~~فيهم جدال ولا دعاء. # ولما جاءت رسلنا المذكورون لوطا سيء بهم أصله «سوىء» لأنه من ساءه يسوءه ~~نقيض سره يسره، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء، ومن قرأ سيء # PageV04P038 # بإبدال العين ياء مكسورة فلكراهة اجتماع الواو والهمزة. وضاق بهم ذرعا ~~قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره ~~على قدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق ~~الذرع عبارة عن قلة الوسع والطاقة، وربما قالوا ضقت بالأمر ذرعا. وقال هذا ~~يوم عصيب أي شديد من العصب الشد كأنه أريد اشتداد ما فيه من الأمور. عن ابن ~~عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط وبين القريتين أربعة فراسخ ودخلوا ~~عليه على صورة شباب مرد من بني آدم في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ~~ملائكة الله فساءه مجيئهم واغتم لذلك لأنه خاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن ~~مقاومتهم. وقيل: سبب المساءة أنه لم يكن قادرا على القيام بحق ضيافتهم لأنه ~~ما كان يجد ما ms2513 ينفق عليهم. وقيل: السبب أن قومه منعوه عن إدخال الضيف داره. ~~وقيل: عرف أنهم ملائكة جاؤوا لإهلاك قومه فرق قلبه على قومه. والصحيح هو ~~الأول. # يروى أنه تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات. ~~فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية ~~قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا- يقول ذلك ~~أربع مرات- فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد فخرجت امرأته فأخبرت بهم ~~قومها # فذلك قوله: وجاءه قومه يهرعون إليه قال أبو عبيدة: يستحثون إليه كأنه يحث ~~بعضهم بعضا. # وقال الجوهري: الإهراع الإسراع، وأهرع الرجل على ما لم يسم فاعله فهو ~~مهرع إذا كان يرعد من حمى أو غضب أو فزع، وقيل: إنما لم يسم فاعله للعلم ~~به. والمعنى أهرعه خوفه أو حرصه. ثم بين إسراعهم إنما كان لأجل العمل ~~الخبيث فقال: ومن قبل كانوا يعملون السيئات الفواحش فمرنوا عليها فلذلك ~~جاؤوا مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل: # معناه وكان لوط قد عرف عادتهم في ذلك العمل قبل ذلك فأراد أن يقي أضيافه ~~ببناته فقال: هؤلاء بناتي عن قتادة: بناته من صلبه. وعن مجاهد وسعيد بن ~~جبير: أراد نساء أمته لأن النبي كالأب لأمته. واختير هذا القول لأن عرض ~~البنات الحقيقيات على الفجار لا يليق بذوي المروءات، ولأن اللواتي من صلبه ~~لا تكفي للجمع العظيم، ولما روي أنه لم يكن له إلا بنتان وأقل الجمع ثلاثة. ~~والقائلون بالقول الأول قالوا ما دعا القوم إلى الزنا بهن وإنما دعاهم إلى ~~التزوج بهن بعد الإيمان أو مع الكفر، فلعل تزويج المسلمات من الكفار كان ~~جائزا كما في أول الإسلام، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من ~~عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى- وهما كافران- فنسخ ~~بقوله: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا [البقرة: 221] وقيل: كان لهم سيدان ~~مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه، وقيل: إن بناته كن أكثر من ثنتين. ويجوز ~~أن يكون قد عرض البنات ms2514 عليهم لا # PageV04P039 # بطريق الجد بل طمعا فيهم أن يستحيوا منه ويرقوا له. وأطهر بمعنى الطاهر ~~لأنه لا طهارة في نكاح الرجال فاتقوا الله بإيثارهن عليهم ولا تخزون ولا ~~تفضحوني من الخزي أو لا تخجلوني من الخزاية وهي الحياء. في ضيفي في حق ~~أضيافي فخزي الضيف والجار يورث للمضيف العار والشنار. والضيف يستوي فيه ~~الواحد والجمع ويجوز أن يكون مصدرا. أليس منكم رجل رشيد صالح أو مصلح مرشد ~~يمتنع أو يمنع عن مثل هذا العمل القبيح. # قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى ~~شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ولذلك قالوا وإنك لتعلم ما نريد ويجوز أن يراد ~~إنهن لسن لنا بأزواج فلا حق لنا فيهن من حيث الشرع ومن حيث الطبع، أو يراد ~~إنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نؤمن البتة فلا يتصور لنا حق ~~فيهن. قال لوط لو أن لي بكم قوة وجوابه محذوف أي لفعلت بكم وصنعت وبالغت في ~~دفعكم. قال أهل المعاني: حذف الجواب أبلغ لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة ~~من الدفع والمنع. والمراد لو أن لي ما أتقوى به عليكم فسمى موجب القوة ~~بالقوة، ويحتمل أن يريد بالقوة القدرة والطاقة أو آوي أنضم إلى ركن شديد ~~حام منيع شبه الركن من الجبل في شدته. # وقوله: أو آوي عطف على الفعل المقدر بعد «لو» . والحاصل أنه تمنى دفعهم ~~بنفسه أو بمعاونة غيره، قال ذلك من شدة القلق والحيرة في الأمر النازل به ~~ولهذا قالت الملائكة وقد رقت عليه وحزنت له: إن ركنك لشديد. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ~~فما بعث نبي بعد ذلك إلا في ثروة من قومه» «1» # ويحتمل أن يريد بالركن الشديد حصنا يتحصن به فيأمن من شرهم، ويحتمل أنه ~~لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمني حصول قوة قوية على ~~الدفع. ثم استدرك وقال بل الأولى أن آوي إلى ms2515 ركن شديد وهو الاعتصام بعناية ~~الله. روي أنه أغلق بابه لما جاؤوا فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة ما ~~لقي لوط من الكرب قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك وهذه جملة موضحة ~~للتي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصل الأعداء إليه ولن يقدروا على ~~ضرره، فأمره الملائكة أن يفتح الباب فدخلوا فاستأذن جبرائيل ربه في عقوبتهم ~~فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم كما قال سبحانه ولقد ~~راودوه PageV04P040 # عن ضيفه فطمسنا أعينهم [القمر: 37] فصاروا لا يعرفون الطريق فخرجوا وهم ~~يقولون إن في بيت لوط سحرة. ثم بين نزول العذاب ووجه خلاص لوط وأهله فقال: ~~فأسر بأهلك الباء للتعدية إن كانت الهمزة للوصل من السرى، أو زائدة وإن ~~كانت للقطع من الإسراء. بقطع من الليل عن ابن عباس: أي في آخر الليل بسحر. ~~وقال قتادة: بعد طائفة من الليل. وقيل نصف الليل كأنه قطع نصفين ولا يلتفت ~~منكم أحد أي لا ينظر إلى ما وراءه إلا امرأتك أكثر القراء على النصب فاعترض ~~بأن الفصيح في مثله هو البدل لأن الكلام غير موجب فكيف اجتمع القراء على ~~غير فصيح؟ فأجاب جار الله بأن الرفع بدل من أحد على القياسي والنصب مستثنى ~~من قوله: فأسر لا من قوله لا يلتفت وزيف بأن الاستثناء من فأسر يقتضي كونها ~~غير مسرى بها، والاستثناء من لا يلتفت يقتضي كونها مسريا بها لأن الالتفات ~~بعد الإسراء فتكون مسريا بها غير مسرى بها. ويمكن أن يجاب بأن فأسر وإن كان ~~مطلقا في الظاهر إلا أنه في المعنى مقيد بعدم الالتفات إذ المراد أسر بأهلك ~~إسراء لا التفات فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراء مع الالتفات، فاستثن ~~على هذا إن شئت من فأسر وإن شئت من لا يلتفت ولا تناقض. # وبعضهم- كابن الحاجب- جعل إلا امرأتك في كلتا القراءتين مستثنى من لا ~~يلتفت ولم يستبعد اجتماع القراء على قراءة غير الأقوى. ويمكن أن يقال: إنما ~~اجتمعوا على النصب ليكون استثناء من فأسر إذ لو جعل ms2516 استثناء من لا يلتفت ~~لزم أن تكون مأمورة بالالتفات لأن القائل إذا قال لا يقم منكم إلا زيد كان ~~ذلك أمرا لزيد بالقيام اللهم إلا أن يجعل الاستثناء منقطعا على معنى ولا ~~يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم، وإذا كان هذا ~~الاستثناء منقطعا كان التفاتها موجبا للمعصية. قاله في الكشاف. # وروي أنه أمر أن يخلفها مع قومها فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف ~~الروايتين. # أقول: في هذا الكلام خلل لا يمكن اجتماعهما على الصحة، والقراءتان يجب ~~اجتماعهما على الصحة لتواتر القراآت كلها. # روي أنها لما سمعت هدة العذاب أي صوته التفتت وقالت: يا قوماه. فأدركها ~~حجر فقتلها. # وقيل: المراد بعدم الالتفات قطع تعلق القلب عن الأصدقاء والأموال ~~والأمتعة. فعلى هذا يصح الاستثناءان من غير شائبة التناقض كأنه أمر لوطا أن ~~يخرج بقومه ويترك هذه المرأة فإنها هالكة من الهالكين. ثم أمر أن يقعطوا ~~العلائق وأخبر أن امرأته تبقى متعلقة القلب بها. # يروى أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقيل له إن موعدهم الصبح فقال أريد ~~أسرع من ذلك فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ فلما جاء أمرنا بإهلاكهم جعلنا أي ~~جعل # PageV04P041 # رسلنا عاليها سافلها # روي أن جبرائيل أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط وقلعها وصعد بها إلى ~~السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمير ونباح الكلاب وصياح الديوك لم يتبدد ~~لهم طعام ولم يتكسر لهم إناء، ثم قلبها دفعة وضربها على الأرض، ثم أمطر ~~عليهم حجارة من سجيل- وهو معرب سنك وكل- كأنه مركب من حجر وطين وهو في غاية ~~الصلابة. # وقيل: سجيل أي مثل السجل وهي الدلو العظيمة أو مثلها في تضمن الأحكام ~~الكثيرة، وقيل: أي مرسلة عليهم من أسجلته إذا أرسلته. وقيل: أي مما كتب ~~الله أن يعذب به أو كتب عليه أسماء المعذبين من السجل وقد سجل لفلان. وقيل: ~~من سجين أي من جهنم فأبدلت النون لاما. وقيل: إنه اسم من أسماء السماء ~~الدنيا. ومعنى منضود موضوع بعضها فوق بعض في النزول يأتي على سبيل المتابعة ~~والتلاصق، ms2517 أو نضد في السماء نضدا معدا لإهلاك الظلمة وفي السماء معادنها في ~~جبال مخصوصة كقوله: # من جبال فيها من برد [النور: 43] مسومة معلمة للعذاب أو بياض وحمزة، عن ~~الحسن والسدي عليها أمثال الخواتيم. وقال ابن جريج: كان عليها سيما لا ~~تشاكل حجارة الأرض. وقال الربيع: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به. وقال ~~أبو صالح: رأيت منها عند أم هانىء حجارة فيها خطوط حمر على هيئة الجزع. ~~ومعنى عند ربك أي في خزائنه لا يتصرف في شيء منها إلا هو، أو مقرر في علمه ~~إهلاك من أهلك بكل واحد منها وما هي أي تلك الحجارة من الظالمين أي من كل ~~ظالم ببعيد وهو وعيد لأهل مكة # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبرائيل عن هذا فقال يعني من ~~ظالمي أمتك ما من ظالم إلا وهو بصدد سقوط الحجر عليه ساعة فساعة. # وقيل: أي تلك القرى ليست ببعيدة من ظالمي أهل مكة يمرون بها في مسايرهم ~~إلى الشام. وقيل: المراد أنها وإن كانت في السماء إلا أنها إذا هوت منها ~~فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمى فكانت كأنها بمكان قريب والله تعالى أعلم ~~بمراده. ### | [سورة هود (11) : الآيات 84 الى 102] # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~(84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا ~~عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن ~~نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد (87) قال يا قوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما ~~أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب (88) # ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما ms2518 أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود (90) قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ~~ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يا قوم أرهطي أعز ~~عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (92) ويا قوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب (93) # ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود (95) ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (96) إلى ~~فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) # وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء ~~القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما ~~زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد (102) # PageV04P042 ### | القراآت: # إني بالفتح أريكم بالإمالة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والبزي، وكذلك روى ~~عن أهل مكة. إني أخاف شقاقي أن بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير ~~وأبو عمرو وصلواتك كما مر في سورة التوبة في قوله: إن صلاتك سكن [التوبة: ~~103] توفيقي بالفتح: أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ونافع أرهطي بالفتح: أبو ~~جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بعدت ثمود بالإظهار: ابن كثير ~~وأبو جعفر ونافع وخلف ويعقوب وعاصم غير الأعشى. ### | الوقوف: # شعيبا ط غيره ط محيط ه مفسدين ه مؤمنين ج للابتداء بالنفي مع الواو بحفيظ ~~ه ما نشؤا ط الرشيد ه حسنا ط عنه ط ما استطعت ط إلا بالله ط أنيب ه صالح ط ~~ببعيد ه إليه ط ms2519 ودود ه ضعيفا ج لأن «لولا» للابتداء مع الواو لرجمناك ز لحق ~~النفي وكون الواو للحال أوجه بعزيز ه من الله ط للفصل بين الاستخبار ~~والاخبار واتحاد المقصود وجه للوصل ظهريا ط محيط ه عامل ط تعلمون ه لا كاذب ~~ط للفصل بين # PageV04P043 # الخير والطلب رقيب ه جاثمين ه لا فيها ط ثمود ه مبين ه لا لتعلق الجار ~~فرعون ج للنفي مع الواو للعطف أو للحال برشيد ه النار ط المورود 5 القيامة ~~ط المرفود ه وحصيد ه أمر ربك ج تتبيب ه ظالمة ط شديد ه. ### | التفسير: # نقص المكيال يشمل معنيين: بأن ينقص في الإيفاء من القدر الواجب، ويزيد في ~~الاستيفاء على القدر الواجب فيلزم في كلا الحالين نقصان حق الغير. ثم علل ~~النهي بقوله: إني أراكم بخير أي بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف، أو بنعمة من ~~الله حقها أن تشكر لتزداد لا أن تكفر فتزال. وإني أخاف عليكم عن ابن عباس ~~أنه فسر الخوف بالعلم. وقال آخرون: إنه الظن الغالب لأنه كان يجوز ازدجارهم ~~وانتهاءهم. # والعذاب المحيط المهلك المستأصل كأنه أحاط بهم بحيث لا ينفلت منهم أحد. ~~وزيادة اليوم لأجل المبالغة والإسناد المجازي باعتبار ما هو واقع فيه ~~واشتمل عليه ذلك اليوم. # قيل: هو عذاب الاستئصال في الدنيا. وقيل: عذاب الآخرة والأظهر العموم. ~~قوله: # أوفوا المكيال إلى قوله أشياءهم قد مر تفسير مثله في الأعراف. وقوله: ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين مضى تفسيره في أوائل البقرة، بقي في الآية سؤال وهو ~~أنه سبحانه نهى أولا عن النقص ثم أمر بالإيفاء فهل فيه فائدة سوى التأكيد ~~والتقرير؟ والجواب بعد تسليم أن النهي عن الشيء أمر بضده، هو أن النهي عن ~~النقص في المبايعة وإن كان يفيد تصريحه تعييرا وتوبيخا لكنه يوهم النهي عن ~~أصل المبايعة، فلدفع هذا الخيال أمر بإيفاء الكيل، ففيه إباحة أصل ~~المبايعة، مع التصريح بالنعت المستحسن في العقول لزيادة الترغيب. وفيه أيضا ~~فائدة أخرى من قبل تقييد الإيفاء بالقسط ليعلم أن ما جاوز العدل ليس ms2520 بواجب ~~بل هو فضل ومروءة لا تقف عند حد، وإنما الواجب شيء من الإيفاء بقدر ما يخرج ~~عن العهدة بيقين كما أن غسل الوجه لا يحصل باليقين إلا عند غسل شيء من ~~الرأس بقيت الله قيل: ثواب الله. وقيل: طاعته ورضاه كقوله: والباقيات ~~الصالحات خير [الكهف: 46] وقيل: أي ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما ~~هو حرام عليكم خير لكم بشرط أن تؤمنوا لأن شيئا من الأعمال لا ينفع مع ~~الكفر إن كنتم مصدقين لي فيما أنصح لكم. ولا ريب أن الأمانة تجر الرزق ~~لاعتماد الناس وإقبالهم عليه فينفتح له أبواب المكاسب، والخيانة تجر الفقر ~~لتنفر الناس عنه وعن معاملته وصحبته. قالت المعتزلة: في إضافة البقية إلى ~~الله دليل على أن الحرام لا يسمى رزق الله. وقرىء تقاة الله بالتاء ~~الفوقانية أي اتقاؤه الصارف عن المعاصي والقبائح وما أنا عليكم بحفيظ أحفظ # PageV04P044 # أعمالكم لأجازيكم إنما أنا مبلغ ناصح وقد أعذر من أنذر. قوله: أصلاتك ~~قيل: أي دينك وإيمانك لأن الصلاة عماد الدين فعبر عن الشيء باسم معظم ~~أركانه. وقيل: المراد الأتباع لأن أصل الصلاة ومنه المصلي للذي يتلو السابق ~~والمعنى دينك أي أتباعه يأمرك بذلك. والأظهر أن المراد به الأعمال المخصوصة # يروى أن شعيبا عليه السلام كان كثير الصلاة فكان قومه إذا رأوه يصلي ~~تغامزوا وتضاحكوا # فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك السخرية والهزء فكأن الصلاة التي يداوم ~~عليها ليلا ونهارا هي من باب الجنون والوساوس. ومعنى تأمرك أن نترك تأمرك ~~بتكليف أن نترك على حذف المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره. وقوله أو أن ~~نفعل معطوف على ما في ما يعبد أي تأمرك صلاتك بترك ما عبد آباؤنا وبترك أن ~~نفعل في أموالنا ما نشؤا روي أنه كان ينهاهم عن قطع أطراف الدراهم كما كان ~~يأمرهم بترك التطفيف والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير. إنك لأنت ~~الحليم الرشيد قيل: إنه مجاز والمراد نسبته إلى غاية السفاهة والغواية ~~فعكسوا تهكما به. وقيل: حقيقة وإنه كان معروفا فيما بينهم بالحلم والرشد ms2521 ~~فكأنهم قالوا له: إنك المعروف بهذه السيرة فكيف تنهانا عن دين ألفناه وسيرة ~~تعودناها. # ثم أشار عليه السلام إلى ما آتاه الله من العلم والهداية والنبوة ~~والكرامة والرزق الحلال الحاصل من غير بخس ولا تطفيف، وجواب الشرط محذوف ~~اكتفي عنه بما ذكر في قصتي نوح وصالح، والمعنى أرأيتم إن كنت على حجة واضحة ~~ويقين من ربي وقد آتاني بعد هذه السعادات الروحانية السعادات الدنيوية من ~~الخيرات والمنافع الجليلة هل يسعني مع هذه الإكرامات أن أخون في وحيه ولا ~~آمركم بترك الشرك وبفعل الطاعة والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه يقال: خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول ~~عنه. فالمعنى لا أجعل فعلي مخالفا لقولي فلا أسبقكم إلى شهواتكم التي ~~نهيتكم عنها إن أريد إلا الإصلاح إلا أن أصلحكم بالموعظة والنصيحة والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. ما استطعت ما للمدة ظرفا للإصلاح أي مدة ~~استطاعتي لإصلاحكم، أو بدل من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته منه، أو ~~المضاف محذوف أي إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو مفعولا للإصلاح فقد يعمل ~~المصدر المعرف كقوله: # ضعيف النكاية أعداءه. أي إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم. ثم بين ~~أن كل ما يأتي ويذر فوقوعه بتسهيل الله وتأييده فقال: وما توفيقي إلا بالله ~~والتوفيق أن توافق إرادة العبد إرادة الله تعالى عليه توكلت أخصه بتفويض ~~الأمور إليه لأنه مبدأ المبادئ وإليه أنيب لأنه المعاد الحقيقي وفي ضمنه ~~تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه. ثم # PageV04P045 # أوعدهم بقوله لا يجرمنكم شقاقي لا يكسبنكم خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب ~~قوم نوح من الغرق أو قوم هود من الريح العقيم أو قوم صالح من الصيحة وما ~~قوم لوط منكم ببعيد لم يقل «ببعيدة» حملا على لفظ القوم لأنه مؤنث، ولا ~~«ببعيدين» حملا على معناه ولكنه على تقدير مضاف أي وما إهلاكهم ببعيد لأنهم ~~أهلكوا في عهد قريب من عهدهم. أو المراد وما هم بشيء بعيد أو بزمان أو مكان ~~بعيد. ms2522 وجوزوا أن بسوى في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث ~~لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما. إن ربي رحيم ودود ~~يجوز أن يكون بمعنى «فاعل» أو «مفعول» كقوله: يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] ~~وهذا حث لهم على الاستغفار والتوبة، وتنبيه على أن سبق الكفر والمعصية لا ~~ينبغي أن يمنعهم عن الإيمان والطاعة. ولما بالغ خطيب الأنبياء في التقرير ~~والبيان قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول إما لقلة الرغبة أو قالوا ~~تهكما واستهانة كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبا بحديثه: ما أدري ما ~~تقول. # كأنهم جعلوا كلامه تخليطا وهذيانا لا ينفعهم كثير منه. وقيل: لأنه كان ~~ألثغ وإنا لنراك فينا ضعيفا عن الحسن: مهينا أي لا عزة لك فيما بيننا ولا ~~قوة فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. وفسر بعضهم الضعيف ~~بالأعمى لأن العمى سبب الضعف، أو لأنه لغة حمير. وزيف هذا القول أما عند من ~~جوز العمى على الأنبياء فلأن لفظة فينا يأباه لأن الأعمى فيهم وفي غيرهم، ~~وأما عند من لا يجوزه- كبعض المعتزلة- فلأن الأعمى لا يمكنه الاحتراز من ~~النجاسات وأنه يخل بجواز كونه حاكما وشاهدا، فلأن يمنع من النبوة كان أولى. ~~ثم ذكروا أنهم إنما لم يريدوا به المكروه ولم يوقعوا به الشر لأجل رهطه- ~~والرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى السبعة- والرجم شر القتل وهو الرمي ~~بالحجارة، أو المراد الطرد والإبعاد ومنه الشيطان الرجيم. ثم أكدوا المذكور ~~بقولهم وما أنت علينا بعزيز وإنما العزيز علينا رهطك لا خوفا من شوكتهم ~~ولكن لأنهم من أهل ديننا، فالكلام واقع في فاعل العز لا في الفعل وهو العز ~~ولذلك قال في جوابهم أرهطي أعز عليكم من الله ولو قيل وما عززت علينا لم ~~يصح هذا الجواب، وإنما لم يقل أعز عليكم مني إيذانا بأن التهاون بنبي الله ~~كالتهاون بالله كقوله: من يطع الرسول فقد أطاع الله [النساء: 80] واتخذتموه ~~أي أمر الله أو ما جئت به وراءكم ظهريا منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات ~~النسب ms2523 أي جعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر غير ملتفت إليه. ثم وصف الله ~~تعالى بما يتضمن الوعيد في حقهم قال: إن ربي بما تعملون محيط. ثم زاد في ~~الوعيد والتهديد بقوله: اعملوا على مكانتكم وقد مر تفسير مثله في «الأنعام» ~~. قال في # PageV04P046 # الكشاف: الاستئناف يعني في سوف تعلمون وصل خفي تقديري وإنه أقوى من الوصل ~~بالفاء وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه. ثم بالغ في التهديد ~~بقوله: # وارتقبوا انتظروا عاقبة الشقاق إني معكم رقيب راقب كالضريب بمعنى الضارب، ~~أو مراقب كالعشير والنديم، أو مرتقب كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر ~~والمرتفع. وباقي القصة على قياس قصة صالح وأخذ الصيحة وأخذت الصيحة كلتا ~~العبارتين فصيحة لمكان الفاصل إلا أنه لما جاء في قصة شعيب مرة الرجفة ومرة ~~الظلة ومرة الصيحة ازداد التأنيث حسنا بخلاف قصة صالح. وإنما دعا عليهم ~~بقوله: كما بعدت ثمود لما روى الكلبي عن ابن عباس قال: لم يعذب الله أمتين ~~بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح. فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من ~~تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم. قوله سبحانه بآياتنا وسلطان مبين ~~قال في التفسير الكبير: الآيات اسم للقدر المشترك بين العلامات المفيدة ~~للظن وبين الدلائل التي تفيد اليقين. والسلطان اسم لما يفيد القطع وإن لم ~~يتأكد بالحس، والسلطان المبين مخصوص بالدليل القاطع الذي يعضده الحس. وقال ~~في الكشاف: يجوز أن يراد أن الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، ~~وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها وقوله: إلى فرعون متعلق ب ~~أرسلنا فاتبعوا أمر فرعون أي شأنه وطريقه أو أمره إياهم بالكفر والجحود ~~وتكذيب موسى وما أمر فرعون برشيد أي ليس في أمره رشد إنما فيه غي وضلال، ~~وفيه تعريض بأن الرشد والحق في أمر موسى. ثم إن قومه عدلوا عن اتباعه الى ~~اتباع من ليس في أمره رشد قط، فلا جرم كما كان فرعون قدوة لهم في الضلال ~~فكذلك يقدمهم أي يتقدمهم يوم القيامة إلى النار وهم على أثره، ويجوز أن ~~يراد ms2524 بالرشد الإحماد وحسن العاقبة فيكون المعنى وما أمر فرعون بحميد ~~العاقبة. ثم فسره بأنه يقدم قومه أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. ويقال: ~~قدمه وقدمه بالتخفيف والتشديد بمعنى تقدمه ومنه مقدمة الجيش ومثله أقدم ~~ومنه مقدم العين. وإنما قال فأوردهم بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع. والورد ~~المورود الذي وردوه، شبه فرعون بمن يتقدم الواردة إلى الماء، وشبه أتباعه ~~بالواردة. ثم نعى عليهم بقوله: وبئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد ~~إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده. وتذكير بئس لتذكير ~~الورد وإن كان هو عبارة عن النار كقولك: نعم المنزل دارك ولو قلت: نعمت جاز ~~نظرا إلى الدار. وفي تشبيه النار بالماء نوع تهكم بهم وأتبعوا في هذه حذف ~~صفته في هذه الآية اكتفاء بما مر في قصة عاد. # وبئس الرفد المرفود أي بئس العطاء المعطى ذلك. وقيل: الرفد العون ~~والمرفود المعان # PageV04P047 # وذلك أن اللعنة في الدنيا رفدت أي أعينت وأمدت باللعنة في الآخرة، قال ~~قتادة: ترادفت عليهم لعنتان لعنة من الله والملائكة واللاعنين في الدنيا ~~ولعنة في الآخرة. ذلك الذي ذكرنا أو ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة ~~نقصه عليك خبر بعد خبر. ثم استأنف فقال: منها قائم وحصيد أي ومنها حصيد ~~والمراد بعضها باق كالزرع القائم على ساقه وبعضها عافي الأثر كالزرع ~~المحصود وما ظلمناهم بإهلاكنا إياهم ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما به ~~أهلكوا. عن ابن عباس: وما نقصناهم في الدنيا من النعيم والرزق ولكن نقصوا ~~حظ أنفسهم حيث استخفوا بحقوق الله فما أغنت فما قدرت أن ترد عنهم آلهتهم ~~التي يدعون يعبدون وهي حكاية حال ماضية بأس الله حين جاء وما زادوهم يعني ~~آلهتهم غير تتبيب تخسير. تب خسر وتببه غيره أوقعه في الخسران. # كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تعين في الدنيا على تحصيل المنافع ودفع ~~المضار وستنفعهم عند الله في الآخرة فلم تنفعهم في الدنيا حين جاءهم عذاب ~~الله وسيورثهم ذلك الاعتقاد عذاب النار في الآخرة فهم في خسران الدارين. ثم ~~بين أن عذابه غير ms2525 مقصور على أولئك الأقوام ولكنه يعم كل ظالم سيوجد فقال: ~~وكذلك أي مثل ذلك الأخذ أخذ ربك فالأخذ مبتدأ وكذلك خبره وقوله وهي ظالمة ~~حال من القرى باعتبار أهلها إن أخذه أليم شديد وجيع صعب على المأخوذ وهو ~~تحذير من وخامة عاقبة كل ظلم على الغير أو على النفس فعلى العاقل أن يبادر ~~إلى التوبة ولا يغتر بالإمهال. ### | التأويل: # ولا تنقصوا مكيال المحبة وميزان الطلب، فمكيال المحبة عداوة ما سوى الله، ~~وميزان الطلب السير على قدمي الشريعة والطريقة إني أراكم بخير هو حسن ~~الاستعداد الفطري وإني أخاف عذاب فساد الاستعداد في طلب غير الحق بالقسط في ~~تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله. ولا تبخسوا الناس أشياءهم حقوق ~~النصيحة وحسن العشرة في الله ولله ولا تعثوا في أرض وجودكم مفسدين بقيت ~~الله بقاؤكم ببقائه خير لكم مما فاتكم بإيفاء المكيال والميزان. رزقا حسنا ~~نورا تاما أراني به إصلاح الأمور والاستعدادات إن ساعدني التوفيق وما ~~معاملة قوم لوط من معاملتكم ببعيد لأن الكفر كله ملة واحدة. وما أمر فرعون ~~برشيد لأن فرعون النفس أمارة بالسوء. إذا أخذ القرى قرى الأجساد منها قائم ~~قابل لتدارك ما فات، ومنها ما هو محصود بفوات الاستعداد والله تعالى أعلم ~~بالصواب. ### | [سورة هود (11) : الآيات 103 الى 123] # إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم ~~مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه ~~فمنهم شقي وسعيد (105) فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ~~(106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد (107) # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا ~~كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا ~~موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك ~~منه ms2526 مريب (110) وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير ~~(111) فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ~~ثم لا تنصرون (113) وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين (115) فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ~~وكانوا مجرمين (116) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ~~ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) ~~وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~(121) وانتظروا إنا منتظرون (122) # ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون (123) # PageV04P048 ### | القراآت: # وما يؤخره بالياء: يعقوب والمفضل. الباقون بالنون يوم يأتي بإثبات الياء ~~في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي في ~~الوصل. الآخرون بحذف الياء لا تكلم بتشديد التاء: البزي وابن فليح سعدوا ~~بضم السين: حمزة وعلي وخلف وحفص. قيل إنه على حذف الهمزة من «أسعدوا» لأن ~~سعدوا لازم ولكنه قد جاء المسعود، الآخرون بفتحها وإن كلا بالتخفيف: ابن ~~كثير ونافع وأبو بكر وحماد. الباقون بالتشديد. لما مشددا: ابن عامر وعاصم ~~ويزيد وحمزة وكذلك في «الطارق» . الباقون بالتخفيف وزلفا بضمتين: يزيد. ~~الآخرون بفتح اللام فؤادك وبابه بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ~~يرجع مجهولا: # نافع وحفص والمفضل تعملون خطابا وكذلك في آخر «النمل» : أبو جعفر ونافع ~~وابن عامر ويعقوب وحفص. الباقون على الغيبة. # PageV04P049 ### | الوقوف: # الآخرة ط مشهود ه معدود ط بإذنه ج لاختلاف الجملتين مع فاء التعقيب. ~~وسعيد ms2527 ه شهيق ه لا لأن ما يتلوه حال والعامل فيه ما في النار من معنى الفعل ~~شاء ربك ط يريد ه شاء ربك ط لأن التقدير يعطون عطاء مجذوذ ه هؤلاء ط من قبل ~~ط منقوص ه فاختلف فيه ط بينهم ط مريب ه أعمالهم ط خبير ه ولا تطغوا ط بصير ~~ه النار لا لأن ما بعده من تمام جزاء ولا تركنوا تنصرون ه من الليل ط ~~السيئات ط للذاكرين 5 المحسنين ه منهم ج لأن التقدير وقد اتبع مجرمين ه ~~مصلحون ه مختلفين ه لا رحم ربك ط خلقهم ط أجمعين ه فؤادك ج إذ التقدير وقد ~~جاءك للمؤمنين ه مكانتكم ط عاملون ه لا للعطف وانتظروا ج أي فإنا منتظرون ط ~~وتوكل عليه ط تعملون ه. ### | التفسير: # إن في ذلك الذي قصصنا عليك من أحوال الأمم لآية لعبرة لمن خاف أي لمن هو ~~أهل لأن يخاف عذاب الآخرة كقوله: هدى للمتقين [البقرة: # 2] لأن انتفاعه يعود إليهم. قال القفال- في تقرير هذا الاعتبار: إنه إذا ~~علم أن هؤلاء عذبوا على ذنوبهم في الدنيا وهي دار العمل فلأن يعذبوا عليها ~~في الآخرة التي هي دار الجزاء أولى. واعترض عليه في التفسير الكبير بأن ~~ظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور ~~عذاب الاستئصال في الدنيا. والقفال جعل الأمر على العكس قال: والأصوب عندي ~~أن هذا تعريض لمن زعم أن إله العالم موجب بالذات لا فاعل مختار، وأن هذه ~~الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء عليهم السلام مثل الغرق والخسف والصيحة ~~إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب، وإذا كان كذلك فلا يكون حصولها دليلا على ~~صدق الأنبياء عليهم السلام. أما الذي يؤمن بالقيامة ويخاف عذابها فيقطع بأن ~~هذه الوقائع ليست بسبب الكواكب واتصالاتها فيستفيد مزيد الخشية والاعتبار. # أقول: وهذا نظر عميق والأظهر ما ذكرت أولا ومثله في القرآن كثير. إن في ~~ذلك لعبرة لمن يخشى [النازعات: 26] إن في ذلك لآية لقوم يذكرون [النحل: 13] ~~ثم لما كان لعذاب ms2528 الآخرة دلالة على يوم القيامة أشار إليه بقوله: ذلك يوم ~~مجموع أي يجمع لما فيه من الحساب والثواب والعقاب. الناس وأوثر اسم المفعول ~~على فعله لأجل إفادة الثبات وأن حشر الأولين والآخرين فيه صفة له لازمة ~~نظيره قول المتهدد: إنك لمنهوب مالك محروب قومك. فيه من تمكن الوصف وثباته ~~ما ليس في الفعل وذلك يوم مشهود أي مشهود فيه الخلائق فاتسع في الظرف ~~بإجرائه مجرى المفعول به. والفرق # PageV04P050 # بين هذا الوصف والوصف الأول أن هذا يدل على حضور الناس فيه مع اطلاع ~~البعض منهم على أحوال الباقين من المحاسبة والمساءلة ليس بحيث لا يعرف كل ~~واحد إلا واقعة نفسه. والجمع المطلق لا يفيد هذا المعنى وإنما فسرنا اليوم ~~بأنه مشهود فيه لا أنه مشهود في نفسه لأن سائر الأيام تشركه في كونها ~~مشهودات، وإنما يحصل التمييز بأنه مشهود فيه دون غيره كما تميز يوم الجمعة ~~عن أيام الأسبوع بكونه مشهودا فيه دونها وما نؤخره إلا لانتهاء لأجل معدود ~~أي انقضاء مدة معلومة عين الله وقوع الجزاء بعدها وفيه فائدتان: إحداهما أن ~~وقت القيامة متعين لا يتقدم ولا يتأخر، والثانية أن ذلك الأجل متناه وكل ~~منتاه فإنه يفنى لا محالة وكل آت قريب. ثم ذكر بعض أهوال ذلك اليوم فقال: ~~يوم يأت حذف الياء والاكتفاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل، وفاعل يأتي ~~قيل: الله كقوله: أو يأتي ربك [الأنعام: 158] أي أمره أو حكمه دليله قراءة ~~من قرأ وما يؤخره بالياء وقوله: بإذنه. وقيل: المراد الشيء المهيب الهائل ~~المستعظم فحذف ذكره بتعيينه ليكون أقوى في التخويف. وقيل: فاعله ضمير اليوم ~~والمراد إتيان هو له وشدائده كيلا يصير اليوم ظرفا لإتيان اليوم. وانتصاب ~~يوم ب لا تكلم أو باذكر مضمرا أو بالانتهاء المقدر أي ينتهي الأجل يوم يأتي ~~وتاء التأنيث محذوفة من لا تكلم، والآيات الدالة على التكلم في ذلك اليوم ~~مع الآيات الدالة على نفي التكلم كقوله تعالى: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها [النحل: 111] وكقوله: هذا يوم لا ينطقون ms2529 ~~[المرسلات: 35] محمولة على اختلاف المواطن والأزمنة، أو نفى العذر الصحيح ~~المقبول وأثبت العذر الباطل الكاذب. ثم قسم أهل الموقف المجموعين للحساب أو ~~الأفراد العامة التي دلت عليها نفس فقال: فمنهم شقي وسعيد أي ومنهم سعيد. ~~ولا خلاف في أن الشقاء والسعادة مقترنان بالعمل الفاسد والعمل الصالح ~~ويترتب عليهما الجنة والنار في الآخرة، وإنما النزاع في أن العمل سبب ~~للشقاء مثلا كما هو مذهب المعتزلة، أو الشقاء سبب العمل كما هو مذهب أهل ~~السنة، فيختلف تفسير الشقاء بحسب المذهبين فهو عند المعتزلة الحكم بوجوب ~~النار له لإساءته، وعند السني جريان القلم عليه في الأزل بأنه من أهل النار ~~وأنه يعمل عمل أهل النار والتحقيق في المسألة قد مر مرارا. قيل: قد بقي ~~هاهنا قسم آخر ليسوا من أهل النار ولا من أهل الجنة كالمجانين والأطفال فهم ~~أصحاب الأعراف، وتخصيص القسمين بالذكر لا يدل على نفي الثالث. أما قوله في ~~صفة أهل النار لهم فيها زفير وشهيق ففيه وجوه قال الليث وكثير من الأدباء: ~~الزفير استدخال الهواء الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار ~~الروح فيه # PageV04P051 # وحينئذ يرتفع صدره وينتفخ جنباه، والشهيق إخراج ذلك الهواء بجهد شديد من ~~الطبيعة، وكلتا الحالتين تدل على كرب شديد وغم عظيم. والحاصل أنهم جعلوا ~~الزفير بمنزلة ابتداء نهيق الحمار، والشهيق بمنزلة آخره. وقال الحسن: إن ~~لهب جهنم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلوا إلى أعلى دركات جهنم وطمعوا في أن ~~يخرجوا منها ضربتهم الملائكة بمقامع من حديد ويردونهم إلى الدرك الأسفل من ~~النار، فارتفاعهم في النار هو الزفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق. وقال ~~أبو مسلم: الزفير ما يجتمع في الصدر من النفس عند البكاء الشديد فينقطع ~~النفس، والشهيق هو الصوت الذي يظهر عند اشتداد الكربة والحزن، وربما يتبعها ~~الغشية، وربما يحصل عقيبه الموت. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق، ~~والشهيق في الصدر. وقيل: الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وعن ~~ابن عباس: # لهم فيها بكاء لا ينقطع وحزن لا يندفع. وقال أهل التحقيق: قوة ميلهم ms2530 إلى ~~الدنيا ولذاتها زفير، وضعفهم عن الاستسعاد بكمالات الروحانيات شهيق. ثم إن ~~قوما ذهبوا إلى أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية واستدلوا على ذلك بالقرآن ~~والحديث والمعقول. أما القرآن فقوله سبحانه: خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض أي مدة بقائهما إلا ما شاء ربك وفيه استدلالان: الأول أن مدة عقابهم ~~مساوية لمدة بقاء السموات والأرض المتناهية بالاتفاق. الثاني استثناء ~~المشيئة ويؤكد هذا النص قوله: لابثين فيها أحقابا [النبأ: 23] وأما # الحديث فما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص «ليأتين على جهنم يوم تصفق ~~فيه أبوابها ليس فيها أحد» # وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا. وأما المعقول فهو أن العقاب ضرر خال عن ~~النفع لا في حق الله تعالى ولا في حق المكلف فيكون قبيحا. # وأيضا الكفر جرم متناه ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم. ~~والجمهور من الأمة على أن عذاب الكافر دائم، وأجابوا عن الآية بأن المراد ~~سموات الآخرة وأرضها المشار إليهما بقوله: يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات [ابراهيم: 48] ولا بد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم فهما السماء ~~والأرض، وإذا علق حصول العذاب للكافر بوجودهما لزم الدوام. وأيضا القرآن قد ~~ورد على استعمالات العرب، وإنهم يعبرون عن الدوام والتأبيد بقولهم «ما دامت ~~السموات والأرض» ونظيره قولهم: «ما اختلف الليل والنهار» و «ما أقام ثبير ~~وما لاح كوكب» . ويمكن أيضا أن يقال: حاصل الآية يرجع إلى شرطية هي قولنا: ~~إن دامت السموات والأرض دام عقابهم فإذا قلنا لكن السموات والأرض دائمة لزم ~~دوام عقابهم وهو المطلوب، وإن قلنا لكنهما لم تدوما فإنه لا ينتج مطلوب ~~الخصم لأن استثناء نقيض المقدم لا ينتج شيئا. وبعبارة أخرى دلت الآية على ~~أنه # PageV04P052 # كلما وجدت السموات والأرض وجد عقابهم. فلو قلنا لكنهما لم يوجدا لم يلزم ~~منه أن لا يوجد عقابهم، أو يوجد فالآية لا تدل إلا على حصول العقاب لهم ~~دهرا طويلا ومدة مديدة. وأما إنه هل يكون له آخر أم لا فذلك إنما يستفاد من ~~دليل آخر كقوله: إن ms2531 الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~[النساء: 48] وأما الاستدلال بالاستثناء فقد ذكر ابن قتيبة وابن الأنباري ~~والفراء أن هذا الاستثناء لا ينافي عدم المشيئة كقولك و «الله لأضربنك إلا ~~أن أرى غير ذلك» وقد يكون عزمك على ضربه البتة وتعلم أنك لا ترى غير ذلك. ~~ورد بالفرق، فإن معنى الآية الحكم بخلودهم فيها إلا المدة التي شاء الله، ~~فالمشيئة قد حصلت جزما. ولقائل أن يقول: الماضي هاهنا في معنى الاستقبال ~~مثل ونادى أصحاب الأعراف [النساء: 48] وسيق الذين اتقوا [الزمر: 73] فلم ~~يبق فرق. وقيل: «إلا» بمعنى «سوى» أي سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود الدائم ~~كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه، ثم زاد عليه الدوام الذي لا ~~آخر له. وقال الأصم وغيره: المراد زمان مكثهم في الدنيا أو في البرزخ أو في ~~الموقف. وقيل: الاستثناء يرجع إلى قوله: # لهم فيها زفير وشهيق كأنهم يصيرون آخر الأمر إلى الهمود والخمود. وقيل: ~~فائدة الاستثناء أن يعلم إخراج أهل التوحيد من النار والمراد إلا من شاء ~~ربك، وهذا التأويل إنما يليق بقاعدة الأشاعرة وأكدوه بقوله: إن ربك فعال ~~لما يريد فكأنه تعالى يقول: # أظهرت القهر والقدرة ثم أظهرت المغفرة والرحمة لأني فعال لما أريد، وليس ~~لأحد علي حكم البتة. وأما المعتزلة فكأنهم لا يرضون بهذا ويقولون: إن ~~الاستثناء الثاني لا يساعده لحصول الإجماع على أن أحدا من أهل الجنة لا ~~يدخل النار. فالصواب أن يقال: إنه استثناء من الخلود في عذاب النار ومن ~~الخلود في نعيم الجنة، فإن أهل النار ينقلون إلى الزمهرير وإلى غير ذلك مما ~~لا يعلمه إلا الله، وأهل الجنة ينقلون إلى العرش أو إلى ما هو أعلى حالا من ~~الجنة كقوله: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] ثم قالوا: إنه ختم آية ~~الوعيد بقوله: إن ربك فعال لما يريد وآية الوعد بقوله: عطاء غير مجذوذ ~~رعاية للمطابقة كأنه قال: إنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطي ~~أهل الجنة ms2532 عطاءه الذي لا انقطاع له والجذ القطع. وأما الجواب عن الحديث فقد ~~قال في الكشاف: إن صح فمعناه أنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير ~~فذلك خلو جهنم وصفق أبوابها. # وأقول: يحتمل أن يكون الألف سبب عدم الإحساس بالعذاب بل يكون سبب ~~الالتذاذ بالمألوف فيكون خلو جهنم إشارة إلى هذا المعنى. وأما الجواب عن ~~المعقول فهو أن السير في الله ومبدأه من عالم التكاليف لما كان غير متناه ~~فعذاب البعد عنه أيضا يجب أن # PageV04P053 # يكون غير متناه. أو نقول: لا نهاية لنوره فلا غاية لظلمة الغافل عنه ~~والمنكر له. أو نقول: # أوضح الأشياء الوجود الواجب فإذا كان الشخص ذاهلا عنه كان مسلوب ~~الاستعداد بالكلية فلا يكون إنسانا في الحقيقة، فلا يتصور له عروج من عالم ~~الطبيعة، والعبارات في هذا المقام كثيرة والمعنى واحد يدركه من وفق له وخلق ~~لأجله. ولما فرغ من أقاصيص عبدة الأصنام وبيان أحوال الأشقياء والسعداء سلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن نهي له عن ~~الامتراء في سوء مغبتهم قائلا فلا تك حذف النون لكثرة الاستعمال في مرية في ~~شك مما يعبد «ما» مصدرية أو موصولة أي من عبادة هؤلاء أو من الذي يعبده ~~هؤلاء المشركون والمراد النهي عن الشك في سوء عاقبة عبادتهم. ثم علل النهي ~~مستأنفا فقال: ما يعبدون إلا كما يعبد كالذي يعبده آباؤهم أو كعبادة ~~آبائهم. والحاصل أنهم شبهوا بآبائهم في لزوم الجهل والتقليد. وإنا لموفوهم ~~نصيبهم من الرزق والخيرات الدنيوية أو من إزالة العذر وإزاحة العلة بإرسال ~~الرسول وإنزال الكتاب، أو نصيبهم من العذاب كما وفينا آباؤهم أنصباءهم. وفي ~~الكشاف أن غير منقوص حال من النصيب ليعلم أنه تام كامل إذ يجوز أن يوفي بعض ~~الشيء كقولك وفيته شطر حقه. قلت: هي مغالطة لأن قول القائل: «وفيته شطر ~~حقه» التوفية تعود إلى الشطر. فلو قيل: غير منقوص كان كالمكرر. وعاد ~~السؤال. فالصواب أن يقال: # إنه حال مؤكدة أو صفة تقوم مقام المصدر أي ms2533 توفية نحو ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين [البقرة: 60] أي إفسادا. ثم أورد نظيرا لإنكارهم نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه آمن به قوم وكفر به قوم ~~آخرون كما اختلف في القرآن، والغرض أن إنكار الحق عادة قديمة للخلق ولولا ~~كلمة سبقت من ربك هي أن رحمتي سبقت غضبي أو هي أن دار الجزاء الآخرة لا ~~الدنيا أو هي أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال. # لقضي بينهم بين قوم موسى أو بين قومك بتمييز المحق من المبطل بسبب ~~الإنجاء والإهلاك وهذه من جملة التسلية أيضا وإنهم يعني قوم موسى أو قومك ~~لفي شك منه من كتابه أو من كتابك أو من أمر المعاد أو القضاء أو الجزاء. ثم ~~جمع الأولين والآخرين في حكم توفية الجزاء ثوابا أو عقابا فقال: وإن كلا ~~التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وإن كلهم يعني أن جميع المختلفين فيه. ~~ومن قرأ بالتخفيف فعلى إعمال المخففة إذ لا يلزم من التخفيف إبطال العمل ~~كما في «لم يكن» «ولم يك» . ومن قرأ «لما» مخففا فاللام هي الداخلة في خبر ~~«إن» و «ما» مزيدة للفصل بين لام «إن» وبين لام جواب القسم المقدر كما ~~فصلوا بالألف بين النونات في قولهم «اضربنان» . ويمكن أن يكون «ما» # PageV04P054 # نكرة أي لخلق أو جمع. والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبيح وإيمان ~~وجحود. # ومن قرأ «لما» مشددا فأصله «لمن ما» قلبت النون ميما فاجتمع ثلاث ميمات، ~~فحذفت الأولى تخفيفا، وجاز حذف الأولى وإبقاء الساكنة لاتصال اللام بها. ~~ويجوز أن يكون أصله «لما» بالتنوين- كما في قراءتي الزهري وسليمن بن أرقم- ~~فحذف فبقى «لما» ممدودا ومعناه ملمومين أي مجموعين. وقرأ أبي وإن كل لما ~~ليوفينهم على أن «إن» نافية و «لما» بمعنى «إلا» كما في الطارق. ولا يخفى ~~ما في الآية من مؤكدات توفية الجزاء وأن شيئا من الحقوق لا يضيع عنده. منها ~~لفظة «إن» ، ومنها لام خبر «إن» ، ومنها «كل» ، ومنها «ما» المزيدة، ومنها ~~القسم، ومنها ms2534 لام القسم، ومنها نون التأكيد، ومنها لفظ التوفية، ومنها ربك ~~فإن من يربيك يقدر على توفية حقك، ومنها الجمع المضاف، ومنها ختم الآية ~~بقوله: إنه بما يعملون خبير فإنه إذا كان عالما بكل المعلومات قادرا على كل ~~المقدورات كان عالما بعمل كل أحد وبمقدار جزاء عمله، وقادرا على إيصال ذلك ~~إليه، ثم إن كلامه حق وصدق وقد أخبر عن التوفية مع المؤكدات المذكورة فيقع ~~وعده ووعيده لا محالة. ثم أمر نبيه لتقتدي به أمته بكلمة جامعة للعقائد ~~والأعمال قائلا فاستقم كما أمرت عن جعفر الصادق رضي الله عنه: معناه افتقر ~~إلى الله بصحة العزم يعني الوثوق به والتوكل عليه ومن تاب معك عطف على ~~الضمير في فاستقم وصح للفصل أو هو ابتداء أي ومن تاب معك فليستقم أو مفعول ~~معه. ثم كما أمر بالاستقامة على جادة الحق نهى عن الانحراف عنها فقال ولا ~~تطغوا والطغيان مجاوزة الحد. وقال ابن عباس: يريد تواضعوا للحق ولا تتكبروا ~~على الخلق. وخصص بعضهم الطغيان بالتجاوز عن حدود القرآن بتحليل حرامه ~~وتحريم حلاله. وهذه الآية أصل عظيم في الشريعة فيكون الترتيب في الوضوء ~~واجبا كما ورد في القرآن، وكذلك القول في الحدود والكفارات ونصاب الزكاة ~~وأعداد الركعات وغيرها من جميع المأمورات والمنهيات. # ويجب الاحتياط في المسائل الاجتهادية وفي القياسات، وكذا في الأخلاق ~~والملكات وفي كل ما له طرفا إفراط وتفريط فهما مذمومان. والمحمود هو الوسط ~~وهو الصراط المستقيم المأمور بالاستقامة والثبات عليه. ولا ريب أن معرفته ~~صعبة وبتقدير معرفته فالعمل به والبقاء عليه أصعب ولهذا # قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية في القرآن ~~أشد ولا أشق من هذه حتى إن أصحابه قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب فقال صلى ~~الله عليه وسلم: شيبتني هود # أعني هذه الآية منها. ثم لما كان لقرين السوء مدخل عظيم في تغيير العقائد ~~وتبديل الأخلاق نهى عن مخالطة من يضع الشيء في غير موضعه فقال: ولا تركنوا ~~أي لا # PageV04P055 # تميلوا بالمحبة والهوى إلى ms2535 الذين ظلموا فقال المحققون: الركون المنهي عنه ~~هو الرضا بما عليه الظلمة من الظلم وتحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ~~ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع ضرر واجتلاب منفعة ~~عاجلة فغير داخلة في الركون. # أقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم ~~بالكلية أليس الله بكاف عبده [الزمر: 36] وفي قوله: فتمسكم النار إشارة إلى ~~أن الظلمة أهل النار بل هم في النار أو كالنار أولئك ما يأكلون في بطونهم ~~إلا النار [البقرة: # 174] ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار. وقوله: وما لكم من دون الله ~~من تتمة الجزاء. وقال في الكشاف: الواو للحال من أولياء من أنصار أي لا ~~يقدر على منعكم من عذاب الله إلا هو. ثم لا تنصرون ثم لا ينصركم هو أيضا. ~~وفيه إقناط كلي. وفائدة «ثم» تبعيد النصرة من الظلم. قال أهل التحقيق: ~~الركون الميل اليسير وقوله: إلى الذين ظلموا أي الذين حدث منهم الظلم. فلم ~~يقل «ولا تميلوا إلى الظالمين» ليدل على أن قليلا من الميل إلى من حدث منه ~~شيء من الظلم يوجب هذا العقاب، وإذا كان هذا حال من ركن إلى من ظلم فكيف ~~يكون حال الظالم في نفسه؟ # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من دعا الظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى ~~الله في أرضه» # وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك. وعن محمد ~~بن مسلمة: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء. ولقد سئل سفيان ~~عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: ~~يموت. فقال: دعه يموت. ثم خص من أنواع الاستقامة إقامة الصلاة تنبيها على ~~شرفها فقال: وأقم الصلاة قيل: تمسك بعض الخوارج بهذه الآية على أن الواجب ~~من الصلاة ليس إلا الفجر والعشاء لأنهما طرفا النهار وهما الموصوفان ~~بكونهما زلفا من الليل، فإن ما لا يكون نهارا يكون ليلا. غاية ما في الباب ~~أن هذا يقتضي عطف الصفة على الموصوف ms2536 وهو كثير في كلامهم، ولئن سلم وجوب ~~صلاة أخرى إلا أن قوله: إن الحسنات يذهبن السيئات يشعر بأن إقامة الصلاة ~~طرفي النهار كفارة لترك سائر الصلوات. وجمهور الأمة على بطلان هذا القول ~~واستدلوا بالآية على وجوب الصلوات الخمس لأن طرفي النهار منصوب على الظرف ~~لإضافتهما إلى الوقت فيكتسب المضاف حكم المضاف إليه كقولك «أتيته نصف ~~النهار» والطرفان هما الغدوة وهي الفجر والعشية وفيها الظهر والعصر لأن ما ~~بعد الزوال عشي وزلفا جمع زلفة كظلم وظلمة أي ساعات من الليل قريبة من آخر ~~النهار من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه. وقرىء زلفا بسكون اللام نحو «بسرة» ~~و «بسر» . والزلف فيمن قرأ بضمتين نحو «بسر» و «بسر» . # PageV04P056 # وقيل: زلفا أي قربا فيكون معطوفا على الصلاة أي أقم الصلاة وأقم زلفا أي ~~صلوات يتقرب بها إلى الله عز وجل في بعض الليل. وبالجملة فصلاة الزلف ~~والمغرب والعشاء. # وقيل: إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر وبه استدل على مذهب أبي ~~حنيفة أن التنوير بالفجر أفضل وتأخير العصر أفضل، لأن الأمة أجمعت على أن ~~نفس الطرفين- وهما وقت الطلوع والغروب- لا يصلح لإقامة الصلاة، فكل وقت كان ~~أقرب إلى الطرفين كان أولى بإقامة الصلاة فيه حملا للمجاز على ما هو أقرب ~~إلى الحقيقة ما أمكن. # هذا ما ذكره فخر الدين الرازي في تفسيره. ولقائل أن يقول: هذا لا يتمشى ~~في صلاة الفجر لأن الطرف الأول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق، ~~والتنوير مبعد الصلاة منه لا مقرب. ولا أدري كيف ذهب عليه هذا المعنى مع ~~إفراط عصبيته للشافعي. واستدل أيضا لأبي حنيفة على مذهبه في وجوب الوتر أن ~~أقل الجمع ثلاثة فتجب إقامة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث ~~زلف من الليل أي ثلاث ساعات ذهب منها ساعتان للمغرب والعشاء فتعين أن تكون ~~الساعة الثالثة للوتر، وإذا وجب عليه وجب على أمته لقوله: فاتبعوه ~~[الأنعام: 153] ولمانع أن يمنع أن أقل الجمع ثلاثة أشياء، ثم إن كل ساعة ~~لأجل صلاة، ثم إن ms2537 كل ما يجب على النبي صلى الله عليه وسلم يجب على الأمة ~~لأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعله أعم من أن يكون على تلك الجهة أم لا. إن ~~الحسنات يذهبن السيئات # قال المفسرون: نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان يبيع التمر ~~فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا. فذهب بها إلى بيته ~~فضمها إلى نفسه وقبلها وأصاب منها كل ما يصيب الرجل من زوجته سوى الجماع، ~~ثم ندم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال: أنتظر أمر ~~ربي فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: نعم اذهب فإنها كفارة لما عملت. فقيل ~~له: هذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له: توضأ وضوءا حسنا وصل ركعتين. # إن الحسنات يذهبن السيئات قال ابن عباس: أي الصلوات الخمس كفارة لسائر ~~الذنوب ما لم تكن كبيرة. وقيل: المراد إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ~~وعن مجاهد: الحسنات قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ~~والله أكبر. وقد يحتج بالآية على أن المعصية لا تضر مع الإيمان الذي هو رأس ~~الأعمال الحسنة. ذلك المذكور من قوله: فاستقم إلى هاهنا ذكرى للذاكرين عظة ~~للمتعظين وإرشاد للمسترشدين. ثم أمر بالصبر على التكاليف المذكورة أمرا ~~ونهيا، ونص عن أن الإتيان بها إحسان وأن جزاءه سيحصل لا محالة فقال: واصبر ~~الآية. ثم عاد إلى أحوال الأمم الخالية وبين أن السبب في حلول عذاب ~~الاستئصال بهم أمران: # PageV04P057 # الأول أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد وذلك قوله: فلولا أي فهلا كان ~~من القرون من قبلكم أولوا بقية ذوو خير ورشد وفضل، وذلك أن الرجل يستبقي ~~مما يخرجه أجوده وأفضله فصارت البقية مثلا في الجودة. يقال: فلان من بقية ~~القوم أي من خيارهم. # ومن أمثالهم «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» . وجوز في الكشاف أن ~~يكون من البقوى كالتقية في التقوى أي فهلا كان منهم ذوو ms2538 إبقاء على أنفسهم ~~وصيانة لها من سخط الله وعقابه إلا قليلا استثناء متصل لأن في تحضيضهم على ~~النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون ناس ناهون إلا ~~ناسا قليلا. ومن في ممن أنجينا للبيان أي هم الذين أنجيناهم. قال في ~~الكشاف: لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم. # ولقائل أن يقول: إذا كان النهي عن المنكر فرض كفاية لم يلزم أن تنحصر ~~النجاة في الناهين؟ فيحتمل أن تكون من للتبعيض ويجوز- على ما في الكشاف- أن ~~يكون الاستثناء منقطعا معناه ولكن قليلا ممن أنجيناه من القرون نهوا عن ~~الفساد. قال: ولو جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا ~~لأنه يكون تحضيضا لأولي البقية على النهي عن الفساد إلا للقليل من الناجين ~~منهم كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم. تريد استثناء ~~الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن. أقول: لم لا يجوز أن يكون المراد من ~~استثناء الصلحاء منهم أنه لا حاجة لهم إلى التحضيض كأنك قلت: # أحضض قومك على القراءة إلا الصلحاء فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك لأنهم ~~مواظبون عليها، على أن في جعل الاستثناء منقطعا شبه تناقض، لأن أول الكلام ~~يدل على أنه لم يكن فيهم ناه وآخره يدل على أن القليل منهم قد نهوا فتأمل ~~في هذا المقام فإنه من مزلة الأقدام. السبب الثاني: في نزول العذاب قوله: ~~واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ما غرقوا فيه من التنعم والتترف من حيث ~~الرياسة والثروة وأسباب العيش الهني ورفضوا ما وراء ذلك مما يتعلق بأمر ~~الدين، فهذه الجملة معطوفة على مدلول الجملة التحضيضية أي ما كان من القرون ~~ناس كذا واتبع الظالمون كذا. ويجوز أن يكون في الكلام إضمار والواو للحال ~~كأنه قيل: أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاء إترافهم. والمترف الذي ~~أبطرته النعمة، وصبي مترف منعم البدن. وقوله: وكانوا مجرمين إما معترضة ~~وإما معطوف على اتبع أي وكانوا مجرمين بذلك، أو على أترفوا أي اتبعوا ~~الإتراف. وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات ms2539 مغمور بالآثام، أو أريد بالإجرام ~~إغفالهم للشكر. ثم بين أنه ما ينبغي له سبحانه أن يهلك القرى بظلم. قال أهل ~~السنة: أي بسبب مجرد الشرك والحال أنهم مصلحون في المعاملة والعشرة فيما ~~بينهم، وذلك أن حقوق الله تعالى مبنية على # PageV04P058 # المساهلة بخلاف حقوق العباد، وهذا كما قيل: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى ~~مع الظلم. # ويؤكد هذا التفسير أن عذاب الاستئصال إنما نزل بقوم لوط وشعيب لما حكى ~~الله عنهم من إيذاء الناس والإفساد في الأرض. وقالت المعتزلة قوله: بظلم ~~حال من الفاعل والمعنى استحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالما لها ~~وأهلها قوم مصلحون في العمل تنزيها لذاته عن الظلم وإيذانا بأن إهلاك ~~المصلحين ظلم. ثم ذكر أن الكل بمشيئته وإرادته فقال: ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة مهدية. والمعتزلة يحملون هذه المشيئة على مشيئة الإلجاء ~~والقسر وقد مر مرارا. ولا يزالون مختلفين في الأديان والأخلاق والأفعال، ~~فمنهم من أنكر العلوم كلها حتى الحسيات والضروريات وهم السوفسطائية، ومنهم ~~من سلم استنتاج العلوم كلها والمعارف ولم يثبت لهذا العالم الجسماني مبدأ ~~أصلا وهم الدهرية، ومنهم من أثبت له مبدأ موجبا بالذات وهم الفلاسفة على ما ~~اشتهر منهم ولهذا المقام تحقيق ليس هاهنا موضع بيانه، ومنهم من أنكر ~~النبوات وهم البراهمة، ومنهم من أثبتها وهم المسلمون والمجوس واليهود ~~والنصارى. وفي كل واحدة من هذه الطوائف اختلافات لا تكاد تدخل تحت الحصر، ~~وإنما لا يحمل الاختلاف في الآية على الاختلاف في الألوان والألسنة ~~والأرزاق والأعمار بل حملناه على الاختلاف في الأديان وما يتعلق بها لأنه ~~ينبو عن ذلك ما قبل الكلام وهو قوله: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة وما ~~بعده وهو قوله: إلا من رحم ربك قالت المعتزلة: إلا ناسا هداهم الله ولطف ~~بهم فاتفقوا على الدين الحق. وقال أهل السنة: جميع الألطاف التي فعلها في ~~حق المؤمن فهي مفعولة أيضا في حق الكافر وهذه الرحمة أمر مختص بالمؤمن مرجع ~~لجانب الإيمان وصدوره منه فإذن الإيمان بخلق الله ms2540 وتكوينه وكذا ضده. ثم ~~قال: ولذلك خلقهم فاختلف العلماء في المشار إليه بذلك، فالمعتزلة قالوا: ~~ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان منه الاختلاف خلقهم يثيب مختار الحق ~~بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره، أو ولما ذكر من الرحمة ~~خلقهم. والأشاعرة قالوا: ولأجل ما ذكر من الاختلاف خلقهم لما صح # في الحديث أنه خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق النار وخلق لها أهلا. # وللدلائل الدالة على أن الكل بإيجاده وتخليقه وأن خلاف معلومه محال وإلى ~~هذا أشار بقوله: وتمت كلمة ربك أي علمه وإرادته أو قوله للملائكة لأملأن ~~جهنم الآية. # وفرق المعتزلة بين معلومه ومراده. ثم ذكر طرفا من فوائد القصص المذكور في ~~السورة فقال: وكلا أي وكل نبأ نقص عليك وقوله: من أنباء الرسل بيان لكل وما ~~نثبت بدل من كلا أو المراد وكل نوع من الاقتصاص على أنه مصدر أي على # PageV04P059 # الأساليب المختلفة نقص، وما نثبت مفعول. ومعنى تثبيت فؤاده زيادة اليقين ~~والطمأنينة لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ للعلم، أو المعنى تثبيت قلبه ~~على أداء الرسالة وتحمل الأذى من قومه أسوة بسائر الأنبياء. وجاءك في هذه ~~السورة أو في هذه الأنباء الحق وهو البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ ~~والوسط والمعاد وموعظة وهي الدلائل المقنعة الموقعة للتصديق بقدر الإمكان ~~والأول للخواص أنفع والثاني للعوام أنجع. وذكرى للمؤمنين وهي الإرشاد إلى ~~الأعمال الصالحة النافعة في الآخرة المحصلة لما هنالك من السعادة، فإن حسن ~~هذا الدين معلوم لمن رجع إلى نفسه وعمل بمقتضى تذكره وفكره. وأعلم أن ~~المعارف الإلهية لا بد لها من قابل وفاعل، وقابلها القلب وإنه ما لم يكن ~~مستعدا لم يحصل له الانتفاع بسماع الدلائل وورودها عليه فلهذا السبب قدم ~~ذكر إصلاح القلب وعلاجه وهو تثبيت الفؤاد، ثم عقبه بذكر المؤثر الفاعل وهو ~~مجيء هذه السورة بل آية منها وهي قوله: فاستقم كما أمرت مشتملة على الحق ~~والموعظة والذكرى، وهذا ترتيب في غاية الحسن. ثم أمر بالتهديد لمن لم يؤثر ~~فيهم هذه البيانات من أهل مكة ms2541 وغيرهم فقال: وقل للذين لا يؤمنون اعملوا وقد ~~مر تفسير مثله في هذه السورة وفي «الأنعام» وانتظروا ما يعدكم الشيطان إنا ~~منتظرون ما وعدنا الرحمن من الغفران والإحسان. وعن ابن عباس: انتظروا بنا ~~الدوائر فإنا منتظرون بكم العذاب كما حل بنظرائكم. ثم ختم السورة بآية ~~مشتملة على جميع المطالب من أمر المبدإ والوسط والمعاد وقد سبق تقريره في ~~آخر «البقرة» في تفسير آية آمن الرسول [البقرة: # 285] فلا حاجة إلى الإعادة. ### | التأويل: # ما دامت السماوات والأرض أي ما دامت سموات الأرواح والقلوب وأرض النفوس ~~البشرية إلا ما شاء ربك من الأشقياء، وذلك أن أهل الشقاء ضربان: # شقي وأشقى. فالشقي بالمعاصي سعيد بالتوحيد فيخلص من النار آخرا، والأشقى ~~وهو الكافر يبقى فيها مخلدا، ومن أهل الجنة سعيد يبقى خالدا فيها، وأسعد ~~وهم الذين يترقون إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر. وهناك مقام الوحدة الذي لا ~~انقطاع له كما قال: عطاء غير مجذوذ لموفوهم نصيبهم الذي قدر لهم في الأزل ~~من الشقاء. ولولا كلمة سبقت من ربك باستكمال الشقاء لقضي بينهم بالهلاك ~~عاجلا لفي شك منه إشارة إلى الضلال. وقوله: مريب إشارة إلى الإضلال. وإن ~~كلا أي كل واحد من الضالين ومن المضلين فاستقم أمر التكوين ولذلك قال: كما ~~أمرت أي في الأزل، وفي قوله: # ومن تاب معك إشارة إلى أن النفوس جبلت على الاعوجاج فيحتاج إلى الرجوع من # PageV04P060 # الطريق المنحرف إلى الصراط المستقيم إلى من اختص بالاستقامة بسبب أمر ~~التكوين كالنبي صلى الله عليه وسلم إن الحسنات يذهبن السيئات يعني أن ~~الأعمال الصالحة في الأوقات المعدودة تزيل ظلمات الأوقات المصروفة في قضاء ~~الحوائج النفسانية الضرورية، وذلك أن تعلق الروح النوري العلوي بالجسد ~~الظلماني السفلي موجب لخسران الروح كقوله: والعصر إن الإنسان لفي خسر ~~[العصر: 1] إلا أن يتداركه أنوار العمل الصالح فيرقيه من حضيض البشرية إلى ~~ذروة الروحانية بل إلى الوحدة الربانية، فتندفع عنه ظلمة الجسد السفلي ~~مثاله: # إلقاء الحبة في الأرض فإنه من خسران الحبة إلا أن يتداركه الماء وسائر ~~الأسباب فيربيها ms2542 إلى أن تصير الحبة الواحدة إلى سبعمائة. وما زاد ذلك الذي ~~ذكرنا من التدارك عظة للذاكرين الذين يريدون أن يذكروا الله في جميع ~~الأحوال فإنهم إذا حافظوا على هذه الأوقات فكأنهم حافظوا على جميعها لأن ~~الإنسان خلق ضعيفا ليس يقدر على صرف جميع الأوقات في محض العبودية ~~والعبادة. فلولا كان من القرون صورة التحضيض وحقيقته السؤال ليجاب بأنه لم ~~يكن كذلك لأنك فاعل مختار، فعال لما تريد، خلقت خلقا للإقرار وخلقت خلقا ~~للإنكار ولا اعتراض لأحد عليك يؤيده قوله: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة طالبة للحق متوجهة إليه ولا يزالون مختلفين منهم من يطلب الدنيا، ~~ومنهم من يطلب العقبى، ومنهم من يطلب المولى وهم المشار إليهم بقوله: إلا ~~من رحم ربك ولذلك أي لطلب الله خلقهم بحسن الاستعداد ولأن رحمته سبقت غضبه، ~~ولكن وقوع فريق في طريق القهر ضروري في الوجود وهو قوله: وتمت كلمة ربك جرى ~~به القلم للضرورة وما نثبت به فؤادك التثبيت منه والتشكيك منه، بيده مفاتيح ~~أبواب اللطف والقهر وقل للذين لا يؤمنون لطلب الحق ووجدانه اعملوا في طلب ~~المقاصد من باب القهر إنا عاملون في طلب الحق من باب لطفه وانتظروا نتائج ~~أعمالكم إنا منتظرون ثمرات أعمالنا ولله غيب السماوات والأرض أي ما غاب ~~عنكم مما أودع من لطفه في سموات القلوب ومن قهره في أرض النفوس وإليه يرجع ~~أمر أهل السعادة والشقاء ومظاهر اللطف والقهر فاعبده أيها الطالب للحق فإنك ~~مظهر اللطف وتوكل عليه في الطلب لا على طلبك فإنك إن طلبته بك لم تجده وما ~~ربك بغافل في الأزل عما تعملون إلى الأبد والله حسبي. # PageV04P061 ### | (سورة يوسف عليه السلام) # (مكية وقيل نزلت فيما بين مكة الى المدينة وقت الهجرة حروفها سبعة آلاف ~~ومائة وست وستون كلمها ألف وسبعمائة وست وأربعون آياتها مائة وإحدى عشرة) ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ~~(2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا ms2543 إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) # قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين (5) وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك ~~وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم ~~(6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب ~~إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه ~~أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9) # قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين (10) قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ~~ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون (13) قالوا ~~لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14) # فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاؤ أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا ~~إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين (17) وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل والله المستعان على ما تصفون (18) وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى ~~دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19) # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20) # PageV04P062 ### | القراآت: # يا أبت بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر. وقرأ ابن كثير ويعقوب ~~بكسر التاء والوقف بالهاء. الباقون بالكسر في الحالين أحد عشر بسكون العين: ~~يزيد وابن عباس والخزاز لي ساجدين بفتح الياء: الأعشى والبرجمي يا بني بفتح ~~الياء أيا كان: حفص والمفضل. الباقون بكسرها رؤياك بالإمالة: علي غير قتيبة ~~وليث. وقرأ أبو عمرو بالإمالة ms2544 اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش ~~من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة آية للسائلين على ~~التوحيد: # ابن كثير: الآخرون آيات على الجمع. يخل لكم بالإدغام: شجاع من طريق أبي ~~غالب وأبو شعيب غيابات وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون غيابت ~~على التوحيد لا تأمنا بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون. ~~الآخرون بإشمام الذئب وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد ~~والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف يرتع ويلعب بالياء فيهما وبالجزم: ~~عاصم وحمزة وعلي وخلف. بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع. بالنون فيهما ~~وبالجزم: # ابن عامر وأبو عمرو. وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن ~~قنبل فإنهما نرتعي بالكسر مع الياء بعده نرتع ويلعب بالجزم فيهما مع النون ~~في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ليحزنني أن بفتح الياء أبو جعفر ~~ونافع وابن كثير. وقرأ نافع ليحزنني أن بفتح الياء أيضا ولكن من باب ~~الأفعال بل سولت وبابه مدغما: حمزة وعلي وهشام. يا بشرى بالإمالة غير ~~مضافة: حمزة وعلي وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة. يا بشرى بغير إمالة وإضافة: ~~عاصم غير حماد والخزاز. الباقون يا بشراي بالإضافة إلى ياء المتكلم. ### | الوقوف: # الر قف كوفي المبين ه ط كوفي أيضا وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون ~~إنا جواب معنى القسم في الر القرآن ق والوصل أصح لأن الواو للحال الغافلين ~~ه ساجدين ه كيدا ط مبين ه وإسحاق ط حكيم 5 للسائلين ه عصبة ط مبين ه ج ~~والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن صالحين ه فاعلين ه ~~لناصحون ه لحافظون ه غافلون ه لخاسرون ه في غيابت الجب ج لاحتمال أن يكون ~~جواب «لما» محذوفا والواو في # PageV04P063 # وأوحينا للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة ~~والجواب أوحينا لا يشعرون ه يبكون ه ط فأكله الذئب ج لابتداء النفي مع واو ~~العطف صادقين ه كذب # ط أمرا ط ms2545 جميل ط تصفون ه دلوه ط غلام ط بضاعة ط يعملون ه معدودة ج ~~لاحتمال الواو والحال الزاهدين 5. ### | التفسير: # قال في الكشاف: تلك إشارة إلى آيات السورة والكتاب المبين السورة أي تلك ~~الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز ~~العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، ~~أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين ~~فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا ~~لكبراء المشركين: سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة ~~يوسف. أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء ~~وأبان هو بنفسه إنا أنزلناه أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه ~~السورة في حال كونه قرآنا عربيا والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه. ~~وقوله: قرآنا عربيا يسمى حالا موطئة لأن المراد وصفه بالعربية. احتج ~~الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربيا وآيات على أنه محدث لأن هذه من أوصاف ~~المحدثات. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام ~~النفسي ومعنى لعلكم تعقلون إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس ~~عليكم لأنه بلغتكم. قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم ~~أن يعقلوا توحيده وأمر دينه. وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه ~~السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من ~~الكل الإيمان والعمل الصالح. قال أهل اللغة: # القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه ~~شيئا فشيئا، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم ~~إن كان القصص مصدرا بمعنى الاقتصاص فيكون أحسن مثله لإضافته إلى المصدر، ~~ويكون المفعول أي المقصوص محذوفا وهو الوحي لدلالة أوحينا عليه، أو يكون ~~هذا القرآن مفعوله ومفعول أوحينا محذوفا كأنه قيل: ms2546 نحن نقص عليك أحسن ~~الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك. وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق ~~لا إلى القصة. وحسن المنطق كونه على أبدع طريقة وأعجب أسلوب لأن هذه ~~الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد ~~الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد # PageV04P064 # بالنبإ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع ~~إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب ~~والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا ~~يرده كيد كائد ولا حسد حاسد. # ويروى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا فقالوا: يا رسول الله ~~لو حدثتنا. فأنزل الله عز وجل الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها [الزمر: ~~23] ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله نحن نقص ~~عليك أحسن القصص # كل ذلك يؤمرون بالقرآن. وإن كنت هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام ~~الفارقة. والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك لمن الغافلين عن ~~هذه القصة أو عن الدين والشريعة إذ قال بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت ~~مشتمل على القصص فإذا قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار «اذكر» . ~~ويوسف ليس عربيا على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم ~~عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها ~~فيوجد فيه وزن الفعل أيضا فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون ~~الاسم عربيا تارة وأعجميا أخرى. وهذا الخلاف روي في «يونس» أيضا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف ~~بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم» «1» # قال النحويون: التاء في يا أبت عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد ~~تقلب هاء في الوقف. ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو «حمامة» ذكر والكسرة فيه ~~لمناسبة الياء التي هي بدل منها. والفتحة إما فتحة ms2547 الياء فيمن يفتحها أو ~~الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا إني رأيت هو من الرؤيا التي ~~تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له لا تقصص ~~رؤياك ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد. من قرأ ~~أحد عشر بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا ~~الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان. # قال في الكشاف: روى جابر أن يهوديا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف. فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي: ~~إن أخبرتك هل تسلم؟ قال: نعم. قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان ~~والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو PageV04P065 # الكتفين. رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له. فقال ~~اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها. # وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر ~~فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء. وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ~~ذكرها دليل على شرفهما كقوله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98] ~~وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟ ~~فقال: رأيتهم لي ساجدين. والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ ~~لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع. وإنما أجريت ~~الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله ~~للأصنام: وتراهم ينظرون إليك [الأعراف: 198] وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة ~~فلا حاجة إلى العذر. عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، ~~وكذا أبواه وهما الشمس والقمر. وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر ~~وتوفيت قبل ذلك. وعن وهب أن يوسف رأى- وهو ابن سبع سنين- أن إحدى عشرة عصا ~~طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، ms2548 وإذا ~~عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن ~~تذكر هذا لإخوتك. ثم رأى- وهو ابن اثنتي عشرة سنة- الشمس والقمر والكواكب ~~تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل. # وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة. وقيل: ثمانون. قال ~~علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في ~~الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم. قوله ~~فيكيدوا منصوب بإضمار «أن» جوابا للنهي. واللام في لك لتأكيد الصلة مثل ~~«نصحتك» و «نصحت لك» . وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معنى ~~الفعلين فيكون أبلغ في التخويف. وقيل: # متعلق بالمصدر الذي بعده. ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئا من تعبير رؤياه ~~فقال: # وكذلك أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة يجتبيك ربك لأمور عظام. ~~والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض ~~جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة. قال في الكشاف ويعلمك كلام مبتدأ غير ~~داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. أقول: ولعل ~~إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر. وفي تأويل الأحاديث وجوه منها: أنه تأويل ~~أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ~~ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك. والأحاديث اسم جمع ~~للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث # PageV04P066 # بها الناس. ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر ~~والمحدث يحدثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا. ~~ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم ~~سبحانه. وأما إتمام النعمة فمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات ~~الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك ~~بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا ~~بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن ~~المعلوم أن ms2549 الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة. وقد يفسر ~~إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى ~~إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ~~ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح. ~~والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالا ~~بضوء الكواكب. واعترض بما فرط منهم في حق يوسف. # وأجيب بأن ذلك قبل النبوة. وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم ~~الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكا وأنبياء. وإبراهيم وإسحاق عطف بيان لأبويك لأن ~~أبا الجد في حكم الأب إن ربك عليم بمن يستحق الاجتباء حكيم لا يضع الشيء ~~إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق. قيل: حكم ~~يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى ~~قال: وأخاف أن يأكله الذئب؟ والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطا بعدم كيد ~~إخوته، ولعل قوله: أخاف أن يأكله الذئب كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط ~~والأسباب مدخلا عظيما في وجود الأشياء وحصولها لقد كان في يوسف وإخوته أي ~~في قصتهم وحديثهم آيات للسائلين لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من ~~غير سماع العلم. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم يجب أن يصبر على بغي قومه إلى ~~أن يظهر أمره كما فعل يوسف. يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ~~ولاوي وربالون ويشجر ودينة- وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب- ودان ونفتالي ~~وجاد وآشر- وهم من سريتين زلفة وبلهة- فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل ~~فولدت له بنيامين ويوسف. إذ قالوا ظرف لكان أو منصوب بإضمار «اذكر» ليوسف ~~في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة. وأخوه أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين. ~~أحب إذا كان أفعل التفضيل مستعملا بمن لم يتصرف فيه ونحن عصبة الواو للحال ~~والعصبة العشرة فصاعدا لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في ms2550 المحبة ~~علينا وهما ابنان صغيران # PageV04P067 # لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه إن أبانا ~~لفي ضلال مبين أرادوا ضلالا خاصا وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة ~~مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ~~ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر. ومن جملة أقوالهم ~~أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره اقتلوا يوسف قيل: الآمر بالقتل شمعون أو ~~دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعا آمرين. والظاهر أنه قال بعضهم بذلك بدليل ~~أنه لم يقع القتل ولقولهم أو اطرحوه فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى ~~الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليهم كقوله وإذ قتلتم نفسا ~~[البقرة: 72] وانتصب أرضا على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضا مجهولة بعيدة ~~عن العمارة يخل لكم وجه أبيكم تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ~~ذكر الوجه تصويرا لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو ~~المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف وتكونوا مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ~~من بعده من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب قوما صالحين ~~تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح ~~دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال قال قائل ~~منهم هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأيا وأدبا وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض ~~[يوسف: 80] لا تقتلوا يوسف لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان ~~القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء وألقوه في غيابت الجب سمى البئر جبا ~~لأنها قطعت قطعا ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر ~~وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها. ومن قرأ على الجمع فلأن للجب ~~أقطارا ونواحي يلتقطه بعض السيارة أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي ~~المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ~~ومنه اللقيط للمنبوذ إن كنتم فاعلين ms2551 إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو ~~الرأي. ثم إن يعقوب كان خائفا على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على ~~صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق أرسله معنا غدا ~~يرتع ويلعب من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ ~~بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعارا من ارتعاء الإبل والماشية. واللعب # ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع. فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا ~~تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ~~إنا ذهبنا نستبق سمي لعبا لأنه في صورته، أو # PageV04P068 # اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر # قال صلى الله عليه وسلم لجابر: فهلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك. # قال إني ليحزنني لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال وأخاف أن ~~يأكله الذئب أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت ~~من كل جهة. قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: أخاف. وقيل: رأى في النوم أن ~~الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء ~~موكل بالمنطق. قوله: إنا إذا جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن ~~كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو ~~مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد ~~هلكت مواشينا وخسرناها. كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم ~~به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم ~~يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا ~~الجواب بالثاني، وهاهنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم فلما ذهبوا به ~~وأجمعوا عزموا على أن يجعلوه في غيابت الجب قيل: هو بئر ببيت المقدس. وقيل: ~~بأرض الأردن. وقيل: بين مصر ms2552 ومدين. # وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. ثم إن كان جواب «لما» محذوفا ففي ~~الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف. قال السدي: إن يوسف عليه السلام لما ~~برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث ~~بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو ~~تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء. فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقا أن لا ~~تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق ~~بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على ~~أبيهم. # فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر ~~والأحد عشر كوكبا حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت ~~وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه ~~فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا ~~وكان يهوذا يأتيه بالطعام. # وروي أنه عليه السلام لما ألقي في الجب قال: يا شاهدا غير غائب، ويا ~~قريبا غير بعيد، ويا غالبا غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا. # وحكي أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه ~~جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحق وإسحق إلى ~~يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه ~~إياه # وأوحينا إليه في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى. وقيل: كان إذ ذاك ~~بالغا # PageV04P069 # وعن الحسن كان له سبع عشر سنة لتنبئنهم لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك وهم لا ~~يشعرون أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير ~~للهيئات والأشكال. # يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع ~~فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من ~~أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة ms2553 ~~الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس. # ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحى وأزلنا الوحشة عن قلبه ~~فتتعلق الجملة بقوله وأوحينا روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له ~~الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟ قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة ~~وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. عن ~~مقاتل: # إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم. ولما سمع ~~صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا لا. ~~قال: فما لكم وأين يوسف قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق أي نتسابق في العدو ~~أو في الرمي وقيل ننتضل وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه ~~دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ولو كنا صادقين ولو كنا عندك من أهل ~~الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا وجاؤ على قميصه نصب ~~على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم ~~عليه بدم كذب ذي كذب أو دم هو الكذب بعينه مبالغة. # يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف ~~صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه ~~بدم القميص. وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم ~~يمزق عليه قميصه. # وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه ~~البشير على وجهه فارتد بصيرا، وآية على براءة يوسف حين قد من دبر. # ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل ~~الإضراب بل سولت قال ابن عباس بل زينت لكم أنفسكم أمرا في شأنه وهو تفعيل ~~من السول الأمنية. قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه ~~الهمزة. وقال في الكشاف: سولت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء ~~والتنكير دليل التعظيم ms2554 فصبر جميل لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر ~~جميل أو فصبر جميل أمثل. # وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: نما أشكوا بثي ~~وحزني إلى الله # [يوسف: 86] # وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت. # يحكى أنه # PageV04P070 # سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟ فقال: ~~طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ قال: ~~يا رب خطيئة فاغفرها لي. # ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله ~~تعالى فقال: والله المستعان على ما تصفون فالقرينتان كقوله: إياك نعبد ~~وإياك نستعين [الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا ~~بقضاء الله تعالى أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال ~~بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا. واعترض بأن هذا الصبر كان فيه ~~إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز ~~صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر ~~لشهرته وعظم قدره؟ وأجيب بأن الله سبحانه لعله منعه عن الطلب تشديدا للمحنة ~~عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله تعالى ~~يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة ~~الناس كقول القائل: # فإذا رميت يصيبني سهمي فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية ~~إلى الله تعالى. ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: وجاءت سيارة عن ابن عباس: ~~قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب ~~فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم ~~يكن إلا للرعاة. وقيل: كان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف. فأرسلوا ~~واردهم رجلا يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء. ومعنى الوارد ~~الذي يرد الماء ليستقي للقوم فأدلى دلوه أرسلها ms2555 في البئر. # قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو. قال يا بشرى التقدير فظهر ~~يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك. ومتى ~~قال الوارد هذا الكلام؟ قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقا بالحبل. ~~وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به. قال السدي: كان للوارد ~~صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد. والأكثرون على أنها ~~بمعنى البشارة. فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموما مثل يا رجل وأن ~~يكون منصوبا مثل يا رجلا كأنه جعل ذلك النداء شائعا في جنس البشرى. ومن قرأ ~~بالإضافة فنصبه ظاهر. والضمير في وأسروه إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي ~~أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا ~~اشتريناه. وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء # PageV04P071 # جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء ~~على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه ~~منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله بضاعة ~~وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعا للتجارة. وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة ~~من المال للتجارة والله تعالى أعلم. والله عليم بما يعملون فيه وعيد إما ~~للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن ~~كيد الأعداء لا يدفع شيئا مما علم الله من حال المرء. والضمير في قوله: ~~وشروه إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه بثمن قليل لأن الملتقط ~~للشيء متهاون به وكانوا فيه من الزاهدين ممن يرغب عما في يده. # قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن ~~يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا ~~الضمير في وكانوا إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم ~~يفعلوا به ما فعلوا، ms2556 وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا ~~إعطاء الثمن الكثير. عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام ~~يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا ~~يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم ~~عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفا من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا ~~أنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص ~~العيار. # وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير ~~معدودة قليلة تعد عدا ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية ~~وهي الأربعون. عن ابن عباس كانت عشرين درهما. وعن السدي اثنين وعشرين أخذ ~~كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئا. ويروى أن إخوته ~~اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق. والظاهر أن الضمير في فيه عائد إلى ~~يوسف، ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه. ~~قال النحويون: قوله: فيه ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه ~~موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال ~~مثلا: وكانوا زيدا من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟ فقيل: # زهدوا فيه والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # تلك آيات الكتاب دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ~~ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ~~إذ قال يوسف القلب لأبيه يعقوب الروح إني رأيت أحد عشر كوكبا هن # PageV04P072 # الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة ~~والمتوهمة والحس المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى ~~المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدوا بازدواج يعقوب الروح وزوج ~~النفس والشمس والقمر الروح والنفس رأيتهم لي ساجدين وهذا مقام كمالية ~~الإنسان أن يصير القلب سلطانا يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ms2557 وكذلك ~~يجتبيك ربك على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث العلم اللدني المختص بالقلب ويتم نعمته عليك بأن يتجلى لك ويستوي ~~لك إذ القلب عرش حقيقي للرب وعلى آل يعقوب أي متولدات الروح من القوى ~~والحواس كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم السر وإسحاق الخفي وبهما يستحق ~~القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل. آيات للسائلين عن طريق الوصول إلى الله ليوسف القلب ~~وأخوه بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصا بالقلب أحب إلى أبينا منا لأن ~~القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش. ~~اقتلوا يوسف القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا أو اطرحوه في أرض ~~البشرية يخل لكم وجه أبيكم يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل ~~شهواتها وتكونوا بعد موت القلب قوما صالحين للنعم الحيواني والنفساني. قال ~~قائل منهم هو يهوذا القوة المفكرة لا تقتلوا يوسف القلب وألقوه في غيابت ~~الجب القالب وسفل البشرية يلتقطه بعض سيارة الجواذب النفسانية. يرتع في ~~المراتع البهيمية ويلعب في ملاعب الدنيا وإنا له لحافظون من فتنة الدنيا ~~وآفاتها لئن أكله الذئب الشيطان إنا إذا لخاسرون لأن خسران جميع أجزاء ~~الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب وهم لا يشعرون فيه إشارة إلى ~~أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس ~~السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب. # فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي وجاؤ أباهم عشاء أي في ~~النصف الآخر من مدة العمر نستبق نتشاغل باللهو في أيام الشباب وتركنا يوسف ~~القلب مهملا معطلا عن الاستكمال فأكله ذئب الشيطان. وجاؤ على قميصه أي قالب ~~القلب بدم كذب هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت ~~نور الإيمان عنه بالكلية. قال يعقوب الروح بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل على ما قضى الله وقدر والله المستعان على ما تصفون من رين القلب وموته ~~وجاءت ms2558 سيارة هي هبوب نفحات ألطاف الحق فأرسلوا واردهم واردا من واردات الحق ~~فأدلى # PageV04P073 # دلوه جذبة من جذبات الرحمن قال يا بشرى فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في ~~تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصه من جب الطبيعة كما قال تعالى: ~~يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] والله عليم بحكمة البشارتين وبما يعملون من ~~شرائه بثمن بخس هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ~~لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله ~~أعلم. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 21 الى 35] # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على ~~أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين (22) وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب ~~وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23) ~~ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ~~إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها ~~لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت ~~وهو من الكاذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27) ~~فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض ~~عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29) وقال نسوة في المدينة ~~امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ~~(30) # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه ms2559 ~~فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم ~~بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35) ### | القراآت: # هيت لك بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير هيت بكسر الهاء وفتح التاء: أبو ~~جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام ~~مثل هذا ولكن بضم التاء، النجاري عن هشام. الباقون هيت لك بفتحتين # PageV04P074 # وسكون الياء المخلصين بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة ~~وعلي وخلف ربي أحسن بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير من قبل ~~ومن دبر بالاختلاس: عباس قد شغفها مدغما: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ~~وقالت اخرج بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم. الآخرون بالضم ~~للإتباع. حاشا لله وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ربي السجن بفتح ~~السين على أنه مصدر: يعقوب. الباقون: بالكسر. ### | الوقوف: # ولدا ط في الأرض ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة ب مكنا أو هي ~~عطف على محذوف قبله أي ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن الأحاديث ط لا يعلمون ه وعلما ط ~~المحسنين ه هيت لك ط الظالمون ه همت به ز قد قيل بناء على أن قوله وهم جواب ~~«لولا» وليس بصحيح لأن جواب «لولا» لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو ~~لحقق ما هم به كذا. قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ~~وهم بها ج برهان ربه ط والفحشاء ط المخلصين 5 لدى الباب ه أليم ه عن نفسي ~~لم يذكر الأئمة عليه وقفا ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف وشهد على ~~راودتني أو على جملة هي راودتني. من أهلها ج على تقدير وقال إن كان من ~~الكاذبين ه الصادقين ه ms2560 من كيدكن ط عظيم ه عن هذا سكتة للعدول عن مخاطب إلى ~~مخاطب لذنبك ج لاحتمال التعليل الخاطئين ه عن نفسه ج لأن «قد» لتحسين ~~الابتداء مع اتحاد القائل حبا ط مبين ه عليهن ج بشرا ط كريم ه فيه ط ~~فاستعصم ط لاحتمال القسم الصاغرين ه إليه ج للشرط مع الواو الجاهلين ه ~~كيدهن ط العليم ه حين ه. ### | التفسير: # قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به ~~إلى مصر وباعه فاشتراه العزيز- واسمه قطفير أو أطفير- ولم يكن ملكا ولكنه ~~كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن ~~بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف. روي أن ~~العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزلة ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ~~ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن ~~مائة وعشرين سنة. وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة ~~دليله قوله: ولقد جاءكم يوسف من قبل # PageV04P075 # بالبينات [غافر: 34] وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف. والمعنى ولقد ~~جاء آباءكم. وقيل: اشتراه العزيز بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. ~~وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا ~~وحريرا فابتاعه قطفير بذلك المبلغ. ومعنى أكرمي مثواه اجعلي منزله ومقامه ~~عندنا كريما أي حسنا مرضيا. # وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس ~~العالي. # وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في ~~صحبتنا. ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان ~~رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟ واللام في لامرأته تتعلق ب ~~قال. ثم بين الغرض من الإكرام فقال: عسى أن ينفعنا بكفاية بعض مهماتنا أو ~~نتخذه ولدا لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصورا. وعن ابن مسعود أفرس ~~الناس ms2561 ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، ~~والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف ~~عمر. وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه. ثم قال: وكذلك أي كما ~~أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه مكنا له في أرض مصر حتى ~~يتصرف فيها بالأمر والنهي ولنعلمه قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائل ~~السورة معنى تأويل الأحاديث. والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في ~~الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: مكنا والعلم وأشار ~~إليه بقوله: ولنعلمه ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ~~وأوحينا إليه لتنبئنهم وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعدا ~~للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق والله غالب على أمره أي على أمر ~~نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح ~~كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~أن الأمر كله بيد الله. ثم إنه سبحانه بين وقت استكمال أمره فقال: ولما بلغ ~~أشده قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين ~~وستين آتيناه حكما وعلما فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، ~~وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضات والمجاهدات يصلون أولا إلى الحكمة ~~العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو ~~طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: # الحكم النبوة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين. وقيل: الحكم ~~صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذ تفيض ~~الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس. والتحقيق ~~في هذا الباب أن استكمال النفس # PageV04P076 # الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر ~~تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت ~~الحرارة الغريزية على البدن ms2562 نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارت الآلات ~~صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق. ~~فقوله ولما بلغ أشده إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: آتيناه حكما ~~وعلما إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها. ~~قال في الكشاف: وكذلك نجزي المحسنين # فيه تنبيه على أنه كان محسنا في عمله متقيا في عنفوان أمره، وأن الله ~~آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة. ~~والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما ~~يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سببا للأضواء ~~اللاحقة وهلم جرا. عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة ~~في اكتهاله. # ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز ~~وذلك قوله: وراودته والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى ~~الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشيء الذي يريد أن ~~يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها ~~وراودته هي عن نفسه إذا حارل كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: التي هو ~~في بيتها ولم يقل زليخا قصدا إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ~~وغلقت الأبواب لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو ~~فتح. والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة وقالت هيت لك هذه اللغة في جميع ~~القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ هيت لك بهاء مكسورة بعدها همزة ~~ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها بمعنى تهيأت لك. # يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ. قال النحويون: هيت جاء بالحركات ~~الثلاثة: # فالفتح للخفة، والكسر لالتقاء الساكنين، والضم تشبيها بحيث. وإذا بين ~~باللام نحو «هيت لك» فهي صوت قائم مقام المصدر كأف له أي لك أقول هذا. وإذا ~~لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ~~ومعناه ms2563 إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل. وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي ~~زيد قالت هيت لك بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن. وقال الفراء: إنها ~~لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها. # وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة ~~العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك ~~في الغساق، ولغة # PageV04P077 # العرب والحبشة في ناشئة الليل. ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب ~~يوسف عليه السلام بثلاثة أجوبة: الأول قال معاذ الله وهو من المصادر التي ~~لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذا، وفيه إشارة إلى أن حق الله تعالى ~~يمنع عن هذا العمل. الثاني إنه والضمير للشأن ربي أي سيدي ومالكي بزعمهم ~~واعتقادهم وإلا فيوسف كان عالما بأنه حر والحر لا يصير عبدا بالبيع، أو ~~المراد التربية أي الذي رباني أحسن مثواي حين قال أكرمي مثواه وفي هذا ~~إشارة إلى أن حق الخلق أيضا يمنع عن ذلك العمل. وقيل: # أراد بقوله: ربي الله تعالى لأنه مسبب الأسباب. الثالث قوله: إنه لا يفلح ~~الظالمون الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا ~~أنفسهم. وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه ~~اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز ~~عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة. # قوله سبحانه ولقد همت به وهم بها لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن ~~العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد ~~المخالطة # فقال أبو جعفر الباقر رضي الله عنه بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة. # وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع. وعنه ~~أيضا أنها استلقت له وقعد هو بين شعبها الأربع. # وروي أن يوسف حين قال: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ms2564 قال له جبرائيل: # ولا حين هممت يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء # وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة ~~إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين. أما ~~الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر ~~والياقوت في زاوية من زوايا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟ فقالت: ~~أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية. فقال يوسف: تستحيي من صنم لا ~~يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فو الله لا ~~أفعل ذلك أبدا. وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضا فوه على أصابعه قائلا: ~~أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟ وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد ~~والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين. وقال سعيد بن جبير: تمثل له ~~يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن ~~كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له. وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس ~~لها عضد ولا معصم مكتوب فيها وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين # PageV04P078 # [الإنفطار: 11، 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة وساء سبيلا [الإسراء: 32] فلم ينته ثم رأى فيها واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله [البقرة: # 281] فلم ينجع فيه فقال الله تعالى لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب ~~الخطيئة. فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب ~~في ديوان زمرة الأنبياء؟ # وقيل: رأى تمثال العزيز. وأما الآخرون فما سلموا شيئا من هذه الروايات. ~~وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف ~~الزواجر فهو عليه السلام كان ممتنعا عن ذلك العمل بحسب النظر في برهان الله ~~المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس ~~القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذه الزواجر تكميلا ~~للألطاف ms2565 وتتميما للعناية. قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما ~~لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج ~~النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة. قالوا: ~~والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم ~~بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد ~~له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن ~~يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى ~~هاربا عنها. وفي قوله: # وهم بها فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء ~~وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن ~~بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: هي راودتني وبقوله: رب السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ولقد راودته عن نفسه ~~فاستعصم وقالت الآن حصحص الحق وزوج المرأة صدقه فقال: إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله تعالى فقال: كذلك ~~أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك لنصرف عنه السوء خيانة السيد ~~والفحشاء الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك. ~~ثم أكد الشهادة بقوله: إنه من عبادنا والإضافة للتشريف كقوله: وعباد الرحمن ~~[الفرقان: # 63] ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته ~~بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله تعالى بناء على قراءتي فتح اللام ~~وكسرها. # ويحتمل أن يكون «من» للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية ~~إبراهيم عليه السلام. فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف عليه السلام وأنه ~~بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره ~~كما في آدم وذي النون # PageV04P079 # وغيرهما ولما استحق هذا الثناء ms2566 والله أعلم بحقائق الأمور. # وقوله: واستبقا الباب أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل ~~واختار موسى قومه [الأعراف: 155] أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا. وإنما ~~وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها. روى كعب أنه لما ~~هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى حرج من الأبواب وقدت قميصه من ~~دبر لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولا وألفيا سيدها صادفا بعلها ~~وهو قطفير. وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكا في الحقيقة. روي ~~أنهما ألفياه مقبلا يريد أن يدخل وقيل جالسا مع ابن عم للمرأة. ثم إنه كان ~~للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذ ذاك؟ # فقيل: قالت: ما جزاء هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس ~~جزاؤه إلا السجن أو العذاب الأليم. وربما فسر العذاب الأليم بالضرب بالسياط ~~جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه ~~طمعا في أن يواتيها خوفا وإن لم يواتها طوعا. ثم إنها لحبها يوسف راعت ~~دقائق المحبة فذكرت السجن أولا ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما ~~أمكن. وأيضا لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءا بل قصدت العموم ليندرج ~~يوسف فيه. وفي قولها: إلا أن يسجن إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول ~~فرعون لموسى لأجعلنك من المسجونين [الشعراء: 29] ففيه إشعار بالتأبيد قال ~~يوسف هي راودتني عن نفسي وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب ~~عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها. # قال سبحانه وشهد شاهد من أهلها قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم ~~المرأة وكان رجلا حكيما، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد ~~سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، ~~فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل ~~صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه ms2567 قال ابن عمها: ~~إنه من كيدكن وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها ~~وكان صبيا في المهد # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ~~ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم» «1» # وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف ~~بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول PageV04P080 # بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعا على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد ~~المرأة وهي قد غضبت عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضربا وجميعا. وأجيب ~~بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبدا لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط ~~على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما ~~شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم. واعتراض على القول الثاني بأن ~~شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال ~~القميص ولا لكونه من أهلها فائدة. وأيضا لفظ شاهد لا يقع في العرف إلا على ~~من تقدمت معرفته بالواقعة. والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام ~~غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد هاهنا ~~مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها. قال ~~في الكشاف: التنكير في «قبل» و «دبر» معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة ~~يقال لها دبر. أما الضمير في قوله: فلما رأى وفي قوله: قال إنه من كيدكن ~~فقيل: # إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد ~~بأهلك سوءا، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن إن ~~كيدكن عظيم قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه ~~تعالى يقول: إن كيد الشيطان كان ضعيفا [النساء: 76] وقال للنساء: إن كيدكن ~~عظيم وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا ms2568 حكاية قول الشاهد فلا ~~يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة ~~إلى ما يريد الله تعالى إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد ~~الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «النساء حبائل الشيطان» . # ثم قال الشاهد: يوسف أي يا يوسف فحذف حرف النداء أعرض عن هذا الأمر ~~واكتمه ولا تحدث به واستغفري يا امرأة لذنبك والاستغفار إما من الزوج أو من ~~الله تعالى لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا ~~قال يوسف لصاحبه في السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار [يوسف: ~~39] إنك كنت من الخاطئين من المتعمدين للذنب. يقال: خطىء إذا أذنب متعمدا ~~والتذكير للتغليب. وقيل: الضمير في رأى وفي قال لزوج المرأة وأنه كان قليل ~~الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم. وقال نسوة هو اسم ~~مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم ~~نونها. قال الكلبي: # هن أربع في مدينة مصر: امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب ~~وامرأة صاحب # PageV04P081 # السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية قد ~~شغفها أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال ~~لها لسان القلب وحبا نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: ~~كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء. وقرىء بالعين المهملة أي ~~أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران. وقال ابن ~~الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع ~~من قلبها. والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب. # فلما سمعت بمكرهن اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن ~~الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء. وقيل: التمست منهن كتمان سرها ~~فأفشينه فسمي مكرا أرسلت إليهن تدعوهن. وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية ~~يوسف عليه السلام فلهذا سمي مكرا. وقيل: كن أربعين. وأعتدت وهيأت لهن متكأ ~~موضع ms2569 اتكاء وأصله موتكئا لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد ~~هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف ~~عليه السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين ~~توهمه أنهن يثبن عليه. وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام ~~والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئا. ~~وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها. وقيل: # أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له ~~متكأ. وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على ~~المقطوع بآلة القطع وقرىء متكا مضموم الميم ساكن التاء مقصورا وهو الأترج ~~فلما رأينه أكبرنه أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم كان أملح. قيل: كان يشبه آدم عليه السلام يوم ~~خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجدران وقد ورث ~~الجمال من جدته سارة. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى ~~السماء فقلت لجبرائيل: من هذا؟ فقال: يوسف. فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟ ~~قال: كالقمر ليلة البدر» # وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت. # يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذ بأن ~~المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن. وقيل: أكبرنه لما ~~رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق ~~الفاضلة الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة ~~والرعب في قلوبهن وقطعن أيديهن أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو ~~بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في ~~أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك # PageV04P082 # الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن حاش لله أي ننزهه عما ~~يشينه من خصلة ذميمة إن هذا إلا ملك كريم في السيرة والعفة والطهارة. # وأما قول زليخا: فذلكن الذي لمتنني ms2570 فيه فإنما ينطبق على هذا التأويل من ~~حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول ~~الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق. وعلى القولين الأولين ~~فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما ~~أن قولهن حاش لله ما علمنا عليه تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله، قال صاحب ~~الكشاف: «حاشا» كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في لله ~~لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة. وقال ~~أبو البقاء: الجمهور على أنه هاهنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، ~~وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي ~~بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية. ما هذا بشرا إعمال ما ~~عمل ليس لغة حجازية إن هذا أي ما هذا الشخص إلا ملك كريم استدل بعضهم ~~بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك ~~لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من ~~صورة الشيطان. واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك. ~~وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق ~~الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية ~~دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة ~~وأنظار كثيرة فلذلك قالت فذلكن الذي لمتنني فيه وسئل هاهنا إن يوسف كان ~~حاضرا فلم أشارت بعبارة البعيد؟ # وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء ~~يتعلق بالنقل. # وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنهم لم ~~تقل فهذا رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعادا ~~لمحله، أو هو إشارة إلى المعني بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني ~~كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن ms2571 في أنفسكن ثم لمتنني فيه يعني ~~أنكن لم تصورنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به. ولما ~~أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم قال السدي: أي بعد حل السراويل. والذين ~~يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن فاستعصم بناء مبالغة يدل على الامتناع ~~البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه ~~شهادة من المرأة على أن يوسف ما # PageV04P083 # صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلا. ولئن لم يفعل ما آمره قال في ~~الكشاف: # معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ~~ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه وليكونا من الصاغرين هي نون ~~التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف. والصغار الذل ~~والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس ~~جليل القدر مثل يوسف. # ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن ~~زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة وقد عزمت أن تبذل ~~الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ~~ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفا من شرها ومن إقدامها ~~على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلا عن ~~كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف عليه السلام إلى الله تعالى قائلا: رب ~~السجن أحب إلي مما يدعونني إليه لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي ~~يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ~~وإلا تصرف عني كيدهن بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف ~~والعصمة أصب إليهن والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبو ~~إلى روحها. وأكن من الجاهلين الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم ~~فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح. ولما كان في ms2572 قوله: # وإلا تصرف معنى الدعاء وطلب الصرف قال سبحانه: فاستجاب له ربه ثم إن ~~المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في ~~الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار ~~عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك ~~وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله ~~تعالى: ثم بدا أي ظهر لهم للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في ~~تعظيم الأشراف من بعد ما رأوا الآيات الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي ~~واعتراف المرأة وشهادة النسوة له بالسيرة الملكية والعفة. وفاعل بدا مضمر ~~أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ليسجننه والقسم ~~محذوف حتى حين إلى زمان ممتد. عن ابن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع ~~في المدينة. وعن الحسن: خمس سنين. وعن غيره سبع سنين. وعن مقاتل: أنه حبس ~~اثنتي عشرة سنة. ### | التأويل: # لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة # PageV04P084 # فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم ~~الحقيقة. # ف قال لامرأته وهي الدنيا أكرمي مثواه اخدميه بقدر الحاجة الضرورية عسى ~~أن ينفعنا حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير ~~الشريعة حقيقة والدنيا آخرة أو نتخذه ولدا نربيه بلبان ثدي الشريعة ~~والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية وكذلك مكنا يشير إلى أن تمكين ~~يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما ~~تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخا في الأرض والله غالب على أمر ~~القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية ~~وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون أنهم خلقوا مستعدين لهذا الكمال وكذلك نجزي المحسنين أي ~~كما أفضنا على القلب ما ms2573 هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء ~~الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة ~~خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة. وراودته فيه إشارة إلى أن يوسف ~~القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ~~ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي وغلقت أبواب أركان الشريعة وقالت ~~هيت لك أقبل إلي وأعرض عن الحق قال أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ~~ربه معاذ الله عما سواه. أحسن مثواي في عالم الحقيقة إنه لا يفلح الظالمون ~~الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى وهم بها فوق الحاجة الضرورية ~~لولا أن رأى برهان ربه وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ~~لنصرف عنه السوء الحرص على الدنيا والفحشاء بصرف حب الدنيا فيه إنه من ~~عبادنا المخلصين الذين خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود ~~الحقيقي. واستبقا باب الموت الاختياري وقدت قميص بشريته من دبر بيد شهواتها ~~قبل خروجه من الباب وألفيا سيدها وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج ~~زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة وشهد ~~شاهد من أهلها هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من ~~الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى ~~يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته إن كيدكن عظيم وهو قطع طريق الوصول إلى ~~الله لعظيم على القلب السليم. يوسف أعرض عن هذا فإن ذكر الدنيا يورث محبتها ~~وحب الدنيا رأس كل خطيئة. وقال نسوة هي الصفات البشرية من البهيمية ~~والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد تراود فتاها لأن الرب إذا تجلى للعبد ~~خضع له كل شيء # «يا دنيا اخدمي من خدمني» # وأعتدت لهن متكأ أطعمة مناسبة لكل # PageV04P085 # منها وآتت كل واحدة منهن سكينا هو سكين الذكر وقالت اخرج عليهن إشارة إلى ~~غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية وقطعن أيديهن بالذكر عما سوى الله. ~~ثم بدا ms2574 لهم أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي ~~صلاح حال القلب من بعد ما رأوا آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات ~~إلى ما سواه ليسجننه في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ~~واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] وإذا كان النبي مع نهاية كماله ~~مأمورا بأن يكون مسجونا في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 36 الى 53] # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من ~~المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك ~~بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ~~(38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما ~~تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ~~إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون (40) # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير ~~من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42) وقال ~~الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ~~يا أيها الملأ أفتوني في رءياي إن كنتم للرءيا تعبرون (43) قالوا أضغاث ~~أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد ~~أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) # يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع ~~سنين دأبا ms2575 فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من ~~بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من ~~بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49) وقال الملك ائتوني به فلما ~~جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ~~ربي بكيدهن عليم (50) # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء ~~قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~(51) ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما ~~أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53) # PageV04P086 ### | القراآت # إني أراني أعصر بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن ~~كثير في أراني كليهما. الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل. نبئنا بغير ~~همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف. ترزقانه مختلسة: الحلواني عن قالون ~~نبأتكما مثل أنشأنا ربي إني بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو آبائي ~~بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر إني أرى بالفتح: أبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو رؤياي بالإمالة: علي غير قتيبة. أبو عمرو بالإمالة ~~اللطيفة. والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم للرؤيا ممالة: علي، وأبو عمرو ~~بالإمالة اللطيفة. لعلي أرجع بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن ~~مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو دأبا بفتح الهمزة: حفص. الآخرون بالسكون ~~تعصرون بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون على الغيبة. ما بال ~~النسوة بضم النون: الشموني والبرجمي نفسي رحم ربي بالفتح فيهما: أبو جعفر ~~ونافع وأبو عمرو. ### | الوقوف: # فتيان ط خمرا ج فصلا بين القضيتين مع اتفاق الجملتين الطير منه ط للعدول ~~عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا. نبئنا بتأويله ج لاحتمال ~~التعليل. المحسنين ه أن يأتيكما ط ربي ط كافرون 5 ويعقوب ط من شيء ط لا ~~يشكرون ه ms2576 القهار ه ط من سلطان ط إلا لله ط إلا إياه ط لا يعلمون ه خمرا ج ~~فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين من رأسه ط لأن قوله: قضي جواب قولهما ~~كذبنا وما رأينا رؤيا تستفتيان ط لاستئناف حكاية أخرى عند ربك ز سنين ه ط ~~يابسات ط تعبرون 5 أحلام ج للنفي مع العطف بعالمين ه فأرسلون ه يابسات لا ~~لتعلق «لعلى» يعلمون ه دأبا ج للشرط مع الفاء تأكلون ه تحصنون ه يعصرون ه ~~ائتوني به ج أيديهن ط عليم ه عن نفسه ط من سوء ط الحق ز # PageV04P087 # لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل. الصادقين ه الخائنين ه نفسي ~~ج للحذف أي عن السوء ربي ط رحيم ه. ### | التفسير: # تقدير الكلام فحبسوه ودخل معه أي مصاحبا له في الدخول السجن فتيان غلامان ~~للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلا عن أئمة التفسير أو استدلالا برؤياهما ~~المناسبة لحرفتهما. رفع إلى الملك أنهما أراد سمه في الطعام والشراب فأمر ~~بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف قال أحدهما إني أراني أي في المنام ~~لقولهما: نبئنا بتأويله وهو حكاية حال ماضية أعصر خمرا أي عنبا تسمية للشيء ~~باسم ما يؤول إليه. وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب. والضمير في قوله: ~~بتأويله يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: ~~نبئنا بتأويل ذلك إنا نراك من المحسنين عبارة الرؤيا. وكان أهل السجن يقصون ~~عليه رؤياهم فيؤولها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من ~~المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم ~~الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة ~~بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. # وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: ~~أبشروا اصبروا تؤجروا. # فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟ فقال: أنا يوسف بن ~~صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق ms2577 بن خليل الله إبراهيم. فقال له عامل ~~السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت. # وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في ~~بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس ~~الملك وسقيته. وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع ~~الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها قال لا يأتيكما طعام إلى آخره هذا ليس ~~بجواب لهما ظاهرا وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما ~~كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يوثق ~~بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة، أو أراد أن يبين علو مرتبته في ~~العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: ~~أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم. بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ~~ليس مقصورا على شيء دون غيره. # وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى عليه السلام ~~وأنبئكم بما تأكلون [آل عمران: 49] أي أخبركما قبل أن يأتيكما أنه أي طعام ~~هو وأي لون # PageV04P088 # هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سما أم لا. فقد روي أن ~~الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما مسموما فأرسله إليه. ثم قال: ~~ذلكما أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من ~~التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ. ثم بين سيرته وملته مشيرا فيه ~~إلى أنه رسول من عند الله ومنبها على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من ~~الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على ~~الكفر فقال: إني تركت أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير ~~مظهر للتوحيد خوفا منهم لأنه كان تحت أيديهم. وإنما كررت لفظة «هم» تنبيها ~~على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضا بأن إيداعه السجن بعد ~~معاينة الآيات الشاهدة ms2578 على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد ~~الإنكار. والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل ~~الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: # من شيء الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب ~~وغيرهم ذلك التوحيد من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ~~ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة. وعن بعضهم إنا لا نشكر الله ~~على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: فأولئك كان سعيهم مشكورا ~~[الإسراء: 19] . # يا صاحبي السجن أراد يا صاحبي السجن كقوله «يا سارق الليلة» خصهما بهذا ~~النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: أصحاب النار ~~[الأعراف: 44] فسبب التعيين أنهما استفتياه من بين الساكنين. ثم أنكر عليهم ~~عبادة الأصنام فقال: أأرباب متفرقون في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من ~~اختلاف الأعراض والأبعاض خير إن فرض فيهم خير أم الله الواحد القهار لأن ~~وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهارا غالبا غير ~~مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته ~~بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ~~ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء أنتم ~~وآباؤكم والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا ~~أسماء فارغة عن المسميات ما أنزل الله بها بتسميتها من سلطان أي حجة. ثم ~~لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ~~إن الحكم إلا لله ثم ذكر ما حكم به فقال: أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم الثابت بالبراهين ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه مبدأ المبادئ ~~والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبودا ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام # PageV04P089 # بالاستقلال فعلا وتأثيرا. ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما ~~فقال: أما أحدكما يعني الشرابي ms2579 فيسقي ربه سيده خمرا يروى أنه قال له: ما ~~رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة ~~فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقال ~~للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك. ~~قوله: قضي الأمر قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا ~~فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما ~~استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالا برؤياهما ~~فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما. # وقيل: جحدا رؤياهما. وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه ~~شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع ~~لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن ~~وجهها فإن الفأل على ما جرى. # وقال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك أي اذكر عند الملك أني ~~مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي ~~حسبتني. والضمير في ظن إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا ~~مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما ~~إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعا بنجاته فما ~~المعنى للظن؟ وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ~~ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية. والأصح أنه قضى بذلك على سبيل ألبت ~~والقطع لقوله: لا يأتيكما طعام إلى قوله: ذلكما مما علمني ربي فالظن على ~~هذا بمعنى اليقين كقوله: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم [البقرة: 46] أما ~~الضمير في قوله: فأنساه الشيطان فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل ~~الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب ~~للملابسة لا لأجل أنه ms2580 فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر ~~إخبار ربه، وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة ~~العلم عن القلب والشيطان لا قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب ~~بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب ~~النسيان. ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله تعالى ~~أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله تعالى، وعلى القولين عوتب باللبث في ~~السجن بضع سنين. والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد ~~والبضع القطع ومثله العضب. والأكثرون على أن المراد به في الآية سبع # PageV04P090 # سنين. وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ~~ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ~~ما لبث في السجن» # وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: # يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك. فبكى يوسف وقال: طول البلاء ~~أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي. # قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة. # فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي ~~وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام. # وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: من أنصاري إلى الله [الصف: 14] ~~ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن ~~يوسف عليه السلام عوتب على قوله: اذكرني عند ربك لوجوه منها: # أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء ~~وقال: هل من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه. ~~ومنها أنه قال: ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء وهذا يقتضي نفي الشرك على ~~الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله سبحانه. فقوله: اذكرني عند ربك ~~كالمناقض لهذا الكلام. ومنها أنه قال: ms2581 عند ربك ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب ~~بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب ~~الدار ورب الغلام مستعملا في كلامهم. ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء ~~الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من ~~نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد ~~انعقد حبها وسبعا أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر ~~حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف ~~على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم ~~من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا ~~قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: يا أيها ~~الملأ أفتوني في رءياي ثم إنه تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه فأعجز الله ~~أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى قالوا إنها أضغاث أحلام ونفوا ~~عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها. واعلم أن الله سبحانه خلق جوهر النفس ~~الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن ~~المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من ~~طريق الحواس، وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة، ~~فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم ~~يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إلى ~~عالم الخيال فهناك # PageV04P091 # يفتقر إلى المعبر. ثم منها ما هي منتسقة منظمة يسهل على المعبر الانتقال ~~من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا ~~يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة ~~بالأضغاث. وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد ~~وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور ~~قد يعد ms2582 من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها. # ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: إني ~~أرى حكاية حال ماضية. وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما ~~يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع ~~الوصف وصفا للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا ~~قيل سمان بالجر ليكون وصفا لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي ~~السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولا ثم يعلم من الوصف ~~أن المميز بالجنس موصوف بالسمن. والعجف هو الهزال الذي ليس بعده هزال، ~~والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه ~~نقيضه. وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ~~وأخر يابسات التقدير وسبعا أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد. وإنما لم ~~يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده. وقولهم «ثلاثة ~~فرسان» و «خمسة أصحاب» لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ~~وأخر مجرورا عطفا على سنبلات لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع ~~بالسبع. وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في للرءيا ~~للبيان كما قلنا في وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20] أو لأن عمل العامل ~~فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر ~~معموله، أو لأن قوله: للرءيا خبر «كان» كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن منه ~~مستقل به وتعبرون خبر آخر أو حال أو لتضمن تعبرون معنى تنتدبون لعبارة ~~الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر ~~فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، ~~وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر. ~~والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ~~ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن ms2583 الواحد قد ~~يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار. فالمراد هي حلم أضغاث أحلام. وقد ~~يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم «فلان يركب الخيل # PageV04P092 # ويلبس العمائم» وإن لم يركب إلا فرسا واحدا ولم يلبس إلا عمامة واحدة. ~~ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاما أخر. واللام في الأحلام اما للعهد كأنهم ~~أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل ~~الرؤيا. ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله ~~رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: اذكرني عند ربك وذلك قوله سبحانه: ~~واذكر وأصله «اذتكر» قلبت التاء والذال كلاهما دالا مهملة وأدغمت. بعد أمة ~~أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة. وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة ~~أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة، وقرىء بعد أمة بوزن عمه. ومعنى أنا أنبئكم ~~بتأويله أخبركم به عمن عنده علمه فأرسلون إليه لأسأله والخطاب للملك والجمع ~~للتعظيم أو له وللملأ حوله. والمعنى مروني باستعباره. # وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة. وهاهنا إضمار والمراد فأرسلوه ~~إلى يوسف فأتاه فقال يوسف أي يا يوسف أيها الصديق البليغ الكامل في الصدق ~~وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل. وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ~~ما يفيد المدح لمعلمه. وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف ~~باختلاف العبارات. وقوله: # لعلي أرجع فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود ~~إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من ~~الموانع التي لا تحصى كثرة. وكذا في قوله: لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من ~~العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر ~~المعبرين. وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي ~~أرجع إلى الناس فيعلموا، ومثله في هذه السورة لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا ~~إلى أهلهم لعلهم يرجعون [يوسف: 62] . # قال يوسف في جواب الفتوى تزرعون سبع سنين وهو خبر في معنى الأمر ms2584 يفيد ~~المبالغة في إيجاب إيجاد المأمور به. قال في الكشاف: والدليل على كونه في ~~معنى الأمر قوله: فذروه في سنبله وأقول: يمكن أن يكون قوله: تزرعون إخبارا ~~عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، ~~وقوله: فما حصدتم إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت. ودأبا بتسكين ~~الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه. وانتصابه على الحال أي ~~تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأبا. وإنما أمرهم ~~بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه ~~السوس. ثم يأتي من بعد ذلك فيه دليل على أن تزرعون إخبار لا أمر سبع سنين ~~شداد على الناس يأكلن ما قدمتم # PageV04P093 # لهن من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون إلا قليلا ~~مما تحصنون تحرزون وتخبئون. والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل ~~الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو ~~من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت وفيه يعصرون العنب والزيتون والسمسم. ~~وقيل: يحلبون الضروع، تأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب ~~والعجاف واليابسات بالسنين، ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن. فقال ~~المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي. # عن قتادة: زاده الله علم سنة. وقيل: عرف استدلالا فليس بعد انتهاء الجدب، ~~إلا الخصب. والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد ~~يكون توسط الحال. وأيضا في قوله: وفيه يعصرون نوع تفصيل لا يعرف إلا ~~بالوحي. ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ~~ائتوني به فجعل الله سبحانه علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه ~~أن العلم سبب للخلاص من المحن الأخروية أيضا. فلما جاءه الرسول وهو الشرابي ~~فقال: أجب الملك. قال يوسف ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن ما شأنهن وما حالهن إن ربي أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز ~~الذي رباه بكيدهن عليم ms2585 وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله ~~لبعد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم ~~بكيدهن فيجازيهن عليه. وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته ~~عند العزيز حتى يرضى بسجنه. ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ~~ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ~~ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش. ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر ~~النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضا فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا ~~بالترغيب في الخيانة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر ~~له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط ~~أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت ~~مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت ~~العذر إن كان لحليما ذا أناة» «1» . # قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في ~~الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك ~~إلى تقبيح أمره عنده، PageV04P094 # وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: اذكرني عند ~~ربك. # قال الملك بعد إحضار النسوة ما خطبكن ما شأنكن العظيم إذ راودتن يوسف هل ~~وجدتن منه ميلا إليكن أو إلى زليخا؟ قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم. ~~وقيل: خاطبهن جميعا لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة ~~العزيز. قلن حاش لله تعجبا من عفته ونزاهته قالت امرأة العزيز حين عرفت أن ~~لا بد من الاعتراف الآن حصحص الحق وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم ~~حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض. وقال الزجاج: # اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل. أما قوله سبحانه: ذلك ~~ليعلم إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول- وعليه الأكثرون- أنه ms2586 حكاية قول ~~يوسف. # قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة ~~الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به. والإشارة إلى الحادثة الحاضرة بقوله: ~~ذلك لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة. وعن ~~ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن ~~عند عود الرسول إليه. ومحل بالغيب نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب ~~عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو ~~الاستتار وراء الأبواب المغلقة. قيل: # هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟ وأجيب بأنه ~~إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن ~~المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز ~~أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفيه ~~تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه ~~خان حكم الله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائنا لم يهد الله كيده. ولا ~~يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من ~~المرأة دليل على نزاهة يوسف عليه السلام من كل سوء. قال أهل التحقيق: إنه ~~لما راعى حرمة سيدته في قوله: ما بال النسوة اللاتي دون أن يقول «ما بال ~~زليخا» أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت ~~بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت ~~عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء ~~الشهادة. فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها. فقالت ~~المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه. ~~ولما كان قول يوسف عليه السلام ذلك ليعلم جاريا مجرى تزكية النفس على ~~الإطلاق أو في هذه الواقعة ms2587 وقد قال تعالى: فلا تزكوا أنفسكم [النجم: # PageV04P095 # 32] أتبع ذلك قوله: وما أبرئ نفسي إن النفس أي هذا الجنس لأمارة بالسوء ~~ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي. وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ ~~النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله تعالى وتسهيله وصرفه إلا ما رحم ربي إلا ~~البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل ~~وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي ~~تصرف الإساءة. القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف عليه السلام ما ~~كان حاضرا في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ~~ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن وأن الله لا يهدي فيه تعريض بأنها ~~لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئا من الذنب لا جرم ~~طهره الله منه وما أبرئ نفسي من الخيانة مطلقا فإني قد خنثه حين قلت ما ~~جزاء من أراد بأهلك سوءا أو حين أودعته السجن. ثم إنها اعتذرت عما كان منها ~~فقالت: إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي كنفس يوسف إن ربي غفور رحيم ~~أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت. قال المحققون: النفس الإنسانية شيء ~~واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم ~~السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى ~~العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة ~~فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء. وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم ~~العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة. ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة ~~هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة ~~والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة. وتمسكت الأشاعرة بقوله: # إلا ما رحم ظاهرا لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه. ~~وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق. ### | التأويل: # لما أدخل يوسف القلب ms2588 سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس ~~والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملا في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس ~~فهي صاحب شرابه. والبدن يهيىء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن ~~الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني. ~~وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ~~ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا ~~نيام فإذا ماتوا انتبهوا إنا نراك من المحسنين الذين يعبدون الله عيانا ~~وشهودا إني تركت ملة قوم فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى ~~والطبيعة علمه الله علم الحقيقة أما أحدكما فيسقي ربه # أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية ~~في خدمة # PageV04P096 # ملك الروح أبدا وأما الآخر وهو البدن فيصلب بنخيل الموت فتأكل طير أعوان ~~ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة قضي في الأزل هذا الأمر اذكرني عند ربك ~~يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات ~~المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة ~~الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية ~~بالمعاملات الروحانية مستمدا من الألطاف الربانية. ثم إن الشيطان بوساوسه ~~محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين ~~استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال فلبث في ~~السجن بضع سنين إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: ~~الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر إني أرى سبع بقرات ~~سمان هن الصفات المذكورة يأكلهن سبع عجاف هن أضدادها وهي: # القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع يا أيها الملأ ~~يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى أفتوني فيما رأيت في غيب الملكوت وما ~~نحن بتأويل الأحلام أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا فأرسلون ~~فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئا مما يجري في ms2589 الملكوت ترجع بقوة التفكر ~~إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات والنفس فيما يفهم من ~~لسان الغيب أيها الصديق لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي ~~للخلق ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] # «حدثني قلبي عن ربي» # قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية تزرعون سبع سنين ~~إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ~~فذروه في سنبله أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ~~إلا قليلا مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في ~~زجاجة القلب كأنه كوكب دري. ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف ~~بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها ~~بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان. وإنما سمى ~~ما هو من عالم الأرواح عجافا للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سمانا ~~لكثافتها كثيرا إلا قليلا مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ثم يأتي من بعد ~~ذلك عام أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام ~~فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفيه يبرأ العبد من معاملاته وينجو من ~~حبس وجوده وحجب أنانيته. ولما أخبر القلب بنور الله؟؟؟ رآه الروح في عالم ~~الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على # PageV04P097 # لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ما بال النسوة لأن الأوصاف الإنسانية ~~لما رأين جمال القلب المنور بنور الله قطعن أيديهن من ملاذ الدنيا وشهواتها ~~وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي ~~القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس ~~والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها وأن الله لا يهدي كيد ~~الخائنين الذين يبيعون الدين بالدنيا. ثم قال إظهارا للعجز عن نفسه وللفضل ~~من ربه وما أبرئ نفسي إن النفس جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها ~~يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة ms2590 نادمة على فعلها، والندم ~~توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة فألهمها فجورها وتقواها [الشمس: 8] ~~وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس ~~مطمئنة مستعدة لجذبة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [الفجر: 28] إن ربي غفور ~~لنفس تابت ورجعت إليه رحيم لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم ~~الوكيل. # تم الجزء الثاني عشر ويليه الجزء الثالث عشر أوله: وقال الملك ائتوني به ~~... # PageV04P098 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثالث عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 54 الى 68] # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف ~~في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ~~(56) ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57) وجاء إخوة يوسف ~~فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل ~~وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) ~~قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في ~~رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62) فلما رجعوا ~~إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له ~~لحافظون (63) # قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو ~~أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا ~~أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل ~~بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني ~~به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66) وقال ~~يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من ~~الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ~~ولما دخلوا من حيث ms2591 أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة ~~في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~(68) ### | القراآت # حيث نشاء بالنون: ابن كثير. الآخرون بياء الغيبة أني أوف بفتح ياء # PageV04P099 # المتكلم: نافع غير إسماعيل. لفتيانه خير حافظا حمزة وعلي وخلف غير أبي ~~بكر وحماد. الباقون لفتيته خير حافظا يكتل بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف. # الباقون بالنون. تؤتوني بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق ~~أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل. ### | الوقوف: # لنفسي ج أمين ه الأرض ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى عليم ه في الأرض ج ~~لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال حيث نشاء ط المحسنين ه يتقون ه منكرون ~~ه من أبيكم ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل المنزلين ه ولا تقربون ه ~~لفاعلون ه يرجعون ه لحافظون ه من قبل ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ~~حافظا ص الراحمين ه إليهم ط لتمام جواب «لما» ما نبغي ط لأن ما بعده جملة ~~مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها إلينا ج لاحتمال الاستئناف ~~والعطف على ونحن نمير كيل بعير ه ط يسير ه بكم ط قال الله قيل: يسكت بين ~~الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله سبحانه، والأحسن أن يفرق بينهما ~~بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول وكيل ه متفرقة ط من ~~شيء ط لله ط توكلت ط المتوكلون ه أبوهم ط لأن جواب «لما» محذوف أي سلموا ~~بإذن الله قضاها ط لا يعلمون ه. ### | التفسير: # الأظهر أن هذا الملك هو الريان لا العزيز لأن قوله أستخلصه لنفسي يدل على ~~أنه قبل ذلك ما كان خالصا له وقد كان يوسف قبل ذلك خالصا للعزيز. وفي قول ~~يوسف: اجعلني على خزائن الأرض دلالة أيضا على ما قلنا. والاستخلاص طلب خلوص ~~الشيء من شوائب الاشتراك، ومن عادة الملوك أن يتفردوا بالأشياء النفيسة. # روي أن جبريل دخل على يوسف في السجن وقال: قل اللهم اجعل لي من عندك ms2592 فرجا ~~ومخرجا وارزقني من حيث لا أحتسب. فقبل الله دعاءه وأظهر هذا السبب في ~~تخليصه فجاءه الرسول وقال: أجب الملك فخرج من السجن ودعا لأهله وكتب على ~~باب السجن: # «هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء» ثم ~~اغتسل وتنطف من درن السجن ولبس ثيابا جددا، فلما دخل على الملك قال: اللهم ~~إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ثم سلم عليه. # فلما كلمه احتمل أن يكون ضمير الفاعل ليوسف وللملك، وهذا أولى لأن مجالس ~~الملوك لا يحسن ابتداء الكلام فيها لغيرهم. # يروى أن الملك قال له: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك. قال: # رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن، ووصف السنابل وما كان منها # PageV04P100 # على الهيئة التي رآها الملك بعينها، فتعجب من وفور علمه وحدسه- وكان قد ~~علم من حاله ما علم من نزاهة ساحته وعدم مسارعته في الخروج من السجن- وقد ~~وصف له الشرابي من جده في الطاعة والإحسان إلى سكان السجن ما وصف فعظم ~~اعتقاده فيه # فعند ذلك قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ويندرج في المكانة كمال القدرة ~~والعلم. أما القدرة فظاهرة، وأما العلم فلأن كونه متمكنا من أفعال الخير ~~يتوقف على العلم بأفعال الخير وبأضدادها، وكونه أمينا متفرع عن كونه حكيما ~~لأن لا يفعل الفعل لداعي الشهوة وإنما يفعله لداعي الحكمة. قال المفسرون: ~~لما حكى يوسف رؤيا الملك وعبرها بين يديه قال له الملك: فما ترى أيها ~~الصديق؟ قال: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعا كثيرا وتبني الخزائن ~~والأهراء وتجمع الطعام فيها فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك ويجتمع ~~لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا الشغل؟ # فقال يوسف: اجعلني على خزائن الأرض اللام للعهد أي ولني خزائن أرض مصر. # والخزائن جمع الخزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ إني ~~حفيظ للأمانات وأموال الخزائن عليم بوجوه التصرف فيها على وجه الغبطة ~~والمصلحة. # وقيل: حفيظ لوجوه أياديكم عليم بوجوب ms2593 مقابلتها بالطاعة والشفقة. قال ~~الواحدي: هذا الطلب خطيئة منه فكانت عقوبته أن أخر عنه المقصود سنة. # عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي يوسف لو لم ~~يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته لكن لما قال ذلك أخره الله ~~تعالى عنه سنة» . # وقال آخرون: إن التصرف في أمور الخلق كان واجبا عليه لأن النبي يجب عليه ~~رعاية الأصلح لأمته بقدر الإمكان، وقد علم بالوحي أنه سيحصل القحط والضنك ~~فأراد السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم، وإذا علم النبي ~~أو العالم أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بالاستعانة من ~~كافر أو فاسق فله أن يستظهر به، على أن مجاهدا قد زعم أن الملك كان قد ~~أسلم. # وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه فكان في حكم التابع لا المتبوع. ووصف نفسه ~~عليه السلام بالحفظ والعلم على سبيل المبالغة لم يكن لأجل التمدح ولكن ~~للتوصل إلى الغرض المذكور. وكذلك أي مثل ذلك التقريب والإنجاء من السجن ~~مكنا ليوسف في الأرض أرض مصر وهي أربعون فرسخا في أربعين. يتبوأ منها حيث ~~يشاء هو أو نشاء نحن على القراءتين والمراد بيان استقلاله بالتقلب والتصرف ~~فيها بحيث لا ينازعه أحد. نصيب برحمتنا من نشاء فيه أن الكل من الله ~~وبتيسيره. وقالت المعتزلة: تلك المملكة لما لم تتم إلا بأمور فعلها الله ~~صارت كأنها من قبل الله تعالى، وعلقوا أيضا المشيئة بالحكمة ورعاية الأصلح. ~~والأشاعرة ناقشوا في هذا القيد. ولا نضيع أجر # PageV04P101 # المحسنين لأن إضاعة الأجر تكون للعجز أو للجهل أو للبخل والكل ممتنع في ~~حقه تعالى. ولأجر الآخرة خير من أجر الدنيا أو خير في نفسه. وفي قوله ~~المحسنين وقوله: للذين آمنوا وكانوا يتقون إشارة إلى أن يوسف كان في الزمان ~~السابق من المحسنين ومن المتقين ففيه دلالة على نزاهة يوسف عن كل سوء. قال ~~سفيان بن عيينة: # المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في ~~الدنيا وماله ms2594 في الآخرة من خلاق. # يروى أن الملك توجه وختمه بخاتمه ورداه بسيفه ووضع له سريرا من ذهب مكللا ~~بالدر والياقوت فقال له: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به ~~أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال: قد وضعته إجلالا لك ~~وإقرارا بفضلك. فجلس على السرير ودانت له الملوك وفوض الملك إليه أمره وعزل ~~قطفير، ثم مات بعد فزوجه الملك امرأته فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا ~~مما طلبت فوجدها عذراء فولدت له ولدين: إفرائيم وميشا. وأقام العدل بمصر ~~وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام ~~بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها، ثم بالحلي ~~والجواهر ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى استرقهم جميعا ~~فقالوا: والله ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم منه فقال للملك: كيف رأيت ~~صنع الله بي فيما خولني مما ترى؟ قال: الرأي رأيك. قال: فإني أشهد الله ~~وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أملاكهم، وكان لا يبيع ~~من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس. وأصاب أرض كنعان ~~وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا # فذلك قوله سبحانه: وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون لم ~~يعرفوه لأن طول العهد ينسي ولاعتقادهم أنه قد هلك أو لذهابه عن أوهامهم حين ~~فارقوه مبيعا بدراهم معدودة ثم رأوه ملكا مهيبا جالسا على السرير في زي ~~الفراعنة، ويحتمل أن يكون بينه وبينهم مسافة وما وقفوا إلا حيث يقف طلاب ~~الحوائج. وإنما عرفهم لأن أثر تغيير الهيئات عليهم كان أقل لأنه فارقهم وهم ~~رجال ولم يغيروا زيهم عما هو عادتهم، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، ~~ويحتمل أن يكون عرفهم بالوحي. وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له. # ولما جهزهم بجهازهم هو ما يحتاج إليه في كل باب ومنه جهاز العروس والميت. ~~قال الليث: جهزت القوم تجهيزا إذا ms2595 تكلفت لهم جهازا للسفر. قال: وسمعت أهل ~~البصرة يحكون الجهاز بالكسر. وقال الأزهري: القراء كلهم على فتح الجيم ~~والكسر لغة جيدة قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم قال العلماء: لا بد من كلام ~~يجر هذا الكلام # فروي أنه # PageV04P102 # لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم: من أنتم؟ وما شأنكم فإني أنكركم. ~~قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد وجئنا نمتار. فقال: لعلكم ~~جئتم عيونا؟ قالوا: معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من ~~الأنبياء اسمه يعقوب. قال: كم أنتم؟ # قالوا: كنا اثني عشر فهلك منا واحد. فقال: فكم أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة ~~قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك. قال: ~~فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون؟ قالوا: إنا ببلاد لا يعرفنا أحد. قال: فدعوا ~~بعضكم عندي رهينا وأتوني بأخيكم من أبيكم يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم. ~~فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده. ~~وقيل: كانوا عشرة فأعطاهم عشرة أحمال فقالوا: إن لنا شيخا كبيرا وأخا آخر ~~فبقي معه ولا بد لهما من حملين آخرين. # فاستدل الملك ببقائه عند أبيه على زيادة محبته إياه وكونه فائقا في ~~الجمال والأدب فاستدعى منهم إحضاره. وقيل: لعلهم لما ذكروا أباهم قال يوسف: ~~فلم تركتموه وحيدا فريدا؟ فقالوا: بل بقي عنده واحد. فقال لهم: لم خصه بهذا ~~المعنى لأجل نقص في جسده؟ قالوا: لا بل لزيادة محبته. فقال: إن أباكم رجل ~~عالم حكيم، ثم إنه خصه بمزيد المحبة مع أنكم فضلاء أدباء فلا بد أن يكون هو ~~زائدا عليكم في الكمال والجمال فائتوني به لأشاهده. # والأول قول المفسرين، والآخران محتملان. ولما طلب منهم إحضار الأخ جمع ~~لهم بين الترغيب والترهيب فالأول قوله: ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين المضيفين وكان قد أحسن ضيافتهم أو زاد لكل من الأب والأخ الغائب ~~حملا، والثاني فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون مجزوم على ~~النهي أو ms2596 لأنه داخل في حكم الجزاء كأنه قيل: فإن لم تأتوني به تحرموا ولا ~~تقربوا قالوا سنراود عنه أباه سنخادعه عنه ونجتهد حتى ننتزعه من يده وإنا ~~لفاعلون كل ما في وسعنا في هذا الباب أو لقادرون على ذلك. وقال لفتيانه أو ~~لفتيته قراءتان وهما جمع فتى كالأخوان والإخوة في أخ ففعلة للقلة ووجهه أن ~~هذا العمل من الأسرار فوجب كتمانه عن العدد الكثير، وفعلان للكثرة ووجهه ~~أنه قال: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم والرحال عدد كثير ويناسبه الجم الغفير ~~من الغلمان الكيالين، والبضاعة ما قطع من المال للتجارة، والرحال جمع رحل ~~والمراد به هاهنا ما يستصحبه الرجل معه من الأثاث. # والأكثرون على أنه أمر بوضع بضاعتهم في رحالهم على وجه لا يعرفون بدليل ~~قوله: # لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم وفرغوا ظروفهم لعلهم يرجعون لعل ~~معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا وكانت بضاعتهم النعل والأدم. وقيل: ~~أمر بوصفها على # PageV04P103 # وجه عرفوها، والمعنى لعلهم يعرفون حق ردها. أما السبب الذي لأجله أمر ~~يوسف بذلك فقيل: ليعلموا كرم يوسف فيبعثهم ذلك على المعاودة. وقيل: خاف أن ~~لا يكون عند أبيه من البضاعة ما يدعوهم إلى الرجوع، أو أراد به التوسعة على ~~أبيه لأن الزمان كان زمان قحط، أو لأن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، ~~أو أراد أن يرجعوا ليعرفوا سبب الرد لأنهم أولاد الأنبياء فيحترزوا أن يكون ~~ذلك على سبيل السهو، أو أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم عيب ولا منة ~~فلا يثقل على أبيه إرسال أخيه. وقيل: يرجعون متعد أي لعلهم يردونها. قالوا: ~~يا أبانا منع منا الكيل أرادوا قول يوسف فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم لأن ~~إنذار المنع بمنزلة المنع يؤيده قراءة من قرأ نكتل بالنون أي نرفع المانع ~~ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه، ويحتمل أن يراد بالمنع أنهم إذا طلبوا ~~الطعام لأبيهم والأخ المخلف فلعله منع من ذلك، ويقوي هذا الاحتمال قراءة ~~الغيبة أي يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. قال هل آمنكم ms2597 عليه ضمنوا ~~كونهم حافظين له فقال يعقوب: إنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف فهل يكون ~~أماني الآن إلا كأماني فيما قبل يعني كما لم يحصل الأمان وقتئذ فكذا الآن. ~~والظاهر أن هاهنا إضمارا والتقدير فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم وقال: ~~فالله خير حافظا وحافظا نصب على التمييز واحتمل الثاني الحال نحو «لله دره ~~فارسا» وهو أرحم الراحمين أرجو أن لا يجمع علي مصيبتين. وقيل: إنه تذكر ~~يوسف فقال: فالله خير حافظا أي ليوسف لأنه كان يعلم أنه حي ولما فتحوا ~~متاعهم هو عام في كل ما يستمتع به ويجوز أن يراد به هاهنا الطعام أو ~~الأوعية. أما قوله ما نبغي فالبغي بمعنى الطلب و «ما» نافية أو استفهامية. ~~المعنى ما نطلب شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان أو ما نريد منك بضاعة أخرى ~~أو أي شيء نطلب وراء هذا نستظهر بالبضاعة المردودة إلينا. ونمير أهلنا في ~~رجوعنا إلى الملك ونحفظ أخانا فما يصيبه شيء مما يخافه ونزداد باستصحاب ~~أخينا وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا فأي شيء نبغي وراء هذه المباغي؟!. ~~ويجوز أن يكون البغي بمعنى الكذب والتزيد في القول على أن «ما» نافية أي ما ~~نكذب فيما وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له: إنا قدمنا ~~على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب ما أكرمنا تلك ~~الكرامة. قال في الكشاف: فعلى هذا التفسير لا يكون قوله: ونمير معطوفا على ~~معنى قوله: هذه بضاعتنا وإنما يكون قوله: هذه بضاعتنا بيانا لصدقهم، وقوله: ~~ونمير معطوفا على ما نبغي أو يكون كلاما مبتدأ أي ونبغي أن نمير كما تقول: ~~سعيت في حاجة فلان ويجب أو ينبغي أن أسعى ويجوز أن يراد ما نبغي # PageV04P104 # ما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا. ثم بينوا ~~كونهم مصيبين في رأيهم بقولهم: هذه بضاعتنا نستظهر بها ونمير أهلنا إلى ~~آخره. يقال: ماره يميره إذا أتاه بميرة أي بطعام ذلك كيل يسير أي ms2598 ذلك ~~المكيل لأجلنا قليل نريد أن ينضاف إليه ما يكال لأجل أخينا. وقال مقاتل: ~~ذلك إشارة إلى كيل بعير أي ذلك القدر سهل على الملك لا يضايقنا فيه ولا ~~يطول مقامنا بسببه، واختاره الزجاج. وجوز في الكشاف أن يكون هذا من كلام ~~يعقوب يعني أن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد. قال لن أرسله معكم ~~حتى تؤتون موثقا تعطوني ما أثق به من عند الله وهو الحلف لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم استثناء من أعم العام في المفعول وقد يقع مثل هذا الاستثناء في ~~الإثبات إذا استقام المعنى نحو «قرأت إلا يوم كذا» وإن شئت فأوله بالنفي أي ~~لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا بعلة واحدة هي أن يحاط بكم أي ~~تهلكوا جميعا قاله مجاهد، أو تغلبوا فلم تطيقوا الإتيان به قاله قتادة: على ~~ما نقول من طلب الموثق وإعطائه وكيل مطلع رقيب. قال جمهور المفسرين: إنما ~~نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفا عليهم من إصابة العين. وهاهنا مقامان: ~~الأول أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير # من الأمه ولما # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول: ~~أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. # أي جامعة لشر من لمه إذا جمعه أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة. # وعن عبادة بن الصامت قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ~~النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرءته معافى. فقال: إن ~~جبرائيل عليه السلام أتاني فرقاني وقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من ~~كل عين وحاسد الله يشفيك. # قال: فأفقت. # وروي أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي ~~فقالوا: # يا رسول الله أصابته العين. قال: أفلا تسترقون له من العين؟ # وعنه صلى الله عليه وسلم: «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين ~~القدر» «1» . # وقالت عائشة: كان يأمر العائن أن ms2599 يتوضأ ثم يغتسل منه المعين. المقام ~~الثاني في الكشف عن حقيقته. قال الجاحظ: يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص ~~المستحسن فتؤثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم. واعترض الجبائي وغيره بأنه ~~لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن. وأجيب بأن المستحسن ~~إن كان صديقا حصل للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، PageV04P105 # وإن كان عدوا حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح ~~وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا ~~السبب أمر النبي صلى الله عليه وسلم العائن بالوضوء ومن أصابته العين ~~بالاغتسال منه. وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي: لا يمتنع أن صاحب العين ~~إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص ~~حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقا به. وقال الحكماء: ليس من شرط المؤثر أن ~~يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا ~~أو وهميا كما للماشي على الجذع، أو تصوريا كما في الحركات البدنية، وقد ~~يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف في غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها ~~السحر ومنها الإصابة بالعين. أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا: # إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم ~~يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم. وقيل: إنه كان عالما ~~بأن الملك ولده إلا أن الله تعالى لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل ~~بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي. واعلم أن العبد يجب عليه أن ~~يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما ~~يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال ~~يعقوب: وما أغني عنكم من الله من شيء فقوله الأول مبني على رعاية الأسباب ~~والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر ~~بالكلية إلى مسبب الأسباب. وقد صدقه الله تعالى في ذلك بقوله: ms2600 ما كان يغني ~~عنهم من الله من شيء قال ابن عباس: ما كان ذلك التفرق يرد قضاء الله تعالى. # وقال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند ~~الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم. وقال آخرون: ما كان يغني عنهم رأي يعقوب ~~شيئا قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم وأخذ الأخ ~~وتضاعف المصيبة على الأب إلا حاجة استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها وهي إظهار الشفقة والنصيحة، أو الخوف من إصابة العين، أو من حسد أهل ~~مصر، أو من قصد الملك. ثم مدحه الله تعالى بقوله: وإنه لذو علم يعنى علمه ~~بأن الحذر لا يدفع القدر لما علمناه «ما» مصدرية أو موصولة أي لتعليمنا ~~إياه، أو للذي علمناه. وقيل: العلم الحفظ والمراقبة. وقيل: المضاف محذوف أي ~~لفوائد ما علمناه وحسن آثاره وإشارة إلى كونه عاملا بعلمه ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون مثل علم يعقوب أو لا يعلمون أن يعقوب بهذه الصفة في العلم. وقيل: ~~المراد بأكثر الناس المشركون لا يعلمون أن الله تعالى كيف أرشد أولياءه إلى ~~العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. # PageV04P106 ### | التأويل: # لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في ~~خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصا له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم ~~أنه خلق لصلاح جميع رعايا مملكة روحانية وجسمانية. كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في جسد بني آدم مضغة: إن صلحت صلح بها ~~سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب» «1» . # وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات قال سبحانه: «لا يسعني أرضي ~~ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» . اجعلني على خزائن أرض الجسد فإن ~~لله تعالى في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما ~~خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده إني حفيظ للخزائن ~~عليم باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها نصيب برحمتنا فيه ms2601 أن إصابة اللطف ~~من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله تعالى. وجاء إخوة يوسف وهم ~~الأوصاف البشرية فعرفهم يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله وهم له منكرون ~~لبقائهم في الظلمة وحرمانهم عن النور. ولما جهزهم يشير إلى أن يوسف القلب ~~لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات ~~الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع ~~القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف ~~إلى الأوصاف البشرية اجعلوا بضاعتهم في رحالهم فيه أن البضاعة كل عمل من ~~الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة ~~إليها، لأن القلب مستغن عنها. وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن ~~النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [الإسراء: ~~7] وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: نية المؤمن خير من عمله. # وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص. ثم قال: كمال ~~تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته لعلهم يرجعون من صفة ~~الأمارية إلى المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] ~~ردت إلينا فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ونمير أهلنا الأعضاء والجوارح ~~نحصل لهم قوة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ونحفظ أخانا من ~~الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ونزداد بواسطة حضور السر عند القلب ~~كيل بعير من الفوائد الربانية ذلك كيل يسير لمن يسره الله لتأتنني به مع ~~PageV04P107 # الفوائد الربانية إلا أن يحاط بكم إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية لا ~~تدخلوا من باب واحد لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب ~~مدخل في التقريب إلا أن الكل موكول إلى مسبب الأسباب. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 69 الى 83] # ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا ~~يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها ~~العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ms2602 (71) قالوا نفقد ~~صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ~~ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين (73) # قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من ~~وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء ~~الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76) قالوا إن يسرق فقد سرق ~~أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله ~~أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا ~~مكانه إنا نراك من المحسنين (78) # قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) ~~فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو ~~يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80) ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ~~ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) وسئل القرية ~~التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ~~(83) ### | القراآت: # إني أنا أخوك بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع. نرفع درجات من نشاء ~~بالإضافة وبياء الغيبة في الفعلين: سهل ويعقوب. بالنون وبالتنوين: عاصم ~~وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون وعلى الإضافة. فلما استيأسوا وبابه ~~بالألف ثم الياء: أبو ربيعة عن البزي وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة. ~~الباقون: بياء ثم همزة على الأصل لي أبي بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع ~~وأبو عمرو وافق ابن كثير في أبي. ### | الوقوف: # يعملون ه لسارقون ه تفقدون ه زعيم ه سارقين ه كاذبين ه فهو جزاؤه ط ~~الظالمين ه من ms2603 وعاء أخيه ط ليوسف ط يشاء # PageV04P108 # الله ط لأن ما بعده مستأنف نشاء ط عليم ه من قبل ط مكانا ج تصفون 5 مكانه ~~ج الثلاثة لانقطاع النظم مع اتصال المعنى المحسنين ه عنده لا لتعلق «إذا» ~~بما قبلها لظالمون ه نجيا ط يوسف ط للابتداء بالنفي مع فاء التعقيب يحكم ~~الله لي ج لاحتمال ما بعده الابتداء أو الحال الحاكمين ه سرق ج لانقطاع ~~النظم مع اتحاد القائل حافظين ه أقبلنا فيها ط لاختلاف الجملتين والابتداء ~~بأن. # لصادقون ه أمرا ط جميل ط جميعا ط الحكيم ه. ### | التفسير: # روي أنهم لما أتوه بأخيهم بنيامين أنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل ~~اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحده فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا ~~لأجلسني معه. فقال يوسف: بقي أخوكم وحيدا فأجلسه معه على مائدته. ثم أمر أن ~~ينزل كل اثنين منهم بيتا وقال: هذا لا ثاني له فاتركوه معي فآواه إليه أي ~~أنزله في المنزل الذي كان يأوي إليه، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى ~~أصبح. ولما رأى تأسفه لأخ هلك قال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ ~~قال: من يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل. فبكى يوسف وقام إليه ~~وعانقه وقال إني أنا أخوك # قال وهب: أراد إني أقوم لك مقام أخيك في الإيناس وعدم التوحش. وقال ابن ~~عباس وسائر المفسرين: # أراد تعريف النسب لأن ذلك أقوى في إزالة الوحشة ولا وجه لصرف اللفظ عن ~~ظاهره من غير ضرورة فلا تبتئس افتعال من البؤس الشدة والضر أراد نهيه عن ~~اجتلاب الحزن بما كانوا يعملون من دواعي الحسد والأعمال المنكرة التي ~~أقدموا عليها. # يروى أن بنيامين قال ليوسف: أنا لا أفارقك. فقال له يوسف: قد علمت اغتمام ~~والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن أنسبك إلى ما ليس ~~يحسن. قال: أنا راض بما رضيت. قال: فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادي عليك ~~أنك قد سرقته # فذلك ms2604 قوله سبحانه فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه والسقاية ~~مشربة يسقى بها وهي الصواع كان يسقى بها الملك أو الدواب ثم جعلت صاعا يكال ~~به. وكان مستطيلا من ذهب أو فضة مموهة بالذهب أو مرصعا بالجواهر أقوال ثم ~~أذن مؤذن نادى مناد ومعناه راجع إلى الإيذان والإعلام إلا أن التشديد يفيد ~~التكثير أو التصويت بالنداء أيتها العير أراد أصحاب العير # كقوله صلى الله عليه وسلم: «يا خيل الله اركبي» # والعير الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تذهب وتجيء. وقيل: هي ~~قافلة الحمير كأنها جمع عير وأصلها «فعل» بالضم كسقف فأبدلت الضمة كسرة ~~لأجل الياء كما في «بيض» ثم كثر في الاستعمال حتى قيل لكل قافلة عير. ~~وهاهنا سؤال وهو أنه كيف جاز لنبي الله أن يرضى بنسبة قومه إلى السرقة وهم ~~برآء؟ وأجاب العلماء بأنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم لأنهم لما لم يجدوا ~~السقاية # PageV04P109 # غلب على ظنونهم أنهم أخذوها، أو المؤذن ذكر ما ذكر على سبيل الاستفهام، ~~أو المراد أنهم سرقوا يوسف عليه السلام من أبيهم، أو المراد أن فيكم سارقا ~~وهو الأخ الذي رضي بذلك البهتان فلا ذنب لأن الخصم رضي بأن يقال في حقه ~~ذلك. ثم إن إخوة يوسف قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع ~~الملك قيل: صواع اسم للصاع والسقاية وصف ولمن جاء به أي بالصواع حمل بعير ~~من طعام جعلا لمن حصله وأنا به زعيم كفيل هو من قول المؤذن وفيه أن الكفالة ~~كانت صحيحة في شرعهم أيضا إذا كان معلوما فكأن حمل بعير كان عندهم شيئا ~~معلوما كوسق مثلا إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهو كفالة ما لم يجب ~~لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئا على رد السرقة ولعل مثل هذه الكفالة كانت ~~تصح عندهم قالوا تالله التاء مبدلة من الواو فضعفت عن التصرف في سائر ~~الأسماء وجعلت فيما هو أحق بالقسم وهو اسم الله عز وجل. حلفوا على أمرين ~~معجبين: أحدهما أنهم علموا أن إخوة ms2605 يوسف ما جاءوا لأجل الفساد في الأرض ~~بالنهب والغصب ونحو ذلك حتى روي أنهم دخلوا وأفواه دوابهم مشدودة خوفا من ~~أن تتناول زرعا أو طعاما لأحد في الطرق والأسواق، وكانوا مواظبين على أنواع ~~الطاعات ورد المظالم حتى حكي أنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم. ~~وثانيهما أنهم ما وصفوا قط بالسرقة. قالوا أي أصحاب يوسف: فما جزاؤه قال في ~~الكشاف: الضمير للصواع والمضاف محذوف أي فما جزاء سرقته إن كنتم من ~~الكاذبين في جحودكم وادعائكم البراءة؟ قلت: ويحتمل أن يعود إلى السارق، ~~وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة فلذلك استفتوا في الجزاء حتى ~~قالوا جزاؤه من وجد في رحله أي جزاؤه الرق. قال الزجاج: وقوله فهو جزاؤه ~~زيادة في البيان أي فأخد السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كما يقال حق السارق ~~القطع جزاؤه لتقرر ما ذكر من استحقاقه، ويجوز أن يكون مبتدأ وباقي الكلام ~~جملة شرطية مرفوعة المحل بالخبرية على أن الأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو ~~هو ليكون الضمير الثاني عائد إلى المبتدأ والأول إلى «من» ولكنه وضع المظهر ~~مقام المضمر للتأكيد والمبالغة. وجوز في الكشاف أن يكون جزاؤه خبر مبتدأ ~~محذوف أي المسئول عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في رحله فهو جزاؤه. ~~أما قوله: كذلك أي مثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين فيحتمل أن يكون من بقية ~~كلام إخوة يوسف وأن يكون من كلام أصحاب يوسف والله أعلم. # ثم قال لهم المؤذن ومن معه: لا بد من تفتيش أوعيتكم فانصرف بهم إلى يوسف ~~فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه لنفي التهمة والوعاء كل ما إذا وضع فيه شيء ~~أحاط به. # PageV04P110 # قال قتادة: كان لا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى ~~إذا لم يبق إلا أخوه قال: ما أظن هذا أخذ شيئا. فقالوا: والله لا تتركه حتى ~~تنظر في رحله فنظر. ثم استخرجها أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث. من ~~وعاء أخيه فأخذوا برقبته وحكموا برقيته. ثم قال ms2606 سبحانه كذلك أي مثل ذلك ~~الكيد العظيم كدنا ليوسف يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه. والكيد مبدؤه ~~السعي في الحيلة والخديعة ونهايته إلقاء الإنسان من حيث لا يشعر به في أمر ~~مكروه ولا سبيل إلى دفعه، وقد سبق فيما تقدم أن أمثال هذه الألفاظ في حقه ~~تعالى محمولة على النهايات لا على البدايات. وما هذا الكيد؟ # قيل: هو أن إخوة يوسف سعوا في إبطال أمره والله تعالى نصره وقواه. وقيل: ~~الكيد يستعمل في الخير أيضا والمعنى كفعلنا بيوسف من الإحسان إليه ابتداء ~~فعلنا به انتهاء. # وقيل: تفسير هذا الكيد هو قوله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك لأن حكم ~~الملك في السارق أن يضرب ويغرم مثلي ما سرق فما كان يوسف قادرا على حبس ~~أخيه بناء على دين الملك وحكمه. ومعنى إلا أن يشاء الله هو أن الله كاد له ~~فأجرى على لسان إخوته أن جزاء السارق هو الاسترقاق حتى توصل بذلك إلى أخذ ~~أخيه، وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى بعض الأغراض ~~الدينية والدنيوية. ثم مدحه على الهداية إلى هذه الحيلة كما مدح إبراهيم ~~على ما حكى عنه من دلائل التوحيد والبراءة من إلهية الكوكب ثم القمر ثم ~~الشمس فقال: نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم فوقه أرفع درجة منه في ~~علمه. ثم إن أطلق على الله تعالى أنه ذو علم كان هذا العام مخصوصا لأنه لا ~~عليم فوقه، وإن قيل: إنه عالم بلا علم كما يقوله بعض المعتزلة كان النص ~~باقيا على عمومه، وإن قلنا إن الكل بمعنى المجموع كان المعنى وفوق جميع ~~العلماء عليم هم دونه في العلم وهو الله تعالى. والميل إلى هذا التفسير لأن ~~قوله: لذو علم مشعر بكون علمه زائدا على حقيقته ووصفه تعالى عين ذاته، وفي ~~هذا البحث طول وفي الرمز كفاية. # يروى أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء ~~وأقبلوا عليه وقالوا له: ما الذي صنعت ففضحتنا وسودت وجوهنا يا ms2607 بني راحيل، ~~ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصاع؟ فقال: بنو راحيل هم الذين لا ~~يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه ووضع هذا الصواع في رحلي ~~الذي وضع البضاعة في رحالكم # فعند ذلك قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل عنوا به يوسف. واختلف في ~~تلك السرقة فعن سعيد بن جبير أن جده أبا أمه كان يعبد الوثن فأمرته أمه بأن ~~يسرق تلك الأوثان ويكسرها فلعله يترك عبادتها. وقيل: سرق عناقا من أبيه أو ~~دجاجة ودفعها إلى مسكين. وقيل: كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها ~~أكابر ولده فورثها إسحق # PageV04P111 # ثم وقعت إلى ابنته عمة يوسف فحضنت يوسف إلى أن شب فأراد يعقوب أن ينتزعه ~~منها وكانت تحبه حبا شديدا فشدت المنطقة على يوسف تحت ثيابه ثم زعمت أنه قد ~~سرقها، وكان في شرعهم استرقاق السارق فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عند ~~نفسها. وقيل: # إنهم كذبوا عليه وبهتوه حسدا وغيظا. فأسرها يوسف قال الزجاج وغيره: ~~الضمير يعود إلى الكلمة أو الجملة كأنه قيل: فأسر الجملة في نفسه ولم يبدها ~~لهم، ثم فسرها بقوله: # قال أنتم شر مكانا والمعنى أنه قال هذه الجملة على سبيل الخفية. وطعن ~~الفارسي في هذا الوجه فقال: إن هذا النوع من الإضمار على شريطة التفسير غير ~~مستعمل، والحق أن القرآن حجة على غيره. وقيل: الضمير عائد إلى الإجابة أي ~~أسر يوسف إجابتهم في ذلك الوقت إلى وقت آخر. وقيل: يعود إلى المقالة أو ~~السرقة أي لم يبين يوسف أن تلك السرقة كيف وقعت وأنه ليس فيها ما يوجب الذم ~~والعار. وعن ابن عباس أنه قال: عوقب يوسف ثلاث مرات: عوقب بالحبس لأجل همه ~~بها، وبالحبس الطويل لقوله: اذكرني عند ربك وبقولهم: فقد سرق أخ له من قبل ~~لقوله: إنكم لسارقون ومعنى شر مكانا شر منزلة لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم ~~على التحقيق وقلتم أكله الذئب والله أعلم بما تصفون المراد أنه يعلم أني ~~لست بسارق في التحقيق ولا أخي، أو الله أعلم ms2608 بأن الذي وصفتموه هل يوجب ذما ~~أم لا. # قال ابن عباس: لما قال يوسف هذا القول غضب يهوذا وكان إذا غضب وصاح لم ~~تسمع صوته حامل إلا وضعت وقام شعره على جلده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب ~~يده عليه. فقال لبعض إخوته: اكفوني أسواق أهل مصر وأنا أكفيكم الملك فقال ~~يوسف لابن صغير له: مسه فمسه فذهب غضبه وهم أن يصيح فركض يوسف رجله على ~~الأرض ليريه أنه شديد وجذبه فسقط فعند ذلك قالوا يا أيها العزيز إن له أبا ~~شيخا كبيرا في السن أو في القدر وهو أحب إليه منا فخذ أحدنا مكانه استعبادا ~~أو رهنا حتى نبعث الفداء إليك فلعل العفو أو الفداء كان جائزا أيضا عندهم ~~إنا نراك من المحسنين لو فعلت ذلك أو من المحسنين إلينا بأنواع الكرامة ورد ~~البضاعة إلى رحالنا أو أرادوا الإحسان إلى أهل مصر حيث أعتقهم بعد ما اشترى ~~رقابهم بالطعام قال يوسف معاذ الله من أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ~~إنا إذا أي إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم لأن استعباد غير من وجد ~~الصواع في رحله ظلم عندكم، أو أراد إن الله أمرني وأوحى إلي بأخذ بنيامين ~~فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي فلما استيأسوا منه حيث لم يقبل ~~الشفاعة أي يئسوا والزيادة للمبالغة. خلصوا اعتزلوا عن الناس خالصين لا ~~يخالطهم غيرهم نجيا مصدر والمضاف محذوف أي ذوي نجوى، أو المراد أنهم # PageV04P112 # التناجي في أنفسهم لاستجماعهم بذلك واندفاعهم فيه بجد واهتمام كما يقال: ~~رجل جور ورجال عدل، أو صفة لموصوف محذوف أي فوجا نجيا بمعنى مناجيا بعضهم ~~لبعض كالعشير بمعنى المعاشر. وفيم كان تناجيهم؟ الجواب في تدبير أمرهم على ~~أي وجه يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم فعند ذلك قال كبيرهم في ~~السن وهو روبيل، أو في القدر وهو شمعون لأنه كان رئيسهم، أو في العقل ~~والرأي وهو يهوذا. # وقوله: ما فرطتم إما أن تكون «ما» صلة أي ومن قبل هذا قصرتم في شأن ms2609 يوسف ~~ولم توفوا بعهدكم أباكم، وإما أن تكون مصدرية محله الرفع على الابتداء ~~وخبره بالظرف تقديره ومن قبل تفريطكم أي وقع من قبل تقصيركم في حقه، أو ~~النصب عطفا على مفعول ألم تعلموا كأنه ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقا ~~وتفريطكم من قبل، وإما أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي ~~قدمتموه في شأن يوسف من الجناية والخيانة ومحل الموصول الرفع أو النصب على ~~الوجهين. فلن أبرح الأرض فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبي في الانصراف أو ~~يحكم الله لي بالخروج منها أو بالانتصاف من أخذ أخي أو بخلاصه من يده بسبب ~~من الأسباب. # ثم إنه بقي ذلك الكبير في مصر وقال لغيره من الإخوة: ارجعوا إلى أبيكم ~~فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق قاله بناء على ما شاهد من استخراج الصواع من ~~وعائه، أو أراد أنه سرق في قول الملك وأصحابه كقول قوم شعيب إنك لأنت ~~الحليم الرشيد [هود: 87] أي في زعمك واعتقادك، أو المراد إن ابنك ظهر عليه ~~ما يشبه السرقة. وإطلاق اسم أحد الشبيهين على الآخر جائز أو القوم ما كانوا ~~حينئذ أنبياء فلا يبعد منهم الذنب. وعن ابن عباس أنه قرأ سرق مشددا مبنيا ~~للمفعول أي نسب إلى السرقة. وعلى هذا فلا إشكال، ومما يدل على أنهم بنوا ~~الأمر على الظاهر قوله وما شهدنا إلا بما علمنا أي إلا بقدر ما تيقناه من ~~رؤية الصواع في وعائه وما كنا للغيب للأمر الخفي حافظين فإن الغيب لا يعلمه ~~إلا الله. وعن عكرمة أن الغيب الليل معناه لعل الصواع دس في رحله بالليل من ~~حيث لا يشعر، أو ما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق قاله مجاهد والحسن ~~وقتادة، أو ما علمنا أنا إذا قلنا إن شرع بني إسرائيل هو استرقاق السارق ~~أخذ أخونا بتلك الحيلة. # ثم بالغوا في إزالة التهمة فقالوا: وسئل القرية التي كنا فيها الأكثرون ~~على أنها مصر. # وقيل: قرية على باب مصر وقع فيها التفتيش أي أرسل إلى أهلها ms2610 فاسألهم عن ~~كنه القصة واسأل أصحاب العير التي أقبلنا فيها وكانوا قوما من كنعان من ~~جيران يعقوب. # وقيل: قوما من أهل صنعاء. وقال ابن الأنباري: إن يعقوب كان من أكابر ~~الأنبياء فلا يبعد أن يحمل سؤال القرية على الحقيقة بأن ينطق الله الجمادات ~~لأجله معجزة، فالمراد اسأل # PageV04P113 # القرية والعير والجدران والحيطان فإنها تجيبك بصحة ما ذكرنا. وقيل: إن ~~الشيء إذا ظهر ظهورا تاما فقد يقال سل عنه السماء والأرض وجميع الأشياء ~~ويراد إنه ليس للشك فيه مجال. ثم زادوا في تأكيد نفي التهمة قائلين وإنا ~~لصادقون وليس غرضهم إثبات صدقهم فإن ذلك يجري مجرى إثبات الشيء بنفسه ولكن ~~الإنسان إذا ذكر الدليل القاطع على صحة الشيء فقد يقول بعده أنا صادق فتأمل ~~فيما ذكرته ليزول عنك الشك. وهاهنا إضمار التقدير فرجعوا إلى أبيهم فقالوا ~~له ما قال لهم أخوهم فعند ذلك: قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل وقد ~~مر تفسيره في أول السورة. ولكن المفسرين زادوا شيئا آخر فقيل: المراد أنه ~~خيل إليكم أنه سرق وما سرق. وقيل: أراد سولت لكم أنفسكم إخراج بنيامين ~~والمصير به إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد من ذلك شر وضرر وألححتم علي في ~~إرساله معكم ولم تعلموا أن قضاء الله ربما جاء على خلاف تقديركم. وقيل: ~~أراد فتواهم وتعليمهم وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته. ~~واعترض على هذا القول بأنه كيف يجوز على يعقوب السعي في إخفاء حكم الله ~~تعالى؟ وأجيب بأن ذلك الحكم لعله كان مخصوصا بما إذا كان المسروق له مسلما ~~وكان الملك في ظن يعقوب كافرا، ولما طال بلاؤه ومحنته علم بحسن الظن ~~والرجاء أنه سبحانه سيجعل له فرجا ومخرجا عما قريب، أو لعله علم بالوحي أن ~~يوسف حي وكان بنيامين والكبير الذي قال: # فلن أبرح الأرض قد بقيا في مصر فلذلك قال: عسى الله أن يأتيني بهم أي ~~بالثلاثة الغائبين جميعا إنه هو العليم بحالي الحكيم في كل ما يفعله من ~~الابتلاء والإبلاء. ### | التأويل: # لما دخل ms2611 الأوصاف البشرية ومعهم السر على يوسف القلب آوى القلب السر إليه ~~لأنه أخوه الحقيقي بالمناسبة الروحانية فلا تبتئس إذا وصلت بي بما كانوا ~~يعملون معك في مفارقتي لأن السر مهما كان مفارقا من قلب مقارنا للأوصاف كان ~~محروما عن كمالات هو مستعد لها فلما جهزهم جهز القلب الأوصاف بما يلائم ~~أحوالها جعل السقاية وهي مشربة كان منها شربه في رحل أخيه لأنهما رضيعا ~~لبان واحد إنكم لسارقون سرقتم في الأول يوسف القلب وشريتموه بثمن بخس من ~~متاع الدنيا وشهواتها، وسرقتم في الآخر مشربة ليست من مشاربكم، وفيه أن من ~~ادعى الشرب من مشارب الرجال وهو طفل بعد أخذ بالسرقة واستردت منه ولمن جاء ~~به حمل بعير من علف الدواب ومراتع الحيوانات لأنه ليس مستحقا للشرب من ~~مشارب الملوك لقد علمتم أنا من المقبولين المقبلين على يوسف القلب لا نريد ~~الإفساد في أرض الدنيا كما قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: ~~30] وما كنا سارقين إذ # PageV04P114 # أخذنا يوسف القلب وألقيناه في غيابة الجب البشرية بل سعينا في أن ينال ~~مملكة مصر العبودية ليكون عزيزا فيها ونحن أذلاء له جزاؤه من وجد في رحله ~~أي لكل شارب مشرب ولكل شرب فدية. ففدية الشارب من مشرب الدنيا صنعته وحرفته ~~وكسبه، وفدية الشارب من مشرب الآخرة الدنيا وشهواتها، وفدية الشارب من شرب ~~المحبة بذل الوجود كذلك نجزي الظالمين الذين وضعوا صواع الملك في غير موضعه ~~طمعا في أن يكونوا حريف الملك وشريبه كذلك كدنا ليوسف أي كما كاد الأوصاف ~~البشرية في الابتداء بيوسف القلب إذ ألقوه في جب البشرية كدنا بهم عند قسمة ~~الأقوات من خزانة الملك فجعلنا قسمتهم من مراتع الحيوانات يأكلون كما تأكل ~~الأنعام، وقسمة بنيامين السر من مشربة الملك. وفوق كل ذي علم آتيناه علم ~~الصعود عليم بجذبه من المصعد الذي يصعد إليه بالعلم المخلوق إلى مصعد لا ~~يصعد إليه إلا بالعلم القديم وهو السير في الله بالله إلى الله، وهذا صواع ~~لا تسعه أوعية الإنسانية إن يسرق فقد سرق ms2612 أخ له من قبل فيه إشارة إلى السر ~~والقلب مع أنهما مخصوصان بالحظوظ الأخروية والروحانية فإنهما قابلان ~~للاسترقاق من الشهوات الدنياوية والنفسانية. ولما رأت الأوصاف البشرية عزة ~~القلب وعرفت اختصاص البشرية أرادت أن تفدي نفسها وسيلة إلى يعقوب الروح ~~فقالت: فخذ أحدنا مكانه قال معاذ الله أن نقبل بالصحبة والمخالطة إلا من ~~وجدنا متاعنا من الصدق والمحبة والإخلاص عنده أي لا تكون صحبتنا بالكراهية ~~والنفاق وإنما تكون بعلة الجنسية فلما استيأسوا من صحبة القلب خلصوا عن ~~الأوصاف الذميمة للتناجي قال كبيرهم هو العقل ألم تعلموا أن أباكم وهو ~~الروح قد أخذ عليكم موثقا من الله يوم الميثاق أن لا تعبدوا إلا الله فلن ~~أبرح أرض فناء القلب وهي الصدر. والحاصل أن صفة العقل لما تخلصت عن الأوصاف ~~البشرية خرجت عن أوامر النفس وتصرفاتها وصارت محكومة لأوامر الروح مستسلمة ~~لأحكام الحق. ارجعوا إلى أبيكم الروح على أقدام العبودية وتبديل الأخلاق إن ~~ابنك سرق لأنه وجد في رحله مشربة المحبة التي بها يكال الحب على وفده. وما ~~كنا للغيب عند ارتحالنا من الغيب إلى الشهادة حافظين لأنه جعل السقاية في ~~رحله في غيبتنا. وسئل أهل مصر الملكوت وأرواح الأنبياء والأولياء قال بل ~~سولت فيه أن للنفس تزيينات وللأوصاف البشرية خيالات يتأذى بها يعقوب الروح ~~لكن عليه أن يصبر على إمضاء أحكام الله وتنفيذ قضائه عسى الله أن يأتيني ~~فيه أن متولدات الروح من القلب والأوصاف وغيرها وإن تفرقوا وتباعدوا عن ~~الروح في الجسد للاستكمال فإن الله بجذبات العناية يجمعهم في مقعد صدق عنده ~~مليك مقتدر إنه هو العليم بافتراقهم الحكيم بما في التفريق والجمع من ~~الفوائد. # PageV04P115 ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 84 الى 101] # وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) ~~قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال ~~إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يا بني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه ms2613 لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون (87) فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا ~~وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي ~~المتصدقين (88) # قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ~~(91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) ~~اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93) # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا ~~تالله إنك لفي ضلالك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد ~~بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96) قالوا يا أبانا ~~استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97) قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم (98) # فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ~~(99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رءياي من ~~قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من ~~بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم ~~الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر ~~السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ~~(101) ### | القراآت: # مزجاة بالإمالة: حمزة وعلي وخلف زني # بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو. قالوا إنك على الخبر أو ~~على حذف حرف الاستفهام: # ابن كثير ويزيد. أإنك بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام يدخل بينهما ~~مدة. أينك بهمز ثم ياء: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد آينك بهمزة ~~ممدودة ثم ياء: أبو عمرو وزيد وقالون. من يتقي بالياء في الحالين: ابن ~~مجاهد وأبو عون ms2614 عن قنبل. الباقون بغير ياء إني أعلم بفتح الياء: أبو جعفر ~~ونافع وابن كثير وأبو # PageV04P116 # عمرو ربي إنه بالفتح أيضا: أبو جعفر وأبو عمرو أبي إذ بالفتح أيضا عندهم ~~إخوتي ربي بفتح الياء أيضا: يزيد والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ~~والله أعلم. ### | الوقوف: # كظيم ه الهالكين ه تعلمون # ه ولا تيأسوا من روح الله ط الكافرون ه وتصدق علينا ط المتصدقين ه جاهلون ~~ه لأنت يوسف ط أخي ز لتعجيل الشكر مع اختلاف الجملتين. علينا ط لاحتمال أنه ~~ابتداء إخبار من الله، وإن كان من قول يوسف جاز الوقف أيضا لاتحاد القائل ~~مع الابتداء بأن المحسنين ه لخاطئين ه اليوم ط لاختلاف الجملتين نفيا ~~وإثباتا أو خبرا ودعاء لكم ط لاحتمال الاستئناف والحال أوضح الراحمين ه يأت ~~بصيرا ج لطول الكلام واعتراض الجواب مع اتفاق الجملتين أجمعين ه تفندون ه ~~القديم ه بصيرا ج لاحتمال أن يكون ما بعده جواب «لما» وقوله ألقاه حالا ~~بإضمار «قد» ما لا تعلمون ه خاطئين ه ربي ط الرحيم ه آمنين ه سجدا ج من قبل ~~ز لتمام الجملة لفظا دون المعنى. حقا ط لتمام بيان الجملة الأولى وابتداء ~~جملة عظمى إخوتي ط لما يشاء ط الحكيم ه الأحاديث ج لحق حذف حرف النداء مع ~~اتصال الكلام والآخرة ج لانقطاع النظم مع اتصال الثناء بالدعاء بالصالحين ~~ه. ### | التفسير: # لما سمع يعقوب ما سمع من حال ابنه ضاق قلبه جدا وتولى عنهم أي أعرض عن ~~بنيه الذين جاءوا بالخبر وفارقهم وقال يا أسفى على يوسف الأسف أشد الحزن. ~~والألف فيه مبدل من ياء الإضافة ونداء الأسف كنداء الويل وقد مر في ~~المائدة. # والتجانس بين لفظي الأسف ويوسف لا يخفى حسنه وهو من الفصاحة اللفظية. ~~وكيف تأسف على يوسف دون أخيه الآخر الذي أقام بمصر والرزء الأحدث أشد؟ ~~الجواب لأن الحزن الجديد يذكر العتيق والأسى يجلب الأسى، ولأن رزء يوسف كان ~~أصل تلك الرزايا فكان الأسف عليه أسفا على الكل ولأنه كان عالما بحياة ~~الآخرين ms2615 دون حياة يوسف وابيضت عيناه من الحزن أي من البكاء الذي كان سببه ~~الحزن. قال الحكماء: إذا كثر الاستعبار أوجب كدورة في سواد العين مائلة ~~فيكون منها العمى لإيلام الطبقات ولا سيما القرينة وانصباب الفضول الردية ~~إليها. قال مقاتل: لم يبصر ست سنين حتى كشفه الله تعالى بقميص يوسف. وقال ~~آخرون: لم يبلغ حد العمى وكان يدرك إدراكا ضعيفا، أو المراد بالبياض غلبة ~~البكاء كأن العين ابيضت من بياض ذلك الماء. روي أنه لم تجف عين # PageV04P117 # يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض ~~أكرم على الله من يعقوب. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على ~~يوسف؟ # وجد سبعين ثكلى. قال: فما كان له من الأجر؟ قال: أجر مائة شهيد وما ساء ~~ظنه بالله ساعة قط. # ونقل أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال: # إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك. فوضع يوسف يده على رأسه وقال: ليت أمي لم ~~تلدني فلم أكن حزنا على أبي، # قال أكثر أهل اللغة: الحزن والحزن لغتان بمعنى. وقال بعضهم: الحزن بالضم ~~فالسكون البكاء، والحزن بفتحتين ضد الفرح. وقد روى يونس عن أبي عمرو قال: ~~إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ~~[التوبة: 92] . وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن. ~~وقوله: # ما أشكوا بثي وحزني إلى الله # قال: هو في موضع رفع بالابتداء. قيل: كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ~~ذلك المبلغ؟ وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق ~~الثوب لا البكاء ونفثة المصدور، # فلقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: القلب ~~يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. # ومما يدل على أن يعقوب عليه السلام أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي ~~قوله: فهو كظيم ms2616 «فعيل» بمعنى «مفعول» أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير ~~إظهار ما يسوءهم، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء ~~إذا شده على ملئه، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه. والحاصل ~~أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة: فاللسان كان مشغولا بذكر يا ~~أسفى والعين كانت مستغرقة في البكاء، والقلب كان مملوءا من الحزن. ومثل هذا ~~إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب. # يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له: جئتني لتقبضني قبل أن أرى ~~حبيبي؟ قال: لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه ~~راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم ~~يسترجع وإنما قال يا أسفا» # وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال: من المحال أن لا تعرف ~~أمة من الأمم أن الكل من الله وأن الرجوع لا محالة إليه. وأقول: هذا نوع من ~~المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي، على أن المراد من ~~الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصا عند المصيبة # وقد أخبر الصادق عليه السلام أن هذا مما خصت هذه الأمة به # والله أعلم. قالوا الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم ~~جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده. تالله تفتؤا أراد «لا تفتؤ» ~~فحذف حرف النفي # PageV04P118 # لعدم الإلباس إذ لو كان إثباتا لم يكن بد من اللام والنون. قال ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة: أي لا تزال تذكر. وعن مجاهد: لا تفتر من حبه كأنه ~~جعل الفتور والفتوء أخوين. قال أبو زيد: ما فتئت أذكره أي ما زلت لا يتكلم ~~به إلا مع الجحد حتى تكون حرضا وصف بالمصدر للمبالغة. والحرض فساد في الجسم ~~والعقل للحزن والحب حتى لا يكون كالأحياء ولا كالأموات، أرادوا أنك تذكر ~~يوسف بالحزن والبكاء ms2617 عليه حتى تشفى على الهلاك أو تهلك فأجابهم بقوله: نما ~~أشكوا بثي وحزني إلى الله # قالت العلماء: إذا أسر الإنسان حزنه كان هما، وإذا لم يقدر على إسراره ~~فذكر لغيره كان بثا. فالبث أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى ~~الناس. فمعنى الآية إني لا أذكر الحزن الشديد ولا القليل إلا مع الله ~~ملتجئا إليه وداعيا له فخلوني وشكايتي. وهذا مقام العارفين الصديقين # كقول نبينا صلى الله عليه وسلم «أعوذ بك منك» . # ويحتمل أن يكون هذا معنى توليه عنهم أي تولى عنهم إلى الله والشكاية ~~إليه. # يحكى أنه دخل على يعقوب رجل وقال له: ضعف جسمك ونحف بدنك وما بلغت سنا ~~عاليا. فقال: الذي بي لكثرة غمومي. فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني إلى ~~خلقي؟ # فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي فغفر له. # فكان بعد ذلك إذا سأل قال: نما أشكوا بثي وحزني إلى الله # وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت- أي غضبت- عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ~~ببابكم مسكين فلم تطعموه وإن أحب خلقي إلي الأنبياء ثم المساكين فاصنع ~~طعاما وادع عليه المساكين. # وقيل: اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكت حتى عميت. واعلم أن حال ~~يعقوب في تلك الواقعة كانت مختلفة فتارة كان مستغرقا في بحار معرفة الله، ~~وتارة كان يستولي عليه الحزن والأسف فلهذا كانت هذه الحادثة بالنسبة إليه ~~كإلقاء إبراهيم في النار، وكابتلاء إسحق بالذبح، وكان شغل همه بيوسف بغير ~~اختيار منه، وكذا تأسفه عليه، وما روي أنه عوتب على ذلك فلأن حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين. وبالحقيقة كانت واقعة يعقوب أمرا خارق العادة أراد الله ~~تعالى بذلك ابتلاءه وتمادي أسفه وحزنه وإلا فمع غاية شهرته وشدة محبته وقرب ~~المسافة بينه وبين ابنه كيف خفي حال يوسف ولم لم يبعث يوسف إليه رسولا بعد ~~تملكه وقدرته، ولم زاد في حزن أبيه بحبس أخيه عنده؟! أما قوله: أعلم من ~~الله ما لا تعلمون # فمعناه أعلم من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، فأرجو أن يأتيني الفرج من ms2618 ~~حيث لا أحتسب. # وقيل: إنه رأى ملك الموت في المنام فقال له: يا ملك الموت هل قبضت روح ~~ابني يوسف؟ قال: لا يا نبي الله. ثم أشار إلى جانب مصر وقال: اطلبه هاهنا. # وقيل: إنه كان # PageV04P119 # قد رأى أمارات الرشد والكمال في يوسف فعلم أن رؤياه صادقة لا تخطىء. وقال ~~السدي: # أخبره بنوه بسيرة الملك وكمال حاله في أقواله وأفعاله أنه ابنه، أو علم ~~أن بنيامين لا يسرق وسمع أن الملك ما آذاه فغلب على ظنه أن الملك هو يوسف. ~~وقيل: أوحى الله تعالى إليه أنه سيلقى ابنه ولكنه ما عين الوقت فلذلك قال ~~ما قال. ثم دعا بنيه على سبيل التلطف فقال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف ~~وهو طلب الشيء بالحاسة كالتسمع والتبصر ومثله التجسس بالجيم. وقد قرىء بهما ~~وربما يخص الجيم بطلب الخبر في ضد الخير ولا تيأسوا من روح الله من فرجه ~~وتنفيسه وقرىء بالضم أي من رحمته التي تحيا بها العباد. قال الأصمعي: الروح ~~ما يجده الإنسان من نسيم الهواء فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة ~~والهزة فكل ما تهتز بوجوده وتلتذ به فهو روح إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون لأن هذا اليأس دليل على أنه اعتقد أن الله تعالى غير قادر ~~على كل المقدورات، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بجواد مطلق ولا ~~حكيم لا يفعل العبث، وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلا عن جميعها اللهم ~~إني لا أيأس من روحك فافعل بي ما أنت أهله. ثم هاهنا إضمار والتقدير فقبلوا ~~وصية أبيهم وعادوا إلى مصر فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز أي الملك ~~القادر المنيع مسنا وأهلنا الضر الفقر والحاجة إلى الطعام وعنوا بأهلهم من ~~خلفهم وجئنا ببضاعة مزجاة مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها من أزجيته إذا ~~دفعته قال سبحانه ألم تر أن الله يزجي سحابا [النور: # 43] ومنه قولهم: «فلان يزجي العيش» أي يدفع الزمان بالقليل. قال الكلبي: ~~هي من لغة العجم. وقيل: لغة القبط. ms2619 والأصح أنها عربية لوضوح اشتقاقها. قيل: ~~كانت بضاعتهم الصوف والسمن. وقيل: الصنوبر والحبة الخضراء. وقيل: سويق ~~المقل والأقط. وقيل: # دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بنقص لأنها لم يكن عليها صورة يوسف وكانت دراهم ~~مصر ينقش عليها صورته. فأوف لنا الكيل الذي هو حقنا. وتصدق علينا واعلم ~~أنهم طلبوا المسامحة بما بين الثمنين وأن يسعر لهم بالرديء كما يسعر ~~بالجيد. واختلف العلماء في أنه هل كان ذلك منهم طلب الصدقة؟ فقال سفيان بن ~~عيينة: إن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقال آخرون: أرادوا بالصدقة التفضل بالإغماض عن رداءة البضاعة وبإيفاء ~~الكيل والصدقات محظورة على الأنبياء كلهم. وقوله: إن الله يجزي المتصدقين ~~يمكن تنزيله على القولين لأن كل إحسان يبتغى به وجه الله فإن ذلك لا يضيع ~~عنده والصدقة العطية التي ترجى بها المثوبة عند الله ومن ثم لم يجوز ~~العلماء أن يقال: الله تعالى متصدق أو اللهم تصدق علي بل يجب أن يقال: ~~اللهم أعطني أو تفضل علي أو ارحمني. # PageV04P120 # كان يعقوب أمرهم بالتحسس من يوسف وأخيه والمتحسس يجب عليه أن يتوسل إلى ~~مطلوبه بجميع الطرق كما قيل: الغريق يتعلق بكل شيء. فبدأوا بالعجز ~~والاعتراف بضيق اليد وإظهار الفاقة فرقق الله تعالى قلبه وارفضت عيناه فعند ~~ذلك قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف # وقيل: أدوا إليه كتاب يعقوب: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله ~~ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا ~~البلاء. أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به في النار ليحرق فنجاه الله تعالى ~~وجعلت النار عليه بردا وسلاما، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه ~~الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ~~ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي ~~عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا ~~وقالوا إنه سرق وإنك ms2620 حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن ~~رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف ~~الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم ذلك. # وروي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب: «اصبر كما صبروا تظفر كما ~~ظفروا» . # وقوله: هل علمتم استفهام يفيد تعظيم الواقعة ومعناه ما أعظم الأمر الذي ~~ارتكبتم من يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه كما يقال للمذنب: هل تدري من ~~عصيت. وفيه تصديق لقوله سبحانه: لتنبئنهم بأمرهم هذا [يوسف: 15] وأما فعلهم ~~بأخيه فتعريضهم إياه للغم بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وإيذاؤهم له ~~بالاحتقار والامتهان. وقوله: إذ أنتم جاهلون جار مجرى الاعتذار عنهم كأنه ~~قال: # إنما أقدمتم على ذلك الفعل القبيح المنكر حال ما كنتم في أوان الصبا ~~وزمان الجهالة. # والغرة إزالة للخجالة عنهم فإن مطية الجهل الشباب وتنصحا لهم في الدين أي ~~هل علمتم قبحه فتبتم لأن العلم بالقبح يدعو إلى التوبة غالبا فآثر كما هو ~~عادة الأنبياء حق الله على نفسه في المقام الذي يتشفى المغيظ وينفث المصدور ~~ويدرك ثأره الموتور. وقيل: إنما نفى العلم عنهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم. ~~ولما كلمهم بذلك قالوا أإنك لأنت يوسف عرفوه بالخطاب الذي لا يصدر إلا عن ~~حنيف مسلم عن سنخ إبراهيم، أو تبسم عليه السلام فعرفوه بثناياه وكانت ~~كاللؤلؤ المنظوم، أو رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه تشبه الشامة ~~البيضاء كان ليعقوب وسارة مثلها قال أنا يوسف صرح بالاسم تعظيما لما جرى ~~عليه من ظلم إخوته كأنه قال: أنا الذي ظلمتموني على أشنع الوجوه والله ~~أوصلني إلى أعظم المناصب، أنا ذلك الأخ الذي قصدتم قتله ثم صرت كما ترون ~~ولهذا قال: وهذا أخي مع أنهم كانوا يعرفونه لأن مقصوده أن يقول وهذا أيضا ~~كان مظلوما كما كنت صار منعما عليه من الله وذلك قوله: قد من الله علينا أي ~~بكل خير دنيوي # PageV04P121 # وأخروي أو بالجمع بعد التفريق إنه أي الشأن من يتق عقاب الله ويصبر عن ms2621 ~~معاصيه وعلى طاعته فإن الله لا يضيع أجر المحسنين أراد أجرهم فاكتفى من ~~الربط بالعموم. ومن قرأ يتقي بإثبات الياء فوجهه أن يجعل «من» بمعنى «الذي» ~~، ويجوز على هذا الوجه أن يكون قوله: ويصبر في موضع الرفع إلا أنه حذفت ~~الحركة للتخفيف أو المشاكلة. وفي الآية دليل على براءة ساحة يوسف ونزاهة ~~جانبه من كل سوء وإلا لم يكن من المتقين الصابرين. # قالوا تالله لقد آثرك الله علينا اعتراف منهم بتفضيله عليهم بالتقوى ~~والصبر وسيرة المحسنين وصورة الأحسنين. ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا ~~أنبياء وإن احتج به بعضهم لأن الأنبياء متفاوتون في الدرجات تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض [البقرة: # 253] وإن كنا وإن شأننا أنا كنا خاطئين. قال أبو عبيدة: خطىء وأخطأ بمعنى ~~واحد. # وقال الأموي: المخطئ من أراد الصواب فصار إلى غيره ومنه قولهم: «المجتهد ~~يخطىء ويصيب» . والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي. قال أبو علي الجبائي: إنهم لم ~~يعتذروا عن ذلك الذي فعلوا بيوسف لأنه وقع منهم قبل البلوغ ومثل ذلك لا يعد ~~ذنبا، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطئوا بعد ذلك حين لم يظهروا لأبيهم ما ~~فعلوه ليعلم أنه حي وأن الذئب لم يأكله. واعترض عليه فخر الدين الرازي بأنه ~~يبعد من مثل يعقوب أن يبعث جمعا من الصبيان من غير أن يبعث معهم رجلا بالغا ~~عاقلا، فالظاهر أنه وقع ذلك منهم بعد البلوغ. # سلمنا لكن ليس كل ما لا يجب الاعتذار عنه لا يحسن الاعتذار عنه، ولما ~~اعترفوا بفضله عليهم وبكونهم متعمدين للإثم قال يوسف لا تثريب عليكم لا ~~تأنيب ولا توبيخ. # وقيل: لا أذكر لكم ذنبكم. وقيل: لا مجازاة لكم عندي على ما فعلتهم. وقيل: ~~لا تخليط ولا إفساد عليكم واشتقاقه من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ~~ومعناه إزالة الثرب كالتجليد والتقريد لإزالة الجلد والقراد وذلك لأنه إذا ~~ذهب منه الثرب كان في غاية الهزال والعجف فصار مثلا للتقريع المدنف المضني. ~~وقوله: اليوم إما أن يتعلق بالتثريب أو بالاستقرار المقدر في ms2622 عليكم أي لا ~~أثربكم اليوم الذي هو مظنة التثريب فما ظنكم بغيره. ثم ابتدأ فدعا لهم ~~بمغفرة ما فرط منهم ليكون عقاب الدارين مزالا عنهم. # وأصل الدعاء أن يقع على لفظ المستقبل فإذا أوقعوه لفظ الماضي فذلك ~~للتفاؤل، ويحتمل أن يكون اليوم متعلقا بالدعاء فيكون فيه بشارة بعاجل غفران ~~الله لتجدد توبتهم وحدوثها في ذلك اليوم. # يروى أن إخوته لما عرفوه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشيا ~~ونحن نستحيي منك لما فرط منا فيك. فقال يوسف: إن أهل مصر وإن ملكت # PageV04P122 # فيهم فإنهم ينظرون إلي شزرا ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ~~ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني ~~من حفدة إبراهيم. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخذ يوم الفتح بعضادتي باب الكعبة ~~فقال لقريش: ما ترونني فاعلا بكم؟ قالوا: نظن خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ~~وقد قدرت. فقال صلى الله عليه وسلم: أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم ~~اليوم. # قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها إلى الشيوخ، ألا ~~ترى إلى قول يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم وقول يعقوب: سوف أستغفر لكم ~~ولما عرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيهم فقالوا ذهبت عيناه فقال: اذهبوا ~~بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا كقولك جاء البنيان محكما ومثله ~~فارتد بصيرا أو المراد يأت إلي وهو بصير دليله قوله: # وأتوني بأهلكم أجمعين قيل: هو القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف ~~وكان من الجنة أوحى الله إليه أن فيه عافية كل مبتلي وشفاء كل سقيم. وقالت ~~الحكماء: لعله علم أن أباه ما كان أعمى وإنما صار ضعيف البصر من كثرة ~~البكاء فإذا ألقى عليه قميصه صار منشرح الصدر فتقوى روحه ويزول ضعفه. # روي أن يهوذا حمل القميص وقال: أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخا بالدم ~~فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ~~ثمانين فرسخا. # عن ms2623 الكلبي: كان أهله نحوا من سبعين إنسانا. # وقال مسروق: دخل قوم يوسف مصر وهم ثلاثة وتسعون من بين رجل وامرأة وخرجوا ~~منها مع موسى ومقاتلتهم نحو من ستمائة ألف. # ولما فصلت العير خرجت من عريش مصر فصل من البلد فصولا انفصل منه وجاوز ~~حيطانه، وفصل مني إليه كتاب إذا نفذ وإذا كان فصل متعديا كان مصدره الفصل ~~قال أبوهم لمن حوله من قومه إني لأجد بحاسة الشم ريح يوسف قال مجاهد: # هبت ريح فصفقت القميص ففاحت رائحة الجنة في الدنيا فعلم يعقوب أنه ليس في ~~الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص. قال أهل التحقيق: إن الله ~~تعالى أوصل إليه ريح يوسف عند انقضاء مدة المحنة ومجيء أوان الروح والفرح ~~من مسيرة ثمان، ومنع من وصول خبره إليه مع قرب البلدين في مدة ثمانين سنة ~~أو أربعين عند الأكثرين وكلاهما معجزة ليعقوب خارقة للعادة، وذلك يدل على ~~أن كل سهل فهو في زمان المحنة صعب وكل صعب فإنه في زمان الإقبال سهل. ~~وقوله: لولا أن تفندون جوابه محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني. ~~والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وتغير العقل من هرم يقال: شيخ مفند ~~ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي فتفند في الكبر. قالوا # PageV04P123 # يعني الحاضرين عنده تالله إنك لفي ضلالك القديم أي فيما كنت فيه قدما من ~~البعد عن الصواب في إفراط محبة يوسف كما قال بنوه إن أبانا لفي ضلال مبين ~~[يوسف: 8] . # وقيل: لفي شقائك القديم بما تكابد على يوسف من الأحزان. قال الحسن: إنما ~~قالوا هذه الكلمة الغليظة لاعتقادهم أن يوسف قد مات. فلما أن جاء «أن صلة» ~~أي فلما جاء مثل فلما ذهب عن إبراهيم الروع [هود: 74] وقيل: هي مع الفعل في ~~محل الرفع بفعل مضمر أي فلما ظهر أن جاء البشير وهو يهوذا ألقاه طرحه ~~البشير أو يعقوب على وجهه فارتد بصيرا أي انقلب من العمى إلى البصر أو من ~~الضعف إلى القوة قال ألم أقل لكم ms2624 جوز في الكشاف أن يكون مفعوله محذوفا وهو ~~قوله: إني لأجد ريح يوسف أو قوله: ولا تيأسوا من روح الله ويكون قوله: إني ~~أعلم كلاما مستأنفا. والظاهر أن مفعوله قوله: إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون وذلك أنه كان قال لهم: نما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون. # روي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: # هو ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك على أي دين تركته؟ قال: على دين ~~الإسلام. قال: # الآن تمت النعمة. # ثم إن أولاده أخذوا يعتذرون إليه فوعدهم الاستغفار. قال ابن عباس ~~والأكثرون: أراد أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أرجى الأوقات إجابة. وعن ~~ابن عباس في رواية أخرى أخر إلى ليلة الجمعة تحريا لوقت الإجابة. وقيل: أخر ~~لتعرف حالهم في الإخلاص. وقيل: استغفر لهم في الحال ووعدهم دوام الاستغفار ~~في الاستقبال. فقد روي أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. # روي أنه قام إلى الصلاة في وقت السحر فلما فرغ رفع يديه وقال: اللهم اغفر ~~لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحي إليه ~~أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين. # وروي أنهم قالوا له- وقد علتهم الكآبة- وما يغني عنا عفوكما إن لم يعف ~~عنا ربنا فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبدا. فاستقبل الشيخ ~~القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين ~~سنة حتى جهدوا وظنوا أنهم هلكوا نزل جبريل فقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ~~ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة. # واختلاف الناس في نبوتهم مشهور، # يحكى أنه وجه يوسف إلى أبيه جهازا ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، ~~وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم فتلقوا ~~يعقوب وهو يمشي ويتوكأ على يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا ~~أهذا فرعون مصر؟ قال: لا هذا ولدك. فلما لقيه قال يعقوب: السلام عليك يا ~~مذهب ms2625 الأحزان. فأجابه يوسف وقال: يا أبت بكيت حتى ذهب بصرك ألم تعلم # PageV04P124 # أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك. # ومعنى آوى إليه أبويه ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن إسحق: كانت أمه ~~باقية إلى ذلك الوقت أو ماتت إلا أن الله تعالى أحياها ونشرها من قبرها ~~تحقيقا لرؤيا يوسف. وقيل: المراد بأبويه أبوه وخالته لأن أمه ماتت في ~~النفاس بأخيه بنيامين حتى قيل إن بنيامين بالعبرية ابن الوجع، ولما توفيت ~~أمه تزوج أبوه بخالته فسماها الله تعالى أحد الأبوين لأن الخالة تدعى أما ~~لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب فكيف وقد اجتمع هاهنا ~~الأمران. # قال السدي: كان دخولهم على يوسف قبل دخولهم على مصر كأنه حين استقبلهم ~~نزل لأجلهم في خيمة أو بيت هناك فدخلوا عليه وضم إليه أبويه وقال ادخلوا ~~مصر فعلى هذا جاز أن يكون الاستثناء عائدا إلى الدخول. وعن ابن عباس: ~~ادخلوا مصر أي أقيموا بها. وقوله: إن شاء الله آمنين تعلق بالدخول المكيف ~~بالأمن فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم وإقامتكم إن شاء الله وجواب ~~الشرط بالحقيقة محذوف والتقدير ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ~~أراد الأمن على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بحيث لا يخافون أحدا وكانوا فيما ~~سلف يخافون ملك مصر، أو أراد الأمن من القحط والشدة أو من تعييره إياهم ~~بالجرم السالف. # ورفع أبويه على العرش السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه وخروا له سجدا ~~لسائل أن يقول: السجود لا يجوز لغير الله فكيف سجدوا ليوسف؟ وأيضا تعظيم ~~الأبوين تالي تعظيم الله سبحانه فمن أين جاز سجدة أبويه له؟ والجواب عن ابن ~~عباس في رواية عطاء أن المراد خروا لأجل وجدانه سجدا لله فكانت سجدة الشكر ~~لله سبحانه، وكذا التأويل في قوله: والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين [يوسف: ~~4] أي أنها سجدت لله تعالى لأجل طلب مصلحتي وإعلاء منصبي. وأحسن من هذا أن ~~يقال: إنهم جعلوا يوسف كالقبلة وسجدوا لله شكرا على لقائه، أو ms2626 يراد بالسجدة ~~التواضع التام على ما كانت عادتهم في ذلك الزمان من التحية، ولعلها ما كانت ~~إلا انحناء دون تعفير الجبهة. # واعترض على هذا الوجه بأن لفظ الخرور يأباه. وأجيب بأن الخرور قد يعني به ~~المرور قال تعالى: لم يخروا عليها صما وعميانا [الفرقان: 73] أي لم يمروا. ~~وقيل: الضمير عائد إلى إخوته فقط. ورد بأن قوله: هذا تأويل رءياي من قبل ~~ينبو عنه. وأجيب بأن التعبير لا يلزم أن يكون مطابقا للرؤيا من كل الوجوه ~~فيحتمل أن تكون السجدة في حق الإخوة التواضع التام، وفي حق أبويه مجرد ~~ذهابهما من كنعان إلى مصر، ففيه تعظيم تام للولد. وقيل: إنما سجد الأبوان ~~لئلا تحمل الأنفة إخوته على عدم السجود فيصير سببا # PageV04P125 # لثوران الفتن وإحياء الأحقاد والضغائن، أو لعله تعالى أمر يعقوب بتلك ~~السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا الله تعالى، ورضي بذلك يوسف موافقة لأمر ~~الله ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن يوسف لما رأى سجودهم له اقشعر جلده ولكن ~~لم يقل شيئا وكأن الأمر بتلك السجدة كان من تمام التشديد والبلية والله ~~أعلم. وقد أحسن بي يقال: أحسن به وإليه بمعنى. إذ أخرجني من السجن لم يذكر ~~إخراجه من البئر لأنه نوع تثريب للإخوة وقد قال: لا تثريب عليكم ولأنه لم ~~يكن نعمة لأنه حينئذ صار عبدا وصار مبتلى بالمرأة ولأن هذا الإخراج أقرب ~~وأشمل وجاء بكم من البدو أي من البادية سمى المكان باسم المصدر لظهور الشخص ~~فيه من بعيد، وكان يعقوب وولده بأرض كنعان أهل مواش يتنقلون في المياه ~~والصحارى. قال ابن الأنباري: بدا موضع معروف هنالك. روي عن ابن عباس أن ~~يعقوب كان قد تحول إليه وسكن فيه ومنه قدم إلى يوسف، على هذا كان يعقوب ~~وولده أهل الحضر والبدو قصد هذا الموضع الذي يقال له بدا والمعنى جاء بكم ~~من قصد بدا ذكره الواحدي في البسيط. قال الجبائي والكعبي والقاضي: إنه ~~تعالى أخبر عن يوسف أنه أضاف الإحسان إلى الله ونسب النزغ إلى الشيطان وهو ms2627 ~~الإفساد والإغراء، ففيه دليل على أن الخير من الله دون الشر. وأجيب بأنه ~~إنما راعى الأدب وإلا فليس فعل الشيطان إلا الوسوسة، وأما صرف الداعية إلى ~~الشر فلا يقدر عليه إلا الله تعالى فإن العاقل لا يريد ضرر نفسه. إن ربي ~~لطيف لما يشاء فإذا أراد حصول أمر هيأ أسبابه وإن كان في غاية البعد عن ~~الأوهام. إنه هو العليم بالوجه الذي تسهل به الصعاب الحكيم في أفعاله حتى ~~تجيء على الوجه الأصوب والنحو الأصلح. # يحكى أن يوسف أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن الورق والذهب ~~وخزائن الحلي والثياب والسلاح وغير ذلك، فلما أدخله خزائن القراطيس قال: يا ~~بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل! قال: أمرني ~~جبريل. قال: أو ما تسأله؟ قال: أنت أبسط إليه مني فسأله قال جبريل: الله ~~أمرني بذلك لقولك: وأخاف أن يأكله الذئب [يوسف: # 13] قال: فهلا خفتني. # ثم إن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفنه بالشام إلى ~~جنب أبيه إسحق فمضى بنفسه ودفنه ثم عاد إلى مصر وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين ~~سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له قال: رب قد آتيتني من الملك شيئا من ~~ملك الدنيا أو من ملك مصر لأنه كان دون ملك فوقه وعلمتني من تأويل الأحاديث ~~بعضا من ذلك لأنه لا يمكن أن يحصل للإنسان في العمر المتناهي والاستعداد ~~المعين المحصور سوى المتناهي من السعادات الدنيوية والكمالات الأخروية فاطر ~~السماوات والأرض منادى ثان أو صفة النداء الأول أي مبدعهما على النحو ~~الأفضل من مادة سابقة # PageV04P126 # كالدخان أو من عدم محض أنت وليي في الدنيا والآخرة لا يتولى إصلاح مهماتي ~~في الدارين غيرك. ولما قدم النداء والثناء كما هو شرط الأدب الحسن ذكر ~~المسألة فقال توفني مسلما أراد الوفاة على حال الإسلام والختم بالحسنى كقول ~~يعقوب لولده: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران: 102] وألحقني ~~بالصالحين من آبائي أو على العموم. # قيل: الصلاح أول درجات ms2628 المؤمنين الصالحين فالواصل إلى الغاية وهي النبوة ~~كيف يليق به أن يطلب البداية؟ والجواب إن أراد الإلحاق بالآباء فظاهر، وإن ~~أراد العموم فكذلك لأن طلب الصلاح غير الإلحاق بأهل الصلاح فإن اجتماع ~~النفوس المشرقة بالأنوار الإلهية له أثر عظيم وفوائد جمة كالمرآة المستنيرة ~~المتقابلة التي يتعاكس أضواؤها ويتكامل أنوارها إلى حيث لا تطيقها العيون ~~الضعيفة، هذا مع أن الختم على الصلاح نهاية مراتب الصديقين. وهاهنا بحث ~~للأشاعرة وهو أن التوفي على الإسلام والإلحاق بأهل الصلاح لو لم يكن من فعل ~~الله تعالى كان طلبه من الله جاريا مجرى قول القائل: افعل يا من لا يفعل. ~~وهل هذا إلا كتشنيع المعتزلة علينا إذ كان الفعل من الله فكيف يجوز أن يقول ~~للمكلف افعل مع أنه ليس بفاعل؟ أجاب الجبائي والكعبي بأن المراد ألطف بي ~~بالإقامة على الإسلام إلى أن أموت فألحق بالصلحاء. ورد بأنه عدول عن الظاهر ~~مع أن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله في حق الكل. سؤال آخر: ~~الأنبياء يعلمون أنهم يموتون على الإسلام البتة، فما الفائدة في الطلب؟ ~~الجواب: العلم الإجمالي لا يغني عن العلم التفصيلي ولا سيما في مقام الخشية ~~والرهبة. وقال في التفسير الكبير: المطلوب هاهنا حالة زائدة على الإسلام ~~الذي هو ضد الكفر وهي الاستسلام لحكم الله والرضا بقضائه. وعن قتادة وكثير ~~من المفسرين أنه تمنى الموت واللحوق بدار البقاء في زمرة الصلحاء ولم يتمن ~~الموت نبي قبله ولا بعده. # قال أهل التحقيق: لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في ~~الموت لوجوه منها: أن مراتب الموجودات ثلاث: المؤثر الذي لا يتأثر وهو ~~الإله تعالى وتقدس، والمتأثر الذي لا يؤثر وهو عالم الأجساد فإنها قابلة ~~للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادة، ويتوسطهما قسم ثالث ~~هو عالم الأرواح لأنها تقبل الأثر والتصرف من العالم الإلهي، ثم إذا أقبلت ~~على عالم الأجساد تصرفت فيه وأثرت. # وللنفوس في التأثير والتأثر مراتب غير متناهية لأن تأثيرها بحسب تأثرها ~~مما فوقها والكمال الإلهي ms2629 غير متناه فإذن لا تنفك النفس من نقصان ما، ~~والناقص إذا حصل له شعور # PageV04P127 # بنقصانه وقد ذاق لذة الكمال بقي في القلق وألم الطلب ولا سبيل له إلى دفع ~~هذا القلق والألم إلا الموت فحينئذ يتمنى الموت. ومنها أن سعادات الدنيا ~~ولذاتها سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من ~~اللذة الحاصلة عند وجدانها، ثم إنها مخلوطة بالمنغصات والأراذل من الخلق ~~يشاركون الأفاضل فيها بل ربما كانت حصة الأراذل أكثر فلا جرم يتمنى العاقل ~~موته ليتخلص من هذه الآفات. ومنها أن اللذات الجسمانية لا حقيقة لها لأن ~~حاصلها يرجع إلى دفع الآلام، وقد قررنا هذا المعنى فيما سلف. ومنها أن ~~مداخل اللذات الدنيوية ثلاثة: لذة الأكل ولذة الوقاع ولذة الرياسة ولكل ~~منها عيوب فلذة الأكل مع أنها غير باقية بعد البلع فإن المأكول يختلط ~~بالبصاق المجتمع في الفم ولا شك أنه شيء منفر، ثم لما يصل إلى المعدة ~~يستحيل إلى ما ذكره منفر فكيف به ومن هنا قالت العقلاء: من كانت همته ما ~~يدخل في جوفه كانت قيمته ما يخرج من بطنه، هذا مع اشتراك الحيوانات الخسيسة ~~فيها. وأيضا اشتداد الجوع حاجة والحاجة نقص وآفة وكذا الكلام في لذة النكاح ~~وعيوبها مع أن فيها احتياجا إلى زيادة المال والنفقة للزوج والولد وما ~~يلزمهما، والاحتياج إلى المال يلقي المرء في مهالك الاكتساب ومهاوي ~~الانتجاع، ولذة الرياسة أدنى عيوبها أن كل واحد يكره بالطبع أن يكون خادما ~~مأمورا ويحب أن يكون مخدوما، فسعي الإنسان في الرياسة سعي في مخالفة كل من ~~سواه. ولا ريب أن هذا أمر صعب الحصول منيع المرام وإذا ناله كان على شرف ~~الزوال في كل حين وأوان لأن كثرة الأسباب توجب قوة حصول الأثر فيكون دائما ~~في الحزن والخوف. فإذا تأمل العاقل في هذه المعاني علم قطعا أنه لا صلاح في ~~اللذات العاجلة ولكن النفس جبلت على طلبها والرغبة فيها فيكون دائما في بحر ~~الآفات وغمرات الحسرات فحينئذ يتمنى زوال هذه الحياة. وقد سبق منا ms2630 في تمني ~~الموت كلام آخر في سورة البقرة في تفسير قوله: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ~~[الجمعة: 6] فليتذكر. قال أهل السير: لما توفي يوسف تخاصم أهل مصر وتشاحوا ~~في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا من الرأي أن ~~عملوا له صندوقا من مرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل بمكان يمر عليه الماء ~~ثم يصل إلى مصر ليكونوا فيه شرعا. وولد له إفرائيم وميشا وولد لإفراثيم نون ~~ولنون يوشع فتى موسى، ثم بقي يوسف هناك إلى أن بعث الله موسى فأخرج عظامه ~~من مصر ودفنها عند قبر أبيه والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. ### | التأويل: # إن يعقوب الروح لا يتأسف على فوات شيء من المخلوقات إلا على يوسف القلب ~~لأنه مرآة جمال الحق لا يشاهد الحق إلا فيها فلذلك ابيضت عيناه في # PageV04P128 # انتظارها فلامه على ذلك الأوصاف البشرية بقولهم تفتؤا تذكر يوسف وأين أهل ~~السلوة من أهل العشق، أين الخلي من الشجي، ولا بد للمحب من ملامة الخلق ~~فأول ملامتي آدم عليه السلام حين قالت الملائكة لأجله أتجعل فيها من يفسد ~~فيها [البقرة: 30] بل أول ملامتي هو الله تعالى حين قالوا له: أتجعل فيها ~~وذلك أنه أول محب ادعى المحبة وهو قوله يحبهم وأعلم من الله ما لا تعلمون ~~[الأعراف: 62] من جماله وكماله اذهبوا فتحسسوا فيه أن الواجب على كل مسلم ~~أن يطلب يوسف قلبه وبنيامين سره، وإن ترك لطف الله واليأس عن وجدانه كفر. ~~فلما رأت الأوصاف البشرية آثار العزة من رب العزة على صفحات أحوال يوسف ~~القلب حين وصلوا بتيسير أحكام الشريعة وتدبير آداب الطريقة إلى سرادقات ~~حضرة القلب قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا وهم القوى الإنسانية الضر ~~البعد عن الحضرة الربانية وجئنا ببضاعة مزجاة من الأعمال البدنية فأوف لنا ~~الكيل بإفاضة سجال العوارف وإسباغ ظلال العواطف إذ أنتم جاهلون إذ كنتم على ~~صفة الظلومية والجهولية لقد آثرك الله علينا بالطلب والصدق والشوق والمحبة ~~والوصول والوصال وإن كنا لخاطئين في الإقبال على استيفاء الحظوظ ms2631 الحيوانية ~~التي تضر القلب والسر والروح لا تثريب عليكم اليوم لأنه صدر منها ما صدر ~~بحكمة من الله تعالى وتربية القلب وإن كان مضرا له ظاهرا كما أن صنيع إخوة ~~يوسف في البداية صار سببا لرفعة منزلته في النهاية اذهبوا بقميصي وهو نور ~~جمال الله ولما فصلت عير واردات القلب وهبت نفحات ألطاف الحق إنك لفي ضلالك ~~القديم: # يا عاذل العاشقين دع فئة ... أضلها الله كيف ترشدها # فارتد بصيرا لأن الروح كان بصيرا في بدو الفطرة ثم عمي لتعلقه بالدنيا ~~وتصرفه فيها ثم صار بصيرا بوارد من القلب: # ورد البشير بما أقر الأعينا ... وشفى النفوس فنلن غايات المنى # والقلب في بدو الأمر كان محتاجا إلى الروح في الاستكمال، فلما كمل وصلح ~~لقبول فيضان الحق بين إصبعين ونال مملكة الخلافة بمصر القربة في النهاية ~~صار الروح محتاجا إليه لاستنارته بأنوار الحق، وذلك أن القلب بمثابة ~~المصباح في قبول نار النور الإلهي والروح كالزيت فيحتاج المصباح في البداية ~~إلى الزيت في قبول النار، ولكن الزيت يحتاج إلى المصباح في البداية وتزكيته ~~في النهاية لتقبل بواسطة النار ادخلوا مصر إن شاء الله لأنه لا يصل إلى ~~الحضرة الأحدية إلا بجذبة المشيئة آمنين من الانقطاع والانفصال # PageV04P129 # وخروا له سجدا لما رأوه وعرفوه أنه عرش الحق تعالى، فالسجدة كانت في ~~الحقيقة لرب العرش لا للعرش هذا تأويل رءياي من قبل إن كنت نائما في نوم ~~العدم إذ أخرجني من السجن سجن الوجود ولم يقل من الجب لأنه لا يخرج من جب ~~البشرية ما دام في الدنيا من البدو بدو الطبيعة آتيتني من الملك ملك الوصال ~~والوصول فاطر السماوات عالم الأرواح وأرض البشرية توفني مسلما أخرجني من ~~قيد الوجود المجازي وأبقني ببقائك مع الباقين بك بفضلك وكرمك. ### | [سورة يوسف (12) : الآيات 102 الى 111] # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ~~(102) وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسئلهم عليه من أجر إن هو ~~إلا ذكر للعالمين (104) وكأين من آية في ms2632 السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) # أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون (107) قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109) حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم ~~المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ~~ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111) ### | القراآت: # سبيلي بفتح الياء: أبو جعفر ونافع نوحي بالنون وكسر الحاء: # حفص. الآخرون بالياء وفتح الحاء يعقلون على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي ~~وخلف وهشام وابن كثير والأعشى والبرجمي. والباقون بتاء الخطاب. كذبوا ~~مخففا: # عاصم وحمزة وعلي وخلف ويزيد. الباقون بالتشديد. فنجي بضم النون وكسر ~~الجيم المشددة وفتح الياء: ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب. فعلى هذا يكون فعلا ~~ماضيا مبنيا للمفعول. وعن الكسائي مثل هذا ولكن بسكون الياء، وخطأه علي بن ~~عيسى بناء على أنه فعل مستقبل من الإنجاء والنون لا يدغم في الجيم، أو من ~~التنجية والنون المتحركة لا تدغم في الساكن. وأقول: إن كان فعلا ماضيا من ~~التنجية والنون المتحركة لا تدغم كما في القراءة الأولى ولكن سكن الياء ~~للتخفيف لم يلزم منه خطأ. الآخرون: قرأوا بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء ~~فعلا مضارعا من الإنجاء على حكاية الحال الماضية. ### | الوقوف: # إليك ج لابتداء النفي مع واو العطف يمكرون ه بمؤمنين ه # PageV04P130 # أجر ط للعالمين ه معرضون ه مشركون ه لا يشعرون ه ومن اتبعن ط المشركين ه ~~القرى ط من قبلهم ط اتقوا ط تعقلون ه نصرنا ط لمن قرأ فننجي بالتخفيف ولا ~~وقف على من نشاء ومن قرأ فنجي مشددة وصله ms2633 بما قبله ووقف على من نشاء ~~المجرمين ه الألباب ط يؤمنون 5. ### | التفسير: # ذلك الذي ذكر من نبأ يوسف هو من أخبار الغيب وقد مر تفسير مثل هذا في آخر ~~قصة زكريا في سورة آل عمران. ومعنى إجماع الأمر العزم عليه كما مر في سورة ~~يونس في قصة نوح. وأراد عزمهم على إلقاء يوسف في البئر وهو المكر بعينه ~~وذلك مع سائر الغوائل من المجيء على قميصه بدم كذب ومن شراهم إياه بثمن ~~بخس. قال أهل النظم: إن كفار قريش وجماعة من اليهود طلبوا هذه القصة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التعنت، فاعتقد رسول الله أنه إذا ~~ذكرها فربما آمنوا فلما ذكرها لهم أصروا على كفرهم فنزل: وما أكثر الناس أي ~~أكثر خلق الله المكلفين أو أكثر أهل مكة قاله ابن عباس. # ولو حرصت جوابه مثل ما تقدم أي ولو حرصت فما هم بمؤمنين والحرص طلب الشيء ~~بأقصى ما يمكن من الاجتهاد ونظير الآية قوله: إنك لا تهدي من أحببت [القصص: ~~56] وما تسئلهم عليه على ما تحدثهم به من أجر كما يسأل القاص إن هو إلا ذكر ~~عظة من الله للعالمين عامة على لسان رسوله. وكأين من آية الأكثرون على أنه ~~لفظ مركب من كاف التشبيه وأي التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة ~~لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى «كم» ~~الخبرية. والتمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلا، والأكثر إدخال «من» ~~في تمييزه وقد مر في سورة البقرة في تفسير قوله سبحانه: إن في خلق السماوات ~~والأرض. # [الآية: 164] وفي مواضع أخر تفصيل بعض الآيات السماوية والأرضية الدالة ~~على توحيد الصانع وصفات جلاله، ومن جملة الآيات قصص الأولين وأحوال ~~الأقدمين. ومعنى يمرون عليها أشياء يشاهدونها وهم عنها معرضون لا يعتبرون ~~بها. وقرىء والأرض بالرفع على الابتداء خبره يمرون والمراد ما يرون من آثار ~~الأمم الهالكة وغير ذلك من العبر. والحاصل أن جملة العالم العلوي والعالم ~~السفلي محتوية ms2634 على الدلائل والبينات على وجود الصانع ونعوت كماله ولكن ~~الغافل يتعامى عن ذلك. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وذلك أنهم ~~كانوا مقرين بالإله ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~[لقمان: 25] لكنهم كانوا يثبتون له شريكا في المعبودية هو الأصنام ويقولون: ~~هم الشفعاء. وكان أهل مكة يقولون: الملائكة بنات الله. # PageV04P131 # وعن الحسن: هم أهل الكتاب يقولون عزيز ابن الله والمسيح ابن الله. وعن ~~ابن عباس: # هم الذين يشبهون الله بخلقه. احتجت الكرامية بالآية على أن الإيمان عبارة ~~عن مجرد الإقرار. والجواب أن مجرد الإقرار لو كان كافيا لما اجتمع مع الشرك ~~غاشية عقوبة تغشاهم وتغمرهم. قل يا محمد لهم هذه السبيل التي هي الدعوة إلى ~~الإيمان سبيلي وسيرتي وقوله أدعوا إلى الله تفسير ل سبيلي وعلى بصيرة يتعلق ~~بأدعو وأنا تأكيد للمستتر في أدعو ومن اتبعن عطف عليه ويجوز أن يكون على ~~بصيرة حالا من أدعو عاملة في أنا ومن اتبعن، ويجوز أن يكون أنا مبتدأ ~~معطوفا عليه ومن اتبعن وعلى بصيرة خبرا مقدما فيكون ابتداء إخبار بأنه ومن ~~اتبعه على حجة وبرهان لا على هوى وتشه وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا ~~وما أنا من المشركين لا شركا جليا ولا شركا خفيا. # قال: وما أرسلنا من قبلك وفي «الأنبياء» قبلك [الأنبياء: 7] بغير «من» ~~لأن قبلا اسم للزمان السابق على ما أضيف إليه و «من» تفيد استيعاب الطرفين، ~~وفي هذه السورة أريد الاستيعاب. قوله: إلا رجالا رد على من زعم أن الرسول ~~ينبغي أن يكون ملكا أو يمكن أن يكون امرأة مثل سجاح المتنبئة. وقوله: من ~~أهل القرى خصهم بالاستنباء لما في أهل البادية من الغلظ والجفاء فبما رحمة ~~من الله لنت لهم [آل عمران: 159] # قال صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا ومن اتبع الصيد غفل» «1» # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم المكذبة إنما قال: أفلم ~~يسيروا بالفاء بخلاف ما في «الروم» والملائكة لاتصاله بقوله: وما أرسلنا من ~~قبلك فكان الفاء أنسب من ms2635 الواو ولدار الآخرة موصوفه محذوف أي ولدار الساعة ~~والحال الآخرة لأن للناس حالين: حال الدنيا وحال الآخرة. وبيان الخيرية قد ~~مر في «الأنعام» . وإنما خصت هاهنا بالحذف لتقدم ذكر الساعة. قال في ~~الكشاف: حتى غاية لمحذوف دل عليه الكلام والتقدير فتراخى نصر أولئك الرجال ~~حتى إذا استيأسوا عن النصر أو عن إيمان القوم وظنوا أنهم قد كذبوا فيه وجوه ~~لقراءتي التخفيف والتشديد ولإمكان عود الضمير في الفعلين إلى الرسل أو إلى ~~المرسل إليهم الدال عليهم ذكر الرسل أو السابق ذكرهم في أفلم يسيروا وأما ~~وجوه التخفيف فمنها: وظن الرسل أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم ~~بأنهم ينصرون، أو كذب رجاؤهم لقولهم رجاء صادق وكاذب. والمراد أن مدة ~~التكذيب PageV04P132 # والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله قد تطاولت وتمادت حتى توهموا ~~أن لا نصر لهم في الدنيا. قال ابن عباس: ظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد ~~أخلفوا ما وعدهم الله من النصر. قال: وكانوا بشرا ألا ترى إلى قوله: ~~وزلزلوا والعلماء حملوا قول ابن عباس على ما يخطر بالبال شبه الوسواس وحديث ~~النفس من عالم البشرية. وأما الظن الذي هو ترجيح أحد الجانبين على الآخر ~~فلا، لأن الرسل أعرف الناس بالله وبأن ميعاده مبرأ عن وصمة الأخلاف. ومنها ~~وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. ومنها وظن ~~المرسل إليهم أنهم قد كذبوا من جهة الرسل أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون ~~عليهم ولم يصدقوهم فيه. وأما قراءة التشديد فإن كان الظن بمعنى اليقين ~~فمعناه أيقن الرسل أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر عنهم الإيمان بعد فحينئذ ~~دعوا عليهم فهناك نزل عذاب الاستئصال، أو كذبوهم فيما وعدوهم من العذاب ~~والنصرة عليهم. وإن كان بمعنى الحسبان فالمعنى توهم الرسل أن الذين آمنوا ~~بهم كذبوهم وهذا تأويل عائشة قالت: ما وعد الله محمدا شيئا إلا وعلم أنه ~~سيوفيه، ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا ~~قد آمنوا بهم. # لقد كان في قصصهم ms2636 قصص الرسل إضافة للمصدر إلى الفاعل، ويحسن أن يقال: ~~الضمير لإخوة يوسف وله لاختصاص هذه السورة بهم. والعبرة نوع من الاعتبار ~~وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول، ووجه الاعتبار على العموم ~~أن يعلم أنه لا خير إلا في العمل الصالح والتزود بزاد التقوى فإن الملوك ~~الذي عمروا البلاد وقهروا العباد ثم لم يراعوا حق الله في شيء من ذلك ماتوا ~~وانقرضوا وبقي الوزر والوبال عليهم. # وعلى الخصوص أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلاء شأنه ~~بعد حبسه في السجن واجتماعه بأهله بعد طول البعاد قادر على إظهار محمد ~~وإعلاء كلمته. # والكل مشترك في الدلالة على صدق محمد لأن هذا النوع من القصص الذي أعجز ~~حملة الأحاديث ورواة الأخبار ممن لم يطالع الكتب ولم يخالط العلماء دليل ~~ظاهر وبرهان باهر على أنه بطريق الوحي والتنزيل، وإنما يكون دليلا واعتبارا ~~لأولي الألباب وأصحاب العقول الذين يتأملون ويتفكرون لا الذين يمرون ~~ويعرضون على أن الدليل دليل في نفسه للعقلاء وإن لم ينظر فيه مستدل قط كما ~~أن الرئيس الحقيقي من له أهلية الرياسة وإن كان في نهاية الخمول ما كان ~~مدلول القصص وهو المقصوص أو القرآن حديثا يفترى لظهور إعجازه ولكن كان ~~تصديق الذي بين يديه من الكتب السماوية وتفصيل كل شيء يحتاج إليه في الدين ~~لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس. وقيل: # PageV04P133 # تفصيل كل شيء من واقعة يوسف مع أبيه وإخوته. قال الواحدي: وعلى التفسيرين ~~فهو ليس على عمومه لأن المراد به الأصول والقوانين وما يؤل إليها وهدى في ~~الدنيا ورحمة في الآخرة لقوم يؤمنون لأنهم هم المنتفعون بذلك. ### | التأويل: # من أنباء الغيب لأن هذا الترتيب في السلوك لا يعلمه إلا الوالجون ملكوت ~~السماء الغواصون في بحر بطن القرآن وما كنت لديهم بالصورة ولكن كنت حاضرا ~~بالمعنى وما أكثر الناس وهم صفات الناسوتية وما تسئلهم عليه من أجر لأن ~~اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية وإن دعتها إلى الاستكمال لأنها كاملة ~~في ذاتها مكملة لغيرها ms2637 وكأين من آية في سموات القلوب وأرض النفوس تمر ~~الأوصاف الإنسانية عليها وهم عنها معرضون لإقبالها على الدنيا وشهواتها وما ~~يؤمن أكثر الصفات الإنسانية بطلب الله وتبدل صفاته إلا وهم مشركون في طلب ~~الدنيا وشهواتها، أو طلب الآخرة ونعمها، أو وما يؤمن أكثر الخلق بالله ~~وطلبه إلا وهم مشركون برؤية الإيمان والطلب أنها منهم لا من الله، فكل من ~~يرى السبب فهو مشرك، وكل من يرى المسبب فهو موحد كل شيء هالك في نظر الموحد ~~إلا وجهه، أو وما يؤمن أكثر الناس بالله وبقدرته وإيجاده إلا وهم مشركون في ~~طلب الحاجة من غير الله غاشية جذبة تقهر إرادتهم وتسلب اختيارهم كما قيل: ~~العشق عذاب الله أو تأتيهم الساعة ساعة الانجذاب إلى الله هذه سبيلي لأن ~~طريق السير والسلوك مختص به وبأمته إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ~~الملكوت دون مدن الملك والأجساد، والرجال من القرى ويشبه أن يعبر عن عالم ~~الأرواح بالقرى لبساطتها. # والقرى أقل أجزاء من المدن أفلم يسيروا في أرض البشرية على قدمي الشريعة ~~والطريقة ليصلوا إلى فضاء عالم الحقيقة وظنوا أنهم قد كذبوا ففي إبطاء ~~النصر ابتلاء للرسل الله حسبي ونعم الوكيل. # PageV04P134 ### | (سورة الرعد) # (مكية وقيل مدنية سوى آية نزلت بجحفة قوله وهم يكفرون حروفها 3506 كلمها ~~855 آياتها 43) ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ~~ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3) ~~وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى ~~بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) # وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ms2638 ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا ~~بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5) ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل أنثى ~~وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة ~~الكبير المتعال (9) # سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ~~(10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ~~ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما ~~لهم من دونه من وال (11) ### | القراآت: # وزرع ونخيل صنوان وغير بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص ~~والمفضل. الآخرون بالجر فيهن عطفا على أعناب. يسقى بالياء المثناة من تحت ~~على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس. الباقون بتاء # PageV04P135 # التأنيث لقوله: جنات ويفضل على الغيبة: حمزة وعلي وخلف. الباقون بالنون ~~على ونحن نفضل أإذا بهمزتين إنا بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء ~~والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد آئذا إنا بالمد ~~والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أإنا بهمزتين: ابن عامر. هشام ~~يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة آينا بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد أيذا أينا ~~بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أبو عمرو اإذا آئنا بهمزتين ~~فيهما: عاصم وحمزة وخلف هادي وافى وإلى باقي في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ~~ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ~~ياء المتعالي في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل. ### | الوقوف: # المر كوفي آيات الكتاب ط لا يؤمنون ه والقمر ط مسمى ط يوقنون ه وأنهارا ط ~~النهار ط يتفكرون ه بماء ms2639 واحد ز قف لمن قرأ ونفضل بالنون في الأكل ط يعقلون ~~ه جديد ط بربهم ط في أعناقهم ج النار ج خالدون ه المثلات ط على ظلمهم ج ~~لتنافي الجملتين العقاب ه من ربه ط هاد ه وما تزداد ط بمقدار ه المتعال 5 ~~بالنهار ه من أمر الله ط ما بأنفسهم ط فلا مرد له ج لاختلاف الجملتين وال ~~ه. ### | التفسير: # تلك الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ~~والذي أنزل إليك من ربك أي القرآن كله هو الحق الذي لا محيد عنه والمراد ~~أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها. ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ ~~بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: الله وهو مبتدأ خبره الذي أو ~~الموصول صفة المبتدأ، وقوله: يدبر الأمر يفصل الآيات خبر بعد خبر. والعمد ~~بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة. وقوله: ترونها كلام ~~مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد. وقال الحسن: ~~في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه ~~تكلف. وقيل: ترونها صفة للعمد. ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا ~~لكنا لا نراها وما تلك العمد؟ قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط ~~بالدنيا يسمى جبل قاف. ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن ~~يكون معتمدا على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمدا على شيء وتسلسل. وقال بعض ~~من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: # PageV04P136 # إن تلك العمد هي قدرة الله تعالى وحفظه الذي أوقفها في الجو العالي. ونحن ~~لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك. أما قوله: كل يجري لأجل ~~مسمى فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلا في مائة وثمانين يوما، إنها ~~تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام ~~سنة تامة. أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار ~~وتنازلها ms2640 عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من ~~الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من ~~تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلا خاصا زائدا أو ناقصا كما برهن ~~عليه أهل النجوم. وأما القمر فسيره في منازله مشهور. وقال سائر المفسرين: # المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي ~~المسيرات كقوله: # وأجل مسمى عنده [الأنعام: 2] واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون. ~~وإنما قال في سورة لقمان إلى أجل مسمى [لقمان: 29] موافقة لقبيل ذلك ومن ~~يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: أسلمت وجهي لله [آل عمران: ~~20] يدبر الأمر إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من ~~أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم ~~الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف ~~بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة ~~وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع يفصل الآيات الدالة على ~~وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون ~~معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك ~~العالم في العالم السفلي. ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، ~~وتفضيل الآيات إشارة إلى القدر. وقوله: لعلكم بلقاء ربكم توقنون على كل ~~التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتدبيره وتقديره على الأنهاج ~~المذكورة لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء. # ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: وهو الذي مد ~~الأرض قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر ~~لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها وجعل فيها رواسي أي جبالا ثوابت ~~في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها. وكيفية تكون الجبال على بسيط الأرض لا ~~يعلم تفصيلها إلا موجدها. وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير السموات في الأجزاء ~~الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء ms2641 المائية وغيرها، وقد ~~يعين على ذلك نزول الأمطار وهبوب الرياح وهذا إن صح # PageV04P137 # فعلم إجمالي. وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض ~~الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب ~~لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة ~~للرطوبات فصار الطين اللزج حجرا وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع ~~المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية. وبالجملة فالأسباب ~~تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله سبحانه. ومن الدلائل الدالة ~~على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة ~~فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك إنما يتكون في الجبال فلذا قرن الجبال ~~بالأنهار في القرآن كثيرا كقوله: وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء ~~فراتا [المرسلات: 27] وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن ~~الأجسام المائعة من النفط والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود ~~فاعل مختار ومدبر قهار. ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع ~~النبات فلذلك قال: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين وللمفسرين فيه ~~قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين ~~زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع ~~كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان. القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود ~~والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي. ~~ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة. أما قوله: يغشي الليل ~~النهار فقد مر تفسيره في «الأعراف» وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل ~~الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجو الذي يسميه الحكماء كرة ~~النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام. فتعاقب الليل ~~والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في ~~الأفق. ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه سبحانه عاد مرة أخرى إلى ~~الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: # وفي الأرض قطع متجاورات أي بقاع ms2642 مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة ~~إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي ~~هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، ~~وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة ~~الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه ~~الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم. وإنما ~~ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيرا ما تكون كذلك في الوجود كقوله ~~جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا [الكهف: ~~32] والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما # PageV04P138 # واحد. وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم: «عم الرجل صنو أبيه» «1» . # فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، ~~والأكل الثمر الذي يؤكل. قاله الزجاج. وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات. ~~وإنما ختم الآية السابقة بقوله: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وهذه بقوله: ~~لقوم يعقلون لأن المقام الأول يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون ~~الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا ~~تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره ~~علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع ~~عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: وفي الأرض قطع الآية. # ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى ~~حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه ~~وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس. ~~والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلا عليه فهو ~~الأول المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق. # ثم عاد سبحانه إلى ذكر المعاد فقال: وإن تعجب قال ابن عباس: إن تعجب يا ~~محمد من تكذيبهم إياك بعد ما كانوا حكموا ms2643 أنك من الصادقين، فهذا أعجب. أو ~~إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا ~~محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه تعالى رفع السموات بغير ~~عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في ~~عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل. قال المتكلمون: موضع ~~العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه تعالى محال، فالمراد وإن تعجب فعجب ~~عندك قولهم وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات بل عجبت ~~[الصافات: 12] بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي ~~منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره. قال في الكشاف ~~أإذا كنا إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلا من قولهم، وأن ~~يكون منصوبا بالقول. وإذا نصب بما دل عليه قوله: # أإنا لفي خلق جديد وهو نبعث أو نحشر. ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ~~أولئك الذين كفروا بربهم يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن ~~إنكار البعث لا PageV04P139 # يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات ~~لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير ~~الطبائع والأفلاك أو إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزئيات فلا ~~يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، ~~أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز ~~عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه ~~العقائد كفر فضلا عن جميعها. والثاني: وأولئك الأغلال في أعناقهم قال ~~الأصم: المراد بذلك كفرهم وذلتهم وانقيادهم للأصنام. يقال للرجل هذا غل في ~~عنقك للعمل الرديء إذا كان لازما له وهو مصر على فعله. وقال آخرون: هو من ~~جملة الوعيد. ولا بد من تجوز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على ms2644 ~~الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى. والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد ~~القول الثاني قوله: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل والأول قوله: إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا [يس: # 8] والثالث: وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وربما يستدل الأشاعرة به ~~أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن ~~يناقش في إفادتها الحصر. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون ~~البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعما ~~منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ويستعجلونك بالسيئة بالعذاب ~~والعقوبة التي تسوءهم. قبل تمام الحسنة وهي العافية والإحسان إليهم ~~بالإهمال والتأخير وقد خلت من قبلهم المثلات أي عقوبات أمثالهم من المكذبين ~~فما لهم لا يعتبرون بها؟ وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب ~~مماثل للمعاقب عليه ومنه «المثلة» بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف ~~والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييرا كليا لا يماثل الصورة ~~الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة. وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل ~~التوبة لأن قوله: على ظلمهم حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله ~~بالظلم لا يكون تائبا لكن الآية دلت على أنه تعالى يغفر الذنوب قبل ~~الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولا بها في حق أهل ~~الكبائر. لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع ~~جوابا عن استعجالهم، أو المراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران ~~الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا # PageV04P140 # نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافرا للكفار. ~~وأيضا إنه تعالى مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب. ~~وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر. وجواب الباقي ما مر # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا ms2645 عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش ~~ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» # قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ~~ثم طعنوا في نبوته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوته بسبب عدم ~~الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ~~وقد تقدم مثل هذا في «الأنعام» في تفسير قوله: وقالوا لولا أنزل عليه آية ~~من ربه [الأنعام: 8] ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة. قيل: # وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: لن ~~نؤمن لك حتى تفجر [الإسراء: 90] الآيات. وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا ~~إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته صلى الله عليه وسلم، أو ~~لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب سبحانه تسلية ~~لرسوله إنما أنت منذر ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ~~ولكل قوم هاد من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق ~~بزمانه وبأمته. ولم يجعل الأنبياء شرعا في المعجزات فعلى هذا التقدير ~~المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان. وقيل: ~~المنذر محمد والهادي هو الله تعالى قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد ~~والضحاك. والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن. معجزا فلا يضيقن قلبك بسببه ~~فما عليك إلا الإنذار، وأما الهداية فمن الله. وقيل: المنذر النبي والهادي ~~هو علي. # روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره فقال: ~~أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون ~~بعدي قاله في التفسير الكبير. # ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: الله يعلم لأنه إذا ~~كان عالما بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا ~~يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوضا إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، ~~وكذا إنزال الآيات يكون موكولا ms2646 إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها ~~لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله تعالى لهم وإلا فلا، وفيه أن ~~إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة ~~الربانية. وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذا علمه هو القادر وحده ~~على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون الله خبر مبتدأ محذوف ~~والجملة مفسرة ل هاد أي هو الله. ثم ابتدأ فقيل: يعلم ما تحمل كل # PageV04P141 # أنثى قال في الكشاف: لفظة «ما» في ما تحمل وما تغيض وما تزداد إما أن ~~تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ~~ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو ~~لما فيها. # والازدياد «افتعال» من زاد فأبدلت التاء دالا، وإنه يتعدى ولا يتعدى ~~كثلاثيه. أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط ~~أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ~~ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: وغيض الماء [هود: 44] وما تزداده من ~~العدد فقد يكون واحدا وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تاما أو مخدجا، ومن المدة ~~فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند ~~الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض. قال ابن عباس: كلما سال الحيض ~~يوما زاد في مدة الحمل يوما ليحصل الجبر ويعتدل الأمر. ثم بين كمال علمه ~~ونفاذ أمره بقوله: وكل شيء عنده بمقدار واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط ~~والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا. ~~وذلك أنه سبحانه خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية ~~وإرادته السرمدية. وقال حكماء الإسلام: وضع أسبابا كلية وأودع فيها قوى ~~وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال ~~جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم ~~وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: عالم الغيب والشهادة ms2647 أي هو عالم بما غاب ~~عن الحس وبما حضر له، أو بما غاب عن الخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات ~~وبالموجودات الكبير في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل ~~الموجودات المتعال المنزه عن كل ما يجوز عليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله. # ثم زاد في التأكيد فقال: سواء منكم من أسر القول ومن جهر به أي مستوفى ~~علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ~~وسواء عنده من هو مستخف بالليل وسارب على أن سارب معطوف على من لا على ~~مستخف ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب. وإلا فلم ~~يتناول إلا واحدا هو مستخف وسارب إلا أن يكون «من» في معنى الاثنين حتى ~~كأنه قيل: # سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار وفي المستخفي والسارب قولان: # أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من ~~يضطرب في الطرقات ظاهرا بالنهار يبصره كل أحد. يقال: سرب في الأرض سروبا أي ~~ذهب في # PageV04P142 # سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤيده قول مجاهد: معناه سواء من يقدم ~~على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل ~~التوالي. وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: ~~«اختفيت الشيء» أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سربا بفتحتين ومنه ~~انسرب الوحش إذا دخل في كناسه. وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل ~~والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه. ثم ذكر ~~ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: له أي ~~لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب معقبات جماعات من الملائكة تعقب في ~~حفظه وكلاءته. والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا ~~جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضا، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه. ~~والتأنيث للمبالغة نحو «نسابة» و «علامة» ، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة ~~معقبة أو جماعة معقبة. وقوله: ms2648 من أمر الله ليس من صلة الحفظ لأنه لا قدرة ~~للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحدا من قضاء الله وإنما هو صفة ~~أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم ~~بين سبب الحفظ فقال: من أمر الله أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى ~~الباء وقرأ به علي وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه ~~من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب. قال ~~ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: عن اليمين وعن الشمال قعيد [ق: 17] صاحب ~~اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات. وقال مجاهد: ما من عبد ~~إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته. وقيل: المراد ~~يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلا من المستخفي والسارب ~~إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين. # وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟ قال علماء الشريعة: إن الشياطين ~~يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات ~~بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة، وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة ~~يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعا قويا، وقد مر في ~~هذا الباب كلام في «الأنعام» في قوله: # ويرسل عليكم حفظة فليتذكر [الآية: 61] . وللآية تفسير آخر منقول عن ابن ~~عباس واختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، ~~والجملة وهي قوله: له معقبات صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة ~~موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب ~~بالنهار مستظهرا # PageV04P143 # بالمعاونين والأنصار. والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا ~~الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله ~~وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ممن يلي أمرهم ~~ويدفع عنهم. قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في ms2649 ~~الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى حكم بكونه مستحقا للذم في ~~الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلا لحصل الإيمان وكان رادا ~~لقضاء الله تعالى. وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله ~~وهو قوله: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم لأنه لو ابتدأ ~~بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان ~~منه تغيير. قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم ~~لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى ~~العقاب. أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: # ويستعجلونك بين الله سبحانه بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا ~~والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من ~~يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم. ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد ~~صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ذلك بأن الله لم يك مغيرا [الآية: 53] ~~الآية. والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير ~~النعمة إليه فإنه مبدأ المبادئ وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب. ### | التأويل: # المر الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات ~~والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد. أقسم ~~بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به ~~يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه الله الذي ~~رفع السماوات المحسوسة بغير عمد فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع ~~الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع ~~سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير ~~مصالح العالم الصغير. وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان ~~بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به. ومن حسن تدبيره أنه مد أرض ~~البشرية وجعل فيها رواسي من ms2650 الأوصاف الروحانية وأنهارا من منابع العناية، ~~ومن كل الثمرات وهي الملكات والأخلاق جعل فيها زوجين اثنين ملكة روحانية ~~حميدة وأخرى نفسانية وذميمة. فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية ~~كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: يغشي الليل النهار وفي ~~أرض الإنسانية # PageV04P144 # قطع متجاورات هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية ~~روحانية وجبروتية وعظموتية وجنات هي هذه الأعيان المستعدة لقبول الفيض عند ~~بلوغها من أعناب هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة ~~والحمق والسهو واللهو وزرع هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي ~~منها غذاء الروح ونخيل هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة ~~والقناعة والحياء والتواضع والشفقة صنوان هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار ~~الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكي مثالا لما ~~عليه الوجود وغير صنوان هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ~~ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] وكما قال: # بين المحبين سر ليس يفشيه يسقى بماء واحد هو ماء القدرة والحكمة الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ~~ذرة من ذرات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات ~~الدالة على موجدها سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53] وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط ~~والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء ~~نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام. ~~مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة ~~من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ~~يحفظونه من أمر الله أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره إن الله لا ~~يغير ما بقوم من الوجود والعدم حتى يغيروا ms2651 ما بأنفسهم من استدعاء الوجود أو ~~العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 12 الى 29] # هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد ~~بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال (14) ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال (15) قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم ~~من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير ~~أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق ~~عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16) # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ~~لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18) أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن ~~هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون ~~الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب (21) # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من ~~كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد ~~الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك ~~لهم اللعنة ولهم سوء الدار ms2652 (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26) # ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ~~ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ~~(29) # PageV04P145 ### | القراآت: # كباسط مثل بسطة [البقرة: 247] وقد مر في البقرة أم هل يستوي بياء ~~تحتانية: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الآخرون بتاء التأنيث. ~~يوقدون على الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. # الباقون: على الخطاب إما للكفرة في قوله: قل أفاتخذتم وإما للمكلفين على ~~العموم كما في القراءة الأخرى والضمير يعود إلى الناس المعلوم من سياق ~~الكلام. ### | الوقوف: # الثقال ه ج لاختلاف الفاعل مع اتفاق اللفظ من خيفته ج لذلك في الله ج ~~لاحتمال الواو الحال والاستئناف المحال ه ط للآية وانقطاع النظم دعوة الحق ~~ط يبالغه ط ضلال ه والآصال ه والأرض ط قل الله ط ولا ضرا ط والبصير ه ط ~~للعطف والنور ج لاحتمال أن يكون هذا الاستفهام بدلا عن الأول عليهم ط ~~القهار ه رابيا ط مثله ط والباطل ط جفاء ج لاتفاق الجملتين مع كون «أما» ~~للتفصيل في الأرض ط الأمثال ه ط الحسنى # PageV04P146 # ط لافتدوا به ط الحساب ه لا جهنم ج المهاد ه هو أعمى ط الألباب ه لا ~~الميثاق ط للعطف سوء الحساب ه ط الدار ه لا لأن قوله: # جنات عدن بدل من عقبى من كل باب ه ج لحق المحذوف أي قائلين. عقبى الدار ط ~~في الأرض لا سوء الدار ه ويقدر ط الدنيا ط متاع ز من ربه ط أناب ه بذكر ~~الله الأول ط القلوب ه مآب ه. ### | التفسير: # لما خوف عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه دلائل تشبه اللطف من بعض الوجوه ~~والقهر من بعضها وهي أربعة: البرق والسحاب والرعد والصاعقة. وقد مر في أول ~~سورة البقرة تفسير هذه ms2653 الألفاظ وقول الحكماء في أسباب حدوثها. وانتصاب خوفا ~~وطمعا إما على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع والتقدير ذا خوف وطمع، ~~أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين، وإما على أنه مفعول له على تقدير حذف ~~المضاف أي إرادة خوف وطمع. وإنما وجب تقدير المضاف ليكون فعلا لفاعل الفعل ~~المعلل كما هو شرط نصب المفعول له. ومعنى الخوف والطمع الخوف من وقوع ~~الصواعق والطمع في نزول الغيث. وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر إما بحسب ~~الزمان وإما بحسب المكان، فمن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ~~ويطمع فيه من له فيه نفع. # وعن ابن عباس أن اليهود سألت النبي عن الرعد فقال: ملك من الملائكة موكل ~~بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب. # فعلى هذا الصوت المسموع هو صوت ذلك الملك الموكل المسمى بالرعد. وعن ~~الحسن: خلق من خلق الله ليس بملك. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ~~ويضحك أحسن الضحك فنطقه الرعد وضحكه البرق» . # وهذا غير مستبعد من قدرة الله وخصوصا عند من لا يجعل البنية شرطا في ~~الحياة. وقيل: المضاف محذوف أي يسبح سامعو الرعد من العباد الراجين للمطر ~~حامدين له أو متلبسين بسبحان الله والحمد لله. # وعن علي رضي الله عنه: سبحان من سبحت له. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اشتد الرعد: «اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» . # وقيل: معنى تسبيح الرعد أن هذا الصوت المخصوص لهوله ومهابته يدل على وجود ~~إله قهار كقوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] . قال في الكشاف: ~~ومن بدع المتصوفة الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم. # والمطر بكاؤهم. أما قوله: والملائكة من خيفته أي ويسبح الملائكة من هيبته ~~وجلاله فقد ذكر جمع من المفسرين أنه عنى بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد فإنه ~~سبحانه جعل له أعوانا. قال ابن عباس: إنهم خائفون من الله لا كخوف ابن آدم ~~فإن أحدهم لا يعرف ms2654 من # PageV04P147 # على يمينه ومن على يساره ولم يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء. ~~وقالت الحكماء: إنما تتم الآثار العلوية بقوى روحانية فلكية، فللسحاب روح ~~معين من الأرواح الفلكية يدبره وكذا القول في الرياح وفي سائر الآثار فهذا ~~هو المراد بالملائكة في الآية. # قوله: ويرسل الصواعق قد عرفت أنها نار تتولد من السحاب وتنزل بقوة شديدة ~~فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان. ووجه الاستدلال بها على الصانع أن ~~النار حارة يابسة وطبيعة السحاب يغلب عليها الرطوبة والبرودة للأجزاء ~~المائية فيه، وحصول الضد من الضد لا يكون بالطبع وإنما يكون بتدبير القادر ~~المختار وتسخيره. # ولما بين دلائل كمال العلم في قوله: الله يعلم ودلائل كمال القدرة في هذه ~~الآية قال: وهم يجادلون في الله لأن إنكار المدلول بعد وضوح الدليل جدال ~~بالباطل وعناد محض، ويحتمل أن تكون الواو للحال أي فيصيب بها من يشاء في ~~حال جدالهم ويؤكده ما # روي عن ابن عباس في رواية أبي صالح وابن جريج وابن زيد أن عامر بن الطفيل ~~وأربد بن ربيعة أخا لبيد بن ربيعة أقبلا يريدان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك. ~~فقال: دعه فإن يرد الله به خيرا يهده. فأقبل حتى قام عليه فقال: يا محمد ما ~~لي إن أسلمت؟ فقال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم. قال: تجعل لي الأمر ~~بعدك. قال: لا ليس ذلك إلي إنما ذلك إلى الله يجعله حيث يشاء. قال: فتجعلني ~~على الوبر وأنت على المدر. قال: لا. قال: فماذا تجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة ~~الخيل تغزو عليها. قال: أوليس ذلك إلي اليوم؟ وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة ~~إذا رأيتني أكلمه فدر عليه من خلفه فاضربه بالسيف. فجعل يخاصم رسول الله ~~ويراجعه ويجادل في الله يقول أخبرني عن ربك أمن نحاس هو أم من حديد، فدار ~~أربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم ms2655 حبسه ~~الله فلم يقدر على سله، وجعل عامر يومىء إليه فالتفت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: # اللهم أكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاح ~~فأحرقته وولى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها ~~عليك خيلا جردا وفرسانا مردا. فقال رسول الله: يمنعك الله من ذلك وأبناء ~~قيلة- يريد الأوس والخزرج- فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم عليه ~~سلاحه وخرج وهو يقول: واللات لئن أصحر إلي محمد وصاحبه يعني ملك الموت ~~لأنفذنهما برمحي فأرسل الله إليه ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التراب وخرجت ~~على ركبته غدة في الوقت عظيمة فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: أغدة كغدة ~~البعير وموت في بيت السلولية؟ ثم مات على ظهر فرسه وأنزل الله الآية # PageV04P148 # في هذه القصة. # قوله: وهو شديد المحال معناه شديد المكر والكيد لأعدائه. # والمماحلة شدة المماكرة ومنه تمحل لكذا إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد ~~فيه، ومحل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان ومنه # الحديث: «اللهم اجعله- أي القرآن- لنا شافعا مشفعا ولا تجعله علينا ماحلا ~~مصدقا» . # ومنه سنة المحل لشدتها وصعوبة أمرها. # وأما عبارات المفسرين فقال مجاهد وقتادة: شديد القوة. أبو عبيدة: شديد ~~العقوبة. # الحسن: شديد النقمة. وقيل: شديد الحقد ومعناه راجع إلى إرادة إيصال الشر ~~إلى مستحقه مع إخفاء تلك الإرادة عنه. ثم أثنى على نفسه بالحقية وشهد على ~~الأصنام بالبطلان فقال: له دعوة الحق فأضاف الدعوة إلى الحق الذي هو نقيض ~~الباطل كما تضاف الكلمة إلى الحق والمراد أنه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة ~~إذا أراد فهو حقيق بأن يوجه إليه الدعاء لما في دعوته من الجدوى والنفع ~~بخلاف ما لا فائدة في دعائه. وعن الحسن: الحق هو الله والمعنى له دعوة ~~المدعو الحق الذي يسمع فيجيب ولهذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الكافرين حين دعا عليهما. وعن ابن عباس: دعوة الحق قوله لا إله إلا الله. # وقيل: الدعوة العبادة فإن عبادته هي الحق ms2656 والصدق وقد سلف تحقيق الحق في ~~أول هذا الكتاب في تفسير البسملة. والذين يدعون من دونه أي الآلهة الذين ~~يدعوهم أو يعبدهم الكفار من دون الله. لا يستجيبون لهم بشيء إلا استجابة ~~كاستجابة الماء من بسط يديه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه والماء جماد لا يشعر ~~به. والحاصل أن الكفار وذلك الطالب كليهما مشترك في الخيبة لاشتراكهما في ~~دعاء الجماد. وقيل: شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف ~~الماء بيديه ليشربه فبسطهما ناشرا أصابعه فلا جرم لا يبلغ طلبته. ثم أكد ~~خيبتهم بقوله: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال في ضياع وذهاب عن المنفعة ~~لأنهم إن دعوا الله لا يجيبهم لحقارة أمرهم عنده، وإن دعوا الآلهة لم تستطع ~~إجابتهم. # ثم زاد في الثناء فقال: ولله يسجد من في السماوات والأرض فإن كان السجود ~~بمعنى وضع الجبهة فذلك ظاهر في المؤمنين لأنهم يسجدون له طوعا أي بسهولة ~~ونشاط وكرها أي على تعب واصطبار ومجاهدة، وأما في حق الكفار فمشكل ووجهه أن ~~يقال: المراد حق له أن يسجد لأجله جميع المكلفين من الملائكة والثقلين فعبر ~~عن الوجوب بالوقوع، وإن كان بمعنى الانقياد والخضوع والاعتراف بالإلهية ~~وترك الامتناع عن نفوذ مشيئته فيهم فلا إشكال نظيره قوله: وله أسلم من في ~~السماوات والأرض [آل عمران: 83] وقد مر في «آل عمران» أما قوله: وظلالهم ~~فقد قال جمع من المفسرين # PageV04P149 # كمجاهد والزجاج وابن الأنباري: لا يبعد أن يخلق الله للظلال أفهاما تسجد ~~بها لله وتخضع له كما جعل للجبال أفهاما حتى اشتغلت بتسبيحه فظل المؤمن ~~يسجد لله طوعا وهو طائع وظل الكافر يسجد لغير الله كرها ويسجد لله طوعا. ~~وقال آخرون: المراد من سجود الظلال تقلصها وامتدادها بحسب ارتفاع الشمس ~~وانحطاطها فهي منقادة مستسلمة لما أتاح الله لها في الأحوال. وتخصيص الغدو ~~والآصال بالذكر لغاية ظهورها وازديادها في الوقتين. # ومعنى الغدو والآصال قد مر في آخر «الأعراف» . واعلم أنه سبحانه ذكر آية ~~السجدة في النحل بعبارة أخرى فقال: ولله يسجد ما في ms2657 السماوات وما في الأرض ~~من دابة والملائكة [الآية: 49] لأنه تقدم ذكر ما خلق الله على العموم ولم ~~يكن فيه ذكر الملائكة ولا الإنس بالصريح فعمم ليشمل الإنس وصرح بالملائكة. ~~وقال في «الحج» ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض [الحج: ~~18] بتكرير «من» لأنه تقدم ذكر المؤمنين وسائر الأديان فقدم ذكر من في ~~السماوات تعظيما لهم ولها وذكر من في الأرض لأنهم هم الذين تقدم ذكرهم. ~~وأما في هذه السورة فقد تقدم ذكر العلويات من الرعد والبرق، ثم ذكر ~~الملائكة وتسبيحهم، ثم انجر الكلام إلى ذكر الأصنام والكفار فبدأ في آية ~~السجدة بذكر من في السموات والأرض وذكر الأرض تبعا ولم يذكر من فيها ~~استخفافا بالكفرة وأصنافهم فتبين أنه أورد كل آية بما لاق بمقامها والله ~~تعالى أعلم بمراده. # ثم أخبر عن التسخير بسؤال التقرير ردا على عبدة الأصنام فقال: قل من رب ~~السماوات والأرض قل الله وهذه حكاية لاعترافهم لأنهم كانوا يعترفون بأنه ~~الإله الأعظم وهذا كما يقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ فإذا قال هذا قولي ~~قال هذا قولك فيحكي إقراره استئنافا منه ثم يقول له: فيلزمك على هذا القول ~~كيت وكيت وذلك قوله: قل أفاتخذتم ويجوز أن يكون تلقينا لما ليسوا منكرين ~~له. والهمزة في أفاتخذتم للإنكار والمعنى أبعد أن علمتموه رب السموات ~~والأرض اتخذتم من دونه أولياء جمادات عجزة عن تحصيل المنافع والمضار ~~لأنفسهم فضلا عن غيرهم. وموضع الإنكار أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب ~~التوحيد من العلم والإقرار سبب الإشراك، ثم جعلوا مع ذلك أخس الأشياء مكان ~~أشرف الذوات وهذا جهل لا مزيد عليه فلهذا شبههم بالأعمى وشبه جهالاتهم ~~بالظلمات وأنكر أن يكون شيء منهما مساويا لنقيضه فقال: قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور جمع الظلمات ووحد النور لأن السبل ~~المنحرفة غير محصورة والصراط المستقيم واحد. ثم أكد الإنكار المذكور بقوله: # أم جعلوا والمراد بل جعلوا لله شركاء خالقين مثل خلقه فتشابه الخلق أي ~~خلق # PageV04P150 # الله ms2658 وخلقهم عليهم أي ليس لهذه الشركاء خلق مثل خلق الله حتى يشتبه الأمر ~~عليهم بل ليس لهم خلق أصلا بل كان ما سوى الله عاجز عن الخلق بدليل قوله: ~~قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار المتوحد بالربوبية الذي لا يغالب ~~وما عداه مربوب ومقهور. # قالت المعتزلة: للعبد فعل وتأثير ولكنا لا نقول إنه يخلق كخلق الله لأن ~~العبد يفعل لجلب منفعة أو دفع مضرة والله تعالى منزه عن ذلك. وأجيب بأن ~~المخالفة من بعض الوجوه لا تقدح في المماثلة من وجه آخر، فلو كان فعل العبد ~~كالتحريك مثلا واقعا بقدرته لكان مثلا للتحريك الواقع بقدرة الله تعالى ~~وهذا الإشكال وارد أيضا على من يثبت للعبد كسبا. ثم ضرب مثلا آخر للحق ~~وذويه والباطل ومنتحليه فقال: أنزل من السماء ماء فسالت أودية أي مياهها ~~والوادي الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل. وقيل: # الوادي اسم للماء من ودى إذا سال، والمعنى سالت مياه. قال الفارسي: لا ~~نعلم فاعلا جمع على «أفعلة» إلا هذا وكأنه حمل على «فعيل» فجمع على «أفعلة» ~~كجريب وأجرية كما أن فعيلا حمل على فاعل فجمع على «أفعال» مثل يتيم وأيتام ~~وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر. وقال غيره: نظير واد وأودية ناد ~~وأندية. ومعنى التنكير في أودية أن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة ~~بين البقاع فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. قال في الكشاف: معنى بقدرها ~~بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم بدليل قوله: وأما ما ينفع ~~الناس وقال الواحدي: معناه سالت مياه الأودية بقدر الأودية فإن صغر الوادي ~~قل الماء وإن اتسع كثر الماء. والزبد هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه ~~السيل ونحوه. ومعنى رابيا قال الزجاج: طافيا فوق الماء. # وقال غيره: زائدا بسبب انتفاخه من ربا يربو إذا زاد. ثم قال سبحانه ~~إظهارا للكبرياء كما هو ديدن الملوك ومما يوقدون عليه «من» لابتداء الغاية ~~أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو للتبعيض بمعنى بعضه زبد ms2659 مثله أراد به ~~الأجسام المتطرقة المتفرقة الرابية. # والإيقاد على الشيء قسمان: أحدهما أن لا يكون ذلك الشيء في النار كالآجر ~~في قوله: # فأوقد لي يا هامان على الطين [القصص: 38] والثاني أن يكون في النار ~~كأنواع الفلز ولهذا قال هاهنا بزيادة لفظة في النار قال في الكشاف: فائدة ~~قوله ابتغاء حلية أو متاع مثل فائدة قوله بقدرها لأنه جمع بين الماء والفلز ~~في النفع في قوله: وأما ما ينفع الناس أي وأما ما ينفعهم به من الماء ~~والفلز فذكر وجه الانتفاع بالفلز وهو اتخاذ الحلي من الذهب والفضة واتخاذ ~~سائر أثاث البيت وأمتعته من الحديد والنحاس والرصاص والأسرب وما يتركب منها ~~والمتاع كل ما تمتع به. كذلك يضرب الله الحق # PageV04P151 # والباطل أي يضرب الأمثال للحق والباطل ومثله في آخر الآية فاختصر الكلام ~~بأن حذف الأمثال من الأول والحق والباطل من الثاني تأكيدا للمقصود مع رعاية ~~الاختصار. ثم شرع في تتميم المثل قائلا فأما الزبد فيذهب جفاء نصب على ~~الحال وهو اسم لما ينفيه السيل. يقال: جفأ الوادي بالهمزة جفأ إذا رمى ~~بالقذر والزبد، وكذلك القدر إذا رمت بزبدها عند الغليان وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض حاصل المثل أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد وذلك الزبد يبطل ~~ويبقى الماء النافع في العيون والآبار والأنهار، وكذا الأجساد المتطرقة إذا ~~أديبت لأجل اتخاذ الحلي أو سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويتلاشى ~~ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به أزمنة متطاولة. وتطبيق المثل على الحق والباطل ~~أنه سبحانه أنزل من سماء الوحي ماء بيان القرآن فسالت أودية القلوب بقدرها ~~فإن كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب على قدر ~~استعداده. ثم إنه يختلط بذلك البيان شكوك وشبهات ولكنها بالآخرة تضمحل ~~ويبقى العلم واليقين، فزبد السيل والفلز مثل للباطل في سرعة اضمحلاله ~~وانسلاخه من المنفعة، والماء والفلز الصافي مثل للحق في البقاء والانتفاع ~~به. # ثم ذكر أحوال السعداء وتبعات الأشقياء فقال للذين استجابوا لربهم أي فيما ~~دعاهم ms2660 إليه من التوحيد والنبوة والتكاليف الحسنى أي المثوبة الحسنى وهي ~~الجنة والذين لم يستجيبوا له مبتدأ آخر خبره الجملة الشرطية بعده. وقيل: إن ~~الكلام متصل بما قبله أي يضرب الله الأمثال لهذين الفريقين. وقوله: الحسنى ~~صفة لمصدر استجابوا أي الاستجابة الحسنى. وقوله: لو أن لهم كلام مبتدأ في ~~ذكر ما أعد لغير المستجيبين ومن ذلك قوله أولئك لهم سوء الحساب قال الزجاج: ~~لأن كفرهم أحبط أعمالهم. # وقال غيره: سوء الحساب المناقشة فيه. وعن النخعي: هو أن يحاسب الرجل ~~بذنبه كله لا يغفر منه شيء. وقال الحكماء: هو ظهور آثار الملكات الردية ~~والهيئات الذميمة على النفس ولم يكن قبل ذلك له شعور بها لاشتغاله بعالم ~~الحس. ومأواهم جهنم لأنهم أقبلوا على الدنيا وأعرضوا عن المولى فلا جرم إذا ~~ماتوا فارقوا معشوقهم فأورثهم الحرمان والخسران والاحتراق بنار الفراق. ثم ~~أنكر بعد هذه البيانات أن يسوى بين الناقد والبصير والجاهل الضرير فقال ~~أفمن يعلم أنما أي أن الذي أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى # القلب إنما يتذكر أي لا ينتفع بالأمثال إلا أولوا الألباب الذين يعبرون ~~من القشر إلى الباب. ثم وصفهم بقوله: الذين يوفون بعهد الله ويجوز أن يكون ~~نصبا على المدح وأن يكون مبتدأ خبره أولئك أما عهد الله فعن ابن عباس: هو ~~المذكور في # PageV04P152 # قوله: وإذ أخذ ربك من بني آدم [الأعراف: 172] وقيل: هو كل ما قام عليه ~~دليل عقلي أو سمعي من الأفعال والتروك ولا عهد أوكد من الحجة بدليل أن من ~~حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به إذا ثبت بالدليل جوازه ولا ينقضون ~~الميثاق تأكيد للوفاء بالعهد بعبارة أخرى تلزم الأولى كقولك: لما وجب وجوده ~~لزم أن يمتنع عدمه. وقيل: # الوفاء بعهد الله إشارة إلى ما كلف الله العبد به ابتداء، وعدم نقض ~~الميثاق أراد به مما التزمه العبد بالنذر. وقيل: الوفاء بالعهد عهد ~~الربوبية والعبودية والميثاق أعم لشموله كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من ~~الإيمان بالله ومن سائر المواثيق بينهم وبين الله وبين ms2661 العباد، والوفاء ~~بالعهد أمر مستحسن في العقول والشرائع كلها # قال صلى الله عليه وسلم: «من عاهد الله فغدر كانت فيه خصلة من النفاق» ~~«1» # والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل إفراد لما بينه وبين العباد بالذكر ~~فقيل: المراد صلة الرحم. وقيل: هو مؤازة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاونته ~~ونصرته في الجهاد. وقيل: رعاية جميع حقوق الناس بالشفقة عليهم والنصيحة في ~~كل حال وكل حين ومن ذلك عيادة المريض وشهود الجنائز ومراعاة الرفقاء ~~والجيران والخدم ومن يطيف به حتى الهرة والدجاجة ويخشون ربهم وإن أتوا بكل ~~ما قدروا عليه في باب التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله خوفا من ~~وعيده كله ويخافون خصوصا سوء الحساب ويلزم ذلك أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن ~~يحاسبوا. وقيل: الخشية نوعان: خشية الجلال كالعبد إذا حضر بين يدي السلطان ~~ومن ذلك خشية الملائكة يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] وإلى هذا أشار ~~بقوله: ويخشون ربهم وخشية أن يقع في العبادة خلل أو نقص يوجب فسادها أو ~~نقصان ثوابها. وإليه الإشارة بقوله: ويخافون سوء الحساب. # والذين صبروا عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى المصائب ابتغاء وجه ربهم لا ~~لأجل أن يقال ما أورعه وما أزهده وما أصبره وغير ذلك من الأغراض الفاسدة، ~~وإنما يصبر على التكاليف لأنها أحكام المعبود الحق ويصبر على الرزايا لأنها ~~قسمة قسام متصرف في ملكه كيف يشاء، أو لأنه مشغول بالمقدر والقاضي لا ~~بالقدر والقضاء. وقد يرضى العاشق بالضرب والإيلام لالتذاذه بالنظر إلى وجه ~~معشوقه فهكذا العارف يصبر على البلايا والمحن لاستغراقه في بحر العرفان ~~وفيضان أنوار المعروف عليه. وأقاموا PageV04P153 # الصلاة ولا يمتنع دخول النوافل فيها لقوله: «ما زال العبد يتقرب إلي ~~بالنوافل حتى أحببته» «1» . وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يتناول النفل ~~لأنه في السر أفضل، والفرض لأنه في الجهر أفضل كما مر في أواخر سورة البقرة ~~ويدرؤن بالحسنة السيئة أي يدفعون بالتوبة وهي الخصلة الحسنة المعصية. # قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة ~~تمحها» ms2662 «2» . # وقيل لا يقابلون الشر بالشر وإنما يقابلونه بالخير كما روي عن الحسن: إذا ~~حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عباس: يدفعون ~~بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيىء غيرهم. يروى أن شقيق بن إبراهيم ~~البلخي دخل على عبد الله بن المبارك متفكرا فقال: من أين أتيت؟ قال: من ~~بلخ. # فقال: وهل تعرف شقيقا؟ فقال: نعم. فقال: كيف طريقة أصحابه؟ فقال: إذا ~~منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا فقال عبد الله: هكذا طريقة كلابنا، وإنما ~~الكاملون الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. وقيل: مراد الآية أنهم ~~إذا رأوا منكرا أمروا بتغييره أولئك لهم عقبى الدار عاقبة الدنيا وهي الجنة ~~التي أرادها الله تعالى أن تكون مرجع أهلها. # والعقبى مصدر كالعاقبة ومثله البشرى والقربى، ويجوز أن يكون مضافا إلى ~~الفاعل والمعنى أولئك لهم أن يعقب أعمالهم الدار التي هي الجنة. ومعنى جنات ~~عدن تقدم في سورة براءة ومن صلح معطوف على فاعل يدخلونها ويجوز أن يكون ~~مفعولا معه. قال ابن عباس: يريد من صدق بما صدقوا به وإن لم يعمل مثل ~~أعمالهم. وقال الزجاج: بين أن الأنساب لا تنفع إذا لم يحصل معها أعمال ~~صالحة. قال الواحدي: # والأول أصح لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في ~~الجنة فلو دخلوها بأعمالهم الصالحة لم يكن في ذلك كرامة للمطيع، ويمكن أن ~~يوجه قول الزجاج بأن المقصود بشارة المؤمن بأن أهل الصلاح من أصوله وفصوله ~~وأزواجه يجتمعون به في دار الثواب فقد يمكن أن يكونوا جميعا في الجنة ولا ~~يجتمعون في موضع. ولقائل أن يقول: الدخول أعم من الاجتماع ولا دلالة للعام ~~على الخاص فصح اعتراض الواحدي. # والآباء جمع أبوي كل واحد منهم فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم. وليس في ~~الآية ما يدل على التمييز بين زوجه وزوجة ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت ~~عنه ويؤيده ما # روي عن سودة أنه لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلاقها قالت: دعني ~~يا رسول ms2663 الله أحشر في زمرة نسائك. PageV04P154 # قال ابن عباس: لهم خيمة من درة مجوفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها أبواب ~~مصاريعها من ذهب يدخل عليهم الملائكة من كل باب يقولون لهم سلام عليكم بما ~~صبرتم على أمر الله. وقال أبو بكر الأصم: من كل باب من أبواب البر كباب ~~الصلاة وباب الزكاة وباب الصبر ويقولون: نعم ما أعقبكم الله بعد الدار ~~الأولى. وهذا يناسب قول حكماء الإسلام: إن لكل مرتبة من مراتب الكمالات ~~جوهرا قدسيا وروحا علويا يختص بتلك الصفة، فبعد المفارقة يفيض على النفس ~~الكاملة من ملك الصبر كمال مخصوص، ومن ملك الشكر كذلك وعلى هذا القياس. وقد ~~يستدل بالآية على أن الملك أفضل من البشر وإلا فلم يكن دخولهم على المؤمنين ~~موجبا لتحيتهم وإكرامهم. ويمكن أن يجاب بأن وجه التكريم هو مجيئهم بإذن ~~الله ومن عنده لا مجرد المجيء: والباء في قوله: بما صبرتم يتعلق بالسلام. ~~والمعنى إنما حصلت لكم هذه السلامة بواسطة صبركم على الطاعات وعن المحرمات. ~~وقيل: يتعلق بمحذوف أي هذا الثواب بسبب صبركم أو بدل صبركم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل ~~حول فيقول: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. # ثم أتبع أحوال السعداء أحوال الأشقياء وقد مر تفسيره في أول «البقرة» على ~~أن الضد قد يعلم من الضد بسهولة وقد مر آنفا. وقوله: سوء الدار في مقابلة ~~عقبى الدار كأن العاقبة لا تطلق إلا على العاقبة الحميدة كقوله والعاقبة ~~للمتقين [الأعراف: 128] لأن غير الحميدة لا تستأهل لأن تكون عاقبة. # وقال في الكشاف: المراد سوء عاقبة الدنيا ولا حاجة إلى هذا الإضمار بناء ~~على ما قلنا. قال: ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ذكر أهل النظم ~~أنه لما بين سوء حال الناقصين كان لقائل أن يقول: فما بالهم قد فتح الله ~~عليهم أبواب الرزق في الدنيا فأجاب بقوله: الله يبسط الرزق والمراد أن ~~الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، فقد يتفق أن يكون الجاهل الكافر ms2664 خلي البال ~~والعالم المؤمن ردي الحال ولا تعلق لهذا المعنى بالكفر والإيمان. والتركيب ~~للحصر أي هو وحده يوسع الرزق على من يشاء كأهل مكة ويقدر أي يضيق ومعناه ~~أنه يعطيه بقدر الضرورة وسد الرمق لا يفضل منه شيء وفرحوا يعني أهل مكة ~~وأضرابهم بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر لا فرح تحدث بنعمة الله ~~وإظهارا لفضله عليهم وما الحياة الدنيا ونعيمها في جنب نعيم الآخرة إلا ~~متاع شيء نزر يتمتع به أياما قلائل ثم بعد ذلك حسرات لا نهاية لها، ومثل ~~هذا لا يوجب الفرح بل لا يجوزه. ثم حكى نوعا آخر من قبائح الكفرة فقال: ~~ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه وقد مر مثله في هذه السورة ~~وذكرنا أنه ليس بتكرار # PageV04P155 # محض إلا أن قوله في جوابهم قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ~~أقبل على الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير فيه غموض. وأجيب بأنه يجري مجرى ~~التعجب كأنه قيل: ما أعظم عنادكم بعد ما أنزلت من الآيات الباهرة أن ~~الإضلال والهداية من الله، أو المراد لا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا ~~إلى الله في طلب الهدايات فإن الذي أضله الله يرى الآية سحرا، والذي هداه ~~يراها معجزة. وقال الجبائي: المعنى إن الله يضل من يشاء عن طريق الصواب ~~ويهدي إليه أقواما آخرين فلولا أنكم تستحقون العقاب لهداكم لهداكم إلى ~~الصواب بإنزال ما اقترحتموه. وقيل: المراد أنه تعالى أنزل آيات ظاهرة ولكن ~~الإضلال والهداية من الله فلو شاء لهداكم فلا فائدة في تكثير المعجزات ~~الذين آمنوا بدل ممن أناب وتطمئن قلوبهم عن ابن عباس: يريد إذا سمعوا ~~القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت. والاطمئنان بآيات الوعد لا ينافي الوجل من ~~آيات الوعيد حيث قال إذا ذكر الله وجلت قلوبهم [الأنفال: 2] أو المراد أن ~~علمهم بكون القرآن معجزا يوجب حصول الطمأنينة لهم بأنه سبحانه واحد لا شريك ~~له صادق في وعده ووعيده وبأن محمدا نبي حق ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~التحقيق فيه ms2665 أن الإنسان متوسط الرتبة بين عالم الأرواح وعالم الأجساد، فإذا ~~توجه إلى عالم الجسد اشتاق إلى التصرف فيه فيظهر له هناك أمور ضرورية في ~~التعيش أدونها ليس بأهون من خرط القتاد فيتوزع فكره وتضطرب أحواله، أما إذا ~~توجه إلى عالم الروح فإنه يزول الاضطراب ويتوحد المطلب ويحصل الاستغراق في ~~بحر العرفان والاستنارة بنور الإيقان، ومن وقع في لجة البحر لا يبالي أين ~~وقع: # أنا الغريق فما خوفي من البلل وقيل: إن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على ~~النحاس انقلب ذهبا صافيا باقيا على كر الدهور، فإكسير جلال الله إذا وقع في ~~القلب السليم كيف لا يقلبه جوهرا صافيا نورانيا آمنا من التغير والزوال ~~الذين آمنوا مبتدأ خبره طوبى لهم وجوز في الكشاف أن يكون بدلا على حذف ~~المضاف أي قلوب الذين آمنوا. وطوبى مصدر من طاب يطيب كبشرى وواو منقلبة عن ~~ياء لضمة ما قبلها واللام للبيان مثل «سقيا لك» . والمعنى طيب لهم على ~~الدعاء أو الخبر. عن ابن عباس: فرح وقرة عين. الضحاك: غبطة لهم. قتادة: # حسنى لهم. الأصم: خير وكرامة. الزجاج: عيش طيب. والكل متقارب والعبارة ~~الجامعة أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم. وقيل: طوبى شجرة في الجنة. ~~حكى الأصم أن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها ~~غصن. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طوبى شجرة غرسها الله ~~بيده تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور # PageV04P156 # الجنة» # وعن بعضهم أن طوبى هي الجنة بالحبشية والمآب المرجع. ### | التأويل: # هو الذي يريكم برق أنوار الجلال فيغلب عليكم خوف الانقطاع واليأس، ويريكم ~~برق أضواء الجمال فيغلب عليكم طمع الوصل ورجاء الاستئناس وينشئ السحاب ~~النوال والأفضال الثقال بمطر القبول والإقبال ويسبح الرعد وهو الملك ~~المخلوق من نور الهيبة والجلال فتقع الهيبة في قلوب الخلق كلهم حتى ~~الملائكة فيسبحون من خيفته، ويرسل صواعق القهر فيصيب بها من يشاء من أهل ~~الخذلان فيحرق حسن استعدادهم في قبول الإيمان. ومن ms2666 نتائج ذلك أنهم يجادلون ~~في ذات الله وفي صفاته كالفلاسفة الذين لا يتابعون الأنبياء والشرائع، ~~وكبعض المتكلمين من أهل الأهواء والبدع له دعوة الحق أي دعوته حق لمن دعاه ~~فيستجيبه كما قالت السموات والأرض أتينا طائعين وأيضا له دعاة يدعون الخلق ~~بالحق إلى الحق والذين يدعون من دونه أي بغير الحق لا يستجيبون لهم بشيء إذ ~~لا يؤثر في الخلق نصحهم كمن يبسط يده إلى الماء إراءة إلى الحق أنه يريد ~~شربه وما هو ببالغه فلا يستجابون على الحقيقة وإن استجيبوا في الظاهر لأنهم ~~استجابوا لهم على الهوى كما دعوا إلى الحق بالهوى يدل عليه قوله: وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال ولله يسجد من في السماوات والأرض من الملائكة وأرواح ~~الأنبياء والأولياء والصلحاء طوعا ومن أرواح الكافرين والمنافقين والشياطين ~~كرها بالتذليل والتسخير تحت الأحكام والتقدير وظلالهم أي نفوسهم فإن النفوس ~~ظلال الأرواح، وليس السجود من شأنها لأنها أمارة بالسوء إلا ما رحم الرب ~~فإنها تسجد بتبعية الروح. معنى آخر: ولله يسجد من في سموات القلوب من صفات ~~القلوب والأرواح والعقول، طوعا ومن في أرض النفوس من صفات النفس والقوى ~~الحيوانية والسبعية والشيطانية كرها، وظلالهم وهي آثارها ونتائجها. آخر: ~~ولله يسجد الأرواح في الحقيقة وظلالهم وهي أجسادهم بالتبعية، وهذا السجود ~~بمعنى وضع الجبهة، وخص الوقتان بالذكر لأن آثار القدرة فيهما أكثر، وإن ~~أريد الانقياد والتسخير احتمل أن يراد بالوقتين وقتا الانتباه والنوم، ففي ~~الأول تطلع شمس الروح من أفق الجسد، وفي الثاني تغرب فيه أنزل من سماء ~~القلوب ماء المحبة. فسالت أودية النفوس فاحتمل السيل زبدا رابيا من الأخلاق ~~الذميمة النفسانية والحيوانية، أو أنزل من سماء الأرواح ماء مشاهدة أنوار ~~الجمال فسالت أودية القلوب فاحتمل السيل زبدا رابيا من الأوصاف البشرية، أو ~~أنزل من سماء الأسرار ماء كشوف الجمال فسالت أودية الأرواح فاحتمل السيل ~~زبدا رابيا من أنانية الروحانية، أو أنزل من سماء الجبروت ماء تجلي صفات # PageV04P157 # الألوهية فسالت أودية الأسرار بقدرها فاحتمل السيل زبد الوجود المجازي ~~ومما يوقدون عليه ms2667 من البقاء في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فلا ~~تبقي ولا تذر وهي التذكية بالفناء ابتغاء حلية وهي التحلية بالبقاء الحقيقي ~~أو متاع وهو التمتع به زبد مثله مثل زبد البشرية وهو زبد المعرفة والتوحيد ~~فأما الزبد في الأحوال كلها فيذهب جفاء بالفناء وأما ما ينفع الناس من ~~البقاء بالله فيمكث في أرض الوحدة المستعدة لقبول الفيض الإلهي. للذين ~~استجابوا لربهم الحسنى وهي العناية الأزلية التي الاستجابة من نتائجها ~~كقوله: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101] والذين لم يستجيبوا ~~له حين دعاهم للوصول والوصال لو حصل لهم ما في أرض البشرية من أنواع اللذات ~~والحظوظ وأضعافها لجعلوه فداء ألم عذاب القطيعة. وأنفقوا مما رزقناهم أي ~~انفصلوا عما سواه ليتصلوا به سرا بالانقطاع عما يشغل بواطنهم وعلانية ~~بالانفصال عما يشغل ظواهرهم ويدرؤن بالأعمال والأحوال الحسنة في صدق الطلب ~~الأحوال السيئة من الوقائع والفترات والملائكة يدخلون عليهم تبركا وتيمنا ~~بهم تبعا لهم من كل باب دخلوه بالاستقلال على أقدام السير بالله إلى الله ~~سلام عليكم بما صبرتم عن غير الله وعلى صدق الطلب ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب القلوب أربعة: قلب قاس كقلوب الكفار والمنافقين فاطمئنانه بالدنيا ~~وشهواتها رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وقلب ناس وهو قلب المسلم ~~المذنب كقوله: فنسي ولم نجد له عزما [طه: 115] فاطمئنانه بالتوبة فتاب عليه ~~وهدى، وقلب مشتاق وهو قلب المؤمن فاطمئناته بذكر الله كما في الآية. وقلب ~~وحداني وهو قلب الأنبياء وخواص الأولياء فاطمئنانه بالله وصفاته كقول ~~الخليل صلى الله عليه وسلم ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] أي بتجلي صفات ~~الأحياء، وإذا صار القلب مطمئنا انعكس نور # الاطمئنان من مرآة قلبه على نفسه فتصير مطمئنة أيضا فيستحق بجذبات ~~العناية لخطاب ارجعي [الفجر: 28] ثم أشار إلى أن الاطمئنان ثمرة غرس شجرة ~~الإيمان والعمل الصالح في أرض القلب فقال: # الذين آمنوا الآية. فالإشارة بطوبى إلى حقيقة شجرة «لا إله إلا الله» مثل ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة ولم يكن إلا في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ms2668 ~~وبتبعيته في قلوب المؤمنين ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم: «طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة» ~~. # فافهم. ### | [سورة الرعد (13) : الآيات 30 الى 43] # كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ~~وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30) ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله ~~الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا ~~يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي ~~وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت ~~للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما ~~كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر ~~من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له ~~من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله ~~من واق (34) # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك ~~عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا ~~أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب (36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37) ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ~~(39) # وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~(40) أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه ~~وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا ms2669 يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست ~~مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) # PageV04P158 ### | القراآت: # متابي وعقابي ومآبي بالياء في الحالين: يعقوب والسرنديبي عن قنبل وافق ~~سهل وعباس في الوصل بل زين ونحوه بالإدغام: علي وهشام وصدوا بضم الصاد وكذا ~~في «حم المؤمن» : عاصم وحمزة وعلي وخلف ويعقوب. # الباقون بفتحها. ويثبت مخففا من الإثبات: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وعاصم. الآخرون بالتشديد من التثبيت الكافر لمن على التوحيد: أبو عمرو وأبو ~~جعفر ونافع وابن كثير. الباقون الكفار على الجمع. ### | الوقوف: # بالرحمن ط إلا هو ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل. متاب 5 الموتى ط لأن ~~جواب «لو» محذوف أي لكان هذا القرآن. جميعا ط في الموضعين وعد الله ط ~~الميعاد ه أخذتهم ج للاستفهام مع الفاء عقاب ه بما كسبت ج لحق الخبر ~~المحذوف التقدير كمن ينفع ولا يضر، ولأن قوله: وجعلوا يصلح استئنافا أو ~~حالا بإضمار «قد» شركاء ط سموهم ط لحق الاستفهام من القول # PageV04P159 # ط عن السبيل ه هاد ه أشق # ج لاتفاق الجملتين مع النفي في الثانية واق # ه المتقون ه ط لأن التقدير فما يتلى عليك مثل الجنة وللوصل وجه يذكر في ~~التفسير. # الأنهار ط وظلها ط اتقوا ق قد قيل: والوصل أجوز لأن الجمع بين بيان ~~الحالين أدل على الانتباه النار ه بعضه ط ولا أشرك به ط مآب ه عربيا ط ~~العلم لا لأن ما بعده جواب. واق ه وذرية ط بإذن الله ط كتاب ه ويثبت ج ~~والوصل أجوز لتمام مقصود الكلام الكتاب ه الحساب ه أطرافها ط لحكمه ط ~~الحساب ه جميعا ط كل نفس ط الدار ه مرسلا ط وبينكم ط للعطف الكتاب ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس والحسن أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء قبلك في أمة قد خلت من ~~قبلها أمم وقال آخرون: معنى التشبيه كما أرسلنا إلى أمم وآتيناهم كتبا تتلى ~~عليهم كذلك آتيناك هذا الكتاب وأنت تتلوه ms2670 عليهم فلم اقترحوا غيره؟ وقال في ~~الكشاف: # معناه مثل ذلك الإرسال أرسلناك يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر ~~الإرسالات. ثم فسر كيف أرسله فقال: في أمة قد خلت من قبلها أمم كثيرة فهي ~~آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء. ثم ذكر مقصود الإرسال فقال لتتلوا أي لتقرأ ~~عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون وحال هؤلاء أنهم يكفرون ~~بالرحمن للمفسرين خلاف في تخصيص لفظ الرحمن بالمقام فقال جار الله: المراد ~~كفرهم بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء وما بهم من نعمة فمنه، فكفروا ~~بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال مثل هذا القرآن المعجز المصدق لسائر ~~الكتب عليهم. # وعن ابن عباس في رواية الضحاك: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن فقالوا وما الرحمن؟ # فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهم إن الرحمن الذين أنكرتم معرفته هو ~~ربي لا إله إلا هو الواحد القهار المتعالي عن الشركاء. عليه توكلت في نصرتي ~~عليكم وإليه متاب رجوعي فيثيبني على مصابرتكم. # وقيل: نزلت في صلح الحديبية حين أرادوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعلي عليه السلام: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل ~~بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة- يعنون مسيلمة الكذاب- ~~اكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون. فأنزل الله الآية. # فعلى هاتين الروايتين كان الذم متوجها على كفرهم بإطلاق هذا الاسم على ~~غير الله تعالى لا على جحودهم أو إشراكهم. # روي أن أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرض عليهم الإسلام فقال له رؤساؤهم- كأبي جهل وعبد الله بن أمية ~~المخزومي- سير # PageV04P160 # لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا واجعل لنا فيها أنهارا نزرع فيها، ~~وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقوله أم باطل فقد كان عيسى يحيي ~~الموتى، أو سخر لنا الريح حتى نركبها ونسير في البلاد فقد كانت الريح مسخرة ~~لسليمان ولست بأهون على ربك منه فنزل ms2671 قوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # عن مقارها وأزيلت عن مراكزها أو قطعت به الأرض أي وقع به السير في البلاد ~~فوق المعتاد شبه طي الأرض أو شققت فجعلت أنهارا وعيونا أو كلم به الموتى ~~بعد إحيائهم به لكن هذا القرآن. # قال الراوي: لما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذا الوحي ~~قال: والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان ولكنه خيرني بين أن ~~تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم ثم إن ~~كفرتم يعذبكم عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فاخترت باب الرحمة. # وقال الزجاج: معناه ولو أن قرآنا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض ~~وتكليم الموتى أي تنبيههم لما آمنوا به كقوله: ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة [الأنعام: 111] الآية. وقال في الكشاف: هذه الآية لبيان تعظيم شأن ~~القرآن. ومعنى تقطيع الأرض تصدعها كقوله ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا [الحشر: 21] ونقل في الكشاف عن الفراء أن الآية تتعلق ~~بما قبلها والمعنى وهم يكفرون بالرحمن. # وبمدلول هذا الكلام وهو قوله: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال وما بينهما ~~اعتراض. ثم قال ردا عليهم بل لله الأمر جميعا قال أهل السنة: يعني إن شاء ~~فعل وإن شاء لم يفعل ولا اعتراض لأحد عليه. وقالت المعتزلة: له القدرة على ~~الآيات التي اقترحتموها إلا أن علمه بأن إظهارها مفسدة يصرفه، أوله أن ~~يلجئهم إلى الإيمان إلا أنه بنى أمر التكليف على الاختيار. قالوا: ويعضده ~~قوله: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله مشيئة الإلجاء لهدى الناس ~~جميعا أولو يشاء لهداهم إلى الجنة، أو المراد نفي العموم لا عموم النفي ~~وذلك أنه ما شاء هداية الأطفال والمجانين. أجاب أهل السنة بأن كل هذا خلاف ~~الظاهر. # ومعنى أفلم ييأس أفلم يعلم. وهذا لغة قوم من النخع. وقال الزجاج: إنه ~~مجاز لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى ~~الخوف، والنسيان في معنى ms2672 الترك لتضمنهما إياهما، ويؤيده قراءة علي عليه ~~السلام وابن عباس وجماعة أفلم يتبين وهو تفسير أفلم ييأس. وقيل: إن قراءتهم ~~أصل والمشهورة تصحيف وقع من جهة أن الكاتب كتبه مستوي السينات. وهذا القول ~~سخيف جدا والظن بأولئك الثقات الحفظة غير ذلك ولهذا قال في الكشاف: هذه ~~والله فرية ما فيها مرية. # وجوز أن يتعلق أن لو يشاء ب آمنوا معناه أفلم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرة ~~الذين # PageV04P161 # آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. ثم أوعد الكافرين بقوله: ولا ~~يزال الذين كفروا يعني عامة الكفار تصيبهم بما صنعوا من كفرهم وسوء أعمالهم ~~قارعة داهية تقرعهم من السبي والقتل أو تحل القارعة قريبا من دارهم فيتطاير ~~إليهم شررها. حتى يأتي وعد الله وهو إسلامهم أو موتهم أو القيامة. وقيل: ~~خاصة في أهل مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يبعث السرايا ~~حول مكة فتغير عليهم وتختطف منهم، وعلى هذا احتمل أن يكون قوله: أو تحل ~~خطابا أي تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم بجيشك كما في يوم الحديبية حتى ~~يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان قد وعده الله الفتح عموما وخصوصا وكان كما ~~وعد وكان معجزا إن الله لا يخلف الميعاد قد مر البحث في أول سورة آل عمران ~~ثم ازداد في الوعيد فقال: ولقد استهزئ الآية. والإملاء الإمهال وقد مر ~~هناك. والاستفهام في قوله: فكيف كان عقاب للتقرير والتهديد. ثم أورد على ~~المشركين ما يجري مجرى الحجاج والتوبيخ والتعجب من عقولهم فقال: أفمن هو ~~قائم على كل نفس بما كسبت ومعنى القائم الحفيظ والرقيب أي الله العالم بكل ~~المعلومات القادر على كل الممكنات كمن ليس كذلك. وجوز في الكشاف أن يقدر ~~الخبر بحيث يمكن عطف وجعلوا عليه التقدير: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه ~~وجعلوا له شركاء فيكون قوله: «لله» من وضع الظاهر مقام الضمير، وذكر السيد ~~صاحب حل العقد أنه يجوز أن يجعل الواو في قوله: وجعلوا لله للحال ويضمر ~~للمبتدأ خبر يكون ms2673 المبتدأ معه جملة مقررة لإنكار ما يقارنها من الحال ~~والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء فأقيم ~~الظاهر مقام المضمر كما قلنا تقريرا للإلهية وتصريحا بها وإنه هو الذي ~~يستحق العبادة وحده وهذا كما تقول معطي الناس ومغنيهم موجود ويحرم مثلي. ثم ~~زاد في المحاجة فقال: قل سموهم أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم وأنبئوه ~~بأسمائهم. وإنما يقال ذلك في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه ~~فيقال: سمه إن شئت يعني أنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له ~~اسما فافعل. وقيل: المراد سموهم بالآلهة على سبيل التهديد. # قال في الكشاف: «أم» في قوله أم تنبئونه منقطعة كقولك للرجل قل لي من زيد ~~أم هو أقل من أن يعرف. أقول: وذلك لأنه لا شيء محض إذ لو كان الشريك موجودا ~~وهو أرضي لتعلق به علم العالم بالذات المحيط بجميع السفليات ونحوه قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم [يونس: 18] وقد مر في أول «يونس» . ثم أكد هذا ~~المعنى بقوله: أم بظاهر من القول أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من الكلام من ~~غير أن يكون له حقيقة # PageV04P162 # كقوله: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها [يوسف: 40] وهذا الاحتجاج ~~من أعاجيب الأساليب التي اختص بها القرآن الكريم المعجز فلله در شأن ~~التنزيل. ثم بين سوء طريقتهم فقال: بل زين للذين كفروا مكرهم قال الواحدي: ~~معنى «بل» هاهنا كما يقال دع ذكر الدليل فإنه لا فائدة فيه إنه كذا وكذا. ~~والكلام في أن المزين هو الله تعالى أو غيره قد مر في أول سورة آل عمران، ~~وكذا البحث فيمن قرأ وصدوا بضم الصاد، وأما من قرأ بالفتح فيحتمل أن يكون ~~لازما أي أعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون متعديا أي صرفوا غيرهم. والخلاف في ~~قوله: ومن يضلل الله تقدم في مواضع منها آخر الأعراف ثم عاد إلى الإيعاد ~~فقال: لهم عذاب في الحياة الدنيا # من القتل والقتال واللعن والذم لا المصائب ms2674 والأمراض لأنها قد تصيب ~~المؤمنين أيضا، ولأنها مأمور بالصبر عليها والعقاب لا يكون كذلك ولعذاب ~~الآخرة أشق # لأنه أشد وأدوم وما لهم من الله # أي من عذابه من واق # من حافظ أو ما لهم من جهة الله واق أي دافع ومانع من رحمته بل إنما يمنع ~~رحمته منهم باختياره وحكمه. ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: مثل الجنة وتقديره ~~عند سيبويه فيما قصصنا عليكم في الجنة. وقال غيره: الخبر تجري كما تقول صفة ~~زيد أسمر. وقال الزجاج: إنه تمثيل للغائب بالشاهد ومعناه مثل الجنة جنة ~~تجري من تحتها الأنهار. وقيل: إن فائدة الخبر ترجع إلى قوله: أكلها دائم ~~كأنه قال مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار كما تعلمون من ~~حال جناتكم إلا أن هذه أكلها دائم كقوله: لا مقطوعة ولا ممنوعة [الواقعة: ~~33] . وظلها دائم أيضا. والمراد أنه لا حر هناك ولا برد ولا شمس ولا قمر ~~ولا ظلمة، وقد مر هذا البحث في سورة النساء في قوله: وندخلهم ظلا ظليلا ~~[الآية: 57] قيل: في الآية دلالة على أن حركات الجنة لا تنتهي إلى سكون ~~دائم كما يقوله أبو الهذيل وأتباعه. قال القاضي: وفيها دليل على أن الجنة ~~لم تخلق بعد وإلا انقطع أكلها لقوله تعالى: كل من عليها فان [الرحمن: 26] ، ~~كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] قال: ولم ننكر أن تحصل الآن في السموات ~~جنات تتمتع بها الملائكة ومن يعد حيا من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أن ~~جنة الخلد خاصة إنما تخلق بعد الإعادة. وأجيب بأنا نخصص عموم كل شيء هالك ~~بالدليل الدال على أن الجنة مخلوقة وهو قوله: أعدت للمتقين [آل عمران: 133] ~~. # ثم ذكر عقائد الفرق في شأن القرآن المتلو فقال: والذين آتيناهم الكتاب ~~قيل: # أراد بالكتاب القرآن يعني أن المسلمين يفرحون بما أنزل إليك من الشرائع ~~والعلوم ومن الأحزاب الجماعات من اليهود والنصارى وغيرهم من ينكر بعضه ~~لأنهم كانوا # PageV04P163 # لا ينكرون الأقاصيص وبعض الأحكام المطابقة لشرائعهم وعقائدهم، وإنما ~~أنكروا ما يختص به الإسلام من نعت الرسول وغيره ms2675 قاله الحسن وقتادة. واعترض ~~عليه بأن أهل الإسلام فرحهم بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره. ويمكن ~~أن يقال: المراد زيادة الفرح والاستبشار بما فيه من العلوم والفوائد وأنهم ~~يتلقون نزول الوحي بالبشر والطلاقة لا بالتثاقل والجهالة. وقيل: الكتاب ~~التوراة والإنجيل، والمراد من أسلم من اليهود كعبد الله بن سلام وكعب ومن ~~أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض ~~الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، فرحوا بالقرآن لأنهم آمنوا به وصدقوه، ~~والأحزاب بقية أهل الكتاب والمشركون قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أراد أن ~~اليهود والنصارى كلهم يفرحون بما أنزل إليك لأنه مصدق لما معهم، ومن سائر ~~الكفرة من ينكر بعضه. واعترض بأنهم كلهم لا يفرحون بكل ما أنزل إلى رسولنا. ~~وقوله: بما أنزل يفيد العموم. وأجيب بالمنع من أن ما يفيد العموم لصحة ~~الاستثناء ولصحة إدخال كل عليه ولا تكرير وإدخال بعض ولا نقص. ثم لما بين ~~عقائد الفرق أمر نبيه بأن يصرح بطريقته فقال: قل إنما أمرت أن أعبد الله ما ~~أمرت إلا بعبادته وعدم الإشراك به ويندرج فيه جميع وظائف العبودية. ثم ذكر ~~أنه مع كماله مكمل فقال: إليه أدعوا خصه بالدعاء إلى عبوديته دون غيره ~~كائنا من كان. ثم ختم بذكر المعاد فقال وإليه مآب لا مرجع لي إلا إليه. ومن ~~تأمل في هذه الألفاظ عرف أنها مع قلتها مشتملة على حاصل علوم المبدأ والوسط ~~والمعاد. ثم ذكر بعض فضائل القرآن وأوعد على الإعراض عن اتباعه فقال: وكذلك ~~أنزلناه الضمير يعود إلى ما في قوله: بما أنزل إليك أو إلى القرآن في قوله: ~~ولو أن قرآنا ووجه التشبيه كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم كذلك ~~أنزلنا إليك هذا القرآن. وقال في الكشاف: معناه ومثل ذلك الإنزال أنزلناه ~~مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدار ~~الجزاء حكما عربيا نصب على الحال أي حكمة مترجمة بلسان العرب. وقيل: سمي ~~حكما لأنه حكم على جميع المكلفين بقبوله والعمل به، أو لأنه اشتمل على ms2676 أصول ~~الأحكام والشرائع فجعل نفس الحكم للمبالغة. # روي أن الكفار كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور ~~ليوافقهم فيها منها: أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله الله عنها فأوعد على ~~ذلك. # وعن ابن عباس: الخطاب له والمراد أمته وقد مر الوجوه في مثله في أوائل ~~سورة البقرة. # قال الكلبي: عيرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى ~~لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح. ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة ~~عن النساء فأنزل الله تعالى: ولقد # PageV04P164 # أرسلنا الآية. # وفيه أن الرسل كانوا من جنس البشر لا من جنس الملك وما كان لهم نقص من ~~قبل الزواج والولاد فقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة منكوحة وسبعمائة سرية، ~~ولداود مائة، وذراري يعقوب أكثر من أن تحصى، وكانوا يقترحون الآيات فأجاب ~~الله تعالى عنه بقوله: وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ولا بد ~~لكل نبي من معجز واحد والزائد على ذلك بل أصل النبوة وتعيين المعجز الواحد ~~مفوض إلى مشيئته سبحانه ولا حكم لأحد عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يخوفهم بنزول العذاب وظهور نصرة الإسلام وذويه فكانوا يكذبونه ~~ويستبطئون موعده فأجيبوا بقوله: لكل أجل كتاب أي لكل وقت حكم مكتوب وحادث ~~معين لا يتأخر ذلك الحكم والحادث عنه ولا يتقدم عليه. وقيل: # هذا على القلب أي لكل مكتوب وقت معين. والتحقيق أنه لا حاجة إلى ارتكاب ~~القلب لأن المعية تقتضي التلازم وكانوا ينكرون النسخ في الشرائع وفي ~~التكاليف فنزل: يمحوا الله ما يشاء ويثبت أي يثبته فاستغنى بالصريح عن ~~الكناية. والمحو ذهاب أثر الكتابة ونحوها. وفي الآية قولان: الأول # أنها عامة وأنه سبحانه يمحو من الرزق ويزيد فيه وكذا القول في الأجل ~~والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود، وقد رواه جابر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والذاهبون إليه كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله في أن يجعلهم سعداء إن ~~كانوا أشقياء وهذا لا ينافي # قوله: «جف ms2677 القلم» «1» # لأن المحو والإثبات أيضا من جملة ما قضى به. الثاني أنها خاصة في بعض ~~الأشياء فقيل: أراد نسخ حكم وإثبات آخر مكانه وقد مر تمام البحث في النسخ ~~في «البقرة» في قوله: ما ننسخ من آية [الآية: 106] . وقيل: يمحو من ديوان ~~الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت غيره. ~~واعترض الأصم عليه بأنه ينافي قوله تعالى مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف: 49] وأجاب القاضي بأن المراد صغائر الذنوب ~~وكبائرها. ورد بأن هذا اصطلاح المتكلمين والمفهوم اللغوي أعم فيتناول ~~المباحات أيضا. وقيل: يمحو بالتوبة ما يشاء من الكفر والمعاصي ويثبت بدلها ~~الحسنة كقوله: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70] . وقيل: يثبت ~~في أول السنة أحكام تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ويثبت كتاب آخر ~~للمستقبل. # وقيل: يمحو نور القمر ويثبت نور الشمس أو يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. أما ~~قوله: # وعنده أم الكتاب أي أصله فقيل: هو اللوح المحفوظ. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان الله ولا PageV04P165 # شيء ثم خلق اللوح المحفوظ وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى يوم القيامة» # فعلى هذا عند الله كتابان: أحدهما اللوح المحفوظ وإنه لا يتغير، وثانيهما ~~الذي تكتبه الملائكة على الخلق وهو محل المحو والإثبات. # روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله سبحانه في ثلاث ~~ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما ~~يشاء ويثبت ما يشاء» . # وقيل: هو علم الله تعالى المتعلق بجميع الموجودات والمعلومات وإنه لا ~~يتغير ولا يتبدل بتغير المتزمنات وتبدلها، وقد مر تحقيقه في مواضع. # ولما بين كيفية انطباق الحوادث على أوقاتها قال: وإما نرينك يعني كيفما ~~دارت الحال أريناك مصارعهم وما وعدناهم من العذاب أو توفيناك قبل ذلك، فليس ~~يجب عليك إلا التبليغ وما حسابهم وما جزاؤهم إلا علينا. والبلاغ بمعنى ~~التبليغ كالسلام والكلام. ثم ذكر أن آثار حصول تلك المواعيد وأماراتها قد ~~ظهرت وقربت وأن تباشير ms2678 الظفر قد طلعت ولاحت فقال: أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~يعني إتيان القهر والغلبة بدليل ننقصها من أطرافها والأرض أرض مكة كان ~~المسلمون ينالون من أهاليها ونواحيها في البعوث والسرايا والجيوش، والآن ~~صارت الأرض أعم وأشمل ولله الحمد على إعلاء شأن المسلمين زاده الله علوا، ~~فلا يزال ينقص شيء من ديار الكفر ويريد في بلاد الإسلام. # ونقل عن ابن عباس أن المراد بنقص أطراف الأرض موت أشرافها وكبرائها ~~وعلمائها وصلحائها. قال الواحدي: الأليق بالمقام هو القول الأول. وقد يوجه ~~الثاني بأنه أراد أنهم إذا شاهدوا هذه التغيرات فما الذي يؤمنهم أن يقلب ~~الله عليهم الأمر فيجعلهم أذلة مغلوبين بعد أن كانوا أعزة غالبين. ثم أكد ~~هذا المعنى بقوله: والله يحكم ومحل لا معقب لحكمه نصب على الحال والمعقب ~~الذي يكر على الشيء فيبطله وذلك أنه يعقبه بالرد والإبطال فكأنه قيل: والله ~~يحكم نافذا حكمه. وهو سريع الحساب عن ابن عباس: هو سريع الانتقام فيعاقبهم ~~في الدنيا ثم في الآخرة. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وقد مكر ~~الذين من قبلهم برسلهم كنمرود بإبراهيم وفرعون بموسى واليهود بعيسى. فلله ~~المكر جميعا. قال الواحدي: لأن مكر جميع الماكرين بتخليقه وإرادته ولأنه لا ~~يضر إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره. وقالت المعتزلة: إنه جعل مكرهم كلا ~~مكر بالإضافة إلى مكره. # وقيل: أراد فلله جزاء مكر الماكرين. قال الواحدي: والقول الأول أظهر ~~بدليل قوله: # يعلم ما تكسب كل نفس يريد أن أكسابها بأسرها معلومة لله تعالى وخلاف ~~معلومه ممتنع الوقوع فلا يقدر العبد على خلاف معلومه. وناقضت المعتزلة بأنه ~~أثبت لكل نفس كسبا فدل على أنه مقدور العبد. وأجيب بأن المقتضي للفعل عندنا ~~هو مجموع القدرة # PageV04P166 # والداعي وهذا معنى قولهم الكسب حاصل للعبد. ثم ختم الآية بوعيد آخر ~~إجمالي فقال: # وسيعلم الكفار من قرأ على الجمع فظاهر، ومن قرأ على الوحدة فالمراد ~~الجنس. # وعن ابن عباس أن المراد أبو جهل. وعن عطاء أراد المستهزئين وهم خمسة، ~~والمقتسمين وهم ثمانية وعشرون. # ثم ذكر ms2679 حاصل شبههم مع الجواب القاطع فقال: ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~قل كفى بالله شهيدا والمراد من هذه الشهادة أنه أظهر المعجزات على وفق ~~دعواه ولا شهادة أعلى من هذه لأن الشهادة القولية منا لا تفيد إلا غلبة ~~الظن وهذه تفيد القطع بصحة نبوته. ثم عطف على اسم الله قوله: ومن عنده علم ~~الكتاب أي الذي حصل عنده علم القرآن وفهم معانيه واشتماله على دلائل ~~الإعجاز من النظم الأنيق والأسلوب العجيب الفائت لقوى البشر. فمن علم هذا ~~الكتاب على هذا الوجه شهد بأنه معجز قاهر وأن الذي ظهر هذا المعجز عليه نبي ~~حق ورسول صدق. وعن الحسن وسعيد بن جبير والزجاج: أن الكتاب هو اللوح ~~المحفوظ. والمعنى كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح ~~المحفوظ إلا هو يعني الله جل وعلا شهيدا. ويعضده قراءة من قرأ ومن عنده على ~~من الجارة. واعترض على هذا القول بأن عطف الصفة على الموصوف بعيد لا يقال: # شهد بهذا زيد والفقيه، وإنما يقال: زيد الفقيه. وقيل: المراد شهادة أهل ~~الكتاب من الذين آمنوا برسول الله كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم ~~الداري لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم. والاعتراض بأن إثبات النبوة بقول ~~الواحد والاثنين مع جواز الكذب على أمثالهما لكونهم غير معصومين لا يجوز. ~~وقال الزجاج: الأشبه أن الله تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره. وعن ~~الحسن: لا والله ما يعني إلا الله. وعن سعيد بن جبير أن السورة مكية وابن ~~سلام وأصحابه آمنوا بالمدينة بعد الهجرة والله أعلم بمراده. ### | التأويل: # وهم يكفرون بالرحمن يعنى أن الصفة الرحمانية اقتضت إيجاد جميع الموجودات ~~وإفاضة جميع النعم كما أن صفة القهارية كانت مقتضية للوحدة بأن لا يكون معه ~~شيء ولا نعمة أجل من بعث الرسل، ففيه صلاح حال الدارين لهم، فإذا جحدوا ~~الرسول فقد جحدوا الرحمن وهذا سبب تخصيص هذا الاسم بالمقام كقوله: إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] ولذلك أمر بأن يقول في ~~الجواب: ms2680 هو ربي الذي رباني لا إله إلا هو لا يستحق العبادة إلا هو ولا أفوض ~~أمري إلا إليه وإليه مرجعي كما كان منه مبدئي سيرت به جبال النفوس أو قطعت ~~به أرض البشرية أو كلم به القلوب الميتة بتلاوته عليهم تصيبهم بما صنعوا من ~~كفرهم # PageV04P167 # بالرحمن قارعة من الأحكام الأزلية تقرعهم في أنواع المعاملات التي تصدر ~~عنهم موجبة للشقاوة أو تحل قريبا من دارهم قالبهم بأن تصدر تلك المعاملة ~~ممن يصحبهم: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه حتى يأتي وعد الله يدرك الشقاء الأزلي. ~~ومن أمارات الشقاوة الاستهزاء بالأنبياء والأولياء ثم أخذتهم أي أمسكتهم ~~لئلا يرجعوا عن مقام الشقاوة لهم عذاب في الحياة الدنيا # بالبعد والحجاب وعبودية النفس والهوى ولعذاب الآخرة # بأنواع الحسرات والشعور بالهيئات والملكات الموجبة للدركات أكلها دائم هي ~~مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال وظلها أي إنهم في ظل معاملاتهم وأحوالهم ~~التابعة لشمس وجودهم على الدوام والذين آتيناهم الكتاب هم السر والروح ~~والقلب الذين فهموا أسرار القرآن ومن الأحزاب النفس والهوى والقوى من ينكر ~~بعضه لثقل التكليف عليهم وللجهل بفوائده ولئن اتبعت أهواءهم المخالفين ~~بالشرك في الطلب من بعد ما جاءك من العلم وهو طلب الوحدانية ببذل الأنانية ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية فيه أن الرسل جذبتهم العناية في البداية فترقوا من ~~حضيض الحيوانية إلى أوج الروحانية ثم إلى معارج النبوة والرسالة في النهاية ~~فلم يبق فيهم من دواعي البشرية ما يزعجهم إلى طلب الأزواج بالطبيعة والركون ~~إلى الأولاد بخصائص الحيوانية بل رغبهم الله سبحانه في ذلك على وفق الشريعة ~~بخصوصية الخلافة بإظهار صفة الخالقية ومثله وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام [الأنبياء: 8] يمحوا الله ما يشاء لأهل السعادة من أفاعيل أهل ~~الشقاوة ويثبت لهم من خصال أهل السعادة وبالعكس لأهل الشقاوة وعنده أم ~~الكتاب الذي قدر فيه خاتمة كل من الفريقين وإما نرينك بالكشف بعض مقاماتهم ~~كما أخبر عن العشرة المبشرة بأنهم في الجنة وعن غيرهم بأنه في النار. أنا ~~نأتي الأرض أرض البشرية فننقص منها بالازدياد في ms2681 الأوصاف الروحانية. # PageV04P168 ### | (سورة إبراهيم عليه السلام) # (مكية غير آيتين نزلتا في بدر ألم تر إلى الذين بدلوا الآيتان حروفها ~~3434 كلمها 855 آياتها اثنتان وخمسون) ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى ~~صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل ~~للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون ~~عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ~~(4) # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن ~~شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ~~ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم ~~قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي ~~شك مما تدعوننا إليه مريب (9) # قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما ~~كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر ~~مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان ~~إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله ~~وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ~~ربهم ms2682 لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي ~~وخاف وعيد (14) # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) ~~يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب ~~غليظ (17) # PageV04P169 ### | القراآت: # الله الذي بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ~~والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا ~~وصل. # الباقون بالجر مطلقا وعيدي بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس ~~في الوصل. ### | الوقوف: # الر قف كوفي الحميد ه ط لمن قرأ الله بالرفع. وما في الأرض ط شديد ه لا ~~بناء على أن الذين صفة الكافرين عوجا ط بناء على ما قلنا أو على أن الذين ~~منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل الذين مبتدأ ~~خبره أولئك في ضلال فلا وقف على عوجا ولك أن تقف على شديد للآية بعيد ه ~~ليبين لهم ط لأن قوله: فيضل حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ويهدي من يشاء ~~ط الحكيم ه بأيام الله ط شكور ه ط نساءكم ط عظيم ه لشديد ه جميعا لا لأن ما ~~بعده جزاء حميد 5 وثمود ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفا ومن عطف فوقه على من ~~بعدهم ط إلا الله ط مريب ه والأرض ط فصلا بين الاستخبار والإخبار مسمى ط ~~لتقدير همزة الاستفهام في تريدون. مبين ه من عباده ط بإذن الله ط المؤمنون ~~ه سبلنا ط آذيتمونا ط المتوكلون ه في ملتنا ط من بعدهم ط وعيد ه عنيد ه لا ~~لأن ما بعده وصف صديد ه لا لذلك بميت ط غليظ ه. ### | التفسير: # كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ ~~وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان. قوله: الر كتاب أي السورة المسماة ب الر ~~كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا وإن كان الر مذكورا على جهة التعديد فقوله: ~~كتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا ms2683 القرآن أو هذه السورة كتاب. والظلمات استعارة ~~لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق. واللام في لتخرج للغرض عند # PageV04P170 # المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة. واللام في الناس ~~للجنس المستغرق ظاهرا ففيه دليل على أن دعوته صلى الله عليه وسلم عامة. ~~ومعنى إخراج النبي صلى الله عليه وسلم إياهم من الظلمات إلى النور أنه ~~سبحانه جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته صلى الله عليه وسلم إياهم به إلى الحق ~~واسطة لهدايتهم لا مطلقا ولكن بإذن ربهم أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما ~~خلق له. # والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ~~ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى ~~بداعية الإيمان. احتج بالآية من قال: إن معرفة الله تعالى لا تمكن إلا ~~بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور. وأجيب بأن معنى ~~الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله إلى صراط العزيز ~~الحميد بدل من قوله: إلى النور بتكرير العامل الجار. وجوز في الكشاف أن ~~يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟ # فقيل: إلى صراط العزيز الحميد. وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط ~~واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد ~~من العلم والغنى وغير ذلك. ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج ~~لعباده مفضيا إلى صلاح حالهم دينا ودنيا، إذ لا حاجة به إلى ارتكاب عبث أو ~~قبيح. قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله ~~العلم بكونه قادرا غالبا وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ~~والعلم بكونه غنيا عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه ~~تحقيقا لحقية صراطه وبيانا لتنزهه عن العبث فقال: الله الذي مبتدأ وخبر ~~والمبتدأ محذوف تقديره هو الله. ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين ~~بناء على أن لفظ الله جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا ms2684 البحث مشبعا في ~~تفسير البسملة من سورة الفاتحة. ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ~~ولا يقر بوحدانيته وذلك قوله: وويل للكافرين وهو دعاء عليهم بالهلاك ~~والثبور وكل سوء. قال في الكشاف: # وجه اتصال قوله: من عذاب شديد بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ~~ويلاه. # الذين يستحبون أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب ~~من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ~~ولكنه يكره كونه محبا له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبا له وأحب تلك ~~المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى ~~مراتب الضلال. وقوله: ويصدون عن سبيل الله إشارة إلى الضلال. وقوله: ~~ويبغونها عوجا أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال ~~نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن # PageV04P171 # الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف. ويمكن أن يكون ~~إسنادا مجازيا باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق. # ثم لما من على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك ~~النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم. احتج أصحاب أبي هاشم بالآية ~~على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين ~~بالإشارة والقرائن كالأطفال. قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون ~~بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه أي بلغتهم لزم الدور. # أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه ~~فيندفع الدور. # وتمسك طائفة من اليهود- يقال لهم العيسوية- بهذه الآية في أن محمدا رسول ~~الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، ~~فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم. والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن ~~قوم النبي أخص من أهل دعوته. فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما ~~في حق نبينا صلى الله عليه وسلم لأن التحدي وقع بالفريقين في قوله: قل ms2685 لئن ~~اجتمعت الإنس والجن [الإسراء: 88] وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول ~~لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أولا إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم ~~إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطويل ~~ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم ~~والإرشاد والاجتهاد. وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: لتخرج ~~الناس ووسطها وهو قوله: ليبين لهم فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان ~~للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله الحكيم فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، ~~والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال. وقالت الأشاعرة: قوله: بإذن ربهم ~~وقوله: فيضل الله من يشاء وقوله: العزيز فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره ~~قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا. أقول: # نحن قد حققنا مسألة الجبر مرارا فتذكر. ومما يخص هذا الموضع قول الفراء ~~إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على ~~الاستئناف هو الوجه كقوله: # لنبين لكم ونقر [الحج: 5] بالرفع نظيره في الآية قوله: فيضل بالرفع على ~~الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم ~~تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها. ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله ~~والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسببا لما بين أن ~~المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى ~~النور، أراد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن # PageV04P172 # إلا ذلك وذكر لذلك مثالا. وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم سوى أمة ~~محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة. ومعنى أن أخرج أي أخرج لأن ~~الإرسال فيه معنى القول، ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج. ومعنى ~~التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم. ويقال: ~~أيام العرب لحروبها وملاحمها. # وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ~~وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت ms2686 تسخير فرعون، أو ~~المراد عظهم بالترغيب والترهيب إن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لكل صبار ~~على الضراء شكور على السراء. وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ~~ينتفعون بها. # ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل هاهنا «يا قوم» ~~كما ذكر في المائدة اقتصارا على ما ذكره هناك. وقوله: عليكم إن كان صلة ~~للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: إذ أنجاكم ظرف للإنعام أيضا، وإن كان مستقرا ~~بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب إذ أنجاكم ب عليكم وفي ~~الوجهين جاز أن يكون «إذ» بدلا من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل ~~الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة. # ومن جملة النعم قوله: وإذ تأذن أي واذكروا حين آذن ربكم إيذانا بليغا ~~ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات. وقد تقدم في أواخر «الأعراف» أن فيه ~~معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، ~~وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع ~~أقسام ما أنعم الله تعالى به عليه فيما أعطاه لأجله. ولا شك أن المكلف إذا ~~سلك هذا الطريق كان دائما في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه ~~وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات ~~الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد ~~من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن رؤية النعم، ويصدر منه ~~الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعا والتكلف خلقا، وهذا ~~معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق ~~والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعا منقادا لواجب ~~الوجود سبحانه تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو- أي لا عجب- أن ينقاد لذلك ~~النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن ~~كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ms2687 ~~ولئن كفرتم يعني كفران النعم إن عذابي لشديد ثم بين أن منافع الشكر ومضار ~~الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله تعالى غني عن # PageV04P173 # ذلك كله فقال: إن تكفروا أنتم الآية. وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب ~~الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنيا عن الحاجات متصفا بكل ~~الكمالات أهلا للحمد وإن لم يكن حامدا. # قوله: ألم يأتكم يحتمل أن يكون خطابا من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل ~~هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن ~~يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله ~~أبو مسلم. # والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم تحذيرا ~~لهم عن مخالفته. وقوله: # والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله إن كان جملة من مبتدأو خبره فالمجموع ~~اعتراض وإن كان قوله: والذين من بعدهم معطوفا على قوم نوح فقوله: لا يعلمهم ~~إلا الله وحده اعتراض. ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم بأن ~~تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائدا إلى ~~ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن ~~عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. وكان ابن مسعود إذا قرأ ~~هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله ~~علمها عن العباد. ونظير الآية قوله: وقرونا بين ذلك كثيرا [الفرقان: 38] ~~منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك [غافر: 78] قال القاضي: وعلى هذا ~~الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت ~~لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة. ثم إنه تعالى حكى ~~عن هؤلاء الأقوام أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات أتوا بأمور أحدها فردوا ~~أيديهم في أفواههم وفيه قولان: # أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول ~~أن الكفار ردوا أيديهم في ms2688 أفواههم فعضوها غيظا وضجرا مما جاءت به الرسل ~~كقوله: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [آل عمران: 119] . قاله ابن عباس وابن ~~مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكا واستهزاء كمن غلبه ~~الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن ~~هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ~~ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به أي هذا جوابنا ~~لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، وهذا قول قوي لعطف قوله: وقالوا ~~على قوله: فردوا الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد ~~أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا ~~أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام البتة، أو يكون الضميران الأخيران راجعين # PageV04P174 # إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ~~ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقط عائدا إلى الرسل ~~والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى ~~أفواه الرسل تكذيبا لهم وردا عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء ~~منعا لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول. القول الثاني: ~~أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز. عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به ~~الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا ~~الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل. ونقل ~~محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب رد يده في فيه. ~~فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: ~~إنا كفرنا بما أرسلتم به. والمراد بما زعمتم أن الله أرسلكم به وكأنهم في ~~أول الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي ~~الثالثة قالوا: وإنا لفي شك وقد مر مثله في سورة هود. فإن قلت: كيف صرحوا ~~بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟ قلنا: # أرادوا إنا كافرون ms2689 برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك ~~في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم. ثم إنه سبحانه ~~حكى جواب الرسل وذلك قولهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض أدخل همزة ~~الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود ~~الله لا يحتمل الشك. # قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد ~~المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين: إنه كان من عقيدتي ~~أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير ~~من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب ~~الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على ~~دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن ~~لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين. والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنبهات في ~~هذا المقام لأنها مقررة لقوله سبحانه: أفي الله شك فأقول وبالله التوفيق: ~~المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب ~~العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معا، أو واجب الوجود والعدم معا، أو واجب ~~الوجود وممكن الوجود والعدم معا، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معا، ~~أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم # PageV04P175 # جميعا. فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها ~~في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب ~~العدم في ذاته معا، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، ~~والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، الخامس واجب الوجود ~~لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته. ثم نقول: إن العقل ~~كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك ~~في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجودا في الخارج كان ~~معدوما في الخارج. ms2690 فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، ~~وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك ~~فثبت كونه موجودا في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت ~~لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة. # وجه ثان: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ~~ضروريتها لأنها إن كان مستغنيا عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا ~~فممكن فنقول: إن كانت القسمة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في ~~الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، ~~وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط. أما كونها ~~مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معا في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في ~~الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ~~ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء ~~من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه. وإذا كان الجمع ~~بين الواجب والممكن ممكنا في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر ~~في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجودا يكون أولى بالضرورة ~~لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجود له وهذه مقدمة جلية ~~مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذ لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه ~~وجود يوجد البتة من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: ~~إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى ~~وأولى منه في الممكن. # وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة ~~وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب ~~الوجود له. # والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ~~ريب أن # PageV04P176 # الأول أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر ~~وجودا والثاني واقع بالضرورة ms2691 فالأول أولى بكونه ضروري الوقوع. # وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضوعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون ~~بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع. فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات ~~الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها ~~بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة ~~الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما ~~دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن ~~الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته ~~الكمالية فهو واجب الوجود. ومن شك في وجود ما وجوده من تلقاء نفسه ويكون ~~متصفا بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص ~~والرذائل كان أهلا لأن يهجر الحكمة. # وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة ~~العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة. فالوجود ~~الذي يجوزه العقل الصريح متصفا بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققا، ومن استبهم ~~عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه. # وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجابا له عند العقل من مقتضى كل ما ~~يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في ~~الخارج مقتضي الغير، فالوجود الذي مقتضاه الوجوب ثابت بالطريق الأولى. # وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء ~~نفسه وإلا كان وجودا واجبا لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا. فإما أن ~~يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتا في ~~نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذن حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في ~~نفسه وموصوفا بكونه مفيدا لوجود مثله. فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن ~~المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من ~~نسبتهما إلى الأول بحكم الفهم ms2692 الصحيح. # وجه ثامن: كون الشيء موجودا في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجدا ~~لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجدا لغيره، وكل موجد لغيره ~~موجود # PageV04P177 # في نفسه. وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول ~~واقعا، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوته بأقربهما من القبول ~~واقعا؟ # وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء ~~والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع ~~والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض ~~وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على ~~وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات ~~مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة المعاندين ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [لقمان: 25] ثم أخبر أنهم ~~يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم ~~وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء ~~منهم. فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته ~~بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري ~~الوجود. # وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في ~~الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيرا في ~~نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفول طالعا ~~فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعا. # وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس. من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء ~~طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئا هو به هو، وبذلك ~~يصح إنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة ~~يتصرف فيها كيف يشاء. ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في ~~سلك الجمادات، فكما أن البدن ms2693 لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر ~~يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها ~~تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو ~~الواجب الحق تعالى شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ~~ولا أثر. # وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور. ~~لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره ~~في نفسه # PageV04P178 # بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره. وما يظهره لا يمكن أن لا ~~يكون ظاهرا في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهورا لغيره ~~فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك ~~وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره ~~في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أولا. ~~فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضا ~~علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب ~~الأزل محال عندنا. وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت ~~الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير ~~متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يستحيل في الواجب لأن وجوده ~~وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ~~ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده ~~من ذاته. ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزليا أن يكون الفيض المخصوص أزليا، ~~وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت ~~المطلوب وهو وجود نور الأنوار تعالى شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات ~~في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ~~ذاته وما ms2694 بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم. هذا ما سنح من المنبهات لهذا ~~الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، ~~وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان. قال بعض العقلاء: من ~~لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول ~~التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثة النبي. أما الأول فلأن ~~الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه ~~اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في ~~الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث ~~الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟! وأما دلالتها على وجوب التكليف ~~فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربني ذلك الضارب؟ وفيه دلالة على أن ~~الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء ~~اشتهى. وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا ~~يتركه ما أمكنه. وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال ~~في جميع الأعمال؟! وأما وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن ~~العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي ~~إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ ~~والمعاد أنه لو أقر بهما ثم بان # PageV04P179 # أن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه البتة، أما إذا أنكر الصانع والتكليف ~~والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، ~~فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذا بالأحوط. # ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها ~~وذلك ثنتان: # الأولى قوله: يدعوكم أي إلى الإيمان ليغفر لكم من ذنوبكم استدل بالآية من ~~جوز زيادة «من» في الإثبات وذلك لقوله تعالى في موضع آخر: إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا [الزمر: 53] . وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب ms2695 لأمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون «من» ~~للتبعيض تمييزا بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت ~~في خطاب الكافرين إلا مقرونة ب «من» كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة ~~الأحقاف. وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف يغفر لكم ذنوبكم [الآية: 12] ~~بغير «من» . وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم ~~وبين العباد من المظالم. وقيل: «من» للبدل أي لتكون المغفرة بدلا من ~~الذنوب. # وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير. وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر ~~لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر. فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها ~~في أنفسها مغفورة. # وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم ~~على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا ~~كبيرا مغفورا. # وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون ~~المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه. وقال الإمام فخر الدين الرازي: في ~~الآية دلالة على أنه تعالى قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد ~~بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر ~~لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في ~~الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب. ولقائل أن ~~يقول: لا نسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: يدعوكم أي إلى ~~الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب ~~فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟. الغاية الثانية قوله: ويؤخركم ~~إلى أجل مسمى عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت ~~الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. وقد مر تحقيق الأجل في أول «الأنعام» ~~. # ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: إن أنتم ms2696 إلا بشر ~~مثلنا وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، ~~فيمتنع أن يبلغ التفاوت # PageV04P180 # بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى ~~الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك. الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم: ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على ~~الصدق. وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلا لاعتقادهم أن ~~معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطانا مبينا أي برهانا باهرا ~~وحجة قاهرة. ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم ~~بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوة محض ~~العطاء من الله. أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية ~~والجسمانية تواضعا منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم ~~أهل لها لخصائص فيهم. وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن ~~صحة النبوة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها وما كان لنا ~~أي ما صح منا أن نأتي بآية اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق ~~بمشيئة الله. والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم ~~أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون إلى قوله: وعلى الله فليتوكل المتوكلون قال علماء المعاني: الأول ~~لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته. وقيل: معنى الأول أن ~~الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، ~~فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في ~~دفع شر الكفار وسفاهتهم. وفي قولهم: وقد هدانا سبلنا إشارة إلى ما سهل الله ~~عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، ~~فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة ~~والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح ~~أنه تعالى يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد. وفي قولهم: ولنصبرن على ما ~~آذيتمونا دليل على أن الصبر ms2697 مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات. أما ~~قول الكفار للرسل: أو لتعودن في ملتنا فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف ~~في قصة شعيب. وقال صاحب الكشاف: العود هاهنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن ~~يخرجوهم البتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى جاره ورثه الله داره» . # ذلك الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق لمن ~~خاف مقامي يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، ~~أو # PageV04P181 # المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: أفمن هو قائم على ~~كل نفس [الرعد: 33] أو قيامي بالعدل والصواب مثل قائما بالقسط [آل عمران: ~~18] أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي. وخاف وعيد ~~قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد. قال المحققون: إن الخوف من ~~الله مغاير للخوف من وعيد الله كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه ~~فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر. قوله: واستفتحوا الضمير إما للرسل ~~والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم ~~من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل ~~على الباطل. وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا ~~بالمقصود. وخاب كل جبار عنيد معاند. وأصل العنود الميل من العند الناحية ~~والجانب كأن كلا من المتعاندين في جانب آخر. قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة ~~إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ~~وهو كونه مجانبا للحق منحرفا عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل ~~وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا. فوضع الأعم موضع الأخص. ~~والظاهر مقام الضمير تنصيصا على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية ~~تجبرهم وعنادهم من ورائه أي من بين يديه. يقال: الموت وراء كل أحد. وذلك أن ~~قدام وخلف كلاهما متوار عن الشخص ms2698 فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما. ~~وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر. وهذا وصف حاله ~~في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف. قال جار الله: قوله: ويسقى معطوف ~~على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ويسقى من ماء صديد أي من ماء بيانه ~~أو صفته هذا. والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد ~~الناظر عن رؤيته أو تناوله. وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في ~~النتن والغلظ والقذارة. يتجرعه يتكلف جرعه ولا يكاد يسيغه أي لم يقارب ~~الإساغة فضلا عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في ~~الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: يصهر به ما في بطونهم ~~[الحج: 20] وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس ~~لا بالكراهية والتأذي. قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية- ~~أعني قوله: ويصهر- لا تدل على الحصول لقوله قبله: يصب من فوق رؤسهم الحميم ~~[الحج: 19] . ويأتيه الموت من كل مكان من جسده حتى من إبهام رجله. # وقيل: من أصل كل شعرة. وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع ~~الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا. ثم أخبر- والعياذ بالله- أن ~~العذاب في كل # PageV04P182 # وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ومن ورائه ~~عذاب غليظ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. قال في الكشاف: ~~يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا. والفتح المطر في سني القحط ~~التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا فذكر سبحانه ~~ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحر وهو ~~صديد أهل النار. وعلى هذا التفسير يكون قوله: # واستفتحوا كلاما مستأنفا منقطعا عن حديث الرسل وأممهم. ### | التأويل: # بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا. # إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان ms2699 والجماد ~~والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية ~~لاختصاصها بالمؤمنين خاصة. قوله: # الر أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ~~ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة. بإذن ربهم الذي ~~يربيهم هو لا أنت. # وفي قوله: إلى صراط إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب ~~بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف. وفي الاختتام ~~بقوله: الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض # إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي ~~في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته ~~انتفع بصفاته وأفعاله. وويل للكافرين من شدة ألم الانقطاع عن الله. # ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على ~~الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل. إلا بلسان قومه أي يتكلم معهم بلسان ~~عقولهم. ولقد أرسلنا بواسطة جبريل الجذبة موسى القلب بآيات عصا الذكر واليد ~~البيضاء من الصدق والإخلاص. أن أخرج قومك وهم الروح والسر والخفي من ظلمات ~~الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي وذكرهم بأيام الله التي كان الله ~~ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم إن في ذلك التذكير لآيات في نفي الوجود ~~لكل صبار بالله مع الله عن غير الله شكور لنعمة الوجود الحقيقي ببذل الوجود ~~المجازي ولئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي ~~لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة ~~لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم ~~في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في ~~البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ولئن كفرتم نعمتي في ~~المعاملات كلها إن عذابي قطيعتي لشديد وقال # PageV04P183 # موسى # القلب إن تكفروا أنتم أيها الروح والسر والخفي بالإعراض عن الحق والإقبال ~~على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس ms2700 والهوى والطبيعة. ~~يدعوكم من المكونات إلى الملكوت ليغفر لكم بصفة الغفارية من ذنوبكم التي ~~أصابتكم من حجب عالم الخلق ويؤخركم في التخلق بأخلاقه إلى أجل مسمى هو وقت ~~الفناء في الذات وعلى الله فليتوكل المتوكلون للتوكل مقامات: فتوكل المبتدئ ~~قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق ~~الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه. لمن ~~خاف مقامي وهو مقام الوصول إلي فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن ~~مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار وخاف وعيد القطعية واستنصر القلب ~~والروح من أمر الله على النفس والهوى. من ورائه أي قدام النفس في متابعة ~~الهوى جهنم الصفات الذميمة ويسقى من ماء صديد هو ما يتولد من الصفات ~~والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة يتجرعه بالتكلف ~~ولا يكاد يسيغه لأنه ليس من شربه يأتيه أسباب الموت من كل مكان من كل فعل ~~مذموم ومن ورائه عذاب غليظ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب. ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 18 الى 34] # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ألم تر أن الله خلق ~~السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله ~~بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء ~~علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وقال الشيطان لما قضي الأمر إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم ~~بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) # وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) ألم تر كيف ms2701 ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ~~ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة ~~اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ~~(27) # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ~~جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ~~(31) الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ~~(32) # وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ~~ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) # PageV04P184 ### | القراآت: # الرياح على الجمع: أبو جعفر ونافع. الباقون على التوحيد خالق السماوات ~~والأرض بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بلفظ الفعل. # سبلنا بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو لي عليكم بفتح الياء: حفص. # بمصرخي بكسر الياء: حمزة. الآخرون بالفتح. أشركتموني بالياء في الحالين: # سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في ~~الوصل البوار ممالة: أبو عمرو وعلي. ليضلوا بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ~~وسهل ويعقوب. الباقون بضمها. لعبادي الذين مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة ~~وعلي ويعقوب والأعشى. الباقون بالفتح. من كل بالتنوين: يزيد وعباس. الباقون ~~بالإضافة. ### | الوقوف: # عاصف ط بناء على أن ما بعده مستأنف كأن سائلا سأل هل يقدرون من أعمالهم ~~على شيء ط البعيد ه بالحق ط جديد ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام بعزيز ه ~~من شيء ط لهديناكم ط محيص ه فأخلفتكم ط فاستجبتم لي ج لاختلاف الجملتين ~~أنفسكم ط لابتداء النفي بمصرخي ط الحق ms2702 أن من قال إن الابتداء بقوله: إني ~~كفرت قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان من قبل ط أليم ه بإذن ~~ربهم ط سلام ه في السماء ه لا ربها ط يتذكرون ه من قرار ط وفي الآخرة ج ~~لتكرار اسم الله تعالى في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ويفعل ~~الله لأنه في المعنى بيان قوله: # ويضل الله ما يشاء ه البوار لا جهنم ج لأن ما بعده يصلح استئنافا أو حالا ~~من فاعل أحلوا أو من مفعوله أو من كليهما يصلونها ط القرار ه عن سبيله ط ~~إلى النار ه ولا خلال ه رزقا لكم ط بأمره ج الأنهار ج دائبين # PageV04P185 # ج والنهار ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيها على الشكر ~~سألتموه ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام لا تحصوها ط كفار ه. ### | التفسير: # لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غاية حسرتهم ~~ونهاية خيبتهم. فقال: مثل الذين وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر ~~محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم. وقوله: أعمالهم كرماد جملة مستأنفة ~~على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم. وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل ~~أعمال الذين كفروا. وإنما جاز حذفه استغناء بذكره ثانيا. وقيل: المثل صفة ~~فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقولك ~~«صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون» ويجوز أن يكون أعمالهم بدلا والخبر ~~كرماد وحده. والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام ~~وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة ~~المظلومين، شبهها في حبوطها- لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان- برماد ~~طيرته الريح في يوم عاصف. قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني ~~الريح مجازا كقولك «يوم ماطر» . قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو ~~في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة. وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم ~~للأصنام. ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهرا طويلا. ثم لم ms2703 ينتفعوا ~~بذلك بل استضروا به. وقوله: مما كسبوا على شيء القياس عكسه كما في «البقرة» ~~لأن «على» من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة ~~لأن الكسب- أعني العمل الذي ضرب له المثل- هو المقصود بالذكر ولهذا أشار ~~إليه بقوله: # ذلك هو الضلال البعيد أي عن الحق والثواب. ثم كان لسائل أن يسأل: كيف ~~يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟ فقال: ألم تر أن الله خلق السماوات ~~والأرض بالحق مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط ~~الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان ~~والإخلاص لا من أنه سبحانه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو. ثم ~~بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: إن يشأ ~~يذهبكم وقد مر مثله في سورة النساء. وما ذلك على الله بعزيز بمتعذر لأنه ~~قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. فإن قيل: # الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم ~~بقوله: إن يشأ يذهبكم فما فائدة قوله: ويأت بخلق جديد وهل فيه دليل على أن ~~الفياض لا يوجد بدون الفيض؟ قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه ~~بل لعل الفائدة هي # PageV04P186 # تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه ~~مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيها بعزل ~~شخص ونصب غيره مقامه. وللحكيم أن يستدل بقوله: يذهبكم على أن مادة الجوهر ~~لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض. والجواب أن الإذهاب هاهنا بمعنى ~~الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام هاهنا امتناعه في جميع ~~الصور. وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال ~~الآخرة فقال: وبرزوا بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع مثل وسيق [الزمر: 73] ونادى ~~[الأعراف: 48] والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه «امرأة برزة» إذا ~~كانت تظهر للناس «وبرز فلان على أقرانه» إذا فاقهم. ومعنى برزوهم لله ms2704 وهو ~~سبحانه لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ~~ويظنون أن ذلك خاف على الله. فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم ~~وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله ~~وحكمه. قال أبو بكر الأصم: قوله: وبرزوا لله هو المراد من قوله: ومن ورائه ~~عذاب غليظ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف ~~الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها ~~اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف ~~الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى ~~لأهل النوال. وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة ~~وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة. # كتب الضعفواء بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها ~~إلى الواو ومثله: علمواء بني إسرائيل [الشعراء: 197] والضعفاء العوام ~~والأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته تعالى ~~فضلوا وأضلوا. قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم ~~وخادم وحرس وحارس. وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدرا أي ذوي أتباع إما في ~~الكفر أو في الأمور الدنيوية فهل أنتم مغنون هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا ~~ومن في من عذاب الله للتبيين وفي من شيء للتبعيض. والمعنى هل تدفعون عنا ~~بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا ~~بعض شيء هو بعض عذاب الله قالوا لو هدانا الله لهديناكم. عن ابن عباس: لو ~~أرشدنا الله لأرشدناكم. قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن ~~الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى. وقال في الكشاف: # لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه كقوله: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون ~~له كما # PageV04P187 # يحلفون لكم # [المجادلة: 18] واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوزون صدور ~~الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل «الأنعام» ms2705 في قوله: والله ربنا ما ~~كنا مشركين [الآية: 23] وجوز أيضا أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف ~~بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان، وزيف بأن كل ما في مقدور الله ~~تعالى من الألطاف فقد فعله. وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب ~~لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله سواء علينا ~~أجزعنا أم صبرنا وإعرابه كقوله: سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم [البقرة: ~~6] أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم ~~وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر. # وجوز في الكشاف أن يكون قوله: سواء علينا إلخ من كلام الضعفاء ~~والمستكبرين جميعا نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ذلك ~~ليعلم أني لم أخنه [يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب ~~والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف. ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها ~~مناظرة شيطان الجن. ومعنى قضي الأمر قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء ~~المحاسبة. والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء ~~الجنة. وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا ~~الدوام في الجنة أو في النار. # يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبا في النار فيقول: إن الله وعدكم وعد ~~الحق # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول ~~الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو ~~الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول» . # ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل «مسجد الجامع» ، أو تأويله وعد ~~اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال. وفي الآية ~~إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم. الثاني ووعدتكم خلاف ~~ذلك فأخلفتكم الوعد. ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا ~~يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان ~~يغني عنه، ووجه الثاني أيضا مثل ذلك. ثم ms2706 ذكر طريق وسوسته اعتذارا منهم ~~فقال: وما كان لي عليكم من سلطان من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ~~إلا أن دعوتكم قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس ~~السلطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه ~~الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال ~~تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه فهذا ~~نوع من أنواع التسلط. # PageV04P188 # فلا تلوموني ولوموا أنفسكم لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم ~~سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا ~~بقولي ولا تلتفتوا إلي. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو ~~الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان ~~إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: «فلا تلوموني ولا ~~أنفسكم» فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح ~~للحجة إلا أن عدم إنكار الله تعالى عليه حجة. هذا مع أن أول كلام اللعين ~~مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره. قال المحققون: # الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب ~~عليه شعوره بكونه ملائما له، أو بكونه منافرا له ويتبع هذا الشعور الميل ~~الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل ~~للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئا مثل أن الإنسان كان ~~غافلا عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره. وكيف يعقل تمكن ~~الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟ جوابه أن ~~الشيطان إذا كان جسما لطيفا والله سبحانه ركبه تركيبا عجيبا لا يقبل التفرق ~~والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في ~~الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهرا نورانيا مجبولا على الشر، والنفس ~~الإنسانية أيضا جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر. ms2707 وذهب ~~بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من ~~الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها ~~بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة. هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا ~~كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون ~~كلا من تلك الأرواح بالطباع التام. وذكر بعض العلماء احتمالا آخر وهو أن ~~النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك ~~الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن ~~مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن ~~نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن ~~وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان ~~إلهاما، وإن كان في باب الشر كان وسوسة. # ثم حكى الله سبحانه عن الشيطان أنه قال: ما أنا بمصرخكم قال ابن عباس: # يريد بمعينكم ولا منقذكم. قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ ~~المغيث. # صرخ فلان إذا استغاث. وقال وواغوثاه، وأصرخته أي أغثته. وعاب النحويون ~~على حمزة # PageV04P189 # أنه قرأ: وما أنتم بمصرخي لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ~~ألف في نحو «عصاي» فما بالها وقبلها ياء. وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد ~~له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره. قوله: إني ~~كفرت بما أشركتموني إن كانت «ما» مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما ~~كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيرا ~~وتصرفا في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن «ما» في ~~معنى «من» كقوله: «سبحان ما سخركن لنا» فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت ~~السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه. ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن ~~إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن ~~كفرتم، وما كان كفري ms2708 بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب ~~الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة. ~~أما قوله: إن الظالمين لهم عذاب أليم فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ~~ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع ~~أولئك الكفار عن إغاثته. ثم شرع في أحوال السعداء وقال: وأدخل على لفظ ~~الماضي تحقيقا للوقوع، وقوله: بإذن ربهم متعلق ب أدخل أي أدخلتهم الملائكة ~~الجنة بإذن الله وأمره. وقرأ الحسن وأدخل على لفظ المتكلم. قال في الكشاف: ~~فعلى هذا يتعلق قوله: بإذن ربهم بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ~~ربهم. وقد تقدم معنى قوله: تحيتهم فيها سلام في أول سورة يونس. ثم لما بين ~~أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين ~~مثلا. قال في الكشاف كلمة طيبة نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة وهو ~~تفسير لقوله: ضرب الله مثلا أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلا. ~~ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة. # وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: كلمة عطف بيان، وقوله: # كشجرة مفعول ثان. عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. والشجرة الطيبة شجرة في الجنة. وعن ابن عمر: هي النخلة. ~~وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة ~~والدعوة. والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب ~~والرمان وغير ذلك. وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن ~~الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وادخارها لنفسه سواء ~~كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن. # أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة ~~وطيب # PageV04P190 # الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها. والثانية: أصلها ثابت راسخ آمن من ~~الانقطاع. # ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله. ~~والثالثة وفرعها في ms2709 السماء أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن ~~الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ. ومن فوائد ارتفاع الأغصان ~~بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات. قال في الكشاف: فرعها أعلاها ~~ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس. الصفة الرابعة ~~تؤتي أكلها كل حين أي تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لأثمارها. وعن ابن عباس: ~~الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر. وقال مجاهد وابن زيد: ~~سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا ~~عليها التمر بقي من السنة إلى السنة. وقال الزجاج: # الحين الوقت طال أم قصر. والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلا ونهارا ~~صيفا وشتاء بإذن ربها بتيسير خالقها وتكوينه. قال المحققون: معرفة الله ~~تعالى والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا ~~هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئا من ~~الحاس. أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس ~~حتى إنه يكاد يتحد به. ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا ~~تكاد تنتهي إلى حد. وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ~~ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ~~ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، ~~وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها ~~الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموما وخصوصا. وأثر رسوخ ~~شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~[الحشر: 2] وسمعه للحكمة الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18] ~~ونطقه بالصدق والصواب وقولوا قولا سديدا [الأحزاب: 70] . وكذا الكلام في ~~سائر القوى والأعضاء. وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات. ~~وإذا صار جوهر النفس كاملا بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملا لغيره وذلك ~~قوله: تؤتي أكلها كل حين. # وفي قوله: بإذن ربها إشارة إلى ms2710 أن النظر في جميع هذه المراتب يجب أن يكون ~~على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة. ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على ~~النقصان. وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفس كلمة ~~طيبة كما قال في حق عيسى بكلمة # PageV04P191 # من الله # [آل عمران: 39] . وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ~~ضديهما. فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، ~~والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ~~ذلك. ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ما لها من قرار ~~أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات. وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما ~~تقول في كلمة خبيثة؟ فقال: # ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها ~~حتى يوافى بها القيامة. قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من ~~هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل. والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه ~~عليه ولا يحصل له منه برد اليقين، وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ~~ولا وقار، تراها أبدا تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض حيران. # ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث ~~لم يكن للتشكيك فيه مجال. هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم ~~لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط ~~الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبور لم يتلعثموا، وإذا ~~وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا. عن ابن عباس: من داوم على الشهادة في ~~الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها. وقد ورد في حديث ~~سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك. والسبب العقلي فيه أن المواظبة على ~~الفعل توجب ms2711 رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار. وإنما ~~فسرت الآخرة هاهنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في ~~أحكام الآخرة. # فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما ~~آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول ~~الثابت. وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة بسبب القول ~~الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ~~ما يكونون في الآخرة. ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: في ~~الحياة الدنيا متعلقا بقوله: يثبت أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب ~~القول. ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد ~~لقوله سبحانه: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ~~[النحل: 97] ويضل الله الظالمين الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل ~~التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري. ويفعل ~~الله ما يشاء # PageV04P192 # من التثبيت والإضلال. ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما ~~تقتضيه الحكمة. # ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله أي شكر ~~نعمته كفرا أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفرا أي سلبوا ~~النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر. وذلك أنه تعالى أسكنهم حرمه ووسع عليهم ~~معايشهم وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فلم يقوموا بشكر تلك النعم ~~فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقا في أعناقهم وأعناق ~~من تابعهم وذلك قوله: وأحلوا قومهم دار البوار أي الهلاك. وقوله جهنم عطف ~~بيان وبئس القرار أي المقر مصدر سمى به. قوله: # ليضلوا من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام ~~للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة ~~دنيوية. وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية ms2712 ~~والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز. ~~قل تمتعوا أمر وعيد وتهديد. قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في ~~التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة. والمعنى إن ~~دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة فإن مصيركم إلى النار وإنما ~~سمى عيش الكفار تمتعا لأن إمهالهم في الدنيا على أي وجه يفرض يكون أسهل مما ~~أعد لهم في الآخرة من العقاب. ومن الذين نزل فيهم؟ روي عن عمر أنه قال: # هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية. فأما بنو المغيرة فكفيتموهم ~~يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل: هم منتصرة العرب جبلة بن ~~الأيهم وأصحابه. ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديدا أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم ~~في الآخرة فقال: قل لعبادي الذين المقول محذوف لأن جواب «قل» يدل عليه ~~التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. وجوز بعضهم ~~أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام. وإنما حسن ~~الحذف لأن الأمر الذي هو «قل» عوض منه، ولو قيل: «يقيموا الصلاة وينفقوا» ~~ابتداء بحذف اللام لم يجز. والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا ~~حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا ~~مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله. ونفي المخالة في هذه الآية وفي ~~قوله في البقرة: لا بيع فيه ولا خلة [الآية: # 254] لا ينافي إثباتها في قوله: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين [الزخرف: 67] لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، ~~والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان والعمل الصالح. # PageV04P193 # ولما ختم أحوال المعاد عاد إلى المبدإ فقال: الله وهو مبتدأ خبره الذي ~~خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وقد ~~مر في أول «البقرة» . والمراد من السماء جهة العلو. وقيل: نفس ms2713 السماء، وزيف ~~بأن الإنسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل ~~من ذلك الجبل يرى الغيم ماظرا عليه. وسخر لكم الفلك كقوله في أواسط البقرة ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس [الآية: 164] وقد مر. ومعنى ~~بأمره بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل ~~على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر ~~بكذا. ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: # «كن» . وسخر لكم الأنهار وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في ~~العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار ~~الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى وسخر لكم الشمس والقمر أي صيرهما تحت ~~تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة ~~والإنارة لأنهما مذللان للإنس. وقوله: دائبين نصب على الحال. والدؤوب مرور ~~الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر ~~منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: وسخر لكم الليل والنهار أي ~~قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه. ولما فصل طرفا من ~~النعم أجمل الباقية منها بقوله: وآتاكم من كل ما سألتموه # أي بعض جميع ما سألتموه. ومن قرأ بالتنوين ف «ما» إما نافية والجملة نصب ~~على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ~~ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال. ثم بين أن نعم الله على عبيده ~~غير متناهية فقال: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي لا تقدرون على تعدادها ~~لكثرتها بل لعدم تناهيها. قال الواحدي: النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر ~~كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع. ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء ~~الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من ~~الأعضاء البسيطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله تعالى ~~على عباده. وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية ~~والعلوية، وقف ms2714 من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب. وإذا ~~عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى ~~سرادقات العزة والهيبة. # قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها ~~وإلى ما بعدها. # أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة ~~والأسباب الفاعلية # PageV04P194 # والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى ~~المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى ~~وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا ~~تكاد تنحصر. وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ ~~فكيف فيما جاوز ذلك؟ هذا إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم ~~الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك ~~من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من ~~نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم ~~والرشاد، فإن كنت أهلا لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك إن الإنسان أي هذا ~~الجنس لظلوم يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها وذلك أنه ~~مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، ~~أو في كفران النعمة إذا ملها. وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار ~~في السعة يجمع ويمنع. واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في ~~النحل بقوله: إن الله لغفور رحيم وكأنه قال: إن كنت ظلوما فأنا غفور، وإن ~~كنت كفارا فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا ~~بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء. ### | التأويل: # وبرزوا من القشور الفانية لله جميعا من القوي والضعيف فقال الضعفاء وهم ~~المقلدة للذين استكبروا من المبتدعين إني كفرت بما أشركتموني آمن اللعين ~~حين لا ينفع نفسا إيمانها وأدخل فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه ms2715 ~~لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوما جهولا سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله ~~وعنايته جنات القلوب تجري من تحتها أنهار الحكمة خالدين فيها بإذن ربهم أي ~~بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم. تحية أهل القلوب على أهل ~~القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر ~~نفوسهم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] ألم تر أي ألم ~~تشاهد بنور النبوة كيف ضرب الله مثلا للاستعداد الإنساني القابل للفيض ~~الإلهي دون سائر مخلوقاته كلمة طيبة هي كلمة التوحيد كشجرة طيبة عن لوث ~~الحدوث مثمرة إثمار شواهد أنوار القدم أصلها ثابت في الحضرة الإلهية فإنها ~~صفة قائمة بذاتها وفرعها في سماء القلوب تؤتي أكلها من أنوار المشاهدات ~~والمكاشفات كل حين يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب تعالى إليه ويضرب الله ~~الأمثال للناس لمن نسي العهد الأول لعلهم يتذكرون الحالة الأولى فيسعون في ~~إدراكها ومثل كلمة تتولد من خباثة النفس # PageV04P195 # اجتثت من فوق أرض البشرية ما لها من قرار لأنها من الأعمال الفانيات لا ~~من الباقيات الصالحات. يثبت الله الذين آمنوا يمكنهم في مقام الإيمان ~~بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع ~~أبدا. وأحلوا قومهم أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم ~~البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل ~~سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفرا لأوصاف الذميمة الله الذي ~~خلق سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلوب ماء الحكمة فأخرج به ~~ثمرات الطاعات رزقا لأرواحكم وسخر لكم فلك الشريعة لتجري في بحر الطريقة ~~بأمر الحق لا بالهوى والطبع. وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ~~وسخر لكم أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ~~ونهار الروحانية. ومعنى التسخير في الكل جعلها أسبابا لاستكمال النفس ~~الإنسانية وآتاكم من كل ما سألتموه من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع ~~العالم بالحقيقة تبع ms2716 لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات ~~فلذلك قال: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها لأن مخلوقاته غير منحصرة وكلها ~~مخلوق لاستكماله إن الإنسان لظلوم بإفساد استعداده كفار لا يعرف قدر نعمة ~~الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. قوله تعالى: ### | [سورة إبراهيم (14) : الآيات 35 الى 52] # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~(35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون (37) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في ~~الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ~~إن ربي لسميع الدعاء (39) # رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) مهطعين مقنعي رؤسهم لا ~~يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول ~~الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) # وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم ~~الأمثال (45) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) ~~يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار (48) وترى ~~المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) # سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن ~~الله سريع الحساب (51) هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله ~~واحد وليذكر أولوا الألباب (52) # PageV04P196 ### | القراآت: # إبراهام بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان إني أسكنت بفتح الياء: أبو ~~جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ms2717 ومن عصاني بالإمالة: علي دعائي بالياء في ~~الحالين: ابن كثير ويعقوب. وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي ~~والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل. # والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين. نؤخرهم بالنون: عباس ~~والمفضل في رواية أبي زيد. الآخرون بالياء. لتزول بفتح الأول ورفع الآخر: ~~علي. # الباقون بكسر الأول ونصب الآخر. القهار مثل البوار قطر بكسر القاف وسكون ~~الطاء والراء مكسورة منونة. آن على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على ~~قراءته اني بالياء. ### | الوقوف: # الأصنام ط من الناس ج مني ج فصلا بين النقيضين مع اتحاد الكلام رحيم ه ~~المحرم لا لأن قوله: ليقيموا يتعلق بقوله: أسكنت وكلمة ربنا تكرار يشكرون ه ~~ما نعلن ط ولا في السماء ه لا وإسحاق ط الدعاء ه ومن ذريتي ز قد قيل: ~~والوصل أولى للعطف وربنا تكرار دعاء ه الحساب ط الظالمون ه ط الأبصار ه لا ~~لأن ما بعده حال طرفهم ج لاحتمال أن قوله: وأفئدتهم يكون من صفات أهل ~~المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا هواء ه ط قريب لا لأن قوله: نجب ~~جواب أخرنا الرسل ط زوال ه لا للعطف على أقسمتم الأمثال ه وعند الله مكرهم ~~ط الجبال ه رسله ط انتقام ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ~~القهار ه في الأصفاد ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين النار ه ~~لا لتعلق لام كي ما كسبت ط الحساب ه الألباب ه. # PageV04P197 ### | التفسير: # إن قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم يحتمل أن تكون مثالا للكلمة الطيبة ~~وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكارا لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديدا لبعض ~~نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما ~~بين العالمين كما قال: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا [آل ~~عمران: 164] . وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله صلى الله عليه وسلم نبينا صلى ~~الله ms2718 عليه وسلم. حكى الله سبحانه عنه طلب أمور منها: قوله: رب اجعل هذا ~~البلد آمنا وقد مر في «البقرة» الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك. ولا ~~ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم ~~كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضا، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، ~~وللوحوش هناك استئناف ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب ~~لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز ~~التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه. وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟ ~~فقال: الأمن دليله أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها ~~تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها ~~تمسك عن العلف ولا تتناول شيئا إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل ~~من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد. ومنها قوله: واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد. وأهل نجد: ~~جنبني وأجنبني. وفائدة الطلب- والاجتناب حاصل- التثبت والإدامة ولا أقل من ~~هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي. أما قوله: ~~وبني فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنما ببركة دعائه. وقيل: ~~أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته. وقال مجاهد وابن عيينة: ~~لم يعبد أحد من ولد إبراهيم صنما وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب ~~الأوثان يعني أحجارا مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا ~~حجرا فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك ~~استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت. وضعف هذا الجواب بأنه إذا ~~عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه سبحانه وصف آلهتهم بما ينبىء عن ~~كونهم مصورين كقوله: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم [الأعراف: ~~198] الآيات إلى قوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون [الأعراف: # 198] . وقيل: إن هذا الدعاء ms2719 مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: فمن ~~تبعني فإنه مني أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس ~~من أهله كقوله لابن نوح إنه ليس من أهلك [هود: 46] وقيل: إنه وإن عمم ~~الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ~~[البقرة: 124] . قالت # PageV04P198 # الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله تعالى لم يكن لالتماس ~~التبعيد عن الكفر معنى. وحمله المعتزلة على منح الألطاف. # أما قوله: رب إنهن أضللن كثيرا فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز ~~لأنهن جمادات فهو كقولهم «فتنتهم الدنيا وغرتهم» أي صارت سببا للفتنة ~~والاغترار بها فمن تبعني بقي على الملة الحنيفية فإنه مني أي هو بعضي لفرط ~~اختصاصه بي ومن عصاني فإنك غفور رحيم قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب. ~~وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك. وقيل: المراد ~~أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام. وقيل: ~~أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا. وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل ~~الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن ~~أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم صلى الله عليه وسلم ثبت في حق ~~نبينا بالطريق الأولى. ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو ~~جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة ~~فقال: ربنا إني أسكنت من ذريتي أي بعضهم بواد غير ذي زرع أي لم يكن فيه شيء ~~من زرع قط كقوله: # قرآنا عربيا غير ذي عوج [الزمر: 28] أي لا اعوجاج فيه أصلا ولم يوجد ذلك ~~فيه في زمن من الأزمان. وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك. وفي قوله: عند بيتك الحرام دليل ~~على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما. ومعنى ms2720 كون ~~البيت محرما أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لأجل ~~حرمته، وأنه لم يزل ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن ~~يجتنب. وقيل: سمي محرما لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا ~~لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء ~~والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم ~~من قبل ربنا ليقيموا الصلاة أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة ~~الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف. فاجعل أفئدة من الناس «من» ~~للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس. قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزحمتكم ~~عليه فارس والروم والترك والهند. وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس ~~لحجه اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين. وجوز في الكشاف ~~أن يكون «من» للابتداء كقولك «القلب مني سقيم» . وعلى هذا فإنما يحصل ~~التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس. ومعنى تهوي تسرع إليهم وتطير ~~نحوهم شوقا ونزاعا. وقيل: تنحط وتنحدر. الأصمعي: هوى يهوي هويا # PageV04P199 # بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل ~~الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليهم للتجارة، ~~وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: وارزقهم ~~من الثمرات فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء. وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين. ثم ختم الآية ~~بقوله: لعلهم يشكرون ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق ~~هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة الوظائف الشرعية. # ثم أثنى على الله سبحانه تمهيدا لدعوة أخرى وتعريضا ببقية الحاجات فقال: ~~ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة ~~إلى العالم بالذات سيان. وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين ~~إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر ms2721 حين ~~قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ # قال: إلى الله أكلكم. قال المفسرون: وما يخفى على الله من شيء في الأرض ~~ولا في السماء من كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من ~~كلام إبراهيم. # و «من» للاستغراق أي لا يخفى على الذي يستحق العبادة لذاته شيء ما في أي ~~مكان يفرض. الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أي مع كبر السن وفي حال ~~الشيخوخة إسماعيل وإسحاق ذكر أولا كونه تعالى عالما بالضمائر والسرائر، ثم ~~حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة ~~أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله سبحانه أن ~~يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: # إن ربي لسميع الدعاء وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو ~~إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي، والمراد سماع ~~الله تعالى، ويحتمل أن يكون قوله: إن ربي لسميع الدعاء رمزا إلى ما كان قد ~~دعا ربه وسأله الولد بقوله: رب هب لي من الصالحين [الصافات: 100] روي أن ~~إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي ~~عشرة سنة. وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين. وعن سعيد بن جبير: لم ~~يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة. # ثم ختم الأدعية بقوله: رب اجعلني مقيم الصلاة أي مديمها ومن ذريتي أي ~~واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ~~ذريته كفار وذلك قوله سبحانه لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] ربنا ~~وتقبل دعائي عن # PageV04P200 # ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ~~ربنا اغفر لي طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن ~~الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم ~~وحسنات الأبرار سيئات المقربين. أما قوله: ولوالدي فاعترض عليه بأنه كيف ~~استغفر لأبويه ms2722 وهما كافران؟ # وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله تعالى: إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها ~~بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطا بإسلام أبيه لكان استغفارا صحيحا فلم ~~يحتج إلى الاستثناء. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه ~~استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه يوم ~~يقوم الحساب أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم «قامت ~~الحرب على ساقها» أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسنادا مجازيا، أو المضاف ~~محذوف مثل وسئل القرية [يوسف: 82] . ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن ~~دعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ولا تحسبن ~~الله غافلا إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن ~~كان للنبي صلى الله عليه وسلم فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا ~~يحسب الله إلا عالما بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة ~~الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. ~~وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم. قلت: # لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلا عن الظلم أو عاجزا ~~عن الانتقام أو راضيا بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع ~~الكمالات إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار أي أبصارهم كقوله: واشتعل ~~الرأس [مريم: 4] شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما ~~يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة مهطعين مسرعين قاله أبو عبيدة. والغالب ~~من حال من يبقى بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا، فبين الله تعالى أن ~~حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك ~~البلاء. وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع. وقيل: هو الساكت ~~مقنعي رؤسهم رافعيها وهذا أيضا بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء ~~أنه يطرق رأسه لكيلا يراه لا يرتد إليهم طرفهم الطرف ms2723 تحريك الأجفان على ~~الوجه الذي خلق وجبل عليه. وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع ~~إليهم أن يطرفوا بعيونهم، والمراد دوام الشخوص المذكور. وقيل: أي لا يرجع ~~إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم وأفئدتهم هواء والهواء الخلاء الذي يشغله ~~الأجرام. وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضا قلبه هواء. ~~والمعنى # PageV04P201 # أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر والأفكار لعظم ما ~~نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب. والأظهر أن هذه الحالة لهم ~~عند المحاسبة لتقدم قوله: يوم يقوم الحساب وقيل: هي عند ما يتميز السعداء ~~من الأشقياء. وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور. وعن ابن جريج: ~~أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه. قال أبو عبيدة: ~~جوف لا عقول لهم وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب مفعول ثان لأنذروا اليوم ~~يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو ~~للمعلوم وهو عذاب النار. ومعنى أخرنا أمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب أو ~~يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء ~~الملائكة بلا بشرى أولم تكونوا على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك. # وإقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا، وإما بلسان ~~المقال أشرا وبطرا وجهلا وسفها. وما لكم من زوال جواب القسم. ولو قيل «ما ~~لنا من زوال» على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية. والمعنى أقسمتم ~~أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى ~~هي دار الجزاء كقوله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ~~[النحل: 38] . # ثم زادهم توبيخا بقوله: وسكنتم استقررتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وتبين لكم بالأخبار ~~والمشاهدة والبيان والعيان كيف فعلنا بهم من أصناف العقوبات وضربنا لكم ~~الأمثال قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة ~~كالأمثال المضروبة لكل ظالم. # وقال غيره: ms2724 المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة ~~والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل. ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: وقد ~~مكروا مكرهم أي مكرهم العظيم الذين استفرغوا فيه جهدهم. وقيل: الضمير عائد ~~إلى قوم محمد صلى الله عليه وسلم كما قال: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك [الأنفال: 30] وقيل: أراد ما نقل أن ~~نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه الأربع بأربع ~~نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصيا أربعا وعلق ~~على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت. ~~فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض ~~عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصي التي عليها اللحوم فهبطت ~~النسور إلى الأرض. وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا ~~الخطر. وعند الله مكرهم إن كان مضافا إلى # PageV04P202 # الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن ~~كان مضافا إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي ~~يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون. أما قوله: وإن كان مكرهم لتزول من ~~قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون «إن» مخففة من ~~الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معدا ~~لذلك. وثانيهما أن تكون «إن» نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ~~وما كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143] والمعنى ومحال أن تزول الجبال ~~بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر. ~~ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي ~~الفارقة، والمعنى كما مر. # ثم إنه سبحانه أكد كونه مجازيا لأهل المكر على مكرهم بقوله: فلا تحسبن ~~الله مخلف وعده رسله قال جار الله: قدم المفعول الثاني- وهو الوعد- على ~~المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق. ثم قال: رسله تنبيها ~~على أنه إذا ms2725 لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته. ~~والمراد بالوعد قوله: إنا لننصر رسلنا [غافر: 51] كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي [المجادلة: 21] ونحوهما من الآيات. قوله: إن الله عزيز ذو انتقام قد ~~مر في أول «آل عمران» يوم تبدل الأرض قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ~~يوم يأتيهم أو على الظرف للانتقام، والأظهر انتصابه باذكر كما مر في ~~الوقوف. ومعنى قوله: والسماوات أي وتبدل السموات. قال أهل اللغة: التبديل ~~التغيير وقد يكون في الذوات كقولك «بدلت الدراهم دنانير» وفي الأوصاف كقولك ~~«بدلت الحلقة خاتما» إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل. ~~وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير ~~عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء ~~بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا. # وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبدل الله الأرض غير ~~الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا» # وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما ~~تعدم صفاتها وأحوالها. نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم. # وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم ~~يخطىء عليها أحد خطيئة. # وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب. # وعن الضحاك: أرضا من فضة بيضاء كالصحائف. وقيل: لا يبعد أن يجعل الله ~~الأرض # PageV04P203 # جهنم والسموات الجنة. وبرزوا لله قد ذكرناه في أول السورة. وتخصيص الواحد ~~القهار بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ ~~لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه. # ومن نتائج قهره قوله: وترى المجرمين يومئذ مقرنين قرن بعضهم مع بعض لأن ~~الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم. قالت الحكماء: هي الملكات ~~الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان. وقوله: في ~~الأصفاد أي القيود إما أن يتعلق ms2726 بمقرنين وإما أن يكون وصفا مستقلا أي ~~مقرنين مصدفين. وقيل: الأصفاد الأغلال. # والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. وحظ العقل فيه أن ~~الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من ~~الجوارح والأعضاء. # سرابيلهم جمع سربال وهو القميص من قطران هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى ~~الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدته، وقد تبلغ ~~حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود ~~اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل ~~فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين ~~القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص ~~للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، ~~فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر ~~آثار الملكات الردية فيه. ومن قرأ من قطران فالقطر النحاس والصفر المذاب ~~والآني المتناهي حره. قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ~~ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم وتغشى ~~وجوههم النار خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به ~~عن الكل. قوله: ليجزي اللام متعلقة ب تغشى أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل ~~بالمجرمين ما يفعل ليجزي الله كل نفس ما كسبت قال الواحدي: أراد نفوس ~~الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم. ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة ~~لأنه تعالى إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم. ثم ~~أشار إلى القرآن أو إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ولا تحسبن الله ~~غافلا إلى هاهنا فقال هذا بلاغ كفاية للناس في التذكير والموعظة لينصحوا ~~ولينذروا به بهذا البلاغ. ثم رمز إلى استكمال القوة النظرية بقوله: ~~وليعلموا أنما هو إله واحد وإلى استكمال القوة العملية بقوله: وليذكر أولوا ~~الألباب لأنهم إذا خافوا ما أنذروا ms2727 به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس ~~بحسب القوتين والله ولي التوفيق. # PageV04P204 ### | التأويل: # وإذ قال إبراهيم الروح رب اجعل بلد القلب آمنا من وسوسة الشيطان وهواجس ~~النفس وآفات الهوى واجنبني وبني هم الفؤاد والسر والخفي أن نعبد الأصنام ~~وهو كل ما سوى الله. فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح ~~الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفي الركون إلى ~~المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ومن عصاني فإنك غفور فيه نكتتان: # إحداهما لم يقل «ومن عصاك» إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة ~~والرحمة، والثانية لم يقل «فأنا أغفره وأرحم عليه» لأن عالم الطبيعة ~~البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق أسكنت ~~من ذريتي هم صفات الروح والعقل والسر والخفي بواد غير ذي زرع وهو وادي ~~النفس عند بيتك المحرم على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتا لغير ~~الله # «لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» . # وفيه أنه توسل في إجابة الدعاء بمحمد صلى الله عليه وسلم وكأنه قال: إن ~~ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمدا. وفي قوله: ليقيموا الصلاة إشارة إلى ~~أنه لولا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح ~~بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق فاجعل ~~أفئدة الصفات الناسوتية تهوي إلى الصفات الروحانية وارزقهم من ثمرات الصفات ~~اللاهوتية لعلهم يشكرون هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة ~~المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إفشاؤه. ربنا إنك تعلم ما نخفي من حقائق ~~الدعاء وما نعلن من ظاهر القصة وما يخفى على الله من شيء في أرض المعاملات ~~الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب على الكبر أي بعد تعلق الروح بالقالب ~~إسماعيل السر وإسحاق الخفي مقيم الصلاة دائم العروج فإن الصلاة معراج ~~المؤمن ربنا اغفر لي استرني وامنحني بصفة معرفتك ولوالدي من الآباء العلوية ~~والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ~~ونقصانها لأكون في حساب الكاملين ms2728 لا في حساب الناقصين. ولا تحسبن أي لم يكن ~~الله غافلا في الأزل بل الكل بقضائه وقدره وإنما يؤخرهم ليبلغوا إلى ما قدر ~~لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة ~~والشقاوة إلى منازلهم ما لكم من زوال فيه من إبطال مذهب التناسخية. زعموا ~~أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان وسكنتم في مساكن الذين ظلموا تعلقتم ~~بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة وعند الله مقدار ~~مكرهم وإن كان مكرهم بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك ~~شعرة إلا بإذن الله بقضائه يوم تبدل أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ~~ظلماتها بأنوار # PageV04P205 # القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت ~~لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود ~~المجازي عند إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ~~وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] وحينئذ برزوا لله الواحد القهار فإن ~~شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية. وترى المجرمين يوم التجلي ~~مقرنين في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله. سرابيلهم من قطران ~~المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله وتغشى وجوههم نار الحسرة ~~والقطيعة هذا بلاغ للناس الذين نسوا عالم الوحدة ولينذروا به قبل المفارقة ~~فإن الانتباه بالموت لا ينفع وليعلموا أنما هو إله واحد فيعبدوه ولا يتخذوا ~~إلها غيره من الدنيا والهوى والشيطان وليتذكر أولوا الألباب عالم الشهود ~~فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم. # تم الجزء الثالث عشر، ويليه الجزء الرابع عشر أوله تفسير سورة الحجر # PageV04P206 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الرابع عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة الحجر # مكية بالإجماع وحروفها ألف وسبعمائة وواحد وسبعون وكلماتها ستمائة وأربعة ~~وخمسون وآياتها تسع وتسعون ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 50] # بسم الله الرحمن الرحيم # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا ~~من قرية إلا ولها كتاب معلوم ms2729 (4) # ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون (6) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) ما ~~ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون (9) # ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزؤن (11) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت ~~سنة الأولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) # لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) ولقد جعلنا في السماء ~~بروجا وزيناها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) إلا من استرق ~~السمع فأتبعه شهاب مبين (18) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا ~~فيها من كل شيء موزون (19) # وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من ~~السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ~~ونحن الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) # وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمإ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك ~~للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعوا له ساجدين (29) # فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) ~~قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته ~~من صلصال من حمإ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) # وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) ~~قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني ~~لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) # إلا عبادك منهم المخلصين (40) قال هذا صراط علي مستقيم (41) إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) # إن ms2730 المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلام آمنين (46) ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها ~~بمخرجين (48) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) # وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) # PageV04P207 ### | القراآت: # ربما بفتح الباء مخففة: أبو جعفر ونافع وعاصم غير الشموني. # وربما بضم الباء خفيفة: الشموني. الباقون بالفتح والتشديد ما ننزل بالنون ~~الملائكة بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. ما تنزل بضم ~~التاء وفتح الزاي المشددة الملائكة بالرفع: أبو بكر وحماد الباقون مثله، ~~ولكن بفتح التاء ما تنزل بالإدغام: البزي وابن فليح سكرت خفيفة: ابن كثير ~~فتحنا بالتشديد: يزيد الريح على التوحيد: حمزة وخلف صراط علي بكسر اللام ~~ورفع الياء على النعت: يعقوب الآخرون علي جارا ومجرورا وعيون بكسر العين: ~~حمزة وعلي وابن كثير وابن ذكوان والأعشى ويحيى وحماد. الباقون بضمها نبئ ~~عبادي مثل نبئنا عبادي أني بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو ~~عمرو. والآخرون بالإسكان. ### | الوقوف # الر قف كوفي مبين ه مسلمين يعلمون ه معلوم ه وما يستأخرون ه لمجنون ه ط ~~لأن التحضيض له صدر الكلام الصادقين ه منظرين ه لحافظون ه الأولين ه ~~يستهزؤن ه المجرمين ه الأولين ه يعرجون ه مسحورون ه للناظرين لا رجيم لا ه ~~مبين ه موزون ه برازقين ه خزائنه ز لاتفاق الجملتين مع الفصل بين معنيي ~~الجمع في التقدير والتفريق في التنزيل. فأسقيناكموه ج لاحتمال ما بعده ~~الاستئناف أو الحال بخازنين ه الوارثون ه المستأخرين ه يحشرهم ط عليم ه ~~مسنون ه ج لاتفاق الجملتين مع تقدم المفعول في الثانية السموم ه مسنون ه ~~ساجدين ه # PageV04P208 # أجمعون ه لا إلا إبليس ط الساجدين ه مسنون ه رجيم ه الدين ه يبعثون ه من ~~المنظرين لا ه المعلوم ه أجمعين لا ه المخلصين ه مستقيم ه الغاوين ه أجمعين ~~ه أبواب ط مقسوم ه وعيون ه لإرادة القول بعده آمنين ه متقابلين ه بمخرجين ه ~~الرحيم لا الأليم ه. # التفسير قال ms2731 جار الله: تلك إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآي والكتاب ~~والقرآن المبين السورة. وتنكير القرآن للتفخيم وقال آخرون: الكتاب والقرآن ~~المبين هو الكتاب الذي وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم والمعنى تلك ~~الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان. ~~أما قوله ربما يود فذكر السكاكي أن فيه سبع لغات أخر بعد المشهورة: رب ~~بالراء مضمومة، والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة، ورب بالراء مفتوحة ~~والباء كذلك مشددة، وربة بالتاء مفتوحة والباء كذلك أي مفتوحة مخففة أو ~~مشددة، وإنما دخل على المضارع مع أنه مختص بالماضي لأن المترقب في أخبار ~~الله بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل: ربما ود. و «ما» هذه ~~كافة أي تكف رب عن العمل فتتهيأ بذلك للدخول على الفعل. وقيل: إن «ما» ~~بمعنى شيء أي رب شيء يوده الذين كفروا. ورب للتقليل فأورد عليه أن تمنيهم ~~يكثر ويتواصل فما معنى التقليل؟ وأجيب بأنه على عادة العرب إذا أرادوا ~~التكثير ذكروا لفظا وضع لأجل التقليل كما إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع ~~للشك. والمقصود إظهار الترفع والاستغناء عن التصريح بالتعريض فيقولون: ربما ~~ندمت على ما فعلت، ولعلك تندم على فعلك. وإن كان العلم حاصلا بكثرة الندم ~~ووجوده بغير شك أرادوا لو كان الندم قليلا أو مشكوكا فيه لحق عليك أن لا ~~تفعل هذا الفعل لأن العقلاء يتحرزون من الغم القليل كما يحذرون من الكثير، ~~ومن الغم المظنون كما من المتيقن. فمعنى الآية لو كانوا يودون الإسلام مرة ~~واحدة كان جديرا بالمسارعة إليه فكيف وهو يودونه في كل ساعة. وقوله لو ~~كانوا مسلمين إخبار عن ودادتهم كقولك «حلف بالله ليفعلن» . ولو قيل «لو كنا ~~مسلمين» جاز من حيث العربية كقولك «حلف بالله لأفعلن» . ومتى تكون هذه ~~الودادة؟ قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب أو رأى حالا ~~من أحوال المسلم ود لو كان مسلما. وعلى هذا فقد قيل في وجه التقليل: إن ~~العذاب يشغلهم عن ms2732 كثير التمني فلذلك قلل. وقال الضحاك: هي عند الموت إذا ~~شاهد أمارات العذاب. وقيل: إذا اسودت وجوههم. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم القيامة اجتمع أهل النار ~~ومعهم من شاء الله من أهل القبلة. فقال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟ قالوا: ~~بلى. قالوا: فما أغنى عنكم من # PageV04P209 # إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيأمر لكل من كان من أهل ~~القبلة بالخروج فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الآية» . # وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: ما يزال الله يرحم المؤمنين ويخرجهم من ~~النار ويدخلهم الجنة بشفاعة الملائكة والأنبياء حتى إنه تعالى في آخر الأمر ~~يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة فهناك يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين ذرهم ظاهره أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يخليهم وشأنهم، ~~فاحتجت الأشاعرة به على أنه سبحانه وتعالى قد يصد عن الإيمان ويفعل بالمكلف ~~ما يكون مفسدة في الدين. وقالت المعتزلة: ليس هذا إذنا وتجويزا وإنما هو ~~تهديد ووعيد وقطع طمع النبي عن ارعوائهم، وفيه أنهم من أهل الخذلان ولا ~~يجيء منهم إلا ما هم فيه، ولا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ينذرون به ~~حين لا ينفعهم الوعظ. وفي الآية تنبيه على أن إيثار التلذذ والتمتع وما ~~يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين ومعنى يلههم الأمل يشغلهم ~~الرجاء عن الإيمان والطاعة. لهيت عن الشيء بالكسر ألهى لهيا إذا سلوت عنه ~~وتركت ذكره وأضربت عنه. وألهاني غيره. # عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا وقال: هذا الإنسان. وخط آخر ~~إلى جنبه وقال: هذا أجله. وخط آخر بعيدا منه فقال: هذا الأمل. # فبينما هو كذلك إذ جاءه الأقرب فسوف يعلمون سوء صنيعهم مزيد تأكيد ~~للتهديد. # ثم ذكر ما هو نهاية في الزجر والتحذير فقال وما أهلكنا من قرية إلا ولها ~~كتاب أي مكتوب معلوم وهو أجلها الذي كتب في اللوح. قال جار ms2733 الله: قوله ولها ~~كتاب جملة واقعة صفة لقرية والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف. وذكر ~~السكاكي في المفتاح أن هذا سهو لأن الفصل بين الموصوف والصفة لا يجوز ولكن ~~الجملة حال من قرية ومثل هذا جائز، ولو كان ذو الحال نكرة محضة كقولك ~~«جاءني رجل وعلى كتفه سيف» لعدم التباس الحال بالوصف لمكان الفاصلة بالواو، ~~وكيف وقد زادت الفاصلة في الآية بكلمة إلا وذو الحال قريب من المعرفة إذ ~~التقدير: وما أهلكنا قرية من القرى من قبل إفادة من الاستغراق. قال قوم: ~~المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان ينزله الله بالمكذبين ~~المعاندين من الأمم السالفة. وقال آخرون: أراد الموت والأول أقرب لأنه في ~~الزجر أبلغ وكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل فإن لكل ~~أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: أراد مجموع ~~الأمرين. قال صاحب النظم: # إذا كان السبق واقعا على شخص فمعناه جاز وخلف كقولك «سبق زيد عمرا» أي ~~جازه وخلفه وأنه قصر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعا على زمان فعلى العكس ~~كقولك «سبق فلان # PageV04P210 # عام كذا» معناه مضى قبل إتيانه ولم يبلغه. فمعنى الآية أنه لا يحصل أجل ~~أمة قبل وقته ولا بعده كما في كل حادث، وقد مر بحث الأجل في أول سورة ~~الأنعام. وأنث الأمة أولا ثم ذكرها آخرا في قوله وما يستأخرون حملا على ~~اللفظ والمعنى، وحذف متعلق يستأخرون وهو عنه للعلم به. ولما بالغ في تهديد ~~الكفار شرع في تعديد بعض شبههم ومطاعنهم في النبي. فالأولى أنهم كانوا ~~يحكمون عليه بالجنون لأنهم كانوا يسمعون منه صلى الله عليه وسلم ما لا ~~يوافق آراءهم ولا يطابق أهواءهم وإنما نادوه يا أيها الذي نزل عليه الذكر ~~مع أنهم كانوا لا يقرون بنزول الوحي عليه تعكيسا للكلام استهزاء وتهكما، ~~وأرادوا يا أيها الذي نزل عليه الوحي في زعمه واعتقاده وعند أصحابه ~~وأتباعه، الثانية. لو ما تأتينا بالملائكة «لو ما» حرف تحضيض مركب من «لو» ~~المفيدة للتمني ومن ms2734 «ما» المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخل هو ~~عليه والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك ويعضدوك على إنذارك؟ ~~والمراد هلا تأتينا بملائكة العذاب إن كنت صادقا في أن تكذيبك يقتضي ~~التعذيب العاجل؟ فأجاب الله سبحانه عن شبههم بقوله ما ننزل الملائكة إلا ~~بالحق قالت المعتزلة: أي تنزيلا متلبسا بالحكمة والمصلحة والغاية الصحيحة، ~~ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا فإن أمر التكليف حينئذ يؤول إلى الاضطرار ~~والإلجاء، ولا فائدة تعود عليكم لأنه تعالى يعلم إصراركم على الكفر فيصير ~~إنزالهم عبثا، أو لا حكمة في إنزالهم لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب ~~الاستئصال وذلك قوله وما كانوا إذا منظرين فإن التكليف يزول عند نزول ~~الملائكة وقد علم الله من المصلحة أن لا يهلك هذه الأمة ويمهلهم لما علم من ~~إيمان بعضهم أو إيمان أولادهم. وقالت الأشاعرة: إلا بالحق أي إلا بالوحي أو ~~العذاب. قال صاحب النظم: لفظ «إذن» مركبة من «إذ» بمعنى «حين» ومن «أن» ~~الدالة على مجيء فعل بعده، فخففت الهمزة بحذفها بعد نقل حركتها وكأنه قيل: ~~وما كانوا منظرين إذ أن كان ما طلبوا. وقال غيره: «إذن» جواب وجزاء تقديره: ~~ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم. ثم أنكر على الكفار ~~استهزاءهم في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر فقال على سبيل التوكيد إنا ~~نحن نزلنا الذكر ثم دل على كونه آية منزلة من عنده فقال وإنا له لحافظون ~~لأنه لو كان من قول البشر أو لم يكن آية لم يبق محفوظا من التغيير ~~والاختلاف. وقيل: الضمير في له لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله والله ~~يعصمك من الناس [المائدة: 67] والقول الأول أوضح. ووجه حفظ القرآن قيل: هو ~~جعله معجزا مباينا لكلام البشر حتى لو زادوا فيه شيئا ظهر ذلك للعقلاء ولم ~~يخف، فلذلك بقي مصونا عن التحريف. وقيل: حفظ بالدرس # PageV04P211 # والبحث ولم يزل طائفة يحفظونه ويدرسونه ويكتبونه في القراطيس باحتياط ~~بليغ وجد كامل حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن ms2735 في حرف من كتاب الله ~~لقال له بعض الصبيان: أخطأت. ومن جملة إعجاز القرآن وصدقه أنه سبحانه أخبر ~~عن بقائه محفوظا عن التغيير والتحريف وكان كما أخبر بعد تسعمائة سنة فلم ~~يبق للموحد شك في إعجازه. # وهاهنا نكتة هي أنه سبحانه تولى حفظ القرآن ولم يكله إلى غيره فبقي ~~محفوظا على مر الدهور بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما ~~استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم ووقع التحريف. # ثم ذكر أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء كذلك، والغرض تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وفي الكلام إضمار والتقدير ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلا أنه حذف ذكر ~~الرسل لدلالة الإرسال عليه. ومعنى في شيع الأولين في أممهم وأتباعهم وقد مر ~~معنى الشيعة في آخر «الأنعام» قال جار الله: معنى أرسلنا فيهم جعلناهم رسلا ~~فيما بينهم. قال الفراء: # إضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى الصفة كقوله حق اليقين ~~[الواقعة: # 95] وبجانب الغربي [القصص: 44] وقوله وما يأتيهم حكاية حال ماضية. وإنما ~~كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن لأن الفطام عن المألوف شديد ~~وكون الإنسان مسخرا لأمر من هو مثله أو أقل حالا منه في المال والجاه ~~والقبول أشد، على أن السبب الكلي فيه هو الخذلان وعدم التوفيق من الله ~~سبحانه ووقوعهم مظاهر القهر في الأزل. قوله كذلك نسلكه السلك إدخال الشيء ~~في الشيء كالخيط في المخيط. وقالت الأشاعرة: الضمير في نسلكه يجب عوده الى ~~أقرب المذكورات وهو الاستهزاء الدال عليه يستهزؤن وأما الضمير في قوله لا ~~يؤمنون به فيعود إلى الذكر لأنه لو عاد إلى الاستهزاء وعدم الإيمان ~~بالاستهزاء حق وصواب لم يتوجه اللوم على الكفار، ولا يلزم من تعاقب الضمائر ~~عودها على شيء واحد وإن كان الأحسن ذلك. والحاصل أن مقتضى الدليل عود ~~الضمير إلى الأقرب إلا إذا منع مانع من اعتباره. وقال بعض الأدباء منهم: # قوله لا يؤمنون به تفسير للكناية في قوله نسلكه أي نجعل في قلوبهم أن لا ~~يؤمنوا به فثبتت دلالة الآية ms2736 على أن الكفر والضلال والاستهزاء ونحوها من ~~الأفعال كلها بخلق الله وإيجاده. وقالت المعتزلة: الضميران يعودان إلى ~~الذكر لأنه شبه هذا السلك بعمل آخر قبله وليس إلا تنزيل الذكر. والمعنى مثل ~~ذلك الفعل نسلك الذكر في قلوب المجرمين. # ومحل لا يؤمنون به نصب على الحال أي غير مؤمن به أو هو بيان لقوله كذلك ~~نسلكه والحاصل أنا نلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزأ به غير مقبول نظيره ما إذا ~~أنزلت # PageV04P212 # بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت: كذلك أنزلها باللئام تعني مثل هذا ~~الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. واعترض بأن النون إنما يستعمله ~~الواحد المتكلم إظهارا للعظمة والجلال ومثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا ~~فعل فعلا يظهر له أثر قوي كامل، أما إذا فعل بحيث يكون منازعه ومدافعه ~~غالبا عليه فإنه يستقبح ذكره على سبيل التعظيم، والأمر هاهنا كذلك لأنه ~~تعالى سلك استماع القرآن وتحفيظه وتعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ~~ثم إنه لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله كالهدر الضائع وصار ~~الشيطان كالغالب المدافع فكيف يحسن ذكر النون المشعر بالتعظيم في هذا ~~المقام؟ أما قوله وقد خلت سنة الأولين فقيل: أي طريقتهم التي بينها الله في ~~إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهذا يناسب تفسير ~~المعتزلة، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم. # وقيل: قد مضت سنة الله في الأولين بأن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم وهذا ~~قول الزجاج، ويناسب تفسير الأشاعرة. ثم حكى إصرارهم على الجهل والتكذيب ~~بقوله ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا أي هؤلاء الكفار فيه يعرجون ~~يتصاعدون لقالوا إنما سكرت أبصارنا هو من سكر الشراب أو من سكر سد الشق ~~يقال: سكر النهر إذا سده وحبسه من الجري. والتركيب يدل على قطع الشيء من ~~سننه الجاري عليه ومنه السكر في الشراب لأنه ينقطع عما كان عليه من المضاء ~~في حال الصحو. فمعنى الآية حيرت أبصارنا ووقع بها من فساد النظر ما يقع ~~بالرجل السكران، أو حبست عن أفعالها بحيث ms2737 لا ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء ~~على حقائقها. عن ابن عباس: المراد لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج ~~وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلطانه وإلى عبادة الملائكة الذين هم ~~من خشية ربهم مشفقون لتشككوا في تلك الرؤية وبقوا مصرين على كفرهم وجهلهم ~~كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر وما خص به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله. قال في ~~الكشاف: ذكر الظلول يعني أنه قال فظلوا ولم يقل «فباتوا» ليجعل عروجهم ~~بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال: إنما سكرت ليدل على أنهم يبتون ~~القول بأن ذلك ليس إلا تسكيرا للأبصار. وقيل: الضمير في فظلوا للملائكة أي ~~لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا لقالوا: إن السحرة سحرونا ~~وجعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها. وهاهنا سؤال وهو أنه ~~كيف جاز من جم غفير أن يصيروا شاكين فيما يشاهدونه بالعين السليمة في ~~النهار الواضح؟ وأجيب بأنهم قوم مخصوصون لم يبلغوا مبلغ التواتر وكانوا ~~رؤساء قليلي العدد فجاز تواطؤهم على المكابرة والعناد لا سيما إذا جمعهم ~~غرض معتبر كدفع حجة أو غلبة خصم. # PageV04P213 # ولما أجاب عن شبه منكري النبوة بما أجاب وكان القول بالنبوة مفرعا على ~~القول بالصانع أتبعه دلائل ذلك فقال ولقد جعلنا في السماء بروجا وهي اثنا ~~عشر عند أهل النجوم، وذلك أنهم قسموا نطاق الفلك الثامن عندهم باثني عشر ~~قسما متساوية، ثم أجيز بمنتهى كل قسم وبأوله مبتدأة من أول الحمل نصف دائرة ~~عظيمة مارة بقطبي الفلك فصار الفلك أيضا منقسما باثنتي عشرة قطعة كل منها ~~تشبه ضلعا من أضلاع البطيخ تسمى برجا. # ولا شك أن هذه البروج مختلفة الطباع، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من ~~العناصر الأربعة فلذلك يسمى الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور ~~والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، ~~والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. # ثم إن كانت أجزاء الفلك مختلفة في الماهية على ما يجوزه المتكلمون، أو ms2738 ~~كانت متساوية في تمام الماهية مختلفة في التأثير كما يقول به الحكيم، فعلى ~~التقديرين يكون اختصاص كل جزء بطبيعة معينة أو بتأثير معين مع تساوي الكل ~~في حقيقة الجسمية دالا على صانع حكيم ومدبر قدير. الدليل الآخر قوله ~~وزيناها أي بالشمس والقمر والنجوم للناظرين بنظر الاعتبار والاستبصار. وقال ~~المنجمون: إن الكواكب الثابتة كلها على الفلك الثامن وهذا لا ينافي الآية ~~على ما يمكن أن يسبق إلى الوهم، لأنها سواء كن في سماء الدنيا أو في سموات ~~أخر فوقها فلا بد أن يكون ظهورها في السماء الدنيا فتكون السماء الدنيا ~~مزينة بها، والآية لا تدل إلا على هذا القدر. ونظير هذه الآية قوله تعالى ~~في «حم السجدة» وزينا السماء الدنيا بمصابيح [فصلت: 12] ومثله في سورة ~~الملك. الدليل الثالث قوله وحفظناها أي البروج أو السماء من كل شيطان رجيم ~~إلا من استرق السمع نصب على الاستثناء المنقطع أي لكن من استرق وجائز أن ~~يكون مخفوضا أي إلا ممن استرق. # وعن ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة فأتبعه أي أدركه ولحقه شهاب مبين ظاهر ~~للمبصرين والشهاب شعلة نار ساطع، وقد يسمى الكوكب شهابا لأجل لمعانه ~~وبريقه. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون من السموات وكانوا يدخلونها ~~ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه ~~السلام منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من ~~السموات كلها وهذا هو المراد بحفظ السموات كما لو حفظ أحدنا منزله ممن ~~يتجسس ويخشى منه الفساد. والاستراق السعي في استماع الكلام مستخفيا. قال ~~الحكماء: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس، فإذا بلغ النار ~~التي دون الفلك احترق بها واشتعل لدهنية فيه فيحدث منها أنواع النيران من ~~جملتها الشهب، فلا ريب أنها كانت موجودة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا أنها لم تكن مسلطة # PageV04P214 # على الشياطين. وإنما قيض كونها رجوما للشياطين في زمن عيسى عليه السلام ~~ثم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. # أسئلة: كيف ms2739 يجوز أن يشاهد هؤلاء الجن واحدا كان أو أكثر من جنسهم يسترقون ~~السمع فيحرقون، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم؟ والجواب: إذا جاء ~~القضاء عمي البصر، فإذا قيض الله لطائفة منهم الحرق لطغيانها قدر له من ~~الدواعي المطمعة في درك المقصود ما عندها يقدم على العمل المفضي الى الهلاك ~~والبوار. # آخر: # قد ورد في الأخبار أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، # فهؤلاء الجن إن قدروا على خرق السماء ناقض قوله سبحانه هل ترى من فطور ~~[الملك: 3] وإن لم يقدروا فكيف يمكنهم استماع أسرار الملائكة من ذلك البعد ~~البعيد، ولم لا يسمعون كلام الملائكة حال كونهم في الأرض؟ وأجيب بأنا سلمنا ~~أن بعد ما بين كل سماء ذلك القدر إلا أن نحن الفلك لعله قدر قليل، # وقد روى الزهري عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ~~بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار ~~فقال: ما كنتم تقولون في الجاهلية إذا حدث مثل هذا؟ قالوا: كنا نقول يولد ~~عظيم أو يموت عظيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرمى لموت أحد ولا ~~لحياته ولكن ربنا تعالى إذا قضى الأمر في السماء سبحت حملة العرش ثم سبح ~~أهل السماء وسبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر ~~أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربكم؟ # فيخبرونهم ولا يزال ينتهي ذلك الخبر من سماء إلى السماء إلى أن ينتهي ~~الخبر إلى هذه السماء، ويتخطف الجن فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو حق ~~ولكنهم يزيدون» «1» . # آخر: الشياطين مخلوقون من نار فكيف تحرق النار النار؟ والجواب: أن الأقوى ~~قد يبطل الأضعف وإن كان من جنسه. # آخر: إن هذا الرجم لو كان من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بقي ~~بعد وفاته؟ الجواب: # هذا من المعجزات الباقية والغرض منه إبطال الكهانة. # آخر: إن الشهب قد تحدث بالقرب من الأرض وإلا لم يمكن الإحساس بها فكيف ms2740 ~~PageV04P215 # تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك حين الاستراق؟ وأجيب بأن البعد عندنا ~~غير مانع من السماع فلعله تعالى أجرى عادته بأنهم إذا وقعوا في تلك المواضع ~~سمعوا كلام الملائكة. # آخر: لو كان يمكنهم نقل أخبار الملائكة إلى الكهنة فكيف لم يقدروا على ~~نقل أسرار المؤمنين إلى الكفار؟ وأجيب بأنه تعالى أقدرهم على شيء وأعجزهم ~~عن شيء ولا يسأل عما يفعل. وأقول: لعل السبب فيه أن نسبتهم إلى الروحانيات ~~أكثر. # آخر: إذا جوزتم في الجملة اطلاع الجن على بعض المغيبات فقد ارتفع الوثوق ~~عن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الغيوب فلا يكون دليلا على صدقه. ~~لا يقال: إنه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنا نقول: صدق هذا الكلام مبني على صحة نبوته، فلو أثبتنا صحة نبوته ~~به لزم الدور؟ والجواب: أنا نعرف صحة نبوته بدلائل أخر حتى لا يدور، ولكن ~~لا ريب أن إخباره عن بعض المغيبات مؤكد لنبوته وإن لم يكن مثبتا لها. # الدليل الرابع: قوله والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وقد مر تفسير ~~مثله في أول سورة الرعد. # الدليل الخامس قوله: وأنبتنا فيها أي في الأرض أو في الجبال الرواسي من ~~كل شيء موزون بميزان الحكمة ومقدر بمقدار الحاجة، وذلك أن الوزن سبب معرفة ~~المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب. وقيل: أي له وزن وقدر في أبواب النعمة ~~والمنفعة. وقيل: أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة وكذا مقدار تأثير ~~الشمس والكواكب فيها. وقيل: أي مناسب أي محكوم عليه عند العقول السليمة ~~بالحسن واللطافة. يقال: # كلام موزون أي مناسب، وفلان موزون الحركات. وقيل: أراد ما يوزن من نحو ~~الذهب والفضة والنحاس وغيرها من الموزونات كأكثر الفواكه والنبات. وجعلنا ~~لكم فيها أي في الأرض أو في تلك الموزونات معايش ما يتوصل به إلى المعيشة ~~وقد مر في أول «الأعراف» . ومن عطف على معايش أي جعلنا لكم من لستم له ~~برازقين أو عطف على محل لكم لا على المجرور فقط فإنه ms2741 لا يجوز في الأكثر إلا ~~بإعادة الجار والتقدير: # وجعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك ~~والخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى وحده لا الآباء والسادات ~~والمخاديم، ويدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول في الأنعام والدواب ~~والوحش والطير كقوله: وما من دابة في # PageV04P216 # الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] وقد يذكر غير من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: يا ~~أيها النمل ادخلوا مساكنكم [النمل: 18] والدواب تشبه ذوي العقول من جهة ~~أنها طالبة لأرزاقها عند الحاجة. يحكى أنه قلت مياه الأودية في بعض السنين ~~واشتد عطش الوحوش فرفعت رأسها إلى السماء فأنزل الله المطر. ثم بين غاية ~~قدرته ونهاية حكمته فقال: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه قال جمع من ~~المفسرين: أراد بالشيء هاهنا المطر الذي هو سبب لأرزاق بني آدم وغيرهم من ~~الطير والوحش، وذلك أنه لما ذكر معايشهم بين أن خزائن المطر الذي هو سبب ~~المعايش عنده أي في أمره وحكمه وتدبيره. # قوله: وما ننزله إلا بقدر معلوم عن ابن عباس: يريد قدر الكفاية. وقال ~~الحكم: ما من عام بأكثر مطرا من عام آخر ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما ~~كان في البحر، واعلم أن لفظ الآية لا يدل على هذين القولين فلو ساعدهما نقل ~~صحيح أمكن أن يقبلهما العقل والا كان شبه تحكم والظاهر عموم الحكم، وإن ذكر ~~الخزائن تمثيل لاقتداره على كل مقدور. والمعنى إن جميع الممكنات مقدورة ~~ومملوكة له يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء، وهي إن كانت غير متناهية ~~بالقوة لأن كلا منها يمكن أن يقع في أوقات غير محصورة على سبيل البدل، وكذا ~~الكلام في الأحياز وسائر الأعراض والأوصاف. # فاختصاص ذلك الخارج إلى الوجود بمقدار معين وشكل معين وحيز ووقت معين إلى ~~غير ذلك من الصفات المعينة دون أضدادها لا بد أن يكون بتخصيص مخصص وتقدير ~~مقدر وهو المراد من قوله: وما ننزله إلا بقدر معلوم وقد يتمسك بالآية بعض ~~المعتزلة في أن ms2742 المعدوم شيء. قيل: المراد أن تلك الذوات والماهيات كانت ~~مستقرة عند الله بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق وماهيات، ثم إنه ~~تعالى نزل أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود. # الدليل السادس: قوله وأرسلنا الرياح ومن قرأ الريح فاللام للجنس لواقح ~~قال ابن عباس: معناه ملاقح جمع ملقحة لأنها تلقح السحاب بمعنى أنها تحمل ~~الماء وتمجه في السحاب، أو لأنها تلقح الشجر أي تقويها وتنميها إلى أن يخرج ~~ثمرها. قاله الحسن وقتادة والضحاك. وقد جاء في كلام العرب «فاعل» بمعنى ~~«مفعل» قال: # ومختبط مما تطيح الطوائح يريد المطاوح جمع مطيحة. وقال ابن الأنباري: ~~تقول العرب: أبقل النبت فهو باقل أي مبقل. وقال الزجاج: معناه ذوات لقحة ~~لأنها تعصر السحاب وتدره كما تدر اللقحة # PageV04P217 # كما يقال رامح أي ذو رمح- ولابن وتامر أي ذو لبن وذو تمر. وقيل: إن الريح ~~في نفسها لاقح أي حالة للسحاب أو للماء من قوله تعالى: حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا [الأعراف: # 57] أو حاملة للخير والرزق كما قيل لضدها الريح العقيم فأسقيناكموه أي ~~جعلناه لكم سقيا قال أبو علي: يقال سقيته الماء إذا أعطاه قدر ما يروى، ~~وأسقيته نهرا أي جعلته شربا له. والذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: ~~نسقيكم مما في بطونه [النحل: 66] ولم يختلفوا في قوله: وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا [الدهر: 21] ويقال: سقيته لشفته وأسقيته لماشيته وأرضه. وما أنتم له ~~بخازنين نفى عنهم ما أثبته لنفسه في قوله وإن من شيء إلا عندنا خزائنه أي ~~نحن الخازنون للماء لا أنتم أراد عظيم قدرته وعجز من سواه الدليل السابع: ~~قوله وإنا لنحن نحيي ونميت والغرض الاستدلال بانحصار الإحياء والإماتة فيه ~~على أنه واحد في ملكه. قال أكثر المفسرين: إنه وصف النبات فيما قبل فهذا ~~الإحياء مختص بالحيوان، ومنهم من يحمله على القدر المشترك بين إحياء النبات ~~وبين إحياء الحيوان ونحن الوارثون مجاز عن بقائه بعد هلاك ما عداه كما مر ~~في آخر «آل عمران» في قوله: ولله ميراث السماوات والأرض [الآية: 180] قوله: ~~ولقد ms2743 علمنا عن ابن عباس في رواية عطاء المستقدمين يريد أهل طاعة الله، ~~والمستأخرين يريد المتخلفين عن طاعته. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم رغب الناس في الصف الأول في الجماعة فازدحم ~~الناس عليه فأنزل الله الآية. # والمعنى إنا نجزيهم على قدر نياتهم. وقال الضحاك ومقاتل: يعني في صف ~~القتال. # وقال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء: كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها، ~~وآخرون يتخلفون ويتأخرون ليروها، وكان قوم إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا ~~من تحت آباطهم فنزلت. # وقيل: المستقدمون هم الأموات والمستأخرون هم الأحياء. وهذا القول شديد ~~المناسبة لما قبل الآية ولما بعدها. وقيل: المستقدمون هم الأمم السالفة ~~والمستأخرون هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عكرمة: المستقدمون من ~~خلق، والمستأخرون من لم يخلق بعد. # والظاهر العموم وأن علمه تعالى شامل لجميع الذوات والأحوال الماضية ~~والمستقبلة فلا ينبغي أن تخص الآية بحالة دون أخرى. ثم نبه على أن الحشر ~~والنشر أمر واجب ولا يقدر على ذلك أحد إلا هو فقال: وإن ربك هو يحشرهم إنه ~~حكيم عليم فلحكمته بني أمر العباد على التكليف والجزاء، ولعلمه قدر على ~~توفية مقادير الجزاء. # الدليل الثامن: الاستدلال على خلق الإنسان خاصة وذلك أنه لا بد من انتهاء ~~الناس # PageV04P218 # إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها. وقد أجمع ~~المفسرون على أنه آدم عليه السلام، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي ~~الباقر رضي الله عنه أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو ~~أكثر، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس. والأقرب أنه تعالى خلق آدم ~~من تراب ثم من طين ثم من حمإ مسنون ثم من صلصال كالفخار. وقد كان قادرا على ~~خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل كان قادرا على خلقه ابتداء. وإنما خلقه ~~على هذا الترتيب لمحض المشيئة، أو لما كان فيه من زلة الملائكة ms2744 والجن، أو ~~لغير ذلك من المصالح، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق ~~الشيء من شكله وجنسه، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت وهو غير ~~مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار. وقيل: هو تضعيف صل إذا أنتن. والحمأ الأسود ~~المتغير من الطين، وكذلك الحمأة بالتسكين. والمسنون المصور من سنة الوجه أي ~~صورته قاله سيبويه. وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة ~~إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة. وقال ابن السكيت: سمعت أبا عمرو ~~يقول: معناه متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي ~~يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتنا. قال في الكشاف: قوله: من حمإ صفة ~~صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمإ. قلت: ولا يعبد أن يكون بدلا أي خلقه ~~من حما. قال: وحق مسنون بمعنى مصور أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ ~~فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى ~~جوهر آخر. قوله: والجان قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن ~~عباس يريد إبليس. - وعن ابن عباس- في رواية أخرى: هو أبو الجن كآدم أبي ~~الناس وهو قول الأكثرين. والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر ~~فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب خلقناه من قبل قال ابن ~~عباس: أي من قبل خلق آدم والسموم الريح الحارة النافذة في المسام تكون في ~~النهار وقد تكون بالليل. ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق ~~وبخار الباطن، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر ~~أنه لفح جهنم. قال ابن مسعود: هذه السموم جزءا من سبعين جزءا من سموم النار ~~التي خلق الله منها الجان. ولا استبعاد في خلق الله الحيوان من النار فإنا ~~نشاهد السمندل قد يتولد فيها. وعلى قاعدة الحكيم: كل ممتزج من العناصر فإنه ~~يمكن أن يغلب عليه أحدها، وحينئذ يكون مكانه مكان ms2745 الجزء الغالب والحرارة ~~مقوية للروح لا مضادة لها. ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه ~~قادرا مختارا ذكر بعده واقعته. والمراد بكونه بشرا أنه يكون جسما كثيفا ~~يباشر ويلاقي، والملائكة والجن لا يباشرون للطافة أجسامهم. # PageV04P219 # والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان. فإذا سويته عدلت خلقته وأكملتها أو سويت ~~أجزاء بدنه بتعديل الأركان والأخلاط والمزاج التابع لذلك اعتدالا نوعيا أو ~~شخصيا. # ونفخت فيه من روحي النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر. فمن زعم أن ~~الروح جسم لطيف كالهواء سار في البدن فمعناه ظاهر، ومن قال إنه جوهر مجرد ~~غير متحيز ولا حال في متحيز فمعنى النفخ عنده تهيئة البدن لأجل تعلق النفس ~~الناطقة به. قال جار الله: # ليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه. وتمام ~~الكلام في الروح سوف يجيء إن شاء الله في قوله: يسئلونك عن الروح [الإسراء: ~~85] . ولا خلاف في أن الإضافة في قوله: روحي للتشريف والتكريم مثل «ناقة ~~الله» و «بيت الله» . # والفاء في قوله: فقعوا تدل على أن وقوعهم في السجود كان واجبا عليهم عقيب ~~التسوية والنفخ من غير تراخ. قال المبرد: قوله كلهم أزال احتمال أن بعض ~~الملائكة لم يسجدوا. وقوله: أجمعون أزال احتمال أنهم سجدوا متفرقين، وقال ~~سيبويه والخليل أجمعون توكيد بعد توكيد، ورجح الزجاج هذا القول لأن أجمع ~~معرفة فلا يقع حالا، ولو صح أن يكون حالا وكان منتصبا لأفاد المعنى الذي ~~ذكره المبرد. ثم استثنى إبليس من الملائكة وقد سلف وجه الاستثناء في أول ~~سورة البقرة. ثم استأنف على تقدير سؤال سائل هل سجد؟ فقال: أبى أن يكون مع ~~الساجدين يعني إباء استكبار. # ثم قال سبحانه وتعالى خطاب تقريع وتعنيف لا تعظيم وتشريف يا إبليس ما لك ~~ألا تكون مع الساجدين وقال بعض المتكلمين: خاطبه على لسان بعض رسله لأن ~~تكليم الله بلا واسطة منصب شريف فكيف يناله اللعين؟ قال جار الله: حرف الجر ~~مع أن محذوف ومعناه أي غرض لك في الامتناع من ms2746 السجود قال لم أكن لأسجد ~~اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد لبشر وحاصل شبهة ~~اللعين أنه روحاني لطيف وآدم جسماني كثيف، وأصله نوراني شريف وأصل آدم ~~ظلماني خسيس، فعارض النص بالقياس فلا جرم أجيب بقوله: فاخرج منها أي من ~~الجنة أو من السماء أو من جملة الملائكة. # وضرب يوم الدين أي يوم الجزاء حدا للعنة جريا على عادة العرب في التأبيد ~~كما في قوله: ما دامت السماوات والأرض [هود: 107] أو أراد اللعن المجرد من ~~غير تعذيب حتى إذا جاء ذلك اليوم عذب بما ينسى اللعن معه. قال صاحب الكشاف: ~~وأقول: هذا إن أريد باللعن مجرد الطرد عن الحضرة. أما إن أريد به الإبعاد ~~عن كل خير فيتعين الوجه الأول إلا عند من أثبت لإبليس رجاء العفو. وإنما ~~ذكر اللعنة هاهنا بلام الجنس لأنه ذكر آدم بلفظ الجنس حيث قال: إني خالق ~~بشرا ولما خصص آدم بالإضافة إلى نفسه في # PageV04P220 # سورة «ص» حيث قال: لما خلقت بيدي [الآية: 75] خصص اللعنة أيضا بالإضافة ~~فقال: وإن عليك اللعنة فافهم. قال رب فأنظرني قد مر مثله في أول «الأعراف» ~~. # ومعنى الوقت المعلوم أن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار كالمعلوم ~~والمراد منه الوقت القريب من البعث الذي يموت فيه الخلائق كلهم ليشمل الموت ~~اللعين أيضا. # وقيل: لم يجب إلى ذلك وأنظر إلى يوم لا يعلمه إلا الله قال رب بما ~~أغويتني قد مر مباحثه في «الأعراف» . ومفعول لأزينن محذوف أي أزين لهم ~~المعاصي في الأرض أي في الدنيا التي هي دار الغرور، أو أراد أنه قدر على ~~الاحتيال لآدم وهو في السماء فهو على التزيين لأولاده وهم في الأرض أقدر، ~~أو أراد لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض بأن أزين الأرض في أعينهم وأحدثهم ~~أن الزينة هي في الأرض وحدها كقوله: # وإن يعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... من الضيف يجرح في عراقيبها نصلي # أراد يجرح عراقيبها نصلي ثم استثنى اللعين عباد الله المخلصين لأنه علم ~~أن كيده لا يؤثر ms2747 فيهم. قال بعض الحذاق: احترز إبليس بهذا الاستثناء من ~~الكذب فيعلم منه أن الكذب في غاية السماحة والإخلاص فعل الشيء خالصا لله من ~~غير شائبة الغير لا أقل من أن يكون حق الله فيه راجحا أو مساويا. ولما ذكر ~~إبليس من الاستثناء ما ذكر قال الله سبحانه هذا يعني الإخلاص طريق مستقيم ~~علي أن أراعيه أو علي مروره أي على رضواني وكرامتي. وقيل: لما ذكر اللعين ~~أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور ~~إلى مشيئته تعالى فأشير إليه بقول: هذا أي تفويض الأمور إلى إرادتي ~~ومشيئتي. صراط علي تقريره وتأكيده. ومن قرأ علي بالتنوين فهو من علو الشرف ~~أي الإخلاص أو طريق التفويض إلى الله والإيمان بقضائه طريق رفيع. # مستقيم لا عوج له. وقال جار الله: هذا إشارة إلى ما بعده وهو قوله: إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان قال الكلبي: المذكورون في هذه الآية هم الذين ~~استثناهم إبليس وذلك أنه لما ذكر إلا عبادك بين به أنه لا يقدر على إغواء ~~المخلصين فصدقه الله تعالى في الاستثناء قائلا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك أي ولكن من اتبعك من الغواة فلك تسلط عليهم وهذا يناسب أصول ~~الأشاعرة. وقال آخرون: هذا تكذيب لإبليس وذلك أنه أوهم بما ذكر أن له ~~سلطانا على عباد الله الذين لا يكونون من المخلصين فبين تعالى أنه ليس له ~~على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا إلا الغواة، لا بسبب الجبر والقسر بل من ~~جهة الوسوسة والتزيين نظيره قوله: وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم # [إبراهيم: 22] وهذا يناسب أصول الاعتزال وإن جهنم لموعدهم أجمعين # PageV04P221 # قال ابن عباس: يريد إبليس ومن تبعه من الغاوين. لها سبعة أبواب أي سبع ~~طبقات بعضها فوق بعض أعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، ~~والرابع للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين. ~~وعن ابن عباس في رواية ابن جريج: إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة ~~النار، والحطمة ms2748 لعبدة الأصنام، وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم ~~للصابئين، والهاوية للموحدين. # وقيل: إن قرار جهنم مقسوم بسبعة أقسام لكل قسم باب معين لكل باب جزء من ~~أتباع إبليس مقسوم في قسمة الله سبحانه. والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة ~~بالغلظ والخفة فلا جرم صارت مراتب العقاب أيضا متفاوتة بحسبها. # ثم عقب الوعيد بالوعد فقال: إن المتقين في جنات وعيون فزعم جمهور ~~المعتزلة أنهم الذين اتقوا جميع المعاصي وإلا لم يفد المدح. وقال جمهور: ~~الصحابة والتابعين هم الذين اتقوا الشرك بالله واحتجوا عليه بأنه إذا اتقى ~~مرة واحدة صدق عليه أنه اتقى، وكذا الكلام في الضارب والكاتب فليس من شرط ~~صدق الوصف كونه آتيا بجميع أصنافه وأفراده إلا أن الأمة أجمعوا على أن ~~التقوى عن الشرك شرط في حصول هذا الحكم. والآية أيضا وردت عقيب قوله: إلا ~~عبادك منهم المخلصين إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فلزمه اعتبار الإيمان في ~~هذا الحكم. والظاهر أن لا يراد شرط آخر لأن التخصيص خلاف الظاهر فكلما كان ~~أقل كان أوفق لمقتضى الأصل، فثبت أن المتقين يتناول جميع القائلين بكلمة ~~الإسلام وهي «لا إله إلا الله محمد رسول الله» قولا واعتقادا سواء كان من ~~أهل الطاعة أو من أهل المعصية. ثم إن الجنات أقلها أربع لقوله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن: 46] ثم قال ومن دونهما جنتان [الرحمن: # 62] وأما العيون فإما أن يراد بها الأنهار المذكورة في قوله: فيها أنهار ~~من ماء غير آسن [محمد: 15] الآية وإما أن يراد بها منابع غير ذلك. ثم إن كل ~~واحد من المتقين يحتمل أن يختص بعين وينتفع بها كل من في خدمته من الحور ~~والولدان ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهوتهم. ويحتمل أن يجري من ~~بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون من كل حقد وحسد. فإن قيل: إذا كانوا في جنات ~~فكيف يعقل أن يقول لهم الله تعالى وبعض الملائكة ادخلوها فالجواب لعل ~~المراد أنهم لما ملكوا الجنات فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل ms2749 ~~لهم ذلك. ومعنى بسلام أي مع السلامة من آفات النقص والانقطاع. قوله: ونزعنا ~~ما في صدورهم من غل قد مر تفسيره في «الأعراف» إخوانا نصب على الحال. وكذلك ~~على سرر متقابلين والمراد بالإخوة # PageV04P222 # إخوة الدين والتعاطف. والسرر جمع سرير. قيل: هو المجلس الرفيع المهيأ ~~للسرور. # وقال الليث: سرير العيش مستقره الذي يطمئن عليه حال سروره وفرحه. ~~والتركيب يدور على العزة والنفاسة ومنه قولهم: «سر الوادي لأفضل موضع منه» ~~ومنه السر الذي يكتم. # عن ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، وعن ~~مجاهد: # تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. والتقابل ~~التواجه نقيض التدابر، وتقابل الإخوان يوجب اللذة والسرور ليكون كل منهم ~~مقبلا على الآخر بالكلية، وتقابل الأعداء يكون تقابل التضاد والتمانع فيكون ~~موجبا للتباغض والتخالف، واعلم أن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم خالصة من ~~الآفات آمنة من الزوال. فقوله: إن المتقين إشارة إلى المنفعة وقوله: ~~ادخلوها رمز إلى أنها مقرونة بالتعظيم، وقوله ونزعنا إلى قوله: لا يمسهم ~~فيها نصب أي تعب تلويح إلى كونها سالمة من المنغصات إلا أن قوله: ونزعنا ما ~~في صدورهم إشارة إلى نفي المضار الروحانية، وقوله: لا يمسهم إشارة إلى نفي ~~المضار الجسدانية، وقوله: وما هم منها بمخرجين مفيد لمعنى الخلود. # ثم لما ذكر الوعيد والوعد زاده تقريرا وتمكينا في النفوس فقال: نبئ عبادي ~~وفيه من التوكيدات ما لا يخفى: منها إشهاد رسوله وإعلامه، ومنها تشريفهم ~~بإطلاق لفظ العباد عليهم ثم بإضافتهم إلى نفسه، ومنها التوكيد ب «أن» ~~وبالفضل وبصيغتي الغفور والرحيم مع نوع تكرر وكل ذلك يدل على أن جانب ~~الرحمة أغلب كما # قال: «سبقت رحمتي غضبي» «1» . ### | التأويل: # ربما يود الذين كفروا أي النفوس الكافرة لو كانوا مستسلمين لأوامر الله ~~ونواهيه، وذلك إنما يكون عند استيلاء سلطان الذكر على القلب والروح، وتنور ~~صفاتها بنور الذكر فيغلب النور على ظلمة النفس وصفاتها وتبدلت أحوالها من ~~الأمارية إلى الاطمئنان فتمنت حين ذاقت حلاوة الإسلام وطعم الإيمان لو كانت ~~من بدء الخلق ms2750 مسلمة مؤمنة كالقلب والروح. ثم هدد النفس التي ذاقت حلاوة ~~الإسلام ثم عادت الميشوم إلى طبعها واستحلت المشارب الدنيوية بقوله: ذرهم ~~يأكلوا وما أهلكنا من قرية من القرى البدنية بإفساد استعدادها إلا ولها ~~كتاب مكتوب في علم الله من سوء أعماله وأحواله ما تسبق من أمة أجلها متى ~~يظهر منها ما هو سبب هلاكها وما يستأخرون PageV04P223 # لحظة بعد استيفاء أسباب هلاكها وقالوا يعني النفوس المتمردة مخاطبا للقلب ~~الذاكر لو ما تأتينا بصفات الملائكة المنقادين، وفيه إشارة إلى أن النفس ~~الأمارة لا تؤمن بما أنزل الله إلى القلوب من أنوار الإلهية حتى تصير ~~مطمئنة مستعدة لهذه الصفات، ولو أنزلت قبل أوانها وكمال استعداد القلوب ما ~~كانوا إذا منظرين مؤخرين من الهلاك لضيق نطاق طاقتهم إنا نحن نزلنا كلمة لا ~~إله إلا الله في قلوب المؤمنين كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] ~~والمنافق يقول ذلك ولكن لم ينزل في قلبه ولم يحفظ. ولو فتحنا على من أسلكنا ~~الكفر في قلوبهم بابا من سماء القلب لأنكروا فتح الباب. # ولقد جعلنا في سماء القلب بروج الأطوار، فكما أن البروج منازل السيارات ~~فكذلك الأطوار منازل شموس المشاهدات وأقمار المكاشفات وسيارات اللوامع ~~والطوالع وزيناها لأهل النظر السائرين إلى الله وحفظناها من وساوس الشيطان ~~وهواجس النفس الأمارة، ولكن من استرق السمع من النفس والشيطان فأدركه شعلة ~~من أنوار تلك الشواهد فيضمحل الباطل ويتبين الحق والأرض مددناها فيه أن أرض ~~البشرية تميل كنفس الحيوانات إلى أن أرساها الله بجبال العقل وصفات القلب ~~وجعلنا لكم فيها معايش هي أسباب الوصول والوصال ومن لستم له برازقين وهو ~~جوهر المحبة وإن غذاءه من مواهب الحق وتجلي جماله فقط. ولكل شيء خزانة ~~فلصورة الأجسام خزانة، ولاسمها خزانة، ولمعناها خزانة، وكذا للونها ولطعمها ~~ولخواصها من المنافع والمضار، وكذا لظلمتها ونورها ولملكها وملكوتها، وما ~~من شيء إلا وفيه لطف الله وقهره مخزون، وقلوب العباد خزائن صفات الله تعالى ~~بأجمعها وأرسلنا رياح العناية لواقح لأشجار القلوب بأنهار الكشوف وبأثمار ~~الشواهد كما قال بعضهم: إذا هبت رياح ms2751 الكرم على أسرار العارفين أعتقهم من ~~هواجس أنفسهم ورعونات طبائعهم، وظهر في القلوب نتائج ذلك وهي الاعتصام ~~بالله والاعتماد عليه. فأنزلنا من سماء الهداية ماء الحكمة وما أنتم له ~~بخازنين في أصل الخلقة فإن المخلوق لا يوصف بالحكمة إلا مجازا. وإنا لنحن ~~نحيي قلوب أوليائنا بأنوار جمالنا، ونميت نفوسهم بسطوة جلالنا ونحن ~~الوارثون بعد إفناء وجودهم ليبقوا ببقائنا وإن ربك هو يحشر المستقدمين إلى ~~حظائر قدسه والمستأخرين إلى أسفل سافلين الطبيعة، خاطب إبليس النفس بقوله: ~~وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين أي إلى أن تطلع شمس شواهدنا من مشرق الروح ~~وتصير أرض النفس مشرقة وتتبدل صفاتها الذميمة المظلمة بالأخلاق الروحانية ~~الحميدة إلى يوم يبعثون أي يبعث الأرواح في قيامة العشق وهو الوقت المعلوم ~~الذي يتجلى الرب فيه لأرواح العشاق، # PageV04P224 # فينعكس نور التجلي من الأرواح إلى النفوس فتجعلها مطمئنة. بما أغويتني ~~أضللتني من طريق الأمارية لأزينن للأرواح في أرض البشرية من الأعمال ~~الصالحات التي تورث الأخلاق الحميدة وبها تربية الأرواح وترقيها ولأغوينهم ~~أجمعين عما كانوا عليه من الأعمال الروحانية الملكية التي لا تتأتى إلا ~~لعبادك الذين خلصوا من حبس الوجود بجذبات الألطاف. هذا صراط أي هو طريق أهل ~~الاستقامة في السير في الله المنقطعين عن غيره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~حجة تتعلق بتلك الحجة لهدايتهم وإغوائهم فإنهم بلاهم، وإن من خصوصية ~~العبودية المضافة إلى الحضرة الحرية عما سواه لها سبعة أبواب من الحرص ~~والشره والحقد والحسد والغضب والشهوة والكبر، أو الأبواب السبعة إشارة إلى ~~الحواس الخمس الظاهرة وإلى الوهم والخيال فإنهما أصلا الحواس الباطنية، لأن ~~الأول يدرك المعاني والثاني يدرك الصور، والباقية- أعني المفكرة والحافظة ~~والذاكرة- من أعوانهما، وأكثر ما يستعمل الإنسان هذه المشاعر إنما يستعملها ~~في الأحوال الدنيوية المفضية إلى الهلاك، فلا جرم صارت أبوابا لجهنم. فإذا ~~استعملها في تحصيل السعادات الباقية بحسب تصرف العقل الغريزي صرن مع العقل ~~أبوابا بل أسبابا لحصول الجنة. ادخلوها بسلام والسلام من الله الجذبات ~~آمنين من موانع الخروج والدخول بعد الوصول فإن السير في ms2752 الله لا يمكن إلا ~~بالله وجذباته ولهذا قال جبرائيل ليلة المعراج: # لو دنوت أنملة لاحترقت. ونزعنا فيه أن نزع الغل من الصدور لا يكون إلا ~~بنزع الله، وأن الأرواح القدسية مطهرات عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ~~مبرءات من حوادث الوهم والخيال، ومعنى تقابلهم أن النفوس المصفاة عن كدورات ~~عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام إذا وقع عليها أنوار جمال الله أو ~~جلاله انعكست منها إلى من في مثل درجاتها كما تتعاكس المرايا الصافية، ~~المتحاذية، فيزداد كل منها في نفسها بخفاء صفاتها. # وفي قوله: نبئ عبادي إشارة إلى أن سلوك السالكين وطير الطائرين يجب أن ~~يكون على قدمي الرجاء والخوف وجناحي الإنس والجن والله الموفق للصواب. ### | [سورة الحجر (15) : الآيات 51 الى 99] # ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون (52) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن ~~مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) # قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~(57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ~~(59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) # فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئناك ~~بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) فأسر بأهلك ~~بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) # وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة ~~يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون ~~(69) قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) # قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) ~~فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من ~~سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) # وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) وإن كان أصحاب ~~الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحاب ~~الحجر المرسلين (80) # وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين (82) فأخذتهم الصيحة ms2753 مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) ~~وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح ~~الصفح الجميل (85) # إن ربك هو الخلاق العليم (86) ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم ~~واخفض جناحك للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على ~~المقتسمين (90) # الذين جعلوا القرآن عضين (91) فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا ~~يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزئين ~~(95) # الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك ~~بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك ~~اليقين (99) # PageV04P225 ### | القراآت: # إذ دخلوا وبابه مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف غير هشام إنا نبشرك ~~بسكون الباء وضم الشين: حمزة. الآخرون بالتشديد تبشرون بالتشديد وكسر النون ~~المخففة: نافع مثله. ولكن مشددة النون: ابن كثير. الباقون بفتح النون على ~~أنها علامة رفع يقنط بكسر النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وخلف وكذلك ~~بابه. # الآخرون بالفتح آل لوط مدغما حيث كان شجاع لمنجوهم بالتخفيف: يعقوب وحمزة ~~وعلي وخلف. الباقون بالتشديد قدرنا بالتخفيف حيث كان: أبو بكر وحماد بناتي ~~إن بفتح الياء: أبو جعفر ونافع إني أنا بفتح ياء المتكلم: جعفر ونافع وابن ~~كثير وأبو عمرو. ### | الوقوف: # إبراهيم ه ج لئلا يصير إذ دخلوا ظرفا ل نبئهم فإنه محال سلاما ط وجلون ه ~~عليم ه تبشرون ه القانطين ه الضالون ه # PageV04P226 # المرسلون ه مجرمين ه لا للاستثناء. آل لوط ط أجمعين ه لا قدرنا لا لأن ~~الجملة بعده مفعول والكسر لدخول اللام في الخبر الغابرين ه المرسلون ه لا ~~لأن ما بعده جواب «لما» منكرون ه يمترون ه لصادقون ه تؤمرون ه مصبحين ه ~~يستبشرون ه فلا تفضحون ه لا للعطف ولا تخزون ه العالمين ه فاعلين ه ط ~~لابتداء القسم يعمهون ه مشرقين ه لا لاتصال انقلابها بالصيحة من سجيل ط ~~للمتوسمين ه مقيم ه للمؤمنين ه ط لتمام القصة ms2754 لظالمين ه لا لاتصال الانتقام ~~بظلمهم منهم ه ط لأن الواو للابتداء فلو وصل لشابه الحال وهو محال مبين ه ط ~~لتمام قصتهم المرسلين ه لا لأن الواو بعده للحال وقد آتيناهم معرضين ه لا ~~للعطف آمنين ه ط مصبحين ه ط للاتصال معنى يكسبون ه م لتمام القصص إلا بالحق ~~ط الجميل ه العليم ه العظيم ه للمؤمنين ه المبين ه ج لجواز تعلق الكاف ~~بقوله: فأخذتهم أو بقوله: فانتقمنا ولجواز تعلقها بمحذوف أي أنزلنا عليهم ~~العذاب كما أنزلنا، وتمام البحث سيجيء في التفسير. # المقتسمين ه لا عضين ه أجمعين ه لا يعملون ه المشركين ه المستهزئين ه لا ~~آخر ج لابتداء التهديد مع الفاء يعلمون ه يقولون ه لا لاتصال الأمر ~~بالتسبيح تسلية الساجدين ه لا للعطف اليقين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه عطف ونبئهم على نبئ عبادي ليكون سماع هذه القصص مرغبا في ~~الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء، ومحذرا من المعصية المستتبعة لدركات ~~الأشقياء، ولما في قصة لوط من ذكر إنجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين، وكل ذلك ~~يقوي ما ذكر من أنه غفور رحيم للمؤمنين، وأن عذابه عذاب أليم للكافرين. ~~وعند المعتزلة غفور للتائبين معذب لغيرهم. وقد مر تفسير أكثر هذه القصة في ~~سورة هود فنذكر الآن ما هو مختص بالمقام. فقوله: وجلون معناه خائفون خافهم ~~لامتناعهم من الأكل أو لدخولهم بغير إذن وفي غير وقت. إنا نبشرك استئناف في ~~معنى تعليل النهي عن الوجل. بشروه بالولد الذكر بكونه عليما فقيل: أرادوا ~~بعلمه نبوته. وقيل: العلم مطلقا. # وقوله: على أن مسني في موضع الحال أي مع هذه الحالة استفهم منكرا للولادة ~~في حالة الهرم لأنها أمر عجيب عادة لا لأنه شك في قدرة الله تعالى ولذلك ~~قال: فبم تبشرون «ما» استفهامية دخلها معنى التعجب كأنه قال: فبأي أعجوبة ~~تبشروني أو أنكم لا تبشروني بشيء في الحقيقة لأن ذلك أمر غير متصور في ~~العادة؟ وأحسن ما قيل فيه أن لا يكون قوله: «بما» صلة للتبشير بل يكون ~~سؤالا عن الوجه ms2755 والطريقة يعني إذا كان الطريق # PageV04P227 # المعتاد ممتنعا فبأي طريق تبشرونني بالولد، فلذلك قالوا في جوابه بشرناك ~~بالحق أي باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بالولد بطريق هو حق وذلك قول ~~الله تعالى ووعده وأنه قادر على خلق الولد من غير أبوين فضلا من شيخ فان ~~وعجوز عاقر. قال أبو حاتم: # حذف نافع ياء المتكلم مع النون وإسقاط الحرفين لا يجوز. وأجيب بأنه لم ~~يحذف إلا الياء اكتفاء بالكسرة ونون الوقاية لم يوردها كما أوردت في قراءة ~~التشديد، وإنما كسر نون الجمع لأجل الياء وكلتا اللغتين فصيحة. قيل: عظم ~~فرحه بتلك البشارة فدهش عن الجواب المنتظم فتكلم بالكلام المضطرب. وقيل: ~~طلب مزيد الطمأنينة كقوله: ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260] عن ابن عباس: ~~يريد بالحق ما قضى الله أن يخرج من صلب إبراهيم إسحق ومن صلب إسحق أكثر ~~الأنبياء. وقوله: فلا تكن من القانطين لا يدل على أنه كان قانطا فقد ينهى ~~عن الشيء ابتداء كقوله: ولا تطع الكافرين [الأحزاب: 48] . ولذلك أنكر ~~إبراهيم نهيهم بقول: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون أي المخطئون طريق ~~الصواب أو الكافرون نظيره إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ~~[يوسف: 87] وفيه أنه لم يستنكر ذلك قنوطا من رحمته ولكن استبعادا له في ~~العادة التي أجراها الله هما لغتان: قنط يقنط مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط مثل ~~علم يعلم. وزعم الفارسي أن الأولى أعلى اللغتين. ثم سأل عما لأجله أرسلهم ~~الله حيث قال: فما خطبكم والخطب الشأن العظيم. فسئل أنهم لما بشروه بالولد ~~الذكر العليم فما وجه السؤال عن مجيئهم؟ # وأجاب الأصم بأن المراد ما الأمر الذي وجهتم فيه سوى البشرى؟. وقال ~~القاضي: إنه علم أن المقصود لو كان التبشير فقط لكان الملك الواحد كافيا. ~~وقيل: علم أنه لو كان تمام الغرض البشارة لذكروها أول ما دخلوا قبل أن يوجس ~~إبراهيم منهم خيفة. قلت: لعله استصغر أمر التبشير إما لأجل التواضع وإما ~~لأنه واقعة خاصة فسألهم عن الأمر الذي هو أعظم من ذلك وأعم ms2756 تعظيما لشأنهم ~~قالوا إنا أرسلنا زعم صاحب الكشاف أن الإرسال هاهنا في معنى التعذيب ~~والإهلاك كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمى. وأقول: كأنه لا حاجة إلى هذا ~~التجوز لقوله في سورة الذاريات إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم ~~حجارة من طين [الآيتان: 32، 33] فالتقدير إنا أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل ~~لوط وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا لاختلاف الجنسين، فإن القوم موصوفون ~~بالإجرام دون آل لوط. يكون قوله: إنا لمنجوهم جاريا مجرى خبر «لكن» كأنه ~~قيل: لكن قوم لوط منجون، ويكون قوله: إلا امرأته استثناء من الاستثناء أي ~~أرسلنا إليهم لنهلكهم إلا آل لوط إلا امرأته كقول المقر: لفلان علي عشرة ~~إلا ثلاثة إلا واحدا، وجوز في الكشاف # PageV04P228 # أن يكون قوله: إلا آل لوط مستثنى من الضمير في مجرمين حتى يكون الاستثناء ~~متصلا أي إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم. ولم لا يجوز الاستثناء ~~من الاستثناء بناء على أن آل لوط مستثنى من معمول أرسلنا أو مجرمين وإلا ~~امرأته من معمول لمنجوهم وقد عرفت ما فيه على أنه إذا جعل الإرسال بمعنى ~~الإهلاك كما قرره هو آل الأمر إلى ما ذكرنا فلا أدري لم استبعده مع وفور ~~فضله. قال أهل اللغة: قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل جعلت الشيء على ~~مقدار غيره، ومنه قدر الله الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، وقدر ~~الأمور أي جعلها على مقدار ما يكفي في أبواب الخير والشر. وقيل: في معنى ~~قدرنا: كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. وقيل: قضينا. # والكل متقارب، والمشدد في هذا المعنى أكثر استعمالا وأنه جواب سؤال كأنه ~~قيل: ما بالها استثنيت من الناجين؟ فقيل: قدرنا إنها لمن الغابرين أي ~~الباقين في الهوالك. # ويقال للماضي أيضا غابر وهو من الأضداد. قال في الكشاف: علق فعل التقدير ~~مع أن التعليق من خصائص أفعال القلوب لأنه في معنى العلم. وإنما أسندوا ~~الفعل إلى أنفسهم مع أن التقدير لله عز وجل بيانا لاختصاصهم به تعالى كما ~~يقول خاصة الملك دبرنا كذا أو أمرنا بكذا ولعل ms2757 المدبر والآمر هو الملك ~~وحده. # ثم إن الملائكة لما بشروا إبراهيم عليه السلام بالولد وأخبروه بأنهم ~~مرسلون إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وذلك قوله: فلما جاء آل لوط ~~المرسلون قال أي لوط إنكم قوم منكرون تنكركم نفسي وتنفر منكم. وذلك أنهم ~~هجموا عليه فلم يعرفهم وخاف أن يطرقوه بشر فلذلك قالوا بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون أي ما جئناك بما توهمت بل جئناك بما فيه فرجك وتشفيك من عدوك ~~وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وهم يشكون في وقوعه. وأتيناك بالحق باليقين ~~الثابت. وقال الكلبي: بالعذاب الذي لا شك فيه وإنا لصادقون فيما أخبرناك به ~~فأسر بأهلك بقطع من الليل أي في آخره وقدم في سورة هود وزاد هاهنا قوله: ~~واتبع أدبارهم لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم علم بنجاتهم، ولا يخفى حالهم. ~~ففي الآية زيادة بيان لكيفية الإسراء ثم زاد في البيان فقال: ولا يلتفت ~~منكم أحد ولم يستثن امرأته اكتفاء بما مر في السورة من قوله: إلا آل لوط ~~إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قال جار الله: إنما أمر باتباع أدبارهم ونهى ~~عن الالتفات ليكون فارغ البال من حالهم فيخلص قلبه لشكر الله، ولئلا يتخلف ~~منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، ولئلا يشاهدوا عذاب قومهم فيرقوا لهم مع ~~أنهم ليسوا من أهل الرقة عليهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ولا يتحسروا ~~على ما خلفوا. وجوز أن # PageV04P229 # يكون النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني، لأن من ~~يلتفت لا بد أن يقع له أدنى وقفة وامضوا حيث تؤمرون قال الجوهري: مضى الشيء ~~مضيا ذهب، ومضى في الأمر مضيا أنفذه. وقال في الكشاف: عدى وامضوا إلى حيث ~~تعديته إلى الظرف المبهم لأن حيث مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في تؤمرون ~~قلت: # حاصل الكلام يرجع إلى قوله: اذهبوا إلى المكان الذي تؤمرون بالذهاب إليه، ~~أو أنفذوا أمر الذهاب إلى هنالك. عن ابن عباس: إنه الشام. وقيل: مصر. وقال ~~المفضل: حيث يقول لكم جبرائيل وكانت قرية معينة ms2758 ما عمل أهلها عمل قوم لوط. ~~ثم أخبر عن حالهم مجملا فقال: وقضينا ضمن معنى أوحينا ولذلك عدي بإلى كأنه ~~قيل: وأوحينا. إليه ذلك الأمر مقتضيا مبتوتا. ثم فسر ذلك الأمر بقوله: أن ~~دابر هؤلاء مقطوع مصبحين أي يستأصلون عن آخرهم حال ظهور الصبح ودخولهم فيه. ~~وفي هذا الإجمال والتفسير تفخيم لشأن الأمر وتعظيم له. # ثم حكى ما أبدى قوم لوط من الفعال بعد نزول الملائكة فقال: وجاء أهل ~~المدينة أي أهل سذوم التي ضرب بقاضيها المثل فقيل أجور من قاضي سذوم. # يستبشرون بظهور السرور بمجيء الملائكة لأنهم رأوهم مردا حسان الوجوه قال ~~لوط لما قصدوا أضيافه إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون بفضيحة ضيفي لأن الضيف يجب ~~إكرامه فإذا أسيء إليه في دار المضيف كان ذلك إهانة وفضيحة للمضيف. يقال: ~~فضحه يفضحه فضحا وفضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار واتقوا الله ولا ~~تخزون مر في «هود» قالوا في جواب لوط أولم ننهك عن العالمين أي ألسنا ~~نهيناك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وكانوا ~~يتعرضون لكل أحد، وكان لوط عليه السلام ينهاهم عن ذلك فأوعدوه نظيره لئن لم ~~تنته يا لوط لتكونن من المخرجين [الشعراء: 116] وقيل: نهوه عن ضيافة الناس ~~وإنزالهم قال هؤلاء بناتي من الصلب أو أراد نساء أمته كما مر في «هود» . ~~قال جار الله إن كنتم فاعلين شك في قبولهم لقوله كأنه قال وما أظنكم ~~تفعلون. وقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فبما أحل الله دون ما حرم. ثم ~~قالت الملائكة للوط عليه السلام لعمرك مبتدأ محذوف الخبر لكثرة الاستعمال ~~أي قسمي أو هو مما أقسم به. والعمر والعمر بالفتح والضم واحد إلا أنهم خصوا ~~القسم بالمفتوح اتباعا للأخف، فإن الحلف كثير الدور على ألسنتهم إنهم لفي ~~سكرتهم غوايتهم التي أذهبت عقولهم حتى لم يميزوا بين خطئهم وصوابك يعمهون ~~يتحيرون فكيف يقبلون قولك الذي تأمرهم به من ترك البنين إلى البنات؟ وقيل: ~~إنه # PageV04P230 # سبحانه خاطب رسول الله صلى الله عليه ms2759 وسلم وأقسم بحياته صلى الله عليه ~~وسلم كرامة له صلى الله عليه وسلم وما أقسم بحياة أحد قط وذلك يدل على أنه ~~أكرم الخلق على الله فأخذتهم الصيحة مشرقين داخلين في الشروق وهو بزوغ ~~الشمس كان ابتداء العذاب من أول الصبح لقوله: مصبحين أليس الصبح بقريب؟ ~~وغلبته كانت عند طلوع الشمس قال المفسرون: هي صيحة جبرائيل. قلت: # ويحتمل أن تكون صيحة قلب المدائن وإرسال الحجارة عليهم. قال بعض ~~المفسرين: إنما قال: وأمطرنا عليهم وفي سورة هود وأمطرنا عليها [الآية: 82] ~~لأنه أراد هاهنا من شذ من القرية منهم. وقيل: سبب تخصيص هذه السورة بجمع ~~المذكر هو بناء القصة على قوله: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين للمتفرسين. # وحقيقة التوسم التثبت في النظر حتى يعرف حقيقة سمة الشيء فعبر به عن ~~التأمل والتفكر وإنها يعني تلك القرى وآثارها لبسبيل مقيم ثابت يسلكه الناس ~~المارة من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثار قهر الله وغضبه هنالك. قال بعضهم: ~~إنما جمع الآيات في قوله: # إن في ذلك لآيات للمتوسمين لأنه أشار إلى ما تقدم عن ضيف إبراهيم وقصة ~~لوط وقلب المدينة وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم. وقال في الثانية ~~وإنها أي القرية لبسبيل وهذه واحدة من تلك الآيات فلذلك قال: إن في ذلك ~~لآية للمؤمنين وقيل: ما جاء من القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من ~~الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين وهم مقرون ~~بوحدانيته وحد الآية نظيره في «العنكبوت» خلق الله السماوات والأرض بالحق ~~إن في ذلك لآية للمؤمنين [الآية: 44] . # ثم أجمل قصة قوم شعيب فقال: وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين «إن» مخففة من ~~الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبرها. كانوا أصحاب غياض ومواضع ذات ~~شجر فنسبوا إليها. والأيكة الشجر الملتف، والضمير في قوله: وإنهما يعود إلى ~~قرى قوم لوط وإلى الأيكة. وقيل: بل إلى الأيكة ومدين لأن شعيبا كان مبعوثا ~~إليهما فدل بذكر أحد الموضعين هاهنا- وهو الأيكة- على الآخر لبإمام مبين ~~لبطريق واضح. قال ms2760 الفراء والزجاج: سمي الطريق إماما لأنه يؤم ويتبع. وقال ~~ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده. ثم ختم ~~القصص بقصة ثمود فقال: ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وهو واد بين الشام ~~والمدينة. وجمع المرسلين لأن تكذيب نبي واحد- وهو صالح- كتكذيب جميع ~~الأنبياء، أو لأن القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل، أو أراد صالحا ومن ~~معه من المؤمنين. وآتيناهم أي أعطينا رسولهم آياتنا أراد الناقة وكانت فيها ~~آيات خروجها من الصخرة وعظم خلقها وكثرة لبنها إلى غير ذلك كما حكينا # PageV04P231 # في «الأعراف» فكانوا عنها أي عن النظر فيها والاعتبار بها معرضين وفيه أن ~~التقليد مذموم والاستدلال واجب وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين من أن ~~تنهدم ويتداعى بنيانها أو يقع سقفهم عليهم، أو آمنين من عذاب الله أو من ~~حوادث الدهر. فما أغنى عنهم لم يدفع عنهم شيئا من عذاب الله ما كانوا ~~يكسبون من بناء البيوت الوثيقة ومن جمع الأموال والعدد. ولما فرغ من القصص ~~قال: وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق أي متلبسة بالفوائد ~~والغايات والحكم الصحيحة منها: اشتغال المكلفين بالعبادة والطاعة حتى لو ~~تركوها وأعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم، وهذا النظم ~~يناسب أصول الاعتزال، قال الجبائي: فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن ~~أكثر ما خلق الله بين السموات والأرض من الكفر والمعاصي باطل. وأجيب بأن ~~أفعال العباد من جملة ما بين السموات والأرض فوجب أن يكون الله خالقها. ~~ويمكن أن يقال في وجه النظم: إن هذا ابتداء شروع في تسلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتصبيره على أذيات قومه بعد اقتصاص أحوال الأمم السالفة ~~ومعاملاتهم مع أنبيائهم، ويؤيد هذا النظم قوله: وإن الساعة لآتية معناه أن ~~الله سينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم فإنه ما ~~خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق والعدل فكيف يليق بحكمته وفضله ~~إهمال أمرك؟ ولما صبره على أذى قومه رغبه في الصفح فقال: فاصفح الصفح ~~الجميل أي فأعرض ms2761 عنهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء إن كان اللام الجنس فالمراد ~~هذا النوع من الصفح لا الذين يشتمل على حقد واجتهال ومكر، وإن كان للعهد ~~فلعل المراد ما أمر به في نحو قوله: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين [الأعراف: # 199] وقيل: هذا منسوخ بآية السيف والأظهر أن حسن المعاشرة والمخالقة ~~مأمور به ما أمكن فلا حاجة إلى ارتكاب النسخ إن ربك هو الخلاق كثير الخلق ~~العليم الكامل العلم يعلم ما يجري بين الخلائق من الأحوال والأخلاق وإن ~~كثروا وكثرت فيجازيهم يوم القيامة على حسب ذلك. وقيل: أراد أنه الذي خلقكم ~~وعلم ما هو الأصلح لكم، فاليوم الصفح أصلح فاصفحوا إلى أن يكون السيف أصلح. # ثم حثه على الصفح والتجاوز بذكر النعم العظام التي خصه بها فقال: ولقد ~~آتيناك سبعا من المثاني أكثر المفسرين على # أن المراد بها فاتحة الكتاب وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما # وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير ~~وقتادة. وذلك أنها سبع آيات. والمثاني جمع مثناة من التثنية أو جمع مثنية ~~لأنها تثنى في كل صلاة. وقال الزجاج: تثنى بما يقرأ بعدها معها. وأيضا قسمت # PageV04P232 # بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء، # وقد ورد الحديث في هذا المعنى «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» «1» # وقد مر في أول الكتاب. وأيضا كلماتها مثناة مثل: الرحمن الرحيم إياك ~~وإياك الصراط صراط عليهم عليهم واشتمالها على ثناء الله تعالى وتحميده مقرر ~~ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن ~~مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب. فقيل: كأنه رأى أنه تعالى عطف عليه ~~قوله: والقرآن العظيم والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير ~~القرآن. والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله: وملائكته ورسله ~~وجبريل [البقرة: 98] أو بالعكس كما في الآية. والمقصود في الوصفين تميز ~~البعض عن الكل تنبيها على مزية ذلك البعض وشرفه. فإن قلت: ليس لعطف الكل ~~على البعض نظير، والاستدلال بالآية ms2762 استدلال بصورة النزاع من غير دليل. ~~قلنا: يكفي بقوله: ولقد آتيناك دليلا على أنه من القرآن. وعن ابن عمر وسعيد ~~بن جبير في رواية: أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع ~~فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، أو لأنها تثني على ~~الله بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة ~~مكية وأكثر تلك السورة مدنية. وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى ~~السماء الدنيا، والمكية والمدنية في ذلك سيان، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء ~~على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر. وقال قوم: السبع المثاني هي التي دون ~~الطوال والمئين وفوق المفصل، واحتجوا عليه بما # روى ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أعطاني السبع ~~الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني المثاني مكان ~~الزبور وفضلني ربي بالمفصل» «2» . # قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول ~~مثاني. وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله سبحانه: ~~كتابا متشابها مثاني [الزمر: 23] وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد ~~والنبوة والتكاليف. ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله: إلى الملك ~~القرم وابن الهمام. وكأنه قيل: آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعا مثاني ~~ولكونه قرآنا عظيما. قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف: و «من» في من المثاني ~~للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول، وللبيان إذا أردت ~~الأسباع. PageV04P233 # ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة ~~لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضيئلة حقيرة، ومنه # الحديث «من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به- فليس منا» «1» # وقول أبي بكر: من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي ~~فقد صغر عظيما وعظم صغيرا. فمن حق قارئ القرآن الواقف على معانيه أن لا ~~يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها. قال الواحدي: إنما يكون مادا عينيه ~~إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه، ms2763 وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه ~~وتمنيه. وقال في الكشاف: معنى لا تمدن لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم أي أصنافا من الكفار قاله ابن قتيبة. وقال ~~الجوهري: # الأزواج القرناء. وقال بعضهم: لا تمدن عينيك أي لا تحسدن أحدا على ما ~~أوتي من الدنيا. وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقا فكيف يحسن تخصيص الرسول به؟ ~~ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله: ولا تكونن من المشركين ~~[الأنعام: 14] . أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه صلى الله عليه وسلم ~~لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته. ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع ~~قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر، فقال ~~المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله. # فقال لهم الله عز وجل: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل ~~السبع. وإنما قال في هذه السورة لا تمدن بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب ~~بخلاف ما في سورة طه. ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه ~~عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال: ولا تحزن ~~عليهم أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، ~~وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفارا أمره ~~بالتواضع للفقراء إذا كانوا مؤمنين فقال: واخفض جناحك للمؤمنين الخفض نقيض ~~الرفع، وجناحا الإنسان يداه، وخفضهما كناية عن اللين والرفق. وإنما قال في ~~سورة الشعراء بزيادة لمن اتبعك [الآية: 215] لأنه قال قبله وأنذر عشيرتك ~~الأقربين [الآية: 214] فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد ~~فصار الأمر بخفض الجناح مختصا بالأقربين من عشيرته فزيد لمن اتبعك ~~[الشعراء: 215] ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة. ولما ~~بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال: وقل إني أنا ~~النذير المبين PageV04P234 # ويدخل تحت كونه نذيرا كونه مبلغا لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجبا ms2764 ~~ترتب على تركه عذاب، وكل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب. ويدخل في كونه ~~مبينا كونه شارحا لجميع مراتب أهل التكاليف من الجنة والنار، فالإنذار ~~بالنار والإحذار بالجنة هو الإخبار عن موجب الحرمان عنها. # وفي متعلق قوله: كما أنزلنا وجهان بعد ما مر به في الوقوف: أحدهما أن ~~يتعلق بقوله: ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك ما أنزلنا على المقتسمين ومن هم؟ ~~قيل: أهل الكتاب الذين جعلوا القرآن عضين أي أجزاء جمع عضة وأصلها عضوة ~~«فعلة» من عضى الشاة إذا جعلها أجزاء وأعضاء، أو «فعلة» من عضهته إذا بهته ~~فالمحذوف منها الهاء لا الواو. وعن عكرمة: العضه السحر بلسان قريش يقولون ~~للساحرة عاضهة. ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة ~~فينقصانها الهاء أيضا. وجمعت العضة بالمعاني جمع العقلاء لما لحقها من ~~الحذف، فجعلوا الجمع بالواو والنون عوضا عما لحقها من الحذف كسنين. فمعنى ~~الآية أن اليهود اقتسموا القرآن إلى حق وباطل وجزؤه فقالوا بعضه حق موافق ~~للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما. ويجوز أن يراد بالقرآن ما ~~يقرأونه من كتبهم وقد اقتسموه بتحريفهم وتكذيبهم، والإقرار بالبعض والتكذيب ~~بالبعض كقوله: # أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض [البقرة: 85] وفي هذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه وعداوتهم، ولهذا وسط بين المتعلق ~~بقوله: لا تمدن الآية لأنه مدد للتسلية لما فيه من النهي عن الالتفات إلى ~~دنياهم والتأسف على كفرهم ومن الإقبال بالكلية على المؤمنين. الوجه الثاني ~~أن يتعلق بقوله: النذير المبين وعلى هذا لا يكون بد من التزام إضمار أو ~~زيادة، أما الإضمار فأن يكون التقدير: أنا النذير عذابا كما أنزلنا كقولك ~~رأيت كالقمر في الحسن أي وجها كالقمر، وأما الزيادة فأن تكون الكاف زائدة ~~كقوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] ويمكن أن يقال: الكاف بمعنى مثل ولا ~~حاجة إلى الالتزام والتقدير: أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم ~~إما اليهود ويراد بالعذاب ما جرى على قريظة والنضير فيكون قد جعل المتوقع ~~بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز ms2765 لأنه إخبار بما سيكون وقد كان، وإما غيرهم من ~~أهل مكة أو من قوم صالح. قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة ومداخلها ~~أيام الموسم فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا الناس عن الإيمان بالله ~~ورسوله. يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا فإنه ساحر، ويقول الآخر كذاب، ~~والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات وكانوا قريبا من أربعين، ~~منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب. وقال # PageV04P235 # عكرمة: اقتسموا القرآن استهزاء وكان يقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول ~~الآخر سورة آل عمران لي وقال مقاتل: اقتسموه. قال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، ~~وبعضهم كذب، وبعضهم أساطير الأولين. وقال ابن زيد: المقتسمون هم الذين ~~تقاسموا بالله ليبيتن صالحا كما سيجيء في سورة النمل، فرمتهم الملائكة ~~بالحجارة وقتلوهم، وعلى هذا يكون قوله: # الذين جعلوا منصوبا بالنذير أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر ~~وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين. # ثم أقسم على سبيل الوعيد فقال: فو ربك لنسئلنهم الآية وقد مر تفسير مثله ~~في أول «الأعراف» وذلك قوله فلنسئلن الذين أرسل إليهم [الأعراف: 6] . ~~والأظهر أن الضمير عائد إلى جميع المكلفين المنذرين، وأن السؤال يكون عن ~~جميع الأعمال، وقد يخص الضمير بالمقتسمين والسؤال بالاقتسام. ثم شجع نبيه ~~قائلا فاصدع أي اجهر بما تؤمر وأظهره وفرق بين الحق والباطل. وأصل الصدع ~~الشق والفصل ومنه سمي الصبح صديعا كما سمي فلقا. وصدع بالحجة إذا تكلم بها ~~جهارا. قال النحويون: الجار محذوف والمعنى بالذي تؤمر به من الشرائع مثل ~~«أمرتك الخير» . وجوز أن تكون «ما» مصدرية أي بأمرك وشأنك مصدر من المبني ~~للمفعول. وقالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه ~~الآية. ثم قال: وأعرض عن المشركين أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك ~~على إظهار الدعوة وهذا لا ينافي آية القتال حتى يلزم النسخ على ما ظن بل ~~يؤكدها. ثم أكد النهي عن الاكتراث بهم وقوى قلبه فقال: إنا كفيناك ~~المستهزئين ولا ريب ms2766 أنهم طبقة ذو شوكة قدروا على الاستهزاء بالرسول مع ~~جلالة قدره. والآية لا تفيد إلا هذا القدر لكن المفسرين ذكروا عددهم ~~وأسماءهم مع اختلاف بينهم. والأشهر على ما رواه عروة بن الزبير أنهم خمسة ~~نفر من الأشراف: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، ~~والأسود بن المطلب، والحرث بن الطلاطلة. وعن ابن عباس: # ماتوا كلهم قبل يوم بدر. # وقال جبرائيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن ~~أكفيكهم فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظما ~~لأخذه فأصاب عرقا في عقبة فقطعه فمات. وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت ~~فيها شوكة فقال: # لدغت لدغت فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات، وأشار إلى عيني الأسود بن ~~المطلب فعمي، وأشار إلى أنف الحرث فامتخط قيحا فمات، وإلى الأسود بن عبد ~~يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجر ويضرب وجهه بالشوك حتى ~~مات، # ثم زاد في تسلية نبيه صلى الله عليه وسلم ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون من المطاعن فيك وفي # PageV04P236 # القرآن لأن الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك. ثم أمره لكشف ما ~~نابه بأربعة أشياء: بالتسبيح والتحميد والسجود والعبادة إلى إتيان اليقين. ~~عن ابن عباس: هو الموت سمي بذلك لأنه أمر متيقن ولا يجب الإخلال بالعبادة ~~ما دام المكلف حيا وهذا كما قيل في تحديد مدة طلب العلم: إنه من المهد إلى ~~اللحد. وكيف يصير الإقبال على الطاعات سببا لزوال ضيق القلب؟ قال المحققون: ~~لأنه ينكشف له أضواء عالم الربوبية فيهون في نظره المصالح الدنيوية فلا ~~يستوحش من فقدانها ولا يستأنس بوجدانها. وقال أهل السنة: # إذا نزل بالعبد بعض المكاره فعليه أن يفزع إلى الله بالذكر الدائم ~~والسجود وسائر أنواع العبادة فكأنه يقول: وجب علي عبادتك سواء أعطيتني ~~الخيرات أو ألقيتني في المكاره. # وقالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه الله عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق ~~لأنه يعلم أنه تعالى عدل منزه عما لا فائدة فيه ولا ms2767 غرض فيطيب قلبه. ### | التأويل: # في بشارة إبراهيم إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن كان مسنا ضعيف القوى ~~كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد. فأنه ينبغي أن لا يقنط من رحمة الله، ~~ويتقرب إليه بالأعمال القلبية ليتقرب إليه ربه بأصناف الألطاف وجذبات ~~الأعطاف، فيخرج من صلب روحه ورحم قلبه غلاما عليما بالعلوم اللدنية وهو ~~واعظ الله الذي في قلب المؤمن إن في ذلك لآيات لأصحاب القلوب المتوسمين ~~بشواهد أحكام الغيب. وما خلقنا سموات الأرواح وأرض الأشباح، وما بينهما من ~~النفوس والقلوب والأسرار والخفيات إلا بالحق أي إلا لمظهر الحق، ومظهره هو ~~الإنسان المخصوص بذلك من بين سائر المخلوقات وإن الساعة يعني قيامة العشق ~~لآتية لنفوس الطالبين الصادقين من أصحاب الرياضات لأن أنفسهم تموت بالرياضة ~~ومن مات فقد قامت قيامته فاصفح أيها الطالب الصادق عن النفس المرتاضة بأن ~~تداويها وتواسيها، فإن في قيامة العشق يحصل من تزكية النفس في لحظة واحدة ~~ما لا يحصل بالمجاهدة في سنين كثيرة ومن هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن ~~توازي عمل الثقلين. إن ربك هو الخلاق لصور المخلوقات ولمعانيها ولحقائقها ~~العليم بمن خلقه مستعدا لمظهرية ذاته وصفاته ومظهريتهما وليس ذلك في ~~السموات والأرض وما بينهما إلا الإنسان الكامل وغيره مختص بمظهرية الصفات ~~دون الذات وان كان ملكا فلهذا قال: ولقد آتيناك سبعا أي سبع صفات ذاتية لله ~~تبارك وتعالى: السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والإرادة والقدرة من ~~المثاني أي من خصوصية المظهرية، والمظهرية الذات والصفات. والقرآن العظيم ~~ولهذا صار خلقه عظيما لأنه كان خلقه القرآن لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به # PageV04P237 # أزواجا # من أهل الدنيا والآخرة واخفض جناحك للمؤمنين بهذا المقام ليصلوا بجناح ~~همتك إليه على المقتسمين الذين قسموا قهر الله على أنفسهم فصاروا مظاهر ~~القهر الذين جعلوا القرآن عضين أي جزؤوه في الاستعمال فقوم قرأوه ليقال لهم ~~القراء وبه يأكلون، وقوم حفظوه ليقال لهم الحفاظ وبه يجرون الرزق، وقوم ~~حصلوا تفسيره وتأويله إظهارا للفضل وطلبا للشهرة، وقوم استنبطوا معانيه ~~وفقه على وفق آرائهم ومذاهبهم ms2768 فكفروا إذ فسروا القرآن برأيهم. إنا كفيناك ~~المستهزئين الذين يستعملون الشريعة بالطبيعة استهزاء بدين الله الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر من الهوى والدنيا فسبح بحمد ربك لأنك لست منهم وكن ~~من الساجدين سجدة الشكر واعبد ربك بالإخلاص حتى يأتيك اليقين أي إلى الأبد ~~لأن كل مقام يحصل فيه اليقين بالعيان بعد العرفان فإنه يحصل فوقه مقام آخر ~~مشكوك فيه إلى أن يحصل برد اليقين فيه أيضا، فهناك مراتب لا تتناهى فاليقين ~~يكون إشارة إلى الأبد والله أعلم. # PageV04P238 ### | (سورة النحل) # (مكية غير ثلاث آيات وإن عاقبتم إلخ حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة ~~كلمها ألف وثمانمائة وأحد وأربعون آياتها مائة وثمان وعشرون) ### | [سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 23] # بسم الله الرحمن الرحيم # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ~~(2) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين (4) # والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين ~~تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم (7) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ~~ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ~~(9) # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت ~~لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية ~~لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات ~~بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (14) # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ms2769 (17) ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) والله يعلم ما ~~تسرون وما تعلنون (19) # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموات غير ~~أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) # PageV04P239 ### | القراآت: # تشركون وما بعده بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف. والآخرون على الغيبة تنزل ~~بالفتحات الثلاث الملائكة بالرفع: سهل وروح وزيد وأبو زيد مثله لكن بضم ~~التاء الفوقانية: جبلة ينزل من الإنزال الملائكة بالنصب: ابن كثير وأبو ~~عمرو ورويس. والباقون بالتشديد من التنزيل. بشق الأنفس بفتح الشين: يزيد. ~~الباقون بكسرها ننبت بالنون: يحيى وحماد. الآخرون بياء الغيبة والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات كلها مرفوعات: ابن عامر وافق حفص والمفضل في النجوم ~~مسخرات الباقون: بنصب الجميع على أن مسخرات حال. يسرون ويعلنون بالياء ~~التحتانية فيهما: الخزاز عن هبيرة. الآخرون بتاء الخطاب يدعون على الغيبة: ~~سهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى. الباقون على الخطاب. ### | الوقوف: # فلا تستعجلوه ط يشركون ه فاتقون ه بالحق ط يشركون ه مبين ه ج خلقها ج ~~لاحتمال تمام الكلام واحتمال أن يكون لكم متعلقا به والوقف حينئذ على لكم. ~~تأكلون ه ص للعطف تسرحون ه ص لذلك الأنفس ط رحيم ه لا لأن الخيل مفعول خلق ~~وزينة ط ما لا تعلمون ه جائر ط أجمعين ه تسيمون ه الثمرات ط يتفكرون ه ~~والنهار ط لمن قرأ والشمس وما بعده بالرفع ومن نصب الشمس والقمر ورفع ~~النجوم وقف على القمر ومن نصب الكل وقف على بأمره بأمره ط يعقلون ه لا لأن ~~ما بعده مفعول سخر ألوانه ط يذكرون ه تلبسونها ج لأن قوله وترى فعل مستأنف ~~مع اتصال المعنى. تشكرون ه لا تهتدون ه لا لأن قوله وعلامات عطف على سبلا ~~وعلامات ط يهتدون ه لا يخلق ط تذكرون ه لا تحصوها ط رحيم ه وما تعلنون ه ~~وهم يخلقون ه ط لأن ms2770 التقدير: هم أموات غير أحياء ج لاختلاف الجملتين وما ~~يشعرون ه لا لأن ما بعده مفعول يبعثون ه واحد ط لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ~~مستكبرون ه وما يعلنون ه المستكبرين ه. ### | التفسير: # هذه السورة تسمى سورة النعم أيضا، وحكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية. ~~وقال الآخرون: من أولها إلى قوله: كن فيكون مدنية وما سواه مكي. وعن # PageV04P240 # قتادة بالعكس منه. قال أهل النظم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يخوفهم بعذاب الدنيا تارة وهو القتل والاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، ~~وتارة بعذاب القيامة. ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك أقبلوا على ~~تكذيبه وكانوا يستعجلون ما وعدوا به استهزاء. # وروي أنه لما نزلت اقتربت الساعة [القمر: 1] قال الكفار فيما بينهم: إن ~~هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو ~~كائن. فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئا فنزلت اقترب للناس حسابهم [الأنبياء: ~~1] فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا ~~مما تخوفنا به فنزلت أتى أمر الله فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع ~~الناس رؤوسهم فنزلت فلا تستعجلوه فاطمأنوا. # والحاصل أن قوله: أتى أمر الله جواب عن شبهتهم إجراء لما يجب وقوعه مجرى ~~الواقع كما يقال لمن طلب الإغاثة وقرب حصولها: جاءك الغوث فلا تجزع. أو ~~المراد أن أمر الله بذلك وحكمه قد وقع وأتى. فأما المحكوم به فإنما لم يقع ~~لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود ~~فلا تستعجلوه ولا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت. ثم إن المشركين كأنهم ~~قالوا: هب يا محمد أنا سلمنا صحة ما تقول من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب ~~علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام لأنها ~~شفعاؤنا عند الله فكيف نستحق العذاب بسبب هذه العبادة؟ فأجاب الله عن هذه ~~الشبهة بقوله: سبحانه وتعالى عما يشركون كما مر في ms2771 أول سورة يونس. والمراد ~~تنزيه نفسه عن الأضداد والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجساد أن يشفع ~~عنده إلا بإذنه، أو يستعجل في حكم من أحكامه. أو قضية قبل أوانه. ثم إنهم ~~كأنهم قالوا سلمنا أنه تعالى أن يقضي على طائفة باللطف وعلى الآخرين. ~~بالقهر ولكن كيف صرت واقفا على أسرار الله تعالى في ملكه وملكوته دوننا، من ~~أين حصل لك هذا الفضل علينا؟ فأزال الله سبحانه شبهتهم بقوله: ينزل ~~الملائكة الآية. والمراد أن له بحكم المالكية أن يختص بعض عبيده بإنزال ~~الوحي عليه ويأمره بأن يكلف سائر العباد بمعرفة توحيد الله وبعبادته، فظهر ~~بهذا البيان أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه. # قال الواحدي: روى عطاء عن ابن عباس أنه أراد بالملائكة هاهنا جبرائيل ~~وحده، وتسمية الواحد بالجمع إذا كان رئيسا مطاعا جائزة. وعلى هذا التفسير ~~فالمراد بالروح كلام الله تعالى كقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] قال المحققون: الروح الأصلي هو القرآن الذي فيه بيان المبدأ ~~والوسط والمعاد، فبه يحصل إشراق العقل، وبالعقل يكمل ضياء جوهر الروح، ~~وبالروح يكمل حال الجسد فهو الأصل والباقي فرع عليه وبهذه # PageV04P241 # المناسبة يسمى جبرائيل روحا وعيسى روحا. وعن أبي عبيدة أن الروح هاهنا ~~جبرائيل، والباء بمعنى «مع» أي تنزل الملائكة مع جبرائيل. وذلك أنه في أكثر ~~الأحوال كان ينزل ومعه أقوام من الملائكة كما في يوم بدر وحنين، وكان ينزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك الجبال وملك البحار وخزان الجنة ~~وغيرهم. قال في الكشاف: بالروح من أمره أي بما يحيي القلوب الميتة بالجهل ~~من وحيه، أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد وقال غيره: من أمره ~~معناه أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله كقوله وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك [مريم: 64] قال الزجاج: أن أنذروا بدل من «الروح» أي ينزلهم بأن ~~أنذروا. و «أن» إما مفسرة لأن تنزيل الوحي فيه معنى القول، وإما مخففة من ~~الثقيلة وضمير الشأن مقدر أي بأن الشأن أقول ms2772 لكم أنذروا أي أعلموا الناس ~~قولي: لا إله إلا أنا وهو إشارة إلى استكمال القوة النظرية. وقوله: فاتقون ~~رمز إلى استكمال القوة العملية ومنه يعلم أن النفس متى كملت من هاتين ~~الجهتين حصل لها روح حقيقي وحياة أبدية وسعادة سرمدية. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: إنا لا نعلم كون جبريل صادقا ولا معصوما من الكذب والتلبيس ~~إلا بالدلائل السمعية، وصحة الدلائل السمعية موقوفة على صدق محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وصدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل الله لا من قبل ~~شيطان خبيث، والعلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبرائيل صادق مبرأ عن التلبيس ~~وأفعال الشياطين، وحينئذ يلزم الدور وهذا مقام صعب. أقول: قد ذكرنا مرارا ~~أن الفرق بين المعجز والسحر هو أن صاحب المعجز يدعو إلى الخير، وصاحب السحر ~~يدعو إلى الشر، والفرق بين الملك والشيطان هو أن الملك يلهم بالخير، ~~والشيطان يوسوس بضده وإذا كان الأمر كذلك فكيف تشتبه المعجزة بالسحرة ~~وجبرائيل بإبليس ومن أين يلزم الدور؟ # ولما بين الله سبحانه أن روح الأرواح وروح الأجساد هو أن يعرف الحق لذاته ~~والخير لأجل أن يعمل به، أتبعه دلائل التوحيد مبتدئا من الأشرف وهو ~~السماويات إلى الأدون- وهو الأرضيات- فقال: خلق السماوات والأرض بالحق وقد ~~مر تفسير مثله مرارا. وقوله: تعالى عما يشركون تنزيه لذاته عمن يشاركه في ~~الأزلية والقدم والتدبير والتأثير والصنع والإبداع. فالفائدة المطلوبة من ~~هذا الكلام غير الفائدة المطلوبة من مثله في أول السورة كما ذكرنا فلا ~~تكرار. ثم إن أشرف الأجسام بعد الفلكيات بدن الإنسان فلهذا عقب المذكور ~~بقوله: خلق الإنسان من نطفة قالت الأطباء: إن الغذاء إذا وصل إلى المعدة ~~حصل له هناك هضم، وإذا وصل إلى الكبد حصل له فيها هضم ثان، وفي العروق له ~~هضم ثالث، وفي جواهر الأعضاء هضم رابع، وحينئذ يصير جزءا من العضو # PageV04P242 # المغتذى شبيها به، ثم عند استيلاء الحرارة على البدن وقت هيجان الشهوة ~~يحصل ذوبان لجملة الأعضاء وتجتمع منه النطفة في أوعيتها، وعلى هذا تكون ~~النطفة جسما ms2773 مختلفة الأجزاء والطبائع، وإن كانت تخيل في الحس أنها متشابهة ~~الأجزاء. وكيفما كان فالمقتضي لتولد البدن منها ليس هي الطبيعة الحاصلة ~~لجوهر النطفة ودم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات والإيجاب لا بالتدبير ~~والاختيار، والقوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون ~~فعلها هو الكرة. وعلى هذا الحرف عول الحكماء في قولهم: # البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة، وإذا عملت في مادة ~~مختلفة الأجزاء وكل مركب فإنه ينحل إلى بسائط فإنه يلزم أن يكون الحيوان ~~على شكل كرات مضموم بعضها إلى بعض، وكلا الأمرين غير مطابق للواقع، فعلمنا ~~أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس بالطبيعة وإنما هو بتدبير ~~الفاعل المختار وهو الله سبحانه، وكيف لا والنطفة رطوبة سريعة الاستحالة؟ ~~فالأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع والنسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ ~~يمكن حصوله في الأسفل، والجزء الذين هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، فلا ~~يكون حدوث أعضاء الحيوان على هذا الترتيب الخاص دائما ولا أكثريا، وحيث كان ~~كذلك علمنا أن حدوثها بإحداث مدبر مختار. ثم إن نزلنا عن جميع هذه المراتب ~~فلا خلاف بين الحكم وبين المتكلم أن الطبيعة خرقاء وأنها ليست واجبة الوجود ~~لذاتها فلا بد من الانتهاء الى الصانع الحكيم الخبير. أما قوله: فإذا هو ~~خصيم مبين فقد ذكروا فيه وجهين: الأول فإذا هو منطيق مجادل عن نفسه مبين ~~للحجة بعد أن كان نطفة لا حس به ولا حراك. وتقرير ذلك أن النفوس الإنسانية ~~في أول الفطرة أقل فهما وذكاء من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد ~~الدجاجة كما يخرج من البيضة يعرف الصديق من العدو فيهرب من الهرة ويلتجىء ~~إلى الأم ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والذي لا يوافقه. وحال الطفل بخلاف ~~ذلك فانتقاله من تلك الحالة الخسيسة إلى أن يقوى على معرفة الإلهيات ~~والفلكيات والعنصريات وعلى إيراد الشكوك والشبهات على النتائج والمقدمات ~~إنما يكون بتدبير إله مختار قدير ينقل الأرواح من النقصان إلى الكمال ومن ~~الجهالة إلى ms2774 المعرفة. الوجه الثاني أن المراد فإذا هو خصيم لربه منكر على ~~خالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم. فعلى الوجه الأول جوز أن يكون الخصيم ~~«فعيلا» بمعنى «مفاعل» كالأكيل والشريب، وأن يكون بمعنى مختصم، وعلى الوجه ~~الثاني تعين كونه بمعنى «مفاعل» والترجيح من الوجهين للأول بناء على أن هذه ~~الآيات مسوقة لتقرير الدلائل على وجود الصانع الحكيم وقدرته لا لأجل وصف ~~الإنسان بالتمادي في القحة والكفران. وقد يرجح الثاني بما # روي أن أبي بن خلف الجمحي جاء بعظم رميم إلى # PageV04P243 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما ~~قد رم؟ فنزلت. # ثم أردف تكوين الإنسان بتكوين الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في ~~ضروراته من الأكل والركوب وجر الأثقال وفي غير الضروريات من الأغراض ~~الصحيحة كالتزيين والجمال فقال: والأنعام خلقها هي الأزواج الثمانية ~~المذكورة في سورة الأنعام وهي: # الضأن والمعز والإبل والبقر. وإن شئت قلت: الإبل والبقر والغنم. قال في ~~الكشاف: # وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل. قلت: ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله ~~بعد ذلك: # وتحمل أثقالكم لأن هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل. وانتصابها بمضمر يفسره ~~الظاهر. # ويجوز أن يكون معطوفا على الإنسان أي خلق الإنسان والأنعام. ثم قال: ~~خلقها لكم أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان. قال صاحب النظم: ~~وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: خلقها بدليل أنه عطف عليه قوله: ~~ولكم فيها جمال والدفء اسم ما يدفأ به كالملء اسم ما يملأ به وهو الدفاء من ~~لباس معمول من صوف أو وبر أو شعر. قال الجوهري: الدفء نتاج الإبل وألبانها ~~وما ينتفع به منها، والدفء أيضا السخونة. وقوله: ومنافع قالوا: المراد ~~نسلها ودرها، والمنافع بالحقيقة أعم من ذلك فقد ينتفع بها في البيع والشراء ~~بالنقود والأثواب وبسائر الحاجات. أما قوله: # ومنها تأكلون بتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص فلأن الأكل منها هو الأصل ~~الذي يعتمده الناس في مآكلهم عادة، وأما الأكل من غيرها كالدجاج وصيد البر ~~والبحر ms2775 فكغير المعتد به الجاري مجرى التفكه، ويحتمل أن يراد أن غالب ~~أطعمتكم إنما يحصل منها لأنكم تحرثون بالبقر وتكتسبون بإكراء الإبل وتشترون ~~بنتاجها وألبانها وجلودها جميع ما تشتهون من الأطعمة. قوله: حين تريحون ~~الإراحة رد الإبل إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا ويقال: سرح القوم إبلهم ~~سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. وقدم الإراحة لأن الجمال فيها أظهر ~~حين تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها. ~~قوله: بشق الأنفس من قرأ بفتح الشين فمعناه المشقة فيكون مصدر شق الأمر ~~عليه شقا وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع، ومن قرأ بالكسر فمعناه ~~النصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد. قال جار الله: معنى المضي في ~~قوله: لم تكونوا راجع إلى الفرض والتقدير: أي لو لم يخلق الإبل لم تكونوا ~~إلا كذلك. وإنما لم يقل «لم تكونوا حامليها إلى ذلك البلد» ليطابق قوله: ~~وتحمل أثقالكم لأجل المبالغة كأنه قيل: قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم ~~إلا بجهد ومشقة وذهاب قوة فضلا أن تحملوا على ظهوركم أثقالكم ويجوز أن يكون ~~العائد إلى الأثقال محذوفا أي لم تكونوا # PageV04P244 # بالغيها إلا بالشق، أو المراد بالأثقال الأجساد، عن ابن عباس أنه فسر ~~البلد بمكة إلى اليمن وإلى الشام وإلى مصر. قال الواحدي: هذا قوله والمراد ~~كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن عباس هذه البلاد ~~لأنها أكثر متاجر أهل مكة إن ربكم لرؤف رحيم وإلا لم يخلق هذه الحوامل لأجل ~~تيسير هذه المصالح. احتج منكرو الكرامات بالآية على امتناع طي الأرض كما ~~ينقل عن بعض الأولياء. والجواب أن الامتناع العادي لا ينافي الإمكان ~~الذاتي. # والخيل والبغال والحمير معطوفات على الأنعام أي وخلق هؤلاء للركوب ~~والزينة فانتصب على أنه مفعول له معطوف على محل لتركبوها وإنما لم يقل و ~~«لتتزينوا بها» ليكون المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد لأن الركوب فعل ~~المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. والتحقيق فيه أن الركوب ~~أحد الأمور المعتبرة ms2776 في المقصود بخلاف التزين بالشيء فإنه قلما يلتفت إليه ~~أرباب الهمم العالية لأنه يورث العجب والتيه غالبا وكأنه قال: خلقتها ~~لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها ~~فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات. احتجت المعتزلة القائلون ~~بأن أفعال الله معللة بالمصالح بأن قوله: لتركبوها يقتضي أن هذه الحيوانات ~~مخلوقة لهذه المصلحة. والجواب أن استتباع الغاية والفائدة مسلم ولكن ~~التعليل ممنوع. واحتج الحنفية بالآية على تحريم لحوم الخيل من وجوه: أحدها ~~إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر فيجب اشتراك الكل في الحكم، لكن البغال ~~والحمير محرمان فكذا الخيل. وثانيها أن منفعة الأكل أعظم منة من الركوب ~~والتزين فلو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر. وثالثها ~~أن قوله فيما قبل: ومنها تأكلون يقتضي الحصر فيجب أن لا يجوز أكل ما عدا ~~الأنعام إلا بدليل منفصل والأصل عدمه. # ورابعها أن قوله: لتركبوها يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء ~~الثلاثة هو الركوب والزينة، فلو كان حل أكلها مقصودا لزم أن يكون ما فرض ~~تمام المقصود بعض المقصود هذا محال. والجواب أن تحريم الخيل محل النزاع ~~وتحريم الحمير بنص الكتاب ممنوع لما # روي عن جماعة من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن لحوم ~~الحمر الأهلية. # فلو كان للآية دلالة على تحريم لحم الخيل لفهموه منها قبل ذلك العام لأن ~~الآية مكية عند الأكثرين» ولو فهموا منها التحريم قبل ذلك لم يبق لتخصيص ~~التحريم بهذه السنة فائدة. # وإذا لم يكن الحمير والخيل محرمين لم يكن لتحريم البغال المتولدة منهما ~~وجه. وأيضا كون معظم المنة في الأكل بالنسبة إلى هذه الأنواع ممنوع بل ~~الركوب والزينة هما أعظم # PageV04P245 # المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم ~~حكم الكل. # واقتضاء الحصر في قوله: ومنها تأكلون ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية ~~الفاصلة. ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ~~ولا حصر فلهذا أشار إلى ما ms2777 بقي منها على سبيل الإجمال فقال: ويخلق ما لا ~~تعلمون أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب ~~العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها. # روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من ~~نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبرائيل ~~عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله، ثم ~~ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم ~~كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور، وفي الكعبة أيضا سبعون ألفا ثم لا ~~يعودون إليه إلى يوم القيامة. # وقيل: المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فهم أحد ولا وهمه. # ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة ~~للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: وعلى الله قصد ~~السبيل ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: ~~قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، والجور ~~الميل عن الاستقامة. احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما ~~أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية لأن كلمة، «على» للوجوب والمضاف ~~محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى ~~الحق واجبة عليه. والثانية أنه لا يضل أحدا ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله ~~قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلا. ~~ومنها جائر دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما ~~لا يجوز. والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة «على» الوجوب أنه وجوب ~~بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك. وعن الثاني أن دلالة ~~قوله: # ومنها جائر على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، ~~لأن قول القائل «من السبيل سبل منحرفة» لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف ~~في بعض السبل، ms2778 فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلا ~~على أن قوله: ولو شاء لهداكم أجمعين يناقض ما ادعيتم. وتفسير المشيئة ~~بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مرارا. ~~ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر ~~الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: هو # PageV04P246 # الذي أنزل من السماء ماء وقوله: لكم متعلق بأنزل أو بشراب خبرا له. ~~والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء ~~قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في ~~الآبار والعيون منه كقوله: فأسكناه في الأرض [المؤمنون: 18] وبعضه يحصل منه ~~شجر يرعاه المواشي. قال الزجاج: كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب ~~يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى ~~الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة: المراد ~~بالشجر في الآية الكلأ. # وفي حديث عكرمة: «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» # أراد الكلأ. وقيل: الشجر كل ما له ساق كقوله: والنجم والشجر يسجدان ~~[الرحمن: 6] والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن ~~يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز، وبأن قوله: فيه ~~تسيمون من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه ~~تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي. ~~ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار. وحين ذكر مرعى الحيوان ~~أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال: ينبت لكم به الزرع الذي هو الغذاء الأصلي ~~والزيتون الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن والنخيل ~~والأعناب اللتين هما أشرف الفواكه. ثم أشار إلى الثمرات بقوله: ومن كل ~~الثمرات كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله: ويخلق ما لا تعلمون قال ~~في الكشاف: إنما لم يقل و «كل الثمرات» بل زاد «من» التبعيضية ms2779 لأن كلها لا ~~يكون إلا في الجنة. واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن ~~النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيها ببدن الإنسان، وفي ذكر الغذاء النباتي ~~قدم غذاء الحيوان- وهو الشجر- على غذاء الإنسان- وهو الزرع وغيره- بناء على ~~مكارم الأخلاق وهو. أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من ~~اهتمامه بحال نفسه، وإنما عكس الترتيب في قوله: كلوا وارعوا أنعامكم بناء ~~على ما هو الواجب في نفس الأمر # كقوله صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» . # قوله: وسخر لكم الليل والنهار معنى تسخير هما للناس تصييرهما نافعين لهم ~~بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائما كالعبد المطواع، وكذا الكلام في ~~تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في «الأعراف» وفي سورة إبراهيم. وهذا حسم ~~لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ~~ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا ~~بد لتلك الحركات والمسيرات # PageV04P247 # من الانتهاء إلى صانع قديم منزه عن التغير والإمكان مبرإ عن الحدوث ~~والنقصان وهو الله سبحانه. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون قال جار الله: جمع ~~الآية وذكر العقل لأن آثار العلو أظهر دلالة على القدرة الباهرة وأبين ~~شهادة للكبرياء والعظمة. وقال غيره: إنما جمع الآيات لتطابق قوله: مسخرات ~~ومثله في هذه السورة في موضع آخر مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله ~~إن في ذلك لآيات [النحل: 79] وأقول: إنما جمع لأن كلا من تسخير الليل ~~والنهار والشمس والقمر والنجوم آية في نفسها لتباين الليل والنهار وتخالف ~~مسيرات الكواكب كما هو مقرر في علم الهيئة بخلاف قوله ينبت لكم فإن مطلق ~~الإنبات آية واحدة. وكذا قوله: وما ذرأ لكم في الأرض أي خلق لكم فيها من ~~حيوان وشجر وثمر وغير ذلك: مختلفا ألوانه فإن ذرء هذه الأشياء على حالة ~~اختلاف الألوان والأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية وفي تأثير ~~الفلكيات فيها، آية واحدة على وجود الصانع تعالى شأنه، ولست أدعي إلا إمكان ~~هذه الاعتبارات وإلا: ms2780 ففي كل شيء آية تدل على أنه واحد. وإنما خص المقام ~~الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل ~~لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية فلا ~~عقل له. وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة فمن شك بعد ذلك فلا حس ~~له. ومن جملة الآيات التي هي في الحقيقة إنعامات على الإنسان تسخير البحر ~~بالركوب عليه والانتفاع به أكلا ولبسا. والمراد باللحم الطري السمك. قال ~~ابن الأعرابي: لحم طري غير مهموز ومصدره طراوة. يقال: شيء طري أي غض بين ~~الطراوة. وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة والمراد في الآية السمك وما في ~~معناه. # قال في الكشاف: وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله خيفة ~~الفساد عليه. وقال المتكلمون: إنه لما خرج من البحر المالح الزعاق الحيوان ~~الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه لم يحدث بحسب الطبع بل حدث بقدرة الله ~~تعالى وحكمته بحيث أظهر الضد من الضد. قال أكثر الفقهاء ومنهم أبو حنيفة ~~والشافعي: من حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث لأن اللحم لا يتناوله ~~عرفا. ومبنى الأيمان على العرف والعادة. ولهذا لو قال لغلامه: اشتر لحما ~~فجاء بالسمك كان حقيقا بالإنكار عليه. ورد عليهم الإمام فخر الدين الرازي ~~بأنه إذا قال لغلامه: اشتر لحما فجاء بلحم العصفور كان حقيقا بالإنكار مع ~~أنكم تقولون إنه يحنث بأكل لحم العصفور، فثبت أن العرف مضطرب والرجوع إلى ~~نص القرآن متعين فليس فوق بيان الله بيان. ولقائل أن يقول: لعل الإنكار في ~~هذه الصورة بعد تسليمه إنما جاء من قبل ندرة شراء العصفور أو شراء لحمه ~~فإنه إنما يشترى كله ولم يجىء من إطلاق اللحم على لحمه. ومن منافع البحر ~~استخراج الحلية منه # PageV04P248 # قالوا: أراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان، والمراد بلبسهم لبس نسائهم لأنهن ~~من جملتهم ولأن تزيينهن لأجلهم. ولقائل أن يقول: لا مانع من تزيين الرجال ~~باللئالئ ونحوها شرعا فلا حاجة إلى هذه التكلف. استدل الإمام فخر الدين ~~بالآية في إبطال ms2781 قول الشافعية إنه لا زكاة في الحلي قال: لأن اللام فيما # يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا زكاة في الحلي» # تنصرف إلى المعهود السابق ولا معهود إلا ما في الآية من الحلية فصار معنى ~~الحديث: لا زكاة في اللآلئ. وهذا باطل بالاتفاق. والقائل أن يقول: لم لا ~~يجوز أن تكون اللام للجنس فتشمل المصوغ من الذهب والفضة أيضا فيكون الحديث ~~مخصصا بالآية إن ثبت صحته؟ # ومن عجائب البحر ومنافعه قوله سبحانه: وترى الفلك مواخر فيه قال أهل ~~اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها. وعن الفراء أنه صوت دوي الفلك ~~بالرياح. وقال ابن عباس: مواخر أي جواري. وإنما حسن هذا التفسير لأنها لا ~~تشق الماء إلا إذا كانت جارية. وقوله: لتبتغوا من فضله أي تتجروا فيه ~~فتطلبوا الربح من فضل الله وإذا وجدتم فضله وإحسانه فلعلكم تقدمون على ~~شكره. واعلم أن قوله: مواخر فيه جاء على القياس لأن موضع الظرف المتعلق ~~بمواخر بعد مضي مفعولي «ترى» ، وأما في سورة الملائكة فقدم الظرف ليكون ~~موافقا لقوله: ومن كل تأكلون ولتقدم الجار في قوله: # ومن كل تأكلون حذف لفظة «منه» هناك. الواو في ولتبتغوا في هذه السورة ~~للعطف على لام العلة في لتأكلوا وقوله: وترى الفلك مواخر فيه اعتراض في ~~السورتين يجري مجرى المثل ولهذا وحد الخطاب في قوله: وترى وقبله وبعده جمع ~~أي لو حضرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة. ويمكن أن يقال: إنما قال في ~~الملائكة فيه مواخر بتقديم الظرف لئلا يفصل بين لام العلة وبين متعلقها وهو ~~مواخر، وليكتنف المتعلق المتعلقان. وإنما بنينا الكلام على أن قوله: فيه ~~متعلق ب مواخر لا ب ترى لقرب هذا وبعد ذاك والله أعلم. قوله: أن تميد بكم ~~أي كراهة أن تميد الأرض بكم والباء للتعدية أو للمصاحبة. والميد الحركة ~~والاضطراب يمينا وشمالا. # يروى أنه تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقر على ~~ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت. # قال جمهور المفسرين: إن السفينة ms2782 إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من ~~جانب إلى جانب وتضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة في تلك السفينة استقرت ~~على وجه الماء فهكذا الأرض تستقر على الماء بسبب ثقل الجبال. واعترض عليه ~~بأن السفينة إنما تضطرب على الماء لتخلخلها وخفتها بسبب الهواء الداخل في ~~تجاويف الخشب ومسامها، أما الأرض فجسم كثيف ثقيل من شأنها الرسوب # PageV04P249 # في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها. فإن كان طبيعة ~~الكل كذلك فكيف يعقل طفوها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها، وإن لم تكن ~~طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها الله تعالى بالجبال، ~~فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى ~~وقوف الماء في حيزه المعين. فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا ~~نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال، وإن لم يكن بالطبع بل كان ~~واقفا بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في ~~تسكين الأرض؟ هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ونسب المقام إلى ~~الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجها مبنيا على قوانين الحكمة، وهو أن الأرض ~~جسم كروي، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب، فلما ~~أحدث الله سبحانه على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها ~~عن السلاسة والحركة. قلت: في هذا الحل خلل. أما أولا فلكونه مبنيا على غير ~~قواعد أهل التفسير، وأما ثانيا فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في ~~الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض ~~شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة ~~المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة، فكذا ينبغي أن ~~يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض. والجواب الصحيح على قاعدة أهل ~~الشرع أن يقال: لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من ~~الأحوال، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل ms2783 لعل طبيعتها ~~الطفو فلهذا احتاجت إلى الرواسي. وأما # قوله: «لم أوقف الله الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء» # فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار، فللوسائط والأسباب مدخل في ~~الأمور العادية، وإن لم نقل بتأثيرها، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا ~~تنافي حكم الله بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها ~~عن كله. وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها ~~وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان. # قوله سبحانه: وأنهارا معطوف على رواسي أي وجعل فيها رواسي وأنهارا لأن ~~الإلقاء هاهنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: وألقيت عليك محبة مني [طه: 39] ~~وكذا قوله وسبلا أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم. ولما ذكر ~~أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي ~~كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك. يحكى أن جماعة يشمون التراب ~~فيعرفون به # PageV04P250 # الطرقات. قال الأخفش: تم الكلام عند قوله: وعلامات وقوله وبالنجم هم ~~يهتدون كلام منفصل عن الأول. والمراد بالنجم الجنس كما يقال: كثر الدرهم في ~~أيدي الناس. # وعن السدي هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. قال بعض المفسرين: أراد ~~بقوله هم يهتدون أهل البحر لتقدم ذكر البحر ومنافعه، وقيل: أراد أعم من ذلك ~~فأهل البر أيضا قد يحصل لهم الاهتداء بالنجوم في الطرق والمسالك، وفي معرفة ~~القبلة، وإنما جيء بالضمير الغائب لعوده إلى السائرين الدال عليهم ذكر ~~السبل. وقال في الكشاف: كأنه أراد قريشا فقد كان لهم اهتداء بالنجوم في ~~مسايرهم وكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم فكان الشكر أوجب عليهم ~~والاعتبار ألزم لهم فخصصوا بتقديم النجم. وإقحام لفظ هم كأنه قيل: وبالنجم ~~خصوصا هؤلاء يهتدون. ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته ~~واتصافه بجميع صفات الكمال أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أي كالأصنام التي لا تخلق شيئا إلا أنه أجراها ms2784 مجرى أولي العلم ~~فأطلق عليها لفظ «من» التي هي لأولي العقل بناء على زعمهم أنها آلهة، أو ~~لأجل المشاكلة بينه وبين من يخلق، أو أراد أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من ~~أولي العلم فكيف بما لا علم عنده، أو أراد كل ما عبد من دون الله مغلبا فيه ~~أولو العلم منهم. # واعلم أن أهل البيان يقولون: إن المشبه به يجب أن يكون أقوى وأتم في وجه ~~الشبه من المشبه ليلتحق الأضعف بالأقوى في وجه الشبه كقولك «وجهه كالقمر» . ~~ولا ريب أن الخالق أقوى من غير الخالق فكان حق النظم في الظاهر أن يقال: ~~أفمن لا يخلق كمن يخلق. والقرآن ورد على العكس. ووجهه عند العلماء زيادة ~~التوبيخ ليكون كأنهم جعلوا غير الخالق أقوى حالا وأعرف من الخالق. قال في ~~الكشاف: إنهم جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبهوه بها حين جعلوا غيره مثله ~~في التسمية والعبادة فأنكر عليهم ذلك، ولوضوح كون هذا الأمر منكرا عند من ~~له أدنى عقل بل حس قال أفلا تذكرون وفيه مزيد توبيخ وتجهيل لأنه لجلائه ~~كالحاصل الذي يحصل عند العقل بأدنى تذكر ومع ذلك هم عنه غافلون. قال بعض ~~الأشاعرة. في الآية دلالة على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه لأن الآية ~~سيقت لبيان امتيازه بصفة الخالقية. أجابت المعتزلة بأن المراد أفمن يخلق ما ~~تقدم ذكره من السموات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والجبال ~~والنجوم. أو نقول: معنى الآية أن كل ما كان خالقا يكون أفضل ممن لا يكون ~~خالقا، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقا فإنه يجب أن يكون إلها ~~نظيره قوله: ألهم أرجل يمشون بها [الأعراف: 195] أراد به أن الإنسان أفضل ~~من الصنم والأفضل لا # PageV04P251 # يليق به عبادة الأخس فكذا هاهنا. وقال الكعبي في تفسيره: نحن لا نطلق لفظ ~~الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى ~~كقوله: وإذ تخلق من الطين [المائدة: 110] فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال ~~إلا أن أصحاب ms2785 أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد الله ~~البصري قال: إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز لأن الخلق ~~عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان. ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي ~~بالنسبة إلى المكلفين نعم قال: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقد مر ~~تفسيره في سورة إبراهيم. قال العقلاء: إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني ~~لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت ~~في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل. ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على ~~الوجه الملائم له غالبا مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا ~~بمصالحه ومفاسده، فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك وقس عليه سائر نعم الله ~~تعالى حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلا عن جميعها، ولهذا ختم ~~الآية بقوله: إن الله لغفور رحيم يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر ~~النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على ~~كفرانها. كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير الله يسرون ضروبا من الكفر والمكايد ~~في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فأوعدهم بقوله: والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون وفيه أيضا تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر ~~والعلانية، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلا فكيف يحسن ~~عبادتها. # ثم زاد في التوبيخ فقال: والذين يدعون أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار من ~~دون الله لا يخلقون شيئا وقد ذكر هذا المعنى في قوله: كمن لا يخلق وزاد ~~هاهنا قوله: وهم يخلقون أي بخلق الله أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على ~~نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة ~~الكمال وأثبت صفة النقصان. وكذلك قوله: أموات غير أحياء يستلزم ذمهم مرتين ~~لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه ~~الروح، وأما الحجارة فأموات لا تقيل الحياة أصلا. ms2786 وفيه أن الإله الحق يجب ~~أن يكون حيا لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس. وفيه أن هؤلاء الكفار ~~في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين ~~تنبيها على بلادته وما يشعرون الضمير فيه للآلهة. أما الضمير في أيان ~~يبعثون فإما للآلهة أيضا ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن الله تعالى يبعث ~~الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وإما للداعين أي ~~لا يشعر # PageV04P252 # الآلهة متى يبعث عبدتهم فيكون فيه تهكم بالمشركين من حيث إن آلهتهم لا ~~يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟! وفيه أنه لا ~~بد من البعث وأنه من لوازم التكليف، وإما للأحياء أي لا يعلم هؤلاء الآلهة ~~متى تبعث الأحياء تهكما بحالها لأن شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا ~~يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه؟ وجوز في الكشاف أن يراد بالذين يدعوهم ~~الكفار الملائكة، فإن ناسا منهم كانوا يعبدونهم. ومعنى أنهم أموات أي لا بد ~~لهم من الموت غير أحياء أي غير باقية حياتهم ولا علم لهم بوقت بعثهم. ولما ~~زيف طريقة عبدة الأصنام صرح بما هو الحق في نفس الأمر فقال: # إلهكم إله واحد ثم ذكر ما لأجله أصر الكفار على شركهم فقال: فالذين لا ~~يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة للوحدانية أو لكل كلام يخالف هواهم وهم ~~مستكبرون عن قبول الحق وذلك أن المؤمن بالبعث والجزاء يؤثر فيه الترغيب ~~والترهيب فينقاد للحق أسرع، وأما الجاحد للمعاد فلا يقبل إلا ما يوافق رأيه ~~ويلائم طبعه فيبقى في ظلمة الإنكار لا جرم أي حقا أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون فيجازيهم على ما أسروا من الاستكبار وأعلنوا من العناد إنه لا ~~يحب المستكبرين عن التوحيد فيختص بالمشركين أو كل مستكبر فيدخل هؤلاء دخولا ~~أوليا لأن الكلام فيهم. ### | التأويل: # الناس طبقات ثلاث: الغافلون والخطاب معهم بالعتاب إذا كانوا مشتاقين إلى ~~الدنيا وزخارفها وهم أصحاب النفوس، والعاقلون والخطاب معهم بوعد الثواب ~~لرغبتهم في الطاعات والأعمال الصالحات وهم ms2787 أرباب العقول، والعاشقون والخطاب ~~معهم بوصل رب الأرباب لاشتياقهم إلى جمال ذي الجلال. فحين قال في الأزل أتى ~~أمر الله استعجل أرواح كل طبقة منهم للخروج من العدم إلى الوجود لنيل ~~المقصود وطلب المفقود فخاطبهم بقوله: فلا تستعجلوه فإنه سيصيب كل طبقة منكم ~~ما كتب له في القسمة الأزلية. والله سبحانه منزه عن أن يشاركه في الحكم أحد ~~فلا مبدل لكلماته. # بالروح من أمره أي بما يحيي القلوب من المواهب الربانية من أمره الوارد ~~على الجوارح بالتكاليف الشرعية وعلى النفوس بآداب الطريقة، وعلى القلوب ~~بالإشارات، وعلى الأرواح بملازمة الحضرة للمكاشفات، وعلى الأسرار ~~بالمراقبات للمشاهدات وعلى الخفيات بتجلي الصفات لإفناء الذوات. على من ~~يشاء من عباده من الأنبياء والأولياء أن أنذروا أعلموا أوصاف وجودكم ببذلها ~~في أنانيتي أنه لا إله إلا أنا فاتقون عن أنانيتكم بأنانيتي. خلق سموات ~~الأرواح وأرض الأشباح وجعلها مظهرا لأفاعيله، فهو الفاعل لما يظهر على ~~الأرواح والأشباح تعالى عما يشركون الأرواح والأشباح في إحالة # PageV04P253 # أفاعيله إلى غيره خلق الإنسان من نطفة لا علم لها ولا فعل فإذا هو خصيم ~~مبين يدعي الشركة معه في الوجود. والأفاعيل والأنعام أي الصفات الحيوانية ~~خلقها لكم فيها دفء لأنها المودعة في جبلتكم ومنافع ومنها تأكلون باستفادة ~~بدل ما يتحلل ولكم فيها جمال في أوقات الفترات وأزمنة الاستراحات وتحمل ~~أثقال أرواحكم وهي أعباء الأمانة إلى بلد عالم الجبروت إن ربكم لرؤف رحيم. ~~إذا أفنيتم أنفسكم في جبروته يبقيكم ببقاء عظموته والخيل والبغال والحمير ~~أي صفاتها خلقت فيكم لأنها مراكب الروح عند السير إلى عالم الجبروت وزينة ~~عند رجوعه بالجذبة إلى مستقره الذي أهبط منه ويخلق فيكم حينئذ ما لا تعلمون ~~وهو قبول فيض الله بلا واسطة. وعلى الله قصد السبيل بجذبة ارجعي ومنها جائر ~~يعني نفوسكم تحيد عن الفناء وبذل الوجود هو الذي أنزل من سماء الكرم ماء ~~الفيض منه شراب المحنة لقلوبكم ومنه شجر القوى البشرية ودواعيها فيه ترعون ~~مواشي نفوسكم ينبت لكم زرع الطاعات وزيتون الصدق ونخيل الأخلاق الحميدة ~~وأعناب ms2788 الواردات الربانية، ومن كل ثمرات المعقولات والمشاهدات والمكاشفات. ~~وسخر لكم ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس الروح وقمر القلب ونجوم الحواس ~~والقوى، وتسخيرها استعمالها على وفق الشريعة وقانون الطريقة وما ذرأ لكم في ~~أرض جبلتكم من الاستعدادات يتلون في كل عالم بلونه من عوالم الملكية ~~والشيطانية والحيوانية وسخر لكم بحر العلوم لتأكلوا منه الفوائد الغيبية ~~السنية الطريقة وتستخرجوا منه جواهر المعاني فيلبس بها أرواحكم النور ~~والبهاء. وترى فلك الشرائع والمذاهب جواري في بحر العلوم لتبتغوا الأسرار ~~الخفية عن الملائكة. وألقى في أرض البشرية جبال الوقار والسكينة لئلا تميد ~~بكم صفات البشرية عن جادة الشريعة والطريقة، وأنهارا من ماء الحكمة وسبلا ~~إلى الهداية والعناية، وعلامات من الشواهد والكشوف، وبنجم الجذبة الإلهية ~~هم يهتدون فيخرجون من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي. أفمن ~~يخلق الله فيه هذه الكمالات كمن لا يخلقها فيه من الملائكة وغيرهم وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] وهي قسمان: نعمة الأعطاف وهي ما ~~يتعلق بوجود النعمة ظاهرة وباطنة، ونعمة الألطاف وهي ما يتعلق بوجود المنعم ~~من الذوات والصفات والله يعلم ما تسرون من أداء شكر نعمه بالقلوب وما ~~تعلنون من أداء الشكر بالأجساد والذين يدعون من دون الله من الهوى والدنيا ~~لا يخلقون شيئا من المنافع وهم يخلقون بتعب الطلب في تحصيلها ولهذا قال: ~~أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثها دواعي البشرية فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة بما في عالم # PageV04P254 # الغيب قلوبهم منكرة لأهل الحق لأنهم لا يتجاوزون عالم الحس يعلم ما يسرون ~~من الإنكار وما يعلنون من الاستكبار. الله حسبي. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 24 الى 42] # وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم ~~كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) ~~قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من ~~فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول ~~أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن ms2789 الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا ~~السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) # فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) وقيل للذين ~~اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار ~~الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين (31) الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم ~~وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) # فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (34) وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) ~~ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ~~الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ~~ناصرين (37) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه ~~حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) والذين هاجروا في ~~الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) ### | القراآت: # شركاي مثل هداي زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي. وقرأ الخزاز عن ~~هبيرة شركائي الذين مرسلة الياء، الباقون بفتح الياء وكذلك في «الكهف» # PageV04P255 # و «القصص» . تشاقون بكسر النون: نافع، الآخرون بفتحها تتوفاهم وما بعده ~~بالإمالة: حمزة وخلف لا يهدي بفتح الياء وكسر الدال: عاصم وحمزة وعلي وخلف، ~~الباقون بضم الياء وفتح ms2790 الدال. كن فيكون بالنصب: ابن عامر وعلي، الباقون ~~بالرفع. ### | الوقوف: # ربكم لا لأن ما بعده جواب «إذا» الأولين ه لا لتعلق اللام يوم القيامة لا ~~لأن قوله ومن أوزار مفعول ليحملوا ط بغير علم ط ما يزرون ه ما يشعرون ه ~~فيهم ط الكافرين ه لا بناء على أن ما بعده صفة أنفسهم ص لطول الكلام من سوء ~~ط تعملون ه خالدين فيها ط المتكبرين ه أنزل ربكم ط خيرا ط حسنة ط خير ط ~~المتقين ه لا لأن ما بعده بدل يشاؤن ط المتقين ه طيبين ه لا لأن ما بعده ~~حال آخر. سلام عليكم لا لأن قوله: ادخلوا مفعول يقولون تعملون ه مر ربك # طن قبلهم # طظلمون # ه يستهزؤن ه من شيء الثاني ط من قبلهم ج للاستفهام مع الفاء المبين ه ~~الطاغوت ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى الضلالة ط المكذبين ه ناصرين ه ~~أيمانهم لا لأن ما بعده جواب القسم يموت ط لا يعلمون ه لا لتعلق لام كي ~~كاذبين ه فيكون ه حسنة ط أكبر م لأن جواب «لو» محذوف أي لو كانوا يعلمون ~~لما اختاروا الدنيا على الآخرة، ولو وصل لصار قوله: ولأجر الآخرة متعلقا ~~بشرط «أن» لو كانوا يعلمون وهو محال يعلمون ه لا بناء على أن الذين صبروا ~~بدل الذين هاجروا يتوكلون ه. ### | التفسير: # لما بالغ في تقرير دلائل التوحيد أراد أن يذكر شبهات منكري النبوة مع ~~أجوبتها. فالشبهة الأولى أنهم طعنوا في القرآن وعدوه من قبيل الأساطير. قال ~~النحويون: # «ماذا» منصوب بأنزل بمعنى أي شيء أنزله ربكم، أو «ما» مبتدأ و «ذا» ~~موصولة، والجملة صلتها، والمجموع خبر المبتدأ، وعلى التقديرين: فقوله: ~~أساطير الأولين بالرفع ليس بجواب للكفار وإلا لكان المعنى الذي أنزله ربنا ~~أساطير الأولين والكفار لا يقرون بالإنزال فهو إذن كلام مستأنف أي ليس ما ~~تدعون إنزاله منزلا بل هو أساطير الأولين. وقال في الكشاف: معناه المنزل ~~أساطير الأولين وذكر في دفع التناقض أنه على السخرية كقوله: # إن رسولكم الذي ms2791 أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] وجوز كونه منصوبا ولم ~~يقرأ به. واختلفوا في السائل فقيل: هو كلام بعضهم لبعض. وقيل: هو قول ~~المسلمين لهم وقيل: هو قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم # PageV04P256 # وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أحاديث ~~الأولين وأباطيلهم، ليس فيه شيء من العلوم والفصاحة والحقائق والدقائق. ثم ~~إنه تعالى اقتصر في جواب شبههم على محض الوعيد لأنه قد ثبت بالتحدي كما مر ~~ذكره مرارا أن القرآن معجز تحدوا بالقرآن جملة ثم بعشر سور ثم بسورة فعجزوا ~~عن المعارضة فكان طعنهم فيه بعد ذلك مجرد المكابرة والعناد فلم يستحقوا في ~~الجواب إلا التهديد والوعيد. واللام في قوله: # ليحملوا ليس لام الغرض لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لغرض حمل ~~الأوزار، ولكن لما كانت عاقبتهم ذلك حسن التعليل به فكان لام العاقبة. ~~وقوله: كاملة معناه أنه تعالى لا يخفف من عقابهم شيئا، وفيه دليل على أنه ~~تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين لأن هذا المعنى لو كان حاصلا في حق ~~الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة. قال الواحدي: لفظة ~~«من» في قوله: ومن أوزار الذين ليست للتبعيض فإنه لا يخفف عن الأتباع بعض ~~أوزارهم # لقوله صلى الله عليه وسلم «أيما داع دعا إلى الضلال فاتبع كان عليه وزر ~~من اتبعه لا ينقص من آثامهم شيء» «1» # ولكنها للابتداء أي ليحملوا ما قد نشأ من أوزار الاتباع، أو للبيان أي ~~ليحملوا ما هو من جنس أوزار تبعهم. ومعنى بغير علم أن هؤلاء الرؤساء إنما ~~يقدمون على هذا الإضلال جهلا منهم بما يستحقونه من العذاب الشديد على ذلك ~~الإضلال. وقال في الكشاف: بغير علم حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم ~~أنهم ضلال. وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان ~~عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. # ثم أوعدهم بما هو النهاية في التهديد ms2792 فقال: ألا ساء ما يزرون وزرهم. ثم ~~حكى حال أضرابهم من المتقدمين فقال: قد مكر الذين من قبلهم ذهب أكثر ~~المفسرين إلى أن المراد به نمروذ بن كنعان بنى صرحا عظيما ببابل طوله خمسة ~~آلاف ذراع- وقيل فرسخان- ورام الصعود إلى السماء ليقاتل أهلها فأهب الله ~~الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا، وألقت رأس الصرح في البحر فأحدث نمروذ ~~وتبلبلت يومئذ ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وتسعين لسانا ولذلك سميت ~~ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، وابتلاه الله ببعوضة دخلت ~~دماغه والحكاية مشهورة. والأصح أن الآية عامة في جميع المبطلين الذين ~~يحاولون إلحاق الضرر بالمحقين. وعلى القول الأول معنى قوله: فأتى الله أي ~~أمره وحكمه بنيانهم من القواعد وهي أساطين البناء التي تعمده أو الأساس أنه ~~أسقط PageV04P257 # السقف عليهم بعد هدم القواعد. وفائدة زيادة قوله: من فوقهم التنصيص على ~~أن الأبنية تهدمت وهم ماتوا تحتها، وعلى الثاني يكون الكلام محض التمثيل ~~والمراد أنهم سووا منصوبات وحيلا ليمكروا بها رسل الله، فجعل الله هلاكهم ~~في تلك الحيل كحيل قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين، فأتي البنيان من ~~الأساطين بأن ضعفت فسقط عليهم السقف فهلكوا ونحوه # «من حفر بئرا لأخيه فقد وقع فيه» # وبعبارة أخرى # «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا» . # ثم بين أن عذابهم غير مقصور على عذاب الدنيا بل الله تعالى يخزيهم يوم ~~القيامة بإدخالهم النار إنك من تدخل النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] ~~ويقول مع ذلك لأجل الإهانة والتوبيخ أين شركائي الإضافة لأدنى الملابسة أو ~~هي حكاية لإضافتهم استهزاء وتوبيخا الذين كنتم تشاقون تخاصمون المؤمنين في ~~شأنهم. ومن قرأ بكسر النون فعلى حذف ياء المتكلم لأن مشاقة المؤمنين مشاقة ~~الله. ثم ذكر على سبيل الاستئناف قال الذين أوتوا العلم عن ابن عباس هم ~~الملائكة. وقال الآخرون: هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا ~~يعظونهم ولا يلتفتون إليهم فيقولون ذلك يوم القيامة شماتة بهم. قالت ~~المرجئة قولهم: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين يدل على أن ماهية الخزي ~~والسوء مختص ms2793 بالكافرين فينتفي عن غيرهم. أما قوله: فألقوا السلم فعن ابن ~~عباس: المراد أنهم أسلموا وأقروا بالعبودية عند الموت. وقيل: إنه في يوم ~~القيامة. وقولهم: ما كنا نعمل من سوء أرادوا الشرك قالوه على وجه الكذب ~~والجحود، ومن لم يجوز الكذب على أهل القيامة قال: أرادوا في اعتقادهم ~~وظنونهم فرد عليهم أولو العلم أو الملائكة بقولهم: بلى إن الله عليم بما ~~كنتم تعملون في الدنيا فلا ينفعكم هذا الكذب وإنه يجازيكم على الكفر الذي ~~علمه منكم. قال في الكشاف: وهذا أيضا من الشماتة وكذلك فادخلوا أبواب جهنم ~~وفي ذكر الأبواب إشارة إلى تفاوت منازلهم في دركات جهنم. ثم قال: فلبئس ~~مثوى المتكبرين عن قبول التوحيد وسائر ما أتت به الأنبياء. والفاء للعطف ~~على فاء التعقيب في فادخلوا واللام للتأكيد يجري مجرى القسم موافقة لقوله ~~بعد ذلك ولنعم دار المتقين ولا نظير لهما في كل القرآن. # ثم أتبع أوصاف الأشقياء أحوال السعداء فقال: وقيل للذين اتقوا الآية. ~~وإنما ذكر الجواب هاهنا بالنصب ليكون الجواب مطابقا مكشوفا بينا من غير ~~تلعثم أي أنزل خيرا أو قالوا خيرا لا شرا كما قاله الكفار، أو قالوا قولا ~~خيرا ولو رفعوا لأوهم أنه كلام مستأنف كما في جواب الكفار وليس بمنزل. روي ~~أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام # PageV04P258 # الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء الوافد كفه ~~المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر، فكان الوافد يقول: كيف أرجع إلى قومي ~~دون أن أستطلع أمر محمد وأراه. فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيرا. وجوز في الكشاف أن ~~يكون للذين أحسنوا وما بعده بدلا من خيرا كأنه فسر الخبر بهذا القول، وجوز ~~أن يكون كلاما مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم. ~~أما قوله في هذه الدنيا فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى: الذين جاءوا ~~بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة حسنة هي الثواب العظيم أو المضاعف ~~إلى سبعمائة أو ms2794 أكثر، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير: الذين أحسنوا لهم ~~الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء، أو بالظفر على أعداء الدين ~~باللسان والسنان وفتح البلاد، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات. والحاصل ~~أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم. # ولدار الآخرة خير منها. ثم بين الخيرية بقوله: ولنعم دار المتقين دار ~~الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره. # ثم قال: جنات عدن أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفا أو الجنات مبتدأ وما ~~بعدها خبر أو جنات عدن هي المخصوص بالمدح. فالجنات يدل على القصور ~~والبساتين، والعدن على الدوام والإقامة. وقوله: تجري من تحتها الأنهار على ~~أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم. وقوله: لهم ~~فيها ما يشاؤن أبلغ من قوله في موضع آخر فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ~~[الزخرف: # 71] وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في ~~الجنة. وقوله: # الذين تتوفاهم الملائكة أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح. ~~وقوله: # طيبين أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده، وهذه كلمة ~~جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة ~~تألم بالموت دليله قوله: يقولون سلام عليكم # يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول: السلام عليك ~~يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك # قوله: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة ~~الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة. والأولون قالوا: ~~البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها. # قوله سبحانه: ل ينظرون # قيل: إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادعاء النبوة ~~فقال # PageV04P259 # تعالى: هل ينظرون في تصديق نبوتك لا أن تأتيهم الملائكة # شاهدين بذلك. ويحتمل أن يقال: إنهم لما طعنوا في القرآن بأنه أساطير ~~الأولين أوعدهم الله تعالى بما أوعد، ثم وصف القرآن ms2795 بكونه حقا وصدقا وذكر ~~جزاء المتقين، ثم ذكر أن أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم بسبب البيانات ~~التي ذكرناها إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد أو لقبض الأرواح أو أتاهم ~~أمر ربك وهو العذاب المستأصل أو القيامةذلك فعل الذين من قبلهم # فأصابهم الهلاك المعجل ما ظلمهم الله # بتدميرهم فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم فأصابهم سيئات ما عملوا أي ~~جزاء سيئات أعمالهم أو هو من باب الطباق والمشاكلة كقوله وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها [الشورى: 40] وحاق بهم. أي نزل بهم على وجه الإحاطة عقاب استهزائهم. ~~الشبهة الثالثة لمنكري النبوة أنهم تشبثوا بمسألة الجبر فقالوا: # لو شاء الله ما عبدنا الآية. وقد مر في تفسير مثلها في آخر سورة الأنعام، ~~وذكرنا أسرار المتشابه هناك وكذا استدلال المعتزلة بها وجواب الأشاعرة ~~عنها. وزاد بعض الأشاعرة فقالوا: إن المشركين ذكروا هذا الكلام على جهة ~~الاستهزاء كما قال قوم شعيب إنك لأنت الحليم الرشيد [هود: 87] ولو قالوا ~~ذلك معتقدين كانوا مؤمنين. وقال آخرون: # إنه سبحانه أجاب عن شبهتهم وهي أنه لما كان الكل من الله كان بعثه ~~الأنبياء عبثا بقوله: # لك فعل الذين من قبلهم # يعني أنهم اعترضوا على أحكام الله وطلبوا لها العلة فعل من تقدمهم من ~~الكفرة فهل على الرسل إلا البلاغ المبين أي ما عليهم إلا التبليغ فإما ~~تحصيل الإيمان فليس إليهم. ثم إنه أكد هذا المعنى بقوله: ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا إلى قوله: ومنهم من حقت عليه الضلالة وفيه دلالة على أن أمر الله ~~قد لا يوافق إرادته فإنه يأمر الكل بالإيمان ولا يريد الهداية إلا للبعض إذ ~~لو أرادها للكل لم يكفر أحد ولم ينزل العذاب على قوم لكنه كفر ونزل لقوله: ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين [النحل: 36] . # ثم خصص الخطاب قائلا لرسوله إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ~~لا يرشد أحدا أضله، قال ابن عباس: وقال الفراء: لا يهدي معناه لا يهتدي. ~~ومن قرأ على البناء للمفعول فمعناه لا تقدر أنت ms2796 ولا أحد على هداية من أضله ~~الله فلن يكون مهديا منصورا، ولا يخفى أن أول الآية ظاهره يوافق مذهب ~~المعتزلة. أما قوله: ذلك فعل الذين من قبلهم # إلى آخر الآيات فإنهم قد صاروا فيه إلى التأويل فقالوا: معناه أن ~~متقدميهم أشركوا وحرموا حلال الله فلما نبهوا على قبح فعلهم أسندوه إلى ~~الله فهل على الرسل إلا أن يبلغوا الحق وأن الله بريء من الظلم وخلق ~~القبائح والمنكرات، وما من أمة # PageV04P260 # إلا وقد بعث الله فيهم رسولا يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله وينهاهم ~~عن الشر الذي هو طاعة الطاغوت. فمنهم من هدى الله لأنه من أهل اللطف، ومنهم ~~من ثبت عليه الخذلان لأنه عرفه مصمما على الكفر، أو المراد منهم من حكم ~~الله عليه بالاهتداء ومنهم من صار محكوما عليه بالضلال لظهور ضلاله، أو ~~منهم من هداه الله إلى الجنة ومنهم من أضله عنها. فسيروا في الأرض فانظروا ~~ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه. ثم ~~ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم وعرفه أنهم ~~من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله تعالى ~~متعال عن العبث. فهذا تفسير الفريقين لاشتمال آيات مسألة الجبر والقدر على ~~الجهتين وعليك الاختيار بعقلك دون هواك. الشبهة الرابعة قدحهم في الحشر ~~والنشر ليلزم إبطال النبوة وذلك أنهم وأقسموا بالله جهد أيمانهم أي أغلاظ ~~الأيمان كما في «المائدة» كأنهم ادعوا علما ضروريا بأن الشيء إذا فني وصار ~~عدما محضا فإنه لا يعود بعينه بل العائد يكون شيئا آخر فأكدوا ادعاءهم ~~بالقسم الغليظ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله: بلى وهو إثبات لما بعد النفي أي ~~بلى يبعثهم وقوله: وعدا مصدر مؤكد لما دل عليه «بلى» لأن يبعث موعد من الله ~~تعالى أي وعد البعث وعدا عليه حقا لا خلاف فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~أنهم يبعثون أو أن وعد الله حق. ثم ذكر لمية حقية البعث ms2797 فقال ليبين أي يبعث ~~كل من يموت من المؤمنين والكافرين ليبين لهم الحق الذي اختلفوا فيه بيانا ~~عيانيا لا يشتبه فيه المطيع بالعاصي والمحق بالمبطل والمظلوم بالظالم ~~والصادق بالكاذب. وجوز بعضهم أن يكون قوله: ليبين متعلقا بقوله: ولقد بعثنا ~~أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا به وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين ~~على الله الكذب في ادعاء الشريك له وفي قولهم بمجرد هواهم هذا حلال الله ~~وهذا حرام. # ثم برهن على إمكان البعث بقوله: إنما قولنا وهو مبتدأ خبره أن نقول وقد ~~فسرنا مثل هذه الآية في سورة البقرة، وذكرنا فيه مباحث عميقة لفظية ومعنوية ~~فلا حاجة إلى الإعادة. والغرض أنه سبحانه لا مانع له من الإيجاد والإعدام ~~ولا تتوقف آثار قدرته إلا على مجرد الإرادة والمشيئة، فكيف يمتنع عليه ~~البعث الذي هو أهون من الإبداء؟! قال في الكشاف: قرىء فيكون بالنصب عطفا ~~على نقول قلت: ولا مانع من كونه منصوبا بإضمار «أن» لوقوعه في جواب الأمر ~~بعد الفاء وقد مر في «البقرة» . احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم القرآن ~~قال: إنه لو كان حادثا لافتقر إلى أن يقال له «كن» . ثم الكلام في هذا ~~اللفظ كالكلام في الأول وتسلسل، والجواب بعد تسليم أن هذا ليس مثلا وأن ثم ~~قولا # PageV04P261 # أن «إذا» لا تفيد التكرار فلا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى إلى أن ~~يقول له «كن» . وكيف يتصور أن تكون لفظة «كن» قديمة والكاف مقدم على النون ~~بزمان محصور، ولو سلم فلا يجوز من قدم لفظة «كن» قدم القرآن. على أن قوله: ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه يقتضي كون القول واقعا بالإرادة وما كان كذلك ~~فهو محدث وأنه علق القول بكلمة «إذا» ولا شك أنها للاستقبال وكذا قوله: أن ~~نقول ثم إن كلمة كن متقدمة على المكون بزمان واحد، والمتقدم على المحدث ~~بزمان يكون محدثا، فتلخص من هذه الدلائل أن الكلام المسموع لا بد أن يكون ~~محدثا. هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي، ولعل لنا فيه ms2798 نظرا. ~~ولما حكى الله سبحانه عن الكفار ما حكى من إنكار البعث والجزاء لم يبعد ~~منهم- والحالة هذه- إيذاء المسلمين وإنزال الضرر والهوان بهم وحينئذ يلزمهم ~~أن يهاجروا تلك الديار فذكر ثواب المهاجرين قائلا والذين هاجروا في الله أي ~~في حقه وسبيله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا مثوبة حسنة أو مباءة ~~حسنة هي المدينة أوهم أهلها ونصروهم قاله الحسن والشعبي وقتادة. وقيل: ~~لننزلنهم منزلة حسنة هي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، بل على العرب ~~قاطبة بل على أهل المشرق والمغرب. قال ابن عباس: نزلت الآية في جماعة- منهم ~~صهيب وبلال وعمار وخباب- جعل المشركون يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام فقال ~~صهيب: أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم فافتدى ~~منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر قال له: ربح البيع يا صهيب، وقال له ~~عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. أما الضمير في قوله: لو كانوا ~~يعلمون فإما أن يرجع إلى الكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء ~~المستضعفين خير الدارين لرغبوا في دينهم، وإما أن يعود إلى المهاجرين أي لو ~~علموا أن أجر الآخرة أكبر لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. ثم مدحهم بقوله: ~~الذين صبروا على هم الذين أو أعني الذين. والمراد صبرهم على العذاب وعلى ~~مفارقة الوطن الذي هو حرم الله، وعلى المجاهدة في سبيل الله بالنفوس ~~والأموال. قال المحققون: # الصبر حبس النفس على خلاف ما تشتهيه من اللذات العاجلة وهو مبدأ السلوك، ~~والتوكل هو الانقطاع بالكلية عما سوى الحق وهو آخر الطريق والله ولي ~~التوفيق. فإن العارفين بالصبر ساروا وبالتوكل طاروا ثم في الله حاروا حسبي ~~الله ونعم الوكيل. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 43 الى 60] # وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون (44) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو ~~يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم ms2799 في تقلبهم فما هم بمعجزين ~~(46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (47) # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة ~~والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ~~(50) وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51) ~~وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون (53) ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ~~فسوف تعلمون (55) ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن ~~عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من ~~سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ~~(60) # PageV04P262 ### | القراآت: # نوحي بالنون: حفص غير الخزاز. الباقون بالياء مجهولا أولم تروا بتاء ~~الخطاب: حمزة وعلي وخلف تتفيؤ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون ~~على الغيبة. ### | الوقوف: # لا تعلمون ه لا لتعلق الباء والزبر ط يتفكرون ه لا يشعرون ه لا للعطف ~~بمعجزين ه لا كذلك على تخوف ط للفصل بين الاستخبار والإخبار رحيم ه داخرون ~~ه لا يستكبرون ه ما يؤمرون ه اثنين ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل واحد ~~ج للعدول مع الفاء فارهبون ه واصبا ط تتقون ه تجئرون ه ج لأن «ثم» لترتيب ~~الأخبار مع شدة اتصال المعنى يشركون ه لا لتعلق لام كي آتيناهم ط للعدول ~~والفاء للاستئناف تعلمون ه رزقناهم ط تفترون ه سبحانه لا لأن ما بعده من ~~جملة مفعول يجعلون وسبحانه معترض للتنزيه يشتهون ه كظيم ه ج لاحتمال أن ما ~~بعده وصف ل كظيم أو استئناف. ما بشر به ط ms2800 لأن التقدير يتفكر في نفسه ~~المسألة في التراب ط ما يحكمون ه السوء ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف ~~لفظا الأعلى ط الحكيم ه. ### | التفسير: # الشبهة الخامسة أن قريشا كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله ~~بشرا فأجاب سبحانه بقوله: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا والمراد أن هذه ~~عادة مستمرة من أول زمان الخلق والتكليف. وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث ~~إلى الأنبياء # PageV04P263 # إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة. قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي ~~يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما # روي أن جبرائيل عليه السلام كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، # وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند ~~إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين. # وعليه تأولوا قوله: ولقد رآه نزلة أخرى [النجم: 13] ثم إنهم كانوا مقرين ~~بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله- أعني قريشا- بأن ~~يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك ~~قوله: فسئلوا أهل الذكر قال بعض الأصوليين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد ~~تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه. # واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال ~~بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس. وأجيب بأنه قد ثبت العمل ~~بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص. أما قوله: بالبينات ~~ففي متعلقه وجوه منها: # أن يتعلق ب أرسلنا داخلا تحت حكم الاستثناء مع رجالا وأنكر الفراء ذلك ~~قال: إن صلة ما قبل «إلا» لا تتأخر إلى ما بعد «إلا» لأن المستثنى منه هو ~~مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالا. ولما ~~لم يصر هذا المجموع مذكورا بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه. ومنها أن ~~يتعلق ب رجالا صفة له أي رجالا متلبسين بالبينات. # ومنها أن يتعلق ب أرسلنا مضمرا نظيره «ما مر ms2801 إلا أخوك» ، ثم تقول «مر ~~بزيد» قاله الفراء. ومنها أن يتعلق ب يوحى أي يوحى إليهم بالبينات. ومنها ~~أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم. ومنها أن يتعلق ب لا تعلمون أي ~~إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا. وقال في الكشاف: الشرط هاهنا ~~في معنى التكبيت والإلزام كقول الأجير: # إن كنت عملت لك فأعطني حقي. قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل ~~الأجير ثابت. وسلم جار الله أن مثل قوله: فسئلوا جواب الشرط على هذا الوجه. ~~وأما على الوجوه المتقدمة فجزمت أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما ~~دل عليه قوله وما أرسلنا إلخ. وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل ~~الوجوه أن يكون مثل فسئلوا جوابا والله أعلم. وأهل الذكر أهل التوراة. ~~كقوله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر [الأنبياء: 105] يعني التوراة. ~~وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق. وقوله: # بالبينات والزبر لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على ~~المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي ~~تعتبر في باب العبادة وهي للزبر. ثم قال: وأنزلنا إليك الذكر أي القرآن ~~الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبين الغاية المترتبة ~~على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع # PageV04P264 # بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة ~~إلى المكلفين. وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ~~ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن ~~القرآن مجمل والخبر مبين له. وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، ~~وقوله: لتبين محمول على المتشابهات المجملات. قال بعض من نفى القياس: لو ~~كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من ~~الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بين أن ~~القياس من جملة الحجج فالقياس أيضا راجع إلى بيان الرسول. # ثم لما ms2802 ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار ~~والتنبيه فقال أفأمن الذين مكروا السيئات أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ~~ومن حول المدينة. قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، ~~والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وإيذاء أصحابه ~~على سبيل الخفية أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون أو يأتيهم العذاب ~~أو ملائكة العذاب من السماء من حيث لا يشعرون كما فعل بقوم لوط أو يأخذهم ~~في تقلبهم فما هم بمعجزين فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوها ~~منها: أنه تعالى يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في ~~السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم ~~في البلاد البعيدة. ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم ~~وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف ~~فيها أمثالهم. ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه ~~الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم. والتقلب بالمعنى الأول مأخوذ ~~من قوله: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد [آل عمران: 196] وبالمعنى ~~الثالث من قرأ وقلبوا لك الأمور [التوبة: 48] . أو يأخذهم على تخوف على ~~حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوما قبلهم فكان أثر الخوف ~~باقيا فيهم ظاهرا عليهم فهو خلاف قوله: من حيث لا يشعرون وقيل: التخوف ~~التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئا بعد شيء في ديارهم وأموالهم ~~وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل. عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون ~~فيها؟ فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل ~~تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم قال شاعرنا زهير: # تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن # PageV04P265 # قوله تامكا قردا أي سناما مرتفعا متراكما، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه ~~السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر. فقال عمر: أيها الناس عليكم ~~بديوانكم. قالوا: ms2803 # وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم. ثم ختم الآية ~~بقوله: فإن ربكم لرؤف رحيم فذهب المفسرون إلى أن معناه أن يمهل في أكثر ~~الأمر لأنه رءوف رحيم فلا يعجل بالعذاب. وأقول: يحتمل أن يكون قوله «فإنه» ~~تعليلا لقوله أفأمن كقوله: # ما غرك بربك الكريم [الانفطار: 6] . # ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير ~~أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال أولم يروا إلى ما خلق الله قال ~~جار الله: «ما» مبهمة بيانه من شيء وقال أهل المعاني: قوله: يتفيؤا ظلاله ~~إخبار عن شيء وليس بوصف له. ويتفيأ «يتفعل» من الفيء وأصله الرجوع ومنه ~~فيئة المولى. وقال الأزهري: # تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاب النهار. فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشي، وما ~~انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل. وقال ثعلب: أخبرت عن أبي ~~عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم ~~يكن عليه الشمس فهو ظل. وقوله: ظلاله أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة ~~إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحدا في اللفظ وإن كان كثيرا ~~في المعنى وهو قوله: إلى ما خلق نظيره لتستووا على ظهوره [الزخرف: 13] أضاف ~~الظهور- وهو جمع- إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما ~~تركبون. قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت. وقوله عن اليمين والشمائل قال ~~أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحدا من ذوات ~~الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ما خلق الله لفظ مفرد ~~ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ ~~الواحد كقوله وجعل الظلمات والنور [الأنعام: 1] ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم [الأنعام: 46] وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها ~~واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على ~~الأرض وهي كثيرة. وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان ~~يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، ms2804 وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه ~~تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها. ويمكن أن يقال: إن ~~الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان ~~الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار ~~يختلف بحسب البلاد. وقد يتفق انتقالها من # PageV04P266 # الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصا عن الميل ~~الكلي. ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب ~~سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى ~~الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأضلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم. ~~أما قوله سجدا لله فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله ~~منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ~~ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية. وقد بنى المتأخرون على الأضلال مسائل كثيرة ~~منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن ~~هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد. # وقوله وهم داخرون حال أخرى من الظلال. وإنما جمع بالواو والنون لأنهم ~~أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله سبحانه. وقال جار الله: اليمين والشمائل ~~استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى ~~جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ. والأجرام في ~~أنفسها داخرة أيضا صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دابة قال الأخفش: أي من الدواب. وأخبر بالواحد ~~كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله. # وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض. والوجه في تخصيص الدابة ~~والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، ~~فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضا كذلك. ثم عطف عليها الملائكة ~~إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها ms2805 تطير بالجناحين، وبين النوعين ~~مغايرة لقوله: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] ~~وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة ~~والدب. قال جار الله: من دابة يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في ~~الأرض جميعا، على أن في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في ~~الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي ~~يقال له الروح، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات ~~الملائكة. وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصا من بين الساجدين لأنهم أطوع ~~الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: والملائكة ~~ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه. ثم شرع سبحانه في صفة الملائكة ~~وذكر عصمتهم فقال: وهم لا يستكبرون يخافون على أنه حال منهم أو بيان لنفي ~~استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار. وقوله من فوقهم إما أن يتعلق ب ~~يخافون والمعنى # PageV04P267 # يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإما أن يكون حالا من الرب أي ~~يخافونه غالبا قاهرا. وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: وهو القاهر ~~فوق عباده [الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه تعالى ~~وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا ~~كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟ والجواب عن الأول ~~أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله تعالى: ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فذلك نجزيه جهنم [الأنبياء: 29] فمن هذا الخوف يتركون الذنب. وعن ابن عباس ~~أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: ~~28] ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم. ~~وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم ~~يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون. وقد يستدل بها على أن ~~الملك أفضل ms2806 من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ~~ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي ~~الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه قتل الإنسان ما أكفره [عبس: 17] # وقال صلى الله عليه وسلم: «ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى ~~بن زكريا» # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» # فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا ~~قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. وتمام البحث في هذه المسألة ~~المذكور في أول سورة البقرة. وفي قوله: ما يؤمرون دلالة على أن الملائكة ~~مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين. # ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع ~~لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلا وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد ~~الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟ وأجيب بوجوه منها: ~~قول صاحب النظم أن فيه تقديما وتأخيرا أي لا تتخذوا اثنين إلهين. ومنها أنه ~~كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك. ومنها قول لأهل ~~المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا ~~إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم أنك ~~تثبت الإلهية لا الوحدانية. وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والاثنينية ~~منافية للإلهية لا ستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركبا من جزأين ما به ~~الاشتراك في # PageV04P268 # الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط ~~والافتقار ينافي الوجوب. ودليل التمانع أيضا يعين على المطلوب كما لو أراد ~~أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر ~~أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ms2807 ملكه عن الآخر أو لا يقدر. ثم نقل ~~الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلا: فإياي فارهبون وقد ~~مر مثله في أول «البقرة» . ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه ~~والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: وله ما في السماوات والأرض فقالت ~~الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها ~~المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، ~~فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال وله ~~الدين واصبا فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية ~~لها. ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازما له. وانتصابه على الحال ~~والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ~~ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق سبحانه، فإن ~~طاعته واجبة أبدا. ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ~~ومشقة ولذلك سمي تكليفا، أو وله الجزاء سرمدا لا يزول يعني الثواب والعقاب. ~~وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله وله ما في السماوات والأرض إشارة إلى أن ~~جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال ~~بقائه لا يستغني عن المرجح. # ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال أفغير الله ~~تتقون ثم من عليهم بقوله: وما بكم من نعمة فمن الله «ما» بمعنى «الذي» وبكم ~~صلته ومن نعمة حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: فمن الله الخبر. ~~وقيل: «ما» شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن. وقال جار الله: معناه أي شيء ~~حال بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة ~~الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله. والنعمة إما دينية وهي معرفة ~~الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو ~~خارجة كالسعادات المالية ms2808 وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر ~~لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه. # ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلا ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجئرون ما تتضرعون إلا إليه. والجؤار رفع الصوت بالدعاء ~~والاستغاثة. ثم إذا كشف # PageV04P269 # الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب ~~في قوله: وما بكم عاما، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين ~~ومنكم للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون ~~فيهم من اعتبر كقوله: فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد [لقمان: 32] أقول: ~~وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقا منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر ~~في أن لا يفزع إلا إلى الله، وفريقا يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه ~~صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ليكفروا كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك ~~كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت ~~إلا هذا الكفران. والمراد بقوله: بما آتيناهم # كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة ~~والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان. ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة ~~الالتفات نظرا إلى أول الكلام فتمتعوا فسوف تعلمون عاقبة كفركم ومثله في ~~«الروم» كما سيجيء، وأما في «العنكبوت» فإنه قال: ليكفروا بما آتيناهم ~~وليتمتعوا [الآية: 66] بالعطف على القياس. ثم حكى نوعا آخر من قبائح أعمال ~~بني آدم فقال ويجعلون لما لا يعلمون الضمير الأول للمشركين والثاني قيل لهم ~~وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأول بأن نفي العلم عن ~~الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح ~~الثاني بأن الأول يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في ~~طاعته نفعا ولا في الإعراض عنه ضرا. وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ~~ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم نصيبا أو ويجعلون ms2809 لما لا ~~يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة. والمراد بجعل النصيب ما مر ~~في «الأنعام» في قوله: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ~~[الأنعام: 136] وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. عن الحسن: وقيل ~~هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون ~~لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب. ~~ثم أوعدهم الله بقوله: تالله لتسئلن عما كنتم تفترون على الله من أن له ~~شريكا وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشيء أصلا، أو ~~المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن ~~لغير الله تأثيرا في هذا العالم. ومتى يكون هذا السؤال؟ قيل: عند القرب من ~~الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر. والأقرب أنه في الآخرة وهذا ~~في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون ~~[الحجر: # 92] في الأمم عامة. # PageV04P270 # قوله: ويجعلون لله البنات نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول ~~الملائكة بنات الله. قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة ~~يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن ~~تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر. سبحانه تنزيه لذاته عن نسبة ~~الولد إليه أو تعجب من قولهم. # ومحل «ما» في قوله ولهم ما يشتهون إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي ~~وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين. وأبي الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب ~~لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا. فلو كان ~~منصوبا لقيل: و «لأنفسهم ما يشتهون» . ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي ~~جعلوها لله تعالى فقال: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه أي صار مسودا ~~ويحتمل أن يكون استعمل «ظل» لأن وضع الحمل يتفق بالليل غالبا فيظل نهاره ~~مسود الوجه وهو كظيم مملوء غما وحزنا وغيظا على المرأة. قال أهل المعاني: ~~جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي ms2810 فرحه انبسط ~~الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ ~~من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل ~~القلب ولم يبق منه أثر قوي على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ~~يتوارى يستخفي من القوم من سوء ما بشر به من أجل سوء المبشر به ولم يظهر ~~أياما يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: أيمسكه أي يحبسه على ~~هون ذل وهوان. والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها. ~~وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه أم ~~يدسه في التراب أي بيده. # والدس إخفاء الشيء في الشيء. وإنما ذكر الضمير في يمسكه ويدسه باعتبار ما ~~بشر به. كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن ~~تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها. ~~وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفا من الفقر والفاقة ولزوم ~~النفقة. # روي أن رجلا قال: يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام ~~وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما ~~انتهيت إلى واد بعيد القعر ألقيتها فقالت: يا أبتي قتلتني. فكلما ذكرت ~~قولها لم ينفعني شيء. فقال صلى الله عليه وسلم: ما في الجاهلية فقد هدمه ~~الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار. # ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ~~ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ألا ساء ما ~~يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء مثل السوء ~~وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية # PageV04P271 # الإملاق والتزام الشح البالغ ولله المثل الأعلى وهو أضداد صفات المخلوقين ~~من الغنى الكامل والجود الشامل وهو العزيز الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ~~ينسب إليه ما لا يليق به الحكيم في خلق ms2811 الذكور والإناث أو في الوعيد على ~~قتل البنات. قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى ~~الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة. ~~وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله. ألا ~~ترى أن رجلا لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم ~~وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله ~~تعالى وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على ~~العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت ~~بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله تعالى فلا جرم حسنت تقويتها بهذه ~~الوجوه الإقناعية. أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها ~~هو الله تعالى فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم. ### | التأويل: # أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر ~~والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو ~~من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال ~~الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى أو يأخذهم على ~~تخوف تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم فإن ربكم لرؤف بالعباد إذ ~~أعطاهم حسن الاستعداد رحيم حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال ~~لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال. ما خلق الله من شيء ~~وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ~~ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل ~~بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال سجدا لله منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا ~~لأجله. وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود ~~يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين أراد بالإله الآخر الهوى # لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما عبد إله أبغض على الله ms2812 من الهوى» # ويجعلون يعني أصحاب النفوس والأهواء لما لا يعلمون لمن لا علم لهم ~~بأحوالهم نصيبا بالرياء مما رزقناهم من الطاعات تالله لتسئلن عما كنتم ~~تفترون والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة ~~السعادة إلى سمة الشقاوة وبالعكس ويجعلون لله البنات أظن أن البنات إشارة ~~إلى صفات فيها نوع نقص # PageV04P272 # كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل ~~وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله ~~فلهذا قال سبحانه: # ولهم ما يشتهون يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا ~~نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس ~~الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 61 الى 70] # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما ~~يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ~~(62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم ~~اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي ~~اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا ~~سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ~~ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير ms2813 (70) ### | القراآت: # لا جرم في المد مثل لا ريب فيه [البقرة: 2] مفرطون بكسر الراء المشددة: ~~يزيد مفرطون بكسر الراء المخففة: نافع وقتيبة. الباقون بفتحها مخففة. ~~نسقيكم بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. # الآخرون بضمها. ### | الوقوف: # مسمى ج للظرف مع الفاء ولا يستقدمون ه الحسنى ط وقيل علي لا ثم يبدأ بجرم ~~وهو تكلف. مفرطون ه أليم ه فيه لا للعطف على موضع لتبين تقديره إلا تبيانا ~~وهدى يؤمنون ه موتها ط يسمعون ه لعبرة ط لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ~~للشاربين ه حسنا ط يعقلون ه يعرشون ه ج للعطف ذللا ط للعدول للناس ط ~~يتفكرون ه شيئا ط قدير ه. # PageV04P273 ### | التفسير: # لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وفظيع قولهم بين غاية كرمه وسعة رحمته حيث ~~إنه لا يعاجلهم بالعقوبة فقال: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم الآية. فزعم ~~بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء أنه أضاف الظلم إلى ضمير الناس والأنبياء من ~~جملة الناس فوجب أن يكونوا ظالمين عاصين ويؤكدا هذا قوله: ما ترك عليها من ~~دابة فإنه لو لم يصدر من الأنبياء ذنب لم يكن لإفنائهم وجه وحينئذ لم يصدق ~~أنه لم يبق على الأرض واحد. والجواب لا نسلم عموم الناس في الآية لقوله ~~سبحانه في موضع آخر فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~[لقمان: 32] ولا ريب أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين، فإذن المراد ~~بالناس إما كل العصاة الذين استحقوا العقاب، أو الذين تقدم ذكرهم من ~~المشركين. وأما قوله: من دابة فعن ابن عباس أنه أراد من مشرك يدب عليها ~~نظيره قوله: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا [الأنفال: 55] ولو سلم أن ~~المراد بها كل من يدب عليها فلعل الهلاك في حق الظلمة يكون عذابا وفي غيرهم ~~امتحانا فقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام. وأيضا من المعلوم ~~أنه لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العذاب، فلو أهلكوا لبطل نسلهم ولأدى ~~إلى إفناء الناس، بل الدواب كلها لأن الدواب ms2814 مخلوقة لمنافع العباد ~~ومصالحهم. عن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه ~~فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن ~~مسعود: كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم. وقيل: # لو يؤاخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت وفي انقطاع النبت فناء ~~الدواب. # قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الظلم والمعاصي ليست من أفعال الله ~~تعالى وإلا لم يؤاخذهم بها فرضا، ولم يضف الظلم إليهم ولم يذمهم على ذلك. ~~وفي قوله: بظلمهم دليل على أن الظلم هو المؤثر في العقاب، فإن الباء ~~للعلية. وجواب الأشاعرة معلوم وهو أنه لا يسأل عما يفعل، وأيضا المعارضة ~~بالعلم والدواعي ووجوب انتهاء الكل إليه. قال بعض الأصوليين: الأصل في ~~المضار الحرمة لأن الضرر لا يجوز أن يكون مشروعا ابتداء بالإجماع ولقوله ~~تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] يريد الله بكم اليسر ~~[البقرة: 185] # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» في الإسلام «ملعون من ضر ~~مسلما» # ولا أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء عن جرم سابق بهذه الآية لأن كلمة ~~«لو» وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره. فالآية تقتضي أنه تعالى ما آخذ ~~الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة كما هو المشاهد إذا ثبت هذا الأصل ~~فنقول: إذا وقعت حادثة مشتملة على المضار فإن وجدنا نصا على كونها مشروعة ~~قضينا به تقديما للخاص على العام وإلا قضينا عليها بالحرمة بناء على هذا ~~الأصل. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن # PageV04P274 # يكون الضرر مشروعا على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك ~~لأنها لا تدل إلا على أنه سبحانه لا يؤاخذ بكل ظلم. أما على أنه لا يؤاخذ ~~ببعض أنواع الظلم فلا، دليله قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير [الشورى: 30] ومنهم من قال: بناء على القاعدة المذكورة إن ~~كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعا في حقه لأن المنع منه ms2815 ضرر والضرر ~~غير مشروع، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرما لأن وجوده ضرر وأنه غير ~~مشروع. فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه ~~القاعدة أو على خلافها والأول باطل، لأن هذا الأصل يغني عنه، وكذا الثاني ~~لأن النص راجح على القياس. ولقائل أن يقول: توارد الأدلة على المدلول ~~الواحد غير ممتنع. أما قوله: ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فعن ابن عباس في ~~رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ. وقيل: ~~أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا، وباقي ~~الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف. # واعلم أنه سبحانه قال في هذه السورة ما ترك عليها من دابة وفي سورة ~~الملائكة ما ترك على ظهرها [فاطر: 45] فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ~~ذكرها هاهنا والعرب تجوز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها ~~الأرض والسماء: «فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها» ، ومنها الغداة «إنها ~~اليوم لباردة» . # ومنها الأصابع يقول: «والذي شقهن خمسا من واحدة» يعني الأصابع من اليد. ~~وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الدابة فكثيرا ما ~~يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة «الملائكة» فإنه قد تقدم ذكر الأرض ~~في قوله: أولم يسيروا في الأرض [الآية: 44] وفي قوله: ولا في الأرض [الآية: ~~44] فلم يكن ملتبسا. ويمكن أن يقال: لما قال هاهنا بظلمهم لم يقل: على ~~ظهرها وحين قال هنالك بما كسبوا قال: على ظهرها احترازا عن الجمع بين ~~الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب، فلم يجمع ~~بينهما في شرطية واحدة. ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال: ويجعلون لله ~~ما يكرهون لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من ~~الشركاء في الرياسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم، وأنهم يجعلون ~~أرذل أموالهم لله وأكرمها للأصنام. عن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار ~~كيف تكون يوم القيامة ms2816 إذا قال الله تعالى هاتوا ما دفع إلى السلاطين ~~وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة، وإذا قال هاتوا ما ~~دفع إلي فيؤتى بالكسر والخرق # PageV04P275 # وما لا يؤبه له، أما تستحيي من ذلك الموقف؟ ثم قال: وتصف ألسنتهم الكذب ~~قال الفراء والزجاج: أبدل منه قوله: أن لهم الحسنى عن مجاهد أن الحسنى ~~البنون كانت قريش يقولون لله البنات ولنا البنون. وقال غيره: هي الجنة أي ~~إنهم مع جعلهم لله ما يكرهون حكموا لأنفسهم بالجنة والثواب من الله، وأنهم ~~يفوزون برضوان الله بسبب هذا القول زعما منهم أنهم على الدين الحق والمذهب ~~الحسن. وكيف يحكمون بذلك وكانوا منكرين للقيامة؟ الجواب أنه كان فيهم من ~~يقر بالبعث ولذلك كانوا يربطون البعير على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ~~ظنا منهم أن الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، وبتقدير أنهم كانوا ~~منكرين فلعلهم قالوا إن كان محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في دعوى الحشر ~~والقيامة فإنه يحصل لنا الجنة والثواب بسبب هذا الدين الحق الذي نحن عليه ~~نظيره ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى [فصلت: 50] . ومن الناس من رجح ~~هذا القول لأنه تعالى رد عليهم بعد ذلك بقوله: لا جرم أن لهم النار قال ~~الزجاج: لا رد لقولهم أي ليس الأمر كما وصفوا. جرم أي كسب ذلك القول أن لهم ~~النار ف «أن» مع ما بعده في محل النصب لوقوع الكسب عليه. وقال قطرب: «أن» ~~في موضع رفع والمعنى حق أن لهم النار وأنهم مفرطون من قرأ بكسر الراء ~~المخففة فهو من الإفراط في المعاصي وفي الافتراء على الله. وجوز أبو علي ~~الفارسي أن يكون من أفرط أي صار ذا فرط مثل أجرب أي صار ذا جرب، ومن قرأ ~~بفتحها مخففة فهو من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته، فالمعنى أنهم ~~متروكون في النار منسيون. ومن قرأ بكسر الراء المشددة فهو من التفريط في ~~الطاعات. وقرىء بفتح الراء المشددة من فرطته في طلب الماء إذا قدمته وجاء ~~أفرطته بمعناه ms2817 أيضا، فالمراد أنهم مقدمون إلى النار معجلون إليها. # ثم بين سبحانه أن مثل صنيع قريش قد صدر عن سائر الأمم فقال: تالله لقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك أي رسلا فزين لهم الشيطان أعمالهم قالت المعتزلة: ~~لو كان خالق الأعمال هو الله تعالى فما معنى تزيين الشيطان، ومن أي وجه ~~توجه عليه الذم، وأن خالق ذلك العمل أجدر بأن يكون وليا لهم من الداعي ~~إليه؟ وأجيب بأن الوسائط معتبرة وانتهاء الكل إليه ضروري. قال جار الله: ~~فهو وليهم اليوم حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فيها، والمراد فهو وليهم أي قرينهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن زمان ~~الدنيا أو اليوم عبارة عن يوم الآخرة الذي يعذبون فيه في النار، فهو حكاية ~~للحال الآتية. والولي الناصر أي هو ناصرهم يوم القيامة فقط، والمراد نفي ~~الناصر عنهم على أبلغ الوجوه لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلا، وإذا ~~كان الناصر منحصرا فيه # PageV04P276 # لزم أن لا نصرة بالضرورة. قال: ويجوز أن يرجع الضمير في وليهم إلى مشركي ~~قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم، ويجوز أن ~~يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم. ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك ~~من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال: وما أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث ~~والإنكار له، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء ~~المحرمة كالميتة والدم. وهدى ورحمة انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة ~~إلى اللام لأنهما فعلا فاعل، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب ~~لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام. قال الكعبي: وصف القرآن بكونه هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون لا ينافي كونه كذلك في حق الكل. وخص المؤمنون بالذكر من ~~حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به. ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى ~~تقرير الإلهيات فقال: والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ~~وفي العنكبوت: # من ms2818 بعد موتها [الآية: 63] لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى ~~التحقيق فقيد الظرف ب «من» للاستيعاب. وأيضا حذف «من» في هذه السورة موافقة ~~لقوله عما قريب: # لكي لا يعلم بعد علم شيئا وإنما حذف «من» هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل ~~الكلام في هذه السورة فقال: والله خلقكم ثم يتوفاكم وأطنب في الحج فقال: ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة [الحج: 5] الآية. فاقتضى الإيجاز الحذف ~~والإطناب الإثبات إن في ذلك لآية لقوم يسمعون سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع ~~متدبرا فكأنه أصم، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلا: وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه وفي سورة المؤمنين: مما في بطونها ~~[الآية: 21] فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ~~ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم. فجاز تذكيره حملا على اللفظ وتأنيثه ~~حملا على المعنى. قال المبرد: هذا شائع في القرآن قال تعالى: فلما رأى ~~الشمس بازغة قال هذا ربي [الأنعام: 78] بمعنى هذا الشيء الطالع. وقال: كلا ~~إنها تذكرة فمن شاء ذكره [عبس: 11] أي ذكر هذا الشيء. وعند سيبويه الأنعام ~~من الأسماء المفردة الواردة على أفعال. وجوز في الكشاف أن يكون تأنيثه على ~~أنه تكسير نعم. وقيل: # إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع ~~بالآحاد. # قلت: ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جوابا عن التخصيص. ولعل السر فيه ~~أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث، لأن اللبن لا يكون ~~للكل فالتقدير: # وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، وأما في «المؤمنين» ~~فإنه لما عطف # PageV04P277 # عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله: ولكم فيها منافع ~~كثيرة ومنها تأكلون وعليها [المؤمنون: 22] لم يتحمل أن يكون المراد به ~~البعض فأنث ليكون نصا على أن المراد بها الكل. روى الكلبي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس أنه قال: إذا استقر العلف فى الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما ~~وأوسطه لبنا خالصا فيجري الدم في ms2819 العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما ~~هو فذلك هو قوله تعالى: من بين فرث ودم لبنا خالصا لا يشوبه الدم ولا ~~الفرث. وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة. أما الحس ~~فلأن الأنعام تذبح ذبحا متواليا ولا يرى في كرشها دم ولا لبن، وأما التجربة ~~فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس ~~كذلك، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم ~~أول، فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء. ~~ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دما وذلك هو الهضم الثاني. ويكون ~~مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية. أما الصفراء فتذهب إلى المرارة، ~~والسوداء إلى الطحال، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة. وأما الدم ~~فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم ~~الثالث. وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع ~~وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب الله الدم هناك إلى صورة اللبن، وإنما اختص ~~هذا المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على ~~الوجه اللائق به، والذكر من كل حيوان أسخن وأجف، والأنثى أبرد وأرطب لأن ~~بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له. ~~ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في ~~الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل. واعلم أنه ~~تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثفل الغذاء، فإذا تناول الإنسان ~~غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقا كليا إلى أن يكمل انهضامه في ~~المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك ~~المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانفتاح بحسب الحاجة وبقدر ~~المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. وأيضا إنه أودع في الكبد ~~قوة جاذبة للأجزاء اللطيفة ms2820 التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى ~~تنقلب دما دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس، وأودع في المرارة قوة ~~جاذبة للصفراء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية، وتخصيص كل واحد من ~~هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير. وكذا الكلام ~~في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على ~~جميع البدن في غير ذلك الوقت. ثم إنه تعالى # PageV04P278 # أحدث في حلمة الثدي ثقوبا صغيرة يخرج اللبن الخالص منها وقت المص أو ~~الحلب فهي بمنزلة المصفاة للبن يخرج اللطيف منها ويبقى الكثيف، فبهذا ~~الطريق يصير خالصا سائغا للشاربين أي سهل المرور في الحلق حتى قيل إنه لم ~~يقص أحد باللبن قط. ومن عجائب حال اللبن اجتماعه من أجسام مختلفة الطبائع ~~مع أنها واحدة في الحس. فمنها الدهن وهو حار رطب، ومنها الأجزاء المائية ~~وهي باردة رطبة، ومنها الجبن وهو بارد يابس وكلها حاصلة من عشب واحد. ثم ~~إنه تعالى ألهم الطفل الصغير مص الثدي عند انفصاله من الأم وكل ذلك دليل ~~على عناية كاملة ورحمة شاملة وعلم تام وقدرة باهرة. قال المحققون: في تقليب ~~العشب في هذه الأطوار إلى أن يصير لبنا خالصا سائغا دليل على أنه تعالى ~~قادر على تقليب الإنسان في أطواره إلى أن يصير مستعدا للبقاء الأبدي ~~واللقاء السرمدي. قال جار الله: و «من» في مما في بطونه للتبعيض و «من» في ~~قوله: من بين فرث لابتداء الغاية فهو صلة ل نسقيكم كقولك: «سقيته من الحوض» ~~. وجوز أن يكون حالا من قوله: لبنا مقدما عليه فيتعلق بمحذوف أي كائنا من ~~بين كذا وكذا. وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو جدير بالتقديم # . قالت الشافعية: ليس بمستنكر أن يسلك المني مسلك البول وهو طاهر كما أنه ~~يخرج اللبن من بين الفرث والدم طاهرا. # وأما قوله: ومن ثمرات النخيل والأعناب فإما أن يتعلق بمحذوف أي ونسقيكم ~~من ثمرات النخيل ومن الأعناب إذا عصرت وحذف لدلالة ما تقدم عليه فيكون ~~قوله: # تتخذون ms2821 منه بيانا وكشفا عن كنه حقيقة الاستقاء، وإما أن يتعلق ب تتخذون ~~فيكون قوله: منه تكريرا للظرف لأجل التأكيد نظيره قولك: «زيد في الدار ~~فيها» وإنما ذكر الضمير في منه لأنه يعود إلى المذكور أو إلى المضاف ~~المحذوف الذي هو العصير كأنه قيل: ومن عصير ثمرات النخيل ومن عصير الأعناب ~~تتخذون منه، واحتمل أن يكون تتخذون صفة موصوف محذوف كقوله: وما منا إلا له ~~مقام معلوم [الصافات: # 164] أي وما منا إلا ملك فالتقدير: ومن ثمرات النخيل ومن الأعناب ثمر. ~~تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر وهو ~~الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا نحو رشد رشدا ورشدا. وعلى هذا ~~التفسير ففي الآية قولان: أحدهما- ويروى عن الشعبي والنخعي- أنها منسوخة ~~فإن السورة مكية وتحريم الخمر نزل في المائدة وهي مدنية، وثانيهما أنها ~~جامعة بين العتاب والمنة. وذكر المنفعة لا ينافي الحرمة على أن في الآية ~~تنبيها على الحرمة أيضا لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب في ~~السكر أن لا يكون رزقا حسنا لا بحسب الشهوة بل بحسب # PageV04P279 # الشريعة. هذا ما عليه الأكثرون. وقيل: السكر النبيذ وهو عصير العنب ~~والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد وهو حلال عند أبي ~~حنيفة إلى حد السكر. # واحتج بأن الآية دلت على أن السكر حلال لأنه تعالى ذكره في معرض الإنعام ~~والمنة، ودل الحديث على أن الخمر حرام لعينها وهذا يقتضي أن يكون السكر ~~شيئا غير الخمر، وكل من أثبت هذه المغايرة قال إنه النبيذ المطبوخ. ويحكى ~~عن أبي علي الجبائي أنه صنف كتابا في تحليل النبيذ، فلما آخذت منه السن ~~العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به فأبى فقيل له: فقد صنفت في ~~تحليله. فقال: تناولته أيدي الشيطان فقبح عند ذوي المروءات والأقدار. وقيل: ~~السكر الطعم قاله أبو عبيدة. وقيل: السكر والرزق الحسن واحد كأنه قيل: ~~تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن. ومن أعجب أحوال الحيوان حال النحل المناسب ms2822 ~~عسلها اللبن في موافقة اللذة وفي الخروج من البطن فلذلك أفردها بالذكر عقيب ~~ذلك قائلا: وأوحى ربك يا محمد أو يا إنسان إلى النحل أي ألهمها وعلمها على ~~وجه هو أعلم به، ولقد حق لغريب أمرها وعجيب صنعتها أن يطلق عليه لفظ ~~الإيحاء وذلك أنها تبني البيوت المسدسة من الأضلاع المتساويات التي لا يمكن ~~للعقلاء تركيب أمثالها إلا بالمساطر والفرجارات، وقد علم من الهندسة أن تلك ~~البيوت لو كانت مشكلة بما سوى المسدسات فإنه يبقى بالضرورة فيما بينها فرج ~~خالية ضائعة. فاهتداء ذلك الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الدقيقة من ~~الأعاجيب. ومن غرائب أمرها أن لها رئيسا هو أعظم جثة من الباقين وهم ~~يخدمونه ويتبعون نهيه وأمره، ومنها أنها إذا نفرت عن وكرها ذهبت مع الجمعية ~~إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول والملاهي وآلات ~~الموسيقى وبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها. # وبالجملة فإن غرائب هذا الحيوان أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى، ~~والغرض أن امتياز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على الذكاء ~~والكياسة حالة شبيهة بالوحي بمعنى الإلهام. قال الزجاج: يجوز أن يقال سميت ~~نحلا لأنه تعالى نحل الناس العسل بواسطتها وهي مؤنثة في لغة أهل الحجاز ~~ولذلك قال تعالى: أن اتخذي وهي «أن» المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول. # ومعنى «من» في قوله: من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون أي يبنون ~~ويرفعون البعضية لأنها لا تبني بيوتا في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش، ~~ولكنها تبني في مساكن توافقها وتليق بها وكثيرا ما يتعهدها الناس وتصلح ~~أحوالها ثم كلي من كل الثمرات أي بعضا من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها ~~فاسلكي سبل ربك أي الطريق التي ألهمك # PageV04P280 # وفهمك في عمل العسل ذللا جمع ذلول وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها ~~وسهلها عليها، أو من الضمير في فاسلكي أي وأت ذلك منقادة لما أمرت به غير ~~ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة أي ms2823 في مسالكه التي ~~يحيل فيها بقدرته النور المر عسلا وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك ~~إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ~~ربك لا تتوعر عليك ولا تصلين فيها. فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها ~~فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. ويجوز أن يريد بقوله: ثم كلي اقصدي ~~أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك. واعلم أن ظاهر قوله: أن ~~اتخذي ثم كلي فاسلكي أمر. فمن الناس من قال: لا يبعد أن يكون لهذه ~~الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال: ~~المراد أنه سبحانه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال. # وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل. أما حدوث العسل من النحل فالأصح ~~عند الأطباء أن الله تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف ~~في الليالي ويقع على أوراق الأشجار، فقد يكون كثيرا يجتمع منه أجزاء محسوسة ~~وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلا متفرقا على الأوراق والأزهار وهو الذي ~~ألهم الله تعالى هذا النحل فتلتقط تلك الذرات بأفواهها وتأكلها وتغتذي بها ~~فإذا شبعت التقطت مرة أخرى وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخارا لنفسها، ~~فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية فذاك هو العسل. ولا ~~يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها ~~فلذلك قال: يخرج من بطونها أي من أفواهها. ومن الناس من زعم أن النحل تأكل ~~من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه تعالى يقلب تلك ~~الأجسام في داخل بدنه عسلا، ثم إنه يقيء مرة أخرى فذلك هو العسل. قال ~~العقلاء: والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس. فإن طبيعة الترنجبين ~~قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء ويقع على ~~أطراف الأشجار والأزهار فكذا العسل. وأيضا النحل إنما تغتذي بالعسل ولهذا ~~يترك منه بقية في بيوتها بعد الاشتيار. ولكن قوله ms2824 تعالى: يخرج من بطونها ~~شراب أي ما يشرب يعضد القول الثاني. # وقوله: مختلف ألوانه أي منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف الأماكن ~~وأمزجة النحل واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها. ثم وصفه بقوله: # فيه شفاء للناس لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ولذا يقع ~~في أكثر # PageV04P281 # المعاجين. وتنكير شفاء لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء ~~فإن كل دواء كذلك. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا جاء إليه فقال: إن أخي يشتكي بطنه. ~~فقال: اسقه العسل. فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع. فقال: اذهب فاسقه ~~عسلا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك. فسقاه فشفاه الله فبرأ كأنما نشط من ~~عقال. # قال أهل المعاني: # إنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بأنه سيظهر نفعه فلهذا قال: كذب بطن ~~أخيك حين لم يظهر النفع في الحال. # وعن عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في ~~الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل. واعلم أنه سبحانه ختم الآية ~~الأولى بقوله: لقوم يسمعون لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه ~~أمر مشاهد محسوس فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع لأن لفظ ~~القرآن المنبه على هذه الآية مسموع. # وختم الآية الثانية بالعقل لأنه يحتاج إلى نوع تدبر فالمعرض عنه فاقد ~~العقل دون الحس. # وختم الثالثة بالتفكر لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها ~~واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل ثم ~~خروج ذلك من بطونها لعابا أو قيئا يقتضي فكرة بليغة. ولما ذكر بعض عجائب ~~أحوال الحيوان أتبعه عجيب خلق الإنسان فقال: والله خلقكم ولم تكونوا شيئا ~~ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر إلى أخسه ~~وأحقره. # عن علي رضي الله عنه هو خمس وسبعون سنة. # وعن قتادة تسعون سنة. وقال السدي: هو حالة الخرف دليله قوله: لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفل ms2825 في النسيان وعدم التذكر. # وقيل: لئلا يعقل بعد عقله الأول شيئا أي لا يعلم زيادة علم على علمه. ~~وقيل: إن الرد إلى أرذل العمر ليس في المسلمين والمسلم لا يزداد بسبب العمر ~~إلا كرامة على الله تعالى ونظير الآية قوله: ثم رددناه أسفل سافلين إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات [التين: # 5، 6] . # واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولها سن النشوء، ~~وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها الانحطاط الخفي اليسير وهو سن ~~الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر وهو سن الشيخوخة. وذكر الأطباء وأصحاب ~~الطبيعي أن بدن الإنسان مخلوق من المني ومن دم الطمث وهما جوهران حاران ~~رطبان، والحرارة إذا عملت في الجسم الرطب قلت رطوبته فلا يزال ما في هذين ~~الجوهرين من قوة الحرارة يقلل ما في العضو من الرطوبة حتى يتصلب ويظهر ~~العظم والغضروف والعصب والوتر والرباط وسائر الأعضاء، فإذا تم تكوين البدن ~~وكمل فعند ذلك ينفصل الجنين من رحم # PageV04P282 # الأم وتكون رطوبة البدن بعد زائدة على حرارته، فتكون الأعضاء قابلة ~~للتمدد والازدياد والنماء وهو سن النشو وغايته إلى ثلاثين أو إلى خمس ~~وثلاثين سنة، ثم تصير رطوبات البدن أقل وتكون وافية بحفظ الحرارة الغريزية ~~الأصلية إلا أنها لا تكون زائدة على هذا القدر وهو سن الوقوف والشباب ~~وغايته خمس سنين وبها يتم الأربعون، ثم تقل الرطوبات بحيث لا تكون وافية ~~بحفظ الحرارة الغريزية وحينئذ يظهر النقصان قليلا إلى ستين سنة وهي سن ~~الكهولة، ثم يظهر جدا إلى تمام مائة وعشرين سنة. قال المتكلمون: هذا ~~التعليل ضعيف لأن رطوبات البدن في حال كونه منيا ودما كانت كثيرة ولذلك ~~كانت الحرارة الغريزية مغمورة، ثم إنها مع ذلك كانت قوية على تحليل أكثر ~~الرطوبات حتى نقلتها من حد الدموية والمنوية إلى أن صارت عظما وغضروفا ~~وعصبا ورباطا، فعند ما تولدت الأعضاء وكمل البدن وقلت الرطوبات وجب أن تقوى ~~الحرارة الغريزية قوة أزيد مما كانت قبل ذلك فوجب أن يكون تحليل الرطوبات ~~بعد تولد البدن وكماله أكثر من تحليلها قبل ms2826 تولد البدن وليس الأمر كذلك، ~~لأنه قبل تولد البدن انتقل جسم الدم والمني إلى أن صار عظما وعصبا، أما بعد ~~تولد البدن فلم يحصل مثل هذا الانتقال ولا عشر عشيره، فعلمنا أن البدن إنما ~~يتولد بتدبير قادر حكيم لا لأجل ما قالوه. وبوجه آخر الحرارة الحاصلة في ~~بدن الإنسان الكامل الغريزة إما أن تكون هي عين ما كان حاصلا في جوهر ~~النطفة، أو صارت أزيد مما كانت. والأول باطل لأن الحار الغريزي الحاصل في ~~جوهر النطفة، كان بمقدار جرم النطفة، فإذا كبر البدن وجب أن لا يظهر منه في ~~هذا البدن تأثير أصلا. وأما الثاني ففيه تسليم أن الحرارة تتزايد بحسب ~~تزايد الجثة، ولا ريب أن تزايدها يوجب تزايد القوة والصحة ساعة فساعة فيلزم ~~أن لا ينهدم البدن الحيواني أبدا وليس كذلك. وبوجه ثالث هب أن الرطوبة ~~الغريزية صارت معادلة للحرارة الغريزية فلم قلتم إن الحرارة الغريزية يجب ~~أن تصير أقل مما كانت حتى ينتقل الإنسان من سن الشباب إلى سن النقصان؟ ~~قالوا: السبب فيه أنه إذا حصل هذا الاستواء فالحرارة الغريزية بعد ذلك تؤثر ~~في تجفيف الرطوبة الغريزية فتقل الرطوبات الغريزية حتى صارت بحيث لا تفي ~~بحفظ الحرارة الغريزية، وإذا حصلت هذه الحال ضعفت الحرارة الغريزية أيضا ~~لأن الرطوبات الغريزية كالغذاء للحرارة الغريزية، فإذا قل الغذاء ضعف ~~المغتذي فينتهي الأمر إلى أن لا يبقى من الرطوبة شيء، لأن الحرارة الغريزية ~~توجب قلة الرطوبة الغريزية وقلتها توجب ضعف الحرارة الغريزية فيلزم من ضعف ~~إحداهما ضعف الأخرى فتنطفىء الحرارة أيضا ويحصل الموت. وأورد عليهم أن ~~الحرارة إذا أثرت في تجفيف الرطوبة وقلتها فلم لا # PageV04P283 # يجوز أن تورد القوة الغاذية بدلها؟ فأجابوا بأن القوة الغاذية لا تفي ~~بإيراد البدل. قال الإمام فخر الدين الرازي رادا عليهم: إن القوة الغاية ~~إنما تعجز عن هذا الإيراد إذا كانت الحرارة الغريزية ضعيفة وذلك ممنوع، ~~وإنما تكون الحرارة الغريزية ضعيفة أن لو قلت الرطوبة الغريزية، وإنما تحصل ~~هذه القلة إذا عجزت الغاذية عن إيراد البدل وهذا ms2827 دور محال، فيثبت أن إسناد ~~هذه الأحوال إلى الطبائع والقوى غير ممكن فيتعين إسنادها إلى القادر ~~المختار الحكيم، ولهذا ختم الآية بقوله: إن الله عليم قدير يعلم مقادير ~~المصالح والمفاسد ويقدر على تحصيلها كما يريد. وأما الطبيعة فجاهلة عاجزة. ~~قلت: لا شك أن نسبة هذه الأمور إلى مجرد الطبيعة كفر وجهل، لأنها ليست ~~واجبة الوجود بالاتفاق ولكن إنكار القوى والطبائع أيضا بعيد عن الإنصاف. ~~والحق أنها وسائط وآلات لما فوقها من المبادئ والعلل إلى أن ينتهي الأمر # إلى مسبب الأسباب ومبدأ الكل، وقد ثبت عند الحكيم أن كل قوة جسمانية ~~فإنها متناهية الأثر فلا محالة تعجز القوة الغاذية آخر الأمر عن إيراد بدل ~~ما يتحلل فيحل الأجل بتقدير العليم القدير. ### | التأويل: # ولو يؤاخذ الله النفوس الناسية بما ظلمت على القلوب والأرواح ما ترك على ~~أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية. ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم وهو ~~إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى ~~أوان العكس من ذلك. ويجعلون لله ما يكرهون أي يعاملون الله بأعمال يكرهون ~~أن يعاملهم بها غيرهم وتسول لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة. والله أنزل ~~من سماء العزة ماء بيان القرآن فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها ~~باختلافهم على أنبيائهم إن في ذلك لآية لقوم يسمعون كلام الله من الله وإن ~~لكم في الأنعام النفوس لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث الخاطر ~~الشيطاني ودم الخاطر النفساني لبنا خالصا من الإلهام الرباني سائغا ~~للشاربين جائزا لأهل هذا الشرب ومن ثمرات نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات ~~تتخذون منه سكرا هو ما يجعل منها شرب النفس فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق ~~والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال ~~رياء وسمعة وشهوة. والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح فيزداد منه ~~الشوق والمحبة والصدق والطلب: # شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشراب وما رويت # وأوحى ربك إلى النحل إشارة إلى حال السالك السائر أن اتخذي من ms2828 الجبال ~~بيوتا أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله. كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتحنث في غار حراء # PageV04P284 # أسبوعا وأسبوعين وشهرا، ولا بد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث. ~~وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتا ومن شجر القلوب ومما ~~يعرشون من الأسرار ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك نظير قوله: كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا [المؤمنون: 51] فثمرات البدن الأعمال الصالحات، ~~وثمرات النفوس الرياضات ومخالفات الهوى، وثمرات القلوب ترك الدنيا والتوجه ~~إلى المولى، وثمرات الأسرار شواهد الحق والتطلع على الغيوب والتقرب إلى ~~الله، وهذه كلها أغذية نحل الأرواح فإنها بقوة هذه الأغذية تسلك السبل إلى ~~أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته ~~فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ ~~مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق فيه شفاء للقلوب ~~الناسية القاسية عن ذكر الله والله خلقكم أخرجكم من العدم إلى الوجود ثم ~~يتوفاكم عن الوجود المجازي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو مقام الفناء في ~~الله لكيلا يعلم بعد فناء علمه شيئا يعلمه بل يعلم بربه الأشياء كما هي ~~والله أعلم بالصواب. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 71 الى 83] # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم ~~رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن ~~الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74) ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ~~ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون (75) # وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ~~أينما يوجهه لا يأت بخير ms2829 هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ~~(76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~إن الله على كل شيء قدير (77) والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير ~~مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) ~~والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى ~~حين (80) # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) ~~فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون (83) # PageV04P285 ### | القراآت: # تجحدون بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد. الآخرون على الغيبة. من بطون أمهاتكم ~~ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: علي. أمهاتكم بكسرهما: حمزة. # الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. الم تروا على الخطاب: ابن عامر وحمزة ~~وخلف وسهل ويعقوب ظعنكم بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. # الباقون بفتحها. ### | الوقوف: # في الرزق ج لاختلاف الجملتين مع الفاء سواء ط يجحدون ه من الطيبات ط ~~يكفرون ه لا للعطف ولا يستطيعون ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب الأمثال ~~ط لا تعلمون ه وجهرا ط هل يستوون ط الحمد لله ط لأن «بل» للإعراض عن الأول. ~~لا يعلمون ه مولاه لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما بخير ط ثم لا وقف إلى ~~مستقيم لاتحاد الكلام والأرض ط أقرب ط قدير ه شيئا لا للعطف والأفئدة لا ~~لتعلق لعلكم تشكرون ه السماء ط للفصل بين الاستخبار والإخبار إلا الله ط ~~يؤمنون ه إقامتكم لا لوقوع جعل على أثاثا إلى حين ه بأسكم ط تسلمون ه ~~المبين ه الكافرون ه. ### | التفسير: # لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفا من ~~سائر أحواله لعله يتذكر ms2830 فقال: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ولا ريب أن ~~ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي ~~الحال، وليس هذا التفاوت مختصا بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح ~~والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب ~~واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على ~~تناول شيء منها، وربما نرى إنسانا كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا ~~يجد ملء بطنه طعاما. وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون ~~السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس ~~موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقا للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى ~~هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من # PageV04P286 # عندهم شيئا من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم. وثانيهما ~~أن المراد الرد على من أثبت لله شريكا كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلا فقال: ~~أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردون رزقكم ~~عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس. فالفاء في قوله: فهم فيه سواء ~~للتعليل. ولك أن تقول بمعنى «حتى» أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، ~~فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟! # عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~العبيد: «إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون» «1» . # فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ~~أفبنعمة الله وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيدا مفضولين يجحدون أو جعل ~~عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية ~~العبادة لغير الله كفرا بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه ~~بالباء. قال أبو عبيدة وأبو حاتم: قراءة الغيبة- وهي الكثرى- أولى لقرب ~~المخبر عنه، ولأنه لو كان خطابا كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد ~~نعمة البتة. الحالة الأخرى من أحوال ms2831 الإنسان قوله عم طوله: والله جعل لكم ~~من أنفسكم أي من جنسكم أزواجا ليكون الأنس به أتم. ولا ريب أن تخليق الذكور ~~والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه. والطبيعيون قد يذكرون له وجها قالوا: ~~إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب ~~الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن ~~مزاجا وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من ~~الرحم كان الولد تاما في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ~~ذكرا في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس. قال الإمام فخر الدين ~~الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة ~~وفي الرجال من كان في غاية البرودة. ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج ~~الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما ~~على الآخر. وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة أصل الحفد الإسراع في الخدمة. ~~والفاعل حافد والجمع حفدة. فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات. ~~وقيل: أولاد الأولاد. وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأول. وقيل: الخدم ~~والأعوان. وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين PageV04P287 # الأمرين البنوة والخدمة. وقيل: الأولى دخول الكل فيه. ثم ذكر إنعامه ~~عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة ~~المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها، وأورد «من» التبعيضية لأن لذة كل ~~الطيبات لا تكون إلا في الجنة. # ثم ختم الآية بقوله: أفبالباطل يؤمنون فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من ~~منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة. ~~وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة ~~الله ما أحل لهم. وإنما قال هاهنا: # وبنعمت الله هم يكفرون وفي آخر «العنكبوت» وبنعمة الله يكفرون [الآية: ~~67] . لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب، ~~وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد ms2832 من ضمير الغائب المؤكد ~~لئلا يلتبس بالخطاب. # ولما عدد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك ~~عليهم قائلا ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا. قال جار الله: إن ~~كان بمعنى المصدر نصبت به شيئا أي لا يملك أن يرزق شيئا، وإن أردت المرزوق ~~كان شيئا بدلا منه بمعنى قليلا أو يكون تأكيدا للا يملك أي لا يملك شيئا من ~~الملك. ومن السماوات والأرض صلة للرزق إن كان مصدرا بمعنى لا يرزق من ~~السموات مطرا ولا من الأرض نباتا وصفة إن كان اسما لما يرزق. أما الضمير في ~~ولا يستطيعون فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع ~~بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة. والفائدة في نفي الاستطاعة ~~عنهم أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، ~~فبين تعالى أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك. وجوز في الكشاف أن يكون ~~الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي ~~لا حس له؟ فلا تضربوا لله الأمثال أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه ~~حالا بحال وقصة بقصة. وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلا لأنه واحد لا مثل ~~له. وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا ~~يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة ~~الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص. وعلل ~~النهي بقوله: إن الله يعلم ما عليكم من العقاب وأنتم لا تعلمون ما في ~~عبادتها من العذاب. وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه ~~على ذلك. وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم ~~كيف تضرب فقال: ضرب الله مثلا ثم أبدل من المثل قوله: عبدا مملوكا لا حرا ~~فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبدا كونه مملوكا. وقوله: لا ~~يقدر على # PageV04P288 # شيء ليخرج العبد ms2833 المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف. احتج ~~الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئا وإن ملكه السيد لأن قوله: لا ~~يقدر حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة ~~للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على ~~التصرف. وأيضا قوله: ومن رزقناه منا رزقا حسنا يقتضي أن لا يحصل للقسم ~~الأول هذا الوصف. فلو ملك العبد شيئا ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق ~~الحسن فلم يثبت الامتياز. والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله ~~تعلق بالمال. وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضا. قال جار الله: الظاهر ~~أن «من» في قوله: ومن رزقناه موصوفة كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا. ~~ولا يمتنع أن تكون موصولة. وجمع قوله: هل يستوون لأنه أراد الأحرار ~~والعبيد. وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو ~~فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق ~~سرا وجهرا، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في ~~الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوى بين الله القادر على الرزق ~~والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر البتة؟! وقيل: العبد المملوك ~~هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل ~~بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. والغرض أنهما لا يستويان في ~~الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله. وقيل: العبد هو الصنم لقوله: إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] . والثاني عابد الصنم. ~~والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف، لأن الأول جماد وهذا إنسان ~~فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساو لرب العالمين؟!. # الحمد لله قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم ~~بالتوحيد. وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا ~~نعمة لها على أحد بل أكثرهم لا يعلمون أن كل الحمد لي. وقيل: أراد قل ms2834 الحمد ~~لله. والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم وإما لمن رزقه الله رزقا حسنا ~~وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف. وقيل: لما ذكر ~~مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال: # الحمد لله أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة بل أكثرهم لا يعلمون ~~قوتها وظهورها. ثم ضرب مثلا ثانيا لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم ~~الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى ~~من يعبدها أعظم المضار. # أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكما وبكامة. وقيل: هو ~~الأقطع اللسان # PageV04P289 # الذي لا يحسن الكلام. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا ~~يبصر. # وقوله: وهو كل على مولاه أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة. يقال: كل ~~السكين إذا غلظت شفرته، وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكل فلان ~~عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كل على مولاه أي ثقيل وعيال ~~على من يلي أمره. # وقوله: أينما يوجهه حيثما يرسله لا يأت بخير لم ينجح في مطلبه. والتوجيه ~~أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق هل يستوي هو أي الموصوف بهذه الصفات ~~المذكورة. ومن يأمر الناس بالعدل وهو في نفسه على صراط مستقيم على سيرة ~~صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط. ولا شك أن الآمر ~~بالعدل يجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور، قادرا حتى ~~يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا ~~يقدر. قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه. أما الأبكم فمثل ~~الصنم لأنه لا ينطق البتة ولا يقدر على شيء وهو كل على عابديه لأنه لا ينفق ~~عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أي مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي ~~يأمر بالعدل فهو الله سبحانه. وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ms2835 ينفق ماله سرا وجهرا، ~~ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه. وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي ~~العيص وفي عثمان بن عفان مولاه. والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد ~~موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة. ومن الآية الثانية كل ~~رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا ~~الله سبحانه فلذلك مدح نفسه بقوله: ولله غيب السماوات والأرض أي يختص به ~~علم ما غاب عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن ~~غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر اللمح ~~النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل ~~للتجزئة فلذلك قال: أو هو أقرب وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في ~~غاية الصدق لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد ~~غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. وقيل: معنى أمر الساعة أن ~~إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله. ثم أكده بقوله: # إن الله على كل شيء قدير. # ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية ~~رأفته فقال: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا قال جار الله: هو في موضع ~~الحال أي # PageV04P290 # غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم وصوركم ثم ~~أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: وجعل لكم معناه وما ركب فيكم هذه ~~الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من ~~شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في ~~فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضا ~~لعدم ورود غيرها. واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته ~~خال عن المعارف والعلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر ~~القوى المدركة حتى ارتسم ms2836 في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك ~~الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافيا ~~في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم ~~بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة ~~تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية. وظهر أن السبب ~~الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله تعالى أعطى الحواس ~~والقوى الدراكة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة ~~بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارها عليها ~~عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي ~~وترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية. ~~فالمراد بقوله: لا تعلمون شيئا أنه لا يظهر أثر العلم عليكم. ثم إنه بتوسط ~~الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق. # ومعنى لعلكم تشكرون إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله. وليس الواو ~~للترتيب حتى يلزم من عطف جعل على أخرجكم أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا ~~عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم [البقرة: 7] أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟ ثم ذكر دليلا ~~آخر على كمال قدرته فقال: ألم يروا إلى الطير مسخرات مذللات للطيران بما ~~خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن ~~بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء. وفي جو السماء أي في الهواء ~~المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ما يمسكهن إلا ~~الله بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران. ومن جملة ~~أحوال الإنسان قوله: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا هو ما يسكن إليه من بيت ~~أو إلف وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا هي القباب والأبنية من الأدم ~~والأنطاع تستخفونها أي تعدونها ms2837 خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل يوم ~~ظعنكم أي في وقت ارتحالكم. والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل # PageV04P291 # البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر. ويوم إقامتكم لا يثقل عليكم ~~حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ~~ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ~~ضربها ومن أصوافها وهي للضأن وأوبارها وهي للإبل وأشعارها وهي للمعز أثاثا ~~وهو متاع البيت. قال الفراء: لا واحد له. وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع ~~الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة. قال ابن عباس: أراد طنافس ~~وبسطا وثيابا وكسوة. وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر. ~~قيل: إنه تعالى عطف قوله: ومتاعا على أثاثا فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟ ~~وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء. والمتاع ~~ما يفرش في المنازل ويتزين به. قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو ~~الجامع بين الوصفين كونه أثاثا وكونه مما يتمتع به إلى حين أي إلى أن تقضوا ~~أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة. # ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر ~~فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فلذلك قال: والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع ~~به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك من بقوله: ~~وجعل لكم من الجبال أكنانا هي جمع «كن» وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه ~~الأمطار كالبيوت المنحوتة في الجبال وكالغيران والكهوف وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. وإنما لم ~~يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ~~ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال ~~غالبا بشهادة الوجدان. ms2838 قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل ~~الرقيق والكثيف والساذج والمحشو من الثياب وسرابيل تقيكم بأسكم كالدروع ~~والجواشن كذلك يتم نعمته أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم ~~فإنه يتم نعم الدين والدنيا لعلكم تسلمون قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة ~~تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه. وعنه أنه ~~قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون ~~فتسلمون من العذاب. وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع فإن تولوا فقد تمهد ~~عذرك فإنما عليك البلاغ المبين وليس إليك الهداية. ثم ذمهم بأنهم يعرفون ~~نعمت الله التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ثم ينكرونها ~~بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة # PageV04P292 # آلهتنا. ومعنى «ثم» تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان. وقيل: إنكارها قولهم ~~ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب ~~رضوان الله. وقيل: نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يعرفونه ~~ثم ينكرون نبوته عنادا. وإنما قال: وأكثرهم الكافرون لأنه استعمل الأكثر ~~مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد ~~كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، ~~أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون. قلت: ويحتمل أن يراد ~~بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من ~~يؤمن فلهذا استثناهم والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد ~~إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق ~~واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق ~~التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل ~~أعباء الشريعة. فما الأرواح برادي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على ~~النفوس، ولا النفوس على الأبدان. # أفبنعمة الله التي أنعم بها على ms2839 أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يعني ازدواج الأرواح والأشباح وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وهم القلوب وحفدة وهن النفوس أفبالباطل وهو الزخارف والوساوس ~~يؤمنون وبنعمة الله التي أنعم بها على أرباب القلوب يكفرون ويعبدون من دون ~~الله كالدنيا والهوى ما لا يملك لهم رزقا من سموات القلوب وأرض النفوس شيئا ~~من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا ~~يستطيعون استخراجها بعبادة غير الله فلا تضربوا لله الأمثال بأن تريدوا أن ~~تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ضرب الله مثلا عبدا مملوكا للهوى وللدنيا ~~ومن رزقناه ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم. بل أكثرهم ~~لا يعلمون أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره. # أحدهما أبكم هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل ~~والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة. لا يأت بخير لأنها ~~أمارة بالسوء ولله غيب سموات الأرواح وأرض النفوس لا يقف على خاصيتهما ~~غيره، ولو وكل كلا منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون ~~بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر ~~الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا ~~تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: أو هو # PageV04P293 # أقرب # وحينئذ يكون فانيا عن وجوده باقيا ببقائه والله أخرجكم من بطون أمهاتكم ~~لا تعلمون شيئا من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم ~~الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172] ~~وجواب بلى [الأعراف: 172] وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما ~~للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة، ولأسراركم سمعا يسمع به من الله وبصرا ~~يبصر به الله وفؤادا يعرف به الله سبحانه أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته ~~فبنور سمعه أعطاكم سمعا تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصرا ~~تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤادا تعرفون به كماله، وبنور ms2840 كلامه ~~أعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم «بلى» لعلكم تشكرون فلا تسمعون بهذا السمع إلا ~~كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ~~ولا تكلمون بهذا الكلام إلا معه ألم يروا إلى طير الأرواح مسخرات في جو ~~سماء القلوب ما يمسكهن في سفل الأجساد إلا الله بحكمته فلذلك قال: # والله جعل لكم أيها الأرواح من بيوتكم وهي الأجساد سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات بيوتا تستخف أرواحكم ~~إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والقفة للاستراحة ~~والتربية ومن أصوافها هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى أثاثا آلات للسير ~~ومتاعا ينتفع بها إلى حين الوصول والوصال. والله جعل لكم مما خلق ظلالا أي ~~جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي ~~وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. وجعل لكم من جبال القلوب ما ~~يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار ~~المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك ~~يحفظكم من الآفات ويربيكم بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من ~~قطع الطريق يعرفون نعمت الله بتعريفك وأكثرهم الكافرون بك وبنعمة الله ~~إظهارا للقهر والله أعلم. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 84 الى 100] # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84) ~~وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85) وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا ~~فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ms2841 ~~يعظكم لعلكم تذكرون (90) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما ~~كنتم فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون (93) # ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94) ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ~~إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله ~~باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صالحا من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطانه ~~على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100) # PageV04P294 ### | القراآت: # ولنجزين بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان. ~~الآخرون بالياء. قرأت القرآن مثل أنشأنا. ### | الوقوف: # يستعتبون ه ولا هم ينظرون ه من دونك ج لاختلاف الجملتين مع الفاء لكاذبون ~~ه ج للعطف مع أنه رأس آية يفترون ه يفسدون ه على هؤلاء ط لواو الاستئناف ~~للمسلمين ه والبغي ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف تذكرون ه ط كفيلا ه ~~ط تفعلون ه أنكاثا ط بناء على أن التقدير أتتخذون من أمة ط به ط تختلفون ه ~~ويهدي من يشاء ط تعملون ه عن سبيل الله ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ~~عظيم ه قليلا ط تعلمون ه باق ط يعملون ه طيبة ج للعدول عن الوحدان إلى ~~الجمع مع أنهما ضميرا من يعملون ه الرجيم ه يتوكلون ه مشركون ه. # PageV04P295 ### | التفسير: # لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ms2842 ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون ~~أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير واذكر يوم نبعث من كل أمة شهيدا أو ~~يوم وقعوا فيما وقعوا فيه. وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان ~~والتصديق والكفر والتكذيب ثم لا يؤذن للذين كفروا أي في الاعتذار إذ لا حجة ~~لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى ~~التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى، أو المراد أن يسكت أهل ~~الجمع كلهم حتى يشهد الشهود. ولا هم يستعتبون لأن العتاب إنما بطلب لأجل ~~العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: # إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب # وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. # ومعنى «ثم» أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم. وإذا رأى ~~الذين ظلموا وهم المشركون العذاب بعينهم وثقل عليهم فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم ~~خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون. وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم ~~وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في ~~الغي. قاله الحسن. قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا أي نعبدهم من ~~دونك. قال أبو مسلم الأصبهاني: # مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظنا منهم أن ذلك ينجيهم ~~من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علما ~~ضروريا أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟ ~~والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على ~~أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع. وقيل: إن المشركين يقولون هذا ~~الكلام تعجبا من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافا بأنهم كانوا ~~خاطئين في عبادتها. فألقوا إليهم القول # أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار ms2843 إنكم لكاذبون فإن قيل: إن المشركين ~~أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا ~~صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟ # فالجواب أن المراد من قولهم: هؤلاء شركاؤنا هؤلاء شركاء الله في ~~المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق ~~العبادة. قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في ~~قوله: إنكم لكاذبون كما يقول الشيطان إني كفرت بما أشركتموني من قبل ~~[إبراهيم: 22] . وألقوا إلى الله يومئذ السلم عن # PageV04P296 # الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة من ~~الشركاء والأنداد. وقال آخرون: الضمير للذين ظلموا. وإلقاء السلم ~~والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا وضل أي غاب عنهم ما كانوا ~~يفترون من أن لله شريكا أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم. # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح ~~العموم زدناهم عذابا لأجل الإضلال. فوق العذاب الذي استحقوه للضلال. وأيضا ~~عذاب الاستنان # «من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها» . # ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار ~~تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار ~~النهار. وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال ~~تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل: يخرجون من النار ~~إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار. # ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه ~~أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله تعالى أجرا على ~~أجر. ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون ~~الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشهيد يكون ~~وقتئذ في الأمة لا مفارقا إياهم. وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه ~~تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: # الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد ms2844 واللسان. ولهذا ذكر لفظة «في» ~~ووصف الشهيد بكونه من أنفسهم. ثم شرف نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ~~وجئنا بك شهيدا على هؤلاء أي على أمتك. ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم ~~دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] . # قال الإمام فخر الدين الرازي: الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيلعم من ~~الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على ~~غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة. ولقائل أن يقول: الأمة في ~~الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان ~~دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيدا عليهم. ولا دلالة للآية إلا على هذا ~~القدر فمن أين حصل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟ ثم بين أنه ~~أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء أي بيانا له والتاء للمبالغة ونظيره ~~من المصادر «التلقاء» ولم يأت غيرهما وقد مر في «الأعراف» . قال الفقهاء: ~~إنما كان القرآن بيان جميع # PageV04P297 # الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها ~~تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، ~~وورد فيه: ويتبع غير سبيل المؤمنين [النساء: 115] وجاء فاعتبروا [الحشر: 2] ~~. # وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن. وأما علم الفروع فالأصل ~~براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن واف ببيان جميع الأحكام، ~~والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في ~~أول أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان ~~الأجل كما قال سبحانه: إن الذين قالوا ربنا الله [فصلت: 30] إلى قوله: ~~وأبشروا [فصلت: 30] والله أعلم بمراده. # ولما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف ~~كلها تصديقا لذلك فقال: ms2845 إن الله يأمر الآية، # عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أولا إلا حياء من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتقرر الإسلام في قلبي. فحضرته ذات يوم ~~فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ~~ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل عليه السلام نزل عن يميني ~~فقال: # يا محمد إن الله يأمر بالعدل الآية. قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان ~~في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن. وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في ~~الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية، وليس من خلق ~~سيء إلا وقد نهى الله تعالى عنه فيها. قال المفسرون: العدل هو أداء ~~الفرائض. وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله والإحسان هو الإتيان ~~بالمندوبات والمستحسنات شرعا وعرفا وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها ~~بالذكر بقوله: وإيتاء ذي القربى والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح ~~فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر. وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما ~~تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة. قال جار ~~الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي رضي الله ~~عنه وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها. واعلم أن العدل ~~عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في ~~جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل ~~محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: «لا إله إلا ~~الله» . كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب. ثم إن ~~الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه سبحانه # PageV04P298 # تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال ~~من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها. ~~وبوجه آخر: نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، والعدل ms2846 إثبات ~~صفات أزلية قديمة غير متغيرة. # وأيضا القول بأن العبد لا قدرة له أصلا جبر محض، والقول بأنه مستقل في ~~التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ~~ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله تعالى فيه. وأيضا القول بأن الله لا ~~يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده ~~العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان ~~في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان. # والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مرارا. وأما رعاية ~~العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوما من نفاة التكليف يقولون: لا يجب ~~على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي. وقال: ~~قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ~~ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوج، ~~والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل ~~إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على ~~القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ ~~الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~[البقرة: 143] ، وقال: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما [الفرقان: 67] ولما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~العبادات قيل له: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [طه: 1] ولما أخذ قوم في ~~المساهلة نزل: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا [المؤمنون: 115] . والمراد رعاية ~~الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه ~~أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عاريا فيصلب ~~بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع ms2847 فتقل ~~الرغبة فيه. فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء ~~تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان. هذا ~~ما قيل. وعندي أن الحكمة في الختان بعد العبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة ~~وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل. ومن ~~الكلمات المشهورة قولهم: «بالعدل قامت السموات والأرضون» ومعناه أن مقادير ~~العناصر لو لم # PageV04P299 # تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لاستولى الغالب على المغلوب ~~وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض ~~أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد ~~والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن ~~كلا منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه. فهذه إشارة مختصرة ~~إلى تحقيق العدل. # وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ~~ومن هنا # قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» # فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه ~~وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، ~~وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر. ثم إنه ~~تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعا: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية ~~والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية. وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب ~~لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب ~~والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة أو النهي عن الفحشاء عبارة ~~عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن ~~المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس ~~وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من ~~إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ~~ليس أهلا لذلك، وأخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها ~~الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ سبحانه بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ms2848 ~~ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: ~~يعظكم لعلكم تذكرون لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض ~~عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة. قال الكعبي: في الآية دلالة ~~على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟ ~~وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا. واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر ~~العبد- والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد- أن يطلب الله منه ~~التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال. فمعنى لعلكم تذكرون إرادة أن تكونوا ~~على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر. # ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: وأوفوا بعهد الله خصصه جار ~~الله بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: إن الذين يبايعونك إنما ~~يبايعون الله [الفتح: 10] . # وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع. ~~وقيل: هو # PageV04P300 # اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: ~~إذا عاهدتم وقول من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله سبحانه: ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها أي بعد توثيقها باسم الله تكرارا. وأكد ~~ووكد لغتان فصيحتان. قال الزجاج: # الأصل الواو والهمزة بدل. وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة ~~وبين لغو اليمين كقولهم «لا والله» و «بلى والله» . وأيضا الآية من ~~العمومات التي دخلها التخصيص لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها ~~فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر» «1» . # وقد مر بحث الأيمان في «البقرة» وفي «المائدة» في قوله: لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم [الآية: 225] الآية. وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أي ~~شاهدا ورقيبا لأن الكفيل مراع لحال المكفول به. إن الله يعلم ما تفعلون ~~فيجازيكم بحسب ذلك خيرا وشرا. وفيه ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء ~~وتحريم النقض بقوله: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أي من بعد قوة ~~الغزل بإمرارها وفتلها. ms2849 قال الزجاج: انتصب أنكاثا على المصدر لأن معنى نقضت ~~نكثت. وزيف بأن أنكاثا ليس مصدرا وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث ~~فتله. وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعا وفرقه أجزاء أي ~~جعله أقطاعا وأجزاء فكذا هاهنا أي جعلت غزلها أنكاثا. قلت: ويحتمل أن يكون ~~حالا مؤكدة. قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا ~~بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلا ~~وأحكمته ثم جعلته أنكاثا. فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في ~~التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج. وقيل: المراد امرأة معينة ~~من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل ~~أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي ~~وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. قال جار الله: ~~تتخذون حال ودخلا مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا بينكم ~~أي مفسدة ودغلا. وقال الواحدي: أي غشا وخيانة. وقال الجوهري: أي مكرا ~~وخديعة. وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد. وقوله: أن تكون أي ~~لأن تكون أمة يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عددا ومالا من أمة هي ~~جماعة المؤمنين. قال مجاهد: كانوا PageV04P301 # يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ~~ويحالفون الذين هم أعز وأمنع. إنما يبلوكم الله به أي بما يأمركم وينهاكم. ~~وقد تقدم ذكر الأمر والنهي. وقال جار الله: الضمير لقوله: أن تكون لأنه في ~~معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة ~~المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم. # ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: وليبينن لكم يوم القيامة ~~بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء. ما ~~كنتم فيه تختلفون حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون ~~عهودهم. ثم بين أنه سبحانه قادر ms2850 على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء ~~وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: ولتسئلن عما كنتم ~~تعملون ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثا. أجابت ~~الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل. # روى الواحدي أن عزيرا قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. ~~فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانيا فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك ~~من النبوة. # قال المفسرون: # لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة ~~أقدموا عليها وهو نقض بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على هذا ~~التخصيص قوله: فتزل قدم بعد ثبوتها لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله ~~وإنما يليق بنقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال جار الله: # وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت ~~عليه فكيف بأقدام كثيرة. وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب ~~أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات ~~العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: وتذوقوا السوء في الدنيا بما ~~صددتم بصدودكم أو بصدكم غيركم عن سبيل الله لأن المرتد قد يقتدي به غيره. ~~ولكم عذاب عظيم في الآخرة. ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو ~~عذاب عظيم. قال جار الله: # كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك ~~فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض ~~الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: ولا تشتروا الآية. ثم ذكر دليلا قاطعا ~~على أن ما عند الله خير فقال: ما عندكم ينفد وما عند الله من خزائن رحمته ~~باق وفيه دليل على أن نعيم الجنة باق لأهلها لا ينقطع. وقال جهم بن صفوان: ~~إنه منقطع والآية حجة عليه ms2851 ولنجزين # PageV04P302 # الذين صبروا على ما التزموه من شرائع الإسلام أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا ~~عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها [الأنعام: 160] . ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: من عمل ~~صالحا ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: من ذكر أو أنثى تأكيدا وإزالة ~~لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم. # ثم جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح منتجا للثواب حيث قال: وهو مؤمن ~~فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك ~~الشيء. واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة. عن الحسن وسعيد بن جبير ~~وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله تعالى: ~~يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه [الانشقاق: 6] . بين أن هذا ~~الكدح- وهو التعب في العمل- باق إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة ~~بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال. وقال ~~السدي: إن هذه الحياة في القبر. والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ~~ذلك ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون وعلى هذا فما سبب طيب الحياة ~~قيل: هو الرزق الحلال. وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال. وقيل: القناعة أو ~~رزق يوم # كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا» «1» ~~. # قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسرا ~~فذاك، وإن كان معسرا فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه. ~~وأما الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبدا ويعظم أسفه على ~~ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح ~~قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي ~~عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها. وبركة الصلاح والقنوع مما ms2852 ~~لا ينكرها عاقل اللهم اجعلنا من أهلها. ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العمل ~~الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره [الزلزلة: 7] يدل على أن العمل الخير مطلقا يفيد أثرا مطلقا ~~فلا منافاة بينهما. ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها ~~تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: وإذا قرأت القرآن أي أردت قراءته إطلاقا ~~لاسم المسبب على السبب. وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب. ~~إنه ليس له PageV04P303 # سلطان تسلط وولاية على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وهذا معنى ~~الاستعاذة. فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه ~~بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه. إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه عن ابن عباس: أي يطيعونه. يقال: توليته أي أطعته. وتوليت عنه أي ~~أعرضت عنه. أما الضمير الواحد في قوله: والذين هم به مشركون فقيل: راجع إلى ~~الرب. وقيل: إلى الشيطان أي بسببه. ### | التأويل: # ويوم نبعث فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافا على أممهم في حال ~~حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدنيا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة ~~اعتذار وإذا رأى الذين ظلموا أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان ~~وأعمال الشريعة فلا يخفف عن أرواحهم أثقال الأخلاق الذميمة ولا هم ينظرون ~~لتبديل مذمومها بمحمودها وإذا رأى الذين أشركوا وهم عبدة الدنيا والهوى ~~إنكم لكاذبون في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله ~~سبحانه وطاعته وصدوا عن سبيل الله منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله ~~زدناهم عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري. ~~وجئنا بك شهيدا لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس # لقوله: «أول ما خلق الله روحي» # تبيانا لكل شيء يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه إن الله يأمر بالعدل ~~وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال ~~والكمال والإحسان وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: وأحسن كما ~~أحسن الله ms2853 إليك [القصص: 77] . وفي قوله: وإيتاء ذي القربى إشارة إلى أن من ~~جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب. فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب ~~إليه قربا معنويا لا صوريا وينهى عن الفحشاء وهو صرف ما آتاه الله في غير ~~مصرفها والمنكر وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره والبغي وهو أن لا ~~يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل. وأوفوا بعهد الله يوم ~~الميثاق. وقد جعلتم الله عليكم كفيلا بجزاء وفائكم ولا تكونوا كالتي نقضت ~~غزلها فيه إشارة إلى حال المريد المرتد أن تكون أمة هي أهل الدنيا في ~~الدنيا أعلى حالا من أمتهم أهل الآخرة. ولا تتخذوا أيمانكم عهودكم مع ~~المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب ~~من ذكر أو أنثى هما القلب والنفس. # والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى ~~الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ارجعي ~~إلى ربك [الفجر: # 28] وللقلب أن يصير فانيا عن أنانيته باقيا بشهود الحق وجماله، وحينئذ ~~يطيب عن دنس # PageV04P304 # الاثنينية ولوث الحدوث. فاستعذ بالله الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ~~ظاهرا وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلى الاستعاذة ~~من شيطانه بل هو وخواص أمته كقوله: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~[النحل: 99] وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، ~~وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار ~~الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه، بما تكون الوسوسة من جنسه ~~فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله تعالى أعلم ~~بالصواب. ### | [سورة النحل (16) : الآيات 101 الى 128] # وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل ~~أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا ~~وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي ms2854 وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105) # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108) ~~لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما ~~فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ~~(111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ~~ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115) # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متاع قليل ولهم عذاب ~~أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119) إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) # شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ~~ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ms2855 (124) ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل ~~عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) ~~واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127) ~~إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128) # PageV04P305 ### | القراآت: # بما ينزل من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو يلحدون بفتح الياء والحاء: حمزة ~~وعلي وخلف. فتنوا مبنيا للفاعل: ابن عامر. والخوف بالنصب: # عباس إبراهام هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان. في ضيق بالكسر: ابن ~~كثير وكذلك في «النمل» . الآخرون بالفتح. ### | الوقوف: # مكان آية لا لأن جواب «إذا» هو «قالوا» وقوله: والله أعلم بما ينزل جملة ~~معترضة مفتر ط لا يعلمون ه للمسلمين ه بشر ط مبين ه بآيات الله لا لأن ما ~~بعده خبر «إن» أليم ه بآيات الله ج لاختلاف الجملتين مع العطف الكاذبون ه ~~غضب من الله ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. عظيم ه على الآخرة لا للعطف ~~الكافرين ه وأبصارهم ط لاختلاف الجملتين الغافلون ه الخاسرون ه وصبروا لا ~~لأن «إن» الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبر هما واحد رحيم ه لا ~~يظلمون ه يصنعون ه ظالمون ه طيبا ص لعطف المتفقتين تعبدون ه لغير الله به ج ~~رحيم ه على الله الكذب ط لا يفلحون ط، ه قليل ص لعطف المتفقتين ولا سيما ~~إذا قدر لهم متاع أليم ه من قبل ج لابتداء النفي مع العطف يظلمون ه وأصلحوا ~~لا لما مر رحيم ه حنيفا ط من المشركين ه لا لأن شاكرا وصف آخر أو بدل من ~~حنيفا لأنعمه ط مستقيم ه حسنة ط الصالحين ط ه لأن «ثم» لترتيب الأخبار. ~~حنيفا ط ه المشركين ط ه اختلفوا فيه ط يختلفون ه أحسن ط بالمهتدين ه # PageV04P306 # عوقبتم به ط للصابرين ه يمكرون ه محسنون ه. ### | التفسير: # هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد صلى الله ms2856 عليه وسلم. قال ابن ~~عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: ~~إن محمدا يسخر من أصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا وإنه لا يقول ~~هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: وإذا بدلنا ومعنى التبديل رفع الشيء مع ~~وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها. ~~والله أعلم بما ينزل شيئا فشيئا على حسب المصالح مغلظا ثم مخففا أو بالعكس ~~بل أكثرهم لا يعلمون فوائد النسخ والتبديل. قال أبو مسلم: أراد تبديل آية ~~مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى ~~الكعبة. وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ. ونقل عن ~~الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه تعالى أخبر بتبديل مكان الآية. وضعف ~~بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة ~~إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة ~~البقرة. قل نزله أي القرآن روح القدس هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل ~~«حاتم الجود» . والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم من ربك صلة نزله ~~أي ابتداء تنزيله من عنده. وقوله: # بالحق حال أي متلبسا بالحكمة والصواب. ليثبت الذين آمنوا كقوله: وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا [الأنفال: 2] فيقول كل من الناسخ والمنسوخ ~~من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ~~ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به. وهدى وبشرى ~~معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول ~~أضداد هذه الخصال لغيرهم. ثم حكى شبهة أخرى عنهم. كانوا يقولون: إن محمدا ~~يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه. واختلف في ذلك البشر ~~فقيل كان غلاما لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش ~~وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل: ms2857 عبدان ~~جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه. # وقيل: هو سلمان الفارسي. ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفا لسان الذي ~~واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي يلحدون يميلون قولهم عن الاستقامة ~~إليه لسان أعجمي غير بين وهذا القرآن لسان عربي مبين ذو بيان وفصاحة وقد مر ~~في آخر «الأعراف» أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال ~~مذهبه عن الأديان # PageV04P307 # كلها. قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد ~~البيان والإفصاح، ومنه «عجم الزبيب» لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، ~~وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت ~~عجمته. ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجميا ~~وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا. وحاصل ~~الجواب هبوا أن محمدا يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في ~~المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضا معجز. ولما ذكر جوابهم وبخهم ~~وهددهم بقوله: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله يعني أن سبب ~~عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: ختم الله على قلوبهم [البقرة: 7] ~~. # وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى ~~النار. وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه. # ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على ~~تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي ~~قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: إنما يفتري الكذب وفيه أيضا رد ~~لقولهم إنما أنت مفتر [النحل: 101] . يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا ~~يؤمن لأنه لا يترقب عقابا على الافتراء وأولئك إشارة إلى قريش أو إلى الذين ~~لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم ms2858 الكاذبون على الحقيقة ~~الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم ~~الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في ~~قولهم: إنما أنت مفتر [النحل: 101] ومما يدل على كذبهم عقلا أنهم أعداء له ~~وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم. وأيضا إن أمر التعليم والتعلم ~~لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر ~~وانتشر. وأيضا إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون ~~أعلى حالا من المتعلم. فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي ~~صلى الله عليه وسلم موجودا في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون ~~النبي. قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: وأولئك هم ~~الكاذبون على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل ~~في الكفر تنبيها على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت ~~كاذب. زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد، ولا افتراء ~~أعظم من إنكار الإلهية والنبوة. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. وقرأ ~~هذه الآية. # ثم إنه سبحانه من كمال عنايته أراد أن يفرق # PageV04P308 # بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: من كفر ~~بالله اختلف العلماء في إعرابه فالأكثرون على أنه بدل إما من الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر. ~~واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا أي طاب منه نفسا واعتقده فعليهم غضب وإما من المبتدأ الذي هو ~~أولئك أو من الخبر الذي هو الكاذبون. وقيل: # منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر. وجوز بعضهم أن تكون «من» شرطية ~~والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من ~~أكره ولكن ms2859 من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب. وإنما صح استثناء المكره من ~~الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر ~~طوعا فلهذه المشاكلة صح الاستثناء. # قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرا ~~وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم. فأما سمية فإنها ربطت بين ~~بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل ~~زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا ~~بلسانه مكرها فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عمارا كفر فقال: كلا ~~إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى ~~عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يمسح عينيه وقال صلى الله عليه وسلم: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. # فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوز التلفظ بكلمة الكفر. وحد الإكراه ~~أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر ~~الإيلامات القوية. وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئا عن ~~الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمدا كذاب ~~يعني عند الكفار. أو يعني به محمدا آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى ~~الإنكار. وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال ~~عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع. ولو ضيق المكره عليه حتى ~~صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره ~~بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب. فمن الناس من قال: ~~يباح له الكذب حينئذ. ومنهم من قال: ليس له ذلك. # واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا فوجب أن يقبح على كل حال. ~~ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله ms2860 الكذب ~~لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده. وللإكراه مراتب منها: أن يجب الفعل ~~المكره عليه كما لو # PageV04P309 # أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار ~~بالغير ولا إهانة لحق الله. ومنها أن يصير الفعل مباحا لا واجبا كما لو ~~أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالا صبر على العذاب وكان يقول: ~~أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بئسما فعلت ~~بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازا للإسلام. ~~ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع ~~عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. وحينئذ لو قتل ~~فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد ~~قوليه لأنه قتل دفعا عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك ~~وجب القصاص على المكره وثانيهما- وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه- أن ~~عليه القصاص لأنه قتله عدوانا لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنسانا ~~فأكله. ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب ~~الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه ~~وقع بالاختيار لا بالإكراه. والأصح أن الإكراه فيه متصور، وأن الحد يسقط ~~حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض ~~الرعية وجب. # قال بعض الأصوليين: في قوله: وقلبه مطمئن بالإيمان دلالة على أن محل ~~الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس ~~إن كان تصديقا. وانتصاب صدرا على التمييز وأصله. ولكن من شرح بالكفر صدره. ~~فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير. قوله: ذلك ~~بأنهم أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا الدنيا على الآخرة ولأجل أنه تعالى ~~ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر. وقال جار الله: ذلك الوعيد ~~والغضب والعذاب ms2861 بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم. وهذا البحث وكذا بحث ~~الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة ~~البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة. # وأولئك هم الغافلون أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب لا ~~جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون وقال في أوائل سورة هود هم الأخسرون ~~[الآية: 22] لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ~~ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون. ويمكن أن ~~يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل ~~«يبصرون» «يفترون» . وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل «الكافرين» ~~«الكاذبون» فجاء في كل سورة على ما يناسبها. ولما # PageV04P310 # ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن. قال جار الله: معنى ثم ~~إن ربك تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه. ومعنى إن ربك لهم أنه لهم لا ~~عليهم فينصرهم ولا يخذلهم. ويحتمل أن يكون الجار متعلقا بالخبر على نية ~~التأخير. وتكرير «إن» لطول الكلام. # من قرأ من بعد ما فتنوا بفتح الفاء مبنيا للفاعل فوجهه أن فتن وافتتن ~~بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية ~~فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد ~~أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن ~~الله يقبل توبتهم، ومعنى «ثم» على هذا التفسير ظاهر. ومن قرأ بضم الفاء ~~مبنيا للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين ~~على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم ~~تكلمهم بكلمة الكفر. وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا ~~بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت ~~الآية فيهم. # فمعنى «ثم» تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر ~~الرسول إلا أنه سبحانه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا. وقيل: نزلت في ms2862 عبد الله ~~بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ~~فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن ~~إسلامه. وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية، ومثله ما روي عن ~~قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب ~~بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم ~~المشركون فردوهم فنزلت: الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون [العنكبوت: 2] فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن ~~لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم ~~المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية. # والضمير في قوله: من بعدها يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد ~~والصبر. # فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما ~~نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين تعالى أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال ~~من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده ~~الله المغفرة والرحمة. قال الزجاج يوم تأتي منصوب بقوله: رحيم أو بإضمار ~~«اذكر» أو «ذكرهم وأنذرهم» ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: عن نفسها ~~إشكالا من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس. وأجيب بأن المراد بالنفس ~~الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات # PageV04P311 # فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره. ومعنى ~~المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم هؤلاء أضلونا [الأعراف: 38] ما كنا ~~مشركين [الأنعام: 23] ونحو ذلك. عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل صلى ~~الله عليه وسلم يفعل ذلك. # ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضا فقال: وضرب الله مثلا قرية يحتمل أن ~~تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو ms2863 غيرها. وذهب كثير من المفسرين ~~إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله ~~مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها. قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن ~~والصحة والكفاية. فوصف الله تعالى تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة ~~إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ~~ولم يحوجوا إلى الانتقال طلبا للصحة. ثم قال: يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه. قال في الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ~~ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. قلت: لعله حمله ~~على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف. وكذا أطلق الأكثرون أن ~~جمع «فعلة» يجيء على «أفعل» . قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيها بالأدنى على ~~الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم ~~الكثيرة العظيمة. وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم ~~أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة- وهو محمد صلى الله عليه وسلم- فكفروا بها ~~وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء. عذبهم بالجوع سبع سنين حتى ~~أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث ~~إليهم السرايا فيغيرون عليهم. نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي ~~الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ما كان نبيا أما كان عربيا؟! كأنه طعن في الآية ~~أن المناسب هو أن لو قيل: «فكساها الله لباس الجوع» أو «فأذاقها الله طعم ~~الجوع» فرد عليه ابن الأعرابي. والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد ~~الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع ~~والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائما ~~للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى ~~عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره. فكانت ~~الاستعارة مجردة. ولو قال: # «فكساها» ms2864 كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة ~~من مقدمات الكتاب. وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا ~~أن للتجريد # PageV04P312 # ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا. وقيل: إن ~~أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرف والاختبار فتقول: أناظر ~~فلانا فأذوق ما عنده: # ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها # فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور ~~وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال. ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس ~~الجوع. # وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف ~~بما كانوا يصنعون. قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم من ~~التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة. قال الفراء: كل الصفات أجريت على ~~القرية إلا قوله: يصنعون تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها. # ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: ولقد جاءهم يعني أهل مكة رسول منهم من ~~أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه فكذبوه فأخذهم العذاب وهم متلبسون بالظلم. قال ~~ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة. وقيل: القتل يوم بدر. وقيل: ~~إن قول ابن عباس أولى. والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر. ~~فكلوا مما رزقكم الله من الغنائم. فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك ~~وصله بالفاء. وقال الكلبي: # إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهدوا وقالوا: ~~عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: ~~فكلوا. ورجح قول ابن عباس بأنه تعالى قال بعد ذلك: إنما حرم عليكم الميتة ~~فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب- وهو الغنيمة- ~~واتركوا الخبائث- وهو الميتة والدم- أو أنه سبحانه أعاد تحريم هذه الأشياء ~~في «البقرة» وفي «المائدة» و «الأنعام» وفي هذه السورة قطعا للأعذار وإزالة ~~للشبهة. ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة ms2865 ~~والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب قال الكسائي والزجاج «ما» مصدرية وانتصاب الكذب ب لا تقولوا ~~أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. وقوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من ~~الكذب ولك أن تنصب الكذب ب تصف وتجعل «ما» مصدرية أيضا أي ولا تقولوا هذا ~~حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول ~~تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل. ويجوز أن تكون «ما» موصولة أي ولا ~~تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا # PageV04P313 # حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوما. وقوله: تصف ألسنتكم الكذب من ~~فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره ~~قولهم: # «وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر» . واللام في قوله: لتفتروا لام ~~العاقبة لا الغرض. والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: لما ~~تصف ألسنتكم الكذب لم يكن فيه هذا البيان. # ثم أوعد المفترين بقوله: إن الذين يفترون الآية. وقوله: متاع قال الزجاج: # أي متاعهم. وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل. والمعنى أن ~~منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم ~~عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم. ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: ~~وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يعني في سورة الأنعام عند ~~قوله: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] ثم قال: وما ~~ظلمناهم كقوله هناك: ذلك جزيناهم ببغيهم [الأنعام: 146] . ثم بين أن ~~الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة ~~والرحمة. وقوله: بجهالة في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين ~~بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم. إن ربك ~~من بعدها من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة. ولما بالغ في إبطال ~~مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم رئيس الموحدين وقدوة أكابر ms2866 النبيين ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ~~قائلا: إن إبراهيم كان أمة أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات ~~الخير: # ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # وعن مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه ~~الله أمة وحده. # وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل ~~الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده. وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ~~ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: إني جاعلك للناس إماما ~~[البقرة: 124] . وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته ~~الامتياز عمن سواهم قانتا لله قائما بما يأمره الله. # وعن ابن عباس: مطيعا لله حنيفا مائلا إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول عنه. ~~وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى. ولم يك من ~~المشركين قط لا في الصغر ولا في الكبر شاكرا لأنعمه وإن كانت قليلة فضلا عن ~~النعم الكثيرة. # PageV04P314 # يروى أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخلا غداءه فإذا ~~هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم ~~جذاما فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله على أنه عافاني وابتلاكم اجتباه ~~اختصه واصطفاه للنبوة وهداه إلى صراط مستقيم إلى ملة الإسلام وآتيناه في ~~الدنيا حسنة عن قتادة: هي أن الله تعالى حببه إلى أهل الأديان كلها. وقيل: ~~الأموال والأولاد. وقيل: قول المصلي منا # «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» # وإنه في الآخرة لمن الصالحين في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقا لدعائه ~~وألحقني بالصالحين [يوسف: 101] . # قال في الكشاف: معنى «ثم» في قوله: ثم أوحينا إليك تبعيد هذا النعت من ~~بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي ~~خليل الله اتباع نبينا ملته ms2867 في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار ~~يوم الجمعة للفراغ وترك العمل. # قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم ~~كان اختار الجمعة؟ فأجاب الله سبحانه بقوله: إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا فيه فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة. روى الكلبي عن أبي ~~صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام ~~يوما واحدا فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله ~~فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل عليهم السبت وشدد عليهم. ثم جاءهم عيسى ~~بالجمعة أيضا فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا ~~الأحد. # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب يوم الجمعة ~~على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غدا ~~والنصارى بعد غد» «1» . # وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها. # والمعنى إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه واختلافهم ~~فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا ~~في تحريمه على كلمة واحدة. وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين ~~يوم السبت للفراغة. ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ~~ثم وقع الاختلاف. # سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق ~~عليه أهل الملل أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام أولها الأحد فجعله عيدا ~~معقول. واليهود قالت: PageV04P315 # إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا. ~~فما وجه جعل الجمعة عيدا؟ والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام ~~والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيدا أولى. ثم أوعد اليهود بقوله: ~~وإن ربك ليحكم إلخ. ولما أمر محمدا باتباع إبراهيم صلى الله عليه وسلم بين ~~وجه المتابعة فقال: ادع إلى سبيل ربك الآية. وفيه أن طريقة إبراهيم صلى ~~الله ms2868 عليه وسلم في الدعوة كانت هكذا. وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة ~~لا بد أن يكون قوله مبنيا على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من ~~شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا ~~لم يكن ملتفتا إليها في العلوم. وقد يكون الجدال والخصام غالبا على المدعو ~~فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند ~~الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم. # فقوله: بالحكمة إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، ~~والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى ~~درجة الكمال. وقوله: # والموعظة الحسنة إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق ~~بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة ~~الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات ~~الجدال وهم عامة الخلق. وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد ~~يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا ~~السبب عطف على الدعوة قوله: وجادلهم بالتي أي بالطريقة بالتي هي أحسن فكان ~~طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصودا بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون ~~الخصم مشاغبا. وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا، فإن ~~كان مبطلا وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسنا ويسمى دليله مغالطة. هكذا ~~ينبغي أن يتصور تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير ~~مضبوط. وجوز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة ~~وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا ~~تعنيف. # ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي ~~وإنما ذلك إلى الله تعالى فقال: إن ربك هو أعلم الآية. أي هو العالم بضلال ~~النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سببا لسعادتها أو واسطة ~~لشقائها. ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوين بالرجوع عن الدين المألوف، ~~والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر ms2869 الداعي ~~وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلا وإن عاقبتم أي إن رغبتم ~~في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا # PageV04P316 # تزيدوا عليه. والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة # قالوا: إن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا ~~مذاكيرهم، ما تركوا أحدا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب. فوقف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد مثل به. وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما ~~والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت # فكفر عن يمينه وكف عما أراده. قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبي بن كعب. ~~ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية. ولا خلاف في تحريم المثلة، # وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور. # وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا ~~بالقتال فهو كقوله: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم [البقرة: 190] ~~أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا. وقال ~~مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم. ~~وفي قوله: # إن عاقبتم رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت ~~تأكل الفاكهة فكل التفاح. ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلا. ولئن ~~صبرتم لهو خير أي صبركم خير لكم. فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله ~~عليهم أو وصفا لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير للصابرين من ~~جنسهم. ثم صرح كل التصريح فقال: واصبر ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على ~~النفس فقال: وما صبرك إلا بالله أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا ~~سبب كلي مفيد للصبر. وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: ولا تحزن عليهم ~~ولا تك وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب ~~وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع. وأشار إليه بقوله: ولا تحزن عليهم قيل: أي ~~على قتلى أحد. وقيل: ms2870 على الكافرين كقوله: فلا تأس على القوم الكافرين ~~[المائدة: 68] وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: ولا ~~تك في ضيق من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه ~~أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه. # وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع ~~الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضا أو على أنه مخفف ضيق ~~فمعناه في أمر ضيق. وإنما لم يقل «ولا تكن» بالنون كما في آخر النمل موافقة ~~لما قبله ولم يك من المشركين ولأن الحزن هاهنا أكثر بناء على أنها وردت في ~~قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن. # ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: إن الله مع ~~الذين اتقوا المعاصي كلها والذين هم محسنون في الطاعات بأن يعبدوا الله ~~مخلصين عن # PageV04P317 # شوائب الرياء. وقيل: إن الله مع الذين اتقوا استيفاء الزيادة والذين هم ~~محسنون في ترك أصل الانتقام. فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من ~~المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ~~يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة. وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر ~~الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض ~~المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق. واحتضر هرم بن حبان فقيل ~~له: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة ~~النحل. ### | التأويل: # وإذا بدلنا آية إنه تعالى يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت ~~بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: والله أعلم بما ينزل ~~وبشرى للمسلمين الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة. ~~إنما يعلمه بشر ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل ~~لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها ~~وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، ms2871 وأن القلوب بيد الله ~~يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم ~~صلى الله عليه وسلم: وإذا مرضت فهو يشفين [الشعراء: 80] اللهم إلا إذا علم ~~بتعليم الله كقوله: وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113] ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر يلحدون إليه أعجمي هو ~~الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: فإنما ~~يسرناه بلسانك [مريم: 97] . إنما يفتري الكذب لأن الافتراء من شأن النفس ~~الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله. وأولئك هم الكاذبون أي هم الذين ~~استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ~~ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص ~~الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى ~~يكتب عند الله كذابا» «1» . # من كفر بالله من بعد إيمانه إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات ~~الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب ~~البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض PageV04P318 # النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فلما ~~أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة ~~قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشئوم إلى طبعه إلا من أكره ~~على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها ~~في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم استحبوا اختاروا محبة ~~الدنيا وشهواتها على محبة الله وأن الله لا يهدي إلى حضرته القوم الكافرين ~~بنعمته وأولئك هم الغافلون عما أعد الله لعباده الصالحين. هم الخاسرون لأن ~~الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ثم إن ربك للذين ~~هاجروا نفوسهم وهواهم من بعد ما فتنوا بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ثم ~~جاهدوا النفوس بسيوف الرياضات وصبروا على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل ~~إرادة الشيخ يوم ms2872 تأتي أرباب النفوس تجادل عن نفسها على قدر بقاء وجودها ~~دفعا لمضارها وجذبا لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فإنه فان بالكلية عن نفسه باق ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي ~~لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله ~~له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب «سلام عليك أيها النبي» ففني عن وجوده ~~بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ~~ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين. يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود قرية هي ~~قرية شخص الإنسان كانت آمنة أي آهلة وهو الروح الإنساني مطمئنة بذكر الله ~~يأتيها رزقها من المواهب من كل مكان روحاني وجسماني فكفرت النفس الأمارة ~~فأذاقها الله لباس الجوع وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا ~~وميتة المستلذات والخوف وهو خوف الانقطاع عن الله ولقد جاءهم رسول الوارد ~~الرباني فما تخلقوا بأخلاقه وكلوا مما رزقكم الله من أنوار الشريعة وأسرار ~~الطريقة هذا حلال وهذا حرام على عادة أهل الإباحة وعلى الذين هادوا أي ~~تابوا حرمنا من موانع الوصول ما قصصنا عليك في بدو نبوتك حتى كنت محترزا عن ~~صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعا أو أسبوعين. وما ظلمناهم بتحريم ذلك ~~عليهم بل أنعمنا به عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالإعراض عنا بعد ~~الإقبال علينا ولم يك من المشركين ممن له شركة مع الله في الوجود اتبع ملة ~~إبراهيم في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشيا إني ~~ذاهب إلى ربي [الصافات: 99] وأسري بمحمد راكبا سبحان الذي أسرى بعبده ~~[الإسراء: 1] # PageV04P319 # فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة # «الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام» . # وإن عاقبتم النفس الأمارة فعاقبوا أي بالغوا في عقابها بالفطام عن ~~مألوفاتها بمثل ما عوقبتم به من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب. ولئن ms2873 ~~صبرتم على معاقبتهم لهو خير لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوك ~~نفسك التي بين جنبيك. واصبر على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. وما صبرك إلا ~~بالله لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن ~~يتجلى بتلك الصفة له. ولا تحزن على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها ~~صلاح حالهم ومآلهم. ولا تك في ضيق مما يمكرون # فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم. # تم الجزء الرابع عشر، ويليه الجزء الخامس عشر أوله تفسير سورة الإسراء # PageV04P320 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس عشر من أجزاء القرآن ### | (سورة بني إسرائيل # مكية إلا قوله وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله وقل جاء الحق حروفها 6460 ~~كلمها 1563 آياتها 111) ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 1 الى 21] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي ~~باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) وآتينا موسى الكتاب ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع ~~نوح إنه كان عبدا شكورا (3) وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) # فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال ~~الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ~~فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم ~~للكافرين حصيرا (8) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الإنسان ~~بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11) وجعلنا الليل والنهار آيتين ~~فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا ~~عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12) وكل إنسان ألزمناه ms2874 طائره في ~~عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا (14) # من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15) وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من ~~القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) من كان يريد ~~العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا (19) # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21) # PageV04P321 ### | القراآت: # يتخذوا بياء الغيبة: أبو عمرو وعباس مخيرا. الباقون بتاء الخطاب أسأتم ~~بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف. # ليسوء بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد ولنسوء ~~بالنون: # علي. الباقون ليسوؤا على الجمع ويبشر مخففا: حمزة وعلي. ويخرج بالياء ~~مجهولا: يزيد ويخرج لازما: يعقوب الآخرون بالنون متعديا تلقاه مشددا: ابن ~~عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة. الباقون مخففة، وقرأ حمزة ~~وعلي وخلف بالإمالة اقرأ كتابك بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: ~~أمرنا من باب المفاعلة: يعقوب. ### | الوقوف: # آياتنا ط البصير ه وكيلا ط لمن قرأ تتخذوا بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ~~ذرية منادى نوح ط شكورا ه كبيرا ه الديار ط مفعولا ه نفيرا ه فلها ط لأن ما ~~بعد عائد إلى قوله فإذا جاء وعد أولاهما مع اعتراض العوارض تتبيرا ه يرحمكم ~~ه للابتداء بالشرط مع العطف عدنا ه حذرا من توهم العطف حصيرا ه كبيرا ه لا ~~للعطف أليما ه بالخير ط عجولا ه والحساب، ط تفصيلا ه عنقه ط منشورا ه كتابك ~~ط حسيبا ه ط للابتداء بعد بالشرط لنفسه ج للشرط مع العطف عليها ط أخرى ط ~~رسولا ms2875 ه تدميرا # ه نوح ط بصيرا ه جهنم ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف مدحورا ه ~~مشكورا ه عطاء ربك ط محظورا ه بعض ط تفضيلا. ### | التفسير: # لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفا مما خصه ~~به من المعجزات فقال: سبحان الذي وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في ~~قوله: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا [البقرة: 32] والمراد تنزيه الله من ~~كل ما لا يليق بجلاله وأسرى وسرى لغتان. # يروى أنه لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المراتب العلية في معراجه ~~أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرفك؟ فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية. ~~فأنزل فيه: سبحان الذي أسرى بعبده # وقوله: ليلا نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة ~~الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية، # PageV04P322 # أخبر أنه أسرى به في بعض الليل من المسجد الحرام # عن النبي صلى الله عليه وسلم: بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند ~~البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق. # وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن ~~عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون. قالوا: إنه أسرى به من ~~دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل ~~البعثة. إلى المسجد الأقصى هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد ~~المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد. الذي باركنا ~~حوله يريد بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى عليه ~~السلام، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقوله: ~~أسرى مع قوله: باركنا سلوك لطريقة الالتفات لنريه من آياتنا بيان لحكمة ~~الإسراء. # سؤال: أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات والأرض، وأرى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟ # الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله تعالى أشرف وأجل من ملكوت ~~السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: إنه ms2876 هو السميع لأقوال محمد ~~البصير بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك. # واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه. حكى محمد بن جرير ~~الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عرج بروحه. وحكى هذا القول عن عائشة أيضا. ~~وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية ~~البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات ~~يوجب انخراق الفلك. ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون ~~بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسرائه ~~ليلا على حين غفلة من الناس. ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه ~~باق من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي ~~مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلا عن جميع جوارحه ~~وأعضائه. # ومنها قوله سبحانه: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ~~[الإسراء: 60] وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج. وإنما كانت فتنة للناس لأن ~~كثيرا ممن آمن به حين سمعها # PageV04P323 # ارتد وكفر به. ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن ~~العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك ~~يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء. # أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~فوق الفلك الأعظم لم يكن إلا نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور ~~نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا ~~كان الأكثر واقعا فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد صلى ~~الله عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعا لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى ~~مكة في لحظة واحدة ممتنعا، ms2877 لأن الملائكة أيضا أجسام عند جمهور المسلمين، ~~وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله تعالى لسليمان الريح ~~غدوها شهر ورواحها شهر، وقد قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك [النمل: 40] . وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في ~~الشام. وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين ~~من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمر ممكن في ~~نفسه. أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصا بهذه ~~الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات. وعن الثاني أن انخراق الأفلاك ~~عند حكماء الإسلام جائز. وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث ~~شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة ~~وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور ~~الدنيا والآخرة. وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد. وعن ~~الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم ~~أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية. # وعن السادس أنه لا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله وأنه على كل ~~شيء قدير. # واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ~~ما فوق العرش إلا أنه ورد الحديث به. ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة ~~النجم أو بقوله لتركبن طبقا عن طبق [الإنشقاق: 19] وتفسير هما مذكور في ~~موضعه. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم نائما في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء ~~فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت ~~بهم. وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى ~~أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني. فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P324 # بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى ms2878 بيت المقدس ومنه عرج إلى ~~السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة ~~المنتهى. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفق ~~وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتد ناس ممن كان آمن به، وسعى رجال ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أتصدقه على ~~ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق. وكان فيهم من سافر إلى ~~الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له صلى الله عليه وسلم بيت المقدس فطفق ينظر ~~إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبرنا عن عيرنا ~~فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل ~~أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: # هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها ~~جمل أورق كما قال محمد صلى الله عليه وسلم، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا ~~إلا سحر مبين. # ولما حكى طرفا من إكرام محمد صلى الله عليه وسلم ذكر شيئا من إكرام موسى ~~فقال: وآتينا موسى الكتاب أي التوراة وجعلناه هدى لبني إسرائيل أخرجناهم ~~بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين ألا تتخذوا من قرأ على ~~الغيبة ف «أن» ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على ~~الخطاب ف «أن» مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، ~~وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا ربا تكلون إليه ~~أمركم يا ذرية من حملنا مع نوح قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح عليه السلام ~~لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية ~~أولئك. فقوله «يا ذرية» قائم مقام قوله: يا أيها الناس وعلى القراءة الأولى ~~انتصب ذرية على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ~~ليتخذوا أي لا تجعلوهم أربابا كقوله: ولا يأمركم ms2879 أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا [آل عمران: 80] من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزيز. ثم ~~علل النهي عن الإشراك بقوله: إنه كان عبدا شكورا أي أنتم ذرية من آمن به ~~وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ ~~الشريك له. # ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد ~~المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص. وجوز في الكشاف ~~أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد. # يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء ~~أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى ~~قال: # PageV04P325 # الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني، وإذا احتذى قال: الحمد لله الذي ~~حذاني ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه ~~في عافية ولو شاء حبسه، وكان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن ~~وجده محتاجا آثر به. # ثم ذكر أن كثيرا من بني إسرائيل ما اهتدوا بهدى التوراة فقال: وقضينا إلى ~~بني إسرائيل أوحينا إليهم وحيا مقضيا مقطوعا به في الكتاب الذي هو التوراة ~~وقول: لتفسدن جواب قسم محذوف، أو أجرى القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قيل: ~~وأقسمنا لتفسدن في الأرض أرض مصر مرتين ولتعلن لتعظمن وتستولن على الناس ~~علوا كبيرا تسلطا عظيما وبغيا شديدا فإذا جاء وعد عقاب أولاهما أولى ~~المرتين بعثنا أرسلنا وسلطنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد أصحاب نجدة ~~وشدة قتال فجاسوا ترددوا للمارة خلال الديار أوساطها وفرجها يعني ديار بيت ~~المقدس وكان وعد العقاب وعدا مفعولا لا بد من وقوعه ثم رددنا لكم الكرة ~~الدولة والغلبة عليهم على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد ~~والعلو: وجعلناكم أكثر نفيرا مما كنتم. والنفير من ينفر مع الرجل من قومه. ~~احتجت الأشاعرة بقوله سبحانه: قضينا بعثنا وكان وعدا مفعولا على صحة القضاء ~~والقدر وأن الفساد والنهب والقتل والأسر كلها بفعله. وأجابت المعتزلة بأن ms2880 ~~المراد أنه خلى بينهم وبين ما فعلوا ولم يمنعهم عن تخريب بيت المقدس وإحراق ~~التوراة وقتل حفاظها. وضعف بأن تفسير البعث بالتخلية وعدم المنع خلاف ~~الظاهر، على أن الدليل الكلي العقلي قد دل على وجوب انتهاء الكل إليه. # ولما حكى عنهم أنهم حين عصوا سلط عليهم أعداءهم مهد قاعدة كلية في ~~الإحسان والإساءة قائلا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها لم يقل ~~فعليها أو فإليها للتقابل، مع أن حروف الإضافة بعضها يقوم مقام البعض. قال ~~أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان ولم يذكر الإساءة إلا مرة ففيه دليل على أن ~~جانب الرحمة أغلب فإذا جاء وعد عقاب المرة الآخرة بعثناهم حذف جواب «إذا» ~~لدلالة ذكره أولا عليه. ومعنى ليسوؤا وجوهكم ليجعلها الله، أو الوعد، أو ~~البعث، أو ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها لأن آثار الأعراض ~~النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه وليتبروا ما علوا ليهلكوا ~~كل شيء غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون «ما» بمعنى المدة أي ما دام ~~سلطانهم جاريا على بني إسرائيل. وقوله: تتبيرا ذكر المصدر إزالة للشك ~~وتحقيقا للخبر. # ويروى أن بني إسرائيل تعظموا وتكبروا واستحلوا المحارم وقتلوا # PageV04P326 # الأنبياء وسفكوا الدماء وذلك أول الفسادين، فسلط الله عليهم بختنصر أو ~~سنجاريب وجنوده أو جالوت. # عن ابن عباس: قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وسبوا منهم سبعين ألفا وبقوا ~~في الذل إلى أن قيض الله ملكا آخر من أهل بابل وتزوج بامرأة من بني إسرائيل ~~وطلبت من ذلك الملك أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت ~~فيهم. # الأنبياء ورجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم أقدموا على قتل زكريا ويحيى ~~عليهما السلام وقصدوا قتل عيسى ابن مريم عليه السلام، وهذا ثاني الإفسادين ~~فانتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له قسطنطين الملك. وقال ~~صاحب الكشاف: المرة الأولى قتل زكريا وحبس أرميا، والآخرة قتل يحيى بن ~~زكريا وقصد قتل عيسى. واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض بمعرفة أعيان هؤلاء ~~الأقوام، والمقصود الأصلي الذي ms2881 دل عليه القرآن هو أنهم كلما عصوا وأفسدوا ~~سلط الله عليهم أعداءهم. وفيه تحذير للعقلاء من محالفة أوامر الله ونواهيه، ~~ثم قال: عسى ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد لتقامه منكم في المرة ~~الثانية وإن عدتم للثالثة عدنا لها. قال أهل السير: ثم إنهم قد عادوا إلى ~~فعل مالا ينبغي. وهو تكذيب محمد وكتمان ما ورد من نعته في التوراة ~~والإنجيل. فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير ~~وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والإجلاء، ثم الباقون منهم ~~مقهورون بالجزية لا حشمة لهم ولا عزة فيهم إلى يوم القيامة، وأما بعد ذلك ~~فهو قوله وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أي محبسا حاصرا ومحصورا لا يتخلصون ~~منه أبدا. وعن الحسن: بساطا كما يبسط الحصير المنسوج. # ثم لما شرح فعله في حق عباده المخلصين كمحمد صلى الله عليه وسلم وموسى ~~عليه السلام وفي حق عبيده العاصين كأكثر بني إسرائيل، وكان في ذلك تنبيه ~~على أن طاعة الله توجب كل خير وكرامة ومعصيته تقتضي كل شر وغرامة، عظم شأن ~~القرآن المبين للأحكام الهادي للأنام فقال: إن هذا القرآن يهدي للتي أي ~~للحالة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم وفي حذف الموصوف فخلفه بعرفها ~~أهل البلاغة لعموم الاعتبار وذهاب الوهم كل مذهب. قيل: هذا الشيء أقوم من ~~ذلك. إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة، ثم يكون للأول على ~~الآخر. وكيف يتصور في غير هذا الدين شيء من الاستقامة حتى يستقيم هذا ~~التفضيل؟ وأجيب بأن «أفعل» هاهنا بمعنى الفاعل كقولنا «الله أكبر» هو ~~الكبير. وكقولهم «الناقص والأشج أعدلا بني مروان» أي عادلا بني مروان. # ويمكن أن يقال: لا شيء من الأديان إلا وفيه نوع من الاستقامة كالاعتراف ~~بالله الواجب # PageV04P327 # بالذات، والالتزام لأصول الأخلاق ومكارم العادات وقوانين السياسات إلا أن ~~بعض الخلل أبطل الكل فالكل ينهدم بانهدام الجزء. ثم إن كون القرآن هاديا ~~إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح له نتيجة وأثر وذلك هو البشارة بالأجر ~~الكبير ms2882 لأهل الإيمان والعمل الصالح وبالعذاب الأليم لغيرهم، وأنت خبير بأن ~~لفظ البشارة بمعنى الإنذار يستعمل للتهكم إذ البشارة مطلق الخبر المغير ~~للبشرة فكأنه قيل: ويخبر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا. ويجوز أن ~~يبشر المؤمنين ببشارتين: إحداهما بثوابهم والأخرى بعذاب أعدائهم. قال في ~~الكشاف: كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة؟ وأجاب على أصول ~~الاعتزال بأن الناس كانوا حينئذ إما من أهل التقوى وإما من أهل الشرك، ~~وإنما حدث أصحاب المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك. قلت: هذا الجواب منه عجيب، ~~فإن هذا الصنف لو سلم أنه لم يكن موجودا في ذلك العصر إلا أن حكمه يجب أن ~~يذكر في القرآن الذي فيه أصول الأحكام، على أن ذكر الفساق من الأمة في ~~القرآن المكي والمدني موجودة قال تعالى: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~[لقمان: 32] يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [الزمر: 52] والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم [آل عمران: 135] . وإذا كان ذكرهم في القرآن ~~واردا وأنه تعالى يعدد هاهنا أوصاف القرآن على جهة المدح فأي مقام أدعى إلى ~~ذكر هذا الوصف من هاهنا. والجواب الحق أن الفسقة جعلوا بالعين أهل الإيمان ~~والله أعلم. قيل: هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون ~~الإيمان بالآخرة. والجواب المنع من الخصوص ولو سلم فإيمانهم بالآخرة كلا ~~إيمان، فبعضهم أنكروا المعاد الجسماني وبعضهم قالوا: لن تمسنا النار إلا ~~أياما. واعلم أنه سبحانه قال هاهنا: أجرا كبيرا وفي أول الكهف أجرا حسنا ~~[الآية: # 2] ، رعاية للفاصلة وإلا فالأجر الكبير والأجر الحسن كلاهما الجنة. # ولما بين أن القرآن كاف في الهداية ذكر أن الإنسان قد يعدل عن التمسك ~~بأحكامه فقال: ويدع الإنسان أي جنس الكافر. وقد ذكر جمع من المفسرين أنه ~~النضر بن الحرث دعا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك [الأنفال: 32] ، ~~الآية فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته صبرا. وكان بعضهم يقول: ائتنا بعذاب ~~الله، وآخرون متى هذا الوعد جهلا منهم واعتقادا أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كاذب. وقيل: ms2883 المراد أنه يدعو الله عند غضبه وضجره فيعلن نفسه وولده ~~وماله، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن ~~بالليل فقالت له: مالك تئن؟ فشكا ألم القد فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج ~~يده # PageV04P328 # وهرب. فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه فقال صلى ~~الله عليه وسلم: اللهم اقطع يديها فرفعت سودة يديه تتوقع الإجابة وأن يقطع ~~الله يديها قال النبي صلى الله عليه وسلم: # إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة لأني ~~بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها. # وكان الإنسان عجولا يستعجل بالعذاب مع أنه آتيه أو يتسرع إلى طلبه كل ما ~~يقع في قلبه ويخطر بباله معتقدا أن خيره فيه وإن كان ذلك عند التأمل مضرا ~~له. وقيل: أراد بهذا الإنسان آدم، وذلك أنه لما انتهى الروح إلى سرته نظر ~~إلى جسده فأعجبه ما رأى فذهب لينهض فلم يقدر. # وليس هذا القول بالحقيقة مغايرا للأول لأن أصل الآدمي إذا كان كذلك كان ~~كل فرد منه متصفا به لا محالة. قال أهل النظم: لما ذكر نعمة الدين وهو ~~القرآن أردفها بنعمة الدنيا فقال: وجعلنا الليل والنهار آيتين وفيه أن ~~القرآن لا يتم المقصود منه إلا بنوعية المحكم والمتشابه، فكذا الزمان لا ~~يكمل الانتفاع به إلا بجزئيه الليل والنهار. فالمحكم كالنهار في وضوحه، ~~والمتشابه بمنزلة الليل في خفائه. وبوجه آخر لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد ~~أكدها بدليل آخر من عجائب الزمان. وبوجه آخر لما وصف الإنسان بكونه عجولا ~~أي منتقلا من حالة إلى حالة ومن صفة إلى صفة بين أن كل أحوال هذا العالم ~~كذلك فينتقل الهواء من الإنارة إلى الظلام وبالعكس، وينتقل القمر من ~~النقصان إلى الامتلاء وبالضد. # فمحونا آية الليل هي من إضافة الشيء إلى نفسه للبيان كقولك «نفس الشيء أو ~~ذاته» أي فمحونا الآية التي هي الليل ms2884 أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسا ~~مظلما لا يستبان فيه شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو وجعلنا الآية. ~~التي هي النهار مبصرة ذات إبصار وذلك باعتبار من فيها أي تبصر فيها الأشياء ~~وتستبان، أو أريد بالإبصار الإضاءة لأنها سببه. وقيل: المضاف محذوف ~~والتقدير وجعلنا نيرى الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل التي هي القمر ~~حيث لم يخلق له شعاع كشعاع الشمس فترى به الأشياء رؤية غير بينة، وجعلنا ~~الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء لتبتغوا فضلا من ربكم لتتوصلوا ببياض ~~النهار أو بشعاع الشمس المستلزم للنهار إلى التصرف في وجوه معايشكم. # ولتعلموا باختلاف الجديدين أو بزيادة ضوء القمر ونقصانه عدد السنين ~~الشمسية أو القمرية المركبة من الشهور ولتعلموا جنس الحساب المبني على ~~الساعات والأيام والشهور والسنين والأدوار. وقيل: أراد بمحو القمر الكلف ~~الذي في وجهه. وسببه في الشرع ما # روي أن الشمس والقمر كانا سواء في النور والضوء فأرسل الله تعالى جبريل ~~فأمر جناحه على وجه القمر فأذهب عنه أثر الضياء. # وسببه عند الفلاسفة أنه ارتكز في وجه # PageV04P329 # القمر أجسام قليلة الضوء كارتكاز الكواكب في أجرام الأفلاك، ولما كانت ~~تلك الأجرام أقل ضوءا من جرم القمر لا جرم شوهدت تلك الأجرام في وجه القمر ~~كالكلف في وجه الإنسان. ونحن قد ذكرنا له وجها آخر في الهيئة، قال أهل ~~التجارب: إن اختلاف أحوال القمر في مقادير النور له أثر عظيم في أحوال هذا ~~العالم ومصالحه لا سيما في أحوال البحار والبحارين على ما يذكره الأطباء، ~~إلا أن الكلف ليس له مدخل في ابتغاء فضل الله وفي معرفة الحسابات تفصيلا. ~~نعم لو قيل: إن الكلف نقص من نور القمر حتى لم يقو على إزالة ظلام الليل ~~بالكلية فبقي في وقت السكون والراحة بحالة ووقت التردد في طلب المعاش ~~بحالة، وصار تعاقب الليل والنهار سببا لمعرفة الأيام وما يتركب منها كان ~~متجها. # ثم قال: وكل شيء مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم فصلناه تفصيلا بيناه ~~بيانا غير ملتبس حتى ms2885 انزاحت العلل وزالت الأعذار فلا يهلك من يهلك إلا عن ~~بينة فلذلك قال: وكل إنسان ألزمناه طائره أي عمله في عنقه وبوجه آخر لما ~~شرح أحوال الشمس والقمر والنهار والليل لابتغاء المعاش وللدعة والراحة ~~ولمعرفة المواقيت، وكان الغرض الأصلي من الكل هو الاشتغال بخدمة المعبود ~~وتهذيب الأفعال وإصلاح الأقوال، ذكر أن الإنسان مؤاخذ في عرصة القيامة ~~بأقواله وأفعاله وسائر أحواله ليظهر أنه هل أتى بما هو المقصود من خلقه أم ~~لا. قال أكثر أهل اللغة: إن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل من الأعمال ~~اعتبروا أحوال الطائر أنه يطير بنفسه أو يحتاج إلى إزعاجه، وإذا طار فهل ~~يطير متيامنا أو متياسرا أو صاعدا في الجو إلى غير ذلك من الأحوال التي ~~كانوا يعتبرونها ويستدلون بكل واحد منها على ما يسوقهم عملهم إليه من خير ~~أو شر، فإطلاق الطائر على العمل تسمية للنبي باسم لازمه. وقال أبو عبيدة: ~~الطائر عند العرب الحظ ويقال له البخت. فالطائر ما وقع للشخص في الأزل مما ~~هو نصيبه من العقل والعلم والعمر والرزق والسعادة والشقاوة كأنه طائر يطير ~~إليه من وكر الأزل وظلمات عالم الغيب طيرانا لا نهاية له ولا غاية إلا إن ~~انتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص وفي هذا دليل على ~~أنه لا يظهر في الأبد إلا ما حكم الله به في الأزل، والكفاية الأبدية لا ~~تتم إلا بالعناية الأزلية. وإنه سبحانه أكد هذا المعنى بإضافة الإلزام على ~~نفسه ثم بقوله: في عنقه. يقال: جعلت هذا الأمر في عنقك أي قلدتكه وألزمتك ~~الاحتفاظ به. # فإن كان خيرا يزينه كان كالطوق، وإن كان شرا يشينه كان كالغل. ومن أمثال ~~العرب «تقلدها طوق الحمامة» ونخرج له من قرأ بالنون فظاهر. وقوله: يلقاه ~~منشورا صفتان للكتاب أو يلقاه صفة منشورا حال من مفعول يلقاه. ومن قرأ ~~بالياء مجهولا # PageV04P330 # أو لازما فالضمير للطائر وكتابا حال منه، يقال: لقيت الشيء ولقانيه غيري. ~~عن الحسن: يا ابن آدم بسطت الصحيفة وطويت في قبرك ms2886 معك، ثم إذا بعثت قلدتها ~~في عنقك اقرأ كتابك على إضمار القول. قال قتادة: يقرأ في ذلك اليوم من لم ~~يكن قارئا وبنفسك فاعل كفى وحسيبا تمييز بمعنى حاسب وإنه كثير من فعل بالضم ~~كقريب وبعيد، ولكنه من فعل بالفتح غريب، منه ما قال سيبويه: ضريب القداح ~~بمعنى ضاربها، وصريم بمعنى صارم. «وعلى» متعلق بحسيب من قولك حسب عليه كذا، ~~ويجوز أن يكون الحسيب بمعنى الكافي ثم وضع. موضع الشهيد فعدي بعلى لأن ~~الشاهد يكفي المدعي ما أهمه. وذكر حسيبا بمعنى رجلا حسيبا لأنه بمنزلة ~~الشهيد، والغالب أن الشهادة يتولاها الرجال كالقضاء والإمارة والنفس مؤول ~~بالشخص، أو حمل «فعيل» بمعنى «فاعل» على «فعيل» بمعنى «مفعول» كقتيل، ويجوز ~~أن يكون الحسيب بمعنى المحاسب. قال الحسن: عدل الله في حقك من جعلك حسيب ~~نفسك. وقال السدي: يقول الكافر يومئذ إنك قضيت أنك لست بظلام للعبيد ~~فاجعلني أحاسب نفسي فيقال له: اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # وروي أن يؤتى المؤمن يوم القيامة صحيفته وحسناته في ظهرها يغبطه الناس ~~عليها وسيئاته في جوف صحيفته وهو يقرؤها، حتى إذا ظن أنها قد أوبقته قال ~~الله تعالى له: فقد غفرتها لك فيما بيني وبينك فيعظم سروره ويصير من الذين ~~قال الله في حقهم وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة [عبس: 38، 39] # قال الحكيم: التكرار يوجب تقرير الآثار، فكل عمل يصدر من الإنسان خيرا أو ~~شرا فإنه يحصل منه في جوهر روحه أثر مخصوص إلا أن ذلك الأثر يخفى ما دام ~~الروح متعلقا بالبدن مشتغلا بواردات الحواس والقوى، فإذا انقطعت علاقته عن ~~البدن قامت قيامته لأن النفس كأنها كانت ساكنة مستقرة في الجسد وعند ذلك ~~قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلوي، فيزول الغطاء وتنكشف الأحوال ~~ويظهر على لوح النفس نقش كل شيء عمله في مدة عمره، وهذا معنى الكتابة ~~والقراءة بحسب العقل، وإنه لا ينافي ما ورد في النقل. # ثم بين أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده مختص بفاعله لا يتعدى منه إلى ~~غيره فقال: من ms2887 اهتدى إلى قوله: وزر أخرى. قال الجبائي: فيها دلالة على أن ~~الأطفال لا يعذبون بكفر آبائهم، وأن الوزر والإثم ليس من فعل الله وإلا لم ~~يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره بل كان يجب أن لا وزر أصلا لأن ~~الصبي لا يوصف بالوزر لأنه غير مختار. وجواب الأشاعرة أن الوزر مختص بأفعال ~~المكلفين من الثقلين، وقدحت عائشة # PageV04P331 # بذلك في صحة ما # رواه ابن عمر «إن الميت ليعذب ببكاء أهله» «1» # واستدل به جماعة من الفقهاء في الامتناع من ضرب الدية على العاقلة. ويمكن ~~أن يجاب بأنه ما من عام إلا وقد خصص. أما قوله: وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا فقد استدل به الأشاعرة في أن وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل ~~بالسمع لأن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك ولا عقاب ~~قبل الشرع بحكم هذه الآية. أجاب الخصم بأنه لو لم يثبت الوجوب العقلي لم ~~يثبت الوجوب الشرعي لأن النبي إذا جاء وادعى المعجزة فهل يجب على المستمع ~~قبول قوله والتأمل في معجزته أو لا يجب، والثاني باطل بالاتفاق، وعلى الأول ~~إن وجب بالعقل فهو المدعي، وإن وجب بالشرع فذلك الشارع إن كان ذلك النبي ~~لزم إثبات الشيء؟؟؟؟، وإن كان غيره دار أو تسلسل. وبوجه آخر إذا أوجب النبي ~~بعض الأفعال وحرم بعضها فلا معنى لذلك إلا ترتب العقاب على الترك أو الفعل. ~~ثم إنه يجب على المكلف أن يحترز عن العقاب أو لا يجب لا سبيل إلى الثاني ~~بالاتفاق، وعلى الأول يلزم الوجوب العقلي وإلا لزم الدور أو التسلسل. ثم إن ~~مذهب أهل السنة جواز العفو عن عقاب الكبيرة فتكون ماهية الوجوب حاصلة مع ~~عدم العقاب، ولا ذم مع جواز العفو فلم يبق إلا أن ماهية الواجب إنما تتقرر ~~بسبب حصول الخوف من العقاب، ولا يكون هذا الخوف إلا بمحض العقل فثبت أن ~~الوجوب العقلي لا يمكن دفعه. فأما أن تجري الآية على ظاهرها يقال: العقل هو ~~رسول الله إلى الخلق، بل هو ms2888 الرسول الذي لولا لما تقررت رسالة أحد من الرسل ~~ومجيء الأنبياء كالتنبيه على النظر وكالإيقاظ من رقدة الغفلة والحجة وإن ~~كانت لازمة لهم قبل بعثة الرسل إلا أنها بعد البعثة ألزم. وإما أن يخصص ~~عموم الآية فيقال: المراد وما كنا معذبين في الأعمال التي لا سبيل إلى ~~معرفة وجوبها إلا بالشرع إلا بعد مجيء الشرع. ومما ارتضاه الإمام فخر الدين ~~الرازي أن مجرد العقل سبب في أنه يجب عليها فعل ما ينتفع به وترك ما يستضر ~~به، أما مجرد العقل فلا يدل على أنه يجب على الله شيء وذلك أنا مجبولين على ~~طلب النفع والاحتراز عن الضرر، والله تعالى منزه عن ذلك. ولقائل أن يقول: ~~إنه سبحانه منزه عن الانتفاع والاستضرار إلا أنه حكيم جواد فلم لا يقبح من ~~الحكيم الجواد ترك ما ينتفع به غيره وفعل ما يستضر به، وإذا قبح منه ذلك ~~حسن منه ضده، والحكيم لا يترك الأحسن. فصدور ذلك الأحسن منه البتة هو ~~PageV04P332 # الذي لك أن تسميه وجوبا كما وصف به نفسه في قوله: كان على ربك حتما مقضيا ~~[مريم: # 71] ولكم من آية في القرآن دالة على أن الفعل قد يصدر منه صدورا لا يحتمل ~~النقيض من ذلك قوله: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها. # وللمفسرين في معنى أمرنا # قولان: الأول أن المراد به الأمر الذي هو نقيض النهي وعلى هذا اختلفوا في ~~المأمور به، فالأكثرون على أن الطاعة والخير. وقال في الكشاف: معناه وإذا ~~دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل أمرناهم بالفسق ~~ففسقوا. ولما كان من أصول الاعتزال أنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ذكر أن ~~الأمر بالفسق هاهنا مجاز، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى ~~المعاصي واتباع الشهوات، فكان إيتاء النعمة سببا لإيثارهم الفسوق على ~~الائتمار فكأنهم مأمورون بذلك. ثم إنه جعل تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا عن ~~قبيل التكاليف بعلم الغيب، ولم يجوز أن تكون من قبيل «أمرته فعصاني» فإنه ~~يفهم منه أن المأمور به طاعته ms2889 ولكنه حكم بأنه مثل أمرته فقام أو أمرته فقرأ ~~فإنه لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة. ولقائل أن يقول: كما أن ~~قوله «أمرته فعصاني» يدل على أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن ~~المعصية منافية للأمر ومناقضة له فكذلك قوله: «أمرته ففسق» يدل على أن ~~المأمور به شيء غير الفسق لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد المأمور به، ~~فكونه فسقا ينافي كونه مأمورا به كما أن كونها معصية ينافي كونها مامورا ~~بها، وهذا ظاهر فلا أدري لم أصر جار الله على قوله مع ضعفه ومخالفته أصله. ~~القول الثاني إن معنى: أمرنا مترفيها # أكثرنا فساقها. قال الواحدي: تقول العرب: أمر القوم. إذا كثروا، وأمرهم ~~الله إذا كثرهم، وآمرهم أيضا بالمد واحتج أبو عبيدة على صحة هذه اللغة # بقوله صلى الله عليه وسلم: «خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» «1» # فالسكة النخيل المصطفة، والمهرة المأمورة كثيرة النتاج. وقد حمل بعضهم ~~الحديث على الأمر ضد النهي أي قال الله لها: كوني كثيرة النسل فكانت، # وروي أن رجلا من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أرى ~~أمرك هذا حقيرا. فقال صلى الله عليه وسلم: إنه سيأمر أي سيكثر وسيكبر. # والمترف في اللغة المنعم الذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش: ففسقوا فيها # خرجوا عما أمرهم الله فحق عليها القول # استوجبت العذاب فدمرناها تدميرا # أهلكناها على سبيل الاستئصال. قال الأشاعرة: ظاهرة الآية يدل على أنه ~~تعالى أراد إهلاكهم ابتداء، ثم توسل PageV04P333 # إلى إهلاكهم بهذا الطريق ويؤيده قوله: فحق عليها القول # أي بالكفر ثم التعذيب. وقال الكعبي: إن سائر الآيات دلت على أنه تعالى لا ~~يبتدىء بالتعذيب كقوله: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~[الرعد: 11] وقوله: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم فتلك الآيات ~~محكمة وهذه المتشابهات فيجب حمل هذه على تلك. # قال في التفسير الكبير: أحسن الناس كلاما في تأويل هذه الآية القفال فإنه ~~ذكر وجهين: الأول أخبر الله أنه لا يعذب أحدا ms2890 بما علمه منه ما لم يعمل به ~~أي لا يجعل علمه حجة على من علم أنه إن أمره عصاه بل يأمره حتى يظهر عصيانه ~~للناس فحينئذ يعاقبه. # ومعنى الآية وإذا أردنا إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم. الثاني أن ~~نقول: وإذا أردنا إهلاك قوم بسبب ظهور العصيان منهم لم نعالجهم بالعذاب في ~~أول ظهور المعصية منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. وخص ~~المترفين بذلك لأن نعمة الله عليهم أكثر فكان الشكر عليهم أوجب، فإذا لم ~~يرجعوا وأصروا صب عليهم البلاء صبا. وزعم الجبائي أن المراد بالإرادة الدنو ~~والمشارفة كقولك إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة، وإذا أراد التاجر ~~أن يفتقر أتاه الخسران من كل جهة. ليس المعنى أن المريض يريد أن يموت ~~والتاجر يريد أن يفتقر، وإنما عنيت أنه سيصير إلى ذلك، فمعنى الآية وإذا ~~قرب وقت إهلاك قرية. وقد نقلنا مثله عن صاحب الكشاف، ولا يخفى أنه عدول عن ~~الظاهر. # ثم ذكر عادته الجارية مع القرون الخالية فقال: وكم أهلكنا ف كم مفعول ~~أهلكنا ومن القرون بيان لكم وتمييز له أراد بهم عادا وثمود ونحوهما. ثم ~~خاطب رسوله بما هو ردع للناس كافة قائلا وكفى بربك الآية. قال الفراء: إنما ~~يجوز إدخال الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه أو يذم كقولك «كفاك به» ~~«وأكرم به رجلا» «وطاب بطعامك طعاما» ولا يقال: قام بأخيك وأنت تريد قام ~~أخوك. وفي الآية بشارة عظيمة لأهل الطاعة وإنذار شديد لغيرهم لأن العلم ~~التام مع القدرة الكاملة والحكمة الشاملة يقتضي إيصال الجزاء إلى كل أحد ~~بقدر استحقاقه. ثم أكد المعاني المذكورة من قوله: وكل إنسان ألزمناه طائره ~~ومن قوله: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه بقوله: من كان يريد العاجلة أي ~~المنفعة أو الدار العاجلة عجلنا له فيها ثم قيد المعجل بقيدين: أحدهما ~~قوله: ما نشاء ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا ~~بعضا منه. # وثانيهما قوله: لمن نريد وهو بدل من له بدل ms2891 البعض من الكل لأن الضمير ~~يرجع إلى «من» وهو للعموم، ولهذا ترى كثيرا منهم يتمنون البعض اليسير من ~~الدنيا ولا يؤتون فيجتمع عليهم فقر الدنيا وحرمان الآخرة بل عذابها لقوله: ~~ثم جعلنا له جهنم يصلاها # PageV04P334 # مذموما مدحورا # مطرودا من رحمة الله. ومن أراد الآخرة بأن يعقد بها همته ويتجافى عن دار ~~الغرور وسعى لها سعيها أي حق السعي لأجلها وذلك أن يكون العمل الذي يتوسل ~~به إلى الفوز بثواب الآخرة من جملة القرب والطاعات وعلى قوانين الشرع ~~والعقل لا البدعة والهوى وهو مؤمن لأن شيئا من صور الأعمال الصالحة لا يوجب ~~الثواب إلا بعد تقديم الإيمان فأولئك كان سعيهم مشكورا قال العلماء: الشكر ~~عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسنا في تلك الأعمال، والثناء ~~عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظما عند ذلك الشاكر. والله ~~سبحانه تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة لأنه يعلم كونهم محسنين ~~في تلك الأعمال وأنه يثنى عليهم بكلامه ويعاملهم المعاملات الدالة على ~~كونهم معظمين عند الله. # وفي قوله: من كان يريد العاجلة دون أن يقول: «من أراد العاجلة» كما قال: # ومن أراد الآخرة إشارة إلى أن مريد نفع الدنيا لا يكون مذموما إلا إذا ~~كان غالبا في ذلك ثابت القدم فسيح الأمل، ومريد الآخرة يكون محمودا بأدنى ~~التفاتة بعد وجود الشرط. قالت الأشاعرة: إن مجموع القدرة مع الداعي هو ~~الموجب للفعل ونحن نشكر الله على الإيمان لأنه أعطى القدرة والداعية، ولكنه ~~حين حصل الإيمان للعبد واستتبع السعادات الباقية صار العبد أيضا مشكورا، ~~ولا منافاة بين الأمرين. وقالت المعتزلة: نحن لا نشكر الله على الإيمان لأن ~~المدح على عمل لم يعمله الممدوح قبيح. قال تعالى: # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ولكنا نشكره على ما أعطانا من القدرة ~~والعقل وإنزال الكتب وإيضاح الدلائل. واعلم أنه تعالى ذكر صنفين من الناس: ~~قاصد خيرات الدنيا وقاصد خيرات الآخرة. وهاهنا ثلاثة أقسام أخر: الأول أن ~~يكون طلب الآخرة في عمله راجحا فقيل إنه غير مقبول أيضا لما ms2892 # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حكاية عن رب العزة: «أنا أغنى ~~الأغنياء عن الشكر من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه» # وقيل: يعارض المثل بالمثل ويبقى القدر الزائد داعية خالصة لطلب الآخرة ~~فيقع في حيز القبول. الثاني أن يكون طلب الدنيا وطلب الآخرة متعادلين. ~~الثالث أن يكون طلب الدنيا راجحا. واتفقوا على أن هذين القسمين أيضا لا ~~يقبلان إلا أنهما على كل حال خير من الرياء المحض. ثم بين كمال رأفته وشمول ~~رحمته فقال: كلا أي كل واحد من الفريقين نمد أي نزيدهم من عطائنا على تلاحق ~~من غير انقطاع بالمعصية. وقوله: هؤلاء وهؤلاء بدل من كل ومن عطاء ربك متعلق ~~ب نمد وما كان عطاء ربك محظورا ممنوعا من المكلف بسبب عصيانه انظر يا محمد ~~أو يا من له أهلية النظر والاعتبار إلى عطائنا المباح # PageV04P335 # للفريقين في الدنيا كيف فضلنا بعضهم على بعض فأوصلناه إلى مؤمن وقبضناه ~~عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر وقبضناه عن كافر آخر ليكون بعضهم تحت تسخير ~~بعض. # وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا لأن نسبة التفاضل في درجات الآخرة إلى ~~التفاضل في درجات الدنيا كنسبة الآخرة إلى الدنيا. وقيل: المراد أن ~~المؤمنين يدخلون الجنة والكافرين يدخلون النار فيظهر فضل المؤمنين على ~~الكافرين. وعن بعضهم: أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب ~~في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل؟!. ### | التأويل: # نزه نفسه بقوله: سبحان عن الاتحاد الكلي، ولكن أخبر عن مقام وصول حبيبه. ~~فقوله: أسرى إشارة إلى الجذبة الخفية عن الأغيار، وقوله بعبده إشارة إلى ~~مقام تصحيح نسبة العبدية التي هي آخر مقامات السالكين، وقوله: ليلا رمز إلى ~~أن ذلك الجذب كاد يكون خفيا عن المجذوب إذا كان ذاهلا عن أنانيته. وقوله: ~~من المسجد الحرام هو مقام يحرم فيه الالتفات إلى ما سوى الله. إلى المسجد ~~الأقصى هو مقام الفناء في الله الذي باركنا حوله بالبقاء بالله لنريه من ~~آياتنا التي لم تسمع أذن ولا أبصرت عين إنه ms2893 هو السميع البصير فلا يصل أحد ~~إليه إلا إذا سمع به وأبصر به. هذا ما خطر ببال هذا الضعيف في تأويل هذه ~~الآية فإن كان صوابا فمن فضل الله وعطائه، وإلا فمني ومن الشيطان فجاسوا ~~خلال الديار الجسدانية بالقتل وفك التركيب وخلال الديار المعنوية حين ~~استولت الصفات الذميمة على الخصال الحميدة لتخريب بيت مقدس القلب ثم رددنا ~~لكم الكرة عليهم باستيلاء داود القلب وقتل جالوت النفس وأمددناكم بأموال ~~الطاعات وبنين الإيمان والإيقان فإذا جاء وعد الآخرة حين ارتد عن الطريقة ~~ليسوؤا وجوه قلوبكم بحجب سوء أعمالكم وإن عدتم إلى الجهل عدنا إلى الفضل، ~~أو وإن عدتم إلى الندم عدنا إلى الكرم، أو إن عدتم إلى العبودية عدنا إلى ~~الربوبية، أو إن عدتم إلى التقربات عدنا إلى الجذبات وجعلنا الليل البشرية ~~ونهار الروحانية فمحونا آية الليل وهي قمر القلب فني في نور العقل حين تطلع ~~شمس شهود الحق وهي آية النهار، فإذا طلع الصباح استغنى عن المصباح لتبتغوا ~~فضلا من ربكم وهو تجلي ذاته وصفاته، وقد اختص الإنسان به من بين المخلوقات. ~~ولتعلموا أيام الطلب وحساب الترقي من مقام إلى مقام وكل شيء يحتاج إليه ~~السالك بيناه بالإشارات من كان يريد العاجلة فيه أن قلب الإنسان بين أصبعي ~~قهر الرحمن ولطفه وبحسب ذلك # PageV04P336 # يحول وجه إلى الدنيا حتى يؤل أمره إلى درجات البعد أو يحوله إلى الآخرة ~~حتى يصل إلى درجات الوصال والله المستعان على ما تصفون. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 22 الى 40] # لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22) وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن ~~تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين ~~وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما ~~تعرضن ms2894 عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا (31) # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك به ~~علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ~~ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40) ### | القراآت: # يبلغان مثنى: حمزة وعلي وخلف أف بالجر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص أف ~~بالفتح: ابن كثير وابن ذكوان وابن عامر وسهل ويعقوب غير مجاهد والمفضل. ~~والباقون بالكسر. تبصطها كل البصط مثل: بصطة خطأ بفتحتين من غير مد: يزيد ~~وابن ذكوان غير ابن مجاهد خطأ بالفتح ثم السكون: ابن مجاهد عن ابن ذكوان ~~خطاء بالكسر والمد: ابن كثير. الباقون بالكسر ثم السكون فلا تسرف على ~~الخطاب: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. بالقسطاس مكسور ~~القاف حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل. # وقرأ أبو نشيط والشموني غير النقاد بالصاد سيئه على إضافة سيء إلى ضمير ~~كل: # PageV04P337 # حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر وسهل. الآخرون سيئة علم التأنيث. ### | الوقوف: # مخذولا ه إحسانا، ط كريما ه صغيرا، ط في نفوسكم ط غفورا ه تبذيرا ms2895 ه ~~الشياطين ط كفورا، ميسورا ه محسورا ه ويقدر، ط بصيرا ه إملاق ط وإياكم ط ~~كبيرا ه فاحشة ط سبيلا ه إلا بالحق ط لأن الشرط في أمر قد يقع نادرا خارجا ~~عن النهي. في القتل ط منصورا ه أشده ز بالعهد ج على تقدير فإن. مسؤلا ه ~~المستقيم ط تأويلا ه به علم ط مسؤلا ه مرحا ج لاحتمال إضمار الفاء أو اللام ~~طولا ه مكروها ه الحكمة ط مدحورا ه إناثا ط عظيما. ### | التفسير: # لما أجمل أعمال البر في قوله: وسعى لها سعيها وهو مؤمن أخذ في تفصيل ذلك ~~مبتدئا بأشرفها الذي هو التوحيد فقال: لا تجعل مع الله إلها آخر والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين، ويحسن ~~أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان لا تجعل أو القول ~~مضمر أي قل لكل مكلف لا تجعل ومما يؤيد ذلك قوله: وقضى ربك فإن ذلك الخطاب ~~لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن أبويه ما بلغا الكبر عنده. وانتصب ~~قوله: فتقعد على أنه جواب للنهي والفاء في التحقيق عاطفة والتقدير: لا يكن ~~منك جعل فقعود. وفيه وجوه منها. أن المراد به المكث يقال: ما يصنع فلان ~~فيقال هو قاعد بأسوأ حال أي ماكث سواء كان قائما أو جالسا. ومنها أن من شأن ~~المذموم المخذول أن يقعد نادما متفكرا على ما فرط منه، فالقعود على هذا ~~حقيقة. ومنها أنه كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات فإن السعي فيه ~~إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعدا عن الطلب. ومنه أنه ~~بمعنى الصيرورة من قولهم: «شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة» بمعنى صارت. ~~ولا ريب أن المشرك جامع على نفسه الذم والخذلان لأنه بشركه يضيف بعض النعم ~~الحاصلة في حقه من الله إلى غيره فيستوجب الذم بالكفران ويستحق الخذلان من ~~حيث إنه لما فوض أمره إلى الشريك المعدوم أو العاجز الناقص بقي بلا ناصر ~~ومعين. وأيضا الكمال ms2896 في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمثبت الشريك واقع في ~~جانب النقصان فيورثه الذم والخذلان. # ولما ذكر ما هو الركن الأعظم في الإيمان أتبعه سائر الشعائر والشرائع ~~فقال: # وقضى ربك أي أمر أمرا جزما وحكم حكما قطعا ألا تعبدوا أي بأن لا تعبدوا # PageV04P338 # ف «أن» ناصبة ويجوز أن تكون مفسرة، والفعل النهي معناه أي لا يعبدوا. وقد ~~روى الضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران عن ابن عباس أنه كان الأصل في ~~هذه الآية «ووصى ربك» وبه قرأ علي وعبد الله فالتصقت الواو بالصاد فقرىء: ~~وقضى ربك ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط لأن خلاف قضاء ~~الله ممتنع. وضعف هذا القول بأنه يوجب تجويز وقوع التحريف والتصحيف في ~~القرآن. أمر بعبادة نفسه ثم أردفه بالأمر ببر الوالدين وتقدير الكلام بأن ~~تحسنوا بالوالدين أو وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ولا يجوز أن يتعلق الباء في ~~بالوالدين بالإحسان على ما ذهب إليه الواحد، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته ~~وقد مر في أوائل البقرة تفسير قوله: وبالوالدين إحسانا وأنه لم يجعل ~~الإحسان إليهما تاليا لعبادة الله. يحكى أن واحدا من المتسمين بالحكمة كان ~~يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للفقر ~~والعمى والزمانة. # وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟ قال: اكتبوا عليه: # هذا ما جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد # وقال في ترك التزوج والولد: # وتركت فيهم نعمة العدم التي ... سبقت وصدت عن نعيم العاجل # ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ... ترمى بهم في موبقات الآجل # وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة ~~لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعلمي حتى أرتعني في نور العلم، فأما ~~الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفات عالم الكون ~~والفساد. ومن هنا قيل: «خير الآباء من علمك» . وقال العقلاء: وهب أن الوالد ~~في أول الأمر طلب لذة الوقاع إلا أن اهتمامه بإيصال الخيرات إلى الولد ودفع ~~الآفات عنه من أول ms2897 دخول الولد في الوجود إلى أوان كبره بل إلى آخر عمره لا ~~ينكر ولا يكفر، ولهذا نكر إحسانا أي أحسنوا إليهما إحسانا عظيما كاملا جزاء ~~على وفور إحسانهما إليك، على أن البادئ بالبر لا يكافأ لأنه أسبق منه. # ثم فصل طرفا من الإحسان المأمور به فقال: إما يبلغن هي «إن» الشرطية زيدت ~~عليها «ما» الإبهامية لتأكيد معنى الشرط، ثم أدخلت النون المشددة لزيادة ~~التقرير والتأكيد كأنه قيل: إن هذا الشرط مما سيقع البتة عادة فليكن هذا ~~الجزاء مرتبا عليه وإلا فالتقرير والتأكيد ليس يليق بالشرط الذي مبناه على ~~تردد الحكم. وقال النحويون: إن الشرط أشبه # PageV04P339 # النهي من حيث الجزم وعدم الثبوت فلهذا صح دخول النون المؤكدة فيه. من قرأ ~~الفعل على التوحيد فقوله: أحدهما أو كلاهما فاعل له لكن الأول بالاستقلال ~~والثاني بتبعية العطف، ومن قرأ على التنبيه فأحدهما يدل من ألف الضمير ~~الراجع إلى الوالدين، وكلاهما عطف على البدل فهو بدل مثله. ولا يصح أن يكون ~~توكيد للضمير معطوفا على البدل لاستلزام العطف المشاركة دون المباينة. أو ~~كلاهما مفرد لفظا مثنى معنى، وألفه عن واو عند الكوفيين وأصله كل المفيد ~~للإحاطة فخفف بحذف إحدى اللامين وزيد ألف التثنية ليعرف أن المراد الإحاطة ~~في المثنى لا في الجمع. وضعف بأنه لو كان كذلك لوجب أن يقال في الخفض ~~والنصب «مررت بكلي الرجلين» بكسر الياء كقوله طرفي النهار [هود: 114] يا ~~صاحبي السجن [يوسف: 41] قال في الكشاف: معنى عندك هو أن يكبرا ويعجزا وكانا ~~كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه. وفي أف لغات: ~~ضم الهمزة مع الحركات في الفاء الثلاث بالتنوين وبدونه. # وأف بكسرتين بلا تنوين. وأ في ممالا كبشرى، وأف كخذ، وأفة منونة وغير ~~ممنونة وقد تتبع المنونة تفة فيقال: أفة وتفة وهي من أسماء الأفعال. وفي ~~تفسيرها وجوه: قال الفراء: تقول العرب فلان يتأفف من ريح وجدها أي يقول: أف ~~أف. وقال الأصمعي: # الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار. يقال ذلك عند استقذار الشيء ms2898 ثم كثر ~~حتى استعملوه في كل ما يتأذون به. وقيل: معنى «أف» القلة من الأفيف وهو ~~الشيء القليل، وتف اتباع له نحو شيطان ليطان وحيث بيث وخبيث نبيث. وروى ~~ثعلب عن ابن الأعرابي أن الأف الضجر. وقال القتيبي: أصله أنه إذا سقط عليه ~~تراب ونحوه نفخ فيه ليزيله، فالصوت الحاص عند تلك النفخة هو القائل أف، ثم ~~توسعوا فذكروه عند كل مكروه يصل إليهم، قال الزجاج: معناه النتن وبه فسر ~~مجاهد الآية أي لا تتقذرهما كما أنهما لم يتقذراك حين كنت تخر أو تبول. وفي ~~رواية أخرى عن مجاهد: إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك فلا تقل لهما أف أي لا ~~تقل تضجرت أو أتضجر. # قال بعض الأصوليين: منع التأفيف يدل على المنع من سائر أنواع الأذية ~~دلالة لفظية. ومعنى الآية لا تتعرض لهما بنوع من أنواع الإيذاء والإيحاش ~~كما أن قولك لا يملك فلان نقيرا ولا قطميرا يدل في العرف على أنه لا يملك ~~شيئا أصلا. وقال الأكثرون منهم: إن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن صورة ~~أخرى، فإذا أردنا إلحاق المسكوت عنها بالمنصوص عليها فإما أن يكون الحكم في ~~محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكثر القياسات، وإما أن يتساويا # كقوله صلى الله عليه وسلم: # PageV04P340 # «من أعتق نصيبا من عبد حرم عليه الباقي» # فإن الحكم في الأمة والعبد يتساويان. وإما أن يكون الحكم في محل المسكوت ~~أظهر وهو القياس الجلي ومثاله المنع من التأفيف فإنه مغاير للمنع من الضرب ~~عقلا، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكا آخر عدوا له فقد يقول للجلاد إياك وأن ~~تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته. فهذا معقول في الجملة إلا ~~أن قرينة تعظيم الوالدين صيره من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى، فدل ~~على المنع من جميع أنواع الإيذاء. # ثم أكد هذا المعنى بقوله: ولا تنهرهما والنهر والنهي أخوان يقال: نهره ~~وانتهره وإذا استقبله بكلام يزجره. وقل لهما بدل التأفيف والنهر قولا كريما ~~جميلا مشتملا على حسن ms2899 الأدب ورعاية دقائق المروة والحياء والاحتشام. وقال ~~عمر بن الخطاب القول الكريم أن يقول له: «يا أبتاه» «يا أماه» دون أن ~~يسميهما باسمهما. وقول إبراهيم لأبيه آزر بالضم على النداء، تقديم لحق الله ~~على حق الأبوين. قالوا: ولا بأس به في الغيبة كما قالت عائشة: # نحلني أبو بكر كذا، أو سئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول ~~العبد المذنب للسيد الفظ واخفض لهما جناح الذل ذكر القفال في معنى خفض ~~الجناح وجهين: # الأول أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحيه فلهذا صار ~~خفض الجناح كناية عن حسن التدبير فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما ~~إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك. والثاني أن الطائر أذا أراد الطيران ~~والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد النزول خفض جناحه، فصار خفض الجناح كناية ~~عن فعل التواضع وترك الارتفاع. وفي إضافة الجناح إلى الذل وجهان: الأول ~~أنها كإضافة حاتم إلى الجود في قولك: «حاتم الجود» فالأصل فيه الجناح ~~الذليل أو الذلول. والثاني سلوك سبيل الاستعارة كأنه تخيل للذل جناحا ثم ~~أثبت لذلك الجناح خفضا كقول لبيد: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. فأثبت ~~للشمال يدا ثم وضع زمام الريح في يد الشمال. وقوله: من الرحمة في «من» معنى ~~التعليل أي من أجل فرط الشفقة والعطف عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى ~~من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ~~ولكن قل رب ارحمهما كما ربياني ليس المراد رحمة مثل رحمتهما علي. وأما ~~الكاف فلاقتران الشيئين في الوجود أي كما وقع تلك فتقع هذه. والتربية ~~التنمية ربا الشيء إذا انتفخ وزاد. قال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة ~~بقوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة: # 113] وقيل: مخصوصة لأن التخصيص أولى من النسخ، وقيل: لا نسخ ولا تخصيص ~~لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد وأن ~~يطلب الرحمة # PageV04P341 # لهما بعد حصول الإيمان. ثم إن ظاهر الأمر ms2900 للوجوب من غير تكرار فيكفي في ~~العمر مرة واحدة رب ارحمهما وسئل سفيان كم يدعو الإنسان لوالديه أفي كل يوم ~~مرة أو في كل شهر أو في كل سنة؟ فقال: نرجو أن يجزيه إذا دعا لهما في أواخر ~~التشهدات كما أن الله تعالى قد قال: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~[الأحزاب: 56] . وكانوا يرون الصلاة عليه في التشهد. وكما قال الله تعالى: ~~واذكروا الله في أيام معدودات [البقرة: 203] فهم يذكرون في أدبار الصلاة. ~~قلت: ويشبه أن يدعو لهما أيضا كلما ذكرهما أو ذكر شيئا من إنعامهما. وسئل ~~أيضا عن الصدقة عن الميت فقال: كل ذلك واصل إليه ولا شيء أنفع له من ~~الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين، # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في ~~سخطهما» «1» # وروى سعيد بن المسيب أن البار لا يموت ميتة سوء. # وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر أنى، ألي ~~منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟ قال: لا، فإنهما كانا ~~يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما. # وشكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به ~~فإذا هو شيخ يتوكأ على عصا فسأله فقال: إنه كان ضعيفا وأنا قوي، وفقيرا ~~وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي. # واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني ويبخل علي بماله، فبكى صلى ~~الله عليه وسلم وقال: ما من حجر ولا مدر يسمع ذلك إلا بكى، ثم قال للولد: ~~أنت ومالك لأبيك. مرتين. # وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر. ~~قال: إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين. قال: # إنها سيئة الخلق. قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها. ~~قال: لقد جازيتها. قال: ما فعلت؟ قال: حججت بها على عاتقي. قال: ما ~~جازيتها. # وقال ms2901 الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة وإذا بعث إليه واحد منهما ليحمله ~~فعل، ولا يناوله الخمر ويأخذ الإناء منه إذا شرب بها. # ثم قال سبحانه: ربكم أعلم بما في نفوسكم أي بما في ضمائركم من الإخلاص ~~وعدمه في كل الطاعات إن تكونوا صالحين قاصدين الصلاح والبر إلى الوالدين ثم ~~فرطت منكم بادرة في حقهما فأنبتم إلى الله واستغفرتم منها وفإنه كان ~~للأوابين غفورا اللام للعهد كما روي عن سعيد بن جبير هي في البادرة تكون من ~~الرجل إلى أبيه لا يريد بذلك إلا الخير، أو للجنس فيشمل كل من فرطت منه ~~جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته PageV04P342 # عن أبي علي الجانويه النائب من جنايته لوروده على أثره. ثم وصى بغير ~~الأبوين من الأقارب بعد التوصية بهما فقال: وآت ذا القربى حقه قيل: الخطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤتى أقاربه الحقوق التي وجبت لهم ~~في الفيء والغنيمة، وأوجب عليه إخراج حق المساكين وأبناء السبيل أيضا من ~~هذين المالين. والأظهر أنه خطاب لكل إنسان كل في قوله: وقضى ربك وأما الحق ~~المأمور به للأقارب فهو إذا كانوا محارم كالأبوين والولد وكانوا فقراء ~~عاجزين عن الكسب وكان الرجل موسرا أن ينفق عليهم بقدر الحاجة. وعند ~~الشافعي: لا ينفق إلا على الولد والوالدين وإن كانوا مياسير ولم يكونوا ~~محارم كأبناء العم فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة على السراء ~~والضراء. # وفي عطف المسكين وابن السبيل على ذي القربى دليل على أن المراد بالحق ~~الحق المالي، وقد تقدم وصف المسكين وابن السبيل في «البقرة» وفي «التوبة» . ~~ثم نهى عن التبذير وهو تفريق المال كما يفرق البذر وهو الإسراف المذموم. ~~كانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها وتنفق أموالها في الفخر والسمعة ~~كما ذكروا ذلك في أشعارها فنهوا عن ذلك وأمروا بالإنفاق فيما يقرب إلى ~~الله. قال ابن مسعود: التبذير إنفاق المال في غير حقه. # وعن مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. ثم بالغ في تفظيع شأن ~~التبذير قائلا: إن المبذرين ms2902 كانوا إخوان الشياطين أي أمثالهم في الشرارة ~~وأصدقاءهم من حيث إنهم يطيعونهم في الأمر بالإسراف، أوهم قرناؤهم في النار ~~على سبيل الوعيد وكان الشيطان لربه كفورا لأنه يستعمل قواه البدنية في ~~المعاصي والإفساد والإضلال، وكذلك من رزقه الله مالا أو جاها فصرفه إلى غير ~~مرضاة الله كان كفورا لنعمة الله. # ثم علم أدبا حسنا في رد السائل إن أفضى الأمر إلى ذلك ضرورة فقال: وإما ~~تعرضن عنهم # وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذ سئل شيئا وليس عنده أعرض عن السائل ~~وسكت حياء. # والقول الميسور الرد بالطريق الأحسن. وقيل: اللين السهل. قال الكسائي: ~~يسرت أيسر له القول أي لينته. وقيل: القول المعروف كقوله: قول معروف ومغفرة ~~خير [البقرة: 263] وذلك أن القول المتعارف لا يحتاج إلى تكلف. وقيل: ادع ~~لهم بأن يسهل الله عليهم أسباب الرزق أي دعاء فيه يسرة. قال جار الله قوله: ~~ابتغاء رحمة أما أن يتعلق بجواب الشرط متقدما عليه أي فقل لهم قولا سهلا ~~لينا وعدهم وعدا جميلا ابتغاء رحمة من الله ترجوها بسبب رحمتك عليهم، وإما ~~أن يتعلق بالشرط أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فردهم ~~ردا جميلا، فسمى الرزق رحمة وضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ ~~له. فالفقد سبب الابتغاء فأطلق # PageV04P343 # المسبب على السبب وجوز أن يكون الإعراض كناية عن عدم الإعطاء، فإن من أبى ~~أن يعطى أعرض بوجهه، ولما ذكر أدب المنع ونهى عن التبذير صرح بأدب الإنفاق ~~فقال: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وهو مثل لغاية الإمساك بحيث يضيق على نفسه ~~وأهله في سلوك سبيل الإنفاق ولا تبسطها كل البسط أي لا توسع في الإنفاق ~~بحيث لا يبقى في يدك شيء. وحين نهى عن طرفي التفريط والإفراط المذمومين بقي ~~الخلق الفاضل المسمى بالجود وهو العدل والوسط، ثم بين غاية استعمال الطرفين ~~قائلا: فتقعد ملوما عند الناس بالبخل محسورا بالإسراف أي منقطعا عن المقاصد ~~بسبب الفقر. فقير محسور منقطع عن السير. ولا شك أن المال ms2903 مطية الحوائج ~~والآمال وكثيرا ما يلام الرجل على تضييع المال بالكلية وإبقاء الأهل والولد ~~في الضر والمحنة. # وعن جابر: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس أتاه صبي فقال: إن أمي ~~تستكسيك درعا فقال صلى الله عليه وسلم: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا. ~~فذهب إلى أمه فقالت له: # قل إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك. فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد ~~عريانا وأذن بلال وانتظروا فلم يخرج للصلاة فنزلت الآية. # وقيل: أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن فجاء عباس بن ~~مرداس وأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. وما كان حصن ~~ولا حابس، يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما، ومن تضع اليوم لا ~~يرفع. فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من ~~الإبل فنزلت. # ثم إنه تعالى سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن الذي يرهقه من الإضافة ليس ~~لهوان منه على الله ولا لبخل به عليه ولكنه تابع لمشيئة الخالق الرازق ~~فقال: إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يضيق إنه كان بعباده وبمصالحهم ~~خبيرا بصيرا فالتفاوت في الأرزاق ليس لأجل البخل ولكن لرعاية الصلاح. ويمكن ~~أن يكون مراد الآية أن البسط الكلي والقبض الكلي من شأن الرب الخبير ~~والبصير وليس للعباد الاقتصاد. # ويحتمل أن يراد أنه تعالى مع غاية قدرته وسعة جوده يراعي أوسط الحالين. ~~فلا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه، فاستنوا ~~بسنته وتخلقوا بأخلاقه. وفي الآية دلالة على أنه هو المتكفل بأرزاق العباد ~~فلذلك قال بعده: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وأيضا لما علم كيفية البر ~~بالوالدين أراد أن يعلم كيفية البر بالأولاد، فبر الآباء مكافأة وبر ~~الأبناء ابتداء اصطناع. وفيه نظام العالم وبقاء النوع الإنساني لأن قتل ~~الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو لسوء الظن بالله، وإن كان لأجل الغيرة على # PageV04P344 # البنات فهو سعي في تخريب العالم. والأول ضد التعظيم لأمر الله ms2904 والثاني ضد ~~الشفقة على خلق الله، ومن رغب عن محبة الولد فكأنه رغب عن جزئه قال: # ولد المرء منه جزء وما حا ... ل امرئ يودع الثرى منه جزءا # وكانوا يقتلون البنات لعجز البنات عن الكسب وقدرة البنين عليه بسبب ~~إقدامهم على القتل والغارة. وأيضا كانوا يخافون أن فقرها ينفر أكفاءها ~~فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء وفي ذلك عار شديد، فبين الله سبحانه ~~أن الموجب للرحمة والشفقة هو كونه ولدا فلهذا قال: أولادكم وبين أن الخوف ~~من الفقر لا وجه له لأن الله هو الرزاق للكل، وكثيرا ما يكون لابن أخرق من ~~البنت بعد البلوغ، وكلا الصنفين يشتركان في الإنفاق عليهما قبل البلوغ. ~~ولما نهى عن قتل الأولاد المستدعي لإفناء النسل ذكر النهي عن الزنا المفضي ~~إلى مثل ذلك ولا أقل من اختلاط النسب فقال: ولا تقربوا الزنى وهذا آكد من ~~أن يقال «لا تزنوا» ثم علل النهي بقوله: إنه كان فاحشة أي خصلة متزايدة في ~~القبح وساء سبيلا سبيله فاستدل القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بهذا ~~التعليل في الأشياء لا تحسن ولا تقبح لذواتها بل لوجوه عائدة إليها في ~~أنفسها، وأن تكاليف العباد واقعة على وفق مصالحهم في المعاش والمعاد. ومن ~~مفاسد الزنا اختلاط الأنساب وتضييع الأولاد وإهمال تربيتهم؟ فإن الولد إذا ~~لم يكن منسوبا إلى شخص معين لم يكن أحد بالتزام تربيته أولى من الآخرة كذا ~~المرأة التي ولدته إذا لم يوجد سبب شرعي للزاني صارت هي به أولى بالرجل فلا ~~يحصل الألف والمحبة، ولا يتم السكون والازدواج. # ويتواثب كل رجل على كل امرأة أراد بحسب شهوته ومقتضى طبعه، فتهيج بالفسوق ~~الحروب بعد التشبه بالبهائم. وأيضا ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة ~~ولكن المقصود الكلي هو أن تكون شريكة له في ترتيب المنزل وإعداد مهماته ~~والقيام بأمور الأولاد والعبيد، ولن تتم هذه المقاصد إلا إذا كانت مقصورة ~~الهمة على رجل واحد منقطعة الطمع عن غيره. وأيضا الوطء يوجب الذل والعار ~~ولهذا لا يرتكب إلا في الأماكن المستورة وفي ms2905 الأوقات المعلومة. فاقتصار ~~المرأة على الواحد من الرجال سعي في تقليل ذلك العمل، وكفى في قبح الزنا ~~مرتكبه من الرجال والنساء يستقذره كل عقل سليم وينحط بذلك عن درجة ~~الاعتبار. وقد زعم في التفسير الكبير أنه تعالى وصف الزنا في آية أخرى ~~بكونه مقتا لأن الزانية تصير ممقوتة مكروهة وهو وهم، لأن ذلك قد ورد في أول ~~سورة النساء في نكاح منكوحات الأب قال: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ~~إلا ما # PageV04P345 # قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا [النساء: 22] . وإنما نبهناك عليه لئلا يقتدي ~~به غيره في السهو. # ولما فرغ من التكليف بالاحتياط في مبدأ حال الإنسان شرع بالتكليف ~~بالاحتياط في آخر عمره فقال: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله وفي التصريح ~~بالتحريم بعد النهي تأكيد للخطر. ولا ريب أن الأصل في قتل الإنسان هو ~~التحريم لأنه ضرر، والأصل في المضار الحرمة، ولأن الإنسان خلق للاشتغال ~~بالعبادة وإنه لا يتم إلا بالحياة وكمال البنية، ولكن الحل إنما يثبت ~~لأسباب عرضية فلهذا قال: إلا بالحق وهذا بحمل فبين ذلك الحق بقوله: ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا أي تسلطا على استيفاء القصاص. فظاهر الآية ~~دل على أنه لا سبب لحل القتل إلا إذا قتل مظلوما، وظاهر # قوله عليه السلام «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، ~~وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» «1» . # يقتضي ضم شيئين آخرين إليه فرعا على القول بتخصيص عموم القرآن بخبر ~~الواحد. ويحتمل أن يقال قوله: ومن قتل مظلوما. كلام مستأنف، والحديث بتمامه ~~تفسير لقوله: إلا بالحق فلا يلزم التفريع المذكور. ثم إنه دلت آية أخرى على ~~حصول سبب رابع هو قوله: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله [المائدة: 33] ~~وآية أخرى على سبب خامس وهو الكفر الأصلي: واقتلوهم حيث ثقفتموهم [البقرة: ~~191] هذا وقد أبدى الفقهاء أسبابا أخر منها: أن تارك الصلاة يقتل عند ~~الشافعي دون أبي حنيفة، وكذا اللائط. ومنها الساحر إذا قال: قتلت فلانا ~~بسحري. # وجوز بعضهم قتل من يمنع ms2906 الزكاة أو يأتي البهيمة، والذين منعوا القتل في ~~هذه الصور قالوا: الأصل حرمة القتل كما بيناه فلا يترك هذا الدليل إلا ~~لمعارض أقوى لا أقل من المساوي وهو النص المتواتر. ثم إنه سبحانه أثبت لولي ~~الدم سلطانا. ولم يبين أن هذه السلطنة تحصل فيما ذا فقيل: إنه قال: فلا ~~يسرف في القتل عرف أن تلك السلطنة إنما تحصل في استيفاء القتل. وقيل: معنى ~~قوله: فلا يسرف في القتل إنه لما حصلت له سلطنة استيفاء القصاص وسلطنة ~~استيفاء الدية بقوله: كتب عليكم القصاص في القتلى إلى قوله: فمن عفي ~~[البقرة: 178] الآية. فالأولى به أن لا يقدم على استيفاء القتل PageV04P346 # وأن يكتفي بالعفو وأخذ الدية، فثبت أن هذه الآية لا يجوز التمسك بها في ~~مسألة أن موجب العمد هو القصاص. وعن الشافعي أن التنوين في قوله: مظلوما ~~للتنكير فيدل على أن المقتول ما لم يكن كاملا في وصف المظلومية لم يدخل تحت ~~هذا النص، فيعلم منه أن المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك فإن ذنبه غير ~~مغفور كالمشرك، ولأن النصارى قائلون بالتثليث وقد قال تعالى: فاقتلوا ~~المشركين [التوبة: 5] فثبت أن الذمي غير كامل في المظلومية فلا يندرج في ~~الآية. وأيضا ليس فيها دلالة على أن الحر يقتل بالعبد لأنها وإن كانت عامة ~~إلا أن قوله الحر بالحر والعبد بالعبد [البقرة: 178] خاص والخاص مقدم على ~~العام. من قرأ فلا تسرف بالتاء الفوقانية فعلى خطاب الولي أو قاتل المظلوم، ~~ومن قرأ على الغيبة فالضمير للولي أي فلا يقتل غير القاتل ولا اثنين ~~والقاتل واحد كعادة الجاهلية. وعن مجاهد أن الضمير الأول للقاتل، أما ~~الضمير في قوله: إنه كان منصورا فإما للولي أي حسبه أن الله قد نصره بإيجاب ~~القصاص فلا يستزاد عليه، أو نصره بمعونة السلطان والمؤمنين فلا يتبع ما ~~وراء حقه، وإما للمظلوم فإن الله نصره في الدنيا بإيجاب القصاص على قاتله، ~~وفي الآخرة بإعطاء الثواب. وأما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله ~~فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف. # ولما ms2907 ذكر النهي عن إتلاف النفوس في المبادئ وفيما وراءها أتبعه النهي عن ~~إتلاف الأموال وكان أهمها بالحفظ والرعاية مال اليتيم فقال: ولا تقربوا مال ~~اليتيم إلا بالتي بالطريقة التي هي أحسن وهي تثميره وإنماؤه. وروى مجاهد عن ~~ابن عباس: إذا احتاج الولي أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فلا ~~شيء عليه ويتصرف الولي في مال اليتيم على الوجه المذكور حتى يبلغ اليتيم ~~أشده بأن تكمل قواه العقلية والحسية كما مر في آخر «الأنعام» وأوفوا بالعهد ~~يتناول كل عهد جري بين إنسانين على وفق الشرع وقانونه في المعاملات ~~والمناكحات وغيرها إلا إذا دل دليل خاص على ضده. إن العهد كان مسؤلا أي ~~مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو هو على حذف المضاف والمراد ~~أن صاحب العهد مسؤول أو هو تخييل كأنه يقال للعهد: لم نكثت تبكيتا للناكث ~~كقوله: وإذا الموؤدة سئلت [التكوير: 8] ثم أمر بإيفاء الكيل فيما يكال ~~والوزن فيما يوزن. والقسطاس بضم القاف وكسرها هو القبان المسمى بالقرسطون. ~~وقيل: # كل ميزان صغير أو كبير والأصح أنه لغة العرب من القسط النصيب المعدل، ~~وقيل رومي أو سرياني ذلك الإيفاء والوزن المعدل خير من التطفيف وأحسن ~~تأويلا عاقبة من آل إذا رجع. أما في الدنيا فلانة إذا اشتهر بالاحتراز عن ~~الخيانة مالت القلوب إليه # PageV04P347 # وعول الناس عليه فينفتح عليه أبواب المعاملات، وأما في الآخرة فظاهر. ~~وقال الحكيم: # إن نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد عليه شديد والعار فيه عظيم فيجب على ~~العاقل أن يحترز عنه. ثم أمر بإصلاح اللسان والقلب فقال: ولا تقف أي لا ~~تتبع من قولك «قفوت فلانا» أي اتبعت أثره ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل ~~بيت، والقبيلة المشهورة بالقافة لأنهم يتبعون آثار أقدام الناس ويستدلون ~~بها على أحوالهم في النسب. والمراد النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم أو ~~يعمل بما لا علم له به، وهذه قضية كلية ولكن المفسرين حملوها على صور ~~مخصوصة فقيل: نهى المشركين عن تقليد أسلافهم في الإلهيات ms2908 والنبوات والتحليل ~~والتحريم والمعاد كقوله: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس [النجم: 23] ~~هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن [الأنعام: # 148] وعن محمد بن الحنيفة: المراد شهادة الزور. ومثله عن ابن عباس: لا ~~تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك. وقيل: أراد النهي عن ~~القذف ورمي المحصنين والمحصنات بالأكاذيب. وكانت عادة العرب جارية بذلك ~~يذكرونها في الهجاء ويبالغون فيه. وقال قتادة: معناه لا تقل سمعت ورأيت ~~وعلمت ولم تسمع ولم تر ولم تعلم. # وقيل: القفو هو البهت وهو في معنى الغيبة لأنه قول يقال في قفاه ومنه # الحديث: «من قفا مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي ~~بالمخرج» «1» # أي يتوب. وردغة الخبال بفتح الدال وسكونها هي غسالة أهل النار من القيح ~~والصديد. # احتج نفاة القياس بالآية زعما منهم أن الحكم في دين الله بالقياس حكم ~~بغير المعلوم. وأجيب بأن العلم قد يراد به الظن قال تعالى: فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار [الممتحنة: 10] ولا ريب أنه إنما يمكن العلم ~~بإيمانهن بناء على إقرارهن، وإنه لا يفيد إلا الظن. سلمنا لكن الظن وقع في ~~الطريق لأن الشرع قد أقام الظن الغالب مقام العلم وأمر بالعمل به، وزيف ~~بأنه لا دليل قاطعا على وجوب العمل بالظن الغالب لأن ذلك الدليل ليس عقليا ~~بالاتفاق، ولا نقليا لأنه إنما يكون قطعيا لو كان منقولا نقلا متواترا ~~وكانت دلالته على ثبوت هذا الطلب دلالة قطعية غير محتملة للنقيض، ولو حصل ~~مثل هذا الدليل لوصل إلى الكل ولم يبق خلاف، ونوقض بأن الدليل الذي عولتم ~~عليه- وهو هذه الآية- تمسك بعام مخصوص للاتفاق على أن العمل بالشهادة عمل ~~بالظن وهو جائز. وكذا الاجتهاد في القبلة وفي قيم المتلفات وأروش الجنايات، ~~وكذا الفصد PageV04P348 # والحجامة وسائر المعالجات، وكذا الحكم بكون الشخص المعين كالذبائح مؤمنا ~~لتحل ذبيحته، أو الوارث لحصول التوارث، أو الميت ليدفن في مقابر المسلمين. ~~وبالحقيقة أكثر الأعمال المعتبرة في الدنيا من الأسفار وطلب الأرباح ~~والمعاملات إلى الآجال المعينة ms2909 والاعتماد على صداقة الأصدقاء وعداوة ~~الأعداء كلها مظنونة. # وقال صلى الله عليه وسلم: نحن نحكم بالظاهر. # والتمسك بالعام المخصوص لا يفيد إلا الظن. فلو دلت هذه الآية على أن ~~التمسك بالظن غير جائز لزم أن لا يجوز التمسك بهذه الآية، وكل ما يفضي ~~ثبوته إلى نفيه يسقط الاستدلال به. وأجيب بأنا نعلم بالتواتر الظاهر من دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم أن التمسك بآيات القرآن جائز. ورد بأن كون العالم ~~المخصص حجة غير معلوم بالتواتر، ثم علل النهي بقوله: إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك إشارة إلى الأعضاء الثلاثة وإن لم تكن من ذوات العقول ~~كقوله: والعيش بعد أولئك الأيام. كان عنه مسؤلا قال في الكشاف: عنه في موضع ~~الرفع بالفاعلية مثل غير المغضوب عليهم [الفاتحة: # 7] وفيه نظر لأن المسند إليه الفعل أو شبهه لا يتقدم عليه. والصواب أن ~~يقال: إنه فاعل مسؤلا المحذوف والثاني مفسر له. وكيف يسأل عن هذه الجوارح؟ ~~قيل: يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات والمستعمل لها هو الروح ~~الإنساني، فإن استعملها في الخيرات استحق الثواب وإلا فالعقاب. وقيل: إنه ~~تعالى ينطق الأعضاء ثم يسألها عن أفعالها. ولا تمش في الأرض مرحا نصب على ~~الحال مع أنه مصدر أي ذا مرح وهو شدة الفرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع ~~من التأكيد مثل «أتاني ركضا» ونهي عن مشية أهل الخيلاء والكبر. إنك لن تخرق ~~الأرض لن تثقبها بشدة وطأتك ولن تبلغ الجبال طولا مصدر في موضع الحال من ~~الفاعل أو المفعول، أو تمييز، أو مفعول له، أو مصدر من معنى تبلغ. بين ضعف ~~الآدمي بأنه في حال انخفاضه لا يقدر على خرق الأرض، وحال ارتفاعه لا يقدر ~~على الوصول إلى رؤوس الجبال، فلا يليق به أن يتكبر. # وبوجه آخر كأنه قيل له: إنك خلق ضعيف محصور بين حجارة من فوقك وتراب من ~~تحتك، فلا تفعل فعل المقتدر القوي. وقيل: إنه مثل ومعناه: كما أنك لن تخرق ~~الأرض في مشيتك ولن تبلغ الجبال طولا فكذلك لا ms2910 تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك ~~وفيه يأس للإنسان من بلوغ إرادته. # كل ذلك كان سيئه من قرأ بالإضافة فظاهر لأن المذكور من قوله: لا تجعل مع ~~الله إلها آخر بعضها أحسن وهو المأمورات وبعضها سيىء وهو المنهيات، فالمعنى ~~أن ما كان من تلك الأشياء سيئا فإنه مكروه عند الله. ويمكن أن يراد بسيىء ~~تلك الخصال طرف الإفراط أو التفريط. ومن قرأ سيئه على التأنيث فقوله: كل ~~ذلك إشارة إلى # PageV04P349 # المنهيات خاصة. وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: وأحسن تأويلا وقوله: كل ~~ذلك إشارة إلى ما نهى عنه في قوله: ولا تقف ولا تمش وإنما قال: سيئة على ~~التأنيث مع قوله: مكروها على التذكير لأنه جعل السيئة في معنى الذنب ~~والإثم. قالت المعتزلة: الكراهة نقض الإرادة ففي الآية دلالة على أن ~~المنهيات لا تكون مرادة لله تعالى لأنها مكروهة عنده. وإذا لم تكن مرادة لم ~~تكن مخلوقة له لأن الخلق بدون الإرادة محال. أجابت الأشاعرة بأن المراد من ~~كراهتها كونها منهيا عنها، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع لزوم التكرار لأن ~~كونها سيئة يدل على كونها منهية. وأجيب بأنه لا بأس بالتكرار لأجل التأكيد ~~ذلك الذي ذكر من قوله: لا تجعل إلى هذه الغاية وترتقي إلى خمسة وعشرين ~~تكليفا مما أوحى إليك ربك من الحكمة سمي حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه ~~للفساد بوجه. روي عن ابن عباس أنها كانت في ألواح موسى عليه السلام. ~~وباصطلاح الحكماء أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل ~~به. لا ريب أن الأمر بالتوحيد رأس الحكمة النظرية وسائر التكاليف مشتملة ~~على أصول مكارم الأخلاق وهي الحكمة العملية، ولقد جعل الله سبحانه فاتحة ~~هذه التكاليف النهي عن الشرك وكذا خاتمتها لأن التوحيد رأس كل حكمة ~~وملاكها، ومن فقده لم ينفعه شيء من العلوم وإن بذ فيها الأقران والأكفاء ~~وحك بيافوخه السماء. وقد راعى في هذا التكرار دقيقة فرتب على الأول كونه ~~مذموما مخذولا وذلك إشارة إلى حال المشرك في الدنيا، ورتب ms2911 على الثاني أنه ~~يلقى في جهنم ملوما مدحورا وأنها حاله في الآخرة. وفي القعود هناك والإلقاء ~~هاهنا إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة والله أعلم ~~بمراده. وقد يفرق بين الذم واللوم فيقال: الذم هو أن يذكر أن الفعل الذي ~~قدم عليه قبيح منكر، واللوم هو أن يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل وما الذي ~~حملك عليه وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك. ويفرق بين ~~المخذول والمدحور بأن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ~~ضعفت. والمدحور والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة. # ثم أنكر على المشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله فقال: أفأصفاكم أي ~~أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بالبنين الذين هم أفضل الأولاد واتخذ ~~من الملائكة أولادا إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما بإضافة الأولاد إلى من ~~لا يصح له الولد لقدمه وتنزهه عن صفات الأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه ~~أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون وهذا خلاف معقولكم وعادتكم فإن العبيد لا # PageV04P350 # يؤثرون بالأجود والأصفى والسادة بالأدون والأردإ، ثم بجعلكم الملائكة ~~الذين هم أعلى خلق الله على الإطلاق أو التقييد على المذهبين أخس الصنفين ~~وهو الإناث. ### | التأويل: # خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ليقطع تعلقه عن الكونين من بين الثقلين ~~فقال: لا تجعل مع الله إلها آخر من الدنيا والآخرة، ثم شرف أمته بتبعيته ~~قائلا: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وإنما قال: ربك لأنه أصل في التربية والأمة ~~تبع له، فمن حكم في الأزل أنه لا يعبد غير الله لم يعبد غير الله ~~وبالوالدين والد الروح ووالدة البدن. والإحسان بهما أن يراقبهما في ~~العبودية ليعبد الله كأنهما يريانه إما يبلغن عندك يخاطب القلب ويوصيه بأن ~~يواسي والد الروح عند كبره وهو بلوغه أعلى مراتب القرب وعجزه عند سطوات ~~تجلي صفات الألوهية، ويداري والدة البدن حينئذ فلا يستعملها عند العجز ولا ~~تنهرهما عند الاستراحة وأرفق بهما عند استعمالهما في العبودية ولا تتكبر ~~عليهما فإنك أخذت التربية منهما لأن القلب طفل ms2912 تولد بازدواج الروح والبدن، ~~وقد وجد التربية منهما صورة ومعنى إلى أن صار قابلا للتجلي والخلافة ربكم ~~أعلم بما في نفوسكم من الاستعداد إن تكونوا صالحين مستعدين للخلافة فإنه ~~كان للأوابين الراجعين من أنانيته إلى هويته دون من كان مقيدا بنفسه غفورا ~~سائرا بأنوار جماله. ثم أخبر عن آداب الخلافة قائلا وآت ذا القربى وهو ~~النفس حقه فإن لنفسك عليك حقا من غير إسراف وتقتير. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 41 الى 60] # ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان ~~معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44) وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في ~~القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) ~~انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا ~~عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49) قل كونوا حجارة أو حديدا (50) # أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا (53) ربكم ~~أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) ~~وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا ~~داود زبورا (55) # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه إن عذاب ms2913 ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا ~~أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ~~ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60) # PageV04P351 ### | القراآت: # ليذكروا من الذكر وكذلك في «الفرقان» : حمزة وعلي وخلف. # الآخرون بتشديد الذال والكاف من التذكر. كما يقولون على الغيبة: ابن كثير ~~وحفص عما تقولون على الخطاب: حمزة وعلي وخلف. تسبح بتاء التأنيث: أبو عمرو ~~وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل والخزاز عن ~~هبيرة. الآخرون على التذكير أإذا أإنا القول فيه كما مر في «الرعد» وكذلك ~~في آخر هذه السورة وفي سورة «قد أفلح» وفي سورة السجدة. ### | الوقوف: # ليذكروا ط نفورا ه سبيلا ه كبيرا ه فيهن ط تسبيحهم ط غفورا ه مستورا لا ~~للعطف وقرا ط نفورا ط مسحورا ه سبيلا ه جديدا ه حديدا لا صدوركم ج للفاء مع ~~أن السين للاستئناف يعيدنا ط أول مرة ج لما قلنا متى هو ط قريبا ه قليلا ه ~~أحسن ط بينهم ط مبينا ه أعلم بكم ه يعذبكم ط وكيلا ط والأرض ط زبورا ه ~~شديدا ط ه مسطورا ه الأولون ط لأن الواو للاستئناف فظلموا بها ط تخويفا ه ~~بالناس ط في القرآن ط الكل لما مر. # ونخوفهم لا لصحة عطف المستقبل على المستقبل كبيرا ه. ### | التفسير: # لما بين أنواع الحكم ومكارم الأخلاق ذكر غاية مظلومية الإنسان وجهوليته ~~فقال: ولقد صرفنا أي بينا أحسن بيان لأن من حاول بيان شيء فإنه يصرف كلامه ~~من نوع إلى نوع ومن مثال إلى مثال حتى ينتهي به إلى ما هو مراده من ~~الإيضاح. ومفعول التصريف متروك أي أوقعنا التصريف في هذا القرآن أو محذوف ~~للعمل به والمراد # PageV04P352 # صرفنا فيه ضروبا ms2914 من كل مثل وأراد بهذا القرآن إبطال إضافتهم البنات إلى ~~الله لأنه مما كرر ذكره، والمقصود ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. وقيل: ~~لفظة «في» زائدة كقوله وأصلح لي في ذريتي [الأحقاف: 15] قال الجبائي: في ~~قوله: ليذكروا دلالة على أنه أراد منهم فهمها والإيمان بها. والمراد بالذكر ~~هاهنا فيمن قرأ مخففا هو التذكر والتأمل لا الذكر الذي هو نقيض النسيان. ~~وقالت الأشاعرة: قوله: وما يزيدهم إلا نفورا دلت على عكس ذلك لأن الحكيم ~~إذا أراد تحصيل أمر من الأمور وعلم أن الفعل الفلاني يصير سببا لعسره ~~وتعذره والنفرة عنه يقبح منه الأمر بذلك الفعل. ولما أخبر أن هذا التصريف ~~يزيدهم نفورا علمنا أنه ما أراد الإيمان منهم. عن سفيان الثوري أنه كان إذا ~~قرأها قال: # زادني ذلك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا. ثم دل على التوحيد الذي أمر به في ~~قوله: ولا تجعل مع الله إلها آخر فقال: قل لو كان معه آلهة كما يقولون أي ~~كما يقول المشركون من إثبات آلهة من دونه أو كما تقولون أيها المشركون. وفي ~~قوله إذا دلالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين وجزاء ~~ل «لو» قاله في الكشاف. قلت: ولعل إذا هاهنا ظرف لما دل عليه لابتغوا أي ~~لطلبوا إذ ذاك إلى ذي العرش سبيلا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم ببعض ~~ومثله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] ويسمى في عرف ~~المتكلمين دليل التمانع وسيجيء بحثه في سورة الأنبياء إن شاء الله العزيز. ~~وقيل: معنى الآية لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله ~~زلفى لطلبت لأنفسها المراتب العالية والدرجات الرفيعة، فلما لم تقدر أن ~~تتخذ لأنفسها سبيلا إلى الله فكيف يعقل أن تهديكم إلى الله. ثم نزه نفسه عن ~~أقوالهم فقال سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فوضع الثلاثي وهو العلو ~~موضع المتشعبة وهو التعالي كقوله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] ثم وصف ~~العلو بالكبر مبالغة في النزاهة وتنبيها على أن بين الواجب ms2915 لذاته والممكن ~~لذاته وبين الغني المطلق والفقير المطلق مباينة لا تعقل الزيادة عليها. # ثم بين غاية ملكه ونهاية عظمته بقوله: تسبح له الآية: قالت العقلاء: ~~تسبيح الحي المكلف يكون تارة باللسان بأن يقول «سبحان الله» وأخرى بدلالة ~~أحواله على وجود الصانع الحكيم، وتسبيح غيره لا يكون إلا من القبيل الثاني. ~~وقد تقرر في أصول الفقه أن اللفظ المشترك لا يحمل على معنييه معا في حالة ~~واحدة فتعين حمل التسبيح هاهنا على المعنى الثاني ليشمل الكل هذا ما عليه ~~المحققون. وأورد عليه أنه لو كان المراد بالتسبيح ما ذكرتم لم يقل ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم لأن التسبيح بهذا الوجه مفقوه معلوم. # PageV04P353 # وأجيب بأن دلالة كل شيء على وجود الصانع معلومة على الإجمال دون التفصيل ~~لأنك إذا أخذت تفاحة واحدة فلا شك أنها مركبة من أجزاء لا تتجزأ، ولكن عدد ~~تلك الأجزاء وصفة كل منها من الطبع والطعم واللون والحيز والجهة وغيرها لا ~~يعلمها إلا الله. وأيضا الخطاب للمشركين، وإنهم وإن كانوا مقرين بالخالق، ~~إلا أنهم لما أثبتوا له شريكا وأنكروا قدرته على البعث والإعادة ولم ينظروا ~~في المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فكأنهم لم يفقهوا ~~التسبيح إذ لم يتوسلوا به إلى نتيجة النظر الصحيح ولهذا ختم الآية بقوله: ~~إنه كان حليما غفورا حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم، وزعم ~~بعض الظاهريين أن ما سوى الحي المكلف يسبح الله باللسان أيضا كل بلغته ~~ولسانه الذي لا نعرفه نحن ولا نفقهه. وزعم أيضا أن الحيوان إذا ذبح لا يسبح ~~وكذا غصن الشجرة إذا كسر، فأورد عليه أن كونه جمادا لا يمنع من كونه مسبحا ~~فكيف صار ذبح الحيوان مانعا له عن التسبيح. وكذا كسر الغصن، ويمكن أن يجاب ~~بأن تسبيح كل شيء لعله يختص بتركيبه الذي خلق عليه فإذا أبطل ذلك التركيب ~~وفك ذلك النظم لم يبق مسبحا مطلقا ولا على ذلك النحو. واعترض عليه أيضا ~~بأنه إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله سبحانه ms2916 وبصفاته مسبحة له ~~مع أنها ليس بأحياء انسد علينا باب العلم بكونه تعالى حيا لأنا نستدل بكونه ~~عالما قادرا على كونه حيا. ويمكن أن يجاب بأنا نستدل على حياته تعالى ~~بالإذن الشرعي، ولو سلم أن العلم يستلزم الحياة عقلا فقد قيل: إن لكل موجود ~~حياة تليق به. # ولما فرغ من الإلهيات شرع في النبوات فقال: وإذا قرأت القرآن قيل: نزلت ~~في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن عليهم. # يروى أنه كان كلما قرأ القرآن قام عن يمينه وعن يساره أحزاب من ولد قصي ~~يصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. وعن أسماء. كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جالسا ومعه أبو بكر إذا أقبلت امرأة أبي لهب ومعها حجر فهر تريد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تقول: # مذمما أتينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. فقال أبو بكر: يا رسول الله إن ~~معها حجرا أخشى عليك. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات. فجاءت ~~وما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت: إن قريشا قد علمت أني ابنة ~~سيدها وإن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: ورب هذه الكعبة ما هجاك. # وعن ابن عباس: أن أبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا جهل وغيرهم كانوا ~~يجالسون الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمعون حديثه. فقال النضر يوما: ما ~~أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء. وقال أبو سفيان: إني # PageV04P354 # أرى بعض ما يقوله حقا. وقال أبو جهل: هو مجنون. وقال أبو لهب: كاهن. وقال ~~حويطب بن عبد العزى: هو شاعر نزلت. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلها ثلاث ~~آيات وهن في سورة الكهف جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا ~~[الآية: 57] وفي النحل: أولئك الذين طبع الله على قلوبهم [الآية: 108] وفي ~~«حم الجاثية» أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [الآية: 23] . # وكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات عن عيون المشركين وذلك قوله: ~~جعلنا بينك وبين ms2917 الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا أي ذا ستر وقد جاء ~~مفعول بمعنى ذا كذا كما جاء فاعل على ذلك كثيرا نحو «لابن وتامر» من ذلك ~~قولهم «رجل مرطوب» أي ذو رطوبة، و «مكان مهول» و «ذهول» و «سبل مفعم» ذو ~~إفعام. وجوز الأخفش مجيء مفعول بمعنى فاعل مثل «مشؤوم» و «ميمون» . وقيل: ~~إنه حجاب يخلقه الله في عيونهم بحيث يمنعهم الحجاب عن رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذلك الحجاب شيء لا يراه أحد فهو مستور. وعلى هذا يصح قول ~~الأشاعرة إنه يجوز أن تكون الحاسة سليمة والمرئي حاضرا والرؤية غير حاصلة ~~لأجل أنه تعالى يخلق في العيون شيئا يمنعهم من الرؤية، ويحتمل أن يراد حجاب ~~من دونه حجاب أو حجب فهو مستور بغيره أو حجاب يستر أن يبصر فكيف يبصر ~~المحتجب به. والقول الثاني في الآية أن المراد بالحجاب الطبع والختم ~~فاستدلت الأشاعرة به وبقوله: وجعلنا على قلوبهم [الأنعام: 25] الآية. على ~~صحة مذهبهم في خلق الكفر والإيمان كما مر في سورة الأنعام في قوله: ومنهم ~~من يستمع إليك وجعلنا [الأنعام: 35] . وأجاب الجبائي بأن المراد أنهم ~~يطلبون موضعه بالليالي ليقتلوه ويستدلون عليه باستماع قراءته فأمنه الله من ~~شرهم بأن جعل في قلوبهم ما شغلهم عن فهم القرآن وفي آذانهم ما منعهم عن ~~سماع صوته. وقال الكعبي: أراد به التخلية والخذلان كالسيد إذا لم يراقب حال ~~عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني لم يراقب ~~حال عبده فساءت أخلاق العبد يقول: أنا ألقيتك في هذه الحالة بسبب أني خليتك ~~ورأيك. وقال جار الله: هذه حكاية لما كانوا يقولونه من قولهم قلوبنا غلف ~~وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب. ومن قبائح أهل الشرك أنهم كانوا ~~يحبون أن تذكر آلهتهم كلما ذكر الله فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم ~~نفروا وانهزموا عن المجلس فلذلك قال تعالى: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ~~وهو مصدر سد مسد الحال والتقدير يحد وحده مثل «وأرسلها العراك» ولوا على ms2918 ~~أدبارهم نفورا مصدر من غير لفظ التولية أو جمع نافر كقاعد وقعود فأوعدهم ~~الله على ذلك بقوله: نحن أعلم بما يستمعون به من الهزء بك وبالقرآن. قاتل ~~جار الله به في موضع الحال كما تقول يستمعون # PageV04P355 # بالهزء أي مصاحبين الهزء أو هازئين وإذ يستمعون نصب بما دل عليه أعلم أي ~~أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون وإذ هم نجوى أي يتناجون به إذ هم ذوو ~~نجوى إذ يقول الظالمون «إذ» بدل من «إذ هم» إن تتبعون أي على تقدير الإتباع ~~لأنهم لم يتبعوا رسول الله إلا رجلا مسحورا سحر فاختلط عقله وزال على حد ~~الاعتدال. وقيل: # المسحور الذي أفسد من قولهم «طعام مسحور» إذا أفسد عمله «أرض مسحورة» ~~أصابها من المطر أكثر مما ينبعي فأفسدها. وقال مجاهد مسحورا مخدوعا لأن ~~السحر حيلة وخديعة، زعموا أن محمدا يتعلم من بعض الناس وأولئك الناس كانوا ~~يخدعونه بهذه الحكايات، أو زعموا أن الشيطان يخدعه فيتمثل له بصورة الملك. ~~وقال أبو عبيدة: يريد بشرا ذا سحر وهو الرئة. قال ابن قتيبة: لا أدري ما ~~حمله على هذا التفسير المستنكر مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة. انظر ~~كيف ضربوا لك الأمثال شبهك كل منهم بشيء آخر فقالوا: إنه كاهن وشاعر وساحر ~~ومعلم ومجنون فضلوا في جميع ذلك عن طريق الحق فلا يستطيعون سبيلا إلى الهدى ~~والبيان ضلال من تحير في التيه الذي لا منار به. # وحين فرغ من شبهات القوم في النبوات حكى شبهتهم في أمر المعاد. وأيضا لما ~~ذكر أن القوم وصفوه بأنه مسحور فاسد العقل ذكر ما كان في زعمهم دالا على ~~اختلاط العقل وهو دعوى الإنسان أنه يصير حيا بعد أن كان عظاما أو رفاتا، ~~والرفات الأجزاء المفتتة من كل شيء ينكسر وهو اسم كالرضاض والفتات ويقال ~~منه: رفت عظام الجزور رفتا إذا كسرها. وتقرير الشبهة أن الإنسان إذا مات ~~جفت أعضاؤه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم واختلطت بسائطها بأمثالها من ~~العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها ثم عود الحياة إلى ms2919 ذلك ~~المجموع؟ فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بأن إعادة بدن الميت إلى حالة الحياة ~~أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي ~~وغضاضته ومن جنس ما ركب منه البشر كالحجارة أو الحديد فهو كقول القائل: ~~أتطمع في وأنا فلان؟ فيقول: كن ابن الخليفة أو من شئت فسأطلب منك حقي. # أما قوله: خلقا مما يكبر في صدوركم. فالمراد فرضوا شيئا آخر أبعد عن قبول ~~الحياة من الحجر والحديد بحيث تستبعد عقولكم كونه قابلا لوصف الحياة، وعلى ~~هذا لا حاجة إلى تعيين ذلك الشيء. وقال مجاهد: أراد به السموات والأرض. وعن ~~ابن عباس أنه الموت أي لو صارت أبدانكم نفس الموت فإن الله يعيد الحياة ~~إليها. وهذا إنما يحسن على سبيل المبالغة كما يقال: هو روح مجسم أو وجود ~~محض. وإلا فالموت عرض وانقلاب # PageV04P356 # الجسم عرضا محال. وبتقدير التسليم فالموت كيف يقبل الحياة لأن الضد يمتنع ~~أن يقبل الضد. وفي قوله: قل الذي فطركم أول مرة بيان كاف وبرهان شاف لأنه ~~لما سلم أن خالق الحيوان هو الله فتلك الأجسام في الجملة قابلة للحياة ~~والعقل وإله العالم عالم بجميع الجزئيات والكليات فلا يشتبه عليه أجزاء بدن ~~كل من الأموات، وإذا قدر على جعلها متصفة بالحياة في أول الأمر فلأن يقدر ~~على إعادتها إلى الحياة في ثاني الحال أولى. ألزمهم أولا بأن البعث أمر ~~ممكن وإن فرضتم بدن الميت أي شيء أردتم فكأنهم سلموا إمكانه ولكن تجاهلوا ~~وتغافلوا عن تعيين المعيد فقالوا: من يعيدنا فأجاب بأنه الفاطر الأول. ثم ~~زادوا في الاعتراض فسألوا عن تعيين الوقت يقينا وذلك قوله: # فسينغضون إليك رؤسهم أي فسيحركونها نحوك تعجبا واستهزاء. قال أبو الهيثم: ~~يقال للرجل إذا أخبر بشيء فحرك رأسه إلى فوق وإلى أسفل إنكارا له أنغض ~~رأسه. قال المفسرون «عسى» من الله واجب فعلم منه قرب وقت البعث، ولكن وقته ~~على التعيين مما استأثر الله بعلمه. لا يقال كيف يكون قريبا وقد انقرض أكثر ~~من سبعمائة سنة ولم يظهر ms2920 لأنا نقول: كل ما هو آت قريب، وإذا كان ما مضى ~~أكثر مما بقي فإن الباقي قليل. قوله: # يوم يدعوكم منتصب باذكروا والمراد يوم يدعوكم كان ما كان، أو هو بدل من ~~قريبا والمعنى عسى أن يكون البعث يوم يدعوكم بالنداء الذي يسمعكم وهو ~~النفخة الأخيرة. # يروى أن إسرافيل ينادي: أيها الأجسام البالية والعظام النخرة والأجزاء ~~المتفرقة عودي كما كنت. # والاستجابة موافقة الداعي فبما دعا إليه وهي مثل الإجابة بزيادة تأكيد ~~لما في السين من طلب الموافقة، قال في الكشاف: الدعاء والاستجابة كلاهما ~~مجاز، والمعنى يوم يبعثكم فتبعثون مطاوعين منقادين لا تمتنعون. # وقوله: بحمده حال منهم أي حامدين وهي مبالغة في انقيادهم للبعث كقولك لمن ~~تأمره بأمر يشق عليه: ستأتي به وأنت حامد شاكر أي متهيء إلى حالة تحمد الله ~~وتشكره على أن اكتفى منك بذلك العمل، وهذا يذكر في معرض التهديد. وقال سعيد ~~بن جبير: يخرجون من قبورهم وينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: سبحانك اللهم ~~وبحمدك. وقال قتادة: بحمده أي بمعرفته وطاعته لأن التسبيح والتحميد معرفة ~~وطاعة ومن هنا قال بعضهم: حمدوا حين لا ينفعهم الحمد. وقال آخرون: الخطاب ~~مختص بالمؤمنين لأنهم الذين يليق بهم الحمد لله على إحسانه إليهم وتظنون إن ~~لبثتم إلا قليلا عن قتادة: تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة ~~ومثله قول الحسن: معناه تقريب # PageV04P357 # وقت البعث وكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل. وقال ابن عباس: يريد ما ~~بين النفختين الأولى والثانية فإنه يزول عنهم هول العذاب في ذلك الوقت. ~~وقيل: أراد استقصار لبثهم في عرصة القيامة حين عاينوا هول النار. ثم أمر ~~المؤمنين بالرفق والتدرج عند إيراد الحجة على المخالفين فقال: وقل لعبادي ~~أي المؤمنين لأن لفظ العباد يختص بهم في أكثر القرآن فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول [الزمر: 17] عينا يشرب بها عباد الله [الدهر: 6] ، فادخلي في ~~عبادي [البقرة: 29] ، يقولوا الكلمة أو الحجة التي هي أحسن وألين وهي أن لا ~~تكون مخلوطة بالسب واللعن والغلظة. ثم نبه على وجه المنفعة بهذا الطريق ~~فقال: ms2921 إن الشيطان ينزغ بينهم أي بين الفريقين جميعا فيزداد الغضب وتتكامل ~~النفرة ويمتنع حصول المقصود. ثم قال: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أيها ~~المؤمنون بالإنجاء من كفار مكة إيذائهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم ~~وما أرسلناك يا محمد عليهم وكيلا أي حافظا موكولا إليك أمرهم إنما أنت بشير ~~ونذير. والهداية إلى الله. # وقال جار الله: الكلمة التي هي أحسن مفسرة بقوله: ربكم أعلم بكم إلى آخره ~~أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تقولوا لهم إنكم من أهل النار، وإنكم ~~معذبون وما أشبه ذلك مما يزيد غيظهم. وقوله: إن الشيطان ينزغ بينهم اعتراض. ~~وقيل: المراد بالعباد الكفار أي قل لعبادي الذين أقروا بكونهم عباد إلي ~~يقولوا الكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد والبراءة من الشركاء ~~والأضداد، لأن ذلك أحسن بالبديهة من الإشراك. # ووصفه بالقدرة على الحشر أحسن من وصفه بالعجز عنه، والحامل على مثل هذه ~~العقائد هو الشيطان المعادي. ثم قال لهم: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~بتوفيق الهداية، وإن يشأ يعذبكم بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة ~~غائبة عنكم فلا تقصروا في الجد والطلب. ثم قال لرسوله: وما أرسلناك عليهم ~~وكيلا حتى تقسرهم على الإسلام وما عليك إلا البلاغ على سبيل الرفق ~~والمداراة وهذا قبل نزول آية السيف. وقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه رجل ~~فأمره الله بالعفو. # وقيل: أفرط إيذاء المشركين للمسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنزلت. # وحين قال: ربكم أعلم بكم عمم الحكم فقال: وربك أعلم بمن في السماوات ~~والأرض يعني أن علمه غير مقصور عليكم ولا على أحوالكم بل علمه متعلق بجميع ~~الموجودات وبما يليق بكل منها وبذلك حصل التمايز والتفاضل كما قال: ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض وفيه رد على أهل مكة في إنكارهم أن يكون يتيم ~~أبي طالب مفضلا على الخلائق ونبيا دون صناديد قريش # PageV04P358 # وأكابرهم. وأنما ختم الآية بقوله: وآتينا داود زبورا ليعلم أن التفضيل ~~ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين ms2922 فإن داود كان ملكا عظيما ولم ~~يذكره الله سبحانه إلا بمزية إيتاء الكتاب. وفيه أيضا إشارة إلى أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله: # ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~[الأنبياء: 105] أي محمد وأمته. ومعنى التنكير في «زبور» أنه كامل في كونه ~~كتابا. والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن، أو المراد بعض الزبر أو ~~الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآنا. وقيل: # إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في ~~استخراج الشبهات، وكانت اليهود تقول: إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد ~~التوراة، فنقض الله كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى. # ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة، ~~أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير فقال: قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه وقيل: أراد بالذين زعمتم نفرا من الجن عبدهم ناس ~~من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا. وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف ~~لأن قوله بعد ذلك يبتغون إلى ربهم الوسيلة لا يليق بالجمادات. قال ابن ~~عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه لفظ الزعم فهو بمعنى الكذب. وتقرير ~~الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال ~~أو مكان إلى مكان، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب ~~القطع بأنها ليست بآلهة. سؤال: ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على ~~كشف الضر؟ فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل ~~الإجابة قلنا: إن المسلمين أيضا يتضرعون إلى الله ولا يجابون، وبتقدير ~~الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضا يحصل مطلوبهم أحيانا فيقولون إنه من ~~الملائكة. # جوابه أن الملائكة مقرون بأن الإله الأعظم خالق العالم، فكمال قدرته ~~معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه، بل المتفق ~~عليه أن قدرتهم ms2923 بالنسبة إلى قدرة الله قليلة حقيرة، وإذا كان كذلك وجب أن ~~يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذا بالمعلوم المتيقن دون ~~المظنون الموهوم. على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود ~~إلا لله تعالى. يقول مؤلف هذا التفسير: أضعف عباد الله تعالى وأحوجهم إليه ~~الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه. ~~رأيت # في بعض الكتب مرويا عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من وقع في ملمة ~~أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت: قل # PageV04P359 # ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا # فيا من يملك كشف الضر عنا وتحويله اكشف ما بي، فإنه إذا قال ذلك كشف الله ~~عنه ضره وكفى مهمه. # وقد جرب فوجد كذلك. # ثم إنه تعالى أكد عدم اقتدار معبوديهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله ~~تعالى في جذب المنافع ودفع المضار فقال: أولئك وهو مبتدأ والذين يدعون صفته ~~ويبتغون خبره يعني أولئك المعبودين يطلبون إلى ربهم الوسيلة أي القربة في ~~الحوائج وأيهم بدل من واو ويبتغون وهو موصول وصدر صلته محذوف أي يبتغي من ~~هو أقرب الوسيلة إلى الله فكيف بغير الأقرب؟ والدليل على هذا الافتقار ~~إقرار جميع الكفار بإمكانهم الذاتي وجوز في الكشاف أن يضمن يبتغون الوسيلة ~~معنى يحرصون فكأنه قيل: # يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله وذلك بازدياد الخير والطاعة والصلاح، ~~ويرجون ويخافون كغيرهم من العباد. وقيل: أولئك الذين يدعون هم الأنبياء ~~الذين ذكرهم الله في قوله: لقد فضلنا بعض النبيين أي الذين عظمت منزلتهم ~~وهم الأنبياء الداعون للأمم إلى الله، لا يعبدون إلا الله ولا يبتغون ~~الوسيلة إلا إليه فأنتم أحق بالعبادة. واحتج هذا القائل على صحة قوله بأن ~~الله تعالى قال: يخافون عذابه والملائكة لا يعصون الله فكيف يخافون عذابه؟ ~~وأجيب بأنهم يخافون عذابه لو أقدموا على الذنب لقوله: ومن يقل منهم إني إله ~~من دونه فذلك نجزيه جهنم [الأنبياء: 29] ، إن عذاب ms2924 ربك كان محذورا أي حقيقا ~~بأن يحذره كل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلا عن غيرهم، فإن لم يحذره بعض ~~الجهلة فإنه لا يخرج من كونه واجب الحذر. ثم بين مآل حال الدنيا وأهلها ~~فقال: وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة بالموت والاستئصال أو ~~معذبوها بالقتل وأنواع العذاب كالسبي والاغتنام. وقيل: الهلاك للصالحة ~~والتعذيب للطالحة كان ذلك في الكتاب وهو اللوح المخفوظ مسطورا فلا يوجد له ~~تبديل قط. # ثم ذكر نوعا آخر من سننه فقال: وما منعنا استعار المنع للترك من أجل لزوم ~~خلاف الحكمة والمشيئة. عن سعيد بن جبير أن كفار قريش اقترحوا منه آيات ~~باهرة كإحياء الموتى ونحوه. # وعن ابن عباس أنهم سألوا الرسول أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل عنهم ~~الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم من الله ~~تعالى ذلك فقال: إن شئت فعلت لكنهم إن كفروا بعد ذلك أهلكتهم. فقال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: # لا أريد ذلك وأنزل الله الآية. # والمعنى وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه من # PageV04P360 # الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم كعاد ~~وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك واستوجبوا عذاب الاستئصال ~~على ما أجرى الله تعالى به عادته. والحاصل أن المانع من إرسال الآيات التي ~~اقترحوها هو أن الاقتراح مع التكذيب موجب للهلاك الكلي، وقد عزمنا أن نؤخر ~~أمر من بعث إليهم إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أنهم مقلدون لآبائهم فلا ~~يؤمنون البتة كما لم يؤمنوا فيكون إرسال الآيات ضائعا. ثم استشهد عى ما ذكر ~~بقصة صالح وناقته لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة يبصرها صادرهم ~~وواردهم وهذا معنى قوله مبصرة أو المراد حال كون الناقة آية بينة يبصر ~~المتأمل بها رشده فظلموا أنفسهم بقتلها أو فكفروا بها بمعنى أنهم جحدوا ~~كونها من الله قاله ابن قتيبة وما نرسل بالآيات المقترحة إلا تخويفا من ~~نزول العذاب العاجل بمعنى أن من أنكرها وقع ms2925 عليه، أو المراد وما نرسل بآيات ~~القرآن وغيرها من المعجزات إلا إنذارا بعذاب الآخرة على المعنى المذكور. ~~وحين امتنع من إرسال الآيات المقترحة على رسوله للمصارف المذكورة قوى قلبه ~~بوعد النصر بالغلبة فقال: # وإذ قلنا لك إن ربك أي واذكر إذا أوحينا إليك أن ربك أحاط بالناس أي أنهم ~~في قبضته وقدرته فلا يقدرون على خلاف إرادته فينصرك ويقويك حتى تبلغ ~~الرسالة. عن الحسن: # حال بينهم وبينه أن يقتلوه كما قال: والله يعصمك من الناس [المائدة: 67] ~~وقيل: # أراد بالناس أهل مكة، وأحاط في معنى الاستقبال إلا أن خبر الله تعالى لما ~~كان واجب الوقوع عبر عنه بلفظ الماضي، وعد نبيه بأنه سيهلك قريشا في وقعة ~~بدر. # أما قوله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ففيه أقوال: ~~الأول أنه تعالى أراه في المنام مصارع كفار قريش حتى قال: والله لكأني أنظر ~~إلى مصارع القوم وهو يأتي الأرض ويقول: هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، فلما ~~سمع قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية وكانوا يستعجلون بما وعد. الثاني: أنه ~~رؤياه التي رأى أن يدخل مكة وبذلك أخبر أصحابه، فلما منع من البيت الحرام ~~عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم. وقال عمر لأبي بكر: قد أخبرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت فنطوف به. # فقال أبو بكر: إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة ~~أخرى. فلما جاء العام القابل دخلها وأنزل الله تعالى: لقد صدق الله رسوله ~~الرؤيا بالحق [الفتح: # 27] . الثالث: # قول سعيد بن المسيب وابن عباس في رواية عطاء أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك. # الرابع وهو قول أكثر المفسرين: أن المراد بهذه الرؤيا هي حديث الإسراء. ~~ثم اختلفوا، فالأكثرون على أن # PageV04P361 # الرؤيا بمعنى الرؤية يقال: رأيت بعيني رؤية ورؤيا، أو سماها رؤيا على قول ~~المكذبين حين قالوا لعلها رؤيا رأيتها وخيال خيل إليك. والأقلون على أن ~~الإسراء كان في ms2926 المنام وقد مر هذا البحث في أول السورة. قوله: والشجرة فيه ~~تقديم وتأخير، والتقدير وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في ~~القرآن إلا فتنة للناس. قال الأكثرون: إنها شجرة الزقوم لقيت في القرآن حيث ~~لعن طاعموها. قال عز من قائل: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم أو وصفت باللعن ~~لأنه إلا بعاد وهي في أصل الجحيم أبعد مكان من الرحمة، أو العرب تقول لكل ~~طعام مكروه ضار ملعون. والفتنة فيها أن أبا جهل وغيره قالوا: زعم صاحبكم أن ~~نار جهنم تحرق الحجر ثم يقول ينبت فيها الشجر فأنزل الله تعالى هذه الآية. ~~ونظيره قوله: إنا جعلناها فتنة للظالمين [الصافات: 63] . ومن شاهد حال ~~السمندل والنعامة كيف يتعجب من قدرة الله على إنبات الشجرة من جنس لا تعمل ~~فيه النار. وعن ابن عباس: الشجرة الملعونة بنو أمية. وعنه هي الكشوث التي ~~تتلوى بالشجر تجعل في الشراب. وقيل: هي الشيطان. وقيل: اليهود سؤال: أي ~~تعلق لحديث الرؤيا والشجرة إلى ما قبله من الكلام؟ جوابه كأنه قيل: إنهم ~~لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة في أنك لست ~~بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا ينبغي أن يكون سببا في ~~توهين أمرك. ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا والشجرة صار سببا لوقوع الشبهة ~~العظيمة، ثم إنها ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك. ~~ثم ذكر سببا آخر في أنه تعالى لا يظهر المقترحات عليهم فقال: # ونخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا متماديا. ### | التأويل: # لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا يشتمل معنيين لأنهم إن كانوا أكبر منه أو ~~أمثالا له طلبوا طريقا إلى إزعاج صاحب العرش ونزع الملك منه قهرا، وإن ~~كانوا أدون منه طلبوا إليه الوسيلة بالخدمة والعبودية على أن الناقص لا ~~يصلح للإلهية وهذا قريب من التفسير: وإن من شيء إلا يسبح بحمده لكل ذرة من ~~ذرات الموجودات ملكوت لقوله: # فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء [يس: 83] والملكوت باطن ms2927 الكون وهو الآخرة، ~~والآخرة حيوان لا جماد لقوله: إن الدار الآخرة لهي الحيوان [العنكبوت: 64] ~~فلكل ذرة لسان ملكوتي ناطق بالتسبيح والحمد تنزيها لصانعه وحمدا له على ما ~~أولاه من نعمه، وبهذا اللسان ينطق الحصى في كف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبه تنطق الأرض يوم القيامة يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة: 4] وبه تنطق ~~الجوارح أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [فصلت: 21] وبه نطق السموات والأرض ~~قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11] # PageV04P362 # وإنه كان حليما في الأزل إذا أخرج من العدم من يكفر به ويجحده غفورا لمن ~~تاب عن كفره: وإذا قرأت القرآن فيه إشارة إلى أن من قرأ القرآن بتمامه وصل ~~إلى أعلى معارج القدس وأقصى مدارج الأنس كما # جاء في الحديث «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق» «1» . # قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج ~~الجنة فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درجات الجنة. قال ~~المحققون: استيفاء جميع آي القرآن هو أن يتخلق بأخلاقه وصفاته بل بأخلاق ~~الله وصفات الله. وهذا يكون بعد العبور عن الحجب الظلمانية والنورانية ~~فيكون بينه وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا. لم يقل «ساترا» لأن ~~الحجاب يستر الواصل عن المنقطع ولا يستر المنقطع عن الواصل فيكون الواصل ~~مستورا بالحجاب المنقطع. ولوا على أدبارهم لأنهم من سوء مزاجهم لا يكادون ~~يقبلون الغذاء الصالح، فالحلاوة في مذاقهم مرارة إذ يقول الظالمون من ظلمهم ~~لأنهم وضعوا المسحور مكان المبعوث أي خلقا مما يكبر في صدوركم أي لو كانت ~~قلوبكم التي في صدوركم أشد من الحجارة والحديد فالله قادر على إحيائه ~~وتليينه في قيام قيامة العشق يقولوا التي هي أحسن من شرف من عبيده، فبتشريف ~~الإضافة يظهر منه القول الأحسن وهو الدعاء إلى الله بلا إله إلا الله ~~مخلصا، والفعل الأحسن وهو أن يكون متأدبا بآداب الشريعة والطريقة، والخلق ~~الأحسن وهو أن يكون محسنا إليهم بلا طمع الإحسان والشكر منهم ويتجاوز عن ~~سيئاتهم ويعيش فيهم بالنصيحة، يأمرهم بالمعروف بلا عنف وينهاهم عن المنكر ms2928 ~~بلا فضيحة إن الشيطان ينزغ بينهم إذ لم يعيشوا بالنصيحة. وآتينا داود زبورا ~~فيه أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم على داود كفضل القرآن على الزبور. وإن ~~من قرية من قرى قالب الإنسان إلا نحن مهلكوها بموت قلبه وروحه قبل موت ~~قالبه فمن مات فقد قامت قيامته أو معذبوها بأنواع الرياضات والمجاهدات ففي ~~السير إلى الله ذوبان الأفعال، وفي السير بالله ذوبان الصفات، وفي السير في ~~الله ذوبان الذات: أحاط بالناس علم مقتضى كل نفس من الخير والشر وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك كان الوحي يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مبدأ ~~أمره بطريق المنام وكان في ذلك اختبار للناس، فمن وقته يظهر الموافق من ~~المنافق والصديق من الزنديق، وهكذا كان في شجرة وجود إبليس ابتلاء للناس ~~ولم يكن للمحيط بأحوال الناس حاجة إلى الابتلاء ولكنه يعامل معاملة المختبر ~~والله أعلم بالصواب. PageV04P363 ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 72] # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ~~(61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ~~(63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا (65) # ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ~~(66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا (69) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه ms2929 بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ~~(72) ### | القراآت: # أخرتني بالياء في الحالين: ابن كثير غير الهاشمي عن ابن فليح وسهل ويعقوب ~~وأفق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل. الباقون بالحذف ورجلك بكسر الجيم: ~~حفص وأبو زيد عن المفضل الآخرون بسكونها. أن نخسف، أو نرسل، أن نعيدكم، ~~فنرسل، فنغرقكم كلها بالنون: ابن كثير وأبو عمرو. والباقون على الغيبة إلا ~~يعقوب ويزيد فإنهما قرأ فتغرقكم بالتاء الفوقانية على أن الضمير للريح من ~~الرياح على الجمع يزيد: هذه أعمى بالإمالة أعمى بالتفخيم: أبو عمرو ونصير ~~والبرجمي ورويس. وقرأ حمزة وعلي غير نصير وخلف ويحيى وحماد جميعا بالإمالة. # الباقون جميعا بالتفخيم. ### | الوقوف: # إبليس ط طينا ه لاتحاد فاعل فعل قبله وفعل بعده بلا حرف عطف علي ز لحق ~~القسم المحذوف مع اتحاد الكلام قليلا ه موفورا ه وعدهم ط للعدول غرورا ه ~~سلطان ط وكيلا ه من فضله ط رحيما ه إلا إياه ج أعرضتم ط كفورا ه وكيلا ه لا ~~للعطف تبيعا ه تفضيلا ه بإمامهم ج فتيلا ه سبيلا. # PageV04P364 ### | التفسير: # قال أهل النظم: إنه لما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من قومه في ~~بلية عظيمة ومحنة شديدة، أراد أن يبين أن جميع الأنبياء كانوا كذلك حتى آدم ~~عليه السلام. وأيضا إن القوم كان منشأ نزاعهم واقتراحاتهم الفاسدة أمرين: ~~الكبر والحسد. # فبين الله سبحانه أن هذه عادة قديمة سنها إبليس لعنة الله عليه. وأيضا ~~لما وصف القوم بزيادة الطغيان عقيب التخويف أراد أن يذكر السبب لحصول هذا ~~الطغيان وهو قول إبليس لأحتنكن ذريته وهذه القصة ذكرها الله تعالى في سبع ~~سور: البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص. ونحن قد استقصينا ~~القول فيه فلا حاجة إلى الإعادة فلنقتصر على تفسير الألفاظ. قال جار الله ~~طينا حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد معناه أأسجد له وهو طين في ~~الأصل؟ وإما من الراجع إلى الموصول من الصلة تقديره ms2930 أأسجد لمن كان في وقت ~~خلقه طينا؟ ومعنى الاستفهام إنكار أمر الأشرف على زعمه بخدمة الأدون ولذلك ~~قال أرأيتك أي أخبرني عن هذا الذي كرمته أي فضلته علي لم كرمته وأنا خير ~~منه؟ فاختصر الكلام لكونه معلوما. ويمكن أن يقال: هذا مبتدأ والاستفهام فيه ~~مقدر معناه أخبرني أهذا الذي كرمته علي؟ والإشارة هنا تفيد الاستحقار. ~~وقيل: إن هذا مفعول: أرأيتك لأن الكاف لمجرد الخطاب كأنه قال على وجه ~~التعجب والإنكار: أبصرت أو علمت هذا بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن ~~لا يكرم علي. ثم ابتدأ فقال لئن أخرتني واللوم موطئة للقسم المحذوف وجوابه ~~لأحتنكن ذريته لأستأصلنهم بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها ~~أكلا من الحنك. ومنه ما ذكر سيبويه «أحنك الشاتين» أي آكلهما. وقال أبو ~~مسلم: هو افتعال من الحنك يقال منه حنك الدابة يحنكها إذا جعل في حنكها ~~الأسفل حبلا يقودها به كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه. وإنما ظن ~~إبليس بهم ذلك لأنه سمع قول الملائكة في حقهم تجعل فيها من يفسد فيها ~~[البقرة: 30] أو نظر إليه فتوسم أنه خلق شهواني إلى غير ذلك من قواه ~~السبعية والوهمية والبهيمية، أو قاس ذرية آدم عليه حين عمل وسوسته فيه. ~~وضعفه جار الله بأن الظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة قال أي الله ~~تعالى اذهب ليس المراد منه نقيض المجيء وإنما المراد امض لشأنك الذي اخترته ~~خذلانا وتخيلة وإمهالا. ثم رتب على الإمهال قوله: فمن تبعك منهم فإن جهنم ~~جزاؤكم أراد جزاؤهم وجزاؤك فغلب المخاطب على الغائب لأنه الأصل في المعاصي ~~وغيره تبع له. وجوز في الكشاف أن يكون الخطاب لتابعيه على طريقة الالتفات. ~~وانتصب جزاء موفورا على المصدر والعامل فيه معنى تجازون المضمر، أو # PageV04P365 # المدلول عليه بقوله: فإن جهنم جزاؤكم أو على الحال الموطئة. والموفور ~~الموفر من قولهم «فر لصاحبك عرضه فرة» . وقيل: هو بمعنى الوافر. # ثم أكد الإمهال والخذلان بقوله: واستفزز من استطعت منهم بصوتك أفزه الخوف ~~واستفزه أزعجه ms2931 واستخفه، وصوته دعاؤه إلى معصية الله. وقيل: الغناء واللهو ~~واللعب وأجلب عليهم بخيلك ورجلك قال الفراء وأبو عبيدة: أجلب من الجلبة ~~والصياح أي صح عليهم. وقال الزجاج: أي أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من ~~مكايدك. # فالإجلاب الجمع والباء في بخيلك زائدة. وقال ابن السكيت: الإجلاب ~~الإعانة، والخيل يقع على الفرسان # قال صلى الله عليه وسلم: يا خيل الله اركبي. # وعلى الأفراس جميعا. والرجل بسكون الجيم جمع راجل كتاجر وتجر وصاحب وصحب. ~~وبكسر الجيم صفة معناه وجمعك الرجل. وتضم جيمه أيضا مثل ندس وندس وحذر ~~وحذر. عن ابن عباس: كل راكب وراجل في معصية الله فهو من خيل إبليس وجنوده. ~~وقيل: يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضها راكب وبعضها راجل، ~~والأقرب أن هذا كلام ورد تمثيلا فقد يقال للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ~~ورجلك. قال في الكشاف: مثلت حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار أوقع على ~~قوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم، وأجلب عليهم ~~بجند من خيالة ورجالة حتى إذا استأصلهم. أما المشاركة في الأموال فهي كل ~~تصرف في المال لا على وجه الشرع سواء كان أخذا من غير عوض أو وضعا في غير ~~حق كالربا والغضب والسرقة. وقيل: هي تبتيك آذان الأنعام وجعلها بحيرة ~~وسائبة. والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب وتحصيله بالدعاء إلى ~~الزنا، أو تسميتهم بعبد اللات وعبد العزى، أو تربيتهم لا كما ينبغي حتى ~~ينشأوا غير راشدين ولا مؤدبين ولا متدينين بدين الحق. و- عدهم بتزيين ~~المعاصي في أعينهم وترغيبهم فيها وتثقيل الطاعات والعبادات عليهم وتنفيرهم ~~عنها، وهذه قضية كلية وربما يخصه المفسرون، فعن بعضهم أن المراد وعدهم بأنه ~~لا جنة ولا نار. وقيل: # تسويف التوبة. وقيل: بالكرامة على الله بالأنساب والأحساب. وقيل: بشفاعة ~~الأصنام والأماني الباطلة وإيثار العاجل عى الآجل. ثم نفى أن يكون لوعد ~~الشيطان عاقبة حميدة فقال: وما يعدهم الشيطان إلا غرورا لأنه إنما يدعو إلى ~~الذات البهيمية أو السبعية أو الخيالية، وأكثرها دفع الآلام ms2932 وكلها لا أصل ~~لها ولا دوام. ومن أراد الاستقصاء في هذا الباب فعليه بمطالعة باب «ذم ~~الغرور من كتاب إحياء علوم الدين» للشيخ الإمام محمد الغزالي رحمه الله. # PageV04P366 # ولما قال للشيطان على سبيل الوعيد والتهديد افعل ما تقدر عليه ربط جأش ~~سائر المكلفين بقوله: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [الحجر: 42] قال ~~الجبائي: المراد كل عباده لأنه استثنى متبعيه في غير هذا الموضع قائلا: إلا ~~من تبعك [الحجر: 42] وقال أهل السنة: المراد عباد الله المخلصين. ثم زاد في ~~تقوية جانب المكلف فختم الآية بقوله: وكفى بربك وكيلا فهو يدفع كيد الشيطان ~~ويعصمهم من إغوائه. ثم عدد على بني آدم بعض ما أنعم به عليهم ليكون تذكيرا ~~لهم وتحذيرا فقال: ربكم الذي يزجي لكم أي يسير لأجلكم الفلك في البحر ~~والإزجاء سوق الشيء حالا بعد حال لتبتغوا من فضله الربح بالتجارة إنه كان ~~بكم رحيما فلذلك هداكم إلى مصالح المعاش المؤدية إلى منافع المعاد وإذا ~~مسكم الضر أي خوف الغرق في البحر ضل من تدعون ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل ~~من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده فإنكم تعقدون برحمته رجاءكم، أو المراد ~~ضل من تدعون من الآلهة عن إغاثتكم ولكن الله هو الذي ترجونه وحده فكان ~~الاستثناء منقطعا فلما نجاكم من ذلك الضر وأخرجكم إلى البر أعرضتم عن ~~الإخلاص وكان الإنسان كفورا لنعمة الله لأنه عند الشدة يتمسك برحمة الله ~~وفي الرخاء يعرض عنه. ثم أنكر عليهم سوء معاملتهم قائلا: # أفأمنتم تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض أن يخسف أصله دخول ~~الشيء في الشيء ومنه عين خاسفة للتي غارت حدقتها في الرأس، وخسف القمر دخل ~~تحت الحجاب وهو دائرة الظل عند الحكماء بكم حال، وإنما قال: جانب البر لأنه ~~ذكر البحر في الآية الأولى وهو جانب والبر جانب، وخسف جانب البر بهم قلبه ~~وهم عليه فالخسف تغييب تحت التراب كما أن الغرق تغييب تحت الماء، فهبوا ~~أنكم نجوتم من هول البحر فهل أمنتم من هول البر فإنه قادر على ms2933 تسليط آفات ~~البر عليكم. إما من جانب التحت بالخسوف، وإما من جانب الفوق بإمطار الحجارة ~~وذلك أن يرسل عليكم حاصبا وهي الريح التي تحصب أي ترمي بالحصباء. وقال ~~الزجاج: الحاصب التراب الذي فيه حصباء، فالحاصب ذو الحصباء كاللابن ~~والتامر. ولا يخفي أن هذين العذابين أشد من غرق البحر. ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا يصرف ذلك عنكم أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى بأن يقوي دواعيكم ~~ويوفر حوائجكم إلى ركوب البحر فيرسل عليكم قاصفا وريحا لها قصيف أي صوت ~~شديد أو القاصف الكاسر. وقوله: من الريح بيان له فيغرقكم بما كفرتم بسبب ~~كفركم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا مطالبا يتبعنا لإنكار ما نزل بكم أو ~~لنصرفه عنكم فهو كقوله: ولا يخاف عقباها [الشمس: 16] . # PageV04P367 # ثم أجمل ذكر النعمة بقوله: ولقد كرمنا بني آدم وقد ذكر المفسرون في ~~تكريمه وجوها منها: الخط فيه يقدر الإنسان على إيداع العلوم التي استنبطها- ~~هو أو غيره- الدفاتر فتبقى على وجه الدهر مصونة عن الاندراس محفوظة عن ~~الانطماس اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم [العلق: 3، 4] ومنها الصورة ~~الحسنة وصوركم فأحسن صوركم [غافر: 64] ، ومنها القامة المعتدلة لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم [التين: 4] ومنها أن كل شيء يأكل بقية إلا ابن آدم. ~~يحكى عن الرشيد أنه حضر لديه طعام فأحضرت الملاعق- وعنده أبو يوسف- فقال ~~له: جاء في تفسير جدك ابن عباس أن هذا التكريم هو أنه جعل لهم أصابع يأكلون ~~بها فرد الملاعق وأكل بأصابعه. ومنها ما قال الضحاك: إنه النطق والتمييز ~~فإن الإنسان يمكنه تعريف غيره كل ما عرفه بخلاف سائر الحيوان، ويدخل الأخرس ~~في هذا الوصف لأنه يعرف بالإشارة أو الكتابة، ويخرج الببغاء ونحوه لأنه لا ~~يقدر على تعريف جميع الأحوال على الكمال. ومنها تسليطهم على ما في الأرض ~~وتسخيره لهم، فالأرض لهم كالأم الحاضنة منها خلقناكم وفيها نعيدكم [طه: # 55] وهي لهم فراش ومهاد، والماء ينتفعون به في الشرب والزراعة والعمارة ~~وماء البحر ينتفع به في التجارة واستخراج الحلي منه، والهواء مادة الحياة ~~ولولا هبوب الرياح ms2934 لاستولى النتن على المعمورة، والنار ينتفع بها في الطبخ ~~والإنضاج ودفع البرد وغير ذلك، وانتفاعهم بالمركبات المعدنية والنباتية ~~والحيوانية ظاهر. وبالجملة فهذا العالم بأسره كقرية معمورة أو خوان معد، ~~والإنسان فيه كالرئيس المخدوم والملك المطاع، فأي تكريم يكون أزيد من هذا؟ ~~ولا شك أن الإنسان- لكونه مستجمعا للقوة العقلية القدسية وللقوتين الشهوية ~~البهيمية والغضبية السبعية ولقوتي الحس والحركة الإرادية وللقوى النباتية ~~وهي الاغتذاء والنمو والتوليد- يكون أشرف مما لم يستجمع الجميع سوى ~~المجردات المحضة. # وقال بعضهم: إن هذا التكريم هو أنه تعالى خلق آدم بيده وأبدع غيره بواسطة ~~«كن» . # يروى عن زيد بن أسلم أن الملائكة قالت: ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا ~~يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة. فقال: وعزتي وجلالي ~~لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له «كن» فكان. # ثم خص بعض أنواع التكريم بالذكر فقال: وحملناهم في البر والبحر قال ابن ~~عباس: في البر أي على الخيل والبغال والحمير وفي البحر أي على السفن ~~ورزقناهم من الطيبات من كل غذاء نباتي أو حيواني ألطفه وألذه. واعلم أن ~~التكريم لا يدل على التفضيل لأن تكريم زيد لا ينافي تكريم غيره بأزيد من ~~ذلك ولذلك ختم التكريم بقوله: # PageV04P368 # وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فسر بعض الأشاعرة الكثير هاهنا بمعنى ~~الجميع فشنع عليه جار الله بأنه شجى في الحلق وقذى في العين لبشاعة قول ~~القائل: وفضلناهم على جميع ممن خلقنا. والإنصاف أن كون الكثير مفيدا لمعنى ~~الجميع لا يوجب هذا التشنيع، لأنه لا يلزم من إفادة اللفظ معنى لفظ آخر ~~بمعنى أنه يرجع الحاصل إلى ذلك بدلالة الالتزام، أو بحكم العرف أن يوضع ذلك ~~اللفظ موضعه وينطق به على أن التفسير لا يقوم مقام المفسر البتة، لأن هذا ~~معجز دون ذلك فكيف يبقى الذوق بحاله؟ وأيضا فالحاصل هو قولنا على جميع من ~~خلقنا لا على جميع ممن خلقنا، فإن الدعوى هو أن كثيرا من الشيء أقيم مقام ~~كل ذلك الشيء لا كل من ذلك الشيء حتى ms2935 تلزم البشاعة من قبل الجمع بين لفظي ~~الكل و «من» التبعيضية. هذا وإن الحق في المسألة هو إجراء الكلام على ~~ظاهره، وإن الآية تدل على أنه حصل في مخلوقات الله شيء لا يكون للإنسان ~~تفضيل عليه، لأنه سبحانه ذكر في هذا الكلام في معرض المدح، ولو كان الإنسان ~~مفضلا على الكل لم يقع من الله تعالى الاقتصار على ذكر البعض. وكل من أثبت ~~هذا القسم قال: إنه هو الملائكة. فلزم القول بأن كل الإنسان ليس أفضل من كل ~~الملائكة بل بعض الملك أفضل من أكثر الإنسان وإن كان يوجد في خواص الإنسان ~~من هو أفضل من عوام الملائكة بل من خواصهم، وإلى هذا ذهب ابن عباس واختاره ~~الزجاج على ما رواه الواحدي في البسيط. وأما أن كل الملائكة أفضل من كل ~~البشر- على ما زعم جار الله وأمثاله- فإنه تحكم محض. # ولما ذكر أنواع كرامات الإنسان في الدنيا شرح أحوال درجاته في الآخرة ~~فقال: # يوم ندعوا وهو منصوب بإضمار «اذكر» أو بقوله: فضلناهم على عادة الله في ~~الإخبار أي ونفضلهم في هذا اليوم بما نعطيهم من الكرامة والثواب، وعلى هذا ~~يكون التكريم في الدنيا والتفضيل في الآخرة ولا وقف على تفضيلا والإمام في ~~اللغة كل ما يؤتم به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين. والباء في ~~قوله: بإمامهم للإلصاق كما تقول أدعوك باسمك. عن أبي هريرة مرفوعا أنه ~~ينادى يوم القيامة يا أمة إبراهيم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد، ~~فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادى يا ~~أتباع فرعون وفلان وفلان من رؤساء الضلال وأكابر الكفر. ويجوز أن يتعلق ~~الباء بمحذوف وهو الحال والتقدير: تدعو كل أناس متلبسين بإمامهم أي يدعون ~~وإمامهم في نحو «ركب بجنوده» . وروى الضحاك وابن زيد أنه ينادى في القيامة ~~يا أهل القرآن يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل. وقال الحسن: يدعون بكتابهم ~~الذي فيه أعمالهم # PageV04P369 # فيقال: يا أصحاب كتاب الخير يا أصحاب كتاب الشر. وهو ms2936 قول الربيع وأبي ~~العالية أيضا. # قال صاحب الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع «أن» وأن الناس يدعون ~~يوم القيامة بأمهامتهم. والحكمة في ذلك في رعاية حق عيسى وإظهار شرف الحسن ~~والحسين عليهما السلام وأن لا يفتضح أولاد الزنا. ثم قال: وليت شعري أيهما ~~أبدع أصحة لفظه أم بيان حكمته؟ وقال في التفسير الكبير: كل خلق يظهر من ~~الإنسان حسن كالعفة والشجاعة والعلم، أو قبيح كأضدادها فالداعي إلى تلك ~~الأفعال خلق باطن كالإمام له وكالمنبع والمنشأ، ويوم القيامة إنما يظهر ~~الثواب والعقاب بناء على الأفعال الناشئة من تلك الأخلاق فمن أوتي هو في ~~معنى الجمع ولذلك قيل في جزائه فأولئك يقرؤن وخص أصحاب اليمين بقراءة ~~كتابهم لأن قراءة أصحاب الشمال كلا قراءة لما يعرض لهم فيه من الحياء ~~والخجل والتتعتع ومن كان في هذه الدنيا أعمى لا خلاف أن المراد بهذا العمى ~~عمى القلب. وأما قوله: فهو في الآخرة أعمى فيحتمل أن يراد به عمى البصر ~~كقوله: ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا [طه: ~~25] وفي هذا زيادة العقوبة. ويحتمل أن يراد عمى القلب. قال ابن عباس: ~~المراد ومن كان أعمى في هذه النعم التي عددها من قوله: ربكم الذي يزجي إلى ~~قوله: # تفضيلا فهو في الآخرة التي لم ير ولم يعاين أعمى بالطريق الأولى، لأن ~~الضلال عن معرفة أحوال الآخرة أقرب وقوعا، فعلى هذا يكون الأعمى في ~~الموضعين في الدنيا، ومثله ما روى أبو روق عن الضحاك. من كان في الدنيا ~~أعمى عما يرى من قدرته في خلق السماء والأرض والبحار والجبال والناس ~~والدواب، فهو عن أمر الآخرة وتحصيل العلم به أعمى. قال المفسرون: لا يبعد ~~أن يكون أعمى على هذا التفسير «أفعل» التفضيل ودليله قراءة أبي عمر وبإمالة ~~الأول وتفخيم الثاني، لأن الأول ألفه واقعة في الطرف فكانت عرضة للإمالة ~~ومظنة لها بخلاف الثاني فإن تمامه بمن فكانت ألفه في حكم وسط الكلمة. # هذا قول صاحب الكشاف تابعا لأبي علي الفارسي. وأقول: في ms2937 هذا الوجه نظر، ~~لأن الإمالة ليست مختصة بآخر الكلمة مثل «شيئان» «والكافرين» ونحوهما ولهذا ~~قرىء بإمالة كليهما مع قيام هذا الاحتمال في الثاني، ولعل من لم يمل الثاني ~~راعى المشاكلة بينه وبين أضل والله أعلم. قال الحسن: في الآخرة أي في الدار ~~الآخرة وذلك أنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل. وقيل: المراد ~~بالعمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الجنة وإلى طيباتها والابتهاج، بها ~~ولا يمكن أن يراد بها الجهل بالله لأن أهل الآخرة يعرفون الله بالضرورة. # PageV04P370 ### | التأويل: # من استطعت منهم بصوتك أي بكلمات المبتدعة ومقالات أهل الطبيعة إن عبادي ~~ليس لك عليهم سلطان لأنهم بخصوصية العبودية تخلصوا عن رق الكونين وتعلق ~~العالمين وكفى بربك وكيلا في تربيتهم وتهيئة صلاح أحوالهم. ربكم الذي يزجي ~~لكم فلك الشريعة في بحر الحقيقة لتبتغوا من فضله جذبة العناية فلما نجاكم ~~إلى بر الوصول والوصال أعرضتم بحجب العجب ورؤية الأعمال حاصبا من مطر القهر ~~قاصفا من ريح الابتلاء ببليات البدع والأهواء فيغرقكم في بحر الشهوات ولقد ~~كرمنا بني آدم بالكرامات البدنية العامة للمؤمن والكافر وهي تخمير طينته ~~بيده وتصويره في الرحم بنفسه، وبالكرامات الروحانية العامة وهي أن نفخ فيه ~~من روحه وشرفه بخطاب ألست بربكم وأنطقه بجواب بلى وأولده على الفطرة وأرسل ~~الرسل وأنزل الكتب، وبالكرامات الروحانية الخاصة من النبوة والولاية ~~والهداية والجذبة كما قال: وحملناهم في البر والبحر أي عبرنا بهم من بر ~~البشرية وبحري الروحانية إلى ساحل الربانية ورزقناهم من طيبات المواهب ~~ونوال الكشوف وفضلناهم على كثير أي على الملائكة لأنهم الخلق الكثير من ~~مخلوقات الله. وبيان تفضيله حسن استعداده في قبول فيض نور الله بلا واسطة ~~وهو المراد بالأمانة في قوله: إنا عرضنا الأمانة [الأحزاب: 72] ندعوا كل ~~أناس بإمامهم من الدنيا والآخرة وغير هما فيقال: يا أهل الدنيا ويا أهل ~~الآخرة ويا أهل الله فمن أوتي كتابه بيمينه فيه إشارة إلى أن أهل الله لا ~~يؤتون كتابهم كما لا يحاسبون حسابهم، وأهل الشمال يؤتون الكتاب ولكنهم لا ms2938 ~~يقدرون على القراءة لأنهم عمي والقراءة تحتاج إلى الإبصار بالأبصار ~~وبالبصائر والله أعلم. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 73 الى 89] # وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك ~~خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة ~~من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77) # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا (78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~(79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (81) وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82) # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (83) ~~قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسئلونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ~~ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) # PageV04P371 ### | القراآت: # خلفك ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وأبو بكر وحماد. # الآخرون خلافك بكسر الخاء بالألف وننزل من مخففا: أبو عمرو ويعقوب. # الباقون بالتشديد وياء تحتانية وناء بجانبه مثل «ناع» : يزيد وابن ذكوان ~~ونأى بفتح النون وإمالة الهمزة مثل «رمى» . حمزة غير خلف والعجلي وحماد ~~ويحيى وعباس وأبو شعيب ونصير مثله ولكن بكسر النون على غير نصير، وخلف ~~والعجلي وخلف لنفسه. # الباقون بفتحتين كرمى. ### | الوقوف: # خليلا ه قليلا ه ms2939 لا لتعلق «إذا» نصيرا ه قليلا ه تحويلا ه وقرآن ه الفجر ~~ط مشهودا ه نافلة لك قف والوصل أولى لأن «عسى» وعد على التهجد محمودا ه ~~نصيرا ه وزهق الباطل ط زهوقا ه للمؤمنين ه لا لأن ما بعده من صلة «ما» ~~خسارا ه بجانبه ج لعطف حملتي الظرف يؤسا ه شاكلته ط سبيلا ه عن الروح ط ~~قليلا ه وكيلا ه لا من ربك ط كبيرا ه ظهيرا ه مثل ز لعطف المتفقين معنى ~~المختلفين لفظا كفورا ه. ### | التفسير: # لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على بني آدم وشرح أحوال السعداء ~~أردفه بما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس الأشقياء. # عن ابن عباس في رواية عطاء أن وفد ثقيف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعشر- أي لا ~~تؤخذ عشور أموالنا- ولا نحشر ولا نجبي في صلاتنا أي لا نسجد، وكل ربا لنا ~~فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة ولا نكسرها ~~بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا وج فعضد شجره فإذا سألتك ~~العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرني به وجاؤا بكتابهم فكتب: بسم الله ~~الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون ~~فقالوا: ولا يجبون، فسكت رسول الله ثم قالوا للكاتب: اكتب «ولا يجبون» # PageV04P372 # والكاتب ينظر إلى رسول الله. فقام عمر بن الخطاب فسل سيفه وقال: أسعرتم ~~قلب نبينا يا معشر ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا. فقالوا: لسنا نكلمك إنما ~~نكلم محمدا. وقال عمر: # أما ترون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن الكلام كراهية لما ~~تذكرونه فأنزل الله الآية. # وهذه القصة وقعت بعد الهجرة فلهذا قال المفسرون إنها ليست بمكية. وروي أن ~~قريشا قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب وآية عذاب آية رحمة فنزلت. وقال ~~الحسن: إن الكفار أخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ms2940 الهجرة ~~فقالوا: كف يا محمد عن ذم آلهتنا وشتمها، ولو كان ذلك حقا كان فلان وفلان ~~بهذا الأمر أحق منك. فوقع في قلب رسول الله أن يكف عن شتم آلهتهم. # وعن سعيد بن جبير أنه صلى الله عليه وسلم كان يستلم الحجر فتمنعه قريش ~~ويقولون: لا ندعك حتى تستلم بآلهتنا فوقع في نفسه أن يفعل ذلك مع كراهية ~~فنزلت. # قال القفال: من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: لو عبدت ~~آلهتنا عبدنا آلهك فنزلت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ~~[الكافرون: 1، 2] وقوله: ودوا لو تدهن فيدهنون [القلم: 9] وتارة عرضوا عليه ~~الأموال الكثيرة والنسوان الجميلة ليترك ادعاء النبوة فنزلت ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا [طه: 131] وأخرى دعوه إلى طرد المؤمنين فنزل: ولا تطرد الذين ~~يدعون ربهم [الأنعام: 52] وكل ذلك دليل على أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه ~~ويزيلوه عن منهجه. فلو لم يكن شيء من الروايات المذكورة موجودا لكان للآية ~~محمل صحيح. والمعنى وإن الشأن قاربوا أن يخدعوك فاتنين. وأصل الفتنة ~~الاختبار ومنه فتن الصائغ الذهب ثم استعمل في كل من أزال الشيء عن حده ~~وجهته، وذلك في إعطائهم ما سألوه مخالفة لحكم القرآن وافتراء على الله من ~~تبديل الوعد بالوعيد وغير ذلك وإذا لاتخذوك أي لو اتبعت مرادهم لا تخذوك ~~خليلا ولكنت لهم وليا وخرجت من ولايتي ولولا أن ثبتناك لولا تثبيتنا ~~وعصمتنا لك لقد كدت تركن إليهم لقاربت أن تميل إلى مرادهم شيئا قليلا أي ~~ركونا قليلا. قال ابن عباس: يريد حيث سكت عن جوابهم. # قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا ~~تكلني إلى نفسي طرفة عين. # ثم توعده في ذلك أشد الوعيد فقال: إذا لأذقناك أي لو قاربت أن تركن إليهم ~~أدنى ركون لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ~~والضعف عبارة عن ضم الشيء إلى مثله. وقال صاحب الكشاف: ms2941 المراد عذاب الممات ~~وهو عذاب القبر، وعذاب الحياة وهو عذاب حياة الآخرة أي عذاب النار. والعذاب # PageV04P373 # يوصف بالضعف كقوله: فزده عذابا ضعفا في النار [ص: 61] بمعني مضاعفا فكان ~~أصل الكلام عذابا ضعفا في الحياة الدنيا وعذابا ضعفا في الممات، فحذف ~~الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت الصفة كإضافة الموصوف فقيل: ضعف ~~الحياة وضعف الممات كما لو قيل: لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. وقال في ~~التفسير الكبير: حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على ~~الركون إليه همك لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار ~~عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة. والسبب في تضعيف ~~هذا العذاب أن أقسام نعم الله تعالى في حق الأنبياء أكثر فكانت ذنوبهم وكذا ~~عقوبتهم أعظم نظير يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ~~العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] . ثم إن إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد ~~عليه لأن دليل الخطاب لا حجة فيه فقد يرتقى الضعف إلى مالا حد له كما # جاء في الحديث: «من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة» «1» # ثم لا تجد لك علينا نصيرا يعني لو أذقناك ذلك لم تجد أحدا يخلصك من ~~عذابنا. واعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها. والتهديد على ~~المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وفيه أنه لا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على ~~الحق. وقالت المعتزلة: المراد بهذا التثبيت الألطاف الصارفة عن ذلك وهي ما ~~أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده كونه نبيا من عنده. وأجيب بأنه لو لم ~~يوجد المقتضى للإقدام على ذلك الفعل المحذور لم يكن إلى إيجاد المانع حاجة، ~~وليس ذلك المقتضي إلا القدرة مع الداعي ولا ذلك المانع إلا داعية أخرى ~~معارضة للداعي الأول وقد أوجدها الله تعالى عقيب ذلك. # ثم ذكر طرفا آخر من مكايدهم فقال: وإن كادوا ليستفزونك ms2942 «إن» مخففة من ~~الثقيلة واللام هي الفارقة كما في الآية الأولى ومعنى ليستفزونك ليزعجونك ~~كما مر في قوله: واستفزز [الآية: 64] والأرض إما أرض مكة، كما قال قتادة ~~ومجاهد ويرد عليه أن «كاد» للمقاربة لا للحصول لكن الإخراج قد حصل لقوله: ~~وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك [محمد: 13] ويمكن أن يقال: ~~إنهم هموا بإخراجه ولكن الله منعهم من ذلك حتى هاجر بأمر ربه، فأطلق ~~الإخراج على إرادة الإخراج مجوزا PageV04P374 # يؤيده قوله: وإذا لا يلبثون وهو معطوف على ليستفزونك أي لا يبقون بعد ~~إخراجك إلا زمانا قليلا أي لو أخرجوك لاستؤصلوا لكنه لم يقع الاستئصال فدل ~~ذلك على عدم وقوع الإخراج. ومن جوز وقوع الإخراج قال: المراد بعدم اللبث ~~أنهم أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل. واما أرض المدينة على ما # روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ~~حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم وقالوا: يا أبا القاسم إن الأنبياء بعثوا ~~بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك ~~واتبعناك. وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول ~~الله فالله مانعك منهم. فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من ~~المدينة أو بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على ~~الخروج إلى الشام لحرصه على دخول الناس في دين الله فنزلت الآية فرجع. # وعلى هذا القول تكون هذه الآية أيضا مدنية، والخلاف في معنى الخلف كما مر ~~في قوله: بمقعدهم خلاف رسول الله [التوبة: 81] وقرىء: وإذا لا يلبثوا بحذف ~~النون على إعمال «إذن» فتكون الجملة برأسها معطوفة على جملة قوله: وإن ~~كادوا ليستفزونك. ثم بين أن عادته تعالى جارية بأن كل قوم أخرجوا رسولهم من ~~بين ظهرانيهم فإنه يهلكهم فقال سنة من قد أرسلنا وهو منصوب على المصدر ~~المؤكد أي سن الله ذلك سنة ولا تجد لسنتنا تحويلا لأن الأسباب الكلية في ~~الأزل اقتضت توزع كل من أجزاء ms2943 الزمان على حادث معين بسبب معين، فتبديل إحدى ~~الحوادث وتحويلها إلى وقت آخر يقتضي تغيير الأسباب عن أوضاعها وهو محال ~~عقلا وعادة. # وقال أهل النظم: لما قرر الإلهيات والمعاد والجزاء أردفها بذكر أشرف ~~الطاعات وهي الصلاة. وأيضا لما قال: وإن كادوا ليستفزونك أمره بالاشتغال ~~بعبادته تفويضا للأمور إلى الله وتعويلا على فضله في دفع شر أعدائه نظيره ~~قوله في سورة طه: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها [طه: 130] . ذهب كثير من المفسرين كابن قتيبة وسعيد بن جبير منقولا ~~عن ابن عباس، أن دلوك الشمس هو غروبها. وعلى هذا لا تشمل الآية صلاتي الظهر ~~والعصر. وأكثر الصحابة والتابعين على أن دلوك الشمس زوالها عن كبد السماء ~~ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبرائيل لدلوك الشمس حين زالت ~~الشمس فصلى بي الظهر. # قالوا: واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه إذ ينظر إليها وهي في ~~كبد السماء. وعلى هذا التفسير تشمل الآية جميع الصلوات الخمس. وحمل كلام ~~الله على ما هو أكثر فائدة أولى واللام # PageV04P375 # بمعنى الوقت أو للتعليل أي أدم الصلاة في هذا الوقت أو لأجل دخول هذا ~~الوقت إلى غسق الليل أي ظلمته. قال الكسائي: غسق الليل غسوقا أي أظلم، ~~والاسم الغسق بفتح السين والتركيب يدور على السيلان ومنه يقال: غسقت العين ~~إذا هملت وكأن الظلام انهمل على الدنيا وتراكم. وهذا عند سيبويه الشفق ~~الأبيض، فاستدل به بعض الشافعية على أن أول وقت العشاء الآخرة يدخل بغروب ~~الشفق الأحمر لأن المحدود إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية. وهذا ~~الاستدلال مبني على أن الغاية لا تدخل في ذي الغاية، وعلى أن الآية يجب أن ~~تشمل جميع الصلوات، وللخصم المنع في المقامين. # ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد بقرآن الفجر هو صلاة الصبح تسمية ~~للشيء ببعض أجزائه، ومثله تسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا. قال جار الله: ~~إنه حجة علي ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن. قلت: ms2944 أجزاء ~~الصلاة أعم من أركانها ولهذا قسمت الفقهاء الصلاة إلى أركان وأبعاض وهيئات ~~فلا يتم هذا الاعتراض. # وفي الآية مسائل: الأولى: استدل بعض الشيعة بها على جواز الجمع بين الظهر ~~والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا. وأجيب بأن الآية مخصوصة بفعل الرسول أو # بقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «1» # ويستثنى منه عذر السفر والمطر لعدم الدليل المخصص في تلك الصورة فلزم ~~إبقاؤها على الجواز الأصلي. # الثانية: استدل بعض الشافعية بها على أن التغليس في صلاة الصبح أفضل من ~~التنوير لوجوه منها: أنه أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير: أقم قرآن الفجر. ~~وظاهر الآية للوجوب فلا أقل من الندب حتى لا تكثر مخالفة الدليل. والفجر ~~انفجار ظلمة الليل فيلزم أن تكون إقامة الفجر في أول الوقت أفضل. ومنها أنه ~~خص الفجر بإضافة القراءة إليه فدل ذلك على أن طول القراءة في هذه الصلاة ~~مطلوب، ولن يتم هذا المطلوب إلا إذا شرع في أدائه في أول الوقت. ومنها أنه ~~وصف قرآن الفجر بكونه مشهودا فقيل: أي يشهده الكثير من المصلين في العادة، ~~أو من حقه أن يكون مشهودا بالجماعة الكثيرة. وقال أكثر المفسرين: معناه أن ~~ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح تنزل هؤلاء وتصعد هؤلاء ~~في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار. وقيل: إنهم يجتمعون خلف الإمام تنزل ~~ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الصبح قبل أن تعرج ملائكة الليل. فإذا فرغ ~~PageV04P376 # الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار. ثم إن ملائكة ~~الليل إذا صعدت قالت: يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك، وتقول ملائكة ~~النهار: ربنا لقينا عبادك وهم يصلون. فيقول الله لملائكته: اشهدوا فإني قد ~~غفرت لهم. والغرض أن المكلف إذا شرع في صلاة الصبح في آخر الظلمة الذي هو ~~أول الفجر كانت ملائكة الليل حاضرين بعد. ثم إذا امتدت هذه الصلاة بسبب ~~ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة بالكل أو بالأكثر وحضرت ملائكة النهار، ~~وهذا المعنى لا يحصل إذا ابتدئ بها وقت التنوير. قال أهل التحقيق: إذا شرع ~~في ms2945 صلاة الصبح في أول وقتها شاهد في أثنائها انقلاب العالم من الظلمة- التي ~~هي نظيرة الموت- إلى الضياء الذي هو نظير الحياة، فإنه يفيء عقله من هذه ~~الحالة إلى عجيب صنع الخلاق المدبر للأنفس والآفاق، فيزداد بصيرة وإيقانا ~~ومعرفة وإيمانا، وتنفتح عليه أبواب المكاشفة والمشاهدة. وإذا كان هذا ~~المعنى في الجماعة الكثيرة صارت نفوسهم كالمرايا المشرقة المتقابلة ~~المتعاكسة أضواؤها الواقعة على كل منها، فيزداد كل منهم نورية وبهاء. ~~فيحتمل أن يكون قوله: مشهودا إشارة إلى هذه الأحوال المشاهدة. ولا ريب أنه ~~إذا شرع في الصلاة أول انتباهه من النوم قبل أن يرد على لوح عقله وفكره ~~النقوش الفاسدة من الأمور الدنيوية الدنية، كان أولى فإن الأنبياء ما بعثوا ~~إلا لإزالة مثل هذه الأمراض عن النفوس. # ثم حث على قيام الليل فقال: ومن الليل فتهجد به نافلة لك قال أبو عبيدة ~~وابن الأعرابي: هذا من الأضداد لأنه يقال: هجد الرجل إذا نام وهجد أيضا إذا ~~صلى من الليل، ويوسط الأزهري فقال: الهجود في الأصل هو النوم بالليل، ولكن ~~تاء التفعل فيه لأجل التجنب به ومنه «تأثم» «وتحرج» إذا ألقى الإثم والحرج ~~عن نفسه. فكأن به المتهجد يدفع الهجود عن نفسه. وبوجه آخر لما كان غرض ~~المصلي بالليل أن يطيب رقاده وهجوده بعد الموت سمي بذلك الاعتبار متهجدا. ~~وربما يقال: سمي تهجدا لأن الأصل فيه أن يرقد ثم يصلي ثم يرقد ثم يصلي، فهو ~~صلاة بعد رقاد كما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولداود كما # جاء في الحديث: «أفضل القيام قيام داود كان ينام ثلثه ويقوم سدسه ثم ينام ~~ثلثه ويقوم سدسه» «1» # قال جار الله: معنى ومن الليل وعليك بعض الليل فتهجد به وقال في التفسير ~~الكبير: تقديره وأقم الصلاة في بعض الليل فتهجد به أي بالقرآن. ومعنى نافلة ~~زائدة كما مر في أول «الأنفال» . ثم من ذهب إلى أن صلاة الليل PageV04P377 # كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم. زعم أن معناها كونها فريضة له ~~زائدة على الصلوات الخمس، أو المراد ms2946 أن فرضيتها نسخت عنك فصارت تطوعا زائدة ~~على الفرائض. # ويرد عليه أن الأمر ظاهره الوجوب فيكون بين قوله: فتهجد وبين قوله نافلة ~~تعارض، وكذا الاعتراض على قول من يقول إن صلاة الليل لم تكن واجبة عليه. ~~ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله: نافلة قرينة صارفة للوجوب إلى الندب. وعن ~~مجاهد والسدي أن كل طاعة يأتي بها النبي سوى المكتوبة فإن تأثيرها لا يكون ~~في كفارة الذنوب لأنه غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وإنما تكون مؤثرة ~~في زيادة الدرجات وكثرة الثواب ولا كذلك حال الأمة فكأنه قيل للنبي: إن هذه ~~الطاعات زوائد ونوافل في حقك لا في حق غيرك، لأن غيرك يحتاج إليها في تكفير ~~السيئات ومن تقييد التهجد بقوله: نافلة لك يعلم أن قوله: أقم الصلاة عام له ~~ولكل أمته وإن كان ظاهره خطابا معه. # ثم وعده على إقامة الفرائض والنوافل بقوله: عسى أن يبعثك ربك ولا ريب أن ~~«عسى» من الكريم أطماع واجب قال في الكشاف: انتصب مقاما محمودا على الظرف ~~أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا، أو ضمن يبعثك معنى ~~يقيمك، أو هو حال أي يبعثك ذا مقام محمود، وقيل: إنه مطلق في كل ما يجلب ~~الحمد من أنواع الكرامات. والأولى أن يخص ذلك بالشفاعة لأنه الحمد إنما ~~يكون بإزاء إنعام ولا إنعام للنبي على أمته في الآخرة إلا إنعام الشفاعة، ~~أو لا إنعام أجل منها لأن السعي في تخليص الغير من العقاب أهم من السعي في ~~إيصال الثواب إليه، ويؤيده # رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو المقام الذي أشفع فيه ~~لأمتي. # وأما ما روي عن حذيفة أن المقام المحمود هو أن يجمع الناس في صعيد واحد ~~ولا تتكلم نفس، فأول مدعو محمد فيقول: لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي ~~من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت ~~وتعاليت، سبحانك رب البيت. فليس بقوي لأن هذا القول من محمد لا يوجب ms2947 حمدا ~~له من أمته إلا أن يكون من مقامات الشفاعة فيرجع إلى الأول. وقيل: أراد ~~مقاما تحمد عاقبته. وروى الواحدي عن ابن مسعود أن ذلك حين يقعد محمد معه ~~على العرش وزيف بلزوم التحيز له تعالى. قوله: # مدخل صدق ومخرج صدق مصدران بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة إلى الصدق ~~لأجل المبالغة نحو «حاتم الجود» أي إدخالا يستأهل أن يسمى إدخالا ولا يرى ~~فيه ما يكره. قال الحسن وقتادة: نزلت حين أمر بالهجرة يريد إدخال المدينة ~~والإخراج من مكة، وقيل: إن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن ~~الأنبياء وعزم # PageV04P378 # رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد ~~في كل البلاد وما النصر إلا من عند الله فداوم على الصلاة وارجع إلى مقرك ~~ومسكنك. وقل رب أدخلني في المدينة مدخل صدق وأخرجني منها إلى مكة مخرج صدق ~~أي افتحها لي فعلى هذين القولين يكون الكلام عودا إلى الواقعة المذكورة في ~~قوله وإن كادوا ليستفزونك والأولى أن يقال إنه عام في كل ما يدخل فيه ~~ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان. وقيل: أراد إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح ~~وإخراجه منها آمنا من المشركين. # وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالما. وقيل: إدخاله فيما حمله من عظيم ~~الأمر وهو النبوة، وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط. وقيل: أراد رب ~~أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص والقيام بلوازم الحضور، أو ~~أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة ~~المدلول. وقال صاحب الكشاف: أدخلني القبر إدخالا مرضيا وأخرجني منه عند ~~البعث ملقى بالكرامة. يدل على هذا التفسير ذكره على أثر ذكر البعث واجعل لي ~~من لدنك سلطانا نصيرا حجة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني أو ملكا ~~وعزا ناصرا للإسلام وذويه. # ثم شرفه باستجابة دعائه بقوله: وقل جاء الحق أي الإسلام وزهق الباطل ~~اضمحل الشرك من زهقت نفسه إذا خرجت إن الباطل كان زهوقا غير ثابت في كل وقت ~~وإن اتفقت ms2948 له دولة وصولة كانت كنار العرفج. # عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ~~ثلاثمائة وستون صنما لقبائل العرب. صنم كل- قوم بحيالهم- فجعل يطعنها بعود ~~في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل. فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا ~~وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة- وكان من قوارير صفر- فقال: يا علي ارم به. ~~فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره، # فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد فلا جرم كذبهم ~~الله وصدق نبيه بقوله: وننزل من القرآن «من» للبيان كقوله: من الأوثان ~~[الحج: 30] أو للتبعيض أي ننزل ما هو شفاء. وهو هذا القرآن أو بعض هذا ~~الجنس. وقيل: زائدة. # ولما كانت إزالة المرض مقدمة على السعي في تكميل موجبات الصحة ذكر كون ~~القرآن شفاء من الأمراض الروحانية كالعقائد الفاسدة والأخلاق الدميمة ومن ~~الأمراض الجسمانية أيضا لما في قراءته من التيمن والبركة وحصول الشفاء ~~للمرض كما # قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» . # ثم بين أنه رحمة للمؤمنين لما فيه من كيفية اقتناص العلوم الجليلة ~~والأخلاق الفاضلة التي بها يصل الإنسان إلى جوار الملائكة # PageV04P379 # المقربين بل إلى جناب رب العالمين، ولما كان قبول القابل شرطا في ظهور ~~الأثر من الفاعل فلا جرم لا يزيد القرآن الظالمين الذي وضعوا التكذيب مقام ~~التصديق والشك موضع الإيقان والاطمئنان إلا خسارا لأن البدن غير النقي كلما ~~غذوته زدته شرا فلا يزال سماع القرآن يزيد المشركين غيظا وحنقا ويدعوهم ذلك ~~إلى زيادة ارتكاب الأعمال القبيحة وهلم جرا إلى أن يدفع الله مكرهم ونكرهم. # ثم ذكر قبح شيمة الإنسان الذي جبل عليه فقال: وإذا أنعمنا على الإنسان أي ~~على هذا الجنس بالصحة والغنى. وعن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة. وفي ~~التخصيص نظر إلا أن يكون سبب النزول أعرض ونأى بجانبه النأي البعد، والباء ~~للتعدية أو للمصاحبة وهو تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء هو أن يوليه ~~عرض وجهه أي ms2949 ناحيته. والنأي بالجانب أن يلوي عن عطفه ويوليه ظهره، أو أراد ~~الاستكبار لأن هذا الفعل من شأن المستكبرين. ومن قرأ ناء فإما من النوء ~~بمعنى النهوض مستثقلا، وإما مقلوب كقولهم «راء» في رأى. وإذا مسه الشر من ~~مرض أو فقر كان يؤسا شديد اليأس من روح الله. والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب ~~الدنيوي وظفر بالمقصود الدني نسي المنعم الحقيقي، وإن فاته شيء من ذلك ~~استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف، وكلتا الخصلتين مذمومة ولا مقتضى ~~لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر كما قال: قل كل يعمل على شاكلته أي كل واحد ~~من الخلائق إنما يتيسر له أن يعمل على سيرته وطريقته التي تشاكل حاله التي ~~جبل عليها من قولهم «طريق ذو شواكل» وهي الطرق التي تتشعب منه. # فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا لأنه الذي خلق كل شيء ورباه وهو عالم ~~بخاصية كل نفس وبمقتضى جوهرها المشرق، أو المظلم سواء قلنا إن النفوس ~~مختلفة بالماهيات، أو هي متساوية الحقائق واختلاف أحوالها لاختلاف أمزجة ~~أبدانها، كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود ~~وجهه. # ولما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل هو عليه لزم البحث عن ماهية ~~الروح فلذلك قال: ويسئلونك عن الروح ذكر المفسرون في سبب نزوله أن اليهود ~~قالوا لقريش: سلوا محمدا عن ثلاث: عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن ~~الروح. فإن أجاب عن الأولين وأبهم الثالثة فهو نبي لأن ذكر الروح مبهم في ~~التوراة، وإن أجاب عن الكل أو سكت فليس بنبي. فبين لهم القصتين وأبهم أمر ~~الروح إذ قال: قل الروح من أمر ربي أي مما استأثر الله بعلمه فندموا على ~~سؤالهم. ومن الناس من طعن في هذه الرواية لوجوه منها: أن الروح ليس أعلى ~~شأنا من الله تعالى، وإذا كانت معرفة الله تعالى # PageV04P380 # ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح. ومنها أن هذه المسألة تعرفها ~~الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول إني لا ms2950 ~~أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته؟ وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد ~~مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح. ومنها أن جعل الحكاية دليلا ~~على النبوة غير معقول. ونحن نتقصى عن المسألة فنقول: السؤال عن الروح إما ~~أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونه متحيزا أو غير متحيز، أو ~~قديما أو حادثا أو باقيا بعد البدن أو فانيا، وعلى تقدير البقاء ما سعادته ~~وشقاوته. وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: # ويسئلونك عن الروح ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل، فالأولى ~~أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من ~~معرفة حال من أحواله، فيكون قوله: قل الروح من أمر ربي رمز إلى أن الروح ~~جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله: كن فيكون [يس: 82] لأن الآية دلت ~~على أن الروح من أمر الرب. وقال في آخر سورة يس إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون [يس: 82] ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن ~~فيكون، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة ~~وللأعراض الموقوفة على الأجسام، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام ~~أجزائه. ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركا للباري تعالى في الحقيقة، ~~فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات. # وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات، بل لمستدل أن يستدل ~~بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفا على الزمان لم يكن حاصلا بمجرد ~~الأمر والمفروض خلافه. # ولما كان أمر الروح مشتبها على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله: وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته ~~بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل مما لم يعلم، فإذا نسب معلومه ~~إلى معلومات الله المشار إليها بقوله: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~[لقمان: 27] قل لو كان ms2951 البحر مدادا لكلمات ربي [الكهف: 109] كان كلا شيء ~~فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا. وقال بعض المفسرين: هو خطاب ~~لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أوتينا التوراة ~~وفيها الحكمة وقد تلوت: ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [البقرة: 269] ~~فقيل لهم: إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. وذكر الإمام فخر الدين ~~الرازي أن قوله: قل الروح من أمر ربي يدل على أن الروح حادث # PageV04P381 # لأن الأمر قد جاء بمعنى الفعل. قال تعالى: وما أمر فرعون برشيد [هود: 97] ~~أي فعله وقال: ولما جاء أمرنا [هود: 94] أي فعلنا. وإذا حصل الروح بفعل ~~الله وتكوينه كان من المحدثات. قلت: هذا عين النزاع فإن الخصم لا يسلم أن ~~كل ما هو من فعل الله وبإيجاده فإنه حادث. ثم ذكر حجة أخرى على حدوث الروح ~~مستنبطة من قوله سبحانه: # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ووجه تقريرها أن الإنسان بل روحه في مبدأ ~~الفطرة خال عن العلوم والمعارف، ثم لا يزال يحصل له المعارف فهو دائما في ~~التبدل والتغير من النقصان إلى الكمال وكل متغير محدث. ومنع كلية هذه ~~القضية عند الخصم مشهور على أن حمل وقت قلة العلم على أول الفطرة تخصيص من ~~غير دليل، مع أن ظاهر الآية يدل على أن الإنسان وإن أوتي حظا من العلم ~~وافرا، فإنه قليل بالإضافة إلى علم عالم الذات. # وقيل: الروح المذكور في الآية هو القرآن الذي تسبب لحياة الروح كأن القوم ~~استعظموا أمره فسألوا إنه من جنس الشعر أو من جنس الكهانة فأجابهم الله ~~تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر وإنما هو كلام ظهر بأمر الله ووحيه ~~وتنزيله. وقيل: هو ملك في غاية العظم والشرف وهو المراد من قوله تعالى: يوم ~~يقوم الروح والملائكة صفا [النبأ: 38] ونقل عن علي عليه السلام أن له سبعين ~~ألف وجه، ولكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى ~~بتلك اللغات كلها ويخلق الله من كل تسبيحة ms2952 ملكا يطير مع الملائكة يوم ~~القيامة ولم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش، ولو شاء الله أن ~~يبتلع السموات السبع والأرضين السبع بلقمة واحدة لفعل. وأمثال هذه الروايات ~~مسرحة إلى بقعة الإمكان ولا وجه للاعتراض عقلا عليه. وقال الحسن وقتادة: ~~هذا الروح جبرائيل كأنهم سألوا الرسول كيف جبرائيل في نفسه وكيف قيامه ~~بتبليغ الوحي؟ فأمر بأن يقول الروح من أمر ربي أي نزوله بأمر الرب كقوله: ~~ما نتنزل إلا بأمر ربك [مريم: 64] وقال مجاهد: الروح خلق ليسوا بالملائكة ~~على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون كما يأكل الناس، وليسوا ~~بالناس. وزيفت هذه الأقوال بأن صرف السؤال عن الروح الإنساني الذي تتوفر ~~دواعي العقلاء على معرفته إلى أشياء مجهولة الوجود مستنكر. # واعلم أن للعقلاء في حقيقة الإنسان اختلافات كثيرة، وإذا كان حال العلم ~~بأقرب الأشياء إلى الإنسان وهو نفسه هكذا، فما ظنك بما هو الأبعد! ولنذكر ~~بعض تلك المذاهب فلعل الحق يلوح في تضاعيف ذلك فنقول: العلم الضروري حاصل ~~بوجود شيء يشير إليه كل واحد بقوله «أنا» فذلك المشار إليه إما أن يكونه ~~جوهرا مفارقا، أو جسما هو # PageV04P382 # هذه البنية، أو جسما داخلا فيها أو خارجا عنها أو عرضا. أما المتكلمون ~~فالجمهور منهم ذهبوا إلى أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وزيف بأن البدن ~~دائما في التغير والتبدل. والمشار إليه بأنا واحد من أول العمر إلى آخره، ~~وبأن الإنسان غير غافل عن نفسه حين ما يكون ذاهلا عن أجزاء بدنه، بأن ~~النصوص الواردة في القرآن والخبر كقوله عز من قائل: ولا تقولوا لمن يقتل في ~~سبيل الله أموات بل أحياء [البقرة: 154] ، يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي ~~[الفجر: 28] النار يعرضون عليها غدوا وعشيا [الرمز: 46] # وكقوله صلى الله عليه وسلم: «أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار ~~إلى دار» «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» «1» # وقوله في خطبة طويلة: «حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق النعش ~~ويقول يا أهلي ويا ولدي ms2953 لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حله ~~وغير حله فالهناء لغيري والتبعة علي فاحذر وأمثل ما حل بي» # توجب مغايرة النفس للبدن، وبأن جميع فرق الدنيا من أرباب الملل والنحل ~~يتصدقون عن موتاهم يزورونهم ويدعون لهم بالخير، وبأن الميت قد يرى في ~~المنام فيخبر عن أمور غائبة وتكون كما أخبر، وبأن الإنسان قد يقطع عضو من ~~أعضائه ويعلم يقينا أنه هو الذي كان قبل ذلك، وبثبوت المسخ في حق طائفة من ~~أهل الكتاب وليس المسخ إلا تغيير البنية مع بقاء الحقيقة، وبأن جبرائيل قد ~~رؤي في صورة دحية، وإبليس رؤي في صورة الشيخ النجدي، فعلم أن لا عبرة ~~بالبنية، وبأن الزاني يزني بفرجه فيضرب على ظهره، فعلم أن المتلذذ والمتألم ~~شيء آخر سوى العضوين، وبأنا نعلم ضرورة أن العالم الفاهم للخطاب إنما هو في ~~ناحية القلب ليس جملة البدن ولا شيئا من الأعضاء. أما إن قيل: الإنسان جسم ~~هو في داخل البدن. فاعلم أن أحدا من العقلاء لم يقل بأن الإنسان عبارة عن ~~الأعضاء الكثيفة الصلبة التي غلبت عليها الأرضية كالعظم والغضروف والعصب ~~والوتر والرباط والشحم واللحم والجلد، ولكن منهم من قال: إنه الجسم الذي ~~غلب عليه المائية من الأخلاط الأربعة، أعني الدم بدليل أنه إذا خرج لزم ~~الموت. ومنهم من قال: إنه الذي غلب عليه الهوائية والنارية وهو الروح الذي ~~في القلب، أو جزء لا يتجزأ في الدماغ، ومنهم من يقول: اختلطت بهذه الأرواح ~~القلبية والدماغية أجزاء نارية مسماة بالحرارة الغريزية وهي الإنسان. ومنهم ~~من قال: إذا تكون بدن الإنسان وتم استعداده نفذت فيه أجرام سماوية نورانية ~~لطيفة الجوهر على طبيعة ضوء الشمس غير قابلة للتبديل والتحويل ولا للتفرق ~~والتمزق، نفوذا يشبه نفوذ النار في الفحم والدهن في PageV04P383 # السمسم وماء الورد في الورد. وهذا النفوذ هو المراد بقوله: ونفخت فيه من ~~روحي [ص: 72] ثم إذا تولد في البدن من أخلاط غليظة منعت من سريان تلك ~~الأجسام فيها، فانفصلت لذلك عن البدن فحينئذ يعرض الموت للجوهر. ms2954 # وقال الإمام فخر الدين الرازي: هذا مما ذهب إليه ثابت بن قرة وغيره وهو ~~مذهب قوي شريف يجب التأمل فيه فإنه شديد المطابقة لما في الكتب الإلهية من ~~أحوال الحياة والموت. قلت: أما نفوذ الجوهر النوري في البدن كنفوذ الدهن في ~~السمسم فمسلم، وأما أنه أجرام وأجسام ففيه نظر، واعلم أنه لم يذهب أحد إلى ~~أن الإنسان جسم خارج عن البدن، ولا إلى أنه عرض حال في البدن إلا ما نقل عن ~~الأطباء، وعن أبي الحسين البصري من المعتزلة، أن الإنسانية عبارة عن ~~امتزاجات أجزاء العناصر بمقدار مخصوص وعلى نسبة معلومة تخص هذا الصنف. ومن ~~شيوخ المعتزلة من قال: الإنسان عبارة عن أجزاء مخصوصة بشرط كونها موصوفة ~~بأعراض مخصوصة هي الحياة والعلم والقدرة. # ومنهم من قال: إنه يمتاز عن سائر الحيوانات بشكل جسده وهيئة أعضائه. ~~والصحيح من المذاهب عند أكثر علماء الإسلام- كالشيخ أبي القاسم الراغب ~~الأصفهاني والشيخ أبي حامد الغزالي، من قدماء المعتزلة معمر بن عباد ~~السلمي، ومن الشيعة الشيخ المفيد رضي الله عنه، ومن الكرامية جماعة، ومن ~~الفلاسفة الإلهيين كلهم- أن الروح الإنساني جوهر مجرد ليس داخل العالم ~~الجسماني ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه، ولكنه متعلق بالبدن تعلق ~~التدبير والتصرف كما أن إله العالم لا تعلق له بالعلم إلا على سبيل التصرف ~~والتدبير، ومهما انقطعت علاقته عن البدن بقي البدن معطلا ميتا. واستدلوا ~~على هذا المطلوب بحجج منها ما اختاره الإمام فخر الدين الرازي وهي لو كان ~~الإنسان جوهرا متحيزا لكان كونه متحيزا عن ذاته المخصوصة إذ لو كان صفة ~~قائمة بها لزم كون الشيء الواحد متحيزا مرتين ولزم اجتماع المثلين. وأيضا ~~لم يكن جعل أحدهما ذاتا والآخر صفة أولى من العكس. وأيضا التحيز الثاني إن ~~كان عين الذات فهو المقصود، وإن كان صفة لزم التسلسل، وإذا كان التحيز عين ~~ذاته لزم أنه متى عرف ذاته عرف تحيزه لكنا قد نعرف ذاتنا مع الجهل بالتحيز ~~والامتداد في الجهات الثلاث وذلك ظاهر عند الاختبار والامتحان، وإذا كان ~~اللازم ms2955 باطلا فالملزوم منتف وعورض بأنه لو كان الإنسان جوهرا مجردا لكان كل ~~من عرف ذاته عرف تجرده وليس كذلك. وأجيب بالفرق بين التحيز- وهو صفة ~~ثبوتية- وبين التجرد وهو صفة سلبية، ومنها أن الشيء الذي يشير إليه كل # PageV04P384 # واحد بقوله: «أنا واحد» بالبديهة، ولأن الغضب مثلا حالة نفسانية تحدث عند ~~محاولة دفع المنافي مشروطا بالشعور بكون الشيء منافيا. فالذي يغضب لا بد أن ~~يكون هو بعينه مدركا، ولأن اشتغال الإنسان بالغضب وانصبابه إليه يمنعه من ~~الاشتغال بالشهوة والانصباب إليها، فعلمنا أنهما صفتان مختلفتان لجوهر واحد ~~إذ لو كان لكل منهما مبدأ مستقل لم يكن اشتغال أحدهما بفعله مانعا للآخر، ~~وأيضا شيئا فقد يكون الإدراك سببا لحصول الشهوة، وقد يكون سببا للغضب، ~~فعلمنا أن صاحب الإدراك بعينه هو صاحب الشهوة والغضب. وأيضا النفس لا ~~يمكنها أن تتحرك بالإرادة إلا عند حصول الداعي ولا معنى للداعي إلا الشعور ~~بخير يرغب في جذبه أو بشر يرغب في دفعه، وهذا يقتضي أن المتحرك بالإرادة هو ~~بعينه المدرك للخير والشر واللذيذ والمؤذي والنافع والضار، وهو المبصر ~~والسامع والشام والذائق واللامس والمتخيل والمتفكر والمشتهي والغاضب بوساطة ~~آلات مختلفة وقوى متغايرة. وإذا ثبت ذلك فلو كانت النفس عبارة عن جملة ~~البدن كان للكل أثر واحد، ولو كانت جزءا من أجزاء البدن كانت قوة سارية في ~~جميع أجزاء البدن، والوجود بخلاف الكل فحصل اليقين بأن النفس شيء مغاير لكل ~~البدن ولكل جزء من أجزائه. ومنها أن الاستقراء يدل على أحوال النفس بالضد ~~من أحوال الجسد لأن الجسم إذا قبل شكل التثليث مثلا امتنع أن يقبل حينئذ ~~شكل التربيع ولا كذلك حال النفس، فإن إدراك كل صورة يعينها على إدراك ما ~~عداها ولذلك يزداد الإنسان فهما وذكاء بازدياد العلوم. وأيضا كثرة الأفكار ~~توجب قوة للنفس وتستدعي استيلاء النفس على الدماغ وقد تصير أبدان أرباب ~~الرياضة في غاية النحافة والهزال وتقوى نفوسهم بحيث لا يلتفتون إلى ~~السلاطين وأصحاب الشوكة والقوة، ومما يختص بهذه الآية التي نحن في تفسيرها ~~أن الروح لو كان ms2956 جسما منتقلا من حالة إلى حالة لكان مساويا للبدن في كونه ~~متولدا من أجسام متغيرة من صفة إلى صفة، فحيث سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الروح كان الأنسب أن يقول: إنه جسم كان كذا ثم صار كذا وكذا كما ~~ذكر في كيفية تولد البدن أنه كان نطفة ثم صار علقة ثم مضغة إلى آخره. ~~والأحاديث الواردة في أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد تؤكد ذلك الرأي الذي ~~ادعينا من أن النفس شيء مغاير للبدن ولأجزائه والله أعلم بحقائق الأمور. # قال أهل النظم: لما بين أنه ما أتاهم من العلم إلا القليل أراد أن يبين ~~أنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل لقدر عليه فقال: ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك قلت: # في نسبة علم القرآن إلى القلة خروج من الأدب فالأولى في وجه النظم أن ~~يقال: إنه لما # PageV04P385 # كشف لهم الغطاء عن مسألة الروح، وبين أن ذلك من العلوم الإلهية التي لا ~~نهاية لها لا من العلوم الإنسانية القليلة، وكان فيه بيان كمال علمه تعالى ~~ونقصان علم الإنسان، أراد أن يبين غاية قدرته ونهاية ضعف الإنسان أيضا فبين ~~أنه قادر على ذهاب القرآن ونحوه عن الصدور والمصاحف، وسيكون ذلك في آخر ~~الزمان كما جاء في الروايات ثم لا يجد النبي- الذي هو أكمل أنواع الإنسان- ~~من يتوكل عليه باسترداده فضلا عن غيره إلا رحمة من ربك استثناء متصل أي إلا ~~أن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو منقطع معناه ولكن ~~رحمة من ربك تركته غير مذهوب به إن فضله بإيحاء القرآن إليك ثم إبقائه عليك ~~أو بهذا وبسائر الخصائص والمزايا كان عليك كبيرا وفيه أن نعمة القران ~~وبقاءه محفوظا في الصدور مسطورا في الدفاتر من أجل النعم وأشرفها، فعلى كل ~~ذي علم أن لا يغفل عن شكرها والقيام بمواجبها جعلنا الله ممن يراعي حق ~~القرآن ويعمل بمقتضاه. واحتج الكعبي بالآية على أن القرآن مخلوق لأن ما ~~يمكن إزالته والذهاب به يستحيل أن يكون قديما، وأجيب ms2957 بأن إزالة العلم عن ~~القلوب والذهاب بالنقوش الدالة عليه في المصاحف لا يوجب حدوث الكلام النفسي ~~الذي هو محل النزاع. ثم دل على أن الذي أوحي إليه ليس من جنس كلام ~~المخلوقين فقال: قل لئن اجتمعت الإنس والجن الآية. وقد مر وجه إعجاز القرآن ~~في أوائل سورة البقرة. فإن قيل: هب أنه ظهر عجز الإنسان عن معارضته فكيف ~~يعرف عجز الجن عن معارضته، ولم لا يجوز أن يقال: إن الجن أعانوه على هذا ~~التأليف سعيا في إضلال الخلق؟ وإخبار محمد بأنه ليس من كلام الجن يوجب ~~الدور وليس لأحد أن يقول: إن الجن ليسوا بفصحاء، فكيف يعقل أن يكون القرآن ~~كلامهم لأنا نقول: التحدي مع الجن إنما يحسن لو كانوا فصحاء؟ فالجواب أن ~~عجز البشر عن معارضته يكفي في إثبات كونه معجزا. ثم إن الصادق الذي ثبت ~~صدقه بظهور المعجز على وفق دعواه أخبر أن الجن أيضا عاجزون عن الإتيان بمثل ~~القرآن فسقط السؤال بالكلية. على أنه سبحانه قد أجاب عنه في آخر سورة ~~الشعراء بقوله: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين [الشعراء: 221] وسوف يجيء ~~تفسيره إن شاء الله تعالى. قالت المعتزلة: التحدي بالقديم محال. وأجيب بمثل ~~ما مر أن محل النزاع هو الكلام النفسي لا الألفاظ التي يقع التحدي بها ~~وبفصاحتها. ثم بين أنهم مع ظهور عجزهم بقوا مصرين على كفرهم فقال: ولقد ~~صرفنا رددنا وكررنا للناس في هذا القرآن من كل مثل «من كل» معنى هو كالمثل ~~في غرابته وحسنه وذلك كدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وكالقصص اللائقة ~~وغيرها من المواعظ والنصائح. فأبى أكثر الناس فيه معنى النفي كأنه قيل: فلم ~~يرضوا إلا كفورا وجحودا. قال أهل البرهان: إنما لم يذكر الناس في أوائل ~~السورة # PageV04P386 # حين قال: ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا [الآية: 41] لتقدم ذكرهم في ~~السورة وذكرهم في «الكهف» إذا لم يجر ذكرهم وذكر الناس هاهنا وإن جرى ذكرهم ~~دفعا للالتباس، لأن ذكر الجن أيضا قد جرى وقدم للناس على قوله: في هذا ~~القرآن كما قدمه في ms2958 قوله: قل لئن اجتمعت الإنس والجن وأما في «الكهف» فعكس ~~الترتيب لأن اليهود سألته عن قصة أصحاب الكهف وغيرها. وقد أوحاها الله ~~تعالى إليه في القرآن فكانت العناية بالقرآن أكثر فكان تقديمه أجدر. ### | التأويل: # وإن كادوا ليفتنونك أي من عمى قلوبهم ولولا أن ثبتناك بالقول الثابت وهو ~~قول «لا إله إلا الله» إلى أن بلغت حقيقة «لا إله إلا الله» شيئا قليلا ~~وإنما وصفه بالقلة لأن بشريته مغلوبة وروحانيته غالبة. ضعف الحياة وضعف ~~الممات أي نحيي نفسك وأذقناك عذاب حياتها واستيلائها على الروح ونميت قلبك. ~~وأذقناك عذاب مماته وضعف روحك وبعده عن الحق. سنة من قد أرسلنا أي جرت عادة ~~الله تعالى بأن يجعل لكل نبي عدوا يؤذيه ويمكر به. ثم بين طريق خلاص ~~الأنبياء والأولياء عن ورطة الابتلاء فقال: أقم الصلاة أي أدها بالقلب ~~الحاضر نهارا وليلا. إن قرآن الفجر كان مشهودا بشواهد الحق بل الحق مشهود ~~له. ثم أدخلني مدخل صدق يعني السير في الله بالله وأخرجني مخرج صدق من حولي ~~وأنانيتي واجعل لي من لدنك لا من لدن غيرك. وفيه أن كل ذي مقام فإنه لا يصل ~~إلى مقام إلا بسعي يلائم الوصول إلى ذلك المقام كقوله وسعى لها سعيها ~~[الإسراء: 19] . # روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض حاجة فقال صلى الله ~~عليه وسلم: ما تريد؟ فقال: مرافقتك في الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: أو ~~غير ذلك؟ فقال الرجل: بلى مرافقتك في الجنة. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: فأعني على نفسك بكثرة السجود # جاء الحق من الواردات والشواهد وتجلي صفات الجمال والجلال وزهق الباطل ~~وهو كل ما خلا الله من الموجودات ومن الخواطر كقوله: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل وننزل من القرآن ما هو شفاء لأن كلام الحبيب ~~طبيب القلوب إن الأحاديث من سلمى تسليني قل الروح من أمر ربي قال العارفون: ~~لله تعالى عالمان: عالم الأمر الذي خلق لا من شيء، وعالم الخلق الذي خلق من ~~شيء ويعبر ms2959 عنهما بالآخرة والدنيا والملكوت والملك والغيب والشهادة. والمعنى ~~والصورة والباطن والظاهر والأرواح والأجسام، وما # روي # PageV04P387 # أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله جوهرة» - # وفي رواية- «درة فنظر إليها فذابت» «أول ما خلق الله اللوح» «أول ما خلق ~~الله روحي» # وفي رواية «نوري» «وأول ما خلق الله العقل» «وأول ما خلق الله القلم» «1» # وما قيل عن بعض السلف إن أول ما خلق الله على الإطلاق ملك كروبي. ~~فالأسماء مختلفة والمسمى واحد وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم. # فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سمي درة وجوهرة، وباعتبار نورانيته ~~سمي نورا، وباعتبار وفور عقله سمي عقلا، إذ قال له أقبل إلى الدنيا رحمة ~~للعالمين فأقبل. ثم قال له: أدبر أي ارجع إلى ربك فأدبر عن الدنيا ورجع إلى ~~المعراج، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب إلي منك، بك أعرف، وبك ~~آخذ، يعني طاعة من أخذ منك الدين والشريعة، وبك أعطي أي بشفاعتك أعطي ~~الدرجات العالية، وبك أعاقب الكافرين وبك أثبت المؤمنين. وباعتبار جريان ~~الأمور على وفق متابعته والاقتداء به سمي قلما وباعتبار غلبات صفات ~~الملائكة عليه سمي ملكا كروبيا، ولأن كل الأرواح خلقت من روحه كان أم ~~الأرواح وروحها فلهذا قيل له «أمي» . # وقد ورد في الحديث: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة» «2» # ولما كان الروح خليفة الله تعالى اتصف بالأزلية دون الأبدية، ولما كان ~~الجسد خليفة الروح فبالروح قوامه وقيامه لم يكن الجسد أزليا ولا أبديا إلا ~~بتبعية الروح. ثم أخبر عن عزة القرآن وغيرة الرحمن بقوله: ولئن شئنا لنذهبن ~~الآية. وفيه أنه لا يقدر على الإتيان والذهاب به إلا الله تعالى لكنه أكد ~~هذا المعنى بقوله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن والمراد بالجن كل ما هو مستور عن العيون ~~فيتناول الملائكة أيضا. وفيه أنه لا مثل لصفاته حتى الكلام كما أنه لا مثل ~~لذاته والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [سورة الإسراء (17) : الآيات 90 الى 111] # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ms2960 (90) أو تكون لك جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا ~~كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا (93) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ~~أبعث الله بشرا رسولا (94) # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا ~~رسولا (95) قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~(96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم ~~يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ~~(97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر ~~على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان ~~قتورا (100) ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم ~~فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا (102) فأراد أن ~~يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105) وقرآنا ~~فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~(107) ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان ~~يبكون ويزيدهم خشوعا (109) # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر ~~بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي ms2961 لم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ~~(111) PageV04P388 ### | القراآت: # فتفجر من الفجر: يعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف سوى المفضل وابن الغالب. ~~الآخرون من التفجير تكثيرا للفعل وإن كان الفاعل والمفعول مفردا حتى تنزل ~~بالتخفيف: أبو عمرو ويعقوب. الآخرون بالتشديد كسفا بفتح السين: أبو جعفر ~~ونافع وعاصم وابن ذكوان. الباقون بالإسكان قال سبحان بلفظ الماضي: ابن كثير ~~وابن عامر الباقون قل على الأمر فهو المهتدي بإثبات الياء في الحالين: سهل ~~ونافع وأبو عمرو وفي الوصل. الباقون بحذف الياء ربي إذا بفتح الياء: أبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو خبت زدناهم بإدغام التاء في الزاي: أبو عمرو وحمزة ~~وعلي وخلف وهشام وسهل. # لقد علمت بضم التاء، على التكلم: علي. الآخرون بالفتح على الخطاب قل ~~ادعوا بكسر اللام للساكنين: عاصم وحمزة وسهل ويعقوب وعباس. الآخرون بضمها ~~للإتباع أو ادعوا بكسر الواو: عاصم وحمزة وسهل. الباقون بالضم أيا ما حمزة ~~ورويس # PageV04P389 # يقفان على أيا ثم يبتدئان ما تدعوا ويسمى هذا الوقف وقف البيان. الباقون ~~على كلمة واحدة. ### | الوقوف: # ينبوعا ه لا تفجيرا ه لا قبيلا ه لا في السماء ط لابتداء النفي بعد طول ~~القصة. وقيل: الأصح الوصل لأن قوله: ولن نؤمن لرقيك من كلامهم نقرؤه ط ~~رسولا ه رسولا ه رسولا ه وبينكم ط بصيرا ه المهتد ج لعطف جملتي الشرط مع ~~التضاد من دونه لا لأن الواو لا يحتمل الاستئناف وصما ه جهنم ط سعيرا ه ~~جديدا ه لا ريب فيه ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار كفورا ه الإنفاق ط ~~قتورا ه مسحورا ه بصائر ط للابتداء بأن مع اتحاد القائل مثبورا ه جميعا ه ~~لا للعطف لفيفا، ط لانقطاع النظام والمعنى. # نزل ط لابتداء النفي ونذيرا، احترازا من إيهام العطف تنزيلا ه أو لا ~~تؤمنوا ط سجدا، لا لمفعولا ه خشوعا ه الرحمن ط لتصدير الشرط الحسنى ج ~~لانقطاع نظم الشرط إلى النهي مع اتحاد المراد. سبيلا ه تكبيرا ه. ### | التفسير: # ليس من ms2962 شرط كون النبي صادقا تواتر المعجزات وتتالي الآيات، لأن فتح هذا ~~الباب يوجب نقيض المقصود وهو أن لا تثبت نبوته أبدا، ولكن المعجز الواحد ~~يكفي في صدق النبي، واقتراح الزيادة من جملة العناد فلا جرم لما بين الله ~~سبحانه إعجاز القرآن حكى مقترحات المعاندين بيانا لتصميمهم على الكفر. # قال ابن عباس: إن رؤساء مكة أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- ~~وهم جلوس عند الكعبة- فأتاهم فقالوا: # يا محمد إن أرض مكة ضيقة فسير جبالها لتتسع وفجر لنا ينبوعا نزرع فيها. ~~فقال: لا أقدر عليه. فقال قائل منهم: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا. # فقال: لا أقدر عليه. فقيل له: أو يكون لك بيت من زخرف أي من ذهب فيغنيك ~~عنا. # فقال: لا أقدر عليه. فقيل له: فإذا كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر ~~فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا. فقال عبد الله ابن أمية المخزومي- وأمه ~~عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا والذي يحلف به لا أؤمن بك حتى تتخذ ~~سلما فتصعد عليه ونحن ننظر فتأتي بأربعة من الملائكة فيشهدون لك بالرسالة، ~~ثم بعد ذلك لا أدري أؤمن بك أم لا. فأنزل الله هذه الآيات. # ولنشرع في تفسير اللغات. فقوله: ينبوعا أي عينا غزيرة من شأنها النبوع من ~~غير انقطاع، والياء زائدة كيعبوب من عب الماء. وقوله: أو تكون لك جنة معناه ~~هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك. وقوله: كما زعمت إشارة إلى ~~قوله سبحانه: إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء [سبأ: # PageV04P390 # 9] أو إشارة إلى ما مر في السورة من قوله: أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ~~أو يرسل عليكم حاصبا [الإسراء: 68] أي أجعل السماء قطعا متفرقة كالحاصب ~~وأسقطها علينا. # وقال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي فاسقط السماء علينا. وقيل: كما ~~زعمت أن ربك إن شاء فعل. قال في الكشاف: الكسف بسكون السين وفتحها جمع ~~«كسفة» بالسكون كسدرة وسدر وسدر. وقال أبو علي: الكسف بالسكون ms2963 الشيء ~~المقطوع كالطحن للمطحون. واشتقاقه- على ما قال أبو زيد- من كسفت الثوب كسفا ~~إذا قطعته. وقال الزجاج: من كسفت الشيء إذا غطيته كأنه قيل: أو تسقطها طبقا ~~علينا، وهو نصب على الحال في القراءتين. ومعنى قبيلا كفيلا بما تدعي من صحة ~~النبوة والمراد أو تأتي بالله قبيلا وبالملائكة قبيلا فاختصر، أو المراد ~~المقابل كالعشير بمعنى المعاشر. وفيه دليل على غاية جهلهم حيث لم يعلموا ~~أنه تعالى لا يجوز عليه المعاينة نظير قولهم: لولا أنزل علينا الملائكة أو ~~نرى ربنا [الفرقان: 21] وقال ابن عباس: أراد فوحا بعد فوج. وقال الليث: كل ~~جند من الجن والإنس قبيل وقد مر في تفسير قوله: إنه يراكم هو وقبيله ~~[الأعراف: 27] . # قوله: بيت من زخرف قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأينا في قراءة ~~عبد الله «أو يكون لك بيت من ذهب» . وقال الزجاج: هو الزينة ولا شيء في ~~تحسين البيت وتزيينه كالذهب. أو ترقى في السماء أي في معارجها فحذف المضاف. ~~يقال: رقي في السلم وفي الدرجة. والمصدر «رقى» وأصله «فعول» كقعود ومعنى لن ~~نؤمن لرقيك لن نؤمن لك لأجل رقيك حتى تنزل علينا كتابا من السماء فيه ~~تصديقك. قال الرسول: متعجبا من اقتراحاتهم أو تنزيها لله من تحكماتهم أو من ~~قولهم: أو تأتي بالله سبحان ربي هل كنت أي لست إلا بشرا رسولا فإن طلبتم ~~هذه الأشياء أن آتي بها من تلقاء نفسي فالبشر لا يقدر على أمثال ذلك فكيف ~~أقدر أنا عليها؟ وإن أردتم أن أطلب من الله إظهارها على يدي فالرسول إذا ~~أتى بمعجز واحد وجب الاكتفاء به، ولا ضرورة إلى طلب الزيادة وأنا عبد مأمور ~~ليس لي أن أتحكم على الله بما ليس بضروري في الدعوة. # ثم حكى عنهم شبهة أخرى فقال: وما منع الناس أن يؤمنوا أي الإيمان بالقرآن ~~وبنبوة محمد إذ جاءهم الهدى وهو الوحي المعجز الهادي إلى طريق النجاة إلا ~~أن قالوا منكرين أبعث الله بشرا رسولا ثم أجاب عن شبهتهم بقوله: قل لو كان ~~في الأرض ms2964 ملائكة يمشون على الأقدام كما يمشي الإنس مطمئنين ساكنين فيها ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا لأن الرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل ~~إليهم. فكأنه اعتبر # PageV04P391 # لتنزيل الرسول من جنس الملائكة أمرين: أحدهما كون سكان الأرض ملائكة، ~~والثاني كونهم ماشين على الأقدام غير قادرين على الطيران بأجنحتهم إلى ~~السماء، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لطاروا أو سمعوا من أهلها ما يجب ~~معرفته وسماعه فلا يكون في بعثة الملك إليهم فائدة. وجوز في الكشاف أن يكون ~~قوله: بشرا وملكا منصوبين على الحال من رسولا بل زعم أن المعنى له أجوب، ~~ولعل ذلك لأن الإنكار توجه إلى كون الرسول متصفا بحالة البشرية لا الملكية، ~~وإذا كان أحد الصنفين المتقابلين حالا لزم أن يكون الآخر كذلك. # ثم ختم الكلام بما يجري مجرى التهديد قائلا: قل كفى بالله الآية. وذلك أن ~~إظهار المعجزة على وفق دعوى النبي شهادة من الله تعالى له على الصدق. فإذا ~~لم تسمع هذه الشهادة وهو عليم ببواطن الأمور وخفيات الضمائر فكيف بظواهرها؟ ~~علم أن هذا مجرد الحسد والعناد من العباد فيجزيهم على حسب ذلك. ثم بين أن ~~الإقرار والإنكار مستندان إلى مشيئته وتقديره فقال: ومن يهد الله الآية. ~~وقد مر خلاف المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة في مثله في آخر «الأعراف» ~~وغيره. وقوه: فهو المهتد حمل على اللفظ وقوله: فلن تجد حمل على المعنى. ~~والخطاب في فلن تجد إما للنبي أو لكل من يستحق الخطاب. والأولياء الأنصار، ~~والحشر على الوجوه إما بمعنى السحب عليها كقوله: يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم [القمر: 48] واما بمعنى المشي عليها كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: «إن الذي أمشاهم على ~~أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» «1» . # وقيل لابن عباس: قد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يرون وينطقون ويسمعون حيث ~~قال: رأى المجرمون النار دعوا هنالك ثبورا سمعوا لها الجمع بين ذاك تغيظا ~~وزفيرا فكيف وبين قوله: عميا وبكما وصما؟ فأجاب بأنهم لا يرون ما يسرهم، ms2965 ~~ولا ينطقون بحجة تقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم. وفي رواية عطاء ~~أنهم عمي عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، بكم عن مخاطبة الله ومخاطبة ~~الملائكة المقربين، صم عن ثناء الله على أوليائه، وقال مقاتل: هذه الأحوال ~~بعد قوله تعالى لهم: اخسؤا فيها ولا تكلمون [المؤمنون: 108] أو بعد أن ~~يحاسبوا فيذهب بهم إلى النار. وإنما جعلوا مؤوفي الحواس جزاء على ما كانوا ~~عليه في الدنيا من التعامي والتصامم عن الحق ومن عدم النطق به كلما خبت أي ~~سكن لهبها. PageV04P392 # خبت النار تخبو خبوا وأخباها غيرها أي أخمدها زدناهم سعيرا قال ابن ~~قتيبة: أي تسعرا وهو التلهب. ولا ريب أن خبو النار تخفيف لأهليها فكيف يجمع ~~بينه وبين قوله: # لا يخفف عنهم العذاب [البقرة: 162] وأجيب بأنه يحصل لهم في الحال الأولى ~~خوف حصول الحالة الثانية فيستمر العذاب، أو يقال: لما عظم العذاب صار ~~التفاوت الحاصل في الوقتين غير مشعور به، ويحتمل أن يقال: المراد بعدم ~~التخفيف أنه لا يتخلل زمان محسوس أو معتد به بين الخبو والتسعر. وقال في ~~الكشاف: لأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط ~~النار على أجرامهم تأكلها وتفنيها. ثم يعيدها، وفيه زيادة في تحسرهم وفي ~~الانتقام منهم. ومما يدل على هذا التفسير قوله: # ذلك جزاؤهم الآية. # ثم أبدى للجاحدين حجة يستبصر المذعن للحق إذا تأمل فقال: أولم يروا ~~الآية. وذلك أن من قدر على خلق السموات والأرض كان على إعادة من هو أدون ~~منها أقدر، وعلى هذا فالمراد من خلق مثلهم إعادتهم بعد الإفناء كما يقول ~~المتكلمون من أن الإعادة مثل الابتداء. ومن قال: أراد أنه قادر على إفنائهم ~~وإيجاد غيرهم بصورتهم ليوحدوه ويتركوا الاعتراض عليه كقوله: إن يشأ يذهبكم ~~ويأت بخلق جديد [فاطر: # 16] أي يبعثهم. وحين بين أن البعث أمر ممكن في نفسه ذكر أن لوقوعه وقتا ~~معلوما ما عنده فقال: وجعل لهم أي لبعثهم أجلا لا ريب فيه قال جار الله: ~~قوله: # وجعل معطوف على قوله: أولم يروا والمعنى ms2966 قد علموا بدليل العقل أنه قادر ~~على خلق أمثالهم وجعل لهم. وأقول: يحتمل أن يكون الواو للاستئناف ووجه ~~النظم كما مر لما طلبوا إجراء الأنهار والعيون في أراضيهم لتتسع معايشهم ~~بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله وهي رزقه وسائر نعمه عى خلقه ~~التي لا نهاية لها لبقوا على بخلهم وشحهم فضلا أن يملكوا خزائن هن بصدد ~~الفناء والنفاد. قال النحويون: كلمة «لو» حقها أن تدخل على الأفعال دون ~~الأسماء، لأنها حين تكون على معناها الأصلي تفيد انتفاء الشيء لانتفاء ~~غيره. والاسم يدل على الذوات والفعل هو الذي يدل على الآثار والأحوال لا ~~الذوات. وأيضا إنها هاهنا بمعنى «إن» الشرطية وهي مختصة بالفعل فلا بد من ~~تقدير فعل بعدها، فأصل الكلام: لو تملكون تملكون مرتين. فأضمر «تملك» ~~إضمارا على شريطة التفسير فصار الضمير المتصل منفصلا لسقوط ما كان يتصل هو ~~به ف أنتم فاعل الفعل المضمر تملكون تفسيره. وقال علماء البيان: فائدة هذا ~~التصرف الدال على الاختصاص أنهم هم المختصون بالشح المتبالغ، وذلك لأن ~~الفعل الأول لما سقط لأجل # PageV04P393 # المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر من حيث إنه لا يقصد الفعل بل ~~الفاعل كما في قول حاتم: لو ذات سوار لطمتني. لا يقصد اللطمة بل اللاطمة أي ~~لو حرة لطمتني وقوله: خشية الإنفاق أي خوف الفقر من أنفق ماله إذا ذهب ~~وأمسكتم متروك المفعول معناه لبخلتم وكان الإنسان قتورا أي بخيلا شحيحا، ~~والقتر والإقتار والتقتير التقصير في الإنفاق. وهذا الخبر لا ينافي ما قد ~~يوجد في الإنسان من هو كريم جواد لأن اللام للجنس أي هذا الجنس من شأنه ~~الشح إذ كان باقيا على طبعه لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس ~~والمطعوم والمنكوح، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال فيه تندفع ~~حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام ~~الضرورة والفاقة. ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية فإذا الأصل ~~في الإنسان هو البخل والجود منه إنما ms2967 هو أمر تكلفي أو عرضي طلبا للثناء أو ~~الثواب. وقيل: المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ممن قالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا بين الله تعالى أنهم لو ملكوا خزائن الأرض لبخلوا بها. # ثم قال: ولقد آتينا موسى تسع آيات فكأنه أراد أنا آتيناه معجزات مساوية ~~لهذه الأمور التي اقترحتموها بل أقوى منها وأعظم، فليس عدم الاستجابة إلى ~~ما طلبتموه من البخل ولكن لعدم المصلحة أو لعدم استتباع الغاية لعلمنا ~~بإصراركم والختم على قلوبكم، عن ابن عباس: أن الآيات التسع هن: العصا واليد ~~والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني ~~إسرائيل. وعن الحسن: الطوفان والسنون ونقص الثمرات. مكان الحجر والبحر ~~والطور. وعن عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب عنهن فذكر من جملتها: ~~حل عقدة اللسان والطمس على أموالهم. فقال له عمر: لا يكون الفقيه إلا هكذا. ~~أخرج يا غلام الجراب فأخرجه فنفضه فإذا بيض مكسور بنصفين وجوز مكسور وفوم ~~وحمص وعدس كلها حجارة. # وعن صفوان بن عسال أن بعض اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال: «أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا ~~ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ~~ولا تأكلوا الربا ولا تفشوا سر أحد إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ~~ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقام اليهوديان ~~فقبلا يديه ورجليه وقالا: «إنك نبي ولولا أنا نخاف القتل لاتبعناك» «1» . # قال الإمام فخر الدين PageV04P394 # الرازي: هو أجود ما قيل في الآيات التسع. وأقول: عد الأحكام من الآيات ~~البينات فيه بعد، اللهم إلا أن يقال: النهي عن مساوئ الأخلاق والعادات من ~~جملة علامات النبوة. # قال بعد العلماء: أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بتسع وزاد واحدة تختص ~~بهم. # وروى أبو داود هذا الحديث ولم يذكر: «ولا تقذفوا محصنة» # وشك شعبة في أنه صلى الله عليه وسلم: # «ولا تقذفوا محصنة» ms2968 # أو قال: «تولوا الفرار» . وقيل: إنه كان لموسى آيات أخر كإنزال المن ~~والسلوى عليه وعلى قومه، وكالآيات التي عدها بعضهم من التسع وتركها بعضهم. ~~إلا أن تخصيص العدد بالذكر لا يقدح في الزيادة عليه. هكذا قال الأصوليون، ~~ولكن الذوق يأبى أن لا يكون للتخصيص فائدة. # والذي يدور في خلدي أن سبب التخصيص هو أن مرجع جميع معجزاته إلى تسع ~~أنواع كلمتين ونقص الثمرات مثلا فإنهما نوع واحد وهو القحط وقد يعسر إبداء ~~ما به الاشتراك ولكن لا بد عندي من اعتقاد الانحصار في التسع لأجل خبر ~~الصادق. أما قوله: # فسئل بني إسرائيل فالخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم والسؤال سؤال ~~استشهاد لمزيد الطمأنينة والإيقان، لأن الأدلة إذا تظاهرت كان ذلك أقوى ~~وأثبت. والمسئولون مؤمنو بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقوله: إذ ~~جاءهم يتعلق ب آتينا وينتصب بإضمار «اذكر» ، أو هو للتعليل. والمراد ~~فاسألهم يخبروك لأنه جاءهم أي جاء أباهم. ويحتمل أن يكون الخطاب لموسى ~~بتقدير القول أي فقلنا له حين جاءهم سل بني إسرائيل أي سلهم من فرعون وقل ~~له أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم أو سلهم عن أن ~~يعاضدوك ويساعدوك في الأمور والمسحور الذي سحر فخولط عقله. وقيل: هو بمعنى ~~الساحر كالمشؤوم والميمون قاله الفراء. وعن محمد بن جرير الطبري أن معناه ~~أعطى علم السحر. من قرأ «علمت» بضم التاء فظاهر لأن موسى كان عالما بصحة ~~الأمر وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض، فأراد أني لا أشك في أمري ~~بسبب تشكك مكذب مثلك. ومن قرأ بفتحها فالمراد تبين أن كفر فرعون كفر جحود ~~وعناد كقوله وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] . وقوله ~~للآيات: هؤلاء كقوله: # والعيش بعد أولئك الأيام ومعنى بصائر بينات مكشوفات وانتصابها على الحال ~~كأنه أشار بقوله: ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض إلى أنها أفعال ~~خارقة للعادة، وبقوله: بصائر إلى أن فاعله إنما فعله لغرض تصديق المدعي فتم ~~حد المعجز بمجموع القيدين. ثم قارع ms2969 # PageV04P395 # موسى ظن فرعون بظنه فقال: إني لأظنك يا فرعون مثبورا قال الفراء: أي ~~ملعونا محبوسا عن الخير من قولهم «ما ثبرك عن هذا» أي ما منعك وصرفك. وقال ~~مجاهد وقتادة، أي هالكا من الثبور الهلاك. ولا ريب أن ظن موسى أصح من ظنه ~~لأن إنكار ما علم صحته يستعقب لا محالة ويلا وثبورا وحسرة وندامة ولهذا ~~قال: فأراد أي فرعون أن يستفزهم من الأرض أي يستخف موسى وقومه من بسيط ~~الأرض أو من أرض مصر بالقتل والاستئصال أو بالنفي والإخراج. والحاصل أن ~~فرعون عورض بنقيض المقصود فأغرق هو وقومه وأسكن بنو إسرائيل مكانه تحقيقا ~~لقوله: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 34] ثم أخبر عن المعاد قائلا ~~فإذا جاء وعد الآخرة وهو قيام الساعة جئنا بكم يعني معشر المكلفين كلهم ~~لفيفا جماعات من قبائل شتى ذوي أديان ومذاهب مختلفة، وذلك لأجل الحكم ~~والجزاء والفصل والقضاء. # ولما بين إعجاز القرآن وأجاب عن شبهات القوم أراد أن يعظم شأن القرآن ~~ويذكر جلالة قدره فقال: وبالحق أنزلناه التقديم للتخصيص أي ما أردنا ~~بإنزاله إلا تقرير الحق في مركزه وتمكين الصواب في نصابه. قال جار الله: أي ~~ما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبسا ~~بالحكمة لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا ~~بالحق محفوظ بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من ~~تخليط الشياطين. وقال آخرون: الحق هو الثابت كما أن الباطل هو الزاهق، ولا ~~ريب أن هذا الكتاب الكريم يشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام، ~~وعلى تعظيم الملائكة وإقرار النبوات وإثبات المعاد، وعلى أصول الأديان ~~والملل التي لا يتطرق إليها النسخ والتبديل، وكل هذه الأمور تدل على المعنى ~~المذكور لأنها مما تبقى ببقاء الدهور. قال أبو علي الفارسي: بالباء في ~~الموضعين بمعنى «مع» كما في قولك «خرج بسلاحه» أي أنزل القرآن مع الحق ونزل ~~هو مع الحق. ويحتمل أن تكون الباء الثانية بمعنى «على» كما في قولك «نزلت ~~بزيد» فيكون ms2970 الحق عبارة عن محمد صلى الله عليه وآله لأن القرآن نزل به أي ~~عليه وما أرسلناك إلا مبشرا بالجنة ونذيرا من النار ليس إليك وراء هذين شيء ~~من إكراه على الدين والإتيان بشيء مما اقترحوه. ثم إن القوم كأنهم من ~~تعنتهم طعنوا في القرآن من جهة أنه لم ينزل دفعة واحدة فأجاب عن شبهتهم ~~بقوله: # وقرآنا وهو منصوب بفعل يفسره فرقناه أي جعلنا نزوله مفرقا منجما. وعن ابن ~~عباس أنه قرأه مشددا وقال: إنه لم ينزل في يومين أو ثلاثة بل كان بين أوله ~~وآخره عشرون سنة يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل مقارب. وقال أبو عبيدة: ~~التخفيف # PageV04P396 # أعجب إلي لأن تفسيره بيناه وليس للتشديد معنى إلا أنه نزل متفرقا. فالفرق ~~يتضمن التبين ويؤكده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقت أفرق بين ~~الكلام وفرقت بين الأجسام. وأقول: إن ابن عباس اعتبر الفصل بين أول نزوله ~~وبين آخره، فرأى التشديد أولى. ولعل المراد الفصول المتقاربة التي فيما بين ~~المدة بدليل قوله: لتقرأه على الناس على مكث بضم الميم أي على مهل وتؤدة ~~ولقوله: ونزلناه تنزيلا أي على حسب المصالح والحوادث. # ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمقترحين آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا وهو أمر وعيد وتهديد وخذلان. قال جار الله: قوله إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إما أن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية كأنه قيل: تسل عن ~~إيمان الجهلة بإيمان العلماء الذي قرأوا الكتب من قبل نزول القرآن. قال ~~مجاهد: هم أناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم خروا وسجدوا منهم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبد الله بن ~~سلام. وفي قوله: يخرون للأذقان سجدا دون أن يقول «يسجدون» مبالغة من وجهين: ~~أحدهما أنه قيد الخرور وهو السقوط بالذقن. فقال الزجاج: لأن الذقن مجتمع ~~اللحيين، وكما يبتدىء الإنسان بالخرور للسجود فأول ما يحاذي به الأرض من ~~وجهه الذقن. قلت: هذا تصحيح للمعنى ms2971 ولا يظهر منه لتغيير العبارة فائدة. ~~وقال غيره: المراد تعفير اللحية في التراب فإن ذلك غاية الخضوع وإن الإنسان ~~إذا استولى عليه خوف الله تعالى فربما سقط على الأرض مغشيا عليه. وثانيهما ~~أنه لم يقل «يخرون على الأذقان» كما هو ظاهر وإنما قال للأذقان لأن اللام ~~للاختصاص فكأنهم خصوا أذقانهم بالخرور، أو خصوا الخرور بأذقانهم. ثم حكى ~~أنهم في سجودهم أنهم يراعون شرائط التنزيه والتعظيم قائلين سبحان ربنا إن ~~كان وعد ربنا بإنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبنا ~~لمفعولا أي منجرا «وإن» مخففة من الثقيلة ولهذا دخلت اللام في خبر كان، ثم ~~ذكر أنهم كما خروا لأذقانهم في حال كونهم ساجدين فقد خروا لها حال كونهم ~~باكين، ويجوز أن يكون التكرير لأجل الدلالة على تكرير الفعل منهم بدليل ~~قوله ويزيدهم أي القرآن خشوعا لين قلب ورطوبة عين، ثم أراد أن يعلمهم كيفية ~~الخشوع والدعاء فقال: قل ادعوا عن ابن عباس: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا ~~رحمن. فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر. وقيل: أن أهل ~~الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم ~~فنزلت. قال جار الله: # الدعاء بمعنى التسمية لا النداء وهو يتعدى إلى مفعولين. تقول: دعوته زيدا ~~ثم تترك أحدهما استغناء عنه فتقول: دعوت زيدا و «أو» للتخيير والمعنى على ~~السبب الأول سموه # PageV04P397 # بهذا الاسم أو بهذا، وعلى السبب الثاني اذكروا إما هذا وإما هذا أيا ما ~~تدعوا يعني أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم فالتنوين عوض عن المضاف إليه ~~«وما» صلة زيدت لتأكيد الإبهام. والضمير «في فله لا يرجع إلى أحد الاسمين ~~ولكن إلى مسماهما، وكان أصل الكلام أن يقال: فهو أي ذلك الاسم حسن فوضع ~~موضعه. قوله: فله الأسماء الحسنى لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان ~~الاسمان. ومعنى حسن الأسماء استقلالها بنعوت الجلال والإكرام وقد مر في آخر ~~«الأعراف» . # ثم ذكر كيفية أخرى للدعاء فقال: ولا تجهر بصلاتك أي بقراءة صلاتك ms2972 على حذف ~~المضاف للعلم بأن الجهر والمخافتة من نعوت الصوت لا الصلاة أفعالها فهو من ~~إطلاق الكل وإرادة الجزء، ومنه يقال: خفت صوته خفوتا إذا انقطع كلامه أو ~~ضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يبين قراءته ~~برفع الصوت. # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع ~~صوته لعله # أو من إطلاق الصلاة على بعض أفعالها فهو ألح تأمل. مصححه بالقراءة، فإذا ~~سمعه المشركون سبوه وسبوا من جاء به فأوحى الله إليه ولا تجهر بصلاتك ~~فيسمعه المشركون فيسبوا الله عدوا بغير علم ولا تخافت بها فلا تسمع أصحابك ~~وابتغ بين ذلك الذي ذكر من الجهر المخافتة سبيلا وسطا، # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالليل دور الصحابة فكان أبو بكر ~~يخفي صوته في صلاته ويقول: أناجي ربي وقد علم حاجتي. # وكان عمر يرفع صوته ويقول: أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان. فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وأمر عمر أن يخفض قليلا فنزلت ~~الآية # على حسب ذلك. وقيل: معناه ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، ~~وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، وعن عائشة ~~وأبي هريرة ومجاهد أن الصلاة هاهنا الدعاء. وقد يروى هذا مرفوعا. قال ~~الحسن: لا يرائي بعلانيتها ولا يسيء بسريرتها، وأيضا في الجهر إسماع غيره ~~الذنوب وهو الموجب للتغيير والتوبيخ، وعلى هذا ذهب قوم إلى أن الآية منسوخة ~~بقوله: ادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف: 55] قال جار الله: # ابتغاء السبيل مثل لابتغاء الوجه الوسط في القراءة. # ولما أمر أن لا يذكر ولا ينادي إلا بأسمائه الحسنى نبه على كيفية التحميد ~~بقوله: # وقل الحمد لله الآية قال في الكشاف: كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك ~~والذل بكلمة التحميد؟ وأجاب بأن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، ~~فهو الذي # PageV04P398 # يستحق جنس الحمد، وأقول: الولد يتولد من جزء من أجزاء الوالد، فالوالد ~~مركب وكل ms2973 مركب محدث والمحدث محتاج والمحتاج لا يقدر على كمال الإنعام فلا ~~يستحق كمال الحمد، وأيضا الولد مبخلة لا يستحق الحمد والشركة في الملك إنما ~~تتصور لمن لا يستقل بالمالكية فيفتقر إلى من يتم بمشاركته أمور مملكته ~~ومصالح تمدنه، وكل من كان كذلك كان عاجزا بالنظر إلى ذاته، فلا يتم فيضانه ~~فلا يستحق الحمد على الإطلاق، وهكذا حكم من كان له لي من الذل أي اتخذ ~~حبيبا من أجل ذل به واستفادة لا من عزة وقوة إفاضة، أو الولي بمعنى الناصر ~~أي ناصر من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. وأيضا قد يمنعه الشريك من إصابة ~~الخير إلى أوليائه، والذي يكون له ولي من الذل يكون محتاجا إليه فينعم عليه ~~دون من استغنى عنه. أما إذا كان منزها عن الولد وعن الشريك وعن أن يكون له ~~ولي ينصره ويلي أمره كان مستوجبا لأعظم أنواع الحمد ومستحقا لأجل أقسام ~~الشكر. قال الإمام فخر الدين الرازي: التكبير أنواع منها: تكبير الله في ~~ذاته وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته غني عن كل ما سواه. ومنها تكبيره ~~في صفاته بأن يعتقدها كلها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية ~~الكمال وأنها منزهة عن سمات التغير والزوال والحدوث والانتقال. ومنها ~~تكبيره في أفعاله وعند هذا تعود مسألة الجبر والقدر. قال: # سمعت أن الأستاذ أبا إسحق الإسفرايني كان جالسا في دار الصاحب بن عباد ~~فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني. فلما رآه قال: سبحان من تنزه عن ~~الفحشاء. فقال الأستاذ: سبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء. ومنها تكبير ~~الله في أحكامه وهو أن يعتقد أن أحكامه كلها جارية على سنن الصواب وقانون ~~العدالة وقضية الاستقامة. ومنها تكبيره عن هذا التكبير وتعظيمه عن هذا ~~التعظيم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب ~~علمه هذه الآية والله أعلم. ### | التأويل: # وقالوا لن نؤمن لك كانوا أرباب الحس فلم يبصروا شواهد الحق ودلائل النبوة ~~ولم يطلبوا منه ما كان ms2974 هو عليه من تزكية النفوس وتصفية القلوب وتجلية ~~الأرواح وتفجير ينابيع الحكمة من أرض القلوب لإنبات نخيل المشاهدات وأعناب ~~المكاشفات في جنات المواصلات. أبعث الله بشرا رسولا تعجبوا من كون البشر ~~رسولا حين ظن أن الملك أعلى حالا من البشر، وغفلوا عن رتبة الإنسان الكامل ~~حيث جعل سجود الملائكة المقربين وأودع فيه سر الخلافة مأواهم جهنم الحرص ~~والشهوات، كلما سكنت نار شهوة باستيفاء حظها زدناهم سعيرا باشتعال طلب شهوة ~~أخرى تسع آيات بينات قال الشيخ المحقق نجم الحق: والدين المعروف بداية ~~إرادة الآيات التي تدل على نبوته فيما # PageV04P399 # يتعلق بنفسه خاصة كإلقائه في اليم وإخراجه منه وتربيته في حجر العدوة ~~وتحريم المراضع عليه ونحو ذلك. وبالحق أنزلناه لأن الأرواح المتعلقة ~~بالعالم السفلي احتاجت في الرجوع إلى عالم العلو إلى حبل متين هو القرآن ~~كقوله: واعتصموا بحبل الله جميعا [آل عمران: 103] ، وبالحق نزل التميز بين ~~أهل السعادة والشقاوة بالاتباع وعدمه إن الذين أوتوا العلم من قبل نزوله في ~~الأزل إذا يتلى عليهم في الأزل عنه خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172] يخرون ~~للأذقان سجدا للإجابة يقولون «بلى» ويخرون للأذقان في عالم الصورة يبكون. ~~فالتواضع والسجود من شأن الأرواح والبكاء والخشوع عن شأن الأجساد. ثم بين ~~أن الأرواح إنما أرسلت إلى الأبدان للعبودية وذكر الله فقال: قل ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى أي كل اسم من أسمائه حسن ~~فادعوه حسنا وهو الدعاء بالإخلاص ولا تجهر بصلاتك رياء وسمعة ولا تخافت بها ~~أن تخفيها بالكلية فيحرموا المتابعة والأسوة الحسنة وابتغ بين ذلك سبيلا ~~بإظهار الفرائض وإخفاء النوافل والله تعالى أعلم. # PageV04P400 ### | (سورة الكهف) # (مكية إلا قوله واصبر نفسك الآية حروفها ستة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا ~~كلماتها ألف وخمسمائة وسبعة وسبعون آياتها مائة وإحدى عشرة) ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى 26] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر ~~بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ~~(2) ماكثين ms2975 فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) # ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا (5) فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) ~~إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ~~ما عليها صعيدا جرزا (8) أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا (9) # إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من ~~أمرنا رشدا (10) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم ~~لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا ~~رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) # هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا ~~إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16) وترى ~~الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ~~وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات ~~الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا (18) وكذلك بعثناهم ليتسائلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ~~ولا يشعرن بكم أحدا (19) # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ~~(20) وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ms2976 (21) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ~~ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء ~~الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (24) # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا (26) # PageV04P401 ### | القراآت: # من لدنه بإشمام الدال شيئا بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: # يحيى. الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ويبشر مخففا: حمزة وعلي. # الباقون بالتشديد. هيئ لنا ويهيئ لكم بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية ~~والأعشى في الوقف فأووا بإبدال الهمزة ألفا: أبو عمرو ويزيد والأعشى ~~والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء: أبو جعفر ~~ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي. الآخرون على العكس تزاور خفيفا بحذف تاء ~~التفاعل: عاصم وحمزة وعلي وخلف تزور بتشديد الراء: ابن عامر مثل «تحمر» ~~ويعقوب. الباقون تزاور بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه المهتدي كما مر في ~~«سبحان» ولملئت مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ~~ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز. بورقكم بسكون ~~الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء ~~وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهرا ربي أعلم بفتح الياء: أبو ~~جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو أن يهديني وأن ترني وو أن يؤتيني وأن ~~تعلمني بالياءات في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح. # وزمعة. وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين. وعن البزي وابن ~~فليح كلها بغير ياء- في الحالين- وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء ~~في الوصل ثلاث مائة سنين بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ولا ~~تشرك بالتاء على النهي: # ابن عامر ms2977 وروح وزيد. الآخرون ولا يشرك بياء الغيبة ورفع الكاف. # PageV04P402 ### | الوقوف: # عوجا ه ط لأن قيما ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو ~~أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالا من الكتاب أو العبد وما ~~بينهما اعتراض حسنا، ه لا أبدا ه ولدا ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ~~ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقا كما هو الظاهر لآبائهم ~~ط من أفواههم ط كذبا ه أسفا ه عملا ه جرزا، ط لتمام القصة ما بعده استفهام ~~تقرير وتعجيب عجبا ه رشدا ه عددا، لا للعطف أمدا ه بالحق ط هدى، والوصل ~~أولى للعطف شططا ه آلهة ط لابتداء التحضيض بين ط كذبا ه مرفقا ه فجوة منه ط ~~آيات الله ط فهو المهتد ج مرشدا ه رقود قف والأولى الوصل على أن ما بعده ~~حال أي رقدوا ونحن نقلبهم الشمال قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم ~~وكلبهم باسط بالوصيد ط رعبا ه بينهم ط كم لبثتم ط بعض يوم ط أحدا ه أبدا ه ~~لا ريب فيها ج لأن «إذ» يصلح أن يكون طرفا للإعثار عليهم وأن يكون منصوبا ~~بإضمار «اذكر» بنيانا ط بهم ط مسجدا ه رابعهم كلبهم ج فصلا بين المقالتين ~~مع اتفاق الجملتين بالغيب ج لوقوع العارض كلبهم ط قليل ه ظاهرا ص أحدا ه ~~يشاء الله ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء رشدا ه تسعا ه لبثوا ~~ج لاحتمال أن ما بعده مفعول «قل» أو إخبار مستأنف والأرض ط لابتداء التعجب ~~وأسمع ط من ولي ط لمن قرأ ولا تشرك على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخبارا ~~جوز وقفه لاختلاف الجملتين أحدا ه. ### | التفسير: # ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل ~~نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم. قال ~~بعض العلماء: نزه نفسه في أول سورة «سبحان» عما لا ينبغي وهو إشارة إلى ~~كونه كاملا ms2978 في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملا ~~لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقا ~~لما # ورد في الذكر «سبحان الله والحمد لله» . # وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال ~~الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض ~~البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفصل من القاصرة كما # ورد في الخبر: «من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيما في السموات» # وإنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم نعمة عليه وعلينا. أما أنه ~~نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على # PageV04P403 # أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر ~~النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي ~~بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر. وأما أنه نعمة ~~علينا فلأنا نستفيد منه أيضا مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية ~~إلى إصلاح المعاش والمعاد. وفي انتصاب قيما وجوه فاختار صاحب الكشاف أن ~~يكون منصوبا بمضمر أي جعله وأنزله قيما. وأبى أن يكون حالا لأن العطف يدل ~~على تمام الكلام وجعله حالا يدل على نقصانه. قال جامع الأصفهاني: هما حالان ~~متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد. وقيل: حال من الضمير في قوله: ~~ولم يجعل له وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب ~~مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس. ~~ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم ~~بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ~~ولم يجعل له عوجا إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، ~~مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق. وقوله: قيما إشارة إلى أنه مكمل ~~لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله ~~في أول «البقرة» : لا ريب فيه هدى ms2979 للمتقين ثم أراد أن يفصل ما أجمله في ~~قوله فيما قال: لينذر بأسا شديدا من لدنه وحذف المنذر للعلم به بعمومه ~~ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذابا أليما صادرا من عنده. ~~والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ماكثين فيه وهو حال من الضمير في لهم ثم ~~كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ~~ذكره. وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كونه أعظم ~~جزئيات ذلك الكلي. ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن ~~أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى على ما زعم بعض كفار قريش ~~من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله. ثم قال: # ما لهم به أي بالولد أو باتخاذ الله إياه من علم ولا لآبائهم وانتفاء ~~العلم بالشيء إما بالجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال فلا ~~يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ~~ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة. قال جار الله: ~~الضمير في قوله: كبرت يعود إلى قولهم «اتخذ الله ولدا» وسميت كلمة كما ~~يسمون القصيدة بها. قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقولهم ~~«ربه رجلا ونعمت امرأة عندي» . قال الواحدي: # PageV04P404 # انتصبت كلمة على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن ~~يتوهم أنها كبرت كذبا أو جهلا أو افتراء، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من ~~محتملاتها. وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال «عظم قولك» . قال أهل ~~البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة ~~التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة. وفي وصف الكلمة بقوله: تخرج من أفواههم ~~مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيرا من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا ~~يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلا، فبين الله تعالى أن هذا المنكر ~~لم يستحيوا ms2980 من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم. الثاني أن ~~هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتة لكونه في غاية البطلان، ~~وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام ~~جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة والحركة من خواص الأجسام. والجواب أن ~~الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند ~~إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازا. ثم زاد في تقبيح صوتهم بقوله: إن ~~يقولون إلا كذبا وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي لا يطابق ~~المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ~~هاهنا مع أنه تعالى سماه كذبا. ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ~~فلعلك باخع قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظا: وقال الأخفش ~~والفراء: أصل البخع الجهد. يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي ~~جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك. وقال الكسائي: # بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل ~~نفسه إذا نهكها وأسفا منصوب على المصدر أي تأسف أسفا وحذف الفعل لدلالة ~~الكلام عليه. # وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه ~~وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو ~~يتساقط حسرات عليهم. # والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا ~~البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك. قال القاضي، أطلق الحديث على ~~القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم. وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف ~~والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله سبحانه: إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها قال أهل النظم: كأنه تعالى يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ~~ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم ~~مواد هذه النعم، فأنت أيضا يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد ms2981 أن لا ~~تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان # PageV04P405 # وأشرفها الإنسان. وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على ~~الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي ~~له الزينة يكون خارجا عن الزينة. ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه تعالى ~~يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء ~~والامتحان. وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: وإذ ~~ابتلى إبراهيم ربه [البقرة: 124] . واللام في لنبلوهم للغرض عند المعتزلة، ~~أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غير هم حذرا من لزوم الاستكمال. # قال الزجاج أيهم رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن ~~هذا أحسن عملا أم ذلك. ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: وإنا لجاعلون ~~ما عليها من هذه الزينة صعيدا جرزا أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن ~~كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإمانة سكانه. قال أبو عبيد: الصعيد ~~المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم «امرأة جروز» إذا كانت أكولا، ~~«وسيف جراز» إذا كان مستأصلا وجرز الجراد والشاء والإبل الأرض إذا أكملت ما ~~عليها. ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على سبيل الامتحان فقال سبحانه أم حسبت يعني بل أظننت يا إنسان ~~أنهم كانوا عجبا من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من ~~كان قادرا على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات ~~والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيدا خاليا عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ~~ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة. وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين ~~وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولا عظيم قدرته، ثم أضرب عن ~~ذلك موبخا للإنسان. والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف ~~الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه ms2982 ~~لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون ~~اللفظ عربيا «فعيلا» بمعنى «مفعول» ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم ~~نقرا في الجبل. وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها. وقيل: هو الوادي أو ~~الجبل الذي فيه الكهف. والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب. وقوله: إذ ~~أوى الفتية إلى الكهف صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار «اذكر» ب حسبت ~~لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق ب عجبا والتنوين في رحمة إما للتعظيم أو ~~للنوع. وتقديم من لدنك للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي ~~المغفرة والرزق والأمن من الأعداء وهيئ لنا أي أصلح لنا من قولك هيئات ~~الأمر فتهيأ من أمرنا # PageV04P406 # الذي نحن عليه من مفارقة الكفار رشدا أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه ~~راشدين غير ضالين فتكون «من» للابتداء، ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك ~~«رأيت منك أسدا» أي اجعل أمرنا رشدا كله. فضربنا على آذانهم قال المفسرون: ~~أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: «بنى على ~~امرأته» أي بنى عليها القبة. # وسنين ظرف زمان وعددا أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف ~~إما القلة لأن الكثير قليل عند الله وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ~~[الحج: 47] وإما الكثرة. قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى ~~العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعد ثم بعثناهم أيقظناهم لنعلم ليظهر معلومنا ~~وفعل العلم معلق لما في «أي» من معنى الاستفهام فارتفع أي الحزبين على ~~الابتداء وخبره أحصى وهو فعل ماض و «ما» في لما لبثوا مصدرية أي أحصى أمدا ~~للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالا منه. وقيل: اللام ~~«زائدة» و «ما» بمعنى الذي وأمدا تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمدا ~~والأمد الغاية. وزعم بعضهم أن أحصى أفعل تفضيل كما في قولهم «أعدى من ~~الجرب» و «أفلس من ابن المذلق» ، ولم يستصوبه في ms2983 الكشاف لأن الشاذ لا يقاس ~~عليه. واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب ~~والملوك الذين تداولوا المدينة ملكا بعد ملك حزب. # وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف. وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال ~~بعضهم: # لبثنا يوما أو بعض يوم وقال آخرون: ربكم أعلم بما لبثتم وذلك حين حدسوا ~~أن لبثهم قد تطاول. وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب ~~الكهف اختلفوا في مدة لبثهم نحن نقص عليك نبأهم بالحق أي على وجه الصدق ~~إنهم فتية شباب آمنوا بربهم أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر وزدناهم هدى أي ~~بالتوفيق والتثبيت وربطنا على قلوبهم قويناها بإلهام الصبر على فراق ~~الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران إذ قاموا وفي هذا القيام ~~أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم: ~~هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده، أجد أن ربي رب ~~السموات والأرض. فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعا فقالوا ربنا رب ~~السماوات والأرض وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار- يقال له ~~دقيانوس- وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية ~~وعصمهم حتى قاموا بين يديه فقالوا ربنا رب السماوات والأرض وعن عطاء ومقاتل ~~أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم. والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه ~~من # PageV04P407 # شط إذا بعد والمراد قولا ذا شطط أي بعيد عن الحق. هؤلاء مبتدأ وقومنا عطف ~~بيان أو بدل اتخذوا خير وهو إخبار في معنى إنكار. وفي اسم الإشارة تحقير ~~لهم لولا يأتون عليهم هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم بسلطان ~~بين بحجة أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل ~~التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عبادة الأوثان محال، وفيه دليل ~~على فساد التقليد ويؤكده قوله فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا بنسبة ~~الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضا حين صمم عزمهم على الفرار بالدين. وقوله: ms2984 وما ~~يعبدون عطف على الضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم. وقوله: إلا ~~الله استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلا بناء على أن المشركين ~~يقرون بالخالق الأكبر. وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفتية ~~أنهم لم يعبدوا غير الله ف «ما» نافية. # قال الفراء فأووا إلى الكهف جواب «إذ» ومعناه اذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ~~ينشر لكم ربكم من رحمته يبسطها لكم ومرفقا على القراءتين مشتق من الارتفاق ~~الانتفاع. وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر. وقيل: المرفق بالكسر ما ~~ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق. وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد ~~إلا كسر الميم. قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلا عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي ~~في عصرهم منهم أو من غيرهم. وترى الشمس أيها الإنسان إذا طلعت تزاور أصله ~~من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه. والمراد أن الشمس ~~تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن ~~سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم. والفجوة المتسع من المكان ومنه # الحديث «فإذا وجد فجوة نص» «1» . # وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس ~~في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار ~~بقوله: ذلك من آيات الله وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب ~~الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره ~~فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم. ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ~~ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا ~~يكون آية PageV04P408 # من آيات الله على هذا التقدير. وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار ~~مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم. ثم بين الله سبحانه ~~لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول ~~الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم ms2985 إن الهداية وضدها كليهما ~~بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم. وقال جار ~~الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريقة الراشدين المهديين فهو الذي أصاب ~~الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده. ثم حكى طرفا آخر من ~~غرائب أحوالهم فقال وتحسبهم أيقاظا هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع ~~نكد وهم رقود جمع راقد كقعود في قاعد. واستبعده في التفسير الكبير. وقيل: # عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا. وقال الزجاج: لكثرة ~~تقلبهم. # وقيل: لهم تقلبتان في السنة. وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء. وعن ~~مجاهد: # يمكثون رقودا على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودا ~~سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض. قال ابن عباس: ~~وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله تعالى قادر على حفظهم من غير ~~تقليب. وأقول: لا ريب في قدرة الله تعالى ولكن الوسائط معتبرة في أغلب ~~الأحوال وكلبهم باسط حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به. والوصيد ~~الفناء وقيل العتبة أو الباب. قال السدي: # الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من ~~البيت. عن ابن عباس: هربوا ليلا من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على ~~دينهم ومعه كلبه. # وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال ~~لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم. وقال عبيد ~~بن عمرو: # كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه. قال الزجاج قوله ~~فرارا منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية. وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله ~~إياها. وقيل: # طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا ~~الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ~~ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟ فقال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~فقال معاوية: لا أنتهي ms2986 حتى أعلم علمهم فبعث ناسا فقال لهم: اذهبوا فانظروا ~~ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحا فأخرجتهم وكذلك إشارة إلى المذكور ~~قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ~~بعثناهم وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعا، ثم ذكر غاية بعثهم ~~فقال: ليتسائلوا أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع # PageV04P409 # في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة قال ~~قائل منهم كم لبثتم قال ابن عباس: هو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله ~~تعالى حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم. والفاء في فابعثوا ~~للتسبيب كأنه قيل: وإذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر ~~مما يهمكم. والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة. وفي تزودهم الورق عند ~~فرارهم دليل عى أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي ~~التوكل على الله. والمدينة طرسوس. قال في الكشاف: أيها معناه أي أهلها أزكى ~~طعاما وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهنا كقوله: «زيد طيب أبا» ~~على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاما على الوجه ~~المذكور. عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا ~~مجوسا وفيهم قوم يخفون أديانهم. وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم ~~كان ظالما. وقيل: أيها أطيب وألذ. وقيل: الرخص وليتلطف وليتكلف اللطف فيما ~~يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن. والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر ~~التخفي حتى لا يعرف. يؤيده قوله ولا يشعرون بكم أحدا أي لا يفعلن ما يؤدي ~~إلى الشعور ويسبب له إنهم إن يظهروا يطلعوا على مكانكم أو عليكم يرجموكم ~~يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم أو يعيدوكم في ملتهم ~~بالإكراه العنيف. # وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما ~~عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل. قلت: يحتمل أن يكون العود هاهنا على ~~معناه الأصلي لاحتمال أن يكون ms2987 أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن ~~هداهم الله. وفي «أذن» معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا ~~أبدا، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين. ففي ~~الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة. # وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن ~~يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم أعثرنا عليهم ~~سمى الإعلام إعثارا والعلم عثورا لأن من كان غافلا عن شيء فعثر به نظر إليه ~~وعرفه وكان الإعثار سببا لحصول العلم واليقين. وفي سبب الإعثار قولان: ~~أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولا مخالفا للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا ~~بذلك. والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دراهم ~~دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت ~~هذه الدراهم؟ قال: بعت بها أمس شيئا من التمر. فعرف الملك أنه ما وجد كنزا ~~وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة. ثم ذكر سبحانه غاية # PageV04P410 # الإعثار فقال: ليعلموا أن وعد الله حق يروى أن ملك ذلك العصر ممن كان ~~ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفا فجعل الله أمر الفتية دليلا للملك. ~~وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان ~~جميعا. وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض. ثم إن ذلك الملك ~~كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله ~~تعالى على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم ~~بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث. فالمراد بالتنازع هو اختلافهم ~~في حقيقة البعث. والضمائر في قوله: إذ يتنازعون بينهم أمرهم تعود إلى تلك ~~الأمة. وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في ~~قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف ~~يسدون الطريق إليهم. فقالوا ابنوا على باب كهفهم بنيانا يروى ms2988 أنه انطلق ~~الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث. ~~ثم قالت الفتية للملك: # نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى ~~الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتا من ذهب ~~فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجدا. ~~فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله تعالى ومعترفين ~~بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ ~~عليهم بنيانا، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجدا، ~~وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم. قال جار الله: ربهم أعلم بهم من ~~كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، ~~فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول ~~الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. والذين غلبوا على أمرهم ~~المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجدا يصلى فيه المسلمون ويتبركون ~~بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظا لتربتهم بها وضنا بها سيقولون ~~يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما ~~أخبر فكان معجزا، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبيا هم ~~ثلاثة رابعهم كلبهم وقال العاقب وكان نسطوريا هم خمسة سادسهم كلبهم فزيف ~~الله قولهما بأن قال: رجما بالغيب أي يرمون رميا بالخبر الخفي يقال: فلان ~~يرمي بالكلام رميا أي يتكلم من غير تدبر. وكثيرا ما يقال رجم بالظن # PageV04P411 # مكان قولهم ظن. وقال المسلمون: هم سبعة ثامنهم كلبهم. قال العلماء: وهذا ~~قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لسان ~~جبرائيل عليه السلام. والذي يدل عليه أمور منها ما # روي عن علي عليه السلام أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم: يمليخا ms2989 ومكشلينيا ~~ومشلينيا- هؤلاء أصحاب يمين الملك- وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش. ~~وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه ~~كفشططوش. واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير. # وقيل ريان. عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء ~~الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت ~~رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، ~~وللضربان وللحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه، والدخول على السلاطين تشد ~~على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال ~~والركوب في البحار والنجاة من القتل. ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في ~~قوله وثامنهم هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك «جاءني ~~رجل ومعه آخر» كما تدخل على الجملة الواقعة حالا من المعرفة في قولك «مررت ~~بزيد ومعه سيف» وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه ~~بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة ~~مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة. ولقائل أن ~~يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف البتة لشدة الاتصال بينهما، ~~ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع، بل ~~الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا ~~الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك «رأيت رجلا راكبا» ~~وهاهنا الالتباس مرتفع لمكان الواو. ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ~~ويقولون سبعة لله تعالى والجمع للتعظيم. ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو ~~انقطعت العدة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم ~~كلبهم على القطع والثبات. ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: رجما ~~بالغيب وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد ~~أن يذكر الله تعالى جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه سبحانه ~~منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا ms2990 الباب، وهذا المنع إنما ~~يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة. وأيضا الله تعالى قال: ما يعلمهم إلا قليل ~~ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ويحصل لغير النبي ~~صلى الله عليه وسلم # PageV04P412 # كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل. وقد عرفت قولهما في هذا ~~الباب. وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم. # وقيل: الضمير في سيقولون لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا ~~وقيل: الضمير في سيقولون لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا ~~وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله سبحانه في الموضعين الأخيرين ~~ويقولون بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضا إلا أن ذلك يحتمل أن يكون ~~لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد ~~أكرم وأنعم أي وقد أنعم. # أما فائدة تخصيص الواو في قوله: وثامنهم فقد عرفت آنفا وقد يقال: إن لعدد ~~السبعة عند العرب تداولا على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله تعالى: ~~إن تستغفر لهم سبعين مرة [التوبة: 8] لأن هذا العدد سبعة عقود، فإذا وصلوا ~~إلى الثامنة ذكروا لفظا يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة وفتحت ~~أبوابها [الزمر: 73] وكقوله ثيبات وأبكارا [التحريم: 5] وزيف القفال هذا ~~الوجه بقوله تعالى: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر [الحشر: 22] وذلك لم يذكر الواو في النعت ~~الثامن. والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي ~~يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، ~~والقائل بصدد الأول دون الأخير. ثم نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الجدال ~~مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: إلا مراء ظاهرا فقال جار الله: ~~أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد ~~من غير تجهيل ولا تعنيف. وقال في التفسير ms2991 الكبير: المراد أن لا يكذبهم في ~~تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف. ثم نهاه عن ~~الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وهاهنا ~~الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا. ولنذكر هاهنا ~~مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: # الولي مشتق من الولي وهو القرب. فقيل: «فعيل» بمعنى «فاعل» كعليم وقدير ~~وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية. وقيل: بمعنى «مفعول» كقتيل وذلك ~~أن الحق سبحانه تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل ~~خارق للعادة على إنسان فإن كان مقرونا بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت ~~تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه ~~الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقرونا ~~بدعوى النبوة. فإن كان صادقا وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذبا ~~وجب. ويمكن أن يقال: إن # PageV04P413 # الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، ~~وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق ~~العادات على من كان مردودا على طاعة الله وسموه بالاستدراج. وقد يفرق بين ~~النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقرونا بدعوى ~~الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوز للولي دعوى الولاية لأنه ~~مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار. ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات ~~الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول. ~~أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف. قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك ~~الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات. وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم ~~على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من ~~النوم بعد ثلاثمائة سنة فهذا أيضا لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا ~~يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى ms2992 إلا إذا ~~بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ~~ناموا قبل ذلك بثلاثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل ~~هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم. # ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟ ~~وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم ~~وغيره. وأما الأخبار فمنها ما # أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم ~~يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر. أما ~~عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلا عابدا في بني إسرائيل وكانت له أم ~~وكان يوما يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير ~~أم رؤيتها ثم صلى. فدعته ثانيا مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار. وكان يصلي ~~ويدعها فاشتد ذلك على أمه فقالت: # اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: ~~أنا أفتن جريجا حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئا وكان هناك راع يأوى ~~بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاما وقالت: ~~ولدي هذا من جريج. فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم ~~نخس الغلام. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~قال بيده يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم ~~واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت. ~~وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو ~~شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا. فقال الصبي: اللهم لا تجعلني مثله. # PageV04P414 # ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللهم لا تجعل ابني ~~مثل هذه. # فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت له ms2993 أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من ~~الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله» ~~. # ومنها ما # روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انطلق ثلاثة رهط ~~ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت ~~عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله ~~بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق ~~قبلهما فناما في ظل شجرة يوما فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما ~~به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في ~~يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت ~~فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجا ~~لا يستطيعون الخروج منه. ثم قال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب ~~الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني ~~وأعطيتها مالا عظيما على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا ~~آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال ~~معها اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت ~~الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ثم قال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد ~~منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين ~~فقال يا عبد الله أد إلي أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق ~~من أجرتك فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بأحد فأخذ ذلك ~~كله اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة ~~عن الغار فخرجوا يمشون» «1» # وهذا حديث صحيح متفق عليه. # ومنها # قوله صلى الله ms2994 عليه وسلم: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على ~~الله لأبره» «2» . # ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله. ومنها # رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق ~~لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: # سبحان الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بهذا أنا وأبو بكر ~~وعمر» «3» . # ومنها # رواية PageV04P415 # أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينا رجل سمع رعدا أو صوتا في ~~السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها ~~فقلت له: ما اسمك؟ # قال: فلان ابن فلان. فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟ قال: ولم ~~تسأل عن ذلك؟ قلت: لأني سمعت صوتا في السحاب أن اسق حديقة فلان. قال: أما ~~إذ قلت فإني أجعلها أثلاثا فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثا وأجعل للمساكين وأبناء ~~السبيل ثلثا وأنفق عليها ثلثا» «1» # وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر ~~بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى ~~الحبيب. ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشا وأمر عليهم رجلا يدعى سارية بن ~~حصين. فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وكتبت تاريخ هذه الكلمة. # فقدم رسول ذلك الجيش. فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت ~~الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل ~~فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة. قال بعض العلماء: كان ذلك ~~بالحقيقة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه # قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر. # فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش ms2995 من بعد. ومنها ما ~~روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى ~~يلقى فيه جارية حسناء. فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى ~~عمر. فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد فإن ~~كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة ~~الله. وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك. ووقعت الزلزلة ~~بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت. ووقعت ~~النار في بعض دور المدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله تعالى ~~فألقوها في النار فانطفأت في الحال. ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر ~~وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في ~~الصحراء يضرب اللبن. فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعا درته تحت رأسه وهو ~~نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب ~~يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض ~~PageV04P416 # فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل. قال أهل السير: لم يتفق ~~لأحد من أول عهد آدم إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات ~~كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات. وأما عثمان فعن ~~أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي ~~أراكم تدخلون علي وآثار الزنا عليكم؟! فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقال: لا ولكن فراسة صادقة. وقيل: لما طعن بالسيف فأول ~~قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم [البقرة: 137] . ويروى أن جهجاها الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها ~~في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته. # وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحدا ms2996 من أصحابه سرق وكان عبدا أسود ~~فأتي به إلى علي عليه السلام فقال: أسرقت؟ قال: نعم. فقطع يده فانصرف من ~~عند علي رضي الله عنه فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من ~~قطع يدك؟ قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول. ~~فقال: قطع يدك وتمدحه. قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار. ~~فسمع سلمان ذلك فأخبر به عليا رضي الله عنه فدعا الأسود ووضع يده على ساعده ~~وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتا من السماء ارفع الرداء عن اليد ~~فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله تعالى. # وأما سائر الصحابة فعن محمد به المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت ~~السفينة التي كنت فيها فركبت لوحا من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها ~~أسد، فخرج إلي أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فطننت أنه يودعني ورجع. وروى ~~ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلا آخر من الأنصار خرجا من عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد ~~منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل ~~واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله. وقيل لخالد بن الوليد إن في ~~عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلا فطاف في العسكر فرأى رجلا على فرس ومعه ~~زق من خمر فقال: ما هذا؟ فقال: خل. فقال خالد: اللهم اجعله خلا. فذهب الرجل ~~إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها: فلما فتحوا فإذا هي خل. ~~فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل. فقال: هذه والله دعوة خالد. ومن الوقائع ~~المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفا من السم على اسم الله وما ضره. وعن ابن ~~عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع ~~عن طريقهم # PageV04P417 # ثم ms2997 قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط ~~عليه شيء. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال ~~بينهم وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء. # وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة ~~الأولياء ومن أرادها فليطالعها. # وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد وحبيب الرب لقوله يحبهم ويحبونه ~~[المائدة: 54] فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره ~~الله. فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد ~~العبد. وأيضا لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله تعالى ليس أهلا ~~له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلا له وهو بعيد لأن معرفة ~~الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض ~~بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا ~~قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف ~~في جسده. قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة ~~على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة ~~غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي ~~طالب صلوات الله عليه: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ~~ربانية. حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل ~~لغير النبي لبطلت هذه الدلالة. وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن ~~المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية. وأيضا النبي ~~يدعي المعجزة ويقطع بها. والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها، وأيضا أنه ~~يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة. جميع هذا عند من ~~يجوز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوز ذلك من حيث إن النبي مأمور ~~بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس ms2998 كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار ~~والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، ~~والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: # قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله سبحانه: «لن يتقرب إلي المتقربون ~~بمثل أداء ما افترضت عليهم» «1» . # لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، ~~فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك. وأجيب بأن الكلام في ~~المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعا. قالوا: قال تعالى: وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس [النحل: 7] PageV04P418 # فالقول بطي الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد صلى الله عليه وسلم ~~حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام. وأجيب بأن الآية وردت على ما ~~هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك ~~العموم، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن قاصرا عن رتبة بعض الأولياء ~~ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى ~~الولي على إنسان درهما فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركا # لقوله: «البينة على المدعي» «1» . # وإن طالبه كان عبثا لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع ~~الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن. والجواب مثل ما مر من أن النادر لا ~~يحكم به. قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا ~~كثرت الكرامات انقلب خرق العادة وفقا لها. # وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله تعالى: وقليل من عبادي الشكور [سبأ: ~~13] والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضا على ~~سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتادا؟! في الفرق بين الكرامات ~~والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد ~~يسمى مكرا وكيدا وضلالا وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ~~ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، ~~وإنما كان الاستئناس بالكرامات ms2999 قاطعا للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق ~~لذلك وأن له حقا على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ~~ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي ~~يزداد تذلله وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه. ~~قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه [فاطر: 10] فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك ~~شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع. # واختلف في أن الولي هل يعرف كونه وليا؟. قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا ~~يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~[يونس: 62] والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله تعالى ويقتضي زوال العبودية ~~الموجب لسخط الله. وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ~~ويدعوننا رغبا ورهبا [الأنبياء: 90] وأيضا إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر ~~في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، ~~والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي. فقد يكون PageV04P419 # العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ~~ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة. قيل: من هنا قال ~~سبحانه: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] ولم يقل من عمل ~~حسنة. ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوا لعلة المعصية وبالعكس، ~~ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه ~~عليها الله. وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: # إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في ~~الباطن مستغرقا في نور الحقيقة. فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك ~~عرف لا محالة كونه وليا، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر ~~الله. قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى ~~عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء ~~بالمحبة عسر ms3000 والله تعالى أعلم. # قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمدا عن مسائل ثلاثة عن ~~الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال صلى الله عليه وسلم: ~~أجيبكم عنها غدا ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة. وقيل: أربعين ~~يوما ثم نزل قوله: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا # أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا إلا أن يشاء الله فقال ~~العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله إني فاعل إذ يصير المعنى إلا أن ~~يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهيا ~~عنه. فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ولا تقولن ثم إن قدر المراد إلا ~~أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غدا أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد ~~الغد بعينه. وقوله: إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار ~~كان معنى صحيحا، ولكنه لا يكون موافقا لسبب النزول. فالمعنى الموافق هو أن ~~يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبسا بأن يشاء الله يعني ~~قائلا إن شاء الله. وهذا نهي تأديب لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان ~~إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غدا لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه ~~عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذبا في هذا الوعد والكذب منهي ~~وجوز في الكشاف أن يكون إن شاء الله في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا ~~تقولنه أبدا. قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن ~~إرادة الله تعالى غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون ~~القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غدا ثم قال: إن شاء الله ~~فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك ~~الفعل مع أنه أمره بأداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق ms3001 في قول الرجل لامرأته: ~~أنت # PageV04P420 # طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم ~~بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس. واستدل القائلون بأن المعدوم شيء ~~بقوله: ولا تقولن لشيء وذلك أن الشيء الذي سيفعله غدا معدوم مع أنه سماه ~~شيئا في الحال. وأجيب بأنه مجاز كقوله: أعصر خمرا [يوسف: 36] واذكر ربك أي ~~مشيئة ربك إذا نسيت كلمة الاستثناء. ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان ~~إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: # يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث. وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع ~~أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه. وعن طاوس: هو استثناء ما دام في ~~مجلسه. وعن عطاء: # يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء لا أثر له في ~~الأحكام ما لم يكن موصولا. قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء ~~بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل ~~فيما إذا كان الاستثناء متصلا بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء ~~وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلا لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع ~~إلى أصل الدليل. وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة ~~الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها. وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في ~~بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين ~~القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية ~~عند ذكرها. واختلفوا في المشار إليه بقوله: لأقرب من هذا الظاهر عند صاحب ~~الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئا فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: ~~عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه رشدا وأدنى خيرا ~~ومنفعة. وقيل: إن ترك قوله «إن شاء الله» ليس بحسن وذكره أحسن. فقوله «هذا» ~~إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب ~~الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج ms3002 على أني صادق ما هو أعظم ~~في الدلالة وأقرب رشدا من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء ~~والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل. عن قتادة: أن قوله سبحانه: # ولبثوا في كهفهم حكاية لأهل الكتاب وقل الله أعلم بما لبثوا رد عليهم ~~ويؤيده قراءة عبد الله وقالوا لبثوا والجمهور على أنه بيان لما أجمل في ~~قوله: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا والمراد من قوله قل الله أعلم ~~أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ماسواه من اختلافات ~~أهل الأديان نظيره قوله: قل ربي أعلم بعدتهم بعد قوله: سبعة وثامنهم كلبهم ~~قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد. # وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلاثمائة. ومن قرأ بالإضافة فعلى ~~وضع الجميع # PageV04P421 # موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: وقطعناهم اثنتي عشرة ~~أسباطا أمما [الأعراف: 160] قوله: وازدادوا تسعا أي تسع سنين لدلالة ما ~~قبله عليه دون أن يقول «ولبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين» . فعن الزجاج ~~المراد ثلاثمائة بحساب السنين الشمسية وثلاثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا ~~شيء تقريبي. وقيل: إنهم لما استكملوا ثلاثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه. ~~ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: الله أعلم ~~بما لبثوا بقوله: له غيب السماوات والأرض أي ليس لغيره ما خفى فيهما من ~~أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك. ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل ~~على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات. والضمير في قوله: # ما لهم لأهل السموات والأرض. وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره ~~وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ولا يشرك في حكمه وقضائه قبل أصحاب ~~الكهف أحدا منهم. ومن قرأ لا نشرك على النهي فهو معطوف على لا تقولن ~~والمراد أنه لا يسأل أحدا عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف. واقتصر ~~على بيانه. وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي ms3003 حفظهم في ~~ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم. # وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف ~~يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟! وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا ~~في هذا الباب أقوالا على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله ~~تعالى أنه: ليس لهم من دونه ولي يمنع العقاب عنهم. واعلم أن الناس اختلفوا ~~في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: # كانوا قبل موسى عليه السلام وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما ~~سألوا. وقيل: # دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ~~ومحمد عليهما السلام. وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد ~~عيسى. وقيل: # إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة. وذكر أبو علي بن سينا في باب ~~الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطاطاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين ~~حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا ~~قبل أصحاب الكهف. وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي ~~المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع ~~طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول ~~عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس ~~كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن ~~البلى كالصبر وغيره. قلت: حين لم يملأ الخوارزمي # PageV04P422 # رعبا من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو ~~صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله تعالى ~~أعلم. ### | التأويل: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب والعبد الحقيقي من يكون حرا عن ~~الكونين وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ # يقول: «أمتي أمتي» # يوم يقول كل نبي «نفسي نفسي» ، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ~~ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقا وقيد لسائر الأنبياء كما قال: عبده ms3004 زكريا ~~[مريم: 2] ، واذكر عبدنا داود [ص: # 17] ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ولم يجعل له أي لقلبه عوجا لا يستقيم ~~فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة فأوحى إلى عبده ما ~~أوحى # [النجم: # 10] بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: فاستقم ~~كما أمرت [هود: 112] أجرا حسنا. هو التمتع من حسن الله وجماله. فلعلك باخع ~~نفسك كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى ~~عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في ~~الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عريانا فنهى عنه بقوله: ولا تبسطها كل ~~البسط [الإسراء: 29] إنا جعلنا ما على الأرض زينة أي زينا الدنيا وشهواتها ~~للخلق ملائما لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا في تركها ومخالفة هوى نفسه طلبا لله ومرضاته. ثم أخبر عن سعادة ~~السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: # أم حسبت ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالا منهم، ~~ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم ~~المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفا من لقاء دقيانوس وفرارا منه، فهؤلاء أووا ~~إلى الخلوة شوقا إلى لقائي وفرارا إلي، وإنهم طلبوا النجاة من شر. والخروج ~~من الغار بالسلامة بقولهم ربنا آتنا الآية. فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر ~~نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي. ~~فضربنا على آذان باطنهم وحواسهم الأخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة ~~عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله ~~عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ثم بعثناهم أي أحييناهم بنا لنعلم أي الحزبين ~~أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة. أحصى أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم ~~في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة وزدناهم هدى فإنهم كانوا يريدون الإيمان ~~الغيبي فأنمناهم ثم بعثناهم حتى صار الإيمان إيقانا والغيب عيانا اتخذوا من ~~دونه آلهة من الدنيا والهوى. وترى الشمس إذا ms3005 طلعت قال الشيخ المحقق نجم ~~الدين # PageV04P423 # المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن ~~نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم # لقول صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: ~~حزبا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» # وهم في فجوة منه في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن ~~بلى أجسادهم وثيابهم. قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية ~~إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات- وهو حالة السكر وغلبات ~~الوجد- لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين وإذا ~~غربت أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر ~~يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال ~~دفاع وفراغ مما يشغلهم عن الله وتحسبهم أيقاظا متصرفين في أمور الدنيا وهم ~~رقود عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظا ~~مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون ~~في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون. وفي قوله: # ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب ~~في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال. قيل: في الآية دلالة على أن المريد ~~الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلاثمائة وتسع سنين، ~~والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين ~~الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: وكلبهم باسط إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة ~~معطلة عن الأعمال بها. ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية ~~من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت ~~بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ولملئت منهم رعبا بما شاهدت ~~عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ~~لبثنا يوما أو بعض يوم لأن أيام ms3006 الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة ~~الوصال وحياة الأحوال قالوا ربكم أعلم بما لبثتم لأنه كان حاضرا معكم وأنتم ~~غيب عنكم فابعثوا أحدكم من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلاثمائة وتسع سنين ~~بما نالوا من غذاء الروح # كقوله صلى الله عليه وسلم: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» . # فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء ~~الجسماني أزكى طعاما لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله ~~بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك PageV04P424 # الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها. ولا يشعرن بكم أحدا فيه أن ~~أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ليعلموا ~~أن وعد الله حق بإحياء القلوب الميتة حق قدره،، الأمر فيما أظهر وأبدى أو ~~أسر وأخفى. # سيقولون إن القوى والأركان الأصلية للإنسان ثلاثة الحيوانية والطبيعية ~~والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ. رابعهم كلبهم هو النفس ~~الناطقة. ويقولون خمسة هو الحواس الظاهرة سادسهم النفس ويقولون سبعة هو ~~الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور وثامنهم ~~كلبهم هو النفس المدرك للكليات قل ربي أعلم بعدتهم لأن القوى الباطنة ~~والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله سبحانه ومن أطلعه الله ~~عليه وذلك قوله: ما يعلمهم إلا قليل والله أعلم بالصواب. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 27 الى 46] # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا ~~(27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد ~~عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء ~~كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك لهم جنات عدن تجري من ~~تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس ~~وإستبرق ms3007 متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا ~~خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) ~~وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36) # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك ~~رجلا (37) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك ~~قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ~~ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا ~~(40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) # وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ~~ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان منتصرا (43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) ~~واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ~~فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45) المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) # PageV04P425 ### | القراآت: # وفجرنا بالتخفيف: سهل ويعقوب غير رويس له ثمر وكذا بثمره بفتح الثاء ~~والميم: يزيد. وعاصم وسهل ويعقوب وأبو عامر: بضم الثاء وإسكان الميم. ~~والباقون بضم الثاء والميم جميعا منها على الوحدة: أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون على التثنية لكن بالتشديد من غير ألف في ~~الحالين: قتيبة وابن عامر وابن فليح ويعقوب بالألف في الوصل. الباقون بغير ~~الألف واتفقوا على الألف في الوقف بربي أحدا مفتوحة الياء: أبو جعفر ونافع ~~وابن كثير وأبو عمرو. أن ترني بفتح الياء: السرانديبي عن قنبل غورا بضم ~~الغين ms3008 وكذلك في الملك البرجمي الباقون بفتحها. ولم يكن له بياء الغيبة ~~الولاية بكسر الواو: # حمزة وعلي وخلف. الآخرون بتاء التأنيث وفتح الواو لله الحق بالرفع: أبو ~~عمرو وعلي. الآخرون بالجر عقبا بسكون القاف: عاصم وحمزة وخلف. الباقون ~~بضمها الريح على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. ### | الوقوف: # من كتاب ربك ط لاختلاف الجملتين ملتحدا ه عنهم ج لأن ما بعده يصلح حالا ~~واستفهاما محذوف الألف لدلالة حال العتاب. فرطا ه فليكفر لا لأن الأمر ~~للتهديد بدليل إنا أعتدنا فلو فصل صار مطلقا نارا، لأن ما بعده صفة سرادقها ~~ط الوجوه ط الشراب ط مرتفقا ه عملا ج ه لاحتمال كون أولئك مع ما بعده خبر ~~إن الذين وقوله: إنا لا نضيع جملة معترضة الأرائك ط الثواب ط مرتفقا ه زرعا ~~ه، ط شيئا لا للعطف نهرا ه ط ثمر ج للعدول مع الفاء نفرا، ج لنفسه ج لاتحاد ~~العامل بلا عطف أبدا ه ط قائمة لا لأن ما بعده شك من قول الكافر في البعث ~~منقلبا ه رجلا، ه ط لتمام الاستفهام أحدا ه ما شاء الله لا لاتمام المقول ~~إلا بالله ج لابتداء الشرط المحذوف جوابه مع اتحاد القائل والمقول له وولدا ~~ه، ج لاحتمال كون ما بعده جوابا للشرط زلقا ه طلبا ه أحدا ه منتصرا، ط ~~وقيل: يوقف على هنالك والأوجه أن يبتدأ ب هنالك أي عند ذلك يظهر لكل شاك ~~سلطان الله ونفاد أمره الحق ط على القراءتين عقبا ه الرياح ط # PageV04P426 # مقتدرا ه زينة الحياة الدنيا ج مفصلا بين المعجل الفاني والمؤجل الباقي ~~مع اتفاق الجملتين أملا. ### | التفسير: # لما أجاب عن سؤالهم بما أجاب أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يواظب على ~~تلاوة الكتاب الموحى إليه وعلى الصبر مع الفقراء الذين آمنوا بما أنزل ~~عليه، واحتمل أن يكون اتل أمرا من التلو لا من التلاوة أي اتبع ما أوحي ~~إليك والزم العمل بمقتضاه وقوله: من كتاب ربك بيان للذي أوحي إليه. ثم بين ~~سبب اللزوم فقال: ms3009 # لا مبدل لكلماته أي لا يقدر أحد على تغييرها وإنما يقدر على ذلك هو وحده ~~فليس لك ولا لغيرك إلا المواظبة على العلم والعمل به يؤكده قوله: ولن تجد ~~من دونه ملتحدا أي ملتجأ تعدل إليه إن هممت بذلك فرضا. وأصل اللحد الميل ~~كما مر في قوله: يلحدون في أسمائه [الأعراف: 18] نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سورة الأنعام عن طرد فقراء المؤمنين بقوله: ولا تطرد الذين ~~[الآية: 52] الآية وأمره في هذه السورة بحبس النفس معهم وبمراقبة أحوالهم ~~بقوله: ولا تعد عيناك قال جار الله: إنما لم يقل ولا تعدهم عيناك من عداه ~~إذا جاوزه لأنه ضمن عدا معنى نبا وفيه مبالغة من جهة تحصيل المعنيين جميعا ~~كأنه قيل: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم. ثم نهاه عن الالتفات إلى ~~الأغنياء الكفرة الذين التمسوا منه طرد الفقراء حتى يؤمنوا به فقال: # ولا تطع من أغفلنا قلبه قال أهل السنة: معنى الإغفال إيجاد الغفلة وخلقها ~~فيهم، أو هو من أغفلها إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر ولم نجعله من ~~الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، ويؤيد ويؤيد هذا المعنى أن الغفلة عن الذكر ~~لو كانت بإيجاد العبد والقصد إلى إيجاد الغفلة عن الشيء لا يتصور إلا مع ~~الشعور بذلك الشيء لزم اجتماع الضدين. وقالت المعتزلة: معنى أغفلناه وجدناه ~~غافلا بالخذلان والتخلية بينه وبين الأسباب المؤدية إلى الغفلة يؤيده قوله: ~~واتبع هواه بالواو دون الفاء إذ لو كان اتباع الهوى من نتيجة خلق الغفلة في ~~القلب لقيل «فاتبع» بالفاء. ويمكن أن يجاب بأنه لا يلزم من كون الشيء في ~~نفس الأمر نتيجة لشيء أن يعتبر كونه نتيجة له والفاء من لوازم الثاني دون ~~الأول، على أن الملازمة بين الغفلة عن ذكر الله وبين متابعة الهوى غير ~~كلية، فقد يكون الإنسان غافلا عن ذكر الله ومع ذلك لا يتبع هواه بل يبقى ~~متوقفا متحيرا وكان أمره فرطا أي متجاوزا عن حد الاعتدال من قولهم «فرس ~~فرط» إذا كان متقدما للخيل، ms3010 ويلزم منه أن يكون نابذا للحق وراء ظهره. وأنت ~~إذا تأملت وجدت حال الأغنياء المتحيرين بخلاف الفقراء المؤمنين، لأن هؤلاء ~~الفقراء يدعون ربهم بالغداة والعشى ابتغاء وجه الله وطلبا لمرضاته فأقبلوا ~~على # PageV04P427 # الحق وشغلوا عن الخلق، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا ~~فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى. وإنما لم يجز طرد الفقراء ~~لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازا من مجالسة الفقراء ~~كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه. # ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلا وقل الحق من ربكم أي الدين الحق ~~حصل ووجد من عند الله، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء. وقال في ~~الكشاف: # الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار ~~الإيمان أو الكفر، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها ~~مفوضة إلى مشيئة العبد واختياره. وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا: ~~إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه، ثم ذلك القصد لا بد أن ~~يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد ~~واختيار يخلقه الله فيه. فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير ~~دلالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين. ~~ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل ~~فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال: إنا أعتدنا أي أعددنا وهيأنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت ~~تعالى للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات، والمراد أنه لا مخلص ~~لهم منها ولا فرج. وقيل: هو حائط من نار يطبق بهم. وقيل: هو دخان محيط ~~بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ~~[المرسلات: 30] وقوله: # يغاثوا بماء وارد على سبيل التهكم كقولهم «عتابك السيف» . والمهل كل ما ~~أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش. وقيل ms3011 في ~~حديث مرفوع إنه دردي الزيت. وقيل: الصديد والقيح أو ضرب من القطران. وهذه ~~الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله: تسقى في عين آنية [الغاشية: 5] وإما لدفع ~~الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم أفيضوا علينا من الماء [الأعراف: 50] ~~ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم ~~كالقميص، وقد يفسر بهذا قوله: # سرابيلهم من قطران [إبراهيم: 50] # عن النبي صلى الله عليه وسلم «هو- يعني المهل- كعكر الزيت إذا قرب إليه ~~سقطت فروة وجهه» «1» # وهذا معنى قوله: يشوي الوجوه بئس الشراب ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة ~~الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها وساءت PageV04P428 # أي النار مرتفقا متكئا لأهلها ومنه المرفق لأنه يتكأ عليه. قال جار الله: ~~هذا لمشاكلة قوله في أهل الجنة وحسنت مرتفقا وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ~~إلا أن يقال: معنى ارتفق أنه نصب مرفقه ودعم به خده كعادة المغتمين. وقال ~~قائلون: إن الشياطين رفقاء أهل النار من الإنس والمعنى ساءت النار مجتمعا ~~لأولئك الرفقاء. # ثم شرع في وعد المؤمنين فقال: إن الذين آمنوا الآية فإن جعلت إنا لا نضيع ~~اعتراضا فظاهر وإن جعلته خبرا وأولئك خبرا آخر أو كلاما مستأنفا للأجر أو ~~بيانا لمبهم فمعنى العموم في من أحسن يقوم مقام الرابط المحذوف والتقدير من ~~أحسن عملا منهم. وتفسير جنات عدن قد مر في سورتي «التوبة» و «الرعد» . ~~ولأهل الجنة لباسان: لباس التحلي ولباس الستر. ولم يسم فاعل يحلون للتعظيم ~~وهو الله جل وعلا، أو الملائكة بإذن. و «من» في من أساور للابتداء وفي من ~~ذهب للتبيين. وتنكير أساور لإبهام أمرها في الحسن، وأساور أهل الجنة بعضها ~~ذهب لهذه الآية، وبعضها فضة لقوله: # وحلوا أساور من فضة [الدهر: 21] وبعضها لؤلؤ لقوله في الحج ولؤلؤا [الحج: ~~23] وجمع في لباس الستر بين السندس- وهو مارق من الديباج- وبين الإستبرق- ~~وهو الغليظ منه- جمعا بين النوعين والإستبرق عند بعضهم معرب استبره. قيل: ~~إنما لم يسم فاعل يحلون إشارة إلى أن الحلي تفضل الله بها عليهم كرما وجودا ~~ونسب اللبس إليهم تنبيها على أنهم استوجبوه ms3012 بعملهم، ثم وصفهم بهيئة ~~المتنعمين والملوك من الاتكاء على أسرتهم. والأرائك جمع أريكة وهو السرير ~~المزين بالحجلة، أما السرير وحده فلا يسمى أريكة. ثم إن الكفار كانوا ~~يفتخرون بخدمهم وحشمهم وأموالهم وأصناف تمتعاتهم على الفقراء المؤمنين فضرب ~~الله مثلا للطائفتين تنبيها على أن متاع الدنيا لا يوجب الافتخار لاحتمال ~~أن يصير الغني فقيرا والفقير غنيا إنما الفخر بالأعمال الصالحات. والمراد ~~مثل حال الكافرين والمؤمنين بحال رجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما ~~كافر- اسمه فطروس- والآخر مؤمن- اسمه يهوذا- وقيل: هما المذكوران في سورة ~~«والصافات» في قوله: قال قائل منهم إني كان لي قرين [الصافات: 51] ورثا من ~~أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطراهما، فاشترى الكافر أرضا بألف فقال ~~المؤمن: اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار وأنا أشتري منك أرضا في الجنة ~~بألف فتصدق به. ثم بنى أخوه دارا بألف فقال: اللهم إن أخي بنى دارا بألف ~~وإني أشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف ~~فقال: اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف ~~فقال: اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف فتصدق به. ثم أصابته # PageV04P429 # حاجة فجلس لأخيه على طريقه فمر به في به في حشمه فتعرض له فطرده وبخسه ~~على التصدق بماله. وقيل: هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن وهو عبد الله بن ~~الأشد زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكافر وهو الأسود بن ~~عبد الأشد. # أما قوله: وحففناهما بنخل فقال صاحب الكشاف: إنه يتعدى إلى المفعول ~~الثاني بالباء ومعناه النخيل محيطا بالجنتين وهذا مما يؤثره الدهاقين في ~~كرومهم أن يجعلوها مؤزرة بالأشجار ولا سيما المثمرة منها وخاصة النخيل إذا ~~أمكن. وجعلنا بينهما زرعا فهما جامعتان للأقوات والفواكه. وفيه أنهما مع ~~سعة أطرافهما وتباعد أكنافهما لم يتوسطهما بقعة معطلة، وفيه أنهما أتاني كل ~~وقت بمنفعة أخرى متواصلة متشابكة وكل منهما منعوتة بوفاء الثمار لتمام ~~الأكل. وآتت محمول على لفظ كلتا لأن لفظه مفرد. ولو قيل: «آتتا» على المعنى ms3013 ~~لجاز. والظلم أصله النقصان وهو المراد هاهنا. # وفجرنا من قرأ بالتخفيف فظاهر لأنه نهر واحد، ومن قرأ بالتشديد فللمبالغة ~~لأن النهر ممتد في وسطهما فهو كالأنهار وكان له ثمر قال الكسائي: الثمرة ~~اسم الواحد والثمر جمع وجمعه ثمار ثم ثمر ككتاب وكتب بالحركة أو بالسكون. ~~وذكر أهل اللغة أن الثمر بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضة وغيرهما، ~~والثمر بالفتح حمل الشجر. وقال قطرب: كان أو عمرو بن العلاء يقول: الثمر ~~المال والولد أي كان يملك مع الجنتين أشياء من النقود وغيرها وكان متمكنا ~~من عمارة الأرض ومن سائر التمتعات كيف شاء. # والمحاورة مراجعة الكلام من حار إذا رجع. والنفر الأنصار والحشم الذين ~~يقومون بالذب عنه. وقيل: الأولاد الذكور لأنهم ينفرون معه دون الأناث. # ثم إن الكافر كأنه أخذ بيد المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ~~ويفاخره بما ملك من المال دونه وذلك قوله سبحانه ودخل جنته فقال جار الله: ~~معنى أفراد الجنة بعد التثنية أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون، ~~فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما. قلت: ~~لا يبعد أن يكون قد دخل مع أخيه جنة واحدة منهما أو جعل مجموع الجنتين في ~~حكم جنة واحدة منهما يؤيده توحيد الضمير على أكثر القراآت في قوله: لأجدن ~~خيرا منها وإنما وصفه بقوله: وهو ظالم لنفسه لأنه لما اغتر بتلك النعم ولم ~~يجعلها وسيلة إلى الإيمان بالله والاعتراف بالبعث وسائر مقدورات الله كان ~~واضعا للنعم في غير موضعها، على أن نعمة الجنة بخصوصها مما يجب أن يستدل ~~بها على أحوال النشور كقوله عز من قائل: وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج [الحج: 5] عكس الكافر ~~القضيتين زعم دوام جنته التي هي بصدد الزوال قائلا ما أظن أن تبيد أي تهلك ~~هذه الجنة # PageV04P430 # أبدا وذلك لطول أمله واستيلاء الحرص عليه واغتراره بالمهلة حتى أنكر ~~المحسوس وادعى غلبة الظن بامتناع النشور مع قيام الدلائل ms3014 العقلية والحسية ~~على إمكانه ووجود الدلائل الشرعية على وجوبه قائلا وما أظن الساعة قائمة ثم ~~أقسم على أنه إن رد إلى ربه فرضا وتقديرا وكما يزعم صاحبه أن له ربا وأنه ~~سيرد إليه وجد خيرا من جنته في الدنيا كأنه قاس الغائب على الشاهد أو ادعى ~~أن النعم الدنيوية لن تكون استدراجية أصلا وإنما تكون استحقاقا وكرامة. ~~منقلبا نصب على التمييز أي مرجع تلك وعاقبتها لكونها باقية بزعمكم خير من ~~هذه لكونها فانية حسا أو في اعتقادكم. قال بعض العلماء: الرد يتضمن كراهة ~~المردود إليه فلهذا قال: ولئن رددت أي عن جنتي هذه التي أظن أن لا تبيد ~~أبدا إلى ربي، ولما لم يسبق مثل هذا المعنى في «حم» قال هناك: ولئن رجعت ~~إلى ربي [فصلت: 50] ، قوله: أكفرت زعم الجمهور أن أخاه إنما حكم بكفره لأنه ~~أنكر البعث. وأقول: يحتمل أن يكون كافرا بالله أيضا بل مشركا لقوله بعد ~~ذلك: يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولقول أخيه معرضا به لكنا هو الله ربي ~~وليس في قوله: ولئن رددت إلى ربي دلالة على أنه كان عارفا بربه لاحتمال أن ~~يكون قد قال ذلك بزعم صاحبه كما أشرنا إليه. وقوله: خلقك من تراب أي خلق ~~أصلك وهو إشارة إلى مادته البعيدة. # وقوله: من نطفة إشارة إلى مادتة القريبة. ومعنى سواك رجلا عدلك وكلك حال ~~كونك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال المكلفين ويجوز أن يكون رجلا تمييزا. # ولعل السر في تخصيص الله سبحانه في هذا المقام بهذا الوصف هو أن يكون ~~دليلا على وجود الصانع أولا، لأن الاستدلال على هذا المطلوب بخلق الإنسان ~~أقرب الاستدلالات، وفيه أيضا إشارة إلى إمكان البعث لأن الذي قدر على ~~الإبداء أقدر على الإعادة، وفيه أنه خلقه فقيرا لا غنيا فعلم منه أنه خلقه ~~للعبودية والإقرار لا للفخر والإنكار. ثم استدرك لقوله أكفرت كأنه قال ~~لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. # وأصل لكنا «لكن أنا» حذفت الهمزة بعد إلقاء حركتها على ما قبلها، ثم ~~استثقل اجتماع ms3015 النونين فسكنت الأولى وأدغمت في الثانية، وضمير الغائب ~~للشأن، والجملة بعده خبر للشأن، والمجموع خبر «أنا» والراجع ياء الضمير ~~وتقدير الكلام: لكن أنا الشأن الله ربي. قال أهل العربية: إثبات ألف «أنا» ~~في الوصل ضعيف، ولكن قراءة ابن عامر قوية بناء على أن الألف كالعوض عن حذف ~~الهمزة ولولا للتخفيض وفعله. قلت: وإذ دخلت ظرف وقع في البين توسعا. وقوله: ~~ما شاء الله خبر مبتدأ محذوف أو جملة شرطية محذوفة الجزاء تقدير الكلام ~~الأمر ما شاء الله أو أي شيء شاء الله كان. استدل أهل السنة بالآية في أنه ~~لا يدخل في الوجود شيء إلا بأمر الله ومشيئته. وأجاب الكعبي # PageV04P431 # بأن المراد ما شاء الله مما تولى فعله لا ما هو من فعل العباد. والجواب ~~أن هذا التقدير مما يخرج الكلام عن الفائدة فإنه كقول القائل «السماء ~~فوقنا» . وأجاب القفال بأنه أراد ما شاء الله من عمارة هذا البستان ويؤيده ~~قوله لا قوة إلا بالله أي ما قويت به على عمارته وتدبير أمره فهو بمعونة ~~الله، وزيف بأنه تخصيص للظاهر من غير دليل على أن عمارة ذلك البستان لعلها ~~حصلت بالظلم والعدوان، فالتحقيق أنه لا قوة لأحد على أمر من الأمور إلا ~~بإعانة الله وإقداره. عن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب ~~فيدخل من يشاء، وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج. ثم لما علمه الإيمان ~~وتفويض الأمر إلى مشيئة الله أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال: إن ترن ~~أنا أقل ف «أنا» فصل وأقل مفعول ثان مالا وولدا نصب على التمييز فعسى ربي ~~أن يؤتيني في الدنيا أو في الآخرة جنة خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا هو ~~مصدر كالغفران بمعنى الحساب أي مقدارا وقع في حساب الله وهو الحكم ~~بتخريبها. وعن الزجاج: عذاب حسبان وهو حساب ما كسبت يداك. وقيل: هو جمع ~~حسبانة وهو السهم القصير يعني الصواعق. فتصبح صعيدا زلقا أرضا بيضاء يزلق ~~عليها زلقا لملاستها. وزلقا وغورا كلاهما وصف بالمصدر كقولهم «فلان ms3016 زور ~~وصوم» . # ثم أخبر سبحانه عن تحقيق ما قدره المؤمن فقال: وأحيط بثمره وهو عبارة عن ~~إهلاكه وإفنائه بالكلية من إحاطة العدو بالشخص كقوله: إلا أن يحاط بكم ~~[يوسف: # 66] ، فأصبح يقلب كفيه أي يندم على ما أنفق فيها لأن النادم يفعل كذلك ~~غالبا كما قد يعض أنامله. وهي خاوية على عروشها أي سقطت عروشها على الأرض ~~وسقطت فوقها الكروم وقد مر في البقرة في قصة عزير. وقوله: يا ليتني لم أشرك ~~تذكر لموعظة أخيه وفيه دلالة ظاهرة على ما قلنا من أنه كان غير عارف بالله ~~بل كان عابد صنم، ومن ذهب إلى أنه جعل كافرا لإنكاره البعث فسره بأن الكافر ~~لما اغتر بكثرة الأموال والأولاد فكأنه أثبت لله شريكا في إعطاء العز ~~والغنى، أو أنه لما عجز الله عن البعث فقد جعله مساويا لخلقه في هذا الباب ~~وهو نوع من الإشراك. وليس هذا الكلام منه ندما على الشرك ورغبة في التوحيد ~~المحض ولكنه رغب في الإيمان رغبة في جنته وطمعا في دوام ذلك عليه، فلهذا لم ~~يصر ندمه مقبولا ووصفه بعد ذلك بقوله: ولم تكن له فئة طائفة ينصرونه من دون ~~الله لأنه وحده قادر على نصرة العباد. وما كان منتصرا ممتنعا بقوته عن ~~انتقام الله. ولما علم من قصة الرجلين أن النصرة والعاقبة المحمودة كانت ~~للمؤمن على الكافر علم أن الأمر هكذا يكون في حق كل مؤمن وكافر فقيل هنالك ~~أي في مثل ذلك الوقت والمقام والولاية الحق لله أو الولاية لله الحق # PageV04P432 # والولاية بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، أو المراد في ~~مثل تلك الحالة الشديدة يتوب إلى الله ويلتجىء إليه كل مضطر يعني أن قول ~~الكافر يا ليتني إنما صدر عنه إلجاء واضطرارا وجزعا ومما دهاه من شؤم كفره ~~ولولا ذلك لم يقلها. وقيل: # هنالك إشارة إلى الآخرة كقوله لمن الملك اليوم لله [غافر: 16] عقبا بضم ~~القاف وسكونها بمعنى العاقبة لأن من عمل لوجه الله لم يخسر قط. # ثم ضرب مثلا آخر لجبابرة قريش فقال واضرب ms3017 لهم الآية. وقد مر مثله في ~~أوائل «يونس» إنما مثل الحياة الدنيا كماء ومعنى فاختلط به التف بسببه. ~~وقيل: معناه روى النبات ورف لاختلاط الماء به وذلك لأن الاختلاط يكون من ~~الجانبين. والهشيم ما تهشم وتحطم، والذر والتطيير والإذهاب. تقول: ذرت ~~الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا. وكان الله على كل شيء مقتدرا ~~من تكوينه أولا وتنميته وسطا وإذهابه آخرا. ولا ريب أن أحوال الدنيا أيضا ~~كذلك تظهر أولا في غاية الحسن والنضارة، ثم تتزايد إلى أن تتكامل، ثم تنتهي ~~إلى الزوال والفناء، ومثل هذا ليس للعاقل أن يبتهج به. # وحين مهد القاعدة الكلية خصصها بصورة جزئية فقال: المال والبنون زينة ~~الحياة الدنيا والباقيات الصالحات هي أعمال الخير التي تبقى ثمرتها خير عند ~~ربك ثوابا أي تعلق ثواب وخير أملا لأن الجواد المطلق أفضل مسؤول وأكرم ~~مأمول. وقيل: هن الصلوات الخمس. وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا ~~الله والله أكبر. ففي التسبيح تنزيه له عن كل ما لا ينبغي، وفي الحمد إقرار ~~له بكونه مبدأ لإفادة كل ما ينبغي، وفي التهليل اعتراف بأنه لا شيء في ~~الإمكان متصفا بالوصفين إلا هو، وفي التكبير إذعان لغاية عظمته وأنه أجل من ~~أن يعظم. وقيل: الطيب من القول. والأصح كل عمل أريد به وجه الله وحده قال ~~قتادة. ### | التأويل: # واتل على نفسك واتل ما أوحي إليك من كتاب كتبه ربك في الأزل لا مبدل ~~لكلماته إلى الأبد مع الدين يدعون ربهم وهم القلب والسر والروح والخفي في ~~غداة الأزل إلى عشي الأبد فإنهم مجبولون على طاعة الله كما أن النفس جبلت ~~على طاعة الهوى وطلب الدنيا. ولا تعد عينا همتك عنهم فإنك إن لم تراقب ~~أحوالهم تصرف فيهم النفس الأمارة ولا تطع من أغفلنا يعني النفس نارا هي نار ~~القهر والغضب أحاط بهم سرادقها يعني سرادق العزة بماء كالمهل كل ما هو لأهل ~~اللطف أسباب لسهولة العيش وفراغ البال فإنه سبحانه جعل لأهل القهر سببا ~~لصعوبة الأمر وشدة التعلق حتى ms3018 شوت الوجوه أي أحرقت مواد التفاتهم إلى عالم ~~الأرواح، وفسدت استعداداتهم # PageV04P433 # فبقوا في أسفل سافلين الطبيعة يحلون فيها من أساور والتحلية بالأساور ~~إشارة إلى ظهور آثار الملكات عليهم وقوله: من ذهب رمز إلى أنها ملكات ~~مستحسنة معتدلة راسخة يلبسون ثيابا فيه أن أنوار العبادات تلوح عليهم ~~وتشتمل بهم. وقوله: خضرا إشارة إلى أنها أنوار غير قاهرة ومن سندس إشارة ~~إلى ما لطف من الرياضات وإستبرق إلى ما شق منها متكئين فيها على الأرائك ~~لأنهم فرغوا بها وكلفوا وقضوا ما عليهم من المجاهدات وبقي ما لهم من ~~المشاهدات مثلا رجلين هما النفس الكافرة والقلب المؤمن. جعلنا لأحدهما وهو ~~النفس جنتين هما الهوى والدنيا من أعناب الشهوات وحففناهما بنخل حب الرياسة ~~وجعلنا بينهما زرعا من التمتعات البهيمية وفجرنا خلالهما نهرا من القوى ~~البشرية والحواس. وكان له ثمر من أنواع الشهوات وهو يحاوره يجاذب النفس ~~والقلب أنا أكثر منك مالا أي ميلا وأعز نفرا من أوصاف المذمومات وهو ظالم ~~لنفسه في الاستمتاع بجنة الدنيا على وفق الهوى لأجدن خيرا منها لأنه غر ~~بالله وكرمه فلا جرم يقال له ما غرك بربك الكريم، هلا قلت ما شاء الله أي ~~أتصرف في جنة الدنيا كما شاء الله على ما أنفق فيها من العمر وحسن ~~الاستعداد كماء أنزلناه هو الروح العلوي الذي نزل إلى أرض الجسد فاختلط ~~الروح بالأخلاق الذميمة فأصبح هشيما تلاشت منه نداوة الأخلاق الروحانية ~~تذروه رياح الأهوية المختلفة فيكون حاله خلاف روح أدركته العناية الأزلية ~~فبعث إليه دهقان من أهل الكمال فرباه بماء العلم والعمل حتى يصير شجرة ~~طيبة. والباقيات الصالحات أي ما فني منك وبقي بربك والله أعلم بالصواب. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 47 الى 59] # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ms3019 ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا (49) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ~~كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما ~~كنت متخذ المضلين عضدا (51) # ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا ~~بينهم موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها ~~مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر ~~شيء جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا ~~أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55) وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي ~~وما أنذروا هزوا (56) # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل ~~لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا (59) # PageV04P434 ### | القراآت: # تسير الجبال على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر ~~وأبو عمرو. الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال. ما أشهدناهم يزيد. # الآخرون ما أشهدتهم وما كنت على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد. الباقون ~~على التكلم ويوم نقول بالنون: حمزة الباقون على الغيبة قبلا بضمتين: عاصم ~~وحمزة والكسائي. الباقون بكسر القاف وفتح الباء. لمهلكهم بفتح الميم وكسر ~~اللام: # حفص لمهلكهم بفتحهما، يحيى وحما والمفضل. الباقون بضم الميم وفتح اللام. ### | الوقوف: # بارزة لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك أحدا ه ج للآية مع العطف فا # ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتموناول مرة # ز لأن «بل» قد يبتدأ به مع أن الكلام متحدوعدا # ه أحصاها ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار ~~«قد» حاضرا ه ms3020 ط أحدا ه إلا إبليس ط أمر ربه ط عدو ط بدلا ه أنفسهم ص عضدا ه ~~موبقا ه مصرفا ه مثل ط جدلا ه قبلا ه ومنذرين ج لاحتمال ما بعده الحال ~~والاستئناف هزوا ه يداه ط وقرا، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط أبدا ه ~~الرحمة ط العذاب ط موئلا ه موعدا. ### | التفسير: # لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، ~~وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على ~~فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفا على وأضرب. ويجوز أن ينتصب ~~بالقول المضمر قبل ولقد جئتمونا وفاعل التسيير هو الله تعالى إلا أنه سمي ~~على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ~~ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا [طه: 105] ، وبست الجبال بسا، ~~فكانت هباء منبثا [الواقعة: 5، 6] . وإما إلى # PageV04P435 # موضع لا يعلمه إلا الله وترى الأرض بارزة لأنه لا يبقى على وجهها شيء ~~يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها ~~من الأموات لقوله: # وألقت ما فيها وتخلت [الانشقاق: 4] فيكون الإسناد مجازيا أي بارزا ما في ~~جوفها وحشرناهم الضمير للخلائق المعلوم حكما فلم نغادر منهم أحدا من ~~الأولين والآخرين. يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ~~ترك الوفاء. والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء ~~كله. ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحدا من خلقه غير محشور ~~وإلا كان قدحا في عمله وحكمته وقدرته. قالت المشبهة: في قوله: عرضوا على ~~ربك # دليل على أنه سبحانه في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في ~~قوله: قد جئتمونا # وأجيب بأنه تعالى شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم ~~بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان. وانتصب فا # على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد ~~أحدا. والصف إما واحد وإما جمع ms3021 كقوله يخرجكم طفلا [غافر: 67] أي أطفالا. ~~وقيل: صفا أي قياما وبه فسر قوله: فاذكروا اسم الله عليها صواف [الحج: 36] ~~. وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعا إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف ~~للصحراء وهذا قريب من الأول. وقد مر في «الأنعام» أن وجه التشبيه في قوله ~~لقناكم # أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن ~~لن يجعل الله لهم موعدا. أي وقتا لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما ~~أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك. ووضع الكتاب أي جنسه ~~وهو صحف الأعمال. والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في ~~اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار. فترى المجرمين ~~مشفقين خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح. ~~ومعنى النداء في يا ويلتنا قد مر في «المائدة» في يا ويلتى أعجزت [الآية: ~~31] وقوله: # صغيرة ولا كبيرة صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة ~~وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين ~~فقد حصر الكل. # وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر. قلت: وذلك أن تلك ~~الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر. وعن ابن عباس: الصغيرة التبسم ~~والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا. وجوز ~~في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر. وتمام البحث في المسألة ~~أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه [النساء: 31] فتذكر ووجدوا ما عملوا حاضرا في # PageV04P436 # الصحف مثبتا فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهرا على صفحات أحوالهم ولا ~~يظلم ربك أحدا استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال ~~يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم. والجواب أن الظلم إنما يتصور في حق ~~من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من ~~غير اعتراض ms3022 عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة. وأجيب بأن تلك القضية بعد ~~الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: ~~يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟ فيقول جعلتني عبد ~~الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبدا مثلك ثم يمنعه ذلك أن ~~عبدني فيؤمر به إلى النار. ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا ~~بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر ~~به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة ~~فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان ~~فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب ~~فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار» # ثم إنه سبحانه عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار ~~إبليس عليه. قال جار الله: قوله: كان من الجن كلام مستأنف جار مجرى التعليل ~~بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلا قال: ما له لم يسجد فقيل: كان من ~~الجن ففسق والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكا لم ~~يفسق لثبوت عصمة الملائكة. وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون ~~فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن. ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن ~~أوجب قال: «كان» بمعنى «صار» أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد ~~سلف هذا البحث بتمامه في أول سورة البقرة. ومعنى ففسق عن أمر ربه خرج عن ~~طاعته. وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ~~ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ~~ففسق عن أمر ربه. وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره. ثم عجب ~~من حال من أطاع إبليس في الكفر. والمعاصي وخالف أمر الله فقال: ms3023 أفتتخذونه ~~كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه وذريته أولياء من ~~دوني وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا ~~صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا بئس للظالمين بدلا أي بئس البدل من الله. إبليس لمن استبدل به ~~فأطاعه بدل طاعته. قال الجبائي: # في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح ~~هذا الذم # PageV04P437 # والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا. قال أهل التحقيق: إن ~~الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة والعجب ~~والترفع والتكبر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه. فكل من كان غرضه من العلم أو ~~العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتد بإبليس وذريته ~~وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه. ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك ~~وبطلان طريقتهم بقوله: ما أشهدتهم فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد ~~أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان ~~بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ولا تقتلوا أنفسكم لأمكن أن ~~يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد ~~هذا التفسير قوله: وما كنت متخذ المضلين أي متخذهم عضدا أعوانا فوضع ~~المضلين موضع الضمير نعيا عليهم بالإضلال. وقيل: الضمير للمشركين الذي ~~التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم ~~بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في ~~تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك ~~اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل ~~منك كل اقتراحاتك. وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم ~~في الأزل من أحوال السعادة وضدها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف ~~يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله ms3024 وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد ~~هذه الأحوال للفقراء. ومن قرأ وما كنت بفتح التاء فالخطاب للرسول صلى الله ~~عليه وسلم والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغتر بهم. ثم ~~عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم ~~توبيخا لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة ~~إذ يقول الله لهم نادوا أي ادعوا من زعمتم أنهم شركائي فأهلتموهم للعبادة. ~~قال المفسرون: أراد الجن فدعوهم لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك ~~الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون ~~عنا [إبراهيم: 21] فلم يستجيبوا لهم ولم يدفعوا عنهم ضررا وجعلنا بينهم ~~موبقا. عن الحسن موبقا عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم «لا ~~يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا» . # وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم ~~القيامة. وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم واديا ~~من أودية جهنم مشتركا هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعا. ~~وجوز أن يريد بالشركاء # PageV04P438 # الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمدا ~~بعيدا يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان. ~~قوله: فظنوا قيل: # علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ~~ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة ~~لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا [الفرقان: 12] ولم يجدوا عنها مصرفا أي معدلا إلى غيرها لأن ~~الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر. ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء ~~المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب ~~الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ولقد صرفنا وقد مر تفسيره في ~~السورة المتقدمة. وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبدا يتعللون بالأعذار ~~الواهية ختم الآية بقوله: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا يعني أن ms3025 الأشياء التي ~~يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحدا بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة ~~فقوله: أكثر شيء كقوله أول مرة وقد مر في «الأنعام» . وكثرة جدل الإنسان ~~لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي ~~التصاعد والتسافل مقام معلوم. قال أهل البرهان: # قوله تعالى في سورة «بني إسرائيل» : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ~~الهدى [الاسراء: 94] وقال في هذه السورة بزيادة ويستغفروا ربهم لأن المعنى ~~هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا قولهم: «أبعث الله ~~بشرا رسولا، هلا بعث ملكا» وجهلوا أن التجانس يورث التوانس. ومعناه في هذا ~~الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأولين وانتظار ~~ذلك. وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم «إن كان هذا هو الحق» وزاد في ~~هذه السورة ويستغفروا ربهم لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار استغفروا ربكم إنه ~~كان غفارا [نوح: 10] وكذا قوم هود ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~[هود: 52] وقوم صالح فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب [هود: 62] ~~وقو شعيب واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود [هود: 90] فلما ~~خوفهم سنة الأولين أجرى المخاطبين مجراهم. والحاصل أنهم لا يقدمون على ~~الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء ~~عيانا. ومن قرأ بضمتين أراد أنواعا جمع قبيل. قالت المعتزلة: في الآية ~~دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلا. وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا ~~يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع ~~المحسوسة. ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين ~~بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعا وبين أن مع # PageV04P439 # هذه الأحوال يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ويزيلوا ويبطلوا به الحق ~~من إدحاض القدم وهو إزلاقها واتخذوا آياتي وما أنذروا أي الذي أنذروا من ~~العقاب أو إنذارهم هزوا موضع استهزاء. قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا [يس: 15] ولو شاء الله لأنزل ms3026 ملائكة [المؤمنون: 24] وما ~~أشبه ذلك. قال أهل العرفان: قوله: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه أي بالقرآن ~~بدليل قوله: أن يفقهوه وبتذكير الضمير. فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه من ~~الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك ~~القدرية. وإنما قال في السجدة ثم أعرض عنها [الآية: 22] لأن ما في هذه ~~السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ~~ذلك. وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم [السجدة: 12] أي ذكروا مرة بعد أخرى ~~وزمانا بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم. ~~وقوله إنا جعلنا وقد مر تفسيره في «الأنعام» إلى قوله: فلن يهتدوا إذا أبدا ~~متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلا لأحد الفريقين إلا ومعه دليل ~~للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته ~~ورحمته على عباده كما قال: وربك الغفور ذو الرحمة قال المفسرون الضمير في ~~قوله: لو يؤاخذهم لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. والموعد يوم بدر. وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ولقد ~~صرفنا في هذا القرآن للناس والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا ~~نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه. قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ ~~المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال ~~النفع، وقدرة الله تعالى تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ~~ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال. أقول: هذا فرق دقيق لو ~~ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضا لا يخلو عن مبالغة، وكثيرا ما ورد ~~في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين. # وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضا نظر، لأن مقدورات الله متناهية ~~لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك. ثم أشار إلى قرى الأولين اعتبارا ~~لغيرهم فقال: وتلك القرى فاسم الإشارة مبتدأ وفيه ms3027 تعظيم لشأنهم أو تبعيد ~~لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك ~~أصحاب القرى أهلكناهم ويجوز أن يكون تلك القرى منصوبا بإضمار أهلكنا على ~~شريطة التفسير. وجعلنا لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكهم موعدا وعدا ~~أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا # PageV04P440 # لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له ~~وقتا يمكنهم التوبة قبل ذلك. ### | التأويل: # ويوم نسير الجبال وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة ~~خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية عرضوا على ربك صفا # لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف ~~القلوب، وكذا النفس وقواها. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة على ~~هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، ~~والكافرون والمنافقون في الصف الأخير لا يغادر صغيرة هي كل تصرف في شيء ~~بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات. ولا كبيرة هي التصرف في الدنيا على ~~حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ما أشهدتهم لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم [الكهف: 53] ورأى المجرمون النار رأوا ~~في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم ~~عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم ~~مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في ~~الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل ~~الصواب من ملهمه وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم أسباب الهداية ويستغفروا ~~ربهم إن كانوا مذنبين إلا أن تأتيهم سنة الأولين من الأنبياء والأولياء ~~والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية # كقوله في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم «والله لولا الله ما اهتدينا» # أو يأتيهم العذاب قبلا # كقوله: «أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل ms3028 الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» ~~«1» . # والله أعلم. (م) . # تم الجزء الخامس عشر، ويليه الجزء السادس عشر أوله: وإذ قال موسى لفتاه ~~... PageV04P441 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السادس عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 60 الى 82] # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60) ~~فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما ~~جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما ~~قصصا (64) # فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65) ~~قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع ~~معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء ~~الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69) # قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا ~~حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ~~(71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا ~~زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ~~استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا (78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن ~~أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) ~~فأردنا أن يبدلهما ms3029 ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك ~~أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ~~ما لم تسطع عليه صبرا (82) ### | القراآت: # أنسانيه بضم الهاء حفص والمفضل، وقرأ علي بالإمالة مع كسر الهاء: # نبغي بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب، وأفق أبو جعفر ونافع وأبو ~~عمرو # PageV04P442 # وعلي في الوصل. الباقون بحذف الياء في الحالين اتباعا لخط المصحف. رشدا ~~بفتحتين: أبو عمرو ويعقوب. بضمتين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. ~~الباقون رشدا بضم الراء وسكون الشين. معني بفتح الياء: حفص ستجدني إن بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع فلا تسئلني بنون التأكيد الثقيلة وإثبات الياء: أبو ~~جعفر ونافع وابن عامر: بحذف الياء: ابن مجاهد عن ابن ذكوان والأحسن إثباتها ~~لأنه شاذ عن أهل الشام. الآخرون بنون الوقاية وحذف الياء. ليغرق أهلها بياء ~~الغيبة وفتحها مع فتح الراء ورفع الأهل: حمزة وعلي وخلف. الباقون بتاء ~~الخطاب مضمومة وكسر الراء من الإغراق وبنصب الأهل زاكية على «فاعله» : أبو ~~جعفر ونافع وأبو بكر وحماد والمفضل. # يضيفوهما من الإضافة: المفضل لتخذت من التخذ مدغما: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب، وقرأ ابن كثير بالإظهار. الباقون: لاتخذت من الاتخاذ. وقرأ حفص ~~والمفضل والأعشى والبرجمي مظهرا يبدلهما من التبديل وكذلك في سورة التحريم ~~ونون والقلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الآخرون من الإبدال رحما بضمتين: ~~ابن عامر ويزيد وعباس وسهل ويعقوب. الباقون بسكون الحاء. ### | الوقوف: # حقبا ه سربا ه غداءنا ز لا نقطاع النظم مع صدق اتصال المعنى نصبا ه الحوت ~~ز لتمام استفهام التعجب مع اتحاد الكلام وكون الواو حالا أن أذكره ج ~~لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال في البحر وقفة. قيل: عليه تم كلام يوشع ~~ثم ابتدأ موسى فقال عجبا أي أعجب لذلك عجبا والوصل أجوز أي سبيلا عجبا ~~واتخاذا عجبا ه نبغ قف قد قيل: لتمام قول أحدهما وابتداء فعلهما والوجه ~~الوصل لعطف اللفظ وسرعة الرجوع ms3030 على الفور قصصا ه لا لاتصال النظم واتحاد ~~الحال علما ه رشدا ه صبرا ه خبرا ه أمرا ه ذكرا ه فانطلقا وقفة لأن حتى إذا ~~للابتداء حرقها ط أهلها ج لانقطاع النظم واتحاد القائل إمرا ه صبرا ه عسرا ~~ه فانطلقا وقفة لما مر فقتله لا لأن «قال» جواب «إذا» لغير نفس ط للفصل بين ~~الاستخبار والإخبار نكرا ه صبرا ه فلا تصاحبني ج لاختلاف الجملتين عذرا ه ~~فانطلقا وقفة فأقامه ط أجرا ه وبينك ج صبرا ه غصبا ه وكفرا، ج للعطف مع ~~الآية رحما ه صالحا ج لما قلنا من ربك ج عن أمري ط صبرا، لانقطاع القصة. # PageV04P443 ### | التفسير: # هذه قصة أوردها الله تعالى لتعين على المقاصد السابقة مع كونها مستقلة في ~~الإفادة، أما نفعها في قصة أصحاب الكهف فهو أن اليهود قالوا: إن أخبركم ~~محمد عنها فهو نبي وإلا فلا، فذكر الله تعالى قصة موسى والخضر تنبيها على ~~أن النبي لا يلزم أن يكون عالما بجميع القصص والأخبار. وأما نفعها في الرد ~~على كفار قريش حين افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة الأموال والأنصار، فهو ~~أن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعلو منصبه واستجمام موجبات الشرف التام ~~في حقه ذهب إلى الخضر وتواضع له لأجل طلب العلم فدل ذلك على أن التواضع خير ~~من التكبر. وأكثر العلماء على أن موسى المذكور في الآية هو موسى بن عمران ~~صاحب التوراة والمعجزات. وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس: إن نوفا ابن ~~امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى بن عمران وإنما هو صاحب موسى بن ~~ميشا بن يعقوب وهو قد كان نبيا قبل موسى بن عمران. فقال ابن عباس: كذب عدو ~~الله. واحتج الأكثرون على صحة قولهم بأن موسى حيث أطلق في القرآن أريد به ~~موسى بن عمران، فلو كان المراد هاهنا شخصا آخر لوجب تعريفه بحيث يتميز عن ~~المشهور. حجة الأقلين- وإليه ذهب جمهور اليهود- أن موسى بن عمران بعد أن ~~خصه الله تعالى بالمعجزات الظاهرة ms3031 التي لم يتفق لمن قبله مثلها، يبعد أن ~~يؤمر بالتعلم والاستفادة. وأجيب بأن العالم الكامل في أكثر العلوم قد يجهل ~~بعض المسائل فيحتاج في تعلمها إلى من يختص بعلمها. # أما فتى موسى فالأكثر على أنه يوشع بن نون، ويروى هذا القول عن سعد بن ~~جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هو أخو يوشع وكان مصاحبا لموسى في السفر. وعن الحسن: إنه أراد عبده ~~ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي ~~وأمتي» . # قال أهل السير: إن موسى لما ظهر على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد ~~هلاك القبط، أمره الله أن يذكر قومه النعمة فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله ~~فقال: إنه اصطفى نبيكم وكلمه فقالوا له: قد علمنا هذا فأي الناس أعلم؟ قال: ~~أنا. فعتب الله حين لم يرد العلم إلى الله، فأوحى الله إليه بل أعلم منك ~~عبد لي بمجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر عليه السلام في أيام أفريدون ~~قبل موسى عليه السلام وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر. وبقي إلى أيام ~~موسى. # ويروى أن موسى سأل ربه أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. # قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: فأي ~~عبادك أعلم؟ الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على ~~الهوى أو ترده عن ردى. فقال: إن كان في عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه. ~~قال: أعلم منك الخضر. # قال: فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة. قال: يا رب كيف لي به؟ ~~قال: تأخذ # PageV04P444 # حوتا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك. فقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني، ~~فذهبا يمشيان فرقد موسى عليه السلام فاضطرب الحوت ووقع في البحر، فلما جاء ~~وقت الغداء طلب موسى الحوت فأخبره فتاه بوقوعه في البحر فأتيا الصخرة فإذا ~~رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى عليه السلام فقال: وأنى ms3032 بأرضنا السلام فعرفه ~~نفسه فقال: يا موسى أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم ~~علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا السفينة جاء عصفور فوقع في حرفها فنقر ~~في الماء فقال الخضر: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله مقدار ما أخذ هذا ~~العصفور من البحر. # قلت: وهذا صحيح لأن علم الإنسان متناه وعلم الله غير متناه، ولا نسبة ~~للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا. # ولنرجع إلى التفسير قال الزجاج وتبعه جار الله: لا أبرح بمعنى لا أزال، ~~وقد حذف الخبر لدلالة حال السفر عليه ولأن قوله: حتى أبلغ غاية مضروبة فلا ~~بد لها من ذي غاية. فالمعنى لا أزال أسير إلى أن أبلغ، وجوز أن يكون المعنى ~~لا أبرح سيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، وحذف المضاف وهو السير ~~وأقيم المضاف إليه- وهو ياء المتكلم- مقامه فانقلب الفعل من لفظ الغائب إلى ~~لفظ المتكلم وجوز أيضا أن يكون لا أبرح، بمعنى لا أزول من برح المكان، ~~والمعنى لا أبرح ما أنا عليه أي لا أترك المسير والطلب حتى أبلغ مجمع ~~البحرين يعني ملتقى بحري فارس والروم وقد شرحنا وضع البحار في سورة البقرة ~~في تفسير قوله: الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس [الآية: 164] . ~~وقيل: أراد طنجة، وقيل إفريقية. ومن غرائب التفسير أن البحرين موسى والخضر ~~لأنهما بحر العلم، وهذا مع غرابته مستبشع جدا لأن البحرين إذا كان هو موسى ~~عليه السلام فكيف يصح أن يقول: حتى أبلغ مجمع البحرين إذ يؤل حاصل المعنى ~~إلى قولنا حتى أبلغ مكانا يجتمع فيه بحران من العلم أحدهما أنا أو أمضي ~~حقبا أسير زمانا طويلا. قال جار الله: الحقب بالضم ثمانون سنة. ويقال: أكثر ~~من ذلك. # وقيل: إنه تعالى أعلم موسى حال هذا العالم وما أعلمه بعينه فقال موسى: لا ~~أزال أمضي حتى يجتمع البحران فيصيرا بحرا واحدا أو أمضي دهرا طويلا حتى أجد ~~هذا العالم، وهذا إخبار من موسى عليه السلام بأنه وطن تحمل التعب الشديد ms3033 ~~إلى أن يلقاه، وفيه تنبيه على شرف العلم وأن طلب العلم يحق له أن يسافر، ~~ويتحمل المتاعب في الطلب من غير ملال وكلال. فلما بلغا مجمع بينهما قال ~~جمهور المفسرين: الضمير للبحرين أي تحقق ما موسى وبلغ المكان الذي وعد فيه ~~لقاء الخضر. ولا بد للبين من فائدة، ولعل المراد حيث يكاد يلتقي وسط ما ~~امتد من البحرين طولا. والإضافة بمعنى «في» أي مجمعا في وسط البحرين فيكون ~~كالتفصيل لمجمع البحرين، والبيان والإيضاح بكلام علام الغيوب تعالى # PageV04P445 # أولى منه بكلام موسى، أو البين بمعنى الافتراق أي البحران المفترقان ~~يجتمعان هناك. # ويحتمل على هذا أن يعود الضمير إلى موسى والخضر أي وصلا إلى الموضع الذي ~~وعد اجتماع شملهما هناك، أو البين بمعنى الوصل لأنه من الأضداد فيفيد مزيد ~~التأكيد كقولهم «جد جده» . وهذه الوجوه مما لم أجدها في التفاسير، فإن كان ~~صوابا فمن الله وإلا فمني ومن الشيطان نسيا حوتهما لأنه تعالى جعل انقلاب ~~الحوت حيا علامة على مسكن الخضر قيل: إن الفتى كان يغسل السمكة لأنها كانت ~~مملوحة فطفرت وسارت. وقيل: إن يوشع توضأ في ذلك المكان فانتضح الماء على ~~الحوت المالح فعاش ووثب إلى الماء. # وقيل: انفجرت هناك عين من الجنة ووصلت قطرات من تلك العين إلى السمكة ~~فحييت وطفرت إلى البحر. ونسيان الحوت للذهول عن الاستدلال بهذه الحالة ~~المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، والسبب في هذا الذهول مع أن هذه الحالة ~~كانت أمارة لهما على الطلبة التي تناهضا من أجلها، هو أن يوشع كان قد تعود ~~مشاهدة المعجزات الباهرة فلم يبق لحياة السمكة ولقيام الماء وانتصابه مثل ~~الطاق ونفوذها في مثل السرب منه وقع عنده. # وقيل: إن موسى عليه السلام لما استعظم علم نفسه أزال الله عن قلب صاحبه ~~هذا العلم الذي يشبه الضروري تنبيها لموسى عليه السلام، على أن العلم لا ~~يحصل إلا بتعليم الله وحفظه على قلوب عباده. وانتصاب قوله: سربا على أنه ~~مفعول ثان لاتخذ أي اتخذ سبيله سبيلا سريا وهو بيت في الأرض، وذلك ms3034 أن الله ~~تعالى أمسك إجراء الماء عن الحوت وجعله كالكوة حتى سرى الحوت فيه معجزة ~~لموسى عليه السلام وللخضر. # وقيل: السرب هو الذهاب والتقدير سرب في البحر سربا إلا أنه أقيم قوله: ~~واتخذ سبيله مقام «سرب» فلما جاوزا أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الصخرة ~~قال موسى لفتاه آتنا غداءنا وهو ما يؤكل بالغداة لقد لقينا من سفرنا هذا ~~نصبا تعبا وجوعا. قال المفسرون: قوله من سفرنا هذا إشارة إلى سيرهما وراء ~~الصخرة ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك. قال الفتى متعجبا أرأيت ومفعوله محذوف ~~لدلالة قوله: # فإني نسيت الحوت عليه كأنه قال: أرأيت ما دهاني ووقع لي. إذ أوينا إلى ~~الصخرة قيل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فإني نسيت الحوت عليها ثم ذكر ما ~~يجري مجرى السبب في وقوع ذلك النسيان فقال: وما أنسانيه إلا الشيطان وأن ~~أذكره بدل الاشتمال من الهاء في أنسانيه أي وما أنساني ذكره قال الكعبي: لو ~~كان النسيان بخلق الله وإرادته لكان إسناد ذلك إلى الله تعالى أولى من ~~إسناده إلى الشيطان إذ ليس له في وجوده سعي ولا أثر. قال القاضي: المراد ~~بإنساء الشيطان أن يشتغل قلب الإنسان بوساوسه التي هي من فعله دون النسيان ~~الذي يضاد الذكر، لأن ذلك لا يصلح أن يكون # PageV04P446 # إلا من قبل الله تعالى. # قال أهل البرهان: لما كان اتخاذ الحوت سبيله في البحر عقيب النسيان ذكر ~~أولا فاتخذ بالفاء، ولما حيل بينهما ثانيا بجملة معترضة هي قوله: وما ~~أنسانيه زال معنى التعقيب وبقي العطف المجرد فقال: واتخذ سبيله بالواو. ~~وانتصاب عجبا كما مر في سربا. # قال صلى الله عليه وسلم: «كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا» # قال موسى ذلك يعني اتخاذ الحوت السبيل في البحر ما كنا نبغي أي إنه الذي ~~كنا نطلبه لأنه أمارة الظفر بالمطلوب فارتدا على آثارهما فرجعا على طريقهما ~~المسلوك قصصا مصدر لأنه بمعنى الارتداد على الأثر يتبعان آثارهما اتباعا، ~~أو هو مصدر في موضع الحال أي رجعا على الطريق الذي جاءا ms3035 منه مقتصين فوجدا ~~عبدا من عبادنا الأكثرون على أن ذلك العبد كان نبيا لأنه تعالى وصفه بقوله: ~~آتيناه رحمة من عندنا والرحمة هي الوحي والنبوة بدليل قوله: أهم يقسمون ~~رحمت ربك [الزخرف: 32] وقوله: وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة ~~من ربك [القصص: 86] ومنع أن كل رحمة نبوة قالوا: وصفه بقوله: وعلمناه من ~~لدنا علما والعلم المختص به تعالى هو الوحي والإخبار بالغيوب. وأيضا آخر ~~القصة وما فعلته عن أمري أي عرفته وفعلته بأمر الله وذلك مستلزم للوحي. # وروي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال: السلام عليك. فقال: وعليك ~~السلام يا نبي بني إسرائيل. فقال: من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي. # والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية. والتحقيق ~~فيه إذ ضعفت القوى الحسية والخيالية بواسطة الرياضة قويت القوة العقلية ~~وأشرقت الأنوار الإلهية على جواهر العقل، ويفيض عليه من عالم الأرواح أنوار ~~يستعد بسببها لملاحظة أسرار الملكوت ومطالعة عالم اللاهوت. والأكثرون أيضا ~~على أن ذلك العبد هو الخضر سمي بذلك لأنه كان لا يقف موقفا إلا اخضر ذلك ~~الموقف. وقال الجبائي: روي أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني ~~إسرائيل. فإن صحت الرواية لم يكن ذلك العبد هو الخضر لأنه بعث بعده، ~~وبتقدير كونه معاصرا له فإنه أظهر الترفع على موسى حين قال: وكيف تصبر على ~~ما لم تحط به خبرا وأن موسى أظهر التواضع له حين قال ولا أعصي لك أمرا مع ~~أنه كان مبعوثا إلى كافة بني إسرائيل، والأمة لا تكون أعلى حالا من النبي. ~~وإن لم تكن الرواية صحيحة بأن الخضر لا يكون من بني إسرائيل لم يجز أن يكون ~~الخضر أفضل من موسى عليه السلام لأنه تعالى قال لبني إسرائيل وأني فضلتكم ~~على العالمين [البقرة: 47] وأجيب بأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في ~~علوم لا تتوقف نبوته عليها. # PageV04P447 # قال العلماء: إن موسى راعى مع الخضر في قوله: هل أتبعك أنواعا من الأدب ~~منها: أنه جعل ms3036 نفسه تبعا له مطلقا، وفيه أن المتعلم يجب عليه الخدمة وتسليم ~~النفس والإتيان بمثل أفعال الأستاذ وأقواله على جهة التبعية لا الاستقلال، ~~فإن المتابعة هي الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلا لذلك الغير، ولهذا ~~لسنا متبعين لليهود في قولنا «لا إله إلا الله» لأنا نقول كلمة التوحيد ~~لأجل أنهم قالوها بل لقيام الدليل على قولها، ولكنا متابعون في الصلوات ~~الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم لأنا نأتي بها لأجل أنه أتى بها. ومنها أنه ~~استأذن في إثبات هذه التبعية. ومنها أنه قال: على أن تعلمني مما علمت وفيه ~~إقرار على أستاذه بالعلم، وفيه أنه لم يطلب منه إلا بعض علمه ولم يطلب منه ~~أن يجعله مساويا له في العلم كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءا ~~من أجزاء ماله لأكله، وفيه اعتراف بأن ذلك العلم علمه الله تعالى وإلا سمي ~~فاعله، وفيه إشعار بأن إنعامه عليه في هذا التعليم شبيه بإنعام الله عليه ~~فيه ومن هنا قيل: أنا عبد من علمني حرفا. ومنها أن الخضر عرف أنه نبي صاحب ~~المعجزات المشهورة، ثم إنه مع هذه المناصب العلية والمراتب السنية لم يطلب ~~منه المال والجاه وإنما طلب التعليم فقال: # على أن تعلمني فدل ذلك على أنه لا كمال فوق كمال العلم، وأنه لا يحسن صرف ~~الهمة إلا إلى تحصيله. وفيه أن كل من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه ~~بما فيها من البهجة والسعادة أكثر، فكان حرصه على زيادتها أوفر. ومنها أنه ~~قال رشدا وهو يصلح أن يكون مفعولا ك تعلمني وعلمت أي علما ذا رشد أرشد به ~~في ديني، وفيه تعظيم لما سيعلمه فإن الإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل حصل ~~الضلال. ثم إنه تعالى حكى عن الخضر أنه قال: لن تستطيع معي صبرا نفى ~~استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد لعلمه بأنه يتولى أمورا هي في الظاهر ~~منكرة، والرجل الصالح لا سيما النبي الذي يحكم بظواهر الأمور شرعا قلما ~~يتمالك أن يصبر عليها. وخبرا تمييز ms3037 أي لم يحط به خبرك، أو هو مصدر لكونه في ~~معنى الإحاطة. استدلت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة لا تحصل فيه الفعل ~~وإلا لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة قبل الصبر، فيكون قول الخضر بنفي ~~الاستطاعة كذبا. وكذا قوله: وكيف تصبر لأنه استفهام في معنى الإنكار أي لا ~~تصبر البتة. أجاب الجبائي بأنه أراد بنفي الاستطاعة أن يثقل عليه الصبر لا ~~أنه لا يستطيعه. يقال في العرف: إن فلانا لا يستطيع أن يرى فلانا وأن ~~يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ولهذا قال له موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ~~ولا أعصي أي ستجدني غير عاص لك أمرا ويجوز أن يكون قوله: ولا أعصي جملة ~~مستأنفة معطوفة على مثلها أي ستجدني ولا أعصي. قال أهل السنة: في قوله: إن ~~شاء الله بطريق الشك والصبر # PageV04P448 # مأمور به دليل على أنه تعالى قد لا يريد من العبد ما أوجبه عليه. قالت ~~المعتزلة: إنما ذكره بطريق الأدب. وأجيب بأن هذا الأدب إن صح معناه فقد ثبت ~~المطلوب، وإن فسد فأي أدب في ذكر الكلام الباطل. # قالت الأصوليون: في قوله: ولا أعصي لك أمرا دليل على أن ظاهر الأمر ~~للوجوب، لأن تارك الأمر عاص. بهذه الآية، والعاصي يستحق العقاب لقوله: ومن ~~يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم [الجن: 23] قال المحققون: في قوله الخضر ~~تغليظ وتجهيل، وفي قول موسى تحمل وتواضع، فدل ذلك على أن المعلم إن رأى ~~التغليظ على المتعلم فيما يعتقده نفعا وإرشادا إلى الخير، فالواجب عليه ~~ذكره وعلى المتعلم أن يتلقاه بالبشر والطلاقة. ثم قال: فإن اتبعتني فلا ~~تسألني شرط على موسى عليه السلام في اتباعه أن لا يسأل عما خفي عليه وجه ~~صحته حتى يكون الخضر هو المبتدئ بتعليمه إياه بإخباره عن وجه الحكمة فيه ~~فانطلقا على ساحل البحر يطلبان السفينة، فما ركباها يروى أن أهلها قالوا: ~~هما من اللصوص وأمروهما بالخروج فمنعهم صاحب السفينة وقال: # أرى وجوه الأنبياء. وقيل: عرفوا الخضر فحملوهم بلا أجرة، فلما حصلوا في ~~اللجة أخذ الخضر ms3038 الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي ~~الماء. وقيل: خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها فجعل ~~موسى يسد الخرق بثيابه ويقول: # أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا أتيت شيئا عظيما. يقال: أمر الأمر ~~إذا عظم. # ويقال في الشيء العجيب الذي يعرف له شبيه إنه أمر أمر. احتج الطاعنون في ~~عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام اعترض على الخضر بعد توكيد العهود ~~والمواثيق وذلك ذنب. وأجيب بأنه لم يقل ذلك اعتراضا وتوبيخا ولكنه أحب أن ~~يقف على حكمة ذلك الأمر الخارج عن العبادة، أو أنه خالف الشرط بناء على ~~النسيان ولهذا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا مؤاخذة على الناسي. و «ما» ~~موصولة أو موصوفة أو مصدرية أي بالذي نسيت وبشيء نسيته وبنسياني. وجوز في ~~الكشاف أن لا يكون ناسيا في الحقيقة ولكنه أو هم بقوله: لا تؤاخذني بما ~~نسيت أنه قد نسي لبسط عذره في الاعتراض على المعلم وهو من معاريض الكلام ~~التي يتقي بها الكذب مع التوصل إلى الغرض. وجوز أيضا أن يكون النسيان بمعنى ~~الترك أي بما تركت من وصيتك أول مرة ولا ترهقني ولا تغشني من أمري عسرا ~~وأراد بأمره أمر المتابعة أي يسر علي متابعتك بالإغضاء وترك المناقشة. # وإنما قال في هذه القصة خرقها بغير «فاء» لأنه جعله جزاء للشرط، وفي قصة ~~الغلام جعل فقتله من جملة الشرط معطوفا عليه بفاء التعقيب، لأن القتل يعقب ~~لقاء # PageV04P449 # الغلام ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ومنه قولهم ~~«رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» وأصله من الاغتلام وهو شدة الشبق. وليس في ~~القرآن أنهما كيف لقياه، وهل كان يلعب مع جمع من الغلمان، أو كان منفردا، ~~وهل كان مسلما أو كان كافرا، وهل كان بالغا أو كان صغيرا واسم الغلام ~~بالصغير أليق، إلا أن بغير نفس بالبالغ لأن الصبي لا يقتل قصاصا. وعن ابن ~~عباس أن نجدة الحروري الخارجي كتب إليه كيف جاز قتله وقد نهى رسول الله صلى ~~الله ms3039 عليه وسلم عن قتل الولدان؟ فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه ~~عالم موسى فلك أن تقتل. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان ومعناهما ~~الطاهرة. وقال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب، والزكية التي أذنبت ثم ~~تابت. ويجوز أن يكون وصفها بالزكاء لأنه لم يرها أذنبت فهي طاهرة عنده. ~~قيل: النكر أقل من الأمر لأن قتل نفس واحدة أهو من إغراق أهل السفينة. ~~وقيل: النكر أشد لأن ذلك كان خرقا تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه. ~~وأيضا الأمر العجيب والعجب يستعمل في الخير والشر. والنكر ما تنكره العقول ~~فهو شر، وظاهر الآية يدل على أن موسى استبعد أن تقتل النفس إلا بالنفس وليس ~~كذلك لأنه قد يحل القتل بسائر الأسباب، ولعله اعتبر السبب الأغلب والأقوى ~~واختلفوا في كيفية قتله فقيل: فتل عنقه. وقيل: # ضرب برأسه الحائط. وعن سعيد بن جبير: أضجعه ثم ذبحه بالسكين. ثم إنه ~~سبحانه حكى عن الخضر أنه ما زاد على أن أذكره ما عاهد عليه فقال: ألم أقل ~~لك وإنما زاد هاهنا لك لأن الإنكار أكثر وموجب العتاب أقوى. وقيل: أكد ~~التقرير الثاني بقوله لك كما تقول لمن توبخه لك أقول وإياك أعني. وقيل: بين ~~في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول فعند هذا قال موسى إن سألتك عن ~~شيء بعدها بعد هذه الكرة أو المسألة فلا تصاحبني نهاه عن المصاحبة حينئذ مع ~~حرصه على التعلم لظهور عذره كما قال: قد بلغت من لدني عذرا وهذا كلام نادم ~~شديد الندامة جره المقال، واضطره الحال إلى الاعتراف وسلوك سبيل الإنصاف. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي كموسى استحيا فقال ذلك» # فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية هي أنطاكية. وقيل: الأيلة وهي أبعد أرض ~~الله من السماء. # استطعما أهلها وكان حق الإيجاز أن يقال: «استطعماهم» فوضع الظاهر موضع ~~المضمر للتأكيد كقوله: # ليت الغراب غداة ينعب بيننا ... كان الغراب مقطع الأوداج # وأيضا لعله كره اجتماع الضميرين المتصلين في مثل هذا اللفظ ms3040 لما فيه من ~~الكلفة # PageV04P450 # والبشاعة والاستطالة فأبوا أن يضيفوهما يقال: أضافه وضيفه إذا أنزله ~~وجعله ضيفه، والتركيب يدور على الميل من ضاف السهم عن الغرض والضيف يميل ~~إلى المضيف. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: كانوا أهل قرية لئاما. # قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام فكيف أقدما عليه. وأيضا الضيافة من ~~المندوبات وترك المندوب غير منكر، فكيف جاز لموسى أن يغضب عليهم حتى ترك ~~عهد صاحبه. وقال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا وأجيب بأن الرجل إذا جاع بحيث ~~ضعف عن الطاعة أو أشرف على الهلاك لزمه الاستطعام ووجبت إجابته. ولقائل أن ~~يقول: لو كان قد بلغ الجوع إلى حد الهلاك لم يقو على إصلاح الجدار. ولمجيب ~~أن يقول: إنه أقام الجدار معجزة فقد يروى أنه مسحه بيده فقام واستوى. وقيل: ~~أقامه بعمود عمده به. وقيل: نقضه وبناه. وروي أنه كان ارتفاع الجدار مائة ~~ذراع. قال أهل الاعتبار: شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن ~~السبيل حق. # ويحكى أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل الذهب فقالوا: يا رسول الله نشتري بهذا ~~الذهب أن تجعل الباء تاء أي «فأتوا أن يضيفوهما» فامتنع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك. # قوله: يريد أن ينقض معناه يسرع سقوطه من انقض الطائر إذا هوى في طيرانه. # يقال: قضضته فانقض، ويحتمل أن يكون «افعل» من النقض كاحمر من الحمرة، ~~فالنون تكون أصلية وإحدى الضادين مكررة زائدة عكس الأول. واستعيرت الإرادة ~~للمداناة والمشارفة تشبيها للجماد بالأحياء نظيره ولما سكت عن موسى الغضب ~~[الأعراف: # 154] قالتا أتينا طائعين [فصلت: 11] . ولما أقام الخضر الجدار ورأى موسى ~~من الحرمان ومسيس الحاجة قال لصاحبه لو شئت لاتخذت عليه أجرا لطلبت على ~~عملك جعلا حتى نستدفع به الضرورة. واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من ~~الأخذ على الأصح قال الخضر مشيرا إلى الفراق المتصور في قوله: فلا تصاحبني ~~أو مشيرا إلى السؤال والاعتراض هذا ms3041 فراق بيني الإضافة بمعنى في أي فراق أو ~~سبب فراق في بيني وبينك وحكى القفال أن البين هاهنا بمعنى الوصل. # ثم شرع في تقرير الحكم التي تضمنتها أفعاله وتلك الحكم تشترك في أصل واحد ~~هو أنه أذا تعارض الضرر إن وجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى فقال: # أما السفينة فكانت لمساكين قيل: كانت لعشرة إخوة خمسة منهم زمنى وخمسة ~~يعملون في البحر وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على أن الفقير أسوأ ~~حالا من المسكين وكان وراءهم ملك وهو مسمى بجلندي والوراء هاهنا بمعنى ~~الأمام # PageV04P451 # وقد مر في قوله: ومن ورائه عذاب غليظ [إبراهيم: 17] وقيل: أراد خلفهم ~~وكان طريقهم في الرجوع وما كان عندهم خبرة يأخذ كل سفينة أي غير معيبة غصبا ~~ولا يخفى أن الضرر الحاصل من التخريق أهون من فوات السفينة بالكلية ~~والتخريق، وإن كان تصرفا في ملك الغير إلا أنه إذا تضمن نفعا زائدا لم يكن ~~به بأس. ولعل مثل هذا التصرف كان جائزا في تلك الشريعة. أو لعله كان من ~~مخصوصات النبي صلى الله عليه وسلم. # قال جار الله: قوله: فأردت أن أعيبها مسبب عن خوف الغصب عليها وكان حقه ~~أن يتأخر عن السبب ولكنه قدم للعناية أي تتعجب من هذا وهو مرادي وأنا مأمور ~~به. وأيضا خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كون السفينة للمساكين ~~فتوسط إرادة العيب بين المسكنة والغصب كتوسط الظن بين المبتدأ والخبر في ~~قولك «زيد ظني مقيم» في أنه يتعلق بالطرفين وأما الغلام فقد قيل: إنه كان ~~بالغا قاطع الطريق يقدم على الأفعال المنكرة وكان أبواه مضطرين إلى التعصب ~~له والذب عنه فكانا يقعان في الفسق لذلك واحتمل أن يؤدي ذلك إلى الكفر ~~والارتداد كما قال: فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا. يقال: رهقة أي غشيه ~~وأرهقه إياه. وقيل: إنه كان صبيا إلا أنه تعالى علم من حاله أنه لو صار ~~بالغا صدرت عنه هذه المفاسد، فأعلم الخضر بحاله وأمره بقتله لئلا يرتد ~~الأبوان بسببه ومثل هذا لا يجوز إلا إذا ms3042 تأكد الظن بالوحي. وقيل: أراد ~~فخفنا أن يغشى الوالدين طغيانا عليهما وكفرا بنعمتهما بعقوقه، أو خفنا أن ~~يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر. وجوزوا ~~أن يكون قوله: فخشينا من كلام الله تعالى أي كرهنا كراهة من خاف سوء عاقبة ~~أمر فغيره. والزكاة الطهارة والنقاء من الذنوب وكأنه بإزاء قول موسى نفسا ~~زاكية. والرحم الرحمة والعطف بمعنى الإشفاق على الأبوين. يروى أنهما ولدت ~~لهما جارية فتزوجها نبي فولدت نبيا هدى الله على يديه أمة من الأمم. ويروى ~~أنها ولدت سبعين نبيا. وقيل: أبدلهما أبدلهما أبنا مؤمنا. وقيل: اسم الغلام ~~المقتول الحيسون وفي نسخة الحسين. # وأما الجدار فكان لغلامين. قيل: اسمهما أصرم وصريم. وقوله: في المدينة ~~بعد قوله: أتيا أهل قرية فيه دلالة على أن القرية لا تنافي المدينة ومعنى ~~الاجتماع والإقامة مراعى فيهما. أما الكنز فقيل: هو المال لقوله: ويستخرجا ~~ولأن المفهوم منه عند إطلاقه هو المال. وقيل: صحف فيها علم لقوله: وكان ~~أبوهما صالحا ودفن المال لا يليق بأهل الصلاح. وعورض بقول قتادة: أحل الكنز ~~لمن قبلنا وحرم علينا. وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا. وجمع بعضهم بين ~~الأمرين فقال: كان لوحا من ذهب مكتوبا # PageV04P452 # فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، ~~وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت ~~لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. ~~وفي قوله: وكان أبوهما صالحا دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال ~~الأبناء. عن جعفر بن محمد رضي الله عنه: كان بين الغلامين وبين الأب الذي ~~حفظا فيه سبعة آباء، وذكر من صلاح أبيهما أن الناس كانوا يضعون الودائع ~~عنده فيردها إليهم سالمة. قالت العلماء: الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين ~~بحال الكنز ووصيهما كان عالما به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط ~~ورحمة من ربك مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له وما فعلته ~~عن ms3043 أمري أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر الله. # سؤال: لم قال في الأول: فأردت أن أعيبها وفي الثاني: فأردنا وفي الثالث ~~فأراد ربك؟ الجواب: لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه، وفي الثالث ~~إنعام محض فأسنده إلى الله سبحانه، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام ~~من حيث التبديل فجمع بين الأمرين. ويمكن أن يقال: إن القتل كان منه ولكن ~~إزهاق الروح كان من الله، ويحتمل أن يقال: الوحدة في الأول على الأصل، ~~والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء المؤيدين بالعلوم الدينية، ~~والإسناد إلى الله بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة الله وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله ذلك الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع تأويل ما لم ~~تسطع عليه صبرا أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا، وأصل تسطع ~~تستطيع كما في قوله: سأنبئك بتأويل ما لم تستطع إلا أن التاء حذفت لأجل ~~التخفيف. وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي موسى لو لبث مع صاحبه ~~لأبصر أعجب الأعاجيب» «1» . ### | التأويل: # وإذ قال موسى لفتاه فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق، وفيه ~~أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميرا والآخر مأمورا، وأن يعلم الرفيق عزيمته ~~ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر ~~بمقصوده، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب ~~الحق. ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة ~~الحقيقية، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر ~~الولاية سربا. PageV04P453 # فلما جاوزا فيه إشارة إلى أن المريد في أثناء السلوك لو تطرقت إليه ~~الملالة أصاب قلبه الكلالة وسولت له نفسه التجاوز عن صحبة الشيخ ظانا أن ~~مقصوده يحصل من غير وساطة الشيخ. هيهات فإنه ظن فاسد ومتاع كاسد إلا إن ~~أدركته العناية الأزلية ms3044 ورد إليه صدق الإرادة فيقول: الرفيق التوفيق. آتنا ~~غداءنا وهو همة الشيخ وبركة صحبته لقد لقينا في سفرنا هذا الذي جاوزنا صحبة ~~الشيخ نصبا فقال رفيقه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة صخرة النفس وتسويلها فإني ~~نسيت حوت القلب قال ذلك ما كنا نبغي من حوت القلب الميت المملح بملح حب ~~الدنيا وزينتها أن يتخذ سبيله في بحر ولاية شيخ كامل فوجدا عبدا من عبادنا ~~حرا من رق غيرنا. وفي قوله: وعلمناه من لدنا علما إشارة إلى أنه تعالى ~~أطلعه على بواطن الأشياء وحقائقها، وهذا النوع من العلم لا يمكن تعلمه ~~وإنما يحصل بتصفية النفس وتجريد القلب عن العلائق الجسمانية. وقد ذهب موسى ~~إلى تعلم العلم فكان من الواجب على الخضر أن يظهر له علما يمكن تعلمه، فبين ~~علم الخضر وبين مقصد موسى تباين وتناف فلهذا قال الخضر: إنك لن تستطيع معي ~~صبرا وفي إظهار المسائل الثلاث إشارة إلى ما قلنا من أن العلم الظاهر يباين ~~العلم اللدني وليس من التعليم والتعلم في شيء، وإذا تأمل العاقل السالك في ~~قول موسى: # هل أتبعك إلخ في قول الخضر. فإن اتبعتني فلا تسألني إلخ. وجد أصول ~~الشرائط التي شرطها الصوفية للمريد وللشيخ مودعة فيها، وفي تفصيلها طول وقد ~~أشرنا في التفسير إلى طرف منها، ومن أراد الكل فعليه بمطالعة كتاب «آداب ~~المريدين» للشيخ المحقق أبي النجيب السهروردي تغمده الله بغفرانه حتى إذا ~~ركبا في السفينة هي سفينة الشريعة خرقها بهدم الناموس في الظاهر مع صلاح ~~الحال في الباطن وفيما بينه وبين علام الغيوب، ومثل هذا قد يفعله كثير من ~~المحققين طردا للعوام وحذرا من التباهي والعجب أخرقتها لتغرق أهلها في ~~أودية الضلال إذا اقتدوا بك حتى إذا لقيا غلاما هو النفس الأمارة فقتله ~~بسكين الرياضة وسيف المجاهدة حتى إذا أتيا أهل قرية هي الجسد وهم القوى ~~الإنسانية من الحواس وغيرها استطعما أهلها بطلب أفاعيلها التي تختص بها ~~فأبوا أن يضيفوهما بإعطاء خواصها كما ينبغي لكلالها وضعفها فوجدا فيها ~~جدارا هو التعلق الحائل بين ms3045 النفس الناطقة وبين عالم المجردات يريد أن ينقض ~~بقطع العلاقة فأقامه بتقوية البدن والرفق بالقوى والحواس كما قيل: نفسك ~~مطيتك فارفق بها. لو شئت لاتخذت عليه أجرا ثوابا جزيلا أي لو شئت لصبرت على ~~شدة الرياضة إلى إفاضة الأنوار ونيل الكشوف. أما السفينة فكانت لمساكين هم ~~العوام الذين يعملون في بحر الدنيا وليس لهم في بر عالم الربوبية سير وسلوك ~~حتى يصلوا إلى # PageV04P454 # ملوك تحت أطمار فأردت أن أعيبها في الظاهر لتسلطهم بالإخلاص في البواطن ~~وكان وراءهم ملك هو الشيطان يأخذ كل سفينة عبادة غصبا لأن كل عبادة تخلو عن ~~الانكسار والذل والخشوع فإنها للشيطان لا للرحمن وأما الغلام فكان أبواه ~~وهما القلب والروح مؤمنين ... فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة هو ~~النفس المطمئنة وأقرب رحما أي نسبة إلى الأبوين. وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين هما النفس المطمئنة والملهمة وكان تحته كنز لهما هو حصول الكمالات ~~النظرية والعملية وكان أبوهما وهو العقل المفارق صالحا كاملا بالفعل فلهذا ~~ادخر لأجلهما ما ادخر فأراد ربك أن يبلغا أشدهما بتربية الشيخ وإرشاده على ~~سبيل الرفق والمداراة ويستخرجا ما كان كامنا فيهما. ### | [سورة الكهف (18) : الآيات 83 الى 110] # ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في ~~الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ~~وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا (87) # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم ~~أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92) # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93) ~~قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا ms3046 على ~~أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل ~~بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال ~~انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن ~~يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) # قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98) ~~وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا ~~جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا ~~لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ~~إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102) # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما ~~كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت ~~لهم جنات الفردوس نزلا (107) # خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110) # PageV04P455 ### | القراآت: # فأتبع ثم أتبع مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد ~~موصولة. حامية الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير ~~حفص. الباقون حمئة بالهمزة من غير ألف جزاء الحسنى بالنصب منونا. يعقوب ~~وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون جزاء الحسنى بالرفع ~~والإضافة. السدين بفتح السين: ابن كثير أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل. ~~الآخرون بضمها. يفقهون بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف. الباقون ~~بفتحهما يأجوج ومأجوج حيث كان مهموزا: عاصم غير الشموني فهل نجعل وبابه ~~بإدغام اللام في النون: علي وهشام خراجا بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير ~~أبي بكر وحماد ms3047 الباقون خرجا بسكون الراء. سدا بفتح السين: # ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم. والباقون بضمها مكننى: ابن ~~كثير. # الباقون بإدغام النون في النون ردما ائتوني يحيى وحماد والابتداء بكسر ~~الألف لصدفين بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب ~~المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال. الآخرون بفتح الصاد ~~والدال. قال ائتوني والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة فما اسطاعوا ~~بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني فما اصطاعوا بالصاد ~~وهو الصحيح من نقل ابن مهران. دكاء بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ~~والخزاز عن هبيرة أفحسب الذين بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى ~~في اختياره دوني أولياء بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو أن ~~ينفد بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. ### | الوقوف: # القرنين ط ذكرا ه ط سببا لا سببا ه قوما ه ط حسنا ه نكرا ه الحسنى ج ~~لاختلاف الجملتين يسرا ه ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار سببا ه سترا ه كذلك ط ~~أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس. وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك ~~أو الأمر كذلك. وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا ~~بقوم سبق ذكرهم خبرا ه ثم أتبع سببا ه قوما لا قولا ه سدا ه ردما ه الحديد ~~ط انفخوا ط نارا لا لأن # PageV04P456 # «قال» جواب «إذا» قطرا ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار نقبا ه من ربي ج ~~لعطف الجملتين المختلفتين دكاء ج لذلك حقا ه ط لانقطاع القصة جمعا ه لا ~~للعطف عرضا ه لا سمعا ه أولياء ط نزلا ه أعمالا ه ط للفصل بين الاستخبار ~~والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصبا على الذم أو جرا على ~~البدل صنعا ه وزنا ه هزوا ه نزلا ه حولا ه مددا ه واحد ج لابتداء الشرط مع ~~فاء التعقيب أحدا ه. ### | التفسير: # ولما ms3048 أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع ~~في السؤال الثالث والجواب عنه. وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن ~~فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف ~~مكانه عادة. يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ~~ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى ~~الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت ~~المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون ~~والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ~~ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى ~~المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلا ملك الأرض بالكلية ~~أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر ~~وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر. قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذا ~~لأرسطا طاليس وكان على مذهبه. فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو ~~حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه. قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة ~~باطلا فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر. والسبب في تسميته بذي القرنين ~~أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعها ومغربها. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها ~~شرقها وغربها. # وقيل: كان له قرنان ضفيرتان. وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس. وقيل: ~~كان لتاجه قرنان. وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس. # ويروى الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس. وقيل: كان على رأسه ~~ما يشبه القرنين. وقيل: لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا كأنه ينطح أقرانه. ~~وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي ms3049 بقرنيها. وزعم ~~الفرس أن دارا الأكبر تزوج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة ~~فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر # PageV04P457 # فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا ~~الأكبر. وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا ~~من اليمن كذي يزن وغيره. # ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان- وهما مؤمنان- ~~ونمرود وبختنصر- وهما كافران- واختلفوا فيه فقيل: كان عبدا صالحا ملكه ~~الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى ~~يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وعن علي رضي الله عنه: سخر ~~له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه. وسأله ابن ~~الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟ فقال: ليس بملك ولا نبي ~~ولكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ~~ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم ~~مثله يعني نفسه. قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه ~~فيحييه الله. وقيل: كان نبيا لقوله تعالى: إنا مكنا له في الأرض. والتمكين ~~المعتد به هو النبوة، ولقوله وآتيناه من كل شيء سببا وظاهره العموم فيكون ~~قد نال أسباب النبوة، ولقوله: قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وتكليم الله ~~بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي. وقيل: كان ملكا من الملائكة. عن عمر أنه سمع ~~رجلا يقول: يا ذا القرنين. # فقال: اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء ~~الملائكة. # قوله: سأتلوا عليكم أي سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى وأنزل فيه وحيا. ~~والخطاب في عليكم للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه وآتيناه من ~~كل شيء سببا طريقا موصلا إليه. والسبب في اللغة هو الحبل والمراد هاهنا كل ~~ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ السدين ~~فأتبع سببا أدى إليه. ثم إنه ms3050 سبحانه شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلا ~~فأتبع سببا أي سلك طريقا أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة ~~فمعناه اتبع نفسه سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية أي ~~حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزا فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي ~~بين القراءتين. فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين. # عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على جمل فرأى ~~الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟ قلت: الله ورسوله ~~أعلم. # قال: فإنها تغرب في عين حامية. # فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط ~~العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس # PageV04P458 # في فلكها تدور بدوران الفلك. وأيضا قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم ~~الأرض بمائة وست وستين مرة تقريبا، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ ~~فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء ~~البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا ~~يرى الساحل ولهذا قال: # وجدها تغرب ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية ~~السخونة فهي حامية، وأيضا حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود. أما ~~قوله: ووجد عندها قوما فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما ~~تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس. ~~قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس ~~وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن ~~يتخذ فيهم حسنا وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال أما من ظلم ~~بالإصرار على الشرك فسوف نعذبه بالقتل في الدنيا ثم يرد إلى ربه في الآخرة ~~فيعذبه عذابا نكرا منكرا فظيعا. # روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه ms3051 كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب ~~النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه ~~لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين. ومن قرأ جزاء بالنصب أراد فله الفعلة ~~الحسنى جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل ~~الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى وسنقول له من أمرنا أي مما نأمر ~~به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك يسرا أي قولا ذا يسر ليس بالصعب ~~الشاق. ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلا ثم أتبع سببا أي هيأ أسبابا بسفر ~~المشرق حتى إذا بلغ مطلع الشمس أي مكان طلوعها وجدها تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم من دونها سترا عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها ~~فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا ~~طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم ~~بالضد من أحوال سائر الخلق. وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، ~~وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك. حكى صاحب الكشاف عن ~~بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم ~~مسيرة يوم وليلة. فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى. وحين قرب ~~طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصلة فغشى علي ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي ~~فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سربا لهم، فلما أرتفع النهار خرجوا إلى ~~البحر فجعلوا # PageV04P459 # يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وللمفسرين في متعلق قوله: # كذلك وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، ~~وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به. ~~الثاني: لم نجعل لهم سترا مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو ~~الثياب. الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها. الرابع: تطلع على ~~قوم مثل ذلك القبيل الذي ms3052 تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من ~~تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف. # ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلا ثم أتبع ~~سببا حتى إذا بلغ بين السدين قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين ~~حتى يكون بمعنى «مفعول» أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل ~~العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثا قاله أبو عبيدة وابن الأنباري. وانتصب بين ~~على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: لقد تقطع بينكم [الأنعام: ~~94] قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال. ~~فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك. وحكى محمد بن ~~جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنسانا من ناحية ~~الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع. # وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ~~ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من ~~لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما ~~حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند. قال أبو الريحان ~~البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من ~~المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغ الإسكندر ما بين الجبلين ~~اللذين سد ما بينهما وجد من دونهما أي من ورائهما متجاوزا عنهما قريبا قوما ~~لا يكادون يفقهون بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة ~~أنفسهم. سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ~~إلخ؟ وأجيب بأن «كاد» إثبات أو لعله فهم ما في ضمير هم بالقرائن والإشارات، ~~أو بوحي وإلهام. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل: مشتقان من أج ~~الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج ~~البحر، سموا بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، ms3053 وهما من ولد يافث. وقيل: يأجوج من ~~الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر ~~القامة حتى الشبر، ومنهم من # PageV04P460 # وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراسا كأضراس السباع. ~~أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس. وقيل: يأكلون لحومهم. ~~وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه ~~فهل نجعل لك خرجا وخراجا أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظير هما النول ~~والنوال. وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان ~~من البلد كل سنة. وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض قال ذو القرنين ~~ما مكني فيه ربي أي جعلني فيه مكينا ذا مكانة من المال واليسار خير مما ~~تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان فما آتاني الله خير مما آتاكم ~~[النمل: 36] فأعينوني بقوة بآلات ورجال وصناع. وقيل: بمال أصرفه في هذا ~~المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم «ثوب مردم رقاع فوق ~~رقاع» وزبر الحديد قطعه. # قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة. من قرأ آتوني بالمد فظاهر، ~~ومن قرأ ائتوني من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض. ثم ~~هاهنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض. حتى إذا ساوى بين الصدفين ~~وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان أفرغ عليه ~~قطرا أصب عليه النحاس المذاب وقطرا منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطرا أفرغ ~~عليه قطرا فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وهذا محمل ما يستدل به البصريون ~~في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال ~~أفرغه عليه. يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر ~~والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين ~~الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب النحاس ~~المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل: ~~بعد ما بين السدين مائة ms3054 فرسخ. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا أخبره به فقال: كيف رأيته؟ ~~قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: قد والله رأيته. # قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين لأن تلك الزبر الكثيرة إذا صارت ~~كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة ~~العظيمة عن أبدان أولئك النافخين. فما اسطاعوا أن يظهروه أي يعلوه لارتفاعه ~~وملاسته وما استطاعوا له نقبا لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة ~~مرارا، حذف منها التاء تخفيفا في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيها على ~~الأصل ورجوعا إلى البداية. ثم قال ذو القرنين هذا السد أو هذا الإقرار ~~والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده # PageV04P461 # فإذا جاء أي دنا مجيء القيامة جعله دكا مدكوكا مبسوطا مستوي بالأرض وكل ~~ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك. ومن قرأ دكاء بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضا ~~مستوية وكان وعد ربي حقا وهذا آخر حكاية ذي القرنين. # ثم شرع سبحانه في بقية أخبارهم فقال وتركنا بعضهم يومئذ يموجون أي حين ~~يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ~~ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من ~~الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس. ثم يبعث الله نغفا ~~وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون. وقيل: أراد أن ~~قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه. وقيل: الضمير للخلق ~~واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى. ~~ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه. # ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع ~~من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع عن ذكري أي عن آياتي التي ~~ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل ~~معانيه. وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع ~~الحق فقال وكانوا لا ms3055 يستطيعون سمعا وهو أبلغ من أن لو قال «وكانوا صما» لأن ~~الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية. ~~احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم ~~يستطيعوا. وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال. ثم أنفذ ~~في التوبيخ والوعيد قائلا أفحسب الذين كفروا والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون ~~بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟ # وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعا. والعباد إما عيسى ~~والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال. ومن قرأ ~~بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء ~~والخبر، أو على أنه مثل «أقائم الزيدان» يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم ~~عند الله كما حسبوا. قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل. # وقيل: إنه الذي يعد للضيف فيكون تهكما به نحو فبشرهم بعذاب [آل عمران: ~~21] أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل # فعن علي رضي الله عنه أنهم الرهبان # كقوله: عاملة ناصبة [الغاشية: 3] # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن منهم أهل حروراء. # وعن مجاهد: أهل الكتاب. والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا ~~يبتني على إيمان وإخلاص. وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم ~~القيامة هي عندهم في العظم # PageV04P462 # كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا وذلك قوله: فلا تقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة ~~كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط ~~والتكفير. # وفي قوله: فحبطت أعمالهم إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون ~~لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل ~~الحسنات والسيئات من الموحدين ذلك الذي ذكرناه من أنواع الوعيد جزاؤهم ~~وقوله جهنم عطف للجزاء. والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات ~~الله واتخاذ كل رسله هزؤا وتكذيبا، ويجوز أن يكون ms3056 كل من الأمرين سببا ~~مستقلا للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته. عن قتادة: الفردوس أوسط ~~الجنة وأفضلها. وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر. وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة ~~مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» «1» . # قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلا فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس ~~إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلا فما وراءها هو العذاب الحقيقي ~~وهو عذاب الحجاب كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [المطففين: 15] والحول ~~التحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك ~~الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحول فيطلب كقوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل ~~عنها. نبه على كمال حال القرآن. والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر ~~والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس ~~البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مددا ~~لنفد أيضا وهو تمييز من مثله كقولك «على التمرة مثلها زبدا» والمدد والمداد ~~واحد. يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا [البقرة: 269] ثم تقرءون وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: ~~PageV04P463 # 85] فنزلت هذه الآية. يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات ~~الله. قالت الأشاعرة: إن كلام الله تعالى واحد. واعترض عليهم بهذه الآية ~~فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله تعالى. وأجيب بأن المراد من الكلمات ~~متعلقات علم الله تعالى. وزعم الجبائي أن قوله: قبل أن تنفد كلمات ربي يدل ~~على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه. وأجيب بأن ~~المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة ms3057 الأزلية. قلت: الإنصاف أن نفاد ~~شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا ~~يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر. أما أنها ~~متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في ~~نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية ~~بالبرهان، ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلك سبيل التواضع وهو أن ~~حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء ~~إليه وكفى به بونا ومباينة. ثم بين أن الموحى هو أنما إلهكم إله واحد. # وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من ~~علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح ~~المقترن بالإخلاص وذلك قوله: فمن كان يرجوا أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء ~~لقائه. # واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند ~~المعتزلة فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال المفسرون: النهي ~~عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبغي به إلا وجه ربه. # يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أعمل العمل ~~لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه. وروي أنه قال: ~~لك أجران أجر السر وأجر العلانية. # قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء ~~والسمعة. والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به. # قال في الكشاف: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف من ~~آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه. ومن قرأها كلها كانت له نورا من ~~الأرض إلى السماء» . # وعنه صلى الله عليه وسلم: من قرأ عند مضجعه قل إنما أنا بشر مثلكم كان له ~~من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ms3058 ملائكة يصلون عليه حتى يقوم ~~وإن كان مضجعه بمكة بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور ~~حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» . ### | التأويل: # لما بين لإنسان كمالا مكنونا وكنزا مدفونا يمكن له تحصيله بالتربية # PageV04P464 # والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في ~~الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم ~~الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط ~~والأسباب، فبذلك يصير كاملا في نفسه مكملا لغيره. فأتبع سببا من أسباب ~~الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني وجدها تغرب في عين ~~حمئة هي عالم القوى والطبائع والأجساد ووجد عندها قوما هم القوى البدنية ~~والنفوس الأرضية قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب بالقتل بسكين الرياضة وسيف ~~المجاهدة وإما أن تتخذ فيهم حسنا هو الرفق والمداراة قال أما من ظلم بوضع ~~خاصيته واستعمالها في غير موضعها فسوف نعذبه بقهره على خلاف ما هو مراده ~~وهواه ثم يرد إلى ربه وهو الشيخ الكامل الذي يربيه فيعذبه عذابا نكرا هو ~~المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله تعالى فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة. ~~وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى هو مقام الوصول والوصال وسنقول له ~~من أمرنا يسرا هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ثم أتبع أسباب ~~الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية وجدها تطلع ~~على قوم مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية حتى إذا ~~بلغ بين السدين وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن ~~وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه وجد من دونهما قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط إن يأجوج ~~ومأجوج القوى والطبائع البشرية مفسدون في الأرض البشرية باستعمال خواصها في ~~غير ما خلقت هي لأجلها فهل نجعل لك خرجا هو ترك الوجود وبذلك الموجود. # فأعينوني بقوة بهمة صارفة وعزيمة صادقة آتوني زبر ms3059 الحديد ملكات راسخة ~~وهيئات ثابتة أو قلوبا هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ~~حتى إذا ساوى عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من لمهد إلى اللحد قال انفخوا ~~بالمداومة على الأذكار والأوراد حتى إذا جعله نارا بتأثير حرارة الطاعة ~~والذكر في حديد القلب قال آتوني أفرغ عليه قطرا هو جوهر المحبة وكيمياء ~~الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ~~ما سوى الرحمن الله حسبي. # PageV04P465 ### | (سورة مريم) # (مكية حروفها ثلاثة آلاف وثمانمائة وحرفان كلامها تسعمائة واثنان وستون ~~آياتها ثمان وتسعون) ### | [سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب ~~إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) # وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) ~~يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي ~~عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا (9) # قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10) فخرج ~~على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ ~~الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) ~~وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15) ### | القراآت: # كهيعص بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو كهيعص بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف ~~وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ علي غير قتيبة ويحيى وحماد بإمالتهما. وقرأ أبو ~~جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. ~~الباقون بتفخيمها كهيعص ذكر مدغما: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل من ~~ورائي بفتح الياء مهموزا: ابن كثير غير زمعة والخزاعي عن البزي وقرأ ms3060 زمعة ~~عن ابن كثير والخزاعي عن البزي من وراي مثل عصاي يرثني ويرث بالجزم فيهما: ~~أبو عمرو وعلي. الباقون برفعهما يبشرك ثلاثيا وكذلك في آخر السورة: حمزة ~~عتيا # PageV04P466 # وجثيا وصليا وبكيا بكسر الأوائل: حمزة وعلي وأفق حفص إلا في بكيا الخزاز ~~عن هبيرة عتيا الأولى بالكسر والثاني بالضم. وقد خلقناك حمزة وعلي. # الآخرون خلقتك على التوحيد لي آية بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ~~وابن شنبوذ عن أهل مكة. ### | الوقوف: # كهيعص ه كوفي زكريا ه ح لجواز تعلق «إذ» ب ذكر رحمت ربك ولاحتمال انتصابه ~~بأذكر محذوفا. خفيا ه شقيا ه وليا لا آل يعقوب ق والوجه الوصل لعطف ~~الجملتين المتفقتين يحيى لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي. ~~سميا ه عتيا ه كذلك ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك شيئا ه آية ط سويا ه ~~وعشيا ه بقوة ط صبيا ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحنانا منا عليه وزكاة ط ~~تقيا ه عصيا # ه حيا # ه. ### | التفسير: # حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة ~~الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ~~ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائيا، ولا ريب أن التفخيم ~~أصل والإمالة فرع عليه. # فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معا فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعا ~~فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين. وقد روى صاحب الكشاف ~~عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه ~~بالضم على أصلها. والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص ~~بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله كهيعص ثناء من الله تعالى على ~~نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد ~~صادق. وعنه أيضا أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم ~~مرة وعلى الحكيم أخرى. وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير ms3061 ~~لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام. وارتفع ذكر رحمت على ~~الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك وانتصب عبده على أنه مفعول ~~لذكر وزكريا عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول. وعن ~~الكلبي أنه قرأ ذكر بلفظ الماضي مشددا تارة ورحمت وعبده منصوبان على ~~المفعولية، والفاعل ضمير المتلو. ومخففا أخرى وعبده مرفوع على الفاعلية. ~~وقرىء ذكر على الأمر وهي قراءة ابن معمر. وقيل: يحتمل على هذا أن تكون ~~الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى ~~به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا. وفي خفاء ندائه # PageV04P467 # وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن ~~بأنه نداء لا رياء فيه. ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير ~~وقته. ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم. ومنها أنه خفت صوته لضعفه ~~وهرمه كما جاء في صفة الشيخ «صوته خفات وسمعه تارات» ولعله أتى بأقصى ما ~~يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفيا لنهاية كبره. ثم شرع في حكاية ندائه ~~قائلا: قال رب إني وهن العظم مني إلى قوله: # واجعله رب رضيا قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ~~ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال ~~إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة ~~الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن ~~وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل ~~أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني ~~وهنت العظام من بدني لأنك إذا قلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاما واهنة ~~عندك، فإذا قلت: «من بدني» فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص ms3062 ~~العظام، ثم لطلب شمول العظام فردا فردا قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم ~~إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل إني وهن العظم ~~مني فحصل أني وهنت العظام مني. وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب ~~الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ ~~والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى. وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة ~~فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي. وبيان الاستعارة فيه أنه ~~شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوه فيه ~~وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن ~~حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب رأسي. ويمكن تقرير الاستعارة ~~بوجه آخر وهو أن يكون استعمل اشتعل بدل «انتشر» فتكون الاستعارة تبعية ~~تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي «اشتعل ~~رأسي شيبا» . وكونها أبلغ من وجهات منها: # إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: ~~«اشتعل بيتي نارا» مكان «اشتعل النار في بيتي» . ومنها الإجمال والتفصيل ~~الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير شيبا للتعظيم كما هو حق التمييز. ثم ~~عدل إلى مرتبة أخرى هي «اشتعل الرأس مني شيبا» لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ~~ثم البيان على نحو وهن العظم مني ثم ترك لفظ «مني» لسبق ذكره في القرينة ~~الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ. وكم بين الحوالتين ~~مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال «رب» بحذف حرف # PageV04P468 # النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره. وإنما أطنب في هذا المقام ~~لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني. # ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلا ولم أكن ~~بدعائك رب شقيا كما حكى أن محتاجا قال لكريم: أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا ~~فقال: مرحبا بمن توسل إلينا وقضى حاجته. تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ~~ظفر بها، ms3063 وشقي بها إذا خاب ولم ينلها. ومعنى بدعائك أي بدعائي إياك. واعلم ~~أن زكريا عليه السلام قدم على السؤال أمورا ثلاثة: الأول كونه ضعيفا، ~~والثاني أنه تعالى لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سببا للمنفعة ~~في الدين وذلك قوله وإني خفت الموالي قال ابن عباس والحسن: أي الورثة. وعن ~~مجاهد العصبة. وعن أبي صالح: # الكلالة. وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب. وعن أبي مسلم: ~~المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو هاهنا من تقدم في ~~ميراثه كالولد. # والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في ~~المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان ~~إلى صاحب الشرع أقرب كان متعينا للحبورة. وقوله: من ورائي أي بعد موتي لا ~~يتعلق ب خفت لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون ~~من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، ~~فإن زكريا انضم له مع النبوة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما. وسبب ~~الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم. وإنما ~~قال: خفت بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى ~~بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في ~~الحال. وقرىء خفت الموالي بتشديد الفاء. وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي ~~أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو ~~معناه قدامي والظرف متعلق ب خفت أي درجوا ولم يبق من يعتضد به. ثم صرح ~~بالمسألة قائلا: فهب لي وأكده بقوله: من لدنك أي وليا صادرا من عندك مضافا ~~إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة. من قرأ يرثني ويرث ~~بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله ~~قالوا: إنه صفة. # وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟ ~~فقال مجيبا: يرثني أي لأنه ms3064 يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك ~~يحيى قبل زكريا. # واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي صلى ~~الله عليه وسلم # PageV04P469 # أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة. وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد ~~لا يوجب الكذب. وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا «هب لي وليا ~~موصوفا بالوراثة» أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي وليا أخبر عنه بأنه ~~يرثني. وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب. والحق في الجواب هو ما ~~سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا ~~الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله تعالى عنه كان المصروف ~~إليه هو بالحقيقة مطلوبه. ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن ~~قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود ~~يحيى وبقي ذلك الكتاب أو الشرع معمولا به بعد زكريا أيضا إلى حين. وقد روى ~~صاحب الكشاف هاهنا قراءات شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي ~~وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان. # فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول «جاءني فلان فجاءني رجل» ~~لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام ~~عنه. وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف ~~المنافية للرجولية. وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها. # واختلف المفسرون في أنه طلب ولدا يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولدا كان أو ~~غيره؟ والأول أظهر لقوله في آل عمران رب هب لي من لدنك ذرية طيبة [آل ~~عمران: # 38] ولقوله في سورة الأنبياء رب لا تذرني فردا [الأنبياء: 89] حجة ~~المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال أنى يكون لي غلام ولو كان دعاؤه ~~لأجل الولد ما استعظم ذلك. والجواب ما مر ms3065 في آل عمران. واختلفوا أيضا في ~~الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال. وعنهم أيضا أن ~~المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة أو بالعكس. وفي رواية أبي صالح ~~أن المراد في الموضعين النبوة. فلفظ الإرث مستعمل في المال وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم [الأحزاب: 17] وفي العلم وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ~~[غافر: 53] # «العلماء ورثة الأنبياء» # وحجة الأولين ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله زكريا وما عليه من يرثه» # فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال. وكذا # قوله صلى الله عليه وسلم «أنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» # «1» ، وأيضا العلم والنبوة كيف PageV04P470 # يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوة لم يحتج إلى قوله: واجعله رب ~~رضيا لأن النبي لا يكون إلا مرضيا. وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال ~~الابن أنه يصير نبيا بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه. والمراد يكون ~~رضيا أن لا يوجد منه معصية ولا هم بها كما جاء في حق يحيى، وقد مر الحديث ~~هناك. ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلا على غيره من الأنبياء كلهم فلعل ~~لبعضهم فضائل أخر تختص به. احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، ~~وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضيا عنده، ~~وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله ~~فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث. واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب ~~المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد ~~سليمان بن داود من ولد يهودا بن يعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي ~~موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوة في سبط وهو ~~إسرائيل عليه السلام. وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو ~~عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل. وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا ~~رؤوس بني إسرائيل وملوكها. # قوله: يا زكريا ms3066 الأكثرون على أنه نداء من الله تعالى لقرينة التخاطب من ~~قوله: # رب إني وهن العظم مني إلى قوله: رب أنى يكون لي غلام ومنهم من قال: هو ~~نداء الملك لقوله في آل عمران فنادته الملائكة [الآية: 49] وجوز بعضهم ~~الأمرين. # واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله. وقيل: أراد ~~أنه لا نظير له كقوله هل تعلم له سميا [مريم: 65] وذلك أنه سيدا وحصورا ولم ~~يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: واجعله رب رضيا وأيضا سمي بيحيى قبل ~~دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص. ~~قال بعض العلماء: # القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه ~~لضرورة كما في قوله: فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا [مريم: 65] ~~لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سمي له لا يقتضي عبادته فنقول: السمي هناك ~~يراد به المثل والنظير. ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من ~~التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضا. قال جار الله: # إنما قيل للمثل سمي لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه ~~والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي. قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم ~~وإرادة الملزوم. # ولم سمي بيحيى؟ تكلفوا له وجوها. فعن ابن عباس لأنه تعالى أحيا عقر أمه. ~~وعن قتادة لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان والطاعة أومن كان ميتا فأحييناه ~~[الأنعام: 122] إذا # PageV04P471 # دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] . ولهذا كان من أول من آمن بعيسى. وقيل: ~~لأنه استشهد والشهداء أحياء. وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل ~~الدين. قوله: # وقد بلغت من الكبر قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية ~~ف «من» للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما ~~يسمى عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام. يقال: عتا العود عتيا ~~إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس. # سؤال: إنه قال في آل عمران وقد بلغني ms3067 الكبر وامرأتي عاقر [آل عمران: 40] ~~فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟ وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب. قلت: إن ~~ذلك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وهاهنا راعى الفاصلة. قال الأمر كذلك ~~تصديقا له. ثم ابتدأ قائلا قال ربك فمحل كذلك رفع، ويحتمل أن يكون نصبا قال ~~وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: هو أي خلق الغلام علي هين ويحتمل أن يكون ~~إشارة إلى قول زكريا أنى يكون لي غلام أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني ~~وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟ فأجيب بقوله: كذلك أي نهب الولد ~~لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما. ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو ~~فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ولم تك شيئا لأن ~~المعدوم ليس بشيء أو شيئا يعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، ~~فيه نفي استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون ~~من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ~~قال رب اجعل لي آية قد مر تفسير الآية في أول عمران. قوله: سويا قيل: إنه ~~صفة لليالي أي تامة كاملة. والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم ~~الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عي فخرج على قومه من المحراب قيل: كان له ~~موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه. وقيل: كان موضعا يصلي ~~فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه. فأوحى إليهم عن ~~مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران إلا رمزا وعن ابن عباس: كتب لهم ~~على الأرض. وأن هي المفسرة وسبحوا أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان ~~الله. عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشي صلاة العصر، فلعلهم ~~كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم ~~بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو ~~الكتابة. وهاهنا ms3068 إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا ~~له: يا يحيى خذ الكتاب أي التوراة لأنها # PageV04P472 # المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتابا مختصا به وإن كنا لا نعرفه الآن ~~كقول عيسى إني عبد الله آتاني الكتاب [مريم: 30] والمراد بالأخذ إما الأخذ ~~من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك ~~بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهي عنه. ~~ثم أكده بقوله: بقوة أي بجد وعزيمة. وآتيناه الحكم أي الحكمة. عن ابن عباس: ~~هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي ~~قال: ما للعب خلقت. وعن معمر: # العقل. وقيل: النبوة. وكل هذه الأوصاف على الأقوال من الخوارق كما في حق ~~عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة. والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل ~~في الرحمة وهو المراد هاهنا. وما قيل إنه يحتمل أن يراد حنانا منا على ~~زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو. وقيل: أراد آتيناه الحكم ~~والحنان على عبادنا كقوله في نبينا فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: ~~159] وأراد بقوله: وزكاة أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب ~~عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله [النور: 2] ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة من ~~لدنا وعن عطاء: أن معنى حنانا تعظيما من لدنا. وعن ابن عباس وقتادة والضحاك ~~وابن جريج: أن معنى زكاة عملا صالحا زكيا. وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه ~~كما يزكى الشهود. وقيل: بركة كقول عيسى جعلني مباركا وقيل: صدقة أي ينعطف ~~على الناس ويتصدق عليهم. # ثم أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن جملة أحواله بقوله: وكان تقيا بحيث ~~لم يعص الله ولا هم بمعصية قط وبرا بوالديه # لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ولم يكن جبارا عصيا # وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، ms3069 فذكر ~~أنه مع غاية زهده كان موصوفا بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق. قال ~~سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: أتريد أن تقتلني كما قتلت ~~نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض [القصص: 19] ثم إنه سبحانه ~~سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ~~ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان ~~كلام الله، وقيل: إنما قال: # حيا # مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيها على كونه من الشهداء وهم ~~أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ويوم أبعث حيا [مريم: 33] وذلك ~~أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول. والظاهر أنه أراد ويوم يجعل ~~حيا فوضع الأخص # PageV04P473 # موضع الأعم تأكيدا. قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلا من ~~الله تعالى لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا ~~لأجل الثواب. قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه ~~عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في ~~بطني يسجد لما في بطنك. ### | التأويل: # إن زكريا الروح نادى ربه نداء خفيا من سر السر قال رب إني وهن مني عظم ~~الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب وكانت ~~امرأتي يعني الجثة التي هي روح الروح عاقرا لا تلد إلا بموهبة من الله فهب ~~لي من لدنك سأل وليا فأعطاه الله نبيا وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن ~~العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه يرثني ويرث من آل يعقوب أي ~~يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية واجعله رب رضيا بأن توطنه من تجلي ~~صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: 5] اسمه يحيى ~~إن الله أحياه بنوره ولم نجعل له من قبل سميا لا من الحيوانات ولا من ~~الملائكة لأنه هو الذي يقبل ms3070 فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة ~~كما # قال: «ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن» # وقد بلغت من الكبر أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب عتيا يبسا وجفافا ~~من غلبات صفات النفس آيتك ألا تكلم الناس لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ~~ما سواه ثلاث ليال هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات سويا ~~متمكنا في هذا الحال من غير تلون فخرج زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على ~~قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله ~~معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشي الأبد يا ~~يحيى القلب خذ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل بقوة ربانية لا بقوة ~~جسدانية لأنه خلق ضعيفا وآتيناه الحكم في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش ~~عليهم من نوره زكاة وتطهرا من الالتفات إلى غيرنا وبرا بوالديه # الروح والقالب. # أما بالروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أولا ~~ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، ~~وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا ~~أحد أسرار حمل الأمانة. وأما بر والدة القالب فهو استعمالها على وفق ~~الشريعة والطريقة ولم يكن جبارا عصيا # كالنفس الأمارة بالسوء وسلام عليه يوم يولد في أصل خلقه ويوم يموت # من استعمال المعاصي بالتوبة ويوم يبعث حيا # بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي. # PageV04P474 ### | [سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 40] # واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من ~~دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ~~(19) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) # قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا ~~مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يا ms3071 ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ~~ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك ~~رطبا جنيا (25) # فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن ~~صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت ~~شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) ~~فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله ~~آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) # وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا ~~بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله ~~أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) # وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ~~لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم ~~في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ~~(40) ### | القراآت: # إني أعوذ # بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ليهب لك على الغيبة: ~~أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف. # الآخرون لأهب # على التكلم نسيا بفتح النون: حمزة وحفص. والباقون بكسرها. # من تحتها بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع ~~وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحهما على أن ~~«من» موصولة والظرف صلتها تساقط بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن ~~هبيرة. # تساقط من المفاعلة: حفص غير الخزاز يساقط بياء الغيبة، على أن الضمير ~~للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن ~~بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة آتاني الكتاب ممالة مفتوحة الياء: علي. ~~وقرأ حمزة ms3072 مرسلة الياء # PageV04P475 # مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. وأوصاني بالإمالة: علي قول الحق بالنصب: # ابن عامر وعاصم ويعقوب. وإن الله بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ~~عامر وروح والمعدل عن زيد ### | الوقوف: # مريم # لا ليصير «إذ» ظرفا لأذكر شرقيا # لا للعطف زكيا # ه بغيا ه كذلك ط لما مر هين ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما ~~يجيء منا ج لاختلاف الجملتين مقضيا ه قصيا ه النخلة ج لترتب الماضي من غير ~~عاطف والأولى أن يكون استئنافا منسيا ه سريا ه جنيا ه ز عينا ه ج للشرط مع ~~الفاء أحدا لا لأن ما بعده جواب الشرط إنسيا ه ج للعطف مع الآية تحمله ط ~~فريا ه بغيا ه ج إليه ج صبيا ه عبد الله ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ~~ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في «إن» عاملا فيكون حالا فلا يوقف أين ما كنت ~~ص لطول الكلام حيا ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله وبرا معطوف على قوله ~~مباركا. بوالدتي ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي شقيا، حيا ه، عيسى ~~ابن مريم ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالا، ~~وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلا من عيسى أو يكون التقدير هو قول ~~الحق يمترون ه، من ولد ه استعجالا للتنزيه سبحانه ط فيكون ه ط لمن قرأ وإن ~~بالكسر فاعبدوه ط مستقيم، ه من بينهم ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء عظيم ه ~~وأبصر لا لأن ما بعده ظرف للتعجب مبين ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن ~~الوقف على قوله قضي الأمر لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ~~ولو وصل لأوهم أن يكون حالا من القضاء وليس كذلك لا يؤمنون، ه يرجعون ه. ### | التفسير: # هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب ~~إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، ms3073 فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة ~~يحيى ترقيا من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى. وقوله «إذ» بدل الاشتمال ~~من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت ~~كوقوع قصتها العجيبة فيه. والانتباه «افتعال» من النبذ الطرح كأنها ألقت ~~نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي ~~دارها. قال ابن عباس: من هاهنا اتخذت النصارى المشرق قبلة فاتخذت من دونهم ~~حجابا # لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت ~~الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت ~~جاء جبريل عليه السلام، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة. # PageV04P476 # وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها. وقيل: ~~كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا ~~خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر ~~السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ~~فأرسلنا إليها روحنا # يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز ~~كما تقول لمن تحبه إنه روحي فتمثل لها # حال كونه بشرا سويا # تام الخلق أو حسن الصورة. وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ~~ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلا تارة بالهيكل العظيم وأخرى ~~بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له ~~أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكنا من ~~التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم ~~العادية المستندة إلى الإحساس. فلا يلزم الشك في أن زيدا الذي نشاهده الآن ~~هو الذي شاهدناه بالأمس. قوله: # إن كنت تقيا # أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك. ~~وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظنت أن ~~ذلك المتمثل هو ذلك الشخص ms3074 فاستعاذت بالله. وقيل: «إن» نافية أي ما كنت تقيا ~~حين استحللت النظر إلي وخلوت بي. وحين علم جبريل خوفها قال إنما أنا رسول ~~ربك # أرسلني لأهب لك # أو ليهب لك غلاما زكيا # طاهرا من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة. وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟ ~~احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصا لعيسى أو إلهاما من ~~الله سبحانه. وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى ~~صح قول جبرائيل لأهب لك # ؟ قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها ~~وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها. ~~ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سببا في الهبة بالنفخ في الدرع. # قالت استغرابا من حيث العادة لا تشكيكا في قدرة الله أنى يكون لي غلام ~~ولم تقل هاهنا «رب» إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل ~~عمران ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا هي الفاجرة التي تبغي الرجال. عن المبرد ~~أن أصله يغوى على «فعول» قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين ~~للمناسبة. عن ابن جنى أنه «فعيل» وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعد ما ~~عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء. ولما جرى في ~~أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر # PageV04P477 # حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل ~~عمران فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن ~~الله يبشرك [آل عمران: 45] فلم تحتج إلى هذه الزيادة. وقال جار الله: المس ~~عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: من قبل أن تمسوهن [البقرة: ~~237] أو لمستم النساء [النساء: 43] وإنما يقال في الزنا «فجر بها» و «خبث ~~بها» ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب. قلت لو سلم هذا من حيث اللغة ~~إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ولم أك بغيا في هذا المقام من فائدة ms3075 وقد عرفت ~~ما سنح لنا والله أعلم. قال كذلك قال ربك هو علي هين تفسيره كما مر في قصة ~~زكريا ولنجعله أي ولنجعل الغلام أو خلقه آية للناس يستدل بها على كمال ~~اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفا على تعليل ~~مضمر يتعلق بما يدل عليه هين أي تخلقه لنبين به قدرتنا ولنجعله آية وقد مر ~~مثل هذا في قوله: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه [يوسف: 21] ورحمة منا ~~على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين وكان أمرا ~~مقضيا مقدرا في اللوح أو أمرا حقيقا بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا ~~مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله. وهاهنا إضمار قال ابن عباس: ~~فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها ~~فحملت. وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج. وقيل: في فمها. وقيل: إن النافخ هو ~~الله كقوله ونفخت فيه من روحي [ص: 72] وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل ~~كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ لأهب لك # قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة. وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل ~~أن تحمل. وكم مدة حملها؟ عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر ~~النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله تعالى ~~في أثناء مدائحها. وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى. قال ~~أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة ~~حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه. وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة ~~أشهر. وقيل: ستة أشهر. وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة ~~حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته ~~لقوله تعالى: إن مثل عيسى عند الله إلى قوله: كن فيكون [آل عمران: 59] ~~ولفاآت التعقيب في قوله: فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض وعلى ~~هذا فالمكان القصي هو ms3076 أقصى الدار أو وراء الجبل بعيدا من أهلها. ومعنى ~~انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها. وقصى مبالغة قاص. # PageV04P478 # وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ~~ابن عمها وكانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر ~~عبادة وصلاحا منهما. فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن ~~أكتمه عنك. # فقالت: قل قولا جميلا. فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟ قالت: ~~نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر! أو تقول: إن ~~الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله تعالى خلق ~~آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى! فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن ~~الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة ~~المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل. فحين دنا نفاسها أوحى ~~الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض ~~مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة. # قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى ~~الإلجاء. لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ~~ونظيره «آتى» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل «أتيت المكان وآتانيه ~~فلان» . قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم والمخاض بفتح الميم وجع ~~الولادة. قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضا مثل سمع سماعا. قيل: طلبت ~~الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة. يروى أنه كان جذعا لنخلة يابسة ~~في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما ~~كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهورا هناك، وإما للجنس أي جذع هذه ~~الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها ~~الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء ms3077 صبرا على البرد ولا تثمر إلا باللقاح ~~فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلا على ~~حصول الولد من غير ذكر. # قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ~~ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح. وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: ~~انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها. تمنت لو كانت شيئا يعبأ ~~به فحقه أن ينسى في العادة. # ومعنى منسيا أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وإنما تمنت ~~ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوها وهي عارفة ببراءة ~~ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها. ومن قرأ ~~نسيا بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر. ويجوز أن يكون تسمية ~~بالمصدر كالحمل. وقرىء نسأ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله ~~لقلته ونزارته فناداها من تحتها # PageV04P479 # الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد ~~كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو ~~كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني. وعن الحسن وسعيد بن ~~جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق ~~بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلا تحتها ~~هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم. # وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة. قوله: سريا جمهور المفسرين ~~على # أن السري هو الجدول. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه # وسلم سمي بذلك لأن الماء يسري فيه. وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في ~~مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم. وجمع السري سراة وجمع ~~سراة سروات. عن الحسن: كان والله عبدا سريا حجة هذا القائل أن النهر لا ~~يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري ms3078 ~~بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: وهذه الأنهار تجري من تحتي [الزخرف: 51] ~~لأنه خلاف الظاهر. وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من ~~كان أقرب منه كان فوق، وكل من كان أبعد منه كان تحت. وأراد أن النهر تحت ~~الأكمة وهي فوقها. وأيضا حمل السري على النهر موافق قوله: وآويناهما إلى ~~ربوة ذات قرار ومعين [المؤمنون: 50] وقوله: فكلي واشربي يروى أن جبريل ضرب ~~برجله فظهر ماء عذب. وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله قد جعل ~~ربك مشعر بالأحداث في ذلك الوقت. قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل ~~وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، ~~والباء في قوله: بجذع النخلة كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى ~~حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به. ورطبا تمييز ومفعول تساقط على حسب ~~القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه ب هزي أي هزي ~~إليك رطبا جنيا بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طريا. والظاهر ~~أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلا. وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع ~~الرطب غيره. قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر ~~للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في ~~السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن ~~احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال ~~من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصا لعيسى أو ~~كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: وقري عينا لأن قرة العين تلزم قوة ~~القلب والتسلي من الهموم والأحزان. # PageV04P480 # وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم ~~القلب؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلا لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر ~~كافيا فإما ترين أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب ~~للجزم ms3079 ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ~~وإما يبلغن عندك الكبر [الإسراء: 23] إذا لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن ~~الشرط مما سيقع غالبا فإن مريم لا بد أن ترى أحد من البشر عادة. عن أنس بن ~~مالك: الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن ~~طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل: # أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال: لعل مثل ~~هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله ~~تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في ~~الإسلام. وفي الكشاف: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت. وروي ~~أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن ~~الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى ~~أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن ~~السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافها. وكيف ~~أخبرتهم بالنذر؟ قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل: خص هذا الكلام ~~بالقرينة العقلية. وقوله: إنسيا أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني ~~أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: فإما ترين من البشر. فأتت به أي ~~بعيسى قومها تحمله الجملة حال. عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت ~~من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته ~~فأقبلت به إلى قومها. # وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين ~~يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا ~~أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه. فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ~~لقد جئت شيئا فريا بديعا من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييرا أو ذما ~~لأن أمرها ms3080 كان خارجا عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق ~~العفة والصلاح فيكون توبيخا ويؤكده قولهم: # يا أخت هارون الآية. # واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بني إسرائيل وهذا ~~أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره. وقيل: # يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما ~~السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة # PageV04P481 # الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر. # وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا ~~همدان أي يا واحدا منهم. وقيل: أرادوا رجلا صالحا في زمانها أي كنت عندنا ~~مثله في الصلاح. ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمى هارون تبركا ~~به وباسمه. وقيل: كان رجلا طالحا معلنا بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته. ~~ويروى أنهم هموا برجمها فأشارت إليه أي أن عيسى هو الذي يحكم. وبم عرفت ~~ذلك؟ إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو يقول ~~جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى ~~زكريا. وعن السدي: لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من ~~زناهم ثم قالوا كيف نكلم من كان في المهد قال جار الله: «كان» لإيقاع مضمون ~~الجملة في زمان ماض مبهم يصلح للقريب والبعيد، وهاهنا للزمان القريب عن ~~الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم ~~الناس صبيا في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: «كان» زائدة نظرا إلى ~~أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة صبيا ~~حال مؤكدة. يروى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم ~~بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: إني عبد الله فكان فيه أولا رد ~~قول النصارى: # آتاني الكتاب هو الإنجيل والتوراة أي فهمها. وقيل: أكمل الله عقله ~~واستنبأه طفلا بل في بطن أمه. وقيل: أراد أنه ms3081 سبق في قضائه، أو جعل الآتي ~~لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق ~~العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة. فيكون ~~المعجز متقدما على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبيا في ذلك الوقت وجب أن ~~يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل. والجواب أن بعض ~~معجزات النبي لا بد أن يكون مقرونا بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى ~~لا بد أن يكون مقرونا بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه ~~لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي ~~لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض ~~التكاليف بقوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة كما يجيء. وعن بعضهم أنه كان نبيا ~~لقوله: # وجعلني نبيا ولكنه ما كان رسولا لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى ~~كونه نبيا أنه رفيع القدر علي الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ~~ذلك. # ومعنى قوله: مباركا أين ما كنت نفاعا حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وقيل معلما للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في ~~منصبه كما قيل: # PageV04P482 # علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر # وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا [الفرقان: # 31] # يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم: أدفعه إليك على أن لا ~~تضربه. فقال له: اكتب. فقال له: أي شيء أكتب؟ فقال: اكتب «أبجد» فقال: لا ~~أكتب شيئا لا أدري. ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك. الألف من آلاء ~~الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى ~~الله. # وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتا في دين الله ~~مستقرا فيه. وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في ms3082 جميع ~~الأشياء غالبا منجحا إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء. عن قتادة أنه ~~رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك ~~وثدي أرضعت به. فقال عيسى عليه السلام مجيبا لها: طوبى لمن تلا كتاب الله ~~واتبع ما فيه ولم يك جبارا شقيا. # وأوصاني بالصلاة والزكاة أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت ~~البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب ~~بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ما دمت حيا وقيل: الزكاة هاهنا ~~صدقة الفطر. وقيل: تطهير البدن البدن من دنس الآثام. وقيل: أوصاني بأن ~~آمركم بهما. وفي قوله: وبرا بوالدتي دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا ~~وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأمورا بالبر بها. قال بعض العلماء: لا تجد ~~العاق إلا جبارا شقيا وتلا قوله: وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ولا ~~تجد سيىء الملكة إلا مختالا فخورا. وقرأ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب ~~من كان مختالا فخورا [النساء: 36] وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه ~~المعصية كما نفى عن يحيى لما # جاء في الخبر «ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا» # ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر. # قوله: والسلام علي قالت العلماء: إنما عرف السلام هاهنا بعد تنكيره في ~~قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره. ~~وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير. # قليل منك يكفيني ... قليلك لا يقال له قليل # وإني لأرضى منك يا هند بالذي ... لو أبصره الواشي لفرت بلابله # بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله # PageV04P483 # والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله. عن بعضهم أن عيسى ~~عليه السلام قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي. وأجاب ~~الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه. وقال جار الله: ms3083 في هذا ~~التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن ~~جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى والسلام على من ~~اتبع الهدى [طه: 47] يعني أن العذاب على من كذب وتولى. يروى أنه كلمهم بهذه ~~الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان. وعن اليهود والنصارى ~~أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي ~~على نقلها، فلو وجدت لا شتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه. ~~وأيضا إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ~~ودفعه في طفوليته. وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم ~~على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري ~~كلامه قليلون فلذلك لم يبلغ مبلغ التواتر، ولعل اليهود لم يحضروا هناك ~~فلذلك لم يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم. ذلك الموصوف بالصفات المذكورة من ~~قوله: إني عبد الله إلى آخره هو عيسى ابن مريم وفي كونه ابن لهذه المرأة ~~نفى كونه ابنا على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: قول الحق فإن كان ~~الحق هو اسم الله فهو كقوله: «كلمة الله» وانتصابه على المدح، وإن كان ~~بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة ~~كقولك «هو عبد الله الحق» وقول الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حق ~~اليقين [الواقعة: 95] قد مر آنفا. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، ~~أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى تمترون تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون ~~من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله ~~وثالث ثلاثة. # ثم صرح ببطلان معتقدهم فقال: ما كان لله ما صح له وما استقام أن يتخذ من ~~ولد كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة. ~~والذي نزيده هاهنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان ms3084 الله أن يقول لأحد إنه ~~ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته تعالى. وزعم الجبائي بناء ~~على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ما كان لله أن يتخذ ~~من ولد كقولنا «ما كان لله أن يظلم» فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال ~~إلهيته. وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا ~~يتصور في حقه. فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئا آخر # PageV04P484 # فما الدليل على استحالته؟! احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله ~~لأن قوله: # كن إن كان قديما فهو المطلوب، وإن كان محدثا احتاج في حدوثه إلى قوله آخر ~~وتسلسل. واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: إذا قضى ~~للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث. # وأيضا الفاء في فيكون للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على ~~المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث ~~الحروف وإنما النزاع في كلام النفس. وأيضا قوله: كن عبارة عن نفاذ قدرته ~~ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل ~~الحاصل. ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: كن هو صفة التكوين فإنها ~~زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل ~~هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكوينا. ومن قرأ وإن الله بالفتح ~~فمعناه ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن ~~لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع ~~الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو. وهاهنا نكتة هي أن الله ~~تعالى لا يصح أن يقول: إن الله ربي وربكم فاعبدوه فالتقدير قل: يا محمد بعد ~~إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله إن الله ربي وربكم قال أبو ~~مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض. وعن وهب بن ms3085 ~~منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله تعالى فاختلف ~~الأحزاب من بينهم أي من بين أهل الكتاب. قال الكلبي: هم اليهود والنصارى. ~~وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ~~ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟ فقال: هو الله هبط إلى الأرض ~~فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية. وسئل ~~الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: ~~كذبوا وإنما كان عبدا مخلوقا نبيا يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن ~~المسلم. وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله ~~والثلاثة أقانيم والروح واحد. واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ~~ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه ~~من زل والله سبحانه أعلى من جميع ذلك وأجل فويل للذين كفروا من مشهد يوم ~~عظيم أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو ~~من مكان شهودهم فيه وهو الموقف. ويحتمل أن يكون المشهد من الشهادة أي من ~~يشهد عليهم # PageV04P485 # الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة ~~أو وقتها. وقيل: # هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته. ومعنى «من» التعليل أي ~~الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال هاهنا فويل ~~للذين كفروا وفي جم الزخرف فويل للذين ظلموا [الآية: 65] لأن الكفر أبلغ من ~~الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى ~~قال: ما كان لله أن يتخذ من ولد فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة ~~فوصفهم بلفظ دونه وهو الظلم. # قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم ~~أولا ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق أسمع بهم وأبصر صيغتان للتعجب ~~والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب ms3086 منهما في ذلك اليوم بعد ما ~~كانوا صما وعميا في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر. والتعجب ~~استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من ~~غير خفاء السبب أو من غير سبب. # قال سفيان: قرأت عند شريح بل عجبت ويسخرون [الصافات: 12] فقال: إن الله ~~لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن ~~شريحا شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه. والمعنى أنه صدر من الله ~~فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم. وقيل: معنى الآية ~~التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم. وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي ~~عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم. ~~وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم ~~والوجه هو الأول يؤيده قوله: لكن الظالمون أي لكنهم فوضع المظهر موضع ~~المضمر. اليوم وهو يوم التكليف في ضلال مبين حيث أغفلوا النظر والاستماع ~~وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو يوم الحسرة لتحسر أهل ~~النار فيه. وقيل: أهل الجنة أيضا إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح ~~لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور. وإذ بدل من يوم الحسرة ~~أو منصوص بالحسرة. ومعنى قضي الأمر فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى ~~الجنة والنار. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه فقال: «يؤتى بالموت فيذبح كما ~~يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرح وأهل النار غما ~~إلى غم» «1» # قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيوانا فالمراد أنه لا ~~PageV04P486 # موت بعد ذلك. عن الحسن وهم في غفلة متعلق بقوله: في ضلال مبين وقوله: # وأنذرهم اعتراض. ويحتمل أن يتعلق ب أنذرهم أي أنذرهم على هذه الحال ~~غافلين غير مؤمنين. ويحتمل أن يكون «إذ» ظرفا ل أنذرهم أي أنذرهم حين قضي ~~الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب. ثم أخبر عنهم أنهم ms3087 في غفلة ~~وهم لا يؤمنون ثم قرر بقوله: إنا نحن نرث أن أمور الدنيا كلها تزول وأن ~~الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف ~~والإنذار ما فيه. ### | التأويل: # واذكر في الكتاب # الأزلي مريم # القلب إذ انتبذت من أهلها # تفردت من أهل الدنيا متوجها إلى جانب شروق النور الإلهي فاتخذت من دونهم # حجاب الخلوة والعزلة فأرسلنا إليها روحنا # وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا [الشورى: 521] فتمثل لها بشرا سويا # كما تمثل روح التوحيد بحروف «لا إله إلا الله» لانتفاع الخلق به. قالت ~~إني أعوذ بالرحمن منك # ظنا منها أنه يشغلها عن الله. قال إنما أنا رسول # الوارد الرباني لأهب لك غلاما زكيا # طاهرا عن لوث الظلمة الإنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. ولم يمسسني بشر ~~خاطر من عالم البشرية ولم أك بغيا أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى ~~عالم الروح المجرد فحملته بالقوة القريبة من الفعل فانتبذت به مكانا قصيا ~~لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة فأجاءها مخاض الطلب والتعب ~~إلى جذع النخلة وهي كلمة «لا إله إلا الله» التي كان أصلها ثابتا في أرض ~~نفسها قالت يا ليتني مت قبل هذا قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها ~~الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال علي عليه السلام يوم الجمل: يا ليتني ~~مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال: ليت بلالا لم تلده أمه. وقيل: إن ~~مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقا كثيرا بسبب تهمتها ~~وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن ~~اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسيا منسيا، ~~فإن الخمول راحة والشهرة آفة فناداها بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات ~~القوى ألا تحزني قد جعل ربك تحتك أي تحت تصرفك سريا هو الغلام الموعود أو ~~جدول الكشوف والعلوم الدينية وهزي إليك بجذع النخلة بالمداومة على الذكر ms3088 ~~تساقط عليك رطبا جنيا من المشاهدات والمكاشفات حالا فحالا فكلي واشربي من # PageV04P487 # خوان الأفضال وبحر النوال من مادته «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» ~~وقري عينا بأنوار الجمال في حجرة الوصال فإما ترين من السوانح البشرية أحدا ~~فقولي إني نذرت للرحمن صوما كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات ~~لغير الله. فأتت به قومها من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. يا أخت ~~هارون النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحا أو طالحا وما ~~كان أبوك وهو الروح المفارق امرأ سوء وما كانت أمك وهي القالب بغيا تستأنس ~~إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها فأشارت إليه فيه أن هذا القوم هم ~~أهل الإشارات في المهد مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ~~ليس ابنا لله ولا محلا له ولا نفسه. # فاختلف الأحزاب فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعا في جنته، وقوم ~~عبدوا الهوى وذلك قوله: فويل للذين كفروا أسمع بهم أي بأهل الله وأبصر يوم ~~يأتوننا فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون. ### | [سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 65] # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم ~~تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من ~~العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن ~~فتكون للشيطان وليا (45) # قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا ~~(46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ~~(49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) # واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن ms3089 وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ~~(53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) ~~وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) ~~أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ~~ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ~~فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون شيئا (60) # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا ~~يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة ~~التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين ~~أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض ~~وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا (65) PageV04P488 ### | القراءات: # ربي إنه بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو مخلصا بفتح اللام: # حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل. الباقون بكسرها. إبراهام وما بعده: ~~هشام والأخفش عن ابن ذكوان إذا ابتلي بالياء التحتانية وكذلك في سورة الحج: ~~قتيبة نورث بالتشديد: رويس. ### | الوقوف: # إبراهيم ط نبيا ه شيئا # ه سويا ه لا تعبد الشيطان ط عصيا ه وليا ه يا إبراهيم ط ج وقد يوصل ويوقف ~~على آلهتي. مليا ه سلام عليك ج للابتداء بسين الاستقبال مع أن القائل واحد ~~لك ربي ط حفيا ه وأدعوا ربي ز لانقطاع النظم والوصل أولى لأن عسى لطمع ~~الإجابة بالدعاء شقيا ه من دون الله لا لأن ما بعده جواب لما ويعقوب ط نبيا ~~ه نبيا ه عليا ه موسى ز للابتداء بأن مع أن المراد بالذكر إخلاص موسى نبيا ~~ه نجيا ه نبيا ه إسماعيل ز لما مر نبيا ه ج للأية مع العطف والزكاة ط مرضيا ~~ه إدريس ز ms3090 نبيا ه عليا ه مع نوح ز على تقدير ومن ذريته إبراهيم وما بعده ~~قوم إذا تتلى عليهم، وكذا وجه من وقف على ذرية آدم أو على إسرائيل والأصح ~~أن الكل عطف على ذرية آدم والوقف على قوله: واجتبينا لئلا يحتاج إلى الحذف ~~وليرجع ثناء السجود والبكاء إلى الكل وبكيا ه غيا ه شيئا ه لا بناء على أن ~~جنات بدل من الجنة ه بالغيب ط مأتيا ه سلاما ه وعشيا ه تقيا ه بأمر ربك ج ~~لاختلاف الجملتين ذلك ج لأن قوله: وما كان معطوف على نتنزل مع وقوع العارض ~~نسيا ج ه، لأن ما بعده بدل أو خبر مبتدأ محذوف لعبادته ط سميا ه. ### | التفسير: # إن الذين أثبتوا معبودا سوى الله منهم من أثبت معبودا حيا عاقلا ~~كالنصارى، ومنهم من عبد معبودا جمادا كعبدة الأوثان، وكلا الفريقين ضال إلا ~~أن الفريق الثاني أضل. وحين بين ضلال الفريق الأول شرع في بيان ضلال الفريق ~~الثاني تدرجا من الأسهل إلى الأصعب. وإنما بدأ بقصة إبراهيم عليه السلام ~~لأنه كان أبا العرب وكانوا مقرين بعلو شأنه وكمال دينه فكأنه قال لهم: إن ~~كنتم مقلدين فقلدوه في ترك عبدة الأوثان # PageV04P489 # وعبادتها، وإن كنتم مستدلين فانظروا في الدلائل التي ذكرها على أبيه. ~~والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: واتل ~~عليهم نبأ إبراهيم [الشعراء: 69] وإلا فهو سبحانه هو الذي يذكره في تنزيله. ~~وقوله: إذ قال # بدل من إبراهيم وما بينهما اعتراض، ولمكان هذا الاعتراض صار الوقف على ~~إبراهيم مطلقا. وجوز في الكشاف أن يتعلق «إذ» ب كان أو ب صديقا نبيا أي كان ~~جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والصديق من ~~أبنية المبالغة فهي إما مبالغة صادق لأن ملاك أمر النبوة الصدق، وإما ~~مبالغة مصدق وذلك لكثرة تصديقه الحق وهذا أيضا بالحقيقة يعود إلى الأول، ~~لأن مصدق الحق لا يعتبر تصديقه. إلا إذا كان صادقا جدا في أقواله مصدقا ~~لجميع من تقدم من الأنبياء والكتب، ms3091 وكان نبيا في نفسه رفيع القدر عند الله ~~وعند الناس بحيث جعل واسطة بينه وبين عباده. # وقيل: إن «كان» بمعنى «صار» والأصح أنه بمعنى الثبوت والاستمرار أي إنه ~~لم يزل موصوفا بالصدق والنبوة في الأوقات الممكن له ذلك فيها. والتاء في يا ~~أبت # عوض من ياء الإضافة وقد مر في أول سورة يوسف. أورد على أبيه الدلائل ~~والنصائح وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلب أبيه ~~وامتثالا لأمر ربه على ما # رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوحى الله إلى ~~إبراهيم إنك خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مداخل الأبرار فإن كلمتي ~~سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي وأسكنه حظيرة القدس وأدنيه من جواري» . # فقوله: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر # منسي المفعول لا منويه فإن الغرض نفي الفعلين على الإطلاق دون التقييد. و ~~«ما» موصولة أو موصوفة أي الذي لا يسمع أو معبودا لا يسمع وشيئا # مفعول به من قوله: # «أغن عني وجهك» أي ادفعه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي شيئا من ~~الإغناء، وعلى هذا يجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين أي لا يسمع شيئا ~~من السماع إلى آخره. # وحاصل الدليل أن العبادة غاية الخضوع فلا يستحقها إلا أشرف الموجودات لا ~~أخسها وهو الجماد غاية عذرهم عن تلك هي أنها تماثيل أشياء يتصور نفعها أو ~~ضرها كالكواكب وغيرها فيقال لهم: أليس الكواكب وسائر الممكنات تنتهي في ~~الاحتياج إلى واجب الوجود؟ فإذا جعل شيء من هذه الأشياء معبودا فقد شورك ~~الممكن والواجب في نهاية التعظيم وهذا مما ينبو عنه الطبع السليم، ورفع ~~الوسائط من البين أدخل في الإخلاص وأقرب إلى الخلاص. وقوله: يا أبت إني قد ~~جاءني تنبيه ونصيحة وفيه أن هذا العلم تجدد له حصوله فيكون أقرب إلى ~~التصديق. وفي قوله: من العلم ما لم يأتك فائدة # PageV04P490 # هي أنه لم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ولكنه قال: إن ~~معي طائفة من العلم ليست ms3092 معك فلا تستنكف، وهب أنا في مفازة وعندي معرفة ~~بالدلالة دونك فاتبعني أهدك صراطا سويا مستويا مؤديا إلى المقصود وهو صلاح ~~المعاش والمعاد. استدل أرباب التعليم بالآية بأنه لا بد من الاتباع. وأجيب ~~بأنه لا يلزم من اتباع النبي اتباع غيره. # والإنصاف أن هذا الطريق أسهل. # ثم أكد المعنى المذكور بنصيحة أخرى زاجرة عما هو عليه فقال: يا أبت لا ~~تعبد الشيطان أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي طاعة الشيطان. ثم أسقط حصة ~~نفسه إذ لم يقل إن الشيطان عدو لبني آدم بل قدم حق ربه فقال: إن الشيطان ~~كان للرحمن عصيا حين ترك أمره بالسجود عنادا واستكبارا لا نسيانا وخطأ، ~~نبهه بهذه النصيحة على وجود الرحمن ثم على وجود الشيطان، وأن الرحمن مصدر ~~كل خير، والشيطان مظهر كل شر بدلالة الموضوع اللغوي، وهذا القدر كاف من ~~التنبيه لمن تأمل وأنصف. ثم بين الباعث على هذه النصيحة فقال: يا أبت إني ~~أخاف وفيه مع التخويف من سواء العاقبة أنواع من الأدب إذ ذكر الخوف والمس ~~ونكر العذاب. قال الفراء: معنى أخاف أعلم. # والأكثرون على أنه محمول على ظاهره لأن إبراهيم عليه السلام لم يكن جازما ~~بموت أبيه على الكفر وإلا لم يشتغل بنصحه. والخوف على الغير ظن وصول الضرر ~~إلى ذلك الغير مع تألم قلبه من ذلك كما يقال: أنا خائف على ولدي. وذكروا في ~~الولي وجوها منها: أنه إذا استوجب عذاب الله كان مع الشيطان في النار ~~والمعية سبب الولاية أو مسببها غالبا، وإطلاق أحدهما على الآخر مجاز. وليس ~~هناك ولاية حقيقة لقوله: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو [الزخرف: 67] إني ~~كفرت بما أشركتمون من قبل [إبراهيم: # 22] ومنها أن حمل العذاب على الخذلان ومنها أن الولي بمعنى التالي ~~والتابع قال جار الله: جعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أتباعه وأوليائه ~~أكبر من نفس العذاب، لأن ولاية الشيطان في مقابلة رضا الرحمن وقال عز من ~~قائل: ورضوان من الله أكبر [التوبة: 72] وإذا كان رضوان الله أكبر من نعيم ~~الجنة فولاية ms3093 الشيطان أعظم من عذاب النار. ثم إن الشيخ قابل ملاطفات ~~إبراهيم بالفظاظة والغلظة قائلا أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم فقدم الخبر ~~على المبتدأ إشعارا بأنه عنده أعنى. وفي هذا الاستفهام ضرب من التعجب ~~والإنكار لرغبته عن آلهته. وفي قوله: يا إبراهيم دون أن يقول: «يا بني» في ~~مقابلة يا أبت تهاون به كيف لا وقد صرح بالإهانة قائلا لئن لم تنته لأرجمنك ~~باللسان أي لأشتمنك أو باليد أي لأقتلنك وأصله الرمي بالرجام. ثم هاهنا ~~إضمار أي # PageV04P491 # فاحذرني واهجرني مليا أي زمانا طويلا من الملاوة، أو أراد مليا بالذهاب ~~والهجران مطيقا له قويا عليه قبل أن أثخنك بالضرب. # فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على التمرد والجهالة قال سلام عليك يعني ~~سلام توديع ومتاركة كقوله: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما [الفرقان: 63] ~~وفيه أن متاركة المنصوح إذا ظهر منه آثار اللجاج من سنن المرسلين، ويحتمل ~~أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له ورفقا به بدليل قوله: سأستغفر لك ~~ربي إنه كان بي حفيا بليغا في البر والإلطاف وقد مر في آخر «الأعراف» . ~~احتج بالآية بعض من طعن في عصمة الأنبياء قال: إنه استغفر لأبيه الكافر وهو ~~منهي عنه لقوله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة: ~~113] الآية. ولقوله في الممتحنة قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى ~~قوله: إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك [الممتحنة: 4] فلو لم يكن هذا ~~معصية لم يمنع من التأسي به. والجواب لعل إبراهيم عليه السلام في شرعه لم ~~يجد ما يدل على القطع بتعذيب الكافر أو لعل بهذا الفعل منه من باب ترك ~~الأولى، أو لعل الاستغفار بمعنى الاستبطاء كقوله: قل للذين آمنوا يغفروا ~~للذين لا يرجون أيام الله [الجاثية: 14] والمعنى سأسأل ربي أن يخزيك بكفرك ~~ما دمت حيا. والجواب في الحقيقة ما مر في آخر سورة التوبة في قوله عز من ~~قائل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه [التوبة: 114] ~~والمنع من التأسي لا يدل على المعصية، فلعل الاستغفار ms3094 مع ذلك الشرط كان من ~~خصائصه كما أن كثيرا من الأمور كانت مباحة للرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هي محرمة علينا. ثم صرح بما تضمنه السلام من التوديع والهجران فقال: ~~وأعتزلكم أي أهاجر إلى الشام وأعتزل ما تدعون أي ما تعبدون من دون الله وقد ~~يعبر بالدعاء عن العبادة لأنه منها ومن وسائطها، يدل على هذا التفسير قوله: ~~فلما اعتزلهم وما يعبدون أما قوله: وأدعوا ربي فيحتمل معنيين: # العبادة والدعاء كما يجيء في سورد الشعراء. وفي قوله: عسى ألا أكون بدعاء ~~ربي شقيا تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم وعبادتها مع التواضع وهضم النفس ~~المستفاد من لفظ عسى. # قال العلماء: ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم لما ترك أباه الكافر وقومه ~~فرارا بدينه عوضه الله أولادا مؤمنين أنبياء وذلك قوله: وهبنا له إسحاق ~~ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم شيئا من رحمتنا عن الحسن: هي النبوة. ~~وعن الكلبي: المال والولد. # والأظهر أنها عامة في ذلك كل خير ديني ودنيوي ولسان الصدق الثناء الحسن، ~~عبر # PageV04P492 # باللسان عما يوجد به كما عبر باليد عما يطلق بها وهو العطية وقد مر تحقيق ~~الإضافة في أول يونس في قوله: قدم صدق [يونس: 2] تبرأ إبراهيم من أبيه ~~ابتغاء مرضاة الله فسماه الله أبا بالمؤمنين ملة أبيكم إبراهيم [الحج: 78] ~~، وتل ولده للجبين ففداه الله بذبح عظيم، وأسلم نفسه لرب العالمين فجعل ~~النار عليه بردا وسلاما، وأشفق على هذه الأمة فقال وابعث فيهم رسولا، ~~فأشركه الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات الخمس، ~~ووفى في حق سارة كما قال تعالى: وإبراهيم الذي وفى [النجم: # 37] فجعل موطىء قدمه مباركا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة: 125] ~~وعادى كل الخلق في الله حين قال فإنهم عدو لي إلا رب العالمين [الشعراء: ~~77] فلا جرم اتخذه الله خليلا. ثم قفى قصة إبراهيم بقصة موسى عليه السلام ~~لأنه تلوه في الشرف. والمخلص بكسر اللام الذي أخلص العبادة عن الشرك ~~والرياء وأخلص وجهه لله، وبالفتح الذي أخلصه الله وكان رسولا ms3095 نبيا الرسول ~~الذي معه كتاب من الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن ~~معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت ~~عكس ذلك كقوله في طه برب هارون وموسى [طه: 7] الأيمن من اليمين أي من ناحية ~~اليمنى من موسى أو هو من اليمن صفة للطور أو للجانب وقربناه حال كونه نجيا ~~أي مناجيا شبه تكليمه إياه من غير واسطة ملك بتقريب بعض الملوك واحدا من ~~ندمائه للمناجاة والمسارة. وعن أبي العالية أن التقريب حسي، قربه حتى سمع ~~صريف القلم الذي كتبت به التوراة والأول أظهر، ومنه قولهم للعبادة «تقرب» ~~وللملائكة «أنهم مقربون» . ووهبنا له من رحمتنا أي من أجلها أي بعض رحمتنا ~~فيكون أخاه بدلا وهارون عطف بيان كقولك «رأيت رجلا أخاك زيدا» . ونبيا حال ~~من هارون. قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى فتنصرف الهبة إلى معاضدته ~~وموازرته. وذلك بدعاء موسى في قوله: واجعل لي وزيرا من أهلي [طه: 29] وخص ~~إسماعيل بن إبراهيم بصدق الوعد وإن كان الأنبياء كلهم صادقين فيما بينهم ~~وبين الله أو الناس، لأنه المشهور المتواصف من خصاله من ذلك: أنه وعد نفسه ~~الصبر على الذبح فوفى به. وعن ابن عباس أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان ~~فانتظره سنة. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه واعد رجلا ونسي ذلك الرجل فانتظره ~~من الضحى إلى قريب من غروب الشمس. # وسئل الشعبي عن الرجل يعد ميعاده إلى أي وقت ينتظره؟ فقال: إذا واعدته في ~~وقت الصلاة فانتظره إلى وقت صلاة أخرى. وكان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح ~~والعبادة ليجعلهم قدوة لغيرهم ولأن الابتداء بالإحسان الديني والدنيوي بمن ~~هو أقرب أولى قوا أنفسكم وأهليكم نارا [التحريم: 6] # «بدأ بمن تعول» # ويحسن # PageV04P493 # أن يقال: أهله أمته كلهم أقارب أو أباعد من حيث إنه يلزمه في جميعهم ما ~~يلزم المرء في أهله خاصة من قضاء حقوق النصيحة والشفقة ورعاية مصالحهم ~~الدينية والدنيوية. وعلى القولين يندرج في الصلاة الصلوات ms3096 المفروضة ~~والمندوبة كصلاة التهجد وغيرها، وأما الزكاة فالأقرب أنها الصدقة المفروضة. ~~وعن ابن عباس أنها طاعة الله والإخلاص لأن فاعلها يزكو بها عند الله. وأما ~~إدريس فالأصح أنه اسم عجمي بدليل منع الصرف كما مر مرارا في آدم ويعقوب ~~وغيرهما. وقيل: «افعيل» من الدرس لكثرة دراسته كتاب الله، ولعل معناه ~~بالأعجمية قريب من الدراسة فظنه القائل مشتقا منها. # وفي رفعته أقوال منها: أن المكان العلي شرف النبوة والزلفى عند الله، وقد ~~أنزل عليه ثلاثون صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، ~~وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، واسمه أخنوخ من أجداد نوح ~~لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأهل التنجيم بعضهم يسمونه هرمس ولهم ~~نوادر في استخراج طوالع المواليد ينسبونه إليه. وقيل: إن الله تعالى رفعه ~~إلى السماء وإلى الجنة وهو حي لم يمت. وقال آخرون: رفع إلى السماء وقبض ~~روحه. عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن قوله: ورفعناه مكانا عليا قال: جاء خليل ~~من الملائكة فسأله أن يكلم ملك الموت حتى يؤخر قبض روحه، فحمله ذلك الملك ~~بين جناحيه فصعد به، فلما كان في السماء الرابعة إذ بملك الموت يقول: بعثت ~~لأقبض روح إدريس في السماء الرابعة وأنا أقول: كيف ذلك وهو في الأرض؟ ~~فالتفت إدريس فرأى ملك الموت فقبض روحه هناك. # وعن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة. وعن الحسن: المراد أنه رفع إلى ~~الجنة ولا شيء أعلى منها. أولئك المذكورون من لدن زكريا إلى إدريس هم الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين «من» للبيان لأن جميع الأنبياء منعم عليهم من ~~ذرية آدم هي للتبعيض وكذا في قوله: وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل والمراد بمن هو من ذرية آدم إدريس لقربه منه، وبذرية من حمل مع ~~نوح إبراهيم عليه السلام لأنه من ولد سام بن نوح، وبذرية إبراهيم إسماعيل، ~~وبذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم لأن مريم من ذريته. ~~وممن هدينا يحتمل ms3097 العطف على من الأولى والثانية وفي هذا الترتيب تنبيه على ~~أن هؤلاء الأنبياء اجتمع لهم مع كمال الأحساب شرف الأنساب، وأن جميع ذلك ~~بواسطة هداية الله وبمزية اجتنائه واصطفائه. ثم إن جعلت الذين خبرا ل أولئك ~~كان إذا يتلى كلاما مستأنفا، وإن جعلته صفة له كان خبرا وقد عرفت في الوقوف ~~سائر الوجوه من قرأ يتلى بالتذكير لأن تأنيث الآيات غير # PageV04P494 # حقيقي والفاصل حاصل. والبكي جمع باك «فعول» كسجود في «ساجد» أبدلت الواو ~~ياء وأدغمت وكسر ما قبلها للمناسبة. ومن زعم أنه مصدر فقدسها لأنها قرينة ~~سجدا. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا ~~فتباكوا» «1» # أراد بالآيات التي فيها ذكر العذاب. وقال غيره: إطلاق الآيات والحديث ~~المذكور يدل على العموم لأن كل آية إذا فكر فيها المفكر صح أن يسجد عندها ~~ويبكي. قلت: لعل المراد بآيات الله ما خصهم الله تعالى به من الكتب ~~المنزلة، لأن القرآن حينئذ لم يكن منزلا واختلفوا في السجود. فقيل: هو ~~الخشوع والخضوع. وقيل: الصلاة. وقيل: سجدة التلاوة على حسب ما تعبدنا به. ~~ويحتمل أنهم عند الخوف كانوا يتعبدون بالسجود. قال الزجاج: # الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا فالمراد خروا متهيئين للسجود. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤا القرآن بحزن فإنه نزل بحزن» «2» ~~. # وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة «سبحان» فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن ~~لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وقالت العلماء: يدعو في سجدة التلاوة بما ~~يليق بها فإن قرأ آية تنزيل السجدة قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك ~~المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة ~~«سبحان» قال: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك. وإن قرأ ما في هذه ~~السورة قال: اجعلني من عبادك المنعم عليهم المهديين الساجدين لك الباكين ~~عند تلاوة آياتك. # ولما مدح هؤلاء الأنبياء ترغيبا لغيرهم من سيرتهم وصف أضدادهم لتنفير ~~الناس عن طريقتهم قائلا فخلف من بعدهم خلف وهو عقب السوء كما ms3098 مر في آخر ~~«الأعراف» فإضاعة الصلاة في مقابلة الخرور سجدا، واتباع الشهوات بإزاء ~~البكاء. عن ابن عباس: # هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة وشربوا الخمر واستحلوا نكاح الأخت من ~~الأب. وعن إبراهيم النخعي ومجاهد: أضاعوها بالتأخير. # وعن علي رضي الله عنه في قوله: واتبعوا الشهوات من بني الشديد وركب ~~المنظور ولبس المشهور. # وعن قتادة: هو في هذه الأمة فسوف يلقون غيا قال جار الله: كل شر عند ~~العرب غي وكل خير رشاد. وقال الزجاج: هو على حذف المضاف أي جزاء غي كقوله: ~~يلق أثاما [الفرقان: 68] أي مجازاة أثام. وقيل: غيا من طريق الجنة. وقيل: ~~هو واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها احتج بعضهم بقوله: إلا من تاب وآمن على ~~أن تارك الصلاة كافر وإلا لم يحتج إلى PageV04P495 # تجديد الإيمان. والجواب أنه إذا كان المذكورون هم الكفرة أو اليهود- كما ~~رويناه عن ابن عباس- سقط الاستدلال. واحتجت الأشاعرة في أن العمل ليس من ~~الإيمان لأن العطف دليل التغاير. وأجاب الكعبي بأنه عطف الإيمان على التوبة ~~مع أنها من الإيمان، ومنع من أن التوبة من الإيمان ولكنها شرطه لأنها العزم ~~على الترك والإيمان إقرار باللسان، وإنما حذف الموصوف هاهنا وقال في ~~الفرقان وعمل عملا صالحا [الفرقان: 70] لأنه أوجز في ذكر المعاصي فأوجز في ~~التوبة وأطال هناك فأطال هناك. وهذا الاستثناء بحسب الغالب فقد يتوب عن ~~كفره ويؤمن ولم يدخل بعد وقت الصلاة، أو كانت المرأة حائضا ثم مات فهو من ~~أهل النجاة مع أنه لم يعمل صالحا. ومعنى لا يظلمون شيئا لا ينقصون شيئا من ~~جزاء أعمالهم بل يضاعف لهم تفضلا تنبيها على أن تقدم الكفر لا يضرهم بعد أن ~~يتوبوا، ويحتمل أن ينتصب شيئا على المصدر أي شيئا من الظلم. ومعنى جنات عدن ~~قد مر في سورة التوبة في قوله: ومساكن طيبة في جنات عدن [التوبة: 72] وصفها ~~الله تعالى بالإقامة والدوام خلاف ما عليه جنان الدنيا. ولما كانت الجنة ~~مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، ويحتمل انتصابها على الاختصاص وكذا انتصاب ~~«التي» . # قال جار ms3099 الله: عدن علم بمعنى العدن وهو الإقامة وهو علم لأرض الجنة ~~لكونها مكان إقامة ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأن النكرة لا تبدل من ~~المعرفة إلا موصوفة. ولما ساغ وصفها ب «التي» ومعنى بالغيب مع الغيبة أي ~~وعدوها وهي غائبة عنهم غير حاضرة، أو هم غائبون عنها لا يشاهدونها، أو ~~الباء للسببية أي وعدها عباده بسبب تصديق الغيب والإيمان به خلاف حال ~~المنافقين. وقوله: إنه كان وعده مأتيا بالأول أنسب وهو مفعول بمعنى «فاعل» ~~، أو على أصله لأن ما أتاك فقد أتيته. وجوز في الكشاف أن يكون. # من قولك: «أتى إليك إحسانا» أي كان وعده مفعولا منجزا. قوله: إلا سلاما ~~استثناء متصل على التأويل لأن اللغو فضول الكلام وما لا طائل تحته كما تقدم ~~في يمين اللغو في «البقرة» وفي «المائدة» أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو ~~تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك كقولهم «عتابك السيف» . ~~أو استثناء منقطع أي لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب ~~والنقيصة، ويجوز أن يكون متصلا بتأويل آخر وهو أن معنى السلام الدعاء ~~بالسلامة وأهل دار السلام عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب ~~اللغو وفضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وفي الآية تنبيه ظاهر ~~على وجوب اتقاء اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها. ثم إنه ~~سبحانه من عادته ترغيب كل قوم بما أحبوه في الدنيا فلذلك ذكر أساور من ~~الذهب والفضة لبس الحرير التي كانت للعجم والأرائك التي هي الحجال المضروبة ~~على الأسرة، وكانت من عادة أشرف # PageV04P496 # اليمن ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء لأنها العادة الوسطى ~~المحمودة للمتنعمين منهم فوعدهم بذلك قائلا: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~هذا قول الحسن. # ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير أي يأكلون على مقدار الغداة ~~إلى العشي. # وقيل: أراد دوام الرزق كما تقول: أنا عند فلان صباحا ومساء تريد الدوام ~~ولا تقصد الوقتين المعلومين. وقوله: تلك ms3100 الجنة التي نورث كقوله في ~~«الأعراف» ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها [الأعراف: 43] وهي استعارة أي ~~تبقى عليهم الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث منه. قال القاضي: في ~~الآية دلالة على أن الجنة يختص بدخولها من كان متقيا غير مرتكب للكبائر. ~~وأجيب بمنع الاختصاص وبأنه يصدق على صاحب الكبيرة أنه اتقى الكفر. # سئل هاهنا أن قوله تعالى: تلك الجنة التي نورث كلام الله وقوله بعده: وما ~~نتنزل إلا بأمر ربك خطاب ليس من كلام الله فما وجه العطف بينهما؟ وأجيب ~~بأنه إذا كانت القرينة ظاهرة لم يقبح، فظاهر قوله: وما نتنزل إلا بأمر ربك ~~خطاب جماعة لواحد وأنه لا يليق إلا بالملائكة الذين ينزلون على الرسول كما # روي أن قريشا بعثت خمسة رهط إلى يهود المدينة يسألونهم عن صفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وهل يجدونه في كتابهم. فسألوا النصارى فزعموا أنهم لا ~~يعرفونه، وقالت اليهود: نجده في كتابنا وهذا زمانه وقد سألنا رحمان اليمامة ~~عن خصال ثلاث فلم يعرف فاسألوه عنهن، فإن أخبركم بخصلتين منها فاتبعوه، ~~فاسألوه عن فئة أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فلم يدر كيف يحيب، ~~فوعدهم الجواب ولم يقل: إن شاء الله. فاحتبس الوحي عليه أربعين يوما- وقيل ~~خمسة عشر يوما- فشق عليه ذلك مشقة شديدة. وقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. ~~فنزل جبرائيل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبطأت عني حتى ~~ساء طني واشتقت إليك. قال: كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا ~~حبست احتبست. فأنزل الله الآية وأنزل قوله: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك ~~غدا [الكهف: # 23] وسورة الضحى. # ومعنى التنزل على ما يليق بهذا الموضع هو النزول على مهل أي نزولنا في ~~الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله عز وجل. ثم أكد جبرائيل ما ذكره ~~بقوله: له ما بين أيدينا وما خلفنا من الجهات والأماكن أو من الأزمنة ~~الماضية والمستقبلة وما بينهما من المكان والزمان الذي نحن فيه فلا نتمالك ~~أن ننتقل من جهة إلى جهة، ms3101 أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته. وقيل: ~~له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك وهو ما بين ~~النفختين أربعون سنة. وقيل: ما مضى # PageV04P497 # من أعمارنا وما غبر منها والحال التي نحن فيها أو ما قبل وجودنا وبعد ~~فنائنا. وقيل: # الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا. والسماء التي وراءنا، وما بين السماء ~~والأرض وعلى الأقوال فالمراد أنه المحيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية. ولا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة فكيف يقدم على فعل إلا بأمره! وقال أبو مسلم: في ~~وجه النظم إن قوله: وما نتنزل من قول أهل الجنة لمن بحضرتهم أي ما ننزل ~~الجنة إلا بأمر ربك. أما قوله: وما كان ربك نسيا فعلى القول الأول معناه ~~أنه ما كان امتناع النزول إلا لعدم الإذن ولم يكن لترك الله إياكم لقوله: ~~ما ودعك ربك وما قلى [الضحى: 3] وعلى قول غير أبي مسلم هو تأكيد لإحاطته ~~تعالى بجميع الأشياء، وأنه لا يجوز عليه أن يسهو عن شيء ما البتة. وعلى قول ~~أبي مسلم المراد أنه ليس ناسيا لأعمال العاملين فيثيب كلا منهم بحسب عمله ~~فيكون من تتمة حكاية قول أهل الجنة، أو ابتداء كلام من الله تعالى خطابا ~~لرسوله ويتصل به قوله: رب السماوات والأرض أي بل هو ربهما وما بينهما ~~فاعبده الفاء للسببية لأن كونه رب العالمين سبب موجب لأن يعبد واصطبر ~~لعبادته لم يقل «على عبادته» لأنه جعل العبادة بمنزلة القرن في قولك ~~للمحارب «اصطبر لقرنك» أي أوجد الاصطبار لأجل مقاومته. ثم أكد وجوب عبادته ~~بقوله: هل تعلم له سميا أي ليس له مثل ونظير حتى لا تخلص العبادة له، وإن ~~عديم النظير لا بد أن يصبر على مواجب إرادته وتكاليفه خصوصا إذا كانت ~~فائدتها راجعة إلى المكلف. وقيل: أراد أنه لا شريك له في اسمه وبيانه في ~~وجهين: # أحدهما أنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن إلا أنهم لم يطلقوا ~~لفظ الله على من سواه. وعن ms3102 ابن عباس: أراد لا يسمى بالرحمن غيره. قلت: وهذا ~~صحيح ولعله هو السر في أنه لم يكرر لفظ «الرحمن» في سورة تكريره في هذه ~~السورة. وثانيهما هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل لأن التسمية ~~على الباطل كلا تسمية. ### | التأويل: # واذكر في الكتاب الأزلي إبراهيم القلب إنه كان صديقا للتصديق ثلاث مراتب: ~~صادق صدق في أقواله، وصادق صدق في أخلاقه وأحواله، وصديق صدق في قيامه مع ~~الله في الله بالله وهو الفاني عن نفسه الباقي بربه إذ قال لأبيه # الروح الذي يعبد صنم الدنيا بتبعية النفس قد جاءني من العلم اللدني ما لم ~~يأتك لما ذكرنا أن القلب محل للفيض الإلهي أقبل من الروح كالمرآة فإنها ~~تقبل النور لصفائها وينعكس النور عنها لكثافتها وصقالتها وهبنا له إسحاق ~~السر ويعقوب الخفي وناديناه من جانب الطور الأيمن أسمعنا موسى القلب من ~~جانب طور الروح لا من جانب وادي النفس الذي # PageV04P498 # هو على أيسر وكان يأمر أهله أي الجسم والنفس والقلب والروح بالصلاة له ~~توجه كل منهم توجها يليق بحاله، وبالزكاة أي تزكية كل واحد منهم من الأخلاق ~~الذميمة ورفعناه مكانا عليا في مقعد صدق عند مليك مقتدر خروا بقلوبهم على ~~عتبة العبودية سجدا بالتسليم للأحكام الأزلية وبكيا بكاء السمع يذوبان ~~الوجود على نار الشوق والمحبة عباده بالغيب أي بغيبتهم عن الوجود قبل ~~التكوين كقوله: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~[التوبة: 111] ولهم رزقهم رؤية الله على ما # جاء في الحديث: «وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوا وعشيا» # وما نتنزل إلا بأمر ربك المقدور في علم الله، وتنادى أهل العزة من ~~سرادقات العزة أن يا أهل الطبيعة أفيقوا من المتمنيات فإنا ما ننزل من عالم ~~الغيب. إلا بأمر ربك وما كان ربك نسيا ليحتاج إلى تذكير متمن، بل هو رب ~~سموات الأرواح وأرض الأجساد وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار له ~~فاعبده بأركان الشريعة بجسدك وبآداب الطريقة بنفسك وبالإعراض عن الدنيا ~~والإقبال على المولى بقلبك ms3103 وبالفناء في الله والبقاء به بروحك وبسرك. هل ~~تعلم له نظيرا في المحبوبية لك. والله أعلم بالصواب. ### | [سورة مريم (19) : الآيات 66 الى 98] # ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم ~~لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر ~~مكانا وأضعف جندا (75) # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب ~~أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ~~(79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ~~ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ~~(83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ~~وفدا (85) # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) ~~تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) # أن دعوا للرحمن ولدا (91) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصاهم وعدهم عدا (94) ~~وكلهم آتيه يوم القيامة فردا (95) # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه ~~بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~هل تحس منهم من ms3104 أحد أو تسمع لهم ركزا (98) # PageV04P499 ### | القراآت: # أإذا مثل أإنكم في «الأنعام» يذكر من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل ~~وروح والمعدل عن زيد. والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغما. ثم ننجي من ~~الإنجاء: علي وروح والمعدل عن زيد. الآخرون بالتشديد خير مقاما بضم الميم: ~~ابن كثير. الباقون بفتحها. ريا بالتشديد: أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان ~~والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضا بالهمزة في الوقف ليدل على أصل ~~اللغة. الآخرون بهمز بعدها يا وولدا وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة ~~وعلي. # الآخرون بفتحهما يكاد على التذكير: نافع وعلي ينفطرن من الانفطار: أبو ~~عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن ~~هبيرة. # الباقون يتفطرن من التفطر. ### | الوقوف: # حيا ه شيئا ه جثيا ه ج للآية وللعطف عتيا ه ج لذلك صليا ه واردها ج ~~لانقطاع النظم مع اتصال المعنى مقضيا ه تقريبا للنجاة من الورود مع أن «ثم» ~~لترتيب الأخبار جثيا ه آمنوا لا لأن ما بعده مفعول «قال» نديا ه ورءيا ه ~~مدا ه لأن «حتى» لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب «إذا» محذوف ~~وهو «آمنوا» الساعة ط لابتداء التهديد جندا ه هدى ه مردا ه وولدا ه ط ~~لابتداء الاستفهام للتقريع عهدا ط ه للردع كلا ط مدا ه لا للعطف فردا ه عزا ~~ه كلا ط ضدا ه أزا ه لا للتعجيل عليهم ط عدا ه ط وفدا ه ط وردا ه لئلا ~~تشتبه الجملة بالوصف لهم عهدا ه م حذرا من إيهام العطف ولدا ه ط إدا ه لا ~~لأن ما بعده صفة هدا ه لا لأن التقدير لأن دعوا ولدا ه ج لاحتمال ما بعده ~~الحال والاستئناف ولدا ه ط عبدا ه ط فردا ه ودا ه من قرن ط ركزا ه. # PageV04P500 ### | التفسير: # لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا ~~لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها ms3105 في الدنيا ~~لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول ~~المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ويقول الإنسان وهو للجنس لأن هذا الاستغراب ~~مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض ~~الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا ~~وإنما القاتل واحد منهم. وقيل: المراد بالإنسان هاهنا شخص معين هو أبو جهل ~~أو أبي بن خلف. وقيل: بعض الجنس هم الكفرة. وانتصب «إذا» بفعل مضمر يدل ~~عليه أخرج المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله. لا ~~تقول: اليوم لزيد قائم. وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام ~~الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام هاهنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت ~~الهمزة في «يا الله» للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف. و «ما» في «إذا» ~~ما للتوكيد أيضا وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقا أنا سنخرج أحياء حين تمكن ~~فينا الفناء بالموت؟ والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال ~~الفناء أو الندور ومن قولهم: «خرج فلان عالما» إذا كان نادرا في العلم ~~فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حيا نادرا. وإنما قدم الظرف وأولى حرف ~~الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار ~~كقولك لمن أساء إلى محسنه «أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه» ؟! ولما كان ~~الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة ~~الأولى قال سبحانه منبها على ذلك أولا يذكر وهاهنا إضمار تقديره أيقول ذلك ~~ولا يذكر. وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ويقول ~~الإنسان ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر. قال العقلاء: لو ~~اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن ~~خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل ~~صانع يتكرر عنه ms3106 عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال. والثاني قد ~~ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء. وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب ~~والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة ~~الأزلية به؟ وفي قوله: ولم يك شيئا بحث قد مر في أول السورة مثله. # وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلا فو ربك لنحشرنهم ~~الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو ~~للقسم وشرف # PageV04P501 # المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، ~~والواو في والشياطين إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع ~~شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين ~~بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائدا إلى ~~منكري البعث فقط فلا إشكال. وكذا في قوله: لنحضرنهم حول جهنم جثيا أي جثيا ~~على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون ~~معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ~~ومقاولاتهم. ثم لننزعن لنميزن من كل شيعة طائفة شاعت أي تبعت غاويا من ~~الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام. أيهم أشد قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما ~~المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من ~~وجهين: أحدهما إعراب أي مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ ~~مع الأصل فيه أن يكون مذكورا والتقدير: أيهم هو أشد. وذهب الخليل إلى أنها ~~معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول لننزعن بل رفعت بتقدير الحكاية أي ~~من كل شيعة مقول فيهم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول لننزعن كقولك «أكلت ~~من كل طعام» أي بعضا من كل. ويجوز أن يقدر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم ~~أشد، قال سيبويه: لو جاز «اضرب أيهم» أفضل ms3107 على الحكاية لجاز «اضرب الفاسق ~~الخبيث» أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة ~~الكلام. ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل «أي» معلق عن العمل، ويجيز ~~التعليق في غير أفعال القلوب. ثم إن علقت قوله: على الرحمن ب أشد كقولهم: ~~«هو أشد على خصمه» فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند ~~النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله. فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف ~~فكأنه سئل إن عتوه على من؟ فقيل: على الرحمن. وكذا الكلام في أولى بها صليا ~~تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو ب صليا على التأويل. صلى فلان النار ~~يصلى صليا إذا احترق. أخبر أولا أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين ~~بقوله: ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا أنه يطرحهم أي أهل الضلال ~~البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن ~~الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى ~~المقلد وإن كانوا جميعا مشتركين في شدة العتو. ويجوز أن يراد بالذين هم ~~أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى ~~بالصلي لكون دركاتهم أسفل. # PageV04P502 # وإن منكم الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتا، ~~وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا إشكال، ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟ ~~وأجيب بما # روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد ~~النار؟ فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة» . # وعنه أيضا رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا ~~وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجا من ms3108 بردها» . # وأما قوله: أولئك عنها مبعدون فالمراد عن عذابها. وعن ابن عباس: يردونها ~~كأنها إهالة. ومنهم من لم يفسر الورود هاهنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد ~~يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله تعالى: لما ورد ماء مدين [القصص: 23] ~~ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه. ويقال: وردت القافلة البلد ~~إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها. وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: ~~هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها. وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده ~~في الدنيا # قال عليه السلام: «الحمى من فيح جهنم» «1» # وفي رواية «الحمى حظ كل مؤمن من النار» . # وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا ~~يطابقه قوله: ثم ننجي الذين اتقوا ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى ~~الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون. # أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟ زعم بعضهم ~~أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار ~~أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع. والأصح أنه ~~سبحانه يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ~~ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب. ما الفائدة في إيراد ~~المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟ فيه وجوه منها: # أن يزدادوا سرورا إذا رأوا الخلاص منها. ومنها افتضاح الكافرين إذا اطلع ~~المؤمنون عليهم. ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا ~~في الدنيا. ومنها PageV04P503 # أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبين الأشياء. هل ثبت في الأخبار كيفية ~~دخول النار ثم خروج المتقين منها؟ قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في ~~موضعها لقوله: يوم تبدل الأرض غير الأرض [إبراهيم: 48] وجهنم قريبة من ~~الأرض والجنة في السماء. # فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم ~~يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها. قلت: هذا على رأي الفلاسفة ~~الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ms3109 ومرور الكل يكون على كرة النار، ~~ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: كان أي ~~الورود على ربك حتما أي محتوما مصدر بمعنى المفعول مقضيا قضى به وعزم أن لا ~~يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار. وأجمعت المعتزلة ~~بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلا. وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل ~~استحالة يطرق الخلف إليه. وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي ~~كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل ~~بمنزلة بين المنزلتين. وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو ~~إلى غيرها، وهب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير ~~داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتا عنه. ومن المعتزلة من ~~تمسك بالوعيد بقوله: ونذر الظالمين ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص ~~بآيات الوعد لما رد على منكري البعث وقرر كيفية الحشر. قال: وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو ~~كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن ~~بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه. يروى أنهم ~~كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدعون مفتخرين على فقراء ~~المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم. قال جار الله: معنى بينات مرتلات ~~الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها ~~البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا، أو ظاهرات الإعجاز تحدى ~~بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججا وبراهين. وعلى التقادير تكون حالا ~~مؤكدة كقوله: وهو الحق مصدقا [البقرة: 91] لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه ~~الأوصاف. # ومعنى للذين آمنوا أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم وفي شأنهم. # والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والندي ~~المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون. قوله: أي الفريقين يعني ms3110 المؤمنين بالآيات ~~والجاحدين لها من # PageV04P504 # الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظا على ما يظهر منا في ~~أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده ~~أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله تعالى بقول: وكم أهلكنا أي كثيرا من ~~المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و «من» بيان المهلك. ويجوز أن تكون زائدة ~~للتأكيد و «كم» استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوز زيادتها في ~~الموجب. وهم أحسن في محل النصب صفة ل «كم» أو الجر صفة قرن والأثاث متاع ~~البيت وقد مر في النحل في قوله: # أثاثا ومتاعا إلى حين [الآية: 80] قال الجوهري: من همز رءيا جعله من رأيت ~~وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على ~~تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من «رويت ألوانهم وجلودهم ~~ريا» أي امتلأت وحسنت. وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة «فعل» بمعنى ~~«مفعول» . وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم «راء» في «رأي» . وقرىء ~~بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة. ~~وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه تعالى أهلك من كان أكثر ~~مالا وجمالا منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد ~~الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيبا ~~لله فإنه لا يوصل إليه غما. ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن ~~طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: فليمدد له الرحمن خبر مخرج على لفظ الأمر ~~إيذانا بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذير الضال ويقال له ~~يوم القيامة أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [فاطر: 37] أو ليزدادوا إثما ~~كقوله إنما نملي لهم ليزدادوا إثما [آل عمران: # 178] أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته. ~~والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم. أما قوله: ms3111 ~~حتى إذا رأوا إلى آخر. # فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلا بقوله: أي الفريقين إلى ~~آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خبر مقاما وأحسن نديا حتى إذا ~~رأوا ما يوعدون. والمعنى لا يزالون يتفوهون بهذا القول مولعين به إلى أن ~~يشاهدوا الموعود رأي عين إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل ~~والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم ~~القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء ~~مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها. وقوله: # فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا في مقابلة قولهم: خير مقاما وأحسن ~~نديا لأن مقامهم هو مكانهم والندي المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، ~~والجند # PageV04P505 # الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب ~~النار شر مكان في الآخرة. ولا شك أيضا أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر قوي ~~لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم. # وحين بين حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ويزيد الله ~~الذين اهتدوا هدى وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر ~~إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها. ومنهم من فسر الزيادة ~~بالعبادات المرتبة على الإيمان. والواو في ويزيد للاستئناف. وقد تكلف جار ~~الله فقال: إنه للعطف على معنى فليمدد أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد ~~المهتدين هداية بتوفيقه. وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها ~~الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات. وفسرها ~~بعضهم بما هي أعظم ثوابا منها كالصلوات الخمس وغيرها. وقوله: خير يقتضي ~~غيرا يكون مشاركا له في أصل الخيرية ويكون هذا خيرا منه، فإن قدرنا ذلك ~~شيئا فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة ~~عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ثوابا وخير مردا أي مرجعا ~~وعاقبة أو منفعة من قولهم: «هل لهذا الأمر مرد» ms3112 إن قدرنا ذلك شيئا لا ثواب ~~فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثوابا من مفاخرات الكفار، ~~فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: «تحية ~~بينهم ضرب وجيع» . ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: «الصيف أحر ~~من الشتاء» أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء ~~بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب أفرأيت كأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا ~~الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. وإنما استعملوا «أرأيت» بمعنى «أخبر» ~~لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه. عن الحسن: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل. قال خباب بن الأرت: كان لي عليه ~~دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حليا فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم ~~تبعثون وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالا ~~وولدا حينئذ. من قرأ ولدا بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ~~ولد كاسد في أسدا، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله سبحانه عليه ~~بقوله مستفهما أطلع الغيب من قولهم «اطلع الجبل» أي ارتقى الى أعلاه، ~~ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى ~~عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب أم اتخذ عند الرحمن عهدا عن الكلبي: ~~هل عهد الله إليه أن # PageV04P506 # يؤتيه ذلك. وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: ~~العهد كلمة الشهادة كلا ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي ~~قوله: # سنكتب بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن ~~السين جرد هاهنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب ~~والانتصار يؤيده قوله: # ونمد له أي نطول له من العذاب ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده ~~من العذاب ونضاعف له من المدد. مده وأمده بمعنى. # ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط ms3113 الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس ~~استهزاءه بقوله: ونرثه ما يقول أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في ~~الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: لأوتين ومن يتأل على ~~الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية. والمراد هب أنا أعطيناه ~~ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ويأتينا غدا فردا بلا مال ولا ولد. ~~وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه. وكذا في قوله: فردا على ~~الأول حال مقدرة نحو فادخلوها خالدين [الزمر: 73] لأنه وغيره سواء في ~~إتيانه فردا حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك. وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا ~~بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، ~~واشتراك الكل في الإتيان منفردا لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله ~~على هذا التكلف. # قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حيا فإذا قبضناه حلنا بينه ~~وبين أن يقوله، ويأتينا منفردا عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ~~ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ~~ويأتينا على فقره ومسكنته فردا من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، ~~فيجتمع عليه خطبان تبعة قوله وفقد سؤله. وحين فرغ من الرد على منكري البعث ~~شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أولا عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم ~~وينتفعوا بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: كلا ثم أخبر عن مآل حالهم ~~بقوله سيكفرون فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن [سبأ: 41] وإما الأصنام ~~فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ~~[النحل: 86] وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: فألقوا إليهم القول إنكم ~~لكاذبون [النحل: 86] وإن [الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، ~~وقوله: عليهم في مقابلة قوله: # لهم عزا وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلا لهم عزا ويحتمل أن ~~يراد بالضد العون ms3114 لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم ~~وتوافقهم # كقوله # PageV04P507 # صلى الله عليه وسلم: «وهم يد على من سواهم» # ومعنى كون الآلهة أضدادا أي أعوانا عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين ~~عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في يكونون للمشركين أي يكون ~~المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها. # وحيث بين مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ألم تر أنا ~~أرسلنا الآية. والأز الهز والتهييج. قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على ~~أنه تعالى مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: «أرسلت فلانا على فلان» ~~يفيد أنه سلطه عليه منه # قوله صلى الله عليه وسلم: «سم الله وأرسل كلبك عليه» # ويؤيده قوله: تؤزهم أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس ~~والتسويلات. وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما ~~إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه. وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء ~~وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص ~~أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف ~~وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين. ولما كان هذا الإرسال سببا لهلاك ~~الكفار عداه ب «على» لا ب «إلى» قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله ~~تعالى فنزاع الفريقين لفظي أو قريب منه. فلا تعجل عليهم يقال: عجلت عليه ~~بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من ~~شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة. ~~قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط. وعنه أنه كان إذا قرأها ~~بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول ~~قبرك. وعن ابن السماك أنه كان عند المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس ~~بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد. وقال بعضهم: # إن الحبيب من الأحباب مختلس ... لا يمنع الموت بواب ولا جرس # وكيف يفرح بالدنيا ولذتها ... فتى يعد عليه اللفظ والنفس # ثم لما قرر ms3115 أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين ~~وقتئذ فقال: يوم نحشر وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ~~نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. ويجوز أن ينتصب ب لا يملكون خص ~~المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين. يقال: وفد فلان على الأمير ~~وفادة أي ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب. # عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يحشرون على ~~أرجلهم ولكنهم على نوق رحالها ذهب وعلى # PageV04P508 # نجائب سروجها ياقوت» . # وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم وردا أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من ~~الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء. وقال جار الله: حقيقة الورد ~~المسير إلى الماء فسمي به الواردون. قال بعض العلماء: في الآية دلالة على ~~أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على ~~هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟ قلت: يحتمل أن يكون الحشر ~~إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار ~~كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~[الزمر: 73] وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة ~~لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره. وقوله: ~~إلى الرحمن دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ~~ما فيه. ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في لا يملكون ~~للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله من اتخذ على البدلية لأنه في معنى الجمع. ~~ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في «أكلوني البراغيث» فيكون من اتخذ ~~فاعلا والاستثناء مفرغا. ويجوز أن ينتصب من اتخذ على الاستثناء أو على ~~تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة. من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: ~~لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم. واتخاذ ~~العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول ms3116 يناسب ~~أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة. # وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم: «أيعجز ~~أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول كل ~~صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك ~~في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك له وأن محمدا عبدك ~~ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني ~~من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة ~~إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا ~~كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة» ~~«1» # ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا ~~المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: # وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~[النجم: # 26] . PageV04P509 # وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولدا من اليهود ~~والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة ~~بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة. وفي قوله: لقد جئتم ~~التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلا عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه. والأد ~~الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة ~~تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها. # ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه ~~تفطر وهذا البناء للتكثير. وانتصب هدا إما على المصدر لأن الخرور في معناه، ~~وإما لأن التقدير يهد هدا، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها ~~تهد. ومحل أن دعوا إما مجرور بدلا من الهاء في منه وإما منصوب بنزع الخافض ~~أي هدا لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد ~~أي هدها الدعاء، وخير الوجوه ms3117 أوسطها كما في الوقوف والدعاء. أما بمعنى ~~التسمية فيكون المفعول الأول متروكا طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولدا ~~له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولدا. # وما ينبغي لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا ~~يصير مطلوبا لأنه محال. أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما ~~التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن ~~أضاف إليه ولدا فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن ~~المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه ~~فأنت وجميع ما عندك عطاؤه. وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام. # سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟ أجيب بأنه ~~سبحانه كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسماوات والأرض والجبال عند دعائهم الولد ~~لي غضبا مني على من تفوه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في ~~الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من ~~النظام كقوله: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] وقال أبو ~~مسلم: أراد أن هذه الأجرام لو كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك. ثم بين أن ~~العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في ~~الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: إن كل «إن» ~~نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق إلا أتى الرحمن إلا وهو ملتجىء إلى ~~ربوبيته مقر بعبوديته. ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب ~~الكرامة قائلا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا أي # PageV04P510 # سيحدث لهم في القلوب مودة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو ~~اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب. والسين إما لأن السورة مكية ~~وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند ~~إظهار الإسلام، وإما أن ms3118 يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من ~~حسناتهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: يا علي قل اللهم اجعل لي عندك ~~عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: «يا جبرائيل قد ~~أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» «1» # وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد ~~إليه. وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ~~ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ~~ذلك في القرآن سيجعل لهم الرحمن ودا هذا قول جمهور المفسرين. وعن أبي مسلم ~~أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول ~~كثير. وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه ~~المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين ~~بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاما في حق المؤمنين. ~~وأيضا إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء ~~المنافع به أولى. وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل ~~هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية ~~إكرامه في قلوبهم. ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان ~~الحشر والرد على الفرق الضالة قائلا: فإنما يسرناه كأنه قال: بلغ هذا ~~المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه ~~لتبشر به وتنذر. واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في «البقرة» ~~وهو ألد الخصام [البقرة: 204] يريد أهل مكة. ثم ختم السورة بما هو غاية في ~~الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون ms3119 الخالية بالفناء أو ~~بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين ~~أيضا إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو ~~بصدد الزوال والنفاد. والركز الصوت الخفي وركز PageV04P511 # الرمح تغييب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون. ### | التأويل: # ويقول النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية أخرج ~~حيا بالصفات الروحانية. لنحشرنهم والشياطين فلكل شخص قرين من الشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم القهر والطبيعة إن منكم من الأنبياء والأولياء والمؤمنين ~~والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة حتما مقضيا لأن حكمته ~~الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ثم ننجي الذين اتقوا ~~الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة آياتنا من الحقائق ~~والأسرار قال الذين كفروا ستروا الحق للذين آمنوا تحقيقا وإيقانا وكم ~~أهلكنا بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ~~إما العذاب وهو الموت على الإنكار والغفلة وإما الساعة وهي الإماتة عن ~~الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة. فسيعلمون حزب الله من حزب ~~الشيطان ويزيد الله بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان أن دعوا ~~للرحمن ولدا من فوائد ذكر اسم الرحمن هاهنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ~~ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة ~~واختيارا. فإنما يسرناه فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه ~~الأزلية غير المتناهية وكم أهلكنا في تيه الضلالة أو تسمع لهم ركزا بالثناء ~~الحسن عليهم والله أعلم بالصواب. # PageV04P512 ### | (سورة طه) # (مكية حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون كلماتها ألف وثلاثمائة ~~وأربعون وآياتها مائة وخمس وثلاثون) ### | [سورة طه (20) : الآيات 1 الى 36] # بسم الله الرحمن الرحيم # طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) # الرحمن على ms3120 العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (7) الله لا إله ~~إلا هو له الأسماء الحسنى (8) وهل أتاك حديث موسى (9) # إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني ~~أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (14) # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها ~~من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي ~~عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا ~~موسى (19) # فألقاها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ~~(21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من ~~آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) # قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) ~~يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) # هارون أخي (30) اشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا ~~(33) ونذكرك كثيرا (34) # إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ### | القراآت: # طه بإمالة الطاء والهاء: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وعباس وقرأ أبو جعفر ~~ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب. وفي الكشاف أن أبا عمرو فخم الطاء ~~لاستعلائها وأمال الهاء. والآخرون بتفخيمها لأهله امكثوا بضم الهاء وكذلك ~~في «القصص» : حمزة إني آنست إني أنا الله بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ~~وابن # PageV04P513 # كثير وأبو عمرو لعلي آتيكم بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن كثير ~~وأبو عمر وابن عامر غير ابن مجاهد على النار هدى ممالة: علي غير ليث وأبي ~~حمدون وحمدوية وحمزة في رواية ابن معدان وأبي عمر والنجاري عن ورش وأبي ~~عمرو وغير ابراهيم وابن حماد إني أنا ربك بفتح ms3121 الهمزة وياء المتكلم: ابن ~~كثير وأبو عمرو ويزيد. # بكسر الهمزة وفتح الياء: نافع الباقون: بكسر الهمزة وسكون الياء طوى ~~منونا حيث كان: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وإنا اخترناك على الجمع: ~~حمزة والمفضل لذكري إني لي أمري عيني رأسي # (إني) بفتح الياءات: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. (لي فيها) بالفتح: حفص ~~والمفضل والأعشى والبرجمي والأصبهاني عن ورش مخير أخي اشدد بفتح الياء ~~موصولة: ابن كثير غير الخزاعي عن ابن فليح وأبو عمرو واشدد بفتح الهمزة ~~وأشركه بضمها على التكلم: ابن عامر والباقون بضم الأول وفتح الثاني على ~~الأمر سؤلك بالواو: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش ~~وحمزة في الوقف. الآخرون بالهمزة. ### | الوقوف: # طه ه كوفي ومن قال معناه يا رجل أو يا طالب أو يا هادي لم يقف لتشقى ه ~~للاستثناء يخشى ه لا بناء على أن تنزيلا بدل تذكرة العلى ه الرحمن مبتدأ ~~استوى ه الثرى ه وأخفى ه إلا هو ط الحسنى ه حديث موسى ه لئلا يوهم أن «إذ» ~~ظرف للإتيان هدى ه يا موسى ه نعليك ج للابتداء بأن مع اتحاد القول طوى ه ط ~~إلا لمن قرأ إنا اخترناك يوحى ه فاعبدني ه لا للعطف لذكري ه تسعى ه فتردى ه ~~يا موسى ه عصاي ج لا مكان أن يجعل أتوكؤا مستأنفا أو حالا والعامل أضمر أو ~~أشير بناء على أن «هي» بمعنى «هذه» . # أخرى ه يا موسى ه تسعى ه ولا تخف ق لحق السين الأولى ه آية أخرى ه لا ~~لتعلق اللام. الكبرى ه ج للآية والاستئناف بالأمر على أن المقول متصل طغى ه ~~صدري ه أمري ه لا لساني ه لا قولي ص لطول الكلام أهلي ه لا أخي ه لا وقف ~~لمن قرأ اشدد بفتح الهمزة جوابا للدعاء ومن فتح الياء فله الوصل ومن قرأ ~~اشدد بضم الهمزة فله الجواز لا تساق الدعاء على الدعاء بلا عاطف أزري ه لا ~~أمري ه لا لتعلق «كي» كثيرا ه ms3122 بصيرا يا موسى ه. ### | التفسير: # في طه قولان للمفسرين: أحدهما أنه من حروف التهجي وقد سلف البحث في ~~أمثالها، والذي زادوه هاهنا أمور منها: قول الثعلبي: الطاء شجرة طوبى، ~~والهاء الهاوية وكأنه أقسم بالجنة والنار. ومنها ما روي عن جعفر الصادق رضي ~~الله عنه أن الطاء طهارة أهل الدين والهاء هدايتهم. وقيل: أراد يا طاهرا من ~~الذنوب ويا هاديا الى علام # PageV04P514 # الغيوب. ومنها قول سعيد بن جبير هو افتتاح باسمه الطيب الطاهر الهادي. ~~قيل: الطاء تسعة في الحساب والهاء خمسة ومعناه: يا أيها البدر. القول ~~الثاني أنها كلمة مفيدة ومعناها يا رجل. مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد ~~وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة والكلبي. ثم قال سعيد بن جبير بلسان القبطية. ~~وقال قتادة بلسان اليونانية والسريانية. # وقال عكرمة بلسان الحبشة. وقال الكلبي بلسان عك وهو عك ابن عدنان أخو معد ~~وهو اليوم في اليمن. وعن الحسن أن طه أمر وأصله طأ أمرا بالوطء فقلبت ~~الهمزة هاء وذلك لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه فأمر ~~بأن يطأ الأرض بقدميه معا، # ويؤكده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالليل حتى اسمعدت قدماه- أي تورمتا- ~~فقال له جبرائيل: أرفق على نفسك فإن لها عليك حقا ونزلت طه ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى # أي تتعب بالعبادة ولكنك بعثت بالحنيفية السهلة. # وعند الأكثرين معنى لتشقى لتتعب بفرط تأسفك عليهم وتحسرك على أن يؤمنوا. # والشقاء يجيء بمعنى التعب ومنه المثل «أشقى من رائض مهر وأتعب» . وقيل: ~~إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له: إن كل شقي لأنك تركت دين آبائك فرد ~~الله عليهم بأن القرآن هو السبب في نيل كل سعادة. قال جار الله: إن جعلت طه ~~تعديد الأسماء الحروف فقوله ما أنزلنا ابتداء الكلام، وإن جعلته اسما ~~للسورة فمبتدأ وما بعده خبر وقد أقيم الظاهر- وهو القرآن- مقام الضمير ~~الرابط، وإن جعلته قسما فما يتلوه جواب وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل ~~إلا أن الأول وجب ms3123 مجيئه مع اللام لأنه ليس فعلا لفاعل الفعل المعلل والثاني ~~جاز قطع اللام عنه لوجود الشرط. ولا يجوز أن يكون تذكرة بدلا من محل لتشقى ~~لاختلاف الجنسين، فإن التذكرة لا يمكن أن تحمل على الشقاء ولكنها نصب على ~~الاستثناء المنقطع الذي فيه «إلا» بمعنى «لكن» . وفي قوله لتشقى وإلا تذكرة ~~وجه آخر وهو أنه ما أنزلنا عليك القرآن لتتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون ~~تذكرة أي ما أنزلنا عليك هذا التعب الشاق إلا لهذا الغرض كما يقال: ما ~~شافهناك بذلك الكلام لتتأذى إلا ليعتبر بك غيرك. فانتصب تذكرة على أنه حال ~~أو مفعول له، وإذا كانت حالا جاز أن يكون تنزيلا بدلا منها، وإذا كانت ~~مفعولا لأجله لم يجز أن يكون تنزيلا بدلا منها لأن الشيء لا يعلل بنفسه، ~~فالإنزال لا يعلل بالتنزيل في الظاهر. ويجوز أن ينتصب تنزيلا بمضمر أي نزل ~~تنزيلا أو بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة، أو على ~~المدح والاختصاص، أو ب يخشى مفعولا به أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل ~~الله عز وجل أي لمن يؤل أمره إلى الخشية لأنه هو المنتفع به. ومعنى كون ~~القرآن تذكرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعظهم به وببيانه. ممن خلق متعلق ~~ب تنزيلا فيكون الظرف لغوا أو بكائنا صفة له فيكون # PageV04P515 # مستقرا. وفائدة الانتقال إلى الغيبة من لفظ المتكلم حين لم يقل تنزيلا ~~منا أمور منها: الافتنان في الكلام على عادتهم. ومنها تنسيق الصفات مع لفظ ~~الغيبة. ومنها التفخيم بالإسناد أولا إلى ضمير المتكلم المطاع في أنزلناه ~~ثم إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد. وقيل: أنزلنا حكاية كلام جبرائيل فلا ~~التفات. # والعلى جمع العليا تأنيث الأعلى وفي وصف السموات بها دلالة على عظم قدرة ~~من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها. ويحصل منه تعظيم شأن القرآن بالضرورة ~~فعلى قدر المرسل يكون حال الرسالة. ومنه قول الحكماء: عقول الرجال تحت لسان ~~أقلامهم. وارتفع الرحمن على المدح على تقدير هو الرحمن، أو هو مبتدأ مشار ~~بلامه إلى ms3124 من خلق. والبحث في الاستواء على العرش من جانبي المشبهة والموحدة ~~قد مر مشبعا في «الأنعام» في قوله وهو القاهر فوق عباده [الأنعام: 18] وفي ~~الأعراف في قوله إن ربكم الله الذي خلق السماوات [الآية: 54] فلا حاجة إلى ~~الإعادة. ثم أكد كمال ملكه وملكه بقوله له ما في السماوات الآية. عن محمد ~~بن كعب: أن ما تحت الثرى هو ما تحت سبع الأرضين. وعن السدي: هو الصخرة التي ~~تحت الأرض السابعة. # وقيل: الثور أو الحوت. والتحقيق أن الثرى هو التراب الندى وهو ما جاوز ~~البحر من جرم الأرض، فالذي تحته هو ما بقي من جرم الأرض إلى المركز فيحتمل ~~أن يكون هناك أشياء لا يعلمها إلا الله سبحانه من المعادن وغيرها، ولا ريب ~~أن الكل لله سبحانه. ثم بين كمال علمه بقوله وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى فالسر ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك ما أخطرته ببالك، أو ~~السر هذا وأخفى منه ما استسره. وقيل: أخفى فعل ماض أي يعلم أسرار العباد ~~وأخفى عنهم ما يعلم هو. قلت: هذا المعنى صحيح لأنه تعالى محيط بجميع ~~الأشياء فلا يعزب عنه شيء قط ولا يحيط به شيء من الأشياء فلا يطلع على ~~غيوبه أحد، إلا أن اللفظ يحصل فيه بشاعة إذا حمل على هذا التفسير فلهذا قال ~~صاحب الكشاف: وليس بذلك وكيف طابق الجزاء الشرط. وأجيب بأن معناه إن تجهر ~~بذكر الله من دعاء أو غيره فاعلم أنه غني عن جهرك. فإما أن يكون نهيا عن ~~الجهر كقوله واذكر ربك في نفسك [الأعراف: 205] وإما أن يكون تعليما للعباد ~~أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو لغرض آخر كأن يقتدي غيره به. ومن فوائد ~~الآية زجر المكلف عن القبائح- ظاهرة كانت أو باطنة- وترغيبه في الطاعات- ~~ظاهرة وباطنة- وقد شرحنا شمة من حقيقة علمه تعالى في تفسير قوله وعلم آدم ~~الأسماء كلها [البقرة: 31] وفي غير ذلك من المواضع المناسبة، فلنقتصر الآن ~~على ذلك. ثم ذكر أن الموصوف بالقدرة والعلم على الوجه المذكور لا شريك له ms3125 ~~وهو الذي يستحق العبادة دون غيره. واعلم أن # PageV04P516 # مراتب التوحيد أربع: الإقرار باللسان، ثم الاعتقاد بالقلب، ثم تأكيد ذلك ~~الاعتقاد بالحجة، ثم الاستغراق في بحر المعرفة بحيث لا يدور في خاطره سوى ~~الأحد الصمد. # والأول بدون الثاني نفاق، والثاني بدون الأول غير مفيد إلا إذا لم يجد ~~مهلة كما إذا نظر وعرف فمات. # ويروى أن ملك الموت مكتوب في جبهته «لا إله إلا الله» حتى إذا رآه المؤمن ~~تذكر كلمة الشهادة فيكفيه ذلك # ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من الإيمان» «1» # والإقرار بدون الثالث إيمان المقلد وفيه خلاف مشهور والأصح أنه مقبول، ~~وأما المقام الرابع فهو مقام الصديقين والخاصة من عباد الله، ومبتداه تفريق ~~ونقص وترك ورفض على ما قرره المحققون، وآخره الفناء في الله والبقاء به. # قال النحويون: لا إله إلا الله تقديره لا إله في الوجود إلا الله. وقال ~~أهل العرفان: # معناه لا إله في الإمكان إلا الله. روي أن موسى بن عمران قال: يا رب ~~علمني شيئا أذكرك به. فقال: قل لا إله إلا الله. فقال: كل عبادك يقول. ~~فقال: قل لا إله إلا الله. قال: إنما أردت شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو ~~أن السموات السبع ومن فوقهم في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن «لا ~~إله إلا الله» . والبحث عن أسماء الله تعالى قد سلف في تفسير البسملة، وعن ~~أسمائه الحسنى قد مر في «الأعراف» في قوله ولله الأسماء الحسنى [الأعراف: ~~180] . واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: كامل لا يحتمل الزيادة ~~والنقصان وهو الله تقدس وتعالى، وناقص لا يحتمل الكمال سوى الصورة الكمالية ~~التي جبل عليها كصغير الإنسان من المخلوقات وناقص يتقلب بين الأمرين فتارة ~~يصعد إلى حيث يخبر عنه بأنه في مقعد صدق عند مليك مقتدر [القمر: 55] وتارة ~~يتسفل إلى أن يقال له ثم رددناه أسفل سافلين [التين: 5] والكمال بالحقيقة ~~لما ليس معرض الزوال فلا كمال في الصحة ms3126 والجاه والمال وإنما الكمال في ~~الانتساب إلى الكبير المتعال، وهو تحقيق نسبة العبدية المنبئة عن عزة ~~الربوبية، وكل منتسب إلى بلد أو قبيلة فإنه يبالغ في مدحها حتى يلزم مدحه ~~بالعرض فيجب على المكلف أن يذكر ربه بالأسماء الحسنى حتى يثبت بذلك شرفه ~~ويحسن ذكره. إلهنا حسن الاسم دليل حسن المسمى، وحسن المسمى يدل على أنه لا ~~يفعل القبيح ولا يزال مواظبا على الإحسان كما قيل: # يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تخلطن الزين بالشين PageV04P517 # فيا حسن الأسماء والصفات لا تردنا عن خوان إحسانك محرومين. ذكر أن صيادا ~~اصطاد سمكة وكانت له بنت فأخذتها وألقتها في البحر وقالت: إنها ما وقعت في ~~الشبكة إلا لغفلتها. إلهنا تلك المرأة رحمت سمكة بسبب غفلتها ونحن قد ~~اصطادنا إبليس وأخرجنا من بحر رحمتك لغفلتنا فردنا إلى مقرنا وأنت أرحم ~~الراحمين. # عن محمد بن كعب القرظي أن موسى عليه السلام قال: يا رب أي خلق أكرم عليك؟ ~~قال: الذي لا يزال لسانه رطبا من ذكري. قال: أي خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس ~~علما إلى علمه. قال: # وأي خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال: وأي ~~خلقك أعظم جرما؟ قال: الذي يتهمني وهو الذي يسألني ثم لا يرضى بما قضيته ~~له. إلهنا إنا نتهمك فإنا نعلم أن كل ما أحسنت فهو فضل، وكل ما لا تفعله ~~بنا من الإحسان فهو عدل، فلا تؤاخذنا بسوء أعمالنا. # وعن الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: سيعلم الجمع من أهل الكرم، ~~أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون فيتخطون رقاب الناس. ثم ~~يقال: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ ثم ينادي أين ~~الحمادون لله على كل حال؟ ثم تكون التبعة والحساب على من بقي. إلهي فنحن ~~حمدناك وأثنينا عليك بمقدار قدرتنا وطاقتنا، فاعف عنا بفضلك وحسن أسمائك. ~~وحين عظم شأن القرآن وبين حال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كلف من أعباء ~~الرسالة قفاه بقصة موسى تثبيتا له ms3127 وتقوية وتسلية. # قال الكلبي: معنى وهل أتاك أي لم يأتك إلى الآن وقد أتاك الآن فتنبه له. # ويقول المرء لصاحبه: هل بلغك خبر كذا ليتطلع السامع لما يومي إليه. وعن ~~مقاتل والضحاك عن ابن عباس أن المراد منه تقرر الخبر في قلبه أي قد أتاك ~~ذلك في الزمان المتقدم. «وإذ» ظرف للحديث لأنه حدث، أو المراد اذكر وقت كذا ~~ومظروفه محذوف أي حين رأى نارا كان كيت وكيت. قال أهل السير: استأذن موسى ~~شعيبا عليهما السلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله وولد له في الطريق ابن ~~في ليلة شاتية مثلجة وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولا ~~ماء عنده وقدح فصلد زنده، فرأى نارا من يسار الطريق من بعيد. قال السدي: ظن ~~أنها من نيران الرعاة. وقال الآخرون: إنه رآها في شجرة. واختلفوا أيضا في ~~أن الذي رآه كان نارا أم لا. قالوا: والصحيح أنه كان نارا ليكون صادقا في ~~خبره إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. ويمكن أن يقال: إطلاق اللفظ على ما ~~يشبه مسماه ليس بكذب. قيل: النار أربعة أقسام: نار تأكل ولا تشرب وهي نار ~~الدنيا، ونار تشرب ولا تأكل وهو نار الشجر جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~[يس: # 80] ونار تأكل وتشرب وهي نار موسى عليه السلام. وبعبارة أخرى نور بلا ~~حرقة وهي نار موسى، وحرقة بلا نور وهي نار جهنم، وحرقة ونور وهي نار ~~الدنيا، ولا حرقة ولا نور # PageV04P518 # وهي نار الأشجار. فقال لأهله امكثوا إنما جمع لأن أهله جمع وهم المرأة ~~والخادم والولد. ويجوز أن يخاطب المرأة وحدها ولكن أخرج الخطاب على ظاهر ~~لفظ الأهل فإنه اسم جمع. وأيضا فقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة تفخيما أي ~~أقيموا في مكانكم فقد آنست نارا أي أبصرت إبصارا لا شبهة فيه أو إبصارا ~~يؤنس به. والتركيب يدل على الظهور، ومن ذلك إنسان العين لأنه يظهر الأشياء، ~~ومنه الإنس لظهورهم كما قيل الجن لاستتارهم، ومنه الأنس ضد الوحشة لظهور ~~المطلوب وهو المأنوس به. قال جار ms3128 الله: لما وجد الإيناس وكان مقطوعا متيقنا ~~حققه لهم بكلمة «إن» ليوطن أنفسهم. ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى ~~مترقبين بنى الأمر فيهما على الرجاء دون الجزم قائلا لعلي آتيكم قال ~~المحققون: فيه دلالة على أن إبراهيم عليه السلام لم يكذب البتة لأن موسى ~~قبل نبوته احترز عن الكذب المظنون فلم يقل «إني آتيكم» لئلا يعد ما لم ~~يستيقن الوفاء به، فإبراهيم وهو أبو الأنبياء أولى بالاحتراز من الكذب ~~الصريح. والقبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة ونحوهما. وهدى على حذف ~~المضاف أي ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. والظاهر أنه أراد ~~قوما يهدونني الطريق. وعن مجاهد وقتادة: قوما ينفعونني بهداهم في أبواب ~~الدين، وذلك أن همم الأبرار معقودة في جميع أحوالهم بالأمور الدينية لا ~~يشغلهم عنها شاغل. ومعنى الاستعلاء في على النار وهو مفعول ثان لأجد، أو ~~حال من ذوي هدى أن أهل النار يشغلون المكان القريب منها أو المصطلون بها ~~كفنوها قياما وقعودا فهم مشرفون عليها وإن كان المكانان مستويين. # فلما أتاها أي أتى النار. قال ابن عباس رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى ~~أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد، وسمع تسبيح الملائكة ورأى نورا عظيما فخاف ~~وبهت فألقيت عليه السكينة، ثم نودي وكانت الشجرة عوسجة. وقال وهب: ظن موسى ~~أنها أوقدت فأخذ من دقاق الحطب ليقتبس من لهبها فمالت إليه كأنها تريده ~~فتأخر عنها وهابها، ثم لم يزل تطمعه ويطمع فيها، ثم لم يكن أسرع من خمودها ~~فكأنها لم تكن، ثم رمى موسى بنظره إلى فرعها فإذا خضرته ساطعة في السماء، ~~وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكل عنه الأبصار، فلما رأى موسى ذلك ~~وضع يده على عينيه فنودي يا موسى من قرأ إني بالفتح فتقديره نودي بأني، ومن ~~قرأ بالكسر فلأن النداء في معنى القول، أو لأن التقدير نودي فقيل يا موسى. ~~وتكرير الضمير في «أني» أنا ربك لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة ~~الشبهة. # روي أنه لما نودي يا موسى قال: من ms3129 المتكلم؟ فقال الله عز وجل: # إني أنا ربك. فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان. فقال: أنا عرفت أنه ~~كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست وأسمعه بجميع أعضائي حتى كأن كل ~~جارحة مني صارت # PageV04P519 # أذنا. # وقيل: لعله سمع النداء من جماد كالحصا والشجرة فيكون معجزا. وأيضا إنه ~~رأى النار في الشجرة الخضراء بحيث إن الخضرة ما كانت تطفئ تلك النار ولا ~~النار تضر بالخضرة، فعرف أنه لا يقدر عليه أحد إلا الله. وجوز الأشاعرة أن ~~يكون قد خلق الله تعالى علما ضروريا بذلك والمعتزلة منعوا منه قالوا إن ~~حصول العلم الضروري بأن ذلك المتكلم هو الله يستلزم العلم الضروري بوجود ~~الصانع لا ستحالة أن تكون الصفة معلومة بالضرورة والذات معلوما بالاستدلال، ~~وحصول العلم الضروري بوجود الصانع ينافي التكليف وبالاتفاق لم يخرج موسى عن ~~التكليف. قال القاضي: إن كانت النبوة قد تقدمت لموسى فلا كلام في حصول هذه ~~الخوارق وإلا وجب أن تكون المعجزات لغيره من الأنبياء في زمانه كشعيب مثلا. ~~قال: # وهذا أولى لأن قوله وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى دليل على أنه أول وحي ~~يوحى إليه. وعند أهل السنة الإرهاص جائز فلم يوجبوا إحالة تلك الخوارق إلى ~~غيره. وعندهم أن الله تعالى أسمعه الكلام الذي ليس بحرف ولا صوت. والمعتزلة ~~أنكروا وجود ذلك الكلام. وقالوا: إنه تعالى خلق ذلك النداء في جسم من ~~الأجساد كالشجرة وهو قادر على ذلك. وأهل السنة مما وراء النهر أثبتوا ~~الكلام القديم إلا أنهم زعموا أن الذي سمعه موسى صوت خلقه الله في الشجرة ~~لأنه تعالى رتب النداء على أنه أتى النار، والمرتب على المحدث. ومثله ~~استدلال المعتزلة بقوله فاخلع نعليك على أن كلامه تعالى ليس بقديم لأن ~~الأمر والمأمور معدوم سفه فلا بد أن يكون هذا الأمر عند وجود موسى فيكون ~~محدثا. # أجابت الأشاعرة بأن كلامه الأزلي ليس بأمر ولا نهي، ولو سلم فأمره بالأزل ~~مستمر إلى أن صار الشخص مأمورا من غير تغير في أمره كالقدرة الأزلية تتعلق ~~بالمقدور الحادث. ms3130 # وأما الحكمة في الأمر بخلع النعلين قال المفسرون: لأنهما كانتا من جلد ~~حمار ميت غير مدبوغ وهو قول علي ومقاتل والكلبي والضحاك وقتادة والسدي. ~~وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد: ليباشر الوادي بقدميه متبركا به. وقيل: ~~عظم البقعة عن وطئها إلا حافيا يؤيده قوله إنك بالواد المقدس. ومن هنا كره ~~بعضهم الصلاة والطواف في النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة، ومنهم من ~~استعظم دخول المسجد بنعليه وكان إذا وقع منه ذلك تصدق. وعلى القول الأول لا ~~يكره إلا إذا كان غير مدبوغ. # وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع ~~الناس نعالهم فلما سلم قال: ما لكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: خلعت فخلعنا. قال: ~~فإن جبرائيل أخبرني أن فيهما قذرا. # يروى أن موسى خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. # قال الجوهري طوى بكسر الطاء وضمها اسم موضع بالشأم. فمن صرفه جعله اسم ~~واد ومكان، ومن لم يصرفه جعله اسم بقعة. وقال بعضهم: طوى بالضم مثل طوى وهو ~~الشيء المثنى # PageV04P520 # أي طوى مرتين أي قدس. وقال الحسن: ثنيت فيه البركة والتقديس مرتين، ~~ويحتمل أن يراد نودي نداءين. وقيل: طوى مصدر كهدى ومعناه العلى. وعن ابن ~~عباس أنه مر بذلك الوادي ليلا فطواه فكان المعنى بالواد المقدس الذي طويته ~~طيا أي قطعته حتى ارتفعت إلى أعلاه. وأنا اخترتك اصطفيتك للنبوة. قيل: فيه ~~دلالة على أن النبوة لا تحصل بالاستحقاق وإنما هي ابتداء عطية من الله. وفي ~~هذه الأخبار غاية اللطف والرحمة ولكن في قوله فاستمع نهاية الجلال والهيبة ~~ففي الأول رجاء وفي الثاني خوف كأنه قال: جاءك أمر عظيم فتأهب له واجعل ~~جميع همتك مصروفة إليه. لما يوحى أي للذي يوحى أو للوحي متعلق ب فاستمع أو ~~ب اخترتك ثم قال إنني أنا الله لا إله إلا أنا ورتب عليه فاعبدني ليعلم أن ~~عبادته إنما لزمت لإلهيته ومن هنا قال العلماء: إن الله معناه المستحق ~~للعبادة. قال الأصوليون: # تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز ولكن عن ms3131 وقت الخطاب جائز لأنه أمره ~~بالعبادة ولم يذكر كيفيتها. وأيضا قال وأقم الصلاة ولم يبين هيئاتها. أجاب ~~القاضي عن هذا الأخير بأنه لا يمتنع أن موسى عليه السلام قد عرف الصلاة ~~التي تعبد الله بها شعيبا وغيره من الأنبياء، فكان الخطاب متوجها إلى ذلك، ~~وزيف بأن حمل الخطاب متوجها على التأسيس أولى قال: قد بين له ولكن لم يحك ~~الله تعالى سوى هذا القدر. ورد بأن البيان أكثر فائدة من المجمل، فلو كان ~~مذكورا لكان أولى بالحكاية. ولقائل أن يقول: سلمنا أن المبين أكثر فائدة ~~للمخاطب، ولكن لا نسلم أن حكاية المبين أولى فلعل حكاية المجمل تكفي لغيره ~~لصيرورة بعض هيئات ذلك التكليف منسوخا وإن كان أصله باقيا. # وفي قوله لذكري وجوه. لأن اللام إما بمعنى الوقت أو هي للتعليل. والذكر ~~إما بالجنان أو هو ضد النسيان. وياء المتكلم فاعل في الأصل أو مفعول. وهل ~~يحتمل الكلام تقدير مضاف أم لا؟. ولمثل هذه الاعتبارات تعددت الوجوه فمنها: ~~أن اللام للتعليل والياء منصوب أي لتذكرني فإن ذكري أن أعبد ويصلي لي، أو ~~أراد لتذكرني في الصلاة لاشتمالها على الأذكار. عن مجاهد: والفرق أن إطلاق ~~الذكر على العبادة والصلاة في الأول حقيقة شرعية، وفي الثاني مجاز. أو ~~نقول: في الأول تكون نفس الصلاة مطلوبة بالذات، وفي الثاني تكون مطلوبة ~~بعرض الذكر، أو أراد لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري. ومنها أن المضاف مع ~~ذلك محذوف أي لإخلاص ذكري وطلب وجهي. ومنها أن الياء فاعل أي لأني ذكرتها ~~في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح والثنا وأجعل لك لسان صدق. # ومنها أن اللام للوقت كقولك «جئتك لوقت كذا» أي لأوقات ذكري وهي مواقيت ~~الصلاة. # ومنها أن يحمل الذكر على ضد النسيان أي لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل ~~المخلصين في كونهم رطاب اللسان في جميع الأحيان بذكر مولى الأنعام ومولى ~~الإحسان رجال لا # PageV04P521 # تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله [النور: 37] وأراد ذكر الصلاة بعد ~~نسيانها وكان حق العبارة أن يقال لذكرها ms3132 # كقوله صلى الله عليه وسلم «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» » # فلعل المضاف محذوف أي لذكر صلاتي، أو ذكر الصلاة هو ذكر الله فالياء في ~~الأصل منصوب، أو الذكر والنسيان من الله عز وجل في الحقيقة فالياء فاعل. ~~قال الشافعي: من فاتته صلاة يستحب أن يقضيها على ترتيب الأداء ولو ترك ~~الترتيب جاز. ولو دخل عليه وقت فريضة وتذكر فائتة فإن كان في الوقت سعة ~~يستحب أن يبدأ بالفائتة، وإن بدأ بصلاة الوقت جاز إلا إذا ضاق الوقت فإنه ~~يجب الابتداء بصلاة الوقت، وإن تذكر الفائتة بعد ما شرع في صلاة الوقت ~~أتمها ثم قضى الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها. وقال أبو حنيفة: ~~يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم تزيد على صلاة يوم وليلة حتى لو تذكر ~~خلال صلاة الوقت بطلت إلا أن يكون الوقت ضيقا فلا تبطل. حجة الشافعي ما # روي في حديث قتادة أنهم ناموا عن صلاة الفجر ثم انتبهوا بعد طلوع الشمس ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقودوا رواحلهم ثم صلاها، # ولو كان وقت الانتباه متعينا للصلاة لما فعل كذلك. نعم إنه وقت لتقرير ~~الوجوب عليه ثم الوقت موسع بعد ذلك. حجة أبي حنيفة قوله تعالى أقم الصلاة ~~لذكري # وقوله صلى الله عليه وسلم فليصلها «إذا ذكرها» # وفي حديث جابر أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق يسب ~~كفار قريش ويقول: يا رسول الله ما صليت صلاة العصر حتى كادت تغيب الشمس. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا والله ما صليتها بعد. قال: فنزل في ~~البطحاء وصلى العصر بعد ما غابت الشمس ثم صلى المغرب بعدها. # وأما القياس فهما صلاتان فريضتان جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة ~~فأشبهتا صلاني عرفة ومزدلفة. فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون ~~كذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة، وأما إذا دخل في حد الكثرة فيسقط ~~هذا الترتيب. ثم لما أمر موسى بالعبادة عامة وبالصلاة التي ms3133 هي أفضلها خاصة ~~علل ذلك بقوله إن الساعة آتية. # سؤال: «كاد» نفيه إثبات وإثباته نفي. فقوله أكاد أخفيها يكون معناه لا ~~أخفيها وهو باطل لقوله إن الله عنده علم الساعة [لقمان: 34] ولأن قوله. ~~لتجزى كل نفس إنما يليق بالإخفاء لا بالإظهار إذ لو كان المكلف عارفا وقت ~~القيامة وكذا وقت الموت اشتغل بالمعاصي إلى قريب من ذلك الوقت ثم تاب فيكون ~~إغراء على المعصية. PageV04P522 # والجواب لا نسلم أن «كاد» إثباته نفي وإنما هو للمقاربة فقط، والباقي ~~موكول إلى القرينة. # ولئن سلم فالمراد بعدم الإخفاء إخباره بأنها آتية وإن كان وقتها غير معين ~~كأنه قال: أكاد لا أقول هي آتية لفرط إرادة الإخفاء ولولا ما في الإخبار ~~بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وبالغ بعض المفسرين في هذا ~~المعنى فقال: أراد أكاد أخفيها من نفسي أي لو صح إخفاؤها من نفسي لأخفيتها ~~مني وأكدوا ذلك بأنهم وجدوه في مصحف أبي كذلك. فقال قطرب: هذا على عادة ~~العرب في المخاطبة إذا بالغوا في كتمان الشيء قالوا: كتمته من نفسي. وقيل: ~~«كاد» من الله واجب وأراد أنا أخفيها من الخلق كقوله عسى أن يكون قريبا ~~[الاسراء: 51] أي هو قريب قاله الحسن. وعن أبي مسلم أن «أكاد» بمعنى أريد ~~كقوله كذلك كدنا ليوسف [يوسف: 21] ومنه قولهم «لا أفعل ذلك ولا أكاد» أي لا ~~أريد أن أفعله. وقيل: أكاد صلة والمعنى أن الساعة آتية أخفيها. وقال أبو ~~الفتح الموصلي: الهمزة للإزالة أي أكاد أظهرها معناه قرب إظهارها كقوله ~~اقتربت الساعة [القمر: 1] ومثله ما روي عن أبي الدرداء وسعيد بن جبير ~~أخفيها بفتح الهمزة من خفاه إذا أظهره. وقوله لتجزى متعلق ب أخفيها كما ~~قلنا أو ب آتية، فلولا القيامة لم يتميز المطيع من العاصي والمحسن من ~~المسيء وذلك خلاف قضية العدالة والحكمة. واحتجاج المعتزلة بالآية ظاهر لأنه ~~قال بما تسعى أي بسعيها. فلو لم يكن أعمال العباد بسعيهم لم يصح هذا ~~الإسناد، ولو لم يكن الثواب مستحقا على العمل لم يكن لباء ms3134 السببية معنى ~~والجواب أن اعتبارها الوسط لا ينافي انتهاء الكل إلى الله، واستناد الجزاء ~~إلى عنايته الأزلية التي لا علة لها. ومعنى الفاء في فلا يصدنك أنه إذا صح ~~عندك أني أخبرتك بإتيان الساعة فلا تلتفت إلى قول المخالف الذي يصدك عن ~~التصديق بالساعة، لأن قوله ناشىء عن الهوى واتباعه. وجوز أبو مسلم أن يكون ~~الضمير في عنها للصلاة. # والعرب تذكر شيئين ثم ترمي بضميرهما إلى السامع اعتمادا على أنه يرد كلا ~~منهما إلى ما هو له، وزيف بأن هذا إنما يصار إليه عند الضرورة ولا ضرورة ~~هنا. وأما الخطاب فالظاهر أنه لموسى لأن الكلام أجمع معه. وجوز بعضهم أن ~~يكون لنبينا عليه السلام والمقصود الأمة، والنهي عن الصد في الظاهر لمن لا ~~يؤمن بالساعة وهو بالحقيقة نهي لموسى عن التكذيب. والوجه فيه أن صد الكافر ~~عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب، أو صد الكافر مسبب عن ~~رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب كأنه قيل: كن ~~في الدنيا صلبا حتى لا يطمع في إغوائك الكافر. والذي دعا إلى هذا النهي ~~البالغ في معناه هو أن المبطلين والجاحدين كثرة وهي مزلة قدم فعلى المرء أن ~~يكون مع المحقين وإن قلوا لا مع غيرهم وإن كثروا. وفيه # PageV04P523 # حث بليغ على العمل بالدليل وزجر قوي عن التقليد وإنذار بأن الردى والهلاك ~~مع اتباع الهوى. وهاهنا استدل الأصوليون على شرف علمهم ووجوب تعلمه كيلا ~~يتمكن الخصم من تشكيكه. وزعم القاضي أن في نسبة الصد إلى الكافر بالبعث ~~دليلا على أن القبائح إنما تصدر عن العباد. وعورض بالعلم والداعي كما مر ~~مرارا. قال أهل التحقيق: قوله أولا لموسى فاخلع نعليك إشارة إلى التخلية ~~وتحصيل ما ينبغي تحصيله. وأصول ذلك ترجع إلى علم المبدأ وهو قوله إني أنا ~~الله وإلى علم الوسط وهو قوله فاعبدني وإنه مشتمل على الأعمال الجسمانية. ~~وقوله لذكري وهو مشتمل الأعمال الروحانية وإلى علم المعاد وذلك قوله إن ~~الساعة آتية. وأيضا إنه افتتح الخطاب ms3135 بقوله وأنا اخترتك وهو غاية اللطف، ~~وختم الكلام بقوله فلا يصدنك إلى آخره وهو قهر تنبيها على أن رحمته سبقت ~~غضبه، وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف. قوله وما تلك ~~مبتدأ وخبر وبيمينك حال منتصب بمعنى الإشارة أو الاستفهام. وجوز الكوفيون ~~أن يكون تلك اسما موصولا صلته بيمينك أي ما التي بيمينك. قيل: لم يقل بيدك ~~لأنه يحتمل أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر وكان يلتبس عليه الجواب. # أسئلة: ما الفائدة في هذا السؤال؟ جوابه أن الصانع الماهر إذا أراد أن ~~يظهر من الشيء الحقير كقطعة من حديد شيئا شريفا كاللبوس المسرد عرضه على ~~الحاضرين ويقول ما هذا حتى إنه بعد إظهار صنعته يلزمهم بقولهم ويقول: خذوا ~~هذا من ذلك الذي قلتم فكأنه سبحانه قال لموسى: هل تعرف حقيقة ما في يمينك ~~وأنه خشبة يابسة حتى إذا قلبه ثعبانا عظيما كان قد نبهه على كمال قدرته ~~الباهرة. وقال أهل الخطابة: إنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار ~~المتصاعدة من الشجرة إلى السماء، وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ~~ممازجا باللطف والقهر والتكاليف تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من ~~الشمال فقيل له وما تلك بيمينك يا موسى ليعرف موسى أن يمينه هي التي فيها ~~العصا. وأيضا إنه لما تكلم معه بالكلم الإلهية وقرب موسى أن يدهش تكلم معه ~~بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة لا لأن المسئول عنه مما يقع فيه ~~الغلط كما أن السائل لا يجوز عليه الغلط نظيره حال المؤمن في القبر يغلبه ~~الوجل والخجل والحياء فيسأل عن أمر لا يشك فيه في الدنيا وهو التوحيد دفعا ~~للإيحاش وجلبا للاستئناس. وأيضا لما عرف موسى كمال الإلهية أراد أن يعرفه ~~نقصان البشرية فسأله عن منافع العصا فذكر ما ذكر، فعرفه الله تعالى أن فيها ~~منافع أجل مما ذكر تنبيها على أن عقول البشر قاصرة عن خفيات الأمور لولا ~~التوفيق والإرشاد. آخر: خاطب موسى بلا واسطة وخاطب محمدا صلى الله عليه ms3136 ~~وسلم بواسطة جبرائيل، فيلزم أن # PageV04P524 # يكون موسى أفضل. وجوابه المنع بدليل فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] وبيان الأفضلية أن كلامه مع موسى لم يكن سرا وكلامه مع محمد ~~سر لم يستأهل له سواه. # وأيضا حصل لأمته في الدنيا شرف التكليم المصلي يناجي ربه، وفي الآخرة شرف ~~التسليم والتسليم سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] . وأيضا إن موسى كان عند ~~استغراقه في بحر المحبة متعلقا بالعصا ومنافعها، ومحمد عليه السلام لم ~~يلتفت إلى الكونين حين عرضا عليه ما زاغ البصر وما طغى [النجم: 17] بل كان ~~فانيا عن الأغيار باقيا بالواحد القهار ولهذا لم يزد في الثناء حينئذ على # قوله «أنت كما أثنيت على نفسك» «1» . # وهاهنا نكت منها: أنه سبحانه لما أشار إلى العصا واليد بقوله وما تلك ~~بيمينك يا موسى حصل في كل منهما برهان باهر ومعجز ماهر فصار أحدهما- وهو ~~الجماد- حيوانا والآخر- وهو الكثيف- نورانيا لطيفا. ثم إنه تعالى ينظر في ~~كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد فأي عجب أن ينقلب قلبه الجامد ~~المظلم حيا مستنيرا. ومنها أن العصا صارت بين يمين موسى حيا فكيف لا يصير ~~قلب المؤمن الذي هو بين أصبعين من أصابع الرحمن حيا! ومنها أن يصير بمدد ~~نظر الرب في كل يوم مرات بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء. ثم إن جواب ~~موسى عليه السلام يتم بقوله هي عصاي إلا أنه زاد على ذلك لأنه كان يحب ~~المكالمة وكان المقام مقام انبساط وقرب فاغتنم الفرصة وجعل ذلك كالوسيلة ~~إلى درك الغرض. وقيل: هو جواب سؤال آخر كأنه سئل فما تصنع بها فأخذ في ذكر ~~منافعها. وقيل: خاف أن ينكر عليه استصحاب العصا كالنعلين. ومعنى أتوكؤا ~~عليها أغتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة والتركيب ~~يدور على الشد والإيثاق. وأهش بها أي أخبط الورق بها على رؤوس غنمي لتأكله. # والتركيب يدل على الرخاوة واللين ومنه «رجل هش المكسر» أي سهل الشأن فيما ~~يطلب من الحوائج وهو مدح «وهش الخبز» يهش بالكسر إذا كان ms3137 ينكسر لرخاوته. ~~قال المحققون: إن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم كان يتكل على فضل الله ورحمته قائلا مع أمته حسبنا الله ونعم ~~الوكيل [آل عمران: 173] فورد في حقه حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين ~~[الأنفال: 64] أي حسبك وحسب من اتبعك. وأيضا إنه بدأ بمصالح نفسه في قوله ~~أتوكؤا عليها ثم بمصالح رعيته PageV04P525 # بقوله وأهش بها على غنمي ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يشتغل في الدنيا ~~إلا بإصلاح أمر أمته وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] # «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» # فلا جرم يقول موسى يوم القيامة «نفسي نفسي» # ومحمد يقول «أمتي أمتي» . # ثم قال ولي فيها مآرب هي جمع المأربة بضم الراء الحاجة وقد تفتح الراء. # وحكى ابن الأعرابي وقطرب بكسر الراء أيضا ومثله الأرب بفتحتين والإربة ~~بكسر الهمزة وسكون الراء. وإنما قال أخرى لأن المآرب في معنى جماعة ونظيره ~~الأسماء الحسنى. # ومن آياتنا الكبرى قالوا: إنما أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فتطول ~~مكالمته وقالوا: # انقطع بالهيبة كلامه فأجمل. وقيل: في المآرب كانت ذات شعبتين ومحجن فإذا ~~طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا سار ألقاها ~~على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والجراب وغيرها، وإذا كان في ~~البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل، وإذا ~~قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل: إن موسى عليه ~~السلام كان أحس بأنه تعالى إنما سأله عن أمر العصا لمنافع عظيمة فقال: إلهي ~~ما هذه العصا إلا كغيرها ولكنك لما سألت عنها وكلمتني بسببها عرفت أن لي ~~فيها مآرب أخرى. وقيل: كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول ~~البئر وتصير شعبتاها دلوا وتكونان شمعتين بالليل، وإذا ظهر عدو حاربت عنه، ~~وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت ~~تماشيه ويركزها فينبع الماء فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. قلت: هذه ~~الخوارق إن كانت بعد ms3138 نبوة موسى فلا كلام، وإن كانت قبلها ففي صحة الرواية ~~بعد وإلا كان الأنسب تقديمها عند تعدد المنافع. وعلى تقدير صحتها فلعلها ~~إرهاص أو من معجزات شعيب على ما يروى أنه كان قد أعطاها إياه. # قال أهل النكت: إن موسى لما قال ولي فيها مآرب أخرى أراد الله سبحانه أن ~~يعرفه أن فيها مأربة أخرى لا يفطن لها وقال ألقها يا موسى وبوجه آخر كان في ~~رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا، والرجل آلة الهرب واليد آلة ~~الطلب، فأمر بتركهما تنبيها على أن السالك مادام في مقام الطلب والهرب كان ~~مشتغلا بنفسه وطالبا لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان. وفيه ~~أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن له الوصول إلى حضرة ~~الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا، فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك ~~الوصول إلى جنابه؟! قال الكلبي: # الاستطاعة قبل الفعل لأن القدرة على إلقاء العصا إما أن توجد والعصا في ~~يده فذاك قولنا، أو توجد وهي خارجة عن يده وذلك تكليف بأنه يلقي من يده ما ~~ليس في يده. ويمكن أن # PageV04P526 # يجاب بأن القدرة مع إلقاء العصا. قوله فإذا هي حية تسعى [الأعراف: 107] ~~وفي موضع آخر فإذا هي ثعبان وفي آخر كأنها جان [النمل: 10] عبارات عن معبر ~~واحد لأن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والعظيم. وأما ~~الثعبان- وهو العظيم من الحيات- والجان- وهو الدقيق منها- فبينهما تناف في ~~الظاهر لا في التحقيق، لأنها حين انقلابها كانت تكون حية صفراء دقيقة ~~كالجان، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى يصير ثعبانا آخر الأمر. أو أنها كانت ~~في شخص ثعبان وسرعة حركة الجان ولهذا وصفها بالسعي وهو المشي بسرعة وخفة ~~حركة. والعجب أن موسى قال أتوكؤا عليها فصدقه الله تعالى في ذلك وجعلها ~~متكئا له بأن كانت أعظم معجزاته. وإنما قلبها حية في ذلك الوقت لتكون معجزة ~~لموسى عليه السلام يعرف بها نبوة نفسه فإن النداء والنور والكلام لم يكن في ~~ظهور ms3139 الدلالة كهذه، ولأن توالي المعجزات كتتابع الخلع والكرامات. وأيضا ~~لأنه عرضها عليه ليشاهدها ويوطن نفسه عليها حتى لا يخافها عند عدوه فالولي ~~يستر العيوب والعدو يبرز المناقب في صورة المثالب، فكيف إذا وجد مجال طعن ~~وقدح؟! وقد مر في «الأعراف» أن الحية كان لها عرف كعرف الفرس، وكان بين ~~لحييها أربعون ذراعا، فلما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع ~~والنفار ما يملك البشر عند الأهوال حتى ذهل عن الدلائل وأخذ يفر، ولو أنه ~~بلغ حينئذ مقام ففروا إلى الله [الذاريات: 50] لم يفر عن شيء. أو لعله لما ~~حصل له مقام المكالمة بقي في قلبه عجب فأراه الله تعالى أنه بعد في نقص ~~الإمكان ولم يفاوت عالم البشرية وما النصر والتثبيت إلا من الله وحده. # فقد روي أنه لما قال له ربه: لا تخف بلغ من ذهاب خوفه وطمأنينة نفسه أن ~~أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها، # قال الشيخ أبو القاسم الأنصاري: ذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في ~~النبوة، لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه فلا يخافه البتة. وعن بعضهم ~~أنه خافها لأنه عرف ما لقي آدم منها. # قلت: يحتمل أن يكون خوف موسى وهجره إياها من فوات المنافع المعدودة ولهذا ~~علل عدم خوفه بقوله سنعيدها سيرتها الأولى قال جار الله: السيرة من السير ~~كالركبة من الركوب. يقال: سار فلان سيرة حسنة. ثم اتسع فيها فنقلت إلى معنى ~~المذهب والطريقة ومنه سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي في طريقتها ~~الأولى حال ما كانت عصا، أو يكون أعاد منقولا بالهمزة من عاده بنزع الخافض ~~بمعنى عاد إليه فيتعدى إلى مفعولين، أو يكون المراد بالإعادة الإنشاء ~~ثانيا. ونصب سيرتها بفعل مضمر في موضع الحال أي سنعيدها تسير سيرتها الأولى ~~حيث كنت تتوكا عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها. ثم قوى أمره بمعجزة ~~ثانية فقال واضمم يدك إلى جناحك يقال: لكل # PageV04P527 # ناحيتين جناحان ومنه جناحا العسكر وجناحا الإنسان لجنبهما. والأصل ~~المستعار منه جناحا الطائر سميا جناحين ms3140 لأنه يجنحهما عند الطيران أي ~~يميلهما. فقيل: المراد بالآية تحت العضد بدليل قوله تخرج وعن ابن عباس: ~~معناه إلى صدرك. وضعف بأنه لا يطابقه قوله تخرج قلت: لا شك أن الصدر مستور ~~بالقميص فيظهر عند ذلك معنى الخروج ويفسره قوله في موضع آخر وأدخل يدك في ~~جيبك [النمل: 12] والسوء الرداءة والقبح في كل شيء فكنى به عن البرص كما ~~كنى عن العورة بالسوءة. والبرص أبغض شيء عند العرب بحيث تمجه أسماعهم فكان ~~جدير بأن يكنى عنه. ومعنى بيضاء أنها تنور كشعاع الشمس. قال في الكشاف: من ~~غير سوء من صلة البيضاء كما تقول: ابيضت من غير سوء. قلت: لعله أراد أن ~~«من» للتعليل أي ليس البياض هو السوء وإنما السبب غيره وحقيقته ترجع إلى ~~الابتداء. وبيضاء وآية حالان معا أو متداخلتان. واحتمل أن ينتصب اية بمضمر ~~يدل عليه الكلام نحو «خذ ودونك» . وقوله لنريك إما أن يتعلق بهذا المحذوف ~~أو بمحذوف آخر أي لنريك من آياتنا فلعنا ما فعلنا. # ولا يبعد عندي أن يتعلق بالأمرين المذكورين أي ألقها واضمم لنريك قال ~~الحسن: # اليد في الإعجاز أعظم من العصا لأنه تعالى وصفها بالكبرى. وضعف بأنه ليس ~~في اليد إلا تغير اللون وأما في العصا ففيه تغير اللون والزيادة في الحجم ~~وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة، فالمراد لنريك بهاتين الآيتين بعض ~~آياتنا الكبرى. وجوز في الكشاف أن يكون المراد لنريك بهما الكبرى من ~~آياتنا. ويرد عليه لزوم أن تكون الآيات الكبرى منحصرة فيهما وليس كذلك فإن ~~معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكبر من الكل، وكفاك بالقرآن شاهدا ~~على ذلك. ثم صرح بالمقصود من المعجزات فقال اذهب إلى فرعون وخصه بالذكر لأن ~~قومه تبع له. ثم بين العلة في ذلك فقال إنه طغى # وعن وهب أن الله تعالى قال لموسى: استمع كلامي واحفظ وصيتي برسالتي فإنك ~~بعيني وبسمعي وإن معك يدي وبصري وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها ~~القوة في أمري، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي ms3141 وأمن مكري وغرته ~~الدنيا حتى جحد حقي وأنكر تقديسي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي ~~وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار شديدة، ولكن هان علي وسقط من عيني ~~فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي وقل له قولا لينا لا يغتر بلباس ~~الدنيا، وإن ناصيته بيدي لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي في كلام طويل. قال: ~~فسكت موسى سبعة أيام ثم جاءه ملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك # فعنده قال رب اشرح لي صدري قال علماء المعاني: أنهم أولا بقوله رب اشرح ~~لي ويسر لي فعلم أن ثمة مشروحا وميسرا. ثم بين فرفع # PageV04P528 # الإبهام بذكر الصدر والأمر وكان أوكد من جهة الإجمال. ثم التفصيل كان في ~~صدر موسى ضيق كما جاء في موضع آخر ويضيق صدري [الشعراء: 13] فسأل الله أن ~~يبدل الضيق بالسعة حتى يفهم ما أنزل عليه من الوحي. وقيل: أراد شجعني على ~~مخاطبة فرعون وعلى تحمل أعباء الرسالة. واعلم أن الكلام في الدعاء وشرائطه ~~وفوائده وسائر ما يتعلق به قد سبق منا في «البقرة» في تفسير قوله سبحانه ~~وإذا سألك عبادي عني فإني قريب [الآية: 186] . # ولنذكر هاهنا نكتا شريفة: الأولى أنه تعالى كامل في الأزل إلا أنه غير ~~مكمل في الأزل لأن التكميل هو جعل الشيء كاملا ولا شيء معه في الأزل فلا ~~تكميل، وذلك كما يقال: إنه سبحانه لا يعلم عددا مفصلا لحركات أهل الجنة لأن ~~كل ما له عدد مفصل فهو متناه وحركات أهل الجنة غير متناهية فامتنع ذلك لا ~~لقصور في العلم بل لكونه في نفسه ممتنع الحصول. ولما كان الغرض من التكوين ~~تكميل الناقصين، وكان الوجود أول صفة من صفات الكمال أجلس الله سبحانه على ~~هذه المائدة بعض المعدومات، لأنه لو أجلس الكل عليها لدخل في الوجود ما لا ~~نهاية له، ولانتهت القدرة الذاتية لامتناع إيجاد الموجود. وكما أن رحمته ~~اقتضت وضع مائدة الوجود لبعض المعدومات دون بعض حتى صار ذلك البعض حيا ~~مدركا للمنافي والملائم واللذة والألم والخير والشر ms3142 فقال: الأحياء عند ذلك ~~يا رب الأرباب شرفتنا بخلعة الوجود وخلعة الحياة، ولكن ازدادت حاجتنا لأنا- ~~حال العدم وحال الجمادية- ما كنا نحتاج إلى الملائم والمخالف والموافق، وما ~~كنا نخاف المنافي والمؤذي، والآن احتجنا إلى طلب الملائم ودفع المنافي، فإن ~~لم يكن لنا قدرة على الهرب والطلب كنا كالزمن المقعد في الطريق عرضة للآفات ~~وهدفا لسهام البليات، فاقتضت الرحمة الكاملة تخصيص بعض الأحياء بالقدرة كما ~~اقتضت تخصيص بعض المعدومات بالوجود وتخصيص بعض الموجودات بالحياة فقال: ~~القادرون عند ذلك: إلهنا الجواد الكريم إن الحياة والقدرة بلا عقل لا تكون ~~إلا للبهائم المسخرة في حمل الأثقال، فأفض علينا من العقل الذي هو أشرف ~~مخلوقاتك. فأعطى بعضهم العقل فحصل في أرواحهم نور البصيرة وجوهر الهداية ~~ختامه مسك كما أن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كان أفضل المخلوقات، ~~فنظر العقل في نفسه فرأى نفسه كالحقة المملوءة من الجواهر بل كسماء مزينة ~~بالزواهر وهي العلوم الضرورية البديهية المركوزة في بداية العقول وصرائح ~~الأذهان، يهتدي بها السائرون في ظلمات بر الشكوك وبحر الشبهات، فاستدل ~~العقل بتلك الأرقام على راقم، وبتلك النقوش على نقاش، فغلبته دهشة الأنوار ~~الأزلية وكاد يغرق في بحر الفكر، ويضيق عليه نطاق التأمل والتدبر، ويقع في ~~تجاذب أيدي الأعداء الداخلة والخارجة وشياطين الجن والإنس فعند ذلك قال: رب ~~اشرح لي صدري # PageV04P529 # ويسر لي أمري فانتهاء جميع الحوادث اليه وتيسير الأمور الكلية والجزئية ~~من عنده، وهو الذي يعطي القابل قابليته والفاعل فاعليته. # الثانية: إنه تعالى خاطبه أولا بالتوحيد إنني أنا الله لا إله إلا أنا ~~وثانيا بالعبادة فاعبدني وثالثا بمعرفة المعاد إن الساعة آتية ورابعا ~~بمعرفة الحكمة في جملة أفعاله وما تلك بيمينك وخامسا بعرض المعجزات الباهرة ~~عليه لنريك من آياتنا الكبرى وسادسا بإرساله إلى أعظم الناس كفرا وكانت هذه ~~التكاليف الشاقة سببا لضيق العطن وانحلال عقدة الصبر فلا جرم تضرع إلى الله ~~سبحانه قائلا رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري وهاهنا دقيقة هي أن شرح الصدر ~~مقدمة لسطوح الأنوار الإلهية في القلب، والاستماع ms3143 مقدمة الفهم. ولما أعطى ~~موسى المقدمة بقوله فاستمع نسج موسى على ذلك المنوال فقال رب اشرح لي صدري ~~ولما آل الأمر إلى محمد وكان خاتم النبيين ومقصودا من الكائنات ومخاطبا ~~بقوله ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] أوتي النتيجة فقيل له وقل رب زدني علما ~~[طه: 114] ووصف بقوله وسراجا منيرا [الأحزاب: # 46] فشرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلا للنور، والسراج المنير هو المعطي ~~للنور. # فالتفاوت بين موسى ومحمد عليهما السلام هو التفاوت بين الآخذ والمعطي ~~ولهذا قال موسى: اللهم اجعلني من أمة محمد. # الثالثة: إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور أحدها وصف ذاته بالنور ~~الله نور السماوات والأرض [النور: 35] وثانيها الرسول قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين [المائدة: 15] وثالثها الكتاب واتبعوا النور الذي أنزل معه ~~[الأعراف: 157] ورابعها الإيمان يريدون أن يطفؤا نور الله [التوبة: 32] ~~وخامسها عدل الله وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] وسادسها ضياء القمر ~~وجعل القمر فيهن نورا [نوح: 16] وسابعها النهار وجعل الظلمات والنور ~~[الأنعام: 1] وثامنها البينات إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور [المائدة: ~~44] وتاسعها الأنبياء نور على نور [النور: 35] وعاشرها المعرفة مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح [النور: 35] فكأن موسى عليه السلام قال أولا رب اشرح لي ~~صدري بمعرفة أنوار جلال كبريائك. وثانيا رب اشرح لي صدري بالتخلق بأخلاق ~~رسلك وأنبيائك. وثالثا رب اشرح لي صدري باتباع وحيك وامتثال أمرك ونهيك. ~~ورابعا رب اشرح لي صدري بنور الإيمان والإيقان بإلهيتك. وخامسا رب اشرح لي ~~صدري بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك. وسادسا رب اشرح لي صدري ~~بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلالك وعزتك كما فعله إبراهيم صلوات # PageV04P530 # الرحمن عليه. وسابعا رب اشرح لي صدري عن مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة ~~نهار فضلك وليل عدلك. وثامنا رب اشرح لي صدري بالاطلاع على مجامع آياتك ~~ومعاقد بيناتك في أرضك وسمائك. وتاسعا رب اشرح لي صدري في أن أكون خلف صدق ~~أنبيائك المتقدمين متشبها بهم في الانقياد لحكم رب العالمين. وعاشرا رب ~~اشرح لي صدري بأن تجعل سراج ms3144 الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح. # الرابعة: شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير القلب ~~كالسراج، ومستوقد السراج محتاج إلى سبعة أشياء: زند وحجر وحراق وكبريت ~~ومسرجة وفتيلة ودهن. فالزند زند المجاهدة والذين جاهدوا فينا [العنكبوت: ~~69] والحجر حجر التضرع وادعوا ربكم تضرعا وخفية [الأعراف: 55] والحراق منع ~~الهوى ونهى النفس عن الهوى [النازعات: 40] والكبريت الإنابة وأنيبوا إلى ~~ربكم [الزمر: 54] والمسرجة الصبر واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] ~~والفتيلة الشكر لئن شكرتم لأزيدنكم [ابراهيم: 7] والدهن الرضا واصبر لحكم ~~ربك [الطور: 48] ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب ~~المقصود من حضرة ربك بالتضرع والدعاء قائلا رب اشرح لي صدري فهنالك تسمع قد ~~أوتيت سؤلك يا موسى. # الخامسة: هذا النور الروحاني المسمى بشرح الصدر أفضل من الشمس الجسمانية ~~لوجوه أحدها: الشمس يحجبها الغيم، وشمس المعرفة لا تحجبها السموات السبع ~~إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] وثانيها الشمس تغيب ليلا وشمس المعرفة لا ~~تغيب ليلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا [المزمل: 6] والمستغفرين ~~بالأسحار [آل عمران: 17] سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] الليل ~~للعاشقين ستير يا ليت أوقاته تدوم وعند الصباح يحمد القوم السرى. وثالثها ~~الشمس تفنى إذا الشمس كورت [التكوير: 1] والمعرفة لا تفنى أصلها ثابت ~~وفرعها في السماء [ابراهيم: 24] سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] ورابعها ~~الشمس إذا قارنها القمر انكسفت وشمس توحيد المعرفة وهي «أشهد أن لا إله إلا ~~الله» إذا لم تقرن بقمر النبوة وهي «أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» لم يصل نور إلى عالم الجوارح. وخامسها الشمس تسود الوجه والمعرفة ~~تبيض الوجوه يوم تبيض وجوه [آل عمران: 106] وسادسها الشمس تحرق والمعرفة ~~تنجي من الإحراق # «جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» . # وسابعها الشمس # PageV04P531 # تصدع والمعرفة تصعد إليه يصعد الكلم الطيب [فاطر: 10] وثامنها الشمس ~~منفعتها في الدنيا والمعرفة منفعتها في الدارين فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [النحل: 97] وبوجه آخر الشمس زينة ~~لأهل الأرض، والمعرفة زينة لأهل السماء. وتاسعها ms3145 الشمس فوقاني الصورة ~~تحتاني المعنى، والمعارف الإلهية تحتانية الصورة فوقانية المعنى، وفيه أن ~~الخيبة مع الترفع والشرف مع التواضع. وعاشرها الشمس تعرف أحوال الخلق، ~~والمعرفة تصل القلب إلى الخالق. والشمس تقع على الولي والعدو والمعرفة لا ~~تحصل إلا للولي، ولما كان شرح الصدر الذي هو أول مراتب الروحانيات أشرف من ~~أعلى مراتب الجسمانيات بدأ موسى بطلبه قائلا رب اشرح لي صدري. # السادسة: الشمس سراج أوقدها الله تعالى للفناء كل من عليها فان [الرحمن: ~~26] والمعرفة سراج استوقده للبقاء يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ~~[ابراهيم: 27] والذي خلقه للفناء إذا قرب منه الشيطان احترق يجد له شهابا ~~رصدا [الجن: 9] والذي خلقه للبقاء كيف يقرب منه الشيطان رب اشرح لي صدري ~~وأيضا: الشمس في السماء ثم إنها مع بعدها تزيل الظلمة عن بيتك، فشمس ~~المعرفة مع قربها لأنها في قلبك أولى أن تزيل ظلمة المعصية والكفر عن قلبك. ~~وأيضا الإنسان إذا استوقد سراجا فإنه لا يزال يتعهده ويمده، والله تعالى هو ~~الموقد لسراج المعرفة ولكن الله حبب إليكم الإيمان [الحجرات: # 7] أفلا يمده وهو معنى قوله رب اشرح لي صدري. وأيضا إذا كان في البيت ~~سراج فإن اللص لا يقرب منه، وإنه سبحانه قد أوقد سراج المعرفة في قلبك فكيف ~~يقرب الشيطان منه رب اشرح لي صدري وأيضا المجوس إذا أوقدوا نارا لا يجوزون ~~إطفاءها، فالملك القدوس إذا أوقد سراج المعرفة في قلبك كيف يرضى بإطفائها ~~رب اشرح لي صدري. # السابعة: أنه سبحانه أعطى قلب المؤمن تسع كرامات أحدها أومن كان ميتا ~~فأحييناه [الأنعام: 122] # وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» # فيعلم أنه لما خلق أرض القلب فأحياها بنور الإيمان لا يكون لغيره فيها ~~نصيب. وثانيها الشفاء ويشف صدور قوم مؤمنين [التوبة: 14] وفيه أنه إذا وضع ~~الشفاء في العسل بقيت تلك الخاصية فيه أبدا. فإذا وضع الشفاء في الصدر فكيف ~~لا يبقى أبدا؟ وثالثها الطهارة أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~[الحجرات: 3] وفيه أن الصائغ إذا امتحن الذهب فبعد ذلك ms3146 لا يدخله في النار، ~~فالله تعالى لما امتحن قلب المؤمن كيف يدخله النار بعده؟ ورابعها الهداية ~~ومن يؤمن بالله يهد قلبه [التغابن: 11] وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV04P532 # يهدي نفسك والقرآن يهدي روحك والمولى يهدي قلبك، والأول قد يحصل وقد لا ~~يحصل إنك لا تهدي من أحببت [القصص: 56] وكذا الثاني يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا [البقرة: 26] وأما هداية القلب فلا تزول البتة لأن الهادي لا يزول ~~ولكن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [القصص: 56] وخامسها الكتابة أولئك ~~كتب في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] وفيه أن القرطاس إذا كتب فيه القرآن ~~لم يجز إحراقه، فقلب المؤمن الذي فيه القرآن وجميع أحكام ذات الله وصفاته ~~كيف يليق بالكريم إحراقه؟ وأيضا إن بشرا الحافي أكرم قرطاسا فيه اسم الله ~~تعالى فنال سعادة الدارين، فإكرام قلب فيه معرفة الله أولى بذلك. وأيضا إن ~~القرطاس إذا كتب فيه اسم الله الأعظم عظم قدره حتى إنه لا يجوز للجنب ~~والحائض مسه، فالقلب الذي فيه أكرم الموجودات كيف يجوز للشيطان الخبيث أن ~~يمسه؟ وسادسها هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين [الفتح: 4] وفيه أن ~~أبا بكر لما نزلت عليه السكينة في الغار قيل له لا تحزن إن الله معنا. ~~فالمؤمن إذا نزلت السكينة في قلبه لا بد أن يقال له عند قبض الروح: لا تخف ~~ولا تحزن كما قال تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا [فصلت: 30] ~~وسابعها المحبة والزينة كما قال ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم [الحجرات: 6] وفيه أن الدهقان إذا ألقى في الأرض حبة فهو لا يفسدها ~~ولا يحرقها، فهو سبحانه حين ألقى حبة المحبة في أرض القلب كيف يحرقها؟ ~~وثامنها فألف بين قلوبكم [آل عمران: 103] وفيه أن محمدا حين ألف بين قلوب ~~أصحابه ما تركهم غيبة ولا حضورا سلام «علينا وعلى عباد الله الصالحين» ~~فأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين كيف يتركهم سلام قولا من رب رحيم [يس: 58] . # وتاسعها الطمأنينة ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 21] وفيه أن ~~الحاجات غير متناهية ms3147 وما سوى الله فهو متناه، والمتناهي لا يقابل غير ~~المتناهي. فالكافي للمهمات لا يكون إلا من له كمالات غير متناهيات فلا يزيل ~~قلق الحوائج واضطراب الأماني إلا الله سبحانه، وبإزاء هذه الكرامات ورد في ~~حق الكفار أضدادها فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم [التوبة: 127] في قلوبهم مرض [البقرة: # 10] قلوبهم قاسية [المائدة: 13] إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~[الكهف: # 57] ختم الله على قلوبهم [البقرة: 7] أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] بل ~~ران على قلوبهم [المطففين: 14] طبع الله على قلوبهم [النحل: 108] فلأجل تلك ~~الكرامات والهرب من أضدادها قال موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري. # الثامنة: في حقيقة شرح الصدر وذلك أن لا يبقى للقلب التفات إلى الدنيا ~~إلا رغبة # PageV04P533 # بأن يكون متعلق القلب الأهل والولد وتحصيل مصالحهم ودفع المضار عنهم، ولا ~~رهبة بأن يكون خائفا من الأعداء والمنازعين فإن القوة البشرية لضعفها ~~كينبوع صغير، فإذا وزعت على جداول كثيرة ضعف الكل وضاعت وإذا انصب الكل في ~~موضع واحد ظهر أثرها وقويت فائدتها، فسأل موسى ربه أن يوقفه على معايب ~~الدنيا وقبح صفاتها ليكون متوجها بالكلية إلى عالم القدس ومنازل الروحانيات ~~وهذا معنى قوله رب اشرح لي صدري. أو نقول: إنه لما كلف بضبط الوحي في قوله ~~فاستمع لما يوحى وبالمواظبة على خدمة الخالق في قوله فاعبدني فكأنه صار ~~مكلفا بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يمنع من الاشتغال بالآخر فسأل ~~موسى ربه قوة وافية بالطرفين فقال رب اشرح لي صدري أو نقول: معدن النور هو ~~القلب، والاشتغال بما سوى الله- من الزوجة والولد والصديق والعدو بل الجنة ~~والنار- هو الحجاب المانع من وصول نور شمس القلب إلى فضاء الصدر، فإذا قوى ~~الله بصيرة العبد حتى طالع عجز الخلق وقلة فائدتهم في الدارين صغروا في ~~عينه كالذباب والبق والبعوض فلا يدعوه رغبة إلى شيء مما يتعلق بالدنيا ولا ~~رهبة من شيء من ذلك فيصير الكل عنده كالعدم فعند ذلك يزول الحجاب وينفسخ ~~القلب بل الصدر للنور رب اشرح لي ms3148 صدري. # التاسعة: لنضرب مثلا لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة، والصدر ~~كالقلعة، والفؤاد كالصفة، والقلب كالسرير، والروح كالملك، والعقل كالوزير، ~~والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة، والغضب كالا سفهيد ~~الذي يشتغل بالضرب، والتأديب والحواس كالجواسيس، وسائر القوى كالمحترفين ~~والعملة والصناع. ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة ~~والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده، فإذا أخرج الروح وزيره وهو ~~العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى ~~إلى الشيطان. ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته ~~الشهوة، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا، والشهوة تحسن لذات الدنيا. ثم إن ~~الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما # قال «تفكر ساعة خير من عبادة سنة» # فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن ~~العجلة ترى الحسن قبيحا والقبيح حسنا، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة ~~فلهذا # قال صلى الله عليه وسلم «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في ~~شيء إلا شانه» «1» # وخلق السموات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه ~~PageV04P534 # هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة. ثم إن لهذا الصدر ~~الذي هو القلعة خندقا وهو الزهد في الدنيا، وله سور وهو الرغبة في الآخرة. ~~فإن كان الخندق عظيما والسور قويا عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا، وإن ~~كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن ~~بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة، وينحصر الملك في القصر ~~ويضيق الأمر عليه. ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة ~~انفسح وانشرح رب اشرح لي صدري. # النكتة العاشرة: في الفرق بين الصدر والقلب والفؤاد واللب. الصدر مقر ~~الإسلام أفمن شرح الله صدره للإسلام [الزمر: 22] والقلب مقر الإيمان حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [الحجرات: 6] أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~[المجادلة: 22] والفؤاد مقر المشاهدة ما كذب الفؤاد ما رأى [النجم: 11] ~~واللب مقام التوحيد ms3149 إنما يتذكر أولوا الألباب [الزمر: 9] أي الذين خرجوا من ~~قشر الوجود المجازي ويقوا بلب الوجود الحقيقي. ثم إن القلب كاللوح المحفوظ ~~في العالم الصغير فإذا ركب العقل سفينة التوفيق وألقاها في بحار أمواج ~~المعقولات من عالم الروحانيات هبت من مهاب العظمة والكبرياء رخاء السعادة ~~تارة ودبور الأدبار أخرى، فحينئذ يضطر الراكب إلى التماس أنوار الهدايات ~~وطلب انفتاح أبواب السعادات فيقول رب اشرح لي صدري وإنما سأل موسى شرح ~~الصدر دون القلب لأن انشراح الصدر يستلزم انشراح القلب دون العكس. وأيضا ~~شرح الصدر كالمقدمة لشرح القلب والجواد يكفيه الإشارة، فإذا علم أنه طالب ~~للمقدمة فلا يليق بكرمه أن يمنعه النتيجة. وأيضا إنه راعى الأدب في الطلب ~~فاقتصر على طلب الأدنى. فلا جرم أعطى المقصود فقال قد أوتيت سؤلك يا موسى ~~وحين اجترأ في طلب الرؤية بقوله أرني أنظر إليك [الأعراف: 143] أجيب بقوله ~~لن تراني. واعلم أن جميع المهيئات الممكنة كالبلور الصافي الموضع في مقابلة ~~شمس القدس ونور العظمة ومشرق الجلال، فإذا وقع للقلب التفات إليها حصلت له ~~نسبة إليها بأسرها، فينعكس شعاع كبرياء الإلهية من كل واحد منها إلى القلب ~~فيحرق القلب. ومعلوم أن المحرق كلما كان أكثر كان الاحتراق أتم، فلهذا قال ~~موسى رب اشرح لي صدري حتى أقوى على إدراك درجات الممكنات وأصل إلى مقام ~~الاحتراق بأنوار الجلال كما نبينا صلى الله عليه وسلم # «أرني الأشياء كما هي» # وهاهنا دقيقة وهي أن موسى لما زاد لفظة لي في قوله رب اشرح لي دون أن ~~يقول «رب اشرح صدري» علم أنه أراد أن تعود منفعة الشرح إليه فلا جرم يقول ~~يوم القيامة «نفسي نفسي» وإن نبينا صلى الله عليه وسلم لما لم # PageV04P535 # ينس أمته في مقام القرب إذ قيل له # «السلام عليك أيها النبي» فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، # فلا جرم يقول يوم القيامة # «أمتي أمتي» # وشتان ما بين نبي يتضرع إلى الله ويقول رب اشرح لي صدري وبين نبي يخاطب ~~أولا بقوله ألم نشرح لك صدرك [الشرح: ms3150 1] . ولا يخفى أن المراد بالشرح ~~والتيسير عند أهل السنة هو خلقهما، وعند المعتزلة تحريك الدواعي والبواعث ~~بفعل الألطاف المسهلة، فإنه يحتمل أن يكون هناك من الألطاف ما لا يحسن ~~فعلها إلا بعد هذا السؤال. # أما قوله سبحانه واحلل عقدة من لساني فاعلم أن النطق فضيلة عظيمة وموهبة ~~جسيمة ولهذا قال خلق الإنسان علمه البيان [الرحمن: 3، 4] بغير توسط العاطف ~~كأنه إنما يكون خالقا للإنسان إذا علمه البيان. وفي لسان الشاعر وهو زهير: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم. # وعن علي كرم الله وجهه: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة مصورة أو بهيمة ~~مهملة. # وقالت العقلاء: المرء بأصغريه. المرء مخبوء تحت لسانه. وفي مناظرة آدم ~~والملائكة لم تظهر الفضيلة إلا بالنطق. ومن التعريفات المشهورة: إن الإنسان ~~هو الحيوان الناطق، وهذا النطق وإن كان في التحقيق هو إدراك المعاني الكلية ~~لكن النطق اللساني لا ريب أنه أظهر خواص الآدمي وقد نيط به أمر تمدنه ~~والتعبير عما في ضميره فقول موسى رب اشرح لي صدري إشارة إلى طلب النور ~~الواقع في القلب، وقوله ويسر لي أمري رمز الى تسهيل ذلك التحصيل، وقوله ~~واحلل طلب لسهولة أسباب التكميل لأن اللسان آلة إلا فاضة والإفادة وبه ~~يتيسر ذلك الخطب الجسيم والمنصب العظيم. # وحسبك يا فتى شرفا وفخرا ... سكوت الحاضرين وأنت قائل # ومن الناس من مدح الصمت بوجوه منها: # قوله صلى الله عليه وسلم «الصمت حكمة وقليل فاعله» # وقولهم: مقتل الرجل بين فكيه. وفي نوابغ الكلم: يا بني ق فاك لا تقرع ~~قفاك. ومنها أن الكلام خمسة أقسام: فالذي ضرره خالص أو غالب أو مساو للنفع ~~واجب الترك احترازا من السفه والعبث، والذي نفعه خالص أو غالب عسر المراعاة ~~فالأولى تركه. ومنها أنه ما من موجود أو معدوم معلوم أو موهوم إلا واللسان ~~يتناوله بإثبات أو نفي بحق أو بباطل، بخلاف سائر الأعضاء. فالعين لا تصل ~~إلا إلى الألوان والسطوح، والأذن لا تصل إلا إلى الأصوات والحروف، واليد لا ~~تصل إلا إلى ms3151 الأجسام، # PageV04P536 # وكذا باقي الجوارح. أما اللسان فإنه رحب الميدان واسع المضطرب خفيف ~~المئونة سهل التناول لا يحتاج إلى آلات وأدوات للمعصية به فكان الأولى ترك ~~الكلام وإمساك اللسان. # والإنصاف ان الصمت في نفسه ليس بفضيلة لأنه أمر عدمي والنطق في نفسه ~~فضيلة، وإنما يصير رذيلة لأسباب عرضية مما عددها ذلك القائل فيرجع الحق إلى ~~ما # قاله النبي صلى الله عليه وسلم «رحم الله امرأ قال خيرا فغنم أو سكت ~~فسلم» # قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء: الصمت وهو أعمها حتى إنه يستعمل فيما ~~ليس يقوى على النطق كقولهم «مال ناطق أو صامت» . والسكوت وهو ترك الكلام ~~ممن يقدر على الكلام والإنصات هو السكوت مع استماع قال تعالى فاستمعوا له ~~وأنصتوا [الأعراف: 204] والإصاخة وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر ~~والصوت من المكان البعيد. أما العقدة فقيل: إنها كانت في أصل خلقته وعن ابن ~~عباس أنه في حال صباه أخذ بلحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال: هذا هو ~~الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وإن شئت فامتحنه ~~بالتمرة والجمرة. وقيل: بالياقوت والجمر. فأحضرا بين يديه فأراد مد اليد ~~إلى الياقوت فحول جبرائيل يده إلى الجمرة فأخذها ووضعها في فيه فظهر به ~~تعقد وتحبس عن بعض الحروف. فإن صحت هذه الرواية فالنار إنما أحرقته وأثرت ~~فيه إطفاء لثائرة غضب فرعون وإلا فالله سبحانه قادر على دفع الإحراق عن طبع ~~النار كما في حق إبراهيم صلوات الرحمن عليه، وكما في حق موسى حين ألقي في ~~التنور. # ويروى أن يده احترقت أيضا وأن فرعون اجتهد في علاجها فلم يبرأ ولما دعاه ~~قال: الي أي رب تدعوني؟ قال: # إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. # وعن بعض العلماء أنه لم تبرأ يده لئلا ينعقد بينه وبين فرعون حرمة ~~المؤاكلة من قصعة واحدة. وقيل: لم تحرق يده لأن الصولة ظهرت باليد، وإنما ~~احترق اللسان لأنه خاطبه بقوله «يا أبت» . # وما الحكمة في طلب حل العقدة؟ الأظهر كيلا يقع في أداء ms3152 الرسالة خلل فلهذا ~~قال يفقهوا قولي وقيل: لأن العقدة في اللسان قد تقتضي الاستخفاف بالقائل ~~وعدم الالتفات إليه. وقيل: إظهارا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عن ~~الكلام كان معجزا له فكذا إطلاق لسان موسى كان معجزا في حقه. وهل زالت تلك ~~العقدة بالكلية؟ فعن الحسن نعم لقوله قد أوتيت سؤلك يا موسى والأصح أنه بقي ~~بعضها لقوله تعالى حكاية عن فرعون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين [الزخرف: 52] أي يقارب أن لا يبين. # وكان في لسان الحسين بن علي رضي الله عنه رتة أي عجمة في الكلام فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ورثها من عمه موسى. # وفي تنكير عقدة أي عقدة من عقد دلالة # PageV04P537 # على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهما جيدا ولم يطلب الفصاحة الكاملة. ~~وقال أهل التحقيق: وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد صلى الله عليه ~~وسلم فكان أفصح العرب والعجم وقد قال تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن [الإسراء: 34] فلما كان ذلك حقا ليتيم أبي طالب لا جرم ما ~~دار حوله. ومن مطالب موسى قوله واجعل لي وزيرا من أهلي هارون قال أهل ~~الاشتقاق: الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنة، أو من ~~الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه أموره، أو من ~~الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله تعالى اشدد به أزري ~~أي ظهري لأنه محل القوة. قال الجوهري: آزرت فلانا أي عاونته، والعامة تقول: ~~وازرته. وعلى هذا فيكون القياس أزيرا بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه ~~القلب حمل «فعيل على «مفاعل» لاتحاد معنييهما في نحو «عشير» و «جليس» و ~~«صديق» وغيرها. وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير ~~وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء # وقد استحسنه نبينا صلى الله عليه وسلم فقال «إذا أراد الله بملك خيرا قيض ~~له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن نوى خيرا أعانه عليه، وإن ms3153 أراد شرا كفه» ~~«1» # وكان أنوشروان يقول: لا يستغني أجود السيوف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن ~~السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير. وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخرا وشرفا ~~وذكرا أن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى ~~الله سبحانه في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه، فيجب على من أوتي هذه ~~الرتبة أن يؤدي إلى الله حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها، ويزرع في أرض ~~الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده. وقيل: إن موسى خاف على نفسه العجز عن ~~القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين. والأظهر أنه رأى أن ~~التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن ~~التهمة وأعون على الغرض، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال من أنصاري إلى الله ~~[الصف: 14] وخوطب نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله يا أيها النبي حسبك الله ~~ومن اتبعك من المؤمنين [الأنفال: 64] # وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال «إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض ~~وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبوبكر وعمر» ~~«2» # ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به ~~أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقا بأخيه هارون فأراد أن ~~PageV04P538 # يخصه بهذا المنصب الشريف قضاء لحقوق الإخاء، فمن منع المستوجبين فقد ظلم ~~وكان أفصح منه لسانا وأكبر سنا وألين جانبا. قال جار الله: وزيرا وهارون ~~مفعولا اجعل قدم ثانيهما عناية بأمر الوزارة، أو لي ووزيرا مفعولان هارون ~~عطف بيان للوزير وأخي في الوجهين بدل من هارون أو عطف بيان آخر. وقيل: يجوز ~~فيمن قرأ اشدد على الأمر أن يجعل أخي مرفوعا على الابتداء واشدد خبره فيوقف ~~على هارون وشد الأزر به عبارة عن تقويته به وأن يجعله ناصرا له فيما عسى ~~يرد عليه من الشدائد والخطوب، بل يجعله وسيلة له في أمر النبوة وطريق ~~الرسالة لأنه صرح بذلك في قوله وأشركه في أمري. ثم ذكر غاية الأدعية فإن ms3154 ~~المقصد الأسنى هو الاستغراق في بحر التوحيد ونفي الإشراك، فإن التعاون مهيج ~~الرغبات ومسهل سلوك سبل الخيرات فقال كي نسبحك كثيرا أي تسبيحا كثيرا ~~ونذكرك ذكرا كثيرا وقدم التسبيح وهو التنزيه لأن النفي مقدم على الإثبات، ~~فبالأول تزول العقائد الفاسدة، وبالثاني ترتسم النقوش الحسنة المفيدة. ثم ~~ختم الأدعية بقوله إنك كنت بنا بصيرا # وفيه فوائد منها: # أنه فوض استجابة الدعوات إلى عمله بأحوالهما وأنهما بصدد أهلية الإجابة ~~أم لا، وفيه من حسن الأدب ما لا يخفى. ومنها أنه عرض فقره واحتياجه على ~~علمه وأنه مفتقر إلى التعاون والتعاضد ولهذا سأل ما سأل. ومنها أنه أعلم ~~بأحوال أخيه هل يصلح لوزارته أم لا، وأن وزارته هل تصير سببا لكثرة التسبيح ~~والذكر. وحين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم ~~أجاب الله تعالى مطالبه وأنجح مآربه قائلا قد أوتيت سؤلك والسؤل بمعنى ~~المسئول كالخبز بمعنى المخبوز والأكل بمعنى المأكول. # وزيادة قوله يا موسى بعد رعاية الفاصلة لأجل كمال التمييز والتعيين والله ~~أعلم. # بمصالح عبيده. ### | التأويل: # يا من طاب بطهارته بساط النبوة ما أنزلنا عليك القرآن إلا لتسعد بتخلقك ~~بخلقه ويسعد بسببك الأولون والآخرون من أهل السموات وأهل الأرضين. # تنزيلا ممن خلق أرض بشريتك وسموات روحانيتك التي هي أعلى الموجودات ~~الممكنات كما # قال «أول ما خلق الله روحي» . # استوى بصفة الرحمانية على عرش قلبك ليكون معه وقت لا يسعك فيه ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل: له ما في السماوات الروحانية من الصفات الحميدة وما في الأرض ~~البشرية من الصفات الذميمة وما بينهما أي بين سماء الروح وأرض النفس وهو ~~القلب بما فيه من الإيمان والإيقان والصدق والإخلاص وما تحت الثرى أي ما هو ~~مركوز في جبلة الإنسانية: وإن تجهر # PageV04P539 # بالقول # أن يظهر شيء من صفاتك بالقول فإنه يعلم السر وهو ما يظهر من سيرتك وأخفى ~~هو ما أخفى الله من خفيك. والسر في اصطلاح الصوفية لطيفة بين القلب والروح، ~~وهو معدن الأسرار الروحانية. والخفي لطيفة بين الروح والحضرة ms3155 الإلهية وهو ~~مهبط أنوار الربوبية وأسرارها وجملتها المعقولات، وقد يحصل لكل إنسان عند ~~نشأته الأولى وإن كان كافرا. والأخفى لطيفة بين الروح والحضرة الإلهية ~~ويكون عند نشأته الأخرى ولا يحصل إلا لمؤمن موحد صار مهبط الأنوار الربانية ~~وجملتها المشاهدات والمكاشفات وحقائق العلوم اللدنية، ولهذا قال عقيبه الله ~~لا إله إلا هو لأن مظهر الألوهية وصفاته العليا وأسمائه الحسنى هو الخفي ~~الذي لا شيء أقرب إلى الحضرة منه إلا وهو سر وعلم آدم الأسماء كلها ~~[البقرة: 31] وهو حقيقة # قوله «إن الله خلق آدم فتجلى فيه» # وهل أتاك حديث موسى القلب إذ رأى نارا [طه: 10] وهو نور في الحقيقة مأنوس ~~به من جانب طور الروح فقال لأهله وهم النفس وصفاتها امكثوا في ظلمة الطبيعة ~~الحيوانية إني آنست نار المحبة التي لا تبقى ولا تذر من حطب الوجود المجازي ~~شيئا لعلي آتيكم منها بقبس يخرجكم من ظلمات الطبيعة إلى أنوار الشريعة أو ~~أجد على النار هدى بآداب الطريقة إلى الحقيقة فلما أتاها نودي من شجرة ~~القدس بخطاب الإنس فاخلع نعليك أي اترك الالتفات إلى الزوجة والولد فإن ~~النعل يعبر في الرؤيا بهما، أو اترك الالتفات إلى الكونين إنك واصل الى ~~جناب القدس، أو هما المقدمتان في نحو قولنا «العالم محدث وكل محدث فله محدث ~~وموجد» وذلك أنه إذا غرق في لجة العرفان بقيت المقدمات على ساحل الوسائل ~~وأنا اخترتك يا موسى القلب من سائر خلق وجودك من البدن والنفس والسر والروح ~~فاستمع بسمع الطاعة والقبول إنني لما تجليت بأنانية الوهيتي لأنانية وجودك ~~المجازي لا يبقى إلا أنا فاعبدني بإفناء وجودك وأدم المناجاة معي لنيل ذكري ~~إياك بالتجلي. إن قيامة العشق آتية أكاد أخفيها لعظم شأنها إلا أن متقاضى ~~الكرم اقتضى إظهارها لأخص عبيدي لتجزى كل نفس بما تسعى في العبودية من ~~الروح والسر والقلب والنفس والقالب فلما كان سعي الروح بحب الوطن الأصلي ~~للرجوع إلي أمكن إضافة ونفخت فيه من روحي [ص: 72] فجزاؤه من تجلي صفات ~~الجلال بانعدام الناسوتية في اللاهوتية وكان سعي ms3156 السعي بالخلو عن الأكوان ~~لقبول فيض المكون فجزاؤه بإفاضة الفيض الإلهي عليه. وسعي القلب بقطع تعلقات ~~الكونين لتصفيته وقابليته لتجلي صفات الجمال والجلال، فجزاؤه بدوام التجلي ~~وأن يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه من الشراب الطهور الذي يزيل لوث الحدوث عن ~~لوح القلوب لكشف # PageV04P540 # حقائق. وسعي النفس بتبديل الأخلاق وانتفاء الأوصاف الحيوانية، فجزاؤه ~~بإشراق نور ربها لإزالة ظلمة صفاتها واطمئنانها إلى ذكر ربها لتصير قابلة ~~لجذبه ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] وسعي القالب باستعمال أركان الشريعة وآداب ~~الطريقة، فجزاؤه ورفعة الدرجات ونيل الكرامات في الدارين فلا يصدنك عن هذه ~~السعادات النفس الأمارة بالسوء التي لا تؤمن بها. ويحتمل أن يقال: أكاد ~~أخفي الساعة ودخول الجنة والنار لئلا تكون عبادتي مشوبة بطمع الجنة وخوف ~~النار. قالوا: أخطأ موسى في قوله هي عصاي وكان عليه أن يقول «أنت أعلم ~~بحالها مني» وفي قوله أتوكؤا عليها وكان عليه أن يتكىء على لطف الله وكرمه ~~فلهذا قيل له ألقها يا موسى وفي قوله وأهش بها على غنمي إذ نسي أن العصا لا ~~تكون واسطة لرزق أغنامه وإنما الرزاق هو الله. خذها ولا تخف فإن الضار ~~والنافع هو الله وحده فلا يكن خوفك إلا منه ولا رجاؤك إلا به واضمم يد همتك ~~إلى جناح قنوعك تخرج بيضاء نقية عن درن السؤال وعن الطمع وباقي الحقائق ~~مذكور في التفسير. وفي قوله قد أوتيت بلفظ الماضي إشارة إلى أنه أعطي ذلك ~~بالتقدير الأزلي لا بالتدبير العملي والله أعلم بالصواب. ### | [سورة طه (20) : الآيات 37 الى 76] # ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه ~~في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ~~وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم ~~على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من ~~الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) ~~واصطنعتك لنفسي (41) # اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا ms3157 تنيا في ذكري (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~(43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن ~~يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) # فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك ~~بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب ~~على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى (51) # قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات ~~شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أريناه آياتنا كلها ~~فكذب وأبى (56) # قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله ~~فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم ~~يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال ~~لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى ~~(61) # فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان ~~أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ~~ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما ~~أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى (66) # فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى (68) وألق ما ~~في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) ~~فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن ~~آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ms3158 (71) # قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض ~~إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما ~~أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له ~~جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك ~~لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء من تزكى (76) # PageV04P541 ### | القراآت: # ولتصنع بسكون اللام والعين على الأمر: يزيد الآخرون بكسر اللام ونصب ~~العين لنفسي اذهب في ذكري اذهبا بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وابن ~~كثير وأبو عمرو خلقه بفتح اللام على أنه فعل: نصير الباقون بالسكون. مهدا ~~وكذلك في «الزخرف» : عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح. الآخرون مهادا سوى بكسر ~~السين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وعلي الآخرون بالضم لا نخلفه ~~بالجزم جوابا للأمر: يزيد يوم الزينة على الظرف: هبيرة: وقد خاب حيث كان ~~بالإمالة: حمزة فيسحتكم من الإسحات: حمزة وعلي وخلف ورويس وحفص. الباقون ~~بفتح الياء والحاء إن مخففة: ابن كثير وحفص والمفضل. الباقون مشددة. هذين ~~أبو عمرو وهذان بالتشديد: ابن كثير. الباقون بالتخفيف فأجمعوا بهمزة الوصل ~~وفتح الميم أمرا من الجمع: أبو عمرو. والآخرون على لفظ الأمر من الإجماع: ~~وقد أفلح بنقل الحركة إلى الدال حيث كان: ورش وعباس وحمزة في الوقف تخيل ~~بالتاء الفوقانية: ابن ذكوان وروح والمعدل عن زيد الباقون وابن مجاهد عن ~~ابن ذكوان بالتحتانية. # تلقف بالتشديد والرفع على الاستئناف: ابن ذكوان. تلقف بالتخفيف والجزم: # حفص والمفضل. وقرأ البزي وابن فليح مشددة التاء كيد سحر على المصدر: حمزة # PageV04P542 # وعلي وخلف. الباقون كيد ساحر على الوصف. قال آمنتم بالمد: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وابن عامر وأبو جعفر ونافع وابن كثير عن ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ~~قال أمنتم على الخبر بغير مد: حفص وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون ~~أآمنتم بزيادة همزة الاستفهام ومن يأته مختلسة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب ~~غير زيد، وأبو عمرو ms3159 عن طريق الهاشمي عن اليزيدي ومن يأته بسكون الهاء: خلا ~~دور جاء والعجلي وشجاع واليزيدي غير أبي شعيب ويحيى وحماد. الباقون يأته ~~بالإشباع. ### | الوقوف: # أخرى ه لا لأن «إذ» تفسير المرة ما يوحى ه لا لأن ما بعده تفسير ما يوحى ~~وعدو له ط مني ج لأن الواو وقد تكون مقحمة وتعلق اللام ب ألقيت وقد تكون ~~عاطفة على محذوف أي لتحب ولتصنع، ومن جزم اللام وقف على مني لا محالة على ~~عيني م لئلا يوهم أن «إذ» ظرف لتصنع من يكفله ط لانقطاع النظم وانتهاء ~~الاستفهام على أن فاء التعقيب مع اتحاد القصة يجيز الوصل. ولا تحزن ط ~~لابتداء منة أخرى فتونا ه ط يا موسى ه لنفسي ه لا تساق الكلام مع حق الفاء ~~مضمرة ذكري ه ج لمثل ما قلنا والمضمر واو طغى ه للآية مع الفاء يخشى ه يطغى ~~ه وأرى ه ولا تعذبهم ط لأن «قد» لتوكيد الابتداء وقد انقطع النظم على أن ~~اتحاد المقول يجيز الوصل من ربك ط لذلك فإن الواو للابتداء في كتاب ج ~~لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ولا ينسى ه بناء على أن «الذي» صفة الرب ~~والأحسن تقدير هو الذي أو أعني الذي ماء ط للالتفات شتى ه أنعامكم ط النهى ~~ه أخرى ه وأبى ه يا موسى ه سوى ه ضحى ه أتى ه بعذاب ج لاختلاف الجملتين ~~افترى ه النجوى ه المثلى ه صفا ه استعلى ه ألقى ه ألقى ج لأن التقدير ~~فألقوا ما ألقوه فإذا حبالهم مع فاء التعقيب وإذا المفاجأة المنافيين للوقف ~~نفسه ه موسى ه الأعلى ه ما صنعوا ط كيد ساحر ط أتى ه وموسى ه لكم ط السحر ق ~~للقسم المحذوف ولانقطاع النظم مع فاء التعقيب وإتمام مقصود الكلام النخل ج ~~لابتداء معنى القسم ولفظ استفهام يعقبه مع اتفاق الجملة واتحاد الكلام. ~~وأبقى ه قاض ط الحياة الدنيا ط من السحر ط وأبقى ه جهنم ط ولا يحيى ه العلى ~~ه لا ms3160 لأن ما بعده بدل فيها ط تزكى ه. ### | التفسير: # من عليه منا أنعم، ومن عليه منة أي امتن عليه كأن الله سبحانه قال لموسى: ~~إني راعيت صلاحك قبل سؤالك فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال، أو كنت # PageV04P543 # ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول ~~وحرمانا بعد الإحسان وذلك ينافي الكرم الذاتي. قالوا: المنة تهدم الصنيعة ~~فهي نوع من الأذى. # فقوله ولقد مننا عليك يكون من المن لا من المنة، قلت: يحتمل أن لا تكون ~~المنة من المنعم المطلق أذية وإنما تكون تنبها على النعم وإيقاظا من سنة ~~الغفلة حتى يتلقى المكاف النعمة بالشكر والطاعة. وإنما قال مرة أخرى لأن ~~الجملة قصة واحدة وإن كانت مشتملة على من كثيرة، والوحى إلى أم موسى إما أن ~~يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلا، أو عن لسان ملك لا على طريق النبوة ~~كالوحي إلى مريم في قوله وإذ قالت الملائكة يا مريم [آل عمران: 42] أو ~~أراها في المنام أنه وضع ولدها في التابوت وقذف في البحر ثم رده الله ~~إليها، أو ألهمها بذلك، أو لعل الأنبياء المتقدمين كإبراهيم وإسحق ويعقوب ~~أخبروا بذلك وانتهى خبرهم إليها. ومعنى ما يوحى ما يجب أن يوحى لما فيه من ~~المصلحة الدينية ولأنه أمر عظيم ولأنه مما لا يعلم إلا بطريق الوحي. # «وأن» هي المفسرة لأن الإيحاء في معنى القول، والقذف يستعمل بمعنى الوضع ~~أي ضعيه في التابوت وقد مر معناه في «البقرة» في قصة طالوت. قال جار الله: ~~الضميران الباقيان في قوله فاقذفيه في اليم فليلقه عائدان إلى موسى أيضا ~~لئلا يؤدي إلى تنافر النظم، فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف ~~التابوت لزم أن يكون التابوت أيضا مقذوفا وملقى ويؤيده أن الضمير في قوله ~~عدو له لموسى بالضرورة لأن عداوة التابوت غير معقولة. وإذا كان الضمير ~~الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط ~~أيضا له، لأن المعنى صحيح واللفظ متناسب فلا حاجة ms3161 الى العدول اعتمادا على ~~القرينة. واليم هو البحر، والمراد هاهنا نيل مصر والساحل شاطىء البحر. وأصل ~~السحل القشر ولهذا قال ابن دريد: هو مقلوب لأن الماء سحله فهو مسحول. قال ~~أهل الإشارة: من خصوصية انشراح الصدر بنور الوحي أن يقذف في قلبه قذف الولد ~~الذي هو أعز الأشياء في تابوت التوكل وبحر التسليم حتى يلقيه اليم بساحل ~~إرادة الله ومشيئته. يروى أنها جعلت في التابوت قطنا محلوجا فوضعته فيه ~~وجصصته وقيرته ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير ~~فبينا هو جالس على رأس بركة مع آسية إذا بالتابوت فأمر به فأخرج ففتح فإذا ~~صبي أصبح الناس وجها فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. ~~وظاهر اللفظ يدل على أن التابوت التقط من الساحل، فلعل اليم ألقاه بموضع من ~~الساحل فيه فوهة نهر فرعون فأداه النهر إلى البركة. # أما كون فرعون عدوا لله من جهة كفره وعتوه فظاهر، وأما كونه عدوا لموسى ~~وهو صغير # PageV04P544 # فباعتباره المآل، أو لأنه لو ظهر له حاله لقتله فسبحان من يربي حبيبه في ~~حجر عدوه. # قالوا: كان بحضرة فرعون حينئذ أربعمائة غلام وجارية، فحين أشار بأخذ ~~التابوت ووعد من يسبق إلى ذلك الإعتاق تسابقوا جميعا ولم يظفر بأخذه إلا ~~واحد منهم فأعتق الكل. # والنكتة فيه أن عدو الله لم يجوز من كرمه حرمان البعض إذ عزم الكل على ~~الأخذ، فأكرم الأكرمين كيف لا يعتبر عزائم المؤمنين على الطاعة والخير؟ ~~فالمرجو منه إعتاق الكل من النار وإن وقع لبعضهم تقصير في العمل. قوله مني ~~إما أن يتعلق ب ألقيت أو يكون صفة للمحبة أي محبة حاصلة مني وعلى الوجهين ~~فالمحبة إما محبة الله ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإما محبة الناس التي ~~زرعها الله في قلوبهم، فقد يروى أنه كانت على وجهه مسحة جمال وفي عينيه ~~ملاحة لا يكاد يصبر عنه من رآه. قال القاضي: هذا الوجه أقرب لأنه في الصغر ~~لا يوصف بمحبة الله التي يرجع معناها إلى ms3162 إيصال الثواب. ورد بأن محبة الله ~~عبارة عن إرادة الخير والنفع وهو أعم من أن يكون جزاء على العمل أو لا يكون ~~ولهذا بين المحبة بقوله ولتصنع على عيني أي لتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ~~ومراقبك كما يراعى الشيء بالعينين إذا عني بحفظه، ولما كان العالم بالشيء ~~حارسا له عن الآفات كما أن الناظر إليه يحرسه أطلق لفظ العين على العلم ~~لاشتباههما من هذا الوجه. # وأيضا العين سبب الحراسة فأطلق السبب وأريد المسبب، ويقال: عين الله عليك ~~إذا دعي له بالحفظ والحياطة، فالجار والمجرور في موضع الحال من ضمير المبني ~~للمفعول في لتصنع وجوز في الكشاف أن يكون إذ تمشي ظرفا لتصنع وليس بذلك ~~وإنما هو ظرف ب ألقيت أو بدل من إذ أوحينا على الوقتين من زمان واحد واسع ~~يقول الرجل: لقيت فلانا سنة كذا، ثم تقول وأنا لقيته إذ ذاك وربما لقيه هو ~~في أولها وأنت في آخرها. # يروى أنه لما فشا الخبر أن آل فرعون أخذوا غلاما في اليم وأنه لا يرتضع ~~من ثدي امرأة كما قال سبحانه وحرمنا عليه المراضع [القصص: 12] جاءت أخت ~~موسى عليه السلام واسمها مريم متنكرة فقالت هل أدلكم على من يكفله فجاءت ~~بالأم فقبل ثديها وذلك قوله فرجعناك إلى أمك وقال في القصص فرددناه إلى أمه ~~[القصص: 13] تصديقا لقوله إنا رادوه إليك [القصص: 7] كي تقر عينها بلقائك ~~ولا تحزن بسبب وصول لبن غيرها إلى معدتك وقتلت وأنت ابن اثنتي عشرة سنة ~~نفسا هو القبطي الذي يجيء ذكره في القصص فنجيناك من الغم وهو اقتصاص فرعون ~~منك. # وقيل: الغم هو القتل بلغة قريش، أو أراد بالغم خوف عقاب الله وذلك قوله # PageV04P545 # فاغفر لي فغفر له [القصص: 16] وفتناك فتونا مصدر على «فعول» في المتعدي ~~كالشكور والكفور، أو جمع فتن كالظنون للظن، أو جمع فتنة على ترك الاعتداد ~~بتاء التأنيث كبدور في بدرة، وحجوز في حجزة، والفتنة المحنة والابتلاء بخير ~~أو شر قال تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] وفيها معنى ~~التخليص من قولهم «فتنت ms3163 الذهب» إذا أردت تخليصه. عن سعيد بن جبير أنه سأل ~~ابن عباس عن الفتون فقال: أي خلصناك من محنة بعد محنة. ولد في عام كان يقتل ~~فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وأجر نفسه ~~عشر سنين، وضل الطريق، وتفرقت غنمه في ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة ~~فهذه فتنة يا ابن جبير. قال العلماء: لا يجوز إطلاق اسم الفتان على الله ~~تعالى وإن جاء وفتناك لأنه صفة ذم في العرف وستجيء قصة لبثة في أهل مدين ~~وأنه على ثمان مراحل من مصر في سورة القصص إن شاء العزيز. قوله على قدر أي ~~في وقت سبق في قضائي وقدري أن أكلمك وأستنبئك فيه، أو على مقدار من الزمان ~~يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بأخبار ~~شعيب أو غيره. والصنع بالضم مصدر صنع إليه معروفا أو قبيحا أي فعل، ~~والاصطناع «افتعال» منه واستعماله في الخير أكثر، واصطنع فلان فلانا إذا ~~اتخذه صنيعة، واصطنعت فلانا لنفسي إذا اصطنعته وخرجته ومعناه أحسنت إليه ~~حتى إنه يضاف إلي. وقوله لنفسي أي لأصرفن جوامع همتك في أو امري حتى لا ~~تشتغل بغير ما أمرتك به من تبليغ الرسالة وإقامة الحجة. وقال جار الله: مثل ~~حاله بحال من يراه بعض الملوك أهلا للتقريب والتكريم لخصائص فيه فيصطنعه ~~بالكرامة ويستخلصه لنفسه فلا يبصر إلا بعينه ولا يسمع إلا بأذنه ولا يأتمن ~~على مكنون سره سواه. وقال غيره من المعتزلة: إنه سبحانه إذا كلف عباده وجب ~~عليه أن يلطف بهم، ومن حمله الألطاف ما لا يعلم إلا سمعا، فلو لم يصطنعه ~~للرسالة لبقي في عهدة الواجب فهذا أمر فعله الله لأجل نفسه حتى يخرج عن ~~عهدة ما يجب عليه. # ولما عد عليه المنن السابقة بإزاء الأدعية المذكورة رتب على ذكر ذلك أمرا ~~ونهيا. # أما الأمر فقوله اذهب أنت وأخوك وفيه بيان ما لأجله اصطنعه وهو الإبلاغ ~~وأداء الرسالة. بآياتي أي مع آياتي لأنهما لو ذهبا بدونها ms3164 لم يلزمه الإيمان ~~وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد. وما هذه الآيات غير العصا واليد ~~لأنه لم يجر إلا ذكرهما فأطلق الجمع على الاثنين، أو لأن كلا منهما مشتملة ~~على آيات أخر، أو لأنه يستدل بكل منهما على وجود إله قادر على الكل عالم ~~بالكل وعلى نبوة موسى وعلى جواز الحشر حيث # PageV04P546 # انقلب الجماد حيوانا والمظلم مستنيرا ومثله قوله فيه آيات بينات مقام ~~إبراهيم [آل عمران: 97] وقيل: هما مع حل العقدة. وقيل: أراد اذهبا إني ~~أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها. وأما النهي ~~فقوله ولا تنيا بكسر النون مثل تعدا وقرىء تنيا بكسر حرف المضارعة أيضا ~~للإتباع. والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء، والمعنى لا ~~تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمرا من الأمور ~~لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر الله توجب عدم الخوف من ~~غيره. وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه. وقيل: أراد ~~بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلا عن أعظمها فائدة ~~وأتمها عائدة. وقيل: اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب ~~عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب. ~~ما الفائدة في تكرير قوله اذهبا إلى فرعون؟ والجواب بعد التقرير والتأكيد ~~أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معا لا أن ينفرد به موسى، أو الأول أمر ~~بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي. ثم إنه ~~خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل، أو هو كقوله وإذ قتلتم نفسا [البقرة: ~~72] والقاتل واحد منهم. ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ # فقد روى أن الله عز وجل أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى. # وقيل: ألهم بذلك. # وقيل: سمع بخبره فتلقاه. # سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدو المعاند؟ جوابه لأن من عادة الجبابرة ~~إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتوا وعلوا. وقيل: لما له من حق تربية ~~موسى شبه حق الأبوة. # وكيف ذلك ms3165 القول اللين؟ الأصح أنه نحو قوله تعالى هل لك إلى أن تزكى ~~وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: 18، 19] لأن ظاهره الاستفهام والمشهورة ~~وعرض ما فيه صلاح الدارين. وقيل: أراد عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا ~~ينزع منه إلا بالموت، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين ~~موته. حكى عمرو بن دينار قال: بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعا وستين ~~سنة. فقال له موسى: إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة. وقيل: ~~أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. ~~ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة. # بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا فعالج حدته باللين ليكون حليما في أداء ~~الرسالة. # ومعنى الترجي في لعله يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا ~~الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى ~~الحق رجوعا كليا # PageV04P547 # إذا تأمل فأنصف أو يخشى فيقل: إنكاره وإصراره. قالت المعتزلة: جدوى ~~إرسالهما إليه مع العلم بأنه لن يؤمن قطع المعذرة وإلزامه الحجة. وقالت ~~الأشاعرة: العقول قاصرة عن معرفة سر القدر ولا سبيل إلا التسليم وترك ~~الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان. # قالوا: إنه كمن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق بطن نفسه ثم يقول: ~~إني ما أردت بدفع السكين إليه إلا الإحسان. ويروى عن كعب أنه قال: والذي ~~يحلف به كعب إنه مكتوب في التوراة «فقولا له قولا لينا وسأفسي قلبه فلا ~~يؤمن» قالا ربنا فيه دليل على أن هارون أيضا كان حاضرا وقتئذ كما روينا. ~~وسئل أن انشرح صدره وتيسر أمره فكيف قالا إننا نخاف فإن حصول الخوف ينافي ~~شرح الصدر؟ وأجيب بأن المراد من شرح الصدر ضبط الأوامر والنواهي وحفظ ~~الشرائع والأحكام بحيث لا يتطرق إليها خلل وتحريف، وهذا شيء آخر مغاير ~~لزوال الخوف. قلت: لعلهما خافا أن لا يتمكنا من أداء الرسالة بدليل قوله أن ~~يفرط علينا أي يسبق رسالتنا ويبادرنا بالعقوبة ms3166 أو أن يطغى أي يجاوز الحد ~~بأن يقول فيك ما لا ينبغي أو يجاوز حد الاعتدال في معاقبتنا إن لم يعاجل ~~بنا فلا نتمكن من إقامة وظائف الأداء. وأيضا الدليل النقلي السمعي إذا ~~انضاف إلى الدليل العقلي زاده إيقانا وطمأنينة ولهذا قال لا تخافا إنني ~~معكما أي بالنصرة والتأييد أسمع وأرى ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل ~~فأفعل بكما ما يوجب عنايتي وحراستي، فلا يذهب وهمكما إلى أن مواد كرامتي ~~انقطعت عنكما إذا فارقتما مقام المكالمة فصار هذا الوهم سبب خوفكما. ويجوز ~~أن يكون الفعلان متروكي المفعول كأنه قيل: أنا سامع مبصر وإذا كان الحافظ ~~والناصر كذلك تم الحفظ وكملت النصرة. قال بعض الأصوليين: في الآية دلالة ~~على أن الأمر لا يقتضي الفور وإلا كان تعللهما بالخوف معصية وإنها غير ~~جائزة على الرسل في الأصح. وقال بعض المتكلمين: فيها دليل على أن السمع ~~والبصر صفتان زائدتان عن العلم والإلزام التكرار فإن معيته هي بالعلم. ~~ولقائل أن يقول: الخاص يغاير العام ولكن لا يباينه. # ثم كرر الأمر قائلا: فأتياه فقولا فسئل إنهما أمرا بأن يقولا له قولا ~~لينا فكيف غلظاه أولا بقوله إنا رسولا ربك ففيه إيجاب انقياده لهما وإكراهه ~~على طاعتهما وهذا مما يعظم على الجبار. وثانيا بقوله فأرسل معنا بني ~~إسرائيل وفيه إدخال النقص في ملكه لأنه كان يستخدمهم في الأعمال الشاقة. ~~وثالثا بقوله ولا تعذبهم وفيه منعه عما يريده بهم؟ وأجيب بأن هذا القدر من ~~التغليظ ضروري في أداء الرسالة. قيل: أليس الأولى أن يقولا إنا رسولا ربك ~~قد جئناك بآية من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل # PageV04P548 # فيكون ذكر المعجز مقرونا بادعاء الرسالة. والجواب أن قوله فأرسل من تتمة ~~الدعوى، وإنما وحد قوله بآية ومعه آيتان بل آيات لقوله اذهب أنت وأخوك ~~بآياتي لأنه أراد الجنس كأنه قيل: قد جئناك ببيان من عند الله وبرهان. قال ~~في الكشاف: قلت: وفيه أيضا نوع من الأدب كما لو قلت: أنا رجل قد حصلت شيئا ~~من العلم ولعل عندك علوما ms3167 جمة على أن تخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي ~~الزائد عليه. وأيضا الأصل في معجزات موسى كان هي العصا ولهذا وقعت في معرض ~~المعارضة كما أن الأصل في معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم كان هو القرآن ~~فوقع لذلك في حيز التحدي والسلام أي جنس السلامة أو سلام خزنة الجنة على من ~~اتبع الهدى يحتمل أن يكون هذا أيضا مما أمر بأن يقولاه لفرعون، ويحتمل أن ~~تكون الرسالة قد تمت عند قوله بآية من ربك ويكون هذا وعدا بالسلامة من ~~عقوبات الدارين لمن آمن وصدق. قالت الأشاعرة: في قوله أن العذاب أي جنسه أو ~~كل فرد منه على من كذب وتولى دليل على أنه لا يعاقب أحدا من المؤمنين ترك ~~العمل به في بعض الأوقات، فوجب أن يبقى على أصله في نفي الدوام على أن ~~العقاب المتناهي لا نسبة له إلى النعيم المقيم الذي لا نهاية له فكأنه لم ~~يعاقب أصلا. وأيضا العارف بالله قد اتبع الهدى فوجب أن يكون من أهل السلامة ~~قال فمن ربكما يا موسى خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى لأنه الأصل في ~~ادعاء الرسالة وهارون وزيره، ويجوز أنه خص موسى عليه السلام بالنداء لما ~~عرف من فصاحة هارون والرتة التي كانت في لسان موسى. فأراد أن يعجز عن ~~الجواب. قال أهل الأدب: إن فرعون كان شديد البطش جبارا ومع ذلك لم يبدأ ~~بالسفاهة والشغب بل شرع في المناظرة وطلب الحجة، فدل على أن الشغب من غير ~~حجة شيء ما كان يرتضيه فرعون مع كمال جهله وكفره فكيف يليق ذلك بمن يدعي ~~الإسلام والعلم؟! وفي اشتغال موسى بإقامة الدلالة على المطلوب دليل على ~~فساد التقليد وفساد قول القائل بأن معرفة الله تستفاد من قول الرسول، وفيه ~~جواز حكاية كلام المبطل مقرونا بالجواب لئلا يبقى الشك. وفيه أن المحق يجب ~~عليه استماع شبهة المبطل حتى يمكنه الاشتغال بحلها. واعلم أن العلماء ~~اختلفوا في كفر فرعون فقيل: كان عارفا بالله إلا أنه كان معاندا بدليل قوله ~~لقد ms3168 علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض [الاسراء: 102] وقوله ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] وقوله في سورة القصص ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون [الآية: 39] وليس فيه إلا إنكار المعاد دون ~~إنكار المبدأ. وقوله في الشعراء وما رب العالمين إلى قوله إن رسولكم الذي ~~أرسل إليكم لمجنون [الشعراء: 27] # PageV04P549 # يعني أنا أطلب منه الماهية وهو يشرح الوجود فدل على أنه اعترف بأصل ~~الوجود. # وأيضا إن ملك فرعون لم يتجاوز القبط ولم يبلغ الشام لأن موسى لما هرب إلى ~~مدين قال له شعيب لا تخف نجوت من القوم الظالمين [القصص: 25] فكيف يعتقد ~~مثل هذا الشخص إنه إله العالم بل كل عاقل مكلف يعلم بالضرورة أنه وجد بعد ~~العدم فلا يكون واجب الوجود. وأيضا إنه سأل هاهنا بمن طالبا للكيفية، وفي ~~«الشعراء» بما طالبا للماهية فكأن موسى لما أقام الدلالة على الوجود ترك ~~المناظرة والمنازعة معه في هذا المقام لظهوره وشرع في مقام أصعب لأن العلم ~~بماهية الله تعالى غير حاصل للبشر. وأيضا إنه قال في الجواب ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه وصلة الذي لا بد أن تكون جملة معلومة الانتساب. ومن الناس من ~~قال: إنه كان جاهلا بالله بعد اتفاقهم على أن العاقل لا يجوز أن يعتقد في ~~نفسه أنه خالق السموات والأرض وما فيهما. فمنهم من قال: إنه كان دهريا ~~نافيا للمؤثر أصلا. ومنهم من قال: إنه فلسفي قائل بالعلة الموجبة أو هو من ~~عبدة الكواكب، أو من الحلولية والمجسمة. وأم ادعاء الالهية والربوبية ~~فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه. قال بعض العلماء: إنما قال ~~فمن ربكما [طه: 49] ولم يقل «فمن إلهكما» تعريضا بأنه رب موسى كما قال ألم ~~نربك فينا وليدا [الشعراء: 18] قلت: يحتمل أن يكون تخصيص موسى بالنداء ~~تنبيها على هذا المعنى. ولم يعلم الكافر أن الربوبية التي أدعاها موسى لله ~~في قوله إنا رسولا ربك غير هذه في الحقيقة ولا مشاركة بينهما إلا في اللفظ، ~~وهذا كما عارض نمرود إبراهيم صلوات الرحمن عليه في ms3169 قوله أنا أحيي وأميت ~~[البقرة: 258] ولم يعلم أن إحياءه وإماتته ليسا من الإحياء والإماتة في شيء ~~ثم شرع موسى، في الدلالة على إثبات الصانع بأحوال المخلوقات، وفيه دلالة ~~على أن موسى كان أصلا في النبوة وأن هارون راعى الأدب فلم يشتغل بالجواب ~~قبله لأن الأصل في النبوة هو موسى، ولأن فرعون خصص موسى بالنداء. من قرأ ~~خلقه بسكون اللام فإما بمعنى الخليقة أي أعطى الخلائق ما به قوامهم من ~~المطعوم والمشروب والملبوس والمنكوح، ثم هداهم إلى كيفية الانتفاع بها ~~فيستخرجون الحديد من الجبال واللآلئ من البحار ويركبون الأغذية والأدوية ~~والأسلحة والأمتعة ونظير هذا الكلام قوله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ~~[الأعلى: 2، 3] وقوله حكاية عن إبراهيم الذي خلقني فهو يهدين [الشعراء: 78] ~~وإما أن يكون الخلق بمعنى الصورة والشكل أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي ~~يطابق المنفعة المنوطة به فأعطى العين هيئتها التي تطابق الإبصار، والأذن # PageV04P550 # ما يوافق الاستماع، والأنف للشم، واليد للبطش، بل أعطى رجل الآدمي شكلا ~~يوافق سعيه، ورجل الحيوانات الأخر شكلا يطابق مشيها، بل أعطى ذوات القرون ~~رجلا توافق حاجتهن، وكذا الخف والحافر وذوات المخالب. وقيل: أراد وأعطى كل ~~حيوان نظيره في الخلق والصورة فجعل الحصان والحجر زوجين، وكذا البعير ~~والناقة والرجل والمرأة. ومن قرأ خلقه بفتح اللام صفة للمضاف أو المضاف ~~إليه والمفعول الثاني متروك أي كل شيء خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه. # واعلم أن عجائب حكمة الله تعالى في مخلوقاته بحر لا ساحل له، وقد دون ~~العلماء طرفا منها في كتب التشريح وخواص الأحجار والنبات والحيوان، ولنذكر ~~هاهنا واحدا منها هي أن الطبيعي يقول: الثقيل هابط والخفيف صاعد، فالماء ~~لذلك فوق الأرض والهواء فوق الماء والنار فوق الكل. ثم إنه سبحانه جعل ~~العظم والشعر أصلب الأعضاء على طبيعة الأرض وجعل مكانهما فوق البدن. وجعل ~~تحته الدماغ الذي هو بمنزلة الماء وجعل تحته النفس الذي هو الهواء، وجعل ~~تحته الحرارة الغريزية في القلب كالنار ليكون دليلا على وجود الفاعل ~~المختار خلاف ما يقوله الدهري ms3170 والطبيعي وسائر الكفار. وأيضا اختصاص كل جسم ~~بقوة وتركيب وهداية إما أن يكون واجبا أو جائزا، والأول محال وإلا لم يقع ~~فيها تغير. والثاني يستدعي مرجحا فإن كان ذلك المرجح واجب الوجود لذاته فهو ~~المطلوب، وإن كان جائز الوجود افتقر في اتصافه بالوجود إلى موجد، ولا بد من ~~الانتهاء إلى موجد يجب وجوده لذاته. ثم إنه يستغني عن سمات النقص وشوائب ~~الافتقار وليس إلا الله الواحد القهار. # قال أهل النظم: إن موسى عليه السلام لما قرر عليه أمر المبدأ قال فرعون ~~إن كان وجود الواجب في هذا الحد من الظهور فما بال القرون الأولى لم يؤمنوا ~~وجحدوا فعارض الحجة بالتقليد والبال الحال؟ أو أنه لما هدده بالعذاب في ~~قوله أن العذاب على من كذب وتولى قال فما بالهم كذبوا فما عذبوا؟ فأجاب بأن ~~هذا مما استأثر الله بعلمه وما أنا إلا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما يخبرني ~~به علام الغيوب. أو أنه سأله عن أحوال القرون الخالية وعن شقاء من شقي منهم ~~وسعادة من سعد ليصرف موسى عن المقصود ويشغله بالحكايات خوفا من أن يميل ~~قلوب ملته إلى حجته الباهرة ودلائله الظاهرة، فلم يلتفت موسى إلى حديثه بل ~~قال علمها عند ربي ولا يتعلق غرضي بأحوالهم. ويجوز أن يكون الكلام قد انجر ~~ضمنا أو صريحا إلى إحاطة الله سبحانه بكل شيء فنازعه الكافر قائلا: ما بال ~~سوالف القرون في تمادي كثرتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط بهم وبأجزائهم # PageV04P551 # وجواهرهم؟ فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان ~~كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل. وقوله علمها عند ربي مع ~~قوله في كتاب لا يتنافيان، بل المراد أنه تعالى عالم بجميع المغيبات مطلع ~~على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات، ومع ذلك فإن جميع ~~الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول: لعلها أثبتت في ~~اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله لا يضل ربي ولا ينسى قال ~~مجاهد: هما واحد المراد أنه ms3171 لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه. والأكثرون على ~~الفرق فقال القفال: الأول إشارة إلى كونه عالما بالكل، والثاني إشارة إلى ~~بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء، وما علم من ذلك لا ينساه ولا ~~يتغير علمه، يقال: ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له. وقال ~~مقاتل: لا يخطىء ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه. وقال الحسن: لا يخطىء وقت ~~البعث ولا ينساه. # وقال أبو عمر: ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء. وقال ابن جرير: لا ~~يخطىء في التدبير فيعتقد غير الصواب صوابا وإذا عرفه لا ينساه والوجوه ~~متقاربة. والتحقيق ما قاله القفال. وعن ابن عباس: لا يترك من كفر به حتى ~~ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه. # ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السماويات والأرضيات من ~~الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة ~~فقال: الذي جعل لكم الأرض مهدا أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي. قال أبو ~~عبيدة: الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر. وقال غيره: المهد ~~اسم والمهاد جمع. وقال المفضل: هما مصدران وسلك أي حصل لكم فيها سبلا ~~ووسطها بين الجبال والأودية والبراري. يقال: سلكت الشيء في الشيء سلكا ~~بالفتح أي أدخلته فيه فأخرجنا به أي بواسطة إنزال الماء. ومن المتكلمين ~~الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأسا وأزواجا أي أصنافا فأسميت بذلك لأنها ~~مزدوجة مقترن بعضها ببعض. وشتى صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى، أو صفة ~~للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع ~~يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل. ثم هاهنا ~~إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين كلوا وارعوا أنعامكم وذلك أن بعضها يصلح ~~للناس وبعضها يصلح للبهائم، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع ~~كقوله: ولا تأكلوا أموالكم [البقرة: 188] ومن نعم الله تعالى أن أرزاق ~~العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا ~~يقدرون على أكله. قال ms3172 الجوهري: النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها ~~تنهى عن القبيح. # وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدرا كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم ~~هم # PageV04P552 # المنتفعون بالنظر فيها والاستدلال بها على وجود صانعها. منها خلقناكم لأن ~~آدم مخلوق من الأرض. أو لأن بني آدم خلقوا من النطفة ودم الطمث المتولدين ~~من الأغذية المنتهية إلى العناصر الغالبة عليها الأرضية، أو لما ورد في ~~الخبر أن الملك يأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه الآدمي فيذرها على ~~النطفة. وفيها نعيدكم لأن الجسد يصير ترابا فيختلط بالأرض إلا من رفعه الله ~~إلى السماء، وهو أيضا يحتمل أن يعاد إليها بعد ذلك. ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~بالحشر والبعث، أو بأن نخرجكم ترابا وطينا ثم نحييكم بعد الإخراج، أو ~~المراد الإحياء في القبر. وهاهنا بحث وهو أن يكون قوله: # الذي جعل لكم الأرض إلى هاهنا من تتمة كلام موسى، أو هو ابتداء كلام من ~~الله تعالى. وعلى الأول يمكن أن يوجه قوله: فأخرجنا بأن المراد فأخرجنا نحن ~~معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة والزرع أزواجا من نبات شتى إلا أن قوله: ~~كلوا وارعوا إلى قوله: ومنها نخرجكم لا يطابقه. وإن قيل: إن كلام موسى يتم ~~عند قوله: # وأنزل من السماء ماء لم يصلح قوله: فأخرجنا ابتداء كلام من الله لمكان ~~فاء التعقيب، فالصواب أن يتم كلام موسى عند قوله: ولا ينسى. ثم إنه تعالى ~~ابتدأ فقال: # الذي أي هو الذي جعل إلى آخره، وعلى هذا يكون قوله: فأخرجنا من قبيل ~~الالتفات؟؟؟ للكلام وإيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره تخصيصا ~~بأن مثل هذا لا يدخل تحت قدرة أحد سواه. والحاصل أنه تعالى عدد عليهم ما ~~علق بالأرض من المنافع حيث جعلها لهم فراشا يتقلبون عليها عند الإقامة، ~~وسوى لهم فيها مسالك يتقلبون بها في أسفارهم، وأنبت فيها أصناف النبات ~~متاعا لهم ولأنعامهم. ثم إن الأرض لهم كالأم التي منها أنشئوا وهي التي ~~تجمعهم وتضمهم إذا ماتوا. ثم يخرجون من الأجداث خروج الأجنة من الأرحام، ~~ومن ثم ms3173 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تمسحوا بالأرض» # أي ارقدوا واسجدوا عليها من غير حائل، أو تيمموا بها فإنها بكم برة أي ~~إنها لكم كالأم. ومنها خلقناكم وفيها معايشكم وهي بعد الموت كفاتكم. # قوله عز وعلا: ولقد أريناه آياتنا أي عرفناه صحتها. ثم إن كان التعريف ~~يستلزم حصول المعرفة فيكون كفره كفر جحود وعناد كقوله: وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم [النمل: 14] وإلا كان كفر جهالة وضلالة. سؤال الجمع ~~المضاف يفيد العموم ولا سيما إذا أكد بالكل، لكنه تعالى ما أراه جميع ~~الآيات لأن من جملتها ما أظهرها على الأنبياء الأقدمين ولم يتفق لموسى ~~مثلها. الجواب هذا التعريف الإضافي محذو به حذو التعريف العهدي لو قيل ~~الآيات كلها وهي التي ذكرت في قوله: ولقد آتينا موسى تسع آيات # PageV04P553 # بينات [الإسراء: 101] ولو سلم العموم فالمراد أنه أراه الآيات الدالة على ~~التوحيد في قوله: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه وعلى النبوة بإظهار المعجزات ~~القاهرة وعلى المعاد لأن تسليم القدرة على الإنشاء يستلزم تسليم القدرة على ~~الإعادة بالطريق الأولى، أو أراد أنه أراه آياته المختصة به وعدد عليه سائر ~~آيات الأنبياء وإخبار النبي الصادق جار مجرى العيان، أو إراءة بعض الآيات ~~كإراءة الكل كما أن تكذيب بعض الآيات يستلزم تكذيب الكل كما قال: فكذب أي ~~الآيات كلها وأبى قول الحق. قال القاضي: الإباء الامتناع وإنه لا يوصف به ~~إلا من يتمكن من الفعل والترك وإلا لم يتوجه الذم. وجواب الأشاعرة أنه لا ~~يسأل عما يفعل ثم إن فرعون خاف أن تميل قلوب ملته إلى قول موسى فذكر ما ~~يوجب نفار القوم عنه مع القدح في نبوته لادعاء إمكان معارضته قائلا أجئتنا ~~لتخرجنا فإن الإخراج من الديار قرينة القتل بدليل قوله: أن اقتلوا أنفسكم ~~أو اخرجوا من دياركم [النساء: 66] ثم طالب للمعارضة موعدا فإن جعلته زمان ~~الوعد بدليل قوله: # موعدكم يوم الزينة بالرفع كان الضمير في لا نخلفه عائدا إلى الوعد ~~المعلوم من الموعد أو إلى زمان الوعد مجازا. وانتصب مكانا على أنه ظرف ms3174 ~~للوعد المقدر، وإن جعلته مكان الوعد ليكون قوله: موعدكم يوم الزينة مطابقا ~~له معنى، لأنه لا؟؟؟ من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان مشتهر عندهم وكأنه ~~قيل: موعدكم مكان الاجتماع في يوم الزينة. # وإن جعلته مصدرا ليصح وصفه بعدم الإخلاف من غير ارتكاب إضمار، أو؟؟؟ ~~انتصب مكانا على أنه ظرف. # ثم من قرأ يوم الزينة بالنصب فظاهر أي وعدكم أو انجاز وعدكم في يوم ~~الزينة، أو وقت وعدكم في يوم الزينة. وفي يوم يحشر الناس هو ضحى؟؟؟ ذلك ~~اليوم. ومن قرأ بالرفع فيقدر مضاف محذوف أي وعدكم وعد يوم الزينة. و؟؟؟ سوى ~~بالكسر والضم عدلا ووسطا بين الفريقين وهو معنى قول مجاهد. فوصف المكان ~~بالاستواء باعتبار المسافة. وقال ابن زيد: أي مستويا لا يحجب شيئا بارتفاعه ~~وانخفاضه ليسهل على كل الحاضرين ما يجري بين الفريقين. وقال الكلبي: مكانا ~~سوى هذا المكان الذي نحن فيه الآن. قال القاضي: الأظهر أن قوله: موعدكم يوم ~~الزينة من قول فرعون لأنه الطالب للاجتماع. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ~~الأقرب أنه من كلام موسى ليكون الكلام مبنيا على السؤال والجواب، ولأن ~~تعيين يوم الزينة يقتضي إطلاع الكل على ما سيقع وهذا إنما يليق بالمحق ~~الواثق بالغلبة لا بالمبطل المزور، على أن # PageV04P554 # موعدكم خطاب الجمع وليس هناك إلا موسى وهارون، فإما أن يرتكب أن أقل ~~الجمع اثنان وهو مذهب مرجوح، وإما أن يقال الجمع للتعظيم ولم يكن فرعون ~~ليعظمهما، ويوم الزينة يوم عيد لهم يتزينون فيه. وعن مقاتل يوم النيروز، ~~وعن سعيد بن جبير يوم سوق لهم. # وعن ابن عباس: هو يوم عاشوراء. وإنما قال: وأن يحشر من غير تسمية الفاعل ~~لأنهم يجتمعون ذلك اليوم بأنفسهم من غير حاشر لهم. ومحل أن يحشر رفع أو جر ~~عطفا على اليوم أو الزينة عين اليوم. ثم الساعة وهي ضحى ذلك اليوم. وإنما ~~واعدهم ذلك اليوم ليكون علو كلمة الله وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ليهلك ~~من هلك عن بينة ويحيي من حيى عن بينة، وليشيع أمره العجيب في ms3175 الأقطار ~~والأعصار والأطراف والأكناف، ففي ذلك تقوية دين الحق وتكثير راغبيه وقلة ~~شوكة المخالف وتوهين عزائمهم فتولى فرعون انصرف إلى مقام تهيئة الأسباب ~~المعارضة فإن صاحب السحر يحتاج في تدبير السحر إلى طول الزمان ولهذا طلب ~~الموعد وقال مقاتل: أعرض وثبت على إعراضه عن الحق فجمع كيده أي أسباب الكيد ~~وأدوات الحيلة والتمويه من مهرة السحر وغير ذلك ثم أتى الموعد. عن ابن ~~عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا. وقيل: أربعمائة. ~~وقيل: أكثر من ذلك فضرب لفرعون قبة طولها سبعون ذراعا فجلس فيها ينظر إليهم ~~فبين الله تعالى أن موسى قدم قبل كل شيء الوعيد والتحذير على عادة الصالحين ~~من أهل النصح والإشفاق، ولا سيما الأنبياء المبعوثين رحمة للأمم ويلكم نصب ~~على المصدر الذي لا فعل له أو على النداء لا تفتروا على الله كذبا بأن ~~تدعوا آياته ومعجزاته سحرا فيسحتكم السحت لغة أهل الحجاز والإسحات لغة أهل ~~نجد وبني تميم، ومعناه الاستئصال. حذرهم أمرين: أحدهما عذاب الدارين ~~والتنوين للتعظيم، والآخر الخيبة والحرمان عن المقصود فإن التمويه لا بقاء ~~له فتنازعوا أمرهم بينهم كقوله في الكهف: إذ يتنازعون بينهم أمرهم [الكهف: ~~21] أي وقع التنازع بينهم وأسروا النجوى الضمير لفرعون وقومه. وقيل: للسحرة ~~ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة: إن ~~كان ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب: لما قال ويلكم ~~الآية قالوا: ما هذا بقول ساحر. # والأكثرون على الأول وذلك أنهم تفاوضوا وتشاوروا حتى استقروا على شيء ~~واحد وهو أنهم. # قالوا إن هذان ساحران إلى آخر الآية: لا إشكال في قراءة أبي عمرو وكذا في ~~قراءة ابن كثير وحفص، لأنه كقولك «إن زيدا لمنطلق» واللام فارقة بين ~~المخففة والنافية. # PageV04P555 # وأما من قرأ «إن» بالتشديد وهذان بالألف فأورد عليه أن «إن» لم يعمل في ~~المثنى. # وأجيب بأنه على لغة الحرث بن كعب وخثعم وبعض بني عذرة، ونسبها الزجاج إلى ~~كنانة، وابن جني إلى بعض بني ms3176 ربيعة، جعلوا التثنية كعصا وسعدى مما آخره ألف ~~فلم يقلبوها ياء في الجر والنصب. وقيل: «إن» بمعنى «نعم» واعترض أن ما بعده ~~حينئذ يصير كقوله: # أم الحليس لعجوز شهربة ولا يجوز مثله إلا في ضرورة الشعر. وإنما موضع لام ~~الابتداء في السعة هو المبتدأ. والجواب أن القرآن حجة على غيره، وذكر ~~الزجاج في جوابه أن التقدير لهما ساحران فاللام داخلة على صدر الجملة ~~الصغرى. قال: وقد عرضت هذا القول على محمد بن يزيد وعلي وإسماعيل بن إسحق ~~فارتضاه كل منهم وذكروا أنه أجود ما سمعنا في هذا الباب، وضعفه ابن جنى بأن ~~المبتدأ إنما يجوز حذفه لو كان أمرا معلوما جليا وإلا كان تكليفا بعلم ~~الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفا فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام. ~~وأيضا إن الحذف من باب الاختصار والتأكيد من باب الإطناب، فالجمع بينهما ~~محال مع أن ذكر المؤكد وحذف التأكيد أحسن في العقول من العكس. وأيضا امتنع ~~البصريون من جعل النفس في قولك: «زيد ضرب نفسه» تأكيدا للمستكن فدل ذلك على ~~أن تأكيد المنوي غير جائز. وأيضا لو كان ما ذهب إليه الزجاج جائزا لحمل ~~النحويون قول الشاعر على ذلك ولم يحملوه على الاضطرار، ولمن تبصر قول ~~الزجاج أن يجيب عن الأول بأن التأكيد إنما هو لنسبة الخبر إلى المبتدأ لا ~~للمبتدأ وحده، ولو سلم فذكر اللام يدل على المبتدأ المنوي وذكر المبتدأ لا ~~يدل على التأكيد فكان حذف المبتدأ أولى. وعن الثاني بأن الكلام قد يكون ~~موجزا من وجه مطنبا من وجه آخر فلا منافاة، وإنما المنافاة إذا كانت ~~الجهتان واحدة. وعن الثالث بأنهم امتنعوا من حمل النفس على التأكيد في ~~المثال المذكور لأنهم رأوا أن إسناد الفعل إلى المظهر أولى من إسناده إلى ~~المضمر، لا لأن تأكيد المنوي ممتنع على أنا بينا أن المؤكد ليس بمحذوف في ~~الآية مطلقا فإن أحد طرفي الكلام مذكور. وعن الرابع بأن ذهول المتقدمين عن ~~هذا الوجه لا يقتضي كونه باطلا فكم ترك الأول للآخر. # ولنرجع إلى التفسير ms3177 قال الفراء: الطريقة اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين ~~هم قدوة لغيرهم. ويقال: هم طريقة قومهم وهو طريقة قومه، قبح أمر موسى في ~~أعين الحاضرين # PageV04P556 # ونفرهم عنه بأنه ساحر، والطباع نفور عن السحر وبأنه يقصد إخراجكم من ~~دياركم- وهذا أيضا مما يبغض القاصد إليهم- وبأنه يريد أن يذهب بأشراف قومكم ~~وأكابركم قالوا وهم بنو إسرائيل لقول موسى أرسل معنا بني إسرائيل وجعلها ~~الزجاج من باب حذف المضاف أي بأهل طريقتكم المثلى وسموا مذهبهم الطريقة ~~المثلى والسنة الفضلى لأن كل حزب بما لديهم فرحون. والمثلى تأنيث الأمثل أي ~~الأشبه بالحق، ومنهم من فسر الطريقة هاهنا بالجاه والمنصب والرياسة وكان ~~الأمر على ما يقال به. من قرأ فأجمعوا من الجمع فظاهر، ومن قرأ من الإجماع ~~فمعناه اجعلوا كيدكم مجمعا عليه حتى لا تختلفوا نظيره ما مر في سورة يونس ~~فأجمعوا أمركم وشركاءكم [الآية: 71] سماه كيدا لأنه علم أن السحر لا أصل ~~له. وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعا عليه. ثم أمرهم بأن ~~يأتوا صفا أي مصطفين مجتمعين ليكون أهيب في الصدور وأوقع في النفوس. # وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى أي مصلى من المصليات أو هو علم لمصلى ~~بعينه لأن الناس يصطفون فيه لعيدهم وصلواتهم. وقد أفلح اليوم من استعلى أي ~~فاز من غلب وهو اعتراض. واعلم أن قصة السحرة أكثرها يشبه ما مر في ~~«الأعراف» وقد فسرناها هنالك فنحن الآن نقتصر ونذكر ما هو المختص بهذه ~~السورة. إما أن تلقي أي اختر أحد الأمرين إلقاءك أو إلقاءنا فإذا حبالهم هي ~~«إذا» المفاجأة وأصلها الوقت أي فاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم. ~~قال وهب: سحروا أعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك. وقيل: أراد أنه شاهد ~~شيئا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى فيكون تمثيلا ~~فأوجس أضمر في نفسه خيفة هو مفعول فأوجس وموسى فاعله أخر للفاصلة. وذلك ~~الخوف إما من جبلة البشرية حين ذهل عن الدليل وهو قول الحسن، وإما لأنه خاف ~~أن يخالج الناس ms3178 شك فلا يتبعوه قاله مقاتل، أو خاف أن يتأخر نزول الوحي عليه ~~في ذلك الوقت، أو خاف أن يتفرق بعض القوم قبل أن يشاهدوا غلبته، أو خاف ~~تمادي الأمر عليه وتكرره فأزال الله تعالى خوفه مجملا بقوله إنك أنت الأعلى ~~وفيه من أنواع التأكيد ما لا يخفى وهي الاستئناف والتصدير بأن، والتوسيط ~~بالفصل، وكون الخبر معرفا ولفظ العلو ومعناه الغلبة وصورة التفضيل ولا فضل ~~لهم ومفصلا بقوله وألق ما في يمينك لم يقل عصاك لما علم في الأعراف ولما في ~~هذه السورة وما تلك بيمينك وقال جار الله: هو تصغير لشأن العصا وتهوين لأمر ~~السحرة أي ألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك فإنه بقدرة الله ~~يبتلع ما صنعوا أي زوروا وافتعلوا على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها، أو هو ~~تعظيم لشأنها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة لأن في يمينك شيئا ~~أعظم شأنا من كلها إنما صنعوا إن # PageV04P557 # الذي افتعلوه كيد سحر أي ذي سحر، أو ذوي سحر، أو هم في توغلهم في سحرهم ~~كأنهم السحر بعينه، أو الإضافة للبيان أي كيد هو سحر كقولك «علم فقه» وإنما ~~وجد ساحر فيمن قرأ على الوصف ليعلم أن المقصود هو الجنس كما قال. # ولا يفلح الساحر أي هذا الجنس ولو جمع لأوهم أن المراد هو العدد وإنما ~~نكر أولا لأن المراد تنكير الكيد كأنه قال: هذا الذي أتوا به قسم واحد من ~~أقسام السحر أو من أفعال السحرة وجميع أقسام السحر، وأفراد السحرة لا فلاح ~~فيها ومن نظائره «إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا لا في أمر دنيا ولا في أمر ~~آخرة» . ومعنى سبهللا أنه يجيء ويذهب في غير شيء. ومعنى حيث أتى أينما كان ~~وأية سلك فألقي السحرة سجدا قال جار الله: سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ~~ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر في ~~السجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!. وروي أنهم لم يرفعوا رءوسهم حتى ~~رأوا الجنة والنار أو أثواب أهلها، وعن ms3179 عكرمة: لما خروا سجدا أراهم الله في ~~سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة. واستبعده القاضي لأنه كالإلجاء ~~إلى الإيمان وأنه ينافي التكليف. وقلت: إذا كان الإيمان مقدما على هذا ~~الكشف فلا منافاة ولا إلجاء. ثم إن فرعون لعب لعب الحجل وأنكر عليهم ~~إيمانهم وألقى شبهته في البين أنه كبيرهم أي أسحرهم وأعلاهم درجة في ~~الصناعة، أو معلمهم وأستاذهم من قول أهل مكة للمعلم «أمرني كبيري» أي ~~أستاذي في العلم أو غيره، وأوعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف قال في ~~الكشاف: «من» لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو ~~والعضو لا من وفاته إياه. قلت: الأولى أن يقال الخلاف هاهنا بمعنى الجهة ~~المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين ~~المتخالفتين يمينا وشمالا، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها ~~مختلفات الجهات. قيل في جذوع النخل أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها ~~شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف أينا أشد أراد نفسه ~~وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع ~~الهزء به، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف. قلت: ~~يحتمل أن يريد بقوله أينا الله تعالى ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى، وقد ~~سبق عذاب الله في قوله أن العذاب على من كذب وتولى وفي قوله فيسحتكم بعذاب ~~ويؤيده قول السحرة في جوابه والله خير وأبقى لن نؤثرك لن نختارك على ما ~~جاءنا من البينات المعجزات الظاهرات وعلى الذي فطرنا أو الواو للقسم وعلى ~~هذا يجوز أن يكون # PageV04P558 # على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه. وعلى الوجه ~~الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك ~~فاقض ما أنت قاض بما شئت من العذاب إنما تقضي هذه الحياة الدنيا أي في مدة ~~الحياة العاجلة. وقرىء تقضي مبنيا للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف ~~مجرى المفعول به اتساعا مثل صيم ms3180 يوم الجمعة. والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر ~~في مدة حياتنا الفانية، والإيمان وثمرته باق لا يزول، والعقل يقتضي تحمل ~~الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم ~~إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في ~~قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله تعالى فاقض ~~ما أنت قاض والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاما ثم ليبيع دينه بثمن غبن. # ولما كان أقرب خطاياهم عهدا ما أظهروه من السحر قالوا وما أكرهتنا عليه ~~من السحر وفي هذا الإكراه وجوه: عن ابن عباس أن الفراعنة كانوا يكرهون ~~فتيانهم على تعلم السحر ليوم الحاجة فكانوا من ذلك القبيل. وروي أنهم قالوا ~~لفرعون: أرنا موسى نائما ففعل فوجده تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر ~~الساحر لأن الساحر إذا نام بطل سحره فأبوا أن يعارضوه. وعن الحسن أنهم ~~حشروا من المدائن مكرهين، وزعم عمر بن عبيد أن دعوة السلطان إكراه، وليس ~~بقوي فلا إكراه إلا مع الخوف فحيثما وجد حكم بالإكراه وإلا فلا. وباقي ~~الآيات ابتداء إخبار من الله أو هي من تتمة كلامهم فيه قولان، ولعل الأول ~~أولى إنه أي الشأن من يأت ربه أي حيث لا حكم إلا هو فيسقط استدلال المجسمة ~~حال كون الآتي مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها موتة مريحة ولا يحيى حياة ~~ممتعة. قالت المعتزلة: صاحب الكبيرة مجرم وكل مجرم فإن له جهنم بالآية ~~لعموم «من» الشرطية بدليل صحة الاستثناء فيحصل القطع بوعيد أصحاب الكبائر. ~~أجابت الأشاعرة بأن المجرم كثيرا ما يجيء في القرآن بمعنى الكافر كقوله ~~يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر إلى قوله وكنا نكذب بيوم الدين ~~[المدثر: 46] ولا ريب أن التكذيب بالبعث والجزاء كفر، وكقوله إن الذين ~~أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون [المطففين: 29] إلى آخر السورة. فلم ~~قلتم: إن المجرم هاهنا ليس بمعنى الكافر فتبطل المقدمة الأولى؟ سلمنا لكن ~~المقدمة الثانية كليتها ممنوعة على الإطلاق وإنما هي كلية بشرط ms3181 عدم العفو، ~~وحينئذ لا يحصل القطع بالوعيد على الإطلاق. سلمنا المقدمتين والنتيجة لكنه ~~معارض بعموم الوعد في قوله ومن يأته مؤمنا فإن قيل: # PageV04P559 # صاحب الكبيرة لم يأته مؤمنا عندنا. قلنا: يصدق عليه المؤمن لأن الإيمان ~~صدر عنه في الزمان الماضي كالضارب على من قد ضرب أمس وليس بين الحال ~~والزمان الماضي منافاة كلية ولهذا صح «جاءني زيد قد قام» بل صح قوله قد عمل ~~الصالحات وأنه حال آخر فكأنه قيل: ومن يأته قد آمن قد عمل. ولئن قيل: إن ~~عقاب المعصية يحبط ثواب الطاعة. # قلنا: ممنوع بل العكس أولى لأن الدفع أسهل من الرفع وإقامة الحد على ~~التائب في بعض الصور لأجل المحنة لا لأجل التنكيل. وقوله نكالا من الله في ~~حق من لم يتب بعد من السرقة سلمنا أن قوله ومن يأته مؤمنا لا يعم صاحب ~~الكبيرة إلا أن قوله فأولئك لهم الدرجات العلى من الجنة لمن أتى بالإيمان ~~والأعمال الصالحات أي الواجبات، لأن الزائد عليها غير محصور فسائر الدرجات ~~التي غير عالية لا بد أن تكون لغيرهم وما هم إلا العصاة من أهل الإيمان. ثم ~~عظم شأن المذكور بقوله وذلك جزاء من تزكى أي قال «لا إله لا إلا الله» قاله ~~ابن عباس. وفيه دليل على أن قوله ومن يأته مؤمنا يشمل صاحب الكبيرة، وقال ~~آخرون تزكى أي تطهر من دنس الذنوب وعلى هذا يقع صاحب الكبيرة خارجا. ### | [سورة طه (20) : الآيات 77 الى 114] # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا ~~تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ~~(78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا ~~موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك ms3182 رب لترضى (84) قال فإنا قد ~~فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) # قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ~~فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم ~~وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا ~~نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ~~(91) # قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) ~~قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم ~~يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96) # قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر ~~إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما ~~إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (98) كذلك نقص عليك من ~~أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (101) # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم ~~إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا ~~صفصفا (106) # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به ms3183 ~~علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك ~~أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ~~(113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما (114) # PageV04P560 ### | القراآت: # لا تخف دركا بالجزم: حمزة الباقون لا تخاف بالرفع أنجيتكم وواعدتكم ~~ورزقتكم على التوحيد: حمزة وعلي وخلف ووعدناكم من الوعد. # أبو عمرو وسهل ويعقوب فيحل ومن يحلل بالضم فيهما: علي. الآخرون بالكسر ~~بملكنا بفتح الميم: أبو جعفر ونافع، وعاصم غير المفضل بضمها حمزة، وعلي ~~وخلف بكسرها الباقون والمفضل حملنا بفتح الحاء والميم مخففة: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب وحمزة وعلي وخلف سوى حفص. الآخرون بضم الحاء وكسر الميم مشددة ~~تتبعني بالياء الساكنة في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وأفق أبو عمرو ~~ونافع غير إسماعيل في الوصل، وقرأ يزيد وإسماعيل بفتح الياء. الباقون ~~بحذفها. ابن أم # بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. لم تبصروا بتاء ~~الخطاب: # حمزة وعلي وخلف الباقون على الغيبة فنبذتها مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي ~~وخلف ويزيد وهشام وسهل لن تخلفه بكسر اللام: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. ~~الآخرون بفتحها لنحرقنه بفتح النون وضم الراء: يزيد. الآخرون من الحريق. ~~فلا يخف بالجزم على النهي: ابن كثير أن نقضي بالنون مبنيا للفاعل وحيه ~~بالنصب: يعقوب الباقون بالياء مضمومة وبفتح الضاد وحيه بالرفع. # PageV04P561 ### | الوقوف: # يبسا ج لأن قوله لا تخاف يصلح صفة للطريق مع حذف الضمير العائد أي لا ~~تخاف فيه، ويصلح مستأنفا. ومن قرأ لا تخف فوقفه أجوز لعدم العاطف ووقوع ~~الحائل مع تعقب النهي الأمر إلا أن يكون جوابا للأمر فلا يوقف ولا تخشى ه ~~ما غشيهم ط لأن التقدير وقد أضل من قبل على الحال الماضية دون العطف لأنه ~~عند ما غشيه لم يتفرغ للإضلال. وما هدى ه والسلوى ه غضبي ج هوى ه اهتدى ه ~~يا موسى ه لترضى ه ms3184 السامري ه أسفا ج لانتساق الماضي على الماضي بلا ناسق ~~حسنا ط موعدي ه السامري ه لا فنسي ه ط قولا لا للعطف ولا نفعا ه ط فتنتم به ~~ج للابتداء بأن مع اتصال العطف أمري ج موسى ه ألا تتبعن ط أمري ه رأسي # ج للابتداء (بأن) مع اتصال المعنى واتحاد القائل ولي # ه يا سامري ه نفسي ه لا مساس ص لن تخلفه ج لاختلاف الجملتين عاكفا ط ~~للقسم المحذوف نسفا ه إلا هو ط علما ه سبق ج للإستئناف والحال ذكرا ج ه لأن ~~الشرطية تصلح صفة للذكر وتصلح مبتدأ بها وزرا ه لا لأن قوله خالدين حال من ~~الضمير في يحمل وهو عائد إلى «من» ومن للجمع معنى فيه ط حملا ه لا لأن يوم ~~ينفخ بدل من يوم القيامة. زرقا ه ج لأن ما بعده يصلح للصفة وللاستئناف عشرا ~~ه يوما ه نسفا ه لا صفصفا ه لا أمتا ه لا عوج له ج لاختلاف الجملتين همسا ه ~~قولا ه علما ه القيوم ط ظلما ه هضما ه ذكرا ه الحق ج وحيه ز لعطف الجملتين ~~المتفقتين مع اعتراض الظرف وما أضيف إليه علما ه. ### | التفسير: # هذا شروع في قصة إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم وقد تقدم في «البقرة» ~~وفي «الأعراف» وفي «يونس» ومعنى فاضرب لهم طريقا اجعل لهم من قولهم «ضرب له ~~في ماله سهما وضرب اللبن عمله» أو أراد بين لهم طريقا في البحر بالضرب ~~بالعصا حتى ينفلق فعدي الضرب إلى الطريق، ثم بين أن جميع أسباب الأمن حاصلة ~~في ذلك الطريق. واليبس مصدر وصف به ومثله اليبس ونحوهما العدم والعدم ويوصف ~~به المؤنث لذلك فيقال: ناقتنا يبس إذا جف لبنها. والدرك. والدرك اسمان من ~~الإدراك أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. وفي لا تخشى إذا قرىء لا ~~تخف أوجه الاستئناف أي وأنت لا تخشى، وجوز في الكشاف أن يكون الألف للإطلاق ~~من أجل الفاصلة كقوله وتظنون بالله الظنونا [الأحزاب: 10] وأن يكون ms3185 كقول ~~الشاعر: # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # PageV04P562 # أراد لم تر لأن ما قبله: # وتضحك مني شيخة عبشمية قلت: لعل هذا إنما يجوز في الضرورة ولا ضرورة وفي ~~الآية فأتبعهم فرعون الحق بهم جنوده أو تبعهم ومعه جنوده كما مر في «يونس» ~~فغشيهم أي علاهم ورهقهم من اليم ما غشيهم وهذا من جملة ما علم في باب ~~الإيجاز لدلالته على أنه غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله، وقد سلف منه في ~~السور المذكورة ما حكي في الأخبار وروي في الآثار. ونسبة الإضلال إلى فرعون ~~لا تنافي انتهاء الكل إلى إرادة الله ومشيئته. وقوله وما هدى تأكيد للإضلال ~~وفيه تهكم به في قوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [غافر: 38] ثم عدد ما ~~أنعم به على بني إسرائيل، ويجوز أن يكون خطابا لليهود المعاصرين لأن النعمة ~~على الآباء نعمة في حق الأبناء ومثله قوله وواعدناكم جانب الطور الأيمن أي ~~الواقع على يمين من انطلق من مصر إلى الشام لأن منفعة المواعدة عادت إليهم ~~وإن كانت المواعدة لنبيهم فبكتب التوراة في ألواح قام شرعهم واستقام أمر ~~معاشهم ومعادهم. كلوا من تتمة القول. وطغيانهم في الرزق هو شغلهم باللهو ~~والتنعم عن القيام بشكرها وتعدي حدود الله فيها بالإسراف والتقتير والغصب. ~~ومن قرأ فيحل بالكسر فبمعنى الوجوب من قولهم «حل الدين يحل» إذا وجب أداؤه، ~~ومن قرأ بالضم فبمعنى النزول ونزول الغضب نزول نتائجه من العقوبات ~~والمثلات. ومعنى هوى هلك وأصله السقوط من مكان عال كالجبل. وقيل: هوى أي ~~وقع في الهاوية. # سؤال: كيف أثبت المغفرة في حق من استجمع التوبة والإيمان والعمل الصالح، ~~والمغفرة إنما تتصور في حق من أذنب؟ وأيضا ما معنى قوله ثم اهتدى بعد ~~الأمور المذكورة والاهتداء إنما يكون قبلها لا أقل من أن يكون معها؟ الجواب ~~أراد وإني لغفار لمن تاب من الكفر وآمن وعمل صالحا. وفيه دليل لمن ذهب إلى ~~وجوب تقديم التوبة من الكفر على الإيمان. والحاصل أن الغفران يعود إلى ~~الذنوب السابقة على هذه الأمور، ويجوز ms3186 أن يراد أنه إذا تاب من الكفر وأقبل ~~على الإيمان والعمل الصالح فإن الله يغفر الصغائر التي تصدر عنه في خلال ~~ذلك كقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم [النساء: 31] ~~وأما الاهتداء فالمراد به الاستقامة والثبات على الأمور المذكورة كقوله إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] ومعنى «ثم» الدلالة على ~~تباين المرتبتين، فإن المداومة على الخدمة أصعب من الشروع فيها كما قيل: # لكل إلى شأو العلى حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات # ونظير هذا العطف قوله أهلكناها فجاءها بأسنا [الأعراف: 4] وقد مر البحث # PageV04P563 # فيه. ويروى أن موسى قد مضى مع النقباء السبعين إلى الطور على الموعد ~~المضروب، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه وتنجز ما وعد به بناء على اجتهاده ~~وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله فأنكر الله تعالى تقدمه قائلا وما أعجلك عن ~~قومك أي شيء عجل بك عنهم؟ # فالمراد بالقوم النقباء لا جميع قومه على ما توهم بعضهم يؤكده قوله هم ~~أولاء على أثري ولم يكن جميع قومه على أثره. قال جار الله: قد تضمن ما ~~واجهه به رب العزة شيئين: أحدهما إنكار العجلة في نفسها، والثاني السؤال عن ~~سبب التقدم فكان أهم الأمرين إلى موسى تمهيد العذر من العجلة نفسها فاعتل ~~بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير وليس بيني وبينهم إلا مسافة يتقدم بمثلها ~~الوفد رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال وعجلت إليك رب ~~لترضى أي طلبت دوم رضاك عني أو مزيد رضاك بناء على اجتهادي أن التعجيل إلى ~~مقام المكالمة والحرص على ذلك يوجب مزيد الثواب والكرامة. وقيل: لما أنكر ~~عليه الاستعجال دهش خوفا من العقاب فتحير في الجواب قال فإنا قد فتنا قومك ~~يعني جميع قومه الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة ~~العجل إلا اثنا عشر ألفا. يروى أنهم أقاموا بعد مفارقته عشرين ليلة وحسبوها ~~أربعين مع أيامها وقالوا: قد أكملنا العدة. ثم كان أمر العجل بعد ذلك فسئل ~~أنه ms3187 تعالى كيف قال لموسى عنه مقدمه فإنا قد فتنا قومك؟ وأجيب بأنه على عادة ~~الله تعالى في إخباره عن الأمور المترقبة بلفظ الماضي تحقيقا للوقوع، أو ~~أراد بدء الفتنة لأن السامري افترض غيبة موسى فعزم على إضلال قومه غب ~~انطلاقه. ولقائل أن يمنع كون هذه الأخبار عند مقدم موسى عليه السلام بل ~~لعله عند رجوعه بدليل فاء التعقيب في قوله فرجع موسى قال جار الله إنه رجع ~~بعد ما استوفى الأربعين ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأوتي التوراة. وسامري ~~منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل: # السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم. وقيل: كان علجا من كرمان ~~واسمه موسى بن ظفر وكان منافقا وكان من قوم يعبدون البقر. قالت المعتزلة: ~~الفتنة بمعنى الإضلال لا يجوز أن تنسب إلى الله تعالى لأنه يناقض قوله ~~وأضلهم السامري وإنما الفتنة بمعنى الامتحان بتشديد التكليف ومنه «فتنت ~~الذهب بالنار» وبيان ذلك أن السامري لما أخرج لهم العجل صاروا مكلفين بأن ~~يستدلوا بحدوث جملة الأجسام على أن العجل لا يصلح للإلهية. وقالت الأشاعرة: ~~الشبهة في كون الشمس والقمر إلها أعظم من العجل الذي له خوار وهو جسد من ~~الذهب وحينئذ لا يكون حدوث ذلك العجل تشديدا في التكليف، فلا يكون فتنة من ~~هذا الوجه فوجب حمله على خلق الضلال فيهم. وأجابوا عن إضافة الضلال إلى ~~السامري بأن جميع المسببات العادية تضاف إلى أسبابها في الظاهر وإن # PageV04P564 # كان الموجد لها في الحقيقة هو الله تعالى. قال بعضهم: الأسف المغتاظ، ~~وفرق بين الاغتياظ والغضب لأن الغيظ تغير يلحق المغتاظ فلا يصح إلا على ~~الأجسام، والغضب قد يراد به الإضرار بالمغضوب عليه فلهذا صح إطلاقه على ~~الله سبحانه. # ثم عاتب موسى عليه السلام قومه بأمور منها: قوله ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا كأنهم كانوا معترفين بالرب الأكبر لكنهم عبدوا العجل على التأويل الذي ~~تذكر عبدة الأصنام أو على تأويل الحلول. والوعد الحسن هو إنزال التوراة ~~التي فيها هدى ونور. # وقيل: هو الثواب على ms3188 الطاعات ومثله ما روي عن مجاهد أن العهد المذكور من ~~قوله ولا تطغوا فيه إلى قوله ثم اهتدى وقيل: وعدهم إهلاك فرعون ووعدهم ~~أرضهم وديارهم وقد فعل. ومنها قوله أفطال عليكم العهد أي الزمان يريد مدة ~~مفارقته لهم وعدوه أن يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان فاخلفوا ~~موعده بعبادتهم العجل. # وقيل: أراد عهدهم بنعم الله تعالى من الإنجاء وغيره. والأكثرون على الأول ~~لما روي أنه وعدهم ثلاثين كما أمر الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~[الأعراف: 142] فجاء بعد الأربعين لقوله تعالى وأتممناها بعشر ولما روي ~~أنهم حسبوا العشرين أربعين ومنها قوله أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ~~قالوا: هذا لا يمكن إجراؤه على الظاهر لأن أحدا لا يريد هلاك نفسه ولكن ~~المعصية- وهو خلاف الموعد- لما كانت توجب ذلك صح هذا الكلام لأن مريد السبب ~~مريد للمسبب بالعرض. احتج العلماء بالآية وبما مر من قوله فيحل عليكم غضبي ~~أن الغضب من صفات الأفعال لا من صفات الذات لأن صفة ذات الله تعالى لا تنزل ~~في شيء من الأجسام. وموعد موسى هو ما ذكرنا من أنهم وعدوه الإقامة على دينه ~~إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل: وعدوه اللحاق به والمجيء على أثره قالوا ~~ما أخلفنا موعدك بملكنا بالحركات الثلاث أي بأن ملكنا أمرنا أي لو ملكنا ~~أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده. والظاهر ~~أن القائلين هم عبدة العجل. وقيل: إنهم الذين لم يعبدوا العجل وقد يضيف ~~الرجل فعل قرينه إلى نفسه فكأنهم قالوا: الشبهة قوبت على عبدة العجل فلم ~~يقدر على منعهم ولم يقدروا أيضا على مخالفتهم حذرا من التفرقة وزيادة ~~الفتنة. ثم إن القوم بينوا ذلك العذر المجمل فقالوا ولكنا حملنا أوزارا من ~~زينة القوم أي أثقالا من حلي القبط كما مر في «الأعراف» . # وقيل: الأوزار الآثام وإنها في الحقيقة أثقال مخصوصة معنوية سموا بذلك ~~لأن المغانم لم تحل حينئذ أو لأنهم كانوا مستأمنين في دار الحرب وليس ~~للمستأمن أن يأخذ مال ms3189 الحربي. # وقيل: إن تلك الحلي كان القبط يتزينون بها في مجامع الكفر ومجالس المعاصي ~~فلذلك # PageV04P565 # وصفت بأنها أوزار كما يقال في آلات المعاصي. فقذفناها أي في الحفرة، كان ~~هارون أمرهم بجمع الحلي انتظارا لعود موسى، أو في موضع أمرهم السامري بذلك ~~بعد أن أوقد النار فكذلك ألقى السامري مثل فعلنا أراهم أنه يلقي حليا في ~~يده مثل ما ألقوه. وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حافر فرس جبريل ~~كما يجيء في قوله فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها فأخرج لهم عجلا جسدا له ~~خوار قد مر في «الأعراف» فقالوا أي السامري ومن تبعه هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي موسى أن يطلبه هاهنا فذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري وترك ما ~~كان عليه من الإيمان الظاهر، أو نسي الاستدلال على أن العجل لا يجوز أن ~~يكون إلها بقوله أفلا يرون ألا يرجع «أن» مخففة من الثقيلة ولهذا لم تعمل. ~~وقرىء بالنصب على أنها الناصبة. قال العلماء: ظهور الخوارق على يد مدعي ~~الإلهية جائز لأنه لا يحصل الالتباس، وهاهنا كذلك فوجب أن لا يمتنع خلق ~~الحياة في صورة العجل. # وروى عكرمة عن ابن عباس أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما ~~تصنع؟ فقال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي. فقال: اللهم أعطه ما سألك. فلما ~~مضى هارون قال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار. # وعلى هذا التقدير يكون معجزا للنبي لا السامري. ثم إنه سبحانه أخبر أن ~~هارون لم يأل نصحا وإشفاقا في شأن نفسه وفي شأن القوم قبل أن يقول لهم ~~السامري ما قال. أما شفقته على نفسه فهي أنه أدخلها في زمرة الآمرين ~~بالمعروف الناهين عن المنكر، أما الامتثال فإنه امتثل في نفسه وفي شأن ~~القوم أمر أخيه حين قال لهم يا قوم إنما فتنتم به قال جار الله: كأنهم أول ~~ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة فتنوا به واستحسنوه فقبل أن ينطق ~~السامري بادرهم هارون فزجرهم عن الباطل أولا بأن هذا ms3190 من جملة الفتن. # ثم دعاهم إلى الحق بقوله وإن ربكم الرحمن ومن فوائد تخصيص هذا الاسم ~~بالمقام أنهم إن تابوا عما عزموا عليه فإن الله يرحمهم ويقبل توبتهم. ثم ~~بين أن الوسيلة إلى معرفة كيفية عبادة الله هو اتباع النبي وطاعته فقال ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري وهذا ترتيب في غاية الحسن. واعلم أن الشفقة على خلق ~~الله أصل عظيم في الدين وقاعدة متينة. # روى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في ~~توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر ~~والحمى» «1» # ويروى أن PageV04P566 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس إذا نظر إلى شاب على باب ~~المسجد فقال: # من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه. فسمع الشاب ذلك فولى ~~وقال: إلهي وسيدي هذا رسولك يشهد علي بأني من أهل النار وأنا أعلم أنه ~~صادق، فإذا كان الأمر كذلك فأسألك أن تجعلني فداء أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وتشعل النار بي حتى يبر يمينه ولا تسفع النار أحدا. فهبط جبريل وقال: ~~يا محمد بشر الشاب بأني قد أنقذته من النار بتصديقه لك وفداء أمتك بنفسه ~~وشفقته على الخلق. # قال أهل السنة هاهنا: إن الشيعة تمسكوا # بقوله صلى الله عليه وسلم «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» «1» . # ثم إن هارون ما منعته التقية في مثل ذلك الجمع بل صعد المنبر وصرح بالحق ~~ودعا الناس إلى متابعته، فلو كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الخطأ ~~لكان يجب على علي كرم الله وجهه أن يفعل ما فعل هارون من غير تقية وخوف. ~~وللشيعة أن يقولوا: إن هارون صرح بالحق وخاف فسكت ولهذا عاتبه موسى بما ~~عاتب فاعتدر ب إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني [الأعراف: 15] وهكذا علي ~~رضي الله عنه امتنع أولا من البيعة فلما آل الأمر إلى ما آل أعطاهم ما ~~سألوا. وإنما قلت هذا على سبيل البحث لا لأجل التعصب. ثم إن القوم قابلوا ~~حسن موعظة ms3191 هارون بالتقليد والجحود قائلين لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع ~~إلينا موسى ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي ب ~~«لن» ، ومن لفظ البراح والعكوف، ومن صيغة اسم الفاعل، ومن تقديم الخبر. ثم ~~حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا ~~تتبعن كقوله ما منعك ألا تسجد [الأعراف: 12] في أن «لا» هذه مزيدة أم لا؟. ~~وقد مر في «الأعراف» . وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من ~~اتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم. وقال مقاتل: أراد ~~الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قاتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر ~~كما كنت أباشره. قال الأصوليون: في قوله أفعصيت أمري دلالة على أن تارك ~~المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب لقوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم [الجن: 22] فيعلم منه أن الأمر للوجوب. واحتج الطاعنون في عصمة ~~الأنبياء بأن موسى عليه السلام هل أمر هارون باتباعه أم لا؟ وعلى التقدير ~~فهارون أتبعه أم لا؟ فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من ~~غير جرم تكون ذنبا، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصيا. وأيضا قوله أفعصيت ~~بمعنى الإنكار. فإما أن يكون موسى PageV04P567 # كاذبا في نسبة العصيان إلى هارون، وإما أن يكون هارون عاصيا. وأيضا أخذه ~~بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاص وإلا فموسى. ~~وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في ~~أوائل «البقرة» في قصة آدم ما يتعلق بهذه المسألة. # قوله: لم ترقب قولي # أي وصيتي لك بحفظ الدهماء واجتماع الشمل يؤيده قوله: ني خشيت أن تقول ~~فرقت # قال الإمام أبو القاسم الأنصاري: الهداية أنفع من الدلالة فإن السحرة ما ~~رأوا إلا آية واحدة فآمنوا وتحملوا في الدين ما تحملوا، وأما قوم موسى فقد ~~رأوا ذلك مع زيادة سائر الآيات التسع ومع ذلك اغتروا بصوت العجل وعكفوا ms3192 على ~~عبادته، فعرفنا أن الغرض لا يحصل إلا بهداية الله تعالى. ولما فرغ موسى من ~~عتاب هارون أقبل على السامري، ويمكن أن يكون بعيدا ثم حضر أو ذهب إليه موسى ~~ليخاطبه. # قال جار الله: الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه. فإذا قيل: لمن يفعل شيئا ~~ما خطبك؟ # فمعناه ما طلبك له والغرض منه الإنكار عليه وتعظيم صنيعه قال أي السامري ~~بصرت بما لم يبصروا به قال ابن عباس ورواه أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا ~~به من البصارة يعني العلم. وقال الآخرون: رأيت بما لم تروه فالباء للتعدية، ~~رجح العلماء قراءة الغيبة على الخطاب احترازا من نسبة عدم البصارة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم. والقبضة بالفتح مصدر بمعنى المفعول وهو المقبوض ~~بجميع الكف. عامة المفسرين على أن المراد بالرسول جبريل عليه السلام وأثره ~~التراب الذي أخذه من موقع حافر دابته واسمها حيزوم فرس الحياة. ومتى رآه؟ ~~الأكثرون على أنه رآه يوم فلق البحر كان جبريل على الرمكة وفرعون على حصان ~~وكان لا يدخل البحر، فتقدم جبريل فتبعه فرس فرعون. # وعن علي رضي الله عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره ~~السامري من بين الناس وكان راكب حيزوم فقال: إن لهذا شأنا فقبض من تربة ~~موطئه. # فمعنى الآية فقبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد. ثم من ~~المفسرين من جوز أن السامري لم يعرف أنه جبريل ومنهم من قال: إنه عرفه. عن ~~ابن عباس: إنما عرفه لأنه رباه في صغره وحفظه من القتل حين أمر فرعون بقتل ~~أولاد بني إسرائيل. فكانت المرأة تلد وتطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون ~~فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس. فكان ~~السامري أخذه جبريل وجعل كف نفسه في فيه وارتضع منه العسل واللبن فلم يزل ~~يختلف إليه حتى عرفه. وقال أبو مسلم: إطلاق الرسول على جبريل في # PageV04P568 # المقام من غير قرينة تكليف بعلم الغيب. وأيضا تخصيص السامري من بين الناس ~~برؤية جبريل وبمعرفة خاصية تراب حافر ms3193 دابته لا يخلو عن تعسف، ولو جاز اطلاع ~~بعض الكفرة على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول: لعل موسى اطلع على شيء آخر ~~لأجله قدر على الخوارق. فالأولى أن يراد بالرسول موسى فقد يواجه الحاضر ~~بلفظ الغائب كما يقال: ما قول الأمير في كذا؟ ويكون إطلاق الرسول منه على ~~موسى نوعا من التهكم لأنه كان كافرا به مكذبا. وأراد بأثره سنته ورسمه من ~~قولهم «فلان يقفو أثر فلان» أي عرفت أن الذي عليه ليس بحق وقد كنت قبضت ~~شيئا من سنتك فطرحتها. فعلى قول العامة يكون قوله: # وكذلك سولت لي نفسي إشارة إلى ما أوحي إليه وليه الشيطان أن تلك التربة ~~إذا نبذت على الجماد صار حيوانا. وعلى قول أبي مسلم يشير إلى أن اتباع أثرك ~~كان من تسويلات النفس الأمارة فلذلك تركته. ثم بين موسى أن له عقوبة في ~~الدنيا وعقوبة في الآخرة. # يروى أنه أراد أن يقتله فمنعه الله من ذلك وقال: لا تقتله فإنه سخي. # وفي قوله: # لا مساس وجوه: الأول إنه حرم عليه مماسة الناس لأنه إذا اتفق أن هناك ~~مماسة فأحدهم الماس والثاني الممسوس فلذلك إذا رأى أحدا صاح لا مساس. ~~ويقال: إن قومه باق فيهم ذلك إلى الآن الثاني: أن المراد منع الناس من ~~مخالطته. قال مقاتل: إن موسى أخرجه من محلة بني إسرائيل وقال له: اخرج أنت ~~وأهلك طريدا إلى البراري. اعترض الواحدي عليه بأن الرجل إذا صار مهجورا فلا ~~يقول: هو لا مساس. وإنما يقال له ذلك. # وأجيب بأن هذا على الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك لم ~~تقل إلا لا مساس. والثالث: قول أبي مسلم إن المراد انقطاع نسله وأن يخبر ~~بأنه لا يمكن له مماسة المرأة أي مجامعتها. وأما حاله في الآخرة فلذلك ~~قوله: وإن لك موعدا لن تخلفه قال جار الله: من قرأ بكسر اللام فهو من أخلفت ~~الموعد إذا وجدته خلفا. ثم بين مآل حال إلهه فقال: وانظر إلى إلهك الذي ظلت ~~عليه عاكفا ms3194 أي ظللت فحذف إحدى اللامين تخفيفا لنحرقنه من الإحراق ففيه دليل ~~على أنه صار لحما ودما لأن الذهب لا يمكن إحراقه بالنار ونسفه في الميم. ~~قال السدي: أمر موسى بذبحه فسال منه الدم ثم أحرق ثم نسف. والنسف النقض ومن ~~جعله من الحرق أي لنبردنه بالمبرد ففيه دلالة على أنه لم ينقلب حيوانا إلا ~~إذا أريد برد عظامه. ومن جعله من التحريق فإنه يحتمل الوجهين والمراد إهدار ~~السامري وإبطال كيده ومحق صنيعه والله خير الماكرين. ثم ختم الكلام ببيان ~~الدين الحق فقال: إنما إلهكم أي المستحق للعباد والتعظيم الله الذي لا إله ~~إلا هو وسع كل شيء علما قد مر مثله في «الأنعام» قال مقاتل: أي يعلم من ~~يعبده. # PageV04P569 # وحين فرغ من قصة موسى شرع في تثبيت رسولنا صلى الله عليه وسلم فقال: # كذلك أي نحو اقتصصنا عليك قصة موسى وفرعون والسامري نقص عليك من سائر ~~أخبار الرسل مع أممهم تكثيرا لمعجزاتك. ثم عظم شأن القرآن بقوله: وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا أي ما ذكر فيه كل ما يحتاج إليه المكلف في دينه وفي ~~دنياه والوزر العقوبة الثقيلة التي تنقض ظهر صاحبها، أو المراد جزاء الوزر ~~وهو الإثم خالدين فيه أي في ذلك الوزر أو في احتماله وساء فيه ضمير مبهم ~~يفسره حملا والمخصوص محذوف للقرينة أي ساء حملا وزرهم. واللام في لهم ~~للبيان كما في هيت لك [يوسف: # 23] ويجوز أن يكون «ساء» بمعنى «قبح» ويكون فيه ضمير الوزر. وانتصب حملا ~~على التمييز ولهم حال من حملا ولا أدري لم أنكره صاحب الكشاف، اللهم إلا أن ~~يمنع وقوع الحال من التمييز وفيه نظر. قال ابن السكيت: الحمل بالفتح ما كان ~~في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس. وفي الصور قولان: # أشهرهما أنه القرن يؤيده قوله: فإذا نقر في الناقور [المدثر: 8] وإنه ~~تعالى يعرف أمور الآخرة بأمثال ما شوهد في الدنيا ومن عادة الناس النفخ في ~~البوقات عند الأسفار وفي العساكر فجعل الله تعالى النفخ ms3195 في تلك الآلة علامة ~~لخراب الدنيا ولإعادة الأموات. # وأقربهما من المعقول أن الصور جمع صورة يؤكده قراءة من قرأ بفتح الواو. ~~يقال: صورة وصورة كدرة ودرر. والنفخ نفخ الروح فيها ولكنه يرد عليه أن ~~النفخ يتكرر لقوله تعالى: # ثم نفخ فيه أخرى [الزمر: 68] والإحياء لا يتكرر بعد الموت إلا ما ثبت من ~~سؤال القبر وليس هو بمراد من النفخة الأولى بالاتفاق ونحشر المجرمين. عن ~~ابن عباس: # هم الذين اتخذوا مع الله إلها آخر. وقال المعتزلة: هم الكفار والعصاة. ~~وفي الزرق وجوه: قال الضحاك ومقاتل: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون ~~إلى العرب، لأن الروم أعداؤهم وإنهم زرق العيون، ومن كلامهم في صفة العدو ~~«أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين» . وقال الكلبي: زرقا أي عميا. قال ~~الزجاج: يخرجون بصراء في أول أمرهم لقوله: ليوم تشخص فيه الأبصار [إبراهيم: ~~42] ولقوله: اقرأ كتابك [الإسراء: 14] ثم يؤل حالهم إلى العمى وإن حدقة من ~~يذهب نور بصرة تزرق. وقيل: # زرقا أي عطاشا لقوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا [مريم: 86] فكأنهم من ~~شدة العطش يتغير سواد عيونهم حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي يتخافتون يتسارون ~~بينهم من شدة خوفهم أو لأن صدورهم امتلأت رعبا، وهؤلاء يستقصرون مدة لبثهم ~~في الدنيا إما لأنها أيام سرورهم وهن قصار، وإما لأنها قد انقضت والذاهب ~~قليل وإن طال ولا سيما بالنسبة إلى الأبد السرمدي كأن ظنينهم يقول: قدر ~~لبثنا في الدنيا بالقياس إلى # PageV04P570 # لبثنا في الآخرة كعشرة أيام. فقال أعقلهم: بل كاليوم الواحد. وإنما قال: ~~عشرا لأن المراد عشر ليال. وقال مقاتل: أراد عشر ساعات أي بعض يوم. وعلى ~~هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم. وقيل: المراد لبثهم في القبور. # قال أهل النظم: كأن سائلا سأل: كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال ~~حائلة مانعة؟ فلذلك قال: ويسئلونك عن الجبال وقال الضحاك: إن مشركي مكة ~~قالوا على سبيل الاستهزاء: يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة؟ ~~فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث- منهم جالينوس- ~~زعم أن الأفلاك ms3196 لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى ~~البطلان، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية، فأمر الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء ~~التعقيب في الجواب. والنسف القلع. وقال الخليل: التطيير والإذهاب كأنه ~~يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها. وحاصل الجواب أن كل بطلان لا ~~يلزم أن يكون ذبوليا بل قد يكون رفعيا. والضمير في فيذرها للمضاف المحذوف ~~أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله: ما ترك على ظهرها ~~[فاطر: 45] والقاع المستوي من الأرض. وقيل: المكان المطمئن. وقيل: مستنقع ~~الماء. # والصفصف الأرض الملساء المستوية. وقيل: التي لا نبات فيها. والأمت النتو ~~اليسير. # وقيل: التلال الصغار. قالوا: العوج بالكسر في المعاني وكأنه سبحانه نفى ~~العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي، وإذا كان هذا ~~النوع من العوج الاعتباري منتفيا فكيف بالعوج الحسي! وقد يستدل بالآية على ~~أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول ~~مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك. ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بأن ~~الخلائق فيه يتبعون الداعي قيل: هو النفخ في الصور. وقوله: لا عوج له أي لا ~~يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل. وقيل: إن إسرافيل أو ملكا آخر يقوم على ~~صخرة بيت المقدس ينادي: أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم ~~المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعو بل يتبعون صوته من ~~غير انحراف. وخشعت الأصوات للرحمن خفضت من شدة الفزع فلا تسمع أيها السامع ~~إلا همسا وهو الصوت الخفي. وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه، ~~وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه. ~~وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر. قوله: ~~إلا من أذن له الرحمن يصلح أن يكون «من» منتصبا على # PageV04P571 # المفعولية وأن يكون مرفوعا على البدلية بتقدير حذف المضاف ms3197 أي لا تنفع ~~الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن ورضي له أي لأجله قولا. # قال الإمام فخر الدين الرازي: الاحتمال الأول أولى لعدم التزام الإضمار، ~~ولأن درجة الشافع درجة عظيمة فلا تصلح ولا تحصل إلا لمن أذن له فيها وكان ~~عند الله مرضيا. فلو حملنا الآية على ذلك كان من إيضاح الواضحات بخلاف ما ~~لو حملت على المشفوع. وأقول: الاحتمالان متقاربان متلازمان لأن المشفوع لا ~~تقبل الشفاعة في حقه إلا إذا أذن الرحمن لأجله فيعود إلى الثاني. قالت ~~المعتزلة: الفاسق غير مرضي عند الله تعالى فوجب أن لا ينتفع بشفاعة الرسول. ~~وأجيب بأنه قد رضي لأجله قولا واحدا من أقواله وهو كلمة الشهادة. قالوا: هب ~~أن الفاسق قد رضي الله قولا لأجله، فلم قلتم إن الإذن حاصل للشافع في حقه؟ ~~والجواب أنا أيضا نمنع من أن الإذن غير حاصل في حقه على أنه قال في موضع ~~آخر ولا يشفعون إلا لمن ارتضى [الأنبياء: 28] فلم يعتبر إلا أحد القيدين. ~~ثم أخبر عن نهاية علمه بقوله: يعلم ما بين أيديهم. الضمير للذين يتبعون ~~الداعي أي يعلم ما يقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه ولا يحيطون بمعلومه ~~علما. # وقال الكلبي ومقاتل: الضمير للشافعين من الملائكة والأنبياء كما مر في ~~آية الكرسي. وفيه تقريع لمن يعبد الملائكة ليشفعوا له أي يعلم ما كان قبل ~~خلقهم وما كان منهم بعد خلقهم من أمر الآخرة والثواب والعقاب وإنهم لا ~~يعلمون شيئا من ذلك فكيف يصلحون للمعبودية. ثم ذكر غاية قدرته فقال: وعنت ~~الوجوه أي زلت رقاب الممكنات منقادين لأمره كالأسارى. عنا يعنو عنوا إذا ~~صار أسيرا. وقيل: أراد وجوه العصاة في القيامة كقوله: سيئت وجوه الذين ~~كفروا [الملك: 27] ولعله خص الوجوه بالذكر لأن أثر الذل والانكسار فيها ~~أبين وأظهر. قال جار الله: وقد خاب وما بعده اعتراض أي كل من ظلم فهو خائب ~~خاسر. ولأهل السنة أن يخصوا الظلم هاهنا بالشرك أو يعارضوا هذا العموم ~~بعمومات الوعد. من قرأ فلا يخاف بالرفع فعلى الاستئناف أي فهو ms3198 لا يخاف ~~كقوله: فينتقم الله منه [المائدة: 95] ومن قرأ فلا يخف فمعناه فليأمن له ~~لأن النهي عن الخوف أمر بالأمن. من فسر الظلم بأنه الأخذ فوق حقه بالنقص من ~~حقه كصفة المطففين فيقدر مضافا محذوفا أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم لأنه ~~لم يظلم ولم يهضم، ومن فسر الظلم بأنه العقاب لا على جريمة والهضم بأنه ~~النقص من الثواب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. قال أبو مسلم: الظلم أن ينقص ~~من الثواب والهضم أن لا يوفى حقه من التعظيم لأن الثواب مع كونه من اللذات ~~لا يكون ثوابا إلا إذا قارنه التعظيم. # PageV04P572 # قال جار الله: وكذلك عطف على قوله: كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال وعلى ~~نهجه، وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله ~~عربيا لأن العرب أصل وغيرهم تبع لأن النبي عربي. وصرفنا فيه من الوعيد ~~كررناه وفصلناه ويدخل في ضمنه الفرائض والمحارم لأن الوعيد يتعلق بترك ~~أحدهما وبفعل الآخر لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا حمل جار الله الأول على ~~إرادة ترك المعاصي والثاني على فعل الخير والطاعة، لأن الذكر قد يطلق على ~~الطاعة والعبادة. قلت: لا ريب أن القرآن ينفر عن السيئات ويبعث على الطاعات ~~من حيث إن فهم معانيه يؤذي إلى ذلك، وإنما قدم الأول على الثاني لأن ~~التخلية مقدمة على التحلية. ويحتمل أن تكون التقوى عبارة عن فعل الخيرات ~~وترك المنكرات جميعا. والذكر يكون محمولا على ضد النسيان أي إن نسوا شيئا ~~من التروك والأفعال أحدث لهم ذكرا إذا تأملوا معانية. وكلمة «أو» على الأول ~~للتخيير والإباحة لا للتنافي، وعلى الثاني يجوز أن تكون للتنافي. وقيل: ~~أراد أنزلنا القرآن ليتقوا فإن لم يحصل ذلك فلا أقل من أن يوجب القرآن لهم ~~ذكرا أي شرفا ومنصبا كقوله: # وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] وعلى التقديرين يكون في إنزال القرآن ~~نفع. # ثم عظم شأن القرآن من وجه آخر وهو عظمة شأن منزلة قائلا فتعالى الله ~~الملك الحق ارتفع صفاته عن صفات المخلوقين أنزل القرآن ms3199 ليحترزوا عما لا ~~ينبغي وأنه منزه عن الانتفاع والتضرر بطاعاتهم ومعاصيهم. ومعنى الحق قد مر ~~في البسملة. قال جار الله: فيه استعظام له ولما يصرف عليه عباده من أوامره ~~ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه وغير ذلك كما يجري عليه ~~أمر ملكوته. قال أبو مسلم: إن قوله: ويسئلونك عن الجبال إلى هاهنا كلام ~~تام. وقوله: ولا تعجل خطاب مستأنف. وقال آخرون: إنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يخاف أن يفوته شيء فيقرأ مع الملك، فإنه تعالى حين شرح كيفية نفع القرآن ~~للمكلفين وبين أنه سبحانه متعال عن الانتفاع والتضرر بالطاعات والمعاصي. # وأنه موصوف بالملك الدائم والعز بالباقي، وكل من كان كذلك وجب أن يصون ~~رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي وما يتعلق بصلاح العباد في المعاش ~~والمعاد. قال: # ولا تعجل بالقرآن لأنه حصل لك الأمان من السهو والنسيان من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه أي من قبل أن تتم قراءة جبريل ونحوه قوله لا تحرك به لسانك لتعجل ~~به # [القيامة: 16] قاله مقاتل والسدي وابن عباس في رواية عطاء. وقال مجاهد ~~وقتادة: أراد ولا تعجل بالقرآن فتقرأ على أصحابك من قبل أن يوحي إليك بيان ~~معانية أي لا تبلغ ما كان مجملا حتى يأتيك البيان. وقال الضحاك: إن أهل مكة ~~وأسقف نجران قالوا: # PageV04P573 # يا محمد، أخبرنا عن كذا وكذا وقد ضربنا لك أجلا ثلاثة أيام فأبطأ الوحي ~~عليه وفشت المقالة أن اليهود قد غلبوا فنزلت هذه الآية. أي لا تعجل بنزول ~~القرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه من اللوح المحفوظ إلى إسرافيل ومنه ~~جبرائيل ومنه إليك. # وعن الحسن: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: زوجي لطم وجهي ~~فقال: بينكما القصاص فنزلت الآية فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~القصاص. # وإنما نشأت هذه الأقوال لأن قوله: ولا تعجل بالقرآن يحتمل التعجيل ~~بقراءته في نفسه، أو في تأديته إلى غيره، أو في اعتقاده ظاهره، أو في تعريف ~~الغير ما يقتضيه الظاهر. وقوله: من قبل أن ms3200 يقضى إليك وحيه احتمل أن يراد من ~~قبل أن يقضى إليك تمامه، أو من قبل أن يقضى إليك بيانه فقد يجوز أن يحصل ~~عقيبه استثناء أو شرط أو غيرهما من المخصصات والمبينات ويؤكد هذه المعاني ~~قوله: وقل رب زدني علما لأن معرفة البيان علم زائد على معرفة الإجمال. ~~والظاهر أن هذا الاستعجال كان أمرا اجتهاديا وكان الأولى تركه فلذلك نهى ~~عنه. قال جار الله: هذا الأمر متضمن للتواضع لله والشكر له عند ما علم من ~~ترتيب التعلم أي علمتني يا رب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي ~~فزدنى علما إلى علم. ومن فضائل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر ~~بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. وفيه إشارة إلى أن أسرار القرآن غير ~~متناهية، اللهم إن هذا العبد الضعيف معترف بقصوره ونقصانه فأسألك مما سألك ~~به نبيك أن ترزقني بتبعيته علما ينفعني في الدارين. ### | التأويل: # ولقد أوحينا إلى موسى القلب أن أسر بعبادي وهم صفات القلب من الأخلاق ~~الحميدة سر بهم من مصر البشرية إلى بحر الروحانية. فاضرب لهم بعصا الذكر ~~طريقا في البحر يبسا من ماء الهوى وطين الصفات الحيوانية وباقي التأويل كما ~~مر في «يونس» ونزلنا عليكم من صفاتنا وسلوى أخلاقنا فاتصفوا بطيبات أخلاقنا ~~ولا تطغوا فيه بإفشاء أسرار الربوبية إلى غيرنا كمن قال: أنا الحق وسبحاني. ~~فإن الحالات لا تصلح للمقاولات. وإني لغفار لمن رجع عن الطغيان وآمن ~~بالربوبية وعمل صالحا في مقام العبودية ثم اهتدى فتحقق أن حضرة الربوبية ~~منزهة عن دنس الوهم والخيال ومقام الوصال مباين للقيل والقال. وعجلت إليك ~~فيه أن الشوق إذا غلب انقطع العلائق وأن مطلوب السائل لا ينبغي أن يكون إلا ~~رضا الله. قد فتنا قومك من بعدك فيه أن فتنة الأمة والمريد مقرونة بالنبي ~~والشيخ. بملكنا أي بإرادتنا ومشيئتنا ولكن بإرادة الله ومشيئته. فكذلك ألقى ~~السامري من غير اختيار منه ولكن باضطرار من # PageV04P574 # القدرا بن أم # قيل خاطبه بذلك ليذكره قول الملائكة: يا ابن ms3201 النساء الحيض ما للتراب ورب ~~الأرباب. فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها فيه أن الكرامة لأهل الكرامة ~~كرامة ولأهل الغرامة استدراج وفتنة فيصرفونها في الباطل والطبيعة لا في ~~الحق والحقيقة. # قوله: لا مساس فيه معارضة بنقيض مقصود من أراد الجمعية والغلبة واتباع ~~الناس إياه، فعدت بالتفرد والتوحش والنفار عن الخلق زرقا إن الوجه أشرف ~~أعضاء الإنسان والعين أشرف أعضاء الوجه، وزرق العين دلالة على خروجها عن ~~الاعتدال، وإذا كان أشرف الأعضاء خارجا عن الاعتدال فما ظنك بغيرها؟ وكذا ~~بالأخلاق التابعة للأمزجة. وعنت الوجوه أي كل جهة بها يستند الممكن إلى ~~الواجب. يتبعون الداعي لأن كل ناس تدعى بإمامهم فيتبعونه البتة وأهل الله ~~لا يفرون إلا إلى الله في قوله: والله يدعوا إلى دار السلام [يونس: 25] ~~وعلى الله المستعان. ### | [سورة طه (20) : الآيات 115 الى 135] # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) ~~وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى (119) # فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ~~(120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ~~آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها ~~جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ~~(123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ~~وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى (129) # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ms3202 ومن آناء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130) ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) ~~وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ~~ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) # قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (135) # PageV04P575 ### | القراآت: # وإنك بالكسر: أبو بكر وحماد والخراز ونافع. الباقون بالفتح عطفا على ألا ~~تجوع ولا يلزم منه دخول «إن» المكسورة على المفتوحة للفصل بالخبر، ولأنه ~~يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه أعمى بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ~~حشرتني بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير. ترضى مبينا للمفعول: # علي وأبو بكر وحماد والمفضل زهرة بفتح الهاء: قتيبة وسهل ويعقوب. الآخرون ~~بسكونها. وقرأ حمزة وعلي وخلف هذه السورة وكل سورة آياتها على الياء ~~بالإمالة المفرطة وإن شاء بين الفتح والكسر. ### | الوقوف: # عزما ه إلا إبليس ط أبى ه فتشقى ه ولا تعرى ه، لمن قرأ وأنك بالكسر ولا ~~تضحى ه لا يبلى ه الجنة ز لنوع عدول عن ذكر حال اثنين إلى بيان فعل من هو ~~المقصود فغوى ه ص وهدى ه عدو ج لابتداء الشرط مع الفاء ولا يشقى، ه يوم ~~القيامة أعمى ه بصيرا ه فنسيتها ج لعطف المختلفين تنسى ه بآيات ربه ط وأبقى ~~ه مساكنهم ط النهى ه مسمى ه ط غروبها ج لعطف الجملتين مع اختلاف النظم ترضى ~~ه لنفتنهم فيه ط وأبقى ه عليها ط رزقا ط نرزقك ط للتقوى ه من ربه ط الأولى ~~ه ونخزى ه فتربصوا ج لسين التهديد مع الفاء اهتدى ه. ### | التفسير: # في تعلق قصة آدم بما قبلها وجوه منها: أنه لما قال: كذلك نقص عليك من ~~أنباء ما قد سبق ثم عظم شأن القرآن وبالغ فيه ms3203 ذكر القصة إنجازا للوعد. ~~ومنها أنه لما قال: وصرفنا فيه من الوعيد أردفه بهذه القصة ليعلم أن طاعة ~~بني آدم للشيطان أمر قديم وخلة موروثة، وذلك أنه عهد إلى آدم من قبل هؤلاء ~~الذين صرف لأجلهم الوعيد فنسي وترك العهد. ومنها أن قوله: ولا تعجل بالقرآن ~~دليل على أنه صلى الله عليه وسلم زاد على قدر الواجب في رعاية أمر الدين ~~وكان مفرطا في أداء الرسالة وحفظ ما أمر به فناسب أن يعطف عليه قصة آدم ~~لأنه كان موسوما بالتفريط والإفراط والتفريط كلاهما من باب ترك الأولى، ~~وإذا كان أول الأنبياء وخاتمهم موصوفين بما فيه نوع تقصير فما ظنك بغيرهما! ~~ومن هنا يعرف أفضلية الخاتم فإنه سعى في طلب الكمال إلى أن عوتب بالخروج عن ~~حد الاعتدال، وآدم توسط في حيز النقصان فلا جرم وسم بالظلم والعصيان. # ومنها أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمر بأن يقول رب زدني علما ثم ذكر ~~عقيبه قصة آدم تنبيها على أن بني آدم مفتقرون في جميع أحوالهم إلى التضرع ~~واللجأ إلى الله حتى ينفتح عليهم أبواب التيسير في العلم والعمل. ومعنى ~~عهدنا إلى آدم أمرناه ووصيناه # PageV04P576 # من قبل أي من قبل محمد والقرآن. وفي النسيان قولان: أحدهما أنه نقيض ~~الذكر. # عن الحسن: والله ما عصي قط إلا بنسيان. والثاني أن معناه الترك وعلى هذا ~~يحتمل أن يقال: أقدم على الأكل من غير تأويل. وأن يقال: أقدم عليه بتأويل ~~قد مر في «البقرة» . # قال أهل الإشارة: عهد إليه أن لا يعلق نوره فانقاد للشيطان وهو النسيان. ~~والعزم أيضا فيه أقوال: أحدها عزما على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد. وثانيها ~~عزما في العود إلى الذنب ثانيا. وثالثها رأيا وصبرا أي لم يكن من أهل ~~العزيمة والثبات إذ كان من حقه أن يتصلب في المأمور به تصلبا يؤيس الشيطان ~~من التسويل. قال جار الله: قوله: ولم نجد له يجوز أن يكون بمعنى العلم ~~ومفعولا ه له عزما وأن يكون بمعنى نقيض العدم كأنه قال: # وعد مثاله ms3204 عزما. قوله: وإذ قلنا للملائكة سلف في «البقرة» مستقصى قوله: ~~إن هذا عدو لك ذكروا في سبب عداوته إياه أنه كان شابا عالما لقوله: وعلم ~~آدم الأسماء كلها وإبليس كان شيخا جاهلا لأنه أثبت فضله بفضيلة أصله، ~~والشيخ الجاهل أبدا يكون عدوا للشاب العالم. وأيضا الماء والتراب مضادان ~~للنار فلا يخرجنكما فلا يكون سببا لإخراجكما لأن الفاعل الحقيقي هو الله ~~سبحانه فتشقى فتتعب في طلب القوت وسائر ما يتعيش به الإنسان أسند الشقاء ~~إليه وحده مع اشتراكهما في الخروج لأن الرجل أصل في باب الإنفاق والكسب ~~والمرأة تابعة له. # ثم بين ذلك الشقاء بقوله: إن لك ألا تجوع فيها إلى آخره. والظمأ العطش ~~وتقول: ضحيت للشمس بالكسر أضحى ضحاء ممدودا إذا برزت لها. والمراد به الكن ~~مع أن الجنة ليس فيها شمس حتى يتصور فيها الضحاء، نفى كون هذه الأمور في ~~الجنة ليثبت حصولها في غيرها. ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي: الشبع ~~والري والكسوة والكن. وأما المنكوح فمشترك إلا أن مؤن النكاح تختص بالدنيا ~~وأنها أيضا ترجع إلى المذكورات. # يروى أنه كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه ~~البقايا في أطراف الأصابع. # فوسوس إليه الشيطان أنهى إليه وسوسة كما مر في «الأعراف» . # بيان الوسوسة أنه قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد أضافها إلى الخلد ~~وهو الخلود لأن من أكل منها بزعمه كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنه من باشر ~~أثره حيي وملك لا يبلى أي لا ينقطع ولا يزول. قال القاضي: ليس في الظاهر ~~أنه قيل ذلك منه لأنه لا بد أن يحصل بين حال التكليف وحال المجازاة فصل ~~بالموت، والنبي يمتنع أن لا يعلم هذا القدر. وأجيب بالمنع ولو سلم فلم لا ~~يكفي الفصل بغشي أو نوح خفيف. ولو سلم أنه لا يكفي فلم استحال أن يجهل ~~النبي ذلك كما جهل عدم جواز الرؤية زعمكم حين قال: أرني # PageV04P577 # أنظر إليك [الأعراف: 143] ومما يدل على أن آدم قبل وسوسته قوله تعالى: ~~فأكلا ms3205 بالفاء والفاء مشعر بالعلية كقول الصحابي: «زنى ماعز فرجم» وما في ~~الآية قد مر تفسيره في «الأعراف» إلا قوله: وعصى آدم ربه فغوى قال بعض ~~الناس: إن آدم ذنبه كبيرة وإلا لم يوصف بالعصيان والغواية فإن العاصي ~~والغاوي اسمان مذمومان عرفا وشرعا وقد ترتب الوعيد عليهما. وأجيب بأن ~~المعصية مخالفة الأمر والأمر قد يكون مندوبا. وزيف بالمنع من أن المندوب ~~غير مأمور به. ثم أن مخالفة عاص وإلا كان الأنبياء كلهم عصاة لأنهم لا ~~ينكفون عن ترك المندوب. قالوا: يقال أشرت إليه في أمر كذا فعصاني وأمرته ~~بشرب الدواء فعصاني. وأجيب بالمنع من أن هذا من مستعملات العرب العاربة، ~~ولو سلم فلعله إنما يقال ذلك إذا عرف أن المستشير لا بد له أن يفعل ذلك، ~~وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلا وإن لم يكن وجوب شرعي لأن ذلك الإيجاب لم ~~يصدر عن الشارع. ومنهم من زعم أنه ذنب صغير وهم عامة المعتزلة ورد بأن ~~المعاصي اسم من يستحق العقاب وهذا لا يليق بالصغيرة. وأجاب أبو مسلم ~~الأصفهاني بأنه عصى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف ولهذا قال ~~سبحانه فغوى أي خاب من نعيم الجنة لأن الرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل ~~إلى المقصود والغي ضده، وأنه سعى في طلب الخلود فنال ضد المقصود. وعن بعضهم ~~فغوى أي بشم من كثرة الأكل وزيفه جار الله. ورد قول أبي مسلم بأن مصالح ~~الدنيا تكون مباحة فلا يوصف تاركها بالعصيان. # قلت: في هذا نظر، والأحوط في هذا الباب أن يعتقد كون هذه الواقعة قبل ~~النبوة بدليل قوله: ثم اجتباه ربه أي اختاره للرسالة وهدى لحفظ أسباب ~~العصمة. أصل الاجتباء هو الجمع كما مر في آخر «الأعراف» . يروى عن أبي ~~أمامة: لو وزنت أحلام بني آدم لرجح حلمه. وقد قال الله تعالى: ولم نجد له ~~عزما قال العلماء: فيه دليل على أنه لا راد لقضائه وما قدره كائن لا محالة، ~~وإذا جاء القضاء عمي البصر والدليل قد يكون في غاية الظهور ومع ms3206 ذلك يخفى ~~على أعقل الناس كما خفي على آدم عداوة إبليس، وأنه تعرض لسخط الله في شأنه ~~حين امتنع من سجوده فكيف قبل منه وسوسة لولا كتاب من الله سبق [الأنفال: ~~68] قال المحققون: الأولى أن لا يطلق لفظ العاصي والغاوي على آدم عليه ~~السلام وإن ورد في القرآن وعصى آدم ربه فغوى لأنه لم تصدر عنه الزلة إلا ~~مرة واحدة، وصيغة اسم الفاعل تنبىء عن المزاولة، ولأن المسلم إذا تاب عن ~~الشرب أو الزنا وحسنت توبته لا يقال له شارب وزان، ولأن السيد يجوز له أن ~~يشتم عبده بما شاء وليس لغيره ذلك. قال اهبطا قد مر تفسير مثله في «البقرة» ~~خاطبهما بالهبوط لأنهما أصلا # PageV04P578 # البشر ثم عم الخطاب لهما ولذريتهما في قوله فإما يأتينكم أما قوله: بعضكم ~~لبعض عدو فقد قال القاضي: يكفي في توفية هذا الظاهر حقه أن يكون إبليس ~~والشياطين أعداء الناس والناس أعداء لهم، فإذا انضاف إلى ذلك عداوة بعض ~~الفريقين لبعض لم يمتنع دخوله في الكلام. عن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع ~~القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم تلا قوله: فمن اتبع هداي ~~فلا يضل ولا يشقى والسبب فيه أن العقاب في الآخرة لأجل أنه قد ضل عن الدين ~~في مدة التكليف، واتباع كتاب الله يستلزم عدم الضلال عن الدين المستتبع ~~للنجاة من العقاب في الآخرة. وأما الشقاء الذي قد يلحق المؤمن في الدنيا ~~فلا اعتداد به لقصر مدته على أن الرضا بالقضاء يهون عليه مصائب الدنيا ~~وآفاتها. ثم ذكر وعيد من أعرض عن ذكره ظاهر الكلام يدل على أن الذكر هاهنا ~~هو الهدى المذكور لأن قوله: ومن أعرض عن ذكري في مقابلة قوله: فمن اتبع ~~هداي. وقد مر في أول «البقرة» أن المراد به الشريعة والبيان. وقال كثير من ~~المفسرين: إن الذكر هو القرآن وسائر كتب الله وفيه نوع تخصيص. والضنك الضيق ~~مصدر وصف به. ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث. يقال: منزل ضنك ومعيشة ضنك ~~كأنه قيل: ذات ms3207 ضنك. # قالت الحكماء: عيش الدنيا ضنك ضيق لانقضائه وقصر مدته وكثرة شوائبه، ~~وإنما العيش الواسع عيش الآخرة. وهذا الضيق المتوعد به إما في الدنيا أو في ~~القبر أو في الآخرة مال إلى كل طائفة. أما الأول فلأن المسلم الراضي بقضاء ~~ربه معه من التسليم والتوكل والقناعة ما يعيش به عيشا رافغا. والمعرض عن ~~الدين متول عليه الحرص والشح فلا ينفك عن الانقباض ولطموح ما ليس يناله من ~~الفراغ والرفاغ الكلي فلا هم له إلا هم الدنيا. عن ابن عباس: المعيشة الضنك ~~هي أن يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها، ومن الكفرة من ضربت عليه ~~الذلة والمسكنة. وسئل الشبلي # عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله ~~العافية» # فقال: أهل البلاء هم أهل الغفلات عن الله تعالى فعقوبتهم أن يردهم الله ~~تعالى إلى أنفسهم وأي معيشة أضيق وأشد من أن يرد الإنسان إلى نفسه. قلت: ~~التحقيق أن بعض البليات من العقوبات فطلب العافية منها لازم، وبعضها لمزيد ~~الدرجات ولكن الإنسان خلق ضعيفا فكثيرا ما يؤل أمر المبتلي إلى الجزع ~~والفزع فيحرم الثواب فتطلب العافية من هذا القسم أيضا خوفا من المآل. وأما ~~الثاني # فعن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري ورفعه أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه: «عذاب القبر للكافر» # وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأسود بن عبد الله المخزومي والمراد ضغطة ~~القبر تختلف فيه أضلاعه. وأما الثالث فعن الحسن وقتادة والكلبي أنه ضيق # PageV04P579 # في الآخرة وفي جهنم، وأن طعامهم فيها الضريع والزقوم والحميم والغسلين، ~~فلا يموتون فيها ولا يحيون. # أما قوله: ونحشره يوم القيامة أعمى كقوله: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ~~[طه: 102] فيمن فسر الزرق بالعمى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~[الإسراء: 97] ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى [الإسراء: 72] قال ~~الجبائي: أراد أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيرا كالأعمى. ~~وعن مجاهد والضحاك ومقاتل أنه أراد أعمى عن الحجة وهي رواية سعيد بن جبير ms3208 ~~عن ابن عباس: قال القاضي: هذا القول ضعيف لأنه لا بد في القيامة أن يعلمهم ~~الله تعالى بطلان ما كانوا عليه بتمييزه لهم الحق من الباطل، ومن هذه حاله ~~لا يوصف بذلك إلا مجازا باعتبار ما كان، لكن قوله: وقد كنت بصيرا ينافيه. ~~قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى ~~علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا، فلو كان العمى الحاصل ~~في الآخرة عين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر كما في الدنيا. قال: ~~والتحقيق في الجواب عن الاعتراض هو أن النفوس الجاهلة في الدنيا إذا فارقت ~~أبدانها تبقى على جهالتها في الآخرة فتصير تلك الجهالة سببا لأعظم الآلام ~~الروحانية. وأقول على القاضي: يحتمل أن يكون مجازا باعتبار الغاية. فقد ~~ينفي الشيء باعتبار عدم غايته وثمرته فلا ينافي كونه أعمى في الآخرة بهذا ~~الاعتبار إعلام الله تعالى إياه الحجة، ولا كونه بصيرا في الدنيا كونه أعمى ~~في الآخرة بالاعتبار المذكور لأن المعرض عن الدليل يشبه أن يكون كافرا ~~معاندا، ويكون الغرض من الإعلام التوبيخ والإلزام يؤيده قوله تعالى في ~~جوابه: كذلك أي مثل ذلك فعلت أنت. ثم فسر ذلك بقوله: أتتك آياتنا أي ~~دلائلنا واضحة مستنيرة فنسيتها أي تركت العمل بها والقيام بموجبها وكذلك ~~اليوم تنسى تترك بلا فائدة النظر والاعتبار. وعلى الإمام الرازي: إنه لا ~~يلزم من كون المكلف غير متضرر بنسيان الدلائل في الدنيا كونه غير متضرر به ~~في الآخرة. # وأما قوله في الجواب المحقق بناء على قاعدة الحكيم إن جهل النفس يصير ~~سببا لتعذيبها فإن كان منعا لقول المعتزلة إنه تعالى يعلم المكلف بطلان ما ~~كان عليه في الدنيا فذاك لا يفتقر إلى العدول، وإن كان تسليما لقولهم فمن ~~أين يتحمل الاعتراض هذا وقد رأيت في بعض الآثار أن أشد الناس عمى يوم ~~القيامة هم الذين حفظوا القرآن ثم نسوه. دليله قوله تعالى: أتتك آياتنا ~~فنسيتها اللهم اجعلني ممن يواظب على تلاوة كتابك حتى لا أنساه ms3209 يوم ألقاك. ~~وكذلك نجزي من أسرف قيل: عصى ربه. والأظهر أنه أراد أشرك وكفر # PageV04P580 # بدليل قوله: ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة وهو الحشر على العمى أشد ~~وأبقى من ضيق المعيشة في العاجل أو أراد، وتركنا إياه في العمى أشد وأبقى ~~من تركه لآياتنا. # ثم وبخ المعرضين عن الدلائل بعدم الاعتبار بأحوال القرون الخالية فقال: ~~أفلم يهد لهم بالفاء وفي السجدة بالواو، لأن الكلام هاهنا كالمتصل بقوله: ~~ومن أعرض عن ذكري وهناك كالمنفصل عن الإعراض لأنه قال: ومن أظلم ممن ذكر ~~بآيات ربه ثم أعرض عنها [السجدة: 22] . وبعد ذلك أورد قصة موسى فناسب ~~الاستئناف بالواو، وأما حذف من هاهنا وإثباته هنالك فلما مر من أن «من» ~~تفيد الاستيعاب وهنالك قد زاد في القرون بشرح قصة بني إسرائيل وما فيهم من ~~الملوك والأنبياء. قال في الكشاف: # فاعل: أفلم يهد الجملة بعده. وأنكر البصريون مثل هذا لأن الجملة لا تقع ~~فاعلا فلهذا قال: يريد أو لم يهد لهم هذا المعنى أو مضمون هذا الكلام. قال ~~القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبينا لهم. وقال الزجاج: أراد أو لم ~~نبين لهم ما يهدون به لو تدبروا وتأملوا. وقيل: فيه ضمير الله أو الرسول ~~والجملة بعده تفسره يريد أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون في ~~مساكنهم ويعاينون آثار هلاكهم. والنهى العقول وقد مر في السورة. قال بعض ~~أهل اللغة: إن للنبيه مزية على العقل فلا يقال إلا لمن له عقل ينتهي به عن ~~القبائح فقوله: لأولي النهى كقوله: أولوا العزم [الأحقاف: 35] والحزم ومن ~~هذا فسره بعضهم بأهل الورع والتقوى. # ثم بين الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلا على من كذب من هذه الأمة ~~فقال: ولولا كلمة هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة كتبها في اللوح ~~المحفوظ وأخبر بها ملائكته ورسله لأن فيهم أو في نسلهم من يؤمن، أو لمصلحة ~~أخرى خفية. قال أهل السنة: إنه بحكم المالكية له أن يفعل ما يشاء من غير ~~علة. واللزام مصدر لازم وصف به. ms3210 # وقيل: فعال لما يفعل به فهو بمعنى ملزم كأنه آلة اللزوم أي لكان الأخذ ~~العاجل لزاما وأجل مسمى وهو عذاب الآخرة. وقيل: يوم بدر معطوف على كلمة ~~وجوز في الكشاف أن يكون معطوفا على الضمير في كان. ولعله إنما جوز ذلك ~~للفصل أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كما كانا لازمين لعاد ~~وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأخذ العاجل. وحين بين أنه لا يهلكهم ~~بعذاب الاستئصال أمره بالصبر على ما يقولون من التكذيب وسائر الأذيات. زعم ~~الكلبي ومقاتل أنها منسوخة بآية القتال وليس بذاك فإن كلا منهما معمول بها ~~في موضعها وسبح بحمد ربك أي متلبسا بحمده على # PageV04P581 # أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والأكثرون أنها بمعنى الصلاة ليكون كقوله: ~~واستعينوا بالصبر والصلاة [البقرة: 45] ولأنه بين أوقاتها فقيل طلوع الشمس ~~هو صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة الظهر والعصر لأنهما واقعتان في النصف ~~الأخير من النهار ومن آناء الليل فسبح المغرب والعتمة. وقوله وأطراف النهار ~~أي في طرفيه فجمع للمبالغة وأمن الإلباس، أو لأن أقل الجمع اثنان. أو أراد ~~طرفي كل نهار تكرار لصلاتي الفجر والعصر لا المغرب على ما ظن اعتناء ~~بشأنهما كقوله والصلاة الوسطى [البقرة: 238] وآناء جمع «أنى» وهو الساعة ~~وقد مر في «آل عمران» . وإنما قدم آناء الليل وأدخل الفاء في فسبح المؤذنة ~~بتلازم ما قبلها وما بعدها تنبيها على زيادة الاهتمام بشأن صلاة الليل، لأن ~~الليل وقت السكون والراحة وهدو الأصوات فالصلاة فيه أشق على النفس وأدخل ~~صلاة الظهر لأنه خصص قبل الغروب بصلاة العصر. ومنهم من زاد فيها النوافل ~~لأن الآية صلاة الظهر لأنه خصص قبل الغروب بصلاة العصر. ومنهم من زاد فيها ~~النوافل لأن الصلاة في الأوقات المذكورة تشملها والأمر قد يكون للندب لا ~~أقل من التغليب. وقال أبو مسلم: الأقرب حمل التسبيح على التنزيه والإجلال ~~كأنه لما أمره بالصبر على أذية القوم بعثه على الاشتغال بالتقديس والمواظبة ~~عليه في كل الأوقات. # وقوله: لعلك ترضى كقوله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: ms3211 # 79] ولسوف يعطيك ربك فترضى [الضحى: ه] ولا ريب أن الأطماع من الكريم واجب ~~الوقوع اللهم ارزقنا شفاعته. ولما حث رسوله على الأمور الدينية نهاه عن ~~الميل إلى الزخارف الدنيوية فقال: ولا تمدن عينيك أي نظر عينيك. ومد النظر ~~تطويله استحسانا للمنظور إليه، وفيه أن النظر الغير الممدود معفو عنه كما ~~لو نظر فغض. وقال أبو مسلم: المنهي عنه في الآية ليس هو التطويل وإنما هو ~~الأسف أي لا تأسف على ما فاتك مما نالوا من حظ الدنيا. # قال أبو رافع: نزل ضيف بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعثني إلى يهودي ~~يستقرضه فقال: لا أقرضه إلا برهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض، أحمل إليه درعي الحديد فنزلت. # والأزواج الأصناف. وقيل: أي أشكالا وأشباها من الكفار لأنهم أشكال في ~~الذهاب عن الصواب. وقد مر في آخر الحجر. ولقد شدد العلماء المتقون في وجوب ~~غض البصر عن أبنية الظلمة وملابسهم ومراكبهم لأنهم اتخذوها لعيون النظارة. ~~فالناظر إليها محصل لغرضهم فيكون إغراء لهم على اتخاذها. قال جار الله: ~~انتصب زهرة على الذم، أو # PageV04P582 # على تضمين متعنا بمعنى خولنا وأعطينا، أو على إبداله من محل به أو على ~~إبداله من أزواجا والتقدير ذوي زهرة وهي الزينة والبهجة. ومن قرأ بفتح ~~الهاء فبمعناها أيضا أو هي جمع زاهر كأنهم لصفاء ألوانهم وظهور آثار ~~النعومة عليهم زاهر وهذه الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون الصلحاء من شحوب ~~الألوان والتقشف في الثياب. وقوله: لنفتنهم أي لنبلوهم كقوله: إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم [الكهف: 7] وقيل: # لنعذبهم كقوله: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~[التوبة: 55] . # وقال الكلبي ومقاتل: لنشدد عليهم في التكليف لأن الاجتناب عن المعاصي مع ~~القدرة يكون أشق على النفس. ورزق ربك هو ثواب الآخرة أو ما رزقت من الإسلام ~~والنبوة خير وأبقى وقيل: أراد به الحلال الطيب الذي يحق أن ينسب إلى ربك ~~خير من أموالهم التي غلب عليها الغصب والسرقة وسائر ms3212 وجوه الخيانة، وأبقى ~~بركة ونماء وحسن عاقبة. وأمر أهلك في سورة مريم وكان يأمر أهله بالصلاة ~~[الآية: 55] أي أقبل أنت مع أهلك على عبادة الله. ومن السلف من كان إذا ~~أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا بهذا أمر الله رسوله ثم يتلو هذه الآية. ~~وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ ولا تمدن عينيك ~~الآية. ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة ~~وعلي كل صباح ويقول: الصلاة وكان يفعل ذلك شهرا. # وقوله: واصطبر عليها أراد أنك كما تأمرهم بها فحافظ عليها فإن الوعظ ~~بلسان الفعل أثم منه بلسان القول لا نسئلك رزقا كما يريد الملوك خراجا من ~~رعيتهم والسادة خرجا من عبيدهم بل نحن نرزقك كقوله: وما أريد أن يطعمون إن ~~الله هو الرزاق ذو القوة المتين [الذاريات: 57- 58] والحاصل أنا إنما ~~أمرناك بالصلاة فذلك لأجل انتفاعك بثوابها لا لأنا ننتفع بها. وقيل: لا ~~نسألك رزقا لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك وإياهم فلا تهتم بأمر الرزق ~~والمعيشة وفرغ بالك لأمر الآخرة وفي معناه قولهم «من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله» . وقال أهل الإشارة ورزق ربك رمز إلى # قوله «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # قال عبد الله بن سلام: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق ~~أو شدة أمرهم بالصلاة. # والعاقبة أي الجميلة للتقوى. PageV04P583 # ثم عاد إلى قوله: فاصبر على ما يقولون فحكى واحدة من شبهاتهم هي قولهم: # لولا يأتينا بآية من ربه كأنهم لم يتعدوا بالقرآن الذي أخرس شقاشقهم فرد ~~الله عليهم بقوله: أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى لأن القرآن برهان ~~سائر الكتب المنزلة لأنه معجز دونها فهو شاهد لها بالصحة وأنها من عند ~~الله. وقيل: أراد بالبينة ما فيها من بشارة مقدم محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وعن ابن جرير أنه ما رأوا فيها من قصص الأمم المكذبة وبيان إهلاكهم بعد ~~اقتراح الآيات ms3213 وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن فلهذا وصف القرآن بكونه ~~بينة ما في الصحف الأولى ثم بين الحكمة في نزول القرآن فقال: ولو أنا ~~أهلكناهم بعذاب من قبله أي من قبل البرهان المذكور الدال عليه البينة ~~لقالوا أي في القيامة لأن الهالك لا قول له في الدنيا. # وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحتج على الله ~~تعالى يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت ~~أطوع خلقك» وتلا قوله: «لولا أرسلت إلينا رسولا والمغلوب على عقله يقول لم ~~تجعل لي عقلا أنتفع به. ويقول الصبي: كنت صغيرا أعقل. فيرفع لهم نار ويقال ~~لهم ادخلوها فيدخلها من كان في عالم الله أنه سعيد ويتلكأ من كان في علمه ~~أنه شقى. فيقول الله تعالى: عصيتم اليوم فكيف برسولي لو أتاكم؟!» . # وطعن المعتزلة في هذا الخبر قالوا: لا يحسن العقاب على ما لم يفعل. وقال ~~الجبائي: في الآية دلالة على وجوب فعل اللطف والمراد أنه يجيب أن يفعل ~~بالمكلفين ما يؤمنون عنده وإلا كان لهم أن يقولوا: هلا فعلت ذلك بنا لنؤمن. ~~وقال الكعبي: فيها أوضح دليل على أنه تعالى يقبل الاحتجاج من عباده. وليس ~~معنى قوله: لا يسئل عما يفعل [الأنبياء: 23] أن الجور منه يكون عدلا بل ~~تأويله أنه لا يقع منه إلا العدل. وإذا ثبت أنه تعالى يقبل الحجة فلو لم ~~يكونوا قادرين على ما أمروا به لكان لهم فيه أعظم حجة. واستدل أهل السنة ~~بها على أن الوجوب لا يتحقق إلا بالشرع وإلا لكان العقاب حاصلا قبل مجيئه. ~~ثم ختم السورة بوعيد إجمالي فقال: قل كل أي كل منا ومنكم متربص عاقبة أمره ~~وهذا الانتظار إما قبل الموت بسبب الأمر بالجهاد أو ظهور الدولة والغلبة، ~~أو بالموت فإن كان واحد من الخصمين ينتظر موت صاحبه، وإما بعد الموت وهو ~~ظهور أثر الثواب والعقاب وتمييز المحق والمبطل ويؤيده قوله: فستعلمون إلى ~~آخره وهذا من كلام المنصف وبالله المستعان. (تم) . # تم الجزء السادس ms3214 عشر وبه يتم المجلد الرابع من تفسير غرائب القرآن ورغائب ~~الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري، ويليه المجلد الخامس، وأوله تفسير ~~سورة الأنبياء # PageV04P584 ### | الفهرس # فهرس المجلد الرابع من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان # PageV04P585 # تفسير سورة هود الآيات: 1- 24 3 الآيات: 25- 49 16 الآيات: 50- 68 30 ~~الآيات: 69- 83 35 الآيات: 84- 102 43 الآيات: 103- 123 49 تفسير سورة يوسف ~~الآيات: 1- 20 62 الآيات: 21- 35 74 الآيات: 36- 53 87 الآيات: 54- 68 99 ~~الآيات: 69- 83 108 الآيات: 84- 102 116 الآيات: 103- 111 130 تفسير سورة ~~الرعد الآيات: 1- 11 135 الآيات: 12- 29 146 الآيات: 30- 43 159 تفسير سورة ~~إبراهيم الآيات: 1- 17 169 الآيات: 18- 34 185 الآيات: 35- 52 197 # PageV04P587 # تفسير سورة الحجر الآيات: 1- 50 207 الآيات: 51- 99 226 تفسير سورة النحل ~~الآيات: 1- 23 239 الآيات: 24- 42 255 الآيات: 43- 60 263 الآيات: 61- 70 ~~273 الآيات: 71- 83 286 الآيات: 84- 100 295 الآيات: 101- 128 306 تفسير ~~سورة الإسراء الآيات: 1- 21 321 الآيات: 22- 40 337 الآيات: 41- 60 352 ~~الآيات: 61- 72 364 الآيات: 73- 89 372 الآيات: 90- 111 389 تفسير سورة ~~الكهف الآيات: 1- 26 401 الآيات: 27- 46 426 الآيات: 47- 59 435 الآيات: ~~60- 82 442 الآيات: 83- 110 456 تفسير سورة مريم الآيات: 1- 15 466 الآيات: ~~16- 40 475 الآيات: 41- 65 489 الآيات: 66- 98 500 # PageV04P588 # تفسير سورة طه الآيات: 1- 36 513 الآيات: 37- 76 542 الآيات: 77- 114 561 ~~الآيات: 115- 135 576 # PageV04P589 ### | المجلد الخامس # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السابع عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة الأنبياء # مكية حروفها أربعة آلاف وثمانمائة وتسعون كلمها ألف ومائة وثمان وسبعون ~~آياتها مائة وست عشرة) ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا ~~هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول ~~في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) # بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل ~~الأولون (5) ما ms3215 آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) # لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) وكم قصمنا من قرية ~~كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها ~~يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون ~~(13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) # فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن ~~كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل ~~مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ~~ولا يستحسرون (19) # يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20) # PageV05P003 ### | القراآت # قال ربي بالألف: حمزة وعلي وحفص. الباقون قل على الأمر نوحي بالنون مبنيا ~~للفاعل: حفص غير الخراز. الباقون: بالياء مجهولا. ### | الوقوف: # معرضون ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافا. يلعبون لا لأن ~~لاهية حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير يلعبون وهي لقلوبهم في المعنى. ~~قلوبهم ط مثلكم ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول تبصرون ه والأرض ز ~~لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى العليم ه شاعر ج لاختلاف ~~النظم مع اتحاد المقول الأولون ه أهلكناها ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد ~~المقول يؤمنون ه لا تعلمون ه خالدين ه المسرفين ه ذكركم ه تعقلون ه آخرين ه ~~يركضون ه ط لتقدير القول تسئلون ه ظالمين ه خامدين ه لاعبين ه من لدنا ه ~~على جعل «إن» نافية والأصح أنها للشرط فاعلين ه زاهق لا تصفون ه والأرض ط ~~لأن ما بعده مبتدأ يستحسرون ه ج لأن ما بعده يصلح حالا واستئنافا، لا ~~يفترون ه. ### | التفسير: # قال جار الله: اللام في قوله للناس إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة ~~الحساب ms3216 إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة ~~تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيدا آخر من جهة وضع ضمير الحي ~~مضافا إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم. والمراد ~~اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله اقتربت الساعة [القمر: 1] فإذا ~~اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في ~~خاتمة السورة المتقدمة بقوله فستعلمون بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك ~~العلم قريب. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من ~~سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آت قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر ~~كان قال القائل: شعر # فلا زال ما تهواه أقرب من غد ... ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس # على أنه لم يمض بعد يوم من أيام الله وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون [الحج: 47] ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي # قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت أنا والساعة كهاتين» «1» # وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه ~~للغافلين وزجر للمذنبين. فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع ~~PageV05P004 # المكلفين. وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق ~~اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من ~~الغفلة والإعراض وغيرهما. والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرىء محدث ~~بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب ~~الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في ~~النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول. ~~وزعم الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه أن حاصل قول المعتزلة في هذا ~~المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله من ذكر من ربهم ~~محدث لا يدل على حدوث كل ما كان ms3217 ذكرا بل على أن ذكرا ما محدث، كما أن قول ~~القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب ~~أن يكون فاضلا، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا «الإنسان حيوان ~~وبعض الحيوان فرس» وإنه لا ينتج شيئا لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل ~~الأول كما عرف في علم الميزان. قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات ~~دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي ~~القياس الذي ركبه وهي قوله «بعض الذكر محدث» لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة ~~وهو لا شيء من القرآن بمحدث. وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن ~~الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميما لقول ~~المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل ~~قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى ~~قدم بعضه وحدوث بعضه. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة من ربهم ~~محدث لموافقة قوله بعد هذا قال ربي يعلم وقال في الشعراء من ذكر من الرحمن ~~محدث [الآية: 5] لكثرة ذكر الرحيم فيها. فكان «الرحمن بالرحيم» أنسب. # قوله تعالى يلعبون اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله لاهية هي من لهى عنه ~~بالكسر إذا ذهل وغفل. وفيه إن هم إلا كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع ~~والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا ~~تفقه. # ومعنى وأسروا النجوى بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا ~~يعلم أنهم متناجون وفي «واو» أسروا وجهان: أحدهما أنه على لغة من يجوز ~~إلحاق علامة # PageV05P005 # التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدما على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن ~~الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم والذين ظلموا بدل منهم. أو هو ~~منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره أسروا النجوى مقدما عليه. وعلى ~~التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع ms3218 المظهر موضع المضمر تسجيلا على ~~فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله هل هذا إلا بشر إلى قوله وأنتم ~~تبصرون أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون ~~أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟ وجوز بعضهم أن يكون قوله هل هذا إلى ~~آخره مفعولا لقالوا مضمرا، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه ~~التشاور فيما بينهم تحريا لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء. ويرفع ~~أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» # ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقا ~~فأخبرونا بما أسررنا. من قرأ قال ربي فعلى حكاية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء ~~عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم ~~الغيب، ووصف نفسه هاهنا بأنه يعلم القول. قال جار الله: هذا آكد لأنه عام ~~يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان ~~اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا ~~دلالة للعام على الخاص. بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق ~~الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى وهو السميع العليم خصص علمه ~~بالمسموعات أولا ثم عمم وقال الإمام قدم «السميع» على «العليم» لأنه لا بد ~~من استماع الكلام أولا ثم من حصول العلم بمعناه. قلت: هذا قياس للغائب على ~~الحاضر قوله بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر معنى هذه الإضرابات ~~مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولا كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم ~~قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق ~~للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزا فقد يكون سحرا هذا إذا ساعدنا على ~~أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل ms3219 فإنا ~~ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة ~~التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف. سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط ~~افتراه من عنده؟ سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا ~~كان حال هذا المعجز هكذا. فليأتنا بآية لا يتطرق إليها شيء من هذه ~~الاحتمالات كما أرسل الأولون أي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل ~~متضمن لإتيانهم بالآيات. ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة ~~علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن ~~أنهم عدلوا حين تحدوا به عن # PageV05P006 # المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف. ثم بين أن الآيات التي يقترحونها ~~لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء ~~الآيات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك أفهم يؤمنون مع شدة شكيمتهم فيه معنى ~~الإنكار أي لا يؤمنون البتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله ~~أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال. # ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم هل هذا إلا بشر مثلكم بقوله وما ~~أرسلنا قبلك إلا رجالا وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل. وإنما جاز ~~الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر ~~عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معاداة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان قولهم عندهم حجة. وقيل: أهل الذكر أهل ~~القرآن. وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟ واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن ~~للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب ~~بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا ~~يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله وما أرسلنا ~~قبلك وقوله وما أرسلنا قبلك بغير «من» وليس ms3220 إلا هاهنا وفي أوائل الفرقان ~~وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم [الآية: 20] ثم أكد كون الرسل من جنس ~~البشر بقوله وما جعلناهم جسدا الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ~~ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا ~~بد من تقدير مضاف محذوف أي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين ~~وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسدا. ووحد الجسد لإرادة الجنس أي ذوي ضرب من ~~الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: صدقناهم الوعد أصله في الوعد فنصب بنزع ~~الخافض، ثم فسر الوعد بقوله فأنجيناهم ومن نشاء وهم المؤمنون، ثم نبههم على ~~عظيم نعمه عليهم بقوله، لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي شرفكم وصيتكم، ~~أو فيه بيان مكارم الأخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ~~ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال وكم قصمنا والقصم القطع ~~الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك ~~أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى من قرية من ~~أهل قرية لقوله وأنشأنا بعدها قوما آخرين وللضمائر في قوله فلما أحسوا إلى ~~آخر القصة. والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه ~~كالمحسوس المشاهد. والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها ~~هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: # PageV05P007 # الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثا لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا ~~عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجلهم فقيل لهم لا تركضوا. ~~والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ~~أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ~~ذلك فحدثوا به أنفسهم: وارجعوا إلى ما أترفتم فيه من العيش الهنيء والإتراف ~~إبطار النعمة لعلكم تسئلون غدا عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم ~~فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم ms3221 حتى يسألكم عبيدكم ~~وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس ~~مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين ~~سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي ~~كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم فما زالت تلك الدعوى وهي قولهم يا ويلنا ~~لأن المولول كأنه يدعو الويل دعواهم الأول اسم «ما زال» والثاني خبره أو ~~بالعكس. # والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين [يونس: 10] والحصيد المحصود كقوله منها قائم وحصيد شبهوا بالزرع ~~المستأصل والنار التي تخمد فتصير رمادا أي جعلناهم مشبهين بالمحصود ~~والخامد، ووحد حصيدا لأن المراد زرعا حصيدا، ولأن «فعيلا» قد يستوي فيه ~~الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن ~~تنسب إليهما الثياب. # وفي الحديث كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين. # وروى حضوريين بعث الله إليهم نبيا فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما ~~سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف # وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء. # قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها ~~اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلا ومجازاة لا ~~عبثا ولا مجازفة فقال: # وما خلقنا السماء والأرض الآية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد ~~الموضوع وما بينهما من الأركان والمواليد كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم ~~وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق ~~دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول «البقرة» ويمكن أن يقال: المقصود من ~~سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن ~~كان صادقا فهو المطلوب، وإن كان كاذبا كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب ~~وهو منفي عنه سبحانه. قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق ~~اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعبا وعورض بمسألتي ms3222 العلم والداعي. ثم بين أن # PageV05P008 # السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة ~~تنافيه، معنى من لدنا من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو ~~المرأة، وقيل: من لدنا أي من الملائكة لا من الإنس ردا على من قال: عزير ~~ابن الله والمسيح ابن الله. ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل ~~الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملا لكل من ادعى لله ولدا ~~ولو من الملائكة. ثم أضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل ~~العبث قائلا بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو يعني الباطل زاهق أي ~~ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس ~~للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي ~~بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير ~~القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم ~~وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب ~~الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة ~~للرسالة فقال ولكم الويل مما تصفون أي تصفونه به. ثم بين كمال قدرته ونهاية ~~حلمه وحكمته فقال وله من في السماوات والأرض والمراد بمن عنده الملائكة ~~المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة. فأما عندية المكان ففيها بحث طويل. ~~قال الزجاج: لا يستحسرون أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء. قال جار الله: ~~كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو ~~«استفعل» لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات ~~الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدونها تعبا عليهم. ثم أكد ذلك بقوله ~~يسبحون الليل والنهار منصوبان على الظرفية لا يفترون لا يلحقهم الفتور ~~والكلال. وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون ~~عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم ms3223 أن يتمردوا عن طاعته؟ وقد ~~مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية ~~وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب ~~الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل يسبحون الليل والنهار لا يفترون ثم قال: # جاعل الملائكة رسلا [فاطر: 1] أولئك عليهم لعنة الله والملائكة [البقرة: ~~161] أليس الرسالة واللعن مانعين لهم عن التسبيح؟ أجاب كعب بأن التسبيح لهم ~~كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر. واعترض بأن آلة التنفس فينا ~~مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم. وأجيب بأنه لا استبعاد في أن ~~يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح ~~في أوقاته اللائقة به. ### | التأويل: # اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله [الحديد: 16] # PageV05P009 # ما يأتيهم من ذكر وعظ وتذكير من عالم رباني محدث إلهامه إلا أنكروه عليه ~~ونسبوه إلى التخليط ونحوه وما جعلناهم جسدا فيه أن الله قادر على أن لا ~~يجعل النبي والولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام ~~فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، ~~وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم ~~المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى. قال بعض المشايخ، ~~لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله وما كانوا خالدين والسر فيه أن ~~يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي. # ثم صدقناهم الوعد الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض فأنجيناهم ومن نشاء ~~من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة وأهلكنا المسرفين الذين أسرفوا ~~على أنفسهم بالركون إلى أسفل سافلين الطبائع. وكم قصمنا من أهل قرية قالت ~~فلما أحسوا بأسنا وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف ~~شديد لا تركضوا منا بل ففروا إلينا وارجعوا إلى التنعمات الروحانية ~~ومساكنكم الأصلية لعلكم تسئلون عزة وكرامة وما خلقنا سموات الأرواح وأرض ~~الأجساد، ms3224 وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما ~~خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا بل نقذف بالحق على الباطل للحق ثلاث مراتب: ~~مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى ~~الحق فيها للعبد، أرهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ~~ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له ~~بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه ~~المراتب فيبقى متصفا بالوجود المجازي. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 21 الى 50] # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ~~(23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه ~~جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (30) # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ~~(31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة وإلينا ترجعون (35) # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم ~~بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون ~~(37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين ~~لا ms3225 يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة ~~فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40) # ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن ~~(41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) ~~أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون ~~(43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم ~~الدعاء إذا ما ينذرون (45) # ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ~~وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) ~~وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) # PageV05P010 ### | القراآت: # إلا نوحي إليه بالنون: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد إني إله ~~بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ابن ذكوان. الم ير بغير واو: ابن ~~كثير الآخرون بواو متوسطة بين همزة الاستفهام والفعل ونظائرها كثيرة ترجعون ~~بفتح التاء وكسر الجيم: يعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان. ولا تسمع من ~~الاسماع خطأ بالنبي صلى الله عليه وسلم الصم بالنصب: ابن عامر. الآخرون على ~~الغيبة من السماع. الصم بالرفع مثقال حبة بالرفع على «كان» التامة وكذلك في ~~سورة لقمان: أبو جعفر ونافع. الباقون بالنصب. # PageV05P011 ### | الوقوف: # ينشرون ه لفسدتا ج للابتداء ب فسبحان للتعظيم مع فاء التعقيب تعجيلا ~~للتنزيه يصفون ه يسئلون ه آلهة ط برهانكم ج لاتحاد المقول من غير عاطف قبلي ~~ط لا يعلمون ه لا لأن ما بعده مفعول معرضون ه فاعبدون ه سبحانه ط مكرمون ه ~~ط لأن ما بعده صفة بعد صفة يعملون ه ولا يشفعون ه لا للاستثناء مشفقون ه ~~جهنم ط الظالمين ه ففتقناهما ط لانتهاء الاستفهام إلى ms3226 الإخبار حي ط يؤمنون ~~ه يهتدون ه محفوظا ج لاحتمال الواو الاستئناف والحال معرضون ه والقمر ط ~~يسبحون ه الخلد ط الخالدون ه الموت ط فتنة ط ترجعون ه هزوا ط آلهتكم ج ~~لاحتمال الواو الاستئناف والحال كافرون ه من عجل ط فلا تستعجلون ه صادقين ه ~~ينصرون ه ينظرون ه يستهزؤن ه ط من الرحمن ط معرضون ه من دوننا ط فصلا بين ~~الاستفهام والإخبار يصحبون ه العمر ط من أطرافها ط الغالبون ه بالوحي ط ~~لاستئناف ولا يسمع بالياء التحتانية والوصل أجوز لتتميم المقول، ومن قرأ ~~على الخطاب وقف لأنه خرج عن المقول ينذرون ه ظالمين ه شيئا ط أتينا بها ط ~~حاسبين ه للمتقين ه لا لاتصال الصفة ولا يخفى أنه يحتمل النصب أو الرفع على ~~المدح فيجوز أن لا يوصل. مشفقون ه أنزلناه ط منكرون. ### | التفسير: # إنه سبحانه بدأ في أول السورة بذكر المعاد ثم انجر الكلام إلى النبوات ~~وما يتصل بها سؤالا وجوابا فختم الكلام بالإلهيات لأنها المقصود بالذات ~~فقال على سبيل الإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها بواسطة «أم» المنقطعة ~~أم اتخذوا آلهة من الأرض نسبت إلى الأرض كما يقال «فلان من مكة» لأنها ~~أصنام تعبد من الأرض، لأن الآلهة على ضربين أرضية وسماوية. أو أراد أنها من ~~جنس الأرض لأنها تنحت من حجر أو تعمل من جوهر آخر أرضي. ويقال: أنشر الله ~~الموتى ونشرها أي أحياها. ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض الموات ~~كأنهم بادعائهم لها الإلهية أدعوا لها الإنشار وإن كانوا منكرين البعث فضلا ~~عن قدرة الأصنام عليه لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. # والإنشار من جملة المقدورات بالدلائل الباهرة وفيه باب من التهكم ~~والتسجيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الاقتدار ~~على الإبداء والإعادة من لوازم الإلهية. # ومعنى هم أفادت الخصوصية كأنه قيل: أم اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار ~~إلا هم وحدهم، وفيه رمز إلى أن الأمر المختص بالاهتداء هو وحده. ms3227 ولما قدم ~~الإنكار شرع في دليل التوحيد فقال: لو كان فيهما أي في السموات والأرض وقد ~~مر ذكرهما آلهة إلا # PageV05P012 # الله # أي غير الله. قال النحويون: إلا هاهنا بمعنى غير لتعذر حمل إلا على ~~الاستثناء لأنها تابعة لجمع منكور غير محصور، والاستثناء لا يصح إلا إذا ~~كان المستثنى داخلا في المستثنى منه لولا الاستثناء وقد يقال: إن «إلا» في ~~هذه المادة لا يمكن أن تكون للاستثناء لأنا لو حملناها على الاستثناء لصار ~~المعنى لو كان فيهما آلهة ليس معهم الله وهذا يوجب بطريق المفهوم أنه لو ~~كان فيهما آلهة معهم الله لم يحصل الفساد. وللمفسرين في تفسير الآية ~~طريقان: أحدهما حمل الغائب على الشاهد والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر ~~أمرهما آلهة غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا وفيه دلالة على أمرين: ~~الأول وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا، والثاني أن لا يكون ذلك الواحد ~~إلا إياه لقوله غير الله وإنما وجب الأمر أن لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير ~~الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. وثانيهما طريق ~~التمانع بأن يقال: لو فرضنا إلهين وأراد أحدهما تحريك جسم والآخر تسكينه، ~~فإن وقع مرادهما لزم اجتماع الضدين في محل واحد، وإن لم يقع مرادهما لزم ~~عجزهما، وإن وقع مراد أحدهما دون الآخر فذلك الآخر عاجز لا يصلح للإلهية. # والاعتراض على هذا التقدير من وجهين: الأول أن اختلافهما في الإرادة أمر ~~ممكن والممكن لا يجب أن يقع. # والثاني أن الفساد في السموات والأرض كيف يترتب على اختلافهما وفي الجواب ~~طريقان: أحدهما الرجوع إلى التفسير الأول وهو إحالة الأمر على ما هو الغالب ~~المعتاد من أن الملك عقيم ولا يجتمع فحلان على شول، والشول جماعة النوق ~~التي جف لبنها وارتفع ضرعها وأتي عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، فلا ~~بد من وقوع التنازع والاختلاف وحدوث الهرج والمرج عند ذلك. الطريق الثاني ~~العدول إلى ضرب آخر من البيان، وهو أن اتفاق الإلهين على مقدور واحد محال ~~لأن كلا منهما مستقل بالتأثير كامل ms3228 في القدرة، فإذا وقع المقدور بأحدهما ~~استحال أن يقع بالآخر مرة أخرى على أنه لو أراد كل واحد منهما أن يوجده هو ~~فهذا أيضا اختلاف. ولو قيل: إنه يريد كل واحد منهما أن يكون الموجد له ~~أحدهما لا بعينه فهذه إرادة مبهمة لا تصلح للتأثير، فلا بد من الاختلاف وقد ~~عرفت حاله ولزوم الفساد حينئذ ظاهر، لأن كل ما يصدر عن إلهين عاجزين أو إله ~~عاجز لم يكن على الوجه الأصلح والنمط الأصوب، بل العاجز لا يصلح للإيجاد ~~أصلا فلا يوجد على ذلك التقدير شيء من الممكنات وهو الفساد الكلي. ومنهم من ~~يقرر دليل التمانع على وجوه أخر منها: أنا لو قدرنا إلهين فهل يقدر كل واحد ~~منهما على أن يمنع صاحبه عن مراده أم لا؟ فإن قلت: يقدر. كان كل منهما ~~مقهورا للآخر، وإن قلت: لا يقدر فقد ثبت عجز كل واحد # PageV05P013 # منهما. ومنها أن أحدهما هل يقدر على أن يستر شيئا من أفعاله عن الآخر أو ~~لا؟ فإن قدر فالمستور عنه جاهل عاجز وإلا فالأول عاجز. ولا يخفى ما في ~~أمثال هذين الوجهين من الضعف لأن عدم القدرة على المحال لا يسمى عجزا ولهذا ~~لا يمكن أن يقال: إنه تعالى عاجز عن خلق مثله أو إنه إذا أوجد شيئا نفذت ~~قدرته عن خلق ذلك الشيء وحصل له عجز. ومن الطاعنين في دليل التمانع من فسر ~~الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله كما تزعم عبدة ~~الأصنام لزم فساد العالم لأنها جمادات لا تقدر على وجوه التدبير والتصرف ~~لأنفسها فضلا عن غيرها. ولقائل أن يقول: إن الآلهة لو كانت منفردة بالتدبير ~~يلزم الفساد. أما أنها لو كانت وسائط أو معاونة للإله الأعظم كما تزعم عبدة ~~الأوثان فمن أين يلزم الفساد. واعلم أنا قد بينا دلائل التوحيد في مواضع من ~~هذا الكتاب ولا سيما في سورة البقرة في تفسير قوله وإلهكم إله واحد [الآية: ~~163] ولنا في هذا المقام طريقة أخرى ما أظنها وطئت قبلي فأقول وبالله ms3229 ~~التوفيق: إن الوحدة من صفات الكمال وقد ركز ذلك في العقول حتى إن كل عامل ~~مهما تم له أمر بواحد لم يتعد فيه إلى اثنين، وإذا اضطر إلى الشركة ~~والتعاون راعى فيه الأبسط فالأبسط لا يزيد العدد إلا بقدر الافتقار وعلى ~~هذا مدار الأمور السياسية والمنزلية هذا في المؤثر. وأما في الأثر فلا ريب ~~أنه استند إلى ما هو بسيط حقيقي لم يكن فيه إلا جهة واحدة افتقارية وإذا ~~استند إلى ما فوق ذلك كان فيه من الجهات الافتقارية بحسب ذلك فيكون النقص ~~تابعا لقلة جهات الافتقار وكثرتها، وكل مرتبة للممكنات تفرض من العقول ~~والنفوس والأفلاك والعناصر والمواليد، فإن كان مبدأ تلك السلسلة الطويلة ~~واحدا كانت الجهات الاعتبارية الافتقارية فيها أقل مما لو كان المبدأ أزيد ~~من واحد. وهذه قضية يقينية إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه سبحانه أراد أن ~~يدفع هذا النقص من الممكنات و «لو» هذه بمعنى «أن» والمراد أن هذا النقص ~~والفساد لازم لوجود آلهة غير الله سواء كان الله من جملتهم أم لا، ولن يرضى ~~العاقل بما فيه نقصه وفساده فوجب أن لا يعتقد إلها غير الله وهذه النتيجة ~~هي المراد بقوله فسبحان الله رب العرش عما يصفون من الأنداد والشركاء فتكون ~~هذه الآية نظيرة قوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا [الزمر: 29] وفيه قول زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق ~~قومه: # أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير # ثم أكد تفرده بالإلهية بقوله لا يسئل عما يفعل وفيه رد على الثنوية ~~والمجوس # PageV05P014 # الذين أثبتوا لله شريكا فاعلا للشرور والآلام، وذلك أنهم طلبوا الحكمة في ~~أفعال الله تعالى فقالوا: لو كان مدبر العالم واحدا لم يخص هذا بأنواع ~~الخيرات من الصحة والغنى وذلك بأصناف الشرور من المرض والفقر، فذكر سبحانه ~~أن الاعتراض على أفعاله ينافي الديانة وأن له أن يفعل ما يشاء ولا مجال ~~للسؤال عن أفعاله، فكل ms3230 من الأشاعرة والمعتزلة سلموا أنه لا يجوز أن يقال ~~لله لم فعلت، ولكنهم حملوا عدم جواز السؤال على مأخذ آخر. أما الأشاعرة ~~فذهبوا إلى أن أفعاله لا تعلل بالمصالح والأغراض وله بحكم المالكية أن يفعل ~~في مخلوقاته ما شاء فإن من تصرف في ملك نفسه لا يقال له لم فعلت، وكيف ~~يتصور في حقه استحقاق الذم واستحقاق المدح له قديم؟ وما يثبت للشيء لذاته ~~يستحيل أن يتبدل لأجل تبدل الصفات. وكما أن ذاته غير معللة بشيء فكذلك ~~صفاته وأفعاله، وإنه غير محتاج إلى الأسباب والوسائط والأغراض والمقاصد. ~~وأما المعتزلة فقد قالوا: إنه تعالى عالم بقبح المقابح وعالم بكونه غنيا ~~عنها، ومن كان كذلك فإنه يستحيل أن يفعل القبيح. وإذا عرف المكلف إجمالا أن ~~كل ما يفعله الله فهو حكمة وصواب وجب أن يسكت عن «لم» وإذا كان الملوك ~~المجازيون لا يسألهم من في مملكتهم عما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم ~~تهيبا وإجلالا لهم مع جواز الخطأ والزلل عليهم، فملك الملوك ورب الأرباب ~~أولى بأن لا يسأل عن أفعاله مع ما ركز في العقول من أن كل ما يفعله فهو حسن ~~مشتمل على الغايات الصحيحة. ثم زاد الإلهية تأكيدا بقوله وهم يسئلون وفيه ~~رد على منكري التكليف الذاهبين إلى أن العباد لا يسألون عما فعلوا في دار ~~الدنيا قالوا: إن التكليف أمر غير معقول لأنه إما أن يتوجه على العبد حال ~~استواء داعيته إلى الفعل والترك وهو محال لأن صدور الفعل عن المكلف يستدعي ~~الترجيح فالتكليف بالترجيح في حال عدم الترجيح تكليف بالمحال، وإما أن ~~يتوجه حال الرجحان ويكون الفعل حينئذ واجب الوقوع فيكون التكليف عبثا. ~~وأيضا التكليف بما هو معلوم الوقوع لله عبث لأنه واجب الوقوع وبما هو غير ~~معلوم الوقوع تكليف بما لا يطاق، وأيضا سؤال العبد لعبد إن لم يكن فيه ~~فائدة فعبث، وإن كان فيه فائدة فإن عادت إلى الله تعالى كان محتاجا ~~مستكملا، وإن عادت إلى العبد فالله تعالى قادر على إيصالها إليه من غير ~~واسطة ms3231 التكليف، على أن السؤال إن كان لأجل إيصال الضرر فذلك لا يليق ~~بالكريم الرحيم، وجوابهم أن الأسباب والوسائط معتبرة في كل شيء من عالم ~~الأسباب حتى الثواب والعقاب، على أن حاصل الشبهات يرجع إلى أن المنكر كأنه ~~قال: إنه تعالى لم كلف عباده ولم كلفهم ما لا يطيقون وهو يناقض القاعدة ~~الممهدة أنه لا يسأل عما يفعل. ثم كرر أم اتخذوا من دونه آلهة استفظاعا ~~لكفرهم وليرتب عليه قوله قل هاتوا برهانكم على ذلك عقلا أو نقلا. أما العقل ~~فقد مر أنه يقضي بعدم الشريك حذرا من # PageV05P015 # الفساد، وأما النقل فقوله هذا ذكر من معي هو من إضافة المصدر إلى المفعول ~~أي عظة لأمتي. عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه أراد هذا هو الكتاب ~~المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من ~~الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى ~~التوحيد ونفي الشركاء. وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله وذكر ~~من قبلي صفة للقرآن أيضا لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على ~~أحوال هذه الأمة. ثم ختم الآية بقوله بل أكثرهم تنبيها على أن وقوعهم في ~~هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر ~~والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل، فلذلك أعرضوا عن ~~استماع الحق وطلبه، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند، ~~أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كي لا يكون الكلام بصدد ~~المنع. # ثم قرر آي التوحيد خصوصا قوله هذا ذكر من معي وذكر من قبلي على أحد ~~التفسيرين بقوله وما أرسلنا من قبلك الآية. ثم رد على خزاعة وأمثالهم ~~القائلين بأن الملائكة بنات الله بقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ثم نزه ~~نفسه عن ذلك بقوله سبحانه ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة ~~عباد الله مكرمون مقربون لا يسبقونه بالقول أي بقولهم ms3232 أي يتبعون قوله ولا ~~يقولون شيئا حتى يقوله وهم بأمره يعملون فهم التابعون لأمر الله في أقوالهم ~~وأفعالهم يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وقد مر تفسيره في «طه» وفي آية ~~الكرسي ولا يشفعون إلا لمن ارتضى كقوله في طه لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن ورضي له قولا [طه: 109] وقد مر البحث فيه. قال في الكشاف وهم من ~~خشيته مشفقون أي متوقعون من أمارة ضعيفة. قلت: لعله أراد أنهم يتوقعون ما ~~هو سبب لخشيته وهو العقاب من أدنى أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك ~~إلا من أمارة قوية. # ويحتمل أن يقال: إنهم يخشون الله ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع ~~فيها تقصير. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبرئيل عليه السلام ليلة ~~المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله عز وجل. # ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله ومن يقل منهم إني إله من دونه ~~فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون الله أو يدعي أنه إله مع الله أي بعد ~~مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون [الأنعام: # 88] وفي قوله فذلك دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته ~~وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك، وأراد بالظلم هاهنا الشرك، ~~والمعتزلة عمموه والأول أظهر. ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من ~~البيان وهو الاستدلال بالآفاق # PageV05P016 # والأنفس قائلا أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض أي جماعة السموات ~~وجماعة الأرض كانتا رتقا ففتقناهما الرتق بالسكون السد. رتقت الشيء فارتتق ~~أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك، والفتقاء ضدها أي كانتا ~~مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين. عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن، ~~وقتادة أن المراد كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء ~~إلى حيث هي وأقر الأرض. ومثله قول كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ~~ثم خلق ريحا توسطتهما فحصل الفتق، وقال أبو صالح ومجاهد: كانت ms3233 السموات ~~متلاصقات لا فرج بينها ففتقها الله بأن جعلها سبعا وكذلك الأرضون. وعن ابن ~~عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين، أن السموات والأرض كانتا رتقا ~~بالاستواء والصلابة ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر. # ويشبه أن يراد بالسماوات على هذا التفسير السحب نظيره قوله والسماء ذات ~~الرجع والأرض ذات الصدع [الطارق: 12] ويؤيده قوله عقيبه وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي وقيل: إنهما جمع السموات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط ~~باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهن، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون ~~كقولهم «ثوب أخلاق» «وبرمة أعشار» وقريب من هذا قول من قال: المعنى أن ~~السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما الله تعالى بإظهار النور فيهما كقوله ~~وآية لهم الليل نسلخ منه النهار [يس: 37] وقال أبو مسلم الأصفهاني: الرتق ~~حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه، والفتق ~~الإيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله فاطر ~~السماوات والأرض [الأنعام: 14] والفطر الشق. وعن بعض علماء الإسلام أن ~~الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات ~~وفصول السنة، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه ~~بعد. # وهاهنا سؤال: وهو أن الكفار متى رأوهما رتقا حتى صح هذا الاستفهام ~~للتقرير؟ كيف وقد قال الله تعالى ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض؟ [الكهف: ~~51] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض ~~بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة، وكذا ~~إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم. ~~وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون ~~قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال صاحب ~~الكشاف في الجواب: إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام ~~المرئي المشاهد، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل ~~فلا بد للتباين دون التلاصق من # PageV05P017 # مخصص وهو القديم سبحانه. قوله وجعلنا من ms3234 الماء كل شيء حي قال السكاكي ~~صاحب المفتاح: أي جعلنا مبدأ كل حي من هذا الجنس الذي هو جنس الماء. واعترض ~~عليه بأنه كيف يصح ذلك وآدم من تراب والجن من نار والمشهور أن الملائكة ~~ليست أجساما مائية؟ وأجاب بأنه يأتي في الروايات أنه جل وعز خلق الملائكة ~~من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. ~~وقال صاحب الكشاف: إنما قال خلقنا كل شيء حي من الماء لفرط احتياجه إليه ~~وحبه له وقلة صبره عنه كقوله خلق الإنسان من علق وجوز أن لا يكون الجعل ~~بمعنى الخلق بل يكون بمعنى التصيير متعديا إلى مفعولين، فالمعنى صيرنا كل ~~شيء حي بسبب من الماء لا بد له منه. وقال في التفسير الكبير: اللفظ وإن كان ~~عاما إلا أن القرينة قائمة فإن الدليل لا بد أن يكون مشاهدا محسوسا ليكون ~~أقرب إلى المقصود، فبهذا الطريق تخرج الملائكة والجن وآدم لأن الكفار لم ~~يروا شيئا من ذلك: قلت: فعلى هذا يكون قوله وجعلنا داخلا في حيز الاستفهام ~~كأنه قيل: # ألم يروا أنا فتقنا السموات والأرض بعد رتقهما وجعلنا من الماء كل حيوان. ~~ومن المفسرين من جعل الحي شاملا للنبات أيضا كقوله فأحيا به الأرض بعد ~~موتها [الجاثية: 5] قوله وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم قد مر تفسيره ~~في أول «النحل» وباقي الآية كقوله في طه وسلك لكم فيها سبلا [الآية: 53] ~~والفجاج جمع الفج وهو الطريق الواسع وهي صفة سبلا قدمت عليه فصارت حالا عنه ~~أراد أنه حين خلقها جعلها على تلك الصفة فهذا كالبيان لما أبهم في قوله ~~لتسلكوا منها سبلا فجاجا [نوح: 20] والاهتداء إما حسي أي تهتدون إلى ~~البلاد، وإما عقلي وهو الاهتداء إلى وحدانية الله تعالى. ومنهم من زعم أن ~~الضمير في قوله وجعلنا فيها عائد إلى الجبال وهذا قول مقاتل والضحاك ورواية ~~عطاء عن ابن عباس. وروي عن ابن عمر أنه قال: كانت الجبال منضمة فلما أغرق ~~قوم نوح فرقها فجاجا وجعل فيها ms3235 طرقا. قال علماء الإسلام: ليس في قوله ~~وجعلنا السماء سقفا إن السماء للأرض كالسقف للبيت لأنها فوق لا يقابله ~~مثله، ولكنه أطلق عليها اسم السقف لأنها كذلك في النظر بالنسبة إلى سكان كل ~~بقعة. وفي المحفوظ وجهان: أي محفوظا بقدرته من أن يقع على الأرض أو محفوظ ~~بالشهب عن الشياطين. وهم عن آياتها معرضون فلا يتدبرون في ترتيبها ~~ومسيراتها وطلوع أجرامها وغروبها واتصالاتها وانصرافاتها وتأثيراتها فيما ~~دونها بإذن خالقها ومبدعها. قوله كل في فلك من مقلوب الكل. والفلك في اللغة ~~كل شيء دائر وجمعه أفلاك. وزعم الضحاك أنه ليس بجسم وإنما هو مدار هذه ~~النجوم. والأكثرون على أن الفلك جسم تدور النجوم عليه. ثم اختلفوا في ~~حقيقته فقال الكلبي: ماء مكفوف أي مجموع تجري فيه الكواكب بدليل قوله ~~يسبحون # PageV05P018 # والسباحة لا تكون إلا في الماء. ورد بأنه يقال فرس سابح إذا امتد في ~~الجري. وقالت الحكماء: هو جسم كروي لا ثقيل ولا خفيف غير قابل للخرق ~~والالتئام والنمو والذبول، ولذلك منعوا من كون الفلك ساكنا، والكواكب ~~متحركة فيه كالسمك في الماء واعتذروا عن السباحة بأنها في النظر كذلك. # قال صاحب الكشاف: التنوين في كل عوض من المضاف إليه أي كلهم فورد عليه ~~إشكالان: أحدهما أنه لم يسبق إلا ذكر الشمس والقمر فكيف يعود ضمير الجمع ~~إليهما؟ # وأجاب بأن ذلك باعتبار كثرة مطالعهما كما يجمع بالشموس والأقمار لذلك. ~~ويمكن أن يقال: أقل الجمع اثنان أو أنه جعل النجوم تبعا لذكرهما. الثاني أن ~~كلهم ليسوا في فلك ولكن كل منهم في فلك آخر على ما يشهد به علم الهيئة، ~~وأجاب بأنه أراد جنس الفلك كقولك «كسانا الأمير حلة» ، أو أراد كل واحد. ~~قلت: لو صح هذا التقدير الثاني لم يرد الإشكال الأول ولكنه ينافي قوله ~~يسبحون مجموعا. قال بعض الحكماء في هذا الجمع دلالة على أن الكواكب أحياء ~~ناطقة. وأجيب بأنه إنما جمع جمع العقلاء لأن السباحة من فعلهم. قلت: قد ~~يسبح كثير من الحيوانات، فلعل المختص بالعقلاء هو السباحة الصناعية ~~المكتسبة. ms3236 وهاهنا بحث وهو أن الإمام فخر الدين الرازي استحسن قول بعض ~~الأوائل أن الحركة السماوية صنف واحد وهي الآخذة من المشرق إلى المغرب إلا ~~أن بعضها أبطأ من البعض كالحركات الغربية، وكذا اختلافات تلك الحركات بسبب ~~تلك المختلفات. قال: # وهذا أقرب ليكون غاية سرعة الحركة للفلك الأعظم وغاية السكون للجرم الذي ~~هو أبعد عن المحيط وهو الأرض، ولئلا يلزم بسبب حركة ما دون الفلك الأعظم ~~بحركته وبحركاتها الخاصة تحرك الجرم الواحد في زمان واحد بحركتين مختلفتين ~~إلى جهتين فإنه يستلزم كون الجسم دفعة واحدة في مكانين. قلت: أما حديث كون ~~ما هو أبعد عن المركز أسرع حركة فإقناعي، وأما لزوم كون الجسم دفعة واحدة ~~في مكانين فممنوع لأن التي تظهر في المتحرك هي الحركة المركبة الحاصلة من ~~فضل الأسرع على الأبطأ لا كل من الحركتين، وهذا مشاهد من حركة النملة إلى ~~خلاف جهة حركة الرحى، ومن حركة راكب السفينة فيها إلى خلاف جهة حركتها. ~~وأما الذي استحسنه من كلام الأوائل فباطل لأنه لو كان كذلك لحصلت الاظلال ~~اللائقة بكل جزء من أجزاء فلك البروج في يوم بليلة، وكذا الارتفاعات ~~المناسبة لها في البلاد المتفقة العرض وليس كذلك، وقد ذكرنا هذا المعنى في ~~كتبنا النجومية أيضا. وحين فرغ من بيان طرف من هيئة الأجرام السماوية ~~ومنافعها الدنيوية نبه بقوله وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد على أن هذه ~~الآثار لا تدوم ولا تخلق للبقاء وإنما # PageV05P019 # خلقت للابتلاء والامتحان ولكي يتوصل بها المكلفون إلى السعادات المدخرة ~~لهم في الآخرة وهي دار الخلود. وبوجه آخر لما فرغ من دلائل الآفاق شرع في ~~دلائل الأنفس فقال: # وما جعلنا الآية، عن مقاتل أن ناسا كانوا يقولون إن محمدا لا يموت فنزلت ~~وقيل: # لعلهم ظنوا أنه لو مات لتغير الشرع وهذا ينافي كونه خاتم الأنبياء، فبين ~~الله سبحانه أن حاله كحال من تقدمه من الأنبياء في المفارقة من دار الدنيا. ~~والأكثرون على أن سبب النزول هو أنهم كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته ~~فنفى الله عنه ms3237 الشماتة لهذه وفي معناه قول القائل: # فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا. # قوله كل نفس ذائقة الموت قد تقدم في آخر آل عمران تفسيره. # قوله ونبلوكم أي نعاملكم معاملة المختبر بما نسوق إليكم من الشرور ~~والخيرات فيظهر عندهما صبركم وشكركم. وقدم الشر لأن الموت من باب الشرور في ~~نظر أهل الظاهر. وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. وحين أثبت الموت ~~الذي هو الفراق عن دار التكليف بين بقوله وإلينا ترجعون أن الجزاء على ~~الأعمال ثابت مرئي البتة بعد المفارقة. استدلت المجسمة بقوله وإلينا أنه ~~تعالى جسم ليمكن الرجوع إلى حيث هو، والتناسخية بأن الرجوع مسبوق بالكون في ~~المكان المرجوع إليه، وجواب الأولين أنه أراد الرجوع إلى حيث لا حكم إلا ~~له، وجواب الآخرين التسليم لكنه لا يفيد مطلوبهم لأن الرجوع إلى المبدأ غير ~~الرجوع إلى دار الدنيا، واعلم أن مثل هذه الآية سيجيء في سورة العنكبوت إلا ~~أنه قال هناك ثم إلينا ولم يذكر قوله ونبلوكم بالشر والخير فتنة فكأن هذه ~~الفاصلة قامت مقام التراخي في «ثم» . # قال السدي ومقاتل: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل وأبي سفيان فقال ~~أبو جهل لأبي سفيان: هذا نبي بني عبد مناف. فقال أبو سفيان: وما تنكر أن ~~يكون نبيا في بني عبد مناف! فسمع النبي صلى الله عليه وسلم قولهما فقال ~~لأبي جهل: ما أراك تنتهي حتى ينزل بك ما نزل بعمك الوليد بن المغيرة، وأما ~~أنت يا أبا سفيان فإنما قلت ما قلت حمية فأنزل الله تعالى وإذا رآك الذين ~~كفروا إن يتخذونك # أي ما يتخذونك إلا هزوا ثم فسر ذلك بقوله أهذا الذي يذكر آلهتكم والذكر ~~أعم من أن يكون بالخير أو بالشر إلا أنه إذا كان من العدو يفهم منه الذم لا ~~الثناء، والمعنى أنه يبطل معبوديتها وينكر عبادتها ويقبح أمرها ثم بين غاية ~~جهالتهم وتعكيس قضيتهم بقوله وهم بذكر الرحمن هم كافرون قدم الجار والمجرور ~~وكرر الضمير ليفيد أنهم عاكفون هممهم على ذكر آلهتهم ms3238 من # PageV05P020 # كونها شفعاء وشهداء، ولو ذكرها ذاكر بخلاف ذلك ساءهم. وأما ذكر الرحمن ~~الذي منه جلائل النعم ودقائقها وأصولها وفروعها فلا يخطر منهم ببال، ولو ~~ذكره ذاكر استهزؤا به حتى إن بعضهم يقولون: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فهم ~~أحق أن يتخذوا هزوا. ويحتمل أن تكون الباء للسببية أي هم كافرون بسبب ذكرهم ~~الرحمن لا على ما ينبغي، فيكون الذكر في الموضعين بمعنى واحد. وقيل بذكر ~~الرحمن أي بما أنزل إليك من القرآن وكانوا يستعجلون بعذاب الله كما يجيء من ~~قوله ويقولون متى هذا الوعد فقدم لذلك أولا مقدمة هي قوله خلق الإنسان أي ~~هذا الجنس من عجل أراد أنه مجبول على إفراط العجلة كما مر في قوله وكان ~~الإنسان عجولا [الإسراء: 11] وعن ابن عباس أنه آدم أراد أن يقوم حين بلغ ~~الروح صدره، وعن مجاهد أن آدم لما دخل الروح رأسه وعينيه رأى الشمس قاربت ~~الغروب فقال: يا رب عجل خلقي قبل أن تغيب الشمس. وعن ابن عباس أيضا أنه ~~النضر بن الحرث والأول أظهر. وقيل: العجل الطين بلغة حمير، وقال الأخفش: أي ~~من العجل في الأمر وهو قوله كن وقيل: هو على القلب أي خلق العجل من الإنسان ~~سأريكم آياتي وهي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة فلا تستعجلون ~~فإنها كائنة لا محالة في وقتها وقيل: هي أدلة التوحيد وصدق الرسول. وقيل: ~~آثار القرون الخالية بالشام واليمن. # سؤال: قوله خلق الإنسان من عجل فيه أن الآدمي معذور على الاستعجال لأنه ~~له كالأمر الطبيعي الذي لا بد منه، فلم رتب عليه النهي بقوله فلا تستعجلون؟ ~~وأجيب بأن فيه تنبيها على أن ترك العجلة حالة شريفة وخصلة عزيزة. وقال جار ~~الله: هذا كما ركب فيه الشهوة وأمره أن يغلبها. # آخر: القوم استعجلوا الوعد على جهة التكذيب، ومن هذا حاله لا يكون ~~مستعجلا في الحقيقة؟ أجيب بأن الاستعجال على هذا الوجه أدخل في الذم لأنه ~~استعجال على أمر موهوم عندهم لا معلوم لو يعلم جواب «لو» محذوف وحين مفعول ~~به ms3239 ل يعلم والمعنى لو يعلمون الوقت الذي يستعجلونه وهو وقت إحاطة النار ~~بهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال. ويجوز أن يكون ~~يعلم متروك المفعول أي لو كانوا من أهل العلم لما كانوا مستعجلين، وعلى هذا ~~يكون حين منصوبا بمضمر أي حين لا يكفون يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وخص ~~الوجوه والظهور بالذكر لأن نكاية النار في هذين العضوين أشد مع أن الإحاطة ~~التامة تفهم منهما. ثم بين أن وقت مجيء العذاب غير # PageV05P021 # معلوم لهم فإن مجيء الساعة مخفي عن المكلفين ليكونوا أقرب إلى تلافي ~~الذنوب فقال بل تأتيهم بغتة فتبهتهم قال جار الله: أي لا يكفونها بل تفجؤهم ~~فتغلبهم. قلت: فائدة «بل» في هذه المقامات للانتقال من جملة إلى أخرى أهم ~~من الأولى، ويحتمل أن تكون «لو» لظاهر التمني والضمير للنار. وقيل: للساعة. ~~وفي قوله ولا هم ينظرون تذكير بإمهالهم في دار الدنيا أي ثم يهلكون بعد طول ~~الإمهال. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله ولقد استهزئ الآية. وقد ~~مرت في أول الأنعام. ولما بين أن الكفار في الآخرة لا يكفون عن وجوههم ~~النار ذكر أنهم في الدنيا أيضا مفتقرون إلى حراسة الله وكلاءته فقال قل من ~~يكلؤكم بالليل إذا نمتم والنهار إذا تقلبتم في وجوه المصالح من الرحمن أي ~~من بأسه وعذابه كالقتل والسبي ونحوهما. قيل: إنما خص الرحمن بالذكر تلقينا ~~للجواب حتى يقول العاقل أنت الكالئ يا إلهنا لكل الخلائق برحمتك ونظيره ما ~~غرك بربك الكريم [الإنفطار: 6] ثم أضرب عن الأمر بالاستفهام قائلا بل هم عن ~~ذكر ربهم معرضون لا يخطرونه ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه كأنه أمر رسوله ~~بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. ~~أما قوله أم لهم آلهة تمنعهم فذكر في الكشاف أنه إضراب عن الكلام السابق ~~بما في «أم» من معنى «بل» . وقال غيره: الميم زائدة وإنه استفهام مستأنف ~~والتقدير ألهم آلهة تمنعهم من دوننا من العذاب، ومعنى من دوننا أن تلك ms3240 ~~الآلهة لا تتجاوز منعنا وحفظنا ثم استأنف فقال لا يستطيعون ويجوز أن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف أي تلك الآلهة ليست تقدر على نصر أنفسها فكيف تحفظ غيرها ~~وتنصرها. # وقوله ولا هم منا يصحبون قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته. ~~والأكثرون على أنه من الصحبة بمعنى النصرة والمعونة ومنه قولهم «صحبك الله» ~~. والحاصل أن من لا يكون قادرا على دفع الآفات ولا يكون مصحوبا من الله ~~بالإعانة والنصرة كيف يتوقع منه دفع ضر أو جلب نفع! ولما أبطل كون الأصنام ~~نافعة أضرب عن ذلك منتقلا إلى بيان أن ما هم فيه من الحفظ والكلاءة والتمتع ~~بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الإهلاك ولا من ناصر ~~يعينهم على أسباب التمتع سوى الله. وفي قوله حتى طال عليهم العمر إشارة إلى ~~أنه لما امتدت أيام الروح والطمأنينة حسبوا أن ذلك لن يزول عنهم فاغتروا به ~~ونسوا المنعم فاستأهلوا العقاب كما أشار إليه بقوله أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها وفي لفظ الإتيان تصوير ما كان الله يجريه على أيدي ~~المسلمين الذين هم حزب الله من نقص ديار الكفر وتخريبها وعمارة حوزة ~~الإسلام وتشييد مبانيه وقد مر مثله في آخر سورة الرعد. والاستفهام في قوله ~~أفهم الغالبون للتقرير أي لنحن الغالبون وهم المغلوبون. # PageV05P022 # ثم بين أن هذه الإنذارات ليست من قبل الرسول ولكنه بالوحي، ثم مهد عذر ~~الرسول إن لم تنجع فيهم رسالته بأن الصم لا يسمعون دعاء المنذر. واللام في ~~الصم للعهد أي لا يسمع هؤلاء الإنذار فوضع الصم في موضع اسم الإشارة إيذانا ~~بأنهم هم الموسومون بالصمم عن استماع الحق، ولو كان اللام للجنس لكان ~~الأنسب إطلاق الدعاء لأن الصم لا تسمع الدعاء بشروا أو أنذروا. ثم ذكر أنهم ~~لا يعترفون بالتقصير والظلم إلا عند معاينة العذاب فقال: ولئن مستهم نفحة ~~وفي ذكر المس وبناء المرة من النفح الذي هو بمعنى القلة والنزارة. منه ~~قولهم «نفحه بعطية» أي رضخه، «ونفحته الدابة» وهو رمح يسير ms3241 دليل على أنهم ~~في غاية الضعف يجزعون من أدنى أثر من عذاب الله. قوله ونضع الموازين القسط ~~المراد من الوضع الإحضار والقسط أي العدل صفة الموازين وإن كان موحدا ~~كقولهم للقوم «إنهم عدل» قاله الفراء. وعن الزجاج أراد ذوات القسط. واللام ~~في ليوم القيامة بمعنى الوقت كما يقال «جئت لتاريخ كذا» . وقيل: أراد لأجل ~~الحساب يوم القيامة. وقد مر تحقيق الوزن وما يتعلق به من الأبحاث في أول ~~سورة الأعراف. # يروى أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه ثم ~~أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني ~~إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة. # وفي قوله فلا تظلم نفس شيئا بحث بين المعتزلة والأشاعرة وقد مر مرارا وإن ~~كان أي الوزن والعمل مثقال حبة من خردل أتينا بها أنت ضمير المثقال باعتبار ~~إضافته إلى الحبة. قيل: الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال: حبة من خردل؟ ~~وأجيب بأن الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك ~~الدينار، والظاهر أنه أراد الحبة من حيث اللغة. وقوله من خردل بيان لها لأن ~~الحبة أعم من أن تكون من الخردل أو من الحنطة أو من غيرهما ولكن المبالغة ~~في الأول أكثر، وذلك أن الخردلة سدس شعيرة وهي نصف سدس ثمن الدينار عند ~~الحساب ونصف سدس سدسه في الشرع، والحبة ثمن تسع الدينار في عرف حساب فارس ~~والعراق، فمثقال حبة من خردل يكون على الوجه الأول ثمن تسع خردلة، وعلى ما ~~قلنا يكون هو الخردل بعينه. والحاصل أن شيئا من الأعمال صغيرا كان أو كبيرا ~~غير ضائع من علم الله وأنه يجازي عليه. رؤي الشبلي في المنام فقيل له: ما ~~فعل الله بك؟ فقال: # حاسبوني فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا. # قال في التفسير الكبير: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى ~~بطاعة # PageV05P023 # يستحق بها خمسين جزءا من الثواب فهذا الأقل منحبط بالأكثر كما كان. ~~والآية تبطل قوله لأن ms3242 الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط، ولو ~~كان الأمر كما قاله الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة. قلت: للجبائي أن ~~يقول: الإتيان بالطاعة مشروط عندي بعدم الإحباط كما أن العقاب على المعصية ~~مشروط عندكم بعدم العفو. وكفى بنا حاسبين كقوله وكفى بالله حسيبا [النساء: ~~6] وحين فرغ من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء تسلية ~~لنبيه وتثبيتا وعظة لأمته وتذكيرا، وقد مر قصة موسى إلا أنه أوجز فيها ~~هاهنا والموجز تقدمه الفصحاء غالبا، ولأن موسى أقوى حالا ومعجزة، ولأن ذكر ~~التوراة يناسب ما تقدم من قوله قل إنما أنذركم بالوحي وصف التوراة بأنها ~~جامعة لكونها فرقانا يفرق به بين الحق والباطل، وقد مر سائر تفاسير الفرقان ~~في أول البقرة وضياء كقوله فيها هدى ونور [المائدة: 44] وذكر للمتقين أي ~~شرفا وموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم وقوله بالغيب إما ~~حال من الرب أي حال كونه غائبا عن حسهم والله لا يغيب عنه شيء فيكون كقوله ~~صلى الله عليه وسلم «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «1» وإما حال منهم أي حال ~~كونهم غائبين عن عذاب الآخرة وأهوالها، أو غائبين عن الناس أي يخشون ربهم ~~في الخلوات. ثم عظم شأن القرآن بقوله وهذا ذكر مبارك أي كثير البركة ~~أنزلناه أفأنتم له منكرون أي أنتم دون سائر الناس مع علمكم بفصاحته وإعجازه ~~تخصونه بالإنكار. ولا يخفى ما فيه من التوبيخ للعرب ومن داناهم. # التأويل أم اتخذوا آلهة من أرض البشرية ثم هم يحيون القلوب الميتة بل ~~الله يحييها بنور ذكره وطاعته لو كان في سماء الروحانية وأرض البشرية آلهة ~~إلا الله كالعقل والهوى لفسدتا كما فسد سماء أرواح الفلاسفة حين أثبتت ~~عقولهم للواجب صفات لا تليق به، وفسد أرض بشرية الطبائعية حين زلت قدمهم عن ~~استعمال قوانين الشريعة بمقتضى هوى الطبيعة لا يسئل عما يفعل لأن أفعاله ~~تعالى صادرة عن الحكمة والقدرة وهم يسئلون لأن أفعالهم منشؤها الظلومية ~~والجهولية لا يسبقونه بالقول لأنه ليس فيهم ما يخالف ms3243 داعية العقل وهو الطبع ~~الذي يجذب صاحبه إلى السفل، ولهذا وصفهم بالإكرام ووصف بني آدم بالتكريم في ~~قوله ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70] ففي التكريم تكثير ليس في ~~PageV05P024 # الإكرام والسبب أن أمر بني آدم أشكل وحالهم أصعب يعلم ما بين أيديهم من ~~خجالة قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: 30] وما خلفهم من الأمر ~~بسجود آدم والاستغفار لمن في الأرض أولم ير الذين كفروا يعني أنهم رأوها في ~~عالم الأرواح لأنها خلقت قبل الأجساد بألفي عام، وفي رواية بأربعة آلاف سنة ~~كانتا رتقا أي كانت سموات الأرواح متعلقة بأرض القوالب ففتقناهما بالمفارقة ~~وقطع التعلق وجعلنا من ماء حياة العلم كل شيء حي بالحياة الأبدية وجعلنا في ~~الأرض أرض القالب رواسي هي هموم العلائق البدنية أن تميد بهم فلولاها لمالت ~~كل نفس إلى عالمها وبطل الغرض من التكليف، ويمكن أن يكون الرواسي إشارة إلى ~~الأبدال الذين هم أوتاد الأرض بهم يرزق ويمطر الناس فجاجا سبلا هي طرق ~~الإرشاد والتسليك وجعلنا سماء القلب سقفا محفوظا من وساوس شياطين الإنس ~~والجن وهو الذي خلق ليل البشرية ونهار الروحانية وشمس المعرفة وقمر الإسلام ~~كل في فلك يسبحون فأهل الإسلام في فلك الشريعة، وأهل الإيمان في فلك ~~الطريقة، وأهل الولاية في فلك أطوار الحقيقة كل نفس ذائقة الموت أما النفس ~~الحيوانية فلأن من خواصها أن تصير الغذاء من جنسها فلا جرم إذا عجز الغذاء ~~عن التشبيه بها لعجز القوة الغاذية حل أجلها، وأما النفس الناطقة فلأن من ~~خواصها أنها تصير من جنس غذائها وهو الكمالات العلمية والعلمية التي هي ~~فيوض ربانية يتجوهر الروح بجوهرها فيحصل له الفناء عن وجوده والبقاء بشهود ~~ربه ونبلوكم بالمكروهات التي تسمونها شرا بالمحبوبات التي تحسبونها خيرا ~~فتنة فربما كان الأمر عكس ما تصورتم وإلينا ترجعون اختيارا وقهرا وإذا رآك ~~الذين كفروا فيه أن الأغيار لا ينظرون إلى الأخيار إلا بعين الإنكار خلق ~~الإنسان من عجل بالنسبة إلى خلق السموات والأرض وما بينهما فإنها خلقت في ~~ستة أيام وخمرت طينة آدم ms3244 أربعين صباحا مع أن فيها أنموذجا من الكل ~~واستعدادا لقبول الخلافة وقابلية تجلي الذات والصفات ومظهرية الكنز الخفي ~~وأشار إلى هذه المعاني بقوله سأريكم آياتي أي في مظاهر الآفاق ومرايا ~~أنفسكم بالتدريج وبالتربية في كل طور فلا تستعجلون فإن حد الاستكمال من ~~المهد إلى اللحد بل من الأزل إلى الأبد وهذا منطق الطير لا يفهمه إلا ~~سليمان الوقت. ويمكن أيضا أن يقال: # إن الروح الإنساني أول شيء تعلقت به القدرة وهذا معنى العجلة قل من ~~يكلؤكم فيه أن ملوك الأرض لو حرسوهم بالليل والنهار من الخصوم والأعداء فمن ~~لهم حتى يحفظوهم في ليل البشرية ونهار الروحانية من سطوات قهر الجلال الذي ~~الرحمانية من صفاته كما أن الرحيمية من صفات الجمال، فلو وكلهم بالخذلان ~~إلى ظلمة البشرية بقوا في الجهل، ولو وكلهم بالإضلال في نور المعقولات ~~تاهوا في أودية الحيرة والحجب النورية، والمنع من # PageV05P025 # الحجب الظلمانية والجهل البسيط أسرع من إزالة الجهل المركب بل متعنا ~~هؤلاء الجهال وآباءهم الذين علموهم تلك المعقولات التي صارت حجبا نورية لهم ~~حتى اغتروا بظاهر الحال وأنكروا المعاد والشريعة. ثم بين أن الحق يغلب على ~~الباطل البتة فقال أولم يروا أنا نأتي الأرض البشرية ونضع الموازين ميزان ~~الفضل قد نصب في الأزل نحن قسمنا تلك الرسل فضلنا وميزان العدل ينصب في ~~الأبد ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فالأول كالبزرة والثاني كالثمرة. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 51 الى 91] # ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ~~ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين ~~(53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم ~~أنت من اللاعبين (55) # قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ~~(56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا ~~كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن ~~الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) # قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم ms3245 يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا ~~بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون ~~(63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم ~~لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) # قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما ~~تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم ~~فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به ~~كيدا فجعلناهم الأخسرين (70) # ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحاق ~~ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73) ~~ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) # ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين ~~(77) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل ~~أنتم شاكرون (80) # ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل ~~شيء عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم ~~حافظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) ~~فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا ~~وذكرى للعابدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين (85) # وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن ~~أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) ~~وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى ms3246 وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا ~~رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90) # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ~~(91) # PageV05P026 ### | القراآت # جذاذا بكسر الجيم: علي. الآخرون بضمها أف بفتح الفاء: ابن كثير وابن عامر ~~وسهل ويعقوب أف بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص. الباقون بالكسر من ~~غير تنوين لنحصنكم بالنون: أبو بكر وحماد ورويس وبالتاء الفوقانية والضمير ~~للصنعة أو للدرع لأنها مؤنثة سماعا: ابن عامر ويزيد وحفص والمفضل وروح ~~وزيد. الباقون بالياء التحتانية والضمير لداود عليه السلام أو للبوس والكل ~~بتخفيف الصاد والرياح على الجمع: يزيد بطريق المفضل الآخرون على التوحيد. ~~مسني الضر وعبادي الصالحون في آخر السورة مرسلة الياء: حمزة. الباقون ~~بفتحها وأن لن يقدر بالياء مجهولا: يعقوب ننجي بضم النون الواحدة وتشديد ~~الجيم وتسكين الياء: ابن عامر وعباس وأبو بكر وحماد. الآخرون من الإنجاء ~~مخففا. ### | الوقوف: # عالمين ج ه لأن «إذ» يصلح ظرفا لآتينا أو ل رشده أو للعلم به مفعولا ~~لأذكر محذوفا عاكفون ه عابدين ه مبين ه اللاعبين ه فطرهن ز لواو الابتداء ~~والحال أولى الشاهدين ه يرجعون ه الظالمين ه إبراهيم ه # PageV05P027 # يشهدون ه يا إبراهيم ه ط فعله ز وفيه بعد ويجيء في التفسير ينطقون ه ~~الظالمون ه لا للعطف على رؤسهم ج لاتحاد المقصود مع إضمار القول ينطقون ه ~~ولا يضركم ط لاستئناف الدعاء عليهم من دون الله ط تعقلون ه فاعلين ه على ~~إبراهيم ه لا بناء على أن التقدير وقد أرادوا الأخسرين ج ه للعطف والآية ~~للعالمين ه إسحاق ط بناء على أن المراد ووهبنا له يعقوب حال كونه نافلة ~~نافلة ط صالحين ه الزكاة ج لاحتمال الاستئناف والحال عابدين ه وكان ينبغي ~~أن لا يوقف للعطف ولكنهم حكموا بالوقف لتمام القصة وكذلك أمثالها الخبائث ط ~~فاسقين ه لا بناء على أن التقدير وقد أدخلناه رحمتنا ط الصالحين ه العظيم ه ~~ج للعطف مع الآية بآياتنا ط أجمعين ه غنم القوم ج لاحتمال الواو بعده ~~الاستئناف ms3247 والحال شاهدين ه لا للعطف بالفاء سليمان ج لانقطاع النظم بتقديم ~~المفعول مع اتحاد الكلام وعلما ز لعطف المتفقين مع نوع عدول والطير ط ~~فاعلين ه من بأسكم ج للاستفهام مع الفاء شاكرون ه فيها ط عالمين ه دون ذلك ~~ج لاحتمال الاستئناف والحال حافظين ه الراحمين ه ط للفاء وللآية للعابدين ه ~~وذا الكفل ط الصابرين ه وقد يوصل لعطف وأدخلناهم على نجيناه للقدرة في ~~رحمتنا ط الصالحين ه سبحانك قد يوقف لأجل «أن» ولكنه داخل في حكم النداء ~~الظالمين ج ه على ما ذكر في الوجهين فاستجبنا له لا لاتفاق الجملتين واتصال ~~النجاة بالاستجابة من الغم ط المؤمنين ه الوارثين ه فاستجبنا له ه لا مكان ~~الفصل بين الاستجابة المعجلة وحصول الولد الموهوب على المهلة زوجه ط ورهبا ~~ط خاشعين ط للعالمين ه. ### | التفسير: # الرشد الاهتداء لوجوه المصالح في الدين والدنيا وقد يخص هاهنا بالنبوة ~~لقوله رشده ومعنى الإضافة أن لهذا الرشد شأنا ولقوله وكنا به عالمين وفيه ~~أنه علم منه أسرارا عجيبة وأحوالا بديعة حتى اتخذه خليلا واصطفاه نبيا ~~نظيره الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: 124] وعلى هذا فمعنى قوله من ~~قبل أي من قبل موسى وهارون قاله ابن عباس. وعلى الأول يحتمل هذا وأن يراد ~~من قبل البلوغ حين استدل بالكواكب قاله مقاتل. وعن ابن عباس في رواية ~~الضحاك حين أخذ الله ميثاق النبيين في صلب آدم. قالت الأشاعرة: أراد بإيتاء ~~الرشد خلق ذلك فيه إذ لو حمل على أسباب ذلك تناول الكفار. أجاب الكعبي بأن ~~هذا إنما يقال فيمن قبل لا فيمن رد، نظيره بأن يعطي الأب كل واحد من ولديه ~~ألفا فقبله أحدهما وثمره ورده الآخر أو أخذه ثم ضيعه فيقال: أغنى # PageV05P028 # فلان ابنه فيمن ثمر المال، ولا يقال مثله فيمن ضيع. واعترض بأن قبوله على ~~هذا التقدير يكون جزءا من مسمى الرشد وحينئذ لا يصح استناد إيتاء الرشد إلى ~~الله وحده، وهذا بخلاف نص القرآن. والتمثال اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق ~~من خلق ms3248 الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء شبهته به، واسم ذلك الممثل تمثال ~~جعل إبراهيم عليه السلام هذا التجاهل والتغابي ابتداء كلامه لينظر فيما ~~عساهم يوردونه من شبهة فيحلها لهم مع ما في هذا السؤال من تحقير آلهتهم ~~وتسفيه أخلافهم. وفي قوله أنتم لها عاكفون دون أن يقول عليها كقوله يعكفون ~~على أصنام لهم [الأعراف: 138] نوع آخر من التجهيل والتوبيخ لأنه ادعى عليهم ~~أنهم جعلوا العكوف مختصا بها دون خالقها وخالق كل شيء قالوا وجدنا آباءنا ~~لها عابدين لا يمكن لهم أن يتمسكوا بشيء آخر سوى التقليد فزيف طريقتهم ~~بالتنبيه على خطئهم وخطأ أسلافهم فقال: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ~~لأن كل مذهب لا يستند إلى دليل كان صاحبه ضالا أو في حكم ذلك. ثم إن القوم ~~تعجبوا من تضليلهم مع كثرتهم ووحدته ومنعهم عما ألفوه وضروا به فقالوا ~~أجئتنا بالحق أي بما ليس بهزل ودعابة أم أنت من اللاعبين فحينئذ عدل ~~إبراهيم عن مجرد التنبيه إلى إثبات الدعوى بالبينة والدليل وجاهدهم أولا ~~باللسان قائلا بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن الظاهر أن الضمير ~~للسموات والأرض إلا أنه قيل: كونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج ~~عليهم. وقوله وأنا على ذلكم من الشهداء فيه تأكيد وتحقيق لما قاله كقول ~~الرجل إذا بالغ في مدح أحد أو ذمه «أشهد إنه كريم أو لئيم» لأن الشهادة خبر ~~قاطع. وفيه أنه قادر على إثبات ما ادعاه بالحجج والبينات كما شاؤا ثم أخبر ~~أنه سيجاهدهم جهادا بالفعل من غير تقية وخوف قال وتالله لأكيدن أصنامكم قال ~~جار الله: في تاء القسم مع أنه عوض عن الباء زيادة معنى وهو التعجب كأنه ~~تعجب من سهولة الكيد على يده لأن ذلك لصعوبته كان كالمقنوط منه خصوصا في ~~زمن نمرود مع شدة شكيمته وقوة سلطانه. قلت: # لا ريب أن هذا مستبعد عادة ولكنه سهل لمن أيده الله ونصره كما قال علي ~~رضي الله عنه: # والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة رحمانية. # سؤال: ms3249 الكيد هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به فكيف يتصور ذلك في ~~حق الأصنام؟ وجوابه أنه قال ذلك بناء على زعمهم أنه يجوز ذلك عليها، أو ~~أراد لأكيدنكم في أصنامكم لأنه بذلك الفعل أهمهم وأحزنهم. قال السدي: كانوا ~~إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا ثم عادوا إلى منازلهم، فلما ~~كان هذا الوقت قال آزر لإبراهيم: لو خرجت معنا؟ فخرج معهم. فلما كان ببعض ~~الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي # PageV05P029 # رجلي، فلما بقي هو وضعفاء الناس نادى وقال الله لأكيدن أصنامكم. وروى ~~الكلبي أن إبراهيم كان من أهل بيت ينظرون في النجوم وكانوا إذا خرجوا إلى ~~عيدهم لم يتركوا إلا مريضا، فلما هم إبراهيم بالذي هم به من كسر الأصنام ~~نظر قبل يوم العيد إلى السماء فقال لأصحابه: إني أراني أشتكي عدا فذلك قوله ~~في الصافات فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم [الصافات: 88، 89] وأصبح من ~~الغد معصوبا رأسه، فخرج القوم لعيدهم ولم يتخلف أحد غيره فقال سرا: أما ~~والله لأكيدن أصنامكم، فسمعه رجل واحد وأخبر به غيره وانتشر الخبر. وعلى ~~الوجهين يصح قوله فيما بعد قالوا سمعنا فتى يذكرهم وروي أن آزر خرج به في ~~عيد لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا ~~به معهم وقالوا: إلى أن نرجع بركت الآلهة على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم ~~فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنما مصطفة وثمة صنم عظيم مستقبل الباب وكان ~~من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، فكسرها كلها بفأس في يده حتى إذا ~~لم يبق إلا الكبير علق الفأس في عنقه فجعلهم جذاذا قال الجوهري: جذذت الشيء ~~جذا قطعته وكسرته، والجذاذ ما كسر منه وضمه أفصح من كسره. قلت: فعلى هذا هو ~~اسم جمع لا جمع إلا كبيرا لهم أي في الخلقة كما روينا. وقيل: في التعظيم. ~~ويحتمل أن يكون جامعا للأمرين. أما الضمير الواحد في قوله لعلهم إليه ~~يرجعون فيحتمل عوده إلى إبراهيم أي جعلهم جذاذا واستبقى الكبير رجاء أنهم ms3250 ~~يرجعون إلى دينه أو إلى السؤال عنه لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه ~~لآلهتهم فيبكتهم بقوله بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم ويحتمل عوده الكبير كما ~~ذهب إليه الكلبي. والمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل ~~المشكلات فيقولون ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس على عاتقك، وهذا ~~بناء على ظنهم أن الأصنام قد تتكلم وتجيب، على أن نفس ذلك الكبير كان دليلا ~~على فساد مذهبهم لأن الإله يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء لأنهم كانوا يعظمونها ~~ويقولون: إن المستخف بها يلحقه ضرر عظيم، فحين كسرها إبراهيم ولم ينله ضرر ~~من تلك الجهة بطل ما اعتقدوه. فلما انكشفت لهم جلية الحال وقالوا من فعل ~~هذا الكسر والحطم والاستخفاف بآلهتنا إنه لمن الظالمين المعدودين في جملة ~~من يضع الشيء في غير موضعه لأنه وضع الإهانة مكان التعظيم قالوا سمعنا ~~احتمل أن يكون القائل واحدا، ونسب القول إلى الجماعة لأنه منهم، واحتمل أن ~~يكون جمعا على الوجهين اللذين رويناهما، أو لأنهم سمعوا منه قوله على وجه ~~الاستهزاء ما هذه التماثيل والفعلان بعد فتى صفتان له إلا أن الأول ضروري ~~ذكره لأنك لا تقول «سمعت زيدا» وتسكت حتى تذكر شيئا مما يسمع، والثاني ليس ~~كذلك. والأصح أن قوله إبراهيم فاعل يقال لأن # PageV05P030 # المراد الاسم لا المسمى وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أو منادى. قالوا أي ~~فيما بينهم فأتوا به على أعين الناس الجار والمجرور في محل الحال أي بمرأى ~~منهم ومنظر أو معاينا ومشاهدا قال. في الكشاف: معنى الاستعلاء في «على» أنه ~~يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن ثبات الراكب على المركوب وتمكنه منه لعلهم ~~يشهدون عليه بما سمع منه وبما فعله فيكون حجة عليه قاله الحسن وقتادة ~~والسدي وعطاء عن ابن عباس. وقال محمد بن إسحق: معناه لعلهم يحضرون عقوبتنا ~~له ليكون ذلك زاجرا لهم عن الإقدام على مثل فعله. # وهاهنا إضمار أي فأتوا به ثم قالوا أأنت فعلت هذا الظلم والاستخفاف ~~بآلهتنا يا إبراهيم طلبوا منه الاعتراف ليقدموا على إيذائه ms3251 ف قال بل فعله ~~كبيرهم وقوله هذا صفة كبيرهم. # زعم الطاعنون في عصمة الأنبياء أن هذا القول من إبراهيم كذب وأكدوا قولهم ~~بما # جاء في الحديث «إن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات» # وللعلماء في جوابهم طريقان: # أحدهما تسليم أنه كذب ولكنهم قالوا: الكذب ليس قبيحا لذاته وإنما يقبح ~~لاشتماله على مفسدة. وقد يحسن الكذب إذا اشتمل على مصلحة كتخليص نبي ونحوه، ~~وزيف هذا الطريق بأنا لو جوزنا أن يكذب النبي لمصلحة لبطل الوثوق بالشرائع، ~~فلعل الأنبياء أخبروا عما أخبروا لمصلحة المكلفين في باب المعاش مع أنه ليس ~~للمخبر عنه وجود كما في الواقع. الطريق الثاني وعليه جمهور المحققين المنع ~~من أنه كذب وبيانه من وجوه: الأول أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وهو ~~إلزام الخصم وتبكيته كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط في غاية ~~الحسن، أنت كتبت هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط فقلت له: بل كتبته أنت. كان ~~قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع استهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي. ~~الثاني أن إبراهيم عليه السلام غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مزينة، ~~وكأن غيظ كبيرها أشد لما رأى من زيادة تعظيمهم له فأسند الفعل إليه لأنه هو ~~الذي تسبب لاستهانته بها. الثالث أن يكون ذلك حكاية لما يؤل إليه مذهبهم ~~كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فإن من حق من يعبدو يدعى إلها أن يقدر ~~على أمثال هذه الأفعال، ويؤيد هذا الوجه ما يحكى أنه قال فعله كبيرهم هذا ~~غضب أن تعبد معه هذه الصغار، الرابع ما يروى عن الكسائي أنه كان يقف عند ~~قوله بل فعله ثم يبتدىء كبيرهم هذا أي فعله من فعله. الخامس عن بعضهم أنه ~~يقف عند قوله كبيرهم هذا فسئلوهم وأراد بالكبير نفسه لأن الإنسان أكبر من ~~كل صنم. السادس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير «بل فعله كبيرهم هذا ~~إن كانوا ينطقون فاسألوهم» . فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا # PageV05P031 # بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين امتنع ms3252 أن يكونوا فاعلين، السابع ~~قراءة محمد بن السميفع فعله كبيرهم بالتشديد أي فلعل الفاعل كبيرهم وفيه ~~تعسف. وأما قول إبراهيم عليه السلام إني سقيم فلعله كان به سقم قليل وسوف ~~يجيء تمام البحث فيه. # وأما قوله لسارة «إنها أختي» فالمراد أنها أخته في الدين فلم يكن وقتئذ ~~على وجه الأرض مسلم سواهما فرجعوا إلى أنفسهم حين نبههم على قبح طريقتهم ~~فقالوا إنكم أنتم الظالمون لأنكم تعبدون من لا يستحق العبادة. وقال مقاتل: ~~معناه فلاموا أنفسهم فقالوا: # إنكم أنتم الظالمون لإبراهيم حيث تزعمون أنه كسرها مع أن الفأس بين يدي ~~الصنم الكبير. # وقيل: أنتم الظالمون لأنفسكم إذ سألتم منه ذلك حتى أخذ يستهزىء بكم في ~~الجواب. # يقال: نكسته أي قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، وانتكاس الإنسان ~~هو أن يكون رأسه من تحت فلهذا قال ثم نكسوا على رؤسهم والمراد أنهم ~~استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة، ثم انقلبوا عن تلك ~~الحالة فأخذوا في المجادلة قائلين لقد علمت ما هؤلاء ينطقون وفيه أنهم رضوا ~~بإلهيتها مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق. # وقال ابن جرير: المعنى نكست حجتهم فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم ~~وبيان انتكاس الحجة قولهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فإن هذه حجة عليهم لا ~~لهم. وقيل: # المراد بانتكاس رؤوسهم إطراقهم خجلا وانكسارا. ثم زاد إبراهيم في توبيخهم ~~قائلا أفتعبدون الآية وقد مر في سورة سبحان أن «أف» صوت يدل على التضجر، ~~واللام لبيان المتأفف به، أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف وذلك أنه أضجره ما ~~رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم. قالوا حرقوه المشهور أن الذي ~~أشار بتحريقه هو نمرود بن كنعان ابن سنجاريب بن نمرود بن كوش بن حام بن ~~نوح. وقال مجاهد: سمعت ابن عمر يقول: # إنه رجل من أعراب العجم يريد الأكراد. وعن ابن جريج عن وهب أن الذي قال ~~هذا القول قد خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. # روى مقاتل أن نمرود وقومه أجمعوا على ms3253 إحراقه فحبسوه ثم بنوا بيتا ~~كالحظيرة بكوثى وهي من قرى الأنباط وذلك قوله ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم [الصافات: 97] ثم جمعوا له الحطب الكثير أربعين يوما حتى إن كانت ~~المرأة لتمرض فتقول: إن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم. فلما اشتعلت ~~النار اشتدت وصار الهواء بحيث لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق ثم أخذوا ~~إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فضجت السماء والأرض ومن فيهما من ~~الملائكة إلا الثقلين ضجة واحدة: أي ربنا ليس في أرضك أحد يعبدك غير ~~إبراهيم وإنه يحرق فيك، فأذن لنا في نصرته، فقال سبحانه: إن استغاث بأحد # PageV05P032 # منكم فأغيثوه وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه. ~~فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن الرياح وقال: إن شئت طيرت النار في ~~الهواء فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليك. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: أنت ~~الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي ~~الله ونعم الوكيل. # وروي أنه قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا ~~شريك لك. ثم أتاه جبرائيل في الهواء فقال: يا إبراهيم هل لك من حاجة؟ قال: ~~أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي: فأرسل الله ~~ملائكة أخذوا بضبعيه وأقعدوه في الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس ~~ولم تحرق النار منه إلا وثاقه. وأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة وقال: يا ~~إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. قال المنهال بن ~~عمرو: أخبرت أن إبراهيم مكث في النار أربعين يوما أو خمسين. وقال: ما كنت ~~أياما أطيب عيشا مني إذ كنت فيها قلت: وذلك لاستغراقه في بحر الفيوض ~~والآثار الربانية ولو لم يكن فيه إلا القرب من لطف خليله والبعد من قهر ~~عدوه لكفى. ثم نظر نمرود من صرح له مشرف على إبراهيم فرآه جالسا في روضة ~~ومعه جليس له من الملائكة والحطب يحترق ms3254 حواليه فناداه يا إبراهيم: هل ~~تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم. فقام يمشي حتى خرج. # فقال نمرود: إني مقرب إلى ربك قربانا فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن ~~إبراهيم، وكان إبراهيم عليه السلام إذ ذاك ابن ست عشرة سنة. # قال العلماء: اختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولهذا # جاء في الحديث «لا يعذب في النار إلا خالقها» «1» # ومن ثم قالوا وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين أي إن كنتم ناصرين آلهتكم ~~نصرا قويا فاختاروا له أشد العقاب وهو الإحراق وإلا كنتم مقصرين في نصرتها ~~قلنا عن السدي أن القائل هو جبرائيل عليه السلام والأكثرون على أنه سبحانه. ~~وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أنه لا قول هناك بل أراد به الجعل لأن النار ~~جماد فلا فائدة في خطابه. ويمكن أن يجاب بأن الله قادر على أن يخلق لها ~~فهما يصح به التخاطب، ولو سلم فلعل في ذلك الخطاب مصلحة للملائكة. والظاهر ~~أن قوله يا نار خطاب لتلك النار المخصوصة فإن الغرض يتعلق ببردها فقط وفي ~~النار منافع للخلائق، فلا يحسن من الكريم إبطالها. وقيل: المذكور اسم ~~الماهية فلا بد من حصول البرد في تلك الماهية أينما وجدت، ويناسبه رواية ~~مجاهد عن ابن PageV05P033 # عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت. واختلفوا في أن النار ~~كيف بردت؟ فقيل: # إنه تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة ~~والإشراق والله على كل شيء قدير. وقيل: خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من ~~وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع ~~الحديدة المحماة، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار. وقيل: جعل بينه وبين ~~النار حائلا منع من وصول أثر النار إليه. والمحققون على القول الأول لأن ~~النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة، وليست الحرارة جزءا من مسمى ~~النار حتى يمتنع كونها نارا وهي باردة، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن ~~لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص ms3255 قوله وسلاما أي ذات برد وسلام فبولغ في ~~ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام. والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم، أو ~~ابردي بردا غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ~~ببردها. وقوله على إبراهيم حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام، ~~ولولا هذا القيد لكانت النار بردا على كافة الخلق، قوله فجعلناهم الأخسرين ~~وفي الصافات فجعلناهم الأسفلين [الآية: 98] لأن في هذه السورة كادهم ~~إبراهيم لقوله لأكيدن أصنامكم وكادوه لقوله وأرادوا به كيدا فغلبهم إبراهيم ~~لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين. وفي الصافات قالوا ~~ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم [الصافات: 97] فأججوا نارا عظيمة وبنوا ~~بناء عاليا ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من ~~السافلين وفي العقبى في السافلين. # ويروى أنهم بنوا لإبراهيم بنيانا وألقوه فيه، ثم أوقد عليه النار سبعة ~~أيام ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقا. فقال لهم ~~حارث أبو لوط: إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء ~~وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة ~~فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت، وهاجر ~~إلى أرض الشام # فذلك قوله ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها أي بالخصب وسعة ~~الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها. # وقيل: ما من ماء أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس. # يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. # وقيل: الأرض مكة ووهبنا له أي لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة هي ولد الولد ~~وهي حال من يعقوب فقط، وقيل: النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة. ~~ونوفل للرجل الكثير العطاء، وعلى هذا احتمل أن يكون حالا من يعقوب فقط أي ~~سأل إسحق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلا من غير سؤال. # PageV05P034 # واحتمل أن يكون حالا من كليهما أي وهبناهما له عطية منا، والأول قول ms3256 ~~مجاهد وعطاء، والثاني وهو أن النافلة العطية قول ابن عباس وأبي بن كعب ~~وقتادة والفراء والزجاج وكلا من إبراهيم وإسحق ويعقوب جعلنا صالحين قال ~~الضحاك: أي مرسلين وقال غيره: # عالمين عاملين. وفي قوله جعلنا صالحين وكذا قوله وجعلناهم أئمة دلالة ~~الأشاعرة على أن الصلاح بجعل الله وكذا الإمامة وغيرها من الأفعال أجاب ~~الجبائي بأنه أراد تسميتهم بذلك ومدحهم وأنه حكم به لهم كما يقال: إن ~~الحاكم عدل فلانا وجرحه إذا حكم بالعدالة والجرح، وضعف بأنه خلاف الظاهر. ~~وقوله يهدون بأمرنا أي يدعون الناس إلى دين الله بأمرنا وإرادتنا. قال أهل ~~السنة: فيه أن الدعوة إلى الحق والمنع من الباطل لا يجوز إلا بأمر الله ~~تعالى. وقالت المعتزلة: فيه أن من صلح لأن يقتدى به في الدين فالهداية ~~واجبة عليه ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها. ولا خلاف في أن الهادي إذا كان ~~مهتديا بنفسه كان الانتفاع بهداه أعم والنفوس إلى الاقتداء به أميل فلذلك ~~قال وأوحينا إليهم فعل الخيرات أي أن يفعلوها لأن المراد هو إيحاء أن ~~يحدثوا الخيرات من أنفسهم ونفس الفعل الخير لا يمكن إيحاؤه فرد إلى فعل ~~الخيرات تخفيفا، فإن المقصود معلوم، ثم أضيف المصدر إلى المفعول لإفادة ~~تخفيف آخر في اللفظ وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة أي أوحينا إليهم أن ~~يقيموا ويؤتوا، قال الزجاج: حذف الهاء من إقامة لأن المضاف إليه عوض منها. ~~وقال غيره: الإقام والإقامة مصدران. ولا ريب أن تخصيص هاتين الخصلتين ~~بالذكر دليل على شرفهما والأولى أصل التعظيم لأمر الله، والثانية أصل ~~الشفقة على خلق الله. وكانوا لنا عابدين فيه أنه سبحانه لما وفى بعهد ~~الربوبية فآتاهم النبوة والدرجات العالية فهم أيضا وفوا بعهد العبودية فلم ~~يغفلوا عنها طرفة عين. # قوله ولوطا عن الزجاج أنه معطوف على أوحينا وعن أبي مسلم أنه معطوف على ~~قوله ولقد آتينا إبراهيم والحكم الحكمة، وقيل الفصل بين الخصوم، وقيل ~~النبوة والقرية سذوم والمراد أهلها وخبائثهم مشهورة قد عددت في «الأعراف» ~~وفي «هود» . # وقوم سوء نقيض رجل ms3257 صدق وأدخلناه في رحمتنا أي أهل رحمتنا أو في الجنة ~~والثواب. عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: هي النبوة أي أنه لما كان من ~~الصالحين آتيناه النبوة كي يقوم بحقها. وقال أهل التحقيق: حين آتاه الحكم ~~والعلم وتخلص من جلساء السوء فتحت عليه أبواب المكاشفات وتجلت له أنوار ~~الذات والصفات وإنها هي الرحمة في الحقيقة. قوله ونوحا وكذا نظائره معطوف ~~على قوله ولقد آتينا أو المراد واذكر نوحا. وإذ نادى بدل منه أي اذكر وقت ~~ندائه من قبل هؤلاء المذكورين والنداء # PageV05P035 # هو دعاؤه على قومه بنحو قوله ربه أني مغلوب فانتصر [القمر: 10] . وقوله ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] بدليل قوله فاستجبنا له ~~فنجيناه وأهله أي أهل دينه وهم من معه في الفلك من الكرب العظيم وهو ~~الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم. وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي ~~يأخذ بالنفس، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه عليه السلام لقي من قومه أذى شديدا ~~لا يكتنه كنهه. ثم زاده بيانا بقوله ونصرناه الآية. تقول: نصرته منه فانتصر ~~إذا جعلته منتصرا منه أي منتقما. وداود وسليمان إذ يحكمان في شأن الحرث إذ ~~نفشت ظرف ل يحكمان وهو حكاية حال ماضية. قال ابن السكيت. النفش بالتحريك أن ~~ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين. وعن الحسن: إنه يكون ~~ليلا ونهارا. وليس في قوله وكنا لحكمهم دلالة على أن أقل الجمع اثنان ~~لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما. والضمير في ففهمناها للحكومة أو ~~الفتوى. # ويروى أنه دخل رجلان على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث. أي زرع. وقيل ~~كرم- والآخر صاحب غنم. فقال صاحب الحرث: إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه ~~شيئا. فقال داود: اذهب فإن الغنم لك. فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى ~~عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه. فقال: لو كنت أنا القاضي لقضيت ~~بغير هذا. فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال: كيف كنت تقضي بينهما؟ قال: # أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها ms3258 من الدر والنسل والوبر حتى ~~إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض ~~صاحب الحرث حرثه. # قال أبو بكر الأصم: الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول. والمشهور عن ~~الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله وكنا لحكمهم ولقوله: ففهمناها ~~والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكما خلاف الأول. وعلى تقدير الاختلاف فهما ~~بالوحي أو بالاجتهاد، فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على ~~الأنبياء أصلا كالجبائي لقوله: وما ينطق عن الهوى [النجم: 3] إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي [الأنعام: 50] ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص، ~~ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب ~~الكفر، ولما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوقف في بعض الأحكام ~~انتظارا للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف، ولأنه لو جاز على النبي لجاز ~~على جبرائيل أيضا وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من ~~مجتهدات جبرائيل. وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله: وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 3- 4] وبأن الحكم الحاصل عن ~~الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه تعالى إذا قال له # PageV05P036 # مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللا بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك ~~المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه. ~~سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم، ولهذا لو اجتمعت ~~الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم. وكان الرسول أوكد، وبأن التوقف ~~لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز ~~اجتهاد جبرائيل. ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن ~~المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعا بين النقيضين، وان أهملهما لزم ~~ارتفاع النقيضين، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق ~~إلا العمل بالراجح. قال الجبائي: ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز ~~لكن ms3259 هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار، ~~فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك؟ وأيضا إن اجتهاد داود إن كان صوابا ~~فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر الله توبته بل مدحه ~~بقوله وكلا آتينا حكما وعلما وأيضا لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علما، ~~وأيضا قوله ففهمناها يدل على أنه من الله لا من سليمان. وأجيب بأن الجهالة ~~بعد تسليمها قد تكون معفوا عنها كما في حكم المصراة، ولعل الخطأ في اجتهاده ~~كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق ~~كما مر، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى الله. أما الذين منعوا من ~~الاجتهاد مطلقا أو في هذه المسألة، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة ~~سليمان، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ. قال ~~الفقهاء: # مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ ~~يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه، ولعل قيمة ~~الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث. ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن ~~غصب عبدا فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما ~~فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة. ~~هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا ~~بالليل ولا بالنهار، لأن جرح العجماء جبار. إلا أن يكون معها راع. # والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع ~~الماشية، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار. # وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدته، فذكروا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، ~~وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم ~~بالليل. # قال بعض الأصوليين: كل مجتهد مصيب لقوله وكلا آتينا حكما وعلما وقال # PageV05P037 # بعضهم: ms3260 المصيب واحد لقوله ففهمناها سليمان ولو كان كلاهما مصيبا لم يكن ~~لتخصيص سليمان بالفهم فائدة. وضعف بعضهم كلا الاستدلالين بعد تسليمهما بأن ~~ما ثبت في شرعهم لا يلزم أن يكون ثابتا في شرعنا. # ولما مدح داود على سبيل الاشتراك ذكر ما يختص بكل منهما فبدأ بداود ~~قائلا: # وسخرنا مع داود الجبال يسبحن أي حال كونهن مسبحات أو هو استئناف كأنه ~~قيل: # كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن والطير وهو معطوف على الجبال أو مفعول معه، ~~وتسبيح الجبال إما حقيقة أو مجاز وعلى الأول قال مقاتل: كان إذا سبح داود ~~سبح الجبال والطير معه. وقال الكلبي: إذا سبح داود أجابته الجبال. وقال ~~سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الله تعالى الجبال فسبحت فيزداد ~~نشاطا واشتياقا. وعلى الثاني قيل: كانت الجبال تسير معه حيث سار فكل من ~~رآها كان يسبح الله تعالى، فلما حملت على التسبيح وصفت به وهذا القول ~~اختيار كثير من أصحاب المعاني والمعتزلة، لأن الجماد غير قابل للحياة ~~والفهم عندهم، ولأن المتكلم هو الذي يفعل الكلام لا الذي يكون محلا للكلام، ~~ولهذا يقال: إن المتكلم هو الله حين كلم موسى لا الشجرة. وإنما قدم تسبيح ~~الجبال على الطير لأن ذلك أدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، فإن الطير أقرب ~~إلى الحيوان الناطق من الجماد ولا يلزم من نطق الطير أو الجبل أن يكونا ~~مكلفين فليس كل ناطق مكلفا كالأطفال والمجانين. وكنا فاعلين أي قادرين على ~~أن نفعل أمثال هذه الخوارق على أيدي الأنبياء لأجلهم وإن كانت عجيبة عندكم. ~~واللبوس اللباس يقال: البس لكل حالة لبوسها والمراد الدرع. عن قتادة أنها ~~كانت صفائح فسردها وحلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وتوارث الناس منه وعمت ~~النعمة بها لكل المحاربين فلذلك قال فهل أنتم شاكرون قال علماء المعاني: ~~هذا التركيب أدخل في الإنباء عن طلب الشكر من قولنا «فهل أنتم تشكرون» إذ ~~المختار فيه أن يقدر مفسر محذوف أي هل تشكرون تشكرون. ومن قولنا «أفأنتم ~~شاكرون» لأنه وإن كان ينبىء عن عدم ms3261 التجدد لمكان الجملة الاسمية إلا أنه ~~دون المذكور في القرآن فإن «هل» أدعى للفعل من الهمزة، فترك الفعل معه يكون ~~أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد لأن تخلف المعلول عن العلة ~~القوية يدل على وجود مانع أقوى منه إذا تخلف عن العلة الضعيفة. # ثم حكى ما أنعم به على سليمان فقال ولسليمان أي وسخرنا له الريح حال ~~كونها عاصفة ولا ينافي هذا قوله في فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث ~~أصاب [ص: 36] لأن المراد أنها مع كونها في نفسها رخية طيبة كالنسيم كانت في ~~عملها # PageV05P038 # عاصفة تحمل كرسيه من إصطخر إلى الشام، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت ~~عاصفا لهبوبها على حسب إرادته وأمره. وفي قوله وكنا بكل شيء عالمين إشارة ~~أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة ~~بأحوالهم وعلم باستئهالهم. # قوله ومن الشياطين أي سخرنا من الشياطين من يغوصون له ويجوز أن يكون ~~الكلام خبر أو مبتدأ و «من» موصولة أو موصوفة. كانوا يغوصون لأجله في ~~البحار فيستخرجون الجواهر ويعملون عملا دون ذلك أي متجاوزا ما ذكر من بناء ~~المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة. قالت العلماء: الظاهر أن التسخير ~~لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله: وكنا لهم حافظين أي من ~~أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم ~~أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني ~~الجن الموكلين بهم، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته. قال ابن عباس ~~في تفسيره: يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء. قال الجبائي: كيف ~~تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط، فلعل ~~الله تعالى كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم ~~معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى. إذ لو أبقاهم على ~~الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله ~~دلالة عليها. واعترض ms3262 عليه الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه بأنك لم ~~قلت: إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في ~~المتحيز. ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم ~~الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلا عن اللوازم السلبية. سلمنا ~~أن الجن أجسام لكن لم قلت: إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا ~~الاستقراء الضعيف؟ سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن أين يلزم ردهم إلى ~~الخلقة الأولى؟ فإن قال: لئلا يفضي إلى التلبيس. قلنا: إذا ثبت أن ذلك كان ~~معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة الله سبحانه ~~أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد، وقد سخرهما الله تعالى ~~لداود فأنطق الحجر ولين الحديد، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه تعالى قادر ~~على إحياء العظام الرميمة. ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان ~~يأمرهم بالغوص في الماء، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك الله رب العالمين. # ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب عليه السلام وصبره على بلائه حتى ~~صار مثلا. # عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد ~~لوط اصطفاه الله وجعله نبيا، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان ~~له سبعة بنين وسبع # PageV05P039 # بنات وله أصناف المواشي وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة ~~وولد ونخيل. وكان إبليس لا يحجب عن السموات حين أخرجه الله من الجنة حتى ~~رفع عيسى عليه السلام فحجب عن أربع حتى إذا ولد نبينا صلى الله عليه وسلم ~~حجب عن جميع السموات إلا من استرق السمع. قال: فسمع إبليس تحاور الملائكة ~~في شأن أيوب فأدركه الحسد فقال: يا رب إنك أنعمت على عبدك أيوب فشكرك ~~وعافيته فحمدك ثم لم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا زعيم إن ضربته بالبلاء ~~ليكفرن بك. فقال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله. فجمع إبليس عفاريت ~~الجن وقال لهم: ماذا عندكم من القوة ms3263 فإني سلطت على مال أيوب. فقال عفريت ~~أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار فأحرقت كل شيء فقال ~~إبليس: فأت الإبل ورعاتها. فذهب ولم يشعر الناس حتى ظهر من تحت الأرض، ~~إعصار لا يدنو منها شيء إلا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاتها حتى أتى على ~~آخرها. فذهب إبليس على شكل أولئك الرعاء إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فلما ~~فرغ من الصلاة قال: يا أيوب هل تدري ما الذي صنع ربك؟ وأخبره بحال الإبل ~~ورعاتها. فقال أيوب: إنها ماله إذا شاء نزعه. فقال إبليس: إن الناس منهم من ~~يقول ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول: لو كان ~~إلهه يقدر على شيء لمنع من وليه. ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ما فعل ~~ليشمت به أعداءه ويفجع به أصدقاءه فقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين ~~نزع مني، خرجت من بطن أمي عريانا وأضجع في التراب عريانا وأحشر إلى الله ~~عريانا، ولو علم الله عريانا، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك ~~مع تلك الأرواح وصرت شهيدا وأوجر فيك. فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا فقال ~~عفريت آخر: عندي من القوة ما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت ~~روحه. فقال إبليس: فأت الغنم ورعاءها فانطلق فصاح بها فماتت ومات رعاؤها، ~~فخرج إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب فقال له القول الأول، ورد عليه ~~أيوب الرد الأول، فرجع إبليس صاغرا فقال له عفريت آخر: عندي من القوة إذا ~~شئت تحولت رياحا عاصفة أقلع كل شيء أتيت عليه قال: فاذهب إلى الحرث ~~والثيران، فأتاهم فأهلكهم وأخبر إبليس به أيوب فرد عليه مثل الرد الأول، ~~فجعل إبليس يصيب أمواله شيئا فشيئا حتى أتى على جميعها. فلما رأى إبليس ~~صبره على ذلك صعد إلى السماء وقال: يا إلهي هل أنت مسلطي على ولده فإنها ~~الفتنة الكاملة. فقال الله: انطلق فقد سلطتك، فأتى أولاد أيوب في قصرهم ~~فقلب القصر عليهم ثم ms3264 جاء إلى أيوب متمثلا بالمعلم وهو جريح مشدوخ الرأس ~~يسيل دمه ودماغه فقال: لو رأيت بنيك كيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم تسيل ~~جميع أدمغتهم من أنوفهم لتقطع قلبك! فلم يزل يقول هذا ويرققه حتى رق أيوب ~~وبكى وقبض قبضة من التراب فحثاها على رأسه، فاغتنم ذلك # PageV05P040 # إبليس. ثم لم يلبث أيوب حتى استغفر واسترجع فصعد إبليس ووقف موقفه وقال: ~~إلهي إنما هون أيوب خطب المال والولد لعلمه أنك تعيد له المال والولد، فهل ~~أنت مسلطي على جسده وإني لك زعيم لو ابتليته في جسده ليكفرن بك. فقال ~~تعالى: انطلق فقد سلطتك على جسده وليس لك سلطان على عقله وقلبه ولسانه. ~~فأتاه فنفخ في منخره حين هو ساجد فاشتعل منه جسده وخرج من فرقه إلى قدمه ~~ثآليل، وقد وقعت فيه حكة لا يملكها فكان يحك بأظفاره حتى كشطت أظفاره، ثم ~~حكها بالمسوح الخشنة ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطع ~~لحمه وتغير وأنتن فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا، ~~ورفضه الناس كلهم غير امرأته رحمة بنت إفرايم بن يوسف عليه السلام فكانت ~~تصلح أموره. ثم إن وهبا طول في الحكاية إلى أن قال: إن أيوب عليه السلام ~~أقبل على الله تعالى مستغيثا متضرعا إليه قائلا: يا رب لأي شيء خلقتني يا ~~ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، يا ليتني كنت # عرفت الذي أذنبته والعمل الذي عملت حتى صرفت وجهك الكريم عني. ألم أكن ~~للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما. إلهي أنا عبد ذليل ~~فإن أحسنت فالمن لك وإن أسأت فبيدك عقوبتي. جعلتني للبلاء غرضا وسلطت علي ~~ما لو سلطته على جبل لضعف عن حمله. إلهي تقطعت أصابعي وسقطت لهواتي وتناثر ~~شعري وذهب المال وصرت أسأل اللقمة فيطعمني من يمن بها علي ويعيرني بفقري ~~وهلاك أولادي. # قال الإمام أبو القاسم الأنصاري في جملة هذا الكلام: ليتك لو كرهتني لم ~~تخلقني. ثم قال: ولو كان ذلك صحيحا لاغتنمه إبليس فإن قصده أن يحمله على ~~الشكوى وأن يخرجه ms3265 من زمرة الصابرين. # قلت: إن غرض إبليس لا يحصل بمجرد الشكوى وإنما كان غرضه أن يرتد أيوب ~~عليه السلام ولهذا قال سفيان بن عيينة: من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد ~~ذلك جزعا إذا كان في شكواه راضيا بقضاء الله تعالى إذ ليس من شرط الصبر ~~استحلاء البلاء. ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام: نما أشكوا بثي وحزني إلى ~~الله # [يوسف: 86] . # ومما حكاه الله سبحانه من شكوى أيوب قوله أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين الضر بالفتح الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس من مرض ~~وهزال. # قال جار الله: ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة عليه وذكر ~~ربه بما يجب أن يصدر دعاء الرحمة عنه ولم يصرح بالمطلوب، وحسن الطلب باب من ~~أبواب الأدب. # يحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين مشت ~~جرذان بيتي على العصا. فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثبة ~~الفهود وملأ بيتها # PageV05P041 # حبا. وفي قوله: وأنت أرحم الراحمين رمز إلى أنه جواد مطلق لا يرحم لمنفعة ~~تعود إليه، ولا لمضرة يدفعها عنه، ولا يطلب شيئا، ولا يجلب مدحا وكل رحيم ~~سواه. فأما رحمته لغرض من الأغراض أو لرقة طبع ونحو ذلك على أن تلك الرحمة ~~أيضا تتوقف على داعية يخلقها الله فيه، والآفات والآلام التي تراها في هذا ~~العالم كلها مستندة إلى صفة قهره التي لا بد لكل ملك منه أو مستتبعة لمصالح ~~وغايات لا يعلمها إلا هو، وإنها ضرورية في الوجود لاشتمالها على خيرات أكثر ~~من الشرور. واختلف العلماء في السبب الذي لأجله دعا الله أيوب # فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أيوب عليه السلام بقي ~~في البلاء ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا ~~يغدوان إليه ويروحان فدخلا عليه ذات يوم فوجدا ريحا فقالا: لو كان أيوب عند ~~الله خير ما بلغ إلى هذه الحالة. قال: فما شق على أيوب شيء ms3266 مما ابتلي به ~~مثل ما سمع منهما. فقال: اللهم إن كنت تعلم إني لم أبت شبعان وأنا أعلم ~~بمكان جائع فصدق وهما يسمعان ثم خر أيوب ساجدا. وقال: اللهم إني لا أرفع ~~رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله ما به. # وقال الحسن: مكث أيوب بعد ما ألقي على الكناسة سبع سنين وأشهرا ولم يبق ~~له مال ولا ولد ولا صديق غير امرأته صبرت معه وكانت تأتيه بالطعام. وكان ~~أيوب مواظبا على حمد الله والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه فصرخ إبليس ~~صرخة جزعا من صبر أيوب فاجتمع جنوده من أقطار الأرض وقالوا له: # ما خبرك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله ~~وولده فإنه لا يزيد بالبلاء إلا صبرا وحمدا لله تعالى. فقالوا له: أين مكرك ~~أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟ من أين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال: ~~من قبل امرأته. قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها ~~لأنه لا يقربه أحد غيرها. قال: أصبتم. # فانطلق حتى إذا أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة ~~الله؟ قالت: هو هذا يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده. فظن إبليس أنها جزعت ~~فطمع فيها ووسوس إليها وذكر لها ما كان بها من النعم والمال، وذكرها جمال ~~أيوب وشبابه. قال الحسن: فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة ~~وقال: لتذبح هذه باسم أيوب ويبرأ. قال: # فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك أين المال وأين الماشية؟ أين ~~الولد؟ أين الصديق؟ أين اللون؟ أين الحسن؟ أين جسمك الذي قد بلى وقد صار ~~مثل الرماد وتتردد فيه الدواب؟ اذبح هذه السخلة واسترح، فقال أيوب: أتاك ~~عدو الله ونفخ فيك ويلك من أعطانا الذي تذكرين من المال والولد والصحة؟ ~~قالت: الله. قال: كم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة. قال: فمنذ كم ابتلانا ~~الله بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر. قال: ويلك ما # PageV05P042 # أنصفت ربك ms3267 ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة! والله لئن شفاني الله لأجلدنك ~~مائة جلدة، أمرتني أن نذبح لغير الله وحرام علي أن أذوق بعد هذا شيئا من ~~طعامك وشرابك الذي تأتيني به فطردها. فلما نظر أيوب في شأنه وليس عنده لا ~~طعام ولا شراب ولا صديق وقد ذهبت امرأته خر ساجدا وقال أني مسني الضر وأنت ~~أرحم الراحمين فقال: أرفع رأسك فقد استجبت لك اركض برجلك [ص: 42] فركض ~~برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق في ظاهر بدنه دابة. إلا سقطت ثم ~~ضرب رجله مرة أخرى فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج ~~وقام صحيحا، وعاد إليه شبابه وجماله حتى صار أحسن مما كان حتى ذكر أن الماء ~~الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب فجعل يضمه بيده فأوحي إليه: يا ~~أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها. قال: فخرج حتى جلس ~~على مكان مشرف. ثم إن امرأته قالت: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت وتأكله ~~السباع لأرجعن إليه. فلما رجعت ما رأته في تلك الكناسة ولا تلك الحالة ~~فجعلت تطوف وتبكي فدعاها أيوب وقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أردت ~~ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة. فقال: تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: ~~وهل يخفى على أحد يراه. فتبسم قائلا: أنا هو. # فعرفته بضحكه فاعتنقته ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح لإبليس وإني أطعت الله ~~وعصيت الشيطان فعافاني الله ببركة ذلك. # الرواية الثالثة: # قال الضحاك ومقاتل: بقي في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ~~ساعات، فلما غلب أيوب إبليس ذهب إبليس إلى امرأته على هيئة ليست كهيئة بني ~~آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس كمراكب الناس وقال لها: أنت ~~صاحبة أيوب؟ قالت: نعم. قال: فهل تعرفيني؟ قالت: لا. قال: أنا إله الأرض، ~~أنا صنعت بأيوب ما صنعت وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ولو سجد لي ~~سجدة واحدة رددت عليه وعليك جميع ما لكما ms3268 من مال وولد فإن ذلك عندي. قال ~~وهب: وسمعت أنه قال: لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم الله تعالى لعوفي مما ~~فيه من البلاء. وأيضا قال لها: لو شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أرد عليك ~~المال والولد وأعافي زوجك. فرجعت إلى أيوب فأخبرته فقال: أتاك عدو الله ~~ليفتنك عن دينك، ثم أقسم لئن عافاني الله لأجلدنك مائة جلدة وقال عند ذلك ~~مسني الضر # يعني من طمع إبليس في سجودي وسجود زوجتي له. # الرواية الرابعة # قال إسماعيل السدي: إن إبليس تمثل للقوم في صورة بشر وقال: # تركتم أيوب في قريتكم أعدى إليكم ما به من العلة، فأخرجوه إلى باب البلد ~~ثم قال لهم: # PageV05P043 # إن امرأته تدخل عليكم وتعمل وتمس زوجها أما تخافون أن تعدي إليكم علته، ~~فحينئذ لم يستعملها أحد فتحيرت وكان لها ثلاث ذوائب فعمدت إلى إحداها ~~وقطعتها وباعتها فأعطوها بذلك خبزا ولحما فقال أيوب: من أين هذا؟ قالت: كل ~~فإنه حلال. فلما كان من الغد لم تجد شيئا فباعت الثانية، وكذلك فعلت في ~~اليوم الثالث وقالت: كل فإنه حلال. فقال: لا آكل أو تخبريني فأخبرته فبلغ ~~ذلك من أيوب ما الله به عليم فقال: ربه أني مسني الضر. # والرواية الخامسة قيل: سقطت دودة من فخذه فرفعها وردها إلى موضعها وقال: ~~قد جعلني الله طعمة لك فعضته عضة شديدة فقال: مسني الضر فأوحى الله إليه: ~~لولا أني جعلت في كل شعرة منك صبرا لما صبرت. واعلم أن مس الضر هاهنا مطلق ~~إلا أنه ورد في «ص» مقيدا وذلك قوله أني مسني الشيطان بنصب وعذاب [ص: 41] ~~فصح أن يكون سندا لهذه الروايات إلا أن الجبائي طعن فيها بأن الشيطان كيف ~~يقدر على إحداث الأمراض والأسقام والقادر على ذلك قادر على خلق الأجسام ~~وحينئذ يكون إلها. وأيضا إن هذه التأثيرات تنافي قوله سبحانه حكاية عنه وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم [إبراهيم: 22] والجواب أنه كان بإذن ~~من الله كما حكينا فلا محذور ولا تنافي. وقال: ومن البعيد ms3269 أنه لم يسأل الله ~~إلا عند أمور مخصوصة والجواب أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وقال: # انتهاء أمراض الأنبياء إلى حد التنفير من القبول غير جائز. والجواب المنع ~~ولا سيما بشرط العافية في العاقبة. قوله سبحانه فكشفنا ما به من ضر مجمل ~~يقتضي إعادته إلى ما كان في بدنه وأحواله. وقوله: وآتيناه أهله ومثلهم معهم ~~تفصيل لذلك المجمل وفيه قولان: # الأول قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة ومقاتل والكلبي: إن الله تعالى ~~أحيا له أهله يعني أولاده بأعيانهم. والثاني قال الليث: أرسل مجاهد إلى ~~عكرمة وسئل عن الآية فقال: أراد أهلك لك في الآخرة وآتيناك مثلهم في ~~الدنيا. فقد روي أن زوجته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين ابنا له. ثم بين الحكمة ~~في ذلك الابتلاء ثم الاستجابة بقوله رحمة من عندنا لأيوب وذكرى لغيره من ~~العابدين للرحمن أو الرحمة والذكرى كلاهما للعابدين لكي يتفكروا فيصبروا ~~كما صبر حتى يتابوا في الدارين كما أثيب. وإنما خص الرحمة والتذكرة ~~بالعابدين لأنهم هم المنتفعون بذلك لا الذين يعبدون الهوى والشيطان. قال ~~أهل البرهان: # إنما قال في هذه السورة رحمة من عندنا وقال في «ص» رحمة منا [ص: 43] لأنه ~~بالغ هاهنا في الدعاء بزيادة قوله: وأنت أرحم الراحمين فبالغ في الاستجابة ~~لأن لفظ «عند» يدل على مزيد التخصيص وأنه سبحانه تولى ذلك من غير واسطة. # وحين ذكر صبر أيوب وانقطاعه إليه ذكر غيره من الأنبياء المشهورين بالصبر ~~منهم # PageV05P044 # إسماعيل عليه السلام، صبر على الانقياد للذبح وعلى الإقامة بواد لا زرع ~~فيه ولا ضرع، وصبر على بناء البيت ورفع قواعده، فلا جرم أخرج الله ببركة ~~ذلك من صلبه خاتم النبيين، ومنهم إدريس وقد مر ذكره في سورة مريم. قال ابن ~~عمر: بعث إلى قومه داعيا لهم إلى الله فأبوا فأهلكهم الله ورفع إدريس إلى ~~السماء. ومنهم ذو الكفل قيل: هو زكريا وعلى هذا فقد تقدمت قصته أيضا. وفي ~~هذا القول نظر، لأن قصة زكريا تجيء عن عقيب فيلزم التكرار. # وقيل: هو إلياس وكان خمسة من الأنبياء ذوي ms3270 اسمين: إسرائيل ويعقوب، وإلياس ~~وذو الكفل، وعيسى والمسيح، ويونس وذو النون، ومحمد وأحمد. وقيل: يوشع بن ~~نون سمي بذلك لأنه ذو الحظ من الله دينا ودنيا، أو لأنه كان له ضعف عمل ~~الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. وقال أبو موسى الاشعري ومجاهد: إنه لم يكن ~~نبيا ولكن كان عبدا صالحا، وقال الحسن والأكثرون: إنه من الأنبياء وهذا ~~أقرب لأنه معطوف عليهم معدود فيما بينهم. # يروى عن ابن عباس أن اليسع أو نبيا آخر في بني إسرائيل قربت وفاته فأراد ~~أن يستخلف رجلا على الناس فقال: من يقبل مني خلافتي على أن يصلي بالليل ~~ويصوم بالنهار ويقضي بين الناس فلا يغضب؟ فقام رجل وقال: أنا أتكفل لك هذه ~~الثلاثة فدفع إليه ملكه ووفى بما ضمن، فحسده إبليس فأتاه وقت القيلولة ~~فقال: إن لي غريما قد ظلمني حقي وقد دعوته إليك فأبى فأرسل معي من يأتيك ~~به، فأرسل معه وقعد حتى فاتته القيلولة وعاد إلى صلاته وصلى ليله إلى ~~الصباح، ثم أتاه من الغد وقال مثل ذلك حتى شغله عن القيلولة وهكذا في اليوم ~~الثالث. وقيل: إنه في اليوم الثالث قال للبواب: قد غلب علي النعاس فجاء ~~إبليس فلم يأذن له البواب فدخل من كوة البيت ودق الباب من داخل، فاستيقظ ~~الرجل وعاتب البواب فقال: # أما من قبلي فلم تؤت فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق وإبليس على صورة شيخ ~~في البيت فقال له: أتنام والخصوم على الباب فعرفه وقال: إبليس؟ قال: نعم. ~~أعييتني في كل شيء فعلت هذه الأفعال لأغضبك فعصمك الله مني فسمي ذا الكفل ~~لأنه قد وفى بالكفالة. # ولا خلاف أن ذا النون هو يونس لأن النون هو السمكة والاسم إذا دار بين أن ~~يكون لقبا محضا وبين أن يكون مقيدا فحمله على المقيد أولى. واختلفوا في أن ~~وقوعه في بطن الحوت كان قبل اشتغاله بأداء الرسالة أو بعد. # أما القول الأول # فعن ابن عباس أن يونس وقومه كانوا من فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة ~~أسباط ونصفا وبقي ms3271 سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيب عليه السلام أن ~~اذهب إلى حزقيل الملك وقل له حتى يوجه نبيا قويا فإني ألقي في قلوب أولئك ~~أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال له الملك: من ترى وكان في مملكته خمسة من ~~الأنبياء؟ فقال: # PageV05P045 # يونس بن متى. فإنه قوي أمين. فدعاه الملك وأمره أن يخرج فقال له يونس: هل ~~أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فههنا أنبياء غيري فألحوا عليه فخرج ~~مغاضبا للملك ولقومه فأتى بحر الروم فوجد قوما هناك وسفينة فركب معهم ~~فاضطربت السفينة حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاحون: هاهنا رجل عاص أو عبد ~~آبق لأن السفينة لا تفعل هذا من غير ريح، إلا وفيها رجل عاص، ومن عادتنا في ~~مثل هذا البلاء أن نقترع فمن خرجت له القرعة ألقيناه في البحر حتى تسلم ~~السفينة. فاقترعوا ثلاث مرات فوقعت القرعة كلها على يونس. فقال: أنا الرجل ~~العاصي والعبد الآبق وألقى نفسه في البحر فابتلعه حوت، فأوحى الله تعالى ~~إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنا له ولم أجعله طعاما لك. ثم ~~نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا ~~جلد، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرتها حتى اشتد، ~~فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس فقيل له: أتحزن على شجرة ولم تحزن على ~~مائة ألف أو يزيدون حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب سلامتهم؟. فتوجه يونس نحوهم ~~حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فقال لملكهم: إن الله أرسلني إليك لترسل ~~معي بني إسرائيل. فقالوا: ما نعرف ما تقول ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ولقد ~~أتيناكم في دياركم وسبيناكم، فلو كان كما تقول لمنعنا الله منكم. فطاف فيهم ~~ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله إليه قل لهم: إن لم ~~تؤمنوا جاءكم العذاب. فأبلغهم فأبوا فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على ~~فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه. فقال علماؤهم: اطلبوه فإن كان في ~~المدينة فليس ms3272 ما ذكره بشيء، وإن كان قد خرج فهو كما قال. فطلبوه فلم يجدوه، ~~فلما أيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم وغنمهم وعزلوا الوالدة عن ~~ولدها وكذا الصبيان والأمهات، فلما طلع الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء ~~فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها وصاح الصبيان وثغت المواشي فرفع ~~الله عنهم فبعثوا إلى يونس وآمنوا به وبعثوا معه بني إسرائيل. # القول الثاني وعليه أكثر المفسرين: أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل ~~نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم كما مر في سورة يونس. واحتج الطاعنون في ~~عصمة الأنبياء بهذه القصة من وجوه: الأول أنه ذهب مغاضبا لربه هكذا فسره ~~ابن عباس وابن مسعود والحسن والشعبي وسعيد وابن جبير ووهب واختاره ابن ~~قتيبة ومحمد بن جرير، ومن المعلوم أن مغاضبة الله من أعظم الذنوب. ولئن سلم ~~أنه كان مغاضبا لقومه فذلك أيضا محظور لأنه كان يجب أن يصبر معهم. الثاني ~~قوله فظن أن لن نقدر عليه وهو شك في قدرة الله. الثالث: # اعترافه بأنه من الظالمين والظلم من صفات الذم. الرابع: إخبار الله تعالى ~~في موضع آخر # PageV05P046 # بقوله فالتقمه الحوت وهو مليم [الصافات: 142] والمليم ذو الملامة. ~~الخامس: قوله للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تكن كصاحب الحوت [القلم: 42] ~~وقال في موضع آخر فاصبر كما صبر أولوا العزم [الأحقاف: 35] والجواب أنه ~~عليه السلام غضب لأجل ربه أنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وغاضب قومه ~~بمفارقته كي يخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. فغاية ما في الباب أن تلك ~~المغاضبة ترك الأولى وهو الصبر على مشاق الرسالة بعد أدائها إلى أن يأذن ~~الله له في المهاجرة. وعن الثاني أن معنى. لن نقدر عليه لن نضيق كقوله الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [الرعد: 26] ومن قدر عليه رزقه [الطلاق: 7] فهو ~~من القدر لا من القدرة، ويجوز أن يكون من القدر بمعنى القضاء. قال الزجاج: ~~يقال قدر الله الشيء قدرا وقدره تقديرا. والمعنى فظن أن لن نقضي عليه بشدة ~~وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وابن عباس في ms3273 رواية واختاره الفراء ~~والزجاج. يقال: قدر الله عليه الضراء وقدر له السراء كما يقال: قدر القاضي ~~على فلان أوله. ولئن سلمنا أنه من القدرة فالمراد القدرة بالفعل أي فظن أن ~~لن نعمل فيه قدرتنا، فالقدرة غير وإعمالها غير، فظن انتفاء الأول كفر دون ~~الثاني أو هو وارد على سبيل التمثيل والاستعارة أي كانت حاله ممثلة بحال من ~~ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر الله، أو هو ~~استفهام بمعنى التوبيخ معناه أفظن أن لن نقدر عليه: عن ابن زيد. سلمنا الكل ~~لكن هذه الواقعة لعلها قبل رسالته كما حكينا ومثل هذا الظن في حق غير ~~الأنبياء لا يبعد بوسوسة الشيطان، ولكن المؤمن يرده بعد ذلك بالبرهان. وعن ~~البواقي أن الكل راجع إلى ترك الأولى ونحن لا ننكر ذلك وكفى بذكر يونس في ~~عدد الأنبياء الصابرين الصالحين دليلا على أنه لم يصدر عنه شيء ينافي عصمته ~~والله تعالى أعلم. # أما قوله فنادى في الظلمات فمعنى الجمع راجع إلى شدة الظلمة وتكاثفها أي ~~في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات [البقرة: 257] وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع ~~حوته حوت أكبر منه فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر. وقيل: إن الحوت ~~إذا عظم غوصه في البحر كان ما فوقه من البحر ظلمة في ظلمة. ومعنى أن لا إله ~~إلا أنت أي لا إله إلا أنت أو بأنه لا إله إلا أنت سبحانك تنزيه له عن كل ~~النقائص. منها الظن المذكور على أي وجه فرض، ومنها العجز عن تخليصه، ومنها ~~خلو ذلك الفعل عن حكمة كاملة. إني كنت من الظالمين بالفرار من غير إذن وأنا ~~الآن من التائبين وفيه من حسن الطلب ما فيه فلذلك قال فاستجبنا له ثم بين ~~الاستجابة بقوله ونجيناه من الغم أي من غمه بسبب كونه في # PageV05P047 # بطن الحوت وبسبب خطيئته وكما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا كذلك ~~ننجي المؤمنين من كل كرب إذا ms3274 استغاثوا بنا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب ~~له» . # وعن الحسن: ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم. وقد بقي في الآية ~~بحث لفظي وهو أن بعض أهل العربية غلطوا عاصما في قراءته نجي بالتشديد ~~والنون لا تدغم في الجيم. واستخرج بعضهم له وجها وهو أن يكون نجي فعلا ~~ماضيا مجهولا من التنجية لكنه أرسل الياء وأسند الفعل إلى المصدر المضمر ~~ونصب المؤمنين بذلك المصدر أي نجى نجاء المؤمنين كقولك «ضرب الضرب زيدا» ثم ~~ضرب زيدا على إضمار المصدر، وأنشد ابن قتيبة حجة لهذه القراءة: # ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا # وقال أبو علي الفارسي وغيره من الأئمة المحققين: إن مثل هذا لا يجوز إلا ~~في ضرورة الشعر وإنما الوجه الصحيح في قراءة عاصم أن يحمل ذلك على الإخفاء، ~~فلعل الراوي التبس عليه فظنه إدغاما. ثم بين انقطاع زكريا وتبتله إليه رغبة ~~فيمن يؤنسه ويعينه في أمر دينه ودنياه وإن انتهى الحال به وبزوجته في الكبر ~~إلى حد اليأس من ذلك عادة. وفي قوله وأنت خير الوارثين وجهان: أحدهما أنه ~~ثناء على الرب بأن مآل كل الأمور إليه فيكون مؤكدا لما فوض إليه أمر الولد. ~~والثاني أنه أراد إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث. وفي ~~إصلاح زوجه وجوه: منها أنها جعلت صالحة للولادة بعد عقرها. # ومنها أنها جعلت حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق، ولا شك أن حسن خلق الزوج ~~نعمة عظيمة. ومنها أن الإصلاح يتعلق بأمر الدين كأنه سأل ربه المعونة على ~~الدين والدنيا بالولد والأهل جميعا. ويرد على الوجه الأول أن إصلاح الزوج ~~مقدم على هبة الولد، والجواب أن الواو لا تفيد الترتيب أو أراد بالهبة ~~إرادة الهبة. أما الضمير في قوله إنهم كانوا يسارعون في الخيرات فقد قيل: ~~إنه عائد إلى زكريا وولده وأهله. وقال جار الله: إنه للمذكورين من الأنبياء ~~عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمسارعتهم ms3275 في ~~تحصيل الخيرات، وهذا من أجل ما يمدح به المؤمن لأنه يدل على الجد والرغبة ~~في الطاعة. # ويدعوننا رغبا في ثوابنا ورهبا عن عقابنا. ومعنى خاشعين قال الحسن: ذللا ~~لأمر الله. وقيل: متواضعين. وعن مجاهد: الخشوع الخوف الدائم في القلب. وفي ~~تقديم الجار والمجرور على خاشعين إشارة إلى أنهم لا يخشون أحدا إلا الله. ~~وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي أنه الذي إذا أرخى ستره وأغلق بابه رأى الله ~~منه خيرا ليس هو الذي يأكل خشبا أي علقا ويلبس خشنا ويطأطىء رأسه. ولما فرغ ~~من ذكر الرجال الكاملين ذكر من هي # PageV05P048 # سيدة نساء العالمين فمدحها بإحصان فرجها إحصانا كليا من الحلال والحرام ~~جميعا حتى إنها منعت جبرائيل جيب درعها قبل أن عرفته. والنفخ فيها عبارة عن ~~إحياء عيسى في بطنها أي فنفخنا الروح في عيسى فيها كقول الزامر «فنفخت في ~~بيت فلان» أي نفخت في المزمار في بيته، أو المراد وفعلنا النفخ في مريم من ~~جهة روحنا- وهو جبرائيل- لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها. وهذا ~~البيان هو المراد في سورة التحريم فلذلك قال فنفخنا فيه [التحريم: 12] أراد ~~فرج الجيب أو غيره. وإنما قال وجعلناها وابنها آية للعالمين لأنه أراد أن ~~مجموعهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير أب. ### | التأويل: # الإشارات المفهومة من قصص الأنبياء أكثرها مر فلنذكر ما يختص بالمقام. # منها قوله بل فعله كبيرهم أي الله الكبير لأن كسر الأصنام ليس من طبيعة ~~الإنسانية بل من طبيعتها أن تنحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما ذلك ~~بتوفيق الله وتأييده. فقوله هذا بدل الكل من الضمير في فعله: قالوا أحرقوه ~~إذا أراد الله أن يكمل عبدا من عباده المخلصين فداه خلقا عظيما كما لو أراد ~~استكمال حوت في البحر فداه كثيرا من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص جسد ~~الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه فداء له حتى أجمعوا على تحريقه ولم ~~يعلموا أن تلك النار له نور. وذلك العذاب له روح وريحان، لأن نار العشق قد ~~أحرقت ms3276 أنانيته حتى لم ير غير الله بل لم يبق إلا هو فلم يمكن للنار أن ~~تتصرف فيه فوقع قوله: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم تمثيلا ~~لهذا المعنى. # بالنار خوفني قومي فقلت لهم ... النار ترحم من في قلبه نار # ونجينا إبراهيم الروح ولوط القلب من أرض البشرية إلى أرض الروحانية ~~المتبركة المشرفة المشرقة لتجلي الذات والصفات. ونجيناه من قرية القالب. ~~التي كانت تعمل الخبائث بالأوصاف البهيمية والسبعية وداود الروح وسليمان ~~القلب إذ يحكمان في شأن حرث الدنيا إذ نفشت أي دخلت فيه في ظلمة ليل ~~البشرية غنم القوم أي الصفات البشرية من غير راعي العقل فأفسدت الحرث ~~بالإفراط والإسراف. فحكم الروح بانجذابه إلى عالمه بالكلية أن يمنع الأوصاف ~~عن التصرف فيها مطلقا. ففهمناها سليمان القلب لكونه متقلبا في طودي الروح ~~والجسد أن يحكم بمنع التصرف فيها إلى أن يعود الحرث من حالة الإسراف فيه ~~المؤدي إلى الفساد إلى حالة التوسط والاعتدال الذي هو المعتبر في باب ~~الكمال والإكمال جمعا بين المصلحتين ورعاية للجانبين. وسخرنا مع # PageV05P049 # داود الجبال # وهي الأعضاء والجوارح التي فيها ثقل وكثافة يسبحن بتسبيحه والطير وهن ~~القوى الحيوانية السيارة بل الطيارة بين فضاء القلب والقالب. هذا في ~~الباطن، وأما في الظاهر فإذا استولى سلطان الذكر على أجزاء البدن انعكس ~~نوره في مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات فيذكر ما يذكره ~~كالحصاة سبحت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن بعض الصحابة أنه قال: كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه وعلمناه صنعة ~~لبوس لكم إن الله تعالى ألهم داود الروح كيفية إلانة القلب الذي هو في ~~القساوة بمنزلة الحديد حتى يتولد من ذلك القلب أوصاف حميدة تحصن الإنسان من ~~بأس الأعداء التي هي النفس والهوى والشيطان. وسخرنا لسليمان القلب ريح ~~الروح الحيواني فإنه مركب الروح الإنساني به يتهيأ له السير إلى مقام بورك ~~له فيه ومن الشياطين وهم الأوصاف النفسية من يغوصون له في بحر الحديد ~~فيستخرجون درر الفضائل الإنسية ويعملون عملا دون ذلك ms3277 من الوسائط والوسائل ~~إلى تلك الفضائل: وكنا لهم حافظين من أن يزيغوا عن سواء السبيل ويميلوا عن ~~جادة الشريعة وقانون الطريقة. قال أهل التحقيق: إذا بلغ الإنسان مبلغ ~~الرجال البالغين سخر الله له بحسب مقامه السفليات والعلويات كما سخر ~~لسليمان الريح والجن والشياطين والطير ومن العلويات الشمس حين ردت لأجل ~~صلاته، وسخر لداود عليه السلام الجبال والطير والحديد والأحجار التي قتل ~~بها جالوت، وسخر لنبينا جميع السفليات والعلويات حتى # قال «زويت لي الأرض» «1» # وقال «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض» «2» # وكان الماء ينبع من بين أصابعه. # وقال «نصرت بالصبا» # وكانت الأشجار تسلم عليه وتسجد له وتنقلع بإشارته من مكانها وترجع، ~~والحيوانات تتكلم معه وتشهد بنبوته. # وقال «أسلم شيطاني على يدي» «3» . # وأما من العلويات فقد انشق القمر بإشارته وسخر له البراق وجبرائيل، وعبر ~~السموات والجنة والنار والعرش والكرسي إلى مقام قاب قوسين أو أدنى. # وأيوب القلب المبتلى بديوان الهواجس والوساوس الذي فارقه أوصافه الحميدة ~~وأخلاقه الشريفة لشدة تألمه بالعلائق البدنية وعوائق الأمور الدنيوية ~~فكشفنا ما به من ضر بأن قلنا PageV05P050 # له اركض برجلك [ص: 42] نظيره وألق ما في يمينك [طه: 69] لينبع ماء حياة ~~العلم والمعرفة فتسلم من تعلقات الكونين المؤذية للقلب والروح إذ ذهب من ~~عالمه مغاضبا لغيره من المجردات فألقي في بحر الدنيا فالتقمه حوت النفس ~~الأمارة بالسوء، وابتلع حوت النفس حوت القالب فنادى في ظلمات حجب النفس ~~والقالب والدنيا وزكريا الروح وهبنا له يحيى القلب وأصلحنا له زوج القالب ~~ويدعوننا رغبا في الفناء فينا ورهبا من البقاء بأنانيتهم وكانوا لنا خاشعين ~~أما القالب فبأعمال الشريعة، وأما النفس فبتهذيب الأخلاق، وأما القلب ~~فبالاطمئنان بذكر الله، وأما السر فباجتهاده في كشف الأسرار، وأما الروح ~~فببذل الوجود في طلب المعبود، وأما الخفي فبإفنائه في الله وبقائه بالله. ~~ومريم النفس التي أحصنت قلبها عن تصرفات الكونين فأحييناها بالحياة ~~الأبدية. ### | [سورة الأنبياء (21) : الآيات 92 الى 112] # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل ~~إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا ms3278 كفران لسعيه وإنا له ~~كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في ~~غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم ~~لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم ~~فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون (101) # لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع ~~الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوي ~~السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ~~(104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ~~(105) إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) # وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب ~~أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) ~~وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) # قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112) # PageV05P051 ### | القراآت: # وحرم بكسر الحاء: حمزة وعلي وعاصم غير حفص وأبي زيد عن المفضل فتحت ~~بالتشديد: ابن عامر ويزيد ويعقوب. لا يحزنهم بضم الياء وكسر الزاء يزيد ~~نطوي بضم التاء الفوقانية وفتح الواو والسماء بالرفع: يزيد. للكتب على ~~الجمع: حمزة وعلي وخلف وحفص بدأنا مثل أنشأنا قال بالألف على حكاية قول ~~الرسول رب بحذف الياء اكتفاء بالكسرة: حفص غير الخراز رب بضم الباء على أنه ~~مبتدأ احكم على صيغة التفضيل. يزيد عن يعقوب الباقون رب احكم يصفون على ~~الغيبة: المفضل وابن ذكوان في رواية. ### | الوقوف: # واحدة ز لأن المقصود من قوله أنا ربكم قوله فاعبدون وكان الكلام متصلا ~~فاعبدون ه بينهم ط راجعون ه لسعيه ج لاختلاف الجملتين كاتبون ه لا يرجعون ه ~~ينسلون ms3279 ه كفروا ط لإضمار القول ظالمين ه جهنم ط واردون ه ما وردوها ط ~~خالدون ه فيها ط لا يسمعون ه الحسنى لا لأن ما بعده خبر «إن» مبعدون ه لا ~~لأن ما بعده خبر بعد خبر حسيسها ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف خالدون ه ~~ج لاحتمال الجملة بعده أن تكون صفة أو استئنافا الملائكة ط لأن التقدير ~~قائلين هذا يومكم توعدون ه للكتب ط لأن الجار يتعلق بما بعده نعيده ط لحق ~~المضمر أي وعدنا وحقا علينا ط فاعلين ه الصالحون ه عابدين ه ط لاختلاف ~~الجملتين للعالمين ه واحد ج للاستفهام مع الفاء مسلمون ه على سواء ط ~~لابتداء النفي توعدون ه تكتمون ه حين ه بالحق ط لأن ما بعده مبتدأ خارج عن ~~المقول، ومن قرأ ربي احكم فوقفه مجوز لنوع عدول من الواحد إلى الجمع تصفون ~~ه. ### | التفسير: # لما فرغ من قصص الأنبياء أراد أن يذكر ما استقر عليه أمر الشرائع في آخر ~~الزمان فقال إن هذه أمتكم وسيرتكم، فالأمة الدين والطريقة لأنه أصل وقانون ~~يرجع إليه. وللتركيب دلالة على ذلك وهذا إشارة إلى ملة الإسلام أي إن هذه ~~الملة هي طريقتكم وسيرتكم التي يجب أن تكونوا عليها حال كونها طريقة واحدة ~~غير مختلفة. وأنا ربكم لا غيري فاعبدون والخطاب للناس كافة، وكان الظاهر أن ~~يقال بعده وتقطعتم أمركم بينكم أي جعلتم أمر دينكم بينكم قطعا كما يقسم ~~الشيء بين الجماعة فيصير لهذا نصيب ولهذا نصيب فصرتم فرقا مختلفة وأحزابا ~~شتى، إلا أنه عدل من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات كأنه يقبح أمرهم ~~إلى غيرهم فيقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء؟ # عن # PageV05P052 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «تفرقت بنو إسرائيل على إحدى ~~وسبعين فرقة فهلكت سبعون وخلصت فرقة وأن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين ~~فرقة وتخلص فرقة واحدة قالوا: يا رسول الله ومن الفرقة الناجية؟ قال: ~~الجماعة الجماعة» «1» # فهذا الحديث مفسر للآية من حيث إن هذه الأمة يجب أن يكونوا ms3280 على كلمة ~~واحدة. طعن بعضهم في الحديث أنه إن أراد بالاثنتين والسبعين فرقة أصول ~~الأديان فإنها لا تبلغ هذا العدد، وإن أراد الفروع فإنها أضعاف هذا العدد. # وأجيب بأنه أراد ستفترق أمتي هذا العدد في حال ما، وهذا لا ينافي كون ~~العدد في بعض الأحوال أنقص أو أزيد. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه ~~السورة فاعبدون وتقطعوا بالواو وفي «المؤمنين» فاتقون فتقطعوا [الآية: 53] ~~بالفاء لأن الخطاب هاهنا أعم والعبادة أعم من التقوى. وأيضا الخطاب يتناول ~~الكفار وقد وجد منهم التقطع قبل هذا القول، وفي سورة المؤمنين الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بدليل قوله يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ~~[الآية: 51] ثم قال: فتقطعوا [الآية: 53] أي ظهر منهم أي من أمتهم التقطع ~~بعد هذا القول ولأن التقطع منهم أغرب أكده هناك بقوله زبرا وفي قوله كل ~~إلينا راجعون وعيد عظيم للفرق المختلفة. ثم فصل مآل لهم بقوله فمن يعمل ~~الآية والكفران مثل في حرمان الثواب كما أن الشكر مثل في إعطائه في قوله ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] وإنما لم يقل «فلا يكفر سعيه» لأن ~~نفي الجنس أبلغ فإن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها. وفي قوله وإنا له ~~أي لذلك السعي كاتبون مبالغة أخرى فإن المثبت في الصحيفة أبعد من النسيان ~~والغلط كما قيل: قيدوا العلم بالكتابة. ولا سيما إذا كان الكاتب ممن لا ~~يجوز عليه السهو والنسيان. قال المفسرون: # معناه حافظون لنجازي عليه. وقيل: مثبتون في أم الكتاب أو في صحف الأعمال. ~~هذا حال السعداء وأما أحوال أضدادهم فذلك قوله وحرام ومن قرأ حرم فإنه فعل ~~بمعنى مفعول. والتركيب يدور على المنع أي ممتنع أو ممنوع وهذا خبر لا بد له ~~من مبتدأ وذلك قوله أنهم لا يرجعون أو غير ذلك. والرجوع إما الرجوع عن ~~الشرك إلى الإسلام أو الرجوع إلى الدنيا أو إلى الآخرة. وعلى الأول إما أن ~~تكون «لا» زائدة أقحمت للتأكيد ومعنى الآية ممتنع على أهل قرية عزمنا على ~~إهلاكها أو قدرنا إهلاكها ms3281 أن يرجعوا أو يتوبوا إلى أن تقوم الساعة والمراد ~~تصميمهم على الكفر. وإما أن تكون معيدة ولكن الحرام بمعنى الواجب تسمية ~~لأحد الضدين باسم الآخر باشتراكهما في المنع إلا أن الوجوب منع عن ~~PageV05P053 # الترك والحرمة منع عن الفعل، وقد ورد في الاستعمال مثل ذلك قال سبحانه قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا [الأنعام: 151] وترك الشرك واجب ~~وليس بمحرم، وقالت الخنساء: # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمرو # وعلى الثاني فالإهلاك على أصله، والمعنى أن رجوعهم إلى الدنيا ممتنع أو ~~عدم رجوعهم واجب إلى قيام الساعة نظيره قوله فلا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون [يس: 67] وعلى الثالث فقوله «حتى» غاية لقوله لا يرجعون أي ~~ممتنع عدم رجوع المهلكين إلى عذاب الآخرة حتى الساعة، وذلك أن رجوعهم إلى ~~عذاب النار قبل الساعة واجب بقوله النار يعرضون عليها غدوا وعشيا [غافر: ~~46] وقال أبو مسلم: أراد أن رجوعهم إلى الآخرة واجب إلى هذه الغاية أي أنهم ~~يكونون أول الناس حضورا في محفل القيامة. وعلى الرابع فالمعنى وحرام عليهم ~~ذلك وهو المذكور من السعي المشكور غير المكفور لأنهم لا يرجعون عن الكفر ~~إلى أن تقوم الساعة. # قوله تعالى حتى إذا فتحت «حتى» هي التي يقع بعدها الجملة وهي هاهنا مجموع ~~الشرط والجزاء و «إذا» المفاجأة تسد مسد فاء الجزاء، وقد يجمع بينهما ~~للتعاون على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد وإنما احتيج إلى هذا التأكيد لأن ~~الشرط يحصل في آخر أيام الدنيا والجزاء إنما يحصل يوم القيامة، ولعل بينهما ~~فاصلة بالزمان إلا أن التفاوت القليل كالمعدوم والمضاف محذوف أي سد يأجوج ~~ومأجوج وتأنيث الفعل لأنهما قبيلتان وهما ومن جنس الأنس كما مر في آخر ~~الكهف. يقال: الناس عشرة أجزاء تسعة منها يأجوج ومأجوج. # وفي الحديث «إن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألف» . # قوله وهم من كل حدب ينسلون قال أكثر المفسرين: الضمير ليأجوج ومأجوج ~~يخرجون حين يفتح السد. وعن مجاهد أنه لجميع المكلفين الذين يساقون إلى ~~المحشر. والحدب ms3282 ما ارتفع من الأرض والنسل الإسراع. واقترب عطف على فتحت وهو ~~داخل في الشرط. والوعد الحق القيامة وقوله فإذا هي شاخصة كقوله في سورة ~~إبراهيم ليوم تشخص فيه الأبصار [إبراهيم: 42] وقال في الكشاف: هي ضمير مبهم ~~توضحه الأبصار وتفسره. قلت: فعلى هذا هي مبتدأ وشاخصة خبره وأبصار بدل هي ~~ولو قيل: هي ضمير القصة مبتدأ والجملة التي هي أبصار الذين كفروا شاخصة ~~خبره جاز وهو قول سيبويه. ثم هاهنا إضمار أي يقولون يا ويلنا وهو في موضع ~~الحال من الذين كفروا والعامل شاخصة قد كنا في غفلة من هذا الوعد أو الأمر ~~بل كنا ظالمين أنفسنا بتلك الغفلة وبتكذيب الرسل وعبادة الأوثان. ثم بين ~~حال معبوديهم يوم # PageV05P054 # القيامة فقال: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أي محصوبها بمعنى ~~محصوب فيها، والحصب الرمي ومنه الحصباء لأنه يرمى بها الشيء وقرىء حطب. ~~واللام في قوله أنتم لها واردون كاللام في قوله «هو لزيد ضارب» وذلك لضعف ~~عمل اسم فيما تقدم عليه. والمعنى لا بد لكم أن تردوها ولا معدل لكم عن ~~دخولها. ثم ألزمهم الحجة بقوله لو كان هؤلاء المعبودون آلهة في الحقيقة ما ~~وردوها لكنهم واردوها للخبر الصادق الذي يتنبه لصدقه من يتأمل في إعجازه ~~فينتج أن هؤلاء ليسوا بآلهة وأنها لا تستحق تعظيما أصلا. ثم أخبر أنهم بعد ~~ورودهم النار لا يخلصون منها أبدا فقال وكل أي من العابدين والمعبودين فيها ~~خالدون لهم فيها زفير قد سبق معانيه في آخر سورة هود وهم فيها لا يسمعون ~~شيئا إما لأنهم يجعلون في توابيت من نار عن ابن مسعود، وإما لأنه تعالى ~~يصمهم كما يعميهم. والصمم في بعض الأوقات لا ينافي كونهم سامعين أقوال أهل ~~الجنة في غير ذلك الوقت، أو المراد أنهم لا يسمعون ما يسرهم، أو الضمير ~~للمعبودين والسماع سماع إجابة، وعلى هذا فالضمير في لهم فيها زفير للعابدين ~~وجاز اعتمادا على فهم السامع حيث يرد كلا من الضميرين إلى ما يناسبهما كأنه ~~قيل: العابد يدعو والمعبود لا ms3283 يجيب، ويجوز أن يكون للمعبودين أيضا لأن فيهم ~~من يتأتى منه الزفير كالشياطين فغلب، أو لأن الجماد ينطقه الله وقتئذ ~~والزفير بمعنى اللهيب والله أعلم. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم ~~وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث وكلمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليهم إنكم وما تعبدون من ~~دون الله الآية. # فأقبل عبد الله بن الزبعري فأخبره الوليد بن المغيرة بما جرى فقال ~~معترضا: أليس اليهود عبدوا عزيرا والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا ~~الملائكة؟ فقال عليه السلام: بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك وأنزل ~~الله تعالى إن الذين سبقت الآية. فخرج من الحديث. والآية جواب ابن الزبعري ~~على أتم وجه وأكمله كأنه قيل أولا إن الآية باقية على عمومها لأن الذين ~~عبدوا عزيرا والمسيح والملائكة لم يعبدوهم في الحقيقة، وانما عبدوا ~~الشياطين التي دعتهم إلى ذلك، ولئن سلم أنهم عبدوهم في الحقيقة لكنهم ~~مخصوصون بما سبقت لهم منا الخصلة الحسنى وهي السعادة أو البشرى بالثواب أو ~~بتوفيق الطاعة وكل ميسر لما خلق له. ومن المفسرين من أجاب عن اعتراض ابن ~~الزبعري بوجوه أخر منها: أن قوله إنكم خطاب لمشركي قريش وإنهم لم يعبدوا ~~سوى الأصنام. ولقائل أن يقول: حمل الآية على العموم أتم فائدة. ومنها أن ~~قوله وما تعبدون لا يتناول العقلاء فيسقط الاعتراض. ولقائل أن يقول: ما أعم ~~لا مباين فيشمل ذوي العقول # PageV05P055 # وغيرهم ولهذا جاء والسماء وما بناها [الشمس: 5] سبحان ما سخركن لنا. ~~ومنها أنه تعالى يصور لهم في النار ملكا على صورة من عبدوه، وضعف بأن القوم ~~لم يعبدوا تلك الصورة، وبأن الملك لا يتعذب بالنار كخزنة جهنم. واعلم أن ~~العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقوله إن الذين لا يبعد أن يكون عاما ~~لكل المؤمنين ويؤيده ما # روي أن عليا قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبوبكر وعمر وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعد وعبد الرحمن ms3284 بن عوف. # وزعم مثبتوا لعفو أن الحسنى في الآية هي الوعد بالعفو لأنه قال أولئك ~~عنها مبعدون بأزاء قوله أنتم لها واردون والورود الدخول فالإبعاد الإخراج ~~من النار بعد أن كانوا فيها. وأيضا إبعاد البعيد محال. وقوله لا يسمعون ~~حسيسها إذ الصوت الذي يحس به مخصوص بما بعد الإخراج. وأيضا قوله لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر يفهم منه أنه يحزنهم الفزع الأصغر، فالأكبر عذاب الكفار ~~والأصغر عذاب صاحب الكبيرة، والأكثرون على أن المراد من قوله مبعدون أنهم ~~لا يدخلون النار ولا يقربونها البتة لأن ما جعل بعيدا عن شيء ابتداء يحسن ~~أن يقال: إنه أبعد عنه، وهؤلاء لم يفسروا الورود في قوله وإن منكم إلا ~~واردها [مريم: 71] بالدخول كما مر في سورة مريم. وفي قوله لا يسمعون حسيسها ~~تأكيد للإبعاد فقد لا يدخل النار ويسمع حسيسها. ثم بين أنهم مع البعد عن ~~المنافي منتفعون بالقرب من الملائم ملتذون به على سبيل التأبيد فقال وهم ~~فيما اشتهته أنفسهم أي فيما تطلبه للالتذاذ به خالدون هذا نصيب أهل الجنة، ~~وأما أهل الله فهم فيما اشتهت قلوبهم وأرواحهم وأسرارهم خالدون. والفزع ~~الأكبر قيل: النفخة الأخيرة لقوله ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ~~ومن في الأرض [النمل: 87] وعن الحسن هو الانصراف إلى النار فإنه لافزع أكبر ~~مما إذا شاهدوا النار، وهذا أمر يشترك فيه أهل النار جميعا، ثم مراتب ~~التعذيب بعد ذلك متفاوتة. وعن الضحاك وسعيد بن جبير هو حين تطبق النار على ~~أهلها فيفزعون لذلك فزعة عظيمة، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح ~~فعند ذلك يستقر أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة وتستقبلهم الملائكة ~~مهنئين قائلين هذا يومكم أي وقت ثوابكم الذي كنتم توعدون ذلك قال الضحاك: ~~هم الحفظة الذين كتبوا أعمالهم. والعامل في يوم نطوي السماء: لا يحزنهم أو ~~تتلقاهم. والسجل اسم للطومار الذي يكتب فيه. # وعن ابن عباس أنه ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه وهو مروي أيضا عن ~~علي رضي الله عنه. # وروى ms3285 أيضا أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه كاتب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وليس بمعروف. قال الزجاج: هو الرجل بلغة الحبش. فعلى هذه الوجوه فالطي ~~وهو المصدر مضاف إلى الفاعل وعلى الوجه # PageV05P056 # الأول هو مضاف إلى المفعول والفاعل محذوف كطي الطاوي للسجل وهو قول ~~الأكثرين. # واشتقاقه من السجل الدلو العظيم وقد قرىء به والتركيب يدل على الامتلاء ~~والاجتماع ولهذا لا يسمى الدلو سجلا إلا إذا كان فيه ماء ومنه «أسجلت الحوض ~~ملأته.» وقوله للكتب أي للكتابة ومعناه ليكتب فيه أو لما يكتب فيه لأن ~~الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع على المكتوب. ومن جمع فمعناه للمكتوبات ~~أي ما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، وكيفية هذا الطي لا يعلمها إلا من أخبر ~~عن ذلك أما قوله كما بدأنا فمن المفسرين من قال: أنه ابتداء كلام ومنهم من ~~قال: إنه وصف قوله هذا يومكم الذي كنتم توعدون بقوله يوم نطوي ثم عقبه بوصف ~~آخر فقال كما بدأنا أول خلق وهو مفعول نعيد الذي يفسره نعيده و «ما» كافة ~~أي نعيد أول الخلق كما بدأناه تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة ~~لهما على السواء. فكما أوجده أولا عن عدم يعيده ثانيا عن عدم. ومنهم من ~~قال: الإعادة إنما تتعلق بالضم والتركيب بعد تفريق الأجزاء الأصلية والآية ~~لا تطابقه كل المطابقة. وأول خلق كقولك «هو أول رجل» أي إذا فضلت رجلا رجلا ~~فهو أولهم، وإنما خص أول الخلائق بالذكر تصويرا للإيجاد عن العدم ودفعا ~~للاعتراض. وجوز جار الله أن تنتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده و «ما» ~~موصولة أي نعيد مثل الذي بدأنا نعيده وأول خلق ظرف ل بدأنا أي أول ما خلق ~~أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ وقوله وعدا مصدر مؤكد لأن قوله ~~نعيد عدة للإعادة وقيل: أراد حتما علينا لسبب الإخبار عن ذلك وتعلق العلم ~~بوقوعه فإن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ثم حقق ذلك بقوله إنا كنا فاعلين ~~أي سنفعل ذلك لا محالة فإنا قادرون عليه. ms3286 عن سعيد بن جبير ومجاهد والكلبي ~~ومقاتل وابن زيد أن الزبور جنس للكتب المنزلة كلها، والذكر أم الكتاب يعني ~~اللوح ففيه كتابة كل ما سيكون اعتبارا للملائكة، وكتب الأنبياء كلهم منتسخة ~~منه، وعن قتادة أن الزبور هو القرآن، والذكر هو التوراة. وعن الشعبي أن ~~الزبور هو كتاب داود عليه السلام والذكر التوراة. وجوز الإمام فخر الدين أن ~~يراد بالذكر العلم أي كتبنا فيه بعد أن كنا عالمين غير ساهين. والمراد ~~تحقيق وقوع المكتوب فيه، والأرض أرض الجنة، والعباد الصالحون هم المؤمنون ~~العالمون بما يجب عليهم نظيره قوله وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ~~فنعم أجر العاملين [الزمر: 74] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والسدي ~~وأبو العالية. وإنما ذهبوا إلى هذا القول لأن أرض الدنيا تعم الصالح وغير ~~الصالح، ولأن الآية وردت بعد ذكر الإعادة. # وعن ابن عباس أيضا في رواية الكلبي أنها أرض الدنيا يرثها المؤمنون بعد ~~إجلاء الكفار نظيره وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض [النور: 55] # PageV05P057 # وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسلم عند نزول ~~عيسى بن مريم إن في هذا الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ~~ذلك لبلاغا لكفاية لقوم عابدين عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعد ما ~~عملوا من كيفية أدائها. والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط ~~والوسائل، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا ~~المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ~~ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وكونه رحمة ~~للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض ~~أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: ~~آخر الدواء الكي. والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل. ~~قالت المعتزلة: لو كان كفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له ~~لأنه ms3287 لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه. وأجيب بأن كونه رحمة للفجار هو ~~أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين ~~من جهة كونه رحمة للكافرين، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة إلى ~~أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ~~ذكرناه أولا، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته ~~أنها بعد البعثة ألزم. وفي الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله ويستغفرون ~~لمن في الأرض [الشورى: 5] والاستغفار رحمة. # والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملا في الغاية غير الرحمة بمعنى ~~الدعاء، فلا يلزم من كون الأول سببا للأفضلية كون الثاني كذلك، ثم بين أن ~~أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال قل إنما ~~يوحى إلي إن كانت «ما» موصولة فمعناه أن الذي يوحي إلي هو أن وصفه تعالى ~~مقصور على الوحدانية لا يتجاوزه إلى ما يناقضها أو يضادها بأي قسمة فرضت ~~وإن كانت كافة المعنى أن الوحي مقصور على استئثار الله بالوحدة، وذلك أن ~~القصر يكون أبدا لما يلي إنما وفي قوله فهل أنتم مسلمون بعث لهم على قبول ~~هذا الوحي الذي هو أصل التكاليف كلها، وفيه نوع من التهديد فلذلك صرح به ~~قائلا فإن تولوا فقل آذنتكم أي أعلمتكم والمراد هاهنا أخص من ذلك وهو ~~الإنذار على سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله فانبذ إليهم على سواء ~~[الأنفال: 58] إلى وقت أي حال كونكم مستوين في ذلك لا فرق بين القريب ~~والأجنبي والقاصي والداني والشريف والوضيع ولهذا قال أبو مسلم: الإيذان على ~~سواء هو الدعاء إلى الحرب مجاهرة كقوله فانبذ إليهم على سواء [الأنفال: 58] ~~وقيل: أراد أعلمتكم ما هو # PageV05P058 # الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق ~~في الإبلاغ بين مكلف ومكلف. ولست أدري أقريب ما توعدون أم بعيد ms3288 والموعود ~~قيل: هو عذاب الآخرة. واعترض بأنه ينافي قوله واقترب الوعد الحق وقيل: هو ~~الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: هو ~~إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار. ~~ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله سبحانه هو ~~العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما ~~تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين وإن أدري لعله ~~أي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد ~~امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمتيع لكم إلى حين حضور وقت الموعد. وقال ~~الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم. وقيل: أراد لعل ما ~~بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالا بعد ~~حال يكون عذابه أشد. ومعنى رب احكم بالحق أقض بيني وبين من يكذبني بالعذاب. ~~قال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا ~~يقولون ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق [الأعراف: 89] فاستجيب له فعذبوا ~~ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما # قال «أشدد وطأتك على مضر» «1» # وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه ~~سبحانه قال له: قل داعيا إلي رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار وربنا الرحمن ~~المستعان الذي يستعان به على ما تصفون من الشرك والكفر وما تعارضون به ~~دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله ~~الأمر عليهم. وفي هذا الأمر تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ورفع عن مقداره ~~حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من ~~أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية. ### | التأويل: # إن هذه أمتكم فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير ~~متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة ms3289 في ذاته ~~كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول أنا ربكم الذي بلغتكم هذه ~~الرتبة فاعبدون أي فاعرفون وتقطعوا أمرهم فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم ~~من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله كل إلينا راجعون أما طالب الدنيا ~~فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم، PageV05P059 # وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا ~~فإنه يرجع إلينا بالحقيقة وإنا له كاتبون في الأزل من أهل السعادة حتى إذا ~~فتح سد يأجوج النفس ومأجوج الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها ~~وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة ~~والباطنة ينسلون فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح واقترب الوعد ~~إهلاك القلوب الغافلة فإذا هي شاخصة أبصار بصائرها بالانهماك في الأهواء إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى العناية الأزلية لا يسمعون حسيسها أعني مقالات ~~أهل البدع والأهواء وهم في ما اشتهت أنفسهم المطمئنة المجذوبة بجذبة ارجعي ~~في مقامات السير في الله خالدون الفزع الأكبر # قوله في الأزل «هؤلاء في النار ولا أبالي» # يوم نطوي سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من ~~الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله كما بدأنا أول خلق نعيده يعني أن الرجوع ~~يكون بالتدريج كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة ~~مضغة ثم خلق المضغة عظاما ثم كسا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر. ففي ~~الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم ~~المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات ~~الربوبية بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] ولقد كتبنا في الزبور أي في أم ~~الكتاب من بعد الذكر أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره كن فيكون [يس: 82] أن ~~أرض جنة الوجود الحقيقي يرثها عبادي الصالحون وهم الذين طويت سماء وجودهم ~~المجازي. فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، والوجود ~~الحقيقي لكونه ثابتا ومستقرا على حالة واحدة كالأرض لقوم عابدين عارفين. ms3290 ~~وما أرسلناك من كتم العدم إلا رحمة للعالمين فلولاك لما خلقت الأفلاك # «أول ما خلق الله روحي» # ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم. # PageV05P060 ### | (سورة الحج) # (مكية إلا قوله هذان خصمان إلى صراط الحميد حروفها خمسة آلاف ومائة وخمسة ~~وسبعون كلمها ألف ومائتان وإحدى وتسعون آياتها ثمان وسبعون) ### | [سورة الحج (22) : الآيات 1 الى 22] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (1) يوم ترونها تذهل ~~كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل ~~شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ~~(4) # يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) ذلك بأن الله هو الحق ~~وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن ~~الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه ~~يوم القيامة عذاب الحريق (9) # ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (10) ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من دون الله ما لا يضره ~~وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس ~~المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا ms3291 وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن ~~الله يهدي من يريد (16) إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم ~~الحميم (19) # يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) # PageV05P061 ### | القراآت: # سكارى # في الحرفين على تأويل الجماعة: حمزة وعلي وخلف ونقر ثم نخرجكم بالنصب ~~فيهما: المفضل وربأت بالهمزة حيث كان. يزيد ليضن بفتح الياء: ابن كثير وأبو ~~عمرو ويعقوب خاسر الدنيا اسم فاعل منصوبا على الحالية. روح وزيد ثم ليقطع ~~ثم ليقضوا بكسر اللام فيهما: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن عامر وورش وافق ~~القواس في ليقضوا وزاد ابن عامر وليوفوا وليطوفوا وقرأ الأعشى وليوفوا ~~بالتشديد، وقرأ أبو بكر وحماد وليوفوا بالتشديد وسكون اللام. الباقون ~~بالتخفيف والسكون هذان بتشديد النون: ابن كثير. ### | الوقوف: # ربكم ج على تقدير فإن عظيم ه شديد # ه مريد ه لا لأن ما بعده صفة السعير ه لنبين لكم ط لأن التقدير ونحن نقر ~~ومن قرأ بالنصب لم يقف أشدكم ج لانقطاع النظم في اتحاد المعنى شيئا ط بهيج ~~ه قدير ه لا للعطف فيها لا القبور ه منير ه لا لأن ما بعده حال عن سبيل ~~الله ط الحريق ه للعبيد ه حرف ج للشرط مع الفاء به لا للعطف مع الفاء مع ~~الاستقلال على ms3292 وجهه ق إلا لمن قرأ خاسر الدنيا ط والآخرة ط المبين ه من ~~ينفعه ط البعيد ه من نفعه ط العشير ه الأنهار ط ما يريد ه ما يغيظ ه بينات ~~ط من يريد ه يوم القيامة ط شهيد ه من الناس ط وقيل: يوصل ويوقف على العذاب ~~ط مكرم ط ما يشاء ه في ربهم ز لعطف الجملتين المتفقتين مع أن ما بعده ~~ابتداء بيان حال الفريقين أحدهما فالذين كفروا والثاني إن الله يدخل من نار ~~ج ه الحميم ج ه لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا أو وصفا على أن # PageV05P062 # اللام للجنس كما في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني. والجلود ه ط حديد ه ~~الحريق ه. ### | التفسير: # إنه قد أنجز الكلام من خاتمة السورة المتقدمة إلى حديث الإعادة وما قبلها ~~أو بعدها كوراثة المؤمنين الأرض وما معها كطي السماء، فلا جرم بدأ الله ~~سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي خير ~~زاد إلى المعاد ويدخل في التقوى فعل الواجبات وترك المنكرات، ولا يكاد يدخل ~~فيها النوافل لأن المكلف لا يخاف بتركها العذاب وإنما يرجو بفعلها الثواب. ~~ويمكن أن يقال: إن ترك النوافل قد يفضي إلى إخلال بالواجب فلهذا لا يكاد ~~المتقي يتركها. # يروى أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق فنادى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاجتمع الناس حوله فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكيا من ~~تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب ولم يضربوا الخيام وقت ~~النزول، ولم يطبخوا قدرا وكانوا من بين حزين وباك ومتفكر # وهذه الزلزلة وهي المذكورة في قوله إذا زلزلت الأرض زلزالها [الزلزلة: 1] ~~ومعناها شدة التحريك، وتضعيف الحروف دليل على تضعيف المعنى كأنه ضوعف زلل ~~الأشياء عن مقارها ومراكزها. والإضافة إضافة المصدر إلى الفاعل على المجاز ~~الحكمي العائد إلى الإسناد في قولك «زلزلت الساعة الأرض» أو إلى المفعول ~~فيه على الاتساع فلا مجاز في الحكم لأن المراد حينئذ هو أن فاعلها الله ms3293 في ~~القيامة قاله الحسن. وعن الشعبي هي طلوع الشمس من مغربها فتكون الإضافة ~~بمعنى اللام كقولك «أشراط الساعة» قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن ~~المعدوم شيء لأن الله تعالى سمى زلزلة الساعة شيئا مع أنها معدومة. أجابت ~~الأشاعرة بأن المراد هو أنها إذا وجدت كانت شيئا عظيما. وانتصب يوم ترونها # أي الزلزلة بقوله تذهل # أي تغفل عن دهشة كل مرضعة # وهي التي ترضع بالفعل مباشرة للإرضاع وإنما يقال لها المرضع من غيرها إذا ~~أريد معنى أعم وهو أنه من شأنها الإرضاع بالقوة أو بالفعل كحائض وطالق. وفي ~~هذا تصوير لهول الزلزلة كأنه بلغ مبلغا لو ألقمت المرضعة الرضيع ثديها ~~نزعته عن فيه لما يلحقها من الخوف. و «ما» في عما أرضعت # مصدرية أو موصولة أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته وهو الطفل. عن الحسن: ~~تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. وإنما ~~قال كل ذات حمل # دون كل حامل ليكون نصا في موضع الجنين فإن الحمل بالفتح هو ما كان في بطن ~~أو على رأس شجرة، والثاني خارج بدليل العقل فبقي الأول. قال القفال: ذهول ~~المرضعة ووضع ذات الحمل حملها يحتمل أن يكون على جهة التمثيل كقوله يوما ~~يجعل الولدان شيبا [المزمل: 17] وترى الناس # PageV05P063 # أفرد بعد أن جمع لأن الزلزلة تراها الناس جميعا، وأما السكر الشامل للناس ~~فإنه يراه من له أهلية الخطاب بالرؤية وقتئذ ولعله ليس إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم قوله سكارى وما هم بسكارى # أثبت السكر أولا على وجه التشبيه فإن الخوف مدهش كالمسكر، ونفاه ثانيا ~~على التحقيق إذ لم يشربوا خمرا وهذه أمارة كل مجاز. # روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز ~~وجل يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت إن الله يأمرك أن ~~تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها ms3294 ويشيب الوليد وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس حتى تغيرت ~~وجوههم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس ~~كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور ~~الأسود.» «1» # واختلفوا في أن شدة ذلك اليوم تحصل لكل واحد أو لأهل النار خاصة فقيل: إن ~~الفزع الأكبر يعم وغيره يختص بأهل النار وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون. # وقيل: تحصل للكل ولا اعتراض لأحد على الله. # ثم أراد أن يحتج على منكري البعث فقدم لذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم ~~فقال ومن الناس من يجادل نظيره ومن الناس من يقول [البقرة: 8] وقد مر ~~إعرابه في أول البقرة. ومعنى في الله في شأن الله وفيما يجوز عليه وما لا ~~يجوز من الصفات والأفعال ويفهم من قوله بغير علم أن المعارف كلها ليست ~~ضرورية وأن المذموم من الجدال هو هذا القسم، وأما الجدال الصادر عن العلم ~~والتحقيق فمحمود مأمور به في قوله وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: 125] ~~والشيطان المريد العاتي سمي بذلك لخلوه عن كل خير وقد مر في قوله مردوا على ~~النفاق [التوبة: 101] والمراد إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون ~~أشياعهم إلى الكفر. عن ابن عباس نزلت في النضر بن الحرث وكان مجادلا يقول ~~الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين والله غير قادر على إحياء من ~~بلي وصار ترابا. ومعنى كتب عليه قضي على ذلك الشيطان أو علم من حاله وظهر ~~وتبين، والأول يليق بأصول الأشاعرة، والثاني بأصول الاعتزال. وقيل: المراد ~~كتب على من يتبع الشيطان، ولا يخلو عن تعسف أنه من تولى الشيطان أي جعله ~~وليا له أضله عن طريق الجنة PageV05P064 # وهداه إلى النار، قال صاحب الكشاف إن الأول فاعل كتب والثاني عطف عليه. ~~وفيه نظر لأن «من» يبقى بلا جواب إن جعلت شرطية وبلا خبر إن جعلت موصولة. ~~والصحيح أن قوله ms3295 فأنه مبتدأ أو خبر محذوف صاحبه والتقدير من تولاه فشأنه ~~أنه يضله أو أنه يضله ثابت اللهم إلا إذا جعلت «من» موصوفة تقديره كتب على ~~من يتبع الشيطان أنه شخص تولى الشيطان فأنه كذا أي كتب عليه ذلك، وحين نبه ~~عموما على فساد طريقة المجادلين بغير علم خصص المقصود من ذلك، والمعنى إن ~~ارتبتم في البعث فمعكم ما يزيل ريبكم وهو أن تنظروا في بدء خلقكم، فبين ~~التراب والنطفة والماء الصافي كماء الفحل لأنه ينطف نطفانا أي يسيل سيلا ~~تاما مباينة، وكذا بين النطفة والعلقة وهي قطعة الدم الجامد لأنها إذ ذاك ~~تعلق بالرحم، وكذا بين العلقة والمضغة وهي قدر ما يمضغ من اللحم، ولا ريب ~~أن القادر على تقليب الإنسان في هذه الأطوار المتباينة ابتداء قادر على ~~إعادته إلى أحد هذه الأطوار بل هذه أدخل في القدرة وأهون في القياس. قال ~~الجوهري: المخلقة التامة الخلق. وقال قتادة والضحاك: أراد إنه يخلق المضغ ~~متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو على عكس ذلك ~~فلذلك يتفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصهم. وقال ~~مجاهد: المخلقة الولد يخرج حيا، وغير المخلقة السقط لأنه لم يتوارد عليها ~~خلق بعد خلق وقيل: المخلقة المصورة وغير المخلقة ضدها وهو الذي يبقى لحما ~~من غير تخطيط وشكل، ويناسبه ما روى علقمة عن عبد الله قال: إذا وقعت النطفة ~~في الرحم بعث الله ملكا فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال غير مخلقة ~~مجتها الأرحام دما، وإن قال مخلقة قال: يا رب فما صفتها أذكر أم أنثى ما ~~رزقها وأجلها أشقي أم سعيد؟ # فيقول سبحانه: انطلق إلى الكتاب فاستنسخ منه هذه النطفة فينطلق الملك ~~فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي اخر صفتها. وقوله لنبين لكم غاية لقوله ~~خلقناكم أي إنما نقلناكم من حال إلى حال ومن طور إلى طور لنبين لكم بهذا ~~التدريج قدرتنا وحكمتنا. وفي ورود الفعل غير معدي إلى المبين إشعار بأن ذلك ~~المبين مما لا ms3296 يكتنه كنهه ولا يحيط به الوصف، وقيل: أراد إن كنتم في ريب من ~~البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من كذا وكذا لنبين لكم ما يزيل ريبكم في أمر ~~بعثكم، فإن القادر على هذه الأشياء كيف يعجز عن الإعادة؟ ولما بين كيفية ~~خلق الإنسان بالتدريج إلى أن تتكامل أعضاؤه أراد أن يبين أن من الأبدان ما ~~تمجه الأرحام، ومنها ما تنطوي هي عليه إلى كمال النضج والتربية، فأسقط ~~القسم الأول اكتفاء بالثاني فاستأنف قائلا ونقر في الأرحام ما نشاء أن نقره ~~من ذلك إلى أجل مسمى هو كمال ستة أشهر إلى أربع سنين غايتها عرفت ~~بالاستقراء ثم نخرجكم أي كل واحد منكم طفلا، أو الغرض الدلالة على الجنس ~~فاكتفي بالواحد، ثم نربيكم شيئا بعد شىء # PageV05P065 # لتبلغوا أشدكم ومن قرأ ونقر بالنصب فمعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج ~~لغايتين: # إحداهما أن نبين قدرتنا، والثانية أن نقر في الأرحام من نقر حتى تولدوا ~~وتنسلوا وتبلغوا حد التكليف. والأشد كمال القوة والتمييز كأنه شدة في غير ~~شيء واحد فلذلك بني على لفظ الجمع قوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وقد مر ~~في «النحل» شبيهه فليرجع إليه. # ثم أكد أمر البعث بالاستدلال من حال النبات أيضا فقال وترى أي تشاهد أيها ~~المستحق للخطا الأرض حال كونها هامدة ميتة يابسة لا نبات بها، والتركيب يدل ~~على ذهاب ما به قوام الشيء ورواؤه من ذلك. همدت النار همودا طفئت وذهبت ~~بكليتها وهمد الثوب همودا بلي فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت تحركت ولا ~~يكاد يستعمل الاهتزاز إلا في حركة تصدر عن سرور ونشاط وربت انتفخت وزادت ~~كما مر في قوله زبدا رابيا [الرعد: 17] وذلك في «الرعد» والمراد كمال تهيؤ ~~الأرض لظهور النبات منها. ومن قرأ بالهمزة فمعناه ارتفعت من قولهم «ربأ ~~القوم» إذا كان لهم طليعة فوق شرف. ثم أشار إلى كمال حاله في الظهور بقوله ~~وأنبتت من كل زوج أي بعضا من كل صنف. بهيج والبهجة النضارة وحسن الحال ~~ولهذا قال المبرد: هو الشيء المشرق الجميل. وإسناد ms3297 الإنبات إلى الأرض مجاز ~~لأن المنبت بالحقيقة هو الله ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض ~~مع ما في تضاعيف ذلك من عجائب الصنع وغرائب الإبداع حاصل (ب) أمور خمسة: ~~الأول بأن الله هو الحق الثابت الذي لا يزول ملكه وملكه لا حق في الحقيقة ~~إلا هو فما سواه يكون مستندا إلى خلقه وتكوينه لا محالة. الثاني أنه من ~~شأنه إحياء الموتى. الثالث أنه على كل شيء قدير وهذا كالبيان لما تقدمه فإن ~~القادر على كل شيء ممكن قادر لا محالة على إحياء الموتى لأنه من جملة ~~الممكنات وبيان إمكانه ظاهر. # فإن كل ما جاز على شيء في وقت ما جاز عليه في سائر الأوقات إذ لو امتنع ~~فإما لغيره فالأصل عدمه، وإما لذاته وهذا يقتضي أن لا يتصف به أولا فإن ما ~~بالذات لا يزول بالغير. # الرابع والخامس قوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور قال في الكشاف: معناه أنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد الساعة ~~والبعث فلا بد أن يفي بما وعد. قلت: إن هذا التفسير غير واف فلقائل أن ~~يقول: فحاصل الآيات يرجع إلى قولنا إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم ~~بالتدريج وأحيينا الأرض بسبب أنا وعدنا الساعة ووعدنا صادق. وهذا كلام غير ~~منتظم في الظاهر كما ترى، ولو صح هذا لاستغنى عن التطويل بأن يقال مثلا: لا ~~تشكوا في أمر البعث فإنه كائن لا محالة. والذي يسنح لي في تفسيره أنه ~~سبحانه أزال الشك في أمر البعث بقوله إن كنتم في ريب من البعث فمزيل # PageV05P066 # ريبكم هذان الاستدلالان، ثم لما كان لسائل أن يسأل لم خلق الإنسان وما ~~يترتب عليه معاشه؟ فأجيب بأن لهذا الشأن وهو خلق الإنسان أسبابا فاعلية ~~وأسبابا غائية، أما الأولى فهي أنه تعالى واجب الوجود الحق وأنه قادر على ~~كل مقدور لا سيما إحياء الموتى الذي استدللنا عليه لأنه أهون، وأن قدرته لا ~~تظهر إلا إذا تعلقت بالمقدور، فكمال القدرة بالفعل ms3298 هو أن يتعلق بكل مقدور ~~يصح في القسمة العقلية، وهذا النوع من المقدور كان ثابتا في القسمة لأنه ~~واسطة بين العالم العلوي والعالم السفلي وله تعلق بالطرفين وانجذاب إلى ~~القبيلين فوجب في الحكمة والقدرة إيجاده ثم إيجاد ما يتوقف عليه بقاؤه ~~واستكماله. وأما علته الغائية فهي أن داره الأولى كانت دار تكليف وقد هيأنا ~~له دارا أخرى لأجل الجزاء وذلك لا يحصل إلا بالبعث والنشور. ولعل هذا ~~الموضع مما لم يفسره على هذا الوجه غيري أرجو أن يكون صوابا والله تعالى ~~أعلم بمراده. # قوله ومن الناس من يجادل عن ابن عباس أنه أبو جهل. وقيل: هو النضر أيضا ~~وكرر للتأكيد كما كرر سائر الأقاصيص، وقال أبو مسلم: الأول في المقلدين ~~فإنهم قد يجادلون تصويبا لتقليدهم. وهذا في المقلدين المتبوعين بدليل قوله ~~ليضل عن سبيل الله قال العلماء: أراد بالعلم العلم الضروري وبالهدي النظري ~~من العلم لأنه يهدي إلى المعرفة وبالكتاب المنير العلم السمعي المتعلق ~~بالوحي. قال بعض أهل اللغة: العطف المنكب. # وقال الجوهري: عطفا الرجل جانباه من لدن رأسه إلى وركه ويقال: «فلان ثنى ~~عطفه عني» أي أعرض. وقيل: هو عبارة عن الكبر والخيلاء كلي الجيد. قال جار ~~الله: لما أدى جداله إلى الضلال جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضا له ~~فتركه وأعرض عنه بالباطل جعل كالخارج بالجدال، وفسر الخزي هاهنا بما أصابه ~~يوم بدر. ذلك الذي مني به شيء من خزي الدنيا وعذاب الآخرة بما قدمت يداه ~~وباقي مباحث الآية قد سلف في آخر «آل عمران» . ثم أخبر عن شقاق أهل النفاق ~~بقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على طرف من الدين لا في وسطه فهذا ~~مثل لكونه مضطربا في أمر الدين غير ثابت القدم كالذي يكون على طرف العسكر ~~ينهزم بأدنى سبب، وباقي الآية تفصيل لهذا الإجمال. قال الكلبي: نزلت في ~~أعاريب قدموا المدينة فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت ~~امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت ms3299 في ديني هذا إلا ~~خيرا واطمأن به وقر. وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبت إلا شرا وانقلب عن ~~دينه الذي أظهره بلسانه وفر. وهذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ~~ومجاهد وقتادة. وقيل: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم الأقرع بن حابس والعباس ~~بن مرداس. # وعن أبي سعيد الخدري أن # PageV05P067 # رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم ~~بالإسلام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني. فقال: إن الإسلام ~~يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت ~~الآية. # والفتنة هاهنا مخصوصة بالابتلاء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير ~~وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير أيضا قد يكون سببا للابتلاء كقوله ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] ثم حكى حاله في الدارين بقوله ~~خسر الدنيا والآخرة أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة ~~والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، وكون عرضه وماله ودمه ~~مصونة، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب أبد الآباد، ولا خسران أبين ~~من هذا نعوذ بالله منه. وفي قوله يدعوا من دون الله الآية. دلالة على أن ~~المذكورة قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا ~~يعبدون الأصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. قوله ~~يدعوا لمن ضره الآية. فيه بحث لفظي وبحث معنوي. أما الأول فهو أن يدعوا ~~بمعنى «يقول» والجملة بعده محكية، و «من» موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين ~~هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو لبئس المولى خبره واللام الثانية في الخبر ~~لتأكيد اللام الأولى، وهذا حسن بخلاف قوله «أم الحليس لعجوز» فإنه أدخل لام ~~الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون يدعوا تكرارا للأول ~~وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور. وفي حرف عبد الله لمن ضره بغير ~~لام ووجهه ظاهر، وعلى هذا يكون قوله لبئس المولى جملة مستقلة. والمولى ~~الناصر، والعشير المعاشر أي الصاحب. وأما البحث المعنوي. فهو أنه نفى الضرر ~~والنفع عن ms3300 الأصنام أولا ثم أثبتهما لها ثانيا حين قال ضره أقرب من نفعه فما ~~وجه ذلك؟ والجواب أن المقصود في الآية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون ~~إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا ~~بالرؤساء. سلمنا أنه أراد في الموضعين الأصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازا ~~لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس [إبراهيم: 36] وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند ~~الله. والمراد يقول: # هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة ~~لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير ذلك، أو أراد يدعو من دون ~~الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه ~~بكونه شفيعا لبئس المولى. # ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم ~~قادر على إيصال كل المنافع فقال إن الله يدخل الآية. قالت الأشاعرة: في ~~قوله إن الله يفعل ما يريد # PageV05P068 # دليل على أنه خالق الإيمان وفاعله لأنه يريد الإيمان من العبد بالاتفاق. ~~أجاب الكعبي بأنه يفعل ما يريده لا ما يريد أن يفعله غيره، ورد بأن ما يريد ~~أعم من قولنا ما يريده من فعله وما يريد من فعل غيره. قوله سبحانه من كان ~~يظن أن لن ينصره الله في هذا الضمير وجهان: الأول وهو قول ابن عباس والكلبي ~~ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء والزجاج أنه يرجع ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم للعلم به لأن ذكر الإيمان يدل على الإيمان ~~بالله ورسوله، وعلى هذا فالظان من هو؟ قيل: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم ~~على المشركين يستبطئون النصر فنزلت. وعندي في هذا القول بعد. وعن مقاتل ~~نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن الله لا ينصر محمدا فينقطع الذي ~~بيننا وبين حلفائنا من اليهود والأولى العموم. وكان حساده وأعداؤه يتوقعون ~~أن لا ينصره الله وأن الله لا يغلبه على ms3301 أعدائه فمتى شاهدوا أن الله ينصره ~~غاظهم ذلك، والسبب الحبل، والسماء سماء البيت، والقطع الاختناق لأن المختنق ~~يقطع نفسه بحبس مجاريه، والمراد من كان يظن من حاسديه أن الله تعالى يفعل ~~خلاف النصر والظفر وكان يغيظه نصرة الله إياه فليستفرغ جهده في إزالة ما ~~يغيظه، وليس ذلك إلا بأن يمد حبلا إلى سماء بيته ثم يشده في عنقه ويختنق في ~~عنقه وليصور في نفسه أنه إن يفعل ذلك هل يذهبن كيده ما يغيظه، سمى فعله ~~كيدا حيث لم يقدر على غيره أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده ~~وإنما كاد به نفسه. والحاصل ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظ، ومنهم ~~من قال: السماء هي المظلة لأن الاختناق حينئذ أبعد عن الإمكان فيكون أصعب ~~فيصرف الحاسد عن الغيظ إلى طاعة الله ورسوله. # ومنهم من قال: مع ذلك أن القطع هو قطع المسافة أي فليصعد على الحبل إلى ~~السماء، والغرض تصوير مشقة من غير فائدة، أو القطع قطع الوحي أو النصر أي ~~فليصعد وليقطع الوحي أن ينزل عليه أو النصر أن يأتيه. الوجه الثاني أن ~~الضمير عائد إلى «من» والنصر الرزق. قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بني ~~بكر فقال: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. ووجه النظم من كان ~~يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فلهذا الظن يعدل عن التمسك بدين ~~محمد وينقلب على وجهه كما مر فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق أو غير ذلك ~~مما عددنا، فإن الله لا يقلبه مرزوقا. وحين بين الأحوال وضرب الأمثال أشار ~~إلى هذا المذكور بلفظ البعيد إما للتعظيم وإما لأن كل ما دخل في حيز الذكر ~~وحصل في حيز كان فهو في حكم البعيد فقال وكذلك أنزلناه أي ومثل ذلك الإنزال ~~أنزلنا القرآن كله آيات بينات وأن الله حرف التعليل وكذا معلله محذوف للعلم ~~به أي ولأن الله يهدي من يريد أنزله كذلك مبينا. قالت الأشاعرة: المراد ~~بالهداية إما وضع الأدلة أو خلق ms3302 المعرفة والأول غير جائز، لأن الله تعالى ~~فعل ذلك في حق كل المكلفين، ولأن قوله يهدي من # PageV05P069 # يريد # يدل على أن الهداية غير واجبة عليه بل هي معلقة بمشيئته، ووضع الأدلة ~~واجب فتعين أن المراد خلق المعرفة. أجاب القاضي عبد الجبار بأنه أراد تكليف ~~من يريد لأن التكليف لا يخلو من وصف ما كلف به ومن بيانه، أو أراد يهدي إلى ~~الجنة، والإثابة من يريد ممن آمن وعمل صالحا، أو يهدي به الذين يعلم منهم ~~الإيمان أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، وإلى هذين الوجهين أشار الحسن ~~بقوله أن الله يهدي من قبل لا من لم يقبل. واعترض بأن الله سبحانه وتعالى ~~ذكر هذا الكلام بعد بيان الأدلة والجواب عن الشبهات فلا يجوز حمله على محض ~~التكليف، وأما الوجوه الأخر فخلاف الظاهر مع أن ما ذكرتموه واجب عندكم على ~~الله وقوله من يريد ينافي الوجوب. # ثم أراد أن يميز بين المهدي من الفرق وبين الضال منهم فقال إن الذين ~~آمنوا الآية قال مقاتل: الأديان ستة: واحد لله تعالى وهو الإسلام وخمسة ~~للشيطان قلت: فالمؤمنون واليهود والنصارى تشترك في القول بالإله والنبي ~~وتفترق بالاعتراف بعموم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعدم الاعتراف به، ~~والصابئون قد تجعل من جنس النصارى وقد تجعل من غيرهم، والمجوس قولهم في ~~البابين مضطرب لأن الإله عندهم اثنان ونبيهم ليس بنبي في الحقيقة وإنما هو ~~متنبىء، والمشركون لا نبي لهم ولا كتاب. قال أهل البرهان: قدم النصارى على ~~الصابئين في أوائل البقرة لأنهم أهل كتاب وعكس هاهنا لأن الصابئين مقدمة ~~عليهم بالزمان، وفي المائدة يحتمل الأمران أي والصابئون كذلك أو هم ~~والنصارى إن الله يفصل بينهم أي يقضي بين المؤمنين وغيرهم وتكرير إن في ~~الخبر لزيادة التأكيد والفصل مطلق يحتمل الفصل في الأحوال وفي المواطن أيضا ~~إن الله على كل شيء شهيد فلا يجري في قضائه ظلم ولا حيف ألم تر أي تعلم ~~بإخبار الله والمراد أن هذه الأجسام غير ممتنعة عما يريد الله إحداثه فيها ms3303 ~~من أنواع تصرفاته وتدبيراته وهذا بين، قال العلماء: قوله وكثير من الناس ~~ليس بمعطوف على ما قبله من المفردات لأن السجود بالمعنى المذكور يتناول كل ~~الناس ولا يختص ببعضهم لدليل العقل، ولأن قوله ومن في الأرض يتناول الثقلين ~~جميعا والعطف يوهم التخصيص بالبعض. ولا يمكن أن يكون السجود بالنسبة إلى ~~كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة وبالنسبة إلى غيرهم بمعنى نفوذ مشيئة الله ~~فيها لأن اللفظ المشترك لا يصح استعماله في مفهوميه معا، فهو إذن مرفوع ~~بفعل مضمر يدل عليه المذكور أي ويسجد له كثير من الناس بمعنى وضع الجبهة ~~أيضا. وهو مبتدأ محذوف الخبر وهو مثاب لأن الخبر دليل عليه وهو قوله حق ~~عليه العذاب أو هو مبتدأ وخبر أي وكثير من المكلفين من الناس الذين هم ~~الناس على الحقيقة فكأنه أخرج الذين وجب عليهم العذاب # PageV05P070 # من جملة الناس لأنهم أشبه بالنسناس أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأعراف: ~~179] أو قوله ثانيا وكثير تكرار للأول لأجل المبالغة كأنه قيل: وكثير من ~~الناس حق عليهم العذاب، وباقي الآية دليل على أن الكل بقضائه وقدره ~~والإكرام والإهانة من عنده وبسابق علمه وسابق مشيئته، فمن أهانه في الأزل ~~لم يكرمه أحد إلى الأبد. عن ابن عباس أن قوله هذان خصمان راجع إلى أهل ~~الأديان الستة أي هما فوجان أو فريقان خصمان والخصم صفة وصف بها المحذوف. ~~وإنما قيل اختصموا نظرا إلى المعنى. وقيل: إن أقل الجمع اثنان. ومعنى في ~~ربهم أي في دينه وصفاته فقال المؤمنون في شأنه قولا وقال الكافرون قولا. ~~وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا ~~قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم آمنا بالله وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبنبيكم وبجميع الكتب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تتركونه ~~حسدا فنزلت. وعن قيس بن عبادة عن أبي ذر الغفاري أنه كان يحلف بالله أنها ~~نزلت في ستة نفر من المسلمين: علي وحمزة وعبيدة بن الحرث، ومن المشركين ~~عتبة وشيبة والوليد بن عتبة. # فقال ms3304 علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى يوم ~~القيامة. # وعن عكرمة هما الجنة والنار. قالت النار: # خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته، فقص الله من خبرهما ~~على محمد صلى الله عليه وسلم والأقرب هو الأول. وقوله فالذين كفروا فصل ~~الخصومة المعني بقوله إن الله يفصل بينهم وقوله قطعت لهم ثياب فيه أنه ~~تعالى يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما تقطع الثياب ~~الملبوسة، أو المراد أن تلك النيران مظاهرة عليهم كالثياب المظاهرة على ~~اللابس بعضها فوق بعض. وعن سعيد بن جبير أن قوله من نار أي من نحاس أذيب ~~بالنار كقوله سرابيلهم من قطران [إبراهيم: 50] والحميم الماء الحار. عن ابن ~~عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها. ومعنى يصهر يذاب صهرت ~~الشيء فانصهر أي أذبته فذاب فهو صهير أي يذيب أمعاءهم وأحشاءهم كما يذيب ~~جلودهم وهو أبلغ من قوله وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم [محمد: 15] لأن ~~تأثير الشيء من الظاهر في الباطن أبلغ من تأثيره في الباطن. قال في الكشاف: ~~المقامع السياط وقال الجوهري: المقمعة واحدة المقامع من حديد كالمحجن يضرب ~~على رأس الفيل. # وفي الحديث «لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما ~~أقلوها» «1» # والإعادة لا تكون إلا بعد الخروج ففي الآية إضمار أي كلما أرادوا أن ~~يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها أو المراد بالإرادة المداناة ~~والمشارفة كقوله يريد أن ينقض PageV05P071 # [الكهف: 77] وهذا أقرب كقوله لا يخفف عنهم العذاب [البقرة: 162] ويؤيده ~~ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ~~ضربوا بالمقامع فهو وافيها سبعين خريفا. وإنما اختصت هذه السورة بقوله من ~~غم وهو الأخذ بالنفس حتى لا يجد صاحبه مخلصا لأنه بولغ هاهنا في أهوال ~~النار بخلاف ما في السجدة وإنما أضمر هاهنا قبل قوله وذوقوا بخلاف «السجدة» ~~. وقيل لهم ذوقوا لأنه وقع الاختصار هاهنا على عذاب الحريق وهناك أطنب فقيل ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ms3305 تكذبون [السجدة: 20] وأيضا قد تقدم ذكر ~~القول في تلك السورة كثيرا بخلافه هنا والله تعالى أعلم. ### | التأويل: # إن زلزلة الساعة هلاك الاستعداد الفطري شيء عظيم تذهل كل مرضعة # هي مواد الأشياء فإن لكل شيء مادة ملكوتية ترضع رضيعها من الملك وتربيه ~~وتضع كل ذات حمل # وهي الهيوليات حملها # وهو الصور الكمالية التي خلقت الهيوليات لأجلها وترى الناس سكارى # الغفلة والعصيان وحب الدنيا والجاه والرياسة وغيرها وما هم بسكارى # العشق والمحبة والمعرفة فإنا خلقناكم من تراب أي كنتم ترابا ميتا فبعثنا ~~التراب بأن خلقنا منه آدم، ثم أمتنا منه النطفة، ثم بعثناها بأن جعلناها ~~علقة ثم مضغة ثم خلقا آخر لنبين لكم أمر البعث والنشور ونقر في الأرحام ~~أمهات العدم ما نشاء إلى أجل مسمى وهو وقت إيجاده بحسب تعلق الإرادة به، ~~وفيه دليل على أنه لا يبعد أن يكون الفاعل كاملا في فاعليته ولكن لا تتعلق ~~إرادته بالمقدور فيبقى في حيز العدم إلى حين تعلق الإرادة به، ومنه يظهر ~~حدوث العالم ثم نخرجكم طفلا من أطفال المكونات خارجا من رحم العدم مستعدا ~~للتربية والكمال. ومنكم من يتوفى عن الشهوات فيحيا بحصول الكمالات ومنكم من ~~يرد إلى أسفل سافلين الطبيعة وترى أرض القالب هامدة فإذا أنزلنا عليها ماء ~~حياة المعرفة والعلم اهتزت ذلك بأن الله هو الحق في الإلهية وأنه يحي ~~القلوب الميتة وأن الساعة قيامة العشق والخدمة للطالبين الصادقين آتية لا ~~ريب فيها وأن الله يبعث القلوب المحبوسة في قبور الصدور عذاب الحريق بنار ~~الشهوات لكنه لا يحس بها في الدنيا لأنه نائم بنوم الغفلة فإذا مات انتبه ~~من كان يظن فيه أن العبد يجب أن يكون حسن الظن بالله ثم ليقطع مادة تقديري ~~في الأزل ونزول أحكامي في القدر فلينظر هل ينقطع أم لا هذان خصمان يعني ~~النفس الكافرة والروح المؤمنة قطعت لهم ثياب بتقطيع خياط القضاء على قدرهم ~~وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع. يصب من فوق رؤسهم ~~حميم الشهوات النفسانية. وفي لفظ الفوق ms3306 دلالة على أنهم مغلوبون تحتها، وفيه ~~أن الخيالات الفاسدة # PageV05P072 # تنصب من الدماغ إلى القلب. يصهر به ما في بطونهم من الأخلاق الحميدة ~~الروحانية والجلود أي يفسد أحوالهم الباطنة والظاهرة بفساد تخيلاتهم، ولا ~~مخلص لهم عن دركات تلك الملكات لغاية رسوخها والله أعلم بالصواب. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 23 الى 41] # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب ~~من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا ~~تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم ~~وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو ~~خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان واجتنبوا قول الزور (30) حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ~~ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (32) # لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة ~~جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله ~~واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) والبدن ~~جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا ~~وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم ~~تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك ms3307 ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) # إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ~~ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور (41) # PageV05P073 ### | القراآت: # ولؤلؤا بهمزتين منصوبا: نافع وحفص. مثله ولكن بتخفيف الأولى واوا ساكنة: ~~أبوبكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر. وقرأ سهل ويعقوب والمفضل هاهنا ~~بالهمزة والنصب. وفي «فاطر» بالهمز والخفض. الباقون بالهمز والخفض في ~~السورتين سواء بالنصب: حفص وروح وزيد. الآخرون بالرفع. والبادي بالياء في ~~الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في ~~الوصل. بوأنا مثل أنشأنا بيتي بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام. ~~فتخطفه بتشديد الطاء: # أبو جعفر ونافع الرياح يزيد طريق المفضل والمقيمي الصلاة بالنصب على ~~تقدير النون: عباس منسكا ونحوه بكسر السين: حمزة وعلي وخلف لن تنال الله ~~بتاء التأنيث: يعقوب ولكن تناله بالتأنيث أيضا زيد يدافع من الدفع: ابن ~~كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون يدافع من المدافعة أذن مبنيا للمفعول: ~~أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم يقاتلون مبنيا للمفعول أيضا: ~~أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنيا للفاعل فيهما. دفاع بألف: أبو ~~جعفر ونافع وسهل ويعقوب لهدمت مخففا: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن ~~عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلف مشددا مدغما الباقون مشددا. ### | الوقوف: # ولؤلؤا ط من القول ج للعطف مع تكرار وهدوا الحميد ه والباد ه ط أليم ه ~~السجود ه عميق ه لا لتعلق اللام الأنعام ج للابتداء بالأمر مع الفاء الفقير ~~ه للعطف مع العدول العتيق ه ذلك ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ms3308 ما ذكر أو ~~الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط عند ربه ط الزور ه لا مشركين به ط سحيق ه ~~ذلك ق القلوب ه العتيق ه الأنعام ط أسلموا ط المخبتين ه لا لاتصال الوصف ~~الصلاة ه ينفقون ج ه خير ق والوصل أحسن للفاء صواف ج للشرط مع الفاء ~~والمعتر ط تشكرون ه منكم ط هداكم ط المحسنين ه آمنوا ط كفور ه ظلموا ط ~~لقدير ه لا بناء على أن الذين بدل من الضمير في نصرهم ربنا الله ط كثيرا ه ~~ينصره ط عزيز ه المنكر ط الأمور ه. ### | التفسير: # لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو # PageV05P074 # المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان ~~أن أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف. ومن قرأ لؤلؤا بالنصب ~~فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤا لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئا ~~منظوما منه. وهدوا إلى الطيب من القول عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك وهدوا إلى صراط الحميد أي إلى طريق المقام ~~المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله إلى صراط العزيز الحميد الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض [إبراهيم: 1] وقال السدي: الطيب من ~~القول هو القرآن. وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: # هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل ~~الكفر ومن داناهم فقال إن الذين كفروا ويصدون إنما حسن عطف المستقبل على ~~الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا ~~واستمروا على الصد. وقال أبو علي الفارسي. كفروا في الماضي وهم الآن يصدون. # عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا ~~الهدي. # ومن قرأ سواء بالنصب فعلى أنه مفعول ثان ms3309 لجعلنا أي جعلناه مستويا العاكف ~~فيه والباد ومن قرأ بالرفع فعلى أن العاكف مبتدأ وسواء خبر مقدم والجملة ~~مفعول ثان ويجوز أن يكون للناس مفعولا ثانيا أي جعلناه متعبدا لكل من وقع ~~عليه اسم الناس، وقوله سواء إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين ~~الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي ~~يستويان في أي شيء. فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى ~~مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «مكة مباحة سبق إليها» # وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضا، ولأجل ذلك ~~زعموا أن كراء دور مكة حرام. والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في ~~المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس ~~شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» ~~«1» # وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت ~~المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج ~~الشافعي بقوله تعالى الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق [الحج: 40] بأن عمر ~~اشترى دار السجن فسكت إسحق PageV05P075 # وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام هاهنا مكة كلها لأنه جعل ~~العاكف فيه بأزاء البادي. أجاب الأكثرون بأنه أراد بالعاكف المجاور للمسجد ~~المتمكن في كل وقت من التعبد فيه. والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ~~وذروا الذين يلحدون في أسمائه [الأعراف: 180] وقوله بإلحاد بظلم حالان ~~ومفعول يرد متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مرادا ما جائرا ظالما. ~~وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله وجزاء سيئة ~~سيئة [الشورى: 40] واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير ~~وابن عباس في رواية عطاء أنه ms3310 الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه ~~الله. # وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة ~~كافرا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم. # وعن مجاهد أنه الاحتكار. # وقيل: المنع من عمارته. وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة «لا والله» ~~وبلى والله. ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في ~~الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ~~ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل «لا والله» و «بلى ~~والله» . والأولى التعميم. وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ~~ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجبا في كل مكان ~~إلا أن وجوبه هناك أوكد فللمكان خاصية كما للزمان ولهذا قال مجاهد: تضاعف ~~السيئات فيه كما تضاعف الحسنات. عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب ~~هناك ذنبا وإن لم يخرج إلى الفعل. وعنه لو أن رجلا يهم بأن يعمل سيئة عند ~~البيت أذاقه الله تعالى عذابا أليما. واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب ~~الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد ~~في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ~~ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال وإذ بوأنا أي وأذكر حين جعلنا ~~لإبراهيم مكان البيت مباءة أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، # ويروى أن موضع البيت كان مطموسا فبعث الله تعالى ريحا كنست ما حوله حتى ~~ظهر أسه القديم فبنى إبراهيم عليه # وقد مر قصة ذلك في «البقرة» . وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في ~~العرض والطول وفيها رأس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على ~~قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة. وأن في أن لا تشرك هي المفسرة وذلك أن ~~المقصود من التوبة ms3311 هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك ~~وطهر وقد مر مثله في «البقرة» . وإنما قال هاهنا والقائمين لأن العاكف ذكر ~~مرة في قوله سواء العاكف والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ~~والركع السجود أو بمعنى المقيم # PageV05P076 # المتوطن. والظاهر أن الخطاب في وأذن لإبراهيم أيضا أي ناد في الناس وهو ~~أن يقول حجوا أو عليكم بالحج # يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: أيها الناس حجوا بيت ربكم، # قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من ~~في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر. ~~ولعل الفائدة في قوله يأتوك هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان ~~إليه. وأيضا هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه. وعن الحسن وهو ~~اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~معطوف على «أذكر» مقدرا، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة ~~الوداع قولان. وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل. # وقوله وعلى كل ضامر حال آخر كأنه قيل رجالا وركبانا. والضامر البعير ~~المهزول لطول السفر. ويأتين صفة ل كل ضامر لأنه في معنى الجمع. والفج ~~الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة. والعميق البعيد ومثله معيق وبه ~~قرأ ابن مسعود. وفي تقديم المشاة تشريف لهم. # روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الحاج الراكب ~~له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم. ~~قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة» # قال جار الله: نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ~~ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم ~~الله تعالى لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه ~~تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان ms3312 يفعله ~~المشركون من الذبح للنصب. وفي قوله على ما رزقهم إشارة إلى أن نفس القربان ~~وتيسير ذلك العمل من نعم الله تعالى ولو قيل «لينحروا في أيام معلومات ~~بهيمة الأنعام» لم يكن شيء من هذه الفوائد. والأيام المعلومات عند أكثر ~~العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم ~~على أعمال الحج فيها. ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر ~~الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة ~~والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة. # وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعدها وهو اختيار ~~أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد. وعلى الأول يكون قوله في أيام متعلقا بكلا ~~الفعلين أعني ليشهدوا ويذكروا وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني. ومعنى بهيمة ~~الأنعام بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر ~~فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال ~~مقاتل: إذا ذبحت فقل «بسم الله والله # PageV05P077 # أكبر اللهم منك وإليك» وتستقبل القبلة. وزاد الكلبي «إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين» . قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة ~~دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل ~~مهجته طلبا لمرضاة الله واعترافا بأن تقصيره كاد يستحق مهجته. أما قوله ~~فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير ~~قد مر في آية الصدقات في «التوبة» وفي غيرها. ثم من الناس من قال: الأمران ~~للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم. ~~والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب. ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ~~ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين. ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين ~~لما يجيء من قوله فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر فجعلها على ثلاثة ~~أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في ~~الحديث من ms3313 الأمر بالادخار. والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها ~~أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا ~~كان متطوعا. وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم ~~القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا ~~فقراؤها لما # روي عن هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله ~~كيف أصنع بما عطب من البدن؟ قال: أنحرها ثم أغمس نعلها في دمها ثم خل بين ~~الناس وبينها يأكلونها. # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم في مثله: لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل ~~رفقتك. # قوله ثم ليقضوا تفثهم لا يبعد أن يكون معطوفا على ليشهدوا فإن هذه ~~الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل ~~على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين ~~الحاضرين قبلها والله أعلم. قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في ~~معنى التفث. وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير. ~~وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابيا فصيحا ما معنى قوله ثم ليقضوا ~~تفثهم؟ فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك! ثم زعم ~~القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي. وقال المبرد: ~~أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وأجمع ~~أهل التفسير على أن المراد هاهنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب ~~والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم ~~وليوفوا نذورهم أي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر ~~التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على ~~نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه. وليطوفوا هو طواف ~~الإفاضة والزيارة # PageV05P078 # التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله فإذا أفضتم من عرفات ms3314 ~~[البقرة: # 198] وقيل: هو طواف الوداع والصدر. سمي بالبيت العتيق لأنه أول بيت وضع ~~للناس عن الحسن، # وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن ~~الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط. وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام ~~الطوفان. وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم «عتاق الخيل والطير» . والحرمة ~~ما لا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن ~~يراد هاهنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام ~~والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل. وتعظيمها ~~العلم بوجوبها والقيام بحقوقها. وقوله فهو خير أي فالتعظيم له خير من ~~التهاون بذلك. وقوله عند ربه إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله. # قوله وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم قد مر في أول «المائدة» مثله ~~أي إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه وهي حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] أو ~~قوله غير محلي الصيد وأنتم حرم [المائدة: 1] أو قوله ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه [الأنعام: 121] وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر ~~بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلا فاجتنبوا الرجس وبينه بقوله من ~~الأوثان أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك «عندي عشرون من الدراهم» . والرجس ~~العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله رجس من عمل ~~الشيطان [الآية: 90] والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم «رجل صدق» جمع ~~بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي رأس الزور وملاكه. # قال الأصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا ~~سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة متمادية في ~~القبح والسماجة. # وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام. ومنها ~~أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومنها ~~أنه الكذب والبهتان. ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف ms3315 «لبيك لا شريك ~~لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.» وقوله حنفاء لله غير مشركين به حالان ~~مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله حنيفا ولم يك من المشركين [النحل: ~~120] وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن ~~كان مقدما في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب ~~عليه قوله ومن يشرك بالله الآية. قال جار الله: إن كان تشبيها مركبا فمعناه ~~من أشرك بالله فقد أهلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر ~~من السماء فاختطفته أي استلبته الطير فتفرق مزعا أي قطعا من اللحم في ~~حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به # PageV05P079 # الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه ~~الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي ~~توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في ~~وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة. وتعظيم شعائر ~~الله وهي الهدايا كما مر في أول «المائدة» هي أن يختارها عظام الأجرام ~~غالية الأثمان. وقد مر وصفها الشرعي في «البقرة» في قوله فما استيسر من ~~الهدي [الآية: 196] وقد أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فيها ~~جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف فإنها من تقوى القلوب أي ~~فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم ~~المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به. ~~وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة. ~~أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم بمعنى الخلة، ~~وأما الآخران فلأن «من» للعموم فلا يلزم أن يقدر لفظة منه، أو فاعل التعظيم ~~موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أو يقدر فإن ~~تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قولنا ومن يعظم شعائر الله فإن تلك ms3316 الخلة ~~منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى ~~التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر ~~الجوارح دونها. ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب ~~بها إلى الله تعالى؟ فلهذا قال لكم فيها منافع يعني الدنيوية من الدر وركوب ~~الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله لكم فيها خير ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه ~~بقوله إلى أجل مسمى وهو أوان النحر. ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب ~~نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب منه وهو الحرم ~~كما مر في قوله هديا بالغ الكعبة [المائدة: 95] ومثله قوله «بلغنا البلد» ~~إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده. قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي ~~بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها. # روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال ~~صلى الله عليه وسلم: اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي. فقال: اركبها ~~ويلك. # وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ~~ظهرا. # وهذا هو الذي اختاره الشافعي. وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز الانتفاع بها ~~لأنه لا يجوز إجارتها ولو كان مالكا لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها. وضعف ~~بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها. وممن ذهب إلى هذا القول ~~من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هديا، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه ~~الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهديا فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا ~~بها. وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس # PageV05P080 # ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك. أجاب الأولون بأن الضمير في قوله لكم فيها ~~منافع عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه. قال في ~~الكشاف: «ثم» للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن ~~لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها ~~شوطا ms3317 في النفع محلها منتهية إلى البيت. # ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع ~~التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في ~~الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ولكل أمة جعلنا منسكا ~~موضعا أو وقتا يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس. ويجوز ~~أن يكون مصدرا بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن ~~إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب ~~وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه ~~بذلك قائلا فإلهكم إله واحد لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على ~~الذبائح إلا اسمه. ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما ~~اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله. ~~ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلا فله أسلموا أي خصوه ~~بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصا لوجهه من غير شائبة ~~إشراك. ثم أمر نبيه عليه السلام بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت ~~للمطمئن من الأرض. وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا. قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة. ثم عطف على المخبتين قوله ~~والصابرين على ما أصابهم أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما ~~الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو ~~أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال. ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على ~~النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة ~~والزكاة وقوله ومما رزقناهم عطف على المقيمي الصلاة من حيث المعنى كأنه ~~قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. ثم عاد إلى تعظيم شأن ~~الضحايا مرة أخرى وخص منها العظام الجسام بقوله والبدن جعلناها هي بضم ~~الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل ms3318 خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق ~~البقرة بها حكما. قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: علي بدنة يجوز له نحرها في ~~غير مكة. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة ~~أو بقرة تذبح هناك. واتفقوا فيما إذا نذر هديا أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما ~~إذا أنذر جزورا أنه يذبحه # PageV05P081 # حيث شاء. وانتصب قوله والبدن بفعل يفسره ما بعده. ومعنى جعلها من شعائر ~~الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله. عن بعض السلف أنه لم يملك إلا ~~تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول لكم فيها ~~خير أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا. وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلا ~~منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذرا من التكرار ما أمكن. ~~ومعنى صواف قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها ~~للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين. فإذا وجبت جنوبها أي سقطت على الأرض من ~~وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت. والمعنى إذا زهق روحها حل ~~لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل ~~تعففا. وقيل: بالعكس فهما من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما ~~قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعره أي عيبه فلا يسأل أو يسأل. ثم من على ~~عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعونا في لباتها مثل ~~التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست ~~بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرما وأقل قوة لولا أنه سبحانه سخرها. ~~يروى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ~~ودمائها فبين الله تعالى ما هو المقصود منها فقال لن ينال الله أي لن يصيب ~~رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق. ولكن يناله ~~التقوى منكم بأن يكون القربان حلالا روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما ~~آمر. ثم كرر منة التسخير وأن الغاية ms3319 تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ~~ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في «البقرة» في آية ~~الصيام. قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم ~~والدماء وانتفع بتقواه # وجب أن تكون التقوى فعلا له وإلا كان بمنزلة الأجسام. وأيضا إنه قد شرط ~~التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله. والجواب ~~أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس ~~من أفعاله. وأيضا إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متق وبشر ~~المحسنين إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها. والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله ~~كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها. وحين ~~فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار ~~وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة ~~البيت فقال إن الله يدافع ومن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عن الذين ~~آمنوا فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله ~~فيه يدل عليه تعليله # PageV05P082 # بقوله إن الله لا يحب كل خوان كفور أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه ~~صفته قال مقاتل: أقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟ وكان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقون من المشركين أذى شديدا وكانوا ~~يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر ~~بالقتال حتى هاجر فنزل أذن وفاعله الله سبحانه أم لم يسم والمأذون فيه ~~القتال بدليل قوله للذين يقاتلون إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا ~~يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون ~~على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ~~بأنهم ظلموا أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما ~~نهى عنه في نيف وسبعين آية. # وقيل: نزلت في قوم ms3320 خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في ~~مقاتلتهم. وفي قوله إن الله يدافع ثم في قوله وإن الله على نصرهم لقدير عدة ~~كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك ~~إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك. لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ~~ستفعل ذلك. ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله الذين أخرجوا ~~من ديارهم ومحل أن يقولوا جر على الإبدال من حق أي بغير موجب سوى التوحيد ~~الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره هل تنقمون منا إلا ~~أن آمنا بالله [المائدة: 59] ولولا دفع الله الناس قد مر في أواخر البقرة. ~~وللمفسرين فيه عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين ~~عن القاعدين. وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء # وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يدفع بالمسلم ~~الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية» # وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة. # وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص. أما الصوامع ~~والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها أسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه ~~صومعة لأجل العبادة. قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة ~~مصمعه، إذا دققت وحدد رأسها. وصومعة النصارى «فوعلة» من هذا لأنها دقيقة ~~الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصلوات. وسميت كنيسة ~~اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة ~~الشرعية نفسها. وصح إيقاع الهدم عليها نظرا إلى قرائنها كقوله: متقلدا سيفا ~~ورمحا. وإن كان الرمح لا يتقلد. هذا كله توجيه تفسير الحسن. والأكثرون على ~~أنها متعبدات مختلفة، فعن أبي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود ~~والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين. وفي تخصيصها بقوله يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا تشريف لها # PageV05P083 # وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط. وعن قتادة أن الصوامع ~~للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود. قال الزجاج: وهي بالعبرانية ~~صلوتا. ms3321 وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء ~~والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن ~~أول الفكر آخر العمل. # وقال صلى الله عليه وسلم «نحن الآخرون السابقون» «1» # وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان ~~المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع ~~والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. وعلى هذا الوجه إنما رفع ~~عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك ~~لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات بأسرها. وعلى هذا ~~الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في ~~الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام. ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه ~~وأولياؤه وأكد ذلك بقوله إن الله لقوي عزيز ومعنى القوة والعزة أنه لا ~~يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلا. ونصرة الله العبد ~~تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس ~~بأمره داعية الخير والصلاح في روعه. ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله. الذين ~~إن مكناهم وقيل: هو بدل من قوله من ينصره وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون ~~عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم الدنيا. وعن عثمان: هذا ~~والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله تعالى قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في ~~شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا. قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء ~~الراشدين لأنه تعالى لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم. ~~وعن الحسن أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا فتمكينهم هو إبقاؤهم ~~إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضا إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله ~~أعلم بما كانوا عاملين. ثم ختم الآية بقوله ولله عاقبة ms3322 الأمور أي مرجعها ~~ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا ~~محالة. ### | التأويل: # ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام القلب سواء فيه من سبق إليه مدة ~~طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله وإذ ~~بوأنا لإبراهيم الروح مكان بيت القلب وطهر بيتي عن غيري وهو كل ما فيه حظ ~~النفس دون PageV05P084 # الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة ~~والقبض والبسط والأنس والهيبة رجالا هي النفس وصفاتها وعلى كل ضامر هي ~~البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن ~~مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة. لأنها نيات ~~الضمير فقط من كل فج عميق هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح ~~الآخرة ليشهدوا منافع لهم فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع ~~القلب والجوارح بظهور أثر الطاعة عليها ويذكروا أي القلب والنفس والقالب ~~شكرا على ما رزقهم من تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحانية فانتفعوا ~~بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ~~ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب ~~الفرقة. وأحلت لكم استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة إلا ما يتلى عليكم ~~في قولنا ولا تسرفوا [الأعراف: 31] # وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» # فاجتنبوا مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى ~~الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو تهوي ~~به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان. لكم في شواهد آثار ~~صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى ~~أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم. ولكل سالك ~~جعلنا مقصدا وطريقا، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه ~~من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به. فله ms3323 ~~أسلموا أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من ~~الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار وبشر المخبتين ~~عنى المستقيمين على هذه الطريقة. وجلت قلوبهم الوجل عند الذكر على حسب تجلي ~~الحق للقلب. والصابرين على ما أصابهم من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ~~والمقيمي الصلاة الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على ~~أحوالهم ومما رزقناهم ينفقون يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود ~~المعبود والبدن يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب ~~بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها ~~فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين ~~المتعطشين الذين لا يروون ريا من ماء حياة المعرفة # شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفد الشراب وما رويت # كذلك سخرناها لكم فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير ~~خالقها # PageV05P085 # وتيسير موجدها يؤكده قوله إن الله يدافع خيانة النفس وهواها عن الذين ~~آمنوا أذن للذين يقاتلون فيه أن قتال النفس يجب أن يكون بإذن من الله تعالى ~~وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب ~~وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ولولا دفع الله النفوس بالقلوب لضيعت ~~صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد ~~القلوب التي يذكر فيها اسم الله كثيرا لاتساعها بإشراق نور الله عليها إن ~~مكناهم في الأرض البشرية أقاموا صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي ~~إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات ~~الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى ~~الله عاقبة الأمور. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 42 الى 64] # وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~(44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة ~~وقصر مشيد (45) أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم ms3324 قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) ~~قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك ~~أصحاب الجحيم (51) # وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ~~ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين ~~لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ~~فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ~~(55) الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات ~~النعيم (56) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في ~~سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير ~~الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن ~~عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60) ذلك ~~بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ~~(61) # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله ~~لطيف خبير (63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد ~~(64) # PageV05P086 ### | القراآت: # نكيري بإثبات الياء حيث كان في الحالين: يعقوب. وافق ورش وسهل وعباس في ~~الوصل. أهلكتها على التوحيد: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون أهلكناها وبير ~~بالياء: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى ms3325 وورش وربيعة وابن فليح ~~وحمزة في الوقف. يعدون على الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف معجزين ~~بالتشديد: حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو. ثم قتلوا بالتشديد ابن عامر وأن ما ~~يدعون بياء الغيبة وكذلك في سورة لقمان: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي ~~وخلف وحفص. ### | الوقوف: # وثمود ه ولوط ه مدين ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أخذتهم ج لابتداء ~~التهديد مع فاء التعقيب نكير ه مشيد ه يسمعون بها ه للابتداء بأن مع الفاء ~~الصدور ه وعده ط تعدون ه أخذتها ط المصير ه مبين ه ج للابتداء مع الفاء ~~كريم ه الجحيم ه أمنيته ج لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى آياته ط حكيم ه لا ~~لتعلق اللام قلوبهم ط بعيد ه لا قلوبهم ط مستقيم ه عقيم ه لله ط بينهم ط ~~النعيم ه مهين ه حسنا ط الرازقين ه يرضونه ط حليم ه ذلك ج لينصرنه الله ط ~~غفور ه بصير ه الكبير ه ماء ز لنوع عدول مع العطف مخضرة ط خبير ه وما في ~~الأرض ط الحميد ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد ضمان النصر لنبيه صلى الله عليه وسلم والدفع عن أمته ذكر ~~ما فيه تسليته وهو أنه ليس بأوحدي في التكذيب له والقصص معلومة مما سلف. ~~قال جار الله: إنما لم يقل «وقوم موسى» لأن موسى كذبه غير بني إسرائيل وهم ~~القبط، أو المراد وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك ~~بغيره؟ والنكير بمعنى الإنكار عبر به عن الهلاك # PageV05P087 # المعجل لأنه يستلزمه أو لأن الهلاك رادع لغيرهم فكأنه أنكر به عليهم حتى ~~ارتدعوا، أو هو بمعنى التغيير لأنه أبدلهم بالنعمة محنة وبالحياة هلاكا ~~وبالعمارة خرابا. قوله وهي ظالمة فهي خاوية الأولى في محل النصب على أنها ~~حال، والثانية لا محل لها لأنها معطوفة على أهلكناها وهذه ليس لها محل. قال ~~أبو مسلم: أراد هي كانت ظالمة فهي الآن خاوية على عروشها وقد مر تفسيرها في ~~البقرة في قوله أو كالذي مر ms3326 على قرية وهي خاوية [الآية: 159] قوله وبئر ~~معطلة عطف على قرية أي وكم بئر عطلناها عن سقائها مع أنها عامرة فيها الماء ~~ومعها آلات الاستقاء، وكم قصر مشيد مجصص أو مرتفع أخليناه عن ساكنيه؟ فحذف ~~هذه الجملة لدلالة معطلة عليها. وقد يغلب على الظن من هاتين القرينتين أن ~~«على» في قوله على عروشها بمعنى «مع» كأنه قيل: هي خاوية أي ساقطة أو خالية ~~مع بقاء عروشها قاله في الكشاف. وأقول: إذا كانت القرى المهلكة غير البئر ~~والقصر فهذا الظن مرجوح أو مساو لا غالب. يروى أنها بئر نزل عليها صالح مع ~~أربعة آلاف نفر ممن آمن به ونجاهم الله من العذاب وهي بحضرموت، سميت بذلك ~~لأن صالحا حين حضرها مات وسميت بلدة عند البئر اسمها حاضوراء بناها قوم ~~صالح وأقاموا بها زمانا ثم كفروا وعبدوا صنما وأرسل الله إليهم حنظلة بن ~~صفوان نبيا فقتلوه فأهلكهم الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم. يحكى أن الإمام ~~أبا القاسم الأنصاري قال: هذا عجيب لأني زرت قبر صالح بالشام ببلدة يقال ~~لها عكة فكيف قيل: إنه بحضرموت؟ قلت: لا غرو أن يتفق الموت بأرض والدفن ~~بأرض أخرى. ثم أنكر على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلا أفلم ~~يسيروا حثهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا. ويحتمل أن يكونوا ~~قد سافروا ولم يعتبروا فلهذا جاء الإنكار كقوله وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ~~وبالليل أفلا تعقلون # [الصافات: 137، 138] والمراد بالسماع سماع تدبر وانتفاع وإلا كان كلا ~~سماع كما أن المراد بالإبصار إبصار الاعتبار ولهذا قال فإنها أي إن القصة ~~لا تعمى الأبصار أي أبصارهم ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وفي هذا ~~التصور زيادة التمكين والتقرير لغرابة نسبة العمى إلى القلب، وجوز في ~~الكشاف أن يكون الضمير في فإنها ضميرا مبهما يفسره الأبصار وفاعل تعمى ضمير ~~عائد إلى الضمير الأول المبهم. # والمعنى على الوجهين أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها وإنما العمى ~~بقلوبهم، أو لا تعتدوا بعمى الأبصار وإن فرض لأنه ليس بعمى بالإضافة إلى ~~عمى ms3327 القلوب. وزعم بعضهم أن في الآية إبطالا لقول من جعل محل الكفر الدماغ ~~وليس بقوي فقد يتشاركان في ذلك، أو يكون سلطانه في القلب والدماغ كالآلة. # PageV05P088 # ثم حكي من عظيم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزؤن باستعجال العذاب ~~العاجل والآجل كأنهم جوزوا الفوت فلهذا قال ولن يخلف الله وعده أو لعلهم ~~طلبوا عذاب الآخرة فذكر أن استعجاله في الدنيا كالخلف لأن موعده الآخرة وإن ~~يوما عند ربك كألف سنة قال أبو مسلم: أراد أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل ~~عذاب الآخرة لأن يوما واحدا من أيام عذاب الله في الشدة كألف سنة من سنينكم ~~لأن أيام الشدائد مستطالة، أو كألف سنة من سني العذاب إذا عدها العاد وذلك ~~لشدة العذاب أيضا. وقيل: أراد أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على ~~السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا ~~يستبعدوا أيضا إمهال ألف سنة. وقد يدور في الخلد أن هذا إشارة إلى لا تناهي ~~طرف الأبد المستتبع لازدياد امتداد الآحاد الاعتبارية لأجل سهولة الضبط، ~~والغرض أن من كانت أيامه في الطول إلى هذا الحد لا يفيد الاستعجال بالنسبة ~~إليه شيئا فالأولى بل الواجب تفويض الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها من غير ~~تقدم ولا تأخر ثم كرر قوله وكأين من قرية وليس بتكرار في الحقيقة لأن الأول ~~سيق لبيان الإهلاك مناسبا لقوله فكيف كان نكير ولهذا عطف بالفاء بدلا عتن ~~ذلك، والثاني سيق لبيان الإملاء مناسبا لقوله لن يخلف الله وعده وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد ~~أنظرتهم حينا ثم أخذتهم بالعذاب والمرجع للكل إلى حكمي. ثم أمر رسوله بأن ~~يتلو عليهم جملة حاله في الرسالة وهي أنه نذير مبين وجملة حالهم في باب ~~التكليف مآلا، وإنما اقتصر على النذارة لأنها تتضمن البشارة فإن كلام ~~الحكيم لا يخلو عن ترغيب وإن كان مبنيا على الترهيب بدليل يا أيها الناس ~~وهو نداء للكفرة في قول ابن ms3328 عباس. قال في الكشاف: هم الذين قيل فيهم أفلم ~~يسيروا ووصفوا بالاستعجال، وإنما أقحم المؤمنون وثوابهم ليغاظوا. قالت ~~الأشاعرة: المغفرة إما للصغائر أو للكبائر بعد التوبة أو قبلها. والأولان ~~واجبان عند الخصم وأداء الواجب لا يسمى غفرانا فبقي الثالث ويلزم منه عفو ~~صاحب الكبيرة من أهل القبلة، أما الرزق فلا شك أنه الثواب، وأما الكريم ~~فإما أن يكون أمرا سلبيا وهو أن يكون الإنسان معه بحيث يستغنى عن المكاسب ~~وتحمل المتاعب والذل والدناءة وما ينجر إلى المآثم والمظالم، وإما أن يكون ~~ثبوتيا وهو أن يكون رزقا كثيرا دائما خالصا عن شوائب الضرر مقرونا بالتعظيم ~~والإجلال والذين سعوا في آياتنا أي بذلوا جهدهم في تكذيبها وإرادة إبطالها ~~كمن يسعى سعيا أي يمشي مشيا سريعا. قال أهل اللغة: عاجزه سابقه لأن كل واحد ~~منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه. ~~والمراد معاجزين الله ورسوله أي مقدرين ذلك ظنا منهم أن كيدهم للإسلام يتم ~~لهم، وأن طعنهم في القرآن وتثبيطهم الناس عن التصديق يبلغ بهم غرضهم. # PageV05P089 # ثم بين أن له أسوة بالأنبياء السالفة والرسل السابقة في كل ما يأتي ويذر ~~فقال وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي خصص أولا ثم عمم، فكل رسول نبي ~~وليس كل نبي رسولا، فقد لا يكون معه كتاب بل يؤمر بأن يدعو إلى شريعة من ~~قبله، وقد لا ينزل عليه الملك ظاهرا وإنما يرى الوحي في المنام أو يخبره ~~بذلك رسول في عصره، ولا بد للكل من المعجزة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأنبياء فقال: مائة ألف وأربعة ~~وعشرون ألفا قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا. # قال عامة المفسرين في سبب نزول الآية: أنه صلى الله عليه وسلم لما شق ~~عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه ~~على إيمانهم. وكان ذات يوم جالسا في ناد من أنديتهم وقد نزل عليه سورة ~~والنجم إذا هوى ms3329 [النجم: 1] فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله أفرأيتم اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى [النجم: 19- 20] وكان ذلك التمني في نفسه فجرى ~~على لسانه «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» فلما سمعت قريش ذلك ~~فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة، فلما ~~سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين، فتفرقت ~~قريش مسرورين وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبرائيل وقال: ~~ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وخاف خوفا شديدا فأنزل الله تعالى هذه الآية. # واعترض المحققون على هذه الرواية بالقرآن والسنة وبالمعقول. أما القرآن ~~فكقوله ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين [الحاقة: 44- 46] وقوله وما ينطق عن الهوى [النجم: 3] وقوله ولولا ~~أن ثبتناك لقد كدت تركن [الإسراء: 74] نفى القرب من الركون فكيف به؟ وأما ~~السنة فهي ما روي عن ابن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال: هذا وضع من ~~الزنادقة، وقد صنف فيه كتابا وقال الإمام أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي: ~~هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون ~~فيهم. # وقد روى البخاري في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وسجد ~~فيها المسلمون والمشركون الإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق. # وأما المعقول فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لنفي الأوثان فكيف ~~يثبتها؟ وأيضا إنه بمكة لم يتمكن من القراءة والصلاة عند الكعبة ولا سيما ~~في محفل غاص. وأيضا إن معاداتهم إياه كانت أكثر من أن يغتروا بهذا القدر ~~فيخروا سجدا قبل أن يقفوا على حقيقة الأمر. وأيضا منع الشيطان من أصله أولى ~~من تمكنه من الإلقاء ثم نسخه. وأيضا لوجوزنا ذلك لارتفع الأمان من الشرع، ~~ولناقض قوله بلغ ما أنزل إليك [المائدة: 67] وحال الزيادة في الوحي كحال ~~النقصان منه. إذا عرفت هذا فللأئمة في تأويل الآية قولان: الأول أن ms3330 التمني ~~بمعنى القراءة كما سلف في البقرة في قوله ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني [الآية: # PageV05P090 # 78] وما المراد بهذه القراءة فيه وجهان: أحدهما أنه ما يجوز أن يسهو ~~النبي فيه ويشتبه على القارئ دون ما رووه من قوله «تلك الغرانيق العلى» . ~~وثانيهما أنه قراءة هذه الكلمة وإنها قد وقعت بعينها. وكيف وقعت؟ ذهبت ~~جماعة إلى أنه لما قرأ سورة والنجم اشتبه على الكفار فتوهموا بعض ألفاظه ~~ذلك، وزيف بأن هذا التوهم من الجم الغفير بعيد. وقيل: إن شيطان الجن ألقاها ~~في البين فظنها الحاضرون من قول الرسول. وضعف بأن هذا يفضي إلى ارتفاع ~~الوثوق عن كل ما يتكلم به النبي. # قلت: الإنصاف أنه غير ضعيف ولا يفضي إلى ارتفاع الوثوق لقوله سبحانه ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان وقيل: إن المتكلم به شيطان الإنس وهم الكفرة ~~كانوا يقربون منه في حال صلاته ويسمعون قراءته ويلقون فيها في أثناء ~~وقفاته. وقيل: إن المتكلم به الرسول قاله سهوا كما # روي عن قتادة ومقاتل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي عند المقام فنعس ~~وجرى على لسانه هاتان الكلمتان، # ولا ريب أنه يكون بإلقاء الشيطان. وضعف باستلزامه زوال الأمان عن الشرع ~~وقد عرفت جوابه، وبأن مثل هذا الكلام المطابق لفواصل السورة يستبعد وقوعها ~~في النعاس. وزعم قوم أن الشيطان أجبره على ذلك ورد بنحو قوله تعالى إنه ليس ~~له سلطان على الذين آمنوا [النحل: 99] وذهب جماعة إلى أنه قال ذلك اختيارا. ~~ثم إنها باطلة أم لا فيه وجهان: أما الأول ففيه طريقان: أحدهما # قول ابن عباس في رواية أن «شيطانا» يقال له الأبيض أتاه على صورة جبريل ~~وألقاها إليه فقرأها فلما سمع المشركون ذلك أعجبهم فجاء جبريل واستعرضه ~~فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة أنكر عليه جبريل فقال: إنه أتاني آت على ~~صورتك فألقاها على لساني. # وثانيهما أنه لشدة حرصه على إيمان القوم أدخل هذه الكلمة من تلقاء نفسه ~~ثم رجع عنها. والطريقان منحرفان عند المحققين، لأن الأول يقتضي أن النبي لا ~~يفرق ms3331 بين الملك المعصوم والشيطان الخبيث. والثاني أنه يؤدي إلى كونه خائنا ~~في الوحي. وأما الوجه الثاني فتصحيحه أنه أراد بالغرانيق الملائكة، وقد كان ~~قرآنا منزلا في وصف الملائكة فلما توهم المشركون أنه يريد آلهتهم نسخ الله ~~تلاوته. أو هو في تقدير الاستفهام بمعنى الإنكار، أو المراد بالإثبات هاهنا ~~النفي كقوله يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] قال الجوهري: الغرنيق ~~بضم الغين وفتح النون من طير الماء طويل العنق، وإذا وصف به الرجال فواحدهم ~~غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون، وغرنوق وغرانق بالضم وهو الشاب السيد ~~والجمع غرانق بالفتح والغرانيق. القول الثاني أن التمني هو تمني القلب ~~ومعنى الآية ما من نبي إلا وهو بحيث إذا تمنى أمرا من الأمور وسوس الشيطان ~~إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي، ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ~~ويهديه إلى ما هو # PageV05P091 # الحق. وما تلك الوسوسة؟ قيل: هي أن يتمنى ما يتقرب به إلى المشركين من ~~ذكر آلهتهم بالخير وقد مر فساده. وقال مجاهد: إنه كان يتمنى إنزال الوحي ~~بسرعة دون تأخير فعرفه الله تعالى أن ذلك خاطر غير رحماني، وإنما المصلحة ~~هي إنزال الوحي على وفق الحوادث. # وقيل: كان يتفكر في تأويل المجمل فيلقي الشيطان إلى جملته ما هو غير ~~مراد، وكان رد الله سبحانه إلى المعنى المراد بإنزال المحكمات. وقيل: معناه ~~إذا أراد فعلا يتقرب به إلى الله حال الشيطان بينه وبين مقصوده والله تعالى ~~يثبته على ذلك نظيره إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون [الأعراف: 201] وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~[الأعراف: 200] واعترض على هذا القول بأن تمني القلب كيف يكون فتنة للذين ~~في قلوبهم مرض وهم المنافقون، وللقاسية قلوبهم وهم المشركون؟ وأجيب بأنه ~~إذا قوي التمني اشتغل الخاطر به فحصل السهو في الأفعال الظاهرة بسببه فيصير ~~ذلك فتنة لمن ضعفت عقيدته في النبي. والحاصل أن الرسل لا ينفكون عن السهو ~~وإن كانوا معصومين عن العمد فعليهم أن لا يتبعوا إلا ما يقطعون ms3332 به لصدوره ~~عن علم وذلك هو المحكم. وذهب أبو مسلم إلى أن حاصل الآية هو أن كل نبي من ~~جنس البشر الذين هم بصدد الخطأ والنسيان من قبل وساوس الشيطان. ووجه النظم ~~بين هذه الآية والتي قبلها أنه أمر بأن يقول إني لكم نذير لكني من البشر لا ~~من الملائكة ولم يرسل الله قبلي ملكا بل أرسل رجالا يوسوس الشيطان إليهم، ~~وعلى هذا فالملائكة لعدم إمكان استيلاء الشيطان عليهم أعظم درجة من ~~الأنبياء وأقوى حالا منهم. وقال صاحب الكشاف: المعنى أن الرسل والأنبياء من ~~قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت وهو أن لا ينزل ما ينفر ~~أمته ولا يوافق هواهم، مكن الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقي في ~~أمنيتك حتى سبق لسانك. فقلت «تلك الغرانيق» إلخ. وسبب التمكين إرادة امتحان ~~من حولهم والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع ~~الفتن ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين. فهذه جملة أقوال ~~المفسرين في الآية. # وأما قوله فينسخ الله فالمراد إزالة تأثير ما يلقي الشيطان وهو النسخ ~~اللغوي لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام وقوله ثم يحكم الله آياته ~~فالمراد بالآيات هي آيات القرآن أي يجعلها بحيث لا يختلط بها شيء من كلام ~~غيره فتكون ثابتة في مظانها، أو يجعلها بحيث لا يتطرق إليها تأويل فاسد ~~معمول به عند الأمة. ويحتمل أن يكون المراد بأحكام الآيات الإرشاد إلى أدلة ~~الأحكام الشرعية. وقوله وإن الظالمين أراد المنافقين والمشركين المذكورين ~~إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم والشقاق # PageV05P092 # البعيد والمعاداة الكاملة. وأعلم أنه سبحانه ذكر لتمكين الشيطان من ~~الإلقاء في الأمنية أثرين: أحدهما في حق غير أهل الإيمان وهم أهل النفاق ~~والشرك وذلك قوله ليجعل الآية. وثانيهما في حق المؤمنين العارفين بالله ~~وصفاته وهو قوله وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق قال مقاتل: يعني ~~القرآن. وعن الكلبي: أي النسخ. قال جار الله: أي تمكين الشيطان من الإلقاء ~~قلت: أما عند الأشاعرة فلأن ms3333 المالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء، وأما عند ~~المعتزلة فلأن أفعاله جارية على وفق الحكمة والتدبير. فتخبت تخضع وتطمئن له ~~قلوبهم بناء على أصلي الفريقين. والصراط المستقيم هاهنا فسروه بالتأويلات ~~الصحيحة والبيانات المطابقة للأصول. قلت: وتفسيره بمعنى أعم من ذلك غير ~~ضائر. ثم بين أن الأعصار إلى قيام الساعة لا تخلو ممن يكون في شك من القرآن ~~والرسول واليوم العقيم. قيل: يوم بدر لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال ~~الملائكة فيه، أو لأنه لا خير فيه للكفار من قولهم «ريح عقيم» إذا لم تنشئ ~~مطرا ولم تلقح شجرا، أو لأن يوم الحرب يقال له «العقيم» من حيث أن أولاد ~~النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو من حيث إن المقاتلين يقال ~~لهم «أبناء الحرب» فإذا قتلوا بقي الحرب بلا أبناء. وعن الضحاك أنه يوم ~~القيامة لأنهم لا يرون فيه خيرا، أو لأن كل ذات حمل تضع فيه حملها، أو لأنه ~~لا ليل فيه فيستمر كاستمرار المرأة على عدم الولادة. ولا تكرار على هذا ~~القول لأن المراد بالساعة مقدماته، أو المراد حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ~~يأتيهم عذابها، فوضع يوم عقيم مقام الضمير. واستحسن بعض الأئمة قول الضحاك ~~ورجحه لأن الأول يلزم منه أن الكفار ينتهي شكهم في يوم بدر وليس كذلك فإنهم ~~في مرية بعد يوم بدر أيضا. ويمكن أن يقال: «أو» للعطف على أول الآية فيكون ~~المراد بالذين كفروا في الأول الجنس، وفي الثاني العهد. # سلمنا أنه للعطف على تأتيهم إلا أن اللام في الذين كفروا للجنس فيقع على ~~الذين ما انتهى شكهم إلى يوم القيامة ويحتمل أن يراد بالساعة وقت موت كل ~~واحد وبعذاب يوم عقيم القيامة. # ثم بين أنه لا مالك يوم تأتي الساعة إلا الله وأنه يحكم بين الناس فيميز ~~بين أهل الجنة وأهل النار. ثم أفرد المهاجرين بالذكر تخصيصا لهم بمزيد ~~التشريف. # يروى أن طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي ~~الله، هؤلاء الذين ms3334 قتلوا قد عملنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك ~~كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله عز وجل والذين هاجروا في سبيل ~~الله ثم قتلوا أو ماتوا # قال بعض المفسرين هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: هم ~~الذين خرجوا من الأوطان في سرية أو عسكر. ولا يبعد حمل # PageV05P093 # الآية على الفريقين. والرزق الحسن نعيم الجنة. وعن الكلبي: هو الغنيمة ~~لأنها حلال. # وقال الأصم: العلم والفهم كقول شعيب ورزقني منه رزقا حسنا [هود: 88] وضعف ~~الوجهان بأنهما ممتنعان بعد القتل أو الموت. قال العلماء: وإنما تظهر هذه ~~الفضيلة للمهاجرين في مزيد الدرجات وإلا فلا بد من شرط اجتناب الكبائر كما ~~في حق غيرهم. # وإن الله لهو خير الرازقين لأن رزق غيره ينتهي إليه وغيره لا يقدر على ~~مثل رزقه، ولأن رزقه لا يختلط بالمن والأذى ولا بغرض من الأغراض الفاسدة، ~~ولأنه يرزق ويعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق من القوى والحواس وغير ذلك من ~~الشرائط الوجودية والعدمية. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله ~~يقدر على الفعل وهو الرزق. ويمكن أن يجاب بأنه مجاز أو على سبيل الفرض ~~والتقدير. وليس في الآية دليل ظاهر على أن المهاجر المقتول والمهاجر الميت ~~على فراشه هل يستويان في الأجر أم لا بل المعلوم منها هو الجمع بينهما في ~~الوعد. وقد يستدل على التسوية بما # روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «المقتول في سبيل الله ~~والمتوفي في سبيل الله بغير قتل هما في الأجر شريكان» # فإن لفظ الشركة مشعر بالتسوية. # وحين بين رزقهم شرع في ذكر مسكنهم. قيل: في المدخل الذي يرضونه خيمة من ~~درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم، لها سبعون ألف مصراع. وقال أبو القاسم ~~القشيري: هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم. وقال ابن عباس: يرون في ~~الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون ~~عنها حولا وإن الله ms3335 لعليم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم حليم عن تفريط ~~المفرط منهم فيمهله حتى يتوب فيدخل الجنة. ثم بين أنه مع إكرامه لهم في ~~الآخرة لا يدع نصرهم في الدنيا قبل أن يقتلوا أو يموتوا فقال ذلك قال ~~الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا ~~أو ماتوا. عن مقاتل: أن قوما من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين ~~بقيتا من المحرم فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام ~~فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر فأبوا ~~وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم وثبت لهم المسلمون فنصروا، فوقع في أنفس ~~المسلمين شيء من القتال في الشهر الحرام فنزل ومن عاقب أي قاتل بمثل ما ~~عوقب به أي كما ابتدئ بقتاله سمى الابتداء باسم الجزاء للطباق وللملابسة من ~~حيث إن ذلك سبب وهذا مسبب عنه ثم بغي عليه أي ثم كان المجازي مبغيا عليه أي ~~مظلوما. ومعنى «ثم» تفاوت الرتبة لأن كونه مبدوأ بالقتال معه نوع ظلم كما ~~قيل «البادي أظلم» وهو موجب لنصرته ظاهرا إلا أن كونه في نفس # PageV05P094 # الأمر مظلوما هو السبب الأصلي في النصرة. وعن الضحاك أن الآية مدنية وهي ~~في القصاص والجراحات. واستدل الشافعي بها في وجوب رعاية المماثلة في القصاص ~~فقال: # من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه. وفي ختم الآية بذكر العفو والمغفرة وجوه ~~منها: أن المندوب للمجني عليه هو أن يعفو عن الجاني كقوله فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله [الشورى: 40] وكأنه قال: أنا ضامن لنصرته إن ترك الانتقام ~~وطلب إكثار ما هو أولى به فإني عفو غفور. ومنها أنه ضمن النصر على الباغي ~~ولوح بذكر هاتين الصفتين بما هو أولى بالمجني عليه وهو العفو والصفح. ومنها ~~أنه دل بذكرهما على أنه قادر على العقوبة لأن العفو عند المقدرة. ثم بين أن ~~ذلك النصر بسبب أنه قادر ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في ~~الليل، وذلك أن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، أو أراد تحصيل أحد ~~العرضين ms3336 الظلام والضياء في مكان الآخر وقد مر في أوائل آل عمران. وفيه أن ~~خالق الليل والنهار ومصرف الأدوار والأكوار لا يخفى عليه شيء من الزمانيات ~~خيرا أو شرا إنصافا أو بغيا وأكد هذا المعنى بقوله أن الله سميع بصير يسمع ~~أقوال الخلائق ويبصر أفعالهم. # ثم بين أن كمال القدرة والعلم هو يقتضي وجوب الوجود فقال ذلك أي الوصف ~~بخلق الملوين وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أن الحقية منحصرة في ذاته وأن ~~وجود غيره ولا سيما الأوثان موسوم بالبطلان فلا نقص كالإمكان. ويعلم مما ~~ذكر أنه لا شيء أعلى منه شانا وأكبر سلطانا. وإنما قال هاهنا من دونه هو ~~الباطل بزيادة هو وفي «لقمان» من دونه الباطل [الآية: 30] لأن هذا وقع بين ~~عشر آيات كل آية مؤكدة مرة أو مرتين ولهذا أيضا زيدت اللام في قوله وإن ~~الله لهو الغني الحميد بخلاف ما في «لقمان» وأيضا يمكن أن يقال: تقدم في ~~هذه السورة ذكر الشيطان فلهذا ذكرت هذه المؤكدات بخلاف «لقمان» فإنه لم ~~يتقدم ذكر الشيطان هناك بنحو ما ذكر هاهنا. ثم ذكر أنواعا أخر من دلائل ~~قدرته ونعمته فقال ألم تر قيل: هي رؤية البصر لأن نزول الماء من جهة السماء ~~أو اخضرار النبات من المبصرات. وقيل: بمعنى العلم لأن الرؤية إذا لم يقترن ~~بها العلم لم يعتد بها. وفي قوله فتصبح دون أن يقول فأصبحت مناسبا ل أنزل ~~إشارة إلى بقاء أثر المطر زمانا طويلا وإن كان ابتداء الإصباح عقيب النزول ~~نظيره قول القائل: «أنعم فلان علي عام كذا فأروح وأغدو شاكرا له» . ولو ~~قال: «فرحت وغدوت» لم يقع ذلك الموقع. وإنما لم ينصب فتصبح جوابا للاستفهام ~~لإيهام عكس ما هو المقصود لأنه يوهم نفي الاخضرار كما لو قلت لصاحبك: ألم ~~تراني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته أوهمت أنك ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وإن ~~رفعته فأنت مثبت لشكره بطريق الاستمرار ولا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة ~~إلى # PageV05P095 # دليل الإعادة كما في أول السورة وهذا قول أبي مسلم. ms3337 إن الله لطيف خبير ~~قال الكلبي: # لطيف في أفعاله خبير بأعمال خلقه، وقال مقاتل: لطيف باستخراج النبت خبير ~~بكيفية خلقه. وقال ابن عباس: لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من ~~القنوط وقد مر مثل هذه في أواسط «الأنعام» . ثم بين أن كل ما في السموات ~~والأرض ملكه وملكه لا يمتنع شيء منها من تصرفاته، وهو غني عن كل ذلك وإنما ~~خلقها لحاجة المكلفين إليها ومن جملتها المطر والنبات خلقها رحمة للحيوانات ~~وإنعاما عليها. وإذا كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه كان مستحقا للحمد ~~بل هو حميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون. ### | التأويل: # وكأين من قرية قالب أهلكناها بضيق الصدر وسوء الخلق واستيلاء الغفلة. ~~وبئر معطلة هي القلب الفارغ عن أعمال القوى الروحانية في طلب المعارف ~~والحقائق وقصر مشيد وهو الرأس الخالي عن نتائج الفكر الصافي والحواس ~~السليمة أفلم يسيروا في أرض البشرية عابرين على منازل السالكين إلى أن ~~يصلوا إلى مقام القلب فتكون لهم قلوب يعقلون بها الرحمن بذاته أو آذان قلوب ~~يسمعون بها أقواله أو أبصار بصائر يبصرون بها أفعاله. وإذا صح وصف القلب ~~بالسمع والبصر صح وصفه بسائر وجوه الإدراكات، فقد يدرك نسيم الإقبال بمشام ~~السر # كقوله «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن» «1» # وكقول يعقوب إني لأجد ريح يوسف [يوسف: 94] ولن يخلف الله وعده ليس خلفه ~~في وعيد المؤمنين بخلف في الحقيقة لأنه تصديق # قوله «سبقت رحمتي غضبي» «2» # وإن يوما عند ربك كألف سنة قيل: لأنه موجد الزمان وليس عنده صباح ولا ~~مساء فوجود الزمان وعدمه وكثرته وقلته سواء عنده والاستعجال وضده إنما ~~يتصور في المتزمنات قلت: ففيه أن الكل بإرادته وإن ما أراد الله فأسبابه ~~متهيئة يحصل في يوم بإرادته ما لا يحصل في ألف سنة بحسب فرضنا وتقديرنا ومن ~~هنا قيل: جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين أمليت لها فيه أنه تعالى ~~يمهل ولكنه لا يهمل لهم مغفرة أي ستر فمنهم من يستر زلته، ومنهم من يستر ~~عليه أعماله الصالحة صيانة ms3338 له عن الملاحظة، ومنهم من يستر عليه حاله لئلا ~~يصيبه من الشهوة فتنة كما قيل: # لا تنكرن جحدي هواك فإنما ... ذاك الجحود عليك ستر مسبل PageV05P096 # ومنهم من يستره بين أوليائه في باب العزة كما قال «أوليائي تحت قبابي لا ~~يعرفهم غيري» ومنهم من يستر أنانيته بهويته فيقول أنا الحق وسبحاني. والرزق ~~الكريم هو الخالي عن شوائب الحدوث لأنه من القديم الكريم إلا إذا تمنى فيه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم بل الولي لا يليق به التمني بل ما على الرسول ~~إلا البلاغ ولا على الولي إلا الرضا والتسليم، فلو بقي في أحدهم أدنى ~~ملاحظة لغير الله كالحرص على إيمان القوم فوق ما أمر به ابتلاه الله ببلاء ~~مجال الشيطان في أمنيته بقول أو بعمل، فتدركه العناية الأزلية ويزيل الخاطر ~~الشيطاني ويثبته على الخاطر الرحماني، ولا يكون لدخان الفتنة تأثير في نور ~~يقينه كما لا تأثير للضباب في شعاع الشمس بخلاف من في قلبه ظلم الشبهات فإن ~~ذلك الدخان يزيدها كدورة ورينا حتى تأتيهم ساعة سلب الاستعداد بالكلية، أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم هو الأبد لأنه لا ليل له وهو عذاب قطيعة لا وصلة ~~بعدها والذين هاجروا عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ثم قتلوا بسيف الصدق ~~والرياضة حتى تزكوا أنفسهم أو ماتوا عن أوصاف البشرية ليرزقنهم الله رزقا ~~حسنا فرزق القلوب حلاوة العرفان. ورزق الأسرار مشاهدات الجمال، ورزق ~~الأرواح مكاشفات الجلال. وإن الله لهو خير الرازقين لأنه يرزق من أوصاف ~~ربوبيته كما # قال صلى الله عليه وسلم «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» # ومن عاقب بالمجاهدة نفسه بمثل ما عاقبت النفس بالمخالفة قلبه ثم بغي عليه ~~أي غلبت النفس على القلب باستيلاء صفاتها لينصرنه الله باستئصال النفس ~~وتمحيق صفاتها إن الله لعفو لما سلف غفور لما بقي في نفوس الطالبين من ~~الأنانية. يولج ليل السر في نهار التجلي وبالعكس، أو يولج ليل القبض في ~~نهار البسط، أو ليل الهيبة في نهار الأنس أنزل من سماء القلب ماء الحكمة ~~فتصبح أرض ms3339 البشرية مخضرة بالشريعة وأرض القلوب والأرواح والأسرار بالعلوم ~~والكشوف والأنوار والله أعلم بالصواب. ### | [سورة الحج (22) : الآيات 65 الى 78] # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم (65) وهو الذي ~~أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن ~~جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما ~~كنتم فيه تختلفون (69) # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على ~~الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم ~~بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ~~(73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في ~~الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم ~~هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء ~~على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم ~~المولى ونعم النصير (78) PageV05P097 ### | القراآت: # ما لم ينزل من الإنزال ابن كثير وأبو عمرو وسهل. والآخرون بالتشديد يصطون ~~بالصاد مثل بصطة [الآية: 247] في البقرة الذين يدعون بياء الغيبة: # سهل ويعقوب. ### | الوقوف: # بأمره ط بإذنه ط رحيم ms3340 ه أحياكم ز لأن «ثم» لترتيب الأخبار يحييكم ه ط ~~لكفور ه إلى ربك ط مستقيم ه تعملون ه تختلفون ه والأرض ط في كتاب ط يسير ه ~~علم ط نصير ه المنكر ط آياتنا ط ذلكم ط النار ط كفروا ط المصير ه فاستمعوا ~~له ط اجتمعوا له ط منه ط والمطلوب ه قدره ط ومن الناس ط بصير ه خلفهم ط ~~الأمور ه تفلحون ه ج للآية مع العطف جهاده ط حرج ط إبراهيم ط الناس ج للعطف ~~مع الفاء بالله ط مولاكم ط النصير ه. ### | التفسير: # إن من جملة نعم الله تعالى على عباده تسخير الأرضيات وتذليلها لهم، فلا ~~أصلب من الحديد والحجر، ولا أشد نكاية من النار وقد سخرها للإنسان وسخر لهم ~~الأنعام أيضا ينتفعون بها بالأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر ~~إليها أفلا ينظرون إلى # PageV05P098 # الإبل كيف خلقت # [الغاشية: 17] وسخر لهم الدواب، وغيرها وسخر لهم الفلك حال كونها جارية ~~بأمره وهو تهيئة الأسباب المعاونة ودفع الأشياء المضادة لسهولة جريها. ولا ~~ريب أن الانتفاع بالأرضيات لا يتأتى إلا بعد الأمن من وقوع السماء على ~~الأرض، فمن الله تعالى على المكلفين بأن حفظها كيلا تقع أو كراهة أن تقع ~~على الأرض وذلك بمحض الاقتدار عند أهل الظاهر، أو بأن جعل طبعها هو الإحاطة ~~بما في ضمنها إذ لا خفة فيها ولا ثقل ولهذا خصت بالحركة على المركز. وفي ~~قوله إلا بإذنه إشارة إلى أن الأفلاك ستنخرق وتنشق فتقع على الأرض، ويحتمل ~~أن يقال: توقيف الوقوع على الإذن لا يوجب حصول الإذن، فالانخراق والانشقاق ~~لا يستفاد من هذه الآية. ثم ذكر الإنسان مبدأه ومعاده فقال وهو الذي أحياكم ~~نظيره قوله في أول البقرة كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم [الآية: # 28] وقد سبق هنالك. وفي قوله إن الإنسان لكفور زجر لهم عن الكفران بطريق ~~التوبيخ. وعن ابن عباس أنه الكافر. وبعضهم جعله أخص فقال: هو أبو جهل ~~وأضرابه، والأولى إرادة الجنس، ثم عاد إلى بيان أن أمر التكاليف مستقر ms3341 على ~~ما في هذه الشريعة فقال لكل أمة الآية. قال في الكشاف: إنما فقد العاطف ~~هاهنا بخلاف نظرائها في السورة لأن تلك مناسبة لما تقدمها وهذه مباينة لها. ~~قلت: وذلك لأن من هاهنا إلى آخر السورة عودا بعد ذكر المعاد إلى الوسط الذي ~~هو حالة التكليف، والأقرب أن المنسك في هذه الآية هو الشريعة كقوله لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [المائدة: 48] وهو قول ابن عباس في رواية عطاء. ~~وقيل: أراد مكانا معينا وزمانا لأداء الطاعات. وقال مجاهد: هو الذبائح ولا ~~وجه للتخصيص هاهنا والأمة أعم من أن تكون قد بقيت آثارهم أو لم تبق. أما ~~الضمير في قوله فلا ينازعنك فلا بد من رجوعه إلى الأمم الباقية آثارهم في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال الزجاج: إنه نهي له عن منازعتهم كما تقول «لا يضاربنك فلان» أي لا ~~تضار به. وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمنا. وقال في الكشاف: هو نهي لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أي لا تلتفت إلى قولهم ولا تمكنهم من أن ينازعوك، ~~أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنازعة في أمر ~~الدين وكانوا يقولون في الميتة «ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله ~~الله» . ومنه يعلم استقرار أمر الديانة على هذه الشريعة وأن على كل أمة من ~~الأمم التي بقيت منها بقية أن يتبعوه ويتركوا مخالفته فلذلك قال: وادع إلى ~~ربك أي لا تخص بالدعوة أمة دون أمة فإن كلهم أمتك إنك لعلى هدى مستقيم أي ~~على دين وسط ودليل ظاهر. وإن أبوا إلا الجدال فكل أمرهم إلى الله قائلا ~~الله أعلم بما تعملون وفيه وعيد وإنذار مخلوط برفق ولكن الله يحكم بينكم أي ~~يفصل بين المؤمنين والكافرين منكم، ويحتمل أن يكون من تتمة المقول وأن يكون ~~ابتداء خطاب من الله سبحانه للأمم. ألم تعلم خطاب لكل # PageV05P099 # عالم أو للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد تقوية قلبه وإلا فالرسالة لا ~~تكون إلا بعد العلم بكونه ms3342 تعالى عالما بكل المعلومات وإلا اشتبه عليه ~~الصادق بالكاذب. إن ذلك الذي ذكر وهو كل ما في السماء والأرض في كتاب قال ~~أبو مسلم: أراد به الحفظ والضبط كالشيء المكتوب، والجمهور على أنه حقيقة ~~وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه. ولعل في تلك الكتابة لطفا للملائكة لأن ~~مطابقة تلك الأشياء المكتوبة لما سيحدث إلى الأبد من أدل دليل على كونه ~~عالم الذات ولذلك قال إن ذلك الكتب على الله يسير وهذا تصوير لضده وهو ~~صعوبة مثل ذلك على غيره وإلا فلا مدخل لليسر والصعوبة في كمال قدرته. # وحين بين كمال ألوهيته قطع شأن أهل الشرك بقوله ويعبدون الآية والمراد ~~أنهم لم يتمسكوا في صحة عبادته بدليل سمعي ولا علم ضروري وقوله وما ~~للظالمين من نصير الظلم الشرك، والنصرة إما بالشفاعة أو بالحجة ولا حجة إلا ~~للحق وهو كقوله في آخر آل عمران وما للظالمين من أنصار [الآية: 192] وقد ~~مر. والمنكر دلائل الغيظ والحنق. # وقال جار الله: هو الفظيع من التجهم والبسور أو هو الإنكار كالمكرم بمعنى ~~الإكرام وقال الكلبي: أراد أنهم كرهوا القرآن مع وضوح دلائله. وقال ابن ~~عباس: هو التجبر والترفع. # وقال مقاتل: أنكروا أن يكون من الله تعالى. السطو الوثب والبطش أي يهمون ~~بالبطش والوثوب لعظم إنكار ما تلي عليهم. وقوله من ذلكم إشارة إلى غيظهم ~~على التالين أو إلى همهم. ثم إنه كأن سائلا قائلا ما ذلك الشر فقيل النار ~~أي هو النار. قلت: وذلك أن حرارة الغيظ والسطو تشبه حرارة النار ولكن هذه ~~أقوى ولا سيما نار جهنم. ثم استأنف للنار حكما فقال وعدها الآية. ويحتمل أن ~~تكون النار مبتدأ ووعدها خبرا. ثم ضرب للأصنام مثلا فقال يا أيها الناس ضرب ~~مثل إنما قال بلفظ الماضي لأنه معلوم من قبل لكل ذي عقل. والمثل بمعنى ~~المثل استعاروه لجملة من الكلام مستغربة مستفصحة متلقاة بالرضا والقبول أهل ~~للتسيير والإرسال وذلك أنهم جعلوا مضربها مثلا لموردها، ثم استعاروا هذا ~~المستعار للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لتماثلها في ms3343 الغرابة وهذا هو ~~الذي قصد في الآية: فاستمعوا له أي تدبروه وحق له ذلك فإن السماع المجرد لا ~~نفع له. قال جار الله: محل ولو اجتمعوا له نصب على الحال كأنه قال مستحيل ~~أن يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا فكيف لو انفردوا؟ وأقول: ~~الظاهر أن «لو» هذه للمبالغة وجوابه محذوف لدلالة ما تقدم عليه تقديره، ولو ~~اجتمعوا لخلق الذباب لن يخلقوه أيضا، وليس من شرط كل جملة أن يكون لها محل. ~~ثم زاد لعجزهم وضعفهم تأكيدا بقوله وإن يسلبهم الذباب الآية. بمعنى أترك ~~أمر الحلق والإيجاد وتكلم فيما هو أسهل من # PageV05P100 # ذلك، إن هذا الحيوان الضعيف الذي لا قدرة لهم على خلقه لو سلب منهم شيئا ~~لم يقدروا أيضا على استخلاص ذلك الشيء منه. عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون ~~الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من ~~الكوى فيأكله. وقيل: سمي الذباب ذبابا لأنه كلما ذب آب. ثم عجب من ضعف ~~الأصنام والذباب بقوله ضعف الطالب والمطلوب فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب ~~خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه. وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب ~~هو الصنم أو عبادته، ويجوز أن يكون الطالب هو السالب والمطلوب المسلوب منه. # ثم بين أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة بهذه المثابة ما قدروا ~~الله حق قدره أي ما عرفوه حق معرفته وقد مر مثله في «الأنعام» . إن الله ~~لقوي عزيز قادر غالب فكيف يسوي بينه وبين العاجز المغلوب في العبادة وهي ~~نهاية التعظيم. وذلك أنهم لو اعتقدوا كون تلك الأصنام طلسمات موضوعة على ~~الكواكب فإذا لم تنفع نفسها في المقدار المذكور فلأن لا تنفع غيرها أولى، ~~وإن اعتقدوا أنها تماثيل الملائكة أو الأنبياء فلا يليق بها غاية الخضوع ~~التي يستحقها خالق الكل. وحين رد على أهل الشرك معتقدهم في الإلهيات أراد ~~أن يرد عليهم عقيدتهم في النبوات وهي أن الرسول لا يكون بشرا فقال الله ~~يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فالملك رسول إلى النبي والنبي ms3344 رسول إلى ~~سائر البشر قاله مقاتل. هاهنا سؤالان: الأول أن «من» للتبعيض فتفيد الآية ~~أن بعض الملائكة رسل فيكون مناقضا لقوله جاعل الملائكة رسلا [فاطر: 1] ~~والجواب أن الموجبة الجزئية لا تناقض الموجبة الكلية، أو أراد بهذا البعض ~~من هو رسول إلى بني آدم وهم أكابر الملائكة ولا يبعد أن يكون بعض الملائكة ~~رسلا إلى بعض آخر منهم. وثانيهما أنه قال في موضع آخر لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء [الزمر: 4] وقد نص في هذه الآية أن بعض الناس ~~مصطفى فيلزم من مجموع الآيتين أنه قد اصطفى ولدا. والجواب أن تلك الآية دلت ~~على أن كل ولد مصطفى ولكن لا يلزم من هذه الآية أن كل مصطفى ولد فمن أين ~~يحصل ما ادعيت؟ والتحقيق أن الموجبتين في الشكل الثاني لا ينتجان هذا، ~~ويحتمل أن تكون هذه الآية مسوقة للرد على عبدة الملائكة كما كانت الآية ~~المتقدمة للرد على عبدة الأصنام إذ يعلم من هذا أن علو درجة الملائكة ليس ~~لكونهم آلهة بل لأن الله اصطفاهم للرسالة حين كانوا أمناء على وحيه لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # ثم بين علو شأنه وكمال علمه وإحاطته بأحوال المكلفين ما مضى منها وما ~~غبر، وأن # PageV05P101 # مرجع الأمور كلها إليه، وفي كل ذلك زجر عن الإقدام على المعصية وبعث على ~~الجد في الطاعة فلا جرم صرح بالمقصود قائلا يا أيها الذين آمنوا والظاهر ~~أنه خطاب مختص بالمؤمنين ويؤكده قوله بعد ذلك هو اجتباكم هو سماكم المسلمين ~~وقيل: عام لكل المكلفين لأن المأمورات بعده لا تختص ببعض الناس دون بعض ~~والتخصيص بالذكر للتشريف فإنهم الذين قبلوا الخطاب. ودل بالركوع والسجود ~~على الصلاة لأنهما ركنان معتبران. وقيل: كان الناس أول ما أسلموا يسجدون ~~بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود ذكره ابن ~~عباس. # قال جار الله: عن عقبة بن عامر قال: # قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا ~~تقرأهما. ms3345 # وعن عبد الله بن عمر: فضلت سورة الحج بسجدتين. وهو مذهب الشافعي. وأما ~~أبو حنيفة فلا يرى هذه سجدة لأنه قرن الركوع بالسجود قال: فدل ذلك على أنها ~~سجدة صلاة لا سجدة تلاوة، قدم الصلاة لأنها أشرف العبادات ثم عمم فأمر ~~بالعبادة مطلقا، ثم جعل الأمر أعم وهو فعل الخيرات الشامل للنوعين التعظيم ~~لأمر الله والشفعة على خلق الله كأنه قال: # كلفتكم الصلاة بل كلفتكم ما هو أعم منها وهو العبادة، بل كلفتكم أعم وهو ~~فعل الخيرات على الإطلاق. وقيل: معناه واعبدوا ربكم اقصدوا بركوعكم وسجودكم ~~وجه الله عز وجل. # وعن ابن عباس أن فعل الخير صلة الأرحام ومكارم الأخلاق. ومعنى لعلكم ~~تفلحون افعلوا كل ذلك راجين الفلاح وهو الظفر بنعيم الآخرة لا متيقنين ذلك ~~فإن الإنسان قلما يخلو في أداء فرائضه من تقصير والعواقب أيضا مستورة. ثم ~~أمره بخلاف النفس والهوى في جميع ما ذكر وهو الجهاد الأكبر فقال وجاهدوا في ~~الله أي في ذاته ومن أجله حق جهاده أي حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه ~~فإضافة الجهاد إلى الله من قبيل التوسعة ولأدنى ملابسة من حيث إن الجهاد ~~فعل لوجهه. وقيل: هو أمر بالغزو، أمروا أن يجاهدوا آخرا كما جاهدوا أولا ~~فقد كان جهادهم في الأول أقوى وكانوا فيه أثبت نحو صنيعهم يوم بدر. وعن عمر ~~أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: أما علمت أنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق ~~جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله؟ فقال عبد الرحمن: ومتى ذلك يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. قال ~~العلماء: لو صحت هذه الرواية فلعل هذه الزيادة من تفسير الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ليست من نفس القرآن وإلا لتواترت. وأما عبارات المفسرين فعن ابن ~~عباس: حق جهاده أي لا تخافوا في الله لومة لائم. وقال الضحاك: اعملوا لله ~~حق عمله. وقال آخرون: استفرغوا ما في وسعكم في إحياء دين الله وإقامة حدوده ~~باليد واللسان وجميع ما يمكن، وردوا ms3346 أنفسكم عن الهوى والميل. وعن # PageV05P102 # مقاتل والكلبي: أن الآية منسوخة بقوله فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: ~~16] كما أن قوله اتقوا الله حق تقاته [آل عمران: 102] منسوخ بذلك. وضعف بأن ~~التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى التزام النسخ. ثم عظم شأن المكلفين ~~بقوله هو اجتباكم أي اختاركم لدينه ونصرته وفيه تشريف كقوله وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا [البقرة: 143] ثم كان لقائل أن يقول: التكليف وإن كان تشريفا إلا ~~أن فيه مشقة على النفس فقال وما جعل عليكم في الدين من حرج أي ضيق وشدة ~~وذلك بأنه فتح باب التوبة ووسع على المكلفين بأنواع الرخص والكفارات ~~والديات والأروش. يروى أن أبا هريرة قال: كيف قال سبحانه وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج مع أنا منعنا عن الزنا والسرقة؟ فقال ابن عباس: بلى ولكن ~~الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم. قالت المعتزلة: لو خلق الله فيه ~~الكفر ثم نهاه عنه كان ذلك من أعظم الحرج. وعورض بأنه نهاه عن الكفر مع أنه ~~علم ذلك منه، وكأنه أمره بقلب علم الله جهلا وهو أعظم الحرج. # ثم أثنى على هذه الأمة بقوله ملة أبيكم أي أعني الدين ملة أبيكم، ويجوز ~~أن ينتصب بمضمون ما تقدم كأنه قيل: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم فأقام المضاف ~~إليه مقام المضاف، وإنما كان إبراهيم أبا هذه الأمة لأنه أبو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وكل نبي أبو أمته. والمراد أن التوحيد والحنيفية هي مما ~~شرعه إبراهيم. هو أي الله أو إبراهيم سماكم المسلمين من قبل أي في سائر ~~الكتب أو في قوله ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [البقرة: 128] وفي هذا القرآن ~~أما إن كان المسمى هو الله فظاهر، وأما إن كان هو إبراهيم فلعله أراد أن ~~حكاية دعائه مذكورة في القرآن. وقوله ليكون الرسول متعلق بقوله هو اجتباكم ~~أي فضلكم على الأمم لهذا الغرض نظيره قوله في البقرة وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا [الآية: # 143] والأصل تقديم الأمة كما في «البقرة» لأن الخطاب معهم وليقع الختم ~~على شهادة ms3347 الرسول كما هو الواقع إلا أنه عكس الترتيب في هذه السورة ليناط ~~به قوله فأقيموا الصلاة والمراد إذ خصكم بهذه الكرامة فاعبدوه واعتصموا ~~بدلائله العقلية والسمعية أو بألطافه وعنايته. قال ابن عباس: سلوا الله ~~العصمة عن كل المحرمات. وقال آخرون: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون فهو خير ~~مولى وناصر. استدلت المعتزلة بالآية في قولهم إنه يريد الإيمان من الكل من ~~وجوه: الأول أنه أراد أن يكونوا شهداء ولن يكونوا كذلك إلا إذا آمنوا، ~~الثاني أنه لا يمكن الاعتصام به إلا إذا لم يوجد منه الشر البتة. الثالث ~~أنه لو خلق في عباده الكفر والمعاصي لم يكن نعم المولى. وأجيب بعد تسليم ~~إرادة الإيمان من الكل أن إرادة الشيء إن كانت مستلزمة لإرادة لوازمه ~~فإرادة الإيمان من الكفار تستلزم أن يكون الله تعالى مريدا # PageV05P103 # لجهل نفسه. وإن لم تستلزم فقد سقط السؤال وأيضا الاعتصام به إنما يكون ~~منه # كقوله «أعوذ بك منك.» «1» # وأيضا إنه خلق الشهوة في قلب الفاسق وخلق المشتهي وقربه منه ودفع المانع ~~وسلط عليه شياطين الإنس والجن، فلو لم تكن كل هذه مقتضية لكونه بئس المولى ~~لم يكن خلق الكفر أيضا مقتضيا لذلك. ### | التأويل: # سخر لكم ما في أرض البشرية من الصفات الحيوانية والشيطانية، وسخر فلك ~~الواردات المغيبة تجري في بحر القلب، ويمسك سماء القلب أن تقع على أرض ~~النفس بأن تتصف بصفاتها إلا بإذنه بقدر ما أباحه الشرع من ضروريات المأكول ~~والملبوس وغيرهما وهو الذي أحياكم بازدواج الروح إلى القالب ثم يميتكم عن ~~صفات البشرية ثم يحييكم بنور الصفات الرحمانية فلا ينازعنك في أمرك فإن لك ~~مع الله وقتا لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولكل قوم رتبة لا ~~يتجاوزونها إن الذين يدعون من دون الله كالأصنام الظاهرة والباطنة لن ~~يطلعوا على كيفية خلق الذباب، وإن يسلبهم ذباب هواجس النفس شيئا من صفاء ~~القلب وجمعية الوقت ضعف الطالب وهو القلب غير المؤيد بنور الإيمان والمطلوب ~~وهو النفس والشيطان اركعوا بالنزول عن مرتبة الإنسانية إلى خضوع ms3348 الحيوانية: ~~ومنهم من يمشي على أربع [النور: 45] واسجدوا بالنزول إلى مرتبة الحيوانية ~~والنجم والشجر يسجدان [الرحمن: 6] واعبدوا ربكم بجعل الطاعة خالصة له ~~وافعلوا الخير بمراقبة الله في جميع أحوالكم لعلكم تفلحون بالوصال. وجاهدوا ~~في الله حق جهاده فجهاد النفس بتزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ، وجهاد ~~القلب بتصفيته وقطع تعلقه عن الكونين، وجهاد الروح بتحليته بإفناء الوجود ~~في وجوده هو اجتباكم لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أنه اجتباكم ~~ما اهتديتم إليه كما قيل: # فلولاكم ما عرفنا الهوى وما جعل عليكم في دين العشاق. وهو السير إلى الله ~~من ضيق # «من تقرب إلي شبرا PageV05P104 # تقربت إليه ذراعا» «1» # والسير إلى الله من سنة إبراهيم إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99] ~~هو سماكم المسلمين في الأزل وهو في هذا الطور. وإنما قدم الرسول لأن روحه ~~في طرف الأزل مقدم «أول ما خلق الله روحي» فهو مشرف وقتئذ على أرواح أمته ~~وبعد ذلك خلقت أرواح أمته مشرفين على أرواح غيرهم. وفي سورة البقرة اعتبر ~~طرف الأبد فوقع الختم على الرسول وعلى شهادته فأقيموا الصلاة بدوام السير ~~والعروج إلى الله والتعظيم لأمره وآتوا الزكاة بدعوة الخلق إلى الله ~~والشفقة عليهم واعتصموا بحبل الله حتى تصلوا إليه هو متولي أفنائكم عنكم ~~فنعم المولى في إفناء وجودكم ونعم النصير في إبقائكم بربكم والله أعلم وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وذرياته وسلم تسليما ~~كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين. # تم الجزء السابع عشر، ويليه الجزء الثامن عشر وأوله تفسير سورة المؤمنون ~~PageV05P105 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثامن عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة المؤمنون) # (مكية وحروفها 4840 كلمها 1840 آياتها 118 ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 30] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو ~~معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) # والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون ms3349 (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) # أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم ~~خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) # ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16) ولقد خلقنا ~~فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر ~~فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من ~~نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) # وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20) وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ~~(21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ~~ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) # إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) قال رب انصرني بما كذبون ~~(26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار ~~التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني ~~منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) # إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30) # PageV05P106 ### | القراآت: # لأمانتهم على التوحيد: ابن كثير على صلاتهم موحدة: حمزة وعلي وخلف. ~~وعظاما العظم موحدين على إرادة الجنس أو على وضع الواحد مكان الجمع لعدم ~~اللبس: ابن عامر وأبو بكر وحماد وجبلة الأول موحدا والثاني مجموعا: # زيد عن يعقوب. وروى القطعي عن أبي زيد بالعكس فيهما. الباقون مجموعين ~~سيناء بكسر السين: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير. ms3350 الآخرون بفتحها. ~~تنبت من الإنبات: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب غير روح. الآخرون بفتح التاء ~~وضم الباء من النبات. # تسقيكم بفتح النون: نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. بالتاء ~~الفوقانية: # يزيد: الباقون بضم النون. منزلا بفتح الميم وكسر الزاء: أبو بكر وحماد. ~~الآخرون بضم الميم وفتح الزاء. ### | الوقوف: # المؤمنون ه لا خاشعون ه لا معرضون ه لا فاعلون ه لا حافظون ه ملومين ه ~~لاعتراض الاستثناء بين الأوصاف ولاستحقاق الشرط الابتداء ولطول الكلام وإلا ~~فالآيتان من أوصاف المؤمنين أيضا العادون ه ج راعون ه لا يحافظون ه وإلا ~~لأوهم تخصيص الإرث بالمذكورين في الآيتين فقط الوارثون ه لا الفردوس ط ~~خالدون ه طين ج ه للعدول عن المظهر إلى كناية عن غير مذكور فإن المراد من ~~الإنسان آدم، ومن الهاء في جعلناه جنس ولده مع عطف ظاهر مكين ه ج للعطف ~~لحما صلى وقد قيل للابتداء بإنشاء نفخ الروح تعظيما آخر ط الخالقين ه ط لأن ~~«ثم» لترتيب الأخبار فإن بين الإحياء والإفناء مهلة لميتون ه ط لذلك ~~لقادرون ه للآية مع اتصال المعنى بلفظ الفاء وأعناب لئلا يوهم أن الجار ~~والمجرور وصف أعناب تأكلون ه لا لأن شجرة مفعول فأنشأنا للآكلين ه لعبرة ط ~~لأن الجملة بعدها ليست بصفة لها تأكلون ه لاحملون # ه ط غيره ط تتقون ه مثلكم لا لأن قوله يريد صفة بشر عليكم ط ملائكة ج ~~لانقطاع النظم مع اتحاد المقول الأولين ج ه للآية مع اجتناب الابتداء بقول ~~الكفار مع اتحاد مقصود الكلام حين ه كذبون ه التنور ه لا لأن ما بعده جواب ~~فإذا منهم ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الاستثناء ظلموا ج للابتداء بأن مع ~~احتمال # PageV05P107 # إضمار اللام والفاء للتعليل مغرقون ه الظالمين ه المنزلين ه لمبتلين ه. ### | التفسير: # لما انجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في ~~هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ~~ومحاسن العادات. «وقد» نقيضة «لما» لأنها تثبت ms3351 المتوقع و «لما» تنفيه، ولا ~~شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح ~~لهم. وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول «البقرة» . ~~وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله ~~من أفعال الجوارح كالسكون، وترك الالتفات، والنظر إلى موضع السجود، والتوقي ~~عن كف الثوب أي جمعه، والعبث بجسده وثيابه، والتمطي والتثاؤب والتغميض ~~وتغطية الفم، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه، ~~والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى، والاختصار وهو أن يمسك بيده ~~عصا أو سوطا ونحوهما. # قال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في ~~صلاتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فلما نزلت هذه الآية ~~طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه، # وهذا الخشوع واجب عند المحققين. نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن ~~بشر الحافي: من لم يخشع فسدت صلاته. وعن الحسن: كل صلاة لا يحضر فيها القلب ~~فهي إلى العقوبة أسرع. وعن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمدا ~~وهو في الصلاة فلا صلاة له. وروي عنه مرفوعا: إن العبد ليصلي الصلاة لا ~~يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها. وادعى عبد ~~الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته. ومما ~~يدل على صحة هذا القول قوله سبحانه أفلا يتدبرون القرآن [النساء: 82] ~~والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قوله وأقم الصلاة لذكري ~~[طه: 14] والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال ولا تكن من الغافلين [الأعراف: 205] ~~وقوله حتى تعلموا ما تقولون [النساء: 43] نهي للسكران إلا أن المستغرق في ~~هموم الدنيا بمنزلته. # وقوله صلى الله عليه وسلم «المصلي يناجي ربه» # ولا مناجاة مع الغفلة أصلا بخلاف سائر أركان الإسلام فإن المقصود منها ~~يحصل مع الغفلة، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير، وكذا الصوم ~~قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدو ms3352 الله، وكذا الحج فإن أفعاله شاقة ~~وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضرا. والمتكلمون ~~أيضا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا: لأن السجود لله تعالى ~~طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بد من ~~مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور. # PageV05P108 # وأما الفقهاء فالأكثرون منهم لا يوجبون ذلك فيقال لهم: هبوا أنه ليس من ~~شرط الإجزاء وهو عدم وجوب القضاء، أليس هو من شرط القبول الذي يترتب عليه ~~الثواب؟ فمن استعار ثوبا ثم رده على أحسن الوجوه فقد خرج عن العهدة، وكذا ~~إن رده على وجه الإهانة والاستخفاف إلا أنه يستحق المدح في الصورة الأولى ~~والذم في الصورة الثانية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال ~~صلى الله عليه وسلم لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. # ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوجني الحور العين. # فقال: بئس الخاطب أنت قلت: لا ريب أن الاحتياط إنما هو في رعاية جانب ~~الخشوع كما حكي عن بعض العلماء أنه اختار الإمامة فقيل له في ذلك؟ فقال: ~~أخاف إن تركت الفاتحة أن يعاتبني الشافعي. وإن قرأت مع الإمام أن يعاتبني ~~أبو حنيفة، فاخترت الإمامة طلبا للخلاص عن هذا الخلاف. قال علماء المعاني: ~~سبب إضافة الصلاة إليهم هو أن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى لأجله، ~~فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فمتعال عن ~~ذلك. ولما كان اللغو هو الساقط من القول أو الفعل احتمل أن يقع في الصلاة، ~~وأيضا كان الإعراض عنه من باب التروك كما أن الخشوع وهو استعمال الآداب وما ~~لا يصح ولا تكمل الصلاة إلا به كان من باب الأفعال وعلى الفعل والترك بناء ~~قاعدة التكليف فلا جرم جعلهما قرينين فقال والذين هم عن اللغو معرضون ~~واللغو على ما قلنا يشمل كل ما كان حراما أو مكروها أو مباحا لا ms3353 ضرورة إليه ~~ولا حاجة قولا أو فعلا. # فمن الحرام قوله تعالى حكاية عن الكفار لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~[فصلت: # 26] فإن ذلك اللغو كفر والكفر حرام. ومن المباح قوله لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم [البقرة: 225] ولو لم يكن مباحا لم يناسبه عدم المؤاخذة. ~~والإعراض عن اللغو هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه كما قال ~~عز من قائل وإذا مروا باللغو مروا كراما [الفرقان: 72] ثم وصفهم بفعل ~~الزكاة وهو مناسب للصلاة. وليس المراد بالزكاة هاهنا عين القدر المخرج من ~~النصاب لأن الخلق لا قدرة لهم على فعلها فلا يصح المعنى إلا بتقدير مضاف أي ~~لأداء الزكاة فاعلون، بل المراد فعل المزكي الذي هو التزكية. # فقوله للمزكي فاعل الزكاة كقولك للضارب فاعل الضرب. وعن أبي مسلم أنه حمل ~~الزكاة هاهنا على كل فعل محمود مرضي كقوله قد أفلح من تزكى [الأعلى: 14] ~~والأول أقرب لأنه مناسب لعرف الشرع. الصفة الرابعة قوله والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم قال الفراء: «على» بمعنى «عن» وقال غيره: هو في ~~موضع الحال أي إلا والين أو قوامين على أزواجهم نظيره قولهم «كان زياد على ~~البصرة» أي واليا عليها، والمعنى أنهم # PageV05P109 # مستمرون على حفظ الفروج في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم. أو ~~تعلق الجار بمحذوف يدل عليه غير ملومين كأنه قيل: يلامون على كل من ~~يباشرونه إلا على أزواجهم فإنهم غير ملومين عليهن. وجوز في الكشاف أن يكون ~~صلة لحافظين من قولهم «احفظ علي عنان فرسي» على تضمينه معنى النفي أي لا ~~تسلط علي فرسي. وإنما لم يقل «أو من ملكت» لأنه اجتمع في السرية وصفان: ~~الأنوثة التي هي سبب نقصان العقل وكونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع فمن ~~ابتغى حدا وراء ذلك الحد الذي شرع وهو إباحة أربع من الحرائر وما شاء من ~~الإماء وكفى به حدا فسيحا فأولئك هم الكاملون في العدوان المتناهون فيه. # قيل: لا دليل فيه على تحريم نكاح المتعة لأنها من جملة ms3354 الأزواج إذا صح ~~النكاح. # ومنع من أنها من الأزواج ولو كانت زوجة لورث منها الزوج لقوله ولكم نصف ~~ما ترك أزواجكم [النساء: 12] ولورثت منه لقوله ولهن الربع [النساء: 12] ثم ~~الآية من العمومات التي دخلها التخصيص بدلائل أخر فيخرج منها الغلام بل ~~الوطء في الدبر على الإطلاق لأنه ليس موضع حرث، وكذا الزوجة والأمة في ~~أحوال الحيض والعدة والإحرام ونحوها. وقال أبو حنيفة: الاستثناء من النفي ~~ليس بإثبات # فقوله «لا صلاة إلا بطهور» «ولا نكاح إلا بولي» # لا يقتضي حصول الصلاة والنكاح بمجرد حصول الطهور والولي، ولا تخصيص عنده ~~في الآية. والمعنى أنه يجب حفظ الفروج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ~~ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات، وهكذا نقله الإمام فخر الدين ~~الرازي في تفسيره. الصفة الخامسة رعاية الأمانة والعهد والمراد بهما الشيء ~~المؤتمن عليه والمعاهد عليه لتمكن رعايتهما، والراعي القائم على الشيء بحفظ ~~وإصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية. # ويحتمل العموم في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة ~~الناس كالعبادات والمعاملات والودائع والقصود والنيات والعقود والنذور ~~والطلاق والعتاق وغيرها، وقد مر في تفسير قوله إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها [النساء: # 58] وقوله يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود [المائدة: 1] ويحتمل الخصوص ~~فيما تحملوه من أمانات الناس وعهودهم. الصفة السادسة محافظة الصلاة كما مر ~~في قوله حافظوا على الصلوات [البقرة: 238] وذلك في «البقرة» وصفوا أولا ~~بالخشوع في صلاتهم وآخرا بالمداومة عليها وبمراقبة أعدادها وأوقاتها فرائض ~~كانت أو سننا، رواتب أو غيرها. فالمحافظة أعم من الخشوع وأشمل، ومن هنا ~~يعرف فضيلة الصلاة إذ وقع الافتتاح بها والاختتام عليها وإن اختلف ~~الاعتباران والعبارتان. أولئك هم الوارثون الأحقاء بأن # PageV05P110 # يسموا وراثا دون من عداهم ممن يرث مالا فانيا أو متاعا قليلا أو ممن يدخل ~~الجنة سواهم كالاطفال والمجانين والفساق بعد العفو وكالولدان والحور. ثم ~~بين الموروث بقوله الذين يرثون الفردوس وقد سبق معنى هذه الوراثة في ~~«الأعراف» في قوله ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها [الأعراف: ms3355 43] قال ~~الفقهاء: لا فرق في الميراث بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر ملكه فيه ولذلك ~~قالوا للدية إنها ميراث المقتول. وكل من في الجنة فله مسكن مفروض في النار ~~على تقدير كفره، وكل من في النار فله مسكن مفروض في الجنة على تقدير إيمانه ~~كما ورد في الحديث، فإذا تبادل المسكنان كان جميع أهل الجنة وارثين، ولكن ~~كل الفردوس لا يكون ميراثا بل بعضه ميراث وبعضه بالاستحقاق إلا أنه يصدق ~~بالجملة أنهم ورثوا الفردوس أي الجنة ولهذا أنث الضمير في قوله هم فيها ~~خالدون وقيل: إن الجنة كانت مسكن أبينا آدم عليه السلام فإذا انتقلت إلى ~~أولاده كان شبيها بالميراث. والفردوس بلسان الحبشة أو الروم هو البستان ~~الواسع الجامع لأصناف الثمر. روي أن الله عز وجل بنى جنة الفردوس لبنة من ~~ذهب ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر. # وروى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الفردوس ~~مقصورة الرحمن فيها الأنهار والأشجار» # وعن أبي أمامة مرفوعا «سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل ~~الفردوس يسمعون أطيط العرش» # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لما خلق الله تعالى جنة عدن ~~قال لها: تكلمي. # فقالت: قد أفلح المؤمنون» # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا أحسن العبد الوضوء وصلى ~~الصلاة لوقتها وحافظ على ركوعها وسجودها ومواقيتها قالت: حفظك الله كما ~~حافظت علي وتشفع لصاحبها. فإذا أضاعها قالت: ضيعك الله كما ضيعتني وتلف كما ~~يلف الثوب ويضرب بها على وجه صاحبها» # قالت العلماء: أما كلام الجنة فالمراد به أنها أعدت للمتقين كقوله قالتا ~~أتينا طائعين [فصلت: 11] وكذا الكلام في كلام «طوبى» . وأما أنه تعالى خلق ~~الجنة بيده فالمراد تولى خلقها وإيجادها من غير واسطة. وأما حديث الصلاة ~~فلا ريب أنها حركات وسكنات ولا يصح عليها التكلم فالمراد به ضرب المثل ~~كقولك للمنعم عليك «إن إحسانك إلي ينطق بالشكر» . # ولما حث عباده على العبادات ووعدهم الفردوس على مواظبتها عاد إلى تقرير ms3356 ~~المبدأ والمعاد ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين وهو ثلاثة أنواع: الأول ~~الاستدلال بأطوار خلق الإنسان والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ~~وهذا البناء للقلة ولما يسقط عن الشيء كالقلامة. قال ابن عباس وعكرمة ~~وقتادة ومقاتل: المراد آدم لأنه استل من الطين، والكناية في جعلناه راجعة ~~إلى الإنسان الذي هو ولد آدم أي جعلنا جوهره نطفة وقال آخرون: # PageV05P111 # الإنسان هاهنا هو ولد آدم والطين اسم آدم والسلالة هي الأجزاء الكلية ~~المبثوثة في أعضائه التي تجتمع منيا في أوعيته، ويحتمل أن يقال: إن كل نسل ~~آدم حاله كذلك لأن غذاءه ينتهي إلى النبات المتولد من صفو الأرض والماء ~~المسمى بالسلالة. ثم إن تلك السلالة تصير منيا وعلى هذا فكلتا لفظي «من» ~~للابتداء. قال في الكشاف: الأولى للابتداء والثانية للبيان وهو موجه على ~~التفسير الأول فقط. والقرار المستقر أراد به الرحم. وإنما وصفت بالمكين ~~لمكانتها في نفسها فإنها مكنت حيث هي وأحرزت، أو على الإسناد المجازي ~~باعتبار المستقر فيها كقولك «طريق سائر» . وترتيب الأطوار كما مر في أول ~~الحج. ومعنى «ثم» في بعض هذه المعطوفات تراخي الرتبة ولا سيما في قوله ثم ~~أنشأناه خلقا آخر أي خلقا مباينا للخلق الأول حيث جعله حيوانا وكان جمادا ~~إلى غير ذلك من دقائق اللطف وغرائب الصنع وذلك بعد استكماله ثلاثة ~~أربعينات. ومن هنا ذهب أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده إلى أنه يضمن ~~البيضة ولا يرد الفرخ لأنه خلق آخر سوى البيضة. وروى العوفي عن ابن عباس أن ~~ذلك تصريف الله في أطواره بعد الولادة من الطفولية وما بعدها إلى استواء ~~الشباب وخلق الفهم والعقل فيه يؤيده قوله ثم إنكم بعد ذلك لميتون ويروى هذا ~~القول أيضا عن مجاهد وابن عمر فتبارك الله كثر خيره وبركته أو هو وصف له ~~بالدوام والبقاء أو بالتعالي لأن البركة يرجع معناها إلى الامتداد وكل ما ~~زاد على الشيء فقد علاه. # ومعنى أحسن الخالقين أحسن المقدرين تقديرا فحذف المميز للعلم به. قالت ~~المعتزلة: # في الآية دلالة على أن ms3357 كل ما يفعله الله فهو حسن وحكمة فلا يكون خالقا ~~للكفر والمعاصي. # وأجيب بأن الحسن هاهنا بمعنى الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف وبأنه ~~لا يقبح منه شيء لأنه تعالى يتصرف في ملكه. قالوا: لولا أن غيره تعالى خالق ~~لم تحسن هذه الإضافة فيعلم منه أن العبد خالق أفعاله. وعورض بقوله الله ~~خالق كل شيء [الزمر: 62] وأجيب بأن المراد أنه أحسن الخالقين في زعمكم ~~واعتقادكم. وبعضهم أجاب بأن وجه حسن الإضافة هو أنه تعالى وصف عيسى بأنه ~~يخلق من الطين كهيئة الطير ولا يخفى ضعف هذا الجواب من أنه يلزم إطلاق ~~الجمع على الواحد ومن حيث إنه يلزم إطلاق الخالق على المصورين. والحق أن ~~الخلق لو كان بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد لا يلزم منه شيء من هذه ~~الإشكالات. # روي أن عبد الله بن أبي سرج كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنطق ~~بذلك قبل إملائه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هكذا نزلت. ~~فقال عبد الله: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا يوحى إليه فأنا نبي ~~يوحى إلي فلحق بمكة كافرا ثم أسلم يوم الفتح. # وروي عن عمر أيضا سبق لسانه بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين قبل أن ~~ينزل. # واعلم أن هذا غير مستبعد ولا قادح في إعجاز القرآن لأنه ليس بمقدار سورة ~~الكوثر التي وقع فيها أقل التحدي به. # PageV05P112 # سؤال: ما الحكمة في الموت وهلا وصل تعيم الدنيا بنعيم الآخرة ليكون في ~~الأنعام أبلغ؟ جواب لو كان كذلك لكان الآتي بالطاعة آتيا بها لمحض الجنة ~~والثواب فلا جرم أوقع الله تعالى الإماتة والإعادة في البين لتكون الطاعات ~~أدخل في الإخلاص وأبعد عن صورة المبايعة. وليس في ذكر الحياتين نفي الثالثة ~~وهي حياة القبر فتعرف تلك بدليل آخر. # ويمكن إن يقال: بل الآية تتضمنها فإنها أيضا من جنس الإعادة. النوع ~~الثاني: الاستدلال بخلق السموات قال الخليل والفراء والزجاج: سميت السموات ~~طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل. وقال علي بن عيسى: لأنها ms3358 ~~طرق الملائكة ومتقلباتهم. وقيل: # لأنها طرائق الكواكب فيها مسيرها وما كنا عن الخلق أي عن السموات وحفظها ~~أن لا تقع على الأرض قاله سفيان بن عيينة. وعن الحسن أراد بالخلق الناس أي ~~ما كنا غافلين عن مصالحهم فخلقنا الطرائق فوقهم لينزل منها عليهم البركات ~~والأرزاق ولينتفعوا بغير ذلك من منافعها. ويحتمل أن يريد بالأول كمال قدرته ~~وبالثاني كمال علمه بأحوال مخلوقاته وفيه نوع من الزجر. ويمكن أن يراد ~~خلقنا السموات وما كنا عن خلقها ذاهلين فلهذا لم تخرج عن التقدير الذي ~~أردنا كونها عليه نظيره ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت [الملك: 3] النوع ~~الثالث: الاستدلال بنزول الأمطار وإخراج النبات وإنشاء الحيوانات. ونزول ~~المطر عند الظاهرين من أهل الشرع لا يبعد أن يكون من نفس السماء، وعند ~~أرباب المعقول منهم يراد به إنزاله من جهة السماء قالوا: إنه سبحانه يصعد ~~الأجزاء المائية من البحر بواسطة التبخير فتصير في الجو صافية عذبة زائلة ~~عنها ملوحة البحر، ثم ينزلها بواسطة السحب وقد سلف في أول البقرة تفصيل ~~ذلك. ومعنى بقدر بتقدير يسلمون معه من المضار ويصلون إلى المنافع، أو ~~بمقدار يوافق حاجاتهم. ومعنى إسكان ماء المطر في الأرض جعله مددا للينابيع ~~والآبار. وقيل: أراد إثباته في الأرض على ما روي عن ابن عباس أن الأنهار ~~خمسة: # سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها الله من عين واحدة من عيون ~~الجنة واستودعها الجبال وأجراها في الأرض. وإنا على ذهاب به لقادرون أي كما ~~قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه. ولهذا ~~التنكير حسن موقع لا يخفى إذ فيه إيذان على أن الذاهب به قادر على أي وجه ~~أراد، وفيه تحذير من كفران نعمة الماء وتخويف من نفاذه إذا لم يشكر. # ثم لما نبه على عظم نعمته بخلق الماء بين المنافع الحاصلة بسببه وخص منها ~~النخيل والأعناب وشجرة الزيتون لأنها أكرم الشجر وأعمها نفعا، ووصف النخل ~~بأن ثمرهما جامع لأمرين: التفكه والتطعم. وجوز في الكشاف أن يكون قوله ~~ومنها تأكلون ms3359 من # PageV05P113 # قولهم «فلان يأكل من حرفة كذا» كأنه قال: ومن هذه الجنان وجوه أرزاقكم ~~ومعايشكم. # ووصف الزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا. قال جار الله: ~~طور سيناء وطور سينين إما أن يكون الطور فيه مضافا إلى بقعة اسمها سيناء ~~وسينون، وإما أن يكون المجموع اسما للجبل وهو جبل فلسطين على قول والطور ~~الذي منه نودي موسى. من قرأ سيناء بفتح السين فهو كصحراء، ومن قرأ بكسرها ~~فمنع صرفه للعلمية والعجمة أو التأنيث بتأويل البقعة ولا يكون ألفه حينئذ ~~للتأنيث كعلباء وحرباء. قال في الكشاف بالدهن في موضع الحال والباء ~~للمصاحبة دون التعدية، لأن نبات الدهن أو إنباته لا يكاد يستعمل. فالمعنى ~~تنبت الشجرة وفيها الدهن أو تنبت الشجرة زيتونها وفيه الزيت. ويجوز أن يكون ~~أنبت بمعنى نبت أيضا، والصبغ الإدام لأنه يصبغ الخبز. قلت: لا يبعد أن يريد ~~بالصبغ نفس ثمر الزيتون لا الزيت، وكذا يحتمل أن تكون الباء في بالدهن ~~للتعدية إلا أن يكون الإنبات متعديا. قال المفسرون: إنما أضافها الله تعالى ~~إلى هذا الجبل لأنها منه تشعبت في البلاد وتفرقت أو لأن معظمها هنالك. قوله ~~وإن لكم في الأنعام لعبرة قد مر في «النحل» . ولعل القصد بالأنعام هاهنا ~~الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ولأنه قرنها بالفلك وهي سفائن ~~البر كما أن الفلك سفائن البحر. وإنما قال في هذه السورة. # فواكه كثيرة بالجمع بخلاف ما في «الزخرف» لتناسب قوله هنا منافع كثيرة ~~ولتناسب قوله جنات كما قال هنالك فاكهة [الرحمن: 11] على التوحيد لتناسب ~~قوله وتلك الجنة [مريم: 63] وإنما قال هنا في الموضعين ومنها تأكلون بزيادة ~~الواو خلاف الزخرف لأن تقدير الآية: منها تدخرون ومنها تأكلون ومنها تبيعون ~~ومنها ومنها، وليس كذلك فاكهة الجنة فإنها للأكل فحسب فافهم. واعلم أنه لما ~~انجر الكلام إلى ذكر الفلك أتبعه قصة نوح لأنه أول من ألهم صنعتها، وفيه ~~أيضا تمزيج القصص بدلائل التوحيد على عادة القرآن لأجل الاعتبار والتنشيط. ~~وقوله ما لكم من إله غيره جملة مستأنفة تجري مجرى ms3360 التعليل للأمر بالعبادة. ~~ومعنى أفلا تتقون أفلا تخافون أن تتركوا عبادة من هو لوجوب وجوده مستحق ~~العبادة ثم تذهبوا فتعبدوا ما ليس بهذه الصفة بل هو في أخس مراتب الإمكان ~~وهي الجمادية. # ثم حكى الله سبحانه عنهم شبها: الأولى قولهم ما هذا إلا بشر مثلكم إنكار ~~كون الرسول من جنس البشر أو إنكار كونه مثلهم في الأسباب الدنيوية من المال ~~والجاه والجمال كأنهم ظنوا أن القرب من الله يوجب المزية في هذه الأمور ~~ويتأكد هذا الاحتمال بالشبهة الثانية وهي قوله يريد أن يتفضل عليكم أي ~~يتكلف طلب الفضل والرياسة عليكم نظيره وتكون لكما الكبرياء في الأرض [يونس: ~~78] ويتأكد الاحتمال الأول بالشبهة الثالثة # PageV05P114 # وهي قوله ولو شاء الله لأنزل ملائكة لعلو شأنهم ووفور علمهم وكمال قوتهم. ~~وقد حكى هذه الشبهة عن أقوام آخرين في «حم السجدة» قالوا لو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة [فصلت: # 14] خص هذه السورة باسم الله على الأصل ولتقدم ذكر الله وخص تلك السورة ~~باسم الرب لتقدم ذكر الرب في قوله ذلك رب العالمين [فصلت: 9] وهم من جملة ~~العالمين قالوه إما اعتقادا وإما استهزاء. الشبهة الرابعة الاعتصام بحبل ~~التقليد ما سمعنا بهذا أي بمثل هذا الكلام أو بمثل هذا المدعي فيجوز أن ~~يكونوا صادقين في ذلك للفطرة المتداولة، ويجوز أن يكونوا تجاهلوا وتكذبوا ~~لانهماكهم في الغي وتشمرهم لدفع الحق وإفحام النبي صلى الله عليه وسلم بأي ~~وجه يمكنهم يؤيده الشبهة الخامسة وهي نسبتهم إياه إلى الجنون مع علمهم ~~ظاهرا بأنه أرجح الناس عقلا ورزانة. قال جار الله: الجنة الجنون أو الجن أي ~~به جن يخبلونه، وهذا بناء على زعم العوام أن المجنون ضر به الجن. ثم رتبوا ~~على هذه الشبهة قولهم فتربصوا به حتى حين أي اصبروا عليه إلى أن ينكشف ~~جنونه ويفيق أو إلى أن يموت أو يقتل. وهذه الشبهة من باب الترويج على ~~العوام فإنه عليه السلام كان يفعل أفعالا على خلاف عاداتهم. وكان رؤساؤهم ~~يقولون للعوام: إنه مجنون لينفروهم عنه وليلبسوا عليهم أمره. ويحتمل أن ~~يكون ms3361 هذا كلاما مستأنفا وهو أن يقولوا لقومهم اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا ~~فالله ينصره ويقوي أمره فنحن حينئذ نتبعه، وإن كان كاذبا فالله يخذله ويبطل ~~أمره فحينئذ نستريح منه. واعلم أنه سبحانه لم يذكر جواب شبهاتهم لركاكتها ~~ولأنه قد علم في هذا الكتاب الكريم أجوبتها غير مرة ولو جعلناه ملكا ~~لجعلناه رجلا [الأنعام: 9] قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا [الإسراء: 95] أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم [القصص: 66] أولو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون [البقرة: 170] وإذا بطل طريقة التقليد صار حديث التربص ~~ضائعا يجب قبول قول من يدعي النبوة بعد ظهور المعجزة من غير توقف. ثم حكى ~~أن نوحا عليه السلام لما علم إصرارهم على الكفر قال رب انصرني أي أهلكهم ~~بسبب تكذيبهم إياي ففي نصرته إهلاكهم، أو انصرني بدل تكذيبهم إياي كقولك ~~«هذا بذاك» والمراد بدلني من غم التكذيب سلوة النصرة أو انصرني بإنجاز ما ~~كذبوني فيه وهو وعد العذاب في قوله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم [الأعراف: ~~59] وباقي القصة إلى قوله إنهم مغرقون قد مر تفسير مثلها في سورة هود. # ومعنى فاسلك أدخل فيها وقد مر في أول الحجر في قوله كذلك نسلكه [الآية: ~~12] وسبق عليه القول نقيض سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101] لأن «على» # PageV05P115 # تستعمل في الضار كما أن اللام تستعمل في النافع. وقد جاء زيادة منهم ~~هاهنا على الأصل وحذفت في «هود» ليحسن عطف ومن آمن من غير التباس وبشاعة. ~~قيل: في قوله بأعيننا على الجمع فساد قول المشبهة إن الله خلق آدم على ~~صورته. أما قوله فإذا استويت أي ركبت واستوليت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~لم يقل «فقولوا» لأن أول الكلام مبني على خطاب نوح، ولأن قول النبي قول ~~الأمة مع ما فيه من الإشعار بفضله ومن إظهار الكبرياء وأن كل أحد لا يليق ~~لخطاب رب العزة. وفي الأمر بالحمد على هلاكهم تقبيح صورة الظلمة ms3362 كقوله فقطع ~~دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [الأنعام: 45] وإنما جعل ~~سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزما لأنه كان عرفه أن ذلك سبب ~~نجاتهم من الاشتراك مع الظلمة في حكم الإهلاك. ثم أمره أن يسأل ما هو أهم ~~وأنفع أن ينزله في السفينة بدليل عطف فقل على جزاء فإذا استويت أو ينزله في ~~الأرض عند خروجه من السفينة لأنه لا يبعد أن يدعو عند ركوب السفينة بما ~~يتعلق بالخروج منها منزلا أي إنزالا أو موضع إنزال يبارك له فيه بزيادة ~~إعطاء خير الدارين وقد أمره أن يشفع بالدعاء الثناء المطابق للمسألة وهو ~~قوله وأنت خير المنزلين أي إنزالا وذلك أنه أقدر على الحفظ وأعلم بحال ~~النازل بل كل منزل فإنه لا يقدر على إيصال الخير إلى النازل إلا بإقداره ~~وتمكينه وإلقاء تلك الداعية في قلبه إن في ذلك الذي ذكر من القصة لآيات ~~لعبرا ودلالات لمن اعتبر وادكر فإن إظهار تلك المياه العظيمة والذهاب بها ~~إلى مقارها لا يقدر عليها إلا القدير الخبير وإن كنا هي المخففة من الثقيلة ~~واللام في لمبتلين هي الفارقة. والمعنى وإن الشأن والقصة كما مبتلين أي ~~مصيبين قوم نوح ببلاء الغرق أو مختبرين بهذه الآيات من يخلفهم لننظر من ~~يعتبر كقوله ولقد تركناها آية فهل من مدكر [القمر: 15] وقيل: المراد كما ~~يعاقب بالغرق من كفر فقد يمتحن به من لم يكفر على وجه المصلحة لا التعذيب، ~~فليس الغرق كله على وجه واحد. ### | التأويل: # الفلاح الظفر والفوز والبقاء أي ظفر المؤمنون بالإيمان الحقيقي المقيد ~~بجميع الشرائط بنفوسهم ببذلها في الله، وفازوا بالوصول إلى الله وبقوا به ~~بعد أن فنوا فيه. # الخشوع في الظاهر انتكاس الرأس وغض العين واستماع الأذن وقراءة اللسان ~~ووضع اليمين على الشمال كالعبيد، واعتدال الظهر في القيام وانحناؤه في ~~الركوع وثبات القدمين. # والخشوع في الباطن سكون النفس عن الخواطر والهواجس وحضور القلب لمعاني ~~القراءة والأذكار ومراقبة السر بترك الالتفات إلى المكونات، واستغراق الروح ~~في بحر المحبة وذوبانه عند تجلي ms3363 صفات الجمال والجلال. واللغو كل ما يشغلك ~~عن الله. والزكاة تزكية # PageV05P116 # النفس عن الأخلاق الذميمة بل عن حب الدنيا لأنه رأس كل خطيئة إلا على ~~أزواجهم في كلمة «على» دلالة على أنهم يجب أن يستولوا على الأزواج لا ~~بالعكس وإلا كن عدوا لهم كقوله إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم ~~[التغابن: 14] وعلامة الاستيلاء على الأزواج أن يبتغي بالنكاح النسل ورعاية ~~السنة في أوانها لا حظ النفس وإلا كان متجاوزا طريق الكمال لأمانتهم يعني ~~التي حملها الإنسان وعهدهم هو عهد الميثاق في الأزل يحافظون الفرق بين ~~المحافظة والخشوع، أن الخشوع معتبر في نفس الصلاة، والمحافظة معتبرة فيها ~~وفيما قبلها من الشرائط وفيما بعدها وهو أن لا يفعل ما يحبطها ويضيعها ~~الوارثون لأنهم أحياء القلوب وقد نالوا من المراتب ما خلفتها أموات القلوب ~~من سلالة لأنه سل من جميع أجزاء الأرض فجاء مختلف الألوان والأخلاق حسب ~~اختلاف أجزاء الطين. بل بحسب اختلاف المركبات من الطين. ففيه حرص الفأرة ~~والنملة، وشهوة الحمار والعصفور، وغضب الفهد والأسد، وكبر النمر، وبخل ~~الكلب، وشره الخنزير، وحقد الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة. وفيه شجاعة ~~الأسد، وسخاوة الديك، وقناعة البوم، وحلم الجمل، وتواضع الهرة، ووفاء ~~الكلب، وبكور الغراب، وهمة البازي ونحوها من الأخلاق الحميدة فتبارك الله ~~أحسن الخالقين لأنه خلق أحسن المخلوقين. أما من حيث الصورة فلأنه تعالى خلق ~~من نطفة متشابهة الأجزاء بدنا مختلف الأبعاض والأعضاء كاللحم والشحم والعظم ~~والعروق والشعر والظفر والعصب والعروق والمخ والأنف والفم واليد والرجل ~~وغيرها مما يشهد لبعضها علم التشريح. وأما من حيث المعنى فلأنه خلق الإنسان ~~مستعدا لحمل الأمانة التي أبى حملها السموات والأرض والجبال وسيجيء تحقيق ~~ذلك في موضعه ثم إنكم بعد ذلك لميتون إلى قوله تبعثون فيه أن الإنسان قابل ~~لموت القلب ولموت النفس ولحشرهما. وفي موت أحدهما حياة الآخر وحشره. وموت ~~القلب عبارة عن انغماسه وتستره في حجب الغواشي الآتية عليه من طرق الحواس ~~الظاهرة وحاستي الوهم والخيال فلذلك قال ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق هي ms3364 ~~الأغشية والحجب من الجهات المذكورة وما كنا عن مصالح الخلق غافلين فلا نترك ~~العبد في تلك الحجب بدليل قوله وأنزلنا من السماء سماء العناية ماء الرحمة ~~بقدر استعداد السالك فأسكناه في أرض وجوده فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~المعارف وأعناب الكشوف وشجرة الخفي الذي يخرج من طور سيناء الروح بتأثير ~~تجلي أنوار الصفات تنبت بدهن حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة ~~لأنه سر بين الله وبين الروح. وصبغ لآكل الكونين بقوة الهمة. ثم أخبر عن ~~نعم الغالب أن فيها منافع # PageV05P117 # لأنها آلة تحصيل الكمال عليها وعلى # فلك الشريعة في سفر السير إلى الله حملون # وتأويل قصة نوح قد مر في سورة هود والله أعلم. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 31 الى 56] # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا ~~لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) # هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) ~~قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40) # فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا ~~من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم ~~أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم ~~أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا ~~وسلطان مبين (45) # إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين ~~مثلنا وقومهما لنا عابدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد ~~آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما ~~إلى ربوة ذات قرار ومعين (50) # يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني ms3365 بما تعملون عليم (51) ~~وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين (55) # نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56) ### | القراآت: # هيهات هيهات بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح ~~عنه. وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما. الباقون بفتح التاء فيهما ~~في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء تترا بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ~~ويزيد والوقف بالألف لا غير. الباقون بالياء في الحالين وأن هذه بفتح ~~الهمزة وسكون النون: ابن عامر وإن بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف. ~~الآخرون وأن بالفتح والتشديد زبرا بفتح الباء: عباس. الآخرون بضمها. ### | الوقوف: # آخرين ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى غيره ط تتقون ه الدنيا لا لأن ما ~~بعده مقول القول مثلكم لا لأن ما بعده صفة بشر تشربون ه # PageV05P118 # لخاسرون ه مخرجون ه لما توعدون ه بمبعوثين ه لأن الكل مقول الكفار وباب ~~رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح بمؤمنين ه ط بما كذبون ه نادمين ج ه ~~للآية مع حسن الوصل تصديقا لقوله عما غثاء ط تفخيما للكلمة التبعيدية ~~بالابتداء مع فاء التعقيب. الظالمين ه آخرين ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها ~~لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم يستأخرون ه ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار. ~~تترا ط منونا قرىء أولا للابتداء بكلما أحاديث ج لما ذكر في غثاء لا يؤمنون ~~ه مبين ه لا لتعلق الجار عالين ه ج للآية مع الفاء عابدون ه ج لذلك ~~المهلكين ه يهتدون ه ومعين ه صالحا ط عليم ه ط لمن قرأ وإن بالكسر فاتقون ه ~~زبرا ط فرحون ه حين ه وبنين ه لا لأن نسارع مفعول ثان للحسبان الخيرات ط لا ~~يشعرون ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم ~~على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ms3366 ولقوله تعالى في الأعراف واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح [الآية: 69] وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا ~~بالصيحة وقد قال الله تعالى في هذه القصة فأخذتهم الصيحة ومعنى فأرسلنا ~~فيهم جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا «بإلى» وضمن الإرسال ~~معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله ~~قال بعضهم: قوله أفلا تتقون غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن ~~كذبوه وردوا عليه الحجة. والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله ~~وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان. قال جار الله: ~~إنما قال في هذه السورة وقال الملأ بالواو وفي الأعراف قال الملأ الذين ~~كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة [الآية: 66] بغير واو ومثله في سورة هود ~~قالوا يا هود ما جئتنا ببينة [الآية: 53] لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين ~~على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق ~~وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله. وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم ~~الجار والمجرور أعني قوله من قومه على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول ~~الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله من قومه متعلق بالدنيا. ~~ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب. ومعنى أترفناهم ~~أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى. وقوله مما تشربون أي من الذي ~~تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه. ثم أكدوا شبهتهم أن ~~الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ولئن أطعتم «واذن» واقع في جزاء الشرط ~~وجواب لقومهم # PageV05P119 # أي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ~~ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم. ~~ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله أيعدكم الآية. قال جار ~~الله: ثني «أنكم» للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف ومخرجون خبر الأول أو أنكم ~~مخرجون مبتدأ معناه إخراجكم وخبره إذا ms3367 متم والجملة خبر الأول أو أنكم ~~مخرجون في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب «إذا» والجملة ~~الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود أيعدكم أنكم إذا متم ثم أكدوا ~~الاستفهام الإنكاري بقولهم هيهات ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي ~~التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله لما توعدون قال جار ~~الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت ~~اللام في هيت لك [يوسف: 23] لبيان المهيت به. وقال الزجاج: هو في تقدير ~~المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون. ثم بين إترافهم ~~بأنهم قالوا إن هي إلا حياتنا أي إلا هذه الحياة لأن «إن» النافية دخلت على ~~«هي» العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في ~~«الأنعام» . وإنما زيد في هذه السورة قوله نموت ونحيا لأن هذه الزيادة ~~لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس ~~المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن ~~آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه ~~قولهم وما نحن بمبعوثين. ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من ~~الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه البتة فلا ~~جرم قال هو داعيا عليهم كما دعا نوح على قومه رب انصرني بما كذبون قال الله ~~مجيبا له أي عما زمان قليل قصير ليصبحن جعل صيرورتهم نادمين دليلا على ~~إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته ~~وذلك وقت إيمان اليأس. وزيادة «ما» لتوكيد قصر المدة والصيحة صيحة جبريل ~~كما سلف في الأعراف وفي «هود» ومعنى بالحق بالعدل كقولك «فلان يقضي بالحق» ~~وعلى أصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك. والغثاء حميل السيل ~~مما بلي واسود من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم أو في ~~احتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء ms3368 العذاب عليهم ~~باستيلاء # السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء. ثم دعا عليهم بالهلاك في الدارين بقوله ~~فبعدا للقوم الظالمين كما مر في سورة هود. وفيه وضع الظاهر موضع المضمر ~~تسجيلا عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحا بخلاف ما يجيء من ~~قوله فبعدا لقوم لا يؤمنون لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ~~ثم أنشأنا # PageV05P120 # من بعدهم قرونا آخرين # والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في ~~«الأعراف» وفي «هود» وغيرهما. وعن ابن عباس أنهم بنو إسرائيل. والمعنى إنا ~~بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا ~~مقام من كانوا قبلهم. ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ما ~~تسبق من أمة أي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي ~~الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفيه أن المقتول ميت ~~بأجله. وقال الكعبي: معنى الآية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ~~ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عنادا، ~~وأنهم لا يلدون مؤمنا، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في ~~هلاكهم. ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في ~~التكذيب كان واحدا، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضا في الإهلاك. ~~والتاء في تترا بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحدا بعد ~~واحد، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه جميعا فلذلك جاء في القرآن ~~«رسلنا» و «رسلهم» و «رسولها» وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعا له من ~~غير لفظه، ومنه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون جمعا للأحدوثة من ~~لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخبارا يسمعونها ~~ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية. ثم ذكر ~~طرفا من قصة موسى عليه السلام. عن الحسن بآياتنا أي بديننا كيلا يلزم منه ~~تكرار ms3369 لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات ~~التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان ~~هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها. # ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، ~~أو يراد به تسلط موسى عليه السلام في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان ~~يقيم لهم وزنا. ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم. أما الصفة فهي ~~الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ~~ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، ~~وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما ~~وهم بنو إسرائيل خدما وعبيدا لهم. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان ~~لملك عابدا له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة ~~وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على الواحد وعلى الجمع. والمثل ~~يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. ويقال أيضا: هما مثلاه وهم ~~أمثاله. ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا ~~لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك. ثم حكى ما # PageV05P121 # جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ولقد آتينا موسى الكتاب أي التوراة ~~لعلهم يهتدون ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه. والمعنى ~~أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن ليهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع ~~البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد ~~إهلاك القبط بدليل قوله ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون ~~الأولى [القصص: 43] وفي قوله في أول «البقرة» وإذ نجيناكم من آل فرعون إلى ~~قوله وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة [الآية: 51] والقصة مشهورة. فالصحيح أنه ~~ذكر موسى وأراد قومه كما يقال «هاشم وثقيف» ويراد قومهم نظيره على خوف من ~~فرعون وملائهم [يونس: 83] وقد مر في آخر «يونس» . # ثم أجمل ms3370 قصة عيسى بقوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية وقد مر بيانه في آخر ~~الأنبياء في قوله وجعلناها وابنها آية للعالمين [الآية: 92] قال جار الله: ~~لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى ~~إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر. واللفظ محتمل ~~للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة ~~الثانية عليها. والأقرب حمل اللفظ على الوجه الذي لا يتم إلا بمجموعهما وهو ~~الولادة على الوجه العجيب الناقص للعادة. والربوة بحركات الراء هي الأرض ~~المرتفعة. عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد ~~الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وعن الحسن: فلسطين والرملة. ~~ومثله عن أبي هريرة قال: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ~~ذكرها الله. وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر. والأكثرون على أنها دمشق ~~وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية. وعن قتادة: أراد ذات ثمار ~~وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على ~~وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه «معيون» على «مفعول» وقال الفراء ~~والزجاج: إن شئت جعلته «فعيلا» من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث ~~البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى. وقال جار ~~الله: # ووجه من جعله «فعيلا» أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة. قال ~~المفسرون: # سببب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، ~~وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد ما مات ملكهم. قوله ~~سبحانه يا أيها الرسل ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي ~~تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد ~~السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل حقيق أن # PageV05P122 # يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما # روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت ms3371 إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره صلى الله عليه وسلم وهو صائم ~~فرده الرسول إليها وقال: من أين لك هذا؟ فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من ~~أين هذه الشاة؟ فقالت: # اشتريتها بمالي فأخذه. ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم: بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا ~~صالحا. # وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب ~~الجمع لشرفه وكقوله الذين قال لهم الناس [آل عمران: 173] والمراد نعيم بن ~~مسعود. ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل ~~الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا ~~بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملا صالحا اقتداء بالرسل. وثالثها ~~وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر ذلك بعد ~~انقضاء أخبار الرسل. ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه ~~اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به ~~الأمة كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق: 1] والطيب ما يستطاب ~~ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال. وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى ~~الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل. وفي تقديم ~~الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد ~~أن يكون مسبوقا بأكل الحلال. وفي قوله إني بما تعملون عليم تحذير من مخالفة ~~هذا الأمر. وقال في سورة سبأ إني بما تعملون بصير [الآية: 11] وكلاهما من ~~أسمائه تعالى إلا أنه ورد هاهنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى ~~الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود. # ومن قرأ وإن بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففا ومشددا فعلى ~~حذف لام التعليل والمعلل فاتقون ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار ~~إليه بهذه هو أصول الأديان ms3372 والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها ~~تقوى الله كما ختم به الآية. # والضمير في فتقطعوا راجع إلى أممهم. قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني ~~مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى. ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ~~ملته في وقتها. # وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر ~~مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر ~~بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال فتقطعوا بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي ~~به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم أقوى، فلا يكون ترتيب التقطع ~~على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله زبرا بضم الباء جمع ~~زبور أي حال كونه كتبا مختلفة يعني جعلوا دينهم أديانا ومذاهب # PageV05P123 # شتى. ومن قرأ بفتح الباء فمعناه قطعا استعيرت من زبر الفضة والحديد. ثم ~~أكد الذم بقوله كل حزب بما أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه دينا لنفسه ~~معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر. ثم بالغ في الذم ~~والتهديد بقوله فذرهم في غمرتهم وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ~~يا أيها الرسل هو نبينا صلى الله عليه وسلم وقد يطلق لفظ الجماعة على ~~الواحد تعظيما وتفخيما كقوله إن إبراهيم كان أمة [النحل: 120] والغمرة ~~الماء الذي يغمر القامة. قال جار الله: ضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من ~~جهلهم وغوايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. ~~قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب ~~عرفت الفرق بين الوجهين. قال في الكشاف إلى حين أي إلى أن يقتلوا أو ~~يموتوا. والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا ~~عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر ~~والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهي عن الجزع ~~من تأخير عقابهم. ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله تعالى ms3373 أن ~~ذلك الذي جعله مددا لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم ~~نظيره في آل عمران إنما نملي لهم ليزدادوا إثما [الآية: 178] وما في أنما ~~موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه. وفي قوله بل لا يشعرون أنهم أشباه ~~البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر. ~~وفيه أنه سبحانه أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب ~~الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى. ### | التأويل: # يأكل مما تأكلون لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا ~~يأكلون كما يأكلون. # «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء» # والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام وأهل الله يأكلون ويشربون ~~من مقام «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «1» وقومهما لنا عابدون أي في حال ~~الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها ~~لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ~~وآويناهما يعني مريم النفس وعيسى القلب إلى ربوة القالب الذي فيه قرارهما ~~ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان يا أيها الرسل أي القوى ~~المرسلة إلى القالب. PageV05P124 ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 90] # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) ~~والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم ~~إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) # ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا ~~تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) # مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت ~~آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به ~~جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق ms3374 أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم ~~بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) # حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77) وهو الذي ~~أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في ~~الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار ~~أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن ~~وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات ~~السبع ورب العرش العظيم (86) # سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم ~~بالحق وإنهم لكاذبون (90) ### | القراآت: # تهجرون بضم التاء وكسر الجيم: نافع. الآخرون بفتح التاء وضم الجيم خرجا ~~فخرج بغير الألف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف. الباقون ~~بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني فتحنا بالتشديد: يزيد سيقولون لله ~~الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون باللام فيهما كالأول حملا ~~على المعنى لأن قولك «من رب هذا» «ولمن هذا» في معنى واحد. # PageV05P125 ### | الوقوف: # مشفقون ه لا يؤمنون لا يشركون ه لا راجعون ه لا لأن الكل معطوفات على اسم ~~«إن» والخبر أولئك الجملة سابقون ه لا يظلمون ه عاملون ه يجأرون ه لا لحق ~~القول لا تنصرون ه تنكصون ه لا لأن ما بعده حال مستكبرين ه قد قيل: على جعل ~~الجار والمجرور مفعول سامرا أو مفعول تهجرون ه الأولين ه منكرون ه لصورة ~~الاستفهام وهو العطف جنة ط كارهون ه فيهن ط ms3375 معرضون ه ط لأن الاستفهام إنكار ~~خير ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه. الرازقين ه مستقيم ~~ه لناكبون ه يعمهون ه يتضرعون ه مبلسون ه والأفئدة ط تشكرون ه تحشرون ه ~~والنهار ط تعقلون ه الأولون ه لمبعوثون ه الأولين ه تعلمون ه لله ط تذكرون ~~ه العظيم ه لله ط تتقون ه تعلمون ه لله ط تسحرون ه لكاذبون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما نفي الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من ~~هو أهل للخيرات عاجلا وآجلا فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ~~ربهم وظاهره ينبىء عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع ~~بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون ~~وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في ~~الطاعة. والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. ~~ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف أي هم من سخط الله عاجلا ومن عقابه آجلا ~~في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي. وفيه ~~أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى. # الثانية قوله والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والظاهر أنها القرآن. وقيل: هي ~~المخلوقات الدالة على وجود الصانع. وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ~~ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى ~~العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهرا. الثالثة التبري عما سوى الله ظاهرا ~~وباطنا بأن لا يشرك به طرفة عين. الرابعة قوله والذين يؤتون ما آتوا أي ~~يعطون ما أعطوا وقلوبهم وجلة خائفة في شأن ذلك الإعطاء. ثم علل ذلك الوجل ~~بقوله أنهم أي لأنهم إلى ربهم راجعون # فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم ~~أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن ~~النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص. ms3376 والظاهر أن ~~هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل # PageV05P126 # أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ويأتون ما أتوا # أي يفعلون ما فعلوا. # وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر ~~وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ~~ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه. # وفي قوله يسارعون في الخيرات معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات أشد ~~الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام ~~لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها. # قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما ~~نفى عن الكفار للمؤمنين. وقال في قوله وهم لها سابقون إنه متروك المفعول أو ~~منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها ~~سابقون كقولك «هو لزيد ضارب» بمعنى «هو زيدا ضارب» جئت باللام لضعف عمل اسم ~~الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث ~~عجلت لهم في الدنيا. وجوز أن يكون لها سابقون خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك ~~«هذا هو» لهذا الأمر أي صالح له. # وحين انجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لها الأول قوله ولا ~~نكلف نفسا إلا وسعها وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون ~~الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ~~ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائما فليصل قاعدا وإلا فليوم إيماء. ~~وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم. الثاني قوله ولدينا ~~كتاب ينطق والمراد بنطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا ~~يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل. # والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم. أما قوله بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ففيه طريقان: أحدهما راجع إلى ms3377 الكفار والمعنى بل ~~قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا ~~الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون. ولهم أعمال متجاوزة لذلك ~~الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى. هم ~~لها عاملون في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب ~~أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا ~~بها بحكم الشقاء الأزلي. وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من ~~صفات المشفقين كأنه سبحانه قال بعد وصفهم ولا نكلف نفسا إلا وسعها ونهايته ~~ما أتى به هؤلاء. ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم. بل قلوبهم في غمرة من هذا الذي ~~وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ولهم أعمال من دون ذلك الذي وصف هم ~~لها # PageV05P127 # عاملون # وهي النوافل السرية والأعمال القلبية. ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ~~حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع ~~حين # دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر ~~واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. # فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقد ~~والأولاد. والجؤار الصراخ باستغاثة. ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة ~~التبكيت لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون لا تغاثون من جهتنا أو لا ~~تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم. # ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ~~ورائه وقد مر في «الأنعام» . # وفي مرجع الضمير في به أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم. والذي ~~سوغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به ~~وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. وثانيها مستكبرين بهذا ~~التراجع والتباعد. وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى ~~التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكبارا ~~وعتوا. ورابعها أنه يتعلق ب سامرا أو ب تهجرون ms3378 والهجر بالضم الفحش وبالفتح ~~الهذيان، وأهجر في منطقه إذا أفحش. والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر ~~القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن ~~وتسميته سحرا وشعرا وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسامر نحو الحاضر ~~في الإطلاق على الجمع. # ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور أربعة: الأول عدم التدبر في ~~القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه ~~فيصدقوا به وبمن جاء به. الثاني قوله أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ~~والمراد أمر الرسالة. ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول ~~كقوله لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم [يس: 6] فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير ~~أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم ~~كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ~~ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وقيل: ~~أراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن ~~قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله ~~فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟ # عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ~~ولا تسبوا قسا فإنه كان مسلما ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا ~~تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما # PageV05P128 # شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما» «1» # الثالث قوله أم لم يعرفوا نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته ~~وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟ الرابع نسبتهم إياه ~~إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلا ولكنه جاء بما يخالف هواهم ~~فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم. ثم أضرب عن ~~أقوالهم منبها على مصدوقية أمر النبي فقال بل جاءهم متلبسا بالحق أو الباء ~~للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم وأكثرهم ms3379 للحق كارهون وأقلهم ~~كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفا من قالة الأعداء كما يحكى ~~عن أبي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه. ثم بين أن الإلهية تقتضي ~~الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله ~~العالمين وقدره فقال ولو اتبع الحق أهواءهم نظيره ما مر في قوله لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو ~~انقلب الإسلام شركا كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ~~ولم يؤخر. وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمرا بالشرك ~~والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلها ولكان شيطانا فلا يقدر على إمساك ~~السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم. ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من ~~جملة الحق فقال بل أتيناهم بذكرهم إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت ~~للمصاحبة فعلى حذف مضاف أي أتاهم رسولنا متلبسا بالكتاب الذي هو ذكرهم أي ~~وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا ~~يتمنونه ويقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ~~[الصافات: 169] ثم بين أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال أم ~~تسألهم خرجا أي جعلا وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف. وقيل: الخرج أقل ~~ولذا قرأ الأكثرون خرجا فخراج يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلا من عطاء ~~الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير. # وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ~~ومكنون سره فقال وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم هو دين الإسلام لا تدعوهم ~~إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله وإن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالاخرة ~~عن الصراط المستقيم المذكور لناكبون والتركيب يدور على العدول عن القصد ~~ومنه المنكب لمجمع PageV05P129 # عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم. ثم ~~بين إصرارهم على الكفر بقوله ولو رحمناهم الآية. ms3380 # يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة عن ~~أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين؟ فقال: # بلى. فقال الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر ~~فأنزل الله الآية. # والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه ~~من الطغيان. # ثم استشهد على ذلك بقوله ولقد أخذناهم أي قبل ذلك بالعذاب يعني ما جرى ~~عليهم يوم بدر فما استكانوا لربهم أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في «آل ~~عمران» وما يتضرعون عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن ~~يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر ~~والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة وأخشنهم ~~عريكة يستعطفك. ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد ~~منهم انقياد للحق وهم كذلك إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس ~~السكوت مع تحير أو اليأس من كل خير. ثم نبه بقوله وهو الذي أنشأ لكم على أن ~~أسباب التأمل في الدلائل موجودة، وأبواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر ~~من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي. وفي قوله قليلا ما تشكرون أي ~~تشكرون شكرا قليلا «وما» مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد. ~~وعن أبي مسلم أنه قال: أراد بالقلة العدم. وفي الآية ثلاثة معان: أحدها ~~إظهار النعمة. وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع ~~إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى ~~الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين ~~لشهوده بالله. وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل. # ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال وهو الذي ذرأكم أي خلقكم وبثكم في ~~الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه ms3381 تحشرون بعد تفرقكم وهو الذي يحيي ~~ويميت وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار ~~الثواب وله اختلاف الليل والنهار أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت ~~والحياة. وفي قوله أفلا تعقلون توبيخ وتهديد. ثم نبه بقوله بل قالوا الآيات ~~على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد. ~~قال علماء المعاني: قوله لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا وارد على الأصل لأن ~~التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني. وأما في سورة النمل فسبب ~~تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر # PageV05P130 # هناك على قوله ترابا والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل ~~على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار. ثم رد على منكري الإعادة أو على ~~عبدة الأوثان بقوله قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون أي إن كان عندكم ~~علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوز أن يشتبه ~~عليهم مثل هذا المكشوف الجلي. وفي قوله أفلا تذكرون ترغيب في التدبر وبعث ~~على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها ~~كان حقيقا بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادرا على إعادة ما أفناه، وفي ~~قوله أفلا تتقون مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل ~~التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء ~~مخالفته، قال جار الله: أجرت فلانا على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو ~~يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث أحد منه أحدا إن كنتم تعلمون بهذه الصفة ~~غيره فأجيبوني به. # ومعنى تسحرون تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى. ثم بين بقوله ~~بل أتيناهم بالحق أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما ~~هو الحق والصدق وإنهم مع ذلك لكاذبون حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون ~~إليه العجز عن الإعادة. ### | التأويل: # من خشية ربهم مشفقون إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور ms3382 والغيبة ~~بآيات ربهم يؤمنون هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية بربهم ~~لا يشركون هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر ~~في المضار والضار عن الوسائط والأسباب يسارعون في الخيرات يتوجهون إلى الله ~~وينقطعون عما سواه وهم لها سابقون على قدر سبق العناية ولا نكلف نفسا إلا ~~وسعها كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول ~~دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على ~~هذه التكاليف. وهم لا يظلمون فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم حتى ~~إذا أخذنا أكابر مجرميها مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم ~~وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر وهو خير الرازقين فيه أن العلماء ~~بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة. ولقد ~~أخذناهم أولا بعذاب الغبن حتى إذا فتحنا عليهم باب عذاب الرين يحيي بنوره ~~قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع ~~شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها وله اختلاف ليل ~~البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال قالوا # PageV05P131 # أإذا متنا # فيه أن اليأس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة ~~العشق فيبعث القلب الميت أومن كان ميتا فأحييناه ملكوت كل شيء هي جهة ~~روحانيته وهو يجير الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن ~~لا يجيره. ### | [سورة المؤمنون (23) : الآيات 91 الى 118] # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما ~~يشركون (92) قل رب إما تريني ما يوعدون (93) رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) # ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشياطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى ms3383 إذا جاء أحدهم الموت ~~قال رب ارجعون (99) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ~~ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100) # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم ~~تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) # إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) قال ~~إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون (115) # فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع ~~الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~(117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) ### | القراآت: # عالم بالرفع: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وعاصم غيره حفص إلا الخزاز. وقرأ ~~رويس بالخفض إذا وصل وبالرفع إذا ابتدأ، الآخرون بالخفض لعلي أعمل بسكون ~~الياء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن مجاهد عن ابن ذكوان. شقاوتنا ~~حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون شقوتنا بكسر الشين وسكون القاف في غير ~~ألف. سخريا بضم السين وكذلك في صاد: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي # PageV05P132 # وخلف والمفضل والخزاز عن هبيرة. الآخرون بكسرها إنهم بالكسر: حمزة وعلي ~~والخزاز عن هبيرة. قل كم قل إن لبثتم على الأمر فيهما: حمزة وعلي وابن ~~مجاهد وأبو عون عن قنبل وافق ابن كثير في الأول. لا ترجعون على البناء ~~للفاعل يعقوب وحمزة وعلي وخلف. ### | الوقوف: # على بعض ط يصفون ه ط لمن قرأ بالرفع إلى هو ms3384 عالم ومن خفض لم يقف لأنه بدل ~~أو وصف يشركون ه ما يوعدون ه لا لأن قوله «فلا» جواب للشرط وهو إما والنداء ~~عارض الظالمين ه لا لقادرون ه السيئة ط يصفون ه الشياطين ه لا يحضرون ه ~~ارجعون ه لا لتعلق لعل كلا ط لأنها للردع عما قبلها أي لا يرجع. وقيل: ~~مبتدأ بها بمعنى حقا والأول أحسن قائلها ط يبعثون ه ولا يتساءلون ه ~~المفلحون ه خالدون ه كالحون ه تكذبون ه ضالين ه ظالمون ه ولا تكلمون ه ~~الراحمين ه ج للآية والوصل أجوز لشدة اتصال المعنى وللفاء تضحكون ه صبروا ط ~~لمن قرأ أنهم بالكسر الفائزون ه سنين ه العادين ه تعلمون ه لا ترجعون ه ~~الحق ه لا لأن ما بعده يصلح مستأنفا وحالا أي تعالى متوحدا غير مشارك إلا ~~هو ه لا لأن قوله رب العرش يصلح بدلا من هو وخبر مبتدأ محذوف الكريم ط آخر ~~لا لأن الجملة بعده صفة به لا لأن ما بعده جواب عند ربه ط الكافرون ه ~~الراحمين ه. ### | التفسير: # لما أثبت لنفسه الإلهية بالدلائل الإلزامية في الآيات المتقدمة نفى عن ~~نفسه الأنداد والأضداد بقوله ما اتخذ الله من ولد بقوله وما كان معه من إله ~~وفيه رد على القائلين بأن الملائكة بنات الله وإبطال لأقوال اليهود ~~والنصارى والثنوية. ثم ذكر شبه دليل التمانع بقوله إذا لذهب وهو جواب لمن ~~معه المحاجة من أهل الشرك وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره: ~~ولو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق لا نفرد كل واحد منهم بالخلق الذي ~~خلقه واستبد به، لأن اجتماعهم على خلق واحد لا يتصور فإن ذلك يقتضي عجز ~~الواحد عن ذلك الخلق، وحينئذ يكون ملك كل واحد منهم متميزا عن ملك الآخرين. ~~ولعلا بعضهم على بعض أي لغلب بعضهم على بعض كما ترون حال ملوك الدنيا من ~~تمايز الممالك ومن التغالب، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم فلذلك ختم ~~الآية بقوله سبحان الله عما ms3385 يصفون إلى قوله عما يشركون ثم أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلا قل رب إما تريني أي إن ~~كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في الدنيا أو في الآخرة فلا ~~تجعلني قريبا لهم. وقد يجوز أن يستعيذ # PageV05P133 # العبد بالله مما علم أنه لا يفعله إظهارا للعبودية واستكانة له ويؤيده ~~تكرار رب مرتين. وكانوا ينكرون العذاب ويسخرون منه فأكد وقوعه بقوله وإنا ~~على أن نريك ما نعدهم لقادرون قيل: فيه دليل على أن القدرة تصح على المعدوم ~~لأنه أخبر أنه قادر على تعجيل عقوبتهم ثم لم يفعل ذلك ثم أمره بالصفح عن ~~سيئاتهم ومقابلتها بما يمكن من الإحسان حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل ~~الاستطاعة فيه كان أحسن لأنها حسنة مضاعفة بإزاء سيئة. أو نقول: المكافأة ~~حسنة ولكن العفو أحسن. عن ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله والسيئة ~~الشرك. وعن مجاهد هي أن يسلم عليه إذا لقيه. قيل: هي منسوخة بآية السيف ~~والأولى أن يقال: هي محكمة لأن المداراة مستحبة ما لم تؤد إلى محذور نحن ~~أعلم بما يصفون مما ليس فيك من المثالب والمراد أنه أقدر على جزائهم فعليه ~~أن يفوض أمرهم إلى الله ويدفع أذاهم بالكلام الجميل والسلام وبيان الأدلة ~~على أحسن الوجوه. ثم أتبع هذا التعليم ما يقويه على ذلك وهو الاستعاذة ~~بالله من همزات الشياطين. والهمز النخس ومنه «مهماز الرائض» وذلك أنهم ~~يحثون الناس على المعاصي بأنواع الوساوس كما يحث الرائض الدابة على المشي ~~بالمهماز وهي حديدة تكون في مؤخر خفه. # عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد استفتاح الصلاة «اللهم إني ~~أعوذ بك من همزات الشياطين همزه ونفخه ونفثه» «1» # فهمزه الجنون ونفثه الشعر ونفخه الكبر. ثم أمره بالتعوذ من أن يحضروه ~~أصلا كما يقال: أعوذ بالله من خصومتك بل أعوذ بالله من لقائك. وعن ابن عباس ~~أراد الحضور عند تلاوة القرآن. وعن عكرمة عند النزع والأولى العموم # عن النبي صلى الله ms3386 عليه وسلم وقد اشتكى إليه رجل أرقا به فقال: إذا أردت ~~النوم فقل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون. # قوله حتى إذا جاء قيل: متعلق بقوله وإنهم لكاذبون وقيل: # ب يصفون أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت وما بينهما اعتراض ~~وتأكيد للإغضاء عنهم مستعينا بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم. ~~والمراد بمجيء الموت أماراته التي تحقق عندها الموت وصارت المعرفة ضرورية ~~فحينئذ يسأل الرجعة ولا ينافي هذا السؤال الرجعة عند معاينة النار كقوله ~~ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد [الانعام: 27] والأكثرون ~~على أنهم الكفار. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها تشمل من لم يزك ولم يحج ~~لقوله وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا ~~أخرتني [المنافقون: 10] وأما وجه الجمع في قوله ارجعون مع وحدة المنادي ~~PageV05P134 # فقيل: إن الجمعية راجعة إلى الفعل كأنه قال: ارجع مرات ونظيره ألقيا في ~~جهنم [ق: # 24] أي ألق ألق. وقيل رب للقسم والخطاب للملائكة القابضين للأرواح أي بحق ~~الله ارجعون والأقرب أن الجمع للتعظيم كقول الشاعر: # ألا فارحموني يا إله محمد وقوله: # فإن شئت حرمت النساء سواكم # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى ~~الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان بل قدوما إلى الله. وأما الكافر ~~فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت» # قال جار الله: أي لعلي آتي بما تركته من الإيمان وأعمل فيه صالحا كما ~~تقول لعلي أبني على أس تريد أؤسس أسا وأبني عليه. وقيل: أي فيما خلفت من ~~المال والأولى العموم فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق كأنهم ~~تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه ويطيعوا فيما عصوا. قيل: كيف سألوا الرجعة ~~وقد علموا صحة الدين بالضرورة ومن الدين أن لا رجعة؟ والجواب بعد تسليم ~~أنهم عرفوا كل الدين أن الإنسان قد يتمنى شيئا مع علمه بتعذره كقول القائل ~~«ليت الشباب يعود» والاستغاثة بجنس ms3387 هذه المسألة قد تحسن. # قولهم لعلي ليس المراد به الشك وإنما هو كقول المقصر «مكنوني لعلي ~~أتدارك» مع كونه جازما بأنه سيتدارك. ويحتمل أنهم وإن كانوا جازمين بذلك ~~إلا أن أمر المستقبل مبني على الظن والتخمين دون اليقين فلذلك أوردوا ~~الكلام بصورة الترجي. ثم ردعهم بقوله كلا أي ليس الأمر على ما توهموه من ~~إمكان الرجعة إنها كلمة والمراد بها طائفة من الكلام منتظم بعضها مع بعض ~~وهي قوله ارجعون لعلي أعمل صالحا هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت ~~عنها لاستيلاء الحسرة والحيرة عليه وهو قائلها وحده لإيجاب إليها ولا تسمع ~~منه ومن ورائهم الضمير لكل المكلفين أي أمامهم برزخ حائل بينهم وبين الجنة ~~أو النار وبين الجزاء التام إلى يوم يبعثون وذلك البرزخ هو مدة ما بين ~~الموت إلى البعث، ولعل بعض الحجب من الأخلاق الذميمة يندفع في هذه المدة. ~~وقال في الكشاف: حائل بينهم وبين الرجعة ومعناه الإقناط الكلي لما علم أنه ~~لا رجعة يوم البعث إلا إلى الآخرة. ثم وصف يوم البعث بقوله فإذا نفخ في ~~الصور قد مر معناه في أواخر «طه» . وقوله فلا أنساب بينهم ليس المراد به ~~نفي النسب لأن ذلك ثابت بالحقيقة فإذن المراد حكمه وما يتفرع عليه من ~~التعاطف والتراحم والتواصل، فقد يكون أحد القريبين في # PageV05P135 # الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من ~~الالتفات إلى أحوال نسبه. عن قتادة: لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من ~~يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء. وأما الجمع بين قوله ولا يتساءلون وبين ~~قوله وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون [المؤمنون: 10] فظاهر لأن هذا في صفة ~~أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة. ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف ~~فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها ~~التساؤل كحقوق النسب ونحوها. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس: حين يرمي ~~إلى كل إنسان كتابه، وعند الموازين ms3388 وعلى جسر جهنم» # وقد مر مثل اية الموازين في أول «الأعراف» فليرجع إلى هنالك. وقوله في ~~جهنم خالدون بدل من خسروا أنفسهم ولا محل له كالمبدل فإن الصلة لا محل لها ~~أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف. ومعنى خسران أنفسهم امتناع ~~انتفاعهم بها. وقال ابن عباس: خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. ومعنى ~~تلفح تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار، قاله ابن عباس. وعن الزجاج ~~أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيرا والكلوح أن يتقلص الشفتان عن ~~الأسنان كالرؤوس المشوية. يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من ~~التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تشويه النار فتتقلص شفته العليا ~~حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته. # وقال الجوهري: الكلوح تكشر في عبوس. # ثم بين سبحانه أنه يقال لهم حينئذ تقريعا وتوبيخا ألم تكن آياتي تتلى ~~عليكم فكنتم بها تكذبون قالت المعتزلة: لو كان فعل التكذيب بخلق الله تعالى ~~لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي. وفسرت المعتزلة الشقاوة ~~بسوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم. وتفسرها الأشاعرة ~~بما كتب الله عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤل ~~حالهم إلى النار. ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر، وأما على تفسير ~~المعتزلة فقد قال جار الله: معناه ملكتنا وأخذت منا. وقال الجبائي: # أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه ~~الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا ~~عذر لهم فيه، ولكنه اعتراف بقيام حجة الله تعالى عليهم في سوء صنيعهم. ~~وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها الله فيه بدليل ~~قوله وكنا قوما ضالين أي في علم الله وسابق تقديره. # وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا: ولو كان الكفر ~~بخلق الله لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذرا لهم أولى. وأجيب بأن ms3389 فحوى الكلام يؤل ~~إلى هذا كما قررنا. عن ابن # PageV05P136 # عباس: أن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة ربنا أبصرنا وسمعنا ~~[السجدة: 12] فيجابون حق القول مني [السجدة: 13] فينادون ألفا ربنا أمتنا ~~اثنتين [غافر: 11] فيجابون ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم [غافر: 12] ~~فينادون ألفا يا مالك ليقض علينا ربك فيجابون إنكم ماكثون [الزخرف: 77] ~~فينادون ألفا ربنا أخرنا إلى أجل قريب [إبراهيم: 44] فيجابون أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل [إبراهيم: 44] فينادون ألفا ربنا أخرجنا نعمل صالحا فيجابون ~~أولم نعمركم [فاطر: 37] فينادون ألفا ربنا أخرجنا منها فيجابون اخسؤا فيها ~~[المؤمنون: 108] وهو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا الشهيق ~~والزفير والعواء كعواء الكلاب أي لا يفهمون ولا يفهمون ولهذا قال جار الله ~~ولا تكلمون أي في رفع العذاب وليس نهيا عن الكلام فإنها ليست بدار تكليف ~~ولكنه تنبيه على أن العذاب لا يرفع ولا يخفف. ومعنى اخسؤا انزجروا صاغرين ~~كما تنزجر الكلاب إذا طردت. يقال: خسأ الكلب وخسأ نفسه يتعدى ولا يتعدى وهو ~~المراد في الآية. ثم عدد عليهم بعض قبائحهم في الدنيا بقوله إنه كان فريق ~~من عبادي هم الصحابة. وقيل: أهل الصفة خاصة. عن الخليل وسيبويه أن السخري ~~بالضم والكسر مصدر سخر إلا أن في ياء النسب زيادة تأكيد. وعن الكسائي ~~والفراء أن المكسور من الهزء والمضموم من التسخير والاستعباد والمعنى ~~اتخذتموهم هزؤا وتشاغلتم بهم ساخرين حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ~~ذكري فلم تذكروني حتى تخافوني. # ثم ذكر من حال المؤمنين ما أوجب الحسرة والندامة للساخرين. فمن قرأ أنهم ~~بالكسر على الاستئناف فمعناه ظاهر أي قد فازوا حيث صبروا، ومن قرأ بالفتح ~~فعلى أنه مفعول جزيتهم أي جزيتهم فوزهم. ومن قرأ قال فالضمير لله أو لمن ~~أمر بسؤالهم من الملائكة، ومن قرأ قل فالخطاب للملك أو لبعض رؤساء أهل ~~النار. والغرض من هذا السؤال التوبيخ والتبكيت فقد كانوا لا يعدون اللبث ~~إلا في الدنيا ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت ولا إعادة، فلما حصلوا ms3390 في ~~النار وأيقنوا أنهم فيها خالدون سئلوا كم لبثتم تنبيها لهم على أن ما ظنوه ~~دائما طويلا فهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير ~~المتناهي ولا سيما إذا كان الأول أيام سرور والثاني أيام غم وحزن. واختلفوا ~~في الأرض فقيل: وجه الأرض حين ما كانوا أحياء فإنهم زعموا أن لا حياة ~~سواها، فلما أحياهم الله تعالى وعذبوا في النار سئلوا عن ذلك توبيخا. وقال ~~آخرون: المراد جوف الأرض وهو القبر لظاهر لفظة «في» ولقوله ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة # PageV05P137 # [الروم: 55] وقوله عدد سنين بدل من مميزكم. وقيل: تمييز. احتج بعض من ~~أنكر عذاب القبر بأن قوله في الأرض يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض ~~وزمان كونهم أمواتا في بطن الأرض. فلو كانوا معذبين في القبر لعلموا أن مدة ~~مكثهم في الأرض طويلة فما كانوا يقولون لبثنا يوما أو بعض يوم وأجيب بأن ~~الجواب لا بد أن يكون على حسب السؤال وإنما سئلوا عن موت لا حياة بعده إلا ~~في الآخرة وذلك لا يكون إلا بعد عذاب القبر. ويحتمل أن يكونوا سئلوا عن قدر ~~اللبث الذي اجتمعوا فيه فلا يدخل في ذلك تقدم موت بعضهم على البعض، فصح أن ~~يكون جوابهم لبثنا يوما أو بعض يوم عند أنفسنا. # وليس هذا من قبيل الكذب إذ لعلهم نسوا ذلك لكثرة ما هم فيه من الأهوال ~~فقالوا: إلا نعرف من عدد السنين إلا أنا نستقله ونحسبه يوما أو بعض يوم. ~~وقد اعترفوا بهذا النسيان حيث قالوا فسئل العادين أي ليس من شأننا أن نعدها ~~لما نحن فيه من العذاب فاسأل من يقدر أن يلقى إليه فكره، أو اسأل الملائكة ~~الذين يعدون أعمال العباد ويحصون أعمالهم. # وعن ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين. وقيل: أرادوا ~~بقولهم لبثنا يوما أو بعض يوم تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا ~~فيه وعرفوه من داوم العذاب. وقد صدقهم الله في ذلك حيث قال إن لبثتم ms3391 إلا ~~قليلا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها بقوله لو أنكم كنتم تعلمون أي لو ~~علمتم البعث والحشر لما كنتم تعدونه طويلا. ثم زاد في التوبيخ بقوله ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا أي عابثين أو لأجل العبث وهو الفعل الذي لا غاية ~~له صحيحة. وجوزوا أن يكون قوله وأنكم إلينا لا ترجعون معطوفا على عبثا أي ~~للعبث ولترككم غير مرجوعين وفيه دلالة على وجوب وقوع القيامة فلولاها لم ~~يتميز المطيع من العاصي والمحسن من المسيء. ثم نزه ذاته عن كل عيب وعبث ~~قائلا فتعالى الآية ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة أو الخير منه أو ~~باعتبار من استوى عليه كما يقال «بيت كريم» إذا كان ساكنوه كراما. وقرىء ~~الكريم بالرفع وهو ظاهر. ثم زيف طريقة المقلدة من أهل الشرك وقوله لا برهان ~~له به كقوله ما لم ينزل به سلطانا [آل عمران: 151] وهو صفة جيء بها للتأكيد ~~لا أن بعض الآلهة قد يقوم على وجوده برهان. وجوز جار الله أن يكون اعتراضا ~~بين الشرط والجزاء كقول القائل: من أحسن إلى زيد لا أحق بالإحسان إليه منه ~~فالله مثيبه. ومعنى حسابه عند ربه أنه بلغ عقابه إلى حيث لا يقدر أحد على ~~حسابه إلا الله. وقرىء إنه لا يفلح بفتح الهمزة أي حسابه عدم فلاحه فوضع ~~الكافرون موضع الضمير. جعل فاتحة السورة قد أفلح المؤمنون وأورد في ~~خواتيهما إنه لا يفلح الكافرون فشتان ما بين الفريقين. وحين أثنى على ~~المؤمنين في أثناء الكلام بأنهم يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الراحمين نبه # PageV05P138 # في آخر السورة على أنه قول ينبغي أن يواظب المكلف عليه ففيه الانقطاع إلى ~~الله والإعراض عمن سواه والله المستعان. ### | التأويل: # فإذا نفخ في الصور فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب ~~قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ~~ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم ~~التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا ms3392 عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم ~~إذا فارقوها لكل امرئ منهم يومئذ # في طلب الحق شأن يغنيه [عبس: 37] عن طلب الغير فأولئك الذين خسروا أنفسهم ~~لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعلقات ~~ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول ~~تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون ~~استعداده باقيا، فإذا تصرفت الدجاجة فيها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة ~~فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد ~~الطريقة شر من مرتد الشريعة. ولهذا قال في جهنم خالدون وأجيبوا بقوله اخسؤا ~~فيها ولا تكلمون لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده إنه كان ~~فريق من عبادي هم العلماء بالله النصحاء لأجله فاتخذتموهم سخريا فضربتم ~~أنفسكم على سيوف هممهم العلية حتى أنسوكم بهممهم وبيد الرد ذكري وكنتم منهم ~~تضحكون لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب جزيتهم اليوم بما صبروا ~~فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار ~~منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار لا برهان له ~~به أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن ~~تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات. # PageV05P139 ### | (سورة النور) # (مدنية حروفها 5330 كلامها 1316 آياتها 64) ### | [سورة النور (24) : الآيات 1 الى 10] # بسم الله الرحمن الرحيم # سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1) ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون (4) # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم ms3393 شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ~~ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) # ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10) ### | القراآت: # فرضناها بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ورأفة بفتح الهمزة: ابن كثير عن ~~ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر. وكذلك روى الخزاعي عن ~~أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي هاهنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ~~هاهنا بالفتح وفي الحديد بالسكون. وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى ~~والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز أربع شهادات بالرفع: حمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في ~~حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعا أن مخففة لعنة الله ~~بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون بالتشديد والنصب والخامسة ~~الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة. أن مخففا غضب فعلا ~~ماضيا الله بالرفع: نافع # PageV05P140 # والمفضل أن بالتخفيف غضب الله بالرفع: سهل ويعقوب. الباقون أن غضب الله ~~بالتشديد والنصب. ### | الوقوف: # تذكرون ه جلدة ص الآخر ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ~~المؤمنين ه مشركة ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين مشرك ج لاختلاف ~~الجملتين المؤمنين ه أبدا ه الفاسقون ه وأصلحوا ج للفاء وإن رحيم ه بالله ط ~~في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم الصادقين ه الكاذبين ه ~~الصادقين ه حكيم ه. ### | التفسير: # لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاتمة السورة المتقدمة بطلب ~~المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبه لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما ~~هو أصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال سورة أي هذه سورة أنزلناها وفرضناها أو ~~فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. # وقرىء بالنصب على «دونك سورة» أو «اتل سورة» أو على شريطة التفسير. وعلى ~~هذا لا يكون لقوله أنزلناها محل ms3394 من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة ~~للمضمر فكانت في حكمه. ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة. والفرض ~~القطع والتقدير: # ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها ~~فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها. ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام ~~هذه السورة كثرة. ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل ~~المكلفين من السلف والخلف. وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي ~~يذكرها الله تعالى بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله لعلكم تذكرون فإن ~~الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد ~~فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر. وقال أبو مسلم: هي الحدود ~~والأحكام أيضا ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا رب اجعل لي آية [مريم: ~~10] سأل ربه أن يفرض عليه عملا. وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة ~~المذكورة في السورة بينها الله تعالى لأجل التذكر. فمن جملة الأحكام حكم ~~الزنا. قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من ~~تقدير مضاف أي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم ~~الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر فاجلدوا والفاء لتضمن معنى الشرط فإن ~~الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا. وقرىء ~~بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب سورة أنزلناها لأجل ~~الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال «رأسه» أي # PageV05P141 # ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن ~~إقامة هذا الحد ينبغي أن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد ~~إلى اللحم. فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب. ~~فالرجل يجلد قائما على تجرده ليس عليه إزاره ضربا وسطا لا مبرحا ولا هينا ~~على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها ~~إلا الحشو والفرو. والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى ~~بالشرك وقتل النفس ms3395 في قوله ولا يزنون [الفرقان: 68] وقد وفى فيه عقد المائة ~~بكماله بخلاف حد القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع ~~القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في ~~الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر ~~وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في ~~النار» . # واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها ~~عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجبا لتلك ~~الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية ~~إقامة هذا الحد الأول. قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في ~~فرج مشتهى طبعا محرم شرعا. قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة ~~وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر أيضا، ومعنى لأنهما يشتركان في ~~المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق ~~أهل الطبائع بين المحلين. والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ~~ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في ~~حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة. وما # روى عن أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال «أذا أتى الرجل ~~الرجل فهما زانيان» # محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل # قوله أيضا «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» # وقوله «اليدان تزنيان والعينان تزنيان» «1» # والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجا لانفراجه أن يسمى ~~كل منفرج كالفم والعين فرجا. # واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصنا ~~فيرجم، وإن لم يكن محصنا فيجلد ويغرب. والثاني قتل الفاعل والمفعول. والقتل ~~إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم ~~عليه. ويروى عن أبي: أو بالرمي من شاهق. # ويروى عن علي رضي الله ms3396 عنه وذلك أن قوم لوط عذبوا كل هذه الوجوه ~~PageV05P142 # قال عز من قائل فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل [هود: ~~82] وأما المفعول فإن كان صغيرا أو مجنونا أو مكروها فلا حد عليه ولا مهر ~~لأن بضع الرجل لا يتقوم، وإن كان مكلفا طائعا فهو كالفاعل في الأقوال وإن ~~أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل ~~زنا لأنه وطء أنثى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على ~~الأصح. ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها ~~محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن ~~اللائط لا يحد بل يعزر. حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري فإنه يدل على ~~اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم. ~~وأيضا # إنه صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عمل قوم لوط فأقتلوا الفاعل منهما ~~والمفعول به» «1» # وقال صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد ~~إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير حق» «2» # وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول. وأيضا قاس اللواط على ~~الزنا بجامع كون الطبع داعيا إليه فيناسب الزاجر. وفرق بأن الزنا أكثر ~~وقوعا وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر أشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب ~~دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء. حجة أبي حنيفة أنه وطء لا ~~يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي ~~الزنا في الحاجة إلى شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعا، ولأنه ~~ليس فيه إضاعة النسب. وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد ~~شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق ~~التوالد والتناسل. وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدها أنه كالزنا في ~~أحكامه، وثانيها القتل مطلقا لما # روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى ms3397 الله عليه وسلم قال «من أتى بهيمة ~~فاقتلوه واقتلوها معه» «3» # فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها. وأصحها ~~وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي ~~طبعا. والحديث ضعيف PageV05P143 # الإسناد وبتقدير صحته معارض بما # روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله. # ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها الا ~~التعزير. البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل ~~الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم ~~نسخ بآية الزنا # وبقوله صلى الله عليه وسلم «الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر ~~بالبكر جلد مائه وتغريب عام» «1» # والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا يتنصف وقد قال تعالى فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب [النساء: 25] ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم ~~يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعا لكان أولى بالذكر، ولأن قوله الزانية ~~والزاني يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي ~~تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا ~~عن الأول بأن الرجم حيث لم يتنصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير ~~الرجم للدليل العقلي. وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد ~~المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات. وعن ~~الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان ~~قاطعا في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل ~~المظنون. سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه أبوبكر وعمر وعلي رضي الله ~~عنهم وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من ~~الصحابة. # وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم # وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا زنى بامرأة فأمر ms3398 به النبي صلى ~~الله عليه وسلم فجلد، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان محصنا فأمر ~~به فرجم. # وقوله صلى الله عليه وسلم «الثيب بالثيب جلد مائة» «2» # ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد ~~على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره. وأن قصة ما ~~عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية. ~~وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان ~~حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها ~~الله تعالى وقد قرأنا «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» فرجم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. PageV05P144 # فأخبر أن الذي فرضه الله تعالى هذا الرجم ولو كان الجلد واجبا مع الرجم ~~لذكره. قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر. وقال أبو حنيفة: ~~يجلد. # وأما التغريب فمفوض إلى رأي الإمام. # وقوله صلى الله عليه وسلم «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» «1» # وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه ~~التعزير والتأديب من غير وجوب. وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة ~~بلا تغريب. # حجة الشافعي # حديث عبادة «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» «2» # وقد ورد مثله في قصة العسيف. حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ ~~القرآن بخبر الواحد. بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي ~~للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافيا في ذلك الباب منه # قوله صلى الله عليه وسلم «يجزيك ولا يجزي أحدا بعدك» «3» # وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافيا ولو كان النفي مشروعا ~~لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ~~ولو فعل لاشتهر. # وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأمة «إذا زنت ~~فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها» «4» # والاستدلال ms3399 به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما # روي أن شيخا وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: اجلدوه مائة. # فقالوا: إنه أضعف من ذلك. فقال: خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ~~وخلوا سبيله. # لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزا عن الحركة لأنا نقول: كان ~~ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها. ولا يقال: لعله كان ضعيفا عن الركوب أيضا ~~لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك. وأيضا الأمر ~~بالنفي لو كان مشروعا لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق ~~المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من ~~النسوة الثقات مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان ~~فإن نفيهما من الفتنة. # وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها. وأيضا النفي نظير القتل ~~لقوله تعالى اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم [النساء: 66] فإذا لم يشرع ~~القتل في حد البكر وجب أن لا PageV05P145 # يشرع نظيره وهو التغريب. وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب ~~الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الآية ~~بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية. فإيجابه بخبر ~~الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن ~~الجزاء سمي جزاء لأنه كاف في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام. ولا استبعاد في ~~عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب ~~معارضة بما # روى أبو علي في جامعه أنه صلى الله عليه وسلم جلد وغرب. # ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزا عن الاستمساك على الدابة ~~والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرب نصف ~~سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف. وقيل: # سنة كاملة لأن التغريب للإيحاش وهذا ms3400 معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر ~~والعبد كمدة الإيلاء والعنة. وأما المرأة فلا تغرب وحدها # لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم» ~~«1» # فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت ~~المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف ~~والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب. وأما أن ~~النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها. واعلم أن قولنا الزانية ~~والزاني إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام ~~يشمل كل من اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث ~~الثالث فنقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على ~~مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف. هذا في غير الرجم وأما في ~~الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع. ولا فرق بين القن والمدبر ~~والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن ~~الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد. ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، ~~وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ. ومنها الإصابة في نكاح ~~صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر ~~الدخول. وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن ~~يمتنع من الحرام. ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها ~~في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ~~ملك اليمين كما لا يحصل التحليل. وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح ~~PageV05P146 # الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة ~~والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال. # وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟ الأصح عند ~~إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان. والأرجح عند معظم ms3401 ~~الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح ~~فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعا؟ قال أبو ~~حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملا دون الآخر لم يصر ~~الكامل محصنا أيضا. وقال الشافعي في أصح قوليه: لا بل لكل منهما حكم نفسه. ~~ومنها الإسلام عند أبي حنيفة # لقوله صلى الله عليه وسلم «من أشرك بالله فليس بمحصن» # دون الشافعي # لقوله صلى الله عليه وسلم «إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~على المسلمين» # ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين ~~زنيا. # فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعا له، ولأن زنا ~~الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلى الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي ~~بالزنا أقيم عليه الحد جبرا بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه. ومما احتج ~~به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله يا ~~نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين [الأحزاب: 30] ~~وعورض بأن الإسلام من كسب العبد. وزيادة الخدمة إن لم تكن سببا للعذر فلا ~~أقل من أن لا تكون سببا لزيادة العقوبة. قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه ~~الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة. وأجيب بأن حد ~~القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلا للكرامة وصيانة ~~للعرض. والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمي مشرك، سلمنا لكن الإحصان ~~قد يراد به التزويج كقوله فإذا أحصن [النساء: 25] والذمي الثيب محصن بهذا ~~التفسير فوجب رجمه # لقوله صلى الله عليه وسلم «وزنا بعد إحصان» «1» # وبقوله «عليهم ما على المسلمين» # قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله الزانية والزاني يقتضي وجوب المائة على ~~العبد والأمة إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها ~~لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس. ومنهم من قال: الأمة إذا تزوجت فعليها ~~خمسون لقوله فإذا أحصن ms3402 [النساء: 25] أي تزوجن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات [النساء: 25] فإذا لم تتزوج فعليها المائة لعموم قوله ~~PageV05P147 # الزانية واتفاق الجمهور على حذف هذين. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي ~~يجلد للعموم ولأنه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين فالجلد أولى. وقال مالك: ~~لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع. # البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام ~~بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟ رجح كلا ~~مرجحون. وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم ~~أولى. ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي ~~القاضي لولده ووالده. وهذا الوجه في حدود الله تعالى أرجح لأن الحاكم فيه ~~مأمور بالستر ولهذا # قال النبي في قضية اللعان «لو كنت راجما بغير بينة لرجمتها» # ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في ~~غيرهما. وعن أبي حنيفة أنه إن حصل له العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا. ~~الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة. وقال أبو حنيفة: لا بد ~~من أربع مرات في أربع مجالس. وجوز أحمد أن يكون المجلس واحدا. حجة الشافعي ~~قصة العسيف # «فإن اعترفت فارجمها» # والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قوي ~~وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار ~~مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين. حجة أبي حنيفة قصة ما عز وإعراضه ~~صلى الله عليه وسلم عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعد ما أقر ثلاث مرات: لو ~~أقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس على الشهادة. ~~وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، ~~والثانية على كمالها. والفرق أن المقذوف لو أقر بالزنا مرة سقط الحد عن ~~القاذف، ولو شهد اثنان بزناه لم يسقط. الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على ~~أنه ms3403 لا بد من شهود أربعة من الرجال لقوله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ~~[النساء: 15] ولقوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء والشهادة على الإقرار بالزنا ~~كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود أربعة. وفي قول يكفي فيه اثنان ~~لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة ~~والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان. # البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله فاجلدوا هو الإمام حتى ~~احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقال ~~الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر ~~وفاطمة وعائشة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك. حجة الشافعي # أنه صلى الله عليه وسلم قال «أقيموا الحدود # PageV05P148 # على ما ملكت أيمانكم» «1» # وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها» ~~«2» # وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل ~~الثاني على التعزير خلاف الظاهر. وأيضا إن ولاية السيد على العبد فوق ~~الولاية بالبيعة فكان أولى. # وأيضا الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن ~~يملك الحد مع التنصيص عليه أولى. حجة أبي حنيفة في قوله فاجلدوا الخطاب ~~للأمة بالاتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد. وأيضا لو ~~جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن ~~شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالاتفاق لأنه ليس لأحد ~~أن يحكم لنفسه. وأيضا المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا ~~يستوفي الحد. أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن ~~الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه. فالإمام يملك حد العبد في ~~الجملة وذلك كاف في بقاء الآية على عمومها. وعن الثاني بأن للشافعي في ~~القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبدا له سرق. ~~وثانيهما لا، وهو قول ms3404 مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك ~~جنس الجلد وهو التعزير. وفي سماع المولى الشهادة أيضا وجهان: فإذا فقد ~~الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحدا من ~~الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف. # البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه سبحانه قد أشار إلى أن هذا الحد ~~يجب أن لا يكون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون ~~في غاية الرفق بقوله ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله وذلك إما بأن يترك ~~الحد رأسا، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم. وفي معناه ~~أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطا أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين ~~مثلا كان محسوبا لحصول التكليف. والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال ~~بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة ~~الحدود. وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ~~ترك PageV05P149 # إقامة الحد، وحينئذ يكون منكرا للدين فلهذا يخرج من الإيمان. # وفي الحديث «يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟ فيقول: ~~رحمة لعبادك. فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار» # روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة ~~فقال: أريد ألين من هذا. فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد أشد من هذا. فأتي ~~بسوط بين السوطين. وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ~~ينزع قميصه وقال: ما ينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص. فقال أبو ~~عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه. ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز ~~تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة. وجوز ~~الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن ms3405 أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن ~~الشيطان فيه. وقال أبو حنيفة: حكم الرأس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر ~~الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا ~~الحكومة. وأيضا إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء ~~واختلاط العقل كالوجه فإنه أيضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة. # وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء # في الحديث «إن الله تعالى خلق آدم على صورته» «1» # وهذا المعنى مفقود في الرأس. ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا ~~إذا كان رجما فإن المقصود- وهو قتله- لا يتفاوت بذلك. ولهذا يرجم المريض ~~أيضا في مرضه. وقيل: إن كان مرضا يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما ~~يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد ~~مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط. وفي الجلد ~~إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال ~~الصحة أو في حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس ~~موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما # روي أن مقعدا أصاب امرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا مائة ~~شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة. # والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره. وعند ~~أبي حنيفة يضرب بالسياط. ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض ~~الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن ماعزا ~~لما مسته الحجارة هرب # فقال صلى الله عليه وسلم: هلا تركتموه. # وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أنه لا يقبل رجوعه. ويحفر للمرأة إلى ~~صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ما عز إذ لو كان ~~في PageV05P150 # الحفرة لم يمكنه الهرب. ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته «فما أوثقناه ~~ولا حفرنا له» . # وإذا مات الزاني في ms3406 الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. ~~ومن تغليظات حد الزنا قوله سبحانه وليشهد ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء ~~أجمعوا على أن حضور الجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد ~~الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد. وفي لفظ العذاب دليل على أنه ~~عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر ~~في أول البقرة في قوله ولهم عذاب عظيم [الآية: 7] ومعنى الطائفة قد مر في ~~التوبة. فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد. # وعن عطاء وعكرمة اثنان. وعن الزهري وقتادة ثلاثة. وقال ابن عباس ~~والشافعي: أربعة بعدد شهود الزنا. وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد. وجوز ابن ~~عباس إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله. وحضور الإمام والشهود ليس بلازم ~~عند الشافعي ومالك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحضر رجم ما عز والغامدية. ~~وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ~~ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس. # ثم ذكر شيئا من خواص الزناة فقال: الزاني لا ينكح وهو خبر في معنى النهي ~~كقراءة عمرو بن عبد لا ينكح بالجزم. ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى أن ~~عادتهم جارية بذلك. وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني ~~في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟ والجواب أن تلك الآية مسوقة لبيان ~~عقوبتهما على جنايتهما وكانت المرأة أصلا فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل ~~في ذلك. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة ~~والخطبة. والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟ والجواب معنى الأولى ~~صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة ~~الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان ~~لأنه لا يلزم عقلا من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك ~~فأخبره الله تعالى بالجملة الثانية عن هذا الانحصار. الثالث أنا نرى الزاني ms3407 ~~قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وأيضا المؤمن ~~قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية. الجواب للمفسرين فيه وجوه: أحدها وهو ~~الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاما إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، ~~وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب غالبا في نكاح ~~الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، ~~والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب ~~فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل «لا يفعل ~~الخير إلا # PageV05P151 # الرجل التقي» . وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي. وأما المحرم على ~~المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات ~~لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا. الوجه الثاني أن ~~الألف واللام في قوله الزاني وفي قوله المؤمنين للعهد. # روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم ~~أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل ~~واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زان أو مشرك، ~~فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله ~~عنهن. فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. # والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ~~ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين. الوجه ~~الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر. وهكذا كان الحكم في ابتداء ~~الإسلام. ثم قيل: # إن ذلك الحكم باق إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزوج بالعفيفة ~~والعفيف وبالعكس. ويقال: هذا مذهب أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة. ثم ~~في هؤلاء من يسوي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج ~~بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها. ومنهم من يفصل لأن ~~في جملة ما منع من التزوج ما لا يمنع ms3408 من دوام النكاح كالإحرام والعدة. ~~وقيل: إنه صار منسوخا إما بالإجماع- وهو قول سعيد بن المسيب- وزيف بأن ~~الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله وأنكحوا الأيامى [النور: 32] ~~فانكحوا ما طاب لكم [النساء: 3] وهو قول الجبائي. وضعف بأن ذلك العام مشروط ~~بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضا من جملتها. وسئل ابن ~~عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: أوله سفاح وآخره نكاح ~~والحرام لا يحرم الحلال. # الوجه الرابع قول أبي مسلم: # إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على ~~المؤمنين. قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم ~~يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أنه يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى ~~لقول القائل «الزاني لا يطأ إلا الزانية» حتى يكون وطؤه زنا، ولو أريد حين ~~التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها. الحكم ~~الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر ~~والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو ~~الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن ~~العفائف، ومنها قوله لم يأتوا بأربعة شهداء أي على صحة ما رموها به، ومعلوم ~~أن هذا العدد من الشهود غير مشروط # PageV05P152 # إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان. وألفاظ القذف تنقسم ~~إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو ~~دبرك. والأصح أن قوله «زنى بدنك» صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة. ~~والكناية أن يقول «يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امرأته لا ~~ترد يد لامس» فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده. وكذا لو قال لعربي «يا نبطي ~~الدار واللسان» وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه. ~~والتعريض ليس بقذف ms3409 كقوله «يا ابن الحلال» و «أما أنا فليست أمي بزانية» ~~وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك: يجب الحد فيه. وقال أحمد ~~وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا ~~يرجع عنه بالشك ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «ادرؤا الحدود بالشبهات» «1» # والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض. # حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما ~~للآخر: والله ما أرى أبي بزان ولا أمي بزانية. فاستشار عمر الناس في ذلك ~~فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا. ~~فجلده عمر ثمانين. وإذا قذف شخصا واحدا مرارا فإن أراد بالكل زنية واحدة ~~كما لو قال مرارا «زنيت بعمرو» لم يجب إلا حد واحد. ولو أنشأ الثاني بعد ما ~~حد للأول عزر للثاني. وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال «زنيت بزيد وزنيت ~~بعمرو» فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته ~~مرارا يكتفي بلعان واحد. وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال «يا ~~ابن الزانيين» فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من ~~قولي الشافعي. وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله والذين يرمون ~~المحصنات معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، # ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية «أو حد في ظهرك» # فلم يوجب عليه الا حدا واحدا مع قذفه لامرأته. ولشريك بن سحماء للقياس ~~على من زنى مرارا أو شرب أو سرق مرارا والجامع رفع مزيد الضرر. وأجيب بأن ~~قوله والذين صيغة جمع وقوله المحصنات كذلك. وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل ~~الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه. وفيه أن رمي المحصنة ~~علة الجلد فحيث وجدت وجد. ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من ~~المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة. وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها ms3410 على ~~المطلوب PageV05P153 # قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا حق الآدمي وتلك حدود الله تعالى. هذا ~~كله هو البحث عن الرمي. وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي ~~والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة ~~التعزير على الصبي حتى بلغ. قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر. ~~والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياسا على ~~سائر الأحكام، ولأنه كاف في لحوق العار. وعند أبي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه ~~لضعف تأثيرهما. وإذا قذف العبد حرا فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي ~~وأبو حنيفة وأصحابه على قانون قوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ~~[النساء: 25] وعند الشيعة # ويروى عن علي رضي الله عنه أنه يجلد ثمانين أخذا بعموم الآية، # ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلما جلد ثمانين. # ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب ~~عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص. وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف ~~لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها ~~محصنة شرائط خمسا: الإسلام # لقوله صلى الله عليه وسلم «من أشرك بالله فليس بمحصن» # والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن ~~أنفسهما، والحرية لمثل ما قلنا، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا ~~كان صادقا فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله ~~لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه ~~قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا. ولو زنى بعد القذف وقبل ~~إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه. قاله أبو حنيفة والشافعي لأن ~~ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفا به ~~قبله كما روي أن رجلا زنى في عهد عمر فقال: # والله ما زنيت ms3411 إلا هذه. فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة. ~~وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف. ولفظ ~~المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا ~~فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول «يا ~~آكل الربا» يا «شارب الخمر» يا «يهودي» يا «مجوسي» يا «فاسق» وكذا قذف غير ~~المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفا بما ذكره فلا ~~تعزير أيضا. واعلم أنه سبحانه حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء ~~بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب. # فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم ~~الإتيان بالشهداء الأربعة أمورا ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا ~~يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتبا على إقامة الحد، بل يجب أن ~~يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم # PageV05P154 # البينة سواء أقيم عليه الحد أم لا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: شهادته ~~مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته. وإنما ذهب إلى هذا نظرا إلى ~~ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع # ولقوله صلى الله عليه وسلم «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في ~~قذف» «1» # أخبر ببقاء عدالته ما لم يحد. # أما الاستثناء في قوله إلا الذين تابوا فإنه لا يرجع إلى الجملة الأولى ~~اتفاقا لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ~~ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ~~ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: ~~إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله فاجلدوهم أن يأمر ~~بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن ~~يعفو عنه. ولا خلاف في رجوع ms3412 الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم ~~محكوم عليهم بالفسق. الا أن تابوا. بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى ~~الجملة المتوسطة، ومنشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف ~~بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للأخيرة وهو مذهب الحنفية، ~~ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون ~~الأبد مصروفا إلى مدة كونه قاذفا وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف. ~~ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة ~~حياته. وقوله وأولئك هم الفاسقون جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية ~~وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط. قال صاحب ~~الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجرورا بدلا من هم في لهم، وحقه ~~عند أبي حنيفة أن يكون منصوبا لأنه عن موجب. قلت: حقه عند الإمامين أن يكون ~~منصوبا لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون ~~الاسم الواحد معربا بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظرا ~~إلى الأخيرة فتعين نصبه نظرا إلى ما قبلها أيضا، وإن جاز البدل في غير هذه ~~المادة. هذا وقد احتجت الشافعية أيضا في قبول شهادة القاذف بعد التوبة # بقوله صلى الله عليه وسلم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» «2» # وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من ~~القذف أولى. وأيضا إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن ~~حاله أولى. وأيضا الكافر يقذف PageV05P155 # فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف ~~كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالا من القذف مع ~~الكفر. لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن ~~فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم. وأيضا ~~الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد ~~التوبة من القذف لأنا ms3413 نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة # لقوله صلى الله عليه وسلم «لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» # واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية ~~يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف» ~~«1» # ولم يذكر التوبة. # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«لا تجوز شهادة محدود في الإسلام» «2» # والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها # قوله صلى الله عليه وسلم «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» «3» # فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثا. ومنها قوله ~~نحن نحكم بالظاهر، وهاهنا قد ظهرت العفة والصلاح. ومنها أن عمر بن الخطاب ~~ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: ~~من أكذب نفسه قبلت شهادته. فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل ~~شهادتهما. # وقد بقي في الآية مسائل. # الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين. ~~وقال أبو حنيفة: إذا جاؤا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على ~~الزنا أقل من أربعة. حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آت بمقتضى النص ~~واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية. وأيضا القياس على سائر الأحكام ~~بل تفريقهم أولى لأنه أبعد عن التهمة والتواطؤ. وكذلك يفعل القاضي في كل ~~حكم سواه عند الريبة. وأيضا لا يجب أن يشهدوا معا في حالة واحدة بل إذا ~~اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على ~~بابه ويدخل واحد بعد آخر. حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم ~~يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهدا، ولا عبرة بتسميته ~~شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ~~ما روي أن المغيرة بن PageV05P156 # شعبة شهد عليه ms3414 بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع. ~~وقال زياد: وكان رابعهم: رأيت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما ~~وراء ذلك. فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر. فلو قبل بعد ذلك ~~شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط. # الثانية: جوز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحدا من الشهداء الأربعة ~~وأباه الشافعي. # الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفة يجب ~~عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول. وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على ~~القاذف لأنه أتى بأربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، ~~فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في ~~نفي الحد عنهم. # الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد أن يذكروا التي زنى بها ~~وأن يذكروا الزنا مفصلا مفسرا فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود ~~في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم. ولو أقر ~~على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟ فيه وجهان: نعم كالشهود لا ~~كالقذف. # الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب ~~عقوبته يحتمل الصدق والكذب. إلا أنه عوقب صيانة للأعراض. # السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «من ترك حقا فلورثته» «1» # والأصح أنه يرثه جميع الورثة. وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ~~ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل. وعلى هذا القول اعترض أبو حنيفة ~~بأنه لو كان موروثا لكان للزوج والزوجة فيه نصيب. # السابعة: إذا قذف إنسان إنسانا بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل ~~غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قد قذفك وثبت لك حد ~~القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا ~~المعنى بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيسا ليخبرها بأن ms3415 فلانا قذفها بابنه ~~ولم يبعثه ليتفحص عن زناها. PageV05P157 # قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك ~~لأن الله تعالى قال ولا تجسسوا [الحجرات: 22] وأراد به إذا لم يكن القاذف ~~معينا كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلانا زنى. فلا يبعث ~~الحاكم إليه فيسأله. الثامنة: # قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه. وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت ~~فيما قلت فلا أعود إلى مثله. وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون ~~صادقا فيكون قوله كذبت كذبا والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة ~~عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود ~~إليه. ولا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله وأصلحوا ~~وقدروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تأثير في الطباع. ~~وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما. أما قوله وأولئك ~~هم الفاسقون ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من ~~يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقا من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما ~~لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا ~~الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال لأكابر الصحابة كافر لكفر سبق. قالت ~~الأشاعرة: في قوله فإن الله غفور رحيم دلالة على أن قبول التوبة لا يجب ~~عليه وإلا لم يفد المدح. الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة. ~~القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به. # وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في ~~قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلانا يزني ~~بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف ~~لتأكد التهمة. ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما # روي أن رجلا قال: يا رسول ms3416 الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس. قال: طلقها. ~~قال: # إني أحبها. قال: فأمسكها # أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو ~~بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وأبت ~~المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن ~~أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة أشهر من ~~وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من ~~استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ~~فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر ~~إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأشهاد من الأولين ~~والآخرين» «1» # وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن PageV05P158 # أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن ~~استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل ~~له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة ~~أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ~~ترى الدم على الحبل. وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به ~~أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما # روى أبو هريرة أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي ولدت ~~غلاما أسود فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. # قال: ما لونها؟ قال: حمر. قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم قال: فكيف ذاك؟ ~~قال: نزعه عرق. قال: فلعل هذا نزعه عرق. # وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟ فيه وجهان: ~~أما سبب نزول الآية # فقد قال ابن عباس: لما ms3417 نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: ~~إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلا على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون ~~بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: # وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح. وكان ~~لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى ~~عويمر عاصما وقال: # رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت ~~بهذا في أهل بيتي. أخبرني عويمر أنه رأى شريكا على بطن امرأته، وكان عويمر ~~وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جميعا وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها. فقال: يا رسول ~~الله أقسم بالله أني رأيت شريكا على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر ~~وأنها حبلى من غيري. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقي الله ولا ~~تخبري إلا بما صنعت. فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور وإنه رأى ~~شريكا يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله سبحانه هذه ~~الآيات. والذين يرمون أزواجهم إلى آخرها. فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله ~~أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني ~~رأيت شريكا على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله ~~أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين. # ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة ~~أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني ~~نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله. ثم قال: اقعد. وقال لخولة: قومي فقامت. ~~وقالت: أشهد بالله ما أنا ms3418 بزانية وإن زوجي عويمرا لمن الكاذبين. وقالت في ~~الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وإنه # PageV05P159 # لمن الكاذبين. وقالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن ~~الكاذبين. وفي الرابعة: # أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين. وفي الخامسة: ~~غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينهما. # وعن ابن عباس أيضا في رواية الكلبي أن عاصما رجع إلى أهله فوجد شريكا على ~~بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث كما تقدم. # وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو ~~سيد الأنصار: ولو وجدت رجلا على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد ~~قضى حاجته وذهب. فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما ~~يقول سيدكم؟ # قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور. فقال سعد: يا رسول الله إني ~~لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه. فقال صلى الله عليه وسلم: فإن ~~الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن ~~أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع ~~امرأتي رجلا رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما ~~أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إما البينة وإما إقامة الحد عليك. فاجتمعت الأنصار فقالوا: ~~ابتلينا بما قال سعد. فبيناهم كذلك إذ نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد ~~جعل الله لك فرجا وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به ~~أصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا خدلج ~~الساقين. أي ضخمهما فهو لصاحبه. فجاءت به خدلج ms3419 الساقين فقال صلى الله عليه ~~وسلم: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن. # قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه. # واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد ~~في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناه، وفي الثانية المخلص ~~أحد الأمرين أو اللعان. وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا ~~الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والنسب ~~الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر. وأيضا الغالب أن ~~الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن ~~الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت ~~أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو ~~الجلد وإن الله نسخه باللعان. # ولنذكر هاهنا مسائل: # الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا ~~لاعن # PageV05P160 # ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى ~~يلاعن وكذا المرأة. حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب ~~الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد. وأيضا قوله ويدرؤا عنها العذاب ليست ~~اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ~~ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الآية إلا حد القذف، # ولقوله صلى الله عليه وسلم لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله. # وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقا فحدوني وإن كان كاذبا فخلوني فما ~~بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله. حجة أبي حنيفة أن ~~النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ~~وغيره. # الثانية: الجمهور على أنه إذا قال «يا زانية» وجب اللعان لعموم قوله ~~والذين يرمون وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملا بها ms3420 ~~أو ولدا منها. # الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري ~~اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين. وذهب أبو حنيفة إلى أن الزوج ~~ينبغي أن يكون مسلما حرا عاقلا بالغا غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن ~~تكون بهذه الصفة مع العفة. فإذا كان الزوج عبدا أو محدودا في قذف والمرأة ~~محصنة حد كما في قذف الأجنبيات. دليل الشافعي عموم قوله والذين يرمون ~~أزواجهم والإجماع. على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل ~~الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار. دليل أبي ~~حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: من النساء من ليس بينهن وبين ~~أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك ~~والمملوكة تحت الحر. وأيضا اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات ~~فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي. وأيضا اللعان ~~شهادة لقوله تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات وقد جاء مثله في أحاديث ~~اللعان. وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد ~~والكافر. أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها ~~شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه ~~يمين # قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو ~~إنك صادق. # وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن. # وأيضا لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من ~~الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة. لا يقال: ~~الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضا قد يعتق، بل العبد إذا ~~عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد ~~الاختبار. ثم ألزم # PageV05P161 # الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن ~~يجوز اللعان بين الذمي والذمية. ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن ms3421 ~~وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم ~~تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها. # الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل ~~به الفرقة أصلا لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه وهذا لا يوجب ~~تحريما كما لو قامت البينة عليها. وأيضا إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب ~~الافتراق فكذا عند الحاكم. وأيضا إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا ~~يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد. وأيضا إذا أكذب الزوج نفسه ثم حد لا يوجب ~~الفرقة فكذا اللعان. وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين ~~في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثا قبل اللعان. وعن أبي حنيفة ~~وأصحابه إلا زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في ~~المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبدا، ولما في قصة عويمر كذبت عليها ~~إن أمسكتها هي طالق ثلاثا، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها. وقال ~~مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق ~~الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع ~~الفرقة بينهما. وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس ~~نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد ~~عليها. ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما # روي أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما # محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما. وزعم أبوبكر الرازي أن قول ~~الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي ~~أجنبية، ولكنه تعالى أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضا اللعان شهادة فلا يثبت ~~حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات. وأيضا اللعان تستحق به المرأة نفسها ~~كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم. وأيضا اللعان لا ~~إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا ms3422 بد من إحداث ~~التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم. ولقائل أن يقول: سميا زوجين ~~باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة. ومما ~~يؤكد قول الشافعي تنصيص الله سبحانه على ذلك بقوله ويدرؤا عنها العذاب أن ~~تشهد ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج ~~إلا درء العذاب. وأيضا أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في ~~الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في # PageV05P162 # لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه ~~وجب أن يكون الفراش زائلا لقوله «الولد للفراش» . # الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا ~~يجتمعان أبدا وهو قول علي وابن مسعود. ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ~~ولما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها. # ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب ~~نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما قال تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ~~[البقرة: 23] وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~[النساء: 3] وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] . # السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان. وخالف ~~بعضهم مستدلا # بقوله صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش» # وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا ~~يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها. # السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ~~ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم. # الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الآية وأن الحديث قد زادها بيانا كما ~~مر. وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام ~~المرأة حتى تشهد ms3423 والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند ~~الانتهاء إلى اللعنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها ~~موجبة. وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب. ومما يستحب في اللعان ولا ~~يجب على الأصح، التغليظ بالزمان. وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم ~~الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر ~~والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع أيضا وهو المقصورة، ~~وفي بيت المقدس في المسجد الأقصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى ~~في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في ~~المسجد الحرام. ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو ~~على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة. # التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظا ~~عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية ~~الجلد. # PageV05P163 # العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن ~~الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا ~~بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان. ومنها إبطال قول من زعم ~~أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد ~~النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان. ومنها أن المعتزلة ~~قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد ~~للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار. أجابت الأشاعرة بأن كونه مغضوبا ~~عليه بفسقه لا ينافي كونه مرضيا عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد ~~العقاب ثواب. ثم أخبر عن كمال رأفته بقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي ~~فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة. وجواب «لولا» ~~محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد. وإنما حسن حذفه ~~ليذهب الوهم كل مذهب فيكون ms3424 أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به. ### | التأويل: # النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني ~~بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات. ولعل السر في ~~تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون منها: أربع ساعات ~~لأجل النوم إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل [المزمل: 20] والباقية ~~يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع ~~مائة تأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله تعالى أعلم. وليشهد ~~عذابهما ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي ~~الإفراط والتفريط الزاني لا ينكح فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، ~~فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب ~~السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد. وحرم ذلك الذي قلنا ~~من اختلاط الأشرار على المؤمنين والذين يرمون المحصنات أي الأرواح الذين ~~ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء أي ~~لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول ~~النساء في قوله فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [النساء: 15] ولم تبلغ الملكات ~~الذميمة منهن مرتبتها. # الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل فاجلدوهم ثمانين جلدة مر وهم بالخلوة أربعين ~~يوما وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا ~~تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة ~~الله بقدر نسبة النقصان إلى # PageV05P164 # النفوس المستعدة. والذين يرمون أزواجهم وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ~~ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية ~~والاستكمال. والخامسة وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي ~~وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، ~~وينسبها القالب إلى الروح الذي ms3425 يدبره ويتصرف فيه. # والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل بالمعنى لأن الروح يميل إلى ~~العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو سبحانه ~~أعلم. ### | [سورة النور (24) : الآيات 11 الى 26] # إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا ~~جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ~~(13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه ~~عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) # ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ~~(16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم ~~الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) # يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان ~~فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من ~~أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) ~~يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25) # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) ### | القراآت: # كبره بضم الكاف: يعقوب. إذ سمعتموه وبابه مدغما: أبو عمرو # PageV05P165 # وعلي وهشام وحمزة غير ms3426 خلف ورجاء والعجلي إذ تلقونه بالإظهار وتشديد ~~التاء: البزي وابن فليح ولا يتأل من التألي: يزيد ما زكى بالتشديد ~~والإمالة: روح وقرأ قتيبة ممالة مخففة. يوم يشهد على التذكير: حمزة وعلي ~~وخلف. والباقون بتاء التأنيث. ### | الوقوف: # عصبة منكم ط شرا لكم ط خير لكم ط من الإثم ج لنوع عدول من إجمال حكم الكل ~~إلى بيان حكم البعض مع اتفاق الجملتين عظيم ه خيرا لا للعطف مبين ه شهداء ج ~~للشرط معنى مع الفاء الكاذبون ه عظيم ج لاحتمال أن يكون «إذ» ظرف قوله ~~لمسكم أو أفضتم واحتمال كونه منصوبا باذكر وبهذا قد قيل: الوصل ألزم لأن ~~قوله سبحانك من جملة مفعول قلتم عظيم ه مؤمنين ه ج لاتفاق الجملتين مع ~~تكرار اسم الله دون الاكتفاء بالضمير وأنها آية الآيات ط حكيم ه أليم ه لا ~~لتعلق الظرف والآخرة ط لا تعلمون ه رحيم ه خطوات الشيطان ط والمنكر ط أبدا ~~لا لتعلق لكن من يشاء ط عليم ه في سبيل الله ط والوصل أولى للعطف وليصفحوا ~~ط لكم ط رحيم ه والآخرة ص عظيم ه لا لتعلق الظرف يعملون ه المبين ه ~~للخبيثات ج للعطف مع التضاد للطيبات ه ج لاتحاد المعنى مع فقدان العاطف ~~يقولون ط كريم ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر من أحكام القذف ما ذكر أتبعها حديث إفك عائشة الصديقة ~~وما قذفها به أهل النفاق. # روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن أبي وقاص وكلهم ~~رووا عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع ~~بين نسائه فأيتهن خرج اسمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة. قال الزهري: ~~هي غزوة المريسيع. وذكره البخاري في غزوة بني المصطلق من خزاعة. قال: وهي ~~غزوة المريسيع أيضا. فخرج اسمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلما انصرف وقرب من المدينة نزل منزلا ثم أذن بالرحيل فقمت حين أذنوا ~~بالرحيل ومشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني ms3427 وأقبلت إلى رحلي لمست صدري ~~فإذا عقد لي من حزع أظفار قد انقطع، فرجعت والتمست عقدي وحبسني طلبه. وأقبل ~~الرهط الذين كانوا يحملون فحملوا هودجي وهم يحسبون أني فيه لخفتي فإني كنت ~~جارية حديثة السن وذهبوا بالبعير، فلما رجعت إلى مكاني وليس به أحد جلست ~~وقلت: يعودون في طلبي فنمت. وقد كان صفوان بن المعطل يمكث في المعسكر يتتبع ~~أمتعة الناس فيحمله إلى المنزل الآخر لئلا يذهب منهم شيء، فلما رآني عرفني ~~وقال: ما خلفك عن الناس؟ فأخبرته الخبر فنزل وتنحى حتى ركبت، ثم قاد البعير # PageV05P166 # وافتقدني الناس حين نزلوا وخاض الناس في ذكري. فبيناهم في ذلك هجمت عليهم ~~فتكلم القوم في وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ومكثت شهرا ~~أشتكي ولا يرقأ لي دمع أقول كما يقول العبد الصالح أبو يوسف فصبر جميل ~~والله المستعان على ما تصفون [يوسف: 18] إلى أن نزل في إن الذين جاؤ بالإفك ~~إلى آخر الآيات. # وفي الحديث طول هذا حاصل سبب النزول. وأما التفسير فالإفك أبلغ ما يكون ~~من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان. # والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين. والتركيب يدل على الاجتماع ومنه ~~العصابة. # قال المفسرون: هم عبد الله بن أبي رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ~~ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. ومعنى منكم أنهم كانوا ~~من جملة من حكم لهم بالإيمان ظاهرا. أما الخطاب في قوله لا تحسبوه شرا لكم ~~فالصحيح أنه لمن ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبا بكر وعائشة وصفوان. ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب ~~العظيم على قدر عظم البلاء، وأنه نزلت فيه بضع عشرة آية فيها تعظيم شأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتنزيه لأم المؤمنين وتطهير لأهل ~~البيت وتهويل للطاعنين فيهم إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية والآداب ~~العقلية. وقيل: الخطاب لعائشة وحدها والجمع لتعظيمها. وقيل: الخطاب ~~للقاذفين وبيان الخيرية صرفهم عن الاستمرار على حديث الإفك إلى التوبة عن ms3428 ~~ذلك، ولعل في هذا الذكر عقوبة معجلة لهم فيكون في هذا القول الكفارة. وضعف ~~هذا القول بأنه لا يناسب تسلية الرسول والمؤمنين ولا يطابق قوله لكل امرئ ~~منهم ما اكتسب من الإثم أي يصيب كل خائض في حديث الإفك ما يصيبه من عقاب ما ~~اكتسب من إثم الخوض. والذي تولى كبره أي معظم الإفك وهو في قول الضحاك حسان ~~ومسطح ولهذا جلدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع امرأة من قريش، ~~والأشهر أنه عبد الله رأس النفاق. # ويحكى أن صفوان مر بهودجها وهو في ملأ من قومه فقال: من هذه؟ # فقالوا: عائشة. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها وقال: امرأة نبيكم ~~باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها. ويروى أن عائشة ذكرت حسانا وقالت: ~~أرجو له الجنة. فقيل: # أليس هو الذي تولى كبره؟ فقالت: إذا سمعت شعره في مدح الرسول صلى الله ~~عليه وسلم رجوت له الجنة. # وفي رواية أخرى قالت: وأي عذاب أشد من العمى. # ثم علم أدبا حسنا في مثل هذه الواقعة فقال لولا إذ سمعتموه ظن فصل بين ~~«لولا» التحضيضية وبين فعلها بالظرف لأنه يتسع في الظرف ما لا يتسع في غيره ~~تنزيلا للظرف منزلة المظروف نفسه، ولأن الممكنات لا تنفك عن الظروف. ~~والفائدة فيه أن يعلم أن ظن الخير كان يجب عليهم أول ما سمعوه بالإفك، فلما ~~كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم # PageV05P167 # ومثله ولولا إذ سمعتموه قلتم [النور: 16] ثم لا يخفى أن أصل المعنى أن ~~يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم هذا إفك. ومعنى بأنفسكم ~~بالذين منكم من المؤمنين والمؤمنات، فعدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير ~~إلى الظاهر ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، ولينبه لفظ الإيمان على أن ~~الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ~~ولا عاتب بل يقول بملء فيه بناء على ظن الخير مصرحا ببراءة ساحته هذا إفك ~~مبين وذلك أن المؤمن معه من العقل والذين ما يهديه ms3429 إلى الأصلح ويؤخره عن ~~الأقبح، ولم يوجد هذا الداعي والصارف معارض بتساويهما كما قيل: # كلام العدى ضرب من الهذيان. فوجب أن لا يلتفت المؤمن إلى قول الطاعن في ~~حق أخيه ويبقى على حسن ظنه به وهذا أدب حسن قل العامل به، وليتك تجد من ~~يسمع فيسكت ولا يزيد فيه. # روي أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: أما ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت ~~بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله سوءا؟ قال: لا. قلت: ولو كنت أنا بدل ~~عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير مني وصفوان خير منك. # وفي الآية دلالة على قول أبي حنيفة أن المسلمين عدول بعضهم على بعض ما لم ~~يظهر منهم ريبة لأنا مأمورون بحسن الظن وذلك يوجب قبول الشهادة. ومن هنا ~~قال أيضا: إذا باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا ~~قد أمرنا بظن الخير فوجب حمله على ما يجوز. ومثله إذا باع سيفا محلى فيه ~~مائة درهم بمائتي درهم نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف. وإذا وجدنا ~~امرأة أجنبية مع رجل فاعترفا بالتزويج تصدقهما حملا لعقود المسلمين ~~وتصرفاتهم على الجواز والصحة. وزعم مالك أنهما يحدان إن لم يقيما بينة على ~~النكاح. وقيل: إن الآية مختصة بعائشة لأن كونها زوجة النبي كالدليل القاطع ~~على أن الذي قيل فيها إفك صريح. قال العلماء: يجوز أن تكون زوجة النبي ~~كافرة كامرأة نوح ولوط، ولا يجوز أن تكون فاجرة لأن الأنبياء معصومون عن ~~المنفرات البتة فإن حصول المنفر معه ينافي بعثته لكن الكفر غير منفر ~~للكفرة. قال: وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات. قيل: في تفسيره الكشخان الذي ~~تحبب امرأته الرجال إلى نفسها. ويقال: كشخنته أي قلت له يا كشخان. ثم بالغ ~~في زجرهم عن حديث الإفك بقوله لولا جاؤ وهي أيضا تحضيضية والمراد التفصيل ~~بين الرمي الصادق والكاذب بثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفائها ولكن هذا ~~العدد وكل فرد منه منتف في حق عائشة فهم في حكم الله وشريعته كاذبون. وهذا ~~القدر ms3430 كاف في إلزام أولئك الطاعنين وإلا فهم في نفس الأمر بالنسبة إلى هذه ~~الواقعة كاذبون كما مر تقريره آنفا. ثم زاد في التهديد والزجر بقوله ولولا ~~فضل الله هي «لولا» الامتناعية. قال جمهور المفسرين: لولا أني قضيت أن ~~أتفضل عليكم في هذه الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن # PageV05P168 # أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم ~~فيه من حديث الإفك. وعن مقاتل أن في الآية تقديما وتأخيرا والمعنى: ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته بالحلم عنكم والحكم عليكم بالتوبة لمسكم فيما ~~اندفعتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والآخرة معا. وتلقي الإفك أخذه من أفواه ~~القالة وقوله، والأصل تتلقونه بتاءين وقد قرىء به. كان الرجل يلقى الرجل ~~فيقول له: ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى طار وانتشر. # وفي زيادة قوله بأفواهكم إشارة إلى أنه قول لا وجود له إلا في العبارة ~~ولا حقيقة لمؤداه في الواقع. والقذف كبيرة من الكبائر كما سبق لا سيما قذف ~~زوجة النبي وخاصة نبينا صلى الله عليه وسلم فلهذا قال وهو عند الله عظيم عن ~~بعضهم أنه جزع عند الموت فقيل له فقال: أخاف ذنبا لم يكن مني على بال وهو ~~عند الله عظيم. وفي النصائح الكبار لا تقولن لشيء من سيئاتك حقير فلعله عند ~~الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم في الآية بارتكاب ثلاثة آثام: تلقي الإفك ~~والتكلم بما لا حقيقة له ولا علم به واستهانة عظيمة من العظائم، وفيه أن ~~عظم المعصية لا يتعلق بظن فاعله بل جهله بعظمه ربما يصير مؤكدا لعظمه. وفيه ~~أن الواجب على المكلف أن يستعظم الإقدام على كل محرم إذ لا يأمن أن يكون ~~عند الله من الكبائر. # ثم علمهم أدبا آخر ومعنى ما يكون لنا لا ينبغي ولا يصح لنا. ومعنى سبحانك ~~تنزيه الله من أن تكون زوجة نبينا الذي هو أحب خلقه إليه فاجرة، أو تنزيهه ~~من أن يرضى بقذف هؤلاء المقربين ولا يعاقبهم، أو هو للتعجب من عظم الأمر ~~وذلك أنه ms3431 يسبح الله عند رؤية كل أمر عجيب من صنائعه فكثر حتى استعمل في كل ~~متعجب منه. والفرق بين هذه الآية وبين قوله لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون هو ~~أن تلك تميل إلى العموم وهذه إلى الخصوص فكأنه بين أن هذا القذف خاصة مما ~~ليس لهم أن يتفوهوا به لما فيه من إيذاء نبيه وإيذاء زوجته التي هي حبيبته ~~يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب كراهة أن تعودوا أو ~~في شأن أن تعودوا لمثله أبدا أي مدة حياتكم. ولا دلالة للمعتزلة في قوله إن ~~كنتم مؤمنين على أن ترك القذف من الإيمان لاحتمال أنه للتهيج والانزجار ~~ويبين الله لكم أي لانتفاعكم الآيات الدالات على علمه وحكمته وما ينبغي أن ~~يتمسك المكلف به في أبواب صلاح معاشه ومعاده والله عليم حكيم هما صفتان ~~مختلفتان عند المعتزلة ثانيتهما أخص من الأولى، وعند الأشاعرة الثانية ~~للتأكيد المحض. # والمراد أنه يجب قبول تكاليفه وبياناته لأنه عالم بما أمر وبما يستحقه كل ~~مأمور، وليس في تكليفه عيب ولا عبث. ومن كان هذه صفته وجب طاعته ليثيب ولا ~~يعاقب. استدلت المعتزلة بالآية في أنه يريد الإيمان من الكل وإلا لم يكن ~~واعظا ولا مبينا آياته لانتفاعهم ولا # PageV05P169 # حكيما لا يفعل القبائح. ولا جواب للأشاعرة إلا أنه يشاء ما يشاء ولا ~~اعتراض عليه. ثم بين بقوله إن الذين يحبون أن أهل الإفك يشاركهم في عذاب ~~الدارين من رضي بقولهم، وأنهم كما هم مؤاخذون بما أظهروه فهم معاقبون على ~~ما أضمروه من محبة إشاعة الفاحشة والفحشاء في المؤمنين، لأنها تدل على ~~الدغل والنفاق وعدم سلامة القلب. والفاحشة والفحشاء ما أفرط قبحه، وشيوعها ~~انتشارها وظهورها بحيث يطلع عليها كل أحد وخصوص السبب لا يقتضي خصوص الحكم، ~~فهذا الوعيد شامل لكل من أراد بواحد من المؤمنين أو المؤمنات شيئا من ~~المضار والأذيات. وبعضهم حمل الفاحشة على الزنا وخصص من يحب شيوع الفاحشة ~~بعبد الله بن أبي. وخصص الذين آمنوا بعائشة وصفوان، ولا يخفى ما فيه من ضيق ms3432 ~~العطن إلا أن يساعده نقل صحيح. وعذاب الدنيا الحد واللعن والذم وما على أهل ~~النفاق من صنوف البلاء، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ~~أبي وحسانا ومسطحا، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف وكف بصره. وعذاب ~~الآخرة في القبر وفي القيامة هو النار. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إني لأعرف قوما يضربون صدورهم ضربا ~~يسمعه أهل النار وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ~~ويهتكون ستورهم ويشيعون عليهم من الفواحش ما ليس فيهم» # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ~~ما يحب لنفسه» «1» # من الخير وأما قوله والله يعلم وأنتم لا تعلمون ففي نهاية حسن الموقع لأن ~~الأعمال القلبية محبة الشر أو الخير لا يطلع عليها أحد كما هي إلا الله ~~سبحانه. وإنما نعرف نحن شيئا منها بالقرائن والإمارات وفيه زجر عظيم لمن لا ~~يجتهد في أن يكون قلبه سليما من النفاق والغل، وحصول هذا الغل في القلب غير ~~العزم على الذنب فإن الأول ملكة والثاني حال، ولا يلزم من ترتب العقاب على ~~الملكات ترتبه على الأحوال فافهم. قال أبو حنيفة: # المغتابة بالفجور لا تستنطق لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وإنها ممنوع ~~عنها. وقالت المعتزلة: في الآية دليل على أنه تعالى غير خالق للكفر ولا ~~مريد وإلا كان ممن يحب أن تشيع الفاحشة. ولقائل أن يقول: قياس الغائب على ~~الشاهد فاسد. ثم كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب والتمكين من التلافي ~~وبالغ فيها بذكر الرؤوف والرحيم. وجواب «لولا» محذوف على نسق ما مر. وقيل: ~~جوابه ما يدل على ذلك في قوله ما زكى منكم وهو بعيد. عن ابن عباس أن الخطاب ~~لحسان ومسطح وحمنة والأقرب العموم. ثم نهى عن اتباع PageV05P170 # آثار الشيطان وسلوك مسالكه والاقتداء به في الإصغاء إلى الإفك وإشاعة ~~الفحشاء وارتكاب ما تنكره العقول وتأباه. وقوله فإنه يأمر بالفحشاء من وضع ~~السبب مقام المسبب والمراد ضل. قالت الأشاعرة: في قوله ما زكى بالتشديد ~~والضمير لله ms3433 وكذا في قوله ولكن الله يزكي دلالة على أن الزكاء وهو الطهارة ~~من دنس الآثام لا يحصل إلا بالله، وهو دليل على أنه خالق الأفعال والآثار. ~~وحمله المعتزلة على منح الألطاف أو على الحكم بالطهارة، وضعف بأنه خلاف ~~الظاهر وبأنه يجب انتهاء الكل إليه، وبأن قوله من يشاء ينافي قولكم إن خلق ~~الألطاف واجب عليه. # ثم علم أدبا آخر جميلا بقوله ولا يأتل وهو افتعل من الألية أي لا يحلف ~~على عدم الإحسان، وحرف النفي يحذف من جواب القسم كثيرا فهي كقراءة من قرأ ~~ولا يتأل وقيل: هو من قولهم «ما ألوت جهدا» إذا لم يدخر من الاجتهاد شيئا ~~أي لا يقصر في الإحسان إلى المستحقين. # قالوا: نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر الصديق فقيرا من فقراء ~~المهاجرين، وكان أبوبكر ينفق عليه. فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق ~~عليه فنزلت فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر، فلما وصل إلى ~~قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي ~~فعفا عن مسطح ورجع إلى الإنفاق عليه وقال: والله لا أنزعها أبدا. # قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية تدل على أفضلية أبي بكر الصديق ~~من وجوه، وذلك أن الفضل المذكور في الآية لا يراد به السعة في المال ~~والإلزام التكرار فهو الفضل في الدين ولكنه مطلق غير مقيد فثبت له الفضل ~~على الإطلاق. تركنا العمل به في حق النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق ~~فيبقى في الغير معمولا به. وأيضا ذكره الله تعالى في الآية بلفظ الجمع وإنه ~~مشعر بالتعظيم. وأيضا قد قيل: # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # فهذا الظلم من مسطح كان في غاية العظم وقد أمره الله تعالى بالصفح عنه، ~~وامتثل هو فكان فيه نهاية جهاد النفس فيكون ثوابه على حسب ذلك. وأيضا في ~~تسميته أولى الفضل والسعة شرف تام فكأنه قيل له: أنت أفضل من ms3434 أن تقابل ~~إنسانا بسوء وأنت أوسع قلبا من أن تقيم للدنيا وزنا فلا يليق بفضلك وسعة ~~قلبك أن يقطع برك عمن أساء إليك. وأيضا أمره الله تعالى بالعفو والصفح وقال ~~لنبيه فاعف عنهم واصفح [المائدة: 13] فهو من هذه الجهة ثاني اثنين له في ~~الأخلاق. وأيضا علق المغفرة بالعفو وقد حصل العفو فتحصل المغفرة البتة في ~~الحال وفي الاستقبال لقوله أن يغفر فهو للاستقبال فيكون كما قال لنبيه ~~ليغفر لك # PageV05P171 # الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وفيه دليل على حقية خلافته وإلا كان عاصيا والعاصي في النار. ~~وليس النهي في قوله ولا يأتل نهي زجر عن المعصية ولكنه ندب إلى الأولى ~~والأفضل وهو العفو. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أخلاق المسلمين العفو # وعنه صلى الله عليه وسلم «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو ~~عمن ظلمه ويعطي من حرمه» # واعلم أن العلماء أجمعوا على أن مسطحا كان مذنبا لأنه أتى بالقذف أو رضي ~~به على الروايتين عن ابن عباس، ولهذا حده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وأجمعوا أيضا على أنه من البدريين # وقد ورد فيهم الخبر الصحيح «لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال اعملوا ما ~~شئتم فقد غفرت لكم» «1» # فكيف الجمع بين الأمرين؟ أجابوا أنه ليس المراد من قوله «اعملوا ما شئتم» ~~أنهم خارجون عن حد التكليف وإنما المراد اعملوا من النوافل ما شئتم قليلا ~~أو كثيرا فقد أعطيتكم الدرجات العاليات في الجنة، أو أراد حسن حالهم في ~~العاقبة أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون ~~على التوبة والإنابة. قالت الأشاعرة: في وصف مسطح ومدحه بكونه من المهاجرين ~~دليل على أن ثواب كونه مهاجرا لم ينحبط بإقدامه على القذف فيكون القول ~~بالمحابطة باطلا. استدل جمهور الفقهاء بالآية في قول من فسر الائتلاء ~~بالحلف على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة وإنما يجوز إذا جعلت ~~داعية للخير لا صارفة عنه. ثم قالوا: من حلف على يمين فرأى ms3435 غيرها خيرا منها ~~فينبغي له أن يأتي بالذي هو خير ثم يكفر عن يمينه كما جاء في الحديث ولقوله ~~تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان [المائدة: 89] وهو عام في جانب الخير ~~وفي غيره. ومثله ما ورد في قصة أيوب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به [ص: 44] ولو ~~كان الحنث كفارة لم يؤمر بضرب الضغث عليها. وقال بعض العلماء: إنه يأتي ~~بالذي هو خير وذلك كفارته # لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر «من حلف علي يمين فرأى غيرها خيرا ~~منها فليأت بالذي هو خير وذلك كفارته» «2» # ولأنه تعالى أمر أبا بكر في هذه الآية بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. وأجيب ~~بأن معنى الكفارة في الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي إحدى ~~الخصال، وإنما ذهبنا إلى هذا ليكون مطابقا # للحديث الآخر «من حلف علي يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~PageV05P172 # خير وليكفر عن يمينه» # وأما هذه الآية فإنما لم يذكر فيها الكفارة لأنها معلومة من آية المائدة. ~~قوله إن الذين يرمون المحصنات قد مر تفسير المحصنة. وأما الغافلات فهن ~~السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر بحسب الغريزة ~~أو لقلة التجارب، وقد يعين على ذلك صغر السن وغير ذلك من الأحوال. قال ~~الأصوليون: # خصوص السبب لا يمنع العموم فيدخل في الآية قذفة عائشة وقذفة غيرها، وخصصه ~~بعض المفسرين فمنهم من قال: المراد عائشة وحدها والجمع للتعظيم. ومنهم من ~~قال: عائشة مع سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال: هي أم ~~المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة المشاكلة لها في الإحصان ~~والغفلة والإيمان. وذكروا في سبب التخصيص أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته ~~لقوله إلا الذين تابوا وأما القذف المذكور في هذه الآية فوعيده مطلق من غير ~~استثناء. وأجيب بأنه طوى ذكر التوبة في هذه الآية لكونها معلومة. # وقد يحتج للمخصص بما روي عن ابن عباس أنه كان بالبصرة يوم عرفة فسئل عن ~~تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنبا ms3436 ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر ~~عائشة. ومنهم من قال: نزلت الآية في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد، وكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة ~~قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت لتفجر. أما شهادة الجوارح فلا ~~إشكال فيها عند الأشاعرة لأنهم يقولون: البنية ليست شرطا في الحياة فيجوز ~~أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما وقدرة وكلاما. وقالت المعتزلة: ~~المتكلم هو فاعل الكلام فيكون الكلام المضاف إلى الجوارح هو في الحقيقة من ~~الله تعالى. ويجوز أن يبني الله هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها ~~إلى أن تشهد على الإنسان وتخبر عن أعماله. ومعنى دينهم الحق الجزاء ~~المستحق. وقال في الكشاف: معنى قوله هو الحق المبين العادل الظاهر العدل. ~~وقال غيره: سمي حقا لأنه تحق عبادته أو لأنه الموجود بالحقيقة وما سواه ~~فوجوده مستعار زائل. والمبين ذو البيان الصحيح أو المظهر للموجودات. ~~فالحاصل أنه واجب الوجود لذاته مفيد الوجود لغيره. ثم ختم الآيات الواردة ~~في أهل الإفك بكلمة جامعة وهي قوله الخبيثات يعني الكلمات التي تخبث ~~مواردها ويستقذرها من يخاطب بها ويمجها سمعه ككلمات أهل الإفك، ويجوز أن ~~يراد بالخبيثات مضمون الآيات الواردة في وعيد القذفة لأن مضمونها ذم ولعن ~~وهو يستكره طبعا وإن كان نفس الكلمة التي هي من قبل الله سبحانه طيبا. وعلى ~~الوجهين يراد بالخبيثين الرجال والنساء جميعا إلا أنه غلب الرجال. والحاصل ~~أن الخبيثات من القول تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون ~~من الصنفين معرضون للخبيثات من القول وكذلك الطيبات # PageV05P173 # والطيبون أولئك الطيبون مبرؤن مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم. قال ~~جار الله: # هو كلام جار مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في ~~النزاهة والطيب، وجوز بقرينة الحال أن يكون أولئك إشارة إلى أهل البيت ~~عليهم السلام وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك. وفي الآية قول آخر وهو أن ~~يراد بالخبيثات النساء الخبائث، وبالخبيثين ms3437 الرجال الذين هم أشكال لهن ~~فيكون أول الآية نظير قوله الزاني لا ينكح إلا زانية وكذلك الكلام في أهل ~~الطيب ولا أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أزواجه مثله فلذلك ~~أخبر عن حالهن بقوله لهم مغفرة ورزق كريم وقد مر تفسير الرزق الكريم في ~~«الحج» نظيره قوله في الأحزاب وأعتدنا لها رزقا كريما [الآية: 31] وفي ~~الآية دلالة على أن عائشة من أهله الجنة. وقال بعض الشيعة: هذا الوعد مشروط ~~باجتناب الكبائر وقد فعلت عائشة من البغي يوم الجمل ما فعلت، والصحيح عند ~~العلماء إنها رجعت عن ذلك الاجتهاد وتابت. عن عائشة: لقد أعطيت تسعا ما ~~أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر النبي ~~أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، ولقد توفي وإن رأسه لفي ~~حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيتي، وإن الوحي لينزل عليه ~~في أهله فيتفرقون عنه وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة ~~خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد ~~وعدت مغفرة ورزقا كريما. # وعن بعضهم: برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد وشهد شاهد من ~~أهلها [يوسف: 26] وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ ~~مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إلى عبد الله، وبرأ عائشة بهذه الآيات ~~العظام في كتابه المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات، ~~فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة سيد الأولين ~~والآخرين وحجة الله على العالمين. ### | التأويل: # إذا حصل لأهل الله مسألة إلى غيره قيض الله له ما يرده إليه، # وأن النبي عليه السلام لما قيل له: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة ~~فساكنها وقال: يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة. وقالت عائشة: إني أحبك وأحب ~~قربك # فالله تعالى حل عقدة الحب عن قلبه لحديث الإفك ورد قلب عائشة إلى حضرته ~~حتى قالت حين ظهرت ms3438 براءة ساحتها «بحمد الله لا بحمدك» . وقيل: الملامة ~~مفتاح باب حبس الوجود بها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس يوم تشهد عليهم ~~شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وبالحقيقة هي في الدنيا معجلة كقوله تعرفهم ~~بسيماهم [البقرة: 273] من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار وقال الشاعر: # عيناك قد حكتا مبيتك ... كيف كنت وكيف كانا # ولرب عين قد أرتك ... مبيت صاحبها عيانا # PageV05P174 # وإذا كانت الإمارة في الدنيا ظاهرة فهي في القيامة أولى فاللسان يشهد ~~بالإقرار بقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى ~~المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله. وعند الحكماء ~~تظهر أنوار الملكات الحميدة على النفس من البدن وبالعكس كما تتعاكس أنوار ~~المرايا المتقابلة، ويعلمون أهل الوصول والوصال أن الله هو الحق المبين لا ~~شيء في الوجود غيره لا في الدنيا ولا في الآخرة، وحينئذ يحق أن يقال: ~~الخبيثات وهن الملوثات بلوث الوجود المجازي للخبيثين وهم أمثالهن والطيبات ~~من لوث الحدوث للطيبين وهم أشكالهن ولا طيب إلا الله وحده ### | [سورة النور (24) : الآيات 27 الى 34] # يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما ~~تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ~~أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو ~~نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل ~~الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن ms3439 وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31) # وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين ~~خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) ### | القراآت: # وليضربن بكسر اللام على الأصل: عياش جيوبهن بضم الجيم: # أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى ~~والبزي # PageV05P175 # والعواس من طريق الهاشمي. وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم ~~يشير إلى الكسر وبضم الياء. الآخرون: بالكسر الخالص. غير بالنصب على ~~الاستثناء أو الحال: # ابن عامر ويزيد وأبوبكر وحماد. الباقون: بالكسر على الوصف أيه المؤمنون ~~بضم الهاء في الحالين: ابن عامر. وقرأ أبو عمرو وعلي وابن كثير بألف في ~~الوقف. الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبألف في الوصل. ### | الوقوف: # أهلها ط تذكرون ه يؤذن لكم ج للشرط مع العطف أزكى لكم ط عليم ه متاع لكم ~~ط تكتمون ه فروجهم ط لهم ط بما يصنعون ه جيوبهن صل عورات النساء ص زينتهن ط ~~تفلحون ه وإمائكم ط فضله ط عليم ه فضله ط خيرا ق قد قيل: والوصل أوجه ~~للعطف. آتاكم ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط رحيم ه للمتقين ه. ### | التفسير: # الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقا إلى التهمة ولذلك وجد أهل ~~الإفك سبيلا إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان. ~~وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله ~~تعالى ولا مستأنسين لحديث [الأحزاب: 53] ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد ~~الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟ جوابه بعد تسليم أن الواو ms3440 ~~للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام. وقال جار الله: ~~هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع ~~موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم. أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، ~~فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا. أو هو من الإنس ~~بالكسر وهو أن يتعرف هل ثم إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت ~~إنسان أم لا. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو «حتى تستأذنوا» فأخطأ ~~الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب ~~القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه. الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟ ~~الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر ~~إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ~~ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال سبحانه ~~ذلكم يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور أي الدخول ~~من غير إذن. # قال صلى الله عليه وسلم «من سبقت عينه استئذانه فقد دمر» # واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب لعلكم ~~تذكرون أي أنزل عليكم. أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به. ~~الثالث: كيف يكون الاستئذان؟ جوابه: # استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج. فقال: لامرأة يقال لها روضة: قومي ~~إلى هذا فعلميه فإنه # PageV05P176 # لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول «السلام عليكم أدخل» فسمع الرجل فقالها ~~فقال: ادخل. # ويؤيده قراءة عبد الله حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وكان أهل الجاهلية ~~يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته: حييتم صباحا وحييتم مساء ثم يدخل، ~~فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله تعالى عن ذلك وعلم ~~الأدب الأحسن. وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه. وقال عكرمة: هو ~~التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب ms3441 الدار منهي عنه وكذا كل ~~ما يؤدي إلى الكراهية وينبىء عن الثقل. الرابع: كم عدد الاستئذان؟ الجواب # روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الاستئذان ثلاث بالأولى ~~يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون» # ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك. وعن قتادة ~~الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي. الثاني ليتهيأ. والثالث إن شاؤا أذنوا ~~وإن شاؤا ردوا. وينبغي أن يكون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم ~~واحد. الخامس: كيف يقف على الباب؟ جوابه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو ~~الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف. السادس: قوله حتى تستأنسوا ~~وتسلموا يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة ~~إذن أو من يأذن، لأن «حتى» للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها ~~جوابه. # سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أنه قبل الاستئذان لا يجوز ~~الدخول مطلقا وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحدا من الآذنين ~~مطلقا أو من يعتبر إذنه شرعا فليس له الدخول وذلك قوله فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا أي على الإطلاق أو ممن له الإذن فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم أي حتى ~~تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل ~~وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى أي ~~الرجوع أطيب لكم وأطهر لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة. وفي قوله ~~والله بما تعملون عليم نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض ~~يدخل وكيف يخرج. وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟ # عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رسول الرجل إلى الرجل ~~إذنه» # وفي رواية أخرى «إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن» # وقيل: إن ms3442 من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى ~~الاستئذان. والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك في ~~الهدايا لأجل الضرورة. وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟ # روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: # أستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها ~~كلما دخلت # PageV05P177 # عليها. قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا. قال: فأستأذن. # قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف ~~الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولا ~~بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو ~~هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره. التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره ~~بغير إذنه؟ الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما # روى سهل بن سعد أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في ~~عينك، إنما الاستئذان من النظر. # وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من اطلع في دار قوم بغير ~~إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه» «1» # قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف ~~أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامنا وعليه القصاص إن كان عامدا، ~~ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع. فمعنى الحديث لو صح أنه من ~~اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في ~~حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم ~~احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد ~~الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ هاهنا في الزجر حسما لمادة ~~هذه المفسدة. جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم ms3443 تكن ~~مسكونة فذلك قوله ليس عليكم جناح الآية. # وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات ~~وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال ~~والسلع والبيع والشراء. # يروى أن أبا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في ~~الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن ~~فنزلت. # وقيل: هي الخربات يتبرز فيها والمتاع التبرز. وقيل: الأسواق. والأولى ~~العموم. وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعا للحرج، ولأنها مأذون في دخولها من ~~جهة العرف. ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ ~~الفرج عما لا يحل. وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار ~~مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضا ~~فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان ~~حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها. قال أكثر ~~النحويين: PageV05P178 # «من» للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ ~~الفرج فإنه ممكن على الإطلاق. وجوز الأخفش أن تكون «من» مزيدة. وقيل: صلة ~~للغض أي ينقصوا من نظرهم. يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره. فالنظر ~~إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه. وإعراب قوله يغضوا كما مر في سورة ~~إبراهيم في قوله قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا [الآية: 31] قال الفقهاء: ~~العورات على أربعة أقسام: # عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، ~~وبالعكس. أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، ~~وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة. وعند أبي حنيفة: ~~الركبة عورة. قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي: لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ~~وميت. # فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان ~~أمرد لا ms3444 يحل النظر إليه. ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما ~~في جانب الفراش # لرواية أبي سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يفضي الرجل إلى ~~الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» «1» # ويكره المعانقة وتقبيل الوجه. إلا لولده شفقة. وتستحب المصافحة والمرأة ~~مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة ~~والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضا لما مر في ~~الحديث. والأصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية ~~في الدين والله تعالى يقول أو نسائهن أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت ~~أجنبية حرة فجميع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه ~~والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ ~~والإعطاء. ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين. # وقيل: ظهر الكف عورة. وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن ~~يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره ~~لقوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم # ولقوله صلى الله عليه وسلم «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى ~~وليست لك الآخرة» «2» # فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح ~~امرأة فينظر إلى وجهها وكفها. # روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا. # ومنها إذا أراد شراء جارية فله PageV05P179 # أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها. ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها ~~متأملا حتى يعرفها عند الحاجة. ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ~~ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به. ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى ~~بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ~~ضرورة. وكما يجوز أن ms3445 ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها ~~لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على ~~الرضاع. فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور # قال صلى الله عليه وسلم «العينان تزنيان» «1» # وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزنا ~~طويلا. ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ~~ليخلصها. وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يشتري الأمة «لا بأس أن ينظر ~~إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها» # وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ~~ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف. وحكم ~~المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا ~~لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم ~~وبالنظر لا يفطر. # وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت ~~المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة ~~الرجل. وعند أبي حنيفة: عورتها ما لا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعا له ~~كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاز له أن ينظر إلى جميع بدنها ~~غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أنه يورث ~~الطمس. وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو ~~وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية. # روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا ~~زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة» ~~«2» وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبيا منها فعورته معها ما بين ~~السرة والركبة. وقيل: جميع ms3446 بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه. # والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها ~~مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه. ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ~~ولا تكرير النظر إلى وجهه لما # روي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ ~~أقبل ابن أم مكتوم فدخل PageV05P180 # فقال صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه. فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى ~~لا يبصرنا؟ فقال: أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ # وإن كان محرما لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو ~~سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر ~~إلى الفرج كهو معها. ولا يجوز للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال وله ما يستر ~~عورته لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك # فقال: الله أحق أن يستحي منه. وعنه «إياكم والتعري فإن معكم من لا ~~يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله» «1» # ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولا ثم بحفظ ~~الفروج عن الزنا والفجور ثانيا. وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ ~~الفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج ~~أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق. وحين ~~خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ ~~الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، ~~وهذا لا يليق بالكافر. وفي قوله إن الله خبير بما يصنعون ولا ثاني له في ~~القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون. وتفسير قوله وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن يعلم من التفصيل المتقدم. أما قوله ولا ~~يبدين زينتهن فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب. وقد يحرم على الرجل ~~إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك ms3447 فتنة. قال أكثر المفسرين: ~~الزينة هاهنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة ~~في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها. وثانيها الحلي ~~كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط. ~~وثالثها الثياب. # وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى ~~ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك. يدل على ذلك أن كثيرا من ~~النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعد زينة. وفي قوله وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن إشارة إلى ذلك وكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها ~~بالخمار. قال القفال: # بناء على هذا القول معنى قوله إلا ما ظهر منها إلا ما يظهره الإنسان على ~~العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما ~~يبدو عند المهنة. وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي صلى ~~الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال. وأما الذين PageV05P181 # حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه تعالى إنما حرم النظر ~~إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء ~~المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطلقا إذا لم تصف البدن لرقتها، ~~وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك ~~يحرم النظر إليه. ولهذا قال وليضربن بخمرهن على جيوبهن والخمر جمع الخمار ~~وهي كالمقنعة. قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن ~~وكانت جيوبهن من قدام واسعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن ~~مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة. # وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق. وعن عائشة: ما رأيت نساء ~~خيرا من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها ~~فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان. # ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن ~~أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة. الثانية: آباؤهن وإن ms3448 علوا من جهة ~~الأب والأم. الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا. الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا ~~الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا أيضا. # السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما. السابعة: بنو ~~إخوانهن. # الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم الأولاد فيهما. وهؤلاء كلهم ~~محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم ~~في جواز النظر. وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من ~~الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال لا جناح عليهن في آبائهن ~~[الآية: 55] إلى آخر الآية. ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم. وقال الشعبي: ~~إنما لم يذكرهما الله تعالى لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، ~~وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من ~~المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب ~~من النظر، وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر. ~~وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ~~ومخالطتهم ولا سيما في الأسفار للنزول والركوب. وأيضا لقلة وقوع الفتنة من ~~جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب. التاسعة: قوله ~~أو نسائهن فذهب أكثر السلف إلى أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن ~~عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما ~~تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها. وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء ~~أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات. وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد ~~جميع النساء وقول # PageV05P182 # السلف محمول على الأولى والأحب. العاشرة: قوله أو ما ملكت أيمانهن وظاهر ~~الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما # روى أنس أنه صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب ~~إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس ms3449 إنما هو ~~أبوك وغلامك، # وعن عائشة أنها قالت لذكوان: # إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وعنها أنها كانت تمشط والعبد ~~ينظر إليها. # وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد لا ~~ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا ~~خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئا من التمتع منه كما يملك الرجل من ~~الأمة. وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا ~~يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة ~~سائر الأجانب خصيا كان العبد أو فحلا. وأورد على هذا القول لزوم التكرار ~~ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن. وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد ~~بالرجال الأحرار في قوله شهيدين من رجالكم [البقرة: 282] الحادية عشرة قوله ~~أو التابعين غير أولي الإربة وهي الحاجة وهم البله. وأهل العنة الذين لا ~~يعرفون شيئا من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو ~~شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة. # عن زينب بنت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث ~~فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على ~~بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: لا يدخلن عليكم هذا. # فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير ~~أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي ~~الإربة فحجبه. # الثانية عشر قوله أو الطفل وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ~~هاهنا. # قال ابن قتيبة معنى لم يظهروا لم يطلعوا على عورات النساء والعورة سوأة ~~الإنسان وكل ما يستحيا منه. وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم «ظهر على ~~كذا» إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء. فعلى الأول يجب ~~الاحتجاب ممن ms3450 ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من ~~المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا ~~في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: # فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب ~~والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ~~ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك. والثالث التابعون ~~غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا # PageV05P183 # بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ~~ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ولا بشرا ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي ~~الغريب حتى تلبس الجلباب. فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدبا آخر جميلا ~~بقوله ولا يضربن بأرجلهن قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ~~ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها ~~الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين. وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن ~~إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلى الفتنة يجب الاحتراز ~~عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعيا ~~له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا ~~كرهوا أذان النساء. ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن ~~الإنسان خلق ضعيفا لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب. قال ~~العلماء: إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة ~~لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل. وعن ابن عباس: ~~أراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. ~~قال جار الله: من قرأ أيه المؤمنون بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة ~~لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما ~~قبلها. # الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ ms3451 الفروج أرشد بعد ~~ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة. وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد ~~أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة. قال النضر بن شميل: الأيم في كلام ~~العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية ~~الضحاك يقول: زوجوا أياماكم بعضهم من بعض. وقد آم وآمت وتأيما إذا لم ~~يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى ~~منكم أتأيم. وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو ~~كان واجبا لشاع في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وانتشر، ولو انتشر لنقل ~~لعموم الحاجة إليه. وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة # كقوله صلى الله عليه وسلم «النكاح سنتي» «1» # وكقوله صلى الله عليه وسلم «من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح» # وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها ~~عليه. واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته. نعم قد يجب في ~~بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب ~~كفؤا. استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة PageV05P184 # بدون رضاها واعترض أبوبكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين ~~لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال «البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها» ~~«1» # وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي. والفرق أن الأيم من ~~الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها ~~إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق ~~يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضا نزاع. واستدل أبو حنيفة ~~بعموم الآية أيضا على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه. ~~قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة ~~النكاح وإلا فليكسر شهوته ms3452 بالصوم لما # روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا معشر ~~الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم ~~يستطع فإن الصوم له وجاء» «2» # والذي لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على ~~النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به ~~عجز وكان قادرا على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى ~~لعبادة الله تعالى. وقال أبو حنيفة: النكاح أفضل. حجة الشافعي أنه تعالى ~~مدح يحيى بقوله وسيدا وحصورا [آل عمران: 39] والحصور الذي لا يأتي النساء ~~مع القدرة عليهن. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «أفضل أعمالكم الصلاة» «3» # وقال «أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن» # وقال «أحب المباحات إلى الله تعالى النكاح» # والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم ~~يصح من الكافر. والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال ~~على الله تعالى فأين أحدهما من الآخر! ولو كان النكاح مساويا للنوافل في ~~الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة ~~وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه ~~سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم. فالاشتغال بالزراعة أيضا أولى من النافلة ~~للعلة المذكورة. وقد وقع PageV05P185 # الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على ~~مندوبه لاتحاد السبب. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد ~~حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال» # وعنه صلى الله عليه وسلم «يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا ~~بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة» # حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صون النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من ~~جلب النفع. وأيضا النكاح يتضمن العدل. # وقد ورد في الحديث «لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة» وقال ms3453 صلى الله عليه ~~وسلم «النكاح سنتي» «1» # وقال في الصلاة «إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل» # ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا ~~بعضها في سورة النساء في قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم [النساء: 24] ومعنى ~~منكم أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ~~ذلك. ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب. ~~ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام. # ثم أمر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين. واتفقوا على أنه للإباحة ~~والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر ~~وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضا، وتخصيص ~~الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم. ~~وأيضا الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ~~ينزلوهم منزلة الأولاد. ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن ~~جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح. # وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد. أما قوله إن ~~يكونوا فقراء فالأصح أن هذا ليس وعدا من الله تعالى بإغناء من يتزوج حتى لا ~~يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر ~~من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح. على أن مثل هذا ~~الوعد قد جاء مشروطا بالمشيئة في قوله وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله إن شاء [التوبة: 28] فالمطلق محمول على المقيد. # وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في ~~الزنا. وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد. وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله ~~فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى. وعن ابن عباس: ~~التمسوا الرزق بالنكاح. # وشكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاجة فقال: عليك بالباءة. # وقد يستدل بالآية ms3454 على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم PageV05P186 # يتصور فقرهما وغناهما. والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة ~~وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بد في رجوعه إلى الكل والله واسع ~~إفضاله ولكنه عليم يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي. وفيه إشارة إلى قيد ~~المشيئة في الوعد المذكور. ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح ~~بقوله وليستعفف أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة ~~نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا ~~محذوف. وفي قوله حتى يغنيهم نوع تأميل للمستعففين. # وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب. # الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد ~~والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم ~~الإضرار بالسادة فقال والذين يبتغون ومحله إما رفع والخبر فكاتبوهم والفاء ~~لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره فكاتبوهم والفاء ~~للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله وربك فكبر [المدثر: 3] والكتاب ~~والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم ~~النجوم بعضها إلى بعض. وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على ~~نفسي أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت ~~عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من ~~التأجيل واجبا عند الشافعي وندبا عند أبي حنيفة كما يجيء. والأجل يستدعي ~~الكتابة لقوله إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [البقرة: 282] قال ~~محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى ما لا يؤديه في ~~نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك ~~المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه. ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: ~~الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينور ~~بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة ms3455 محضة، فإن ما في يد العبد ~~فهو ملك السيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه. فقوله «كاتبتك» كناية ~~في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته. وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر: # لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله فكاتبوهم وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق ~~بالأداء للإجماع. الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد ~~لا يتصور له ملك يؤديه في الحال. وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ~~ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة أيضا مثله. الثالث: # قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين. # روي ذلك عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن عمر. # وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام # PageV05P187 # الإرفاق التنجيم. وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على ~~سائر العقود. # الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى. وذهب الشافعي ~~إلى أنه يجب أن يكون عاقلا بالغا لأنه تعالى قال والذين يبتغون والصبي لا ~~يتصور منه الطلب. # الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه ~~مكلفا مطلقا، لأن قوله فكاتبوهم خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين ~~خلاف في أن قوله فكاتبوهم أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن ~~دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها ~~المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيرا، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ~~وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له ~~الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت. ويروى أن عمر أمر إنسانا بأن يكاتب ~~سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه. ~~وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي ~~والثوري إلى أنه ندب # لقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من قلبه» # ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في ms3456 الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه ~~طريقة المعاوضات أجمع. قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه ~~لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه ~~الثواب. # أما قوله إن علمتم فيهم خيرا قال عطاء: الخير هو المال كقوله إن ترك خيرا ~~[البقرة: 180] قال: بلغني ذلك عن ابن عباس. وضعف بأنه لا يقال في فلان مال ~~وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن ~~سيرين: أراد إذا صلى. # وعن النخعي: وفاء وصدقا. وقال الحسن: صلاحا في الدين. والأقرب أنه شيء ~~يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب. ويروى مثله ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا ~~بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه. # واختلفوا أيضا في المخاطب بقوله وآتوهم فعن الحسن والنخعي وابن عباس في ~~رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي ~~جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير ~~الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب. والسهم الذي يأخذه ~~المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما # قاله صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة «هو لها صدقة ولنا هدية» «1» # وعن كثير من الصحابة PageV05P188 # وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن ~~يبذلوا للمكاتبين شيئا من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءا من مال الكتابة. ثم ~~اختلفوا في قدره # فعن علي عليه السلام أنه كان يحط الربع # ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاما له فترك ~~ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبدا له بخمسة وثلاثين ألفا ووضع عنه ~~خمسة آلاف وهو السبع. والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل ~~متمول. عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئا. وعن عمر أنه كاتب عبدا له يكنى ~~أبا أمية وهو أول عبد كوتب في ms3457 الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو ~~وقال: استعن به على مكاتبتك. فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا ~~أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه ~~وأكدوه بما # روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم قال «أيما عبد ~~كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد» «1» # فلو كان الحط واجبا لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه ~~درهم. وأيضا لو كان الحط واجبا فإن كان معلوما لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر ~~وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولا لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولا فلا ~~تصح الكتابة. وأيضا أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس ~~بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا ~~أمر من الله تعالى بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته ~~بما يمكنهم. # قال صلى الله عليه وسلم «من أعان مكاتبا في فك رقبته أظله الله في ظل ~~عرشه» . # الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن أبي ~~رأس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرههن على ~~البغاء- أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان [النحل: 106] والنص وإن كان مختصا بالإماء إلا أنهم أجمعوا ~~على أن حال الحرائر أيضا كذلك. # والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه ~~عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة ~~التحصن. والجواب PageV05P189 # بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم إرادة التحصن ~~والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلا لامتناعه في ~~ذاته. وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند ms3458 إرادة التحصن ~~والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم [النساء: 101] وقيل: «إن» ~~بمعنى «إذ» لأن سبب النزول وارد على ذلك. قال جار الله: # أوثرت كلمة «أن» على «إذ» إيذانا بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة ~~وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر. وللآية ~~مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد ~~إذا زوجها. وعرض الحياة الدنيا كسبهن وأولادهن ومن يكرههن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة ~~والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من ~~التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ. وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ~~ثلاث: الأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود ~~والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة. الثانية كونه ~~مثلا من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس بأقل ~~من العجب في قصة يوسف ومريم وما اتهما به. وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ~~ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود. وعن مقاتل: أراد شبيه ما حل ~~بهم من العقاب إذا عصوا. الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة. ### | التأويل: # لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى ~~تتعرفوا أحوالها وتسلموا على أهلها سلام توديع ومتاركة فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن ~~لكم بالتصرف فيها بالحق للحق وإن قيل لكم ارجعوا بجذبة ارجعي إلى ربك ~~[الفجر: 28] فارجعوا ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب ~~الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ليس عليكم جناح الآية. ثم ~~أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ms3459 ونعيم ~~الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات إلى ما سوى ~~الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلا لشهود الحق تنزيها له ~~وإجلالا، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه. ثم أمر النساء ~~بمثل ما أمر به الرجال تنبيها على أن النساء بالصورة قد يكن رجالا في ~~المعنى. # ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ما ظهر على صفحات ~~أحوالهم من # PageV05P190 # غير تكلف منهم. ثم أباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في ~~الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء ~~والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة ~~مصدور من غير ضرب. وتوبوا إلى الله جميعا فإن حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي ~~مما سوى الله وأنكحوا الأيامى فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من ~~صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستدعية ~~للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد أشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله إن ~~يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ليحفظ الذين لا يجدون شيخا في ~~الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على ~~شيخ كامل كما دل موسى على الخضر عليه السلام، أو يخصهم بجذبة الله يجتبي ~~[الشورى: 13] والذين يبتغون فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة ~~لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من ~~المواهب ولا تكرهوا فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا ~~وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة. ### | [سورة النور (24) : الآيات 35 الى 50] # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ~~الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم ms3460 تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم ~~تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب ~~فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله ~~سريع الحساب (39) # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~(40) ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما ~~فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من ~~يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل ~~والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) # والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ~~(45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) # أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك ~~هم الظالمون (50) # PageV05P191 ### | القراآت: # نور السماوات على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ms3461 كمشكاة ~~ممالة: أبو عمرو عن الكسائي درئ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل ~~مثله بضم الدال: حمزة وأبوبكر وحماد والخزاز. الباقون بضم الدال وتشديد ~~الياء توقد بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وأبو بكر وحماد مثله ولكن ~~بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وأبو زيد عن ~~المفضل. الباقون وجبلة توقد بالفتحات وتشديد القاف يسبح بفتح الباء: ابن ~~عامر وأبوبكر وحماد: # سحاب ظلمات على الإضافة: البزي سحاب بالتنوين ظلمات بالكسر على أنه نصب ~~على الحال: القواس وابن فليح. الباقون بالرفع والتنوين فيهما. ينزل من ~~الإنزال: # ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب يذهب من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ~~خالق كل شىء على الإضافة: حمزة وعلي وخلف. الآخرون خلق على لفظ الماضي كل ~~منصوبا. ### | الوقوف: # والأرض ط مصباح ط زجاجة ط غربية ط لأن ما بعدها صفة شجرة نار ط نور ط ~~يشاء ط للناس ط عليم ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو كمشكاة أي ~~مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه ب يسبح وفيها تكرار كقولك ~~زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت ~~أو لأن الظرف يتعلق ب يسبح والآصال ط لمن قرأ يسبح بفتح الباء كأنه قيل: من ~~يسبح؟ فقيل: رجال أي يسبحه رجال. ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل ~~الظاهر رجال لا لأن ما بعده صفة الزكاة لا لأن ما بعده أيضا صفة والأبصار ه ~~لا لتعلق اللام. أبو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: ~~فلما سقطت النون انكسرت اللام. من فضله ط حساب ه ماء ط حسابه # PageV05P192 # ط الحساب ه لا للعطف سحاب ط لمن قرأ ظلمات بالرفع ولم يجعلها بدلا فوق ~~بعض ط يراها ط من نور ه صافات ط وتسبيحه ط يفعلون ه والأرض ج فصلا بين ~~الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين المصير ه من خلاله ج لما ms3462 قلنا عن من ~~يشاء ط بالأبصار ه ط والنهار ط الأبصار ج من ماء ج للفاء مع التفصيل بطنه ج ~~رجلين ج لمثل ما قلنا أربع ط ما يشاء ط قدير ه مبينات ط مستقيم ه ذلك ط ~~بالمؤمنين ه معرضون ه مذعنين ه ط ورسوله ط الظالمون ه. ### | التفسير: # أنه سبحانه لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات ~~وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن ~~أديان الكفر في نهاية الظلمة. أما الأول فهو قوله الله نور السماوات والأرض ~~واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر ~~والنار على ما يحاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلها لأنه إن ~~كان عرضا فظاهر، وإن كان جسما فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس ~~بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا منتقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث ~~والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوها: الأول وهو قول ابن ~~عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال مثل ~~نوره ويهدي الله لنوره والمضاف مغاير للمضاف إليه. فنظير الآية قولك «زيد ~~كرم وجود» للمبالغة. الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ نور ~~بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟ فالأكثرون على أنه الهداية والحق ~~كما قال في آخر الآية يهدي الله لنوره من يشاء شبهه بالنور في ظهوره ~~وبيانه. وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى ~~تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض ~~وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء ~~والعلماء وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية. وقيل: هو تدبيره ~~إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر ~~أمورهم تدبيرا حسنا، فهو لهم كالنور الذي يهتدى به في المضايق والمزالق. ~~وهذا القول اختيار الأصم والزجاج. وقيل: # هو نظمه ms3463 إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح. وقد يعبر بالنور عن ~~النظام. يقال: ما أرى لهذه الأمور نورا. الثالث: ما ذهب إليه الحكماء ~~الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ~~ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة ~~بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصرا يدرك به النور المحسوس # PageV05P193 # الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة ~~العاقلة. ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ~~ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما القوة العاقلة فإنها تدرك ~~نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك ~~الحسي غير منتج لأنه لا يصير سببا لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سببا ~~لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه ~~حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلا بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد ~~بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف ~~البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد ~~خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، ~~والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت ~~الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد ~~والجهة، والحس لا يدرك من الأشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق ~~الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة ~~بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع ~~والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى. وإدراك العقل قد يكون ~~مقدما على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء ~~وإذا كان الروح الباصر نورا فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون ~~نورا، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو ~~السراج مثلا، فنور البصيرة ms3464 أيضا يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو ~~القرآن فلذلك سمي القرآن نورا والنور الذي أنزلنا [التغابن: 8] والنبي نورا ~~وسراجا منيرا [الأحزاب: 46] فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم ~~الأجسام. ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ~~علمه شديد القوى [النجم: 5] قل نزله روح القدس من ربك [النحل: # 102] فكل الأنوار تنتهي إلى ما لا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله ~~سبحانه. والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مرارا وهو أن ~~الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات. وأيضا الوجود نور والعدم ظلمة، فإن ~~نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله سبحانه ولا كمال فوق كماله، فهو ~~نور الأنوار. وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من ~~غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى ~~عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا # قال صلى الله عليه وسلم «إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها ~~لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره» # PageV05P194 # وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون ألفا. قال العلماء: الحجب ~~ثلاثة أقسام: # حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما ~~المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا ~~يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع. وأما المحجوبون بالثاني ~~فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء ~~عن الغير نور لأنه من صفات الله تعالى، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ~~ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين ~~استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف من ~~هذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار ~~للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير. # ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة ms3465 ~~وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير. ~~وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي ~~القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ~~ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة. وقال ~~الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب ~~وأصله من الضوء ومنه الصبح والدري فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب ~~إلى الدر أي أبيض متلألىء، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمريق أو مكسورها ~~كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن ~~لا تهمز لأنه ليس في كلام العرب «فعيل» . ومن همزه من القراء فإنما أراد ~~«فعول» على سبوح فاستثقل فرد بعضه إلى الكسر. والدراري من الكواكب هي ~~المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في ~~العظم الأول. ومعنى من شجرة مباركة أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة ~~المنافع وهي الزيتون. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به ~~فإنها مصحة من الباسور» «1» # وقيل: # سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك ~~فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السلام فقوله زيتونة بدل من شجرة ومعنى ~~لا شرقية ولا غربية أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام ~~قريب من وسط العمارة ليس على PageV05P195 # الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد ~~شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية. ~~وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: ~~أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا ~~مغرب. وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف ~~عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن ms3466 جبير وقتادة ~~وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت ~~شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعا لأنها في موضع ~~مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت. # ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه ~~الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، # قال صلى الله عليه وسلم «لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا ~~خير في مضحى.» # ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا ~~مسته النار ازداد ضوءا على ضوء. # فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى ~~فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه تعالى شبه الهداية وهي الآيات ~~البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي ~~الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء. وإنما اختار هذا التشبيه ~~دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق ~~وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات وهداية الله تعالى فيما بينها ~~كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت ~~لم تبق ظلمة أصلا. والأمور التي اعتبرها الله سبحانه في هذا المثال منها ~~كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون ~~له عن تعرض الرياح. زعم بعضهم أن في الكلام قلبا والمراد كمصباح في مشكاة ~~والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد ~~صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة ~~صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نورا. ومنها كون ~~المصباح متقدا بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس. ~~ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كمال نضج الثمرة ~~ونهاية صفاء ذهنها. وأما الإمام الغزالي رضي الله عنه فإنه يقول: ms3467 المشكاة ~~والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية. ~~فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل ~~حيوان، وأوفق مثال لها من # PageV05P196 # عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين ~~والمنخرين والفم. وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزونا ~~عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد ~~شيئا في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ~~ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم ~~يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة. كذلك الخيال من طينة العالم السفلي ~~الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحد، ولكنه إذا صفي وهذب صار ~~موازيا للمعاني العقلية ومؤديا لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور ~~الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، ~~وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح. ~~وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ~~ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجا. وحين كان الحس ~~كالمقدمة للخيال وهي كالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي ~~هي كالظرف للمصباح. ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات ~~والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد ~~أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو ~~الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة ~~الدخان. وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهي ~~ثمرته إلى حد محدود أولى أن يسمى مباركا. وإذا كانت شعب الأفكار العقلية ~~المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها لا شرقية ولا غربية ~~وخامسها القوة القدسية النبوية التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور. # وأما الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب ~~إدراكات النفس الإنسانية المشهورة. فالمشكاة ms3468 هي العقل الهيولاني وهو ~~الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها ~~البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات. ~~ثم إن كان الانتقال ضعيفا فهي الشجرة وتسمى فكرا وإن كان قويا فهي الزيت ~~ويسمى حدسا، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي يكاد زيتها ~~يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم ~~المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو ~~المصباح ويسمى عقلا بالفعل، وغايته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة ~~لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلا مستفادا. أما الأول فلأن ~~الملكة # PageV05P197 # نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ~~ونهاية التحصيل. # وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى ~~العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه ~~في الآية بالنار. وعن مقاتل أنه قال مثل نوره أي مثل نور الإيمان في قلب ~~محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد ~~محمد، والشجرة النبوة والرسالة. وقيل: المشكاة نظير إبراهيم عليه السلام، ~~والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ مثل ~~نور من آمن به # ورأيت في كتب الشيعة عن علي رضي الله عنه مرفوعا للقمر وجهان يضيء بهما ~~أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟ فقالوا: الله ~~ورسوله أعلم. فقال: على وجه السموات الله نور السماوات والأرض وعلى وجه ~~الأرض محمد وعلي نور الأرضين. # وقيل: المشكاة صدر محمد صلى الله عليه وسلم والزجاجة قلبه، والمصباح ما ~~في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم عليه السلام، ويوقد من شجرة كقوله ~~وفاتبعوا ملة إبراهيم [آل عمران: 95] ومعنى لا شرقية ولا غربية أن إبراهيم ~~لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل ~~الكعبة وهي ما بين ms3469 المشرق والمغرب ومعنى يكاد زيتها يضيء أن نور محمد يكاد ~~يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب. وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة ~~قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: # لو لم يكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر # وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوري يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له ~~وهو المراد من # قوله صلى الله عليه وسلم «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» # وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد ~~نورا على نور. قال أبي بن كعب: المؤمن بين أربع خلال: إن أعطي شكر وإن ~~ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل. فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي ~~يمشي بين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ~~ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة. قال الربيع: سألت أبا العالية ~~عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته. # قالت الأشاعرة في قوله يهدي الله لنوره من يشاء إشارة إلى أن هذه الدلائل ~~مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: ~~أراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله من يشاء الذين بلغهم حد التكليف ~~والهدى محمول على # PageV05P198 # زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق. ~~لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم ~~يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ~~ذلك بقوله ويضرب الله الأمثال للناس يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: ~~إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله تعالى لما تمكنوا من ~~الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة. # ثم زاد التأكيد بقوله والله بكل شيء عليم ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا ~~يعتبر ولا يستدل ولا ينظر. قوله في بيوت اعترض أبو مسلم على قول من قال إنه ~~يتعلق ب كمشكاة وب توقد لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله ms3470 لا تزيد المصباح ~~إنارة وإضاءة. وأيضا الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله في بيوت ~~أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، ~~وكذا لو جعل في بيوت صفة مصباح وزجاجة أو كوكب وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا ~~مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالبا في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها ~~مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في ~~باب التمثيل أدخل. وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو ~~قيل: «الذي يصلح لخدمتي رجل» يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه ~~يراد به النوع لا الواحد. وذهب أبو مسلم إلى أنه راجع إلى قوله ومثلا من ~~الذين خلوا أي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت ~~العبادة. واعترض عليه بتفكك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون. ~~والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو ~~البناء. وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام ~~في كل ذكر. وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه. وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ~~ينبغي. والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به. وقيل: # الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول ~~الإسلام فزيد فيهما. وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه ~~الآية. والأولى العموم. # قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء. ويحتمل أن ~~يقال: لأنهم أصل والنساء تبع. واختلفوا في لا تلهيهم تجارة فقيل: نفي ~~الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: # ولا ترى الضب فيها ينجحر وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا ~~يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين. وعن الحسن أما والله إن كانوا ~~ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها # PageV05P199 # شيء. وما الفرق بين التجارة والبيع؟ قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد ~~يقع فيها البيع وقد يقع فيها ms3471 الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي ~~الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الإلهاء. وقيل: أراد بالتجارة الشراء، إطلاقا ~~لاسم الجنس على النوع. وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في ~~كذا إذا جلبه من غير بلده. وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: ~~هو الصلاة. ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، ~~وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له. والتاء في فأقامه عوض من العين ~~الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت. ثم ~~حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف ~~من أهوال يوم القيامة. # وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد ~~تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها، وتدرك الأبصار بعد ~~أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى ~~اليقين والمعاينة. وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر ~~والأبصار تصير زرقا. وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو ~~تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار، ~~ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى ~~الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أي ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين ~~أم من ناحية الشمال ومن أي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل ~~الشمائل. # قوله ليجزيهم متعلق بما قبله لفظا أو معنى أي يسبحون ويخافون أو يفعلون ~~هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة ~~وأكثر. وقيل: # أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها. قال مقاتل: إنما ~~ذكر الأحسن تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم ~~وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله ~~تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال. # وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة. ومعنى ويزيدهم من فضله كقوله ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ms3472 [يونس: 26] وقوله والله يرزق من يشاء بغير حساب ~~قد مر تفسيره في «البقرة» . وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في ~~النور بسببه يكون متمسكا بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم ~~والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي ~~الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاليه مثلا، أما المثل الدال على ~~خيبته في الآخرة فذلك قوله والذين كفروا أعمالهم كسراب قال الأزهري: هو ما ~~يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبها # PageV05P200 # بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب. وأما الآل فهو ما يتراءى ~~في أول النهار. وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما. والقيعة بمعنى القاع ~~وهو المستوي من الأرض. وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار. والظمآن ~~الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثوابا ~~عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته ~~وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ~~ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاء للحياة، فإذا جاءه ولم يجد ~~شيئا عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ~~وفراقه الدنيا. وهاهنا سؤال وهو أنه كيف قال جاءه فأثبت أنه شيء لأن العدم ~~لا يتصور المجيء إليه ثم قال لم يجده شيئا فنفى كونه شيئا؟ والجواب أراد ~~شيئا نافعا كما يقال «فلان ما عمل شيئا» وإن كان قد اجتهد. أو المراد جاء ~~موضع السراب فلم يجد هناك شيئا وأراد أنه تخيل أولا ضبابا وهباء شبه الماء ~~وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول ~~الحكماء. قوله ووجد الله أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه ~~إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: ~~نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في ~~الجاهلية ثم كفر في الإسلام. ms3473 وأما المثل الآخر فهو قوله أو كظلمات وقد يقال ~~معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول ~~لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة واللجي العميق الكثير الماء ~~منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج ~~وظلمة السحاب. وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله ~~الحسن. وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه. وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد ~~مظلم. والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه. ~~والضمير في أخرج للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال. # ومعنى لم يكد يراها لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي ~~الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله وما كادوا يفعلون ~~[البقرة: 71] قالت الأشاعرة في قوله ومن لم يجعل الله له نورا دلالة على أن ~~الهداية بتخليق الله تعالى وبجعله. وحمله المعتزلة على منح الألطاف وقد مر ~~أمثال ذلك مرارا. # ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال ~~مستفهما على سبيل التقرير ألم تر أن الله يسبح له وقد مر مثله في سورة ~~«سبحان» . والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة ~~الاستدلال. ومعنى صافات أنهن # PageV05P201 # يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل. وعلى الأول ~~فالضمير في صلاته وتسبيحه إما لكل أو لله. والمعنى كل مسبح قد علم صلاته ~~التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما ~~لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ~~ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء ~~في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات. ثم ~~بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ولله ملك السماوات الآية. ثم ذكر ~~دليلا آخر من الآثار العلوية قائلا ألم تر أن الله يزجي سحابا أي يسوقه ~~بالرياح ثم يؤلف بينه أي بين أجزائه ms3474 أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحابا ~~واحدا متراكما سادا للأفق فترى الودق المطر أو القطر يخرج من خلاله من ~~فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله من السماء من جبال فيها من برد ~~الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله من جبال مفعول ينزل ~~والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض ~~البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله أو كصيب من ~~السماء [البقرة: 19] معنى البرد وأنه بخار يجمد بعد ما استحال قطرات ماء. ~~قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالا من برد خلقها الله فيها كما خلق في ~~الأرض جبالا من حجر. # وقال أهل المعنى: السماء هاهنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد ~~بالجبال الكثرة كما يقال «فلان يملك جبالا من ذهب» ثم بين بقوله فيصيب به ~~إلى آخر الآية. أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك ~~بالبرد من يشاء أن يعذبه به ويعصم منه من يشاء أن يعصمه، ويريهم ضياء البرق ~~في السحاب بحيث يكاد يخطف أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل ~~والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، ~~والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين ~~من ظلمة التقليد إلى نور البرهان. ثم ذكر دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان ~~فقال والله خلق كل دابة من ماء قال علماء المعاني: التنكير في ماء للتنويع ~~أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء ~~مخصوص وهو النطفة. وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير ~~الثاني أكثر. وإنما عرف في قوله وجعلنا من الماء كل شيء حي [الأنبياء: 30] ~~لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس ~~الذي هو جنس الماء. وعن القفال أن قوله من ماء صفة دابة لا صلة خلق. ~~والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي ms3475 مخلوقة لله تعالى واحترز بها عن ~~الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله ~~من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على # PageV05P202 # وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش ~~إلا بالماء. # ثم بين أن أصلهم وإن كان واحدا إلا أن خلقتهم مختلفة فمنهم من يمشي على ~~بطنه وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق ~~لفظة من تغليب للعقلاء. وسمى الزحف على البطن مشيا على سبيل المشاكلة أو ~~الاستعارة نظيره قوله «فلان لا يتمشى له أمر» وقد يوجد من الدواب ذوات أرجل ~~أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له أربع ~~وأربعون رجلا المسمى «دخال الأذن» . وإنما لم يذكرها سبحانه لأنها نادرة ~~بالنسبة إلى سائرهن. ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد ~~وقت المشي على أربع فقط. # وقيل: إن في قوله تعالى يخلق الله ما يشاء تنبيها على سائر الأقسام، ولا ~~ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفا من ذلك تذكيرا ~~لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو ~~كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم ~~والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس ~~للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف ~~الألوان والأشكال والصلابة واللين، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب ~~إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في ~~الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات بريا ~~وبحريا أو بريا فقط أو بحريا فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على ~~جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري ~~والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر. فمنها ما له ms3476 مأوى معلوم كالروابي ~~أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين ~~في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة. ومن ~~الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء ~~أيضا، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير ~~الأسود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء. وقد يكون عديم الرجل كضرب من ~~الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر ~~التفرد كالعقاب. وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش ~~زوجا كالقطا والإنسان من الحيوان الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه ~~النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها. ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ~~ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوان ما هو إنسي كالإنسان، وما هو ~~إنسي بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر # PageV05P203 # كالفهد. ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطىء استئناسه كالأسد. ومن الحيوان ~~ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة ~~الجماع أشد تصويتا حتى الإنسان. ومنه ما له شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه ~~عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى ~~الخفاش. ومنه هادىء الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب ~~كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب ~~سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ~~ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق ~~الذي رآه. وفي قوله إن الله على كل شيء قدير إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان ~~بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار. # وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل أراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم ~~منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله لقد أنزلنا آيات مبينات وإنما فقد العاطف ms3477 ~~هاهنا بخلاف قوله ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا [النور: 34] لأن ~~المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض هاهنا توطئة مقدمة ~~لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق. وقوله وما أولئك إشارة إلى ~~الفريق المتولي. وإنما قال بالمؤمنين معرفا لأنه أراد أنهم ليسوا بالذين ~~عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم. ويحتمل أن يكون أولئك إشارة إلى جميع ~~القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ثم يتولى فريق منهم حكما على بعض ~~دفعا للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في ~~الآية الثانية إذا فريق منهم معرضون والحاصل أنه حكم أولا على بعضهم ~~بالتولي ثم صرح آخرا بأن الإيمان منتف عن جميعهم. ويجوز أن يراد بالفريق ~~المتولي رؤساء النفاق. # وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين. قال جار الله: معنى إلى ~~الله ورسوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كقولك «أعجبني زيد وكرمه» . ~~أما سبب نزول الآية. فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة ~~النساء في قوله يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [النساء: 60] # وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض ~~فتقاسما فدفع إلى علي منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة. فقال المغيرة: ~~بعني أرضك فباعها منه وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء. ~~فقال لعلي: اقبض أرضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني ~~وأنا أخاف أن يحيف علي. # قوله يأتوا إليه الجار صلة اتى فإنه قد يعدى # PageV05P204 # بإلى. قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا ~~يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته. ثم قسم ~~الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب ~~منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور ~~وإن كانت متلازمة ms3478 إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة. ثم بين بقوله ~~بل أولئك هم الظالمون أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم ~~مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم. ### | التأويل: # للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس. أما الأول ~~فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة ~~الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا ~~إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء يكاد زيتها ~~وهو عالم الأرواح يضيء أي يظهر من العدم إلى عالم الصورة المتولدة ~~بالازدواج عالم الغيب والشهادة ولو لم تمسسه نار ونور القدرة الالهية وذلك ~~لقرب طبيعتها من الوجود نور على نور فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني ~~نور العرش فهو كقوله الرحمن على العرش استوى [طه: # 5] وفي قوله يهدي الله لنوره من يشاء إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ~~ينقسم على كل من يريد الله تعالى إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى. وأما ~~التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة ~~شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل ~~لنور العرفان قبولا في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل ~~فإذا انضم إلى نور العقل صار نورا على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء ~~بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس ~~فتستضيء أرض البشرية كما قال وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] وهو مقام # «كنت له سمعا وبصرا» # الحديث: في بيوت هي القلوب أذن الله أمر وأراد أن ترفع درجاتها من بين ~~سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال # «وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن» # يروى أنه أوحى إلى داود عليه السلام «فرغ لي بيتا أسكن فيه» فقال: رب أنت ~~منزه عن البيوت. فقال: فرغ لي قلبك. # ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله ms3479 فلهذا قال ويذكر فيها اسمه لا ~~تلهيهم تجارة هي الفوز بدرجات الجنات كما قال هل أدلكم على تجارة تنجيكم ~~[الصف: 10] ولا بيع هو بيع الدنيا بالجنة كقوله إن الله اشترى إلى قوله ~~فاستبشروا ببيعكم [التوبة: 111] وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم ~~يلتفت إلى الدنيا # PageV05P205 # ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة ~~الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال يخافون يوما هو يوم ~~الفراق تتقلب فيه القلوب والأبصار والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ~~أو كظلمات في بحر لجي هو حب الدنيا يغشاه موج الرياء من فوقه موج هو حب ~~الجاه وطلب الرياسة من فوقه سحاب الشرك الخفي إذا أخرج يد سعيه واجتهاده لم ~~يكد يراها يرى طريق خلاصة ومن لم يجعل الله له نورا أي لم يصبه رشاش النور ~~الالهي في الأزل يزجي سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى. والودق هو ~~مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه. ~~ينزل من سماء القلب من جبال من قساوة فيها من برد هو برد القهر يقلب الله ~~ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر ~~الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب والله خلق كل ذي روح من ماء ~~هو روح محمد صلى الله عليه وسلم كما # قال «أول ما خلق الله روحي» # فمنهم من يمشي أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ~~أي يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين ~~وإن كان من ذوات الأربع ومنهم من يمشي على أربع هم أصحاب المناصب يركبون ~~الدواب البتة أفي قلوبهم مرض انحراف في الفطرة أم ارتابوا بتشكيك أهل البدع ~~والأهواء أم يخافون الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات ~~الباقية وإليه مآب. ### | [سورة النور (24) : الآيات 51 الى 64] # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ms3480 أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل ~~لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين (54) وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55) # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن ~~الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها ~~الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ~~ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة ~~العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم ~~على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته ~~والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع ~~عليم (60) # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) إنما المؤمنون ~~الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه إن الذين ms3481 يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ~~(62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (64) # PageV05P206 ### | القراآت: # ويتقه بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد. # وأبو عمرو طريق الهاشمي. بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو ~~عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد ~~عن ابن ذكوان. # بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه «تقه» بكتف فخفف، ~~وعلى هذا فالهاء ضمير فإن تحريك هاء السكت ضعيف. الباقون ويتقهى بالإشباع ~~فإن تولوا بإظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح كما استخلف مجهولا: ~~أبو بكر وعمار وليبدلنهم خفيفا: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد لا ~~يحسبن على الغيبة: ابن عامر وحمزة ثلاث عورات بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم ~~غير حفص # PageV05P207 # والمفضل. الآخرون بالرفع لبعض شأنهم بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع ~~وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام. يرجعون مبنيا للفاعل: ~~عباس ويعقوب. ### | الوقوف: # وأطعنا ط المفلحون ه الفائزون ه ليخرجن # ط لا تقسموا # ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول معروفة # ط تعملون # ه الرسول ج للشرط مع الفاء ما حملتم ط تهتدوا ط المبين ه من قبلهم ص أمنا ~~ط بناء على أن ما بعده مستأنف شيئا ط الفاسقون ه ترحمون ط في الأرض ج ~~لانقطاع النظم مع اتحاد المقول النار ط المصير ه مرات ط أي متى كذا وكذا ~~العشاء قف عند من قرأ ثلاث عورات بالرفع أي هو ثلاث لكم ط بعدهن ط أي هو ~~طوافون على بعض ص الآيات ط حكيم ه من قبلهم ط آياته ط حكيم ه ط بزينة ms3482 ط لهن ~~ط عليم ه صديقكم ط أشتاتا ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم طيبة ط للعدول ~~من المخاطبة إلى الغيبة تعقلون ه يستأذنوه ه ورسوله ط للشرط مع الفاء لهم ~~الله ط رحيم ه بعضا ط لو إذا ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب أليم ه والأرض ~~ط عليه ط فصلا بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة بما عملوا ه ~~عليم ه. ### | التفسير: # لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن ~~يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق. وعن الحسن أنه قرأ قول ~~المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى. قال جار الله: لأن أولى ~~الاسمين بكونه اسما أوغلهما في التعريف وأن يقولوا أوغل لأنه لا سبيل عليه ~~للتنكير بخلاف قول المؤمنين. # قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية وأن يقولوا يشبه المضمر كما ~~بينا في الأنعام في قوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا [الآية: 23] فلا ~~سبيل إلى تنكيره. ومعنى كان صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا ~~السمع والطاعة. عن ابن عباس ومن يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه ويخش ~~الله على ما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل من عمره فأولئك هم الفائزون ~~وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله تعالى للعمل بها. ثم حكى عن ~~المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة. # قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن ~~أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد ~~جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم # PageV05P208 # من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا ~~يجوز أن ينهى عنه. وقوله طاعة معروفة # مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من ~~هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة ~~معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص ms3483 من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة ~~بأنها بالقول دون الفعل. ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت ~~والعتاب. ومعنى فإن تولوا فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين. وما حمل الرسول هو ~~أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون ~~التبليغ مقرونا بالآيات والمعجزات أو كونه واقعا على سبيل المجاهرة لا ~~المداهنة. وهاهنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها ~~المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل ~~الصالح. وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ~~ليستخلفنهم أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني ~~إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة. وليمكنن لأجلهم الدين ~~المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، # كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل في الملأ ~~العظيم محتبيا ليس معه حديدة، # فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة وخزائنهم، ~~وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزا. ومحل يعبدونني نصب على الحال أي وعدهم ذلك ~~في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلا قال: ما لهم يستخلفون ~~ويؤمنون؟ فقال: يعبدونني وعلى الوجهين فقوله لا يشركون بدل من يعبدونني أو ~~بيان لها. وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله تعالى والإخلاص ~~له. ومن كفر بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ~~بعد حصول ذلك أو بعد ما ذكر فأولئك هم الكاملون في الفسق. قال أهل السنة: ~~في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله منكم للتبعيض وذلك ~~البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة ~~كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم ~~الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية. واعترض بأن قوله منكم ~~لم لا يجوز أن يكون للبيان، ms3484 ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو ~~إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟ سلمنا لكن لم لا يجوز أن ~~يراد به خلافة علي عليه السلام؟ والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد ~~عشر بعده؟ وقيل: إن في قوله ومن كفر بعد ذلك إشارة إلى الخلفاء المتغلبين ~~بعد الراشدين يؤيده قوله صلى الله عليه وسلم «الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ~~ثم # PageV05P209 # تصير ملكا عضوضا» وأقيموا الصلاة معطوف على أطيعوا وليس ببدع أن يقع بين ~~المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد. # من قرأ لا يحسبن على الغيبة فمفعولاه معجزين في الأرض أي لا يحسبن الكفرة ~~أحدا يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو ~~المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم ~~معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ومأواهم قال جار الله: هو ~~معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ~~ومأواهم النار. وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطا ~~للأذهان وترغيبا فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما ~~انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره هاهنا على وجه ~~أخصر فقال ليستأذنكم قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهرا ولكنه من باب ~~التغليب فيدخل فيه النساء. وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء ~~بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالا من الرجال. وظاهر قوله الذين ~~ملكت أيمانكم يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار ~~على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه ~~من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل «ليخفك أهلك وولدك» فظاهره ~~الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده. # وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا ~~إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه. ثم إنه هل يشمل الإماء؟ فعن ابن ms3485 عمر ومجاهد ~~لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد ~~يكره أيضا إطلاع الإناث عليها. عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس ~~آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن علي أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام ~~بين جاريتين. ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب. ومنهم من قال ~~للوجوب. ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه ~~في الأوقات الثلاثة فقط، ومنع لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في ~~غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين. قلنا: لو سلم فلا ~~نسخ أيضا لأن قوله غير بيوتكم لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص ~~والملكية، والعبد لا يملك شيئا فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين ~~لم يحتلموا من الأحرار وهذا معنى قوله منكم أن يستأذنوا ثلاث مرات في اليوم ~~والليلة. إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ~~ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد # PageV05P210 # الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالبا، وثالثها بعد صلاة العشاء ~~يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم. ثم بين ~~حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ثلاث عورات فمن قرأ ثلاث بالرفع فظاهر ~~كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ثلاث مرات ~~أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ثلاث مرات ظرف ويجوز أن ~~يكون ثلاث مرات مصدرا بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ثلاث عورات تفسيرا ~~وبيانا للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديرا. وأصل العورة الخلل ومنه ~~الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور ~~المكان إذا خيف فيه القطع. قال جار الله: إذا رفعت ثلاث عورات فمحل هذه ~~الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم ms3486 ~~يكن له محل وكان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. # ثم بين وجع العذر بقوله طوافون عليكم وهم الذين يكثرون الدخول والخروج ~~والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه. ~~وارتفع بعضكم بالإبتداء وخبره على بعض أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف ~~بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوافون. وفي الآية دلالة على وجوب اعتبار ~~العلل في الأحكام ما أمكن. # يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاما أنصاريا أرسله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه ~~فقال عمر: # لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه ~~الساعات إلا بإذن. ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده وقد ~~أنزلت عليه هذه الآية. # ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا ~~بإذن في جميع الأوقات. ومعنى الذين من قبلهم الذين بلغوا الحلم من قبلهم ~~وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا الآية. ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟ اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغا ~~وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة ~~سنة فهو بالغ حكما لما # روي أن ابن عمر عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزه وكان ~~له أقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة ~~فأجازه. # وعن بعض السلف ويروى عن علي عليه السلام أيضا أنه كان يعتبر القامة ويقدر ~~بخمسة الأشبار # وعليه يحمل قول الفرزدق: # ما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما وأدرك خمسة الأشبار # PageV05P211 # وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة ~~النساء. # وإنما ختم هذه الآية بقوله كذلك يبين الله لكم آياته وقبلها وبعدها لكم ~~آياته لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي ms3487 في الأولى الأوقات ~~الثلاثة، وفي الآخرة من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى آخرها ومثلهما في قوله ~~يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات ~~[النور: 17] يعني حد الزانيين وحد القاذف. وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها ~~علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد سبحانه بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى ~~نفسه. والله عليم بمصالح العباد حكيم في أوامره ونواهيه. ثم بين حكم النساء ~~اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال والقواعد وهي جمع «قاعد» بغير هاء ~~كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه ~~من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ~~ولذلك أكد بقوله اللاتي لا يرجون نكاحا أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن ~~وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا ~~شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال ~~المفسرون: المراد بالثياب هاهنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار. ~~وعن ابن عباس أنه قرأ أن يضعن جلابيبهن وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن ~~رؤوسهن، خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، ~~فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهرة. وإنما ~~أبيح وضع الثياب حال كونهن غير متبرجات بزينة أي غير مظهرات شيئا من الزين ~~الخفية المذكورة في قوله ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو غير قاصدات ~~بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه. وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما ~~يجب إخفاؤه من قولهم «سفينة بارج لا غطاء عليها» . والبرج سعة العين يرى ~~بياضها محيطا بسوادها لا يغيب منه شيء. واختص التبرج في الاستعمال بتكشف ~~المرأة للرجال. # وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيها على اختيار الأفضل في كل باب فقال ~~وأن يستعففن خير لهن وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض ~~الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة. وسئل بعض ms3488 الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر ~~النساء فقال: # لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز ~~بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحداهما عدم رؤية الحسان، ~~والثانية لزوم رؤية القباح. ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها ~~الإذن فقال ليس على الأعمى حرج نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ~~ثم قال ولا على أنفسكم أن تأكلوا فذهب # PageV05P212 # ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ~~ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة. ووجه صحة العطف التقاء ~~الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج. قال جار الله: مثال هذا ~~أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر ~~فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على ~~النحر. وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت ~~أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب ~~الكل ريبة خوفا من أن يكون أكلا بغير حق لقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل [البقرة: 188] فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على ~~أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك. قال ~~قتادة: # كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا. ~~والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم. وروى الزهري عن سعيد بن ~~المسيب وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في ~~بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا ~~يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازيا وخلف مالك بن زيد في ماله ~~وبيته، فلما رجع رآه مجهودا فقال: ما أصابك؟ قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل ~~لي أن آكل من مالك. فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا ~~عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت. قال ms3489 الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون ~~مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا أرى شيئا فربما آخذ الأجود ~~وأترك الرديء، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، ~~والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من أسباب الكراهة. وأيضا كان المؤمنون ~~يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأكله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ~~فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل ~~الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج. # ثم إنه تعالى عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعا: الأول قوله من بيوتكم ~~وفيه سؤال: وهو أنه أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟ والجواب ~~أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء. وقال ~~ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن ~~الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، # وفي الحديث «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه» «1» ~~PageV05P213 # وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله أو ما ملكتم ~~مفاتحه وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ~~لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها ~~في يده وحفظه. وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة. ~~وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه. الحادي عشر قوله أو ~~صديقكم ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحدا وجمعا كالعدو. وعن ~~الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره ~~فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه ~~سرورا وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة. # وعن جعفر الصادق بن محمد عليه السلام: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله ~~من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن. # قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام ms3490 الإذن ~~الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في ~~الأكل منه. احتج أبو يوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم ~~وذلك أنه تعالى أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزا ~~منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه. فأجاب بأن السارق لا يكون ~~صديقا للمسروق منه. واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه ~~المواضع لا تتوقف على الاستئذان. فعن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل. ~~وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلك مباحا في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك # بقوله صلى الله عليه وسلم «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» # ومما يدل على هذا النسخ قوله لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه [الأحزاب: 53] وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة. ~~وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [المجادلة: 22] وقيل: إن هؤلاء القوم كانت ~~تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله ~~بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق. وإذا ~~علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى ~~القول بالنسخ. # وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية ~~الأكل فقال ليس عليكم جناح أن تأكلوا وانتصب قوله جميعا أو أشتاتا على ~~الحال أي مجتمعين أو متفرقين. والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به. ~~ثم أجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من ~~كنانة كانوا يتحرجون # PageV05P214 # عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظرا نهاره إلى الليل فإن لم ~~يجد من يؤاكله أكل. وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا ~~يأكلون إلا ms3491 مع ضيفهم. وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاما عزلوا ~~للأعمى طعاما على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب. ~~وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفا من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو ~~يؤذى فرفع الله الحرج. ثم علمهم أدبا جميلا قائلا فإذا دخلتم بيوتا أي من ~~البيوت المذكورة لتأكلوا فسلموا على أنفسكم أي ابدءوا بالسلام على أهلها ~~الذين هم منكم دينا وقرابة وانتصب تحية ب فسلموا نحو «قعدت جلوسا» . ومعنى ~~من عند الله أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب ~~حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده. ووصفها ~~بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب ~~الرزق وتضعيف الثواب. # عن أنس قال: كنت واقفا على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على ~~يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟ قلت: بلى بأبي وأمي ~~يا رسول الله. قال: متى لقيت من أمتي أحدا فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت ~~بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار ~~الأوابين. # قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل «السلام علينا من ربنا، ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ومن صور الإذن قوله سبحانه إنما ~~المؤمنون الآية. والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه إذا كانوا معه على أمر جامع وهو الذي ~~يجمع له الناس. # فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازا. قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه ~~من الأمور التي يعم ضررها ونفعها. وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء ~~تكون فيه الخطبة. # وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم ~~وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ويشعب عليه رأيه. قال الجبائي: ms3492 في الآية دلالة ~~على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لحاز أن يكونوا كاملي ~~الإيمان وإن تركوا الاستئذان. وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا ~~نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافا. قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه ~~الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله ~~والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه ~~بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين. ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده ~~على أسلوب آخر وهو قوله إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض ~~بحال المنافقين وتسللهم لواذا. وفي قوله لبعض شأنهم دليل على # PageV05P215 # أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن. وفي قوله فأذن لمن شئت ~~منهم دلالة على أنه تعالى فوض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورأيه. وزعم ~~قتادة أنها منسوخة بقوله لم أذنت لهم [التوبة: 43] وفي قوله واستغفر لهم ~~الله وجهان: # أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا ~~يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبرا لهم على تمسكهم ~~بإذن الله تعالى في الاستئذان. # ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله لا تجعلوا دعاء الرسول أي لا تقيسوا دعاءه ~~إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضا ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، ~~وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع ~~الأئمة والمتقدمين. هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن ~~جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا «يا محمد» ولكن «يا نبي الله ويا رسول ~~الله» مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض. وقيل: أراد احذروا دعاء الرسول ~~ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره. والتسلل الانسلال ~~والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك ~~بهذا. وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على ~~سبيل الملاوذة وهو استتار ms3493 بعضهم ببعض. وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي ~~أذن له فينطلق معه. قال مقاتل: هذا في الخطبة. وقال مجاهد: في صف القتال. # وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن. ومعنى قد ~~يعلم يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في «البقرة» في قوله قد نرى تقلب ~~وجهك [البقرة: # 144] يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه وأقدم هو وخالفته إلى القتال أي ~~أقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال ~~والعذاب الأليم هو عذاب النار. وعن جعفر بن محمد عليه السلام: الفتنة أن ~~يسلط عليهم سلطان جائر. وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر ~~للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن ~~الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفا ~~والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا. واعترض عليه بأن ~~موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن ~~الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة ~~الأمر. ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن ~~الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر ~~رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال «أمر ~~فلان مستقيم» وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون # PageV05P216 # واجبا علينا. ثم بين كمال قدرته وعمله بقوله ألا إن لله إلخ. تأكيد ~~الوجوب الحذر. قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ما أنتم عليه ويوم ~~يرجعون كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل ~~النفاق. وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاما للمنافقين. والفاء في قوله ~~فينبئهم لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك وربك فكبر [المدثر: 3] . ### | التأويل: # ومن يطع الله ورسوله فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ويخشى ~~الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه فأولئك هم الفائزون بالوصول ms3494 والوصال ~~وصالا بلا انفصال وزوال لئن أمرتهم بالخروج عن غير الله طاعة معروفة # بالفعل دون القول ليستخلفنهم ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في ~~أرض البشرية من القوة إلى الفعل. وليمكنن كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه ~~على اختلاف مراتبهم وطبقاتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم ~~وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة ~~وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على ~~الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض وليبدلنهم من بعد خوفهم من الشرك الخفي ~~أمنا يعبدونني بالإخلاص لا يشركون بي شيئا من مطالب الدنيا والآخرة ~~ليستأذنكم المريدون الذين هم تحت تصرفكم والذين لم يبلغوا أوان الشيخوخة ~~ثلاث مرات في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم ~~في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان. والقواعد فيه إشارة ~~إلى أن المريد إذا صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من ~~متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار ~~والكتمان خير له ليس على الأعمى حرج قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف ~~بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا ~~بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال «كنت ~~له سمعا» الحديث. فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون ~~فلا حرج في الشرع على من يكون مستعدا لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفسا ~~إلا وسعها. وفي قوله ولا على أنفسكم إلخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب ~~النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ~~ومراتبها كما قال فيها ما تشتهيه الأنفس [الزخرف: 71] وفي قوله أو ما ملكتم ~~مفاتحه إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل ~~القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب. # قوله أو صديقكم فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ~~ينعكس نور ms3495 # PageV05P217 # ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها ~~بمجرد أعماله: # ليس عليكم جناح فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة ~~واحدة أو من درجات شتى. فإذا دخلتم بيوتا أي بلغتم منزلا من المنازل فسلموا ~~أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل ~~أعلى وأطيب إنما المؤمنون فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن ~~شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته أن تصيبهم فتنة من المال أو الجاه ~~أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ~~ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان. # PageV05P218 ### | (سورة الفرقان) # (مكية غير آية نزلت بطائف ألم تر إلى ربك حروفها 3780 كلمها 872 آياتها ~~77) ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك ~~السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3) وقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤ ظلما وزورا (4) # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله ~~الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) وقالوا مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ~~(7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ~~(9) # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا (10) بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا ~~رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ms3496 ~~ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا كثيرا (14) # قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) ~~لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا (16) ويوم يحشرهم وما ~~يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم ~~وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20) # PageV05P219 ### | القراآت: # جنة نأكل بالنون: حمزة وعلي وخلف. الباقون بالياء التحتانية ويجعل لك ~~بالرفع: ابن عامر وأبوبكر وحماد والمفضل وابن كثير. الباقون بالجزم وذلك أن ~~الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جزائه الرفع والجزم يحشرهم فيقول كلاهما ~~بالياء: # ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما. ~~الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني أن يتخذ على البناء للمفعول: ~~زيد ويزيد بما تقولون بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل. ~~تستطيعون على الخطاب: # حفص غير الخزاز. ### | الوقوف: # نذيرا ه لا بناء على أن ما بعده بدل من الذي نزل والتعليل من تمام الصلة، ~~ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف. تقديرا ه ولا نشورا ه آخرون ج ~~لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون فقد جاؤ من قول الكفار أي ~~جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور وزورا ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف ~~المتفقتين مع عوارض وطول الكلام وأصيلا ه والأرض ط رحيما ه الأسواق ط نذيرا ~~ه منها ط مسحورا ه سبيلا ه الأنهار ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف قصورا ~~ه سعيرا ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافا وزفيرا ه ثبورا الأول ه ط ~~كثيرا ه المتقون ط لانتهاء الاستفهام ms3497 مصيرا ه خالدين ط مسؤلا ه السبيل ه ~~الذكر ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ~~بورا ه تقولون ه إلا لمن قرأ تستطيعون بتاء الخطاب نصرا ج ه للشرط مع العطف ~~كبيرا ه في الأسواق ط فتنة ط أتصبرون ج لاحتمال كون الواو للحال بصيرا ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه تكلم في هذه السورة أولا في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في ~~النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين ~~الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب. ومعنى تبارك كثر خيره ~~وزاد أو تعالى عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله تعالى فتبارك الله أحسن ~~الخالقين [المؤمنون: 14] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق ~~والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله تبارك دليل على أن كل البركة والخير ~~إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فلذلك صح ~~إيقاعها صلة للذي. والضمير في ليكون لعبده أو للفرقان كقوله إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج ~~الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثا إلى الجن والإنس إلى آخر # PageV05P220 # مدة التكليف. والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير. قالت المعتزلة: لو لم ~~يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيرا للكل. وعورض بنحو قوله ولقد ذرأنا ~~لجهنم [الأعراف: 179] والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه تعالى بالبركة ~~والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض ~~اللذات العاجلة. ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها الذي له ملك السماوات ~~والأرض وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء ~~وغيره. الثانية ولم يتخذ ولدا وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ولم يكن له ~~شريك في الملك وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك ~~الخفي أيضا، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا قال جار الله: المعنى ms3498 أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه ~~التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير ~~نظر إلى وجه الاشتقاق وهو ما فيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه ~~قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا، أو أحدثه فقدره للبقاء ~~إلى أمد معلوم. وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن ~~الإلباس أي قدره في الأزل تقديرا فخلفه في وقته موافقا لذلك التقدير. # والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله الله خالق كل شيء ~~[الزمر: 62] ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلا واتخذوا الآية. وحاصله ~~أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو ~~الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء ~~إلا بإذن الله، فتكون الآية ردا على الكل. وإنما قال في هذه السورة من دونه ~~لتقدم الذكر مفردا وفي مريم ويس من دون الله [يس: # 74 ومريم: 48] لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيما فلن يكن بد من التصريح. # وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهات منكري النبوة ~~والأجوبة عنها. # فالشبهة الأولى قولهم إن هذا إلا إفك افتراه أرادوا أنه كذب في نفسه أو ~~أرادوا أنه كذب في إضافته إلى الله تعالى. وقوله وأعانه عليه قوم آخرون ~~نظير قوله تعالى إنما يعلمه بشر لسان الذي [النحل: 103] وقد مر ما قيل في ~~سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله فقد جاؤ ظلما وزورا ~~أي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه. # وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض أي أتوا بالظلم والزور. فالظلم هو أنهم ~~نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله. إلى من هو عندهم في غاية ~~الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف، فلو أنصفوا ~~من أنفسهم لعلموا أن العربي لا # PageV05P221 # يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ~~ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم. قال أبو ms3499 مسلم: الظلم تكذيبهم ~~الرسول والزور كذبهم عليه. # الشبهة الثانية قولهم أنه أساطير الأولين أي أحاديث سطرها المتقدمون ~~كأخبار الأعاجم اكتتبها لنفسه كقولك «استكب الماء» أي سكبه لنفسه وأخذه وقد ~~يظن أن في الكلام قلبا لأنه يقال «أمليت عليه فهو يكتتبها» وأجيب بأن ~~المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى ~~عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على ~~الكاتب. قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه ~~عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله بكرة وأصيلا أي دائما أو في الخفية ~~قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم. فأجاب عن هذه الشبهة بقوله قل ~~أنزله الذي يعلم السر الآية. والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على ~~الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض ~~والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد. قال ~~أبو مسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد ~~والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة ~~والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة. وقيل: هو تنبيه على ~~أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه. # الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ما لهذا الزاعم ~~أنه رسول أي ما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش ~~كما نتردد. زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش، ثم ~~نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنسانا معه ملك يعضده ويساعده في باب ~~الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهرا بكنز يلقى إليه من السماء حتى ~~لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد من ~~الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين. ~~وانتصب فيكون لأنه جواب «لولا» بمعنى «هلا» وحكمه حكم الاستفهام ومحل أنزل ms3500 ~~الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين وقال ~~الظالمون من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم ~~كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله. والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال ~~الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون ~~قولا يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقا إليه. وقد مر مثل هذه ~~الآية في أواسط سورة بني إسرائيل. # PageV05P222 # وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله تبارك أي ~~تكاثر خبر الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوا: ثم فسر ذلك الخير ~~بقوله جنات عن ابن عباس: خيرا من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة. ~~وعنه في رواية عكرمة خيرا من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش. وفي قوله إن ~~شاء دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته. وقيل: «إن» بمعنى «إذ» أي قد ~~جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصورا. والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون ~~لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة. وقال مجاهد: إن شاء ~~جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصورا. # عن طاوس عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ~~وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في ~~زيارتك. فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن ~~يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها أحدا قبلك ولا يعطيها أحدا بعدك من غير أن ~~ينقصك مما ادخر لك شيئا. فقال صلى الله عليه وسلم: بل يجمعها لي في الآخرة ~~فنزلت هذه الآية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم: عرض علي جبرائيل عليه السلام بطحاء مكة ~~ذهبا فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات. # وفي رواية أشبع يوما وأجوع ثلاثا فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت. # قوله بل كذبوا بالساعة عطف على ما حكى ms3501 عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك ~~كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا ~~يرجون ثوابا ولا عقابا. ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس ~~المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالا للاستعداد لها. ~~وأعتدنا جعلناها عدة ومعدة لهم. وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل ~~أن يقال: هو كقوله ونادى [الأعراف: 48] وسيق [الزمر: 73] قالت الأشاعرة: ~~البنية ليست شرطا في الحياة وتوابعها فأجروا قوله إذا رأتهم على ظاهره ~~وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار. والمعتزلة ~~أولوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم من قولهم «دورهم تتراءى وتتناظر» كأن ~~بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز. والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في ~~البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر. وقال الجبائي: # ذكر النار وأراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا ~~على الكفار وشهوة للانتقام منهم. قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا ~~يكون مسموعا فكيف قال الله سبحانه سمعوا لها تغيظا وأجيب بأن المراد سماع ~~ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ. قاله ~~الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا كما قال الشاعر: # PageV05P223 # متقلدا سيفا ورمحا # يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي. # وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عند ما يلقون ~~فيها. # عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح. # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: والذي نفسي بيده إنهم ~~يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط. # قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في ~~تلك الأبواب الضيقة. وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ~~ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. # وجاء ms3502 في الأحاديث «إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا» . # وقال الصوفية: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا [الأنعام: 125] ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل ~~والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم. والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بوا ~~ثبوراه أي يقال يا ثبور فهذا أوانك وهاهنا إضمار أي يقال لهم لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول. ومعنى ~~وادعوا ثبورا كبيرا أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا إنما هو ثبور ~~كثير. إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو ~~لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ~~ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة. قال الكلبي: نزل ~~هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات. ثم وبخهم بقوله قل ~~أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به ~~وليس هذا الاستفهام كقول القائل «السكر أحلى أم الصبر» ولكن الغرض منه ~~التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضربا وجيعا ~~ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟ # والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن ~~نعيمها لا ينقطع. # قالت الأشاعرة: في قوله وعد دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد ~~والفضل لا لأجل العمل. وقالت المعتزلة: في قوله المتقون إشارة إلى أن الجنة ~~لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ~~كانت لهم جزاء ومصيرا أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل ~~هناك. قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين ~~خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم. أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون ~~بإدخال الله أهل العفو الجنة؟ قال جار الله: ذكر # PageV05P224 # المصير مع ذكر الجزاء مدحا ms3503 للثواب ومكانه كقوله نعم الثواب وحسنت مرتفقا ~~[الكهف: 31] وفي قوله لهم فيها ما يشاؤن دلالة على أن حصول المرادات بأسرها ~~لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات. ~~والضمير في كان ل ما يشاؤن واستدلت المعتزلة بقوله على ربك أن ذلك واجب على ~~الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم. وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ~~وعدا مسؤلا كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة ~~في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك [آل عمران: ~~194] أو سألته الملائكة في قولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم [غافر: ~~8] أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد ~~على المؤمنين. # قوله يوم نحشرهم رجوع إلى قوله واتخذوا من دونه آلهة وظاهر قوله وما ~~يعبدون أنها الأصنام وظاهر قوله أأنتم أضللتم أنه من عبد من العقلاء ~~كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ~~ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله تعالى فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد ~~أنهم تكلموا بلسان الحال. وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين ~~العقلاء نظيره قوله ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا ~~يعبدون [سبأ: 40] ثم قالوا: إن لفظة «ما» قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به ~~الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: «ما زيد» ~~تريد أطويل أم قصير. والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه. وإنما قال أنتم ~~وهم ولم يقل «أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل» ، لأن السؤال وقع عمن ~~تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال. وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن ~~يجيب المعبودون بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال ~~لعيسى أأنت قلت للناس [المائدة: 116] وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل ~~إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو ~~للطريق. قالوا سبحانك تعجبا مما قيل لهم ms3504 لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما ~~أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا ب سبحانك ليدلوا على ~~أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟ ~~أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما ندا، أو ~~قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفادة علم أو إيذاء من كان ~~بريئا من الجرم بل إنما سألهم تقريعا للكفار وتوبيخا لهم. # PageV05P225 # من قرأ أن نتخذ بفتح النون فظاهر وهو متعد إلى واحد والأصل أن نتخذ ~~أولياء من دونك فزيدت «من» لتأكيد معنى النفي. ومن قرأ بضم النون فهو متعد ~~إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء. ولا تكون «من» زائدة لأنها ~~لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا تقول ما اتخذت ~~أحدا من ولي ف «من» للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء أو تنكير أولياء من حيث ~~إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ~~ندعوهم إلى عبادتنا. وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن ~~المعنى إذا كنا لا نرى أن نتخذ من دونك وليا فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟ # الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما ~~تولاهم الكفار. قال تعالى فقاتلوا أولياء الشيطان [النساء: 76] يريد الكفرة ~~عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك ~~من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا. أو قالت الملائكة: أنا ~~وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك وليا. الرابع قالت ~~الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادعاء أنا من ~~المعبودين. وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن ~~الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعا. والذكر ذكر ~~الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا ~~والآخرة. قالت ms3505 المعتزلة: في قوله ولكن متعتهم إلخ. دليل بين على أن الله عز ~~وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت ~~أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم ~~تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سبب الكفر ~~ونسيان الذكر. فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا. وقالت الأشاعرة: بل ~~فيه دلالة على أن الله تعالى هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي ~~أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن ~~التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك. أما قوله وكانوا قوما ~~بورا فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل ~~وحول. وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال «رجل بور» أي فاسد هالك لا خير فيه ~~«وامرأة بور» و «قوم بور» كما يقال «أنت بشر» و «أنتم بشر» . قالت ~~المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال. وقالت الأشاعرة: أراد ~~أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما ~~صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضا. # قوله فقد كذبوكم التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه ~~قال: # PageV05P226 # إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة. أو بقولهم سبحانك ما ~~كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة. قال جار الله: الباء في ~~الأول كقوله بل كذبوا بالحق والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: ~~فقد كذبوا بما تقولون. وفي الثاني كقولك «كتبت بالقلم» . فما تستطيعون أنتم ~~يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم. وقيل: الصرف ~~التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله. # وقيل: الحيلة من قولهم «إنه ليتصرف» أي يحتال. ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ~~ومن يظلم الآية. فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ~~ظلم لقوله ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون [الحجرات: 11] والإنصاف ms3506 أنه لا ~~دلالة في الآية على مطلوبهم لأن «من» ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن ~~سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله منكم ولئن سلم فلعله مشروط ~~بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة ~~العذاب لا تدل على الخلود. ثم بين بقوله وما أرسلنا الآية. أنه لا وجه ~~لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل ~~رسله. قال الزجاج: الجملة بعد «إلا» صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا ~~قبلك أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين. وإنما حذف لأن في قوله من ~~المرسلين دليلا عليه نظيره وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] أي ~~وما منا أحد. وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم. وقال ~~ابن الأنباري: # المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالا كقوله وما أهلكنا من قرية ~~إلا ولها كتاب معلوم [الحجر: 4] قوله وجعلنا بعضكم لبعض فتنة قال الكلبي ~~والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء ~~الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد أسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على ~~كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله تعالى لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه [الأحقاف: 11] وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء ~~والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل ~~والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما # روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم «ويل للعالم من الجاهل ~~وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل ~~للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية» # وقال آخرون: # إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مع مساواته ~~إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم ~~العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال ~~وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين. قالت الأشاعرة: ms3507 في ~~هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر. وقال الجبائي: هذا # PageV05P227 # الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلانا لص إنه جعله لصا. قال في ~~الكشاف: # موقع أتصبرون بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا [الملك: 2] قلت: أراد أن كلا من الابتلاء والفتنة يستدعي ~~التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي يفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم ~~لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد ~~كقوله فهل أنتم منتهون [المائدة: 91] ويؤيده قوله وكان ربك بصيرا عالما بمن ~~صبر ومن لا يصبر فيجازي كلا منهم بحسب ذلك. وقيل: # في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من الفقر فقد جعل ~~الأغنياء فتنة للفقراء. وقيل: # جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ~~ولو كنت غنيا صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص. وقالت ~~الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما ~~يقولون والله أعلم. # تم الجزء الثامن عشر، ويليه الجزء التاسع عشر وأوله: وقال الذين لا يرجون ~~لقاءنا ... # PageV05P228 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء التاسع عشر من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 21 الى 50] # وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد ~~استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه ~~هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق ~~السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (25) # الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني ~~لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان ~~للإنسان خذولا (29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ~~(30) # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال ms3508 ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين ~~يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) ولقد آتينا ~~موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) # فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم ~~نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا ~~له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ~~ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل ~~سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن ~~أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم ~~سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا ~~أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا (50) # PageV05P229 ### | القراآت: # تشقق بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة «ق» : # عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو. والآخرون بالتشديد للإدغام. وننزل من ~~الإنزال الملائكة بالنصب: ابن كثير. الباقون وينزل ماضيا مجهولا من التنزيل ~~الملائكة بالرفع. يا ليتني اتخذت بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو قومي اتخذوا ~~بفتح الياء: # أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. وثمود بغير تنوين في ~~الحالين: # حمزة وسهل ويعقوب وحفص. الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا ~~القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر. الريح على التوحيد: ابن كثير بشرا مذكور ~~في «الأعراف» . # ميتا ms3509 بالتشديد: يزيد ونسقيه بفتح النون: المفضل والبرجمي الباقون بضمها. ### | الوقوف: # ربنا ط كبيرا ه ط محجورا ه منثورا ه مقيلا ه تنزيلا ه للرحمن ط عسيرا ه ~~سبيلا ه خليلا ه إذ جاءني ط لأن ما بعده من أخبار الله تعالى ظاهرا، ويحتمل ~~أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم. خذولا ه مهجورا ه المجرمين ه ط ونصيرا ~~ه واحدة ج على تقدير فرقنا إنزاله كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ~~كذلك والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم أضمرت فعلا ~~أي فرقناه لنثبت. ترتيلا ه تفسيرا ه ط لأن ما بعده مبتدأ جهنم لا لأن ما ~~بعده خبر سبيلا ه وزيرا ه ج للآية ولفاء العطف بآياتنا ط للفاء الفصيحة أي ~~فذهبا وبلغا فعصوهما فدمرناهم تدميرا ه ط لأن قوم نوح منصوب بمحذوف أي ~~وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم آية ط لأن ما بعده مستأنف أليما ج للآية ولاحتمال ~~عطف عادا على الضمير في جعلناهم واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عادا ~~كثيرا ه الأمثال ز فصلا بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ~~تتبيرا ه السوء ط يرونها لا للعطف مع الإضراب. نشورا # PageV05P230 # ه هزوا ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي رسولا ه عليها ط لانتهاء ~~مقولهم سبيلا ه هواه ط وكيلا ه لا للعطف يعقلون ه ج لابتداء النفي سبيلا ه ~~الظل ج لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع اتحاد المقصود ساكنا ج للعدول مع ~~العطف دليلا ه يسيرا ه نشورا ه رحمته ج للعدول طهورا ه ج لتعلق اللام كثيرا ~~ه ليذكروا ز والوصل أولى للفاء كفورا ه. ### | التفسير: # هذه شبهة رابعة لمنكري النبوة وإنهم في قول الكلبي أبو جهل والوليد ~~وأضرابهما، وتقريرها أن الحكيم لا بد أن يختار في مقصده طريقا يكون أسهل ~~إفضاء إليه، ولا شك أن إنزال الملائكة ليشهدوا على صدق محمد أعون على ~~المطلوب، فلو كان محمد صادقا لكان مؤيدا بإنزال الملائكة الشاهدين بصدقه. ~~قال الفراء: معنى لا يرجون ms3510 لا يخافون، والرجاء في لغة تهامة الخوف، وقال ~~غيره: الرجاء على أصله وهو الأمل إلا أن الخوف يلزمه في هذه الصورة فإن من ~~لا يرجو الجزاء والمعاد لا يخاف العقاب أيضا. # واللقاء الوصول لا بمعنى المكان والجهة فإنه تعالى منزه عن ذلك بل بمعنى ~~الرؤية عند الأشاعرة، أو على إرادة الجزاء والحساب عند المعتزلة، وقد مر في ~~أوائل البقرة في قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ~~[البقرة: 46] ولعل تفسيره بلقاء الجزاء أنسب في هذا المقام لئلا يناقض ~~قوله: أو نرى ربنا أي جهرة وعيانا فيأمرنا بتصديقه واتباعه اللهم إلا أن ~~يراد: إن الذين لا يرجون رؤيتنا في الآخرة اقترحوا رؤيتنا في الدنيا. قال ~~جار الله: لا يخلو إما أن يكونوا عالمين بأن الله عز وجل لا يرسل الملائكة ~~إلى غير الأنبياء وإنه تعالى لا يصح أن يرى وإنما علقوا إيمانهم بما لا ~~يكون، وإما أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى ~~الآيات التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم كما فعل قوم موسى حين قالوا لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة [البقرة: 55] . # ثم إنه سبحانه أجاب عن شبهتهم بقوله: لقد استكبروا في أنفسهم أي أضمروا ~~الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه. ثم نسبهم إلى ~~الإفراط في الظلم بقوله وعتوا ثم وصف العتو بالكبر. قال جار الله: اللام ~~جواب قسم محذوف وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفيها معنى التعجب كأنه ~~قال: ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم! وقال في التفسير الكبير: تحرير هذا ~~الجواب من وجوه أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزا فقد تمت دلالة نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فبعد ذلك لا يكون اقتراح أمثال هذه الآيات إلا محض ~~الاستكبار والاستنكار. وثانيها أن نزول الملائكة لو حصل لكان أيضا من جملة ~~المعجزات، ولا يدل على الصدق لخصوص كونه بنزول الملك بل لعموم كونه معجزا ~~فيكون قبول ذلك # PageV05P231 # ورد الآخر ترجيحا لأحد المثلين من غير مرجح. وثالثها أنهم ms3511 بتقدير رؤية ~~الرب وتصديقه لرسوله لا يستفيدون علما أزيد من تصديق المعجزات، لا فرق بين ~~أن يقول النبي اللهم إن كنت صادقا فأحي هذا الميت فيحييه، وبين أن يقول إن ~~كنت صادقا فصدقني فتعيين أحد الطرفين محض العناد. ورابعها أن العبد ليس له ~~أن يعترض على فعل مولاه إما بحكم المالكية عند الأشعري أو بحكم المصلحة عند ~~المعتزلي. وخامسها أن السائل الملح المعاند الذي لا يرضى بما ينعم عليه ~~مذموم وإظهار المعجز من جملة الأيادي الجسيمة فرد إحداها واقتراح الأخرى ~~ليس من الأدب في شيء. وسادسها لعل المراد أني لو علمت بأنهم ليسوا مستكبرين ~~عاتين لأعطيتهم مطلوبهم لكني علمت إنهم إنما سألوا لأجل المكابرة والعناد ~~فلا جرم لا أعطيهم. وسابعها لعلهم عرفوا من أهل الكتاب أن الله تعالى لا ~~يرى في الدنيا وأنه لا ينزل الملائكة على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا ~~إيمانهم على ذلك فهم مستكبرون ساخرون. واستدلت الأشاعرة بقوله: لا يرجون ~~لقاءنا على أن رؤية الله مرجوة. # واستدلت المعتزلة بقوله لقد استكبروا وعتوا أن اقتراح الرؤية مستنكر ولا ~~يخفى ضعف الاستدلالين. وانتصب يوم يرون بإضمار «اذكر» فيكون لا بشرى ~~مستأنفا أو بما دل عليه لا بشرى أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى بالجنة ~~وبرؤية الحق. # يومئذ للتكرير وقوله للمجرمين ظاهر في موضع الضمير أو عام فيتناول هؤلاء ~~لعمومه، ولأجل هذا العموم استدلت المعتزلة به على القطع بوعيد كل مجرم وإن ~~كان من أهل القبلة، وحمل الأشاعرة الجرم على الكفر. # أما قوله: حجرا محجورا فإنها كلمة يتلفظ بها عند لقاء عدو أو هجوم نازلة، ~~يضعونها موضع الاستعاذة يقول الرجل للرجل: تفعل كذا؟ فيقول: حجرا. وقد ذكره ~~سيبويه في باب المصادر التي ترك إظهار فعلها نحو «معاذ الله وعمرك الله ~~ومعناه منعا» أي أسأل الله أن يمنع ذلك منعا كما أن المستعيذ طالب من الله ~~عز وجل أن يمنع المكروه. # ووصفه بالمحجور للتأكيد كما يقال «شعر شاعر وجد جده» . والأكثرون على أن ~~القائلين هم الكفار إذا رأوا الملائكة عند الموت ms3512 أو يوم القيامة كرهوا ~~لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فيقولون ما كانوا ~~يقولونه عند نزول كل شدة. وقيل: هم الملائكة ومعناه حراما محرما أي جعل ~~الله الجنة والغفران أو البشرى حراما عليكم. يروى أن الكفار إذا خرجوا من ~~قبورهم قالت الحفظة لهم: حجرا محجورا. وقال الكلبي: الملائكة على أبواب ~~الجنة يبشرون المؤمنين بالجنة ويقولون للمشركين: حجرا محجورا. وقال عطية: ~~إذا كان يوم القيامة تأتي الملائكة المؤمنين بالبشرى فإذا رأى الكفار ذلك ~~قالوا لهم: بشرونا فيقولون: حجرا محجورا. ثم أخبر عن وعيد آخر لهم وذلك ~~أنهم كانوا يعملون أعمالا لها # PageV05P232 # صورة الخير من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف وأمثالها مع عدم ابتنائها ~~على أساس الإيمان، فمثلت حالهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم ~~إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها بحيث لم يترك منها أثرا وإلا ~~فلا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولتنزهه سبحانه عن الجسمية وصفاتها. قال أهل ~~المعاني: القادم إلى الشيء قاصد له فالقصد هو المؤثر في القدوم فأطلق اسم ~~المسبب على السبب مجازا. وقيل: أراد قدوم الملائكة بأمره إلى موضع الحساب ~~في الآخرة. والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه بالغبار. وقال ~~مقاتل: إنه الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب وفي أمثالهم أقل من الهباء ~~شبه عملهم بالهباء في قلته وحقارته. وأكد المعنى بوصف الهباء بالتناثر لأنك ~~تراه منتظما مع الضوء حتى إذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب. والمراد: ~~جعلناه جامعا لحقارة الهباء والتناثر ولام الهباء واو بدليل الهبوة بمعناه. ~~ثم ميز حال الأبرار عن حال الفجار بقوله: أصحاب الجنة يومئذ خير ووجه صحة ~~التفضيل ما بين في قوله: قل أذلك خير أم جنة الخلد أو التفاوت بين ~~المنزلتين إنما يرجع إلى الموضع والموضع من حيث إنه موضع لا شر فيه، أو هو ~~على سبيل الفرض أي لو كان لهم مستقر كان مستقر أهل الجنة خيرا منه. ~~والمستقر مكان الاستقرار والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى ~~أزواجهم ms3513 والاستمتاع بمغازلتهن وملامستهن كحال المترفين في الدنيا، ولا نوم ~~في الجنة وإنما سمى مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلا على طريق ~~التشبيه، وفي اختيار لفظ الأحسن دون أن يقول «خير مقيلا» رمزا إلى التحسنات ~~الحاصلة في مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور وغير ذلك. قال ابن مسعود: لا ~~ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في ~~النار. وعن سعيد بن جبير: إن الله تعالى إذا أخذ في فصل القضاء قضى بينهم ~~كقدر ما بين صلاة الغداة إلى نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل ~~النار في النار. وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون بمقدار ~~نصف يوم من أيام الدنيا ثم يقيلون من يومهم ذلك في الجنة. وحاصل الآية أن ~~أصحاب الجنة من المكان في أطيب مكان ومن الزمان في أحسن زمان. ثم أراد أن ~~يصف أهوال يوم القيامة فقال ويوم تشقق أي واذكر يوم تتفتح السماء بسبب غمام ~~يخرج منها وفي الغمام الملائكة فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد. قال ~~الفراء: الباء بمعنى «عن» لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام كما ~~يقال: انشقت الأرض عن النبات أي ارتفع التراب عنه عند طلوعه، وقال القاضي: ~~لا يمتنع أن يجعل الله تعالى الغمام بحيث يشقق السماء باعتماده عليها. عن ~~مقاتل: تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وكذلك تتشقق سماء # PageV05P233 # سماء، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، ثم ينزل الرب تعالى. قال العلماء: ~~هذا نزول الحكم والقضاء لا نزول الذات. وأما نزول الملائكة مع كثرتهم وصغر ~~حجم الأرض بالقياس إلى السماء فقالوا: لا يبعد أن يوسع الله الأرض عرضا ~~وطولا بحيث تسع كل هؤلاء. ومن المفسرين من قال: الملائكة يكونون في الغمام ~~وهو سترة بين السماء والأرض، والله تعالى فوق أهل القيامة. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس قال: تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصيرون سبع ~~صفوف حول العالم. والظاهر أن اللام في الغمام للجنس. ومنهم من قال: هي ~~للعهد والمعهود قوله: ms3514 هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام # وقيل: هو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة كما كان لبني إسرائيل في التيه. # ومعنى تنزيلا توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه. قال الزجاج الحق صفة ~~الملك أي الملك الثابت الذي لا يزول للرحمن يومئذ ونظيره مالك يوم الدين ~~[الفاتحة: 4] ويجوز أن يكون يومئذ تكريرا لقوله ويوم تشقق وإعرابهما واحد. ~~والفائدة في تخصيص ذلك اليوم أن يعلم أنه لا مالك فيه سواه لا بالصورة ولا ~~في الحقيقة فيخضع له الملوك وتعنو له الوجوه وتذل رقاب الجبابرة. قالت ~~الأشاعرة: هاهنا لو وجب على الله يومئذ الثواب لاستحق الذم بتركه وكان ~~خائفا أن لا يفعل فلم يكن له الملك على الإطلاق. # وأيضا لو كان العبد مالكا للثواب لم يكن الله تعالى مالكا مطلقا بل يكون ~~عبدا ضعيفا لا يقدر على أن لا يؤدي ما عليه من العوض، أو فقيرا محتاجا إلى ~~أن يدفع الذم عن نفسه بأداء ما عليه؟ وكان ذلك اليوم يوما عسيرا على ~~الكافرين لا على المؤمنين. واللام في الظالم ظاهر الاستغراق والشمول أو ~~للجنس. وعن ابن عباس أنه للعهد وذلك # أن الآية نزلت في عقبة بن أبي معيط وكان يكثر مجالسة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فاتخذ ضيافة ودعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن ~~يأكل من طعامه حتى يأتي بالشهادتين ففعل، وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه ~~وقال: صبأت يا عقبة؟ قال: لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي ~~فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في نفسي. فقال: وجهي من وجهك حرام إن ~~لقيت محمدا فلم تطأ قفاه ولم تبزق في وجهه. فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ~~ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل يوم بدر أمر عليا رضي ~~الله عنه بقتله. # وفي روايات الشيعة أن الظالم هو رجل بعينه وأن المسلمين غيروا اسمه ~~وكتموه وجعلوا فلانا بدلا من اسمه وذكروا ms3515 فاضلين من الصحابة # وفيه بعد، لأن تغيير القرآن كفر. # PageV05P234 # والعض على اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من لوازم الغيظ والتحسر ~~غالبا ونظيره «سقط في يده وأكل من بنانه» وأمثال ذلك. وقال الضحاك: يأكل ~~يديه إلى المرفق ثم تنبت فلا يزال كذلك كلما أكلها نبتت. قال جار الله: ~~تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم تتشعب به ~~طرق الضلالة والهوى، أو أراد أني كنت ضالا لم يكن لي سبيل قط فليتني حصلت ~~لنفسي في صحبة الرسول سبيلا. وفلان كناية عن الإعلام كما أن الهن كناية عن ~~الأجناس، فإن أريد بالظالم عقبة فالمعنى ليتني لم أتخذ أبيا خليلا فكنى عن ~~اسمه، وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلا كان لخليله اسم علم ~~فجعله كناية عنه. قلت: زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في ~~الفصيح إلا حكاية. لا يقال: جاءني فلان ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان. ~~لأنه اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم ولذلك جاء في كلام الله ~~تعالى: يقول يا ليتني إلخ. والذكر ذكر الله والقرآن أو موعظة الرسول أو ~~نطقه بشهادة الحق وعزمه على الإسلام والشيطان إشارة إلى خليله الذي أضله ~~كما يضله الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة. # أو إشارة إلى إبليس وأنه هو الذي حمله على أن صار خليلا لذلك المضل وخالف ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خذله، أو أراد الجنس فيدخل فيه كل من تشيطن ~~من الجن والإنس. # ثم إن الكفار لما أكثروا من الاعتراضات الفاسدة ووجوه التعنت ضاق صدر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وشكاهم إلى الله عز وجل وقال يا رب إن قومي يعني ~~قريشا اتخذوا هذا القرآن مهجورا أي تركوه وصدوا عنه وعن الإيمان به. # وعن أبي مسلم أن المراد: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. # روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «من تعلم القرآن وعلمه وعلق ~~مصحفا لم يتعاهده ولم ms3516 ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول يا رب ~~العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه» . # وقيل: هو من هجر إذا هذى. والجار محذوف أي جعلوه مهجورا فيه. وعلى هذا ~~فله معنيان: أحدهما أنهم زعموا أنه كلام لا فائدة فيه. والثاني أنهم كانوا ~~إذا سمعوه لغوا فيه. وجوز الكشاف أن يكون المهجور مصدرا بمعنى الهجر ~~كالميسور والمجلود أي اتخذوه هجرا. سؤال: هذا النداء بمنزلة قول نوح رب إني ~~دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا [نوح: 5] فكيف صارت شكاية ~~نوح سببا لحلول العذاب بأمته ولم تصر شكاية نبينا صلى الله عليه وسلم سببا ~~لذلك؟ الجواب أن الكلام بالتمام، وكان من تمام كلام نوح رب لا تذر على ~~الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] ولم يكن كلام رسولنا إلا مجرد الشكاية ~~ولم يقتض الدعاء عليهم وذلك من غاية شفقته على الأمة وإن بلغ إيذاؤهم # PageV05P235 # إياه الغاية # «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت» «1» # هذا مع أنه سبحانه سلاه وعزاه وأمره بالصبر على أذاهم حين قال وكذلك ~~جعلنا بين ذلك أن له أسوة بسائر الأنبياء فليصبر على ما يلقاه من قومه كما ~~صبروا، وتمام البحث فيه قد سلف في الأنعام في قوله وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شياطين الإنس والجن [الأنعام: 112] وكفى بربك هاديا ونصيرا إلى مصالح ~~الدين والدنيا أو إلى طريق قهرهم والانتصار منهم ونصيرا لك على أعدائك. ثم ~~حكى عنهم شبهة خامسة وهي قولهم: هلا نزل عليه القرآن حال كونه جملة واحدة ~~أي مجتمعا. ومعنى التنزيل هاهنا التعدية فقط لقرينة قوله جملة خلاف ما تقرر ~~في أكثر المواضع من إرادة التكثير المفيد للتدريج كما مر في قوله نزل عليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل [آل عمران: 3] ~~والقائلون قريش أو اليهود فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله لنثبت إلخ. ~~وتقريره من وجوه أحدها: أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن قارئا كاتبا ~~بخلاف موسى وداود وعيسى فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ فأنزله ms3517 الله عليه ~~منجما في عشرين سنة. وعن ابن جريج: في ثلاث وعشرين ليكون أقرب إلى الضبط ~~وأبعد عن النسيان والسهو. وثانيها أن الاعتماد على الحفظ أقرب إلى التحصيل ~~من الاعتماد على الكتابة والحفظ لا بد فيه من التدرج. وثالثها إن نزول ~~الشرائع متدرجة أسهل على المكلف منها دفعة. ورابعها أن نزول جبريل ساعة ~~فساعة مما يقوي قلبه ويعينه على تحمل أعباء النبوة والرسالة. وخامسها أن ~~نزوله مفرقا يوجب وقوع التحدي على أبعاض القرآن وأجزائه ونزوله جملة يقتضي ~~وقوع التحدي على مجموعه، ولا ريب في أن الأول أدخل في الإعجاز. وسادسها أن ~~نزوله بحسب الوقائع والحوادث أوفق في باب التكاليف والاستبصار وأدل على ~~الأخبار عن الحوادث في أوقاتها. وسابعها أن في تجديد منصب السفارة في كل ~~حين مزيد شرف لجبريل. # وللترتيل معان منها: أنه قدره آية بعد آية ودفعة عقيب دفعة. ومنها التأني ~~في القراءة ومعنى ورتلناه أمرنا بترتيل قراءته ومنه حديث عائشة في قراءته: ~~لا يسرد كسردكم. هذا لو أراد السامع أن يعد حروفها لعدها وهو مأخوذ من ~~ترتيل الأسنان أي تفليجها. يقال: ثغر مرتل ويشبه بنور الأقحوان في تفليجه. ~~ومنها أنه نزله في مدد متباعدة الأطراف جملتها عشرون سنة ولم يفرقه في مدد ~~متقاربة. ثم ذكر أنهم محجوبون في كل أوان بقوله: PageV05P236 # ولا يأتونك بمثل أي بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة الذي كأنه مثل في ~~البطلان إلا ونحن نأتي بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى ~~ومؤدى من سؤالهم. قال جار الله: لما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه ~~الكلام وضع موضع معناه فقالوا: تفسير الكلام كيت وكيت كما قيل: معناه كذا ~~وكذا. ووجه آخر وهو أن يراد ولا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت ~~صفته وحاله أن ينزل معه ملك أو يلقى إليه كنز أو ينزل عليه القرآن جملة إلا ~~أعطيناك نحن ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا وما هو أحسن بيانا لما بعثت به، ~~ومن جملة ذلك تنزيل القرآن مفرقا منجما فإن ms3518 ذلك أدخل في الإعجاز كما مر، ثم ~~أوعد هؤلاء الجهلة بأنهم شر مكانا من أهل الجنة والبحث عنه نظير ما مر في ~~صفة أهل الجنة خير مستقرا. قال جار الله: كأنه قيل لهم: إن الذي يحملكم على ~~هذه الأسئلة هو أنكم تضللون سبيله صلى الله عليه وسلم وتحتقرون مكانه ~~ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوهكم إلى جهنم ~~لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله. # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «يحشر الناس يوم القيامة على ~~ثلاثة أثلاث: ثلث على الدواب وثلث على وجوههم وثلث على أقدامهم ينسلون ~~نسلا» . # ثم ذكر طرفا من قصص الأولين على عادة افتنانه في الكلام تنشيطا للأذهان ~~وتسلية لنبيه كأنه قال: لست يا محمد بأول من أرسلناه فكذب وآتيناه الآيات ~~فرد بل آتينا موسى التوراة وقويناه بأخيه ومع ذلك كذب ورد. ومعنى الوزير ~~تقدم في «طه» . والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد ~~أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا. ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما ~~اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا إن حملناه على تكذيب آيات الإلهية ~~فظاهر، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة فاللفظ ماض والمعنى على الاستقبال ~~على عادة إخبار الله تعالى. ويجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن ~~كذبوا فدمرناهم، وعلى هذا فلا حذف. والتدمير الإهلاك وقوم نوح لما كذبوا ~~الرسل بأن كذبوه وكذبوا من قبله من الرسل صريحا كأنهم لم يروا بعثة الرسل ~~أصلا كالبراهمة، أو لأن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب كلهم أغرقناهم وجعلناهم ~~أي إغراقهم وقصتهم للناس آية محل اعتبار وأعتدنا للظالمين وهم قوم نوح أو ~~لكل من سلك سبيلهم في التكذيب. وقصة عاد وثمود مذكورة مرارا، وأما الرس فعن ~~أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام أصحاب آبار ~~ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول ~~الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل: الرس قرية ms3519 بفلج اليمامة قتلوا ~~نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود. # وقيل: هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما ~~يكون من # PageV05P237 # الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم ~~إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة. ثم إنهم قتلوا حنظلة ~~فأهلكوا. وقيل: # هم أصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال: رس الميت: إذا دفن وغيب في ~~الحفيرة. وقيل: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وستجيء القصة في ~~سورة يس. # وعن علي رضي الله عنه أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض. # وقيل: هم قوم كانت لهم قرى على شاطىء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، ~~فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زمانا ~~ثم حفروا بئرا فرسوه فيها وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم ~~يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي ~~فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله تعالى ريحا عاصفة شديدة الحمرة وصارت ~~الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقدا وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما ~~يذوب الرصاص. # وروى ابن جرير بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعث نبيا ~~إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول ~~فحفروا له بئرا فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجرا ضخما، فكان ذلك العبد ~~يحتطب فيتشري له طعاما وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء ~~الله فاحتطب يوما فلما أراد أن يحملها وجد نوما فاضطجع فضرب الله على آذانه ~~سبع سنين. ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل ~~حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاما ~~وشرابا وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحدا، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه ~~وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون: لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى ~~النبي وقبض ذلك الأسود ms3520 فقال صلى الله عليه وسلم: إن ذلك الأسود أول من يدخل ~~الجنة. # قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإن المقام يقتضي أن ~~يكون قوما كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك. # أما قوله وقرونا بين ذلك فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر ~~أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قول الحاسب «فذلك كذا» أي فما ذكر ~~من الأعداد مجموعها كذا وكلا من الأمم والقرون ضربنا له الأمثال بينا له ~~القصص العجيبة ليعتبروا ويتعظوا وكلا تبرنا أهلكنا أشنع الإهلاك حين لم ~~ينجع فيهم ضرب المثل. # والتتبير التفتيت والتكسير. وكلا الأول منصوب بما دل عليه ضربنا له ~~الأمثال وهو أنذرنا أو حذرنا كلا الثاني منصوب ب تبرنا لأنه ليس بمشتغل عنه ~~بضميره. والضمير في ولقد أتوا لقريش، والقرية سدوم من قرى قوم لوط وكانت ~~خمسا، ومطر السوء # PageV05P238 # الحجارة. أفلم يكونوا في مرات مرورهم على تلك القرية في متاجرهم إلى ~~الشام يرونها بل كانوا قوما كفروا بالبعث لا يتوقعون نشورا وعاقبة فمن ثم ~~لم ينظروا إلى آثار عذاب الله نظر عبرة وادكار. ومن جملة كفرهم وعنادهم ~~أنهم إذا رأوك إن يتخذونك إلا محل هزؤ. ثم فسر ذلك الاستهزاء بأنهم يقولون ~~مشيرين إليه على سبيل الاستحقار. # هذا الذي بعثه الله حال كونه رسولا بزعمه. ويجوز أن يكون تسميته رسولا ~~استهزاء آخر من حيث إنه تسليم وإقرار في معرض الجحود والإنكار. وفي هذا جهل ~~عظيم لأنهم إن استحقروا صورته فإنه أحسنهم خلقا وأعدلهم مزاجا مع أنه لم ~~يكن يدعي التميز بالصورة، وإن استهزؤا بالمعنى فبه قد وقع التحدي بظهور ~~المعجز عليه وقامت الحجة عليهم فهم أحق بالاستهزاء منه حين أصروا على ~~الباطل بعد وضوح البرهان على الحق، ولقد شهد عليهم بمضمون هذا التقرير ابن ~~أخت خالتهم إذ قالوا إن كاد # هي مخففة من الثقيلة واللام في ليضلنا هي الفارقة كأنهم سلموا أنه لقوة ~~العقل وسطوع الحجة شارف أن يغلبهم على دينهم ويقلبهم عن طريقتهم لولا فرط ~~لجاجهم وصبرهم على عبادة ms3521 آلهتهم. أطلقوا المقاربة أولا ثم قيدوها بلو لا ~~الامتناعية ثانيا، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم بذل قصارى مجهوده في دعوتهم ~~حتى شارفوا على الإيمان بزعمهم. وحين وصفوه بالإضلال والمضل لا بد أن يكون ~~ضالا في نفسه فكأنهم وصفوه بالضلال فلا جرم أوعدهم الله على ذلك بقوله وسوف ~~يعلمون إلى آخر الآية. وإنما يرون العذاب عند كشف الغطاء عن بصر البصيرة. ~~ثم بين إنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع هوى النفس فقال ~~معجبا لرسوله: أرأيت من اتخذ إلهه هواه قدم المفعول الثاني للعناية كما ~~تقول: علمت منطلقا زيدا. ثم نفى أن يكون هو حافظا عليهم كقوله: وما أنت ~~عليهم بوكيل [الأنعام: 107] لست عليهم بمصيطر [الغاشية: 22] قال الكلبي: ~~نسختها آية القتال. عن سعيد بن جبير: كان الرجل يعبد الحجر فإذا رأى أحسن ~~منه رمى به وأخد آخر. ثم أضرب عن ذمهم باتخاذ الهوى إلها إلى نوع آخر أشنع ~~في الظاهر قائلا: أم يحسب وهي منقطعة ومعناه «بل» أيحسب وخص أكثرهم بالذكر ~~إما لصون الكلام عن المنع على عادة الفصحاء العقلاء، وإما لأن منهم من كان ~~يعرف الحق إلا أن حب الرياسة يحمله على الخلاف. وإنما نفى عنهم السماع ~~والعقل لانتفاء فائدتهما وأثرهما. وباقي الآية تفسيرها مذكور في آخر ~~الأعراف في قوله أولئك كالأنعام بل هم أضل [الأنعام: 179] قال جار الله: ~~جعلوا أضل من الأنعام لأنها تنقاد لأربابها التي تعلفها وتعرف المحسن من ~~المسيء وتجذب المنافع وتجتنب المضار وتهتدي للمراعي والمشارب، وهؤلاء لا ~~ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون أعظم ~~المنافع وهو الثواب، ولا يتقون أشد المضار وهو العقاب، ولا يهتدون للحق ~~الذي هو # PageV05P239 # المرتع الهني والمشرب الروي، قلت: ويحسن أيضا أن يذكر في وجه التفضيل أن ~~جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر. ومنهم من قال: إن الأنعام ~~تسبح لله تعالى بخلاف الكفار. # ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها ~~الاستدلال من أحوال الظل والرؤية ms3522 إما بمعنى البصر فالمراد: ألم تر إلى صنع ~~ربك أو ألم تر إلى الظل كيف مده ربك. وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن ~~الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع. والخطاب لكل من له أهلية النظر ~~والاستدلال. وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان: ~~الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات ~~الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال، لأن الظلمة ~~الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوته يبهر الحس ~~البصري ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصف الجنة به في قوله: وظل ممدود [الواقعة: # 30] ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم ~~واللون، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوءها على الجسم زال ظله فيظهر للعقول أنه ~~كيفية زائدة على ما شاهده أولا. فمعنى الآية: ألم تر إلى عجيب صنع ربك كيف ~~مد الظل أي جعله ممتدا منبسطا على الأجسام. ولو شاء لجعله ساكنا لاصقا بكل ~~مظل. ثم جعلنا الشمس على وجوده دليلا فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام ~~لما عرف أن للظل وجودا، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها: ثم قبضناه أي ~~أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان ~~الإظلال في جانب المغرب شيئا بعد شيء، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة. ~~الثاني أنه سبحانه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ~~ممدودا منبسطا، ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس ~~وجعلها دليلا على ذلك الظل، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من ~~حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص، ثم لقبض الظل معنيان: أحدهما: انتهاء ~~الإظلال إلى غاية ما من النقصان بالتدريج، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة ~~بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة. وقوله إلينا يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون ~~قوله يسيرا كما قال ذلك حشر علينا يسير [ق: 44] الاستدلال الثاني من أحوال ~~الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس ms3523 الساتر، والسبات الراحة ~~قاله أبو مسلم. وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة ~~من الاستراحة فيه عند طائفة، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة. قال ~~جار الله: السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة، وعلى هذا # PageV05P240 # فالنشور بمعنى البعث وتكون الآية نظير قوله: وهو الذي يتوفاكم بالليل ~~[الأنعام: 60] عن لقمان أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت ~~فتنشر. الاستدلال الثالث قوله وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أي ~~قدام المطر وقد مر تفسيره في «الأعراف» وأنه لم قال هاهنا أرسل بلفظ الماضي ~~وهناك يرسل أما قوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا فهو علم بين الفقهاء في ~~الاستدلال به على طهارة الماء في نفسه وعلى مطهريته لغيره حتى فسر الطهور ~~بعضهم- ومنهم أحمد بن يحيى- بأنه الذي يكون طاهرا في نفسه مطهرا لغيره. ~~واعترض عليهم صاحب الكشاف بأن الذي قالوه إن كان شرحا لبلاغته في الطهارة ~~كان سديدا وإلا فليس «فعول» من «التفعيل» في شيء وأقول: إن الزمخشري سلم أن ~~الطهور في العربية على وجهين: صفة كقولك «ماء طهور» أي طاهر، واسم غير صفة ~~ومعناه ما يتطهر به كالوضوء والوقود بفتح الواو فيهما لما يتوضأ به وتوقد ~~به النار، وعلى هذا فالنزاع مدفوع لأن الماء مما يتطهر به هو كونه مطهرا ~~لغيره فكأنه سبحانه قال: وأنزلنا من السماء ماء هو آلة للطهارة ويلزمه أن ~~يكون طاهرا في نفسه. ومما يؤكد هذا التفسير أنه تعالى ذكره في معرض الأنعام ~~فوجب حمله على الوصف الأكمل، ولا يخفى أن المطهر أكمل من الطاهر نظيره ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به [الأنفال: # 11] . # ولا ضير أن نذكر بعض أحكام المياه المستنبطة من الآية فنقول: هاهنا ~~نظران: الأول أن عين الماء هو طهور أم لا؟ مذهب الأصم والأوزاعي أنه يجوز ~~الوضوء بجميع المائعات، وقال أبو حنيفة: يجوز الوضوء بنبيذ التمر في السفر ~~وتجوز إزالة النجاسة بجميع المائعات المزيلة لأعيان النجاسات. وقال الشافعي ~~وغيره من الأئمة: إن الطهورية مختصة ms3524 بالماء لما مر في أول المائدة من إيجاب ~~التيمم عند عدم الماء ولو شارك الماء مائع آخر لما أمر بالتيمم إلا بعد ~~إعوازه أيضا ودليله في الخبث # قوله صلى الله عليه وسلم «ثم اغسليه بالماء» . # النظر الثاني في الماء وفيه بحثان: الأول في الماء المستعمل وإنه طاهر ~~عند الشافعي وليس بمطهر في قوله الجديد. أما الأول فلإطلاق الآية وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا والأصل بقاؤه # وللحديث «خلق الماء طهورا» # ولأن السلف كانوا لا يحترزون عن تقاطر ماء الوضوء على ثيابهم وأبدانهم، ~~ولأنه ماء طاهر لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة. وأما الثاني # فلقوله صلى الله عليه وسلم «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» «1» # ولو بقي الماء كما كان طاهرا مطهرا PageV05P241 # لما كان للمنع منه معنى، وكانت الصحابة لا يعتنون بحفظه ليستعملوه ثانيا ~~ولو كان طهورا لحفظوا ما يغنيهم عن التيمم. وقال مالك والسدي: إنه طاهر ~~مطهر لإطلاق الآية والحديث، والأصل بقاء صفته على ما كان عليه. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده. # وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها ~~الماء فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة، # ولقياس ما انفصل من العضو على ما لم ينفصل منه. # وقال أبو حنيفة: إنه نجس قياسا للنجاسة الحكمية على النجاسة الحقيقية. ~~والمراد باستعمال الماء في المسألة تأدى عبادة الطهارة به أو انتقال المنع ~~إليه فيه وجهان لأصحاب الشافعي، ويتفرع عليه أن المستعمل في الكرة الثانية ~~والثالثة وفي تجديد الوضوء والأغسال المسنونة ليس بطهور على الأول طهور على ~~الثاني. والماء المستعمل في الحدث لا يجوز استعماله في الخبث على الأصح ~~لأنه مائع لا يرفع الحدث فلا يزيل الخبث كسائر المائعات. البحث الثاني ~~الماء المتغير إن تغير بنفسه لطول المكث جاز الوضوء به لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يتوضأ من بئر بضاعة، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء. وإن تغير ~~بغيره ولم يتصل به كما ms3525 لو وقع بقرب الماء جيفة فأنتن الماء فهو أيضا مطهر، ~~وإن اتصل به وكان طاهرا ولم يخالطه كما لو تغير بدهن أو عود أو كافور صلب ~~فهو أيضا مطهر، وإن خالطه فإن لم يمكن صون الماء عنه كالمتغير بالتراب ~~والحمأة والورق المتناثر والطحلب فلا بأس بذلك دفعا للحرج، وكذا لو جرى ~~الماء في طريقه على معدن زرنيخ أو نورة أو كحل وإن أمكن بأن يكون الماء ~~مستغنيا عن جنس ذلك الخليط فإن كان التغير قليلا بحيث لا يضاف الماء إليه ~~أو لا يستحدث اسما جديدا جاز التوضؤ به وإلا فلا خلافا لأبي حنيفة. حجة ~~الشافعي # أنه صلى الله عليه وسلم توضأ ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا ~~به، # فذلك الوضوء إن كان بالماء المتغير وجب أن لا يجوز إلا به وليس كذلك ~~بالاتفاق بماء غير متغير وهو المطلوب. ولقائل أن يقول: إن هذا إشارة إلى ~~كيفية الوضوء لا إلى كيفية الماء، والمراد أنه تعالى لا يقبل الصلاة بما ~~دون ذلك، وأما الكمال فلا كلام فيه. قال: وأيضا إذا اختلط ماء الورد بالماء ~~فتوضأ الإنسان به يحتمل أن ينغسل بعض الأعضاء بماء الورد لا بالماء فيكون ~~الحدث يقينا والطهر مشكوكا فيه والشك لا يرفع اليقين، وهذا بخلاف ما إذا ~~كان قليلا لا يظهر أثره فإنه كالمعدوم. وأيضا الوضوء تعبد لا يعقل معناه ~~ولهذا لو توضأ بماء الورد لم يصح وضوءه، ولو توضأ بالماء الكدر والمتعفن صح ~~وضوءه وما لا يعقل معناه وجب الاعتماد فيه على مورد النص. حجة أبي حنيفة ~~إطلاق الآية وقوله: فاغسلوا وجوهكم [المائدة: 6] وقوله فلم تجدوا ماء ~~[النساء: 43] وهذا الشخص غسل ووجد الماء ولأنه صلى الله عليه وسلم أباح ~~الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن # PageV05P242 # خالطهما شيء من لعابهما، ولأنه لا خلاف في جواز الوضوء بماء السيول وإن ~~تغير لونها إلى ألوان ما تمر عليها في الصحاري من الحشائش وغيرها. هذا كله ~~إذا كان الخليط طاهرا، فإن كان نجسا فمذهب الحسن البصري والنخعي ومالك ~~وداود ms3526 وإليه الغزالي في الإحياء أن الماء لا ينجس ما لم يتغير بالنجاسة، ~~سواء كان الماء كثيرا أو قليلا. ومذهب أبي حنيفة أن الماء ينجس باستعماله ~~في البدن لأداء عبادة. وتيقن مخالطة النجاسة أو غلبتها على الظن سواء تغير ~~أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير. قال أبو بكر الرازي: ولا يختلف على هذا ~~الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والراكد والجاري لأن ماء البحر لو وقعت ~~فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري. قال: ~~وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ~~فإنما هو كلام في وجه يغلب على الظن عدم بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه ~~إلى الطرف الآخر، وليس كلاما في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز ~~استعماله وبعضها لا يجوز استعماله. # ومن الناس من فرق بين القليل والكثير ثم اختلفوا في حد الكثير: فعن عبد ~~الله بن عمر: إذا كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وقال سعيد بن جبير: ~~الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال. وقال الشافعي: إذا كان ~~الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه. وقد ينصر ~~من المذاهب قول مالك لوجوه منها: قوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا ترك ~~العمل به في الماء الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه لظهور النجاسة فيه، # ولقوله «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» ~~«1» # فبقي ما عداه على الأصل. ومنها قوله تعالى: فاغسلوا والمتوضئ بهذا الماء ~~قد غسل أعضاءه ولا سيما إذا كانت النجاسة مستهلكة فيه لا يظهر عليه آثارها ~~وخواصها من الطعم أو اللون أو الريح. ومنها أن عمر توضأ من جرة نصرانية مع ~~أن نجاسة أوانيهم غالبة على الظن، فدل ذلك على أنه لم يعول إلا على عدم ~~التغير. ومنها أن تقدير الماء بمقدار معلوم لو كان معتبرا كالقلتين عند ~~الشافعي وعشر في عشر عند أبي ms3527 حنيفة، لكان أولى المواضع بذلك مكة والمدينة ~~لأنه لا تكثر المياه هنالك لا الجارية ولا الراكدة، ولم ينقل أنهم خاضوا في ~~تقدير المياه ولا أنهم سألوا عن كيفية حفظها، وكانت أوانيهم يتعاطاها ~~الصبيان والإماء الذين لا يحترزون عن النجاسات، وكانوا لا يمنعون الهرة من ~~شرب الماء وقد أصغى لها الإناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا ~~يرون أنها تأكل الفأرة، ولم يكن في بلادهم حياض تكرع PageV05P243 # السنانير فيها. ومنها أن الشافعي نص على أن غسالة النجاسة طاهرة إذا لم ~~تتغير بنجس، وأي فرق بين أن يلاقي الماء النجاسة بالورود عليها أو بورودها ~~عليه، وأي معنى لقول القائل: إن قوة الورود تدفع النجاسة مع أن قوة الورود ~~لم تمنع المخالطة؟ ومنها أنهم كانوا يستنجون على أطراف المياه الجارية ~~القليلة. وقال الشافعي: إذا وقع بول في ماء جار ولم يتغير جاز الوضوء به. ~~وأي فرق بين الجاري والراكد؟ والتعويل على قوة الماء بسبب الجريان ليس أولى ~~من التعويل على عدم التغير. ومنها أنه لو وقعت نجاسة في قلتين فكل كوز يؤخذ ~~منه فهو طاهر عنده، ومعلوم أن البول ينتشر فيه وهو قليل فأي فرق بينه إذا ~~وقع ذلك البول في ذلك القدر من الماء ابتداء وبينه إذا وصل إليه عند اتصال ~~غيره به؟. ومنها أن الحمامات لم تزل في الأعصار الخالية يتوضأ منها ~~المتقشفون مع علمهم بأن الأيدي والأواني الطاهرة والنجسة كانت تتوارد ~~عليها، ولو كان التقدير بالقلتين وغير ذلك معتبرا لاشتهر وتواتر. ومنها أن ~~النصوص في التقدير متخالفة أما تقدير أبي حنيفة بالعشر في العشر فمجرد ~~تحكم، وأما تقدير الشافعي بالقلتين بناء على # قوله صلى الله عليه وسلم «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» «1» # فضعيف. لأن راويه مجهول، فإن الشافعي لما روى هذا الخبر قال: أخبرني رجل. ~~فيكون الحديث مرسلا والمرسل عنده ليس بحجة. سلمناه ولكن القلة مجهولة فإنها ~~تصلح للكوز وللجرة ولكل ما يقل باليد وهي أيضا اسم لهامة الرجل ولقلة ~~الجبل. سلمنا لكن في متن ms3528 الخبر اضطراب، # فقد روي «إذا بلغ الماء قلتين» «2» # وروي «إذا بلغ قلة» # وروي «أربعين» «وإذا بلغ كرين» # سلمنا صحة المتن لكنه متروك الظاهر لأن قوله «لم يحمل خبثا» لا يمكن ~~إجراؤه على ظاهره، فإن الخبث إذا ورد عليه فقد حمله. سلمنا إجراءه على ~~الظاهر لكن الخبث لغوي وشرعي وحمله على اللغوي لكونه حقيقة أولى، فمعنى ~~الحديث أن لا يصير مستقذرا طبعا. ونحن نقول: بموجبه لكن لم قلتم: إنه لا ~~ينجس شرعا؟ سلمنا أن المراد هو الخبث الشرعي لكن لم لا يجوز أن يكون معنى # قوله «لم يحمل خبثا» # أنه يضعف عن حمله أي يتأثر به؟ أجاب بعض الشافعية عن هذه المنوع بأن ~~كثيرا من المحدثين عينوا اسم الراوي في حديث القلتين، فإن يحيى بن معين ~~قال: إنه جيد الإسناد. فقيل له: # إن ابن علية وقفه على ابن عمر. فقال: إن كان ابن علية وقفه فحماد بن سلمة ~~رفعه. وقوله «القلة مجهولة» غير مسلم لأن ابن جريج قال في روايته: بقلال ~~هجر. ثم قال: وقد شاهدت PageV05P244 # قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئا. وإذا كانت هذه الرواية معتبرة ~~فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة ~~شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح # في بعض الروايات «إذا كان الماء قلتين لم ينجس» «1» # ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين أيضا بتلك ~~المثابة، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة ~~البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل. حجة من حكم بنجاسة الماء الذي ~~خالطه نجاسة كيف كانت قوله تعالى: # ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: 157] وقوله إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~[النحل: 115] وقال في الخمر رجس من عمل الشيطان [المائدة: 90] حرم هذه ~~الأشياء مطلقا ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء، فوجب تحريم ~~استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءا من النجاسة. وأيضا الدلائل التي ذكرتموها ~~مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة ~~لا يحل ms3529 لواحد منهما وطؤها وأيضا # قال صلى الله عليه وسلم «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من ~~جنابة» «2» # أطلق من غير فرق بين القليل والكثير. أجاب مالك بأنه لا نزاع في تحريم ~~استعمال النجاسات، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر ~~لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع ~~أو للتنزيه لا للتحريم. # واعلم أنه سبحانه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء ~~تطهير المكلفين به حين قال: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~[الأنفال: 11] ففي وصفه هاهنا بكونه طهورا إشارة إلى ذلك. ثم رتب على ~~الإنزال غايتين أخريين. أولاهما تتعلق بالنبات، والثانية بالحيوان الأعجم ~~فالناطق. وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس ~~إلى الأشرف، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي ~~بحياة أرضهم وأنعامهم. قال ميتا مع قوله بلدة بالتأنيث لأن «فيعلا» غير جار ~~على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به، أو بتأويل البلد والمكان. والأناسي جمع ~~أنسي أو جمع إنسان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء. و «فعيل» قد يستوي ~~فيه الواحد PageV05P245 # والجمع فلهذا لم يقل وأناسي كثيرين ومثله وقرونا بين ذلك كثيرا. أسئلة ~~أوردها جار الله مع أجوبتها: الأول: أن إنزال الماء موصوفا بالطهارة ~~وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة الإحياء والسقي كما ~~تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد به الوحش. الجواب لما كان سقي ~~الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراما لهم وتتميما للمنة ~~عليهم وإشارة إلى أن من حق استعمال الماء في الباطن والظاهر أن يكون طاهرا ~~غير مخالط لشيء من القاذورات. قلت: قد قررنا فائدة هذا الوصف بوجه آخر ~~آنفا. # السؤال الثاني: لم خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان المنتفع بالماء؟ ~~الجواب لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف ~~الأنعام، ولأنها قنية الإنسان وعامة ms3530 منافعه متعلقة بها فسقيها إنعام عليه. ~~الثالث: ما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفهم بالكثرة؟ الجواب لأن بعض ~~الأنعام والأناسي الذين هم بقرب الأودية والأنهار العظام لا يحتاجون إلى ~~ماء السماء احتياجا بينا، ولمثل هذا نكر البلدة في قوله بلدة ميتا قوله ~~سبحانه ولقد صرفناه الأكثرون على أن الضمير عائد إلى ما ذكر من الدلائل أي ~~كررنا أحوال الإظلال وذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر في القرآن وفي سائر ~~الكتب السماوية ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا، فأبى ~~أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها. وقال آخرون: إنه يرجع إلى أقرب المذكورات ~~وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة ~~وعلى الصفات المتباينة من وابل وطل وغير ذلك فأبوا إلا كفورا وأن يقولوا: ~~مطرنا بنوء كذا استقلالا. فإن جعلوا الأنواء كالوسائط والأمارات فلا بأس. ~~والنوء سقوط نجم من المنازل الثمانية والعشرين للقمر في المغرب مع الفجر ~~وطلوع رقيبه وهو نجم آخر في المشرق يقابله من ساعته في كل ليلة إلى ثلاثة ~~عشر يوما وهو أكثر، أو إلى أربعة عشر وهو أقل. والعرب تضيف الأمطار والحر ~~والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع. فإذا مضت مدة النوء ولم يحدث شيء من ~~مطر وغيره يقال: # خوى نجم كذا أي سقط ولم يكن عنده أثر علوي. عن ابن عباس: ما من عام أقل ~~مطرا من عام ولكن الله عز وجل قسم ذلك بين عباده على ما يشاء وتلا هذه ~~الآية. ويؤيد هذا التفسير تنكير البلدة والأنعام والأناسي. قال الجبائي: في ~~قوله ليذكروا دليل على أنه تعالى أراد من الكل التذكر والإيمان. وفي قوله ~~فأبى أكثر الناس دلالة على أن المكلف له قدرة على الفعل والترك إذ لا يقال ~~للزمن مثلا إنه أبى أن يسعى. وقال الكعبي: الضمير في بينهم لكل الناس فيكون ~~الأكثر داخلا في ذلك العام إذ لا يجوز أن يقال: أنزلناه على قريش ليؤمنوا ~~فأبى أكثر بني تميم إلا كفورا. وعند هذا يظهر أنه أراد من جميع المكلفين أن ~~يؤمنوا ويعتبروا ms3531 ومعارضة الأشاعرة معلومة. # PageV05P246 ### | التأويل: # ويوم تشقق السماء سماء القلب عن غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين ~~الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية الملك الحقيقي يومئذ للرحمن إذ لم ~~يبق غيره ورجع الكل إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به: # وكان يوما على الكافرين عسيرا إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها ~~أثر ولا عين: ويوم يعض الظالم نفسه وهو المشرك شركا ظاهرا أو خفيا على يديه ~~والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله تعالى. وعن مالك بن ~~دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع ~~الفجار. لنثبت به فؤادك بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع ~~في قلب النبي صلى الله عليه وسلم في سر ألم نشرح لك صدرك [الشرح: 1] وكان ~~يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجما، فلما أورق كان ورقه الرحمن علم ~~القرآن [الرحمن: 1] فلما أزهر كان زهره فأوحى إلى عبده ما أوحى # [النجم: 10] فلما أثمر كانت ثمرته فاعلم أنه لا إله إلا الله [محمد: 19] ~~يحشرون على وجوههم لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى ~~جهنم البعد عن الحضرة ألم تر إلى ربك فيه أن نبينا صلى الله عليه وسلم رآه ~~وقد قال لموسى لن تراني [الأعراف: 143] وذلك لبقاء أنانيته كيف مد الظل ~~عالم الأجسام ولو شاء لجعله ساكنا في كتم العدم ثم جعلنا شمس عالم الأرواح ~~على وجود ذلك الظل دليلا بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي ~~لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام. ~~وفي قوله: ثم قبضناه إلينا إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا ~~حصل على كماله الأخير. وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على ~~صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه. وفي قوله ~~ثم جعلنا إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله: # أولم يكف ms3532 بربك أنه على كل شيء شهيد [فصلت: 53] وهذه مرتبة الصديقين. ~~وقوله ثم قبضناه كقوله كل شيء هالك [القصص: 88] ألا إلى الله تصير الأمور ~~وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من أفق ~~العناية عند صباح الهداية: ولو شاء لجعله دائما لا يزول وإنما يستدل على ~~الذهول بالعرفان. وفي قوله: ثم قبضناه إشارة إلى أن الكشف التام يحصل ~~بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف. # ثم بين حكمة الإظلال بقوله: وهو الذي جعل لكم ليلة البشرية لباسا كيلا ~~تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، ~~وجعل نهار العرفان نشورا أي حياة بنور الربوبية وهو الذي أرسل رياح الإشراق ~~على قلوب الأحباب فتزعجها عن المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف ~~والتجلي وأنزلنا من سماء # PageV05P247 # الكرم ماء حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى ~~المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات لنحيي به بلدة القلوب ~~الميتة عن نور الله بنور الله ونسقيه من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع ~~الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر ~~كما # قال صلى الله عليه وسلم «لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت ~~الماء البقلة» # ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى ~~المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات. # ولقد صرفناه الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ليذكروا به أيام جوار الحق ~~وأوطانهم الحقيقية فأبى أكثر الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة إلا كفورا ~~بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب. ### | [سورة الفرقان (25) : الآيات 51 الى 77] # ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا ~~وصهرا وكان ربك قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ms3533 ظهيرا (55) # وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء ~~أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى ~~به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا ~~للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60) # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد ~~الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) ~~والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم إن عذابها كان غراما (65) # إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما (67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل ~~عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما (70) # ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون ~~الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم ~~فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) # PageV05P248 ### | القراآت: # ملح بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في «فاطر» : ~~قتيبة يأمرنا على الغيبة: حمزة وعلي سرجا بضمتين: حمزة وعلي وخلف. # أن يذكر من الذكر: حمزة وخلف. يقتروا بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم ~~سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر ~~والمفضل. # الباقون بفتح الياء وكسر التاء. ms3534 يضاعف ويخلد بالرفع فيهما من المضاعفة ~~ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولا من الإخلاد: المفضل ~~يضاعف بالتشديد والرفع ويخلد بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم ~~فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد. الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما. فيهي ~~بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: يبدل من الإبدال: البرجمي وذريتنا على ~~التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ويلقون بفتح الياء وسكون اللام ~~وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون ~~بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل. ### | الوقوف: # نذيرا ه والوصل أولى للفاء كبيرا ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع ~~العارض محجورا ه وصهرا ه قديرا ه ولا يضرهم ط ظهيرا ه ونذيرا ه سبيلا ه ~~بحمده ط خبيرا ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو ~~الرحمن إذ لا وقف عليه أيضا بناء على أن الرحمن بدل من المستتر في استوى ~~ويصلح أن يكون الذي مبتدأ والرحمن خبره خبيرا ه وما الرحمن ه قد قيل: ولا ~~وجه له لأن الكل مقول قالوا نفورا ه سجدة منيرا ه شكورا ه سلاما ه وقياما ه ~~جهنم ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل غراما ه كذلك ومقاما ه قواما ه ~~ولا يزنون ج للشرط مع واو العطف أثاما ه لمن قرأ يضاعف بالرفع على ~~الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما مهانا ه ~~لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى «لكن» # PageV05P249 # والوصل أولى لأن «لكن» تقتضي الوصل أيضا حسنات ط رحيما ه متابا ه الزور ه ~~لا كراما ه وعميانا ه إماما ه وسلاما ه لا لاتصال الحال فيها ط ومقاما ه ~~دعاؤكم ج لاختلاف الجملتين لزاما ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج ~~نبيه على استمرار الدعوة. وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ~~ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في ms3535 كل قرية نبيا، ولكن ~~خصصناك برسالة الثقلين إجلالا وتعظيما، فقابل هذا التفضل بالتشدد في الدين ~~ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمدا كان أو ~~غيره، ولكن في مفهوم «لو» دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب ~~الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه ~~عليه مما يوافق أهواءهم. النهي كقولك للمتحرك «لا تسكن» لا كقولك للساكن ~~«لا تسكن» فإنه صلى الله عليه وسلم لم يترك طاعة الله طرفة عين. ثم بالغ في ~~النهي بأن أمره بضده قائلا وجاهدهم به أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب ~~كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا ~~مجاهدة قريته. وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعا ~~لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلا رابعا على التوحيد فقال وهو الذي مرج البحرين أي ~~خلاهما وأرسلهما متجاورين متلاصقين. يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى. ~~وسمى الماءين الكثيرين بحرين. والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على ~~كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج. وقوله هذا ~~إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله ~~بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج وحجرا محجورا كلمة يقولها ~~المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول ~~له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن بينهما برزخ لا يبغيان [الرحمن: 20] ~~فانتفاء البغي ثمة كالتعوذ هاهنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن. سؤال: لا ~~وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله تعالى؟ والجواب من وجهين: أحدهما أن في ~~البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين ~~الوصول إلى الموضع الآخر. وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية ~~العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ ms3536 ~~بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة ~~والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة # PageV05P250 # الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل ~~واحد من الماءين بصفة مخصوصة. الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان ~~والماء إما العنصر كقوله: # وجعلنا من الماء كل شيء حي أو النطفة. ومعنى فجعله نسبا وصهرا أنه قسم ~~البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور الذين ينسب إليهم فيقال: ~~فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل فجعل منه الزوجين ~~الذكر والأنثى [القيامة: 39] والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل. قال: ومن ~~العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان. يقال: صاهرت إليهم إذا تزوجت ~~فيهم. وكان ربك قديرا حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصا متباينة ~~لا تكاد تنحصر. # ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ويعبدون الآية. يروى أنها نزلت ~~في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم. والظهير المظاهر أي ~~المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة. والمظاهرة ~~على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعا ~~كقوله: والملائكة بعد ذلك ظهير [التحريم: 4] والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر ~~لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا. # وقال أبو مسلم: هو من قولهم «ظهر فلان بحاجتي» . إذا نبذها وراء ظهره. ~~والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه. قوله: وما أرسلناك ~~إلى قوله سبيلا وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى ~~رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ~~دينا ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك ~~أجرا إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلا إلى ~~رحمة ربهم ونيل ثوابه. ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا ms3537 فعل من شاء ~~هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت إلا ~~أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثوابا. فائدتان: ~~إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن ~~حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله. ~~وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجرا لنفسي وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم ~~باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة. ولما بين أن الكفار متظاهرون على ~~إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجرا البتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع # PageV05P251 # المضار وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد. وفي وصفه ذاته ~~بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون ~~موصوفا بهذه الصفة وليس إلا الله وحده. وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا ~~يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعا إذا مات ذلك المخلوق. ثم ~~ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير ~~بأحوالهم قادر على مجازاتهم. ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها ~~المبالغة كقولك «كفى بالعلم جمالا وكفى بالأدب مالا» . ثم زاد لعلمه وقدرته ~~مبالغة وبيانا فقال: الذي خلق إلخ. وقد سبق تفسيره في «الأعراف» وأما قوله ~~فسئل به خبيرا ففيه وجوه. قال الكلبي: الضمير في به يعود إلى ما ذكر من خلق ~~السماء والأرض والاستواء على العرش. والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية ~~الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا ~~يعلمها إلا الله سبحانه. وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل. وقال ~~الأخفش والزجاج: الباء بمعنى «عن» فسأل به مثل «اهتم به» واشتغل به وسأل ~~عنه كقولك «بحث عنه وفتش عنه» . قال تعالى سأل سائل بعذاب واقع [المعارج: ~~1] . وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالما بكل شيء. ~~وجوز جار الله ms3538 أن تكون الباء تجريدية كقولك «رأيت به أسدا» أي برؤيته. # والمراد فاسأل بسؤاله خبيرا أي إن سألته وجدته عالما به. وقيل: الباء ~~للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ولا ينبئك مثل خبير [فاطر: ~~14] . # ثم أخبر عن قوم أنهم قالوا وما الرحمن والواو عاطفة وقعت في كلام فحكي ~~كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله سبحانه، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، ~~واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى ~~تفسير آخر لقوله فسئل به خبيرا وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله تعالى ~~مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من ~~يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا ~~الذي باليمامة يعنون مسيلمة. قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا ~~للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في «الأنعام» . ~~ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فالسؤال عن الحقيقة كقول فرعون وما رب ~~العالمين [الشعراء: 23] وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه تعالى ~~سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم. ومعنى لما تأمرنا للذي تأمرنا بمعنى ~~تأمرنا بسجوده مثل «أمرتك الخير» فاتسع أولا ثم حذف ثانيا. ويجوز أن تكون ~~«ما» مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى ~~بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم. # PageV05P252 # والضمير في زادهم للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره نفورا ومن حقه ~~أن يكون باعثا على الفعل والقبول. قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون ~~تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين، فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفورا. ومن ~~السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعا ما زاد ~~للأعداء نفورا. ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ~~تبارك إلخ. فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل ~~والثور والجوزاء إلخ. شبهت بالقصور العالية. واشتقاق البروج لظهوره والسراج ~~الشمس. ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار ms3539 والخلفة للهيئة من الخلافة يريد ~~الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي ~~خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله واختلاف الليل والنهار [البقرة: ~~164] في أحد تفاسيره. وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما ~~يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر. ~~وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين «هما خلفتان» فالمعنى أن ~~أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير. ثم بين أن هذه النعمة سبب ~~للتذكر لمن أراد ذلك أو للشكر لمن أراده. # أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر ~~فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش. قال ~~بعضهم: معنى «أو» الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمنا شكر. وقيل: ~~أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة ~~قام به في الآخر. والشكور مصدر كالكفور. ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده ~~المخلصين فقال وعباد الرحمن وهو مبتدأ خبره في آخر السورة أولئك يجزون ~~الغرفة أو خبره الذين يمشون والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف. وقرىء ~~وعباد جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أولا، ثم وصف معاملتهم مع الحق ~~بالليل ثانيا، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو ~~المراد بقوله الذين يمشون على الأرض هونا مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو ~~الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشيا هينا والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار ~~وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، ولذلك كره بعضهم ~~الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من ~~قائل وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق [الفرقان: 20] وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله وإذا ~~خاطبهم الجاهلون يعني السفهاء وقليلي الأدب قالوا سلاما يعني سلام توديع ~~ومتاركة كسلام إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين قال لأبيه سلام عليك [مريم: ~~47] ولا نسخ في ms3540 الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية ~~القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك # PageV05P253 # مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلا وشرعا، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت ~~أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره. وقوله لربهم إما أن يتعلق بما ~~قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون ~~جباههم. وقيل: من قرأ شيئا من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجدا وقائما. ~~وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس. # ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ربنا اصرف عنا الآية. وقال ~~الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفا من عذاب جهنم. وقوله: غراما أي ~~هلاكا وخسرانا ملحا لازما ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء ~~إذا كان مولعا بهن. # وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع. وعن محمد بن ~~كعب في غراما إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم ~~النار. وساءت إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما ~~بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره مستقرا والمخصوص بالذم وهو الرابط أيضا ~~محذوف أي ساءت مستقرا ومقاما هي. والظاهر أن الجملتين من قول الداعين. وجوز ~~جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون ~~قوله إنها ساءت تعليلا لقوله إن عذابها كان غراما وأن يكونا مترادفين كل ~~منهما تعليل لقوله: ربنا اصرف قال المتكلمون: # التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني ~~إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من ~~أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها. ثم وصفهم بالتوسط في ~~الإنفاق والقتر. والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثيابا للجمال والزينة، ~~ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر. عن عمر: كفى شرها ~~أن لا يشتهي رجل شيئا ms3541 إلا اشتراه فأكله. ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى ~~الاعتدال بقوله وكان أي الإنفاق بين ذلك قواما والمنصوبان يجوز أن يكونا ~~خبرين وأن يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة. وقال في الكشاف: يجوز أن ~~يجعل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا. ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر ~~إذا كان متعلقا به في قولك الإنفاق بين ذلك. وقد ذكر مثله في أول «الشعراء» ~~في قوله إنا معكم مستمعون [الشعراء: 15] والقوام العدل بين الشيئين ~~لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من ~~الاستواء. وقرىء بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص. وأجاز ~~الفراء أن يكون بين ذلك اسم كان على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما ~~يقال: كان # PageV05P254 # دون هذا كافيا يريد أقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواما. ~~وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر ~~الذي هو معتمد الفائدة فائدة. وأقول: إذا أريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ~~بين ذلك أعم منه لم يلزم التكرار. # وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا ~~وهو خلقك. # قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن ~~تزاني حليلة جارك. فأنزل الله عز وجل تصديقه والذين لا يدعون إلى قوله ولا ~~يزنون # قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة ~~في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: ~~والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه. وقيل: إن الموصوف بالصفات ~~المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تدينا فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير ~~بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانبا لهذه ~~الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ومن يفعل ~~ذلك أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات. والأثام جزاء الإثم بوزن ~~الوبال والنكال ومعناهما. وقيل: هو ms3542 الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، ~~وقرأ ابن مسعود أياما بتشديد الياء التحتانية يعني أيام الشدة. ومعنى ~~مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي ~~الأخر جميعا. هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن ~~المشار إليه بقوله ذلك هو قوله والذين لا يدعون قال القاضي: قوله ويخلد فيه ~~أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في ~~الدوام فيكون عقاب المعصية دائما، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون ~~كذلك في حق المؤمن. وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحا ويكون ~~الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع. وفي قوله ويخلد ~~فيه مهانا إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة ~~بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال ~~والتعظيم. # وقوله إلا من تاب لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم ~~منه أن يكون مثابا فلذلك قال: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات عن ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك ~~إيمانا، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا، يبشرهم الله ~~تعالى بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر ~~الأعمال الصالحة. وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أولا لعلو شأنهما. ~~وقال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى # PageV05P255 # بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه ~~السيئات. وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه تعالى يمحو ~~السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما # روي عن أبي هريرة مرفوعا «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من ~~هم يا رسول الله؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» . # وقال القاضي والقفال: إنه تعالى يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد ~~المسبب. ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن ms3543 ~~يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب إلى الله ~~عز وجل متابا مرضيا مكفرا للخطايا. ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم ~~الله أي فإنه تائب متابا إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق ~~التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير ~~متابا. والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعا حسنا أي مرجع، وقيل: هو وعد ~~للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل. ثم وصفهم ~~بأنهم لا يشهدون الزور. فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون ~~شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي ~~مجالس الباطل. وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء. وعن مجاهد: أعياد المشركين. ~~وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله تعالى وعلى ~~رسوله. والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر ~~الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور ~~والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه. وفي ~~مواعظ عيسى بن مريم «إياكم ومجالسة الخطائين» وإذا مروا باللغو وهو كل ما ~~ينبغي أن يلغي ويطرح مروا كراما مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين ~~به. # وأصل الكلمة من قولهم «ناقة كريمة» إذا كانت لا تبالي بما يحلب منها ~~للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب. ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه ~~وأكرم نفسه عن ذلك. وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا. وقيل: ~~إذا ذكروا النكاح كفوا عنه. قال جار الله: # قوله لم يخروا عليها ليس نفيا للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى ~~كما تقول: # لا يلقاني زيد مسلما هو نفي للسلام لا للقاء. والمراد أنهم إذا ذكروا ~~بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون ~~باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم ~~والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها ms3544 غير منتفعين ~~بها. قوله من أزواجنا «من» للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: ~~هب لنا قرة أعين، ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم «رأيت منك # PageV05P256 # أسدا» أي أنت أسد. ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما ~~تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور ~~الأخروية من الطاعة والصلاح. عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ~~أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله. وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب ~~الفقه. وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ~~ليتم لهم سرورهم. وتنكير أعين إما لأنه أراد أعينا مخصوصة هي أعين المتقين ~~ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ~~وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل ~~إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سرورا وفرحا. قال ~~الزجاج: # يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما يحبه. وقال المفضل: في قرة العين ~~ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل ~~الحزن والغم. والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن. والثالث ~~حصول الرضا. وقوله إماما في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم ~~اللبس كما قال: يخرجكم طفلا [غافر: 67] أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا ~~إماما واحدا لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آم كصائم وصيام وصاحب وصحاب. وقيل: ~~في الآية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا ~~الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدى بهم. ومن هنا فسره ~~القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين. قالت الاشاعرة: الإمامة في الدين لا ~~تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع أفعال العباد ~~مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يختارون ~~أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة. وأجيب ms3545 بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة ~~فيكون سؤالها عبثا. ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله أولئك يجزون الغرفة أي ~~الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس. وقيل: الغرفة اسم للجنة. ~~وقوله بما صبروا أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على أذى الكفار وضر ~~الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقا ليشمل كل مصبور عليه. ثم بين بقوله ~~ويلقون أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام ~~دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض. ثم ~~ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك. قال الخليل: ما ~~أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء. ~~وقال الزجاج: # ما يعبؤا بكم ربي يريد أي وزن يكون لكم عنده؟ والعبء الثقل، و «ما» ~~استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى ~~الدين والطاعة، وإما إلى # PageV05P257 # الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد ~~كقوله فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله [العنكبوت: 65] أو لولا شكركم له على ~~إحسانه كقوله ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم [النساء: 147] أو ما يصنع ~~بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني ~~فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم. قوله: فقد كذبتم أي إذا أعلمتكم أني لا ~~أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي. # فسوف يكون لزاما وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من ~~عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي. والخطاب لجنس الإنس ~~وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم «كان» غير ~~منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإيعاد. وقيل: يكون العقاب لزاما. ~~وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاما والله تعالى ~~أعلم. ### | التأويل: # ولو شئنا لبعثنا فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق ms3546 بالقربات ~~والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية. # ويروى أن موسى عليه السلام سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله ~~تعالى: في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فأصبحوا أنبياء، فضاق قلب ~~موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك. فقبض الله أرواحهم في ذلك اليوم. # وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم ~~رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال. فلا تطع كفار النفس ~~وسائر القوى البدنية وجاهدهم بهذا الخلاق جهادا كبيرا لا تواسيهم بالرخص ~~ولكن يحملهم على العزائم وهو الذي مرج بحر الروح وبحر النفس هذا عذب فرات ~~من الأخلاق الحميدة الربانية وهذا ملح أجاج من الصفات الذميمة الحيوانية. ~~والبرزخ هو القلب. وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق ~~الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها. # وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن ~~الأخلاق الحميدة فجعله نسبا وصهرا أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم ~~الأمر وهو قوله ونفخت فيه من روحي [ص: 72] وأهل الصهر هم الذين بقوا في ~~عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى ~~هذا الصنف بقوله: # ويعبدون من دون الله [يونس: 18] الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيرا في ~~إظهار صفة قهره لأنه مظهرها وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل النسب ونذيرا لأهل ~~الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته ~~لي. ومن هاهنا قال المشايخ: # يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله. وتوكل أصل ~~التوكل أن # PageV05P258 # يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر ~~من أصول الإيمان وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [المائدة: 23] وما زاد ~~على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب ~~الأحوال وأصحاب الكمال. # وسبح بحمده أي بما حمد به نفسه # كقوله «أنت كما أثنيت على نفسك» «1» # والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم وزادهم نفورا ms3547 لأن الرحمن أقبل عليهم ~~بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا. تبارك الذي جعل في سماء ~~القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء ~~والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي ~~منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة ~~وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء. وهو الذي جعل ليل السر ونهار ~~التجلي خلفة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن أراد أن يتعظ عند السر أو ~~أراد شكورا عند التجلي وعباد الرحمن دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس ~~يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هونا لئلا يتأذى بإثارة غبار صفات ~~بشريتهم أحد وإذا خاطبهم الجاهلون وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة ~~وما فيهما من اللذة والنعيم قالوا سلاما سلام مودع والذين يبيتون لربهم لا ~~لحظ أنفسهم في الرواح ساجدون وفي الصباح واجدون. وأحسن الأشياء ظاهر ~~بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف ~~الاعتذار والتذلل قائلين ربنا اصرف عنا عذاب جهنم القطيعة والبعد إذا أفنوا ~~وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ولم ~~يقتروا في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات لا يدعون مع الله إلها آخر بأن ~~لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا ~~يحبون مع الله غيره ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها بكثرة المجاهدة ~~إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ولا يزنون بالتصرف ~~في عجوز الدنيا بغير إذن الله يضاعف له العذاب وهو عذاب النيران وعذاب ~~الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن إلا من تاب من عبادة الدنيا وهوى ~~النفس. وآمن بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء وعمل عملا صالحا هو الإعراض ~~عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة ~~يبدلها إبريز الحسنات. ومن تاب PageV05P259 # رجع عن إنانيته إلى هوية الحق وعمل صالحا بالدوام على هذه الحالة فإنه ~~يتوب يرجع إلى ms3548 الله متابا لا مزيد عليه وهو جذبة ارجعي [الفجر: 28] وحينئذ ~~لا يشهد الزور أي لا يساكن غير الحق. وإذا مروا باللغو وهو ما سوى الحق لا ~~يلتفت إليه. وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له ~~من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال ~~الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح أي يتنور بنورها، ويصير ~~إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من ~~الأوصاف الذميمة، ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية ~~بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق ~~الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود. ثم أخبر عن استغنائه عن وجود ~~الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه ~~إياهم في الأزل بلسان القدرة فقد كذبتم حين ادعيتم الغنى عن الصانع فسوف ~~يكون خسران السعادة الأبدية لازما لكم أعاذنا الله منه. # PageV05P260 ### | (سورة الشعراء) # (مكية إلا قوله والشعراء إلى آخرها حروفها 4542 كلمها 1299 آياتها مائتان ~~وسبع وعشرون) ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 68] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ~~(3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا ~~فسيأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن (6) أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم (9) # وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) ~~قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى ~~هارون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (14) # قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا ~~وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت ms3549 فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين (19) # قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي ~~حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~(22) قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن ~~كنتم موقنين (24) # قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن ~~كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) # قال أولو جئتك بشيء مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى ~~عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال ~~للملإ حوله إن هذا لساحر عليم (34) # يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث ~~في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) # لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا ~~لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن ~~المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم ~~وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) # فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) ~~قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن ~~لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49) # قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا ~~خطايانا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون ~~(54) # وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حاذرون (56) فأخرجناهم من جنات وعيون ~~(57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) # فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ~~(61) قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ms3550 (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) # وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) # PageV05P261 ### | القراآت: # طسم وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد. وقرأ أبو جعفر ونافع ~~بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب، وقرأ حمزة ويزيد مظهرة النون عند الميم ~~إني أخاف بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ويضيق ولا ينطلق ~~بالنصب فيهما: يعقوب. أرجه مثل ما في «الأعراف» اين لنا بالمد وبالياء. # يزيد وأبو عمرو وزيد وقالون. وقرأ ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب ~~غير زيد بهمزة ثم ياء، وعن قنبل إن لنا على الخبر. الباقون بهمزتين. هشام ~~يدخل بينهما مدة. آمنتم بالمد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو ~~عمرو وسهل ويعقوب آمنتم على الخير: # حفص غير الخزاز. الآخرون أأمنتم بهمزتين. بعبادي إنكم بفتح الياء: نافع ~~وأبو جعفر حاذرون بالألف: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. الباقون بغير ~~الألف فأتبعوهم بالتشديد: زيد عن يعقوب. الباقون بقطع الهمزة وسكون التاء ~~تراءى الجمعان بكسر الراء والهمزة في الوصل: حمزة ونصير وهبيرة في طريق ~~الخزاز. واختلفوا في الوقف فعن الكسائي بكسر الراء والهمزة على وزن «تريعى» ~~وفي رواية أخرى عنه «ترائى» أي تراعى، والمشهور عنه «ترأ» بكسر الراء وفتح ~~الهمزة، وأما حمزة فإنه يقف «ترى» بترك الهمزة وكسر الراء ويمد ويشير إلى ~~موضع الهمزة وهو المصدر. وأما هبيرة فإنه يقف «تريا» بكسر الراء ويشير إلى ~~فتح الهمزة. الباقون # PageV05P262 # يقفون «تراءى» على وزن «تراعى» معي ربي بفتح الياء: حفص. ### | الوقوف: # طسم ه المبين ه مؤمنين ه خاضعين ه معرضين ه يستهزؤن ه كريم ه لآية ط ~~مؤمنين ه الرحيم ه الظالمين ه لا للابدال أو البيان تسجيلا عليهم بالظلم ~~فرعون ط للعدول عن الأمر إلى الاستفهام يتقون ه يكذبون ه لمن قرأ ويضيق ~~بالرفع على الاستئناف هارون ط يقتلون ه قال كلا لا للعطف معنى لا لفظا ~~مستمعون ه عالمين # ه لا لتعلق «أن» بني إسرائيل ms3551 ط سنين ه الكافرين ه الضالين ه المرسلين ه ~~إسرائيل ط العالمين ه وما بينهما ط لأن جواب الشرط محذوف أي إن كنتم موقنين ~~فلا تكذبوني موقنين ه تستمعون ه الأولين ه لمجنون ه وما بينهما ط تعقلون ه ~~المسجونين ه مبين ه الصادقين ه مبين ه ج للآية مع العطف للناظرين ه عليم ه ~~لا لأن ما بعده صفة بسحره ق قد قيل: بناء على أن ما بعده قول الملأ لفرعون ~~والجمع للتعظيم، والأصح أنه من تتمة قول فرعون. # تأمرون ه حاشرين ه لا لأن ما يتلوه جواب. عليم ه معلوم ه لا للعطف ~~مجتمعون لا لاتصال المعنى الغالبين ه لمن المقربين ه ملقون ه الغالبون ه ما ~~يأفكون ه للآية وللدلالة على إسراعهم في السجود ساجدين ه العالمين ه وهارون ~~ط لكم ه لكم ه للابتداء بأن مع اتحاد القول السحر ط للفاء ولام الابتداء ~~فلسوف تعلمون ه لتقدير القسم أجمعين ه لا ضير ط توقية لحق «إن» وإلا فالأصل ~~هو الوصل لأن ما بعده هو القول في الحقيقة كما في «الأعراف» منقلبون ه ج ~~للآية مع اتحاد المقول المؤمنين ه متبعون ه حاشرين ه للآية مع أن التقدير ~~بأن هؤلاء قليلون ه لغائظون ه حاذرون ه ط لابتداء الخبر من الله وعيون ه لا ~~كريم ه لا لتعلق الكاف كذلك ط أي كما وعدنا بني إسرائيل إيراثها ثم أخبر عن ~~وقوع الموعود لبني إسرائيل مشرقين ه لمدركون ه ووجه الوصل الإسراع في ~~تداركهم عن خوف الإدراك كلا ج لاحتمال أن يكون للردع وأن يكون بمعنى حقا ~~سيهدين ه البحر ط لأجل الفاء الفصيحة أي فضرب فانفلق العظيم ه الآخرين ه ~~أجمعين ه الآخرين ه الآية ط مؤمنين ه الرحيم ه. ### | التفسير: # قال جار الله: معنى طسم إن آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات ~~الكتاب المبين وقد مر مثله في أول «يوسف» . والبخع الإهلاك وقد مر في أول ~~«الكهف» . عزاه وعرفه أن غمه وحزنه لا ينفع ms3552 كما أن وجود الكتاب على بيانه ~~ووضوحه لا # PageV05P263 # ينفع. ثم بين أنه قادر على تنزيل آية ملجئة إلى الإيمان ولكن المشيئة ~~والحكمة تقتضيان بناء الأمر على صورة الاختبار. قال صاحب الكشاف: وجه عطف ~~فظلت على ننزل كما قيل في قوله فأصدق وأكن [المنافقون: 10] كأنه قيل: ~~أنزلنا فظلت. وأقول: الظاهر أن الفاء في فظلت للسببية بدليل عدم المستتر ~~فيه كما في ننزل. ووجه العدول إلى الماضي كما قيل في ونادى [الأعراف: 48] ~~وسيق [الزمر: 73] وجه مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق إذ الأعناق تكون مقحما ~~لبيان موضع الخضوع. وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين أي حين وصفت الأعناق ~~بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل خاضعين كقوله والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ~~[يوسف: 4] وقيل: أعناقهم رؤساؤهم كما يقال لهم الرؤوس والصدور. وقيل: أراد ~~جماعاتهم. يقال: جاءنا عنق من الناس لفوج منهم. عن ابن عباس: نزلت هذه ~~الآية فينا وفي بني أمية. قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم ~~بعد صعوبة ويلحقهم هوان بعد عزة. ومعنى ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث قد ~~مر في سورة الأنبياء. نبه سبحانه بذلك على أنه مع اقتداره على أن يجعلهم ~~ملجئين إلى الإيمان حكيم يأتيهم بالقرآن حالا بعد حال رعاية لقاعدة ~~التكليف. ثم ذكر أنه تعالى لا يحدد لهم توجيه موعظة وتذكير إلا جددوا ما هو ~~نقيض المقصود، وذلك النقيض هو الإعراض والتكذيب والاستهزاء وهذا ترتيب في ~~غاية الحسن كأنه قيل حين أعرضوا عن الذكر: فقد كذبوا به وحين كذبوا به فقد ~~خف عندهم قدره حتى صار عرضة للاستهزاء. وهذه درجات من أخذ في الشقاء فإنه ~~يعرض أولا، ثم يصرح بالتكذيب ثانيا، ثم يبلغ في التكذيب والإنكار إلى حيث ~~يستهزىء. وفي قوله فسيأتيهم وعيد لهم بعذاب بدر أو يوم القيامة وقد مر مثله ~~في أول «الأنعام» . ثم بين أنه مع حكمته في إنزال القرآن حالا بعد حال رحيم ~~يظهر من الدلائل الحسية ما يكفي للمتأمل في باب النظر والاستدلال. والزوج ~~الصنف والكريم نعت لكل ما يرضى ويحمد في ms3553 بابه منه «وجه كريم» إذا رضي في ~~حسنه وجماله، و «كتاب كريم» مرضي في مبانيه، «ونبات كريم» مرضي فيما يتعلق ~~به من المنافع، فما من نبت إلا وفيه نفع وفائدة من جهة وإن كانت فيه مضرة ~~من جهة أخرى. ويحتمل أن يراد بالكريم النافع منه وتكون المضار مسلوبة عنه. ~~قال جار الله: معنى الجمع بين «كم» و «كل» دون أن يقول «كم أنبتنا فيها من ~~زوج كريم» هو أن «كلا» قد دل على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، ~~و «كم» دل على أن هذا محيط مفرط الكثرة. قلت: فالحاصل أن خلق النوع يصدق ~~بخلق فرد واحد منه كما يصدق بخلق أفراد كثيرة. فقوله كل زوج إشارة إلى خلق ~~كل نوع من أنواع النبات، وقوله كم أنبتنا إشارة إلى كثرة أفراد كل نوع منه ~~وفيه تنبيه على كمال القدرة ونهاية الجود والرحمة ولهذا # PageV05P264 # ختم الكلام بقوله إن في ذلك الإنبات أو في كل واحد من تلك الأزواج لآية ~~على الإبداء والإعادة وما كان أكثرهم مؤمنين لأن الله تعالى طبع على قلوبهم ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم فمن عزته قدر على عقوبتهم ومن رحمته بين لهم ~~الدلائل ليتفكروا ويعتبروا، والرحمة إذا صدرت عن القدرة كانت أعظم موقعا. ~~واعلم أنه سبحانه كرر بعض الآيات في هذه السورة لأجل التأكيد و «التقرير» ~~فمن ذلك أنه كرر قوله إن في ذلك لآية إلى قوله الرحيم في ثمانية مواضع: ~~أولها في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية في قصة موسى، ثم إبراهيم، ~~ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب. ومن ذلك قوله ألا تتقون إني لكم ~~رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين وهو مذكور في خمسة مواضع: في قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. ومن ~~ذلك أنه كرر فاتقوا الله وأطيعون في قصة نوح وهود وصالح وليس في ذكر النبي ~~صلى الله عليه # وسلم: # ما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ms3554 إلا على رب العالمين [الشعراء: 109] ~~لذكرها في مواضع من غير هذه السورة. وليس في قصة موسى لأنه رباه فرعون حيث ~~قال ألم نربك فينا وليدا ولا في قصة إبراهيم لأن أباه في المخاطبين حيث ~~يقول: إذ قال لأبيه وقومه [الأنبياء: 52] وهو قد رباه فاستحيا موسى ~~وإبراهيم أن يقولا وما أسئلكم عليه من أجر وإن كانا منزهين من طلب الأجر. # ثم إنه تعالى أعاد في هذه السورة قصص الأنبياء المشهورين مع أممهم ~~اعتبارا لهذه الأمة، وبدأ بقصة موسى لما فيها من غرائب الأحوال وعجائب ~~الأمور. والنداء المسموع عند الأشعري هو الكلام القديم الذي لا يشبه الحروف ~~والأصوات، وعند المعتزلة وإليه ميل أبي منصور الماتريدي أنه من جنس الحروف ~~والأصوات وأنه وقع على وجه علم به موسى أنه من قبل الله تعالى وقد عرفه أنه ~~سيظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك. قال جار الله: # قوله ألا يتقون كلام مستأنف فيه تعجيب لموسى من حالهم الشنعاء في قلة ~~خوفهم وكثرة ظلمهم، أو هو حال أدخلت عليه همزة الإنكار. ثم إن موسى خاف أن ~~يكذب عند أداء الرسالة فاستظهر بهارون. وفي قراءة النصب خاف التكذيب ~~المستتبع لضيق الصدر المستلزم لاحتباس اللسان عن الجريان في الكلام، ولعله ~~أراد بهذه الحبسة عقدة في لسانه قبل إجابة دعوته أو بقية يروى أنها بقيت ~~بعد الإجابة كما مر في «طه» . ومعنى فأرسل إلى هارون أرسل إليه جبريل ~~واجعله نبيا يصدقني في أمري فاختصر الكلام اختصارا. ثم ذكر أن لهم عليه ~~ذنبا فسمى جزاء الذنب ذنبا، أو المضاف محذوف أي تبعة ذنب وهو قود قتل ~~القبطي كما سيجيء تفصيله في سورة القصص. فيمكن أن يقتل قبل أداء الرسالة ~~فلا يتمكن من # PageV05P265 # المقصود، وهذا قد جوزه الكعبي وغيره من البغداديين. وقال الأكثرون: ~~الأقرب من حال الأنبياء أنهم يعلمون إذا حملهم الله تعالى الرسالة أنه ~~يمكنهم من أدائها فلا معنى للخوف من القتل قبل الأداء. نعم لو خاف بعد ~~الأداء جاز وذلك لما جبل عليه طبع الإنسان من التنفر عن القتل ms3555 فيسأل الله ~~الأمان من ذلك وقد جمع الله له بقوله كلا الكلاءة وبقوله فاذهبا استنباء ~~أخيه كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت وهارون ومعكم ومستمعون ~~خبران لأن أو الخبر مستمعون ومعكم متعلق به. ولا يخفى ما في المعية من ~~المجاز لأن المصاحبة من صفات الأجسام، فالمراد معية النصرة والمعونة، وأما ~~الاستماع فمجاز أيضا وإن كان إطلاق السمع على الله حقيقة لأن الاستماع جار ~~مجرى الإصغاء ولا بد فيه من الجارحة. فحاصل الآية إنا لكما ولعدو كما ~~كالناصر الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه. وإنما وحد ~~الرسول في قوله نا رسول رب العالمين # لأنه أراد كل واحد أو أراد الرسول بمعنى المصدر أي ذو رسالة رب العالمين. ~~يقال: أرسلتهم برسول أي برسالة أو جعلا لاتفاقهما واتحاد مطلبهما كرسول ~~واحد. وهاهنا إضمار دل عليه سياق الكلام أي فأتيا فرعون فقالا له ذلك. # يروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن ~~هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه. ~~فأديا إليه الرسالة فعرف أنه موسى # فعند ذلك قال ألم نربك فينا وليدا أي صبيا وذلك لقرب عهده من الولادة. ~~قيل: مكث فيهم ثلاثين سنة من أول عمره. وقيل: وكز القبطي وهو ابن اثنتي ~~عشرة سنة ففر منهم. والفعلة الوكزة عدد عليه نعمه، ثم وبخه بقتل نفس منهم ~~وسماه كافرا لنعمه بسبب ذلك. وجوز جار الله أن يراد وأنت إذ ذاك ممن يكفر ~~بالساعة فيكون قد افترى على موسى أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم بالتقية. ~~وإنما قلنا إنه افتراء أو جهل لأن الكفر غير جائز على الأنبياء ولو قبل ~~النبوة، ويجوز أن يراد أنه من الكافرين بفرعون وإلهيته أو بآلهة كانوا ~~يعبدونها. قال تعالى: ويذرك وآلهتك [الأعراف: 127] ثم إن موسى ما أنكر ~~تربيته ولكن أنكر الكفر فلم ينسب نفسه إلا إلى الضلال وأراد به الذهاب عن ~~الصواب، أو أراد النسيان أو الخطأ وعدم التدبر في ms3556 أدبار الأمور. ثم ذكر ~~موهبة ربه في حقه حين فر من فرعون وملئه المؤتمرين بقتله. والحكم العلم ~~بالتوحيد وكمال العقل والرأي، ولا تدخل فيه النبوة ظاهرا لئلا يلزم شبه ~~التكرار بقوله: وجعلني من المرسلين قال جار الله وتلك إشارة إلى خصلة شنعاء ~~مبهمة لا يدري ما هي إلا بعد أن فسرت بقوله أن عبدت نظيره قوله وقضينا إليه ~~ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع [الحجر: 66] والمعنى تعبيدك بني إسرائيل ~~نعمة تمنها علي كأنه أبى أن يسمي نعمته إلا نقمة لأن تعبيدهم أي تذليلهم ~~واتخاذهم عبيدا وقصدهم. بذبح أبنائهم صار # PageV05P266 # هو السبب في حصوله عنده وفي تربيته فلهذا قال الزجاج: «أن» مع ما بعده في ~~موضع نصب أي إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسرائيل إذ لو لم تفعل ذلك ~~لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم ومن هنا قال جار الله: إن قول موسى فعلتها ~~إذن جواب لقول فرعون وفعلت فعلتك وجزاء له كأن فرعون قال: جازيت نعمتي بما ~~فعلت. فقال موسى: # فعلتها مجازيا لك وإن نعمتك جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. وقال ~~الحسن: أراد أنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك ~~بالتربية على أن التربية كانت من قبل أمي وعشيرتي ولم يكن منك إلا أنك لم ~~تقتلني. وقيل: أراد أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على ~~العبد في الإطعام والكسوة. # واعلم أن للعلماء خلافا في نعمة الكافر فقيل: إنها لا تستحق الشكر لأن ~~الكافر يستحق الإهانة بكفره فلو استحق الشكر لإنعامه لزم الجمع بين الإهانة ~~والتعظيم في حق شخص واحد في وقت واحد. وقيل: لا يبطل بالكفر إلا الثواب ~~والمدح الذي يستحقه على الإيمان، وفي الآية نوع دلالة على كل من القولين. ~~ثم إن موسى حين أدى رسالته من قوله نا رسول رب العالمين # قال فرعون وما رب العالمين وقد سبق مرارا أن كفره احتمل أن يكون كفر عناد ~~وأن يكون كفر جهالة، والذي يختص بالمقام هو أن ما يطلب به ms3557 حقيقة الشيء ~~وماهيته، وهذا هو الذي قصده فرعون بسؤاله ولم يعرف أن الماهية لا تطلق على ~~ذاته تعالى إذ لا أجزاء لها حدية ولا تقديرية ولا بأي وجه فرض ضرورة انتهاء ~~الكل إليه واستغنائه عن الكل من كل الوجوه، فلا يصح أن يسأل عنه بما هو ولا ~~بكيف هو ولا بأي شيء هو ولا بهل هو، غاية ذلك أن ينبه على وجوده الذي هو ~~أظهر الأشياء بلوازمه وآثاره على وجه يعم الكل كما يقال: إنه رب السموات ~~والأرض وما بينهما، أو بأخص من ذلك بأن يقال مثلا: ربكم ورب آبائكم الأولين ~~وهو الاستدلال بالأنفس أو يقال رب المشرق والمغرب وما بينهما من الجهات ~~المفروضة على السماء من لدن طلوع الكواكب إلى غروبها وبالعكس وهو الاستدلال ~~بالآفاق. وقد راعى في الجواب الأول طريقة اللطف فختم بقوله إن كنتم موقنين ~~أي إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا أولى ما توقنون به لظهوره وجلائه. وخاشنهم ~~في الأخير بقوله إن كنتم تعقلون حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به ~~بقوله: إن كنتم تعقلون حين نسبوه إلى الجنون بعد أن تهكموا به بقوله إن ~~رسولكم ويمكن أن يراد بقوله وما بينهما ثانيا ما بين المشرق والمغرب من ~~المخلوقات فيكون الفرق بين هذا الاستدلال وبين الأول أن الأول هو الاستدلال ~~بالإمكان على طريقة الحكيم، والثاني هو الاستدلال بالحدوث على طريقة ~~المتكلمين، والأول أقرب إلى اليقين # PageV05P267 # فلهذا قال إن كنتم موقنين والثاني أقرب إلى الحس فلهذا قال إن كنتم ~~تعقلون ولما انجر الكلام إلى حد العناد والمخاشنة هدده فرعون بقوله: لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين وهذا أبلغ من أن لو قال: «لأسجننك» ~~والمعنى لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني وكان من عادته أن يأخذ من ~~يريد سجنه يطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا ~~يسمع، وحينئذ عدل موسى إلى الحجة الأصلية في الباب وهو ادعاء المعجز المنبئ ~~عن صدقه فقال أولو جئتك أي أتفعل في ذلك ولو ms3558 جئتك بشيء أي جائيا بالمعجزة. ~~وفي قوله إن كنت من الصادقين إن سلم أنه قاله جدا لا هزلا وجدالا دلالة على ~~ما ركز في العقول من أن دعوى الرسالة إن اقترنت بظهور المعجزة على يده تحقق ~~صدقها. وقد شنع في الكشاف هاهنا أن في أهل القبلة من خفي عليهم ما لم يخف ~~على فرعون حتى جوزوا القبيح عليه سبحانه ولزمهم تصديق الكاذبين بالمعجزات. # وفي التخطئة سهو من وجهين: أحدهما: أنه لا قبيح عند الأشاعرة عقلا. ~~والثاني أنه على تقدير التسليم لا يلزم تجويز كل قبيح وهذا من ذلك للزوم ~~الاشتباه. وباقي القصة سبق نظيرها في «الأعراف» فلنقتصر في التفسير على ما ~~يختص بالسورة. قوله قال للملإ حوله قال في الكشاف: الظرف في محل النصب على ~~الحال. وأقول: الأصوب أن يجعل نعتا للملأ أي الأشراف حوله على طريقة قوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني قوله لميقات يوم معلوم اليوم يوم الزينة ~~وميقاته وقت الضحى كما مر في «طه» . # قوله هل أنتم مجتمعون استبطاء لهم في الاجتماع وحث عليه كقول الرجل ~~لغلامه: هل أنت منطلق إذا أراد أن يحثه على الانطلاق. قوله لعلنا نتبع ~~السحرة لم يكن غرضهم اتباع السحرة في دينهم وإنما غرضهم الأصلي أن لا ~~تتبعوا موسى، فساقوا الكلام مساق المجاز لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا ~~متبعين لموسى. قوله بعزة فرعون هي من أيمان الجاهلية ولا يصح الحلف في ~~الإسلام إلا بالله تعالى وبصفاته كما مر في «البقرة» و «المائدة» . وقوله ~~فألقي السحرة لم يسم فاعله وهو الله تعالى في الحقيقة حين ألقى داعية ~~الإيمان في قلوبهم ويجوز أن ينسب إلى ما عاينوا من المعجزات الباهرة ولك أن ~~لا تقدر فاعلا أي خروا. قوله لا ضير أي لا ضير علينا فيما يتوعدنا به من ~~القتل. # قوله إنا نطمع الطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين كقول إبراهيم والذي أطمع # PageV05P268 # أن يغفر لي # ويحتمل الظن بناء على أن المرء لا يعلم ما يختاره أو يؤل إليه عند ~~الوفاة. # ومعنى أن كنا لأن ms3559 كنا وكانوا أول طائفة مؤمنين من أهل زمانهم أو من قوم ~~فرعون أو من أهل المشهد. قوله: إنكم متبعون تعليل للإسراء أي بنيت تدبير ~~أمركم على أن تتقدموا لو يتبعكم فرعون وجنوده إلى أن يغشاهم من اليم ما ~~يغشاهم. قوله: لشرذمة هي الطائفة القليلة. ثم وصفهم بالقلة واختار جمع ~~السلامة ليدل على أن كل حزب منهم في غاية القلة، وذلك بالنسبة إلى عسكره ~~وإلا فهم كثير في أنفسهم. يروى أن فرعون أرسل في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ~~ألف ملك مسور مع كل ملك ألف وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت على مقدمته ~~سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وكان قوم موسى إذ ذاك ستمائة ~~ألف وسبعين ألفا. ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والحقارة لا قلة العدد. قوله: ~~وإنهم لنا لغائظون معناه أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ولكنهم ~~يفعلون أفعالا لغيظنا كأخذ الحلي وادعاء الاستقلال والاستخلاص عن ذل ~~الاستخدام ونحن قوم مجموعون كلمة وائتلافا، ومن عادتنا التيقظ والحذر ~~واستعمال الحزم في الأمور. فالحذر المتيقظ وهو يفيد الثبات والحاذر الذي ~~يجدد حذره. وقيل: هو تام السلاح لأنه فعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه، وكل هذه ~~المعاذير لأجل أن لا يظن به العجز وخلاف ما ادعاه من القهر والتسلط. # وقرىء حادرون بالدال غير المعجمة، والحادر السمين القوي أراد أنهم أقوياء ~~أشداء. # فأخرجناهم من جنات أي بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. ~~قال مجاهد: سماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى. والمقام ~~الكريم المنازل الحسنة والمجالس البهية. وقال الضحاك: المنابر. وقيل: السرر ~~في الحجال. كذلك يحتمل النصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، ~~والجر على الوصف أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وعلى هذا فيوقف على كريم. فأتبعوهم أي ~~فلحقوهم. ومن قرأ بالتشديد فظاهر. # والإشراق الدخول في وقت الشروق فلما تراءى الجمعان أي رأى قوم موسى قوم ~~فرعون وحصل كل من ms3560 الفريقين بمرأى للآخر قال أصحاب موسى خوفا وفزعا إنا ~~لمدركون لملحقون. قال موسى تثبيتا لهم وردعا عماهم عليه من الجزع والفزع ~~كلا إن معي ربي بالنصرة والمعونة سيهدين سبيل النجاة والخلاص كما وعدني. ثم ~~بين أنه كيف هداه بقوله فأوحينا الآية. ومعنى فانفلق فضرب فانفلق فكان كل ~~فرق أي كل جزء متفرق منفلق منه كالطود وهو الجبل العظيم ومع ذلك وصفه ~~بالعظيم وأزلفنا ثم أي قربنا حيث انفلق البحر الآخرين وهم قوم فرعون ~~والمقرب منه بنو إسرائيل أو قوم # PageV05P269 # فرعون أيضا أي أدنينا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد، ويجوز ~~أن يراد قدمناهم إلى البحر. وقرىء وأزلقنا بالقاف أي أزللنا أقدامهم حسا ~~بأن لم يكن لهم البحر يبسا كما كان لبني إسرائيل، أو عقلا أي أذهبنا عزهم. ~~والبحر بحر القلزم أو بحر من وراء مصر يقال له أساف. قالت الأشاعرة: إنه ~~تعالى أضاف الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم في طلب موسى كفر. أجاب الجبائي ~~بأن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله ~~تعالى، فلما كان مسيرهم بتدبير الله وهؤلاء تبعوهم أضافه إلى نفسه توسعا، ~~وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول: أتعبني الغلام لما حدث ~~ذلك عند فعله. أو المراد أزلفناهم إلى الموت والأجل. وقال الكعبي: أراد أنه ~~جمع تفرقهم كيلا يصلوا إلى موسى وقومه، أو أراد أنه حلم عنهم وترك لهم ~~البحر يابسا حتى طمعوا في دخوله. واعترض بأن كل ذلك لا بد أن يكون له أثر ~~في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم فيعود المحذور. إن في ذلك ~~الذي حدث في البحر من إنجاء البعض وإغراق البعض أو في ذلك الذي ذكر من ~~القصة بطولها الآية عجيبة للمتدبر المتفكر في الأمور الإلهية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين حين سألوا بعد النجاة أن يجعل لهم موسى إلها غير الله، ~~واتخذوا العجل، واقترحوا اقتراحات خارجة عن قانون الأدب. # ويحتمل أن يعود الضمير إلى هذه الأمة بدليل واتل ms3561 عليهم [الشعراء: 69] ~~وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يغتم بتكذيب قومه بعد ~~ظهور المعجزات ونزول الآيات. ### | التأويل: # الطاء طوله في كمال عظمته، والسين سلامته عن كل عيب ونقص، والميم مجده ~~الذي لا نهاية له. أو الطاء طهارة قلب نبيه عن تعلقات الكونين، والسين ~~سيادته على الأنبياء والمرسلين، والميم مشاهدته جمال رب العالمين. أو الطاء ~~طيران الطائرين بالله، والسين سير السائرين إلى الله، والميم مشي الماشين ~~لله الذين يمشون على الأرض هونا. # إن نشأ ننزل من سماء قلوبهم آية من واردات الحق فظلت أعناق نفوسهم لها ~~خاضعين فسيأتيهم بعد مفارقة الأرواح الأجساد أنبؤا ما كانوا به يستهزؤن ~~لظهور نتائج معاملاتهم الخبيثة على أرواحهم أولم يروا إلى أرض قلوب ~~العارفين كم أنبتنا فيها من أشجار أصناف الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص ~~وسائر الأخلاق الكريمة وما كان أكثرهم مؤمنين لأن جناب الحق لعزته يجل عن ~~أن يكون شرعة لكل وارد وإن ربك لهو العزيز الذي لا يوجد بالسعي الرحيم حين ~~أدرك أولياءه بجذبات العناية كما أدرك موسى حين ناداه من الشجرة، وذلك لأنه ~~جعله مظهر لطفه كما أنه جعل فرعون مظهر قهره فصار من العتو والاستكبار في ~~غاية الكمال. ويعلم منه أن الإنسان له استعداد في مظهرية # PageV05P270 # صفة القهر ليس لإبليس فلذلك عاند إبليس آدم وقال أنا خير منه وعاند فرعون ~~الرب وقال أنا ربكم الأعلى. وأن له استعدادا في مظهرية صفة اللطف ليس للملك ~~ولهذا صار الإنسان مسجودا للملائكة. أن أرسل معنا بني إسرائيل فيه أن موسى ~~القلب مرسل إلى فرعون النفس لئلا تستعبد الصفات الروحانية فإن لفرعون النفس ~~في البداية استيلاء على موسى القلب والصفات الروحانية فاستعملهم في قضاء ~~حوائجه وتحصيل مقاصده فعرفه فرعون النفس وقال ألم نربك فينا وليدا فإن موسى ~~القلب كان في حجر فرعون النفس إلى أن بلغ أوان الحلم وهي خمس عشرة سنة، ~~فقتل قبطي الشهوة حين كفر بإله الهوى وكان قبل القتل ضالا عن حضرة الربوبية ~~ففررت منكم إلى الله لما خفت أن ms3562 تقطعوا علي الطريق إلى الله. رب سموات ~~القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل قال لمن حوله من صفات النفس ألا ~~تستمعون قال موسى القلب لتعارفه بربه ربكم ورب آبائكم الأولين يعني الآباء ~~العلوية الروحانية. وفي قوله إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون إشارة إلى ~~كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس. ~~رب مشرق الروح من أفق البدن ورب مغربه فيه وما بينهما من مدة التعلق وقد مر ~~نظيره في محاجة إبراهيم في «البقرة» لأجعلنك من المسجونين في سجن حب الدنيا ~~فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب الجاه ~~والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. فقال موسى القلب: لا تقدر ~~على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزوعة عما سوى الله. وباقي ~~التأويل قد سبق قوله: # فأخرجناهم أي من جنات صفات الأوصاف الروحانية وعيون الحكمة وكنوز المعارف ~~ومقام كريم في حضرة أكرم الأكرمين وأورثناها بني إسرائيل فيه أن النفس إذا ~~فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها ~~بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات ~~لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها فأتبعوهم أي لحق أوصاف النفس أوصاف ~~القلب عند إشراق شمس الروح فكان كل فرق فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل ~~عظيم في العبور عنه وأزلفنا ثم الآخرين أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات ~~القلب إلى بحر الروح. وأنجينا موسى ومن معه من الأوصاف في بحر الروح ~~بالوصول إلى الحضرة ثم أغرقنا أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى ~~الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية إن في ~~ذلك لآية لأرباب العرفان وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه المنازل فإنه لا يصير ~~إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] جعلنا الله ~~من المستعدين لها والله أعلم. # PageV05P271 ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 122] # واتل عليهم نبأ ms3563 إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) # قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) ~~أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني ~~فهو يهدين (78) # والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم ~~يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما ~~وألحقني بالصالحين (83) # واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) ~~واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع ~~مال ولا بنون (88) # إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم ~~للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ~~ينتصرون (93) # فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها ~~يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) # وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم ~~(101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (103) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104) كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم ~~أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون ~~(108) # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله ~~وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما ~~كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) # وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم ~~تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح ~~بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) # فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122) ### | القراآت: # لي إلا واغفر لأبي إنه بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وأجري إلا بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع ms3564 وابن عامر وأبو عمرو وحفص: وأتباعك على أنه جمع تابع ~~أو تبع: يعقوب أنا إلا بالمد: أبو نشيط عن قالون معي من المؤمنين بفتح ياء ~~المتكلم: # حفص وورش. ### | الوقوف: # إبراهيم م لئلا يوهم أن «إذ» ظرف اتل وإنما هو منصوب باذكر ما تعبدون ه ~~عاكفين ه تدعون ه يضرون ه يفعلون ه تعبدون ه لا لأن # PageV05P272 # الضمير بعده توكيد الأقدمون ه والوصل أولى للفاء العالمين ه لا لأن الذي ~~صفة الرب يهدين ه لا يشفين ه ويسقين ه يحيين ه لا الدين ه بالصالحين ه لا ~~الآخرين ه لا النعيم ه لا الضالين ه لا يبعثون ه ولا بنون ه لا سليم ه ط ~~بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله تعالى وهو ~~الظاهر. وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم العالمين ه المجرمون ه شافعين ه ~~حميم ه ط المؤمنين ه لآية ط مؤمنين ه الرحيم ه المرسلين ج لأن «إذ» تصلح ~~ظرفا للتكذيب مفعولا لا ذكر تتقون ج ه لأن ما بعده من تمام المقول أمين ه ~~لا للفاء وأطيعون ج ه من أجر ج العالمين ج ه وأطيعون ه لا الأرذلون ه ط ~~يعملون ج ه لأن ما بعده من تمام المقول تشعرون ه لذلك المؤمنين ج ه مبين ه ~~المرجومين ه ط كذبون ه ج المؤمنين ه المشحون ج ه الباقين ه لآية ط مؤمنين ه ~~ط الرحيم ه. ### | التفسير: # القصة الثانية قصة إبراهيم عليه السلام وكان يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه ~~سألهم للإلزام والتبكيت. ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟ ~~وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال. وإنما قال في ~~سورة الصافات ماذا تعبدون [الصافات: 85] بزيادة «ذا» لأنه أراد هناك مزيد ~~التوبيخ ولذلك بني الكلام على الزيادة ثم أردفه بقوله أإفكا آلهة دون الله ~~تريدون [الصافات: 86] وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وهاهنا ظنوا أنه ~~يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا ms3565 الكلام بسطا ولم يقتصروا على ~~أصناما بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم فنظل لها عاكفين إظهارا للابتهاج ~~والافتخار. قال في الكشاف: وإنما قالوا فنظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار ~~دون الليل. قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن. قال: لا بد في ~~يسمعونكم من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟ قلت: ويحتمل أن يكون ~~المحذوف مفعولا ثانيا أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية ~~لأن «إذ» للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها. ~~وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون نبههم إبراهيم بقوله أفرأيتم على أن الباطل لا يتغير ~~بأن يكون قديما أو حديثا ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن ~~معبوديه أعداء لقوله تعالى كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: ~~82] أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان. وإنما ~~لم يقل عدو لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون # PageV05P273 # أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي ~~لها عبادة للعدو. ويحكى عن الشافعي أن رجلا واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث ~~أنت لاحتجت إلى أدب. وقوله إلا رب العالمين استثناء منقطع أي لكن رب ~~العالمين حبيب لي. ثم وصف لهم الرب بأنه الذي خلقني فهو يهدين أي خلق بدني ~~على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا ~~كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في «طه» الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] . ثم نبه بقوله والذي هو يطعمني ويسقين أن ~~الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة ~~إنعام الله تعالى لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ~~ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ~~ثم قال وإذا مرضت فهو يشفين وذلك أن البدن ليس دائما على ms3566 النهج الطبيعي ~~بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس ~~إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيرا من ~~أسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب. وأيضا الصحة تحتاج إلى ~~سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب ~~تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي. وأيضا فيه رعاية الأدب في مقام ~~المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله والذي يميتني لأن ~~الإماتة ليست بضر كالمرض. إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول ~~إلى عالم الخير والراحة. وإنما زاد لفظة «هو» في الإطعام والشفاء لأنهما قد ~~ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي. فأكد إعلاما بأن ذلك في ~~الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق. ثم أشار ~~إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله والذي أطمع فحمل الأشاعرة الطمع على ~~مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء. وحمله المعتزلة ~~على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف ~~الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك. وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه ~~من قوله إني سقيم [الصافات: 89] وقوله بل فعله كبيرهم [الأنبياء: 63] وقوله ~~لسارة «هي أختي» وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو ~~في الدنيا خفي. قال بعضهم: فائدة زيادة «لي» هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها ~~تعود إليه والله سبحانه لا يستفيد بذلك كمالا لم يكن له. والمراد: أطمع أن ~~يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما # قال لجبرائيل: أما إليك فلا. # وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليما لأمته إذا أرادوا مسألة فقال رب هب ~~لي # PageV05P274 # حكما # وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية وألحقني بالصالحين وهو إشارة إلى كمال ~~القوة العملية. ولقد أجابه حيث قال وإنه في الآخرة لمن الصالحين وقيل: ~~الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم. بين عباد ms3567 الله تعالى وزيف بأنه كان ~~حاصلا فكيف يطلبه؟ # والظاهر أنه أراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم ~~النظرية كما بينا. # قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من ~~الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثا. وحمله المعتزلة على منح ~~الألطاف. قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن ~~يكون سائلا لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو ~~شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلا عن إبراهيم، فإذن ~~هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات ~~والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين ~~إلى العين دون السامعين إلى الأثر. ثم طلب الذكر الجميل بقوله واجعل لي ~~لسان صدق والإضافة فيه كقوله قدم صدق [يونس: 2] وقال ابن عباس: وقد أعطاه ~~الله ذلك لقوله وتركنا عليه في الآخرين [الصافات: 78] ولهذا اتفق أهل ~~الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته. ومدح الكافر ليس مقصودا لذاته من ~~حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحمودا بكل لسان. ~~وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند ~~الله زلفى وقد يصير ذلك المدح داعيا للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل ~~تلك الفضائل. وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا ~~إلى ملته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال ~~واجعلني من ورثة جنة النعيم وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله وتلك الجنة ~~التي أورثتموها [الأعراف: 43] وكذلك في سورة مريم تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا [مريم: 63] ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقا به وهو أبوه ~~قائلا واغفر لأبي وقد سبق في آخر التوبة وفي «مريم» ما يتعلق به من ~~المباحث. وهاهنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع ms3568 حصول الخزي ~~فكيف قال بعده ولا تخزني وأيضا قال تعالى إن الخزي اليوم والسوء على ~~الكافرين [النحل: 27] وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟ أجاب ~~عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك. # درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل ~~الشركة أولا ثم الخصوصية ثانيا. وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة ~~دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب أبي يوم يبعث الضالون أو ~~العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة. ويجوز أن يكون سأل ~~الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر # PageV05P275 # هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فأراد أن لا ~~ينقطع نظم الكلام. وفي قوله إلا من أتى الله بقلب سليم إشارة إلى ما وصفه ~~الله به في قوله تعالى وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ~~[الصافات: 84] وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي ~~إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن ~~المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية ~~كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح ~~لأنه رئيسها. ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون ~~الاستثناء منقطعا. ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا ~~غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه ~~في دنياه بماله وبنيه. وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: # تحية بينهم ضرب وجيع والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: ~~هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: # ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له ~~بدلا عن ذلك. # ومنها أن يكون الموصول مفعولا لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا ~~بنون أحدا إلا رجلا سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر ms3569 ~~في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم ~~يعص. وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله تعالى. # وحين انجر الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله تعالى أو إبراهيم أحواله ~~وأهواله فقال وأزلفت الجنة للمتقين قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف ~~السعداء ليكون لهم فرجا معجلا، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا ~~غما وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله أين ما كنتم تعبدون يعني الآلهة ~~التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينفعونكم بنصرتهم لكم أو هل ينفعون ~~أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله فكبكبوا فيها هم أي ~~الآلهة والغاوون الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل ~~التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب ~~مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها. والمراد بجنود إبليس ~~شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس. قالوا يعني الغاوين وجنود إبليس ~~وهم يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم فيها يختصمون قال أكثر المفسرين: يجوز ~~أن ينطق الله الأصنام بحيث # PageV05P276 # يصح منها التخاصم. وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم ~~برب العالمين. والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء. وعن ~~السدي: الأولون الذين سنوا الشرك. وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن ~~القتل وأنواع المعاصي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم خالص يهمه ما يهمنا ~~وفيه نفي الشفعاء والصديق رأسا أو نفي للذين كانوا عدوهم شفعاء وأصدقاء من ~~الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من ~~الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم. قال جار الله: إنما جمع الشافع ~~ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من ~~الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له. وجوز أن يكون ~~الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا «ولو» في معنى التمني. ~~وقوله فنكون جواب التمني أو عطف في المعنى على كرة أي ليت لنا كرة ms3570 فإن ~~نكون، وعلى هذا جاز أن تكون «لو» على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا ~~كيت وكيت. ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن ~~يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين. # القصة الثالثة قصة نوح. ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب. والقوم مؤنث بدليل قوله كذبت ~~وكان أمينا فيهم مشهورا كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. وكرر قوله ~~فاتقوا الله وأطيعون تأكيدا وتقريرا في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو ~~الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي ~~الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرا؟ ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرا؟ ~~وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته. قوله وما ~~علمي يريد أي شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل ~~واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم أيضا فذكر أن ~~حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة. ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة ~~بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك ~~وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر. # وفي قوله لو تشعرون إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه ~~إنكار أن يسمى المؤمن رذلا وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين ~~والنسب نسب التقوى. # رب إن قومي كذبون ليس إخبارا لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب ~~الفتح والحكومة. والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله. ### | التأويل: # واتل عليهم نبأ إبراهيم القلب إذ قال لأبيه وقومه وهو الروح وما يتولد # PageV05P277 # منه نعبد أصناما وهو ما سوى الله فنظل لها عاكفين إلا أن أدركتنا العناية ~~فنعرض عنها: بل وجدنا آباءنا وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ~~ببعض فإنهم عدو لي إن تعلقت فصرت محجوبا بهم ms3571 عن الله خلقني فهو يهدين إلى ~~حضرته ويطعمني من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور ~~التجلي وإذا مرضت بتعلقات الكونين فهو يشفين بالجذبة الإلهية والذي يميتني ~~عن أوصاف البشرية ثم يحيين بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم ~~يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته والذي أطمع ~~أن يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين رب هب لي من ربوبيتك حكما ~~على بذل وجودي في هويتك وألحقني بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا ~~واسطة. واجعل لي لسان صدق في الآخرين من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى ~~الله واغفر لأبي الروح إنه كان من الضالين حين رد من العالم العلوي إلى ~~السفلي من قولهم «ضل الماء في اللبن» ولا تخزني بتعلقات الكونين قال نوح ~~القلب وما علمي بما كانوا يعملون يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة ~~عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب إن حسابهم إلا على ربي فيما يعملون ~~من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها ~~لو تشعرون الفرق بينهما قالوا أي النفس وصفاتها لئن لم تنته يا نوح القلب ~~عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا لتكونن من المرجومين بأحجار الوساوس ~~والهواجس في الفلك المشحون أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي ~~والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق ثم أغرقنا بعد الباقين بطوفان استيلاء ~~الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب ~~المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 123 الى 175] # كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم ~~رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين (127) # أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا ~~بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما ~~تعلمون (132) # أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن ms3572 هذا إلا ~~خلق الأولين (137) # وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140) كذبت ثمود المرسلين (141) إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) # إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما هاهنا آمنين (146) في ~~جنات وعيون (147) # وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) ~~فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون (152) # قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا ~~تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) # فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم (159) كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا ~~تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) # فاتقوا الله وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم ~~من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من ~~المخرجين (167) # قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه ~~وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) # وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175) # PageV05P278 ### | القراآت: # أوعظت مدغما: عباس ونصير خلق الأولين بفتح الخاء وسكون اللام: ابن كثير ~~وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي كذبت ثمود مثل بعدت ثمود [هود: 95] ~~فارهين بالألف: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف. ### | الوقوف: # المرسلين ه تتقون ه أمين ه وأطيعون ه أجر ه العالمين ه تعبثون ه لا ~~تخلدون ه ج جبارين ه وأطيعون ه ج تعلمون ه ج وبنين ه لا وعيون ه ج عظيم ه ط ~~الواعظين ه لا للاحتراز عن الابتداء بمقولهم الأولين ه ms3573 لا لذلك بمعذبين ه ج ~~فأهلكناهم ط لآية ط مؤمنين ه الرحيم ه المرسلين ه ط تتقون ه أمين ه لا ~~وأطيعون ه أجر ه العالمين ه آمنين ه لا لتعلق الظرف وعيون ه لا هضيم ه ~~فارهين ه ج للآية مع العطف وأطيعون ه ج لذلك المسرفين ه لا لأن الذين صفتهم ~~ولا يصلحون ه المسحرين ه ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول مثلنا ز من ~~الصادقين ه معلوم ه ج عظيم ه نادمين ه لا العذاب # PageV05P279 # ط لآية ط مؤمنين ه الرحيم ه المرسلين ه لا ألا تتقون ه ج أمين ه لا ~~وأطيعون ه ج أجر ج العالمين ه ط من العالمين ه لا للعطف من أزواجكم ه عادون ~~ط المخرجين ه القالين ه يعملون ه أجمعين ه الغابرين ه الآخرين ه ج مطر ~~المنذرين ه لآية ط مؤمنين ه الرحيم ه. ### | التفسير: # القصة الرابعة قصة هود ولنذكر من تفسيرها ما هو غير مكرر. الريع بالكسر ~~وقرىء بالفتح المكان المرتفع ومنه الغلة لارتفاعها. والآية العلم وفي هذا ~~البناء وجوه: فعن ابن عباس أنهم كانوا يبنون بكل موضع مرتفع علما يعبثون ~~فيه بمن يمر بالطريق إلى هود. # وقيل: كانوا يبنون ذلك ليعرف به فخرهم وغناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث ~~وقيل: # كانوا يقتنون الحمام قاله مجاهد. والمصانع مآخذ الماء. وقيل: القصور ~~المشيدة والحصون. ومعنى لعلكم تخلدون ترجون الخلود في الدنيا أو ظلما وعلوا ~~فوصفوا بكونهم إذ ذاك جبارين. وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب. وعن ~~الحسن: # أراد أنهم يبادرون العذاب من غير تفكر في العواقب. والحاصل أن اتخاذ ~~الأبنية الرفيعة يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، ~~والبطش الشديد يدل على حب التفرد بالعلو فكأنهم أحبوا العلو وبقاء العلو ~~والتفرد بالعلو وكل هذه لمن له الصفات الإلهية لا العبدية. ثم بالغ في ~~تنبيههم على نعم الله حيث أجملها بقوله واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ~~إيقاظا لهم عن سنة الغفلة مستشهدا بعلمهم ثم فصلها بقوله ms3574 أمدكم بأنعام ~~عليها تدور معايشكم وبنين بهم يتم أمر حفظها والقيام بها وجنات يحصل بها ~~التفكه والتنزه وعيون بمائها يكمل النماء. ثم ختم الكلام بتخويفهم تنبيها ~~على أنه كما قدر أن يتفضل عليهم بهذه النعم الجسام فهو قادر على العذاب ~~فيكون فيه مزيد حث على التقوى وكمال تنفر عن العصيان. ثم شرع في حكاية جواب ~~القوم وأنهم قالوا: إن وعظه وعدم وعظه بالنسبة إليهم سيان. وإنما لم يقل ~~«أوعظت أم لم تعظ» مع كونه أخصر لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل ~~الذي هو الوعظ أو لم تكن من مباشريه وذويه رأسا وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم ~~بوعظه. من قرأ خلق الأولين بفتح الخاء فمعناه أن هذا إلا اختلاق الأولين ~~وأكاذيبهم، أو ما هذا إلا خلق الأقدمين نحيا ونموت ولا بعث ولا جزاء. ~~والقراءة الأخرى معناها لسنا نحن إلا على دين الأولين من آبائنا، أو ليس ما ~~نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة جارية لا خرق لها، أو ما هذا الذي جئت ~~به من تلفيق الأكاذيب. إلا عادة مستمرة من المتنبين. ثم أكدوا إنكارهم ~~المعاد بقولهم وما نحن بمعذبين فأظهروا بذلك جلادتهم وقوة نفوسهم فأخبر ~~الله تعالى عن إهلاكهم وقد سبقت كيفية ذلك مرارا. # PageV05P280 # القصة الخامسة قصة صالح. قال جار الله: الهمزة في أتتركون يجوز أن تكون ~~للإنكار أي لا تتركون مخلدين في الأمن والراحة ولكل نعمة زوال، ويجوز أن ~~تكون للتقرير أي قد تركتم في أسباب الأمن والفراغ، أجمل أولا بقوله في ما ~~هاهنا أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله في جنات ~~وعيون وذكر النخل بعد ذكر الجنات إما تخصيص للجنات بغير النخل، وإما تخصيص ~~للنخل بالذكر تنبيها على فضله ومزيته. # وطلع النخلة ما يبدو منها كنصل السيف وقد مر في «الأنعام» . والهضيم ~~اللطيف الضامر من قولهم «كشح هضيم» أراد أنه وهب لهم أجود النخل وألطفه ~~كالبرني مثلا. وقيل: وصف نخيلهم بالحمل الكثير فإنه إذا كثر الحمل هضم أي ~~لطف. وقيل: الهضيم ms3575 اللين النضيج كأنه قال: ونخل قد أرطب ثمره. والفراهة ~~الكيس والنشاط ومنه «خيل فرهة» وفارهين حال من الناحتين. قال علماء ~~المعاني: جعل الأمر مطاعا مجاز حكمي وإنما المطاع بالحقيقة هو الآمر. وفي ~~قوله ولا يصلحون إشارة إلى أن إفسادهم في الأرض غير مقترن بالإصلاح رأسا. ~~والمسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله. وقيل: هو من السحر الرئة. أرادوا ~~أنه بشر ذو سحر وهو ضعيف لأنه يلزم التكرار بقوله: ما أنت إلا بشر مثلنا ~~إلا أن يقال: إنه بيان. والشرب النصيب من الماء كالسقي للحظ من السقي. ~~وقرىء بالضم عن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ولهم شرب يوم لا ~~تشرب فيه الماء. سؤال: # لم أخذهم العذاب وقد ندموا والندم توبة؟ جوابه كان ندمهم ندم خوف من ~~العقاب العاجل أو ندموا ندم توبة في غير أوانها وذلك عند عيان العذاب. ~~وقيل: ندموا على ترك عقر ولدها وفيه بعد. واللام في العذاب إشارة إلى عذاب ~~يوم عظيم. # القصة السادسة: قصة لوط: أنكر على قومه إتيانهم الذكور من الناس لا ~~الإناث على كثرتهن، أو أنكر عليهم كونهم مختصين من العالمين بهذه الفاحشة. ~~فقوله: من العالمين يعود على الأول إلى المأتي، وعلى الثاني إلى الآتي. ~~والعالمون على هذا كل ما ينكح من الحيوان ولا شيء من الحيوان يرتكب هذه ~~الفعلة إلا الإنسان. قوله من أزواجكم إما بيان لما خلق وإما للتبعيض فيراد ~~بما خلق العضو المباح منهن فلعلهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم. والعادي ~~المتجاوز الحد في ظلم أي بل أنتم قوم عادون في جميع المعاصي وهذه واحدة ~~منها، أو بل أنتم قوم أحقاء بأن تنسبوا إلى العدوان حيث فعلتم هذه الجريمة ~~العظيمة. قالوا لئن لم تنته يا لوط عن نهينا لتكونن من جملة من أخرجناه من ~~بلدنا ولعلهم كانوا يطردون من خالف أراد أنه كامل في قلاهم عصبية للدين، أو ~~أنه معدود في زمرة مبغضيهم كما تقول: فلان من العلماء. فيكون أبلغ من قولك ~~«هو # PageV05P281 # عالم» . ثم طلب النجاة من ms3576 عقوبة عملهم أو سأل العصمة عن مثل عملهم ولقد ~~عصمهم الله إلا عجوزا رضيت بفعلهم وأعانت على ذلك وكانت من أهله بحق الزواج ~~وإن لم تشاركهم في الإيمان. ومعنى في الغابرين إلا عجوزا مقدرا غبورها أي ~~بقاؤها في الهلاك. واللام في المنذرين للجنس لتصلح الفاء علة فعل الذم ~~والمخصوص محذوف أي ساء مطر جنس المنذرين مطر أولئك المعهودين والله أعلم. ### | [سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 227] # كذب أصحاب الأيكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني ~~لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين (180) # أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ~~ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي ~~خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) # وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من ~~السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188) فكذبوه ~~فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين (190) # وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191) وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به ~~الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين ~~(195) # وإنه لفي زبر الأولين (196) أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ~~(197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين ~~(199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) # لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون ~~(202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن ~~متعناهم سنين (205) # ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما ~~أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت ~~به الشياطين (210) # وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) ~~واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) # فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) ~~الذي يراك ms3577 حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم ~~(220) # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون ~~السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون (225) # وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا ~~الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ~~(227) # PageV05P282 ### | القراآت: # ليكة بلام مفتوحة بعدها ياء ساكنة وبفتح التاء على أنها ممتنعة من الصرف ~~للعلمية والتأنيث، وكذلك في «صاد» : أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر. # الآخرون الأيكة معروفا مجرورا. كسفا بفتح السين: حفص غير الخزاز. الآخرون ~~بسكونها ربي أعلم بفتح الياء: نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ونزل به ~~مخففا الروح الأمين مرفوعين: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو ~~زيد عن المفضل وزيد عن يعقوب. الباقون نزل مشددا الروح الأمين منصوبين أولم ~~تكن بتاء التأنيث آية بالرفع: ابن عامر. الباقون بالياء التحتانية. آية ~~بالنصب: فتوكل بالفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون بالواو من تنزل ~~الشياطين بتشديد التاء وكذلك تنزل البزي وابن فليح يتبعهم بالتخفيف: نافع ~~وادي بالياء في الوقف: # يعقوب والسرنديبي عن قنبل وقرأ قتيبة بالإمالة. ### | الوقوف: # المرسلين ج ه تتقون ه أمين ه لا وأطيعون ه ج أجر ج العالمين ه ط المخسرين ~~ج ه المستقيم ج ه مفسدين ج ه الأولين ه ط المسحرين ه لا الكاذبين ه ج نصف ~~آي القرآن الصادقين ه ط تعملون ه الظلة ط عظيم ه لآية ط مؤمنين ه الرحيم ه ~~العالمين ه الأمين ه لا المنذرين ه لا مبين ه الأولين ه إسرائيل ط ه ~~الأعجمين ه لا مؤمنين ه ط المجرمين ه ط بناء على أن لا يؤمنون مستأنف ~~للبيان ولو جعل حالا فلا وقف الأليم ه لا لا يشعرون ه لا منظرون ه ط ~~يستعجلون ه سنين ه لا للعطف يوعدون ه لا لأن قوله ما أغنى جملة نفي أو ~~استفهام قامت مقام الشرط يمتعون ms3578 ه ط منذرون ه وقد يوقف عليها بناء على أن ~~ذكرى ليس بمفعول له والمراد ذكرناهم والوقف على ذكرى جائز ظالمين ه ~~الشياطين ه يستطيعون ه ط لمعزولون ه ط المعذبين ج ه الأقربين ج ه للعطف ~~المؤمنين ه تعملون ه ج الرحيم ه لا تقوم # ه لا الساجدين ه العليم ه الشياطين ه ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ~~أثيم ج ه بناء على أن يلقون حال من ضمير الشياطين أي تنزل ملقين السمع أو ~~صفة ل كل أفاك وإن جعل مستأنفا كأن قائلا قال: لم تنزل؟ فقيل: يفعلون كيت ~~وكيت فلك الوقف. كاذبون # PageV05P283 # ه ط الغاوون ه ط يهيمون ه لا لا يفعلون ه ظلموا ط ينقلبون ه. ### | التفسير: # القصة السابعة قصة شعيب وأنه كان أخا مدين دون أصحاب الأيكة ولهذا لم يقل ~~«أخوهم شعيب» . # يروى أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم وهي التي ~~حملها المقل. # قال في الكشاف: قرىء أصحاب ليكة بتخفيف الهمزة وبالجر على الإضافة وهو ~~الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط ~~المصحف في هذه السورة وفي سورة ص، ثم اعترض عليه بأن ليكة اسم لا يعرف. ~~قلت: إنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء عدم ذلك الشيء، والظن بالمتواتر يجب ~~أن يكون أحسن من ذلك. أمرهم شعيب بإيفاء الكيل ونهاهم عن الإخسار وهو ~~التطفيف وأن يجعل الشخص خاسرا فكأنه أمره بالإيفاء مرتين توكيدا ثم زاد في ~~البيان بقوله. وزنوا بالقسطاس المستقيم وقد مر في سورة سبحان. قال في ~~الكشاف: إن كان من القسط وهو العدل وجعلت السين مكررة فوزنه «فعلاس» وإلا ~~فهو رباعي. قلت: إن كان مكررا فوزنه «فعلال» أيضا. وقوله ولا تبخسوا تأكيدا ~~آخر وقد سبق في «هود» . والجبلة الخليقة حذرهم الله الذي تفضل عليهم بخلقهم ~~وخلق من تقدمهم ممن لولا خلقهم لما كانوا مخلوقين. قال في الكشاف: الفرق ~~بين إدخال الواو هاهنا في قوله وما أنت إلا بشر وبين تركها في ms3579 قصة ثمود هو ~~أنه قصد هاهنا معنيان منافيان عندهم للرسالة: كونه مسحرا وكونه بشرا وهناك ~~جعل المعنى الثاني مقررا للأول. قلت: الفرق بين والإشكال في تخصيص كل من ~~القصتين بما خصت به، ولعل السبب فيه هو أن صالحا قلل في الخطاب فقللوا في ~~الجواب، وأكثر شعيب في الخطاب ولهذا قيل له خطيب الأنبياء فأكثروا في ~~الجواب. «وإن» في قولهم وإن نظنك هي المخففة من الثقيلة عملت في ضمير شأن ~~مقدر. واللام في قوله لمن الكاذبين هي الفارقة. والكسف بالسكون والحركة جمع ~~كسفة وهي القطعة وقد مر في سبحان في اقتراحات قريش. والمعنى إن كنت صادقا ~~في دعوة النبوة فادع الله أن يسقط علينا قطع السماء. وإنما طلبوا ذلك ~~لاستبعادهم وقوعه فأرادوا بذلك إظهار كذبه فحلم عنهم شعيب ولم يدع عليهم بل ~~فوض الأمر إلى الله بقوله: ربي أعلم بما تعملون # يروى أن شعيبا بعث إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة. فأهلكت مدين ~~بصيحة جبرائيل، وأهلكت أصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة # وذلك إنه حبس عنهم الريح سبعا وسلط عليهم الحر فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ~~ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى الصحراء فأظلتهم سحابة ~~وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. # PageV05P284 # وحين سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه القصص المؤكدة بالمكررات ~~المختتمة بالمقررات عاد إلى مخاطبته قائلا وإنه أي وإن الذي نزل عليك من ~~الأخبار لتنزيل رب العالمين أي منزله. والباء في نزل به على القراءتين ~~للتعدية ولكنها في قراءة التشديد تقتضي مفعولا آخر هو الروح أي جعل الله ~~تعالى الروح الأمين نازلا به على قلبك محفوظا مفهوما لتكون من المنذرين من ~~الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون قوله بلسان متعلقا ب نزل أي نزله بلسان عربي ~~لتنذر به فإنه لو نزله بالأعجمي لقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه. ومن هذا ~~الوجه ينشأ فائدة أخرى لقوله على قلبك أي نزلناه بحيث ms3580 تفهمه ولو كان أعجميا ~~لكان نازلا على سمعك دون قلبك. # والظاهر من نقل أئمة اللغة أن القلب والفؤاد مترادفان. ونقل الإمام فخر ~~الدين الرازي عن بعضهم أن القلب هو العلقة السوداء في جوف الفؤاد وذكر ~~كلاما طويلا في أن محل العقل هو القلب دون الدماغ وهو المخاطب في الحقيقة ~~فلهذا قال نزله على قلبك ونحن قد تركناه لقلة تعلقه بالمقام ولضعف دلائله ~~مع مخالفته لما عليه معظم أرباب المعقول. قوله وإنه لفي زبر الأولين يعني ~~أن ذكر القرآن مثبت في الكتب السماوية للأمم المتقدمة، وإن معاني القرآن في ~~تلك الزبر. وقد يحتج به لأبي حنيفة في جواز القراءة بالفارسية في الصلاة. ~~وقيل: الضمير فيه وفي أن يعلمه للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه حجة ثابتة ~~على نبوته قد شهد بها علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره من الذين ~~أسلموا منهم واعترفوا أن نعته وصفته في كتبهم مذكور، وكان مشركوا قريش ~~يذهبون إلى اليهود يتعرفون منهم هذا الخبر. # من قرأ يكن بالتذكير وآية بالنصب على الخبر والاسم أن يعلمه فظاهر، ومن ~~قرأ تكن بالتأنيث وآية بالرفع على الاسم والخبر أن يعلمه فقيل: ليست بقوية ~~لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا. ويمكن أن يجاب بأن الفعل المضارع مع أن ~~ليس من المعارف الصريحة، وقد توجه هذه القراءة بتقدير ضمير القصة في تكن ~~وجملته آية أن يعلمه ولهم لغوا أو لهم آية وأن يعلمه بدل من آية. قال جار ~~الله: إنما كتب علموء بالواو على لغة من يميل الألف إلى الواو ولذلك كتبت ~~الصلاة والزكوة بالواو. ثم أكد بقوله ولو نزلناه ما مر من آية لو نزله ~~بالأعجمي فقرأه عليهم بعض الأعجمين لم يؤمنوا به لأنهم لم يكونوا يفهمونه. ~~وقال جار الله: معناه ولو نزلناه على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية ~~فضلا أن يقدر على نظم مثله فقرأه عليهم هكذا فصيحا معجزا متحدى به لكفروا ~~به كما كفروا ولتمحلوا لجحودهم عذرا ولسموه سحرا. ثم قال كذلك أي مثل هذا ~~السلك سلكناه ms3581 في قلوبهم وقررناه فيها فعلى أي وجه دبر أمرهم فلا سبيل إلى ~~تغييرهم عما هم # PageV05P285 # عليه من الإنكار والإصرار، وقد سبق مثل هذه الآية في أول «الحجر» . ~~والحاصل أنهم لا يزالون على التكذيب حتى يعاينوا الوعيد، وفيه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإن اليأس إحدى الراحتين. قال في الكشاف: ليس ~~الفاء في قوله فيأتيهم بغتة فيقولوا لأجل ترادف العذاب ومفاجأته وسؤال ~~النظرة، وإنما المعنى ترتيبها في الشدة كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى ~~تكون رؤيتهم العذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة. فما هو أشد منه ~~وهو سؤالهم النظرة. نظيره قولك: إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، لا تريد ~~الترتيب في الوجود ولكن في الشدة. قلت: هذا معنى صحيح ولكن لا مانع من ~~إرادة الترتيب والتعذيب في الوجود يظهر بالتأمل إن شاء الله العزيز. ثم ~~نكرهم بقوله أفبعذابنا يستعجلون وفيه إنكار وتهكم أي كيف يستعجل العذاب من ~~لا طاقة له به حتى استمهل بعد أن كان من العمر في مهلة؟ وجوز في الكشاف أن ~~يكون يستعجلون حكاية حال ماضية يوبخون بها عند استنظارهم، أو يكون متصلا ~~بما بعده وذلك أنهم اعتقدوا العذاب غير كائن فلذلك استعجلوه وظنوا أنهم ~~يمتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن، فأنكر الله عليهم استعجالهم الصادر عن ~~الأشر والبطر والاستهزاء والاتكال على طول الأمل. ثم قال: هب أن الأمر كما ~~ظنوه من التمتع والتعمير فإذا لحقهم الوعيد أو الأجل أو القيامة هل ينفعهم ~~ذلك؟. عن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف وكان يتمنى لقاءه فقال ~~له: عظني فتلا عليه هذه الآية فقال له ميمون: لقد وعظت فأبلغت. # ثم بين أنه ما أهلك قرية إلا بعد إلزام الحجة بإرسال المنذرين إليهم ~~ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم، وعلى هذا يكون ذكرى متعلقة ب أهلكنا ~~مفعولا له. ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا ل أنذر بمعنى التذكرة فإن أنذر وذكر ~~متقاربان، أو حالا من الضمير في منذرون أو مفعولا له متعلقا به أي ينذرونهم ~~ذوي ms3582 تذكرة أو لأجل الموعظة والتذكير، أو التقدير: هذه ذكرى فالجملة اعتراض. ~~ويجوز أن يكون صفة ل منذرون على حذف المضاف أي ذوو ذكرى، أو جعلوا ذكرى ~~لبلوغهم في التذكرة أقصى غاياتها. # والبحث عن وجود الواو وعدمه في مثل هذا التركيب قد مر في أول الحجر في ~~قوله وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم [الحجر: 4] إلا أنا نذكر ~~هاهنا سبب تخصيص تلك الآية بالواو وهذه بعدم الواو فنقول: لا ريب أن الواو ~~تفيد مزيد الربط والاجتماع في الحال وفي الوصف إن جوزتا: فسواء قدرنا ~~الجملتين أعني قوله ولها كتاب معلوم [الحجر: # 4] وقوله لها منذرون حالا أو وصفا فالمقام يقتضي ورود النسق على ما ورد، ~~وذلك أن قوله ولها كتاب صفة لازمة للقرية فإن الكتب في اللوح وصف أزلي ~~فناسب أن يكون في # PageV05P286 # اللفظ ما يدل على اللزوم واللصوق وهو الواو، ثم زيد في التأكيد بقوله ~~معلوم وبقوله ما تسبق وهذا بخلاف قوله لها منذرون فإنها صفة حادثة فأطلقت ~~وجود صدر الجملة عن الواو لذلك والله أعلم. ثم إنه لما احتج على صدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم بكون القرآن معجزا منزلا من رب العالمين مشتملا على ~~معاني كتب الأولين وكان الكفار يقولون إنه من إلقاء الجن كحال الكهنة أراد ~~أن يزيل شبهتهم بقوله: وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم التنزل بالوحي ~~وما يستطيعون. ثم بين عدم اقتدارهم بقوله إنهم عن السمع أي عن سماع كلام ~~أهل السماء لمعزولون وذلك بواسطة رجم الشهب كما أخبر عنه الصادق والمعجزات ~~يتساند بعضها ببعض، ولو فرض أنهم غير مرجومين بالشهب فالعقل يدل على أن ~~الاهتمام بشأن الصديق أقوى منه بشأن العدو، وكان محمد صلى الله عليه وسلم ~~يلعن الشياطين ويأمر الناس بلعنهم فلو كان الغيب بإلقاء الشياطين لكان ~~الكفار أولى بأن يحصل لهم ذلك. وحين أثبت حقية القرآن أمر نبيه بجوامع ~~مكارم الأخلاق ومحاسن العادات قائلا فلا تدع والمراد أمته كما مر في نظائره ~~من قوله ولئن اتبعت أهواءهم [البقرة: # 120] وغير ذلك ms3583 وأنذر عشيرتك الأقربين فيه أن الاهتمام بشأن من هو أقرب ~~إلى المرء أولى. وفيه أنه يجب أن لا يأخذه في باب التبليغ ما يأخذ القريب ~~للقرب من المساهلة ولين الجانب. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية صعد الصفا فنادى الأقرب ~~فالأقرب فخذا فخذا وقال: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا ~~عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله، إني لا أملك لكم من الله شيئا سلوني ~~من المال ما شئتم. # وروي أنه جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل ~~الجذعة ويشرب العس على رجل شاة، فأكلوا وشربوا حتى شبعوا ثم أنذرهم فقال: ~~يا بني عبد المطلب لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقي؟ قالوا: ~~نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. # قوله واخفض جناحك قد مر تفسيره في آخر «الحجر» وفي «سبحان» وزاد هاهنا ~~لمن اتبعك كيلا يذهب الوهم إلى أن خفض الجناح وهو التواضع ولين الجانب مختص ~~بالمؤمنين من عشيرته. وإنما لم يقتصر على قوله لمن اتبعك لأن كثيرا منهم ~~كانوا يتبعونه للقرابة والنسب لا للدين. وقال في الكشاف: سبب الجمع بين ~~اللفظين هو أنه سماهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين لمشارفتهم ذلك، أو أراد ~~بالمؤمنين المصدقين بالألسنة فزاد قوله لمن اتبعك ليخرج من صدق باللسان دون ~~الجنان، أو صدق بهما ولم يتبعه في العمل. وحين أمره بالتواضع لأهل الإخلاص ~~في الإيمان أمره بالتبرئة من أرباب العصيان. فاستدل الجبائي به على أن الله ~~تعالى أيضا بريء من عملهم فكيف يكون فاعلا له؟! وأجيب بأنه إن أراد ببراءة ~~الله أنه ما أمر بها فمسلم، وإن أراد أنه لا # PageV05P287 # يريدها فممنوع لانتهاء جميع الحوادث إلى إرادته ضرورة قوله وتوكل معطوف ~~على قوله فلا تدع أو على قوله فقل أمره بتفويض الأمر في دفع أعاديه إلى ~~العزيز الذي يقهر من ناوأ أولياءه الرحيم الذي لا يخذل من ينصر دينه. قال ~~بعض العلماء: المتوكل من إن ms3584 دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما فيه معصية ~~الله عز وجل، ولو وقع في محنة واستعان في دفعها ببعض المخلوقين لم يخرج من ~~حد المتوكلين، ثم عدد مواجب الرحمة وهي رؤيته قيامه وتقلبه في الساجدين أي ~~في المصلين. وللمفسرين فيه وجوه منها: ما # روي أنه حين نسخ فرض التهجد طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه حرصا عليهم وعلى ~~ما يوجد منهم من فعل الطاعات فوجدها كبيوت الزنابير ذكرا وتلاوة. # فالمراد بتقلبه في الساجدين تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ليطلع عليهم ~~كيف يعملون لآخرتهم. ومنها أن المراد تصرفه فما بين المؤمنين به بالقيام ~~والركوع والسجود والقعود. ويروى عن مقاتل أنه استدل به على وجود فضل صلاة ~~الجماعة في القرآن. ومنها أنه إشارة إلى ما # جاء في الحديث «أتموا الركوع والسجود فو الله إني لأراكم من خلف ظهري» # فالتقلب تقلب بصره فيمن يصلي خلفه. # وقيل: أراد أنه لا يخفى علينا كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور ~~الدين. وقد احتج بالآية علماء الشيعة على مذهبهم أن آباء النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يكونون كفارا. قالوا: أراد تقلب روحه من ساجد إلى ساجد كما # في الحديث المعتمد عليه عندهم «لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام ~~الطاهرات» # وناقشهم أهل السنة في التأويل المذكور وفي صحة الحديث. والأصوب عندي أن ~~لا نشتغل بمنع أمثال هذه الدعوى ونسرح إلى بقعة الإمكان على أنه لا يلزم من ~~عدم الدليل عدم المدلول. # ثم أكد قوله وما تنزلت به الشياطين بقوله هل أنبئكم على من تنزل قال في ~~الكشاف: تقديره أعلى من تنزل؟ ليكون الاستفهام في صدر الكلام كقولك: أعلى ~~زيد مررت؟ قلت: هذا تكلف بارد لأن الاستفهام في «من» ضمني لا يصرح به قط. ~~والأفاك الكثير الإفك، والأثيم مبالغة آثم وهم الكهنة والمتنبئة كسطيح ~~ومسيلمة وأمثالهما. والضمير في يلقون عائد إلى الشياطين كانوا قبل الرجم ~~بالشهب يختطفون بعض الغيوب من الملأ الأعلى بإلقاء السمع أي بالإصغاء ثم ~~يرجعون به إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون ms3585 لأنهم يخلطون الحق المسموع بكلامهم ~~الباطل كما # جاء في الحديث «الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر ~~من مائة كذبة» . # والقر الصب. وقيل: السمع بمعنى المسموع أي يلقي الشياطين إلى أوليائهم ما ~~يسمعونه من الملائكة. ويحتمل أن يكون الضمير في: # يلقون للأفاكين والسمع الأذن أو المسموع أي يلقون السمع إلى الشياطين ~~فيتلقون # PageV05P288 # وحيهم، أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس. وإنما لم يقل «وكلهم ~~كاذبون» لأن الكذوب قد يصدق فيصدق عليه أنه صادق في الجملة لأن هذه عبارة ~~الفصحاء لا يحكمون حكما كليا ما لم تدع إليه ضرورة. والحاصل أنهم كانوا ~~يقيسون حال النبي صلى الله عليه وسلم على حال الكهنة فقيل لهم: إن الأغلب ~~على الكهنة الكذب ولم يظهر من أحوال محمد صلى الله عليه وسلم إلا الصدق، ~~فكيف يكون كاهنا؟ ثم بين ما يعرف منه أن النبي ليس بشاعر كما أنه ليس بكاهن ~~فقال والشعراء يتبعهم الغاوون قيل: أي الشياطين. والأظهر أنهم الذين يروون ~~أشعارهم وكان شعراء قريش مثل عبد الله بن الزبعري وأمية بن أبي الصلت يهجون ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أهاجيهم ~~فنزلت. ثم بين غوايتهم بقوله ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وهو تمثيل ~~لذهابهم في كل شعب من القول يمدحون إنسانا معينا تارة ويذمونه أخرى غالين ~~في كلا الطرفين مستعملين التخيل في كل ما يرومونه. وذكر من قبائح خصالهم ~~أنهم يقولون عند الطلب والدعاوي ما لا يفعلون ولعمري إنها خصلة شنعاء تدل ~~على الدناءة واللؤم. # قالوا وما فعلوا وأين هم ... من معشر فعلوا وما قلوا # وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: # فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام # فقال: وجب عليك الحد. قال: قد درأ الله عني الحد يا أمير المؤمنين وتلا ~~الآية. ثم استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين أغلب أحوالهم الذكر ~~والفكر فيما لا بأس به من المواعظ والنصائح، ومدح الحق وذويه، ويكون هجاؤهم ~~على سبيل الانتصار ممن يهجوهم مثل ms3586 عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن ~~زهير كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: اهجهم فو الذي ~~نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل. وكان يقول لحسان: هاجهم وروح القدس معك. # والحاصل أن النظر في الشعر إلى المعنى لا على مجرد النظم والروي. فإن كان ~~المعنى صحيحا مطابقا للحق والصدق فلا بأس بإدخاله في سلك النظم والقافية بل ~~لعل النظم يروجه ويهيج الطبع على قبوله وهو الذي عناه صلى الله عليه وسلم # «إن من الشعر لحكما» «1» . # وإن كان المعنى فاسدا والغرض غير صحيح فهو PageV05P289 # الذي توجه الذم إليه. وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب ~~لقوله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] # وقال صلى الله عليه وسلم «المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى ~~المظلوم» «1» # ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال وسيعلم الذين ظلموا خصصه بعضهم ~~بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف، ومالوا إلى الجور والاعتساف، ولعله عام ~~يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في هذه السورة بل القرآن كله. ~~وقوله أي منقلب صفة لمصدر محذوف والعامل ينقلبون أي ينقلبون في الدركات ~~السفلى انقلابا أي منقلب ولا يعمل فيه سيعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما ~~قبله. وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أن ليس لهم وجه ~~من وجوه الانفلات وهو النجاة. ### | التأويل: # ولو نزلناه على بعض الأعجميين فيه إظهار القدرة من وجهين: الأول جعل ~~الأعجمي بحيث يقرأ العربي عليهم كقول القائل: أمسيت كرديا وأصبحت عربيا. # والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز ~~البين، وذلك لأن الله كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في ~~الدنيا بغتة وهم لا يشعرون لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن ~~منظرون. وما ينبغي لهم وما يستطيعون لأنهم خلقوا من النار والقرآن ms3587 نور قديم ~~فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم، ولهذا تستغيث النار من نور ~~المؤمن وتقول: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي. فتكون من المعذبين لأن كل من ~~طلب مع الله شيئا آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من الله. # وأنذر عشيرتك فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ~~ولده. إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة. إني بريء مما ~~تعملون لم يقل # «إني بريء منكم» # لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولا جميلا بالنصح والموعظة الحسنة حتى ~~يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك. وتقلبك ~~في الساجدين بأن خلق روح كل ساجد من روحك. إنه هو السميع في الأزل مقالتك ~~«أنا سيد ولد آدم ولا فخر» لأن أرواحهم خلقت من روحك العليم باستحقاقك لهذه ~~الكرامة الله تعالى حسبي. PageV05P290 ### | (سورة النمل) # (مكية حروفها أربعة آلاف وستمائة وتسعة وتسعون كلمها ألف ومائة وتسعة ~~آياتها ثلاث وتسعون) ### | [سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) # أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى ~~القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها ~~بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم (9) # وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور ~~رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر ~~مبين (13) وجحدوا ms3588 بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين (14) ### | القراآت: # إني آنست بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. بشهاب منونا ~~على أن قبسا وهو بمعنى مقبوس بدل أو صفة: عاصم وحمزة وعلي وخلف ورويس. # الباقون بالإضافة من في النار ممالة: علي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ~~وحمزة وفي رواية ابن سعدان والنجاري عن ورش وأبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ~~وكذلك في «القصص» . ### | الوقوف: # طس ه مبين ه لا بناء على أن هدى حال والعامل معنى الإشارة # PageV05P291 # في تلك أو هو مرفوع بدلا من ال آيات أو خبرا بعد خبر وإن كان التقدير هي ~~هدى به فلك الوقف للمؤمنين ه لا لأن الذين صفتهم يوقنون ه يعمهون ه ط ~~تنصيصا على أن أولئك مبتدأ مستأنف. الأخسرون ه عليم ه نارا ه تصطلون حولها ~~ط العالمين ه الحكيم ه لا لعطف الجملتين الداخلتين تحت النداء عصاك ط ~~للعدول عن بيان حال الخطاب إلى ذكر حال المخاطب مع حذف أي فألقاها فحييت ~~ولم يعقب ط لابتداء النداء المرسلون ه لا لأن «إلا» إن كان بمعنى «لكن» ~~فالاستدراك يوجب الوصل أيضا. رحيم ه وقومه ط فاسقين ه مبين ج ه للآية ~~والعطف وعلوا ط لاختلاف الجملتين وتعظيم الأمر بالاعتبار بعد حذف أي ~~فأغرقناهم المفسدين ه. ### | التفسير: # تلك الآيات التي تضمنتها هذه السورة آيات القرآن الذي علم أنه منزل مبارك ~~مصدق لما بين يديه وكتاب مبين. فإن أريد به اللوح فآياته أنه أثبت فيه كل ~~كائن، وإن أريد به السورة أو القرآن فالغرض تفخيم شأنهما من قبل التنكير. ~~فآياتهما أن إعجازهما ظاهر مكشوف وفيهما من العلوم والحكم ما لا يخفى، ولأن ~~الواو لا تفيد الترتيب فلا حكمة ظاهرة في عكس الترتيب بين ما هاهنا وبين ما ~~في أول «الحجر» . ومعنى كون الآيات هدى وبشرى أنها تزيد في إيمانهم وتبشرهم ~~بالثواب. قال جار الله: يحتمل أن يكون قوله وبالآخرة هم يوقنون من تتمة ~~الموصول إلا أن الأوجه أن يكون جملة مستقلة ms3589 ابتدائية شبيهة بالمعترضة بدليل ~~تكرير المبتدأ الذي هو هم فكأنه قيل: وما يؤمن بالآخرة حق الإيقان إلا ~~هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة هو الذي يسهل ~~عليهم متاعب التكاليف. وأقول: إنه وصفهم بالإيمان ليكون إشارة إلى معرفتهم ~~المبتدأ، ثم وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما الطاعة بالنفس والمال، ~~وهذه إشارة إلى وسط. ثم وصفهم بمعرفة المعاد فلا أحسن من هذا النسق. وفيه ~~أن المهتدي بالقرآن حقيقة هو الذي يكون موقنا بأحوال المعاد لا شاكا فيها، ~~آتيا بالطاعات للاحتياط قائلا: إن كنت مصيبا فيها فقد نلت السعادة وإن كنت ~~مخطئا فلم تفتني إلا لذات يسيرة زائلة. ثم أورد وعيد المنكرين للمعاد ~~وإسناد تزيين الأعمال إلى الله ظاهر على قول الأشاعرة، وأما المعتزلة ~~فتأولوه بوجوه منها: أنه استعارة فكأنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق ~~وجعلوا ذلك التمتع ذريعة إلى اتباع الشهوات وإيثار اللذات فقد زين لهم بذلك ~~أعمالهم. ومنها أنه مجاز حكمي وهو الذي يصححه بعض الملابسات. ولا ريب أن ~~إمهال الشيطان وتخليته حتى زين لهم أعمالهم كما قال وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم [النمل: 24] ملابسة ظاهرة للتزيين. ومنها أنه أراد زينا # PageV05P292 # لهم أمر الدين ولا يلزمهم أن يتمسكوا به وذلك بأن بينا لهم حسنه وما لهم ~~فيه من الثواب فهم يعمهون يعدلون ويتحيرون عما زينا لهم قاله الحسن لهم سوء ~~العذاب أي القتل والأسر كيوم بدر. ثم مهد مقدمة لما سيذكر في السورة من ~~الأخبار العجيبة فقال وإنك لتلقى القرآن لتؤتاه وتلقنه من عند أي حكيم وأي ~~عليم. وإذ قال منصوب ب عليم أو باذكر كأنه قيل: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة ~~موسى العجيبة الشأن. والخبر خبر الطريق لأنه كان قد ضله. وفي قوله سآتيكم ~~مع قوله في «طه» و «القصص» لعلي آتيكم [طه: 10] دليل على أنه كان قوي ~~الرجاء إلا أنه كان يجوز النقيض، وعد أهله بأنه يأتيهم بأحد الأمرين وإن ~~أبطأ لبعد المسافة أو غيره. قالوا: في «أو» دليل على أنه جزم بوجدان أحد ~~الأمرين ms3590 ثقة بعناية الله تعالى أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ~~والاصطلاء بالنار الاستدفاء بها والاجتماع عليها وإنما خصت هذه السورة ~~بقوله فلما جاءها وقد قال في «طه» و «القصص» فلما أتاها [طه: 11] نودي لأنه ~~كرر لفظ آتيكم هاهنا بخلاف السورتين فاحترز من تكرار ما يقاربه في الاشتقاق ~~مرة أخرى. # وأن مفسرة لأن النداء فيه معنى القول لا مخففة من الثقيلة بدليل فقدان ~~«قد» في فعلها. # قال جار الله: معنى بورك من في النار بورك من في مكان النار، ومن حول ~~مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت النار فيها كما قال في القصص نودي من ~~شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة [القصص: 30] وسبب البركة حدوث أمر ~~ديني فيها وهو تكليم الله إياه وإظهار المعجزات عليه. وقيل: معنى بورك ~~تبارك، والنار بمعنى النور أي تبارك من في النار وهو الله سبحانه مروي عن ~~ابن عباس. وعن قتادة والزجاج أن من في النار هو نور الله، ومن حولها ~~الملائكة. وقال الجبائي: ناداه بكلام سمعه من الشجرة في البقعة المباركة ~~وهي الشام فكانت الشجرة محلا للكلام والمتكلم هو الله بأن خلقه فيها، ثم إن ~~الشجرة كانت في النار ومن حولها الملائكة. وقيل: من في النار هو موسى لقربه ~~منها، ومن حولها الملائكة. وفي الابتداء بهذا الخطاب عند مجيء موسى بشارة ~~له بأنه قد قضي أمر عظيم تنتشر منه البركة في أرض الشام. # وفي قوله وسبحان الله رب العالمين تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث ~~والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل ~~الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين. والهاء في إنه إما للشأن وإما ~~راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم أنا وعلى هذا فالله مع ~~وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر ~~القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافا # PageV05P293 # ولا عبثا. وقوله وألق عصاك معطوف على بورك وكلاهما تفسير ل نودي والمعنى: ms3591 # قيل له بورك وألق: ومعنى لم يعقب لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد ~~الفر. # وإنما اقتصر هاهنا على قوله لا تخف ولم يضف إليه أقبل كما في «القصص» ~~لأنه أراد أن يبني عليه قوله إني لا يخاف لدي المرسلون وسبب نفي الخوف عن ~~الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم. ثم استثنى من ظلم منهم بترك ~~ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول «البقرة» . وفي الآية ~~لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله إني لا يخاف لدي المرسلون إلى أن موسى ~~قد جعل رسولا. ومنها أنه أشار بقوله إلا من ظلم إلى ما وجد من موسى في حق ~~القبطي، وبقوله ثم بدل حسنا بعد سوء أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي [القصص: 16] وقرىء «ألا» بحرف التنبيه. # ومنها أنه أشار بقوله ثم بدل معطوفا على ظلم إلى أن النبي المرسل بدل ~~النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعا عن الكلام ضائعا، فإنه ~~إذا ظلم ولم يبدل كان خائفا أيضا. ومنها أنه أشار بقوله فإني غفور رحيم إلى ~~أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضا بسبب غفرانه ورحمته، فنفي ~~الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم ~~كقوله: # هو البدر إلا أنه البحر زاخر وكقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # وهذه اللطائف مما سمح بها الخاطر أوان الكتابة أرجو أن تكون صوابا إن شاء ~~العزيز. # قوله وأدخل يدك وفي «القصص» اسلك يدك [القصص: 32] موافقة لأضمم ولأن ~~المبالغة في أدخل أكثر منها في اسلك لأن سلك لازم ومتعد. وهناك قال فذانك ~~برهانان [القصص: 32] وهاهنا قال في تسع آيات وكان أبلغ في العدد فناسب ~~الأبلغ في اللفظ. قال النحويون: متعلق الجار محذوف مستأنف أي أذهب في تسع ~~آيات. أو المراد وأدخل يدك في تسع أي في جملتهن وعدادهن، اذهب إلى فرعون. ~~وتفسير التسع ms3592 قد مر في آخر «سبحان» وإنما قال هاهنا إلى فرعون وقومه دون أن ~~يقول وملائه [الآية: 32] كما في القصص لأن الملأ أشراف القوم وقد وصفهم ~~هاهنا بقوله فلما جاءتهم إلى قوله ظلما وعلوا فلم يناسب أن يطلق عليهم لفظ ~~ينبىء عن المدح. ومعنى مبصرة ظاهرة بينة كأنها تبصر بطباق العين فتهدي، ~~ويجوز أن يكون الإبصار مجازا باعتبار إبصار صاحبها وهو # PageV05P294 # كل ذي عقل أو فرعون وقومه. والواو في واستيقنتها للحال وقد مضمرة وفي ~~زيادة أنفسهم إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من ~~الإيقان. وقوله ظلما وعلوا أي كبرا وترفعا مفعول لأجلهما. وقرىء مبصرة بفتح ~~الميم نحو «مبخلة» قرأها علي بن الحسين وقتادة والله أعلم. ### | التأويل: # طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات ~~القرآن وشواهد أنواره وكتاب مبين فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال هدى ~~وبشرى للمؤمنين بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ~~ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين زينا لهم أعمالهم ~~الدنيوية النفسانية فهم يعمهون لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا ~~يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان أصم وأبكم ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «حبك للشيء يعمي ويصم» «1» # فبحب الدنيا عميت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللدني والنطق ~~به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما ~~يكون خسران الدارين ممدوحا إذا ربح المولى. # وجد أبو زيد في البادية قحفا مكتوبا عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله ~~وقال: هذا رأس صوفي. وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن ~~مقام النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وإنك لتلقى القرآن لا من عند جبريل بل ~~من لدن حكيم تجلى لقلبك بحكمة القرآن عليم يعلم حيث يجعل رسالته. ثم ضرب ~~مثالا لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى ~~وظلمة الطبيعة قال موسى لأهله وهم النفس وصفاتها إني آنست نارا بوادي أيمن ~~السر لعلكم ms3593 تصطلون بتلك النار عن جمود الطبيعة فلما جاءها على قدمي الشوق ~~وصدق الطلب نودي من الشجرة الروحانية أن بورك من في نار المحبة نار الله ~~الموقدة التي تطلع على الأفئدة ومن حولها كالفراش يريد أن يقع فيها وألق عن ~~يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة ولى مدبرا ~~هاربا إلى الله ولم يعقب لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي ب لا تخف فإن القلوب ~~الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والألطاف لا تخاف سوى الله إلا من ~~ظلم نفسه بالرجوع إلى الغير وأدخل يد همتك في جيب قناعتك تخرج بيضاء نقية ~~من لوث الدارين في تسع آيات من أسباب هلاك النفس وصفاتها فانظر كيف كان ~~عاقبة الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم. PageV05P295 ### | [سورة النمل (27) : الآيات 15 الى 44] # ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير ~~وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة ~~يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) ~~فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) # وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال ~~أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما ~~تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26) قال سننظر أصدقت أم ~~كنت من ms3594 الكاذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا ~~يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) # إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا ~~تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~وكذلك يفعلون (34) # وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان ~~قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ~~(36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم ~~صاغرون (37) قال يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~(38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي ~~أمين (39) # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم ~~تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ~~وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله ~~إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ~~وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت ~~مع سليمان لله رب العالمين (44) # PageV05P296 ### | القراآت: # واد النمل ممالة: عباس وقتيبة. وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل ~~بالياء في الوقف. لا يحطمنكم بالنون الخفيفة: عباس ورويس. أوزعني بفتح ~~الياء: ابن كثير وكذلك في «الأحقاف» ما لي لا بفتح ياء المتكلم: ابن كثير ~~وعلي وعاصم ليأتيني بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير. فمكث بفتح الكاف: ~~عاصم وسهل ويعقوب غير رويس. الآخرون بضمها من سبإ بفتح الهمزة ms3595 لامتناع ~~الصرف: # البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة. وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح ~~وزمعة بغير همز. الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ. ألا ~~يسجدوا مخففا: يزيد وعلي ورويس. الآخرون بالتشديد. وقال ابن مجاهد: إذا ~~وقفوا على ألا وقفوا على «ألا يا» والابتداء اسجدوا تخفون وتعلنون بتاء ~~الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة فألقه بسكون الهاء: حمزة وعاصم ~~غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ~~ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع إني ~~ألقي بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع أتمدونني بالياء في الحالين: ابن ~~كثير وسهل وافق به أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل اتمدوني بتشديد النون ~~وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب. الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء أتاني ~~الله بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص. فمن فتح الياء ~~فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلا ويعقوب ~~فإنهما يقفان بالياء. وقرأ علي آتاني الله بالإمالة أنا آتيك بالإمالة ~~وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه ~~فلما رأيه بكسر الراء: نصير ليبلوني بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. اقيها # وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها. قال في الكشاف: ~~من همز فوجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد. ### | الوقوف: # علما ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما ~~شكرا ووفاء المؤمنين ه شيء ط المبين ه يوزعون ه النمل لا لأن ما بعده جواب ~~«إذا» مساكنكم ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل وجنوده لا لأن ~~الواو للحال لا يشعرون ه الصالحين ه الهدهد ز على معنى بل أكان من الغائبين ~~على معنى التهديد والأصح أن «أم» متصل بمعنى الاستفهام في ما لي أي أنا لا ~~أراه أو هو غائب الغائبين ه مبين ه يقين ه عظيم ه لا يهتدون ه ms3596 لا ومن خفف # PageV05P297 # ألا وقف مطلقا تعلنون ه العظيم ه سجدة الكاذبين ه يرجعون ه كريم ه الرحيم ~~ه لا لتعلق «أن» مسلمين ه أمري ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل تشهدون ه ~~تأمرين ه أذلة ج لأن قوله وكذلك يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق ~~من الله لما قالت يفعلون ه المرسلون ه بمال ز لانتهاء الاستفهام مع فاء ~~التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل آتاكم ج لاختلاف الجملتين على أن «بل» ~~ترجح جانب الوقف تفرحون ه صاغرون ه مسلمين ه مقامك ج للابتداء بإن مع اتحاد ~~القائل أمين ه طرفك ط للعدول أم أكفر # ه لنفسه ج كريم ه لا يهتدون ه عرشك ط هو ج لاحتمال أن يكون ما بعده من ~~كلامها أو من كلام سليمان مسلمين ه من دون الله ط كافرين ه صرح # ج اقيها # طوارير # ه عالمين # ه. ### | التفسير: # لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان. # والتنوين في علما إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علما غزيرا. ~~قال علماء المعاني: الواو في وقالا للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء ~~كقولك: أعطيته فشكر. فالتقدير: ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا ~~حق النعمة والفضيلة فيه وقالا الحمد لله وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن ~~إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل ~~الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به ~~قلبا وقالبا وقالا باللسان الحمد لله قلت: لقائل أن يقول: # الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد ~~التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا ~~فالواو كقولك «أعطيته وشكر» . وقوله على كثير من عباده يجوز أن يكون واردا ~~على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما. ويجوز أن يكون ~~واردا على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا ~~أظهر. ms3597 وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ~~ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان. وفي الاية دليل ~~على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله تعالى قلبا وقالبا ~~وما التوفيق إلا منه. قوله وورث سليمان داود عن الحسن أنه المال لأن النبوة ~~عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضا عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان ~~مؤمنا ولا يرث إذا كان كافرا أو قاتلا. وما المانع من أن يوصف بأنه ورث ~~النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته. ~~والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معا دليله قوله تشهيرا لنعمة الله # PageV05P298 # ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة يا أيها الناس علمنا منطق الطير والمنطق ~~يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيدا وغير مفيد، ومنه قولهم «نطقت ~~الحمامة» . قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل وليس ~~كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله تعالى الدقائق التي ~~خصت بالحاجة إليها. يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: ~~إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب. # وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاوس فقال: ~~يقول: كما تدين تدان. وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون. ~~والخطاف يقول: قدموا خيرا تجدوه. والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه ~~وأرضه. والقمري يقول: سبحان ربي الأعلى. والقطاة تقول: من سكت سلم. ~~والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه. والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون. ~~والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. # والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. ومعنى من كل شيء بعض كل شيء. وقال ~~في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول «فلان يقصده كل أحد» تريد كثرة ~~قاصديه. وإنما قال علمنا وأوتينا لأنه أراد نفسه وأباه، ويجوز أن يريد نفسه ~~فقط لا على طريق التكبر ms3598 بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب. ~~وقوله إن هذا لهو الفضل المبين قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» «1» # أي أقول هذا شكرا لا فخرا. يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ. # خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت ~~من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن ~~بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب ~~فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء عليهم ~~السلام على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس وحول الناس ~~الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح ~~الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإنه كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة ~~يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. ومعنى يوزعون يحبسون. قيل: كانوا يمنعون ~~من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في ~~كل قبيل منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم. # ومعنى أتوا على واد النمل قطعوه وبلغوا آخره من قولهم «أتى على الشيء» ~~إذا أنفذه PageV05P299 # وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي. ويجوز أن يقصد ~~إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحملهم في الهواء فلذلك عدي ب «على» عن ~~قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو ~~حنيفة حاضرا وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟ ~~فسألوه فأفحم فقال أبو حنيفة: كانت أنثى لقوله تعالى قالت نملة ولو كان ~~ذكرا لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر ~~والأنثى فلا بد من التمييز بالعلامة. # وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم خطاب أولي العقل فحكى ~~أنها قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ms3599 لا يحطمنكم أما جواب للأمر ~~وإما نهي بدلا من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده ~~على طريقة «لا أرينك هاهنا» . وفي قوله سليمان وجنوده دون أن يقول جنود ~~سليمان مبالغة أخرى كما تقول: # أعجبني زيد وكرمه. وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه ~~التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز. وفي قوله وهم لا يشعرون تنبيه على ~~وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه ~~الحيوانات إلا على سبيل السهو. وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في ~~كفران نعمة الله تعالى إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك ~~أمرتهم بدخول المساكن. وفيه تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة. قيل: ~~سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال فتبسم ضاحكا أي شارعا في الضحك آخذا فيه ~~ولكن لم يبلغ حد القهقهة وكمال الضحك. وما # روي أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه # فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي. وإنما أضحكه من قولها شفقتها على ~~قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك ~~مال إلى الدعاء قائلا: رب أوزعني قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر ~~نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر ~~الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس. ثم طلب أن يضيف لواحق ~~نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: وأن أعمل صالحا ترضاه ثم ~~دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود. يروى أن ~~النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت ~~لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. # القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد، # يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ~~ومكث به أياما يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة ms3600 وعشرين ألف شاة. ~~ثم عزم على السير # PageV05P300 # إلى اليمن فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، ~~فرأى أرضا أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى ~~الماء من تحت الأرض. # وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنوبه فلذلك تفقده. وقيل: إنه وقعت ~~نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عفريت الطير- ~~وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه. ثم قال لسيد الطير- وهو العقاب- ~~علي به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه ~~فتركته. وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى ~~قال: أو ليأتيني بسلطان مبين أي بعذر واضح. # فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا له، فلما ~~دنا منه أخذ سليمان برأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي ~~الله عز وجل فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته. وفي تفقد ~~الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن أصغر رعيتهم. ~~وأرجع إلى التفسير. قوله ما لي لا أرى استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في ~~الجند كأن ساترا ستره ثم لاح له أنه غائب فقال أم كان من الغائبين وقد مر ~~في الوقوف قوله لأعذبنه لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله. فقيل: ~~أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير. وقيل: كان يطلي بالقطران ~~ويشمس. وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق ~~بينه وبين إلفه. وقيل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون ~~مجالسة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في ~~عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي. ~~وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو ~~الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة. # ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه ms3601 في سلك ما ~~هو قادر على فعله فأقسم عليه. ثم أخبر الله سبحانه أنه أتى بسلطان مبين ~~وذلك قوله فمكث غير بعيد أي غير زمان بعيد فقال مخاطبا لسليمان أحطت بما لم ~~تحط به قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا ~~يكون في زمانه أحد أعلم منه. # وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالا منه. ~~والإحاطة بالشيء علما هو أن يعلمه من جميع جهاته. وقوله من سبإ بنبإ من ~~جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن ~~يقول «من سبا بخبر» حسن على حسن. وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي ~~أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة ~~مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. # ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم. ثم شرع في النبأ وهو قوله إني ~~وجدت امرأة # PageV05P301 # واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابرا عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن ~~له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوسا عبدة الشمس. والضمير في ~~تملكهم يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به ~~المدينة. وأوتيت من كل شيء أي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب. ولها ~~عرش عظيم كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في ~~نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا ~~يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع ~~عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان. ووصف عرش الله بالعظم ~~إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. يحكى من عظم شأنه أنه ~~كان مكعبا ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع ~~الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على ms3602 كل بيت باب مغلق، قال بعض ~~المعتزلة: في قوله وزين لهم الشيطان أعمالهم دليل على أن المزين للكفر ~~والمعاصي هو الشيطان. وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد ~~مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره ~~خصوصا في زمن سليمان عليه السلام. # قوله ألا يسجدوا من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقا ~~بالصد فالتقدير صدهم لأن ألا يسجدوا وإن كان متعلقا ب لا يهتدون ف ألا ~~مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا. ومن قرأ بالتخفيف فقوله ألا حرف تنبيه ~~ويا حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله: # ألا يا أسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد. والحق عدم ~~الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء. والخبء مصدر بمعنى ~~المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله عز وجل من غيوبه، ومن ~~جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرق بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها ~~الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي. وفي ~~تخصيص وصف الله تعالى في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد ~~من قدرة الله تعالى في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه ~~تلك المعرفة. ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية قال سليمان سننظر أي ~~نتأمل في صفحات حالك أصدقت أم كنت من الكاذبين وهذا أبلغ من أن لو قال له # PageV05P302 # «كذبت» لأنه إذا كان معروفا بالكذب كان متهما في كل ما أخبر به. ثم ذكر ~~كيفية النظر في أمره فقال اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم لم يقل إليها لأنه ~~كان قد قال وجدتها وقومها فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم ~~اهتماما فيه بأمر الدين. ولمثل هذا قال في الكتاب ألا تعلوا علي وأتوني ~~مسلمين ومعنى ثم تول عنهم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ms3603 تسمع ما ~~يقولون يرجعون من رجع القول كقوله يرجع بعضهم إلى بعض القول [سبأ: 31] # يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من ~~كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة. # وقيل: نقرها فانتبهت فزعة. وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ~~ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقيل: كان في البيت كوة تقع ~~الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة ~~بجناحيه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها. وهاهنا إضمار أي فذهب ~~فألقى ثم توارى ثم كأن سائلا سأل فماذا قالت بلقيس؟ فقيل قالت يا أيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ~~ملك كريم أو هو مختوم. # يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال صلى الله عليه وسلم «كرم ~~الكتاب ختمه» . # وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به. ثم إن ~~سائلا كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟ فقالت إنه من سليمان وإنه كيت وكيت. # سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ والجواب أنها لما وجدت الكتاب ~~على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين ~~فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان ~~الكتاب إنه من سليمان فقرأت عنوانه أولا ثم أخبرت بما في الكتاب. أو لعل ~~سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى. ~~و «أن» في أن لا تعلوا مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل ~~الملوك. # يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: ~~السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. # وكان كتب الأنبياء عليهم السلام جملا وأنه مع وجازته مشتمل على تمام ~~المقصود لأن قوله بسم الله الرحمن الرحيم مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، ms3604 ~~والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار ~~المعجز برسالة الهدهد. قوله قالت يا أيها الملأ استئناف آخر وهكذا إلى تمام ~~القصة. ومعنى أفتوني أشيروا علي بما يحدث لكم من الرأي. والفتوى الجواب في ~~الحادثة وأصلها من الفتاء في # PageV05P303 # السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم ~~واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم أصحاب القوى الجسدانية والخارجية، ولهم ~~النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب. ~~ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشورة وإنما الرأي ~~إليك، وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أنهم ~~مائلون إلى المحاربة، أرادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى ~~الصلح فلذلك قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وذلك إذا أرادوا قهرها ~~والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا ~~سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة. ومفعول مرسلة محذوف أي ~~مرسلة رسلا مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي. وإنما رأت الإهداء ~~أولا لأن الهدية سبب استمالة القلوب. # قال صلى الله عليه وسلم «تهادوا تحابوا» # قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن ~~الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج ~~بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة ~~وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت ~~رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل- وقالت: إن كان ~~نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة ~~خيطا. ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن ~~رأيته بشا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن ~~الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان ~~حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر ms3605 فربطوها عن ~~يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير ~~فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، ~~واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والأنس كذلك، والوحش والطير كذلك. # فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم ~~نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما ~~وراءكم؟ وقال: أين الحق؟ # وأخبرهم بما فيه. ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في ~~الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت ~~الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الاخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما ~~يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية # وذلك قوله على سبيل الإنكار أتمدونني بمال ثم قال على سبيل الإعلام ~~وتعليل الإنكار فما آتاني الله من الكمالات والقربات والدرجات خير مما ~~آتاكم ثم أضرب # PageV05P304 # عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في ~~أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه. ~~والمعنى بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على الملوك. ~~ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا ~~هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ارجع إليهم ومعنى ~~لا قبل لا طاقة ولا مقابلة. # والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ~~ذلك في أسر واستعباد # يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، ~~فشخصت إليه في أثني عشر ألف # قيل. مع كل قيل ألوف. وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات ~~في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا فلعل سليمن أوحي ~~إليه ذلك فأراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك قال يا أيها ~~الملؤا أيكم يأتيني بعرشها وعن قتادة: ms3606 أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه ~~أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها. وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما ~~يجيء. وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه. والعفريت ~~من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ~~ووزنه «فعليت» . قالوا: كان اسمه ذكوان. وآتيك به في الموضعين يجوز أن يكون ~~فعلا مضارعا وأن يكون اسم فاعل. # ومعنى. أن تقوم من مقامك إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون ~~المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به. وعلى هذا ~~فقيل: المراد مجلس الحكم. وقيل: مقدار فراغه من الخطبة. وقيل: إلى انتصاف ~~النهار. وإني عليه أي على حمله لقوي أمين آتي به على حاله لا أتصرف فيه ~~بشيء. واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر عليه السلام. ~~وقيل: جبرائيل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو ~~كاتبه. وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع ~~مما تقول. وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب ~~أن يكون معلوما للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضا كان كذلك ~~فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا ~~الوجه. ومنها قول سليمان. هذا من فضل ربي ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى ~~استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه إلى الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال ~~حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر ~~الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزا عن الإتيان بذلك الشيء. واختلفوا ~~أيضا في الكتاب فقيل: هو # PageV05P305 # اللوح. وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع. وقيل: كتاب سليمان ~~أو كتاب بعض الأنبياء. وما ذلك العلم؟ قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن. ~~والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير ~~مما قيل ms3607 فيه. ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل ~~الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ~~ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد ~~يا موفيا بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد ~~وآل محمد وسلم. والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإذا فتحت ~~العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد ~~ارتد، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين ~~يديك. يروى أن آصف قال له: مد عينك حتى ينتهي طرفك فمد عينه فنظر نحو اليمن ~~ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله ~~قبل أن يرتد طرفه. ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات ~~السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده. # وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا ~~في لحظة أو لمحة. وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء ~~بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب ~~المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وروي في ~~الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، ~~فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار. قوله «أقشعت نافرة» أي ~~ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها. ومن كفر فإن ربي غني عن عبادة كل ~~عابد فضلا عن شكر شاكر كريم لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله. ~~زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها ~~كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس ~~فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا ms3608 له: إن في عقلها شيئا وهي ~~شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله ~~نكروا لها عرشها أي اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل ~~لغيره لئلا يعرفه. قالوا: # وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله. وقوله ننظر بالجزم جواب للأمر ~~وقرىء بالرفع على الاستئناف. أتهتدي لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا ~~سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق. وقوله أم ~~تكون من الذين لا يهتدون أبلغ من أن لو قال «أم لا تهتدي» كما مر في قوله ~~أم كنت من الكاذبين فلما جاءت قيل # PageV05P306 # أهكذا # أي مثل ذا عرشك لئلا يكون شبه تلقين فقالت كأنه هو ولم تقل: هو هو مع ~~أنها عرفته ليكون دليلا على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في ~~مقام التوقف. أما قوله وأوتينا العلم فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند ~~قولها كأنه هو قد أصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت ~~الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق. وأوتينا نحن العلم ~~بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام وصدها عن التقدم إلى ~~الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة. والغرض تلقي نعمة الله ~~بالشكر على سابقة الإسلام. وقيل: هو موصول بكلام بلقيس. والمعنى وأوتينا ~~العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند ~~وفدة المنذر. ثم قال سبحانه وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ما كانت تعبد من ~~دون الله وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ~~ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء ~~وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف ~~عليه الطير والجن والإنس. ثم يل لها ادخلي الصرح # أي القصر أو صحن الدارلما رأته حسبته لجة # أي ماء غامرا كشفت عن ساقيها # لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما ms3609 إلا أنها شعراء، فصرف ~~سليمان بصره وناداهانه صرح ممرد # أي مملس ن قوارير # هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان ~~يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له. قالوا: كون ساقها ~~شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها. وقال آخرون: ~~المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع. عن ابن ~~عباس: لما أسلمت قال لها: # اختاري من أزوجكه؟ فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان. فقال: النكاح من ~~الإسلام. # فقالت: إن كان كذلك فزوجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى ~~اليمن ولم يزل بها ملكاالت رب إني ظلمت نفسي # أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في ~~الماء. وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولهاع سليمان # أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون ~~معه في الدارين جميعا والله أعلم. ### | التأويل: # ولقد آتينا داود الروح وسليمان القلب علما لدنيا على كثير من عباده وهم ~~الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية. وورث سليمان داود لأن كل إلهام ~~وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا # PageV05P307 # يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان أقضى من داود. قوله ~~منطق الطير يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال ~~الطائرين في سماء سناء الفناء. وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية. قوله ~~من الجن والإنس والطير أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية فهم ~~يوزعون على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا ~~وشهواتها قالت نملة هي النفس اللوامة يا أيها النمل هي الصفات النفسانية ~~ادخلوا مساكنكم محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس وهم لا يشعرون أنهم على ~~الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لاحس عندها من نورها ولا من الظلمة التي ~~تزيلها نعمتك التي أنعمت علي بتسخير جنودي لي وعلى والدي وهما الروح ~~والجسد. أنعم على الروح بإفاضة ms3610 الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان ~~الشريعة. وفي قوله بنبإ يقين إشارة الى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن ~~يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك. وفي قول سليمان سننظر أصدقت إشارة إلى أن ~~خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعول عليه إلا بأمارات أخر. كتاب كريم كأنها ~~عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية إذا ~~دخلوا قرية الشخص الإنساني أفسدوها بإفساد الطبيعة الحيوانية وجعلوا أعزة ~~أهلها وهم النفس الأمارة وصفاتها أذلة بسطوات التجلي وكذلك يفعلون مع ~~الأنبياء والأولياء. وفي قوله أيكم يأتيني بعرشها إشارة إلى أن سليمان كان ~~واقفا على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة ~~إعجاز الأنبياءيل لها ادخلي الصرح # فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوز النظر إلى ساقيها. ~~أسلمت # نفسي للنكاح ع سليمان لله # وفي الله. # تأويل آخر: وتفقد الطير هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجو ~~عالم الإنس. والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في ~~استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار. عذابا شديدا بالرياضة والمجاهدة. أو ~~لأذبحنه بسكين مخالفات الإرادة. سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة ~~الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة ~~وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو ~~إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال ~~العبودية. آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه. والعفريت الرياضة ~~الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، ~~وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في # PageV05P308 # الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير ~~عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق الطير ~~يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم. # تم الجزء التاسع عشر، ويليه الجزء العشرون وأوله: ولقد أرسلنا إلى ثمود ~~أخاهم صالحا ... # PageV05P309 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء العشرون ms3611 من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة النمل (27) : الآيات 45 الى 66] # ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون ~~(45) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ~~ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) ~~قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله ~~وإنا لصادقون (49) # ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ~~أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53) ولوطا إذ قال ~~لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) # أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين (58) قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير ~~أما يشركون (59) # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن ~~جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم ~~في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله ~~تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء ~~والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ~~(65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) # PageV05P310 ### | القراآت: # لتنبيه على الجمع المخاطب وهكذا ms3612 لتقولن: حمزة وعلي وخلف. # الباقون بالنون فيهما على التكلم مهلك بفتح الميم واللام: أبوبكر غير ~~البرجمي وحماد والمفضل. وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام. الباقون بضم الميم ~~وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان أنا دمرناهم وأن الناس ~~بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس أإنكم مذكور في «الأنعام» ~~يشركون بياء الغيبة: # أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم أإله مثل أإنكم الريح على التوحيد: ابن كثير ~~وحمزة وعلي وخلف يذكرون بياء الغيبة: أبو عمرو وهشام. الآخرون بتاء الخطاب ~~بل أدرك بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ~~المفضل بل ادرك بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني. الباقون مثله ولكن بألف ~~بعد الدال. ### | الوقوف: # يختصمون ه الحسنة ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل. # ترحمون ه معك ط تفتنون ه ولا يصلحون ه لصادقون ه لا يشعرون ه مكرهم ط لمن ~~قرأ. «إنا» بكسر الألف على الاستئناف. أجمعين ه ظلموا ط يعلمون ه يتقون ه ~~تبصرون ه النساء ط تجهلون ه قريتكم ج لاحتمال تقدير لام التعليل يتطهرون ه ~~إلا امرأته ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء ~~امرأته مقدرة في الغابرين ه مطر المنذرين ه اصطفى ط يشركون ه ط لأن ما بعده ~~استفهام مستأنف و «أم» منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أما يشركون ~~وكذلك نظائره ماء ج للعدول مع اتحاد المقول بهجة ط ولاحتمال الحال أي وقد ~~رد خيرا ط القتال ط عزيزا ه ج للآية والعطف فريقا ه ج لاحتمال أن يكون ما ~~بعده استئنافا أو حالا تطؤها ط قديرا ه جميلا ه عظيما ه ضعفين ط يسيرا ه ~~مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا كريما ه معروفا ج للعطف ورسوله ط تطهيرا ه ~~لوقوع العوارض بين المعطوفين والحكمة ط خبيرا ه عظيما ه من أمرهم ط مبينا ه ~~الناس ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال تخشاه ط منهن وطرا ط مفعولا ه له ~~ط من قبل لا مقدورا ms3613 ه لا بناء على أن الذين وصف أو بدل إلا الله ط حسيبا ه ~~النبيين ط عليما ه. ### | التفسير: # القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر. وقيل: صالح وقومه قبل ~~أن يؤمن منهم أحد. والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن ~~الجدال # PageV05P311 # في باب الدين حق. ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه تعالى قد مكنهم ~~من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذابه. وقال جار الله: ~~خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة ~~عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، ~~والحسنة التوبة، و «لولا» للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه لعلكم ~~ترحمون بأن يكشف العذاب عنكم. والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية ~~العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم قالوا اطيرنا أي ~~تشاء منا بك وبمن معك وكانوا قد قحطوا قال طائركم أي سببكم الذي يجيء منه ~~خيركم وشركم عند الله وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل ~~بكم العذاب. ومعنى التطير والطائر قد مر في «الأعراف» وفي «سبحان» . ثم جزم ~~بنزول العذاب بقوله بل أنتم قوم تفتنون أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم ~~الشيطان بوسوسة الطيرة. ثم حكى سوء معاملتهم مع نبيهم بقوله وكان في ~~المدينة يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام تسعة رهط لم ~~يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من ~~السبعة إلى العشرة. والتقاسم التحالف فإن كان أمرا فظاهر وإن كان خبرا ~~فمحله نصب بإضمار «قد» أي قالوا متقاسمين. والتبييت العزم على إهلاك العدو ~~ليلا. وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر. ~~قال في الكشاف: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين ~~البياتين. ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا ~~صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما. قلت: إنما ارتكب هذا ms3614 التكلف ~~لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه. # يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه ~~يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب ~~مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا ~~مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم ~~يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه وهذا مكر ~~الله. # وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة ~~يرون الحجارة ولا يرون راميا. من قرأ أنا دمرناهم بالفتح فمرفوع المحل بدلا ~~من العاقبة أو خبرا لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر «كان» أي ~~كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا ~~التقدير أن يكون منصوبا بنزع الخافض. وانتصب خاوية على الحال والعامل معنى ~~الإشارة في تلك. وإنما قال في هذه السورة وأنجينا الذين آمنوا موافقة لما ~~بعده فأنجيناه وأهله وأمطرنا وكله على «أفعل» . وقال في «حم السجدة» ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون [فصلت: 18] موافقة لما قبله وما بعده وزينا ~~وقيضنا والله أعلم. # PageV05P312 # القصة الخامسة قصة لوط وانتصب لوطا بإضمار «اذكر» أو بما دل عليه ولقد ~~أرسلنا و «إذ» بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، ويبصرون إما ~~من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون ~~آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا ~~بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله بل أنتم قوم تجهلون أنكم تفعلون فعل الجاهلين ~~بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو أراد جهلهم بالعاقبة، أو أراد بالجهل ~~السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. أو الخطاب في قوله تجهلون تغليب ولو ~~قرىء بياء الغيبة نظرا إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي ~~القصة مذكور في «الأعراف» قل الحمد لله قيل: هو خطاب للوط عليه ms3615 السلام أن ~~يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب ~~وبالنجاة من العذاب. وقيل: أمر لنبينا صلى الله عليه وسلم بالتحميد على ~~الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، ~~والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه صلى الله عليه وسلم كان كالمخالف لمن ~~تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله ~~سبحانه بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على ~~مشاق الرسالة. ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، ~~وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل ~~كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفا عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب ~~وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن. قال جار الله: # معنى الاستفهام «وأم» المتصلة في قوله آلله خير أما يشركون إلزام وتبكيت ~~وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط فمن المعلوم أنه لا ~~خير فيما أشركوه أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه. قلت: ~~يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير ~~وأبقى وأجل وأكرم. # ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئا بما هو ~~أبين الحسيات فقال: أمن خلق السماوات وإنما قال هاهنا وأنزل لكم واقتصر في ~~إبراهيم على قوله وأنزل [إبراهيم: 32] لأن لفظة لكم وردت هناك بالآخرة، ~~وليس قوله ما كان لكم مغنيا عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول. ومعنى ~~الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله فأنبتنا تأكيد معنى اختصاص الإنبات ~~بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلا في ذلك من حيث الغرس والسقي. ~~والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة. والبهجة الحسن ~~والنضارة لأن الناظر يبتهج به. وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن ~~المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت. ومعنى ms3616 أإله مع الله أغيره يقرن ~~به ويجعل شريكا له. قال في الكشاف: قوله بل هم بعد الخطاب أبلغ في # PageV05P313 # تخطئة رأيهم. قلت: إنما تعين الغيبة هاهنا لأن الخطاب في قوله ما كان لكم ~~إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات. ولو ~~قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك. وقوله يعدلون ~~من العدل أو من العدول أي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو ~~التوحيد. # ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها. والقرار المستقر أي دحاها ~~وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها. والحاجز البرزخ كما في «الفرقان» . ثم ~~استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم. والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض ~~فألجأه إلى التضرع إلى الله سبحانه، وإنه افتعال من الضر. وعن ابن عباس: هو ~~المجهود. وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: هو المذنب ودعاؤه ~~استغفاره. والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع ~~المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في «البقرة» وفي ادعوني ~~وقوله ويكشف السوء كالبيان لقوله يجيب المضطر والخلافة في الأرض إما بتوارث ~~السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر «الأنعام» . # وقوله قليلا ما تذكرون معناه تذكرون تذكرا قليلا، ويجوز أن يراد بالقلة ~~العدم. ثم استدل لحاجة الناس وخصوصا الهداية في البر والبحر بالعلامات ~~وبالنجوم، ثم استدل بأحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا ~~معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا ~~مقرين بالإعادة أيضا، فاحتج عليهم بذلك لذلك. والرزق من السماء الماء ومن ~~الأرض النبات. واعلم أن الله سبحانه ذكر قوله أإله مع الله في خمس آيات على ~~التوالي وختم الأولى بقوله بل هم قوم يعدلون ثم بقوله بل أكثرهم لا يعلمون ~~ثم بقوله قليلا ما تذكرون ثم بقوله تعالى الله عما يشركون ثم هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم ms3617 لم يعلموا ولو ~~علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فأشركوا من غير ~~حجة وبرهان. # قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلها آخر. وحين ~~بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب. قال في الكشاف: ~~هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل ~~منه مرفوعا يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحدا لم يذكر كقوله: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى ~~البيت إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس بتا للقول بخلوها عن الأنيس. قلت: ~~لقائل أن يقول: إن # PageV05P314 # استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله سبحانه في كل ~~مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون ~~اليعافير أنيسا القطع بخلو البلدة عن الأنيس. وقال غيره: إن الاستثناء متصل ~~لأن الله سبحانه في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين أيضا. وزيفه ~~في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة ~~من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد ~~حقيقة ومجازا معا. وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضا ~~لأنهم أيضا عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي. # وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو ~~خروج عن الأدب. ومن هنا # قال صلى الله عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت. # لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى. # والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون ~~بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ~~ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما ~~على الواجب وعلى الممكن معا من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا ms3618 كالجمع ~~بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة ~~وفخامة. عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ~~والله تعالى يقول قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وعن ~~بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا لئلا يأمن الخلق مكره. # قال المفسرون: سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة ~~فنزلت. # وأيان بمعنى متى. إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو «فعال» من آن ~~يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون ~~البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزا آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر ~~الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال بل ادارك أي تدارك. ومن قرأ بغير ~~الألف فهو «افتعل» من الدرك أي تتابع واستحكم. ومعنى أدرك بقطع الهمزة ~~انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم ~~باستحكام العلم وتكامله تهكما بهم كما يقول لأجهل الناس: ما أعلمك. وإذا لم ~~يعرفوا نفس البعث يقينا فلأن لا يعرفوا وقته أولى. ويحتمل أن تكون أدرك ~~بمعنى انتهى وفني من قولهم «أدركت الثمرة» لأن تلك غايتها التي عندها تعدم. ~~وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في ~~الهلاك، وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلا إنهم ~~لا يعلمون القيامة فضلا عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية ~~فأضرب عن ذلك قائلا إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن ~~الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلا إنهم عمون # PageV05P315 # عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا ~~عداه بمن دون «عن» والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض. وذلك أن ~~المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا. ~~وإنما فعله ms3619 ناس منهم قاله في الكشاف. قلت: قد تقدم ذكر المشركين في قوله بل ~~هم قوم يعدلون وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدم جاز للقرينة. ### | التأويل: # ولقد أرسلنا صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق ~~المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر. والسيئة طلب الشهوات ~~واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية. وكان في مدينة القالب ~~الإنساني تسعة رهط هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس يفسدون في أرض ~~القلب بإفساد الاستعداد الفطري تقاسموا بالموافقة على السعي في إهلاك القلب ~~وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق سبحانه. ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس ~~الأمارة حين قصدت هلاكهم ومكروا مكرا في هلاك القلب بالهواجس النفسانية ~~والوساوس الشيطانية ومكرنا مكرا بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات ~~الجمال والجلال وهم لا يشعرون أن صلاحهم في هلاكهم. فمن قتلته فأنا ديته ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم ~~أجمعين وهم النفس وصفاتها فتلك بيوتهم وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن ~~الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة بما ظلموا أي وضعوا من ~~نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها ~~النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه وأنجينا الذين آمنوا وهم ~~القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها. ولوط الروح إذ قال لقومه وهم القلب ~~والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس أتأتون الفاحشة وهي كل ما زلت ~~به أقدامهم عن الصراط المستقيم وأماراتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق ~~الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها وأنتم تبصرون تميزون الخير من الشر. ~~وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا ~~فيما يقرب منه فما كان جواب قومه وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر ~~المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال أخرجوا ~~الصفات الروحانية من قرية الشخص الإنساني إنهم أناس يتطهرون من لوث الدنيا ~~وشهواتها فأنجيناه وأهله وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا إلا ~~امرأته ms3620 وهي النفس الأمارة بالسوء وأمطرنا على النفس وصفاتها مطرا بترك ~~الشهوات فساء مطر المنذرين أي صعب فإن الفطام من المألوفات شديد وهذه # PageV05P316 # حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال قل الحمد لله وسلام من تعلقات ~~الكونين وآفات الوجود المجازي على عباده أمن خلق سموات القلوب وأرض النفوس ~~وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة فأنبتنا به حدائق من العلوم والمعاني ~~والأسرار أإله مع الله من الهوى أمن جعل أرض النفس قرارا في الجسد وجعل ~~خلالها أنهارا من دواعي البشرية وجعل لها رواسي من القوى والحواس وجعل بين ~~بحر الروح وبحر النفس حاجزا القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما أإله مع ~~الله كما زعمت الطبائعية أمن يجيب المضطر إذا دعاه في العدم بلسان الحال ~~ويجعلكم مستعدين لخلافته في الأرض أإله مع الله كما يزعم أرباب الحلول ~~والاتحاد أمن يهديكم في ظلمات بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت ~~الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ~~ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور ~~الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية أإله مع الله ~~كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا. وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ ~~والمعلم إلى كذا أمن يبدؤا الخلق بالوجود المجازي ثم يعيده بالوجود الحقيقي ~~إلى عالم الوحدة ومن يرزقكم من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية ~~الأشباح أإله مع الله كائنا من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن ~~جملته علم قيام الساعة والله أعلم. ### | [سورة النمل (27) : الآيات 67 الى 93] # وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون (67) لقد وعدنا ~~هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما ~~يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) # قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ms3621 ما تكن صدورهم وما يعلنون ~~(74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) إن هذا القرآن ~~يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) # وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ~~ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) # وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون (83) حتى إذا جاؤ قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا ~~كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85) ألم يروا ~~أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~(86) # ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها ~~وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ~~وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين (91) # وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من ~~المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما ~~تعملون (93) # PageV05P317 ### | القراآت: # أيذا أينا بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد. # مثله ولكن بالمد: أبو عمرو وزيد أيذا بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة إنا ~~بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل إذا من غير همزة الاستفهام آينا بهمزة ~~ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير ~~قالون أإذا بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة إنا بهمزة مكسورة بعدها ms3622 نون مشددة: ~~علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة أإذا أإنا بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة ~~فيهما: حمزة وخلف وعاصم. ولا يسمع بفتح الياء التحتانية الصم بالرفع: ابن ~~كثير وعباس وكذلك في «الروم» . الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ~~ونصب الصم وما أنت تهدي على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في «الروم» حمزة. ~~الباقون بهادي على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصورا على أنه فعل ماض: ~~حمزة وخلف وحفص والمفضل. الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على ~~الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن ~~هشام. فزع بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف يومئذ بفتح الميم: حمزة وأبو ~~جعفر ونافع، الباقون بكسرها تعملون بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ~~ويعقوب وحفص. ### | الوقوف: # لمخرجون ه من قبل لا تحرزا عن الابتداء بمقول الكفار الأولين ه المجرمين ~~ه يمكرون ه صادقين ه تستعجلون ه لا يشكرون ه وما يعلنون ه مبين ه يختلفون ه ~~للمؤمنين ه بحكمه ج تعظيما للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين العليم ه ج ~~للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى # PageV05P318 # أي إذا كان الحكم لله فأسرع التوكل على الله ط المبين ه مدبرين ه ضلالتهم ~~ط مسلمون ه تكلمهم ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ~~ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير ~~تكلمهم بأن لا يوقنون ه يوزعون ه تعملون ه لا ينطقون ه مبصرا ط يؤمنون ه من ~~شاء الله ط داخرين ه السحاب ط كل شيء ط تفعلون ه خير منها لا لأن ما بعده ~~من تتمة الجزاء آمنون ه لا لعطف جملتي الشرط في النار ه تعملون ه شيء ز ~~للعارض وطول الكلام مع العطف المسلمين ه لا للعطف القرآن ج لنفسه ج ~~المنذرين ه فتعرفونها ط تعملون ه. ### | التفسير: # لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن ~~يبين عامة شبهتهم وهي ms3623 مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم ترابا عند ~~الحس. # قال النحويون: العامل في «إذا» ما دل عليه أإنا لمخرجون وهو نخرج والمراد ~~الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة. وإنما ذهبوا إلى هذا ~~التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد «أن» واللام لا يعمل ~~فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في ~~«إذا» و «أن» جميعا إنكار على إنكار. والضمير في «أنا» لهم ولآبائهم جميعا ~~وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله لقد وعدنا وبيان المتشابه فليدكر. ثم ~~أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة. ~~ولم تؤنث «كان» لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة ~~أمرهم. والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح ~~موقع الجرم أياما كان فعلى المؤمن أن يتخوف عاقبتها ويترك الجرائم كلها ~~كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع. ومعنى قوله ولا تحزن عليهم الآية. ~~قد مر في آخر «النحل» . وفي هذه الآي تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ما كان يناله من قومه. ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل ~~السخرية فأمره أن يقول لهم عسى أن يكون وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم ~~يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون. ~~وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال ردف لكم بعض الذي دون أن ~~يقول «ردف لكم الذي» . واللام زائدة للتأكيد كالباء في ولا تلقوا بأيديكم ~~[البقرة: # 195] أو أريد أزف لكم ودنا لكم بتضمن فعل يتعدى باللام ومعناه تبعكم ~~ولحقكم. وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن ~~الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد ~~الموت وإن كان طرف منه حاصلا في # PageV05P319 # الدنيا فلهذا ذكر البعض. ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في ~~الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيستعجلون وقوع العقاب بجهلهم، ms3624 وفيه ~~دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن. ثم بين أنه مطلع على ما في ~~صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح ~~وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك. ثم أكد ذلك بأن المغيبات ~~كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير ~~صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالراوية في قولهم «ويل ~~للشاعر من راوية السوء» كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت ~~في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة. ثم بين لدفع شبه القوم ~~إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه صلى الله عليه ~~وسلم أميا، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل ~~وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ~~ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم. # ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمه أي بما يحكم به وهو ~~عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما وهو العزيز الذي لا ~~يغالب فيما يريد العليم بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم. ثم أمره بالتوكل ~~وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج ~~وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله إنك لا تسمع ~~الموتى لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال ~~الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ~~ذلك سببا قويا في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم. وقوله إذا ولوا مدبرين ~~تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبرا ~~وهداه عن الضلالة كقولك «سقاه عن العمية» . ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا ~~على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته فهم مسلمون ms3625 أي مخلصون منقادون لأمر ~~الله بالكلية. # ثم هدد المكلفين بذكر طرف من أشراط الساعة وما بعدها فقال وإذا وقع القول ~~أي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه عليهم وهو ما وعدوا به من قيام الساعة ~~والعذاب أخرجنا لهم دابة من الأرض وهي الجساسة. وقد تكلم علماء الحديث فيها ~~من وجوه: # أحدها في مقدار جسمها. فقيل: إن طولها ستون ذراعا. وقيل: إن رأسها يبلغ ~~السحاب. # وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وثانيها في كيفية خلقتها فروي ~~لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين ~~خنزير وأذن فيل وقرن # PageV05P320 # أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين ~~المفصلين اثنا عشر ذراعا. وثالثها في كيفية خروجها # عن علي رضي الله عنه أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ~~ثلثها. # وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. ورابعها مكان خروجها، # سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد ~~حرمة على الله # يعني المسجد الحرام. وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية. # وخامسها في عدد خروجها روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ~~ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهرا طويلا فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة ~~وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم ~~عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وسادسها فيما ~~يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام ~~أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا ~~يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات. ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول ~~الله فلذلك قالت بآياتنا أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة ~~اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا. وإنما هي خيل ~~مولاه وبلاده. عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ms3626 ~~ابن عمر: # تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشام ثم اليمن ~~فتفعل مثل ذلك. # روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك ~~القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى ~~وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت ~~نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه ~~«مؤمن» وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب ~~بين عينيه «كافر» . # وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل ~~النار. وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم ~~بالعصا والخاتم. # ثم ذكر طرفا مجملا من أهوال يوم القيامة قائلا ويوم أي واذكر يوم نحشر من ~~كل أمة فوجا أي جماعة كثيرة ممن يكذب هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله ~~بآياتنا يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة. وقد مر معنى قوله فهم ~~يوزعون في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا ~~في النار. وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة ~~يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. ~~والواو في قوله ولم # PageV05P321 # تحيطوا # للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها ~~وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب. ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى ~~أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون ~~الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه. قال ~~جار الله: أما ذا كنتم تعملون للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ~~ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك. وجوز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا ~~الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله. ~~وقال غيره: أراد لما ms3627 لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأي شيء ~~يعملونه بعد ذلك؟ لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل. قال المفسرون: يخاطبون ~~بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله ووقع القول عليهم أي ~~العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق ~~والاعتذار. ثم بعد أن خوفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون ~~دليلا على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان ~~والمنع من الكفر فقال ألم يروا الآية. # ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم ~~إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه ~~الحياة، ودلالته على النبوة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى ~~الخلق أيضا منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون ~~البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟ # ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في «يونس» . والتقابل ~~مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق ~~التقلب في المكاسب. ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال ويوم ينفخ في ~~الصور وقد تقدم تفسيره في «طه» و «المؤمنين» . وقوله ففزع كقوله ونادى ~~[الأعراف: 48] وسيق [الزمر: 73] والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين ~~يصعقون إلا من شاء الله قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من ~~الملائكة. وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وقيل: هم الشهداء. وعن ~~الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش. وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق ~~مرة. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ففزع موافقة لقوله وهم من ~~فزع يومئذ آمنون وفي «الزمر» قال فصعق [الزمر: 68] لأن معناه فمات وقد سبق ~~إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] . # ومعنى داخرين صاغرين أذلاء. وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة ~~الثانية. وجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له. قال أهل المناظرة: إن ~~الأجسام # PageV05P322 # الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج ms3628 واحد في السمت والكيفية ظن الناظر ~~أنها واقفة مع أنها تمر مرا حثيثا، فأخبر الله سبحانه أن حال الجبال يوم ~~القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها ~~جامدة أي واقفة في مكان واحد. وهي تمر مر السحاب قال جار الله صنع الله من ~~المصادر المؤكدة كقوله «وعد الله» إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل يوم ~~ينفخ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب ~~المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها ~~وأتى بها على وجه الحكمة والصواب. قلت: لا يبعد أن يكون الناصب ل يوم ينفخ ~~هو «اذكر» مقدرا، ويكون صنع الله مصدرا مؤكدا لنفسه أي صنع تسيير الجبال ~~ومرها صنع الله. قال القاضي عبد الجبار: في قوله أتقن كل شيء دلالة على أن ~~القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه. ~~وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان ~~وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات. قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان ~~فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور ~~لعله ممنوع يؤيده قوله إنه خبير بما تفعلون وإذا كان خبيرا بكل أفعال ~~العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة ~~الأشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير ~~الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم. ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله من ~~جاء بالحسنة فله خير منها إلى آخر الآيتين. وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن ~~العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على ~~أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من ~~المعرفة والإخلاص فلا جزاء لها سوى الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار ~~الجمال والجلال جعلنا الله أهلا لذلك. وقيل: المراد فله خير حاصل منها. وعن ~~ابن عباس: أن الحسنة كلمة ms3629 الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان. واعترض عليه ~~بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم. # وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلدا. ثم وعد المحسنين ~~أمرا آخر وهو قوله وهم من فزع يومئذ آمنون وآمن يعدى بالجار وبنفسه. ~~والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع ~~الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله ففزع من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه ~~الواصف وهو خوف النار آمنون. وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن ~~الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين. وقوله هل # PageV05P323 # تجزون # الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول ~~أي يقال لهم عند الكب هذا القول. ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله ~~وذلك أشياء منها: # عبادة الرب سبحانه. ثم وصف الرب بأمرين احترازا من أرباب أهل الشرك ~~أولهما كونه ربا لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله. وفيه ~~نوع منة عليهم كقوله حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] ~~وثانيهما عام وهو قوله وله كل شيء ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي ~~لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه. ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوه أي ~~أتباعه وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما أمر به أتم قيام حتى ~~خوطب بقوله ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [طه: 2] ثم لما بين سيرته ذكر أن ~~نفع الاهتداء ووبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول ~~إلا البلاغ والإنذار. ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل ~~الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدد أعداءه بما سيريهم في ~~الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان. قاله ~~الحسن. وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في ~~الدنيا. ms3630 وما ربك بغافل عما تعملون ولكنه من وراء جزاء العاملين. ### | التأويل: # قل سيروا في أرض البشرية فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين لأن خواص نفوسهم ~~أنموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب أنموذج من الجنة وإن ربك ليعلم ما ~~تكن صدورهم لأنه خمر طينة آدم بيديه أربعين صباحا ونفخ فيه من روحه فهو ~~مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال وما من غائبة من الخواص في سماء القلب ~~وأرض القالب إلا في كتاب مبين وهو علم الله تعالى أن هذا القرآن يقص لأن كل ~~كتاب كان مشتملا على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل ~~نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال إن ~~ربك يقضي بينهم أي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ ~~متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا صلى الله عليه وسلم إلى ~~مقام المحبة. فاتبعوني يحببكم الله وهو العزيز الذي لعزته لا يهدي كل مثمن ~~إلى مقام حبيبه العليم بمن يستحق هذا المقام. فتوكل على الله إنك على الحق ~~المبين في دعوة الخلق إلى الله وإذا وقع القول عليهم وذلك بعد البلوغ ومضى ~~زمان الرعي في مراتع البهيمية أخرجنا لهم من تحت أرض البشرية دابة تكلمهم ~~أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت ~~موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها ~~بالدلائل. ويوم نحشر من # PageV05P324 # كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون # من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر ~~والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ~~أما ذا كنتم تعملون بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب ألست بربكم [الأعراف: ~~172] وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ~~ينطقون # كقوله «من عرف الله كل لسانه» # ألم يروا أنا جعلنا الليل ms3631 ليسكنوا فيه والنهار مبصرا جعلنا ليل البشرية ~~سببا لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصرا يبصر به ~~الحق من الباطل. ويوم ينفخ إسرافيل المحبة في صور القلب ففزع من في سموات ~~الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية إلا من ~~شاء الله من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي ~~النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر ~~القيامة في شخص المحب. وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة إلا ~~من شاء الله وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند ~~طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه ~~الصعقة بالنفخة الثانية وترى جبال الأشخاص جامدة على حالها وهي تمر بالسير ~~في الصفات وتبديل الأخلاق مر السحاب رب هذه البلدة وهي القلب والرب هو الله ~~كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على ~~الشيطان كما قال يوسوس في صدور الناس [الناس: 5] دون أن يقول «في قلوب ~~الناس» سيريكم آياته فتعرفونها فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم ~~اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم. # PageV05P325 ### | (سورة القصص) # (مكية سوى آية نزلت بجحفة إن الذي فرض إلخ حروفها 5800 كلمها 1441 آياتها ~~88) ### | [سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 21] # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق ~~لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ~~يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~(5) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ~~(6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون ~~لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان ms3632 وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأت ~~فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ~~(9) # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ~~لتكون من المؤمنين (10) وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون ~~(11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما ~~وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من ~~شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره ~~بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي ~~هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا ~~أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) # وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ~~فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم ~~الظالمين (21) # PageV05P326 ### | القراآت: # ويرى بفتح الياء وإمالة الراء فرعون وهامان وجنودهما مرفوعات: # حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤا قوله وحزنا بضم الحاء وسكون الزاي الباقون ~~بفتحها. ### | الوقوف: # طسم كوفي. المبين ه يؤمنون ه نساءهم ط المفسدين ه الوارثين ه لا للعطف ~~يحذرون ه أرضعيه ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية ولا تحزني ج ~~للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا. من المرسلين ه وحزنا ط خاطئين ه ولك ط لا ~~تقتلوه ق والوجه الوصل ms3633 لأن الرجاء بعده تعليل للنهي. # لا يشعرون ه فارغا ط المؤمنين ه قصيه ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت ~~لا يشعرون ه لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله فقالت عطف على ~~قوله فبصرت والحال معترض ناصحون ه لا يعلمون ه وعلما ه المحسنين ه يقتتلان ~~لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهرا ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته ~~وهذا من عدوه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفا من عدوه الأول ج لأن ما يتلوه ~~معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من عدوه الثاني لا للعطف عليه مع عدم ~~اتحاد القائل الشيطان ط مبين ه فغفر له ط الرحيم ه للمجرمين ه يستصرخه ط ~~مبين ط لهما لا لأن ما بعده جواب «لما» بالأمس ط للابتداء بالنفي والوصل ~~أوجه لاتحاد القائل المصلحين ه يسعى ز لعدم العاطف مع اتحاد القول من ~~الناصحين ه يترقب ز لما قلنا في يسعى الظالمين ه. ### | التفسير: # فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء. نتلوا عليك على لسان جبرائيل من ~~نبإ موسى وفرعون أي طرفا من خبرهما متلبسا بالحق أو محقين لقوم يؤمنون لأن ~~التلاوة إنما تنفع هؤلاء. ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلا ~~سأل: # وكيف كان نبؤهما؟ فقال مستأنفا إن فرعون علا في الأرض أي طغى وتكبر في ~~أرض مملكته وجعل أهلها شيعا فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم ~~أصنافا في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقا مختلفة بينهم عداوة ~~ليكونوا له أطوع وهم # PageV05P327 # بنو إسرائيل والقبط. وقوله يستضعف حال من الضمير في جعل أو صفة شيعا أو ~~مستأنف. ويذبح بدل منه. وقوله إنه كان من المفسدين بيان أن القتل من فعل ~~أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا ~~وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل ~~لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر ms3634 كائن البتة ونريد حكاية حال ماضية ~~معطوفة على قوله إن فرعون علا فهذه أيضا تفسير للنبأ. وجوز أن يكون حالا من ~~الضمير في يستضعف أي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمن عليهم في المآل، فجعلت ~~إرادة الوقوع كالوقوع. ونجعلهم أئمة مقدمين في أمور الدين والدنيا. وعن ابن ~~عباس: قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد: # دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكا. ومعنى الوراثة والتمكين في أرض ~~مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه ~~هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ~~ألف وليد. # قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل ~~التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما ~~نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، ~~وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ~~ولكن وجدت لابنك هذا حبا شديدا فاحفظيه. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها ~~نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه ~~هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من ~~عقلها. فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر ~~لها لبن فقالوا: # لم دخلت القابلة عليك؟ قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة. فخرجوا من ~~عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟ فقالت: لا أدري سمعت ~~بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما. فلما ~~ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله تعالى أن ~~تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في النيل. فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر ~~تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح ~~الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد ms3635 مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر. # وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه ~~فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه ~~هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون. وانطلقت أم ~~موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل ~~يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور ~~الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ # PageV05P328 # هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها ~~فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس. فلما كان ذلك اليوم ~~غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في ~~جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج ~~وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه ~~بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، ~~فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو ~~صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبنا، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في ~~قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى ~~صدرها. فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهم ~~فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله. # قال علماء البيان: اللام في قوله ليكون لهم عدوا لام العاقبة وأصلها ~~التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث ~~إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلا نتيجة المجيء في ~~قولك «جئتك لتكرمني» وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل ~~إليه أمره فاستعملوه هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على ms3636 سبيل التشبيه وإن ~~لم يكن غرضا. ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوهم ~~في حجرهم أو أنهم أذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم ~~من على يديه هلاكهم. قال النحويون قرت عين خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ~~ولا يقوى أن يجعل مبتدأ ولا تقتلوه خبرا لأن الطلب لا يقع خبرا إلا بتأويل، ~~ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب. # روي في حديث أن آسية حين قالت قرت عين لي ولك قال فرعون: لك لا لي، # ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها. ثم إنها رأت فيه ~~مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام ~~وبرء البرصاء. قال في الكشاف وهم لا يشعرون حال من آل فرعون. وقوله إن ~~فرعون الآية. جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى ~~خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا. وقالت امرأة فرعون ~~كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. ~~قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالا من فاعل قالت أي قالت كذا وكذا في حال ~~عدم شعورهم بالمئال وهو أن هلاكهم على يده وبسببه. وقال الكلبي: أي لا ~~يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه. # PageV05P329 # قوله سبحانه وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال الحسن: أي فارغا من كل هم إلا ~~من هم موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله وأفئدتهم ~~هواء [إبراهيم: 43] أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند ~~فرعون طار عقلها جزعا ودهشا. وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغا ~~من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا فألقيه في اليم ولا تخافي الغرق ~~وسائر المخاوف ولا تحزني والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه ~~لواقع فنهيت عنهما جميعا، فجاءها ms3637 الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ~~ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه. ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد ~~فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فارغا ~~من الخوف فالله تعالى يقول لولا أن ربطنا على قلبها وهل يربط إلا على قلب ~~الجازع المحزون؟ أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله إن كادت ~~لتبدي به هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس. وفي ~~رواية عكرمة كادت تقول وابناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ~~ويضع. وقال الكلبي: # ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون. ثم قال لولا أن ربطنا على ~~قلبها بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن لتكون من ~~المؤمنين المصدقين بوعد الله وهو قوله إنا رادوه إليك. وأما من فسره بعدم ~~الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف ~~عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر ~~لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه. والأول أظهر ~~بدليل قوله وقالت لأخته قصيه أي اقتفي أثره وانظري أين وقع وإلى من صار، ~~وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم فبصرت به أي أبصرته عن جنب عن بعد أي ~~نظرت إليه مزورة متجانفة وهم لا يشعرون بحالها وغرضها. والتحريم هاهنا لا ~~يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهرا فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم ~~عليه شيء فقد منعه. وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه تعالى منع حاجته إلى ~~اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن ~~من الطعم ما ينفر عنه طبعه. # وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة أشهر فعرف ريحها. والمراضع جمع مرضعة ~~وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول ~~مكان والثاني مصدر ومن قبل أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه ms3638 إلى ~~أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا. # روي أنها لما قالت وهم له ناصحون قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، ~~فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون. # والنصح إخلاص العمل من شائبة # PageV05P330 # الفساد. والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه ~~في تربيته وغذائه. فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون ~~شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها. فقال ~~لها فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ قالت: إني امرأة طيبة ~~الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها. قال في ~~الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه ~~الاستباحة. قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطابا بدليل ~~قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله تعالى سينجز وعده ولكن ~~ليس الخبر كالعيان فلهذا قال سبحانه ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم أي ~~أكثر الناس لا يعلمون حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في ~~آيات الله. وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده ~~إليها. قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول «ولكن أكثر ~~الناس» كما قال في سورة يوسف والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون [يوسف: 21] وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت ~~وأصبح فؤادها فارغا، وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله ولكن أكثرهم لا يعلمون من ~~جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك. وجوز في الكشاف أن ~~يتعلق الاستدراك بقوله ولتعلم المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض ~~الديني وهو العلم بصدق وعد الله ولكن أكثرهم لا يعلمون أن هذا هو الغرض ~~الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن. # ثم بين سبحانه كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلا: ولما بلغ ms3639 ~~أشده وزاد هاهنا قوله واستوى فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد. ~~والأصح أنهما متغايران. والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال ~~الخلقة. وعن ابن عباس: # الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى ~~الأربعين. وهو عند الأطباء سن الوقوف. فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو ~~وأعطى موسى إياها في سن الوقوف. والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة ~~الأنبياء سنتهم- قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل ~~القبطي أو بعده لأن الواو في قوله ودخل المدينة لا تفيد الترتيب. قلت: يشبه ~~أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت ~~شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره تعالى في هذه السورة. # وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى فعلتها إذا وأنا من ~~الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما [الشعراء: 21] وعلى هذا ~~يمكن أن يراد بالواو # PageV05P331 # الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا ~~يفعل فعلا يستجهل فيه. أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان ~~يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر. وقال الضحاك: هي عين شمس. وقيل: هي مصر. ~~وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو. ~~وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ~~ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا ~~أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم ~~نسوا ذكره. قاله السدي. وقيل: إن الغفلة لموسى من أهلها وذلك أنه لما بلغ ~~أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ~~ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر. قال ~~الزجاج: قوله هذا وهذا وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين ~~يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته ms3640 وهذا من عدوه. عن مقاتل: ~~أن الرجلين كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط. ~~واحتج عليه بأن موسى قال له إنك لغوي مبين والمشهور أن الذي من شيعته كان ~~مسلما كأنه قال ممن شايعه على دينه. وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل ~~وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى ~~الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا ~~إلها. # يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون. # وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري فاستغاثه سأله أن يخلصه منه فوكزه أي ~~دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف فقضى عليه أي أماته وقتله. الطاعنون في ~~عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال هذا من عمل ~~الشيطان وقال رب إني ظلمت نفسي وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية ~~وذنبا؟ وأيضا قوله هذا من عدوه يدل على أنه كان كافرا حربيا وكان دمه مباحا ~~والاستغفار من القتل المباح غير جائز. # وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى ~~زمان آخر. فقوله هذا من عمل الشيطان معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل ~~الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفا الله، أو هو إشارة ~~إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، والاستغفار من ترك الأولى سنة ~~المرسلين، أو أراد أني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون ~~لقتلني به فاغفر لي فاستره على هذا كله. إذا سلم أنه كان نبيا في ذلك الوقت ~~وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله هذا من عمل الشيطان دليل على أن ~~المعاصي ليست بخلق الله. ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلا عما ~~يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئا آخر كما قررنا. # PageV05P332 # قوله بما أنعمت علي قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في ms3641 مظاهرة ~~أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي ~~طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت علي بقبول توبتي فإني ~~أكون مواظبا على مثل تلك المعصية. # وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا ~~يظاهر مجرما. وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث ~~كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من ~~تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء ~~كأنه قال: فلا تجعلني ظهيرا والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها. ~~وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق ~~الدواة. عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل. فلن أكون إن شاء الله فابتلي ~~به مرة أخرى. وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ~~ولئن صحت فلعله أراد أنه جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد ~~موت القبطي من الوكز فأصبح موسى من غد ذلك اليوم خائفا يترقب الأخبار وما ~~يقال فيه فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه ~~موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدي إلى الاستنصار خلاف ~~طريقة الرشد. فغوي بمعنى غاو. وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغو لأنه ~~أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء. قال بعضهم: ~~لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه ~~يريده فقال أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وزعموا أنه لم يعرف قتله ~~بالأمس إلا هو وصار ذلك سببا لظهور القتل ومزيد الخوف. وقال آخرون: بل هو ~~قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض لا يليق إلا أن يكون قولا للكافر. قال جار ~~الله: # الجبار الذي يفعل ms3642 ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا ~~يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله عز وجل. ~~وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره ~~بذلك رجل وهو قوله وجاء رجل من أقصى المدينة أي من أبعد مسافاتها إليه. ~~وقوله يسعى صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة ~~لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفا. قال العلماء: ~~الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفا وفي «يس» أن يكون صلة، ولذلك خصت ~~بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر ~~الرسل سعى مستعجلا. والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر ~~صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمره ومعنى يأتمرون بك يتشاورون بسببك. وقوله لك ~~من # PageV05P333 # الناصحين # كقوله فيه من الزاهدين [يوسف: 20] وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة ~~بيان لا صلة. فخرج منها خائفا يترقب المكروه من جهتهم وأن يلحق به قال ~~ملتجئا إلى الله رب نجني من القوم الظالمين وفيه دليل على أن قتله القبطي ~~لم يكن ذنبا وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص. ### | التأويل: # إن فرعون النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية وجعل أهلها وهم ~~الروح والسر والعقل أصنافا في الاستخدام لاستيفاء الشهوات يستضعف طائفة وهم ~~صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، ~~والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن إنه كان من ~~المفسدين للاستعداد الفطري. ونري فرعون النفس وهامان الهوى وجنودهما من ~~الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية. أم موسى السر لأن القلب تولد من ~~ازدواج الروح والسر أن أرضعيه من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع ~~الحيوانية أو الدنيوية. فألقيه في اليم في الدنيا في تابوت القالب وجاعلوه ~~من المرسلين أي من القلوب المحدثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي ~~فالتقطه آل فرعون وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة ms3643 ~~والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل ليكون لهم في العاقبة عدوا ~~يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات. وحزنا بترك الشهوات واللذات وبالدعوة ~~إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله. وقالت امرأت فرعون النفس وهي الجثة لا ~~تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في أسباب اللذات الحسيات. عسى أن ~~ينفعنا بأن ينجينا من النار. قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في ~~تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ~~ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع ~~الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر. وهم لا يشعرون أنه لو ~~لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم. فؤاد أم موسى هو سر السر، أخت ~~موسى القلب هو العقل. ودخل مدينة القالب على حين غفلة من أهلها وهم الصفات ~~النفسانية فوجد فيها رجلين صفتين. إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات ~~النفس. وفي قوله هذا من عمل الشيطان إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس ~~بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتد به فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا ~~بالشرع كالفلاسفة والبراهمة إنك لغوي مبين لأنك تنازع ذا سلطان قوي قبل ~~أوانه وهو فرعون النفس. وجاء رجل هو العقل من أقصى مدينة الإنسانية أي من ~~أعلى مرتبة # PageV05P334 # الروحانية يسعى في طلب نجاة موسى القلب فأخرج من مدينة البشرية إلى صحراء ~~الروحانية خائفا من سطوات فرعون النفس يترقب مكايدهم. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 22 الى 42] # ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل (22) ولما ورد ~~ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم ~~تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحداهما ~~تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ms3644 ما سقيت لنا فلما جاءه وقص ~~عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~(27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما ~~نقول وكيل (28) فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين (30) وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~(31) # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني ~~قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله ~~معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما ~~سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35) فلما ~~جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين (36) # وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه ~~لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ~~فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين (40) وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون (41) # وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ms3645 ويوم القيامة هم من المقبوحين (42) # PageV05P335 ### | القراآت: # ربي أن بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ويصدر بفتح ~~الياء وضم الدال: ابن عامر ويزيد وأبو عمرو وأبو أيوب. الآخرون بضم الياء ~~وكسر الدال إني أريد ستجدني إن بفتح ياء المتكلم فيهما: أبو جعفر ونافع إني ~~آنست إني أنا الله وإني أخاف بفتح ياء المتكلم في الكل: أبو جعفر ونافع ~~وأبو عمرو وو لعلي آتيكم بفتح الياء: هم وابن عامر جذوة بفتح الجيم: عاصم ~~وبضمها حمزة وخلف. الباقون بكسرها. من الرهب بفتح الراء وسكون الهاء: حفص، ~~وبفتحهما أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون بضم ~~الراء وسكون الهاء فذانك بتشديد النون: ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو معي ~~بالفتح: حفص ردا بغير همز: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون بضم الراء ~~وهمزة في الوقف يصدقني بالرفع: حمزة وعاصم يكذبون بالياء في الحالين: يعقوب ~~وافق ورش وسهل وعباس في الوصل قال موسى بغير واو: ابن كثير ربي أعلم بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ومن يكون على التذكير: حمزة ~~وعلي وخلف والمفضل لا يرجعون بفتح الياء وكسر الجيم: نافع ويعقوب وعلي ~~وخلف. ### | الوقوف: # السبيل ه يسقون ه لأنه رأس آية عند الأكثرين مع عطف المتفقتين تذودان ج ~~لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد الفاعل خطبكما ط الرعاء ز لأن ما بعده ~~منقطع لفظا ومعنى كأنه قال: فلم خرجتما فقالتا تعريضا بالاستقامة وأبونا ~~شيخ كبير ط فقير ه على استحياء ز لعدم العاطف مع اتحاد القائل، ومن وقف على ~~تمشي ويجعل على استحياء حالا مقدما أي قالت مستحيية فلا وجه له في الوقف ~~لنا ط لأن جواب «لما» منتظر وقبله حذف أي فذهب معها فلما جاءه فكأن الفاء ~~لاستئناف القصص لأن قال جواب «لما» . لا تخف ز لأن قوله نجوت غير متصل به ~~نظما وليفصل بين البشارتين أي لا تخف ضيما وقد نجوت من ظلم فرعون الظالمين ~~ه استأجره ج للابتداء بأن مع اتحاد القول واحتمال التعليل ms3646 الأمين ه حجج ج ~~للشرط مع الفاء عندك ج لابتداء النفي مع الواو عليك ج الصالحين ه وبينك ج ~~لابتداء الشرط علي ط وكيل ه نارا ه لعدم العاطف وطول الكلام مع اتحاد ~~القائل تصطلون ه العالمين ه لا عصاك ط لحق الحذف أي فألقاها # PageV05P336 # فحييت فلما رآها ولم يعقب ط لا تخف ج لمثل ما مر أي لا تخف بأس العصا إنك ~~أمنت بها بأس فرعون الآمنين ه سوء ز لعطف الجملتين المتفقتين مع طول الكلام ~~ه وملائه ط فاسقين ه يقتلون ه يصدقني ز للابتداء بأن مع اتحاد القول ~~واحتمال التعليل يكذبون ه بآياتنا ج أي لا يصلون إليكما بسبب آياتنا وعلى ~~إليكما أوجه أي أنتم الغالبون بآياتنا الغالبون ه الأولين ه الدار ط ~~الظالمون ه غيري ج لتنويع الكلام إلى إله موسى لا لأن ما بعده مقوله أيضا ~~الكاذبين ه لا يرجعون ه في اليم ج للابتداء بأمر الاعتبار واختلاف الجملتين ~~مع فاء التعقيب الظالمين ه إلى النار ج لعطف الجملتين المختلفتين لا ينصرون ~~ه لعنة ط لمثل ذلك المقبوحين ه. ### | التفسير: # ذهب بعض المفسرين إلى أن موسى خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ~~تعالى وأخذ يمشي من غير معرفة طريق فأوصله الله إلى مدين. وقد يؤيد هذا ~~التفسير ما روي عن ابن عباس أنه خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه، ~~ويحتمل أن يكون معنى قول ابن عباس أنه لما خرج قصد مدين لأنه وقع في نفسه ~~أن بينه وبينهم قرابة لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وهو كان من بني إسرائيل ~~لكن لم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على فضل الله تعالى. أما أنه قصد مدين ~~فلقوله سبحانه ولما توجه تلقاء مدين أي قصد نحو هذه القرية ولم تكن في ~~سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان. وأما أنه اعتمد على فضل الله ~~فلقوله. عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي وسطه وجادته نظيره قول جده ~~إبراهيم عليه السلام ms3647 إني ذاهب إلى ربي سيهدين [الصافات: 99] وكذا الخلف ~~الصدق يقتدي بالسلف الصالح فيهتدي. قال السدي: لما أخذ في المسير جاءه ملك ~~على فرس فسجد له موسى من الفرح فقال: لا تفعل واتبعني فاتبعه نحو مدين. عن ~~ابن جريج أنه خرج بغير زاد ولا ظهر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ولما ~~ورد ماء مدين وكان بئرا فيما روي وورود الماء مجيئه والوصول إليه ضد ~~الصدور. وجد عليه أي على شفيره ومستقاه أمة من الناس جماعة كثيرة العدد ~~أصنافا يسقون مواشيهم ووجد من دونهم أي في مكان أسفل من مكانهم امرأتين ~~تذودان أي تدفعان وتطردان أغنامهما لأن على الماء من هو أقوى منهما فلم ~~يتمكنا من السقي، وكانتا تكرهان المزاحمة على الماء واختلاط أغنامهما ~~بأغنامهم أو اختلاطهما بالرجال. وقيل: تذودان الناس عن غنمهما. وقيل: ~~تذودان عن وجوههما نظر الناظر. وبالجملة حذف مفعول تذودان لأن الغرض تقرير ~~الذود لا المذود. وكذا في يسقون ولا نسقي المقصود هو ذكر السقي لا المسقي، ~~وكذا في قراءة من # PageV05P337 # قرأ حتى يصدر من الإصدار أي حتى يصدر الرعاء مواشيهم الغرض بيان الإصدار. ~~قال ما خطبكما هو مصدر بمعنى المفعول أي ما مخطو بكما من الذياد قالتا لا ~~نسقي الآية. # سألهما عن سبب الذود فذكرتا أنا ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة ~~الرجال ومزاحمتهم فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا وما لنا رجل ~~يقوم بذلك. وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به، وهذه الضرورة هي ~~التي سوغت لنبي الله شعيب أن رضي لابنتيه بسقي الماشية على أن الأمر في ~~نفسه ليس بمحظور، ولعل العرب وخصوصا أهل البدو منهم لا يعدونه قادحا ~~للمروءة. وزعم بعضهم أن أباهما هو ثيرون ابن أخي شعيب وشعيب مات بعد ما عمي ~~وهو اختيار أبي عبيد ينميه إلى ابن عباس. وعن الحسن أنه رجل مسلم قبل الدين ~~من شعيب. أما قوله فسقى لهما فمعناه فسقى غنمهما لأجلهما وفيه قولان: ~~أحدهما أنه سأل القوم فسمحوا وكان لهم دلو ms3648 يجتمع عليها أربعون رجلا ~~فيخرجونها من البئر فاستقى موسى بها وحده وصب الماء في الحوض ودعا بالبركة، ~~ثم قرب غنمهما فشربت حتى رويت ثم سرحهما مع غنمهما. والثاني أنه عمد إلى ~~البئر وعليها صخرة لا يقلها إلا سبعة رجال أو عشرة أو أربعون أو مائة- ~~أقوال- فأقلها وحده وسقى أغنامهما، كل ذلك في شمس وحر. ثم تولى إلى الظل ظل ~~شجرة فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ذهب أكثر المفسرين الظاهريين ~~ومنهم ابن عباس إلى أنه طلب من الله طعاما يأكله. وعدي فقير باللام لأنه ~~ضمن معنى سائل وطالب. وعن الضحاك أنه مكث سبعة أيام لم يذق فيها طعاما إلا ~~بقل الأرض وإن خضرته تتراءى في بطنه من الهزال، وفيه دليل على أنه نزع ~~الدلو وأقل الصخرة بقوة ربانية. وقال بعض أهل التحقيق: أراد إني فقير من ~~الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير الدين، وذلك أنه كان عند فرعون في ملك ~~وثروة فأظهر الرضا بهذا الذل شكرا لله. # يروى أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما: ~~ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا. فقال لإحداهما: اذهبي ~~فادعيه لي # وذلك قوله سبحانه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قيل: من جملة حيائها ~~أنها قد استترت بكم درعها ثم قالت إن أبي يدعوك عن عطاء بن السائب أنه حين ~~قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير رفع صوته بدعائه ليسمعهما فلذلك قيل ~~له ليجزيك أجر ما سقيت لنا وضعفت الرواية بأن هذا نوع من الدناءة وضعف ~~اليقين بالله فلا يليق بالنبي. # وقد روي أنها حين قالت: ليجزيك كره ذلك. ولما قدم إليه الطعام امتنع ~~وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا ولا نأخذ على المعروف ثمنا حتى ~~قال شعيب هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. # PageV05P338 # سؤال: كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة وأن يمشي معها وهي أجنبية؟ # الجواب: العمل بقول الواحد حرا أو عبدا ذكرا كان أو أنثى سائغ ms3649 في ~~الأخبار، والمشي مع الأجنبية لا بأس به في حال الاضطرار مع التورع والعفاف، ~~ويؤيده ما # روي أن موسى تبعها فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي ~~وانعتي لي الطريق. قال الضحاك: لما دخل عليه قال له: من أنت يا عبد الله؟ ~~قال: أنا موسى بن عمران بن يصهر ابن قاهث بن لاوى بن يعقوب. # وقص عليه القصص أي المقصوص من لدن ولادته إلى قتل القبطي وفراره خوفا من ~~فرعون وملئه ف قال له شعيب لا تخف من فرعون أو ضيما نجوت من القوم الظالمين ~~فلا سلطان لفرعون بأرضنا قالت إحداهما وهي كبراهما اسمها صفراء وكانت ~~الصغرى صفيراء يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال ~~النحويون: جعل القوي الأمين اسما لكونه معرفة صريحة أولى من جعل «أفعل» ~~التفضيل المضاف اسما لكونه قريبا من المعرفة، ولكن كمال العناية صار سببا ~~للتقديم. وورود الفعل وهو استأجرت بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب ~~وعرف. وقال المحققون: إن قولها هذا كلام حكيم جامع لا مزيد عليه لأنه إذا ~~اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة اللتين هما ثمرتا الكياسة ~~والديانة في الذي يقوم بأمرك، فقد حصل مرادك وكمل فراغك. عن ابن عباس أن ~~شعيبا أحفظته الغيرة فقال: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع ~~الدلو وأنه صوب رأسه أي خفضه حين بلغته رسالته، وأنه أمرها بالمشي خلفه ~~فلذلك قال أريد أن أنكحك إحدى ابنتي وليس هذا عقدا حتى تلزم الجهالة في ~~المعقود عليها ولكنه حكاية عزم وتقرير وعد ولو كان عقدا لقال أنكحتك ابنتي ~~فلانة. وفي قوله هاتين دليل على أنه كانت له غيرهما. قال أهل اللغة: تأجرني ~~من أجرته إذا كنت له أجيرا فيكون ثماني حجج ظرفه أو من أجرته كذا إذا أثبته ~~إياه فيكون الثماني مفعولا به ثانيا ومعناه رعية ثماني حجج فإن أتممت عشرا ~~أي عمل عشر حجج فمن عندك أي فإتمامه من عندك لا من عندي إذ هو تفضل منك ~~وتبرع وما أريد ms3650 أن أشق عليك الزام أتم الأجلين أو بالتكاليف الشاقة في مدة ~~الرعي، وإنما أعامل معك معاملة الأنبياء يأخذون بالأسمح- بالحاء لا بالجيم- ~~قال أهل الاشتقاق: حقيقة قولهم شققت عليه وشق عليه الأمر أنه إذا صعب الأمر ~~فكأنه شق عليه ظنه باثنين يقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه. ثم أكد وعد ~~المسامحة بقوله ستجدني إن شاء الله من الصالحين عموما أو في باب حسن ~~المعاملة. وقوله إن شاء الله أدب جميل كقول إسماعيل ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين [الصافات: 102] أي على الذبح. وفيه أن الاعتماد في جميع الأمور ~~على معونة الله والأمر موكول إلى مشيئته. استدل الفقهاء بالآية على أن ~~العمل قد يكون مهرا كالمال، # PageV05P339 # وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن جائز، وعلى أن عقد النكاح لا يفسده ~~الشروط التي لا يوجبها العقد. ويمكن أن يقال: إنه شرع من قبلنا فلا يلزمنا. ~~وجوز في الكشاف أن يكون استأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ووفاه إياه ~~ثم أنكحه ابنته. وجعل قوله على أن تأجرني عبارة عما جرى بينهما قال موسى ~~ذلك الذي شارطتني عليه قائم بيني وبينك أيما الأجلين قضيت و «ما» مؤكدة ~~لإبهام أي زائدة في شيوعها فلا عدوان علي أي لا يعتدي علي في طلب الزيادة ~~فإن قضيت الثماني فلا أطالب بالزيادة وإن قضيت العشر باختياري فلم أطالب ~~بالزيادة أيضا. وقيل: أراد أيهما قضيت فلا أكون متعديا. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تزوج كبراهما # وقيل صغراهما ولا خلاف في أنه قضى أوفى الأجلين. # قال القاضي في قوله فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس دليل على أنه لم ~~يزد على العشرة وفيه نظر لأنه لا يفهم من هذا التركيب إلا أن الإيناس حاصل ~~على عقيب مجموع الأمرين، ولا يدل على أن ذلك حصل عقيب أحدهما وهو قضاء ~~الأجل ويؤيده ما روي عن مجاهد أنه بعد العشر المشروط مكث عشر سنين أخر. قال ~~أهل اللغة: الجذوة بحركات الجم العود الغليظ كانت في رأسه نار أو لم تكن، ~~وشاطىء الوادي ms3651 جانبه، و «من» الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية أي ~~أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة، فالثانية بدل من الأولى بدل ~~الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، ووصفت البقعة بالمباركة لأن ~~فيها ابتداء الرسالة والتكليم. احتجت المعتزلة على مذهبهم أن الله تعالى ~~يتكلم بكلام يخلقه في جسم بقوله من الشجرة وقال أهل السنة: مما وراء النهر ~~إن الكلام القديم القائم بذات الله غير مسموع والمسموع من الشجرة وهو الصوت ~~والحرف دال على كلام الله. وذهب الأشعري إلى أن الكلام الذي ليس بحرف ولا ~~صوت يمكن أن يكون مسموعا كما أن الذات التي ليست بجسم ولا عرض يمكن أن تكون ~~مرئية. # روي أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل: ادخل البيت فخذ ~~عصا من تلك العصي فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء ~~يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فمسها وكان مكفوفا فشعر بها فقال: غيرها، فما ~~وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا. # وعن الكلبي: الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج ومنها كانت عصاه، ولما ~~أصبح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ ~~هناك أكثر لأن فيها تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم. فأخذت الغنم ذات اليمين ~~ولم يقدر على منعها فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا ~~بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى موسى دامية فارتاح ~~لذلك. وحين رجع إلى شعيب مس الغنم فوجدها ملأى البطون غزيرة # PageV05P340 # اللبن فأخبره موسى ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا. قيل: كن لما لا ترجو ~~أرجى منك لما ترجو فإن موسى ذهب ليقتبس النار فكلمه الملك الجبار وقد مر في ~~النمل تفسير قوله فلما رآها تهتز إلى قوله من غير سوء [الآية: 10] أما قوله ~~واضمم إليك جناحك من الرهب فذكر جار الله له معنيين: أحدهما حقيقة وهو أنه ~~لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف ms3652 من الشيء ~~فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه نقصان قدرك عند الأعداء فإن ألقيتها، فكما ~~تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل ~~الأمران: اجتناب النقص وإظهار معجزة أخرى. وثانيهما مجاز وهو أن يراد بضم ~~الجناح التجلد وضبط النفس حتى لا يضطرب فيكون استعارة من فعل الطائر لأنه ~~إذا خاف أرخى جناحيه وإلا ضمهما. ومعنى من الرهب من أجل الخوف. # والفرق بين هذه العبارة وبين قوله اسلك يدك في جيبك أن الغرض هناك خروج ~~اليد بيضاء وهاهنا الغرض إخفاء الخوف أو أراد بالجناح المضموم هاهنا اليد ~~اليمنى وبالجناح المضموم إليه في قوله واضمم يدك إلى جناحك اليد اليسرى، ~~وقيل: إن الرهب هو الكم بلغة حمير وزيفه النقاد. من قرأ فذانك بالتخفيف ~~فمثنى ذاك، ومن قرأ بالتشديد فمثنى ذلك وأصله ذان لك قلبت اللام نونا ~~وأدغمت. وسميت الحجة برهانا لبياضها وإنارتها من قولهم «امرأة برهرهة» أي ~~بيضاء، والعين واللام مكررتان. والدليل على زيادة النون قولهم «أبره الرجل» ~~إذا جاء بالبرهان ونظيره «السلطان» من السليط الزيت، لإنارتها. وظاهر ~~الكلام يقتضي أنه تعالى أمره بذلك قبل لقاء فرعون، والسر فيه أن يكون على ~~بصيرة من أمره عند لقاء المعاند اللجوج. وزعم القاضي أنه في حال أداء ~~الرسالة لأن المعجز إنما يظهر ليستدل المرسل إليه على الرسالة ولا يخفى ضعف ~~هذا الكلام لأن الحكمة في الإظهار لا تنحصر في الاستدلال بل لعل هناك ~~أنواعا أخر من الحكم والمقاصد قد ذكرنا واحدا منها. ومما يؤكد أن هذا ~~الكلام قد جرى ولم يكن هناك أحد غير موسى قوله معتذرا رب إني قتلت منهم ~~نفسا الآية. والردء اسم ما يعان به من ردأته أي أعنته فعل بمعنى مفعول به ~~ويصدقني بالرفع صفة وبالجزم جواب كما مر في قوله وليا يرثني [مريم: 6] ~~والمراد بتصديق أخيه أن يذب ويجادل عنه لا أن يقول: صدقت فإن هذا القدر لا ~~يفتقر إلى البيان والفصاحة لأن سحبان وباقلا يستويان فيه. ويجوز أن يكون ~~الضمير في يصدقني لفرعون. ms3653 وجوز جار الله أن يكون من الإسناد المجازي بناء ~~على أن يصدق مسند إلى هارون وهو ببيانه وبلاغته سبب تصديق فرعون يؤيده قوله ~~إني أخاف أن يكذبون قال الجبائي: # إنما سأل موسى أن يرسل هارون بأمر الله تعالى ولم يكن ليسأل ما لا يأمن ~~أن يجاب أو لا يكون حكمة. ولقائل أن يقول: لعله سأله مشروطا على معنى إن ~~اقتضت الحكمة ذلك كما # PageV05P341 # يقول الداعي في دعائه. وقال السدي: علم أن الاثنين أقوى من الواحد فلهذا ~~سأل اعترض القاضي بأن هذا من حيث العادة وأما من حيث الدلالة فلا فرق بين ~~معجزة ومعجزتين، لأن المبعوث إليه في أيهما نظر علم وإن لم ينظر فالحال ~~واحدة. هذا إذا كانت طريقة الدلالة بين المعجزتين واحدة، فأما إذا اختلف ~~وأمكن في إحداهما من إزالة الشبهة ما لا يمكن في الأخرى فغير ممتنع أن ~~يقال: إنهما بمجموعهما أقوى من واحدة كما قال السدي، لكن ذلك لا يتأتى في ~~موسى وهارون لأن معجزتهما كانت واحدة. # قال جار الله معنى سنشد عضدك سنقويك بأخيك إما لأن اليد تشتد بشدة العضد ~~وجملة البدن يقوى على مزاولة الأمور بشدة اليد، وإما لأن الرجل واشتداده ~~بالأخ شبه باليد في اشتدادها باشتداد العضد. والسلطان التسلط والغلبة ~~والحجة الواضحة. وقوله بآياتنا إما متعلق بمقدر أي اذهبا بآياتنا، أو متعلق ~~بظاهر وهو نجعل أو فلا يصلون. ويجوز أن يكون بيانا ل الغالبون كأنه قيل: ~~بماذا نغلب؟ فقيل: بآياتنا. وامتنع أن تكون صلة ل الغالبون لتقدمه، ويجوز ~~أن تكون قسما جوابه فلا يصلون مقدما عليه مثله. ويجوز أن يكون من لغو القسم ~~الذي لا جواب له كقولك «زيد وأبيك منطلق» والمراد الغلبة بالحجة والبرهان ~~في الحال أو بالدولة والمملكة في المآل، وصلب السحرة بعد تسليم ثبوته لا ~~يقدح في قوله ومن اتبعكما الغالبون لأن الدولة الباقية أعلى شأنا وسحر ~~مفترى أي سحر تعمله أنت ثم تنسبه إلى الله فهو كذب من هذا الوجه، أو سحر ~~ظاهر افتراؤه لا سحر يخفى افتراؤه، أو سحر ms3654 موصوف بالافتراء كسائر أنواع ~~السحر فإن كل سحر ففاعله يوهم خلافه فهو المفترى. ومعنى ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين قد مر في سورة المؤمنين. قال جار الله في آبائنا حال عن هذا ~~أي كائنا في زمانهم وأيامهم قلت: لا مانع من أن يكون الظرف لغوا ولا يخلو ~~من أن يكونوا كاذبين في ذلك وقد سمعوا بنحوه، أو يريدوا أنهم لم يسمعوا ~~بمثله في فظاعته، أو أرادوا أن الكهان لم يخبروا بمجيء ما جاء به موسى. وكل ~~هذه المقالات لا تصدر إلا عن المحجوج اللجوج الذي قصارى أمره التمسك بحبل ~~التقليد. # من قرأ قال موسى بغير واو فعلى طريقة السؤال والجواب. ووجه قراءة ~~الأكثرين أنهم قالوا ذلك وقال موسى هذا ليوازن العاقل الناظر بين القولين ~~فيتبين له الغث من السمين. # وقوله ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده إفحام للخصم المعاند إذ لا سبيل ~~إلى دفاعه بالحجة أي يعلم أني محق وأنهم مبطلون. وقوله ومن تكون له عاقبة ~~الدار يعني العاقبة الحميدة كأن المذمومة غير معتد بها ضم طريقة الوعيد إلى ~~الإفحام المذكور. وقيل: معناه ربي أعلم بالأنبياء السالفة فهو جواب لقولهم ~~ما سمعنا بهذا وقال جار الله: ربي أعلم # PageV05P342 # بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبيا ووعده حسنى العقبى، ولو كان كاذبا كما ~~يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون، واعلم أن فرعون كان من ~~عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروجها على ~~أغمار قومه فذكر هاهنا أمرين: # الأول قوله ما علمت لكم من إله غيري فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم ~~المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن ~~يحصى، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول. وأما قوله غيري فقد ~~تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السموات والأرض وما فيهما فإن امتناع ~~ذلك بديهي، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف ~~على الناس ms3655 إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره. # الثاني قوله فأوقد لي يا هامان على الطين وقد تكلفوا له هاهنا أيضا فقيل: ~~إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى ~~إثبات الصانع من حيث العقل كما مر، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف ~~على الصعود وهو متعذر، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك ~~تهكما. فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع، ثم رتب النتيجة ~~عليه وهو قوله وإني لأظنه من الكاذبين يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين. ~~والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلا منه أو تلبيسا على ~~ملئه حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن. # يروى أن هامان جمع العمال حتى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء، ~~وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغا لا ~~يقدر الباني أن يقوم عليه، فبعث الله جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه ~~فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة ~~في البحر، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. # وروي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد الله أن ~~يفتنهم فردت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال: قد قتلت إله موسى، فعند ذلك بعث ~~الله جبرائيل لهدمه. # قال أهل البيان: إن صح حديث رد النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ~~ثبت التهكم بالقول في غير موضع. وإنما قال فأوقد لي يا هامان على الطين ولم ~~يقل: اطبخ لي الآجر. لأن هذه العبارة أحسن، ولأن فيه تعليم الصنعة، وقد كان ~~أول من عمل الآجر فرعون. عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور ~~المشيدة بالآجر قال: ما علمت أن أحدا بنى الآجر غير فرعون. والطلوع ~~والاطلاع الصعود يقال: طلع الجبل واطلع. # وفي قوله سبحانه واستكبر هو وجنوده في الأرض يعني أرض مصر بغير الحق ~~إشارة إلى أن ms3656 الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى كما # جاء في الحديث القدسي «الكبرياء # PageV05P343 # ردائي والعظمة إزاري» # فهو كقوله ويقتلون النبيين بغير الحق [البقرة: 61] وفي قوله وظنوا أنهم ~~إلينا لا يرجعون دليل على أنهم كانوا منكري البعث كالطبائعيين. وفي قوله ~~فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم دلالة على علو شأنه تعالى وعظمة سلطانه ~~وإشارة إلى استحقار فرعون وجنوده وعدده وإن كانوا أكثر من رمال الدهناء ~~كأنه شبههم بحصيات أخذهن أحد في كفه فطرحهن في البحر. استدلت الأشاعرة ~~بقوله وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار أن خالق الشر وجاعل الكفر هو الله ~~سبحانه. وقالت المعتزلة: معنى الجعل التسمية والحكم بذلك كما يقال: جعله ~~بخيلا وفاسقا إذا حكم بالبخل والفسق عليه وسماه بالبخيل والفاسق، أو أراد ~~خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى كانوا أئمة الكفر داعين إلى النار أي إلى ~~موجباتها من الكفر والمعاصي. وقال أبو مسلم: معنى الإمامة التقدم وذلك أنه ~~تعالى عجل لهم العذاب فصاروا متقدمين لمن وراءهم من الكفرة إلى النار. وقال ~~بعضهم: # أراد بالإمامة أنهم بلغوا في ذلك الباب أقصى النهايات حتى استحقوا أن ~~يقتدى بهم. ثم بين بقوله ويوم القيامة لا ينصرون أن عقاب الآخرة سينزل بهم ~~على وجه لا يمكن التخلص منه. وقال في الكشاف: أراد وخذلناهم في الدنيا ويوم ~~القيامة هم مخذولون كما قال وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة أي طردا وإبعادا ~~عن الرحمة ويوم القيامة هم من المقبوحين أي من المطرودين المبعدين. وقال ~~الليث: قبحه الله قبحا بالفتح وقبحا بالضم أي نحاه عن كل خير. وقال ابن ~~عباس: من المشهورين بسواد الوجه وزرقة العين. وعن بعضهم أنه تعالى يقبح ~~صورهم ويقبح عليهم عملهم فيجمع لهم بين الفضيحتين. ### | التأويل: # وحين توجه تلقاء مدين عالم الروحانية وجد عليه أمة من أوصاف الروح يسقون ~~مواشي أخلاقهم من ماء فيض الإلهي. ووجد من دونهم امرأتين السر والخفي ابنتا ~~شعيب الروح يمنعان من استقاء ماء الفيض الإلهي. قال الشيخ الإمام الرباني ~~نجم الدين المعروف بداية: وذلك لأن لمعان أنوار الفيض يرد على الروح في ~~البداية ms3657 بالتدريج فينشأ منه الخفي، وهو لطيفة ربانية مودعة في الروح بالقوة ~~فلا يحصل بالفعل إلا بعد غلبة الواردات الربانية ليكون واسطة بين الحضرة ~~والروح في قبول تجليات صفات الربوبية والفيوض الإلهية، فيكون في هذه المدة ~~بمعزل عن الاستقاء. وكذا السر وهو لطيفة روحانية متوسطة بين القلب والروح ~~قابلة لفيض الروح، مؤدية إلى القلب وهو أيضا بمعزل عن استقاء ماء فيض الروح ~~عند اشتغال القلب بمعالجات النفس وإصلاح القالب إلى حين توجه موسى القلب ~~إلى مدين عالم الروحانية وذلك قولهما لا نسقي حتى يصدر الرعاء وهم صفات ~~الروح ويصرفوا مواشيهم وهي الصفات الإنسانية عن ماء الفيض الإلهي، فإذا ~~صدروا استقينا # PageV05P344 # مواشينا من الأوصاف والأخلاق من أفضلة مواشيهم في حوض القوى وأبونا وهو ~~شعيب الروح لا يقدر على سقيه من الأوصاف الإنسانية إلا بالأجر والوسائط، ~~وإنا لا نطيق أن نسقي لضعف حالنا، فسقي موسى القلب مواشيهما بقوة استفادها ~~من الجسد وقوة استفادها من الروح لأنه متوسط بين العالمين ولهذا سمي قلبا ~~ثم تولى إلى الظل إلى العناية فطلب الفيض الإلهي بلا واسطة وهكذا ينبغي أن ~~يكون السالك لا يقنع بما وجد من المعارف أبدا. # فجاءته إحداهما فيه أن القلب يحتاج في الوصول إلى حضرة شعيب الروح أن ~~يستمد من الخفي أو السر. لا تخف نجوث فيه أن القلب إذا وصل إلى مقام الروح ~~نجا من ظلمات النفس وصفاتها إن خير من استأجرت من النفس والجسد القوي ~~الأمين لأن القلب استفاد القوة من الجسد والأمانة من الروح ثماني حجج فيه ~~أن الروح في تبليغ القلب إلى مقام الخفي يحتاج إلى تسييره في مقامات صفاته ~~الثمانية المخصوصة به في خلافة الحق وهي: الحياة والإرادة والعلم والقدرة ~~والسمع والبصر والكلام والبقاء. وتمام ذلك إلى العشرة راجع إلى خصوصيته ~~وهما المحبة والأنس مع الله أيما الأجلين قضيت في التخلق بأخلاقك اليمانية ~~وفي المحبة والأنس مع الله فلا عدوان علي أي ليس لك أن تمنعني العبور عن ~~المحبة لأنك من خصوصيتك بالخلافة مجبول على تلك الصفات الثمانية. ms3658 وأما ~~المحبة والأنس مع الله فصفتان مخصوصتان بالحضرة. ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ولهذا كل إنسان من المؤمن والكافر فإنه مجبول على تلك الأوصاف وليس من ~~زمرة يحبهم ويحبونه [المائدة: 54] إلا مؤمن موحد. فلما اتصف موسى القلب ~~بالأوصاف الثمانية وغلبت عليه محبة الله واستأنس به وصار بجميع صفاته ~~متوجها إلى حضرة القدس آنس من طور الحضرة نار نور الألوهية. وفي قوله لأهله ~~امكثوا إشارة إلى أن السالك لا بد له من تجريد الظاهر عن الأهل والمال ~~وتفريد الباطن عن تعلقات الكونين. نور يبدو وإذا بدا استمكن شمس طلعت ومن ~~رآها آمن. وفي قوله لعلكم تصطلون إشارة إلى أن الأوصاف الإنسانية جامدة من ~~برودة الطبيعة لا تتسخن إلا بجذوة نار المحبة بل بنار الجذبة الإلهية من ~~شاطئ الواد الأيمن وهو السر في بقعة البدن من شجرة وجود الإنسان من الرهب ~~أي رهبة من فوات وصال الحضرة وأخي هارون هو العقل فمن خصوصيته تصديق الناطق ~~بالحق قالوا ما هذا إلا سحر مفترى لأن النفس خلقت من أسفل عالم الملكوت ~~ومنكسة، والقلب خلق وسط عالم الملكوت متوجها إلى الحضرة فلهذا ما كذب ~~الفؤاد ما رأى [النجم: 11] وما صدقت النفس ما رأت في آبائنا الأولين أي في ~~طبائع الكواكب فإنها آباء النفس وأمهاتها العناصر والطبائع منكوسة إلى عالم ~~السفل لا يعرفون مقام الوحدة فلا يعرفون بالتوحيد. فأوقد لي يا هامان ~~الشيطان على الطين البشرية # PageV05P345 # بنفخ الوساوس والغرور فاجعل لي صرحا من المقدمات الخيالية والوهمية فانظر ~~كيف كان عاقبة المكذبين أغرقوا في ماء شهوات الدنيا ويم هممها فأدخلوا نار ~~الحسرة والندامة. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 43 الى 70] # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ~~وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب ~~الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر ms3659 قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) # فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا ~~بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) # وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ~~(53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما ~~رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (57) # وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها ~~رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما ~~أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا ~~تعقلون (60) أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~الذين كنتم تزعمون (62) # قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ~~تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الأنباء ms3660 يومئذ فهم لا يتساءلون (66) ~~فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا ~~هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) # PageV05P346 ### | القراآت: # سحران عاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون ساحران تظاهرا بالتخفيف اتفاقا تجبى ~~إليه بتاء التأنيث: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون على التذكير ~~يعقلون بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه ~~مخير ثم هو بسكون الهاء، علي والحواني عن قالون تبرأنا مثل أنشأنا. ### | الوقوف: # يتذكرون ه الشاهدين ه لا للاستدراك العمر ج لاختلاف الجملتين مع العطف ~~آياتنا ج لما مر مرسلين ه يتذكرون ه المؤمنين ه ما أوتي موسى ط من قبل ج ~~للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل تظاهرا ج للتعجب من عنادهم كافرون ~~ه صادقين ه أهواءهم ط من الله ط الظالمين ه يتذكرون ه لأن الذين مبتدأ ~~يؤمنون ه مسلمين ه ينفقون ه أعمالكم ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ~~عليكم ط لذلك الجاهلين ه من يشاء ط لعطف الجملتين المتفقتين بالمهتدين ه ~~أرضنا ط لا يعلمون ه معيشتها ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء ~~التعقيب قليلا ط الوارثين ه آياتنا ج للعدول مع اتفاق الجملتين ظالمون ه ~~وزينتها ج فصلا بين المعنيين المتضادين وأبقى ط تعقلون ه المحضرين ه تزعمون ~~ه أغوينا ج غوينا ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل إليك ج لما قلنا مع زيادة ~~النفي المقتضى للفصل يعبدون ه العذاب ج لجواز تعلق «لو» بمحذوف أي لو ~~اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها ب يهتدون والوقف على لهم أي لو ~~كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم يهتدون ه المرسلين ه لا يتساءلون ه ~~المفلحين ه ويختار ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة ~~وفيه بعد الخيرة ه يشركون ه يعلنون ه إلا هو ms3661 ط والآخرة ز لعطف الجمل ترجعون ~~ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد تتميم قصة موسى أراد أن يبين إعجاز نبينا صلى الله عليه ~~وسلم فذكر أولا أنه أعطى موسى الكتاب بعد إهلاك فرعون وقومه حال كون الكتاب ~~أنوارا للقلوب وإرشادا # PageV05P347 # لأهل الضلال وسببا لنيل الرحمة إرادة أن يتذكروا، ويجوز أن يعود ترجي ~~التذكر إلى موسى. ثم أجمل عظائم أحوال موسى وبين أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن هناك فقال وما كنت بجانب الغربي أي بجانب المكان الواقع في شق الغرب ~~وهو ناحية الشام التي فيها قضى إلى موسى أمر الوحي والاستنباء. وما كنت من ~~الشاهدين على ذلك فقد يكون الشخص حاضرا ولا يكون شاهدا ولا مشاهدا. قال ابن ~~عباس: التقدير لم تحضر ذلك الموضع ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع فإنه ~~يجوز أن يكون هناك ولا يشهد ولا يرى. ثم قال ولكنا أنشأنا بعد عهد موسى إلى ~~عهدك قرونا فتطاول عليهم العمر فاندرست العلوم والشرائع ووجب إرسالك إلى ~~آخرهم قرنا وهو القرن الذي أنت فيه، فأرسلناك وعرفناك أحوال الأنبياء. ~~وحاصل الآية أنه ذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به على المسبب ~~والغرض بيان إعجازه كأنه قال: إن في إخبارك عن هذه الأشياء من غير حضور ولا ~~مشاهدة ولا تعلم من أهله، دلالة ظاهرة على نبوتك. ثم فصل ما أجمل فذكر أول ~~أمر موسى وبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك وهو قوله وما كنت ثاويا ~~مقيما في أهل مدين وهم شعيب والمؤمنون به تتلوا عليهم آياتنا قال مقاتل: أي ~~لم تشهد أهل مدين وأنت تقرأ على أهل مكة خبرهم، ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة ~~وأنزلنا عليك هذه الأخبار ولولا ذلك ما علمتها. وقال الضحاك: يقول يا محمد: ~~إنك لم تكن رسولا إلى أهل مدين تتلو عليهم الكتاب وإنما الرسول غيرك ولكنا ~~كنا مرسلين في كل زمان رسولا فأرسلنا إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك إلى ~~العرب لتكون خاتم الأنبياء. ثم ذكر أوسط أمر موسى وأشرف أحواله وبين ms3662 أنه لم ~~يكن هناك فقال وما كنت بجانب الطور إذ نادينا الأظهر أنه يريد مناداة موسى ~~ليلة المناجاة وتكليمه. وعن بعض المفسرين أنه أراد قوله ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها إلى قوله المفلحون [الأعراف: 156] وقال ابن عباس: إذ نادينا أمتك ~~في أصلاب آبائهم يا أمة محمد أجيبكم قبل أن تدعوني وأعطيكم قبل أن تسألوني ~~وأغفر لكم قبل أن تستغفروني. قال: وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى ~~سبعين رجلا لميقات ربه. # وقال وهب: لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا ~~رب أرنيهم. قال: إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم. قال: بلى يا رب. ~~فقال: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فقال سبحانه: أجبتكم قبل أن ~~تدعوني الحديث كما ذكر ابن عباس. # وروى سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله وما كنت ~~بجانب الطور إذ نادينا قال: «كتب الله كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ~~ثم وضعه على العرش ثم نادى يا أمة محمد: إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل ~~أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من # PageV05P348 # لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أدخله الجنة» ~~«1» . # قوله ولكن رحمة أي ولكنا علمناك رحمة من ربك ثم فسر الرحمة بقوله لتنذر ~~قوما ما أتاهم من نذير من قبلك أي في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهو ~~خمسمائة وخمسون سنة. وقيل: # كانت حجة الأنبياء قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجدد تلك الحجة ~~عليهم، فبعثه الله تعالى تقريرا لتلك التكاليف وإزالة لتلك الفترة. قوله ~~ولولا أن تصيبهم هي امتناعية وجوابها محذوف. والفاء في قوله فيقولوا للعطف ~~على أن تصيبهم. وقوله لولا أرسلت هي تحضيضية. والفاء في فنتبع جواب «لولا» ~~، وذلك أن التحضيض في حكم الأمر لأن كلا منهما بعث على الفعل. والمعنى: ~~ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا على ما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت ~~إلينا رسولا محتجين علينا بذلك ms3663 لما أرسلنا إليهم. والحاصل أن إرسال الرسول ~~لأجل إزالة هذا العذر. قال أصحاب البيان: القول هو المقصود بأن يكون سببا ~~لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول أدخلت عليها «لولا» ~~وجيء بالقول معطوفا عليها بفاء السببية تنبيها على أنهم لو لم يعاقبوا على ~~كفرهم ولم يعاينوا العذاب لم يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا، فالسبب في ~~قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان، وفي هذا ~~بيان استحكام كفرهم وتصميمهم. قال الجبائي: في الآية دلالة على وجوب اللطف ~~وإلا لم يكن لهم أن يقولوا لولا أرسلت. وقال الكعبي: فيه دليل على أنه ~~تعالى يقبل حجة العباد فلا يكون فعل العبد بخلق الله وإلا لكان للكافر أعظم ~~حجة على الله تعالى. وقال القاضي: فيه إبطال الجبر لأن اتباع الآيات لو كان ~~موقوفا على خلق الله فأي فائدة في قولهم هذا. ومعارضة الأشاعرة بالعلم ~~والداعي معلومة. # ثم بين أنهم قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى فلا ~~مقصود لهم إلا العناد فقال فلما جاءهم الحق أي الرسول المصدق بالكتاب ~~المعجز قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة ومن سائر ~~المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر، فأجاب الله تعالى عن ~~شبهتهم بقوله أولم يكفروا وفيه وجوه: # أحدها أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا محمدا مثل ما أوتي موسى فقال ~~تعالى: أولم يكفروا هؤلاء اليهود الذين اقترحوا هذا السؤال بموسى مع تلك ~~الآيات الباهرة. والذين أوردوا هذا الاقتراح يهود مكة، والذين كفروا بموسى ~~من قبل أو بما أوتي موسى من قبل هم الذين كانوا PageV05P349 # في زمن موسى إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لتجانسهم في الكفر ~~والعنت. وقال الكلبي: # إن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة يسألهم عن محمد وشأنه فقالوا: ~~إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط إليهم فأخبروهم بقول ~~اليهود قالوا: إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر فقال الله تعالى في حقهم ~~أولم يكفروا بما ms3664 أوتي موسى من قبل. وقال الحسن: قد كان للعرب أصل في أيام ~~موسى فالتقدير: أولم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران تظاهرا ~~أي تعاونا. وقال قتادة: أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل ~~من البشارة بعيسى ومحمد عليه السلام ف قالوا ساحران والأظهر أن كفار مكة ~~وقريش كانوا منكرين لجميع النبوات. ثم إنهم طلبوا من محمد معجزات موسى فقال ~~الله تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل؟ ~~فعلم أنه لا غرض لهم في هذا الاقتراح إلا التعنت. من قرأ ساحران بالألف ~~فظاهر، وأما من قرأ سحران فإما بمعنى ذوي سحر أو على جعلهما سحرين مبالغة ~~في وصفهما بالسحر، أو على إرادة نوعين من السحر، أو على أن المراد هو ~~القرآن والتوراة. وضعفه أبو عبيدة بأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها ~~بالكتب. وأجيب بأن الكتابين لما كان كل واحد منهما يقوي الآخر لم يبعد أن ~~يقال على سبيل المجاز تعاونا كما يقال تظاهرت الأخبار. وفي تكرار قالوا ~~وجهان: أحدهما قالوا ساحران مرة وقالوا إنا بكل من موسى ومحمد أو بكل من ~~الكتابين كافرون مرة. وثانيهما أن يكون قوله وقالوا معطوفا على أولم يكفروا ~~ثم عجزهم بقوله قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أي مما أنزل على ~~موسى ومما أنزل علي. قال ابن عباس فإن لم يستجيبوا لك معناه فإن لم يؤمنوا ~~بما جئت به من الحجج. وقال مقاتل: فإن لم يمكنهم أن يأتوا بكتاب أفضل ~~منهما. وهذا أشبه بالآية، وهذا الشرط شرط يدل بالأمر المتحقق لصحته وإلا ~~فالظاهر أن لو قيل فإذا لم يستجيبوا. ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم. ~~وإنما لم يقل «فإن لم يأتوا» لأن قوله فأتوا أمر والأمر دعاء إلى الفعل ~~فناسب الاستجابة والتقدير: فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب ~~الأهدى فاعلم أنهم صاروا محجوجين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى. # وفي قوله ومن أضل ممن اتبع هواه حال كونه بغير ms3665 هدى من الله إشارة إلى ~~فساد طريقة التقليد. استدلت الأشاعرة بقوله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~أي الذين وضعوا الهوى مكان الهدى على أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمن. ~~وقالت المعتزلة: الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقا ومنها ما لا يحسن إلا ~~بعد الإيمان وإليه الإشارة بقوله والذين اهتدوا زادهم هدى [محمد: 17] ~~والآية محمولة على القسم الثاني دون الأول وإلا كان عدم الهداية عذرا لهم. ~~ثم أجاب عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة بقوله ولقد # PageV05P350 # وصلنا # أي أنزلنا عليهم القرآن إنزالا متصلا بعضه في أثر بعض ليكون ذلك أقرب إلى ~~التذكر والتذكير والتنبيه فإنهم يطلعون في كل يوم على فائدة زائدة وحكمة ~~جديدة. ويجوز أن يراد بتوصيل القول جعل بيان على إثر بيان والمعنى أن ~~القرآن أتاهم متتابعا متواصلا ووعدا ووعيدا وقصصا وعبرا إلى غير ذلك من ~~معاني القرآن إرادة أن يتعظوا فيفلحوا. # ويحتمل أن يكون المراد: بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزا مرة بعد ~~أخرى. # وحين أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بقوله الذين آتيناهم الكتاب من ~~قبله أي من قبل القرآن هم به يؤمنون قال قتادة: إنها نزلت في أناس من أهل ~~الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها، فلما بعث الله محمدا آمنوا به من ~~جملتهم سلمان وعبد الله بن سلام. وقال مقاتل: نزلت في أربعين من مسلمي أهل ~~الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤا مع جعفر من أرض الحبشة في السفينة، وثمانية ~~جاؤا من الشام. وعن رفاعة بن قرظة: نزلت في عشرة أنا أحدهم. والتحقيق أن كل ~~من حصل في حقه هذه الصفة يكون داخلا في الآية لأن العبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. ثم حكى عنهم ما يدل على تأكد إيمانهم وقوله إنه الحق من ربنا ~~تعليل للإيمان به لأن كونه حقا من الله يوجب الإيمان به. وقوله إنا كنا من ~~قبله مسلمين بيان لقولهم آمنا به لأن إيمانهم احتمل أن يكون قريب العهد وأن ~~يكون بعيده فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، وذلك ms3666 لما وجدوا في كتب الأنبياء ~~من البشارة بمقدمه فأذعنوا له وتلقوه بالقبول كما هو شأن كل مسلم، ومعنى من ~~قبله أي من قبل وجوده ونزوله. وفي قوله يؤتون أجرهم مرتين أقوال بصبرهم على ~~الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على أذى المشركين وعلى أذى ~~أهل الكتاب، أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وعلى الإيمان به بعد ~~نزوله وهذا أقرب، لأنه لما بين أنهم آمنوا بعد البعثة وبين أنهم كانوا ~~مؤمنين به قبل البعث ثم أثبت لهم الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك. ويدرؤن ~~بالحسنة وهي الطاعة السيئة وهي المعاصي المتقدمة أي يدفعون بالحلم الأذى. ~~يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه. وقال السدي: عاب اليهود ~~عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول: سلام عليكم. مدحهم بالإيمان ثم بالطاعات ~~البدنية ومكارم الأخلاق، ثم بالطاعات المالية وهو الإنفاق مما رزقهم، ثم ~~بالتحمل والتواضع. وإنما يجب أن يقوله الحليم في معارضة السفيه وهو قوله ~~وإذا سمعوا اللغو وهو كل ما ينبغي أن يلقى ويترك أعرضوا عنه وقالوا لأهل ~~ذلك اللغو لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم سلام توديع ومتاركة لا ~~نبتغي الجاهلين لا نطلب مخالطتهم وعشرتهم ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم ~~وهذا خلق مندوب إليه ولو بعد الأمر بالقتال فلا # PageV05P351 # نسخ. ثم ذكر أن الهداية إنما تتعلق بمشيئة الله. # قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أنه قال عند ~~موته: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك؟ قال: # فما تريد يا ابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة أن تقول لا إله إلا الله ~~أشهد لك بها عند الله. قال: قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جبن عند ~~الموت. # وقد مر مثل هذا النقل في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى وهم ينهون عنه ~~وينأون عنه [الأنعام: 26] . # واعلم أنه لا منافاة بين هذه الآية وبين قوله وإنك لتهدي ms3667 إلى صراط مستقيم ~~[الشورى: # 52] لأن الذي نفاه هداية التوفيق وشرح الصدر والتي أثبتها هداية الدعوة ~~والبيان، وبحث الأشاعرة والمعتزلة هاهنا معلوم. وحيث بين أن وضوح الدلائل ~~لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله سبحانه حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة ~~بالدنيا وذلك أنهم قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا # يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب ~~بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله سبحانه عن شبهتهم ~~بقوله أولم نمكن لهم حرما آمنا # يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا ~~يتعرضون البتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ومن دخله كان آمنا [آل ~~عمران: 97] وبين مزيته بقوله يجبى إليه ثمرات كل شيء قالوا: الكل هاهنا ~~بمعنى الأكثر. قلت: يحتمل أن يكون على أصله. وانتصب رزقا على أنه مصدر لأن ~~يجبى بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله. وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا ~~من الثمرات لتخصصها بالإضافة. وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمنا وأكثر ~~فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، ~~فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى. ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا ~~يصلح عذرا لعدم الإيمان، فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من ~~العقاب الدائم إلا أنه تعالى احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو ~~أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به ~~الخصم فلذلك قدمه الله تعالى. وفي الآية دلالة على صحة المحاجة. لإزالة ~~شبهة المبطلين. قالت الأشاعرة: الأرزاق إنما تصل إليهم على أيدي الناس وقد ~~أضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن أفعال العباد مستندة إلى الله. ومن ~~تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله. # ثم أجاب عن شبهتهم بحديث ms3668 آخر مخلوط بالوعيد. وانتصب معيشتها بنزع # PageV05P352 # الخافض كقوله واختار موسى قومه [الأعراف: 155] أو على أنه ظرف مكان مجازا ~~كأن النظر استقر في المعيشة، أو على حذف المضاف أي بطرت أيام معيشتها كخفوق ~~النجم، أو بتضمين بطرت معنى كفرت وعطلت، والبطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا ~~يحفظ حق الله فيه. ومعنى إلا قليلا قال ابن عباس: أي لم يسكنها إلا المسافر ~~ومار الطريق يوما أو ساعة. ويجوز أن يكون شؤم معاصيهم بقي في ديارهم فكل من ~~سكنها من أعقابهم لم يسكن إلا قليلا. وكنا نحن الوارثين كقوله ولله ميراث ~~السماوات والأرض [آل عمران: 180] لأنه الباقي بعد فناء خلقه. ثم كان لسائل ~~أن يقول: ما بال الكفرة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم لم يهلكوا مع ~~تماديهم في الغي؟ فقال وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها أي في ~~القرية التي هي قصبتها وأصلها وغيرها من توابعها وأعمالها رسولا يتلوا ~~عليهم آياتنا بوحي وتبليغ وذلك لتأكيد الحجة وقطع المعذرة. قال في الكشاف: ~~يحتمل أن يراد وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى ~~يبعث في أم القرى- يعني مكة- رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الأنبياء. وكان لقائل أن يقول: ما بال الكفار بعد مبعث محمد لم يهلكهم الله ~~مع تكذيبهم وجحودهم فقال وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون # بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فمنهم من قد آمن ومنهم من سيؤمن ومنهم من ~~يخرج من نسله من يؤمن. ثم أجاب عن شبهتهم بجواب ثالث وذلك أن حاصل شبهتهم ~~أن قالوا: تركنا الدين لأجل الدنيا. فبين تعالى بقوله وما أوتيتم من شيء ~~الآية. أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى لأنه أكثر وأدوم. ونبه ~~على جهلهم بقوله أفلا تعقلون ويرحم الله الشافعي حيث قال: إذا أوصى بثلث ~~ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى، لأن أعقل ~~الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير. نظير الآية # قوله صلى ms3669 الله عليه وسلم «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت» «1» . # قال البرهان: إنما السورة «وما أوتيتم» الواو وفي الشورى فما أوتيتم ~~[الآية: 36] بالفاء لأنه لم يتعلق بما قبله هاهنا كثير تعلق، وقد تعلق في ~~الشورى بما قبلها أشد تعلق، ولأنه عقب ما لهم من المخافة ما أوتوه من ~~الأمنة والفاء حرف التعقيب والواو والمجرد العطف. وإنما زاد في هذه السورة ~~وزينتها. # لأن المراد هاهنا جميع أعراض الدنيا من الضرورات ومن الزين، فالمتاع ما ~~لا غنى عنه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن والمنكوح، والزينة وغيرها ~~كالثياب الفاخرة والمراكب الرائعة والدور المشيدة. وأما في «الشورى» فلم ~~يقصد الاستيعاب بل ما هو PageV05P353 # مطلوبهم في تلك الحالة من النجاة والأمن في الحياة فلم يحتج إلى ذكر ~~الزينة. ثم زاد البيان المذكور تأكيدا بقوله أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو ~~لاقيه لأن وعد الله يترتب عليه الإنجاز البتة وصاحبه يلقى الموعود لا ~~محالة. وتقدير الكلام: أبعد التفاوت المذكور بين ما عند الله وبين متاع ~~الحياة الدنيا يسوي بين أهل الجنة وبين أبناء الدنيا؟ ومعنى «ثم» في قوله ~~ثم هو يوم القيامة تراخي حال الإحضار عن حال التمتع، لا تراخي وقته عن ~~وقته. وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن. قال ~~الله تعالى لكنت من المحضرين [الصافات: 57] فإنهم لمحضرون [الصافات: 127] ~~ويمكن أن يقال: إن في اللفظ إشعارا به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام ~~وذلك لا يليق بمجالس اللذة والأنس وإنما يليق بمواضع الإكراه والوحشة. قيل: ~~نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقيل: # في علي وحمزة وأبي جهل. وقيل: في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة. ثم ~~ذكر من وصف القيامة قائلا ويوم يناديهم أي فاذكر ذلك اليوم. ومعنى ~~الاستفهام في أين التوبيخ والتهكم. ومفعولا تزعمون محذوفان تقديره تزعمونهم ~~شركائي. قال الذين حق عليهم القول أي وجب وثبت وهو مفهوم لأملأن جهنم وهم ~~الشياطين ورؤساء الكفر. # وهؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والعائد إلى الموصول محذوف والخبر ~~أغويناهم والتقدير: هؤلاء الذين أغويناهم ms3670 أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا. ~~قال أهل السنة: أرادوا كما أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر وإلجاء فنحن أيضا ~~أغويناهم بالوسوسة والتسويل وبكل ما أمكن حتى غووا. وقالت المعتزلة: يعنون ~~أنا ما غوينا إلا باختيارنا فكذلك هم ما غووا إلا باختيارهم وإن إغواءنا ما ~~ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين في الإقدام على تلك العقائد والأعمال ~~فيكون كما حكي عن الشيطان وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي [إبراهيم: 22] ثم قالوا تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ~~ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون هؤلاء أهواءهم الفاسدة. # وإخلاء الجملتين من العاطف لكونهما مقررتين لمعنى الجملة الأولى. # وحين حكى التوبيخ المذكور ثم ما يقوله الشياطين أو أئمة الكفر اعتذارا ~~ذكر ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن ~~نصرتهم وهو قوله: وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم زعم جم غفير ~~من المفسرين أن جواب «لو» محذوف. فقال الضحاك ومقاتل: يعني المتبوع والتابع ~~يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة ولعلموا ~~أن العذاب حق، أو لو كانوا يهتدون بوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب. ~~وقيل: أراد ورأوا العذاب لو كانوا يبصرون شيئا ولكنهم صاروا # PageV05P354 # مبهوتين بحيث لا يبصرون شيئا فلا جرم ما رأوه. وقيل: الضمير للأصنام أي ~~كانوا أحياء مهتدين لشاهدوا العذاب. وقيل: «لو» للتمني أي تمنوا لو كانوا ~~مهتدين. ثم بكتهم بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل. ومعنى فعميت ~~عليهم الأنباء أن أخبار المرسلين والمرسل إليهم صارت كالعمى عليهم جميعا لا ~~يهتدون إليهم فهم لا يتساءلون كما يسأل بعض الناس بعضا في المشكلات لأنهم ~~متساوية الأقدام في العجز عن الجواب، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم ~~يتلعثمون في الجواب عن مثل هذا السؤال كما قال سبحانه يوم يجمع الله الرسل ~~فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا [المائدة: 109] فما ظنك بضلال أممهم؟! ~~قال القاضي: الآية تدل على بطلان قول المجبرة، لأن فعلهم لو كان خلقا من ~~الله ms3671 تعالى وجب وقوعه بالقدرة والإرادة ولما عميت عليهم الأنباء ولقالوا: ~~إنما كذبنا الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم ومن جهة القدرة الموجبة لذلك. ~~وكذا القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول: إنما أغويت لخلقك في ~~الغواية، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك لتكون الحجة لهم على الله قوية ~~والعذر ظاهرا. وعارضته الأشاعرة بالعلم والداعي. # والذي اعتمد عليه القاضي في دفع هذا المشكل المعضل في كتبه الكلامية قوله ~~خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن فالواجب السكوت. ~~وزيفه الأشعري بأن الكافر لو أورد هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه ~~جواب إلا السكوت فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهرا. ولقائل أن يقول: ~~السكوت عن جواب الكافر جواب كما قيل: جواب الأحمق السكوت. وحين فرغ من ~~توبيخ الكفار وتهديدهم أتبعه ذكر التائبين وأنهم من المفلحين. و «عسى» من ~~الكريم تحقيق أو الترجي عائد إلى التائب. ثم إن القوم كانوا يذكرون شبهة ~~أخرى وهي قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] ~~فأجاب الله تعالى عنها بقوله وربك يخلق ما يشاء ويختار لأنه المالك المطلق ~~المنزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء. وعلى مذهب المعتزلة هو ~~حكيم فلا يفعل إلا الحكمة والخير. وقوله ما كان لهم الخيرة بيان لقوله ~~ويختار والخيرة من التخير كالطيرة من التطير في أنه اسم مستعمل بمعنى ~~المصدر وهو التخير وهو بمعنى المتخير كقولهم «محمد خيرة الله من خلقه» . ~~وقد مر في الوقف أن بعضهم يقف على ما يشاء ثم يقول ويختار ما كان لهم ~~الخيرة قال أبو القاسم الأنصاري: يعلم من هذا متعلق المعتزلة في إيجاب ~~الصلاح والأصلح عليه، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن بالله ولو لم ~~يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله. فإن قيل: إنما كلفه ليستوجب على ~~الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا: إذا علم أن ذلك ~~الأفضل لا يحصل ms3672 فتوريطه للعقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة. ثم قولهم ~~«المستحق خير من # PageV05P355 # المتفضل به» ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله، ~~أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله؟ قلت: لقائل أن ~~يقول: مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون ~~الأجر. ثم نزه نفسه بقوله سبحان الله وتعالى عما يشركون والغرض أن الخلق ~~والاختيار والإعزاز والإذلال والإهانة والإجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس ~~لأحد فيه شركة ومنازعة. ثم أكد ذلك بقوله وربك يعلم ما تكن صدورهم من عداوة ~~نبيه وما يعلنون من مطاوعتهم فيه. # ويحتمل أن يكون عاما يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية. ~~ولا إله إلا هو تقرير لما قبله له الحمد في الدار الأولى على نعمه الفائضة ~~على البر والفاجر وفي الدار الآخرة كقولهم الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ~~[فاطر: 34] وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [يونس: 10] والتحميد هناك ~~على وجه اللذة لا التكليف. قال أهل السنة: الثواب يستحق عند المعتزلة فلا ~~يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق ~~الحمد منهم. والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس. قال القاضي: ~~إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضا بما فعل بهم في الدنيا من التمكين ~~والتيسير والألطاف وسائر النعم، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم الله به ~~عليه من أن يوجب الشكر. وقال في التفسير الكبير: فيه نظر، لأن أهل الآخرة ~~مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما ~~يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من ~~العقاب. ولقائل أن يقول: # لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف ~~أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف. ثم بين بقوله وله الحكم أن القضاء ~~بين العباد مختص به فلولا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده، ولا على الزوجة ~~حكم زوجها، ms3673 ولا على الابن حكم أبيه، ولا على الرعية حكم سلطانهم، ولا على ~~الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه. ### | التأويل: # ولقد آتينا موسى القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك ~~فرعون النفس وصفاتها لعلهم يتذكرون إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ~~ألست بربكم [الأعراف: 172] وما كنت في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في ~~عالم الأرواح إذ قضينا إلى موسى أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله وإذ ~~أخذ الله ميثاق النبيين [آل عمران: 81] وما كنت في عالم الشهادة ولكنا ~~أنشأنا قرونا في عالم الشهادة فتطاول عليهم العمر فاحتجوا بالنفس وصفاتها ~~ونسوا تلك # PageV05P356 # العهود والمواثيق وما كنت مقيما في أهل مدين كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما ~~الميثاق أن يؤمنا بك ولكنا كنا مرسلين للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ~~ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ~~ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم ~~للإجابة فلما جاءهم الحق يعني محمدا. وفيه أن له رتبة أن يقول أنا الحق ~~لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا ~~بطريق المتابعة لولا أوتي مثل ما أوتي لو لم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية ~~كماله لقالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله ~~وقت بكتاب من عند الله هو أهدى منهما يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني ~~فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن ~~له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم الذين آتيناهم حقيقة الكتاب في عالم الأرواح من ~~قبله نزوله في عالم الأشباح هم به يؤمنون في عالم الصورة ولهذا قالوا إنا ~~كنا من قبله مسلمين ولذلك قال يؤتون أجرهم مرتين أي في العالمين بما صبروا ~~على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ويدرؤن بالأعمال الصالحات ms3674 ظلمة المعاصي، ~~أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله ~~شرك الوجود المجازي ومما رزقناهم من الوجود المجازي ينفقون في طلب الوجود ~~الحقيقي: وإذا سمعوا اللغو وهو طلب ما سوى الله أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعمالنا في طلب الوجود الحقيقي ولكم أعمالكم في طلب الفاني إنك لا تهدي من ~~أحببت وذلك أن للقلب بابين: أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا، ~~والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل ~~مفتاح كما قال أم على قلوب أقفالها [محمد: 24] وقال: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا [الفتح: 1] وهو أعلم بالمهتدين الذين أصابهم رشاش النور وقالوا إن ~~نتبع الهدى معك نتخطف # بجذبات الألوهية من أرض الأنانية أولم نمكن لهم حرما آمنا في مقام الهوية ~~يجبى إليه ثمرات حقائق كل شيء رزقا من العلوم اللدنية ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون ذوق العلم اللدني لم تسكن من بعدهم إلا قليلا أي لم تسكن في قرى ~~القلوب الفاسد استعدادها إلا قليلا من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية ~~في الأحايين وكنا نحن الوارثين بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد ~~الاستعداد حتى يبعث في أمها أي روحها لأن القلب من متولدات الروح رسولا من ~~وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول ~~والوصال كما # أوحى إلى عيسى «تجوع ترنى تجرد تصل إلي» # أغويناهم كما غوينا راعوا # PageV05P357 # طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس فبما أغويتني ~~[الأعراف: 16] أي أغويناهم بتقديرك كما غوينا بقضائك وهذا من خصوصية تكريم ~~بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ~~ورأوا العذاب يعني لو أنهم كانوا يهتدون لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات ~~والشهوات والله أعلم بالخفيات. ### | [سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 88] # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير ~~الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة ms3675 من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا ~~من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون (75) # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه ~~لتنوأ بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ~~(76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال ~~إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من ~~هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه ~~في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل ~~صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) # فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان ~~من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا ~~يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ~~ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال ~~مبين (85) # وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا ~~تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا ms3676 إله إلا هو كل شيء ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88) # PageV05P358 ### | القراآت: # عندي أولم بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن فليح وأبو عمرو وخزاعي عن ~~أصحابه وابن مجاهد وأبو عون والسرندي عن قنبل. الباقون بالإسكان ويكأن ~~ويكأنه الوقف على الياء: أبو عمرو ويعقوب ويك الوقف على الكاف وويكأنه ~~موصولة: روى السوسي عن السرندي وهو مذهب حمزة. الباقون كلاهما موصولان لخسف ~~على البناء للفاعل: سهل ويعقوب وحفص ربي أعلم بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ~~وابن كثير وأبو عمرو. ### | الوقوف: # بضياء ط تسمعون ه فيه ط تبصرون ه تشكرون ه تزعمون ه يفترون ه عليهم ص لأن ~~الواو للحال أي وقد آتيناه مع طول الكلام القوة ط بناء على أن التقدير و ~~«أذكر» إذ قال: وقال في الكشاف: إنه متعلق ب لتنوأ فلا وقف الفرحين ه في ~~الأرض ط المفسدين ه عندي ط جمعا ط المجرمون ه في زينته ط لعدم العاطف ~~واختلاف القائل. قارون لا لأن ما بعده تعليل التمني ولو ابتدأنا لحكمنا ~~بأنه ذو حظ عظيم ه صالحا ج لأن ما بعده احتمل أن يكون ابتداء إخبار من ~~الله، واحتمل أن يكون من قول أهل العلم الصابرون ه من دون الله ق قد قيل: ~~لتفصيل الاعتبار المنتصرين ه ويقدر ج للابتداء بلولا مع اتحاد المقول لخسف ~~بنا ط الكافرون ه ولا فسادا ط للمتقين ه منها ج لعطف جملة الشرط يعملون ه ~~معاد ط مبين ه للكافرين ه ز للآية مع العطف المشركين ه للآية وخلو المعطوف ~~عن نون التأكيد التي دخلت المعطوف عليه مع اتفاق الجملتين آخرا احترازا من ~~إيهام كون ما بعده صفة آخر ه لا إله إلا هو ط وجهه ط ترجعون ه. ### | التفسير: # لما بين سبحانه حقيقة آلهيته واستحقاقه للحمد المطلق وأن مرجع الكل إلى ~~حكمته وقضائه، أتبعه بعض ما يجب أن يحمد عليه مما لا يقدر عليه أحد سواه ~~وهو تبديل ظلام الليل بضياء النهار وبالعكس. والمعنى: أخبروني من يقدر على ~~هذا؟ والسرمد الدائم ms3677 المتصل من السرد، والميم زائدة، وانتصابه على أنه ~~مفعول ثان لجعل أو على الحال، وإلى متعلق بجعل أو ب سرمدا، ومنافع الليل ~~والنهار والاستدلال بهما على كمال قدرة الله تعالى قد تقدمت مرارا. قال جار ~~الله: وإنما لم يقل بنهار تتصرفون فيه كما قيل: بليل # PageV05P359 # تسكنون فيه # لأن الضياء وهو ضوء الشمس تتعلق به المنافع المتكاثرة وليس التصرف في ~~المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة ومن ثم قرن بالضياء أفلا تسمعون لأن ~~السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل أفلا ~~تبصرون لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره أنت من السكون ونحوه. قال ~~الكلبي: أفلا تسمعون معناه أفلا تطيعون من يفعل ذلك. وقوله أفلا تبصرون ~~معناه أفلا تبصرون ما أنتم عليه من الخطأ والضلال. وقال أهل البرهان: قدم ~~الليل على النهار لأن ذهاب الليل بطلوع الشمس أكثر فائدة من ذهاب النهار ~~بدخول الليل. وإنما ختم الآية الأولى بقوله أفلا تسمعون بناء على الليل، ~~وختم الأخرى بقوله أفلا تبصرون بناء على النهار والنهار مبصر وآية النهار ~~مبصرة. ثم بين أن من رحمته زواجه بين الليل والنهار لتسكنوا في الليل ~~ولتبتغوا من فضله في النهار ولإرادة الشكر على النعمتين جميعا. وفي الآية ~~طريقة اللف ثقة بفهم السامع وذلك لأن السكون بالنهار وإن كان ممكنا وكذا ~~الابتغاء من فضل الله بالليل إلا أن الأليق بكل واحد منهما ما ذكره فلهذا ~~خصه به. وفي تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء دليل على أنه لا شيء أسخط عند ~~الله من الإشراك به، ويعلم منه أنه لا شيء أجلب لرضاه من الشهادة ~~بوحدانيته. وفحوى الخطاب: أين الذين ادعيتم إلهيتهم لتخلصكم أو أين الذين ~~قلتم إنها تقربكم إلى الله زلفى وقد علموا أن لا إله إلا الله؟ فيكون ذلك ~~زيادة في غمهم. # ومعنى ونزعنا وأخرجنا من كل أمة شهيدا قال بعضهم: هو نبيهم لأن الأنبياء ~~يشهدون أنهم بلغوا أمتهم الدلائل وبلغوا في إيضاحها كل غاية ليعلم أن ~~التقصير منهم فيكون ذلك زيادة ms3678 في غمهم أيضا. وقال آخرون: بل هم الشهداء ~~الذين يشهدون على الناس في كل زمان، ويدخل في جملتهم الأنبياء وهذا أقرب، ~~لأنه تعالى عم كل جماعة بأن ينزع منهم الشهيد فيدخل فيه أزمنة الفترات ~~والأزمنة التي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. فقلنا للأمة هاتوا برهانكم ~~فيما كنتم عليه من الشرك وخلاف الرسول فعلموا حينئذ أن الحق لله ورسوله ~~وغاب عنهم ما كانوا يفترون من الباطل والزور. ثم عقب حديث أهل الضلال بقصة ~~قارون. وهو اسم أعجمي ولهذا لم ينصرف بعد العلمية ولو كان «فاعولا» من قرن ~~لانصرف. والظاهر أنه كان ممن آمن بموسى، هذا ظاهر نص القرآن ولا يبعد أيضا ~~حمله على القرابة. قال الكلبي: إنه كان ابن عم موسى. وقيل: كان موسى ابن ~~أخيه وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة إلا أنه ~~نافق كما نافق السامري. وقال: # إذا كانت النبوة لموسى والذبح والقربان إلى هارون فما لي؟ وفي قوله فبغى ~~عليهم وجوه أحدها: أن بغيه استخفافه بالفقراء. وثانيها أنه ملكه فرعون على ~~بني إسرائيل فظلمهم. وقال # PageV05P360 # القفال: معناه طلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده. وقال الضحاك: طغى ~~عليهم واستطال فلم يوافقهم في أمر. ابن عباس: تجبر وتكبر عليهم ومثله عن ~~شهر بن حوشب قال: بغيه أنه زاد عليهم في الثياب شبرا فهذا يعود إلى التكبر. ~~الكلبي: بغيه حسده وذلك أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة له ~~والوزارة لهارون، وكان القربان إلى موسى فجعله إلى هارون فوجد قارون في ~~نفسه حسدهما فقال لموسى: الأمر لكما ولست على شيء إلى متى اصبر؟ قال موسى: ~~هكذا حكم الله. قال: والله لا أصدقك حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل ~~أن يأتي كل واحد بعصا فألقى مجموع العصي في القبة التي كان الوحي ينزل عليه ~~فيها فأصبحوا فإذا بعصا هارون تهتز ولها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز فقال ~~قارون: ما هو بأعجب مما تصنع من السحر. واعتزل قارون بأتباعه وكان كثير ~~المال كما أخبر ms3679 الله تعالى عن ذلك بقوله وآتيناه من الكنوز سأل الكلبي: ~~ألستم تقولون إن الله لا يعطي الحرام فكيف أضاف إيتاء مال قارون إلى نفسه؟ ~~فأجاب بأنه لا حجة في أن ماله حرام لجواز أنه ظفر بكنز لبعض الملوك ~~الخالية، وكان الظفر عندهم طريق التملك، أو لعله وصل إليه بالإرث من جهات، ~~أو بالكسب من جهة المضاربات وغيرها. والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهو ما ~~يفتح به الباب، أو جمع مفتح بالفتح وهو الخزانة. فمن الناس من طعن في القول ~~الأول لأن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوأة ~~من الذهب لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ولهذا قال أبو رزين: يكفي للكوفة ~~مفتاح واحد. وأيضا الكنوز هي الأموال المدفونة في الأرض ولا يتصور لها ~~مفتاح. أجاب الناصرون للقول الأول وهو اختيار ابن عباس والحسن: أن المال ~~إذا كان من جنس العروض لا من جنس النقود جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا ~~الحد. وأيضا ما روي أن مفاتيحه كانت من جلود الإبل وكل مفتاح إصبع ولكل ~~خزانة مفتاح، وكان إذا ركب حملت المفاتيح ستون بغلا غير مذكور في القرآن. ~~فالصواب أن يفسر قوله لتنوأ أي تنهض مثقلا بأن تلك الخزائن يعسر ضبطها ~~ومعرفتها على أهل القوة في الحساب، وقريب منه قول أبي مسلم: إن المراد من ~~المفاتح العلم والإحاطة كقوله وعنده مفاتح الغيب [الأنعام: 59] والمراد أن ~~حفظها والاطلاع عليها يثقل على العصبة أولي القوة والمتانة في الرأي. وظاهر ~~الكنوز وإن كان من جهة العرف هو المال المدفون إلا أنه قد يقع على المال ~~المجموع في المواضع التي عليها أغلاق. وأيضا لا استبعاد في أن يكون موضع ~~المال المدفون بيتا تحت الأرض له غلق ومفتاح معه. # ولا تفرح كقوله ولا تفرحوا بما آتاكم [الحديد: 23] وذلك أنه لا يفرح ~~بالدنيا # PageV05P361 # إلا من اطمأن ورضي بها. قال ابن عباس: كان حبه ذلك شركا لأنه ما كان يخاف ~~معه عقوبة الله تعالى. وابتغ فيما آتاك الله من المال والثروة الدار ms3680 الآخرة ~~يعني أسباب حصول سعاداتها من أصناف الخيرات والمبرات الواجبة والمندوبة فإن ~~ذلك هو نصيب المؤمن من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب، وإلى هذا أشار بقوله ~~ولا تنس نصيبك من الدنيا # ويحتمل أن يراد به اللذات المباحة. وحين أمروه بالإحسان المالي أمروه ~~بالإحسان مطلقا ويدخل فيه الإحسان بالمال والجاه وطلاقة الوجه وحسن الغيبة ~~والحضور. وفي قوله كما أحسن الله إليك إشارة إلى قوله تعالى لئن شكرتم ~~لأزيدنكم [إبراهيم: 7] وإلى ما قال الحكماء: المكافأة في الطبيعة واجبة. ~~والفساد في الأرض المنهي عنه هو ما كان عليه من الظلم والبغي. وهذا القائل ~~موسى عليه السلام أو مؤمنو قومه وهو ظاهر اللفظ. # وكيف كان فقد جمع في هذه الألفاظ من الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد ~~لكنه أبى أن يقبل بل تلقى النصح بكفران النعمة قائلا إنما أوتيته على علم ~~عندي قال قتادة ومقاتل والكلبي: كان قارون أقرأ بني إسرائيل للتوراة فقال: ~~إنما أوتيته لفضل علمي واستحقاقي لذلك. وقال سعيد بن المسيب والضحاك: إن ~~موسى أنزل عليه الكيمياء من السماء فعلم قارون ثلث العلم ويوشع ثلثه وطالوت ~~ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وكان يأخذ الرصاص والنحاس ~~فيجعلهما ذهبا. وقيل: أراد علمه بوجوه المكاسب والتجارات. وقيل: أراد إن ~~الله أعطاني ذلك على علم له تعالى بحالي وباستئهالي لذلك. # وقوله عندي الأمر كذلك أي في اعتقادي وفي ظني فأجابه الله تعالى بقوله ~~أولم يعلم الآية. قال علماء المعاني: يجوز أن يكون المعنى بالاستفهام ~~إثباتا لعلمه لأنه قد قرأ في التوراة أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية ~~وحفظها من موسى وغيره فكأنه قيل: إنه قد علم ذلك فلم اغتر بكثرة ماله ~~وأعوانه؟ ويجوز أن يراد به نفي العلم لأنه لما تحدى بكونه من أهل العلم حيث ~~قال على علم عندي وبخه الله تعالى أنه لم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به ~~نفسه مصارع الهلكى. ووجه اتصال قوله ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون بما قبله ~~أنه تعالى إذا عاقب المجرمين فلا حاجة ms3681 إلى أن يسألهم عن كيفية ذنوبهم ~~وكميتها لأنه عالم بكل المعلومات. وقال أبو مسلم: أراد أنهم لا يسألون سؤال ~~استيقان وإنما يسألون سؤال تقريع ومحاسبة فخرج على قومه في زينته عن الحسن: ~~في الحمرة والصفرة. وقيل: خرج على بغلة شهباء عليه ثوب أحمر أرجواني، وعلى ~~البغلة سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل: عليهم وعلى خيولهم ~~الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض ~~عليهن الحلي والثياب الفاخرة. وقيل: في تسعين ألفا عليهم الثياب # PageV05P362 # الصفر. قال الراغبون في الحياة العاجلة يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه ~~لذو حظ عظيم والحظ الجد والبخت. عن قتادة: كانوا مسلمين تمنوا ذلك رغبة في ~~الإنفاق في سبيل الخير. وقال آخرون: كانوا كفارا وقد مر في سورة النساء ~~تحقيق الغبطة والحسد في قوله ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ~~[النساء: 22] وقال الذين أوتوا العلم بأحوال الدنيا وأنها عند الآخرة كلا ~~شيء ويلكم وأصله الدعاء بالهلاك إلا أنه قد يستعمل في الردع والزجر بطريق ~~النصح والإشفاق، والضمير في قوله ولا يلقاها عائد إلى الكلمة المذكورة وهي ~~قوله ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا أو إلى الصواب بمعنى المثوبة. # أو بتأويل الجنة، أو إلى السيرة والطريقة أي لا يلزم هذه السيرة إلا ~~الصابرون على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله وحكم به من الغنى وضده، ~~وظاهر حال قارون ينبىء عن أنه كان ذا أشر وبطر واستخفاف بحقوق الله ~~واستهانة بنبيه وكتابه، فلا جرم خسف الله به وبداره الأرض. إلا أن المفسرين ~~فصلوا فقالوا: كان يؤذي نبي الله موسى وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما ~~حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على ~~درهم، فحسبه فاستكثر فشحت به نفسه فجمع بني إسرائيل وقال: إن موسى يريد أن ~~يأخذ أموالكم فقالوا: أنت كبيرنا فأمر بما شئت. فقال: ائتوا إلى فلانة ~~البغي حتى ترميه بنفسها في جمع بني إسرائيل فجعل لها ms3682 ألف دينار أو طستا ~~مملوءا من ذهب. فلما كان يوم عيد قام موسى فقال: يا بني إسرائيل من سرق ~~قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه. ~~فقال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. # قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. فأحضرت فناشدها موسى بالذي ~~فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق فتداركها الله فقالت: كذبوا بل جعل لي ~~قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي فخر موسى ساجدا يبكي وقال: يا رب إن كنت ~~رسولك فاغضب لي فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فإنها مطيعة لك. فقال: يا ~~بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه ~~فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل فاعتزلوا جميعا غير رجلين. ثم قال: يا ~~أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط. ثم قال: ~~خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه ~~بالله والرحم وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه. ثم قال: خذيهم فانطبقت ~~عليهم. فأوحى الله إلى موسى ما أفظك! استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم أما ~~وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا. قلت: لعل استغاثته كانت ~~مقرونة بالتوبة وإلا فالعتاب بعيد. ثم إن بني إسرائيل أصبحوا يتناجون بينهم ~~إنما دعا موسى على # PageV05P363 # قارون ليستفيد داره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله. ومعنى من ~~المنتصرين من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله وأصبح الذين ~~تمنوا مكانه أي منزلته من الدنيا وأسبابها بالأمس أي بالزمان المتقدم ~~يقولون راغبين في طاعة الله والرضا بقضائه وقسمته ويكأن الله من قرأ وي ~~مفصولة عن كأن وهو مذهب الخليل وسيبويه فهي كلمة تنبيه على الخطأ وتندم ~~كأنهم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وتندموا ثم قالوا ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح نظير هذا ~~الاستعمال قول الشاعر: # ويكأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعيش ms3683 عيش ضر # وعند الكوفيين: ويك بمعنى ويلك أي ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون. حكى ~~هذا القول قطرب عن يونس، وجوز جار الله أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة ~~إلى وي واللام مقدر قبل أن لبيان المقول لأجله هذا القول والتعليل أي لأنه ~~لا يفلح الكفار كان ذلك الخسف. # قال في الكشاف قوله تلك تعظيم للدار الآخرة وتفخيم لشأنها يعني تلك التي ~~سمعت ذكرها وبلغك وصفها. قلت: يحتمل أن يكون للتبعيد حقيقة. وفي قوله لا ~~يريدون دون أن يقول «يتركون» زجر عظيم ووعظ بليغ كقوله ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا [هود: 113] حيث علق الوعيد بالركون عن علي أن الرجل يعجبه أن ~~يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحته. ومن الناس من رد العلو ~~إلى فرعون والفساد إلى قارون لقوله تعالى إن فرعون علا في الأرض [القصص: 4] ~~وقال في قصة قارون ولا تبغ الفساد في الأرض وضعف هذا التخصيص بين لقوله في ~~خاتمة الآية والعاقبة للمتقين قوله من جاء بالحسنة الآية، قد مر تفسير مثله ~~في آخر «الأنعام» وفي آخر «النمل» . وقوله فلا يجزى الذين عملوا السيئات من ~~وضع الظاهر موضع المضمر إذ كان يكفي أن يقال «فلا تجزون» إلا أنه أراد فضل ~~تهجين لحالهم بإسناد عمل السيئات إليهم مكررا، وفي ذلك لطف للسامعين في ~~زيادة تبغيض السيئة إلى قلوبهم. ثم أراد أن يسلي رسوله في خاتمة السورة ~~فقال إن الذي فرض عليك القرآن أي أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ~~لرادك إلى معاد وأي معاد فتنكير المعاد للتعظيم وأنه ليس لغيره من البشر ~~مثله يعني أن الذي حملك صعوبة تكليف التبليغ وما يتصل به لمثيبك عليها ~~ثوابا لا يحيط به الوصف. وقيل: أراد عوده إلى مكة يوم الفتح، ووجه التنكير ~~ظاهر لأن مكة # PageV05P364 # يومئذ كانت معادا له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل ~~الشرك وحزبه والسورة مكية. فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر ~~بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ms3684 ودولة. وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ ~~الجحفة في مهاجره وقد اشتاق إلى وطنه. وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع ~~كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوته. # وحين وعد رسوله الرد إلى المعاد المعتبر قال قل لأهل الشرك ربي أعلم يعني ~~نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام ~~منصف واثق بصدقه وحقيته. ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال وما كنت ترجوا ~~أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على ~~المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو «إلا» بمعنى ~~«لكن» أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك. ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك ~~وقد مر مرارا أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته. # ثم إن مرجع الكل إليه فقال كل شيء هالك إلا وجهه فمن الناس من فسر الهلاك ~~بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك ~~بخروجه عن كونه منتفعا به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء ~~كما يقال «هلك الثوب وهلك المتاع» وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في ~~حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم ~~شيئا فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكا. # استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو ~~كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله أكلها دائم ~~[الرعد: 35] وعورض بقوله أعدت للمتقين [آل عمران: 133] وأعدت للكافرين [آل ~~عمران: 131] ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء ~~هالك إلا الله والعرش والجنة والنار. وقيل: # إلا العلماء فإن علمهم باق. ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان ~~قليلا بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر ~~الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم. ### | التأويل: # أرأيتم إن جعل الله عليكم ليل الفراق عند ms3685 استيلاء ظلمة البشرية سرمدا من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء نهار الوصل والتجلي قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~نهار الوصل بطلوع شمس التجلي سرمدا من إله غير الله يأتيكم بليل سر تسكنون ~~فيه عن وعثاء سطوة التجلي ومن رحمته جعل لكم ليل السر ونهار التجلي فإن ~~العاشق لو دام في التجلي كاد يستهلك وجوده، # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إنه ليغان على قلبي» # وقال لعائشة: كلميني يا حميراء. # وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب ~~والنصب. وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف # PageV05P365 # نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق ~~الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة ~~وتسهل ويعيش الحيوان ونزعنا من كل أمة من أرباب النفوس شهيدا هو القلب ~~الحاضر فقلنا هاتوا برهانكم وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا ~~بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله إن قارون النفس ~~كان من قوم موسى القلب لأن الله تعالى جعل النفس تبعا للقلب وجعل سعادتها ~~في متابعته وآتيناه من الكنوز المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون ~~كإبليس فإنه أكثر علما وطاعة في زينته هي التي زين حبها للناس من النساء ~~والبنين وغير ذلك قال الذين يريدون الحياة الدنيا وهم صفات النفس. وقال ~~الذين أوتوا العلم وهم صفات الروح فخسفنا به الأرض دركات السفل وبداره وهي ~~قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد نجعلها للذين لا ~~يريدون كما # قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبدا، أطعني أجعلك ~~ملكا حيا لا تموت أبدا. عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ~~ملكا إذا قلت لشيء كن فيكون. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من ~~الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت» ms3686 # إن الذي فرض أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن لرادك إلى معاد هو مقام ~~الفناء في الله والبقاء به قل ربي أعلم من جاء بالهدى وهو بذل الوجود ~~المجازي في الوجود الحقيقي إلا رحمة من ربك أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك ~~إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان. # PageV05P366 ### | (سورة العنكبوت) # (وهي مكية حروفها 4595 كلمها 1981 آياتها 69 آية) ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) # من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جاهد ~~فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم ~~في الصالحين (9) # ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) # فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (15) ### | الوقوف: # الم كوفي. لا يفتنون ه الكاذبين ه يسبقونا ط يحكمون ه ج لآت ط العليم ه ~~لنفسه ط العالمين ه يعملون ه حسنا ط فلا تطعهما ط تعملون ه الصالحين ه ~~كعذاب الله ط معكم ط العالمين ه المنافقين ه خطاياكم ط شيء ط لكاذبون ه ms3687 مع ~~أثقالهم ط فصلا بين # PageV05P367 # الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين. يفترون ه عاما ط لحق الحذف أي فلم ~~يؤمنوا فأخذهم الطوفان ط ظالمون ه للعالمين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما قال في خواتيم السور المتقدمة إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرادك إلى معاد [القصص: 85] أي إلى مكة ظاهرا ظافرا، وكان في ذلك الرد من ~~احتمال مشاق الحوادث ما كان قال بعده الم أحسب الناس إلى قوله وهم لا ~~يفتنون بالجهاد أو نقول: لما أمر بالدعاء إلى الدين القويم في قوله وادع ~~إلى ربك [القصص: 87] وكان دونه من المتاعب وأعباء الرسالة ما لا يخفى، بدأ ~~السورة بما يهون على النفس بعض ذلك. وأيضا لما بين أن كل هالك له رجوع ~~إليه، رد على منكري الحشر بأن الأمر ليس على ما حسبوه ولكنهم يكلفون في دار ~~الدنيا ثم يرجعون إلى مقام الجزء والحساب. قال أهل البرهان: وقوع الاستفهام ~~بعد «ألم» يدل على استقلالها وانقطاعها عما بعدها في هذه السورة وفي غيرها ~~من السور. وفي تصدير السورة بأمثال هذه الحروف تنبيه للمخاطب وإيقاظ له من ~~سنة الغفلة كما يقدم لذلك كلام له معنى مفهوم كقول القائل: اسمع وكن لي. ~~ولا يقدم إلا إذا كان في الحديث شأن وبالخطاب اهتمام، ولهذا ورد بعد هذه ~~الحروف ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن الذي لا يخفى غناؤه والاهتمام ~~بشأنه كقوله الم ذلك الكتاب [البقرة: 1] الم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم نزل عليك الكتاب [آل عمران: 1] المص كتاب أنزل إليك [الأعراف: 1] يس ~~والقرآن [يس: 1] ص والقرآن [ص: 1] الم تنزيل الكتاب [السجدة: # 1] إلا ثلاث سور كهيعص [مريم: 1] الم أحسب الناس الم غلبت الروم [الروم: # 1] ولا يخفى أن ما بعد حروف التهجي فيها من الأمور العظام التي يحق أن ~~ينبه عليها بيانه في هذه السورة أن القرآن ثقله وعبؤه بما فيه من التكاليف، ~~وبيانه في سورة مريم ظاهر، لأن خلق الولد فيما بين الشيخ الفاني والعجوز ~~العاقر معجز. وكذا الإخبار عن غلبة الروم قبل وقوعها. ومعنى الآية ms3688 راجع إلى ~~أن الناس لا يتركون بمجرد التلفظ بكلمة الإيمان بل يؤمرون بأنواع التكاليف. ~~واختلفوا في سبب نزولها فقيل: نزلت في عمار بن ياسر والوليد بن الوليد ~~وسلمة بن هشام وكانوا يعذبون بمكة. وقيل: نزلت في أقوام هاجروا وتبعهم ~~الكفار فاستشهد بعضهم ونجا الباقون. # وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب وهو أول قتيل من المسلمين، ~~رماه عامر بن الحضرمي يوم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد ~~الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة. # قال جار الله: مفعولا الحسبان الترك وعلته والتقدير: أحسبوا تركهم غير ~~مفتونين لقولهم آمنا. قال: والترك بمعنى التصيير. فقوله وهم لا يفتنون حال ~~سد مسد ثاني مفعوليه. وقال آخرون: تقديره # PageV05P368 # أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن قالوا آمنا وأقول: إن من خواص «أن» ~~مع الفعل و «أن» مع جزأيه سدها مسد مفعولي أفعال القلوب، والحكم بأن الترك ~~هاهنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرنا من المعنيين قوله سبحانه في ~~موضع آخر أم حسبتم أن تتركوا [التوبة: 16] والفتنة الامتحان بشدائد التكليف ~~من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على ~~أذاهم وسائر ما تكرهه النفس. والتحقيق أن المقصود من خلق البشر هو العبادة ~~الخالصة لله. فإذا قال باللسان: آمنت فقد ادعى طاعة الله بالجنان فلا بد له ~~من شهود وهو الإتيان بالأركان، وإذا حصل الشهود فلا بد له من مزك وهو بذل ~~النفس والمال في سبيل الرحمن. فمعنى الآية: أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا ~~شهود وشهود بلا مزك؟ أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ~~ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات؟ ثم مثل حال هؤلاء بحال ~~السلف منهم قائلا ولقد فتنا الذين من قبلهم أراد كذلك فعل الله بمن قبلهم ~~لم يتركهم بمجرد قولهم «آمنا» ، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات. ~~وقوله فليعلمن الله كقوله وليعلم الله [الآية: 140] وقد مر تحقيقه في «آل ~~عمران» . والحاصل أن ms3689 التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم، ~~وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين. وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل: ~~فليرين الله وليظهرن الله. وقيل: فليميزن، وجوز جار الله أن يكون وعدا ~~ووعيدا كأنه قال: وليبينن الذين صدقوا وليعاقبن الكاذبين. قال الإمام فخر ~~الدين الرازي: # في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول ~~إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه، فقال في حق الأولين ~~الذين صدقوا بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد، وقال في حق الآخرين وليعلمن ~~الكاذبين بالصيغة المنبئة عن الثبات. وإنما قال يوم ينفع الصادقين صدقهم ~~[المائدة: 119] بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين ~~بخلاف أوائل الإسلام. ثم بين بقوله أم حسب الذين إلخ. أن من كلف بشيء ولم ~~يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ولا تحسبن الذين ~~كفروا سبقوا [الأنفال: 59] والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال، والتعجيل ~~في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال. # ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه ~~لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله ساء ~~ما يحكمون والمخصوص محذوف و «ما» موصولة أو مبهمة والتقدير: بئس الذي ~~يحكمون حكمهم هذا، وبئس حكما يحكمونه حكمهم هذا. وفي الآية إبطال قول من ~~ذهب إلى أن التكاليف # PageV05P369 # إرشادات وإلا يعاد عليها ترغيب وترهيب ولا يوجب من الله تعذيب. واعلم أن ~~أصول الدين ثلاثة: معرفة المبدأ وأشار إليه بقوله آمنا، ومعرفة الوسط وهو ~~إرسال الرسل. وإيضاح السبل وإليه أشار بقوله وهم لا يفتنون ولقد فتنا ~~ومعرفة المعاد إما للأشقياء وهو قوله الم أحسب الآية وإما للسعداء وهو قوله ~~من كان يرجوا أي يأمل لقاء جزاء الله فإن أجل الله لآت فإن أراد بالأجل ~~الموت ففيه إشارة إلى بقاء النفس بعد فراق البدن، فلولا البقاء لما حصل ~~اللقاء كقولك: من كان يرجو الخير فإن السلطان واصل. فإنه لا يفهم ms3690 منه إلا ~~إيصال الخير بوصوله. ومثله: من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة قريب. ~~إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة. ويحتمل أن يراد بالأجل الوقت المضروب ~~للحشر. وقيل: # يرجو بمعنى يخاف من قول الهذلي: # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وهو السميع لأقوال العباد صدقوا أم كذبوا ~~العليم بنياتهم وطوياتهم وبسائر أعمالهم فيجازيهم بالمسموع ما لا أذن سمعت، ~~وبالمرئي ما لا عين رأت وبالنيات ما لا خطر على قلب بشر. # ثم بين بقوله ومن جاهد الآية. أن فائدة التكاليف والمجاهدات إنما ترجع ~~إلى المكلف والله غني عن كل ذلك. قال المتكلمون من الأشاعرة: في الآية ~~دلالة على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله وإلا كان مستكملا بذلك، وأن ~~أفعاله لا تعلل بغرض لأن ذلك خلاف الغني، وأنه ليس في مكان وإلا لزم ~~افتقاره، وأنه ليست قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم لأن القدرة والعلم غيره ~~فيلزم افتقاره. ويمكن أن يجاب عن الأول بأن وجوب صدور الأصلح عنه لمقتضى ~~الحكمة لا يوجب الاستكمال. وعن الثاني بأن استتباع الفائدة لا يوجب افتقار ~~المفيد. وعن الثالث أن استصحاب المكان غير الافتقار إليه. وعن الرابع أن ~~العالم هو ما يغاير ذات الله مع صفاته. وفي الآية بشارة من وجه وإنذار من ~~وجه آخر، وذلك أن الاستغناء عن الكل يوجب غناه عن تعذيب كل فاجر كما أنه ~~يمكن أن يهلك كل صالح ولا شيء عليه إلا أنه رجح جانب البشارة بقوله والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات الآية وقد مر مرارا أن الإيمان في الشرع عبارة عن ~~التصديق بجميع ما قال الله تعالى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيلا ~~فيما علم وإجمالا فيما لم يعلم، والعمل الصالح هو الذي ندب الله ورسوله ~~إليه، والفاسد ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه. وعند المعتزلة ~~الأمر والنهي مترتب على الحسن والقبح. ثم العمل الصالح باق لأنه في مقابلة ~~الفاسد والفاسد هو الهالك التالف. يقال: # PageV05P370 # فسد الزرع إذا خرج عن حد الانتفاع. ولكن العمل ms3691 عرض لا يبقى بنفسه ولا ~~بالعامل لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فبقاؤه إنما يتصور إذا كان لوجه الله. ~~ومنه يعلم أن النية شرط في الأعمال الصالحة وهي كونها لله تعالى. وخالف زفر ~~في نية الصوم وأبو حنيفة في نية الوضوء، وقد مر. ثم إنه تعالى ذكر في ~~مقابلة الإيمان والعمل الصالح أمرين: تكفير السيئات والجزاء بالأحسن. ~~فتكفير السيئات في مقابلة الإيمان، والجزاء بالأحسن في مقابلة العمل ~~الصالح، ومنه يعلم أن الإيمان يقتضي عدم الخلود في النار لأن الذي كفر ~~سيئاته يدخل الجنة لا محالة، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين ~~رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية عند من ~~يقول بها. وهاهنا بحث وهو أن قوله لنكفرن يستدعي وجود السيئات حتى تكفر، ~~فالمراد بالذين آمنوا وعملوا إما قوم مسلمون مذنبون، وإما قوم مشركون آمنوا ~~فحط الإيمان ما قبله. أو يقال: # إن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء، ~~نظيره قول الملك لقوم: إذا أطعتموني أكرم آباءكم وأحترم أبناءكم. وهذا لا ~~يقتضي أن يكرم آباء من توفي أبوه ويحترم ابن من لم يولد له ابن، ولكن ~~مفهومه أنه يكرم آباء من له أب ويحترم ابن من له ابن. أو يقال: ما من مكلف ~~إلا وله سيئة حتى الأنبياء، فإن ترك الأولى بالنسبة إليهم سيئة بل حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين. وحين بين حسن التكاليف ووقوعها وذكر ثواب من حقق ~~التكاليف أصولها وفروعها أشار بقوله ووصينا الإنسان الآية إلى أنه لا دافع ~~لهذه السيرة ولا مانع لهذه الطريقة فإن الإنسان إذا انقاد لأحد ينبغي أن ~~ينقاد لأبويه، ومع هذا لو أمروه بالمعصية لا يجوز اتباعهم فكيف غيرهم؟ ومنه ~~يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومعنى وصينا أمرنا كما مر في ~~قوله ووصى بها إبراهيم [البقرة: 132] وقوله بوالديه أي بتعهدهما ورعاية ~~حقوقهما، وعلى هذا ينتصب حسنا بمضمر يدل عليه ما قبله أي أولهما حسنا ms3692 أو ~~افعل بهما حسنا كأنه قال: قلنا له ذلك وقلنا له وإن جاهداك إلى آخره فلو ~~وقف على قوله بوالديه حسن ويجوز أن يراد وصيناه بإيتاء والديه حسنا وقلنا ~~له وإن جاهداك وقوله ما ليس لك به علم كقوله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ~~[الأنعام: 81] أي لا معلوم ليتعلق العلم به. وإذا كان التقليد في الإيمان ~~قبيحا فكيف يكون حال التقليد في الكفر. وعلى وجوب ترك طاعة الوالدين إذا ~~أرادا ولدهما على الإشراك دليل عقلي، وذلك أن طاعتهما وجبت بأمر الله فإذا ~~نفيا طاعة الله في الإشراك به فقد أبطلا طاعة الله مطلقا، ويلزم منه عدم ~~لزوم طاعة الوالدين بأمر الله، وكل ما يفضي وجوده إلى عدمه فهو باطل. فطاعة ~~الوالدين في اتخاذ الشرك بالله من الممتنعات. وفي قوله # PageV05P371 # إلي مرجعكم ترغيب في رعاية حقوق الوالدين وترهيب عن عقوقهما وإن كانا ~~كافرين إلا في الدعاء إلى الشرك. وفيه أن المجازي للمؤمن والمشرك إذا كان ~~هو الله وحده فلا ينبغي أن يعق الوالدين لأجل كفرهما. وفي قوله فأنبئكم ~~دليل على أنه سبحانه عالم بالخفيات لا يعزب عنه شيء. # يروى أن سعد بن أبي وقاص الزهري حين أسلم قالت أمه وهي حمنة بنت أبي ~~سفيان: يا سعد بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام ~~والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد. وكان أحب ولدها إليها فأبى سعد وبقيت ~~ثلاثة أيام كذلك فنزلت هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعدا ~~أن يداريها ويرضيها بالإحسان. # ثم أكد جزاء من آمن وعمل صالحا بتكرير قوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لندخلنهم في الصالحين أي في زمرتهم وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] قال ~~الحكماء: أي في المجردين الذين لا كون لهم ولا فساد فيدخل فيه العلويات ~~عندهم. ثم بين حال أهل النفاق بعد تقرير حال أهل الكفر والوفاق فقال ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله يعني أنا والمؤمنون حقا آمنا ادعى أن إيمانه ~~كإيمانهم فأخبر أن إيمانه لا تحقيق له ms3693 بدليل قوله فإذا أوذي في الله أي في ~~سبيله ودينه جعل فتنة الناس كعذاب الله قال جار الله: أي جعل فتنة الناس ~~صارفة عن الإيمان كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وهذا على ~~التوهم أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفا وهذا في الواقع. وقيل: جزعوا من ~~عذاب الناس كما جزعوا من عذاب الله. وبالجملة معناه أنهم جعلوا فتنة الناس ~~مع ضعفها وانقطاعها كعذاب الله الأليم الدائم حتى ترددوا في الأمر وقالوا: ~~ان آمنا نتعرض للتأذي من الناس، وذلك أنهم كانوا يمسهم أذى من الكفار، وإن ~~تركنا الإيمان نتعرض لما توعدنا به محمد فاختاروا الاحتراز عن التعرض ~~العاجل ونافقوا. وإنما قال فتنة الناس ولم يقل «عذاب الناس» لأن فعل العبد ~~ابتلاء من الله. وليس في الآية منع من إظهار كلمة الكفر إكراها، وإنما ~~المنع من إظهارها مع مواطأة القلب التي كانوا عليها. # ومما يؤكد تذبذبهم قوله ولئن جاء نصر من ربك ويلزمه الغنيمة غالبا ليقولن ~~إنا كنا معكم يعني دأب المنافق أنه إذا رأى اليد للكافر أظهر ما أضمر من ~~الكفر، وإن كان النصر للمؤمن أضمر ما أضمر وأظهر المعية وادعى التبعية. وفي ~~تخصيص اسم الرب بالمقام إشارة إلى أن التوبة والرحمة هي التي أوجبت النصر. ~~ثم أخبر أنه سبحانه أعلم بما في صدور العالمين منهم بما في صدورهم، لأنه ~~خبير بما بأنفسهم كما هي وهم لا يعرفون نفوسهم كما هي، فالتلبيس لا يفيد ~~المنافق بالنسبة إلى الله شيئا لأنه لا يجوز عليه الالتباس دليله قوله ~~وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين وفيه وعد للمؤمنين ووعيد # PageV05P372 # للمنافقين. اعتبر أمر القلب هاهنا وهو في المؤمن التصديق، وفي المنافق ~~النفاق، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول: ~~الله غير موجود، أو الله أكثر من واحد. وفي المؤمن الصدق لأنه يقول: الله ~~واحد. وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى ~~الكفر بالفتنة، وبين أن عذاب الله فوقها وكان للكافر ms3694 أن يقول للمؤمن لم ~~تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا، ~~وكان جواب المؤمن أن يقول خوفا من عذاب الله خطيئة مذهبكم فقالوا: لا خطيئة ~~فيه، وإن كان فيه خطيئة فعلينا، أشار إلى جميع ذلك قوله وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أرادوا وليجتمع هذان الأمران في ~~الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم، نظيره «ليكن منك العطاء وليكن ~~مني الدعاء» وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد ~~قريش. كانوا يقولون لمن آمن منهم: لا نبعث نحن ولا أنتم فإن عسى كان جزاء ~~ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم. وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ~~ارتكاب بعض المآثم فيقول: افعل هذا وإثمه علي، وكم من مغرور بمثل هذا ~~الضمان. ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يحملون شيئا من خطاياهم، ولا ريب ~~أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم الله عليهم بأنهم ~~كاذبون. ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف. ولا ~~حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف. أما الجمع ~~بين قوله وما هم بحاملين وبين قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم فهو ~~أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه، والإثبات يرجع إلى أنهم ~~يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما # قال عليه الصلاة والسلام «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من ~~غير أن ينقص من وزره شيء» «1» # قال وليسئلن سؤال تقريع يوم القيامة عما كانوا يفترون من أنه لا حشر، ~~وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين. ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقا ~~لقوله في أول السورة ولقد فتنا الذين من قبلهم وفيه تثبيت للنبي عليه ~~الصلاة والسلام كأنه قيل له: إن نوحا لبث ألف سنة تقريبا يدعو قومه ولم ~~يؤمن منهم إلا قليل، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد ms3695 أمتك، وفيه ~~تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار ~~الطوال، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون؟ PageV05P373 # سؤال: ما الفائدة في قوله ألف سنة إلا خمسين عاما دون أن يقول: تسعمائة ~~وخمسين. الجواب: لأن العبارة الثانية تحتمل التجويز والتقريب. فإن من قال: ~~عاش فلان ألف سنة يمكن أن يتوهم أنه يدعي ذلك تقريبا لا تحقيقا. فإذا قال: ~~إلا شهرا أو إلا سنة، زال ذلك الوهم. وأيضا المقصود تثبيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وذكر الألف الذي هو عقد معتبر أوصل إلى هذا الغرض. وإنما جاء ~~بالمميز في المستثنى مخالفا لما في المستثنى منه تجنبا من التكرار الخالي ~~عن الفائدة وتوسعة في الكلام. قال بعض الأطباء: العمر الطبيعي للإنسان مائة ~~وعشرون سنة. فاعترضوا عليهم بعمر نوح عليه السلام وغيره، وذلك أن المفسرين ~~قالوا: عمر نوح ألفا وخمسين سنة بعث على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة ~~وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش ألفا وأربعمائة سنة. ويمكن ~~أن يقال: إنهم أرادوا بالطبيعي ما كان أكثريا في أعصارهم. ولا ينافي هذا ~~كون بعض الأعمار زائدا على هذا القدر بطريق خرق العادة على أن العادة قد ~~تختلف باختلاف الأعصار والأدوار، ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» ! «1» # والطوفان ما عم كل المكان بكثرة وغلبة من سيل أو ظلام ليل. وفي قوله وهم ~~ظالمون دليل على أن العذاب أخذهم وهم مصرون على الظلم ولو كانوا قد تركوه ~~لما أهلكهم. والضمير في قوله وجعلناها إما للحادثة أو للقصة أو للسفينة. ~~وأعاجيب هذه القصة وأحوال السفينة وأهوالها قد تقدمت مرارا ولا ريب أنها ~~آيات يجب أن يستدل بها على موجدها. ### | التأويل: # أقسم بفردانيته وبآلائه ونعمائه أنه مهما يكون من العبد التقرب إليه ~~بأصناف العبودية يكون منه التقرب إلى العبد بألطاف الربوبية يؤكده قوله ~~أحسب الناس أي الناسون من أهل البطالة أن يتركوا بمجرد الدعوى ولا يطالبون ~~بالبلوى، فالمحبة والمحنة توأمان وبالامتحان يكرم الرجل ms3696 أو يهان، فمن زاد ~~قدر معناه زاد قدر بلواه. فالبلاء للنفوس لإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها ~~في حسن العمل، والبلاء على القلوب لتصفيتها من شين الرين لقبول نقوش الغيب، ~~والبلاء على الأرواح لتجردها بالبوائق عن العلائق، والبلاء على الأسرار في ~~اعتكافها في مشاهدة الكشف بالصبر على آثار التجلي إلى أن تصير مستهلكة فيه ~~بإفنائه، وإن أشد الفتن حفظ وجود التوحيد لئلا يجري عليه نكر في أوقات ~~غلبات شواهد الحق فيظن أنه هو الحق لا يدري أنه من الحق ولا يقال: إنه الحق ~~وعزيز من يهتدي إلى ذلك أم حسب الذين فيه أن موجبات عمل السيئات سواد مرآة ~~PageV05P374 # القلوب بصدأ الحسبان ورين الكفران ليتوهموا أن يسبقونا بالعدوان عن طريق ~~سنتنا في الانتقام من أهل الحال والإجرام. ساء ما يحكمون بالنجاة عن ~~الدركات باتباع الشهوات هيهات هيهات. من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله ~~لآت فإن من رجى عمره في رجاء لقائنا فهو الذي نبيح له النظر إلى جمالنا وهو ~~السميع لأنين المشتاقين العليم بطويات الصادقين. ومن جاهد بالسعي في طلبنا ~~فإنما يجاهد لنفسه لأنها بالتخلية عن الأخلاق الذميمة وبالتحلية بالصفات ~~الحميدة تخلص عن الأمارية وتستأهل للمطمئنية فتستحق لجذبة ارجعي إلى ربك ~~[الفجر: 28] والذين آمنت قلوبهم بمحبتنا وعملوا الصالحات ببذل الوجود في ~~طلب جودنا لنكفرن عنهم سيئات وجودهم المجازي ولنجزينهم وجودا حقيقيا أحسن ~~منه وإن جاهداك لتشرك بي فيه إشارة إلى أن المريد إذا تمسك بذيل شيخ كامل ~~وتوجه إلى الحضرة بعزيمة من عزائم الرجال فإن منعه الوالدان عن ذلك فعليه ~~أن لا يطيعهما لأنه سبب ولادته في عالم الأرواح وهما سبب ولادته في عالم ~~الأشباح كما # قال عيسى عليه السلام: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين. # فهو أحق برعاية الحقوق منهما. جعل فتنة الناس كعذاب الله فيه أن المؤمن ~~من كف الأذى، والولي من يتحمل من الخلق الأذى ولا تترشح عنه الشكوى من ~~البلوى كالأرض يلقى عليها كل قبيح فينبت منها كل مليح. والمنافق إذا لم يكن ms3697 ~~في حماية خشية الله يفترسه خوف الخلق إذا أوذي في الله. وقال الذين كفروا ~~فيه أن كافر النفس وصفاته يقولون بلسان الطبيعة الإنسانية لموسى القلب ~~والسر والروح وصفاتهم اتبعوا سبيلنا في طلب الشهوات الحيوانية ولنحمل ~~خطاياكم أي ندفع عنكم ضرر ما يرجع إليكم في متابعة شهوات الدنيا وطيباتها ~~وما هم بحاملين شيئا من خطاياهم وهو العمى والصمم والبكم وسائر الصفات ~~النفسانية، ولكن يحملون أثقالهم هذه الأوقات مع الآفات التي تختص بها والله ~~أعلم بالصواب. ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 16 الى 41] # وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~(16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون ~~الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ~~ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ~~(19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ~~إن الله على كل شيء قدير (20) # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ~~ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا ~~بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين (25) # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ~~وتأتون في ms3698 ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ~~إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين (30) # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ~~(37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم ~~عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم ~~من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) # مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) # PageV05P375 ### | القراآت: # أولم تروا بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل النشاءة ~~بفتح الشين بعدها ألف ممدودة حيث كان: ابن كثير وأبو عمرو مودة بالرفع ~~بينكم بالجر على الإضافة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي وأبو زيد عن ~~المفضل مودة بالرفع بينكم بالفتح: الشموني والبرجمي. مودة بالنصب بينكم على ~~الإضافة: حمزة وحفص. الباقون: مودة بالنصب بينكم بالفتح ربي إنه بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو إنكم بهمز واحد أينكم بهمزة بعدها ياء: ~~ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب. زيد: مثله. بزيادة مدة في الثانية: ~~يزيد وقالون كلاهما مثل هذه الثانية أبو عمرو. والأولى بهمزة واحدة الثانية ~~بهمزتين: ابن عامر وحفص هشام ms3699 يدخل بينهما مدة. الباقون بهمزتين فيهما أإنكم ~~كنظائره. لننجينه بسكون النون من الإنجاء: يعقوب وحمزة وعلي وخلف سيء بهم ~~كما ذكر في «هود» ومنجوك من الإنجاء: ابن كثير ويعقوب وحمزة وعلي وخلف ~~وعاصم غير حفص والمفضل منزلون بالتشديد: ابن عامر وثمود غير مصروف في ~~الحالين: حمزة وحفص وسهل ويعقوب. ### | الوقوف: # واتقوه ط تعلمون ه إفكا ط واشكروا له ط ترجعون ه من قبلكم ج للعطف مع ~~الاختلاف بالإثبات والنفي المبين ه يعيده ط يسير ه الآخرة ط قدير ه ج لأن ~~ما بعده يصلح وصفا واستئنافا من يشاء ط لانقطاع النظم بتقديم المفعول مع ~~اتفاق الجملتين تقلبون ه السماء ز فصلا بين الأمرين المعظمين مع اتفاق ~~الجملتين نصير ه أليم ه النار ط يؤمنون ه أوثانا ج لمن قرأ مودة بالرفع ~~الدنيا ج لاختلاف الجملتين والفصل بين تباين الدارين بعضا ط لاختلاف ~~الجملتين مع اتحاد المقصود من ناصرين ه قيل: لا وقف لتعلق الفاء لوط م لأن ~~قوله وقال فاعله إبراهيم ولو وصل لأوهم اتحاد الفاعل ربي ط الحكيم ه الدنيا ~~ج للابتداء بأن مع واو العطف الصالحين ه الفاحشة ز لأن ما بعده يصلح ~~مستأنفا أو حالا أو وصفا العالمين ه المنكر ط لانتهاء الخطاب لابتداء ~~الجواب الصادقين ه المفسدين ه بالبشرى لا لأن قالوا جواب «لما» القرية ج ~~للابتداء بأن مع احتمال التعليل. ظالمين ه وقد يوصل دلالة على تدارك ~~إبراهيم لوطا ط بمن فيها ج لأن لام التوكيد تقتضي قسما أي والله لننجينه مع ~~تمام المقصود في التنجية إلا امرأته ج لأن ما بعده يصلح مستأنفا في النظم ~~ولكنه حال المرأة لأن المستثنى مشبه بالمفعول أي يستثنى امرأته كائنة من ~~الغابرين ولا تحزن ط فصلا بين # PageV05P377 # البشارتين وتوفيرا للفرح الغابرين ه يفسقون ه يعقلون ه شعيبا لا لتعلق ~~الفاء مفسدين ه جاثمين ه لأن عادا يحتمل أن يكون منصوبا ب فأخذتهم أو ~~بمحذوف أي واذكر وهذا أوجه لأن قوله وقد تبين حال ولا يحسن أن يكون عامله ms3700 ~~فأخذتهم والأوجه انتصابه بمحذوف وهو «أذكر» أو أهلكنا. مساكنهم ط لأن ~~التقدير مقدرين وعامله فأخذتهم مستبصرين ه ج للعطف وهامان يحتمل عندي الوقف ~~وقيل: لا بناء على أن قوله ولقد جاءهم حال عامله فأخذتهم. سابقين ه لانقطاع ~~النظم بتقديم المفعول مع اتفاق الجملتين بذنبه ط وكذلك حاصبا ط أخذته ~~الصيحة ط خسفنا به الأرض ط وأغرقنا ط لعطف الجمل والوقف أوجه تفصيلا لأنواع ~~النقم وإمهالا لفرصة الاعتبار يظلمون ه العنكبوت ج لأن ما بعده يصلح وصفا ~~واستئنافا بيتا ط العنكبوت ج لأن وهن بيت العنكبوت معلق يعلمون ه. ### | التفسير: # قوله وإبراهيم منصوب بمضمر وهو «اذكر» . وقوله إذ قال بدل منه بدل ~~الاشتمال لأن الأحيان تشتمل على ما فيها أي اذكر وقت قوله لقومه، وجوز أن ~~يكون معطوفا على نوحا فأورد عليه أن الإرسال قبل الدعوة فكيف يكون وقت ~~الدعوة ظرفا للإرسال؟ وأجيب بأن الإرسال أمر ممتد إلى أوان الدعوة أو ~~المراد أرسلناه حين كان صالحا لأن يقول لقومه اعبدوا الله خصوه بالعبادة ~~واتقوا مخالفته. ذلكم الإخلاص والتقوى خير لكم إن كنتم تعلمون أما العبادة ~~فلأنها غاية الخضوع فلا تصلح إلا لمن هو في غاية الكمال فضلا عن الجماد، ~~وأما اتقاء خلافه فلأن من قدر على إهلاك الماضين فهو قادر على إهلاك ~~الباقين وتعذيبهم إذا عصوه، فالعاقل من يحذر خلاف القادر. ثم بين بقوله ~~إنما تعبدون من دون الله أوثانا أن الذي يعبدونه في غاية الخسة لأنه صنم لا ~~روح له، ولا ظلم أشنع من وضع الأخس موضع الأشرف. وبين بقوله وتخلقون إفكا ~~أن الذين يزعمون أنها شفعاؤهم عند الله كذب وزور، ثم ذكرهم أنهم لا يقدرون ~~على نفع ولا على إيصال رزق أي رزق كان. ثم أشار بقوله فابتغوا عند الله ~~الرزق إلى أن هذه الهبة والرزق الموعود في قوله وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها [هود: 6] يجب أن يطلب من الله فقط، وإذا كان الرزق منه ~~فالشكر يجب أن يكون له. ثم بين بقوله إليه ترجعون ms3701 أن المعاقب والمثيب هو ~~وحده فلا رهبة إلا منه ولا رغبة إلا فيه. ثم إن قوله وإن تكذبوا فقد كذب ~~أمم من قبلكم إلى قوله فما كان جواب قومه إن كان اعتراضا خطابا لكفار قريش ~~فظاهر، وإن كان تتمة قول إبراهيم فالأمم المتقدمة عليه إما قوم نوح وقوم ~~إدريس وقوم شيث وقوم آدم، وإما قوم نوح وحده. وعبر عن أمته بالأمم لأنه عاش ~~ألف سنة وأكثر فمضت عليه # PageV05P378 # القرون، وكان كل قرن يوصون من بعدهم من الأبناء أن يكذبوا نوحا. والبلاغ ~~ذكر المسائل والإبانة وإقامة البرهان عليه، وفيه دليل على أن تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة لا يجوز وإلا لم يكن البلاغ مبينا. وحين بين التوحيد ~~والرسالة شرع في بيان المعاد فإن هذه الأصول الثلاثة لا تكاد تنفصل في ~~الذكر الإلهي فقال أولم يروا أي ألم يعلموا بالبرهان النير القائم مقام ~~الرؤية كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده. أما إبداء الخلق المطلق فلأن المخلوق ~~لا بد له من خالق أول تنتهي إليه سلسلة المخلوقات، وأما خلق الإنسان بل ~~كيفيته فإنه كالمشاهد المحسوس فإنا نرى النطفة وقعت في الرحم فدارت عليها ~~الأطوار حتى حصلت خلقا آخر. وأما الإعادة فلأنها أهون في القياس العقلي ~~ولهذا ختم الآية بقوله إن ذلك على الله يسير وحين أشار إلى العلم الحدسي ~~الحاصل من غير طلب أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أو حكى إبراهيم قول ربه له ~~قل سيروا في الأرض أي إن لم يحصل لكم الحدس المذكور فسيروا في أقطار الأرض ~~وتفكروا في كيفية تكون المواليد الثلاثة: المعادن والنبات والحيوان. حتى ~~يفضى بكم النظر إلى العيان فالآية الأولى إشارة إلى ما هو كالمركوز في ~~الأذهان ولهذا قال بطريق الاستفهام أولم يروا الآية الثانية أمر بالنظر ~~المؤدي إلى العلم والإيقان على تقدير عدم حضور ذلك البيان والعيان. وإنما ~~قال أولا كيف يبدئ بلفظ المستقبل وثانيا كيف بدأ بلفظ الماضي، لأن العلم ~~الحدسي حاصل في كل حال، وأما العلم الاستقرائي فلا يفيد اليقين إلا فيما ~~شاهد ms3702 وتتبع فكأنه قيل: إن لم يحصل لكم العلم بأن الله في كل حال موصوف ~~بالإبداء والإعادة فانظروا في أصناف المخلوقات حتى تعرفوا أنه كيف بدأها ثم ~~تستدلوا من ذلك على أنه ينشئها النشأة الثانية، فهذا عطف على المعنى كأنه ~~قال: وانظروا كيف بدأ هذا. وتكلف جار الله فقال: هو معطوف على جملة قوله ~~أولم يروا كما قال قوله ثم يعيده إخبار على حياله وليس بمعطوف على يبدئ ثم ~~في إقامة اسم الله مقام الضمير في قوله ثم الله ينشئ النشأة إشارة إلى أنه ~~لا يقدر على هذه النشأة إلا المعبود الكامل الذات المتصف بالعلم والحياة ~~وبسائر نعوت الجلال. وحين ذكر دلائل الأنفس والآفاق صرح بالنتيجة الكلية ~~فقال إن الله على كل شيء من الإبداء والإعادة قدير وكذا على التكليف ~~والجزاء تقريره قوله # يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون يقال: قلب فلان في مكانه إذا ~~أردى. وفي الآية لطائف منها: أنه قدم التعذيب على الرحمة مع # قوله «سبقت رحمتي غضبي» «1» # لأن الآية مسوقة لتهديد المكذبين ومع ذلك لم يخل الكلام عن ذكر الرحمة ~~وإنه يؤكد # قوله «سبقت رحمتي غضبي» «2» # ومنها أنه لم يقل يعذب PageV05P379 # الكافر ويرحم المؤمن إظهارا للهيبة الإلهية. ومنها أنه قال أولا إليه ~~ترجعون ثم أعاده هاهنا لأن التعذيب والرحمة قد يكونان عاجلين وكأنه قال: ~~وإن تأخر ثوابكم وعقابكم فإن إلينا إيابكم وعلينا حسابكم وعندنا يدخر لكم ~~ذلك فلا تظنوا فواته يؤكده قوله وما أنتم بمعجزين وفيه أن الانقلاب إليه لا ~~منه، وذلك أن الإعجاز إما بالهرب وإما مع الثبات وقد نفى الأول بقوله وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء أي لو هبطتم إلى موضع السمك في الماء ~~أو صعدتم إلى محل السماك في السماء لم تخرجوا من قبضة قدرة الله. # وقدم الأرض على السماء لأن السماء أبعد وأفسح أي إن هربتم من حكمه وقضائه ~~في الأرض الفسيحة أو في السماء التي هي أفسح منها وأبعد فإنكم لا تفوتون ~~الله، والمراد لا تعجزونه كيفما هبطتم ms3703 في أعماق الأرض أو علوتم إلى البروج ~~المشيدة الذاهبة في السماء كقوله ولو كنتم في بروج مشيدة [النساء: 78] أو ~~أراد لا تعجزون بلاءه الظاهر في الأرض أو النازل من السماء. وجوز بعضهم أن ~~يراد وما أنتم بمعجزين من في الأرض ولا في السماء بحذف الموصول، واقتصر في ~~الشورى على قوله وما أنتم بمعجزين في الأرض [العنكبوت: 22] لأنه خطاب ~~للمؤمنين. ونفى الثاني بقوله وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير لأن ~~الركن الشديد الذي يستند إليه إما ولي يشفع أو ناصر يدفع، والأول أسهل ~~الطريقين فلذلك قدم الولي على النصير. # ثم خص الوعيد بالكافرين بآياته أي بدلائل الوحدانية وبالكتب والمعجزات. ~~وفي زيادة قوله أولئك إشارة إلى أن اليأس من الرحمة منحصر فيهم لقوله إنه ~~لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف: 87] ونسبة اليأس إليهم إما ~~على سبيل الإخبار عن حالهم يوم القيامة، أو على سبيل وصف الحال، فإن وصف ~~المؤمن أن يكون راجيا خاشيا ونعت الكافر أن لا يخطر بباله خوف ولا رجاء بل ~~يكون خائفا كما قيل: الخائن خائف. # وجوز في الكشاف أن يكون على طريقة التشبيه كأنه يشبه حالهم في انتفاء ~~الرحمة عنهم بحال من يئس من رحمة الله. ولعله ذهب إلى هذا التشبه لأن اليأس ~~من رحمة الله متوقف على الاعتراف بالله وبرحمته والكافر غير معترف بواحد من ~~الأمرين. ثم بين بتكرير أولئك في قوله وأولئك لهم عذاب أليم أن كل واحد من ~~الوعيدين لا يوجد إلا فيهم وإن كان الوعيدان متلازمين في الحقيقة. ثم حكى ~~أن جواب قوم إبراهيم لم يكن إلا أن قالوا فيما بينهم أو قال واحد ورضي به ~~الباقون اقتلوه بالسيف ونحوه أو حرقوه بالنار وهذا ليس PageV05P380 # جوابا في الحقيقة ولكنه كقولهم «عتابك السيف» . وفيه بيان جهالتهم أنهم ~~وضعوا الوعيد موضع الائتمار للنصيحة والإذعان للحق. ثم بين أنهم اتفقوا على ~~تحريقه فأنجاه من النار. # والقصة مذكورة في سورة الأنبياء. إن في ذلك الإنجاء لآيات جمع الآية لعظم ~~تلك الحالة كقوله ms3704 إن إبراهيم كان أمة [النحل: 120] أو لأنها مشتملة على ~~أحوال عجيبة كالرمي من المنجنيق من غير أن لحق به ضرر، وكما يروى أن النار ~~صارت عليه روحا وريحانا إلى غير ذلك. وإنما قال في قصة نوح عليه السلام ~~وجعلناها آية [العنكبوت: # 15] ولم يذكر الجعل هاهنا لأن الخلاص من مثل تلك النار آية في نفسه، وأما ~~السفينة فقد جعلها الله آية بأن أحدث الطوفان وصانها عن الغرق، ويمكن أن ~~يقال: إن الصون عن النار أعجب من الصون عن الماء فلذلك وحد الآية هناك ~~وجمعها هاهنا. وإنما قال هناك آية للعالمين [العنكبوت: 15] وهاهنا لآيات ~~لقوم يؤمنون لأن تلك السفينة بقيت أعواما حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل ~~العلم بها لكل أحد. أو نقول: جنس السفينة حصلت بعد ذلك فما بين الناس فكانت ~~آية للعالمين. وأما تبريد النار فلم يبق من ذلك أثر فلم يظهر لمن بعده إلا ~~بطريق الإيمان به. وهاهنا لطيفة وهي أن الله تعالى جعل النار بردا وسلاما ~~على إبراهيم بسبب اهتدائه في نفسه وهدايته لغيره وقال قد كانت لكم أسوة ~~حسنة في إبراهيم [الممتحنة: 4] فحصل للمؤمنين بشارة بأن الله سيجعل النار ~~على المؤمن المهتدي بردا وسلاما. ثم حكى أنه بعد أن خرج من النار عاد إلى ~~النصيحة والدعاء لقومه إلى التوحيد والإخلاص وذلك قوله وقال إنما اتخذتم من ~~دون الله أوثانا مودة قال جار الله: من قرأ بالنصب بغير إضافة أو بإضافة ~~فعلى وجهين: أحدهما التعليل أي لتتوددوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم ~~وائتلافكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب فيكون بينهم نسبة من ذلك. # الوجه الثاني: أن يكون مفعولا ثانيا على حذف المضاف، أو على أن المصدر ~~بمعنى المفعول أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم واتخذتموها مودودة ~~بينكم. ومن قرأ بالرفع بإضافة أو بغير إضافة فعلى وجهين أيضا: أن يكون خبرا ~~لأن على أن ما موصولة والتقدير: # إن التي اتخذتموها أوثانا هي سبب مودة بينكم أو مودودة بينكم. وأن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة ms3705 وعلى هذا فالوقف على أوثانا حسن ~~كما مر. # ثم يوم القيامة يقوم بين العبدة وكذا بينهم وبين أوثانهم التباغض ~~والتلاعن نظيره كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [مريم: 82] ~~والتحقيق فيه أنهم غلبت عليهم الجسمية ولذاتها فلهذا ألفوا الأصنام ولم ~~تقبل عقولهم موجودا منزها عن الأجسام وخواصها، فلا جرم إذا رفعت الحجب وكشف ~~الغطاء عن عالم الأرواح زالت نسبة الجسمية وظهرت الآلام الروحانية وعذبوا ~~بنار الخسران والحرمان من غير شفعاء ولا أعوان، فلذلك # PageV05P381 # قال ومأواكم النار وما لكم من ناصرين وإنما لم يقل هاهنا وما لكم من دون ~~الله [البقرة: # 107] لأن الله لا ينصر الكفار من أهل النار. وإنما جمع هاهنا لأنه أراد ~~في الأول جنس النصير وهاهنا أراد نفي الناصرين الذين كان أهل الشرك يزعمون ~~أنهم شفعاؤهم عند الله فآمن له لوط وكان ابن أخي إبراهيم صدقه حين رأى ~~النار لم تحرقه. قالت العلماء: إن لوطا آمن برسالة إبراهيم حين رأى ~~المعجزة. وأما بالوحدانية فآمن حين سمع مقالته إذ لو توقف في الإيمان إلى ~~وقت إظهار المعجزة كان نقصا في مرتبته وقدحا في نور باطنه، ألا ترى أن أبا ~~بكر وعليا أسلما كما عرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام عليهما. وقال ~~إبراهيم إني مهاجر من كوثى وهي من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى فلسطين ~~ولهذا قالوا: لكل نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان. وكان معه في هجرته امرأته ~~سارة وهاجر وهو ابن خمس وسبعين سنة وهاجر معه لوط أيضا. ومعنى إلى ربي أي ~~إلى حيث أمر ربي بالهجرة إليه ومثله قوله إني ذاهب إلى ربي [الصافات: 99] ~~وعبارة القرآن أدخل في الإخلاص لأن المهاجر إلى حيث أمره الملك قد يهاجر ~~إليه مرة أخرى لغرض نفسه فيصدق أنه مهاجر إلى حيث أمره الملك ولا يصدق أنه ~~مهاجر لأجل الملك ولرضاه. وفي قوله إنه هو العزيز الحكيم نوع تهديد لقومه ~~وتصويب لما بدا له من الهجرة بأمر الله. قال في الكشاف: إنه هو العزيز الذي ~~يمنعني من أعدائي، الحكيم الذي لا يأمرني ms3706 إلا بما هو مصلحتي. # ثم ذكر ما أنعم به عليه من الأولاد والأحفاد، ومن جعل النبوة وجنس الكتاب ~~الإلهي فيهم. وهو التوراة والإنجيل والزبور والفرقان- ولهذا اندرج ذكر ~~إسماعيل في الآية. ولعل السر في عدم ذكر إسماعيل والتصريح بذكره أن الله ~~تعالى جعل الزمان بعد إبراهيم قسمين: # أحدهما زمن إسحاق ويعقوب وذراريهما إلى زمان الفترة، والآخر من محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلى يوم قيام الساعة وهو من ولد إسماعيل فطي ذكر إسماعيل ~~إشارة إلى تأخر زمان دولته والله أعلم. ثم كرر ذكر النعمة بقوله وآتيناه ~~أجره في الدنيا قال أهل التحقيق: إن الله تعالى بدل جميع أحوال إبراهيم ~~عليه السلام بأضدادها. لما أراد القوم تعذيبه بالنار فجعلها الله عليه بردا ~~وسلاما، وهاجر فريدا وحيدا فوهب الله له ذرية طيبة مباركة كما وصفنا، وكان ~~لا مال له فكثر ماله حتى حصل له من المواشي ما علم الله عدده فقط. # يروى أنه كان له اثنا عشر ألف كلب حارس في أعناقها أطواق من ذهب. # وكان خاملا حتى قال قائلهم سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم [الأنبياء: ~~60] فجعل الله له لسان صدق في الآخرين. اللهم صل على محمد وآل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. ثم بين بقوله وإنه في الآخرة لمن الصالحين ~~أن تلك النعمة الدنيوية ولذاتها مقرونة بفلاح الآخرة وصلاحها # PageV05P382 # جعلنا الله تعالى ببركته أهلا لبعض ذلك وهو المستعان. قوله ولوطا إذ قال ~~إعرابه كإعراب قوله وإبراهيم إذ قال وقد مر والظاهر أن لوطا يكون قد أمر ~~قومه بالتوحيد والعبادة أولا ثم نهاهم عن الفاحشة ثانيا. إلا أن الله تعالى ~~قد حكى عنه ما اختص به وبقومه وهو قوله إنكم لتأتون الفاحشة ويحتمل أن ~~يكونوا موحدين إلا أنهم بسبب الإصرار على الفعلة الشنعاء وتحليلها مع وجود ~~النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عنها صاروا في حكم الكفرة. وإذا كان الزنا ~~فاحشة كما قال ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة [الإسراء: 32] مع أن الزنا ~~لا يفضي إلى قطع النسل فاللواطة أولى ms3707 بكونها فاحشة لتماديها في القبح ~~ولإفضائها إلى انقطاع النسل، ويعلم منه احتياجها إلى الزاجر كالزنا بل أولى ~~ويعلم منه افتقارها إلى الرجم بدليل إمطار الحجارة على أهلها. ومعنى ما ~~سبقكم بها أنه لم يأت بمثل هذا الفعل أحد قبلهم أو لم يشتهر به ولم يبالغ ~~فيه أحد وإن ارتكبه بعضهم في الندرة كما يقال: إن فلانا سبق البخلاء في ~~البخل، واللئام في اللؤم إذا زاد عليهم. ومعنى تقطعون السبيل تقضون الشهوة ~~بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء. ويجوز أن يكونوا قطاع الطريق ~~والظاهر يشعر به وتأتون في ناديكم المنكر أي تضمون إلى قبح فعلكم قبح ~~الإظهار. والنادي هو المجلس ما دام فيه الناس. وعن عائشة: كانوا يتجامعون. ~~وعن ابن عباس: هو الحذف ومضغ العلك وحل الإزار والفحش في المزاح والسخرية ~~بمن مر بهم فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ولم يهددوه ~~بنحو القتل والتخويف كما في قصة إبراهيم، لأن إبراهيم كان يقدح في آلهتهم ~~ويشتمهم بتعديد نقائصهم يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42] فجعلوا جزاءه شر الجزاء. وأما لوط فكان ينكر عليهم فعلهم ~~فهددوه بالإخراج أولا أخرجوا آل لوط من قريتكم [النمل: 56] واقترحوا من ~~عذاب الله ثانيا. ويجوز أن يكون على سبيل الاستهزاء فلا جرم قال رب انصرني ~~على القوم المفسدين كأنه أيس من توبتهم وإنابتهم ومن أن يلدوا تائبا مطيعا ~~كما قال نوح ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا [نوح: 27] ولعلهم كانوا يفسدون ~~الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي والفواحش طوعا وكرها أو بابتداء ~~الفواحش واقتداء من بعدهم بهم. # والبشرى هي البشارة بالولد، والنافلة إسحق ويعقوب، وإضافة مهلكوا إضافة ~~تخفيف لا تعريف لأنه بمعنى الاستقبال أو الحال القريب منه لا الماضي، ولأن ~~المقصود يتضح بذلك لا بوصف الملائكة لمطلق الإهلاك. والقرية سذوم. ثم علل ~~الإهلاك بأن الظلم قد استمر فيهم بناء على أن كان للثبوت والاستمرار، ~~ويحتمل أن يكون للزمان الماضي فإن هذا القدر يكفي ms3708 للتعليل والزائد عليه لا ~~تحتاج الملائكة إلى تقريره بخلاف ما في قصة نوح فأخذهم # PageV05P383 # الطوفان وهم ظالمون # [العنكبوت: 14] فإن ذلك إخبار من الله تعالى ولا يحسن من الكريم أن يعاقب ~~على الجرم السابق إلا بعد تحقق الإصرار والاستمرار. قال بعضهم: إن تعلق ~~بالبشرى بهذا الإنذار هو أنه كان في إهلاك قوم لوط إخلاء الأرض من العباد ~~فقدمت البشارة المذكورة المتضمنة لوجود عباد صالحين حتى لا يتأسف على إهلاك ~~قوم من أبناء جنسه. ثم إن إبراهيم لما سمع إنذار الملائكة أظهر الإشفاق على ~~لوط والحزن له قائلا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم منك بمن فيها وأخبروا ~~بحاله وحال قومه. ومعنى من الغابرين من الماضين ذكرهم أو ممن يمضي زمانه ~~ويفني أو من الباقين في المهلكين وسيء بهم وضاق بهم ذرعا قد مر في «هود» ~~وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ضيق الذرع عبارة عن انقباض الروح فعند ذلك تجتمع ~~أعضاء الإنسان وتقل مساحتها. فقالت الملائكة لا تخف علينا ولا تحزن بسب ~~التفكر في أمرنا. وقال أهل البرهان: وإنما قيل هاهنا ولما أن جاءت بزيادة ~~«أن» لأن «لما» تقتضي جوابا وإذا اتصل به «أن» دل على أن الجواب وقع في ~~الحال من غير تراخ في الظاهر كما في هذه السورة وهو قوله سيء بهم وفي هود ~~اتصل به كلام بعد كلام فطال فلم يحسن دخول «أن» ظاهرا مع أن القصة واحدة. ~~ثم إن الملائكة قالوا للوط إنا منجوك بلفظ اسم الفاعل وقالوا لإبراهيم عليه ~~السلام لننجينه بلفظ الفعل لأن ذلك ابتداء الوعد وهذا أوان إنجازه فأرادوا ~~أن ذلك الوعد حتم واقع منا كقولك: أنا ميت لضرورة وقوعه ووجوده. والرجز ~~العذاب الذي يوقع صاحبه في القلق والاضطراب من قولهم: ارتجز وارتجس إذا ~~اضطرب، والمراد الحجارة. # وقيل: النار. وقيل: الخسف. وعلى هذا يراد أن الأمر بالخسف والقضاء به من ~~السماء ولقد تركنا منها أي من القرية آية بينة هي آثار منازلهم الخربة أو ~~بقية الحجارة أو الماء الأسود أو قصتهم وخبرهم. وقوله لقوم يتعلق ms3709 ب تركنا ~~أو ب بينة ولزيادة قوله بينة قال لقوم يعقلون بخلاف قوله في قصة نوح عليه ~~السلام وجعلناها آية للعالمين [العنكبوت: 15] لأن الآية لا تتبين إلا لذوي ~~العقول وليس كل من في العالم بذي عقل. # ثم أجمل سائر القصص والرجاء إما على أصله أو بمعنى الخوف. وعلى الأول قال ~~جار الله: أراد افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب. أو ~~أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان كما يؤمر الكافر بالصلاة ~~مثلا على إرادة الشرط وهو الإسلام. فكذبوه إنما صح إطلاق التكذيب مع أن ما ~~ذكره شعيب أمر ونهي، والأمر لكونه طلبا لا يحتمل التصديق والتكذيب، وكذا ~~النهي لأن قول شعيب يتضمن قوله الله # PageV05P384 # واحد والحشر كائن والفساد محرم وكل واحد من هذه خبر. ومعنى الرجفة ~~والصيحة قد مر في «الأعراف» وفي «هود» . وكذا إنه لم قال مع الرجفة في ~~دارهم على التوحيد، ومع الصيحة في ديارهم على الجمع. وأهلكنا عادا وثمود ~~وقد تبين لكم ذلك الإهلاك من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها ~~وكانوا مستبصرين أي عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، وكانوا عارفين ~~بأخبار الرسل أن العذاب نازل بهم ولكنهم لم ينظروا في الدليل ولجوا حتى ~~هلكوا وما كانوا سابقين أي أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. # ثم قرر أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الأربعة، فجعل ~~ما منه تركيبهم سببا لعدمهم وما منه بقاؤهم سببا لفنائهم. فالحاصب حجارة ~~محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر وهو إشارة إلى التعذيب ~~بعنصر النار وأنه لقوم لوط. والصيحة وهي تموج شديد في الهواء لمدين وثمود. ~~والخسف لقارون والغرق لقوم نوح وفرعون وما كان الله ليظلمهم بالإهلاك ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون بالإشراك وقال بعض أهل العرفان: وما كان الله ليضعهم ~~في غير موضعهم فإن موضعهم الكرامة ولكنهم وضعوا أنفسهم مع شرفها في عبادة ~~الوثن الذي هو في غاية الخسة فلذلك ضرب لهم المثل بالعنكبوت ونسجه الذي هو ~~عند الناس في غاية الوهن ms3710 والضعف. فإن كان تشبيها مركبا فظاهر، وإن كان ~~مفرقا فالمشرك كالعنكبوت واتخاذه الصنم معبودا وملجأ كاتخاذ العنكبوت نسجه ~~بيتا فإنه يصير سببا لهلاكه ولتنظيف البيت منه كعابد الوثن يقع في النار ~~بسبب عبادته. # وفيه أن العنكبوت كما أنه يصطاد بسبب نسجه الذباب ولكنه لا بقاء له ~~ويتلاشى بأدنى سبب كذلك الكافر يستفيد بشركه ما هو أقل من جناح بعوضة وهو ~~بعض متاع الدنيا ولكنه كعمله يصير آخر الأمر هباء منثورا. ثم عرض على ~~العقول صحة المثل المضروب قائلا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت بأنه لا ~~يصلح للبقاء ولا للاستدفاء ولا للاستظلال ولا للاستكنان والنسج في نفسه إن ~~فرض له فائدة كما أن الصنم في نفسه يمكن أن ينتفع به ولكن اتخاذ النسج بيتا ~~لا شك أنه غير مفيد بل مضر كما مر فكذلك عبادة الصنم. ثم قال لو كانوا ~~يعلمون فحذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ~~وأمر دينهم لتابوا وندموا، ولو كانوا يعلمون صحة هذا التشبيه وقد صح أن ~~أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت. فقد تبين أن دينهم أوهن ~~الأديان إذا استقريتها دينا دينا. # وصاحب الكشاف علق هذا الشرط بما قبله وليس بذاك وقد مر في الوقوف والله ~~أعلم. # تم الجزء العشرون، ويليه الجزء الحادي والعشرون وأوله: إن الله يعلم ... # PageV05P385 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الحادي والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة العنكبوت (29) : الآيات 42 الى 69] # إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك ~~الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات ~~والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44) اتل ما أوحي إليك من الكتاب ~~وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ~~ما تصنعون (45) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون (46) # وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون ms3711 به ومن هؤلاء من ~~يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه ~~آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم ~~أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) # قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل ~~مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب ~~وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ~~ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55) يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون (56) # كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل ~~رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) # الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم (62) ~~ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله ~~قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا ~~بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق ~~لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) # PageV05P386 ### | القراآت: # ما يدعون بياء ms3712 الغيبة: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير الأعشى والبرجمي. ~~الباقون: بتاء الخطاب آية على التوحيد: ابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل ~~وحمزة وعلي غير قتيبة وخلف لنفسه. ويقول بالياء: نافع وعاصم وحمزة وعلي ~~وخلف. الباقون: بالنون يا عبادي الذين # بسكون الياء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بفتح الياء ~~والوقف للجميع بالياء لا غير أرضي # بفتح الياء ابن عامر يرجعون بضم الياء التحتانية وفتح الجيم: يحيى وهشام ~~ترجعون بفتح التاء الفوقانية وكسر الجيم. الباقون: بضم التاء الفوقانية ~~وفتح الجيم لنثوينهم بسكون الثاء المثلثة: حمزة وعلي وخلف. والآخرون: بفتح ~~الياء التحتانية الموحدة. وتشديد الواو وليتمتعوا بسكون اللام: ابن كثير ~~وقالون وحمزة وعلي وخلف سبلنا بسكون الباء: # أبو عمرو. ### | الوقوف: # من شيء ط الحكيم ه للناس ط لاختلاف الجملتين والعدول عن العموم إلى ~~الخصوص العالمون ه بالحق ه للمؤمنين ه الصلاة ط والمنكر ط أكبر ط ما تصنعون ~~ه مسلمون ه إليك الكتاب ط يؤمنون به ج فصلا بين حال الفريقين مع اتفاق ~~الجملتين يؤمن به ط الكافرون ه المبطلون ه العلم ط الظالمون ه من ربه ط عند ~~الله ط مبين ه عليهم ط يؤمنون ه شهيدا ج لأن ما بعده يصلح وصفا واستئنافا ~~والأرض بالله لا لأن ما بعده خبر الخاسرون ه بالعذاب ط العذاب ط لا يشعرون ~~ه بالعذاب ط بالكافرين ه لا لأن يوم ظرف لمحيطة تعملون ه فاعبدون # ط ترجعون ه خالدين فيها ط العاملين قف بناء على أن التقدير هم الذين أو ~~أعني الذين يتوكلون ه رزقها ق قد قيل: والوصل أولى لأنه وصف آخر لدابة ~~وإياكم ج لاحتمال الاستئناف والوصل أولى ليكون حالا متمما للمعنى العليم ه ~~ليقولن الله # PageV05P387 # لا للاستفهام مع الفاء يؤفكون ه ويقدر له ط عليم ه ليقولن الله ط الحمد ~~لله ط لتمام المقول لا يعقلون ه ولعب ط الحيوان ط لأن الشرط غير معلق ~~يعلمون ه الدين ه يشركون لا لتعلق لام كي ومن جعلها لام أمر تهديد ms3713 وقف عليه ~~آتيناهم ط لمن قرأ وليتمتعوا بالجزم على استئناف الأمر، ومن جعل لام ~~ليكفروا للأمر عطف هذه عليها فلم يقف. وليتمتعوا لا لاستئناف التهديد ~~يعلمون ه من حولهم ط يكفرون ه جاءه ط للكافرين ه سبلنا ط المحسنين ه. ### | التفسير: # هذا توكيد للمثل المذكور وزيادة عليه حيث لم يجعل ما يدعونه شيئا هذا على ~~تقدير كون «ما» نافية و «من» زائدة، ويجوز أن تكون استفهاما نصبا ب يدعون ~~أو بمعنى الذي و «من» للتبيين المراد ما يدعون من دونه من شيء فإن الله ~~يعلمه. وهو العزيز الحكيم قادر على إعدامه وإهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون ~~الهلاك عن بينة والحياة عن بينة. وفيه أيضا تجهيل لهم حيث عبدوا ما هو أقل ~~من لا شيء وتركوا عبادة القاهر القادر الحكيم. ثم إن الجهلة من قريش كانوا ~~يسخرون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت ونحوهما فنزلت وتلك الأمثال نضربها ~~للناس وما يعقلها إلا العالمون وذلك لأن الأمثال والتشبيهات وسائل إلى ~~المعاني المحتجبة في الأستار كما سبق في أول البقرة، حيث ضرب المثل ~~بالبعوضة. قال الحكيم: العلم الحدسي يعرفه العاقل، وأما إذا كان فكريا ~~دقيقا فإنه لا يعقله إلا العالم لافتقاره إلى مقدمات سابقة. والمثل مما ~~يفتقر في إدراك صحته وحسن موقعه إلى أمور سابقة ولا حقة يعرف بها تناسب ~~مورده ومضربه وفائدة إيراده فلا يعقل صحتها إلا العلماء. وحين أمر الخلق ~~بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان وقص قصصا فيها عبر، وأنذر أهل الكفر بإهلاك ~~من غبر ووصف سبيل أهل الأباطيل بالتمثيل، قوى قلوب أهل الإيمان بأن كفرهم ~~ينبغي أن لا يورث شكا في صحة دينكم، وشكهم يجب أن لا يؤثر في رد يقينكم، ~~ففي خلق السموات والأرض بالحق بيان ظاهر وبرهان باهر وإن لم يؤمن به على ~~وجه الأرض كافر. وإنما قال هاهنا لآية للمؤمنين مع قوله ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله وقوله إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لآيات لقوم يعقلون [البقرة: 164] ~~لأن ms3714 المؤمن لا يقصر نظره من الخلق على معرفة الخالق فحسب ولكنه يرتقي منه ~~إلى نعوت الكمال والجلال فيعرف أنه خلقهما متقنا محكما وهو المراد بقوله ~~بالحق والخلق المتقن المحكم لا يصدر إلا عن العالم بالكليات والجزئيات، ~~وإلا عن الواجب الواحد الذات والصفات كقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا [الأنبياء: 22] ثم يرتقي من مجموع هذه المقدمات إلى صحة الرسالة ~~وحقيقة المعاد فيحصل له الإيمان بتمامه من خلق ما خلقه على أحسن نظامه. ~~وإنما # PageV05P388 # وحد الآية هاهنا لأنه إشارة إلى التوحيد وهو سبحانه واحد لا شريك له. وفي ~~قصة إبراهيم إشارة إلى النبوة وفي النبيين صلى الله عليهم وسلم كثرة. وحيث ~~قوى قلب المؤمنين بالتخصيص المذكور سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ~~اتل ما أوحي إليك من الكتاب لتعلم أن نوحا ولوطا وغيرهما بلغوا الرسالة ~~وبالغوا في إقامة الدلالة، ولم ينقذوا قومهم من الضلالة والجهالة، ولهذا ~~قال اتل ولم يقل «اتل عليهم» لأن التلاوة بعد اليأس منهم ما كانت إلا ~~لتسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم. أو نقول: إن الكاتب الإلهي قانون كلي ~~فيه شفاء للصدور فيجب تلاوته مرة بعد أخرى ليبلغ إلى حد التواتر وينقله قرن ~~إلى قرن ويأخذه قوم من قوم إلى يوم النشور. وأيضا فيه من العبر والمواعظ ما ~~يهش لها الأسماع وتطمئن إليها القلوب كالمسك يفوح لحظة فلحظة، وكالروض ~~يستلذه النظر ساعة فساعة. وفي الجمع بين الأمرين التلاوة وإقامة الصلاة ~~معنيان: أحدهما زيادة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له: إذا ~~تلوت ولم يقبل منك فأقبل على الصلاة لأنك واسطة بين الطرفين، فإن لم يتصل ~~الطرف الأول وهو من الخالق إلى المخلوق، فليتصل الطرف الآخر وهو من المخلوق ~~إلى الخالق. والثاني أن العبادات إما اعتقادية وهي لا تتكرر بل تبقى مستمرا ~~عليها. وإما لسانية، وإما بدنية خارجية وأفضلها الصلاة، فأمر بتكرار الذكر ~~والصلاة حيازة للفضيلتين ثم علل الأمر بإقامة الصلاة فقال إن الصلاة تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر فقال بعض المفسرين: أراد ms3715 بالصلاة القرآن وفيه النهي ~~عنهما وهو بعيد وقيل: أراد نفس الصلاة وإنما تنهى عنهما ما دام العبد في ~~الصلاة، وضعف بأنه ليس مدحا كاملا لأن غيرها من الأعمال الفاضلة والمباحة ~~قد يكون كذلك كالنوم وغيره. والذي عليه المحققون أن للصلاة لطفا في ترك ~~المعاصي فكأنها ناهية عنها وذلك إذا كانت الشروط من # الخشوع وغيره مرعية. فقد روي عن ابن عباس: من لم تأمره صلاته بالمعروف ~~ولم تنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: إن فلانا يصلي بالنهار ~~ويسرق بالليل. فقال: إن صلاته لتردعه # وروي أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلاة ثم يرتكب الفواحش، فوصف ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب. # وعلى كل حال فالمراعي لأوقات الصلاة لا بد أن يكون أبعد من القبائح. ~~واللفظ لا يقتضي إلا هذا القدر وكيف لا تنهى ونحن نرى أن من لبس ثوبا فاخرا ~~فإنه يتجنب مباشرة القاذورات، فمن لبس لباس التقوى كيف لا يتجنب الفواحش. # وأيضا الصلاة توجب القرب من الله تعالى كما قال واسجد واقترب [العلق: 19] ~~ومقرب الملك المجازي يجل منصبه أن يتعاطى الأشغال الخسيسة فكيف يكون مقرب ~~الملك الحقيقي؟ # وأيضا من دخل في خدمة ملك فأعطاه منصبا له مقام خاص مرتفع فإذا دخل وجلس ~~في صف النعال لم يتركه الملك هنالك، فإذا صار العبد برعاية شروط الصلاة ~~وحقوقها من # PageV05P389 # أصحاب اليمين فكيف يتركه الله الكريم في أصحاب الشمال؟ وتفسير الفحشاء ~~والمنكر مذكور مرارا، وقال أهل التحقيق: الفحشاء التعطيل وهو إنكار وجود ~~الصانع، والمنكر الإشراك به وهو إثبات إله غير الله وذلك أن وجود الواجب ~~الواحد أظهر من الشمس وإنكار الظاهر منكر ظاهر. واعلم أن الصلاة لها هيئة ~~فأولها وقوف بين يدي الله كوقوف العبد بين يدي السلطان، وآخرها جثو بين يدي ~~الله كما يجثو أهل الإخلاص بين يدي السلطان. وإذا جثا في الدنيا هكذا لم ~~يجث في الآخرة كما ms3716 قال ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم: 72] فالمصلي إذا قال ~~«الله» نفى التعطيل وإذا قال «أكبر» نفى الشرك لأن الشريك لا يكون أكبر من ~~الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك، وإذا قال بسم الله نفى التعطيل، وإذا قال ~~الرحمن الرحيم نفى الإشراك لأن الرحمن هو المعطي للوجود بالخلق والرحيم هو ~~المفيض للبقاء بالرزق، وهكذا الحمد لله خلاف التعطيل، وقوله رب العالمين ~~خلاف التشريك وفي قوله إياك نعبد نفى التعطيل والإشراك من حيث إفادة ~~التقديم الاختصاص بالعبادة، وكذا قوله وإياك نستعين وفي قوله اهدنا الصراط ~~نفي التعطيل لأن المعطل لا مقصد له. # وفي قوله المستقيم نفى الإشراك لأن المستقيم أقرب الطرق وهو أحد، والمشرك ~~يزيد في الطريق بتحصيل الوسائط. وعلى هذا إلى آخر الصلاة وهو قوله في ~~التشهد «أشهد أن لا إله إلا الله» نفى التعطيل والإشراك، فأول الصلاة ~~«الله» وآخرها «الله» . ثم إن الله سبحانه كأنه قال للعبد: أنت إنما وصلت ~~إلى هذه المنزلة الرفيعة بهداية محمد صلى الله عليه وسلم، فقل بعد ذكري: # أشهد أن محمدا رسول الله، واذكر إحسانه بالصلاة عليه. ثم إذا رجعت من ~~معراجك وانتهيت إلى إخوانك فسلم عليهم وبلغهم سلامي كما هو دأب المسافرين ~~ولذكر الله أي الصلاة أكبر من غيرها من الطاعات. وفي تسمية الصلاة بالذكر ~~إشارة إلى أن شرف الصلاة بالذكر. وجوز في الكشاف أن يراد ولذكر الله عند ~~الفحشاء والمنكر وذكر نهيه عنهما ووعيده عليهما أكبر فكان أولى بأن ينهى من ~~اللطف الذي في الصلاة. وعن ابن عباس: # ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بالطاعة. والله يعلم ما ~~تصنعون من الأعمال فيثيبكم أو يعاقبكم على حسب ذلك. # وحين بين طريقة إرشاد المسلمين ونفع من انتفع واليأس ممن امتنع، أراد أن ~~يبين طريقة إرشاد أهل الكتاب وهي مجادلتهم بالخصلة التي هي أحسن، يعني ~~مقابلة الخشونة باللين والغضب بالحلم والعجلة بالتأني. قال بعض المفسرين: ~~أراد لا تجادلهم بالسيف وإن لم يؤمنوا إلا إذا ظلموا فنبذوا الذمة أو منعوا ~~الجزية. وقيل: إلا الذين أشركوا منهم ms3717 بإثبات الولد لله والقول بثالث ثلاثة ~~وقيل: إلا الذين آذوا رسول الله. والتحقيق أن أكثر أهل الكتاب جاؤا بكل حسن ~~إلا الاعتراف بمحمد صلى الله عليه وسلم فوحدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال ~~الرسل # PageV05P390 # والمبدأ والمعاد، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أولا بالأحسن، ولا تستهجن ~~آراؤهم ولا ينسب إلى الضلال آباؤهم بل يقال لهم آمنا بالذي أنزل إلينا إلى ~~آخر الآية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم، وإن كان ~~حقا لم تكذبوهم» «1» # ثم ذكر دليلا قياسيا فقال وكذلك يعني كما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا ~~عليك وقال جار الله: هو تحقيق لقوله آمنا بالذي أنزل إلينا أي ومثل ذلك ~~الإنزال أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية. فالذين آتيناهم الكتاب هم عبد ~~الله بن سلام وأضرابه ومن هؤلاء أي من أهل مكة أو الأولون هم الأقدمون من ~~أهل الكتاب، والآخرون هم المعاصرون منهم للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~الأولون هم الأنبياء لأن كلهم آمنوا بكلهم ومن هؤلاء هم أهل الكتاب وما ~~يجحد بآياتنا مع وضوحها إلا المصرون على الكفر المتوغلون فيه نحو كعب بن ~~الأشرف وأصحابه. واعلم أن المجادل إذا ذكر مسألة خلافية كقوله: الزكاة تجب ~~في مال الصغير. فإذا قيل له: لم؟ قال: كما تجب النفقة في ماله ولا يذكر ~~الجامع بينهما. فإن فهم الجامع من نفسه فذاك، وإلا قيل له: لأن كليهما مال ~~فضل عن الحاجة. فالله سبحانه ذكر أولا التمسك بقوله وكذلك أنزلنا ثم ذكر ~~الجامع بقوله وما كنت تتلوا الآية. وفي قوله بيمينك زيادة تصوير لما نفى ~~عنه من كونه كاتبا. ومعنى إذا لارتاب لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة ~~والخط لارتاب المبطلون من أهل الكتاب، وارتاب الذين من شأنهم الركون إلى ~~الأباطيل، لأن النبي إذا كان قارئا كاتبا أمكن أن يسبق إلى الوهم أن الكلام ~~كلامه لا كلام الله، وإذا كان أميا فلا مجال لهذا الوهم. أو المراد أن ms3718 سائر ~~الأنبياء لم يكونوا أميين ووجب الإيمان بهم لمكان معجزتهم فهبوا أنه قارئ ~~كاتب أليس صاحب آيات ومعجزات فإذا هم مبطلون على كل حال. ثم أكد إزالة ~~ريبهم بقوله بل هو يعني القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وهو ~~الحفاظ والقراء وسائر الكتب السماوية، ما كانت تقرأ إلا من القراطيس ولهذا ~~جاء في صفة هذه الأمة «صدورهم أناجيلهم» وما يجحد بآياتنا الباهرة النيرة ~~إلا المتوغلون في الظلم. سماهم أولا كافرين لأجل مجرد الجحود، ثم بعد بيان ~~المعجزة سماهم ظالمين لأن الكفر إذا انضم معه الظلم كان أشنع. ويجوز أن ~~يراد بالظلم الشرك كأنهم بغلوهم في الجحود ألحقوا بأهل الشرك حكما أو ~~حقيقة. ولما بين الدليل من جانب النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شبهتهم وهي ~~الفرق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك أن موسى أوتي تسع آيات علم بها كون ~~الكتاب من عند الله وأنت ما أوتيت شيئا منها فأرشد الله نبيه إلى الجواب ~~PageV05P391 # وهو أن يقول إنما الآيات عند الله ووجهه أنه ليس من شرط الرسالة إظهار ~~المعجزة وإنما المعجزة بعد التوقف في الرسالة، ولهذا علم وجود رسل كشيث ~~وإدريس وشعيب، ولم يعلم لهم معجزة وكان في بني إسرائيل أنبياء لم تعرف ~~نبوتهم إلا بقول موسى أو غيره، فليس على النبي إلا النذارة. وأما إنزال ~~الآية فإلى رحمة الله إذا شاء تخليص القوم من تصديق المتنبئ وتكذيب النبي. ~~ثم قال أولم يكفهم الآية. والمعنى هبوا أن إنزال الآية شرط أليس القرآن ~~المتلو الذي أخرس شقاشق فصحائهم كافيا في بيان الإعجاز؟ إن في ذلك المتلو ~~على وجه الأرضين لرحمة من الله على الخلق وإلا اشتبه عليهم النبي بالمتنبئ ~~وذكرى ليتعظ بها الناس ما بقي الزمان. وإنما كانت هذه الرحمة من الله على ~~الخلق والتذكرة مختصة بالمؤمنين، لأن المعجزة للكافرين سبب لمزيد الإنكار ~~المستلزم لإلزام الحجة والخلود في النار، ثم ختم الدلائل بأن أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بكلام منصف وهو قوله كفى بالله بيني وبينكم شهيدا وقال في ms3719 ~~آخر سورة الرعد قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ~~[الآية: 43] لأن الكلام هناك مع المشركين فاستشهد عليهم بأهل الكتاب أيضا ~~وأما هنا فالكلام مع أهل الكتاب فاقتصر على شهادة الله، ثم بين كون شهادة ~~الله كافية بقوله يعلم ما في السماوات والأرض ثم هددهم بقوله والذين آمنوا ~~بالباطل وكفروا بالله وهما متلازمان لأن الإيمان بما سوى الله وهو الباطل ~~الهالك الزائل الزاهق كفر بالله وجحود بحقه. أولئك هم الخاسرون لا يستحق ~~لهذا الاسم في الحقيقة غيرهم إذ لا غبن أفحش من اشتراء الباطل بالحق والكفر ~~بالإيمان وإضاعة العمر في عبادة ما لا ينفعهم بل يضرهم قيل: إن ناسا من ~~المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف قد كتبوا فيها بعض ما ~~يقول اليهود، فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفى بها حماقة قوم أن يرغبوا عما ~~جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم فنزلت أولم يكفهم الآية. # ويروى أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا: يا محمد من يشهد لك بأنك رسول ~~الله؟ فنزلت قل كفى الآية. # فعلى هذا فالآية نازلة في المشركين، وعلى ما مر فهل يتناول أهل الكتاب؟ ~~قالوا: نعم، لأنه صح عندهم معجزة محمد صلى الله عليه وسلم وقطعوا بأنها ~~ليست من عند الله بل من تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم فيلزمهم أن يقولوا: ~~إن محمدا هو الله فيكون إيمانا بالباطل وكفرا بالله. قلت: ولعل وجه التناول ~~هو أنهم آمنوا بالمحرف من التوراة وعبدوا العجل والله أعلم. ثم إن النضر بن ~~الحرث وغيره من كفار قريش كانوا يستعجلون بالعذاب كما مر استهزاء منهم ~~وتكذيبا فنزلت ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى هو الموت أو يوم بدر أو ~~ما كتب في اللوح أنه لا يعذب هذه الأمة عذاب الاستئصال إلى يوم القيامة. ~~وقوله وهم لا يشعرون تأكيد للبغتة، أو هو كلام مستقل أي إنهم لا يشعرون هذا ~~الأمر ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلا. # PageV05P392 # ثم كرر قوله يستعجلونك بالعذاب تعجبا منهم وتعجيبا، ms3720 فإن من توعد بأمر ~~يسير كلطمة أو لكمة يحتمل أن يظهر من نفسه الجلادة ويقول: هات ما عندك. ~~وأما الذي توعد بإحراق ونحوه فكيف يتجلد ويستعجل خصوصا إذا كان الموعد لا ~~يخلف الميعاد ويقدر على كل ما أراد. وقوله لمحيطة بمعنى الاستقبال أي ستحيط ~~بهم يوم كذا ويجوز أن يكون بمعنى الحال حقيقة لأن المعاصي التي توجبها ~~محيطة بهم في الدنيا، أو مجازا لأن جهنم مآلهم ومرجعهم فكأنها الساعة محيطة ~~بهم. والظرف على هذين الوجهين منصوب بمضمر أي يوم يغشاهم العذاب كان كيت ~~وكيت. وإنما خص الغشيان بالفوق والتحت دون باقي الجهات، لأن نار جهنم بذلك ~~تتميز عن نار الدنيا لأن نار الدنيا، لا تنزل من فوق ولا تؤثر شعلتها من ~~تحت بل تنطفئ الشعلة تحت القدم، وإنما لم يقل «ومن تحتهم» كما قال من فوقهم ~~لأن نزول النار من فوق عجيب سواء كان من سمت الرأس أو من موضع آخر. وأما ~~الاشتعال من تحت فليس بعجيب إلا حيث يحاذي الرجل. ويجوز أن يكون زيادة ~~الأرجل تصويرا لوقوفهم في النار أو لجثوهم فيها. وقوله ذوقوا ما كنتم أي ~~جزاء ما كنتم تعملونه أمر إهانة، وحين ذكر حال الكفرة من أهل الكتاب ~~والمشركين وجمعهم في الإنذار وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم ~~وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من عبادة الله فقال يا عبادي # فإن كانت الإضافة للتشريف كقوله عينا يشرب بها عباد الله [الدهر: 6] ~~فقوله الذين آمنوا # صفة موضحة. وإن كانت للتخصيص فهي صفة مميزة. # ومعنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له عبادة الله في بلد على وجه ~~الإخلاص فليهاجر عنه إلى بلد يكون فيه أفرغ بالا أو أرفع حالا وأقل عوارض ~~نفسانية وأكمل دواعي روحانية # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان ~~شبرا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد» . # واعلم أني عند الوصول إلى تفسير هذه السورة عن لي سفر من غير اختيار كلي ~~فأقول متضرعا ms3721 إلى الله الكريم ومستمدا من إعجاز الفرقان العظيم: اللهم إن ~~كنت تعلم أن هذا السفر مشوب بشيء من رضاك فإن كل الرضا لا يمكنني أن أراعيه ~~فاجعله سببا لنجح المقاصد وحصول المآرب والاشتمال على الفوائد الدنيوية ~~والدينية والخلاص من شماتة الأعداء الدنية حتى أفرع لنشر العلوم الشرعية ~~إنك على ما تشاء قدير وبالإسعاف والإجابة جدير. والفاء في قوله فإياي # للدلالة على أنه جواب الشرط كأنه. # قال: إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني ثم أريد معنى الاختصاص والإخلاص ~~فقدم المفعول على شريطة التفسير، وجيء بالفاء الثانية الدالة على ترتيب ~~المقتضى على المقتضي كما يقال: هذا عالم فأكرموه كما مر في قوله وإياي ~~فارهبون [البقرة: 40] فصار حاصل المعنى: # PageV05P393 # إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فاخلصوها لي في غيرها. والفائدة في الأمر ~~بالعبادة بعد قوله يا عبادي # الدال على العبودية إما المداومة أي يا من عبدتموني في الماضي اعبدوني في ~~المستقبل، أو الإخلاص في العبادة. ويجوز أن يقال: العبودية غير العبادة، ~~فكم من عبد لا يطيع سيده، ثم لما أمر المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك ~~الأوطان ومفارقة الإخوان والخلان فقال كل نفس ذائقة الموت أي إن الذي ~~تكرهون لا بد من وقوعه فالأولى أن يكون ذلك في سبيل الله ثم إلينا ترجعون ~~فنثيبكم على ذلك، وفيه أن كل نفس ذائقة الموت اضطرارا فمن أراد أن لا يموت ~~أبدا فليمت اختيارا فإن أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار. ~~ثم بين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما للكافرين من النيران، وأن في الجنة ~~غرفا تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما يحيط بالكافرين من النار. وبين أن ~~ذلك أجر عملهم بقوله نعم أجر العاملين بإزاء ما بين جزاء عمل الكفار بقوله ~~ذوقوا ما كنتم تعملون وقوله لنبوئنهم ألننزلنهم من الجنة عوالي ومن قرأ ~~بالثاء المثلثة فمن الثواء يقال: ثوى في المنزل لازما وأثوى غيره متعديا ~~إلى واحد. فانتصاب غرفا إما بنزع الخافض، وإما لتضمين الإثواء معنى التبوئة ~~والإنزال، وإما ms3722 التشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. ثم مدح الذين صبروا على ~~المكاره في الحال. وعلى ربهم يتوكلون فيما يحتاجون إليه في الاستقبال. وكل ~~واحد من الصبر والتوكل يحتاج إليه المسافر والمقيم، فكما أن المهاجر يصبر ~~على فراق الأوطان ويتوكل في سفره على الرحمن، فالمتوطن يصبر على الأذيات ~~والمحن ويتوكل في أموره على فضل ذي المنن. والصبر والتوكل صفتان لا تحصلان ~~إلا مع سعة العلم بالله وبما سوى الله، فمن علم أنه باق لا يصبر عنه ولا ~~يتوكل في الأمور إلا عليه، ومن علم أن ما سواه فإن هان عليه الصبر وعلم أنه ~~لا يصلح للاعتماد عليه. ثم ذكر ما يعين على الصبر والتوكل وهو النظر في حال ~~الدواب. # وقال المفسرون: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم بمكة ~~بالهجرة خافوا الفقر والضيعة فكان الرجل منهم يقول: كيف أقدم بلدة ليست لي ~~فيها معيشة فنزلت وكأين من دابة لا تحمل رزقها # عن الحسن أي لا تدخره وقال غيره: لا تطيق حمل الرزق الله يرزقها بإيجاد ~~غذائها وهدايتها إليه. ثم بتشبث ذلك الغذاء بالمغتذي بتوسط قوى أودعها فيها ~~وهيأها لذلك. وإياكم بمثل ما قلنا وبزيادة الاهتداء إلى وجوه المكاسب ~~والمعايش وترتيب الملبس والمسكن وتهيئة الأقوات وادخار الأموال وتملكها ~~اختيارا وقهرا، ومنه يعلم أن الاشتغال بترتيب بعض الوسائط وتدبيرها لا ~~ينافي التوكل فقد يكون الزارع الحاصد متوكلا والراكع الساجد غير متوكل. عن ~~ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة وللعقعق مخابئ إلا ~~أنه # PageV05P394 # ينساها. وحكي أن البلبل يحتكر في حضنيه أي يجمع. وإذا كان أكثر الحيوان ~~على صورة المتوكلين فالإنسان العاقل العارف بالمبدأ والمعاد، العالم بوجوه ~~المكاسب الذي يأتيه الرزق من جهات الإرث والعمارة والهدية ونحوها، كيف ~~يظاهر على الحطام الزائل أشد حرص؟! وهو السميع لدعاء طلبة الرزق العليم ~~بطوياتهم ومقادير حاجاتهم. ثم عجب أهل العجب من حال المشركين من أهل مكة ~~وغيرهم لم يعبدوا الله مخلصين مع علمهم بأنه خالقهم ورازقهم، فكيف يصرفون ~~عن توحيد الله؟ فإن من علمت ms3723 عظمته وجبت خدمته، ولا عظمة فوق عظمة خالق ~~الذرات وإليه أشار بخلق الأرض والسموات موجد الصفات وإليه الإشارة بتسخير ~~الشمس والقمر ولا حقارة فوق حقارة الجماد لأنه دون النبات وهو دون الحيوان ~~وهو دون الإنسان وهو دون سكان السموات، فكيف يتركون عبادة أشرف الموجودات ~~ويشتغلون بعبادة أخس المخلوقات، وحين ذكر الخلق أتبعه ذكر الرزق وحكمة ~~البسط والقبض في ذلك الباب. ومعنى يقدر يضيق فالضمير في له إما للشخص ~~المعين المبسوط له والمراد أن تعاقب الأمرين عليه بمشيئة الله وإما لمبهم ~~غير معين كأن الضمير وضع موضع من يشاء. وفي قوله إن الله بكل شيء عليم ~~إشارة إلى أنه عالم بمقادير الحاجات فإذا علم احتياج العبد إلى الرزق أوصله ~~إليه من غير تأخير إن شاء. # ثم احتج على المشركين بوجه آخر وهو اعترافهم بأن إحياء الأرض الميتة ~~بواسطة تنزيل ماء السماء هو من الله. ثم قال قل الحمد لله وهو كلام مستقل ~~على سبيل الاعتراض أو هو متصل بما قبله كأنه استحمد رسوله على البراءة من ~~التناقض والتهافت خلاف أهل الشرك المعترفين بأن النعمة من الله ثم يتركون ~~عبادته إلى عبادة الصنم الذي لا يملك نفعا ولا ضرا. وفيه أن العالم إذا لم ~~يعمل بعلمه انخرط في سلك من لا عقل له ولهذا عقبه بقوله بل أكثرهم لا ~~يعقلون وقال جار الله: أراد لا يعقلون ما يقولون وما فيه من الدلالة على ~~بطلان الشرك وصحة التوحيد، أو لا يعقلون ما تريد بقولك: «الحمد لله» ولا ~~يفطنون لم حمدت الله عند مقالتهم. واعلم أن المشركين معترفون بأن الخلق ~~والرزق من الله، ولكن حب الدنيا وزينتها حملتهم على موافقة أهل الشرك ~~والمداومة على الدين الباطل، فصغر الله تعالى أمر الدنيا وعظم أمر الآخرة ~~ليعلم أن رعاية جانب الآخرة أهم من رعاية صلاح الدنيا. قال أهل العلم: ~~الإقبال على الباطل لعب، والإعراض عن الحق لهو، والمشتغل بالدنيا كذلك. ~~ويمكن أن يقال: المشتغل بها لا على وجه الاستغراق بل على وجه يفرغ لبعض ~~أمور الآخرة ms3724 لاعب، والمشغول بها بحيث ينسى الآخرة بالكلية لاه وحين كان ~~الكلام في الأنعام بعد ذكر الآخرة وما يجري فيها من الحيرة والحسرة قدم ~~اللعب هنالك # PageV05P395 # لأن الاستغراق الكلي بالنسبة إلى أهل الآخرة أبعد فأخر الأبعد. ولما كان ~~المذكور هاهنا من قبيل الدنيا ولهذا أشار إليها بقوله وما هذه الحياة ~~الدنيا وقال في الأنعام وما الحياة الدنيا [الآية: 32] وهي خداعة تدعو ~~النفوس إلى الإقبال عليها بالكلية، فلا جرم قدم اللهو. ويحتمل أن يقال: إنه ~~تعالى قدم اللعب على اللهو في موضعين من «الأنعام» وكذلك في القتال ويقال ~~لها «سورة محمد» صلى الله عليه وسلم وفي «الحديد» . وقدم اللهو على اللعب ~~في «الأعراف» و «العنكبوت» . فاللعب مقدم في الأكثر لأن اللعب زمانه الصبا، ~~واللهو زمانه الشباب، وزمان الصبا مقدم على زمان الشباب. # «تنبيه» ما ذكر في الحديد اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب كلعب الصبيان ~~ولهو كلهو الشبان وزينة كزينة النسوان وتفاخر كتفاخر الإخوان وتكاثر ~~[الآية: 20] كتكاثر السلطان وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك في القيامة فذكر ~~على ترتيب ما انقضى وبدأ بما بدأ به الإنسان وانتهى من الجانبين. وأما هذه ~~السورة فأراد فيها ذكر سرعة زمان الآخرة، فبدأ بذكر ما هو أكثر ليكون إلى ~~المقصود أقرب. ثم إن الحال في سورة الأنعام لما كانت حال إظهار الحسرة لم ~~يحتج المكلف إلى وازع قوي فاقتصر على قوله وللدار الآخرة خير [الأنعام: 32] ~~ولما كان هاهنا حال الاشتغال بالدنيا احتاج إلى وازع أقوى فقال وإن الدار ~~الآخرة لهي الحيوان أي لا حياة إلا حياة الآخرة وليس فيها إلا حياة مستمرة ~~دائمة بلا موت فكأنها في ذاتها حياة. ولا يخفى ما في التركيب من أنواع ~~المبالغة من جهة «إن» ومن جهة صيغة الفصل، ولام التأكيد، وبناء الفعلان ~~بتحريك العين وهو مصدر «حيي» بياءين لفقد ما عينه ياء ولامه واو. ولو كانا ~~واوين لقيل: حوى مثل قوى وقياسه «حييان» بياءين قلبت الثانية واوا على ~~منوال حيوة في اسم رجل. ولأن المبالغة هاهنا أزيد مما في الأنعام قال ms3725 هاهنا ~~لو كانوا يعلمون وهنالك أفلا تعقلون [الأنعام: 32] لأن المعلوم أكثر مقدمة ~~من المعقول وقد مر في السورة ثم أشار بقوله فإذا ركبوا في الفلك إلى أن ~~المانع من التوحيد والإخلاص هو الحياة الدنيا لأنهم إذا انقطع رجاؤهم رجعوا ~~إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد والإخلاص، فإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى ما ~~كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا لأجلها. ثم بين أن نعمة الأمن يجب أن ~~تقابل بالشكر لا بالكفر فقال أولم يروا الآية. وقد مر مثله في «القصص» . ثم ~~ذكر أن الذين سمعوا البيانات المذكورة ولم يؤمنوا فلا أظلم منهم لأن من وضع ~~شيئا في غير موضعه فهو ظالم. فمن وضع شيئا في موضع لا يمكن أن يكون ذلك ~~موضعه يكون أظلم، وإنهم جعلوا لله شريكا مع عدم إمكان الشريك له، فلا أظلم ~~منهم. وأيضا من كذب صادقا يجوز عليه الكذب كان ظالما، فمن كذب صادقا لا ~~يجوز عليه الكذب كيف يكون حاله وإنهم كذبوا النبي والقرآن؟ وفي قوله # PageV05P396 # لما جاءه إشارة إلى أنهم لم يتلعثموا في التكذيب وقت أن سمعوه ولم ~~يستعملوا التدبر التفكر فيما يجب أن يستعمل فيه التأني والتثبت. وهذا أيضا ~~نوع من الظلم بل ظلم مضموم إلى ظلم. وفي قوله أليس معنيان بعد كون ~~الاستفهام للتقرير. فإن أريد نفي الحال فمعناه ألم يصح عندهم أن في جهنم ~~مثوى للكافرين حتى اجترءوا على مثل هذه الجرأة؟ وإن أريد نفي الاستقبال ~~فالمراد ألا يثوون في جهنم وقد افتروا على الله وكذبوا بالحق؟ وقيل: هو من ~~الكلام المنصف لأنه قدم مقدمة هي أنه لا أظلم من المفتري وهو المتنبئ ومن ~~الذي كذب النبي. ثم ذكر أن جهنم مقام الكافر سواء كان هو المتنبئ أو المكذب ~~للنبي فهو كقوله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] ثم ختم ~~السورة بآية جامعة فيها تسلية قلوب المؤمنين والمراد أن من جاهد النفس أو ~~الشيطان الجني والإنسي فينا أي في حقنا ومن أجل رضانا خالصا لنهدينهم سبيل ~~الجنة أو سبيل ms3726 الخير بإعطاء مزيد الألطاف والتوفيق. وقيل: والذين جاهدوا ~~فيما علموا ولم يقصروا في العمل به لنهدينهم إلى ما لم يعلموا وهو قريب من ~~قول الحكيم: إن النظر في المقدمات يعد النفس لقبول الفيض وهو النتيجة من ~~واهب الصور الجسمانية والعقلية. وقوله وإن الله لمع المحسنين أي بالنصر ~~والإعانة إشارة إلى مرتبة أعلى من الاستدلال وهو الذي يسمى العلم اللدني، ~~فكأنه تعالى أشار في خاتمة السورة إلى الفرق الثلاث. فأشار إلى الناقصين ~~بقوله ومن أظلم وذلك أنهم صرفوا الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وإلى ~~المتوسطين الذين يحصلون العلم بالكد بقوله والذين جاهدوا وإلى أصحاب الحدس ~~وصفاء الضمير بقوله وإن الله لمع المحسنين والله أعلم بمراده. ### | التأويل: # وما يعقلها إلا العالمون بالله لأن عقولهم مؤيدة بأنوار العلم اللدني إن ~~في ذلك لآية للمؤمنين الذين ينظرون بنور الله فان النور لا يرى إلا بالنور ~~اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة فيه أن التلاوة والعمل به يجب أن ~~يتقارنا حتى يتخلق بخلق القرآن ويحصل الانتهاء عن الفحشاء وهي طلب الدنيا. ~~والمنكر وهو الالتفات إلى غير الله. # فإن لم تكن الصلاة متصفة بذلك فهي كلا صلاة. ولذكر الله في إزالة مرض ~~القلب أكبر من تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، لأن القلب لا يطمئن إلا بذكر ~~الله، وعند الاطمئنان توجد سلامة القلب. فالذكر له خاصية الإكسير في جعل ~~الإبريز ذهبا خالصا. والله يعلم ما تصنعون من استعمال مفتاح الشريعة وآداب ~~الطريقة لفتح أبواب طلسم الوجود المجازي والوصول إلى الكنز الخفي ولا ~~تجادلوا يا أرباب القلوب أهل العلم الظاهر إلا بطريق الإنصاف والرفق إلا ~~الذين ظلموا بمزيد الإنكار والعناد فحينئذ لا تجادلوهم إذ لا يرجى منهم ~~قبول الحق والإذعان له، فخلوا بينهم وبين باطلهم وقولوا آمنا بالذي أنزل ~~إلينا من # PageV05P397 # العلوم الباطنة وأنزل إليكم من العلوم الظاهرة وكذلك أي كما أنزلنا ~~الدلائل والبراهين العقلية على أهل الظاهر أنزلنا عليكم الكشوف والمعارف ~~فالذين آتيناهم الكتاب وهم أرباب القلوب يصدقون به، ومن هؤلاء العلماء ~~الظاهريين من يؤمن ms3727 به وما يجحد بآياتنا إلا الذين يشترون الحق بالباطل وما ~~كنت تتلوا وفيه أن القلب إذا كان خاليا عن النقوش الفاسدة كان أقبل للعلوم ~~اللدنية كقلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم يعني أن قلوب الخواص خزائن الغيب. # سأل موسى عليه السلام: إلهي أين أطلبك؟ فقال: أنا عند المنكسرة قلوبهم ~~لأجلي. # ثم أشار بقوله وما يجحد إلى أن الحرمان من الرؤية من خصوصية الرين ولهذا ~~قالوا لولا أنزل عليه آيات وذلك لعمى عيون قلوبهم. ثم أشار إلى ظلومية ~~الإنسان وجهوليته بأنه يستعجل بالعذاب مع عدم صبره عليه وإن جهنم الحرص ~~وغيره من الأخلاق الذميمة لمحيطة بهم من فوقهم وهو الكبر والغضب ومن تحت ~~أرجلهم وهو الحرص والشره والشهوة وهم لا يشعرون لأنهم نائمون فإذا ماتوا ~~انتبهوا يا عبادي # أن أرض حضرة جلالي واسعة # فهاجروا بالخروج من حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي كل نفس ذائقة الموت ~~بالاضطرار فارجعوا إلينا بالاختيار لنبوئنكم من جنة الوصال غرفا من المعارف ~~تجري من تحتها أنهار الحكمة الذين صبروا في البداية على حبس النفس بالفطام ~~عن المرام، وفي الوسط على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعبير، وفي ~~النهاية صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح وكأين من دابة شخص كالدابة لا ~~تحمل النظر عن رزقها لضعف نفسها عن التوكل الله يرزقها وإياكم أيها ~~الطالبون للمشاهدات والمكاشفات ليقولن الله لأن كلهم قالوا في الأزل: بلى ~~عند خطاب ألست بربكم [الأعراف: 172] والفرق إثبات الشريك ونفيه وذلك لعدم ~~إصابة النور المرشش وإصابة دليله قوله الله يبسط الرزق بإصابته النور ويقدر ~~بأخطائه إن الله بكل شيء عليم باستحقاق كل فريق من نزل من سماء الروحانية ~~ماء الإيمان فأحيا به أرض القلوب لهي الحيوان لأن جميع أجزائها حي # فقد ورد في الحديث «إن الجنة وما فيها من الأشجار والأثمار والغرف ~~والحيطان والأنهار حتى ترابها وحصباؤها كلها حي» # قلت: ولعل ذلك لبقاء كل منها على كماله الآخر. ثم بين بقوله فإذا ركبوا ms3728 ~~أن إخلاص المؤمن ثابت وإخلاص الكافر مضطرب ثم بين أن حرم القلب آمن وما ~~حوله من صفات النفس ومشاهدة ربها مظنة تصرف الشيطان، فمن افترى على الله ~~بأن لا يكون له مع الله وقت وحال ويظهر ذلك من نفسه، أو كذب طريقة أهل الحق ~~جاهدوا فينا يخرج منه مجاهدة الرهبانيين والفلاسفة والبراهمة ونحوهم لأنهم ~~مرتاضون رياء وكسلا. # PageV05P398 ### | (سورة الروم) # (وهي مكية حروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون وكلماتها ثمانمائة ~~وتسعة عشر آياتها ستون) ### | [سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 32] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) # بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله ~~وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم ~~قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) # ثم كان عاقبة الذين أساؤا السواى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن ~~(10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين (13) ~~ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان ~~الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين ~~تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها ~~وكذلك تخرجون (19) # ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) ومن آياته أن ~~خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ms3729 ورحمة إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار ~~وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون (24) # ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون (25) وله من في السماوات والأرض كل له قانتون (26) وهو الذي ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم ~~من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من ~~أضل الله وما لهم من ناصرين (29) # فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) # PageV05P399 ### | القراآت: # عاقبة بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون: # بالرفع. السواى بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد يرجعون على ~~الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد تخرجون بفتح التاء وضم ~~الراء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: مجهولا للعالمين بكسر اللام: حفص يفصل على ~~الغيبة: عباس. الآخرون: بالنون. ### | الوقوف: # الم كوفي غلبت الروم ه سيغلبون ه سنين ه ومن بعد ط المؤمنون ه بنصر الله ~~ط وكلاهما مبني على أن قوله بنصر الله يتعلق ب يفرح ينصر من يشاء ط الرحيم ~~ه وعد الله ه لا يعلمون ه الدنيا ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ~~غافلون ه في أنفسهم ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول مسمى ~~ط لكافرون ه من قبلهم ط ms3730 بالبينات ط يظلمون ه لا لأن «ثم» لترتيب الأخبار ~~يستهزؤن ه يرجعون ه المجرمون ه والوصل جائز كافرين ه يتفرقون ه يحبرون ه ~~محضرون ه تصبحون ه تظهرون ه بعد موتها ط تخرجون ه تنتشرون ه ورحمة ط ~~يتفكرون ه وألوانكم ط للعالمين ه من فضله ط يسمعون ه موتها ط يعقلون ه ~~بأمره ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار دعوة لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف. # PageV05P400 # والحق أن قوله من الأرض متعلق ب دعاكم كقولك دعوت زيدا من بيته لا كقولك ~~دعوته من بيتي تخرجون ه والأرض ط قانتون ه أهون عليه ج والأرض ط الحكيم ه ~~من أنفسكم ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام كخيفتكم أنفسكم ط يعقلون ه بغير ~~علم ج لابتداء الاستفهام مع الفاء أضل الله ط لتمام الاستفهام وابتداء ~~النفي ناصرين ه حنيفا ط عليها ط لخلق الله ط القيم ه لا للاستدراك لا ~~يعلمون ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن منيبين حال من ضمير فأقم على أن ~~الأمر له ولأمته مثل يا أيها النبي إذا طلقتم [الطلاق: 1] والوقف أوضح لبعد ~~العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ولا تكونوا من ~~المشركين لأن قوله من الذين كالبدل مما قبله شيعا ط فرحون ه. ### | التفسير: # وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول للمشركين ~~ما أمر الله به صم بكم عمي فهم لا يعقلون [البقرة: 171] وكان يحقر آلهتهم ~~وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في ~~الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ولا تجادلوا أهل الكتاب إلى قوله ~~وإلهنا وإلهكم واحد [العنكبوت: 46] فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب ~~وتركوا مراجعتهم في الأمور. فاتفق أن بعث كسرى جيشا إلى الروم واستعمل ~~عليهم رجلا يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم ~~وخرب مدائنهم. وكان قيصر بعث رجلا يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات ~~وبصرى وهو أدنى الشام إلى أرض العرب وإليه ms3731 الإشارة بقوله أدنى الأرض لأن ~~الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي ~~أطراف الشام. وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف ~~إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم. وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض ~~الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. عن ابن عباس: الأردن وفلسطين. ففرح ~~المشركون بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على ~~الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل. وقوله في أدنى الأرض ~~إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم ~~وهم في بلادهم. ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، ~~وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل ~~تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا ~~إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، # قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبوبكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، ~~والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين. فقال له أبي # PageV05P401 # ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه، فخاطره على عشر ~~قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين. فأخبر أبو بكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده ~~في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. فلما أراد أبوبكر أن يخرج من مكة ~~أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلا فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن ~~يخرج إلى أحد أتاه عبد الله فلزمه إلى أن أقام كفيلا ثم خرج إلى أحد ثم رجع ~~أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فظهرت ~~الروم على فارس يوم الحديبية. وذلك عند رأس سبع سنين. فأخذ أبو بكر الخطر ~~من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله صلى الله ms3732 عليه وسلم فأمره أن يتصدق به. # قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي ~~تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر ~~واليوم والساعة وإن كان معلوما للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن ~~من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند ~~لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ويومئذ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ~~ما وعد الله من غلبتهم يفرح المؤمنون بنصر الله وبغلبة من له كتاب على من ~~لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة. وقيل: نصر الله هو إظهار ~~صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم. # وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدر وهو المراد بنصر الله، وذلك أن ~~خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح ~~يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: أقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو ~~المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول ~~خبر الكسر الموجب للفرح. ومن علق قوله بنصر الله بقوله ينصر بناء على أن ~~المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف هاهنا ووقف ~~على المؤمنون وهو العزيز الرحيم فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته ~~واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فلرحمته عليه. أو نقول: إن نصر ~~المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصلة إليه. وعد الله مصدر ~~مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه لا خلف ~~في وعده لأنهم بله في أمور الدين. وفي إبدال قوله يعلمون من قوله لا يعلمون ~~أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ~~ظاهرا إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضا وفي تكرير «هم» إشارة إلى أن ~~الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها ~~وباطنها مضارها ومتاعبها. # هي الدنيا تقول ms3733 بملء فيها ... حذار حذار من سفكي وفتكي # PageV05P402 # فلا يغرركم طول ابتسامي ... فقولي مضحك والفعل مبكي # ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله أولم يتفكروا وقوله في أنفسهم يتعلق به أما ~~تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أو لم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون ~~كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن ~~الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس. وأما تعلق ~~الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور. وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي ~~أقرب الأشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله ~~تعالى فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه ~~سبحانه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبسا بالغرض الصحيح الذي ~~أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية ~~تقريران: # أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق ~~المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن ~~تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ثم ~~الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر. وثانيهما يتوقف على ~~أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإله الحكيم ~~الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأجسام لمنافع ~~المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء ~~الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية ~~الصلاح والعدل. ثم قال وإن كثيرا من الناس وقد قال قبل ذلك ولكن أكثر الناس ~~لأنه قد ذكر دليلا على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من ~~الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر كما هو فعبر عن الباقي بالكثير. قال في ~~الكشاف والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، ~~واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن ~~نفسه، وأن نفسه أقرب الأشياء ms3734 إليه نظير الآية قوله سبحانه الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض [آل عمران: ~~191] أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق ~~السموات والأرض بدلائل الآفاق. وإنما أخر الأنفس في قوله سنريهم آياتنا في ~~الآفاق وفي أنفسهم [فصلت: 53] لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة ~~الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات ~~الأنفس معلومة. وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس ~~أولا ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة ~~والبلاغة. وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا # PageV05P403 # ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من ~~الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي ~~يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم. وحكاية أشكالهم ثم ذكر ~~أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية ~~وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية. ثم أشار إلى القوة ~~الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ~~وعمروها أكثر مما عمروها هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما ~~لهم أثارة أرض أصلا ولا عمارة لها رأسا، ففيه نوع تهكم بهم. قال أهل ~~البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر «فاطر» وفي «المؤمن» أولم يسيروا ~~بالواو وفي غيرهن أفلم بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة أولم يتفكروا وما ~~بعدها وأثاروا بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها. وكذا في «فاطر» ما قبله ~~ولن تجد لسنت الله تحويلا وما بعده وما كان [الآية: 43، 44] وفي «المؤمن» ~~ما قبله والذين يدعون وأما في آخر «المؤمن» فما قبله أي آيات الله # وما بعده فما أغنى عنهم [الآية: 82] وكلاهما بالفاء. قوله في هذه السورة ~~من قبلهم متصل بكون آخر مضمر. وقوله كانوا أشد منهم قوة وكذا معطوفاه إخبار ~~عما كانوا عليه قبل ms3735 الإهلاك. وإنما قال في «فاطر» وكانوا بزيادة الواو لأن ~~التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا أشد، وخصت السورة به لقوله وما كان الله ~~ليعجزه [فاطر: 44] وقال في «المؤمن» كانوا من قبلهم كانوا هم أشد فأظهر ~~«كان» وزاد لفظه «هم» لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين ~~آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة ~~اكتفاء بالأول والله أعلم. ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بوضع الأنفس الشريفة ~~في موضع خسيس هو عبادة الأصنام. قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله ~~وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم والسوأى تأنيث الأسوإ وهو الأقبح وهي ~~خبر «كان» فيمن قرأ عاقبة بالرفع واسم «كان» فيمن قرأ عاقبة بالنصب. و «ثم» ~~لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر. والمعنى أنهم أهلكوا ~~ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار. وأن كذبوا المعنى لأن «أو» بأن ~~كذبوا أو هو تفسير أساؤا على أن الإساءة في # معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى ~~مفعول أساؤا وأن كذبوا عطف بيان لها، وخبر «كان» محذوف إرادة الإبهام ليذهب ~~الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام. ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة ~~التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه. قال أهل ~~التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~[يوسف: 26] ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء # PageV05P404 # سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله أن كذبوا ولم يذكره في ~~الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كاف فيه. # وحين ذكر أن عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم ~~يتركه دعوى بلا بينة فقال الله يبدؤا يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز ~~عن الرجعة والإعادة. ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ms3736 ~~ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمرا ~~غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار. # ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا ~~بشركائهم كافرين يجحدونها وقتئذ بقوله سيكفرون بعبادتهم [مريم: 82] أو ~~وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم. ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ~~يومئذ يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده ~~والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء. وفي الأمثال «أحسن من بيضة في روضة» ~~يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى يحبرون يسرون بأنواع المسار ~~لحظة فلحظة. حبره إذا سره سرورا تهلل ببشر. وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة ~~بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل ~~بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك أفضل نعيم الجنة» ~~«1» # قال الراوي: سألت أبا الدرداء بم يتغنين؟ قال: بالتسبيح. # وروي أن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة ~~السماع بعث الله ريحا من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس ~~بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا. # وأما معنى محضرون لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين [القصص: 61] وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر ~~في الآيات الأخر كقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء [النساء: # 48] وكقوله إنما التوبة على الله إلى قوله تبت الآن [النساء: 17- 18] قال ~~جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من ~~الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وفي الانتهاء بقوله ويوم تقوم الساعة وكرر ذكر ~~قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل ~~حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل PageV05P405 # إلى ms3737 المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين. والتسبيح في الظاهر ~~هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها ~~من كل نعمة متجددة. # وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال تمسون صلاتا ~~المغرب والعشاء وتصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر ويظهرون صلاة الظهر ~~أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو ~~العشاء # بقوله صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير ~~العشاء إلى نصف الليل» # ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه من على عباده ~~بالاستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ومن آياته منامكم بالليل ~~[الروم: 23] كما يجيء. روي عن الحسن أن الآية مدنية بناء على أنه كان يقول: ~~فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم. ~~وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة. قوله وعشيا معطوف على حين وما بينهما وهو ~~قوله وله الحمد في السماوات والأرض اعتراض. # قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن ~~يحمدوه قلت: # فيه أيضا أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال ~~الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم. وقدم الإمساك لأن الظلمة ~~عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو ~~للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي ~~إشارة إلى هذا ومعنى ويخرج الحي من الميت قد سلف مرارا ويحتمل أن يراد ~~هاهنا اليقظان والنائم لقوله وكذلك تخرجون أي من القبور، فتنبيه النائم بعد ~~اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون ~~إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما ~~فاته من ليلته» # ثم أراد أن يذكر الحجج الباهرة على ms3738 استحقاق التسبيح والتحميد له فقال ومن ~~آياته أن خلقكم أي أصلكم أو كلا منكم كما مر في أول الحج من تراب وذلك أن ~~التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة ~~بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والروح نير ولثقله وخفة الأرواح ولسكونه والحي ~~متحرك حساس. ولا تتنافي بين هذا وبين قوله خلق من الماء بشرا [الفرقان: 54] ~~لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو ~~التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم ~~بالهواء، وثم لتبعيد الرتبة وإذا للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا. # قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله تعالى يخلق أولا إنسانا ~~فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولا حيوانا ثم يجعله إنسانا، فخلق ~~الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع # PageV05P406 # فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى. وقوله بشر إشارة إلى القوة المدركة ~~التي البشر بها بشرو بها يمتاز عن غيره من الحيوانات. وقوله تنتشرون إشارة ~~إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، ~~وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: ~~العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضا. ~~والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله [الجمعة: 10] وإما بمعنى البث والتفريق كقوله وبث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء [النساء: 1] . # وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان من عليهم بأن جعل ~~نوع الإنسان باقيا بتعاقب الأشخاص فقال ومن آياته أن خلق لكم ولا يلزم منه ~~أن لا يكن مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ~~ما عداه، فقد يكون الشيء مختصا باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما ~~كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على ~~أزواجهن. ومن أنفسكم أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم ~~وقد مر في ms3739 «النحل» ويشهد للتفسير الأول قوله لتسكنوا إليها فإن الجنس إلى ~~الجنس أسكن وجعل بينكم مودة عن الحسن هي الجماع ورحمة هي الولد. وقال غيره: ~~المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي ~~المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج ~~عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر. قال بعضهم: # المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، ~~والفرك من قبل الشيطان إن في ذلك الخلق والجعل لآيات لقوم يتفكرون فخلق ~~الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكرا والآخر أنثى آية، وخروج الولد ~~الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ~~ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، ~~فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ~~ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بدا من ~~أن يقول: إنهما بقدرة الله تعالى. ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها ~~اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية ~~بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص ~~عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس ~~البصر يدرك اختلاف الصور وحسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس # PageV05P407 # والشم والذوق فلا حكم ظاهرا لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية. ~~وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ~~ومن آياته منامكم قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام. ومن ~~آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقا لما جاء في ~~مواضع أخر كقوله وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا [النبأ: 10، 11] ~~وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا ~~لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما ~~زمانان، والزمان والواقع فيه ms3740 كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني ~~كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام. وجوز أن يراد منامكم ~~بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيرا ما ~~ينام بالنهار ويكسب بالليل. وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ~~ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه. ثم أشار ~~إلى عوارض الآفاق فقال ومن آياته يريكم فأضمر «أن» وأسكن الياء بعد حذفها ~~وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر «تسمع بالمعيدي خير من أن ~~تراه» قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زمانا دون زمان ذكره بلفظ ~~المستقبل ولم يذكر معه «أن» وقيل: ومن آياته كلام كاف كما تقول: منها كذا ~~ومنها كذا. # وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق. وانتصاب خوفا ~~وطمعا كما مر في «الرعد» ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلا ومن آياته أن تقوم ~~السماء والأرض بأمره فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ~~ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما ~~كونا كذلك نظيره قوله إن الله يمسك إلى قوله من بعده [فاطر: 41] واعلم أن ~~الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك. ولكن النزاع في ~~الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله كن فيكون [يس: 82] موافق ~~للإرادة بالاتفاق. قال جار الله: قوله إذا دعاكم بمنزلة قوله يريكم في ~~إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات ~~والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور ~~اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهرا. أو أراد نداء ~~الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقا ~~ولا للملك في جوف الأرض. نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه ~~الأرض جاز. ومعنى «ثم» عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك ms3741 الحالة، وإذا ~~الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء. # واعلم أنه تعالى ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم ~~زوجين، # PageV05P408 # وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض. ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان ~~والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ~~ومن لوازمها قيام السماء والأرض. والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن ~~الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر. # وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن ~~الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى ~~الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية ~~الأولى بقوله إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على ~~المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم ~~في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في ~~خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك لقوم ~~يتفكرون ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق ~~السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء ~~وتقلهم الأرض. # وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذه يشترك في ~~معرفتها الناس جميعا فلهذا قال لآيات للعالمين ومن حمل اختلاف الألسن على ~~اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في ~~معرفتها أيضا ظاهر. ومن قرأ للعالمين بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن ~~الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة ~~مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما ~~فلهذا قال لقوم يسمعون ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم ~~إلى أن معنى يسمعون هاهنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من ~~الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده ~~إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر. وأما البرق والمطر فليس أمرا عاديا ولذلك ~~يختلف ms3742 بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل ~~الفاعل المختار فلذلك قال لقوم يعقلون وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو ~~المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه. وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها ~~الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد ~~الأول بقوله وله من في السماوات والأرض كل له قانتون مطيعون منقادون وأكد ~~الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو يعني ~~أن يعيده أهون عليه أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء ~~أصلا حتى يقع التفضيل على حده. وإنما أخرت الصلة هاهنا وقدمت في قوله في ~~سورة مريم وهو علي هين [مريم: 9] لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد # PageV05P409 # بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي. ولا معنى للاختصاص هاهنا فإن الأمر مبني ~~على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول ~~الغزو أخرق. وليس الدخيل في أمر كالناشىء عليه. ومن الدليل العقلي على هذا ~~المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن ~~أمرا واحدا أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من ~~قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا ~~قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه. # كان كلاما معقولا وقد أجرى الزجاج قوله وهو أهون عليه مجرى المثل فيما ~~يصعب ويسهل. وفسر به قوله وله المثل الأعلى يعني هذا مثل مضروب لكم في ~~الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين ~~الملائكة. وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس ~~كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى ~~الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق ~~وألسنة الدلائل، وهو أنه ms3743 القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي ~~لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرقها على الوجه الذي ~~يقتضيه التدبير ولهذا ختم الآية بقوله: وهو العزيز الحكيم وعن مجاهد: المثل ~~الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله «لا إله إلا الله» وقد ضرب لذلك مثلا. ~~ومعنى من أنفسكم أنه أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و «من» ~~للابتداء وفي قوله مما ملكت أيمانكم للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد ~~الاستفهام الجاري مجرى النفي. والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء ~~من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك فأنتم يعني بسبب ~~ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق سواء من غير تفضيل وففضل ~~للأحرار على العبيد تخافونهم أن تستبدوا بتصرف دونهم كخيفتكم أنفسكم أي كما ~~يهاب بعضكم بعضا من الأحرار. # والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكا له في ماله ولا يكون له حرمة ~~كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟ ~~وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن ~~مملوككم ليس مملوكا لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم ~~لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم. وقد يزول ~~الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي ~~قوله في ما رزقناكم إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما ~~الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله كذلك أي مثل هذا التفصيل والتبعيد ~~للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي نفصل الآيات نبينها لقوم # PageV05P410 # يعقلون # لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول. # ثم شوه صورة الشرك بقوله بل اتبع الذين ظلموا أي أشركوا أهواءهم بغير علم ~~فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا ~~يرجى ارعواه يؤكده قوله فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين والإضلال ~~هاهنا ms3744 لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة ~~يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مرارا. ثم قال لرسوله ولأمته ~~تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحدانية فأقم وجهك للدين أي سدده نحوه غير ~~مائل إلى غيره من الأديان الباطلة فطرت الله أي الزموها أو عليكم بها. قال ~~جار الله: إنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله منيبين وهو حال منهم ولأن ~~الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير ~~لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو أريد وأشباه ذلك. # وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما # جاء في الحديث النبوي «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما ~~اللذان يهودانه وينصرانه» «1» . # ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر. وقوله لا تبديل ~~لخلق الله نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطركم عليه لكن ~~الإيمان الفطري غير كاف. # وقيل: هو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: ~~إنهم أشقياء ومن كتب شقيا لم يسعد. وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن ~~عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من أيديهم بالبيع والعتق. ~~وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه ~~تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ~~وإنما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى ~~والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلها. ومعنى فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا قد مر في آخر «الأنعام» وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها ~~الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم ~~يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار. ومعنى كل حزب بما لديهم فرحون قد ~~مر في «المؤمنين» وجوز جار الله أن يكون من الذين منقطعا عما قبله وكل حزب ~~مبتدأ وفرحون صفة ms3745 كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله ~~أعلم. PageV05P411 ### | التأويل: # الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب ~~العالمين، فمن الألفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة ~~رب العالمين شملت الفريقين حتى قال إن الله يغفر الذنوب جميعا [الزمر: 53] ~~إلا أن يكون هناك مخصص. ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات ~~فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ~~ونصره في بضع سنين من أيام الطلب ويومئذ يفرح المؤمنون وهم الروح والسر ~~والعقل. أولم يتفكروا في استعداد أنفسهم ما خلق الله السماوات الروحانية ~~والأرض النفسانية إلا ليكون مظهرا للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية ~~مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية. والأجل المسمى هو أوان صفاء ~~القلب متوجها إلى الحق أولم يسيروا في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ~~والذين من قبلهم هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير ~~اعتبار الشرائع. والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال. الله يبدؤا الخلق ~~بتصيير النفس متعلقة بالقالب ثم يعيده بطريق السير والسلوك والعبور عن ~~المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ثم إليه ترجعون بجذبة ارجعي [الفجر: ~~28] ويوم تقوم الساعة الإرادة يبلس المجرمون بتضييع الأوقات في طلب ما سوى ~~الله. ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب ~~الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة فسبحان الله حين تغلبون على ~~ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في ~~سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، وسبحانه في عشاء غشاء القساوة وفي ~~حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا ~~الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين. يخرج القلب الحي بنور ~~الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازا للطفه، ويخرج القلب الميت عن ~~الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهارا لقهره، ويحيي ~~أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة. فمن آياته خلق ms3746 سموات القلوب ~~وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة ~~العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات واختلاف ألوانكم وهي الطبائع ~~المختلفة. منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ~~ومن آياته منامكم في ليل البشرية وابتغاؤكم من فضله في نهار الروحانية ~~والمكاشفات الربانية لقوم يسمعون كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق ~~شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع. فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيرانا ~~فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جنانا فيطمع فيها. أن تقوم سماء النفس ~~وأرض القلب بأمره لأن # PageV05P412 # الروح من أمره ثم إذا دعاكم بجذبة ارجعي [الفجر: 28] إذا أنتم يعني النفس ~~والقلب والروح تخرجون من أنانية وجودكم وهو أهون عليه لأنه في البداية كان ~~مباشرا بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس ~~الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق. ويحتمل أن يكون أهون ~~من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ~~ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية ~~باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، وله المثل الأعلى فيما ~~أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب. ضرب لكم أي للروح والقلب ~~والسر والعقل مما ملكت أيمانكم من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى في ما ~~رزقناكم من العلوم والكشوف تخافونهم أن لا يضيعوا شيئا من المواهب ~~بالتصرفات الفاسدة كخيفتكم أنفسكم أي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئا ~~منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر ~~والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك. فكما لا يصلح هؤلاء ~~لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد ~~والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير. ### | [سورة الروم (30) : الآيات 33 الى 60] # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا فهو ms3747 يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذا أذقنا الناس ~~رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم ~~يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) # فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله ~~وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا ~~عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله ~~الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من ~~شيء سبحانه وتعالى عما يشركون (40) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) # فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ ~~يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) ومن آياته ~~أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم ~~بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله ~~كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم ~~يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) # وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ~~(53) الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من ms3748 بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55) وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) # ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين ~~كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ~~(59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) # PageV05P413 ### | القراآت: # آتيتم من ربا مقصورا: ابن كثير لتربوا بضم التاء وسكون الواو على الجمع: ~~أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب لنذيقهم بالنون: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ~~يرسل الريح على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف كسفا بالسكون: يزيد وابن ~~ذكوان آثار على الجمع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ~~ضعف وما بعده بفتح الضاد: حمزة وعاصم غير للفضل. الباقون: بالضم وهو اختيار ~~خلف وحفص لا ينفع بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وعاصم. والآخرون: بتاء ~~التأنيث لا يستخفنك بالنون الخفيفة: رويس عن يعقوب. ### | الوقوف: # يشركون ه لا وقد يوقف على توهم لام الأمر آتيناهم ط للعدول إلى الخطاب ~~وابتداء أمر التهديد فتمتعوا قف لاستئناف التهديد تعلمون ه يشركون ه بها ج ~~ط فصلا بين النقيضين يقنطون ه ويقدر ج يؤمنون ه وابن السبيل # PageV05P414 # ط وجه الله ز ط المفلحون ه عند الله ج ط لعطف جملتي الشرط المضعفون ه ~~يحييكم ط شيء ط يشركون ه يرجعون ه من قبل ط مشركين ه يصدعون ه كفره ج لما ~~مر يمهدون ه لا وقد يوقف على جعل اللام للقسم وحذف نون التأكيد من فضله ه ~~الكافرين ه تشكرون ه جرموا # ط وقيل: # يوقف على قا # أي وكان الانتقام حقا. ثم ابتدأ علينا أي واجب عليناصر المؤمنين # ه خلاله ط ج للشرط مع الفاء يستبشرون ه لمبلسين ه موتها ط الموتى ms3749 ج ~~لاتفاق الجملتين مع العدول عن بيان الإحياء إلى بيان القدرة قدير ه يكفرون ~~ه مدبرين ه ضلالتهم ط مسلمون ه وشيبة ط ما يشاء ج ط لاختلاف الجملتين مع ~~اتحاد المقول القدير ه المجرمون ه لا لأن ما بعده جواب القسم غير ساعة ط ~~يؤفكون ه يوم البعث ز لاختلاف الجملتين مع اتحاد المقول لا تعلمون ه ~~يستعتبون ه مثل ط مبطلون ه لا يعلمون ه لا يوقنون ه. ### | التفسير: # لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال ~~الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء، وفي لفظي المس ~~والإذاقة دليل على أن الإنسان قليل الصبر في حالتي الضراء والسراء. وإنما ~~قال إذا فريق منهم ولم يقل «إذا هم يشركون» كما قال في آخر «العنكبوت» ، ~~لأن الكلام هناك مع أهل الشرك وهاهنا مع الناس كلهم وليس كل الناس كذلك. ثم ~~استفهم على سبيل الإنكار قائلا أم أنزلنا كأنه قال: إذا تقررت الحجج ~~المذكورة فماذا يقولون، أيتبعون أهواءهم بغير علم أم لهم دليل على ما ~~يقولون؟ وإسناد التكلم الى الدليل مجاز كما تقول: نطقت الحال بكذا. و «ما» ~~في قوله بما كانوا مصدرية والضمير في به لله أو موصولة والضمير لها أي ~~بالأمر الذي بسببه يشركون، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ذا سلطان وهو ~~الملك فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون وحين ذكر الشرك الظاهر ~~أتبعه ذكر الخفي وهو أن تكون عبادة الله للدنيا فإذا أتاه بهواه رضي، وإذا ~~منع وتعسر سخط وقنط، والرحمة المطر والصحة والأمن وأمثالها، والسيئة أضداد ~~ذلك. وإنما لم يذكر سبب الرحمة ليعلم أنها بفضله وذكر سبب السيئة وهو شؤم ~~معاصيهم ليدل على عدله. والفرح بالنعمة مذموم إذا كان مع قطع النظر عن ~~المنعم، فإذا كان مع ملاحظة المنعم فمحمود بل الفرح الكلي يجب أن يكون ~~بالمنعم. والقنوط من رحمة الله أيضا مذموم كما مر في قوله إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون [يوسف: 87] ثم ms3750 أشار بقوله أولم يروا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء إلى أن الكل من الله فيجب أن يكون نظر المحقق في ~~الحالين على الله. ففي حالة # PageV05P415 # الرحمة يشتغل بالشكر، وفي حالة الضراء لا ينسب الله إلى عدم القدرة وإلى ~~عدم العناية بحال العبد بل يشتغل بالتوبة والإنابة إلى أوان الفرج والنصر، ~~وهذه مرتبة المؤمن الموحد فلذلك قال إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ولا يخفى ~~أن بسط الرزق مما يشاهد ويرى فلذلك قال أولم يروا وقال في «الزمر» أولم ~~يعلموا [الآية: 52] مناسبة لما قبله وهو أوتيته على علم [القصص: 78] وقوله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون قال جار الله: # لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما ~~يجب أن يترك قائلا فآت ذا القربى حقه الآية. وأقول: لما بين كيفية التعظيم ~~لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله قائلا فآت أيها المكلف أو النبي ~~والأمة يتبعونه لا محالة كما مر في قوله فأقم وجهك [الروم: 30] وفيه أن ~~الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي ~~أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان. وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة ~~على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف. وإنما قال ذا القربى ولم ~~يقل «القريب» ليكون نصا في معناه ولا يشتبه بالقرب المكاني، وفيه أن ~~القرابة أمر له دوام بخلاف المسكنة وكونه من أبناء السبيل. وفي قوله فآت ذا ~~القربى حقه دون أن يقول «فآت هذه الأصناف حقوقهم» تشريف لذوي القرابة حيث ~~جعل الصنفين الآخرين تابعا لهم على الإطلاق. فإنه إذا قال الملك: خل فلانا ~~يدخل وفلانا أيضا كان أدخل في التعظيم من أن يقول: خل فلانا وفلانا يدخلان ~~ذلك الإيتاء خير في نفسه أو خير من المنع للذين يريدون وجه الله أي ذاته أو ~~جهة قربته فإن من أنفق ألوفا رياء وسمعة لم ينل درجة من أنفق رغيفا لوجه ~~الله وأولئك هم المفلحون كقوله في أول «البقرة» لأن قوله فأقم ms3751 وجهك [الروم: ~~30] اشارة إلى الإيمان بالغيب وغيره أو إلى إقامة الصلاة، وقوله وآت ذا ~~القربى أمر بالزكاة بل بالصدقة المطلقة. وفي قوله يريدون وجه الله إشارة ~~إلى الاعتراف بالمعاد. ثم أراد أن يعظم شأن الصدقة فضم إلى ذلك تقبيح أمر ~~الربا استطرادا. # فمن قرأ ممدودا فظاهر، ومن قرأ مقصورا فهو من الإتيان أي وما غشيتموه أو ~~أصبتموه من إعطاء ربا ليربو أي ليزيد في أموال أكلة الربا، وفي القراءة ~~الأخرى ليزيد في أموالهم فلا يربوا فلا يزكو ولا ينمو عند الله لأنه يمحق ~~بركتها نظيره ما مر في آخر البقرة يمحق الله الربا ويربي الصدقات [الآية: ~~276] قيل: نزلت في ثقيف وكانوا يرابون. وقيل: نزلت في الهبة أو الإهداء ~~لأجل عوض زائد، فبين الله تعالى أن ذلك لا يوجب الثواب عند الله وإن كان ~~مباحا. # وفي الحديث «الجانب المستغزر يثاب عن هبته» # أي الرجل الغريب إذا أهدى شيئا فإنه ينبغي أن يزاد في عوضه. قال جار ~~الله: في قوله فأولئك التفات حسن كأنه قال ذلك لخواصه ولملائكته وهو أمدح ~~لهم من أن يقول «فأنتم المضعفون» أي ذوو الإضعاف # PageV05P416 # من الحسنات نظيره المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، والرابط محذوف أي ~~هم المضعفون به. وجوز في الكشاف أن يراد فمؤتوه أولئك هم المضعفون. قالت ~~العلماء: # أراد الإضعاف في الثواب لا في المقدار، فليس من أعطى رغيفا فإن الله ~~يعطيه عشرة أرغفة، وإنما المراد أن الرغيف الواحد لو اقتضى أن يكون ثوابه ~~قصرا في الجنة فإن الله تعالى يعطيه عشرة قصور تفضلا. # ثم عاد إلى بيان التوحيد مرة أخرى بتذكير الخلق والرزق والإماتة والإحياء ~~بعدها نظرا إلى الدلائل، ثم طلب منهم الإنصاف بقوله هل من شركائكم من يفعل ~~من ذلكم من شيء قال جار الله: «من» الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن ~~مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم وتجهيل عبدتهم. قلت: الأولى للتبعيض كأنه ~~أقام فعل البعض مقام فعل الكل توسعة على الخصم، والثالثة لتأكيد الاستفهام، ~~والمتوسطة للابتداء ولكنه يفيد أنه رضي منهم بشيء واحد من ms3752 تلك الأشياء ~~للتوسعة المذكورة أيضا. ثم بين أن الشرك وسائر المعاصي سبب ظهور الفساد في ~~البر والبحر وذلك لقلة المنافع وكثرة المضار ومحق البركات من كل شي. وفسره ~~ابن عباس بإجداب البر وانقطاع مادة البحر وتموجه بمائه، وعن الحسن: # المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على سواحله، وقال عكرمة: العرب تسمي ~~الأمصار بحارا لنذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن نعاقبهم بجميعها ~~في الآخرة إرادة أن يرجعوا عما هم عليه، وجوز جار الله أن يراد ظهر الشر ~~والمعاصي في الأرض برا وبحرا بكسب الناس. وعلى هذا فاللام في قوله لنذيقهم ~~لام العاقبة. ثم أمرهم بالنظر في حال أشكالهم الذين كانت أفعالهم كأفعالهم ~~كقوم نوح وعاد وثمود كان أكثرهم مشركين فيه إشارة إلى أن بعضهم كانوا ~~مرتكبي ما دون الشرك من المعاصي ولكنهم شاركوا المشركين في الهلاك تغليظا ~~عليهم. أو هو كقوله واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: ~~25] أو المراد أن أهل الشرك كانوا أكثر من أهل سائر الأديان الباطلة ~~كالمعطلة والمجسمة ونحوهم. خاطب نبيه وبتبعيته أمته بقوله فأقم كأنه قال: ~~وإذ قد ظهر فساد سائر الملل والنحل فأقم وجهك للدين البليغ الاستقامة من ~~قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده راد. ويجوز أن يتعلق قوله من الله بقوله ~~لا مرد أي لا راد له من جهة الله فلا يقدر غيره على رده فلا دافع له أصلا ~~يومئذ يصدعون أي يتصدعون والتصدع التفرق. ثم بين وجه تفرق الناس بقوله من ~~كفر فعليه كفره أي وبال كفره عليه لا على غيره ومن عمل صالحا أي آمن وعمل ~~صالحا لأن العمل الصالح لا يتصور إلا بعد الإيمان، على أن الإيمان، أيضا ~~عمل صالح قلبي ولساني وسيصرح به في قوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا # PageV05P417 # الصالحات # ومعنى يمهدون يوطؤن كما يسوي الراقد مضجعه، وجوز جار الله أن يراد فعلى ~~أنفسهم يشفقون من قولهم: في المشفق أم فرشت فأنامت. وذلك أن الإشفاق يلزمه ~~التمهيد عرفا وعادة. ثم بين غاية التمهيد بقوله ms3753 ليجزي وقوله من فضله عند ~~أهل السنة ظاهر: وحمله المعتزلة على شبه الكناية لأن الفضل تبع للثواب فلا ~~يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له، أو الفضل بمعنى العطاء والثواب. وفي قوله ~~إنه لا يحب الكافرين وعيد عظيم لهم لأنه إذا لم يحبهم أرحم الراحمين فلا ~~يتصور لهم خلاص من عذابه ولا مناص ولا رحمة من جهته ولا نعمة، وفيه تعريض ~~بأنه يحب المؤمنين ولا وعد أعظم من هذا ولا شرف فوق ذلك. قال جار الله: ~~تكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا ~~يفلح عنده إلا المؤمن الصالح. وقوله إنه لا يحب الكافرين تقرير بعد تقرير ~~على الطرد والعكس. قلت: يشبه أن يكون مراده أنه ذكر الكافر أولا ثم المؤمن، ~~وفي الآية الثانية قرر أولا أمر المؤمن ثم أردفه بتقرير أمر الكافر. أو ~~أراد أن قوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات دل بصريحه على ثواب المؤمن ~~وبتعريضه على حرمان الكافر، وقوله إنه لا يحب الكافرين دل بصريحه على حرمان ~~الكافر وبتعريضه على ثواب المؤمن. فالأول طرد والثاني عكس وكل منهما مقرر ~~للآخر. وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه ~~من دلائل الوحدانية بقوله ومن آياته أن يرسل الرياح ولم يذكر أنه بسبب ~~العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر، لإحسانه سببا ويذكر لأضراره ~~سببا. ومن قرأ على التوحيد فللدلالة على الجنس، ومن قرأ على الجمع فإما ~~لأنه أراد الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة دون الدبور التي هي ~~للعذاب، وإما لأن أكثر الرياح نافعة والضارة كالسموم قليلة جدا لا تهب إلا ~~حينا، وإما لأن الرياح إذا اجتمعت وتزاحمت وتراكمت حتى صارت ريحا واحدا ~~أضرت بالأشجار والأبنية وقلعتها وإذا تفرقت وصارت رياحا اعتدلت ونفعت. قوله ~~مبشرات أي بالمطر كقوله بشرا بين يدي رحمته [الأعراف: 57] وقيل: أي بتصحيح ~~الأهوية وإصلاح الأبدان. # وقوله وليذيقكم إما معطوف على ما قبله معنى كأنه قيل: ليبشركم وليذيقكم ~~بعض رحمته لأن راحات الدنيا زائلة ms3754 لا محالة، وإما معطوف على محذوف أي ~~وليكون كذا وكذا أرسلناها. وفي قوله بأمره إشارة إلى أن مجرد هبوب الريح لا ~~يكفي في جريان الفلك ولكنها تجري بإذن الله وجعله الريح على اعتدال وقوام. ~~وفي قوله ولتبتغوا من فضله دلالة على أن ركوب البحر لأجل التجارة جائز. وفي ~~قوله ولعلكم تشكرون إشارة إلى أن نعم الله تعالى يجب أن تقابل بالشكر. ~~وإنما بنى الكلام في هذه الآية على الخطاب بخلاف # PageV05P418 # قوله لنذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون تشريفا لأهل الرحمة، ورحمة ~~الله قريب من المحسنين فكان من حقهم أن يخاطبوا ثم أشار إلى أصل النبوة مع ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لقد أرسلنا # واختصر الكلام فدل بذكر عاقبة الفريقين المجرم والمؤمن عليهما، فعاقبة ~~المجرمين الذين لم يصدقوا رسلهم الانتقام منهم، وعاقبة الذين صدقوهم النصر ~~والظفر على الأعداء. وفي قوله قا علينا # تعظيم لأهل الإيمان ورفع في شأنهم وإلا فلا يجب لأحد على الله شيء. ثم ~~أراد أن يشير إلى الأصل الثالث وهو المعاد فمهد لذلك مقدمة منتزعة مما تقدم ~~ذكره وهو بيان إرسال الرياح لأجل إحداث السحاب الماطر المبسوطة بعضها على ~~الاتصال والمتفرق بعضها كسفا أي قطعا. وقوله فترى الودق أي المطر يخرج من ~~خلاله قد مر في النور. ثم ذكر في ضمن ذلك عجز الإنسان وقلة ثباته وتوكله ~~وقوله من قبله مكرر للتأكيد ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول ~~فاستحكم بأسهم وتحقق إبلاسهم. وقيل: أراد أنهم من قبل نزول المطر، أو من ~~قبل ما ذكرنا من إرسال الريح وبسط السحاب كانوا مبلسين، وذلك أن عند رؤية ~~السحب وهبوب الرياح قد يرجى المطر فلا يتحقق الإبلاس. ثم صرح بالمقصود ~~قائلا إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء من الإبداء والإعادة قدير. # ثم أكد تزلزل الإنسان وتذبذبه وأنه بأدنى سبب يكفر بنعمة الله فقال ولئن ~~أرسلنا ريحا ضارة باردة أو حارة فرأوه أي رأوا أثر الرحمة وهو النبات. ومن ~~قرأ آثار فالضمير عائد إلى المعنى لأن آثار ms3755 الرحمة النبات أيضا واسم النبات ~~يقع على القليل والكثير، وإنما قال مصفرا ولم يقل «أصفر» لأن تلك الصفرة ~~حادثة. وقيل: فرأوا السحاب مصفرا لأنه إذا كان كذلك لم يمطر. ثم زاد في ~~تسلية رسوله بقوله فإنك لا تسمع الموتى إلى قوله فهم مسلمون وقد مر في آخر ~~النمل. ثم أعاد من دلائل التوحيد دليلا آخر من الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر ~~أحواله وأطواره وتقلبه من ضعف الطفولية إلى قوة الشباب والكهولة ومنها إلى ~~ضعف الهرم. وفي قوله خلقكم من ضعف إشارة إلى أن أساس أمر الإنسان الضعف ~~كقوله خلق الإنسان من عجل [الأنبياء: 37] وقيل: من ضعف أي من نطفة. # وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم ~~القدير. وقوله يخلق ما يشاء كقوله في دليل الآفاق فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء [الروم: 48] والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة. ثم عاد ~~إلى ذكر المعاد وأحوال القيامة، وذكر أن الكفار يستقصرون مدة لبثهم في ~~الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث، وأن أهل العلم ~~والإيمان وهم الملائكة والأنبياء وغيرهم حالهم بالعكس. وذلك أن # PageV05P419 # الموعود بوعد إذا ضرب له أجل يستكثر الأجل ويريد تعجيله، والموعود بوعيد ~~إذا ضرب له أجل يستقل المدة ويريد تأخيرها. ومعنى يؤفكون يصرفون عن الصدق ~~والتحقيق أي هكذا كان أمرهم في الدنيا مبينا على الظن الكاذب وكانوا يصرون ~~بمثله. ويحتمل أن يكونوا ناسين أو كاذبين. ومعنى في كتاب الله في اللوح ~~المحفوظ أو في علمه وقضائه، أو فيما كتب وأوجب. وفيه رد قول الكفار وإطلاع ~~لهم على مصدوقية الحال. قال جار الله: # في الحديث «ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون» # قالوا: لا نعلم أهي أربعون سنة أو أربعون ألف سنة. وذلك وقت يفنون فيه ~~وينقطع عذابهم. والفاء في قوله فهذا يوم البعث جواب شرط يدل عليه الكلام ~~كأنه قيل: إن كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث وبه تبين بطلان قولكم ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون أنه حق. ثم بين أن ms3756 ذلك اليوم لا يقبل فيه عذر من أهل ~~الشرك وسائر أنواع الظلم ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم الرضا فلا يقال ~~لهم أرضوا ربكم بتوبة وطاعة، وقد مر في «النحل» . ثم بين أن القرآن مشحون ~~بقصص وأخبار كلها كالمثل في غرابتها وحسن مواقعها، وأن الرسول مهما جاءهم ~~بدليل أنكروه لأن الذي اجترأ على العناد في دليل واحد، الأغلب أن يتجرأ على ~~أمثاله وهذا نتيجة الطبع والخذلان، فلا علاج في مثل هذه القضية إلا بالصبر ~~وتحمل أعباء الرسالة إلى إنجاز وعد الله بالنصرة وإعلاء الدين. ومعنى لا ~~يستخفنك لا يحملنك على الخفة والقلق قوم شاكون فأمثال هذه الأفعال والأقوال ~~لا تستبعد من أهل الريب والضلال أمر أن لا يضجر ويشتغل بالدعاء إلى الحق ~~حتى يأتي أوان النصر والظفر والله المستعان. # PageV05P420 ### | (سورة لقمان) # (مكية إلا ثلاث آيات ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام إلخ حروفها ألفان ~~ومائة وعشرة كلمها خمسمائة وثمانية وأربعون آياتها أربع وثلاثون) ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) ~~وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره ~~بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين ~~فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) # خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها ~~من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا ~~خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) ~~ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر ~~فإن الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ~~إن ms3757 الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن ~~وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون (15) يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ~~(19) # PageV05P421 ### | القراآت: # ورحمة بالرفع. حمزة وأبو عون عن قنبل ليضل بفتح الياء: ابن كثير وأبو ~~عمرو ويعقوب ويتخذها بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر ~~وحماد يا بني لا تشرك بسكون الياء: البزي والقواس. وقرأ حفص والمفضل بفتح ~~الياء وكذا في قوله يا بني أقم الباقون: بكسر الياء. مثقال بالرفع: أبو ~~جعفر ونافع نصاعر بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف. الآخرون. ~~بالتشديد. ### | الوقوف: # الم ه كوفي الحكيم ه وقف لمن قرأ ورحمة بالرفع على تقدير هو هدى. ومن قرأ ~~بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك فلا وقف للمحسنين ه لا ~~يوقنون ه ط المفلحون ه بغير علم ط قد يوقف لمن قرأ ويتخذها بالرفع والوصل ~~أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفا على ليضل فهو معطوف على يشتري هزوا ط مهين ط ~~وقرا ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء أليم ه النعيم ه لا للحال والعامل ~~معنى الفعل في لهم فيها ط لأن التقدير وعد الله وعدا حقا ط الحكيم ه دابة ه ~~للعدول كريم ه دونه ط مبين ه لله ط لنفسه ج حميد ه بالله ط وقد يوقف على لا ~~تشرك على جعل الباء للقسم وهو ms3758 تكلف عظيم ه بوالديه ج لانقطاع النظم مع تعلق ~~أن اشكر ب وصينا ولوالديك ط المصير ه معروفا ز للعدول عن بعض المأمور إلى ~~الكل مع اتفاق الجملتين إلي ج لأن «ثم» لترتيب الأخبار تعملون ه الله ط ~~خبير ه أصابك ط الأمور ه ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين مرحا ط ~~فخور ج لما ذكر من صوتك ه ط الحمير ه. ### | التفسير: # لما قال في آخر السورة المتقدمة ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل [الزمر: 27] وكان فيه إشارة إلى إعجاز القرآن، ودل ما بعده إلى تمام ~~السورة على أنهم مصرون على كفرهم، أكد تلك المعاني في أول هذه السورة. ~~وتفسيره إلى المفلحون كما في أول البقرة. إلا قوله تلك آيات الكتاب الحكيم ~~فإنه مذكور في أول «يونس» . وحيث زاد هاهنا ورحمة قال للمحسنين فإن الإحسان ~~مرتبة فوق التقوى # لقوله صلى الله عليه وسلم «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» «1» # ولقوله سبحانه إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [النحل: 128] ~~PageV05P422 # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] ومما يؤيد ما قلنا أنه لم يقل هنا ~~يؤمنون بالغيب [البقرة: 3] لئلا يلزم شبه التكرار، فإن الإحسان لا مزيد ~~عليه في باب العقائد. ثم بين حال المعرضين عن الحق بقوله ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث الإضافة بمعنى «من» أي الحديث الذي هو لهو ومنكر. وجوز في ~~الكشاف أن تكون «من» للتبعيض أي يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه وفيه ~~نظر، لأنه يصح هذا التأويل في قولنا «خاتم فضة» وليس بمشهور. قال المفسرون: ~~نزلت في النضر بن الحرث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها ~~قريشا. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به ~~إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك محمد إليه ~~من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. فعلى هذا معنى ليضل بضم الياء ظاهر، ~~ومن قرأ بالفتح فمعناه الثبات على الضلال أو الإضلال نوع من الضلال. ms3759 وقوله ~~بغير علم متعلق ب يشتري كقوله فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين [البقرة: ~~16] أي للتجارة قاله في الكشاف وغيره. ولا يبعد عندي تعلقه بقوله ليضل كما ~~قال ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم [النحل: 25] قال المحققون: ترك ~~الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح، وإذا كان الحديث لهوا لا فائدة فيه كان ~~أقبح. وقد يسوغه بعض الناس بطريق الإحماض كما ينقل عن ابن عباس أنه قال ~~أحمضوا. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «روحوا القلوب ساعة فساعة» # والعوام يفهمون منه الترويح بالمطايبة وإن كان الخواص يحملونه على ~~الاشتغال بجانب الحق # كقوله «يا بلال روحنا» # ثم إنه إذا لم يقصد به الإحماض بل يقصد به الإضلال لم يكن عليه مزيد في ~~القبح ولا سيما إذا كان مع اشتغاله بلهو الحديث مستكبرا عن آيات الله التي ~~هي محض الحكمة كما قال وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ومحل كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا نصب على الحال قال جار الله: الأولى حال من ضمير ~~مستكبرا والثانية من لم يسمعها قلت: # هذا بناء على تجويز الحال المتداخلة وإلا فمن الجائز أن يكون كل منهما ~~ومستكبرا حالا من فاعل ولى أي مستكبرا مشابها لمن لم يسمعها مشابها لمن في ~~أذنيه وقر. وجوز أن يكونا مستأنفين وتقدير كأن المخففة كأنه والضمير للشأن، ~~قال أهل البرهان: هذه الآية والتي في الجاثية نزلتا باتفاق المفسرين في ~~النضر إلا أنه بالغ هاهنا في ذمه لتركه استماع القرآن فقال بعد قوله كأن لم ~~يسمعها كأن في أذنيه وقرا أي صمما لا يقرع مسامعه صوت، فإن عدم السماع أعم ~~من أن يكون بوقر الأذن أو بنحو غفلة. وترك الجملة الثانية في «الجاثية» ~~لأنه لم يبن الكلام هنالك على المبالغة بدليل قوله وإذا علم من آياتنا شيئا ~~[الجاثية: 9] والعلم لا يحصل إلا بالسماع أو ما يقوم مقامه من خط وغيره. ~~وحين بين # PageV05P423 # وعيد أعداء الدين بين حال أولياء الله بقوله إن الذين آمنوا الآية. وقد ~~مر مثله مرارا وفي قوله ms3760 وهو العزيز الحكيم إشارة إلى أنه لا غالب ولا ~~مناوىء، يعطي النعيم من شاء والبؤس من شاء حسب ما تقتضيه حكمته وعدله. ثم ~~بين عزته وحكمته بقوله خلق السماوات بغير عمد وقد مر في أول «الرعد» . ~~وقوله وألقى في الأرض مذكور في أول «النحل» ومن كل زوج كريم ذكر في أول ~~الشعراء. هذا الذي ذكر من السموات بكيفياتها والأرض بهيآتها بسائطها ~~ومركباتها خلق الله أي مخلوقه فأروني ماذا خلق الذين من دونه وهم الآلهة ~~بزعمهم. وهذا أمر تعجيز وتبكيت فلهذا سجل عليهم بالضلال المبين. ثم بين ~~فساد اعتقاد أهل الشرك بأنه مخالف أيضا لعقيدة الحكماء الذين يعولون على ~~المعقول الصرف منهم لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب أو ابن خالته أو من ~~أولاد آزر، عاش ألف سنة وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي ~~قبل مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى فقيل له؟ فقال: ألا أكتفي ~~إذا كفيت وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما. عن ابن عباس: لقمان لم يكن نبيا ~~ولا ملكا ولكن كان راعيا أسود فرزقه الله العتق ورضي الله قوله «ووصيته» ~~وحكاها في القرآن. وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وقال عكرمة ~~والشعبي: كان نبيا. # روي أنه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد وقد لين الله له الحديد، ~~فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس ~~الحرب أنت. فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. فقال له داود عليه السلام: بحق ~~ما سميت حكيما. # وروي أن مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين فأخرج اللسان ~~والقلب، ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان ~~والقلب أيضا فسأله عن ذلك فقال: هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها ~~إذا خبثا. # ثم فسر الحكمة بقوله أن اشكر لله لأن إيتاء الحكمة في معنى القول. قال ~~العلماء: هذا أمر تكوين أي جعلناه شاكرا فإن أمر التكليف يستوي فيه الجاهل ~~والحكيم، وفيه تنبيه على أن شكر ms3761 المعبود الحق رأس كل العبادة وسنام الحكمة ~~وفائدته ترجع إلى العبد لا إلى المعبود فإنه غني عن شكر الشاكرين مستحق ~~للحمد وإن لم يكن على وجه الأرض حامد. وحين بين كماله شرع في تكميله وذلك ~~لابنه المسمى أنعم أو أشكم. قيل: # كان ابنه وامرأته كافرين فما زال يعظهما حتى أسلما. ووجه كون الشرك ظلما ~~عظيما أنه وضع فيه أخس الأشياء- وهو الفقير المطلق- موضع أشرف الأشياء- وهو ~~الغني المطلق- ثم وصى الله سبحانه الإنسان بشكر إنعام الوالدين وبطاعتهما ~~وإن كانا كافرين إلا أن يدعواه إلى الإشراك بالله. وهذه جملة معترضة نيط ~~باعتراضها غرضان: أحدهما أن طاعة الأبوين تالية # PageV05P424 # لعبادة الله، والثاني تأكيد كون الشرك أمرا فظيعا منكرا حتى إنه يلزم فيه ~~مخالفة من يجب طاعته. وقوله حملته أمه وهنا أي حال كونها تهن وهنا على وهن ~~أي ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلا وضعفا، اعتراض في ~~اعتراض تحريضا على رعاية حق الوالدة خصوصا. # روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: قلت: يا رسول الله من أبر؟ قال: ~~أمك ثم أمك ثم أباك. # وقوله وفصاله في عامين توقيت للفطام كما مر في «البقرة» في قوله ~~والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [البقرة: 233] وفيه تنبيه آخر على ما ~~كابدته الأم من المشاق. ومعنى معروفا صحابا أو مصاحبا معروفا على ما يقتضيه ~~العرف والشرع. وفي قوله واتبع سبيل من أناب إلي إشارة أخرى إلى أنهما لو لم ~~يكونا منيبين إلى الرب لم يتبع سبيلهما في الدين وإن لزم طاعتهما في الدنيا ~~وفي باب حسن العشرة والصحبة. واتفق المفسرون على أن هذه الآية ونظيرتها ~~التي في «العنكبوت» وفي «الأحقاف» نزلت في سعد بن أبي وقاص وفي أمه حمنة ~~بنت أبي سفيان، # وذلك أنه حين أسلم قالت: يا سعد، بلغني أنك قد صبأت، فو الله لا يظلني ~~سقف بيت وإن الطعام والشراب علي حرام حتى تكفر بمحمد- وكان أحب ولدها إليها ~~«فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله ms3762 عليه ~~وسلم وشكا إليه فنزلت هذه الآيات، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتراضاها بالإحسان # وإنما لم يذكر في هذه السورة قوله حسنا لأن قوله أن اشكر قام مقامه، ~~وإنما قال هاهنا وإن جاهداك على أن تشرك لأنه أراد وإن حملاك على الإشراك، ~~وقال في العنكبوت لتشرك [العنكبوت: 8] موافقة لما قبله فإنما يجاهد لنفسه ~~مع أن مبني الكلام هناك الاختصار. وحين وصف نفسه بكماله في خاتمة الآية ~~بقوله فأنبئكم بما كنتم تعملون أتبعه ما يناسبه من وصايا لقمان وهو قوله يا ~~بني إنها أي القصة إن تك أي الحبة من الإساءة أو الإحسان في الصغر كحبة ~~الخردل ويجوز أن يقال: الحبة إن تك كحبة الخردل. ومن قرأ مثقال بالرفع تعين ~~أن يكون الضمير في إنها للقصة وتأنيث تك لإضافة المثقال إلى الحبة. # وروي أن ابن لقمان قال له: أرأيت الحبة تكون في مقل البحر أي في مغاصه ~~يعلمها الله؟ إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن الحبة في ~~الصخرة أخفى منها في الماء. # سؤال: الصخرة لا بد أن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة في ~~ذكرها؟ # الجواب على قول الظاهريين من المفسرين ظاهر لأنهم قالوا: الصخرة هي التي ~~عليها الثور وهي لا في الأرض ولا في السماء. وقال أهل الأدب: فيه إضمار ~~والمراد في صخرة أو في موضع آخر من السموات والأرض ومثله قول جار الله، ~~أراد فكانت مع صغرها في أخفى # PageV05P425 # موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم العلوي أو السفلي، وقال ~~أهل التحقيق: إن خفاء الشيء يكون إما لغاية صغره، وإما لاحتجابه، وإما ~~لكونه بعيدا، وإما لكونه في ظلمة. فأشار إلى الأول بقوله مثقال حبة من خردل ~~وإلى الثاني بقوله فتكن في صخرة وإلى الثالث بقوله أو في السماوات وإلى ~~الرابع بقوله أو في الأرض وقوله يأت بها الله أبلغ من قول القائل «يعلمه ~~الله» ففيه مع العلم بمكانه إظهار القدرة على الإتيان به إن الله لطيف نافذ ~~القدرة خبير ms3763 ببواطن الأمور، وحين منع ابنه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته ~~أمره بمكارم الأخلاق والعادات وأولها الصلاة، وفيها تعظيم المعبود الحق، ~~وبعدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبهما تتم الشفقة على خلق الله. ~~وقوله واصبر على ما أصابك من أذيات الخلق في البأس، أو هو مطلق في كل ما ~~يصيبه من المصائب والمكاره إن ذلك المذكور من عزم الأمور أي من معزوماتها ~~من عزم الأمر بالنصب إذا قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه العزيمة خلاف الرخصة، ~~أو من عزم الأمر بالرفع أي جد وقد مر في آخر «آل عمران» . وحين أمره بأن ~~يكون كاملا في نفسه مكملا لغيره وكان يخشى عليه أن يتكبر على الغير بسبب ~~كونه مكملا له أو يتبختر في النفس بسبب كونه كاملا في نفسه قال ولا تصعر ~~خدك للناس يقال: أصعر خده وصعره وصاعره من الصعر بفتحتين وهو داء يصيب ~~البعير يلوي منه عنقه. والمعنى: أقبل على الناس بكل وجهك تواضعا لا بشق ~~الوجه كعادة المتكبرين. ومعنى لا تمش في الأرض مرحا مذكور في سورة «سبحان ~~الذي» والمختال والفخور مذكوران في سورة النساء. فالمختال هو الماشي لأجل ~~الفرح والنشاط لا لمصلحة دينية أو دنيوية، والفخور هو المصعر خده، بين أن ~~الله لا يحبهما فيلزم الاجتناب عن الاتصاف بصفتهما. ثم أمره عند الاحتياج ~~إلى المشي لضرورة بالمشي القصد أي الوسط بين السرعة والإبطاء على قياس سائر ~~الأخلاق والآداب فخير الأمور أوساطها، ومثله غض الصوت حين التكلم. قال أهل ~~البيان: في تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير التي هي مثل في البلادة حتى ~~استهجن التلفظ باسمها في أغلب الأمر، وفي تمثيل أصواتهم بالنهاق ثم إخلاء ~~الكلام عن أداة التشبيه وإخراجه مخرج الاستعارة، تنبيه على أن الإفراط في ~~رفع الصوت من غير ضرورة ولا فائدة مكروه عند الله جدا، واشتقاق أنكر من ~~النكر ليكون على القياس لا من المنكر والحمير جمع الحمار، وإنما لم يقل ~~أصوات الحمير لأن المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق وغير الناطق له صوت، ~~وإن أنكر أصوات ms3764 هذه الأجناس صوت أفراد هذا الجنس. قال بعض العقلاء: من نكر ~~صوت هذا الحيوان أنه لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي أوقات ~~عدم الحاجة يصيح وينهق، وأما سائر الحيوانات فلا يصيح إلا لحاجة قالوا: ومن ~~فوائد عطف الأمر بغض # PageV05P426 # الصوت على الأمر بالقصد في المشي، أن الحيوان يتوصل إلى مطلوبه بالمشي ~~فإن عجز عن ذلك فبالتصويت والنداء كالغنم تطلب السخلة، ومنها أن الإنسان له ~~عقيدة ولسان وجوارح يتحرك بها كسائر الحيوانات فأشار إلى الأولى بقوله إنها ~~إن تك مثقال حبة أي أصلح ضميرك فإن الله خبير، وأشار إلى التوسط في أفعال ~~الجوارح بقوله واقصد في مشيك وإلى التوسط في الأقوال بقوله اغضض من صوتك أو ~~نقول: أشار بقوله أقم الصلاة إلى الأوصاف الملكية التي يجب أن تكون في ~~الإنسان، وبقوله وأمر إلى قوله مرحا إلى الأوصاف الفاضلة الإنسانية، وبقوله ~~واقصد واغضض إلى الأوصاف التي يشارك فيها الإنسان سائر الحيوان والله تعالى ~~أعلم. ### | التأويل: # ويؤتون الزكاة هي للعوام مقادير معينة من المال كربع العشر من عشرين، ~~وللخواص إخراج كل المال في سبيل الله، ولأخص الخواص بذل الوجود لنيل ~~المقصود لهو الحديث قال الجنيد: السماع على أهل النفوس حرام لبقاء نفوسهم، ~~وعلى أهل القلوب مباح لوفور علومهم وصفاء قلوبهم، وعلى أصحابنا واجب لفناء ~~حظوظهم. وإذ قال لقمان القلب لابنه السر المتولد من ازدواج الروح والقلب ~~وهو يعظه أن لا يتصف بصفات النفس العابدة للشيطان والهوى والدنيا في عامين ~~يريد فطامه عن مألوفات الدارين وإن جاهداك فيه أن السر لا ينبغي له أن ~~يلتفت إلى الروح أو القلب إذا اشتغلا بغير الله في أوقات الفترات، فإن ~~الروح قد يميل إلى مجانسه من الروحانيات، والقلب يميل تارة إلى الروح، ~~وأخرى إلى النفس ولكنه يرجى الصلاة بعد الفترة، وأما السر فإذا زال عن ~~طبيعته وهو الإخلاص في التوحيد فإصلاح حاله ممكن بعيد. واتبع سبيل من أناب ~~إلي وهو الخفي. إنها إن تك يعني القسمة الأزلية من السعادة وضدها لصوت ~~الحمير ms3765 قالوا: هو الصوفي يتكلم قبل أوانه. ### | [سورة لقمان (31) : الآيات 20 الى 34] # ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ~~ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ~~(20) وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور (22) ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) ~~نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم ~~لا يعلمون (25) لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26) ~~ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن ~~الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ~~(29) # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي ~~الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن ~~في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين ~~له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار ~~كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير (34) # PageV05P427 ### | القراآت: # نعمه على الجمع: ms3766 أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل وحفص والبحر بالنصب: أبو ~~عمرو ويعقوب عطفا على اسم «أن» الآخرون: بالرفع حملا على محل «أن» ومعمولها ~~وأن ما يدعون على الغيبة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحفص وسهل ويعقوب وينزل ~~الغيث التشديد: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم. ### | الوقوف: # وباطنة ط منير ه آباءنا ط السعير ه الوثقى ط الأمور ه كفره ه عملوا ط ~~الصدور ه غليظ ه ليقولن الله ط لله ط لا يعلمون ه والأرض ط الحميد ه كلمات ~~الله ط حكيم ه واحدة ط بصير ه والقمر ز لأن قوله كل مبتدأ مع عطف «أن» على ~~«أن» الأولى خبير ه الباطل لا الكبير ه من آياته ط شكور ه الدين ج مقتصد ط ~~كفور ه عن ولده لا لعطف الجملتين المختلفتين لفظا مع صدق الاتصال معنى شيئا ~~ط الدنيا قف للفصل بين الموعظتين الغرور ه الساعة ج لاختلاف الجملتين الغيث ~~ج وإن اتفقت الجملتان للتفصيل بين عيب وغيب الأرحام ط لابتداء الجملة ~~المنفية التي فيها استفهام غدا ط لابتداء نفي آخر مع تكرار نفس دون ~~الاكتفاء بضميرها تموت ط خبير ه. ### | التفسير: # لما ذكر أن معرفة الصانع غير مختصة بالنبوة ولكنها توافق الحكمة أيضا، # PageV05P428 # ولو كانت تعبدا محضا للزم قبوله، كيف وإنها توافق المعقول، أعاد ~~الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية. ومعنى سخر لكم لأجلكم كما ~~مر في سورة إبراهيم من قوله وسخر لكم الشمس والقمر دائبين [إبراهيم: 33] ~~الآية ومعنى أسبغ أتم، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ~~ومن جملتها الحواس أنفسها. والباطنة ما لا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل ~~أو لا يعلم أصلا. ومن المفسرين من يخص، فعن مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام ~~والنصر على الأعداء ظاهرا، والباطنة إمداد الملائكة. وعن الضحاك: الظاهرة ~~حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم. # وقيل: النفس. ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في الله بعد ظهور الدلائل على ~~وحدانيته وقد مر في أول «الحج» . ثم ذكر ms3767 أنه لا مستند له في ذلك إلا ~~التقليد، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى ~~النار قائلا أولو كان إلخ. ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا؟ ثم أراد أن يفصل ~~حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال ومن يسلم وجهه إلى الله وهو نظير قوله ~~في «البقرة» بلى من أسلم وجهه لله [الآية: 112] والفرق أن معناه مع «إلى» ~~يرجع إلى التفويض والتسليم، ومع اللام يؤل إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك ~~بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي. وقوله يمتعهم الآية. كقوله في ~~البقرة ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره [الآية: 126] وغلظ العذاب شدته. ثم ~~بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر ~~«العنكبوت» مثله إلا أنه قال في آخره بل أكثرهم لا يعلمون وذلك أنه زاد ~~هناك قوله وسخر الشمس والقمر [الرعد: 2] فبالغ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي ~~العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس. ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على ~~الإطلاق حميد بالاستحقاق. وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية ~~لعلمه فقال ولو أنما في الأرض الآية. عن ابن عباس: أنها نزلت جوابا لليهود ~~وأن التوراة فيها كل الحكمة. وقيل: هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد. # وتقدير الآية على قراءة الرفع: لو ثبت كون الأشجار أقلاما وثبت البحر ~~ممدودا بسبعة أبحر. ويجوز أن تكون الجملة حالا واللام في البحر للجنس. وجعل ~~جنس البحار ممدودا بالسبعة للتكثير لا للتقدير، فإن كثيرا من الأشياء عددها ~~سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله # قوله صلى الله عليه وسلم «المؤمن يأكل في معا واحد والكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء» «1» # أراد الأكل الكثير. وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل ~~PageV05P429 # الأبحر السبعة مملوأة مدادا، فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع. قلت: ~~جعله الأبحر سبعة تقديرا ينافي قوله «أبدا لا ينقطع» وإنما لم يجعل للأقلام ~~مدادا لأن نقصان المداد بالكتابة أظهر من نقصان القلم. ms3768 وإنما لم يقل «كلم ~~الله» على جمع الكثرة للمبالغة إذ يفهم منه أن كلماته لا تفي بكتبتها ~~البحار فكيف بكلمة؟ وقيل: أراد بكلماته عجائب مصنوعاته الموجودة بكلمة «كن» ~~وقد مر نظير هذه الآية في آخر الكهف. ثم بين أنه لا يصعب على قدرته كثرة ~~الإيجاد والإعدام فإن تعلق قدرته بمقدور واحد كتعلقها بمقدورات غير محصورة ~~لأن اقتداره لا يتوقف على آلة وعدة وإنما ذلك له ذاتي يكفي فيه الإرادة. ثم ~~أكد ذلك بأن سمعه يتعلق في زمان واحد بكل المسموعات، وكذا بصره بكل ~~المبصرات من غير أن يشغله شيء عن شيء. ثم أعاد طرفا من دلائل قدرته مع ~~تذكير بعض نعمه قائلا ألم تر وقد مر نظيره في «الحج» إلى قوله الكبير وقوله ~~هاهنا يجري إلى أجل مسمى وقوله في «فاطر» و «الزمر» لأجل مسمى [الزمر: 5، ~~فاطر: 13] يؤل إلى معنى واحد وإن كان الطريق مغايرا، لأن الأول معناه ~~انتهاؤهما إلى وقت معلوم وهو للشمس آخر السنة وللقمر آخر الشهر. وعن الحسن: ~~هو يوم القيامة لأن جريهما لا ينقطع إلا وقتئذ. والثاني معناه اختصاص الجري ~~بإدراك أجل معلوم كما وصفنا. ووجه اختصاص هذا المقام بإلى وغيره باللام، أن ~~هذه الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل. والمشار إليه بذلك هو ما وصف من ~~عجيب قدرته أو أراد أن الموحى من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق. ~~قال بعضهم العلي إشارة إلى كونه تماما وهو أنه حصل له كما ينبغي أن يكون ~~له. والكبير إشارة إلى كونه فوق التمام وهو أنه يحصل لغيره ما يحتاج إليه. ~~ثم أكد الآية السماوية بالآية الأرضية. # ومعنى بنعمته بإحسانه ورحمته أو بالريح الطبية التي هي بأمر الله إن في ~~ذلك الإجراء لآيات لكل صبار على الضراء شكور في السراء. ووجه المناسبة أن ~~كلتا الحالتين قد يقع لراكب البحر أو صبار على النواحي والتروك شكور في ~~الأفعال والأوامر ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر» . # ثم ذكر أن بعض الناس لا يخلص ms3769 لله إلا عند الشدائد، وإنما وحد الموج وجمع ~~الظلل وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب، لأن الموج الواحد يرى له صعود ونزول ~~كالجبال المتلاصقة. وإنما قال هاهنا. # فمنهم مقتصد وقد قال فيما قبل إذا هم يشركون [العنكبوت: 65] لأنه ذكر ~~هاهنا الموج وعظمته ولا محالة يبقى لمثله أثر في الخيال فيخفض شيئا من غلو ~~الكفر والظلم وينزجر بعض الانزجار، ويلزمه أن يكون متوسطا في الإخلاص أيضا ~~لا غاليا فيه، وقل مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر. والختر أشد ~~الغدر ومنه قولهم «لا تمد لنا شبرا من غدر إلا # PageV05P430 # مددنا لك باعا من ختر» . والختار في مقابلة الصبار لأن الختر لا يصدر إلا ~~من عدم الصبر وقلة الاعتماد على الله في دفع المكروه. والكفور طباق الشكور. ~~وحين بين الدلائل وعظ بالتقوى وخوف من هول يوم القيامة. ومعنى لا يجزي لا ~~يقضي كما مر في أول «البقرة» . # وذكر شخصين في غاية الشفقة والمحبة وهما الوالد والولد ليلزم منه عدم ~~الانتفاع بغيرهما بالأولى، وفيه إشارة إلى ما جرت به العادة من أن الأب ~~يتحمل الآلام عن ابنه ما أمكن، والولد يتحمل الإهانة عن الأب ما أمكن، ~~فكأنه قال: لا يجزى فيه والد عن ولده شيئا من الآلام ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا من أسباب الإهانة. قال جار الله: إنما أوردت الجملة الثانية ~~اسمية لأجل التوكيد. وذلك أن الخطاب للمؤمنين فأراد حسم أطماعهم أن يشفعوا ~~لآبائهم الكفرة وفي توسيط «هو» مزيد تأكيد. وفي لفظ المولود دون أن يقول ~~«ولا ولد» تأكيد آخر، لأن الولد يقع على ولد الولد أيضا بخلاف المولود فإنه ~~لمن ولد منك فكأنه قيل: إن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم ~~تقبل شفاعته فضلا أن يشفع لمن فوقه. وقيل: إنما أوردت الثانية اسمية لأن ~~الابن من شأنه أن يكون جازيا عن والده لما عليه من الحقوق والوالد يجزي ~~شفقة لا وجوبا إن وعد الله بمجيء ذلك اليوم حق أو وعده ms3770 بعدم جزاء الوالد عن ~~الولد وبالعكس حق. والغرور بناء مبالغة وهو الشيطان أي لا ينبغي أن تغرنكم ~~الدنيا بنفسها ويزينها في أعينكم غار من الشيطان أو النفس الأمارة. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «مفاتيح الغيب خمس» وتلا قوله إن الله ~~عنده علم الساعة «1» # إلى آخرها. وعن المنصور، أنه همه معرفة مدة عمره فرأى في منامه كأن خيالا ~~أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس. فاستفتى العلماء في ذلك ~~فتأولوها بخمس سنين وبخمسة أشهر وبغير ذلك حتى قال أبو حنيفة: تأويلها أن ~~مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت معرفته لا سبيل لك إليه. ~~قال في التفسير الكبير: ليس مقصود الآية أنه تعالى مختص بمعرفة هذه الأمور ~~فقط فإنه يعلم الجوهر الفرد أين هو وكيف هو من أول يوم خلق العالم إلى يوم ~~النشور، وإنما المراد أنه تعالى حذر الناس من يوم القيامة. كان لقائل أن ~~يقول: متى الساعة؟ فذكر أن هذا العلم لا يحصل لغيره ولكن هو كائن لدليلين ~~ذكرهما مرارا وهو إنزال الغيث المستلزم لإحياء الأرض وخلق الأجنة في ~~الأرحام، فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة بالأولى. ثم إنه كأنه ~~قال: أيها السائل إن لك شيئا أهم منها لا تعلمه فإنك لا تعلم معاشك ومعادك ~~فلا تعلم ماذا تكسب غدا مع أنه فعلك وزمانك ولا PageV05P431 # تعلم أين تموت مع أنه شغلك ومكانك فكيف تعلم قيام الساعة؟ والسر في إخفاء ~~الساعة وإخفاء وقت الموت بل مكانه هو أنه ينافي التكليف كما مر في أول «طه» ~~، ولو علم المكلف مكان موته لأمن الموت إذا كان في غيره. والسر في إخفاء ~~الكسب في غير الوقت الحاضر هو أن يكون المكلف أبدا مشغول السر بالله معتمدا ~~عليه في أسباب الرزق وغيره. # روي أن ملك الموت مر على سليمان عليه السلام فجعل ينظر إلى رجل من ~~جلسائه. فقال الرجل: # من هذا؟ قال: ملك الموت. فقال: كأنه يريدني. وسأل سليمان أن يحمله على ~~الريح إلى بلاد الهند ففعل. ms3771 ثم قال ملك الموت لسليمان: كان نظري إليه تعجبا ~~منه لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. # قال جار الله: جعل العلم لله والدراية للعبد لما في الدراية من معنى ~~الختل والحيلة كأنه قال: إنها لا تعرف وإن أعلمت حيلها وقرىء بأية أرض ~~والأفصح عدم تأنيثه. ### | التأويل: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة هي تسخير ما في السموات وما في الأرض من الأجسام ~~العلوية والسفلية، البسيطة والمركبة. وباطنة هي تسخير ما في سموات القلوب ~~من الصدق والإخلاص والتوكل والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية بأن ~~يسر العيون عليها بالسكون المتدارك بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب ~~عن مضارها. وتسخير ما في أرض النفوس من أضداد الأخلاق المذكورة بتبديلها ~~بالحميدة والتمتع بخواصها والتحرز عن آفاتها. ثم نضطرهم لفساد استعدادهم ~~تجري في البحر بنعمت الله سلامتهم في الظاهر معلومة، وأما في الباطن ~~فنجاتهم بسفائن العصمة من بحار القدرة أو بسفينة الشريعة بملابسة الطريقة ~~في بحر الحقيقة لإراءة آيات شواهد الحق، وإذا تلاطمت عليهم أمواج بحار ~~التقدير تمنوا أن تلفظهم نفحات الألطاف إلى سواحل الأعطاف. # PageV05P432 ### | (سورة ألم السجدة) # (حروفها ألف وخمسمائة وثمانية عشر كلماتها ثلاثمائة وثمانون آياتها ~~ثلاثون مكية إلا قوله أفمن كان مؤمنا إلى ثلاث آيات) ### | [سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 30] # بسم الله الرحمن الرحيم # الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شيء ~~خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم ~~سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ~~(9) # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض ms3772 أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون ~~(10) قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون (12) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم ~~لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما ~~رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا ~~يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) # وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ~~وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) ولنذيقنهم من العذاب ~~الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم ~~أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في ~~مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) # إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (25) أولم يهد ~~لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا ~~يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل ~~منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) # فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) # PageV05P433 ### | القراآت: # خلقه بفتح اللام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل. الآخرون: # بالسكون على البدل من كل شيء. وعلى الأول يكون وصفا له أإذا أإنا كما في ~~«الرعد» ما أخفي بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة. الباقون: ~~بفتحها ms3773 على أنه فعل ماض مجهول لما صبروا بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة ~~وعلي ورويس. الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم أولم نهد بالنون: يزيد عن ~~يعقوب. ### | الوقوف: # الم ه كوفي العالمين ه ط لأن «أم» استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ~~افتراه ج لعطف الجملتين المختلفتين يهتدون ه العرش ط شفيع ه تتذكرون ه ط ~~تعدون ه الرحيم ط من طين ه ج لأن «ثم» لترتيب الأخبار مهين ه ج لذلك ~~والأفئدة ط تشكرون ه جديد ه كافرون ه ترجعون ه عند ربهم ط لحق القول ~~المحذوف موقنون ه أجمعين ه هذا ج للابتداء بان مع تكرار وذوقوا تعملون ه لا ~~يستكبرون ه وطمعا ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ينفقون ه أعين ج لأن جزاء ~~يحتمل أن يكون مفعولا له وأن يكون مصدرا لفعل محذوف يعملون ه فاسقا ط ~~لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار لا يستوون ه المأوى ز لمثل ما مر في جزاء ~~يعملون ه النار ط تكذبون ه يرجعون ه عنها ط منتقمون ه إسرائيل ه ج وإن ~~اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في ~~الثانية صبروا ط لمن شدد # PageV05P434 # يوقنون ه يختلفون ه مساكنهم ط لآيات ط يسمعون ه وأنفسهم ط يبصرون ه ~~صادقين ه ينظرون ه منتظرون ه. ### | التفسير: # لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، ~~بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن. ~~وإعرابه قريب من قوله الم ذلك الكتاب [البقرة: 1- 2] وميل جار الله إلى ~~قوله تنزيل الكتاب مبتدأ خبره من رب العالمين ولا ريب فيه اعتراض لا محل له ~~والضمير في فيه راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلا من عنده. ~~ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرف في أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ~~ورحمة قال هاهنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتاب سأل أولا ~~أنه في أي علم. فإذا قيل: إنه ms3774 في الفقه أو التفسير. # سأل: إنه تصنيف أي شخص؟ ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب ~~رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته. ثم ~~أضرب عما ذكر قائلا أم يقولون افتراه وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن ~~في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر. ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه ~~الحق من ربك. ومعنى لتنذر قوما قد مر في «القصص» ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ ~~يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ~~لم يندرجوا لم يضر فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ~~وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء: 214] وحين بين الرسالة بين ما على الرسول ~~من الدعاء إلى التوحيد فقال الله مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره. وقوله ~~ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون إثبات للولاية والشفاعة أي ~~النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها ~~شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله سبحانه. ولما بين الخلق شرع في ~~الأمر فقال يدبر الأمر أي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله ~~مدبرا من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية ~~عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل ~~الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد قليلا ما تشكرون أو يدبر أمر ~~الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، ثم ~~يصعد إليه مكتوبا في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم إلخ. ثم يدبر ~~الأمر ليوم آخر مثله وهلم جرا. أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما ~~كان من قبول الوحي. ورده مع جبرائيل أيضا وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما ~~بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من ~~أيامنا. وقيل: إنه إشارة ms3775 إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما # PageV05P435 # كان في مدة أكثر كان حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة ~~منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ فلا فرق على هذا ~~بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في «المعارج» . وقيل: إن هذه عبارة عن ~~الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة أيام الشدة والحزن واستقصار ~~أيام الراحة والسرور. وخصت السورة بقوله ألف سنة موافقة لما قبله وهو قوله ~~في ستة أيام وتلك الأيام من جنس هذا اليوم. وخصت سورة المعارج بقوله خمسين ~~ألف سنة [الآية: 4] لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها. وعن ~~عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها ~~خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عز وجل. # وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية ~~الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه. ثم بين أنه مع غاية عظمة ~~ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ذلك عالم الغيب والشهادة وفي قوله ~~العزيز الرحيم إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، ~~وإنما أخر الرحيم مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله الذي أحسن كل شيء ~~خلقه نظيره الذي أعطى كل شيء خلقه [طه: # 50] وقد مر في «طه» . وعطف عليه تخصيصا بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم ~~بدليل قوله ثم جعل نسله أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة ~~كما ذكرنا في أول «المؤمنين» ، وقوله من ماء بدل من سلالة والمهين الحقير. ~~ومعنى سواه قومه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من ~~الغيبة إلى الخطاب في قوله وجعل لكم تنبيها على جسامة نعم هذه الجوارح ~~وتوبيخا على قلة الشكر عليها. ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة ~~الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها. # والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمدا ms3776 مفتر وقالوا: الله ليس ~~بواحد وقالوا أإذا يعني أنهم وأسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن. # ومعنى ضللنا في الأرض غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها. ~~والعامل في أإذا ما يدل عليه قوله أإنا لفي خلق جديد وهو نبعث أو يجدد ~~خلقنا. ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع ~~أحوال الآخرة. ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل ~~بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده. ثم بين ما يكون من حالهم عند ~~الرجوع بقوله ولو ترى أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب إذ المجرمون ~~ناكسوا رؤسهم عند ربهم خجلا وندامة قائلين ربنا أبصرنا ما كنا شاكين في ~~وقوعه وسمعنا منك تصديق رسلك وجواب «لو» محذوف # PageV05P436 # وهو لرأيت أمرا فظيعا، وجوزوا أن يكون «لو» للتمني كأنه جعل لنبيه تمني ~~أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم. ثم إنه سبحانه ~~ألزمهم وألجمهم بقوله ولو شئنا الآية. وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم ~~يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر «هود» . ثم أكد ~~إهانتهم بقوله فذوقوا وانتصب هذا على أنه مفعول فذوقوا وقوله لقاء مفعول ~~نسيتم أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح ~~الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون هذا صفة يومكم ومفعول ذوقوا ~~محذوف وهو العذاب ولقاء مفعول نسيتم أو هو مفعول فذوقوا على حذف المضاف أي ~~تبعة لقاء يومكم ويكون نسيتم متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في ~~العاقبة. وقوله إنا نسيناكم من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ~~نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] وقوله عذاب الخلد من باب إضافة الموصوف إلى ~~الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق. أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي ~~والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما ~~الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكرا وتواضعا حين ~~وعظوا بآيات ربهم ms3777 منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير ~~مستكبرين عن عبادته تتجافى جنوبهم عن المضاجع ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم ~~داعين ربهم أو عابدين له خوفا من أليم عقابه وطمعا في عظيم ثوابه، # وفسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيام الليل وهو التهجد. قال: «إذا ~~جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم ~~أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا ~~يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم ~~يحاسب سائر الناس.» » # عن علي رضي الله عنه: جنبي تجافى عن الوساد خوفا من النار والمعاد من خاف ~~من سكرة المنايا لم يدر ما لذة الرقاد قد بلغ الزرع منتهاه لا بد للزرع من ~~حصاد # عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يصلون من ~~صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة ~~العتمة لا ينامون عنها. PageV05P437 # و «ما» في قوله ما أخفي موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى أي شيء، ~~والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من ~~الثواب ادخر الله لأولئك مما تقر به عيونهم حتى لا تطمح إلى غيره ولا تطلب ~~الفرح بما عداه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتم عليه اقرؤا إن ~~شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» «1» # وعن الحسن: أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت. قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن ~~الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب ~~والإكرام، فلله تعالى أن يقول: أنا أحسنت أولا، والعبد ms3778 أحسن في مقابلته، ~~فالثواب تفضل من غير عوض. وله أن يقول: الذي فعلته أولا تفضل فإذا أتى ~~العبد بالعمل الصالح جزيته خيرا لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار ~~الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق ~~بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين ~~الله وبين العبد أبدا، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس ~~للملائكة. # يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي ~~معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي. فقال له علي: اسكت فإنك ~~فاسق. فأنزل الله تعالى فيهما خاصة # وفي أمثالهما من الفريقين عامة أفمن كان مؤمنا إلى آخر ثلاث آيات أو ~~أربع. ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله لا يستوون محمول على المعنى. ~~ثم فصل عدم استوائهما بقوله أما الذين آمنوا وأما الذين فسقوا وجنات المأوى ~~نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس. وقال بعضهم: هي ~~عن يمين العرش. وفي لام التمليك في فلهم مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون ~~منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه ~~الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار. فإنه يحمل على الإعارة وإنه ~~تعالى قال لأبينا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة [البقرة: 35] لأنه كان في علمه ~~أنه يخرج منها. وإنما قيل هاهنا عذاب النار الذي كنتم به وفي «سبأ» عذاب ~~النار التي كنتم بها [الآية: 42] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع ~~الكناية لتقدم ذكرها، الكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي «سبأ» لم يتقدم ~~ذكر النار فحسن وصف النار. PageV05P438 # وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ~~ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا ~~عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألما على ألم وهو قوله كلما أرادوا ~~أن يخرجوا منها أعيدوا ms3779 فيها صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما ~~هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم ~~تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول ~~فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق أقل من ~~الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى ~~الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولا، ثم ~~إذا صبر زمانا طويلا زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه. ثم حتم على نفسه أنه ~~يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة. ~~وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر. # وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة ~~الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر ~~والكبر ولا بالبعد. ومعنى قوله لعلهم يرجعون والترجي على الله محال لنذيقهم ~~إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله إنا نسيناكم أي تركناكم كما ~~يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا أي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي ~~من التدريج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قال في ~~التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته ~~معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله تعالى وليس كذلك، ~~فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن ~~التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوما بينا. قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، ~~فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون ~~مطلق التعذيب مستدعيا لذلك لا يكفي للسائل. وقالت المعتزلة: لعل من الله ~~إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار ~~مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ~~ذائقين العذاب الأكبر. وإنما يقدح في اقتداره إذا تعلقت في إرادته ms3780 بفعل ~~نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل. وجوز في الكشاف أن ~~يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله فارجعنا نعمل صالحا ~~سميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله إذا قمتم إلى ~~الصلاة [المائدة: 6] ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولا والنقم ~~ثانيا وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم. # ومعنى ثم أنه ذكر مرات ثم بالآخرة أعرض عنها والفاء في سورة الكهف تدل ~~على # PageV05P439 # الإعراض عقيب التذكير وقد سبق. وقال أهل المعاني: «ثم» هاهنا تدل على أن ~~الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول. قال المحققون: الذي لا يحتاج في ~~معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~[فصلت: 53] كما قال بعضهم: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله. والذي يحتاج ~~في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند ~~الرحمة ظالم كقوله وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه [الروم: 33] ~~والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه. وحين جعله أظلم كان ~~ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب ~~الأوفر من الانتقام. ولو قال «إنا منهم منتقمون» لم يكن بهذه الحيثية في ~~الإفادة. ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ولقد آتينا موسى الكتاب قال جار الله: # اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان. والضمير في لقائه للكتاب أي آتينا ~~موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك ~~لقيت مثله. واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله وإنك لتلقى القرآن ~~[النمل: 6] وقيل: الضمير في لقائه لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو ~~يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول. والضمير ~~في جعلنا للكتاب على أنه منزل على موسى. # واستدل به على أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ms3781 ولم ~~يتعبد بما فيها ولد إسماعيل. ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من أئمة ~~الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين ~~بعيد إيقانهم به. وفيه أن الله تعالى سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضا ~~سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر. ومثله # إخبار النبي صلى الله عليه وسلم «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» # ولا يخفى أن «من» التبعيضية في قوله وجعلنا منهم كانت تدل على أن بعضهم ~~ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال إن ~~ربك هو يفصل بينهم الآية. وفيه إشارة إلى أنه سبحانه سيميز المحق في كل دين ~~من المبطل. ثم أعاد أصل التوحيد مقرونا بالوعيد قائلا أولم يهد لهم وقد مر ~~نظيره في آخر «طه» وإنما قال في آخر الآية إن في ذلك لآيات على الجمع ~~ليناسب القرون والمساكن. وإنما قال أفلا يسمعون لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو ~~مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع. وحين ذكر الإهلاك ~~والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة. ومعنى نسوق الماء نسوق السحاب وفيه ~~المطر إلى الأرض الجرز وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه ~~رعي وأزيل. قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ~~فنخرج به زرعا وعن ابن عباس أنها أرض اليمن، # PageV05P440 # والضمير في «به» للماء. وإنما قدم الأنعام هاهنا على الأنفس لأن الزرع لا ~~يصلح أوله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره. قال في «طه» كلوا ~~وارعوا أنعامكم [الآية: # 54] لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإنسان في أول ~~ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله أفلا يبصرون ~~تأكيدا لقوله في أول الآية أولم يروا ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو ~~استعجالهم العذاب. قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا ~~على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل ~~المشركون ms3782 ذلك. ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة ~~أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن. فإن قلت: كيف ينطبق قوله قل ~~يوم الفتح إلخ جوابا عن سؤالهم عن وقت الفتح؟ فالجواب أنهم سألوا ذلك على ~~وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك ~~اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا. ومن فسر يوم الفتح ~~بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في ~~حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر. ثم أمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه ~~لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ~~[الطور: 31] . ### | التأويل: # الألف المحبون لقربي والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون ~~بغيري. اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا ~~في وفائي. الميم ترك أوليائي مرادهم لمرادي فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ~~تنزيل الكتاب أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله رب العالمين لأهل ~~الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق ~~عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا افتراه. خلق سموات ~~الأرواح وأرض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: ~~الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ثم استوى على العرش الخفي ~~وهو لطيفة ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة فلا تتذكرون كيف خلقكم في ~~أطوار مختلفة يدبر الأمر من سماء الروح إلى أرض النفس البدن ثم يعرج إليه ~~النفس المخاطبة بخطاب ارجعي إلى ربك [الفجر: 28] في يوم طلعت فيه شمس صدق ~~الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق كان مقداره في العروج بالجذبة كألف ~~سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما # قال صلى الله عليه وسلم «جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين» # وبدأ خلق الإنسان من طين وخمره بيده في أربعين ms3783 # PageV05P441 # صباحا فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ثم جعل نسله من ~~سلالة سلها من أجناس عالم الشهادة. ثم سواه شخص إنسان جديد المرآة ونفخ فيه ~~من روحه فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية ~~صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ضللنا ~~في أرض البشرية يتوفاكم ملك الموت وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات ~~الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ارجعي [الفجر: 28] ناكسوا رؤسهم ~~بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم ~~الميثاق. تتجافى جنوبهم همتهم عن مضاجع الدارين جنات المأوى التي هي مأوى ~~الأبرار تكون نزلا للمقربين السائرين إلى الله كنتم به تكذبون لأنه لم يكن ~~لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ~~العذاب الأدنى إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ~~ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه ~~لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر ~~في الخذلان والهجران فلا تك في مرية من لقائه أي من أنه يرى الرب ببركة ~~متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الرؤية ~~مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب ~~والضمير في لقائه لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ~~وجعلنا منهم أئمة هم السر الخفي إن ربك هو يفصل بينهم الآية. لأنهم عنده ~~أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ~~ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم ~~بنظر المحبة والرضا، لأنه عفو يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة ~~فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فنخرج به زرعا ~~من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح ~~لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة متى هذا الفتح ms3784 أي الفتوح التي ~~تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم فأعرض عنهم ~~أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق. # PageV05P442 ### | (سورة الأحزاب) # (مدنية حروفها خمسة آلاف وسبعمائة وستة وتسعون كلمها ألف ومائتان وثمانون ~~آياتها ثلاث وسبعون) ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما ~~حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) ~~وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) # ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله ~~غفورا رحيما (5) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) ~~يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) # إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) ~~وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~(12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق ~~منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ~~ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا ~~يسيرا (14) # ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا ms3785 ~~(15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا ~~قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة ~~عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا ~~فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) # يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (20) # PageV05P443 ### | القراآت: # بما يعملون خبير على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو اللائي بهمزة ~~بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر. بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ~~ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل اللاي بياء ~~مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن ~~كثير وكذلك في «المجادلة» و «الطلاق» تظاهرون من المظاهرة عاصم تظاهرون ~~بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف. مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ~~ابن عامر الباقون تظهرون بتشديد الظاء والهاء بما يعملون بصيرا على الغيبة: ~~أبو عمرو وعباس مخير وإذ زاغت مدغما: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ~~ابن سعدان وخلاد وابن عمرو وزاغت ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء ~~الظنونا والرسولا والسبيلا في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس ~~والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل. وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ~~ألف في الحالين. الباقون: # بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل لا مقام بضم الميم: حفص الآخرون: # بفتحها. لأتوها مقصورا من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: ~~بالمد من الإيتاء والإعطاء ويسائلون بإدغام التاء في السين من التفاعل: ~~يعقوب الباقون يسئلون ثلاثيا. ### | الوقوف: # والمنافقين ط حكيما ه ربك ط ms3786 خبيرا ه على الله ط وكيلا ط ه في جوفه ج فصلا ~~بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين # PageV05P444 # أمهاتكم ج لذلك أبناءكم ط بأفواهكم ط السبيل ه عند الله ج للشرط مع العطف ~~ومواليكم ط أخطأتم به لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان ~~خبر مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك رحيما ~~ه ط أمهاتهم ط معروفا ه مسطورا ه عيسى ابن مريم ص للعطف غليظا ه صدقهم ج ~~لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد أليما ه تروها ط ~~بصيرا ه ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة ~~يعملون على الغيبة الظنونا ط شديدا ه غرورا ه فارجعوا ج لظاهر الواو وإن ~~كانت للاستئناف بعورة ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف ~~على عورة وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف فرارا ه يسيرا ه الأدبار ط ~~مسؤلا ه قليلا ه رحمة ط ولا نصيرا ه إلينا ج لاحتمال كون ما بعده استئنافا ~~أو حالا قليلا لا لأن ما بعده حال عليكم ج لعطف الجملتين المختلفتين الموت ~~ج فصلا بين تناقض الحالين الخير ط أعمالهم ط يسيرا ه لم يذهبوا ج أنبائكم ط ~~قليلا ه. ### | التفسير: # لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه ~~السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه. قال جار الله عن زر قال: قال ~~أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: فو الذي ~~يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها ~~آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» إلى آخره. أراد أبي بن كعب ~~أنها من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة ~~في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة. ومن تشريفات الرسول صلى ~~الله عليه ms3787 وسلم أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء ~~يا آدم [البقرة: 35] يا موسى [طه: 11] يا عيسى [آل عمران: 55] يا داود [ص: ~~26] وإنما جاء في الأخبار محمد رسول الله [الفتح: 29] تعليما للناس وتلقينا ~~لهم أنه رسول وجاء ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله [الأحزاب: ~~40] وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل [آل عمران: 144] والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد [محمد: 2] لأن المقام مقام تعيين ~~وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لا يكون القرآن خاليا عن بركة اسمه العلم ~~وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله لقد جاءكم رسول ~~[التوبة: 128] النبي أولى بالمؤمنين لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~[الأحزاب: 21] والمراد بقوله اتق الله # PageV05P445 # واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا ~~يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه ما لا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ~~ولهذا جاء قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي [الكهف: 110] يعني إنما يرفع عني ~~الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود ~~قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ~~ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت. # وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا: # يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا ~~بقتلهم فنزلت. # أي اتق الله في نقض العهد. ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من ~~أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع ~~عن دينه. # إن الله كان عليما بالصواب حكيما فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم ~~وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو ~~القرآن، وبأن يثق بالله ويفوض إليه أموره فلا يخاف غيره ms3788 ولا يرجو سواه. ~~ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه صلى الله عليه ~~وسلم في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ما جعل الله ~~لرجل من قلبين كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون ~~في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله ~~وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ثم أراد ~~أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه تعالى لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك ~~مقدمة وهي قوله وما جعل أزواجكم إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت ~~علي كظهر أمي لا تصير أما بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم ~~الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة. وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقا حتى ~~كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانيا. فكذلك قول القائل للدعي إنه ابني لا ~~يوجب كونه ابنا فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك ~~شيئا، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمرا مخوفا ما كان يجوز أن تخاف ~~غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف. والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في ~~قوله القلوب التي في الصدور [الحج: # 46] من زيادة التصوير للتأكيد. ومعنى ظاهر من امرأته قال لها: أنت علي ~~كظهر أمي. كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار. وعدى ب «من» لتضمين معنى ~~التباعد. وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج ~~فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه. وقيل: إن إتيان المرأة ~~في قبلها من جانب ظهرها كان محذورا عندهم زعما منهم بأن الولد حينئذ يجيء ~~أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك # PageV05P446 # حتى جعله ظهر أمه. والدعي «فعيل» بمعنى «مفعول» وهو المدعو ولد أشبه ~~بفعيل الذي هو بمعنى «فاعل» كتقي وأتقياء فجمع على «أفعلاء» . # واعلم ms3789 # أن زيد بن حارثة كان رجلا من قبيلة كلب سبي صغيرا فاشتراه حكيم بن حزام ~~لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. # وقوله ما كان محمد أبا أحد من رجالكم [الأحزاب: 40] وقيل: كان أبو معمر ~~رجلا من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين. وقيل: هو جميل الفهري كان ~~يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما ~~وضربه مثلا في الظهار والتبني. وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل ~~النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: ~~نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في لرجل وزيادة من الاستغراقية ~~التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة ~~ذلكم النسب قولكم بأفواهكم إذ لا أصل شرعا لقول القائل: هذا ابني. وذلك إذا ~~كان معروف النسب حرا، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حرا ثبت نسبه من ~~المتبني ظاهرا إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبدا له عتق وثبت النسب. وإن ~~كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب. ثم بين ما هو الحق والهدى عند ~~الله فقال ادعوهم لآبائهم أي انسبوهم إليهم فإن لم تعلموا آباءهم فهم ~~إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في ~~الدين. ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ~~ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي. ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق ~~العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده وكان الله غفورا للخاطيء رحيما ~~للعامل ولا سيما إذا تاب. ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ~~ابنا، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه ~~وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ms3790 ~~والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن ~~رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم # بقوله «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» «1» # ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا ~~والدين. وقيل: إن أولى بمعنى أرأف وأعطف # كقوله صلى الله عليه وسلم PageV05P447 # «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وان ~~ترك دينا أو ضياعا أي عيالا فإلي» «1» # وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه بإحداهن رفع شأنه ~~بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال وأزواجه أمهاتهم أي في هذا ~~الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. ~~ومن كمال عناية الله سبحانه بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن لم يقل وهو أب ~~لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه ~~أبدا، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو ~~أمته. ولذلك صار المؤمنون أخوة. قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام ~~يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله وأولوا ~~الأرحام الآية. # وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى في كتاب الله في اللوح أو في القرآن وهو ~~هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر «الأنفال» . وقوله من ~~المؤمنين إما ان يتعلق ب أولوا الأرحام أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن ~~يرث بعضا من الأجانب، وإما أن يتعلق ب أولى أي أولو الأرحام بحق القرابة ~~أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة. ~~ثم أشار إلى الوصية بقوله إلا أن تفعلوا أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى ~~أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفا برا بطريق التوصية. ~~والحاصل أن الأقارب أحق من الأجانب ms3791 في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة ~~وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث. قال أهل النظم: كأنه سبحانه ~~قال: # بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل ~~هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلا على قوله أولى ~~بالمؤمنين فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو أراد أحد برا مع ~~صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي ~~لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله تعالى كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما ~~أراده. ثم ما يفضل منه يكون لغيره كان ذلك الذي ذكر في الآيتين في الكتاب ~~وهو القرآن أو اللوح مسطورا والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة. # ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله وإذ أخذنا أي اذكر وقت أخذنا في الأزل من ~~النبيين ميثاقهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط ~~وتوان. وقد خصص بالذكر PageV05P448 # خمسة لفضلهم وقدم نبينا صلى الله عليه وسلم لأفضليته. وإنما قدم نوحا في ~~قوله شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك [الشورى: 13] لأن ~~المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنه قال: شرع لكم من ~~الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في ~~العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. وإنما نسب ~~الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحا كان أصلا ثانيا للناس بعد ~~الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشادا للأولاد ولهذا لم يكن ~~في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم. قال أهل البيان: ~~أراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ~~ميثاقا غليظا أي عظيما وهو مستعار من وصف الأجرام. وقال آخرون: هو سؤالهم ~~عما فعلوا في الإرسال كما قال ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] وهذا لأن ~~الملك إذا أرسل رسولا وأمره بشيء وقبله كان ميثاقا فإذا أعلمه بأنه ms3792 يسأل عن ~~حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظا في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص ~~في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا [الآية: 21] هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما # قال صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «1» # ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال ليسئل الصادقين عن صدقهم الآية. وفيه ~~أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما # قال علي رضي الله عنه: حلالها حساب وحرامها عقاب. # فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا ~~بلى في جواب ألست بربكم [الأعراف: 172] ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، ~~أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقا. ووجه آخر وهو ~~أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله ولنسئلن المرسلين [الأعراف: 6] وكقوله ~~يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [المائدة: 109] وفائدة مسألة الرسل ~~تبكيت الكافرين كما مر. قال جار الله: قوله وأعد معطوف على أخذنا كأنه قال: ~~أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ~~ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين. وفيه وجه آخر عرفته في ~~الوقوف. ثم أكد الأمر بالاتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا الآية. وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب ~~لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي ~~أن لا يخاف العبد غير الله القدير PageV05P449 # البصير. # وذكروا في القصة أن قريشا كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة ~~وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد ~~وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة ~~والنضير. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على ~~المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين ~~فضرب معسكره والخندق بينه ms3793 وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام ~~واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن ~~قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط. ومضى ~~على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى ~~أنزل الله النصر، # وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية ~~فسفت التراب في وجوههم وأرسل جنودا لم تروها وهم الملائكة وكانوا ألفا ~~فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفئوا القدور وتفرقت ~~الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب ~~فانهزموا. ومعنى من فوقكم من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ومن ~~أسفل منكم من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون ~~جملة واحدة حتى نستأصل محمدا. ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها ~~حيرة، أو عدولها عن كل شيء الا عن العدو فزعا وروعا. والحنجرة منتهى ~~الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلا لاضطراب القلوب وقلقها وإن ~~لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع ~~فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع ~~الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء ~~والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في ~~قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ما وعدنا الله ورسوله ~~إلا غرورا كما حكينا عن معتب. # ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون ~~المختلفة لا تكون كلها صادقة. فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط ~~والمقام مقام تقرير نتائج الخوف. # وإذ قالت طائفة منهم كعبد الله بن أبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض ~~وقعت المدينة في ناحية منها لا مقام لكم أي لاقرار لكم ولا مكان هاهنا ~~تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة ms3794 واهربوا من عسكر ~~رسول الله، أو ارجعوا كفارا واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ~~ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على # PageV05P450 # متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله تعالى بقوله وما هي بعورة ثم ~~أظهر ما تكن صدورهم فقال إن يريدون إلا فرارا ثم بين مصداق ذلك بقوله ولو ~~دخلت أي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها ~~وأكنافها ثم سئلوا الفتنة أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين ~~لآتوها والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها ~~مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ~~ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا إليه وما تعللوا بشيء. ويمكن أن ~~يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلا لغرض ~~فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال لكيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه ~~البيت لا يبذله، فأكذبهم الله تعالى بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها ~~منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم ~~الإسلام. والضمير في قوله وما تلبثوا بها إلا يسيرا يرجع إلى الفتنة أي لم ~~يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زمانا يسيرا ريثما يكون السؤال ~~والجواب أو لم يقيموها إلا قليلا ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين. ويحتمل ~~عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلا فإن ~~الله يهلكهم. قوله ولقد كانوا الآية. # عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة أن يمنعوه ~~مما يمنعون منه أنفسهم. # وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وعن ~~محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل. ثم ذكر ~~أن عهد ms3795 الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من ~~القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم ~~بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زمانا قليلا. عن بعض ~~المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل ~~نطلب. ثم أكد التقرير المذكور بقوله قل من ذا الذي يعصمكم الآية. قال جار ~~الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم ~~سوءا أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلدا سيفا ~~ورمحا. أي ومعتقلا رمحا. أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى ~~المنع. والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وهم المنافقون واليهود هلم إلينا معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في ~~«الأنعام» في قوله قل هلم شهداءكم [الآية: 15] وقوله ولا يأتون معطوف على ~~القائلين لأنه في معنى الذين يقولون. وقوله إلا قليلا أي إلا إتيانا قليلا ~~كقوله ما قاتلوا إلا قليلا لقلة الرغبة. وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: ~~معناه أضناء بكم أي # PageV05P451 # يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت ~~فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت. وقيل: أراد ~~أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله فإذا ذهب الخوف ~~وجمعت الغنائم سلقوكم أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد ~~شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس ~~أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع ~~حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو ~~الدين أو الكلام الجميل. أولئك المنافقون لم يؤمنوا حقيقة وإن آمنوا في ~~الظاهر فأحبط الله أعمالهم التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال ~~باطنهم وكان ذلك الذي ذكر من أعمال أهل النفاق يسيرا على الله لا وزن لها ~~عنده ms3796 أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلا. قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة ~~بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف. ويمكن أن يقال: إعدام ~~الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها ~~أولى بأن يكون هينا. ثم قرر طرفا آخر من جبنهم وهو أنهم يحسبون الأحزاب لم ~~يذهبوا وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا ~~الحسبان. ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه إن يأت الأحزاب كرة ثانية تمنوا ~~أنهم بادون أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذرا من عيان ~~القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم يسئلون عن أخباركم قانعين من العيان بالأثر ~~ومن الحضور بالخبر ولو كانوا فيكم ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم ~~يقاتلوا إلا قليلا # إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة. ### | التأويل: # «اتق الله» من التكوين وكان عليه السلام متقيا من الأزل إلى الأبد، وكذا ~~الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ~~لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى ~~وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وو ما جعل أدعياءكم أبناءكم فيه أن الحقائق لا ~~تنقلب لا عقلا ولا طبعا ولا شرعا وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به من معرفة ~~الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ~~النسب الباقي كما # قال «كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي» # فحسبه الفقر ونسبه النبوة ولكن ما تعمدت قلوبكم بقطع الرحم عن النبوة ~~بترك سنته وسيرته النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنهم لا يقتدرون على ~~توليد أنفسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة ~~الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن # PageV05P452 # قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال ~~التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في أرحام القلوب، ms3797 وإذا حملوا ~~النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا ~~وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم. وبعد النبي صلى الله عليه وسلم سائر أقارب ~~الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى ~~والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من ~~الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفا برفق من الإزهاق وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم في الأزل ومنك يا محمد أولا بالحبيبية ومن نوح ~~بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، ~~وغلظنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ليسئل الصادقين سؤال تشريف لا سؤال ~~تعنيف. والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ~~ريب، ومن أماراته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من ~~غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين ~~الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي إذ ~~جاءتكم جنود الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها من فوقكم وهي الآفات ~~السماوية ومن أسفل منكم وهي المتولدات البشرية. أو من فوقكم وهي الدواعي ~~النفسانية في الدماغ، ومن أسفل منكم هي الدواعي الشهوانية فأرسلنا عليهم ~~ريحا من نكبات قهرنا وجنودا لم تروها من حفظنا وعصمتنا وعاهدوا الله من قبل ~~الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس ~~لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعا لنا والله أعلم. # تم الجزء الحادي والعشرون ويليه الجزء الثاني والعشرون وأوله: لقد كان ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # PageV05P453 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثاني والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 21 الى 40] # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا (21) ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ms3798 ~~بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو ~~يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25) # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب ~~فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا (27) يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن ~~كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا ~~عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ~~وكان ذلك على الله يسيرا (30) # ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها ~~رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا ~~تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما ~~يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (35) # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم ~~الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في ~~الذين خلوا ms3799 من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات ~~الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد ~~أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما ~~(40) # PageV05P454 ### | القراآت: # أسوة بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس. الآخرون: بكسرها نضعف بالنون وكسر ~~العين العذاب بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب ~~بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب. الآخرون: مثله ولكن بالألف من ~~المضاعفة ويعمل صالحا يؤتها على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق ~~المفضل في ويعمل الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني. وقرن بفتح ~~القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة. الباقون: بكسرها. ولا تبرجن أن ~~تبدل بتشديد التاءين: # البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام. وخاتم ~~بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم. الباقون: بكسرها. ### | الوقوف: # كثيرا ه لإبتداء القصة الأحزاب لا لأن قالوا جواب «لما» رسوله الثاني ز ~~لاحتمال الاستئناف والحال أوجه وتسليما ط عليه ج لابتداء التفصيل مع الفاء ~~ينتظر لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح تبديلا ه لا إلا عند ~~أبي حاتم عليهم ط رحيما ه لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافا ~~شجرها ط مع الله ط يعدلون ه حاجزا ط مع الله ط لا يعلمون ه ط خلفاء الأرض ه ~~ط مع الله ط ما تذكرون ه ط رحمته ط مع الله ط يشركون ط والأرض ط مع الله ط ~~صادقين ه إلا الله ط يبعثون ه عمون ه. ### | التفسير: # لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته ~~كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام. والأسوة ~~القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه قدوة كما تقول ~~في البيضة # PageV05P455 # عشرون منا حديدا أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والمراد أن فيه ~~خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع. قال في الكشاف: ms3800 قوله ~~لمن كان بدل من قوله لكم وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر ~~أنه صفة الأسوة. # والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف. وقوله يرجوا الله واليوم الآخر كقولك: ~~رجوت زيدا وفضله أي رجوت فضل زيد، أو أريد يرجو أيام الله واليوم الآخر ~~خصوصا. وقوله وذكر معطوف على كان وفيه أن المقتدي برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد. ثم حكى أن ما ~~ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين. وقوله هذا إشارة إلى ~~الخطب أو البلاء. # عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: إن الأحزاب ~~سائرون إليكم تسعا أو عشرا # أي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وقد وقع. وصدق الله ورسوله في كل ما وعد وما زادهم إلا ~~إيمانا بمواعيده إلا فساد همهم بقتل نبيهم. وقد عد في الكشاف أسماءهم منهم ~~قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من ~~الإصلاح ومن جملة وتسليما لقضائه. وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند ~~الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا [البقرة: 214] إلى آخره. كان رجال من الصحابة نذروا ~~أنهم إذا لقوا حربا ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستشهدوا، ~~فمدحهم الله تعالى بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه. ~~ويجوز أن يجعل المعاهد عليه مصدوقا على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: ~~سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه فمنهم من قضى نحبه أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ~~ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت ~~فكأنه نذر لازم في رقبته. ومنهم من ينتظر الشهادة كعثمان وطلحة وما بدلوا ~~تبديلا ما غير كل من الفريقين عهده. وفيه تعريض بمن بدلوا من ms3801 أهل النفاق ~~ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين ~~الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا ~~أن يتوبوا. وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله إن ~~الله كان غفورا رحيما حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب ~~المنافقين مع أنه كان غفورا رحيما لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك ~~لغفر لهم ورد الله الذين كفروا وهم الأحزاب ملتبسين # PageV05P456 # بغيظهم لم ينالوا خيرا أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير ~~من كسر أو أسر أو غنيمة. وكفى الله المؤمنين القتال بواسطة ريح الصبا ~~وبإرسال الملائكة كما قصصنا وأنزل الذين ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب من ~~صياصيهم والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك ~~التي في ساقه صيصية لأن كلا منها سبب التحصن به. # روي أن جبرائيل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة ~~الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس ~~وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟ فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله ~~إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد ~~إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة. فأذن في الناس ~~ان من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من ~~الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى ~~جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنزلون على حكمي. ~~فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل ~~مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة ms3802 ~~خندقا فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة. # وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وإنما قدم مفعول تقتلون لأن ~~القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في ~~المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و «فريقا ~~تأسرون» فإذا سمع السامع قوله «وفريقا» ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا ~~يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله وأنزل على قوله وقذف وإن كان قذف ~~الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر. # وأورثكم أرضهم التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولا وديارهم التي كانت ~~في القلاع فسلموها إليكم وأموالهم التي كانت في تلك الديار وأرضا لم تطؤها ~~قيل: هي القلاع أنفسها. وعن مقاتل: هي خيبر. وعن قتادة: كنا نحدث أنها مكة. ~~وعن الحسن: # فارس والروم. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. وعن بعضهم: أراد ~~نساؤهم وهو غريب. ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله وكان الله على كل شيء ~~قديرا قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم ~~لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة # بقوله عليه السلام «الصلاة وما ملكت أيمانكم» «1» # ولما أرشد نبيه إلى القسم PageV05P457 # الأول بقوله اتق الله أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنه أولى ~~الناس بالشفقة ولهذا قدمهن في النفقة. لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن ~~التخيير هل كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فنقول: التخيير ~~قولا كان واجبا بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على ~~أن الأمر للوجوب أم لا. ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر ~~اختيارها فراقا؟ والظاهر أنه لا يعتبر فراقا وإنما تبين المختارة نفسها ~~بإبانة من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله فتعالين وعلى هذا التقرير ~~فهل كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق أم لا؟ # الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإنه لا ~~يلزمنا الوفاء بالوعد ms3803 شرعا. ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم ~~على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا. ~~ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟ الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى ~~بالطلاق لعوتب. وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن ~~كما ينبغي اشتغالا بعبادة ربه. وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة ~~البقرة. والسراح الجميل كقوله أو تسريح بإحسان [الآية: 229] وفي ذكر الله ~~والدار الآخرة مع ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قوله للمحسنات إشارات ~~إلى أن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم سبب مرضاة الله وواسطة حيازة ~~سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان. والمراد بالأجر العظيم كبره ~~بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على ~~الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر ~~الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من ~~الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص ~~بالانقطاع والزوال. # ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها ~~القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهن الله فأنزل لا يحل ~~لك النساء من بعد [الأحزاب: 52] # وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري ~~أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ~~ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني ~~الله مبلغا ولم يبعثني متعنتا أما حكم التخيير في الطلاق فإذا قال لها: ~~اختاري. فقالت: اخترت نفسي. # أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت. # لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين. وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة ~~وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض. واعتبر ~~الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده ms3804 طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن # PageV05P458 # مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره. ~~وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولم يعد ذلك طلاقا. # وعن علي رضي الله عنه مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية ~~إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة. # وحين خيرهن النبي صلى الله عليه وسلم واخترن الله ورسوله أدبهن الله ~~وهددهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، ~~وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء ~~بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى ~~من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ~~ضعف عذاب الأمة. وأيضا نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى ~~العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين. # وليس في قوله من يأت دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن ~~الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله لئن أشركت ~~ليحبطن عملك [الزمر: 65] ولئن اتبعت أهواءهم [البقرة: 120] وقوله منكن ~~للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة. وقيل: الفاحشة أريد بها كل ~~الكبائر. وقيل: هي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهن وطلبهن ~~منه ما يشق عليه. وفي قوله وكان ذلك على الله يسيرا إشارة إلى أن كونهن ~~نساء النبي لا يغني عنهن شيئا، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟ # وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك. والقنوت الطاعة، ~~ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر ~~للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك. ثم صرح بفضيلة ~~نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس ~~فيه مجرد كونه إنسانا بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا ms3805 يوجد في أكثرهم كالعلم ~~أو العقل أو النسب أو الحسب. قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو ~~الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث. # والواحد وما وراءه. والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد ~~منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل. وقوله إن اتقيتن احتمل أن يتعلق بما ~~قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي إن كنتن متقيات فلا تجبن ~~بقولكن خاضعا لينا مثل كلام المريبات فيطمع الذي في قلبه مرض أي ريبة ~~وفجور. وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجر إليها أشار إلى أن ذلك ~~ليس أمرا بالإيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو ~~المأمور به لا غير. ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله وقرن # PageV05P459 # بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله فظلتم تفكهون ~~[الواقعة: # 65] وأصله «اقررن» . من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قرارا أو من قر يقر ~~بكسر القاف. # وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع. والتبرج إظهار الزينة كما مر ~~في قوله غير متبرجات بزينة [النور: 60] وذلك في سورة النور. والجاهلية ~~الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم عليه السلام، أو ما بين ~~آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان. والجاهلية الأخرى ما ~~بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى ~~الفسق والابتداع في الإسلام. وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه ~~تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعا من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق ~~تعرض نفسها على الرجال. ثم أمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة ثم عاما في ~~جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر. وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن ~~الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد وأهل البيت نصب على النداء أو على المدح ~~وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي صلى الله ms3806 عليه وسلم لأنه ~~أصل، وفاطمة رضي الله عنهما والحسن والحسين رضي الله عنهما بالاتفاق. ~~والصحيح أن عليا رضي الله عنه منهم لمعاشرته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وملازمته إياه. # وورود الآية في شأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يغلب على الظن دخولهن ~~فيهن، والتذكير للتغليب. # فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات ~~المؤمنين. ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم ~~والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة. ثم ختم الآية بقوله إن ~~الله كان لطيفا خبيرا إيذانا بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن ~~وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده. # يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله ~~ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة ~~فنزلت إن المسلمين والمسلمات # وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية ~~الإيمان بكل ما يجب أن يصدق به فإن المكلف يقول أولا كل ما يقول الشارع ~~فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئا وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده. ~~ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو ~~المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحا كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح ~~أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله والصادقين والصادقات ثم ~~إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة ~~لقمان واصبر على ما أصابك [الآية: 17] أي بسببه. ثم إنه إذا كمل في نفسه ~~وكمل غيره قد يفتخر بنفسه # PageV05P460 # ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله والخاشعين والخاشعات وفيه إشارة إلى ~~الصلاة لأن الخشوع من لوازمها قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~[المؤمنون: # 1، 2] فلذلك أردفها بالصدقة. ثم بالصيام المانع من شهوة البطن فضم إلى ~~ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقا وفي غير الصوم ~~مما وراء الأزواج والسراري. ثم ms3807 ختم الأوصاف بقوله والذاكرين الله كثيرا ~~يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم ~~وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله. # وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة لمن كان ~~يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا وقال في الآية والذاكرين الله ~~كثيرا ويجيء بعد ذلك يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا لأن ~~الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها ~~بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماش أو نائم ~~أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر ~~الله تعالى وهي النية. قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف ~~الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله. ~~والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول ~~والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة ~~فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم. # وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى هاهنا عاد إلى حديثه. # قال الراوي: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت حجش وكانت أمها ~~أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله ~~فنزلت وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الآية. فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها ~~إياه وساق عنه المهر ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من ~~طعام وثلاثين صاعا من تمر. # وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أول من هاجر من النساء ~~وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قبلت، وزوجها زيدا فسخطت هي ~~وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده. # وقال أهل النظم: إنه تعالى لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم ~~منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ضرر الغير فعليه أن ms3808 يترك حق نفسه ~~لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظان أن هوى نفسه متبع، ~~وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا ~~مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء ~~الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا، لأن المقصود هو ~~الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد # PageV05P461 # وخالف الدليل ضل ضلالا لا يرعوي بعده. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها ~~زيدا فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب، # وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يردها أولا، لعله أي لم يلده إلخ تأمل ~~ولو أرادها لاختطبها. # وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها ~~والرغبة عنها لأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أفارق ~~صاحبتي. فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟ قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا ~~ولكنها تتكبر علي لشرفها. فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد. ~~فلما اعتدت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أجد أحدا أوثق في نفسي ~~منك اخطب علي زينب. قال زيد: # فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن ~~أنظر إليها حين علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ~~وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك. ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا ~~حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة ~~وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار # ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ. قوله للذي يعني زيدا أنعم الله عليه ~~بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله وأنعمت عليه ~~أي بالإعتاق وبأنواع التربية ms3809 والاختصاص. وقوله واتق الله أي في تطليقها فلا ~~تفارقها. نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر ~~وإيذاء الزوج. والذي أخفى النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه هو تعلق قلبه ~~بها أو مودة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيدا سيطلقها. وعن عائشة لو كتم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن ~~فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل ~~النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه. ~~والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن ~~قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله والله أحق أن تخشاه ~~فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فلعل الأولى بالنبي أن يسكت عن إمساكه ~~حذرا من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس. قال ~~جار الله: الواوات في قوله وتخفي وتخشى والله للحال. ويجوز أن تكون للعطف ~~كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس والله أحق أن ~~تخشاه حتى لا تفعل مثل ذلك. # قوله فلما قضى زيد منها حاجته ولم يبق له فيها رغبة وطلقها وانقضت عدتها ~~زوجناكها نفيا للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد ~~من قول النبي صلى الله عليه وسلم يستفاد من فعله أيضا، بل الثاني يؤكد ~~الأول. ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حل # PageV05P462 # الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه ~~لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب. وقوله إذا قضوا منهن وطرا يفهم منه نفي ~~الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى. عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة ~~يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة. وقيل: التطليق. فلا إضمار على ~~هذا وكان أمر الله مفعولا مكونا لا محالة. ومن جملة أوامره ما جرى من قصة ~~زينب، ms3810 ثم نزه جانب النبي صلى الله عليه وسلم عن قالة الناس بقوله ما كان ~~على النبي من حرج فيما فرض الله أي قسم وأوجب له وسنة الله مصدر مؤكد لما ~~قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج ~~كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص. ومعنى قدرا مقدورا قضاء ~~مقضيا هكذا قاله المفسرون ولعل قوله وكان أمر الله مفعولا إشارة إلى ~~القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مرارا. وفي ~~قوله ولا يخشون أحدا إلا الله تعريض بما صرح به في قوله وتخشى الناس والله ~~أحق أن تخشاه والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب ~~أن لا يخشى إلا هو. ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيدا لم يكن ابنا له ~~فقال ما كان محمد أبا أحد فكان لقائل أن يقول: أما كان أبا للطاهر والطيب ~~والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل من رجالكم فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما ~~أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضا من ~~النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ. والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء ~~رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب. ومعنى الاستدراك ~~في قوله ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إثبات الأبوة من هذه الجهة ~~لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، ~~وأكد هذا المعنى بقوله وخاتم النبيين لأن النبي إذا علم أن بعده نبيا آخر ~~فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه وكان ~~الله بكل شيء عليما ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومجيء عيسى عليه السلام في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبىء ~~قبله وهو يجيء على شريعة نبينا مصليا إلى قبلته وكأنه بعض أمته. ### | التأويل: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة أي كان في الأول مقدرا لكم ms3811 متابعة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود ~~عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود # «أول ما خلق الله نوري أو روحي» # وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على ~~الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق ~~والأحوال. فمن كان يرجو الله كان عمله خالصا لوجه # PageV05P463 # الله تعالى، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الحنان. وكل ~~هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة «لا اله الا الله محمد رسول الله» نفيا ~~وإثباتا، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله. ولما رأ ~~المؤمنون الأحزاب المجتمعين على إضلالهم وإهلاكهم من النفس وصفاتها، ~~والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه قالوا متوكلين على الله هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل من ~~المؤمنين رجال يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى. فمنهم من قضى نحبه فوصل ~~إلى مقصده ومنهم من ينتظر الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين وكفى ~~الله المؤمنين القتال بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى ~~الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها. وأنزل الذين ظاهروهم أي ~~أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب ~~الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب من صياصيهم هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل ~~وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، ~~وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب فريقا تقتلون وهم النفس ~~وصفاتها والشيطان وأتباعه وتأسرون فريقا وهم الدنيا وجاهها وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وأرضا لم ~~تطؤها يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ~~ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق. قل لأزواجك فيه إشارة إلى أن ~~حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ms3812 مع أنهن محال النطفة ~~الإنسانية في عالم الصورة، فكيف لا يضر حب الدنيا لأهل القلوب الذين قلوبهم ~~أرحام النطفة الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن ~~أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالحق لا الحظ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله [آل عمران: 31] ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة ~~كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم ~~إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب. والرزق الكريم رزق المشاهدات ~~الربانية يا نساء النبي هم الذين أسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ~~ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق إن اتقيتن بالله من غيره فلا تخضعن ~~بالقول لشيء من الدارين فإن كثيرا من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا ~~الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك ~~والحجاب. فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا # PageV05P464 # يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب. وقرن في ~~بيوتكن من عالم الملكوت ولا تبرجن في عالم الحواس راغبين في زينة الدنيا ~~كعادة الجهلة وأقمن الصلاة التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر ~~عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى ~~خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه ~~بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى ~~مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحانية، ثم يتشهد بالتحية والثناء ~~على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا ~~وما فيها. وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي. الرجس ~~لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف. ~~إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود ms3813 المعارف الحقيقية، وقتنوا ~~أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال ~~الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، ~~وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك ~~عن الشهوات وعن # رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد ~~الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية. وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة # إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفا للشرع وجب عليه الإنابة ~~والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، ~~وإن كان مخالفا لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا. وفي قوله والله أحق أن ~~تخشاه دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب ~~وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيرا. # فلما قضى زيد منها وطرا قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ما كان على ~~النبي من حرج فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا ~~إذا كان النظر للحق ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أن نسبة ~~المتابعين إلى حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ~~ولهذا # قال «كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي» . ### | [سورة الأحزاب (33) : الآيات 41 الى 73] # يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا ~~(42) هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان ~~بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله ~~وكفى بالله وكيلا (48) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا ~~جميلا (49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ~~ملكت ms3814 يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50) # ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ~~ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل ~~بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء ~~رقيبا (52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من ~~الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء ~~عليما (54) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء ~~إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا (55) # إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله ~~غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها ms3815 إلا قليلا (60) # ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها ~~عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد ~~لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) # يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ~~(66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67) ربنا ~~آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69) يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) # يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ~~عظيما (71) إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله ~~المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (73) # PageV05P465 ### | القراآت: # ترجي بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل ~~وعباس لا تحل بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب إناه بالامالة وغيرها مثل ~~الحوايا في «الأنعام» وافق الخزاز عن هبيرة هاهنا بالإمالة ساداتنا بالألف ~~وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة. الباقون: على التوحيد كبيرا ~~بالباء الموحدة: # عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بالثاء المثلثة. ### | الوقوف: # كثيرا لا وأصيلا ه النور ط رحيما ه سلام ج لاحتمال الجملة حالا واستئنافا ~~كريما ه نذيرا لا منيرا ه كبيرا ه على الله ط وكيلا ه تعتدونها ج لانقطاع ~~النظم مع الفاء جميلا ه معك ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع ~~أن طول الكلام يرجح جانب الوقف يستنكحها ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة ~~المؤمنين ه حرج ط رحيما ه إليك من تشاء ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على ~~الشرط عليك ط كلهن ط قلوبكم ط حليما ه يمينك ط رقيبا ه إناه ms3816 لا للعطف مع ~~الإستدراك لحديث ط منكم ط فصلا بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين ~~من الحق ط لإبتداء حكم آخر حجاب ط وقلوبهن ط أبدا ط عظيما ه عليما ه ~~أيمانهن لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف واتقين الله ط شهيدا ه النبي ~~ط تسليما # PageV05P467 # ه مهينا ه مبينا ه جلابيبهن ط يؤذين ط رحيما ه قليلا ه ج لأن قوله ~~ملعونين يحتمل أن يكون حالا أو منصوبا على الشتم ملعونين ه ج لأن الجملة ~~الشرطية تصلح وصفا واستئنافا تقتيلا ه قبل ط تبديلا ه الساعة ط عند الله ط ~~قريبا ه سعيرا لا أبدا ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف نصيرا ه ج ~~لاحتمال تعلق الظرف ب لا يجدون أو ب يقولون أو باذكر الرسولا ه السبيلا ه ~~كبيرا ه قالوا ط وجيها ه سديدا ه لا ذنوبكم ه عظيما ه الإنسان ط جهولا ه لا ~~والمؤمنات ط رحيما ه. ### | التفسير: # اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر أنه ~~سبحانه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبي مع الله وهو التقوى، وذكر ما ~~ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده ~~المرسلين. وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة ~~وهي أن النبي لكونه من المقربين لم يكن ناسيا فلم يؤمر بالذكر بل أمر ~~بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى. والتسبيح بكرة وأصيلا عبارة ~~عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط # كقوله صلى الله عليه وسلم «ولو أن أولكم وآخركم» «1» # قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ~~ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه. ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق # قوله صلى الله عليه وسلم «أفضل الذكر لا إله إلا الله» «2» # وجوز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح ~~الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو ms3817 صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ~~ومراعاتها أشد. ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضا يذكرهم والصلاة من الله ~~الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهومية كما ~~ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة ~~الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين. # جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو ~~العناية بحال المرحوم والمستغفر له. وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي ~~يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوا وترؤفا. ثم بين ~~غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وفي قوله ~~وكان بالمؤمنين رحيما بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا ~~تخص السامعين وقت الوحي. ومعنى PageV05P468 # تحيتهم يوم يلقونه سلام مذكور في أول «يونس» وفي «إبراهيم» . وأراد بيوم ~~اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا. ~~والأجر الكريم هو ما يأتيه عفوا صفوا من غير شوب نغص. ثم أشار إلى ما ينبغي ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مع عامة الخلق فقال إنا أرسلناك شاهدا ~~وهي حال مقدرة أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد ~~العدل، وفيه أن الله تعالى جعل النبي شاهدا على وجوده بل على وحدانيته لأن ~~المدعي هو الذي يذكر شيئا بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي ~~أن يقال: # إن النبي صلى الله عليه وسلم مدع لها. بل يقال: إنه شاهد عليها كما # قال «على مثل الشمس فاشهد» # وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال والله يشهد انك ~~لرسوله [المنافقون: 1] والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة ~~والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة ~~والمعصية والصلاح والفساد. وإنما قال وداعيا إلى الله بإذنه لأن الشهادة ~~للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ~~ومن عصاه لم يربح. أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا ms3818 على خوانه احتاج ~~إلى رضاه. ويمكن أن يكون قوله بإذنه متعلقا بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو ~~تيسيره. # ووصف النبي عليه السلام بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ~~ظلام الليل بالسراج، وقد أمد الله بنور نبوته نور البصائر كما يمد بنور ~~السراج نور الأبصار. وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ ~~من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا # قال «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» # وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في ~~الحقيقة وإنما يأخذ من النبي. ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون ~~فاترا ومنه قولهم «ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها ~~من يجيء» . ويجوز أن يكون سراجا معطوفا على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز ~~أن يكون المعنى وذا سراج أو تاليا سراجا. قوله ودع أذاهم أي خذ بظاهرهم ~~وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى ~~الفاعل وإلى المفعول. # ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات ~~المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهن بمجرد العقد وهو المراد ~~بالنكاح هاهنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهن في سورة البقرة. في قوله ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن [الآية: 237] وذلك لأجل تشطير الصداق. وإنما ~~أعاد ذكرهن هاهنا لبيان عدم وجوب العدة عليهن. وتخصيص المؤمنات بالذكر دون ~~الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن # PageV05P469 # للنطفة. وفي قوله ثم طلقتموهن تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين ~~قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدة على ~~البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى. وقد يستدل بكلمة «ثم» ~~على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخي. وفي قوله ~~فما لكم عليهن دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا ~~يسقط بإسقاطه لما فيها من حق الله تعالى أيضا. ومعنى تعتدونها تستوفون ~~عددها ms3819 تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله. ثم عاد إلى تعليم ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وفائدة قوله اللاتي آتيت أجورهن وقوله مما أفاء ~~الله عليك وقوله اللاتي هاجرن معك هي أن الله تعالى اختار لرسوله الأفضل ~~الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلا أفضل من أن تسميه وتؤجله. وكان ~~التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجب ~~عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي عليه ~~السلام لم يكن يستوفي ما لا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئا حرم الامتناع على ~~المطلوب منه. والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو ~~الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة التمكين ~~قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا. ومما يؤكد هذا قوله ~~وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم يعني حينئذ لا يبقى ~~لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها. والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة ~~سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال. قال جار ~~الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ~~ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال سبحانه مما أفاء الله عليك لأن فيء الله لا ~~يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. وإنما لم يجمع ~~العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع ~~اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق ~~الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة ~~استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك ~~نفسها وأنت تريد أن تستنكحها. وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم ~~النكاح، وبه استدل ms3820 أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها ~~الشافعي على خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد ~~النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله اللاتي آتيت أجورهن قال أبو بكر الرازي: لا ~~يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد. والظاهر أن خالصة حال من امرأة ~~وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصا. وفائدة ~~هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة. وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته ~~وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه # PageV05P470 # أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة. وقوله قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين ~~في حق الأزواج وفي الإماء على أي حد وصفة ينبغي أن يكون. ثم بين غاية ~~الإحلال بقوله لكيلا يكون عليك حرج أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في ~~دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات وكان الله غفورا للذي وقع في الحرج ~~رحيما بالتوسعة والتيسير على عباده. # ثم بين أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهن، لأنه صلى ~~الله عليه وسلم بالنسبة إلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم ~~لهن. والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر. ومن ~~ابتغيت ممن عزلت يعني إذا طلبت من كنت تركتها فلا جناح عليك في شيء من ذلك ~~وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ~~ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو ~~يبتغيها. # يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهن ~~ما شاء كما شاء، # وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب. # وروي أنه كان يسوي مع ما خير فيه إلا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة ~~وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. # وقيل: أراد تترك تزوج من شئت من نساء ms3821 أمتك وتتزوج من شئت. وعن الحسن: ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى ~~يدعها. ومن قال: إن القسم كان واجبا مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية ~~قال: # المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند ~~أحد منهن ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم ~~الدور والأول أقوى. ثم قال ذلك التفويض إلى مشيئتك أدنى إلى قرة عيونهن ~~وقلة حزنهن وإلى رضاهن جميعا لأنه إذا لم يجب عليه القسم. ثم إنه يقسم ~~بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه. وفي قوله والله يعلم ما في قلوبكم وعيد ~~لمن يرض منهن بما دبر الله له وكان الله عليما بذات الصدور حليما مع ذلك لا ~~يعاجل بالعقوبة فتحا لباب التوبة. وقوله كلهن بالرفع تأكيد لنون يرضين، ~~وقرىء بالنصب تأكيدا لضمير المفعول في آتيتهن ثم إنه سبحانه شكر لأزواج ~~رسول الله اختيارهن الله ورسوله فأنزل لا يحل لك النساء من بعد قال أكثر ~~المفسرين: أي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن. وإنه تعالى زاد في إكرامهن ~~بقوله ولا أن تبدل بهن أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر ~~بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي # PageV05P471 # بقوله من أزواج وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم. وذهب بعضهم ~~إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهن، والمعنى لا يحل لك من ~~النساء من بعد اللواتي نص على إحلالهن من الأجناس الأربعة، وأما غيرهن من ~~الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوج بهن. ~~وقوله ولا أن تبدل بهن منع من فعل الجاهلية وهو قولهم «بادلني بامرأتك ~~وأبادلك بامرأتي» فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه. # يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة من ~~غير استئذان فقال رسول الله صلى ms3822 الله عليه وسلم: يا عيينة أين الاستئذان؟ ~~فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت. ثم قال: من ~~هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين. # قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال عليه السلام: إن الله قد ~~حرم ذلك. فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: أحمق مطاع وإنه ~~على ما ترين لسيد قومه. # وقوله ولو أعجبك حسنهن في موضع الحال أي مفروضا إعجابك بهن. قال جار ~~الله: # والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو لا يحل وفائدة هذه الشرطية ~~التأكيد والمبالغة. واستثنى ممن حرم عليه الإماء. وفي قوله وكان الله على ~~كل شيء رقيبا تحذير من مجاوزة حدوده. واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان ~~قد ثبت له صلى الله عليه وسلم من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، ~~وذلك أن الأنبياء يشتد عليهم برحاء الوحي في أول الأمر ثم يستأنسون به ~~فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون ~~في أول الأمر أكثر لو هي القوة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوته وحصل ~~إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال ~~التزوج بمن وقع بصره عليها. وعن عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى أحل له النساء. تعني أن الآية نسخت، ونسخها إما بالسنة عند من ~~يجوز نسخ القرآن بخبر واحد، وأما بقوله إنا أحللنا لك وترتيب النزول ليس ~~على ترتيب المصحف. # ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبي إما حال الخلوة فالواجب هناك ~~احترام أهله وأشار إليه بقوله لا تدخلوا وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ ~~التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله إن الله وملائكته كانوا يتحينون طعام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا ~~يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه. ~~وإنى الطعام إدراكه، ms3823 أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى. وقيل: أناه وقته فقد ~~تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى الطعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم ~~يكن الإذن # PageV05P472 # إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلا، فأجيب بأن الخطاب مع قوم ~~كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن. وجوز ~~بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن ~~لكم فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأول أولى. ~~ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل ~~إلا أن يؤذن على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل ~~المؤيد بالدليل. وقوله فانتشروا للوجوب وليس كقوله فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا [الجمعة: 10] وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث ~~بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله ولا مستأنسين لحديث ~~وهو مجرور معطوف على ناظرين أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا ~~مستأنسين. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة ~~وأمر أنسا أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجا إلى أن قال: يا رسول الله دعوت ~~حتى ما أجد أحد أدعوه. فقال: # ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا فقام رسول ~~الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: ~~وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون ~~له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد ~~الحياء وذلك قوله إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم أي من إخراجكم، فلما ~~رأوه متوليا خرجوا فرجع فنزلت الآية # ناهية للثقلاء أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به أو ~~يستأنسون حديث أهل البيت واستماعه. ومعنى لا يستحيي لا يمتنع ولا يترك كما ~~مر في أول البقرة. والضمير في سألتموهن لنساء النبي بقرينة الحال. # قال الراوي: ms3824 إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا ~~رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت. # والمتاع الماعون وما يحتاج إليه. وثاني مفعولي فسئلوهن محذوف وهو المتاع ~~المدلول عليه بما قبله. ذلكم الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب أطهر لأجل ~~قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالبا. وروي أن بعضهم قال: ~~نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى ~~عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله وما كان أي وما صح لكم أن تؤذوا رسول ~~الله بوجه من الوجوه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم الإيذاء ~~والنكاح كان عند الله ذنبا عظيما لأن حرمة الرسول ميتا كحرمته حيا. # ثم بين بقوله إن تبدوا شيئا الآية. إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا ~~على # PageV05P473 # إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك. ثم ~~إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله لا جناح عليهن أي لا إثم عليهن ~~في ترك الاحتجاب من هؤلاء. قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله ~~الرجل بالسؤال من وراء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق ~~الأولى، وعند الاستثناء قال لا جناح عليهن فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى ~~بذلك. وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ~~ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا ~~بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك ~~نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما ~~يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم. ~~وقد يستدل بقوله ولا نسائهن مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف ~~للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة ~~في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبه بقوله واتقين فإن التكشف لهم مشروط بشرط ~~سلامة العاقبة ms3825 والأمن من الفتنة. ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون ~~البلوغ. قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله واتقين ~~فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: ~~وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن. ثم ~~أكد الكل بقوله إن الله كان على كل شيء شهيدا وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ~~ظاهر الحجاب وباطنه. ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى ~~فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة. وإنما ~~قال هناك هو الذي يصلي عليكم وملائكته وقال هاهنا إن الله وملائكته يصلون ~~ليلزم منه تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم: # وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلا للمذكور على ~~المعطوف، فكأنه سبحانه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة صلاتهم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. واستدل الشافعي: بقوله صلوا عليه وسلموا وظاهر الأمر ~~للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في ~~غير الصلاة فيجب فيها. وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول ~~المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولم يؤكد الصلاة هذا ~~التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله إن الله وملائكته يصلون # وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد ~~وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم إنك # PageV05P474 # حميد مجيد. # وعنه صلى الله عليه وسلم «من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا «1» # ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما # روي في الحديث «من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله» «2» # ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة ~~وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من أوجبها في العمر ~~مرة، وكذا قال ms3826 في إظهار الشهادتين. والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند ~~كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله ~~وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [الآية: 103] ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ~~ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفا وإعلاما بأن إيذاء رسول الله ~~هو إيذاء الله كقوله تعالى فاتبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31] ويجوز أن ~~يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه. وعن عكرمة: هو فعل ~~أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله. وقيل: أذى رسول الله ~~قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية ~~بنت حي، والأظهر التعميم. وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي ~~الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ. ثم ~~رتب وعيدا آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله بغير ما ~~اكتسبوا لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ~~ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله فقد احتملوا بهتانا ويحتمل أن يقال: ~~احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء ~~الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به ~~لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا ~~يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود للصنم إيذاء. قيل: نزلت في ناس من ~~المنافقين كانوا يؤذون عليا رضي الله عنه. وقيل: في إفك عائشة. وقيل: في ~~زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. # ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق ~~العار فقال يا أيها النبي الآية. ومعنى يدنين عليهن يرخين عليهن. يقال ~~للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. ومعنى التبعيض في من ~~جلابيبهن أن يكون للمرأة PageV05P475 # جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها. وكانت ~~النساء في أول ms3827 الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار ~~من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس ~~والوجوه ذلك الإدناء أدنى وأقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر أو أنهن لسن ~~بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها فلا يؤذين لا هن ولا ~~رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا ~~كن مرئيات فضلا عن كونهن مزينات وكان الله غفورا لما قد سلف رحيما حين ~~أرشدكم إلى هذا الأدب الجميل. ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوفهم بعقاب الدنيا ~~قائلا لئن لم ينته المنافقون عن الإيذاء والذين في قلوبهم مرض وهم الضعفة ~~الإيمان أو الزناة وأهل الفجور والمرجفون في مدينة الرسول وهم الخائضون في ~~أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت من الرجفة ~~وهي الزلزلة. روي أن ناسا كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس ~~أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدو ونحو ذلك. ومعنى لنغرينك ~~بهم لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد. والمراد ~~لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمنا ~~قليلا ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم. ومعنى «ثم» تراخي الرتبة ~~كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن ~~يكون قليلا منصوب على الحال أيضا ومعناه لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ~~ملعونين. وفي قوله لا يجاورونك عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا ~~لا يجاورونك سنة الله أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا ~~حيثما ثقفوا. وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في ~~الأحكام لا في الأفعال والأخبار. ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحانا فأمر نبيه أن ~~يقول: إن ذلك العلم ms3828 مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع. ومعنى قريبا شيئا ~~قريبا أو يوما أو زمانا. ثم أوعدهم بما أعد لهم من عذاب السعير. ومعنى ~~تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو ~~تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها. والوجه ~~عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه أشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضا للعذاب ~~فالأخس أولى. # ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي ~~بالدعاء على من أضلهم. قوله ضعفين أي ضعفا لضلالهم وضعفا لإضلالهم. من قرأ ~~لعنا كبيرا بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء ~~المثلثة أراد تكثير عدد # PageV05P476 # اللعن وقد علموا أن العذاب حاصل فطلبوا ما ليس بحاصل وهو زيادة العذاب ~~وكثرة اللعن أو عظمه. قوله لا تكونوا كالذين آذوا موسى قال المفسرون: نزلت ~~في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وإيذاء موسى هو حديث ~~المومسة التي أرادها قارون على قذف موسى، أو حديث الأدرة أو البرص الذي ~~قرفوه بذلك ففر الحجر بثوبه حتى رأوه عريانا وقد مر في «البقرة» . وقيل: ~~اتهامهم إياه بقتل هارون وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك فحملته ~~الملائكة ومروا به عليهم ميتا حتى أبصروه فعرفوا أنه غير مقتول، أو أحياه ~~الله عز وجل فأخبرهم ببراءة موسى ومعنى مما قالوا من مؤدى قولهم أو من ~~مضمون مقولهم وكان عند الله وجيها ذا جاه ومنزلة فلذلك كان يذب ويدفع عنه ~~المثالب والمطاعن كما يفعل الملك بمن له عنده قربة. وروي عن شنبوذ وكان ~~عبدا لله. ثم أشار إلى ما ينبغي أن يكون المؤمن عليه فقال يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم وتقويم أمركم بسداد ~~قولكم، فبتقوى الله يصلح العمل وبصلاح العمل تكفر السيئات وترفع الدرجات. ~~أمرهم أولا بالتخلية وهي ترك الإيذاء وثانيا بالتحلية وهي التقوى الموجبة ~~لتحصيل الأخلاق الفاضلة، ثم علق الفوز العظيم بالطاعة المسماة بالأمانة في ~~قوله إنا ms3829 عرضنا الأمانة فقيل: العرض حقيقة. وقيل: أراد المقابلة أي قابلنا ~~الأمانة بالسماوات فرحجت الأمانة. والعرض أسهل من الفرض ولهذا كفر إبليس ~~بالإباء ولم يكفر هؤلاء بالإباء لأن هناك استكبارا وهاهنا استصغارا بدليل ~~قوله وأشفقن منها وقد يقال: المضاف محذوف أي عرضناها على أهل السموات ~~والأرض والجبال وإنما صير إلى هذا التكلف لاستبعاد طلب الطاعة من الجمادات، ~~ولم يستبعده أهل البيان لأن المراد تصوير عظم الأمانة وثقل حملها فمثلت حال ~~التكليف في صعوبته وثقل محمله بحالة المتحملة المفروضة لو عرضت على هذه ~~الأجرام العظام. واعلم أن التكليف هو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، فهذا ~~النوع من التكليف ليس في السموات والأرض والجبال لأن السماء لا يطلب منها ~~الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها ~~السير، وكذا الملائكة ملهمون بالتسبيح والتقديس. وسمي التكليف أمانة لأن من ~~قصر فيه فعليه الغرامة ومن أداه فله الكرامة. فعرض الأمانة بهذا المعنى على ~~هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو عدم صلوحها لهذا الأمر، أو المراد هو ~~التصوير المذكور. وقد خص بعضهم التكليف بقول «لا إله الا الله» . والأظهر ~~عندي أن الأمانة هي الاستعداد الذي جبل كل نوع من المخلوقات عليه، وحمل ~~الأمانة عبارة عن عدم أداء حقها كما يقال: فلان ركب عليه الدين. فكل من ~~أخرج ما في قوته إلى الفعل فهو مؤد للأمانة وقاض حقها وإلا فهو حامل لها. ~~ولا ريب أن # PageV05P477 # السموات مسخرات بأمر الله كل يجري لأجل مسمى، والأرض ثابتة في مستقرها، ~~والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كل نوع من الأنواع مما يطول تعدادها وإليه ~~الإشارة بقوله سبحانه وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: 164] إلا ~~الإنسان فإن كثيرا من الأشخاص بل أكثرها مائلة إلى أسفل السافلين الطبع فلا ~~جرم لم يقض حق الأمانة وانحط إلى رتبة الأنعام فوصف بالظلومية لأنه صرف ~~الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهولية لأنه جهل خاصة عاقبة إفساد ~~الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته. فاللام في ~~الإنسان ms3830 للجنس وحمل الشيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس. وفيه ~~لطيفة أخرى مذكورة في تأويل آخر سورة البقرة. وذكروا في سبب الإشفاق أن ~~الأمانة لا تقبل إما لعزتها ونفاستها كالجواهر الثمينة، أو لصعوبة حفظها ~~كالزجاج مثلا، وكلا المحذورين موجود في التكليف. وأيضا كان الزمان زمان نهب ~~وغارة إذ العرض كان بعد خروج آدم من الجنة والشيطان وجنوده كانوا في قصد ~~المكلفين والعاقل لا يقبل الوديعة في مثل ذلك الوقت. وأيضا قد لا يقبل ~~الأمانة لعسر مراعاتها ولاحتياجها إلى تعهد # ومؤنة كالحيوان المحتاج إلى العلف والسقي والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى ~~تربية وتنمية بخلاف متاع يوضع في صندوق أو بيت، فهذه الأشياء علمن ما في ~~التكليف من التبعات وجهلها الإنسان فقبله فكان جهولا، وقد ظلم آدم نفسه ~~بالمخالفة فكان ظلوما وكذا أولاده الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان وجهلوا ما ~~عليهم من العقاب. واعتذر بعضهم عن الإنسان أنه نظر إلى جانب من كلفه وقال ~~المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها، وإذا أودع لا يتركها بل ~~يحفظها بعينه وعونه فقبلها وقال إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 4] وقيل: # إنه كان ظلوما جهولا في ظن الملائكة حيث قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~[البقرة: # 30] وقال الحكيم: المخلوقات على قسمين: مدرك وغير مدرك. والمدرك منه من ~~يدرك الجزئي فقط كالبهائم تدرك الشعير وتأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ~~ولا تنظر في الدلائل، ومنه من يدرك الكلي دون الجزئي كالملك يدرك الكليات ~~ولا يدرك لذة الجماع والأكل ولهذا قالوا سبحانك لا علم لنا [البقرة: 32] ~~فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات. ومنه من يدرك الأمرين وهو الإنسان له ~~لذات بأمور جزئية فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية كلذة الملائكة بعبادة الله ~~ومعرفته. فغير الإنسان إن كان مكلفا كان بمعنى كونه مخاطبا لا بمعنى الأمر ~~بما فيه كلفة ومشقة. وفي قوله وحملها الإنسان دون أن يقول «وقبلها» إشارة ~~إلى ما في التكليف من الثقل وإلى ما يستحقه عليه من الأجر لو حمله كما أمر ~~وإلى حيث أمر ms3831 وإلا غرم وجرم. (لطيفة) . الأمانة عرضت على آدم فقبلها وكان ~~أمينا عليها، والقول قول الأمين فهو فائز. وأما أولاده فأخذوا الأمانة منه ~~والآخذ من الأمين ليس # PageV05P478 # بمؤتمن بل ضامن ولهذا لا يكون وارث المودع مقبول القول فلم يكن له بد من ~~تجديد عهد وإيمان حتى يصير أمينا عند الله ويصير القول قوله فيكون له ما ~~كان لآدم من الفوز، ولهذا ذكر ما فيه عاقبة حمل الأمانة قائلا ليعذب إلى ~~قوله ويتوب إشارة إلى الفريقين. ثم وصف نفسه بكونه غفورا رحيما بإزاء كون ~~الإنسان ظلوما جهولا ولا يخفى ما في هذه الإشارة من البشارة. ### | التأويل: # اذكروا الله ذكرا كثيرا فمن أحب شيئا أكثر ذكره. وأهل المحبة هم الأحرار ~~عن رق الكونين والحر يكفيه الإشارة هو الذي يصلي أي لولا صلاتي عليكم لما ~~وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل ~~بالمؤمنين رحيما فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور ~~الوجود الحقيقي إنا أرسلناك شاهدا لنا بنعت المحبوبية ومبشرا للطالبين ~~برؤية جمالنا ونذيرا للبطالين عن كمال حسننا وحسن كمالنا وداعيا إلى الله ~~بإذنه لا بطبعك وهواك وسراجا منيرا في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى ~~وجه النبي صلى الله عليه وسلم كاف لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت ~~الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية. وفضلا كبيرا هو القلب المستنير. إنا ~~أحللنا لك أزواجك لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه ~~بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة إن الله وملائكته ~~يصلون صلاة تليق بتلك الحضرة المقدسة مناسبة لحضرة النبوة بحيث لا يفهم ~~معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها ~~الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها ~~الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، ~~وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله أولئك عليهم صلوات من ربهم [البقرة: 157] ~~إنا عرضنا الأمانة هي قبول الفيض الإلهي بلا ms3832 واسطة ولهذا سمي أمانة لأن ~~الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد. وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور ~~الإلهي فكان عرض الفيض عاما على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصا بالإنسان ~~لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق ~~بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا ~~سر الخلافة إنه كان ظلوما لأنه خلق ضعيفا وحمل قويا جهولا لأنه ظن أنه خلق ~~للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو ~~محبوب الله. فبقوة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنور برشاش ~~الله أدى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحا، وفي ~~حق الخائنين فيها ذما. ولما لم يكن لروح الملائكة # PageV05P479 # ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن. فالمخاطبون ~~إذن على ثلاث طبقات: طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام ~~العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة ~~يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعا في نفعها ثم لم ~~يؤدوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم ~~الذين حملوها طوعا ورغبة وشوقا ومحبة وأدوا حقها بقدر وسعهم. ولكن الحكم ~~لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات ~~العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق. # PageV05P480 ### | (سورة سبأ) # (وهي مكية حروفها ثلاثة آلف وخمسمائة واثنا عشر كلمها ثمانمائة وثلاث ~~وثمانون آياتها أربع وخمسون) ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 21] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو ~~الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل ~~بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ولا أصغر من ذلك ms3833 ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) # والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) # ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ~~أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) ~~ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ~~يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل ~~داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على ~~موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) ذلك ~~جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ~~(18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم ~~كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم ms3834 من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل ~~شيء حفيظ (21) # PageV05P481 ### | القراآت: # عالم الغيب بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس. علام بالجر وبناء ~~المبالغة: حمزة وعلي. الباقون عالم بالجر وبدون المبالغة. معاجزين بالألف ~~وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو معجزين بالتشديد رجز أليم بالرفع صفة العذاب ~~وكذلك في «الجاثية» : ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة. الآخرون: بالجر إن يشأ ~~يخسف أو يسقط على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون نخسف بهم ~~بإدغام الفاء في الباء: علي كسفا بفتح السين: حفص غير الخزاز والطير بالرفع ~~حملا على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملا على المحل أو ~~لأنه مفعول معه أو معطوف على فضلا بمعنى وسخرنا له الطير الريح بالرفع: # أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له ~~الرياح بالرفع أيضا ولكن مجموعا: يزيد. الباقون: موحدا منصوبا كالجوابي ~~بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل ~~عبادي الشكور بسكون الياء: حمزة والوقف بالياء لا غير منسأته بالألف: أبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب. وقرأ ابن ذكوان ساكنة ~~الهمزة. الآخرون: بفتح الهمزة تبينت الجن على البناء للمفعول: يعقوب غير ~~زيد لسبإ غير مصروف: أبو عمرو والبزي لسبإ بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون ~~عن قنبل لسبإ بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون ~~مسكنهم بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون: مساكنهم مجموعة ~~بجنتيهم بضم الهاء: سهل ويعقوب أكل خمط بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ~~ويعقوب. الآخرون: بالسكون والتنوين نجازي بضم النون وكسر الزاي إلا الكفور ~~بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب. الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع ~~الكفور ربنا بالرفع باعد بلفظ # PageV05P482 # الماضي من المفاعلة: سهل. الآخرون: ربنا بالنصب على النداء باعد على ~~الأمر. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بعد أمرا من التبعيد صدق بالتشديد: عاصم ~~وعلي وخلف. الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ms3835 ظنا نحو «فعلته ~~جهدك» . ### | الوقوف: # في الآخرة ط الخبير ه فيها ط الغفور ه الساعة ط لتأتينكم ه لمن قرأ عالم ~~بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتا لربي فلم يقف ب الغيب ج لأن قوله لا ~~يعزب يصلح حالا واستئنافا مبين ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف الصالحات ط ~~كريم ه أليم ه الحق ج لأن قولهن ويهدي عطف على المعنى أي يحق قبوله ويهدي ~~الحميد ه ممزق ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان ل ينبئكم وإنما ~~كسرت لدخول اللام في خبرها جديد ه ج للآية ولاتحاد المقول جنة ط البعيد ه ~~الأرض ط السماء ط منيب ه فضلا ط والطير ج لأن ما يتلوه يصلح حالا واستئنافا ~~الحديد ه لا لتعلق «أن» صالحا ط بصير ه ورواحها شهر ط لأن قوله وأسلنا عطف ~~على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح القطر ط ربه ط السعير ه راسيات ط شكرا ط ~~الشكور ه منسأته ه المهين ه آية ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن ~~يكون بدلا من آية وشمال ط له ط أي لكم بلدة غفور ه قليل ه كفروا ط الكفور ه ~~السير ط آمنين ه ممزق ط شكور ه المؤمنين ه شك ط حفيظ ه. ### | التفسير: # قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول ~~«الأنعام» و «الكهف» ، وثنتان في النصف الأخير هذه «والملائكة» والخامسة ~~وهي «الفاتحة» تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له ~~حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة ~~الإبقاء فأشار في أول «الأنعام» إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله تعالى ~~هو الذي خلقكم من طين [الآية: 2] وأشار في أول «الكهف» إلى إنزال الكتاب ~~الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أول هذه السورة ~~إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى وله الحمد في الآخرة وأشار في ~~أول سورة الملائكة إلى ms3836 الإبقاء الأبدي بدليل قوله جاعل الملائكة رسلا ~~[فاطر: 1] والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلا إلا يوم القيامة يرسلهم الله ~~مسلمين على المسلمين كقوله وتتلقاهم الملائكة [الأنبياء: 103] وقال تعالى ~~في تحيتهم سلام عليكم طبتم [الزمر: 73] وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة ~~الدنيا بقوله الحمد لله # PageV05P483 # رب العالمين # [الفاتحة: 1] وعلى نعمة الآخرة بقوله مالك يوم الدين [الفاتحة: 3] يقرأ ~~في الافتتاح وفي الاختتام. واعلم أنه تعالى وصف نفسه في أول هذه السورة بأن ~~له ما في السموات وما في الأرض إيذانا بأن كونه مالكا لكل الأشياء يوجب ~~كونه محمودا على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك ~~كان مستنفعا بنعمه. ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلا لنعم الآخرة على ~~نعم الدنيا وإيذانا بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى ~~عليه من أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف وهو الحكيم في الابتداء ~~الخبير بالانتهاء. ثم أكد علمه بقوله يعلم ما يلج في الأرض أي يدخل فيها من ~~المياه والحبات والكنوز والأموات وما يخرج منها من الشجر والنبات ومياه ~~الآبار والجواهر والمعدنيات وما ينزل من السماء من الأمطار والأرزاق وأنواع ~~البركات والوحي وما يعرج فيها من الملائكة وأعمال العباد. وقد أشار بقوله ~~فيها دون أن يقول «إليها» إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية ~~واصلة، فقد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا يتصل به وهو الرحيم حين ~~الإنزال الغفور وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال. ثم بين أن ~~نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله بلى ~~وأكد ذلك بقوله وربي ثم برهن على ذلك بقوله عالم الغيب لأن العالم بجميع ~~الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها. وفي قوله لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي ~~وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على ~~إعادتهما على ما كانا عليه. وإنما ذكر الأكبر ms3837 مع أن الأصغر هو اللائق ~~بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ~~ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد ~~مر نظيره في «يونس» . وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله له ما في ~~السماوات وما في الأرض بخلاف «يونس» فإن المخاطبين في الأرض فقدمت. ثم ذكر ~~غاية الإعادة بقوله ليجزي إلى قوله من رجز أليم ومعنى سعوا في آياتنا أي في ~~إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبي في التقرير والتبليغ، أو يعجزون ~~من آمن بنا. وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا. وقال ابن زيد: جاهدين ~~وهو قولهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه [فصلت: 26] وعن قتادة: الرجز ~~سوء العذاب. وحين بين جزاء المؤمن الصالح عمله والمكذب الساعي العجز علم ~~منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحا يكون له مغفرة من غير رزق ~~كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه. ثم بين ~~أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو الحق ليس الحق إلا هو # PageV05P484 # والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه. وأولو العلم هم أصحاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم. وقيل: هم علماء أهل الكتابين ~~الذين أسلموا. ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل. ~~وقيل: إن يرى معطوف على ليجزي فلا وقف # على أليم أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علما لا يزاد ~~عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار ~~أنه هو الحق فيزدادوا حسرة. والعزيز إشارة إلى كونه منتقما من الساعين في ~~التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحا، وقدم صفة ~~الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث. ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من ~~حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي صلى الله عليه ms3838 وسلم كان ~~عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج ~~الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ~~ما. # ومعنى مزقتم كل ممزق فرقت أوصالكم كل تفريق وجوز جار الله أن يكون اسم ~~مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به ~~السيول فذهبت به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح. والعامل في «إذا» ~~ما دل عليه قوله إنكم لفي خلق جديد وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في ~~التجاهل قائلين أفترى على الله كذبا إن كان يعتقد خلافه أم به جنة إن كان ~~لا يعتقد خلافه. وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين ~~الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسما ثالثا وهو أنه عاقل صادق ~~فلذلك رد الله عليهم بقوله بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال ~~البعيد جعل وقوعهم في العذاب رسلا لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم ~~الظلال وموجباته قابل قولهم أفترى بالعذاب وقولهم به جنة بالضلال البعيد ~~لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه. وقد ~~أسقطت همزة الوصل في قوله أفترى استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام ~~المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس. وجوز بعضهم أن يكون هذا ~~الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم؟ وحين قرر دليل الحشر ~~من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلا آخر على ذلك من قبل كمال قدرته ~~فقال أفلم يروا معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن ~~تعجيلا للجواب وتعقيبا لحل الشبهة نظيره قوله أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم [يس: 81] ثم هددهم بأنه قادر على أن يجعل ~~عين النافع ضارا بالخسف وإسقاط الكسف. وقال جار الله: أراد فلم ينظروا # PageV05P485 # إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم ~~محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن ms3839 يخسف الله بهم، ~~أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب ~~الأيكة. إن في ذلك النظر والاعتبار لآية لكل عبد منيب لأن الراجع إلى ربه ~~قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار. ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود ~~وسليمان كما قال في «ص» فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب [ص: 24] وقال في ~~سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب [ص: 34] وفي قوله منا تنويه بالفضل ~~وشأنه. ثم بين الفضل بقوله يا جبال أوبي لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ~~ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوبي أي رجعي معه التسبيح. # قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه ~~بأصدائها والطير بأصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء. والتأويب السير ~~طول النهار والنزول ليلا فكأنه قال: أوبي النهار كله بالتسبيح معه. وفي ~~خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته. وقد ~~ألان الله له الحديد كالشمع أو لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة. و ~~«أن» في قوله أن اعمل مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل. ~~سابغات أي دروعا واسعة وهي من الصفات التي غلبت عليها الاسمية حتى ترك ذكر ~~موصوفها. والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقا ~~فتقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق. # يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكرا فيسأل الناس عن نفسه ويقول ~~لهم: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه فقيض الله تعالى ملكا في صورة آدمي ~~فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه. فخاف داود فسأله فقال: # لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل ~~بيت المال فعلمه صنعة اللبوس. # وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من ~~القتل، فالزراد خير من القواس والسياف. وقيل: إن التقدير في السرد إشارة ~~إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما ms3840 هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت ~~وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله واعملوا صالحا أي لستم يا آل داود ~~مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه. ثم أكد ~~الفعل الصالح بقوله إني بما تعملون بصير فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك ~~اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن. # ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير ~~الريح له كالمملوك المنقاد لأمره غدوها شهر أي جريها بالغداة مسيرة شهر ~~وجريها بالعشي كذلك. يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: ~~نحن نزلناه وما بنيناه، # PageV05P486 # ومبنيا وجدناه غدونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن ~~شاء الله. ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله ~~كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر. ~~روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام. # زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها ~~كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحهم فيسبح. ~~والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح. وقوله غدوها شهر أي ~~ثلاثون فرسخا لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم ~~يرجع. والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس ~~بالنار واستعمال آلاتها. والمراد بالشياطين ناس أقوياء. ولا يخفى ضعف هذه ~~التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى ~~هذه التكلفات. وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله ~~فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها ~~أنها سبحت فجعلها كالمملوكة. أو نقول: الجبل في السير ليس أصلا بل هو يتحرك ~~معه تبعا، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع ~~سليمان بل سليمان كان مع الريح. وهاهنا نكتة وهي أن الله تعالى ذكر ثلاثة ~~أشياء في ms3841 حق داود وثلاثة في حق سليمان. لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال ~~المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان. إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، ~~فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح. وأيضا تسخير الطير من جنس ~~الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب أبدا ~~اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير. # وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر. وفي قوله بإذن ربه إشارة إلى أن حضور ~~الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة. وفي قوله عن أمرنا دون أن يقول «عن ~~أمر ربه» إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن ~~لفظ الرب ينبىء عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبىء عن ~~الهيبة. قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة. وعن السدي: كان معه ملك ~~بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجني ضربه من حيث لا يراه الجني. ثم ~~فصل عمل الجن بقوله يعملون له ما يشاء من محاريب وهي المساجد والمجالس ~~الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في «آل عمران» . والتماثيل صور ~~الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ~~ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في ~~تلك الشرائع محرما ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها. ويروى أنهم ~~عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ~~له ذراعيهما، وإذا # PageV05P487 # قعد أظله النسران بأجنحتهما. وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في ~~تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه. ~~والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي ~~يجمع جعل الفعل لها مجازا وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على ~~الجفنة ألف رجل. وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون ~~قدورها فذكر أنها قدور راسيات ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. ~~ويعلم من ms3842 تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل ~~جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان ~~فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في ~~الإطعام والإنعام. # ثم بين بقوله اعملوا آل داود شكرا أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان ~~فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة. وانتصب شكرا على أنه مفعول له أو ~~حال أي شاكرين، أو مصدرا لأن اعملوا في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر ~~عمل صالح. وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن ~~يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا. قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن ~~الشكر اللساني غير كاف وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي. # يروى أن داود عليه السلام جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ~~ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. # والشكور هو المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان ~~والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم ~~اجعلني من الأقلين. وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما ~~الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت ~~به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاكرا لأنعمي بأسرها، وهذا القول ~~نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها. وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، ~~بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي ~~الله أولى بذلك. # يروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به ~~إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحيانا. ~~فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل ~~فيسألها لأي شيء أنت؟ # فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأي ms3843 شيء أنت؟ فقالت: ~~لخراب هذا المسجد. فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حي. فقال: اللهم عم على ~~الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. وقال لملك الموت: إذا أمرت ~~بي فأعلمني. فقال: # PageV05P488 # أمرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ~~ليس له باب؟ فقام يصلي متكئا على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه ~~في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخر ~~ميتا وذلك بعد سنة. # والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة. والمنسأة العصا لأنه ~~ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقد يترك همزها. وقرىء من سأته أي طرف عصاه سميت ~~بسأة القوس على الاستعارة. وتبينت بمعنى ظهرت «وأن» مع صلتها بدل من الجن ~~بدل الاشتمال على نحو قولك «تبين زيد جهله» أو هو بمعنى علمت أي علم الجن ~~كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ~~ذلك من قبل زورا. أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعوا منهم علم الغيب ~~اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل ~~إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل متبينا لذلك. وكان ~~عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن ~~مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. ولما بين حال الشاكرين ~~لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة. وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب ~~الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم ~~سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. من قرأ مساكنهم ~~فظاهر. ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكناهم وهو ~~بلدهم وأرضهم. عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما ~~السلام. ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة ~~دالة على ms3844 الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره. قال جار الله: لم يرد بستانين ~~اثنين فحسب وإنما أراد جماعتين من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن ~~شمالها، كأن كل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد ~~بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله جعلنا لأحدهما جنتين من ~~أعناب [الكهف: 32] . # وقوله كلوا من رزق حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم ~~وهم ثلاثة عشر نبيا على ما روي. وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم ~~من أكل ثمارها خوف ولا مرض. وكذا قوله واشكروا له لأن الشكر لا يطلب إلا ~~على النعمة المعتبرة. وكذا قوله بلدة طيبة أي عن المؤذيات من العقارب ~~والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله والبلد ~~الطيب [الأعراف: 58] ورب غفور أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن ~~يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق # PageV05P489 # الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعه فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب ~~فكأنه وعدهم سعادة الدارين. وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد. وحين بين ما كان ~~من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله فأعرضوا أي عن الشكر. ثم ذكر ~~جزاءهم بقوله فأرسلنا عليهم سيل العرم وهو الجرذ. # يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدت ما بينها من الشعب بالصخر ~~والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقا لها أبواب مترتبة ~~بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط ~~الله على سدهم الخلد فثقبه من أسفله. # وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي ~~عقدوها سكرا. وقيل: العرم اسم الوادي. وقيل: المطر الشديد. والتركيب يدل ~~على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم «صبي عارم» من العرام بالضم أي شرس. ومن ~~ذلك «عرمت العظم» عرقته و «عرمت الإبل الشجر» نالت منه ذواتي أكل صاحبتي ~~ثمر. # والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع. والخمط شجر الأراك. ~~أبو عبيدة: كل شجر ms3845 ذي شوك. الزجاج: كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن ~~أكله. والأثل نوع من الطرفاء لا يكون عليه ثمرة إلا نادرا كالعفص في الطعم ~~والطبع ولكن أصغر. والسدر معروف وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ~~هاهنا بالقلة. عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا، والتحقيق فيه أن ~~البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها ~~عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض ~~فيقل الثمر وتكثر الحشائش والأشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل ~~تحقيقا فيكون شبه المشخ. من قرأ أكل خمط بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين ~~فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل ~~بشع. # وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم. قال في الكشاف: الأثل ~~والسدر معطوفان على أكل لا على خمط لأن الأثل لا أكل له ذلك الإرسال ~~والتبديل جزيناهم بما كفروا النعمة وغمطوها وهل نجازي مثل هذا الجزاء وهو ~~العقاب العاجل إلا الكفور قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة ~~إلا إذا قيد كقوله سبحانه جزيناهم بما كفروا وقال جار الله: الجزاء عام لكل ~~مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أولا في ~~معنى المعاقبة استعمل ثانيا على نحو ذلك. وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في ~~الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا ~~يكون مجازاة لأن الله مبتدىء بالنعم. وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى ~~تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه ~~أمره فقال وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها وهي قرى الشام قرى ~~ظاهرة متواصلة يرى # PageV05P490 # من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق. ~~وقدرنا فيها السير سيروا فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، ~~فمنازل ما بين تلك القرى مقدرة ومعلومة لا يجاوزها المسافر عرفا بخلاف ~~المفاوز فإن ms3846 السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها. ثم بين أمن تلك ~~الطريق بقوله سيروا أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار. ~~قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان ~~الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضار فكأنهم أمروا بذلك. والمقصود من ذكر ~~الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات. ~~ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدة سفركم ~~فيها وامتدت أياما وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدة أعمارهم أي سيروا ~~فيها مدة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن. # ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل ~~البصل والفوم مكان المن والسلوى فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا أرادوا أن ~~يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد ~~قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد. ويحتمل أن يكون ذلك لفساد ~~اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني ~~مشيرا بذلك إلى أنه لا يقدر عليه. ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد ~~استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوها لفرط تنعمهم وترفههم وظلموا أنفسهم بوضع ~~الكفر موضع الشكر فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق فرقناهم كل تفريق فلا ~~جرم اتخذ الناس حالهم مثلا قائلين «ذهبوا أيدي سبأ» أي في طرق شتى. واليد ~~في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر. وقيل: الأيادي الأولاد لأنه ~~يعضد بهم كما بالأيدي. والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، ~~وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان إن في ذلك الجعل والتمزيق لآيات ~~لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور ~~لها برعاية حق الله فيها. ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله ولقد صدق عليهم ~~أي على بني آدم لقرينة الحال. # وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله لأغوينهم [الحجر: 39] أو قوله أنا ~~خير منه [ص: 76] بدليل قوله فاتبعوه والمتبوع ms3847 خير من التابع. ولا ريب أن ~~الكافر أدون حالا من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد ~~الصانع أو يشرك به. ثم بين قوله وما كان له أن الشيطان ليس بملجىء ولكنه ~~آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقر والشاك. والحفيظ ~~المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه ~~حفظه وكذا العاجز. # PageV05P491 ### | التأويل: # يعلم ما يلج في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام وما ~~يخرج منها من الصفات المتولدة منها. وما ينزل من سماء القلب من الفيوض ~~والإلهامات وما يعرج فيها من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى ~~إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض ~~البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط ~~فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حد الاعتدال صارت ~~ذميمة إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين [الإسراء: 27] يا جبال أوبي قد مر ~~تأويله في سورة الأنبياء وقدر في السرد وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول ~~الناس ولسليمان القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو ~~الجذبة الإلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن. # يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوما فمال الريح ببساطه فقال سليمان ~~للريح: # استو فقالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت. # كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح ~~الخذلان بساط السر إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: ~~11] وأسلنا له عين القطر الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل ~~بين يديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما # قال نبينا صلى الله عليه وسلم «شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا ~~بالخير» «1» # من محاريب وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة ~~السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل ~~الروح عليها ms3848 ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة. # قال جبرائيل عليه السلام: لو دنوت أنملة لاحترقت. # وجفان كالجواب فيه إشارة إلى مأدبة الله التي يأكل منها الأنبياء ~~والأولياء إذ يبيتون عنده اعملوا آل داود وهم متولدات الروح فشكر البدن ~~استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى ~~والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل ~~الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا ~~واسطة في مقام الوحدة مخفيا بنور الوحدة عن نفسه. فالعوام شكرهم بالأقوال، ~~والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة ~~الشكورية التي تعطي على عمل. فإن عشرة ثواب باق ولذلك وصفهم بالقلة تأكل ~~منسأته اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سببا ~~لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل PageV05P492 # متكئا على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحدا من خلقه لقد كان لسبإ السر ~~جنتان جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر بلدة طيبة هي بلدة ~~الإنسانية القابلة لبذر التوحيد ورب غفور يستر العيوب فأعرضوا عن الوفاء ~~وأقبلوا على الجفاء فأرسلنا عليهم سيل سطوات العرم قهرنا وبدلناهم بجنتيهم ~~الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة جنتين من الأوصاف الذميمة وهل نجازي وهل ~~يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة. قرى ظاهرة منازل السالكين ~~ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية. وقلنا لهم ~~سيروا في ليالي البشرية وأيام الروحانية آمنين في حيازة الشريعة فطلبوا ~~البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد. ~~وما كان له عليهم من سلطان فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج ~~جواهر النفوس من معادنها. ### | [سورة سبإ (34) : الآيات 22 الى 54] # قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة ~~عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ms3849 ماذا قال ربكم قالوا الحق ~~وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو ~~إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما ~~تعملون (25) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ~~(26) # قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون (30) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا ~~بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) # قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم ~~بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل ~~والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به ~~كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) قل إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) # وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون ~~في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) # فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ms3850 قالوا ما ~~هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك ~~مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من ~~قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) قل إنما ~~أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن ~~هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد ~~(47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي ~~إنه سميع قريب (50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) # وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل ~~بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) # PageV05P493 ### | القراآت: # أذن له على البناء للمفعول: أبو عمرو وعلي وخلف والأعشى والبرجمي فزع علي ~~البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب جزاء بالنصب الضعف مرفوعا: # يعقوب في الغرفة على التوحيد: حمزة يحشرهم ثم يقول على الغيبة فيهما: # حفص ويعقوب. الباقون: بالنون ثم تفكروا بتشديد التاء: رويس أجري إلا بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ربي إنه بفتح الياء: أبو ~~جعفر ونافع وأبو عمرو: التناوش مهموزا: أبو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص ~~والشموني والبرجمي. حيل بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس. ### | الوقوف: # من دون الله ج لاحتمال الجملة بعده حالا واستئنافا ظهير ه أذن # PageV05P494 # له # ط الحق ط الكبير ه والأرض ط قل الله لا لاتصال المقول مبين ه تعملون ه ~~بالحق ط العليم ه كلا ط الحكيم ه لا يعلمون ه صادقين ه ولا تستقدمون ms3851 ه بين ~~يديه ط عند ربهم ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا وهذا أوجه القول ج لمثل ~~ذلك مؤمنين ه مجرمين ه أندادا ط العذاب ط كفروا ط يعملون ه كافرون ه ~~بمعذبين ه لا يعملون ه صالحا ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء آمنون ه محضرون ه ~~ويقدر له ط يخلفه ج لعطف الجملتين المختلفتين الرازقين ه يعبدون ه من دونهم ~~ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول الجن ج لذلك مؤمنون ه ضرا ط تكذبون ه ~~آباؤكم ج للعطف مع طول الكلام والتكرار مفترى ط مبين ه من نذير ه نكير ه ~~بواحدة ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا من جنة ط شديد ه لكم ط ~~الله ج شهيد ه بالحق ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي ~~هو علام الغيوب ه يعيد ه على نفسي ج لعطف جملتي الشرط ربي ط قريب ه قريب لا ~~لأن ما بعده معطوف على أخذوا: آمنا به ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية ~~مبتدأ بها أو حالا بعيد ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل ~~معنى الفعل في التناوش من قبل ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو ~~للاستئناف أي وهم يقذفون بعيد ه من قبل ط مريب ه. ### | التفسير: # لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلا عاد إلى مخاطبة كفار ~~قريش وتقريعهم. ومفعولا زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأول ~~استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي من دون الله ~~مقام الموصوف. وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: ~~أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله ~~إلههم فالله تعالى قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئا كما ~~اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والأرضيات في حكمهم. ~~وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على ms3852 سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات ~~منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله ~~وما لهم فيهما من شرك أي الأرض كالسماء لله ليس لغيره فيها نصيب. # وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى ~~الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله وما له منهم من ظهير ~~ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ~~فبين بطلان مذهبهم بقوله ولا # PageV05P495 # تنفع الشفاعة # قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع ~~له أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين أو إلا لمن وقع ~~الإذن للشفيع لأجله. و «حتى» غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن ~~كأنه قيل: يتربصون ويقفون مليا فزعين حتى إذا فزع أي كشف الفزع في القيامة ~~عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن ~~تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم قالوا قال الحق أي القول الحق ~~وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يؤيد هذا التفسير # قول ابن عباس عن النبي «فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة» # والتشديد للسلب والإزالة على نحو «قردته وجلدته» أي أزلت قراده وسلخت ~~جلده. وقيل: إن «حتى» على هذا التفسير متعلق بقوله زعمتم أي زعمتم الكفر ~~إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق. ومنهم من ذهب إلى أن ~~التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما # جاء في حديث «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على ~~الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل فاذا جاء فزع عن قلوبهم ~~فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟ فيقول الحق» «1» # أي يقول الحق الحق. وقيل: أراد بالفزع أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد صلى الله عليه ~~وسلم من أشراطها فلما زال عنهم ذلك ms3853 قالوا: ماذا قال الله؟ قال جبرائيل ~~وأتباعه: الحق. وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل ~~أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها ~~أهل الكفر. وحين بين بقوله قل ادعوا أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله قل ~~من يرزقكم إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به. وهاهنا نكتة هي أنه قال في دفع ~~الضر قالوا الحق وفي طلب النفع قال قل الله تنبيها على أنهم في الضراء ~~مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا يتنبهون إلا ~~بمسه. وقوله وإنا أو إياكم من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفل ~~شوكته بالهوينا. وفي تخالف حرفي الجر في قوله لعلى هدى أو في ضلال إشارة ~~إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل ~~منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون. وإنما وصف الضلال بالمبين ~~وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا ~~حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وأبين. # وقوله عما أجرمنا إلى قوله عما تعملون أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث ~~PageV05P496 # أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، ~~وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل. وفيه إرشاد إلى المناظرات ~~الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه ~~وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت ~~الغرض. ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل ~~النار النار. وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد ~~يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى ~~بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض ~~وحساب. وفي قوله العليم إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم ~~بمجرد الغلبة ms3854 والهوى. ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب ~~النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة ~~فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو. ومعنى أروني وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف ~~بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي ~~صفة ألحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء ف شركاء نصب على الحال والعائد محذوف ~~وكلا ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسده بإبطال المقايسة ورد الإلحاق. ثم زاد ~~في توبيخهم بقوله بل هو الله العزيز الحكيم كأنه قال: # أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن ~~القدرة الكاملة والحكمة الشاملة. وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن. وحين فرغ ~~من التوحيد شرع في الرسالة. ومعنى كافة عامة لأن الرسالة إذا شملتهم فقد ~~منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة. وقال الزجاج: التاء ~~للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعا للناس ~~في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعا للناس من الكفر والمعاصي. وبعض ~~النحويين جعله حالا من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه. ومن ~~هؤلاء من جعل اللام بمعنى «إلى» لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن ~~استعمال اللام بمعنى. «إلى» ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي أرسلناك على غير ~~هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم. وحين ذكر الرسالة بين الحشر ~~وذكر أنهم استعجلوه تعنتا منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه ~~كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال. # قال جار الله ميعاد يوم كقولك «سحق عمامة» في أن الإضافة للتبيين يؤيده ~~قراءة من قرأ ميعاد يوم بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم. وفي إسناد الفعل ~~إليهم بقوله لا تستأخرون عنه دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع ~~اليوم. ولما بين الأصول الثلاثة: # التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون ms3855 بالكل قائلين لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي # PageV05P497 # بين يديه # من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل. يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب ~~فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم فأغضبهم ذلك ~~وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب. وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم ~~القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو ~~صدقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم. وحين ~~وقع اليأس من إيمانهم بقولهم لن نؤمن وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال ~~موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في ~~تدبير أمره وجواب «لو» محذوف أي لقضيت العجب. وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى ~~بالتوبيخ. وفي قوله لولا أنتم إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم ~~المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ. ثم ذكر جواب المستكبرين ~~وهم الرؤوس والمتبوعون على طريقة الاستئناف. وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف ~~الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن ~~المانع لم يكن راجحا على المقتضى ولا مساويا له وأكدوا ذلك بقولهم بل كنتم ~~مجرمين أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا ~~التسويل والتزيين. # ثم عطف قولا آخر للمستضعفين على قولهم الأول. والإضافة في مكر الليل ~~والنهار من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل ~~مكرهم في الليل والنهار. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، ~~فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي. أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان ~~الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمرا دائما دائبا ليلا ونهارا. ~~وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل. وقرىء مكر الليل بالتشديد أي سبب ذلك ~~أنكم تكرون الإغواء مكرا دائبا. والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع ~~القوي ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب. # وفي قولهم أن نكفر بالله ونجعل له أندادا إشارة إلى ms3856 أن المشرك وإن كان ~~مثبتا لله في الظاهر ولكنه ناف له على الحقيقة لأنه جعله مساويا للصنم. ~~ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم ~~بالإشراك به. وتفسير قوله وأسروا الندامة لما رأوا العذاب مذكور في سورة ~~يونس. والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين. وقوله ~~في أعناق الذين كفروا أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ~~ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق. ~~وفي قوله هل تجزون إشارة إلى أنهم استحقوها عدلا. ثم سلى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعا وإنما ذلك هجيراهم قدما. ~~وإنما خص المترفين # PageV05P498 # بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم ~~مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد لأنهم اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على ~~الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر ~~الدنيا فقالوا وما نحن بمعذبين فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط هو الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم ~~من شقي موسر وتقي معسر. ثم زاد في البيان بقوله وما أموالكم أي وما جماعة ~~أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى أي قربى اسم بمعنى ~~القربة وقع موقع المصدر كقوله والله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: # 17] ثم استثنى من ضمير المفعول في تقربكم بقوله إلا من آمن والمراد أن ~~الأموال والأولاد لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل ~~الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين. ويحتمل أن يكون الاستثناء من ~~الفاعل والمعنى أن شيئا من الأشياء لا يقرب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما ~~سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية. ومن توجه إلى ~~الله وصل ومن طلب شيئا من الله حصل. وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى ~~المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف. ومعنى قراءة يعقوب: أولئك ms3857 لهم ~~الضعف جزاء. والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت. والباقي ~~إلى قوله محضرون قد سبق. وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن ~~بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه سبحانه قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~المؤمنين. ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو ~~بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله. ومما يؤكد ~~الآية # قوله صلى الله عليه وسلم اللهم «أعط منفقا خلفا» «1» # الحديث. وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وأن التاجر إذا علم ~~أن مالا من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا ~~نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن ~~أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند ~~العاقل أربح من هذا؟ وهو خير الرازقين لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي ~~إليه. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا ~~يجد وواجد لا يشتهي. # ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله ويوم يحشرهم وفي خطاب الملائكة تقريع ~~الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله ~~لعيسى PageV05P499 # أأنت قلت للناس [المائدة: 116] قالوا سبحانك ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت ~~الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة بل كانوا يعبدون الجن حيث أطاعوهم ~~في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صورت لهم الشياطين ~~صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في ~~أجواف الأصنام فيعبدون بعبادتها. وإنما قالوا أكثرهم بهم مؤمنون وما ادعوا ~~الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في ~~الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار. # وأيضا أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب ~~كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري. ثم ~~ذكر أن ms3858 الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله لا يملك بعضكم ~~للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه ~~في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا. ويحتمل أن يكون ~~الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضا بهذا ~~التأويل، وعلى الأول يكون قوله ونقول للذين ظلموا إفرادا للكفرة بالذكر، ~~وعلى الوجه الآخر يكون تأكيدا لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم ~~تملكهم شيئا وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم. وإنما قال هاهنا عذاب النار ~~التي كنتم بها تكذبون وفي السجدة عذاب النار الذي كنتم به [الآية: 20] ~~لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا ~~فيها [الآية: 20] فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في ~~قولكم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] وهاهنا لم يروا النار. ~~وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار. ثم ~~حكى أكاذيبهم بقوله وإذا تتلى الآية. ولا يخفى ما فيه من المبالغات. ثم بين ~~أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال وما آتيناهم من كتب ~~يدرسونها فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل ~~أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك وكذب الذين من قبلهم كعاد ~~وثمود وما بلغوا معشار ما آتيناهم والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع. ~~قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من ~~القوة والنعمة وطول العمر. ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال ~~هؤلاء الضعفاء؟. وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا ~~قوم محمد صلى الله عليه وسلم من البيان والبرهان لأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب. ثم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم ~~فكيف لا ينكر على هؤلاء؟ قال جار الله: قوله فكذبوا رسلي بعد قوله وكذب ~~الذين من قبلهم تخصيص بعد ms3859 تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب ~~فكذبوا رسلي؟ نظيره قول القائل: أقدم # PageV05P500 # فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن ينعطف على قوله ~~وما بلغوا معشار ما كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه. قلت: ~~فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف ~~يفضل عليه؟ وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين ~~فكيف كذبوا؟ فكيف كان نكير للمكذبين الأولين فليحذروا من مثله. ويجوز عندي ~~أن يكون الثاني تكريرا للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح ~~أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت ~~كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص. # وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله ~~قل إنما أعظكم بواحدة أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله أن ~~تقوموا على أنه عطف بيان لها. والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبي ~~متفرقين إلى أوطانهم. وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم ~~والجد. فقوله مثنى وفرادى إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون ~~مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم ~~الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله. ~~وقوله ثم تتفكروا يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى ~~تفكر ونظر بعد ما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما أقول بعده، وهو الرسالة المشار ~~إليها بقوله ما بصاحبكم من جنة والحشر المشار إليه بقوله بين يدي عذاب شديد ~~قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد. ~~فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أول الأمر ~~بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء ~~واحد. وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد صلى الله عليه ms3860 ~~وسلم والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا ~~لوجه الله خالصا متفرقين اثنين اثنين وواحدا واحدا، فإن ما فوق الاثنين ~~والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الاثنين محصول فكره على ~~صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفة ~~حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدى ~~لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل ~~اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان. لكن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالاتفاق أرجح الناس عقلا وأصدقهم قولا وأوفرهم حياء ~~وأمانة، فما هو إلا النبي المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد ~~هو القيامة وأهوالها. وقوله ما بصاحبكم إما أن يكون كلاما مستأنفا فيه ~~تنبيه على كيفية النظر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمراد: ثم ~~تتفكروا # PageV05P501 # فتعلموا ذلك. وجوز بعضهم أن تكون «ما» استفهامية. وحين ذكر أنه ما به جنة ~~ليلزم منه كونه نبيا ذكر وجها آخر يلزم منه صحة نبوته وهو قوله ما سألتكم ~~من أجر الآية. وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو ~~غير موجود هاهنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا ~~على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب. هذا إذا أريد بقوله ~~فهو لكم نفي سؤال الآخر رأسا كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئا فخذه ~~وهو لم يعطه شيئا. ويحتمل أن يراد بالأجر قوله لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى [الشورى: 23] وقوله ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا [الفرقان: 57] لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم ~~وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم. وهو على كل شيء شهيد ~~يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم. قوله ~~يقذف بالحق أي في قلوب المحقين وفيه إزالة ms3861 استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم ~~بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه علام ~~الغيوب يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل ~~الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين ~~التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت. وفي قوله علام الغيوب إشارة إلى أن ~~البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه ~~إخبار علام الغيوب عنه. # وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد ~~جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلى يده. وقيل: السيف. وقوله وما يبدئ الباطل وما يعيد مثل في الهلاك لأن ~~الحي إما أن يبدىء فعلا أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة. ~~والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت. ولما كان ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتا في نفسه بينا لمن ~~نظر إليه كان جائيا، وحين كان ما أتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل ~~له قيل: إنه لا يبدىء ولا يعيد أي لا يعيد شيئا لا في الأول ولا في الآخر. ~~وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشىء خلقا ~~ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله. وعن الحسن: لا يبدىء لأهله خيرا ~~ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: # «ما» استفهامية والمعنى أي شيء ينشىء إبليس ويعيده؟ ثم قرر أمر الرسالة ~~بوجه آخر وهو قوله قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي يعنى كضلالكم وأما ~~اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين. قال جار ~~الله: هذا حكم عام لكل مكلف، # PageV05P502 # والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضار ~~لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها مما ينفعها فبهداية ربها ~~وتوفيقه. وإنما أمر رسوله ms3862 أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع ~~جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به إنه سميع قريب يدرك قول كل ضال ~~ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ~~دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي. ثم عجب ~~نبيه أو كل راء من مآل حال أهل العناد بقوله ولو ترى وجوابه محذوف أي لرأيت ~~أمرا عظيما. والأفعال الماضية التي هي فزعوا وأخذوا وقالوا وحيل كلها من ~~قبيل ونادى [الأعراف: 48] وسيق [الزمر: 73] ووقت الفزع وقت البعث أو الموت ~~أو يوم بدر. وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفا أرادوا غزو ~~الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء فلا فوت أي فلا يفوتون الله ~~ولا يسبقونه. # والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، ~~أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض. وجوز جار الله ~~أن يعطف وأخذوا على فلا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. ثم بين ~~أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع ~~الإيمان وذلك قوله وأنى لهم التناوش وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم ~~بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولا ~~سهلا لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن ~~الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا ~~سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب. وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز ~~التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت. والأصح أنه من ~~النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت في أجوه. وقيل: التناوش بلغة ~~اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب «المدخل في ~~تفسير القرآن» والضمير في قوله وقد كفروا عائد إلى ما ms3863 يعود إليه في قوله ~~آمنا به. # قوله ويقذفون بالغيب فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن ~~حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور. وثانيها: أخذوا ~~الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون ~~فقاسوا الأمر الإلهي عليه. وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا ~~عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على ~~المخلوق بعيد المأخذ. ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان ~~الأمر كما # PageV05P503 # تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن ~~يعذبنا. # وخامسها: قالوا ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا [السجدة: 12] وهو ~~قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا. وحيل بينهم وبين ما يشتهون من نفع ~~الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا كما فعل بأشياعهم أي بأشباههم من ~~كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله ومريب موقع في الريب منقول ~~من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين ~~وقد مر في هود. ### | التأويل: # مثقال ذرة في السماوات القلوب ولا في الأرض النفوس من سعادة أو شقاوة ~~قالوا الحق يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا ~~الحق قل من يرزقكم من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء ~~الفيض على أرض الشرعية. ألحقتم به شركاء من الدنيا والهوى والشيطان كافة ~~للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح ~~تبشرها بأن لها كمالا عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق ~~بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل ~~بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار. فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، ~~وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء ~~والبشير والنذير كالآكار. وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة ms3864 من ~~بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء ~~والمرسلين ولكن بتبعية محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة ~~دونهم. يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا ~~به. ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتا معلوما لا تتجاوزه أكثرهم بهم مؤمنون أي ~~أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون ويقذفون بالغيب فيه أن معارف ~~الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو أسير في أيدي صفات النفس وحيل بينهم ~~لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق. # PageV05P504 ### | (سورة فاطر) # (مكية حروفها ثلاثة آلاف ومائة وثلاثون كلمها سبعمائة وسبع وسبعون آياتها ~~خمس وأربعون) ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 26] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى ~~وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله ~~يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) # يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ~~الغرور (5) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض ~~بعد موتها كذلك النشور (9) # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) والله ~~خلقكم من تراب ms3865 ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ~~(11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل ~~تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من ~~دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) # يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى ~~الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) # ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الأحياء ~~ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت ~~إلا نذير (23) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير (24) # وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ~~وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) # PageV05P505 ### | القراآت: # غير الله بالجر: يزيد وحمزة وعلي. الآخرون: بالرفع حملا على المحل فلا ~~تذهب من الإذهاب نفسك منصوبا: يزيد. الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب ~~نفسك مرفوعا: الريح على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ولا ينقص بفتح ~~الياء وضم القاف: روح وزيد. الباقون: بالعكس. من عمره باختلاس الضمة: عباس ~~والذين يدعون على الغيبة: قتيبة. ### | الوقوف: # ورباع ط يشاء ط قدير ه لها ج بعده ط الحكيم ه عليكم ط والأرض ط إلا هو ز ~~للاستفهام ms3866 ولفاء التعقيب واتحاد المعنى تؤفكون ه قبلك ط الأمور ه الغرور ه ~~عدوا ط السعير ه ط لأن الذين مبتدأ. شديد ه كبير ه حسنا ط لحذف الجواب ~~حسرات ط يصنعون ه موتها ط النشور ه جميعا ط يرفعه ط شديد ه يبور ه أزواجا ط ~~بعلمه ط في كتاب ط يسير ه أجاج ط تلبسونها ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ~~تشكرون ه مسمى ط الملك ط قطمير ه دعاءكم ج للشرط مع العطف لكم ط بشرككم ط ~~خبير ه إلى الله ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق ~~الحميد ه جديد ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال بعزيز ه أخرى ط ~~لاستئناف الشرط قربى ط الصلاة ط لنفسه ط المصير ه والبصير ه لا ولا النور ه ~~لا ولا الحرور ه ج للطول والتكرار الأموات ط يشاء ج للعطف من الإثبات إلى ~~النفي مع اتفاق # PageV05P506 # الجملتين القبور ه إلا نذير ه ونذيرا ط نذير ه من قبلهم ج لاحتمال ما ~~بعده الحال والاستئناف المنير ه نكير ه. ### | التفسير: # لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في ~~الآخرة ذكر في أول هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة ~~إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة. وفاطر السماوات والأرض ~~مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد ~~التفسير الثاني قوله جاعل الملائكة رسلا وقوله وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون [الأنبياء: 103] وأولي أجنحة أي أصحاب أجنحة أراد أن ~~طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة كل ثلاثة ثلاثة، ~~وبعضهم أجنحة كل أربعة أربعة. قال جار الله: الذين أجنحتهم ثلاثة ثلاثة لعل ~~الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران ~~فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون ~~بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان ~~مرخيان ms3867 على وجوههم حياء من الله عز وجل. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبرائيل عليه السلام ليلة ~~المعراج وله ستمائة جناح. # وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحا، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، ~~وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله سبحانه وتعالى حتى يعود مثل ~~الوصع وهو العصفور الصغير. # ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب ~~بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب. ~~وقال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من الله، وجهة الإعطاء ~~لمن دونهم بإذن الله كقوله نزل به الروح الأمين على قلبك [الشعراء: 193] ~~علمه شديد القوى [النجم: 5] فالمدبرات أمرا [النازعات: 5] ومنهم من يفعل ~~بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط. ثم بين كمال قدرته بقوله ~~يزيد في الخلق ما يشاء والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في ~~الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة ~~الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة. ثم أكد ~~نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله ما يفتح الله للناس الآية. ~~وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان ~~الضمير في القرينة الأولى بقوله من رحمة والإطلاق في قوله وما يمسك فيشمل ~~إمساك الغضب وإمساك الرحمة. ومن جهة قوله من بعده أي من بعد إمساكه فيفيد ~~أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدها قد ينقطع وإن كان # PageV05P507 # لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار ~~من النار وهو العزيز الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها الحكيم الذي لا يمسك ~~ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل. وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه ~~النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر النعمة على الإجمال ~~لسانا وقلبا وعملا، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر ms3868 أيادي عندك يريد ~~حفظها وشكرها والعمل بموجبها. وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ~~ويتخطف الناس من حولهم. وعنه أيضا أنه أراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم ~~النعمة والمنعم عليهم. ثم أشار إلى نعمة الإيجاد بقوله هل من خالق غير الله ~~وإلى نعمة الإبقاء بقوله يرزقكم وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر ~~والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟ قال جار الله: إن جعلت يرزقكم كلاما ~~مستأنفا ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل. وأما على ~~الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم من نفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره ~~مطلقا. وقوله لا إله إلا هو جملة مفصولة لا محل لها مثل يرزقكم # في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفا لزم التناقض لأن قولك «هل من خالق آخر ~~سوى الله» إثبات لله، ولو جعلت المنفية وصفا صار تقدير الكلام: هل من خالق ~~آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام ~~في نفسه يكون غير مستقيم. فأنى تؤفكون أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون ~~المنعوت بمالك الملك والملكوت. وحين بين الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل ~~الثاني وهو الرسالة بقوله وإن يكذبوك الآية. والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا ~~المعنى. ثم بين الأصل الثالث وهو الحشر بقوله يا أيها الناس وقد مر مثل ~~الآية في آخر سورة لقمان. وقد يسبق إلى الظن هاهنا أن الغرور وهو الشيطان ~~لأنه عقبه بقوله إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا لأن الحازم لا يقبل قول ~~العدو ولا يعتمد عليه. ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله الذين ~~كفروا إلى قوله وأجر كبير عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى ~~أفمن زين له سوء عمله من الفريقين كمن لم يزين له. ولا ريب أن المزين لهم ~~عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم ms3869 في مأخذهم سوى التقليد ~~واتباع الهوى. ثم أنتج من ذلك قوله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ~~وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، ~~فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب ~~والأحوال. ثم رتب على عدم الاستقلال قوله فلا تذهب أي فلا تهلك نفسك وعليهم ~~صلة تذهب كما تقول هلك عليه حبا أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق ب حسرات ~~المفعول # PageV05P508 # لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه # صلته. وجوز جار الله أن يكون حالا كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر. ~~وعن الزجاج أن تقدير الآية: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف ~~لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، ~~فحذف لأن قوله فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء يدل عليه. ثم بين أن ~~حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم ~~الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم من الإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم ~~بذلك. # ثم أكد كونه فاعلا مختارا قادرا قهارا مبدئا معيدا بقوله والله الذي أرسل ~~وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم. وقوله فتثير بلفظ المستقبل تصوير ~~لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال فسقناه كأنه قال: ~~أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة ~~الشاملة. ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر. وحين بين برهان ~~الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة التي كانوا ~~يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى ~~الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكأنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة ~~فلله العزة خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك «من ~~أراد النصيحة فهي عند الأبرار» يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية ~~حرف النهاية. وأما في قوله لله العزة ولرسوله وللمؤمنين [المنافقون: 8] ~~فاعتبر الوسائط ms3870 فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة. ثم إن ~~الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من ~~الملك ذلة فقال إليه يصعد أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل ~~الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من ~~العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام ~~فلا يمكن لها مجازاة الأنام. وفاعل قوله يرفعه إن كان هو الله فظاهر، وإن ~~كان الكلم أعني قوله «لا إله إلا الله» فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد ~~وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد ~~الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان ~~مقرونا بالعمل الصالح. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى ~~السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه» . # وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا ~~وتر. ولا يخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول. # وحين بين حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة ~~لها، ولعله # PageV05P509 # أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك [الأنفال: 30] جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم ~~حين أوقعهم في قليب بدر. ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلا ~~والله خلقكم من تراب وفيه إشارة إلى خلق آدم ثم من نطفة وفيه إشارة إلى خلق ~~أولاده. ومعنى أزواجا أصنافا أو ذكرانا وإناثا. ثم أشار إلى كمال علمه ~~بقوله وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ثم بين نفوذ إرادته بقوله وما ~~يعمر من معمر قال جار الله: ms3871 معناه من أحد ولكنه سماه معمرا باعتبار ما يؤل ~~إليه. وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد ~~تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلا على فهم السامع كقول القائل: ما ~~تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي. وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول ~~عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه إلا في كتاب وصورته أن يكتب ~~في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ~~ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد ~~نقص من تلك الغاية. وبهذا التأويل يستبين معنى ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الصدقة والصلة تعمران ~~الديار وتزيدان في الأعمار» . # ويصح ما استفاض على الألسن «أطال الله بقاءك» . وعن سعيد بن جبير يكتب في ~~الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى ~~تنقضي المدة. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل ~~الستين. وذلك في علم الله. إن ذلك الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة ~~المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها على الله يسير. ثم ضرب ~~مثلا للمؤمن والكافر وذكر دليلا آخر على عظم قدرته فقال وما يستوي البحران ~~الآية. على الأول يكون قوله ومن كل تأكلون إلى آخر الآية تقريرا للنعمة على ~~سبيل الاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين. ثم فضل ~~البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى ~~الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه البتة فيكون كقوله في البقرة ثم قست ~~قلوبكم إلى آخر قوله وإن منها لما يهبط من خشية الله [الآية: 74] والأشبه ~~أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مر في أول «النحل» يؤيده تعقيبه بدليل آخر ~~وهو قوله يولج الليل إلى قوله لأجل مسمى قد مر في آخر «لقمان» مثله، وفيه ~~رد على عبدة الكواكب ms3872 الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا ~~إلى تسخير مبدعها. قوله ذلكم الله أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر ~~السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود ~~الحق. وقوله ربكم له الملك خبران آخران، ويجوز أن يكون الله ربكم خبرين وله ~~الملك جملة مبتدأة واقعة في طبقات. قوله # PageV05P510 # والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير وذلك أن المشركين كانوا معترفين ~~بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه تعالى فوض أمور الأرضيات ~~إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله تعالى أنهم لا ~~يملكون قطميرا وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلا عما فوقها. قال جار الله: ~~يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله تعالى صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان ~~وربكم خبرا لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره. ~~وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام. قلت: # وفيه نظر، أما أولا فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء ~~الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟ وأما ثانيا فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة ~~مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوما. والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن ~~الوصف إذا كان معرفة كان أمرا متحققا في الخارج مسلما عند السامع. مثلا إذا ~~قلت: الرجل الكاتب جاءني. تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب ~~جاءني لكن الخطاب هاهنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن ~~العبادة لا تصلح إلا له، فلا يصح إيقاع اسم الله وصفا لذلكم والخطاب معهم. # ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأنهم جماد ولو ~~فرض سماعهم ما استجابوا لكم لما مر من أنهم لا يملكون شيئا ويوم القيامة ~~أيضا يكفرون بشرككم قائلين ما كنتم إيانا تعبدون ولا ينبئك أي لا يطلعك على ~~حقيقة الحال أيها النبي أو أيها السامع مثل خبير ببواطن الأمور. والمعنى أن ~~هذا الذي أخبرتكم به من حال ms3873 الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا ~~يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به. وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه أن ~~هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله سبحانه. # ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن ~~افتقار الإنسان إلى الله عاجلا لأمور المعاش وآجلا لنعيم الآخرة أبين من ~~افتقار سائر المخلوقين إليه. وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى ~~على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا. ثم بين أن فقرهم ~~ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله والله هو الغني وقابل قوله إلى الله ~~بقوله الحميد لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم. ثم ذكر أنه غني عن ~~وجودهم أيضا لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال إن يشأ يذهبكم وقد مر ~~في «النساء» وفي «إبراهيم» . وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ~~ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال ولا تزر وازرة يعني أن النفوس الوازرات لا ~~ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر # PageV05P511 # غيرها. ولا ينافي في هذا قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ~~[العنكبوت: 13] لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضا، وفيه أن كل نفس ~~وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها. ثم زاد في التهويل بقوله وإن تدع ~~مثقلة أي نفس ذات حمل لا يحمل منه شيء فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال ~~أفظع. ثم زاد التأكيد بقوله ولو كان أي المدعو ذا قربى فإن عدم القضاء بعد ~~السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ ~~أصلا. ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم ~~غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائبا عنهم. ثم لما بين أن الوزر لا ~~يتعدى إلى الغير بين أن التطهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس ms3874 المتزكي وإلى ~~الله المصير لكل فيجزيهم على حسب ذلك. ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلا فقال وما ~~يستوي الأعمى والبصير وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق. ثم ذكر للكفر ~~والإيمان مثلا قائلا ولا الظلمات ولا النور وإذا كان الإيمان نورا والمؤمن ~~بصيرا فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صاد فوق ~~صاد. ثم بين لمآلهما ومرجعهما مثلا وهو الظل والحرور. قال أهل اللغة: ~~السموم يكون بالنهار والحرور أعم. وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن ~~بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حر وتعب. # وهاهنا مسائل. الأولى: ضرب أولا مثلا للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما ~~بقوله وما يستوي الأحياء ولا الأموات وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد ~~يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد ~~الفعل. الثانية: كرر «لا» النافية في الأمثال الأخيرة دون الأول، لأن ~~المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد ~~بصيرا بإحدى العينين أعمى بالأخرى. الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل ~~والحي، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل. # والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور ~~الإيمان في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، فلهذا الترتيب قدم مثل الكافر ~~وكفره على مثل المؤمن وإيمانه. ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق ~~بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه. ثم إن الكافر المصر بعد ~~البعثة صار أضل من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال وما يستوي ~~الأحياء أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله. والأموات الذين تليت عليهم ~~الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات ~~الكافرين المعاندين. الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد ~~الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فردا من أحدهما قد ~~يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى # PageV05P512 # وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور. وإنما جمع ms3875 الظلمات ووحد النور لما مر ~~في أول «الأنعام» من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة. وإنما جمع الأحياء ~~والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس ~~بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد. # الخامسة: لا يخفي أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع وبعضها ضمت وترا ~~إلى وتر. ثم سلى ورسوله بقوله إن الله يسمع الآية. فقد مر نظيره في قوله ~~إنك لا تسمع الموتى [النمل: 80] وإنما اقتصر على قوله إن أنت إلا نذير وكذا ~~في قوله إلا خلا فيها نذير لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير ~~يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله. والمراد بالنذارة آثارها لثبوت ~~زمان الفترة. ثم زاد في التسلية بقوله وإن يكذبوك وقد مر مثله في آخر «آل ~~عمران» . وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه ~~قال وإن يكذبوك فقد كذب فاقتصر على لفظ المضي ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن ~~يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله ~~أعلم. ### | [سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 45] # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب ~~والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز ~~غفور (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه ~~غفور شكور (30) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن ~~الله بعباده لخبير بصير (31) # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا دار المقامة ~~من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا ms3876 يمسنا فيها لغوب (35) والذين كفروا لهم نار ~~جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ~~(36) # وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) إن ~~الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي جعلكم ~~خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا ~~مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرأيتم شركاءكم الذين ~~تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم ~~آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ~~(40) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد ~~من بعده إنه كان حليما غفورا (41) # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ~~فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء ~~في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس ~~بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء ~~أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) # PageV05P513 ### | القراآت: # يدخلونها مجهولا: أبو عمرو ويجزي مجهولا غائبا كل بالرفع: # أبو عمرو. الباقون: بالنون مبينا للفاعل كل بالنصب والمكر السيئ بهمزة ~~ساكنة: حمزة استثقالا للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل ~~من الهمزة ياء ساكنة. ### | الوقوف: # ماء ج للعدول ألوانها الأولى ج سود ه كذلك ط العلماء ط غفور ه لن تبور ه ~~فضله ط شكور ه يديه ط بصير ه عبادنا ج لنفسه ج مقتصد ج ms3877 تفصيلا بين الجمل مع ~~النسق بإذن الله ط الكبير ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ولؤلؤا ج لاختلاف ~~الجملتين حرير ه الحزن ط شكور ه فضله ج لاحتمال الاستئناف والحال لغوب ه ~~جهنم ج لمثل ما قلنا عذابها ط كفور ه ج لاحتمال الواو الحال فيها ج للقول ~~المحذوف كنا نعمل ط النذير ه نصير ه والأرض # ط الصدور # ه في الأرض ط كفره ط مقتا ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح ~~الفاعل والمفعول في الثانية خسارا ه دون الله ط السماوات ج لاحتمال أن «أم» ~~منقطعة منه ج غرورا ه تزولا ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو من بعده # ط غفورا ه الأمم ج نفورا ه لا ومكر السيئ ط بأهله ط الأولين ج لانتهاء ~~الاستفهام مع اتصال الفاء تبديلا ه # PageV05P514 # ج تحويلا ه قوة ط في الأرض ط قديرا ه مسمى ج بصيرا ه. ### | التفسير: # لما بين دلائل الوحدانية بطريق الإخبار ذكر دليلا آخر بطريق الاستخبار ~~لأن الشيء إذا كان خفيا ولا يراه من بحضرتك كان معذورا، أما إذا كان بارزا ~~مكشوفا فإنك تقول: أما تراه. والمخاطب إما كل أحد أو النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره. اسمع ولا ~~تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول. # والالتفات في فأخرجنا لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن ~~الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله. وأيضا الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن ~~إنزال المطر لفائدة الإخراج. # واختلاف ألوان الثمرات اختلاف أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، ~~والطرائق «فعلة» بمعنى «مفعول» والجد القطع. قال جار الله: لا بد من تقدير ~~مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن ~~الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة. ~~والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أولا ثم أظهر ثانيا على طريقة ~~قوله: # والمؤمن العائذات ms3878 الطير وإنما لم يتصور اختلاف الألوان هاهنا لأن السواد ~~إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون. يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد ~~وأغرب فيه ومنه الغراب. ويمكن أن يقال: # إن المختلف صفة الحمر فقط. وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن ~~شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ~~ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان. وقوله ~~مختلف أي بعض مختلف ألوانه وذكر الضمير تغليبا للإنسان أو نظرا إلى البعض. ~~وقوله كذلك أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه أن هذه الأجناس كما أنها في ~~أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضا دلائل. وحين خاطب نبيه بقوله ألم تر بمعنى ~~ألم تعلم أتبعه قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء كأنه قال: إنما يخشاه ~~مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرفه ~~كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله. # وفي الحديث «أعلمكم بالله أشدكم خشية له» # وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم ~~العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحا وهو أنهم لا يخشون أحدا ~~إلا الله إلا أن ذلك غير مراد هاهنا. وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي ~~حنيفة أنهما قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة # PageV05P515 # للتعظيم أي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به. ثم بين السبب ~~الباعث على الخشية بقوله إن الله عزيز غفور فالعزة توجب الخوف من أليم ~~عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن ~~يكون مخلوطا برجائه. ثم مدح العالمين العاملين بقوله إن الذين يتلون الآية. ~~قال أهل التحقيق: قوله إنما يخشى الله إشارة إلى عمل القلب، وقوله إن الذين ~~يتلون أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان. وقوله وأقاموا الصلاة ~~إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله. # ثم أشار إلى الشفقة على ms3879 خلق الله بقوله وأنفقوا مما رزقناهم وقوله يرجون ~~وهو خبر «إن» إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي ينفقون من الأموال ~~لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب ~~مرضاة الله. وقوله ليوفيهم متعلق ب لن تبور أي تنفق عند الله ليوفيهم ~~بنفاقها عنده أجورهم. وجوز جار الله أن يجعل يرجون في موضع الحال واللام ~~متعلق بالأفعال المتقدمة أي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة ~~والإنفاق لغرض التوفية. وخبر «إن» قوله إنه غفور لهم شكور لأعمالهم. وحين ~~ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلو والكتاب ~~للجنس ف «من» للتبعيض أو هو القرآن، و «من» للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و ~~«من» للابتداء وقد مر في البقرة أن قوله مصدقا حال مؤكدة. وفي قوله إن الله ~~بعباده لخبير بصير تقرير لكونه حقا لأن الذي يكون عالما بالبواطن والظواهر ~~لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل. وفيه لم يختر محمدا للرسالة جزافا وعلى ~~سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته. قوله ثم أورثنا الكتاب زعم جمع ~~من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل جاءتهم رسلهم بالبينات ~~وبالزبر والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا ~~البواطن وأبصرنا الظواهر فاصطفينا عبادا ثم أورثناهم الكتاب. وعلى هذا ~~فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه ~~قول أبينا آدم ربنا ظلمنا أنفسنا [الأعراف: 23] وقول يونس إني كنت من ~~الظالمين [الأنبياء: 87] وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزا عليهم فالاقتصاد ~~أولى. ويجوز أن يعود الضمير في قوله فمنهم إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي ~~أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتبا فمن ~~قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأت بجميع ما أمر به، ~~وسابق آمن وعمل صالحا. وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو ~~هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي ms3880 لتحققه أي نريد أن ~~نورثه. والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ~~كنتم خير # PageV05P516 # أمة # [آل عمران: 11] وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] وعلى هذا ففي تفسير ~~المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي ~~الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات. ثانيها الظالم من ظاهره خير من ~~باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير. ثالثها: الظالم صاحب ~~الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم. # رابعها: # عن علي رضي الله عنه: الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا. فقيل له: ~~كيف ذاك؟ قال: # أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي. # خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد ~~التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل. # سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم. سابعها: ~~الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل ~~الجنة وهو أصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب. ثامنها: الظالم ~~من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، ~~والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق ~~واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في ~~الأخير بإذن الله وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل ~~النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردده النفس، والظالم تغلبه النفس. وبعبارة ~~أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته ~~تارة وغلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق. ~~وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين ~~والظالمون أكثر الأقسام كما قال وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13] ذلك الذي ~~ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث هو الفضل الكبير قال ~~جار الله: أبدل قوله جنات عدن من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو. قلت: ~~ويمكن أن يقال جنات عدن مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله جنات عدن التي وعد ~~الرحمن [مريم: 61] ولئن سلم أنها نكرة فليكن يدخلونها صفة ms3881 له وخبرها يحلون ~~ثم إن ضمير يدخلونها إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا ~~إشكال فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفا كقوله وآخرون مرجون ~~لأمر الله [التوبة: 106] أو كقوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، # وقد يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج ~~وظالمنا مغفور له» # وفي تقديم جنات عدن وبناء الكلام عليها دون أن يقول «يدخلون جنات عدن» ~~إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس ~~الدخول. وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات إلى قوله حرير [الآية: 23] وتغيير # PageV05P517 # العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم. وفي قوله يحلون ~~فيها إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيرا للدخول. وفي ~~تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا ~~يحتاجون فيها إلى عمل من الطبخ وتهيئة سائر الأسباب. قال جار الله: أي ~~يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسورون به ~~غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحلي. وقيل: إن ذلك ~~الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين ~~كما # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة ~~في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ~~ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» # وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت ~~أو بهم المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى. والمقامة بمعنى ~~الإقامة والفضل التفضل. وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب ~~عندهم. والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له. واللغوب ~~ما يلحقه من الفتور ms3882 والكلال بعد ذلك قاله جار الله. وقال غيره: إن الذي ~~يباشر عملا من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد ~~أنهم لا يخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد ~~الرجوع. # ثم عطف قوله والذين كفروا على قوله إن الذين يتلون وقوله فيموتوا جواب ~~للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا ويصطرخون يفتعلون من الصراخ ~~وهو الصياح بجهد وشدة كشأن المستغيث. وفائدة قوله غير الذي كنا نعمل زيادة ~~التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نحسبه صالحا لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون. وفيه إشارة إلى أنهم في ~~الآخرة أيضا ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو ~~كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج ~~إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظرا إلى ~~فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظرا إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ~~ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة. وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما ~~هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء ~~عند الإنابة فقالوا الحمد لله وقالوا إن ربنا لغفور اعترافا بتقصيرهم شكور ~~إقرارا بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحا بأنه ~~لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه. قوله أولم نعمركم استفهام فيه توبيخ ~~وإفحام وهو متناول لكل عمر # PageV05P518 # تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون ~~سنة» # وروي «من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار» # وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين. وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة. ~~وقوله وجاءكم معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: الشيب. فبين بالجملتين أن القابل موجود ms3883 ~~والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول فذوقوا العذاب فما للظالمين الذين وضعوا ~~أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير نفى الأنصار ~~والناصرين في آخر «آل عمران» وفي «الروم» ووحد هاهنا كأنهم في النار قد ~~أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله ~~سبحانه. ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب أبدا وإنه ما كفر إلا ~~أياما معدودة فلا جرم قال إن الله عالم غيب السماوات والأرض # فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما ~~أطاع الله ولا عبده. # وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، ~~فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها. وحين ذكرهم ~~بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول ~~بالمنقول وعظهم بأنه هو الذي جعلكم وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر ~~«الأنعام» للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا. وقال هاهنا ~~خلائف في الأرض بزيادة «في» المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة ~~والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتم وعمرتم وأمرتم على لسان ~~الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين فمن ~~كفر بعد هذا كله فعليه وبال كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا ~~مقتا لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذره الرسول ولم ينتبه أمقت ~~لأنه رأى عذاب من تقدمه ولم يتنبه ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا فإن ~~العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر. ثم وبخ ~~أهل الشرك بقوله قل أرأيتم وأبدل منه أروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء ~~الشركاء، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه أم لهم مع الله شرك في ~~خلق السماوات أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك ~~الكتاب. والإضافة في شركاءكم لملابسة العبادة، أو المراد كونهم ms3884 شركاءهم في ~~النار كقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] بل إن ~~يعد الظالمون بعضهم وهم الرؤساء بعضا وهم الأتباع إلا غرورا [يونس: 18] وهو ~~قولهم هؤلاء شفعاؤنا وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ~~إن الله يمسك السماوات والأرض أي يمنعهما من أن # PageV05P519 # تزولا # أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن ~~يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله. وقيل: أراد أنهما كانتا ~~جديرتين بأن تهد هدا لعظم كلمة الشرك كقوله تكاد السماوات يتفطرن منه ~~[مريم: 90] يؤيد هذا الوجه قوله إنه كان حليما غير معاجل بالعقوبة غفورا ~~لمن تاب من الشرك. قال المفسرون: بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا ~~فو الله لئن أتانا رسول لكنا أهدى. وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا ~~منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل. سلمنا ~~لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟ فالوجه ~~الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ~~ينكرون كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولا ~~لآمنا. وقوله من إحدى الأمم ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن ~~عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين. أو هو للتفضيل والأمم ~~لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ~~أي أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها في الهدى ~~والاستقامة. فلما جاءهم نذير هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي صح لهم ~~نذارته بالمعجزات الباهرة ما زادهم هو أو مجيئه إلا نفورا كأنه صار سببا في ~~نفارهم عن الحق عنادا وكبرا فانتصب استكبارا على أنه مفعول لأجله أو حال ~~ويجوز أن يكون بدلا من نفورا وقوله ومكر من إضافة المصدر إلى صفة معموله ~~أصله وأن مكروا السيء أي ms3885 المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم من الهم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة ~~الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلا أو آجلا. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول ~~ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله» . وفي أمثالهم «من حفر لأخيه جبا وقع فيه ~~منكبا» . # وفي قوله بأهله دون أن يقول «إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر ~~والإعانة عليه كهو فيندرج مصاحبه في زمرة أهل المكر. وقوله سنت الأولين من ~~إضافة المصدر إلى المفعول. وقوله لسنت الله من إضافته إلى الفاعل والمراد ~~بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك ~~واستعجالهم إياه انتظارا له منهم. والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، ~~والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر. خص هذه السورة بالجمع بين ~~الوصفين لأن كثيرا من أحوال الكفرة جاءت هاهنا مثناة كقوله ولا يزيد ~~الكافرين إلى قوله إلا خسارا وكقوله إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر ~~السيئ ويحتمل أن يريد بسنة الأولين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم ~~تريدون # PageV05P520 # الإتيان بسنة الأولين والله يأتي بسنة لا تبدل. العذاب المعلوم بنوع آخر ~~ولا تحوله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه. ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في ~~مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع ~~وفور قوتهم وكثرة شوكتهم. ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف ~~الاستحقاقات بقوله وما كان الله ليعجزه أي ليسبقه ويفوته شيء. ثم ختم ~~السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم إلى أجل مسمى ~~هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علما عيانيا فيجزي كلا بحسب علمه، وقد ~~مر مثل الآية في سورة النحل. وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن ~~أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم. # تم الجزء الثاني والعشرون، ويليه الجزء الثالث والعشرون وأوله تفسير سورة ~~يس # PageV05P521 # بسم الله ms3886 الرحمن الرحيم الجزء الثالث والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة يس) # (مكية سوى آية نزلت في اليهود قوله وإذا قيل لهم أنفقوا حروفها ثلاثة ~~آلاف كلمها سبعمائة وسبع وعشرون آياتها ثلاث وثمانون) ### | [سورة يس (36) : الآيات 1 الى 44] # بسم الله الرحمن الرحيم # يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) # تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي ~~إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ~~فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) إنما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحي الموتى ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا ~~أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) # قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~(15) قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين ~~(17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ~~(18) قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) # وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا ~~من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~(22) أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) # إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من ~~جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ~~(29) # يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن (30) ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن ms3887 كل لما جميع ~~لدينا محضرون (32) وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) # ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحان الذي خلق ~~الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم ~~الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك ~~تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ~~(39) # لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون (40) وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم ~~من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) ~~إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) # PageV05P522 ### | القراآت: # يس بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح ~~وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير ~~يحيى وابن أبي غالب. وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة. تنزيل ~~بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. والباقون: ~~بالرفع سدا بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وأبو زيد فعززنا ~~بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل آين بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد ~~مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد. أإن ~~بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة ~~وقرأ المفضل أين على وزن «كيف» الآن بسكون النون وبالمد: يزيد مثل آنذرتهم ~~ذكرتم بالتخفيف: زيد وما لي بسكون الياء: حمزة ويعقوب ينقذوني في الحالين ~~بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل إني إذا بفتح الياء: أبو جعفر ~~ونافع وأبو عمرو إني آمنت بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ~~إلا صيحة واحدة بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد لما بالتشديد: ابن عامر وحمزة ~~وعاصم الميتة بالتشديد: أبو جعفر ونافع عملت بغير هاء الضمير: حمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ms3888 لمستقر بكسر القاف: زيد عن يعقوب والقمر بالرفع ~~على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس. الآخرون: ~~بالنصب إضمارا على شريطة ### | التفسير # ذرياتهم على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب. ### | الوقوف: # يس ه كوفي الحكيم ه لا لجواب القسم المرسلين ه لا لأن الجار والمجرور خبر ~~بعد خبر أو مفعول ثان لمعنى الفعل في المرسلين أي أرسلت على # PageV05P523 # صراط مستقيم ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ~~ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل الرحيم ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل ~~والإرسال غافلون ه لا يؤمنون ه مقمحون ه لا يبصرون ه لا يؤمنون ه بالغيب ه ~~لانقطاع النظم مع دخول الفاء كريم ه وآثارهم ط مبين ه القرية ه لأن «إذا» ~~ليس ظرفا ل اضرب بل التقدير واذكر إذ جاءها. وجوز في الكشاف أن يكون «إذ» ~~بدلا من أصحاب القرية فلا وقف. المرسلون ه ج لاحتمال أن يكون «إذ» بدلا أو ~~معمولا لعامل آخر مضمر مرسلون ه مثلنا لا من شيء لا لاتحاد المقول فيهما ~~تكذبون ه لمرسلون ه ج المبين ه بكم ج للابتداء بما في معنى القسم مع اتحاد ~~المقول أليم ه معكم ط ذكرتم ط مسرفون ه المرسلين ه لأن اتبعوا بدل من الأول ~~مهتدون ه ترجعون ه ولا ينقذون ه ج للابتداء بان مع تعلق «إذا» بما قبلها أي ~~أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال مبين ه فاسمعون ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا ~~قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل الجنة ط يعلمون ه لا لتعلق الباء. المكرمين ه ~~منزلين ه خامدون ه العباد ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا والعامل معنى ~~في حسرة يستهزؤن ه لا يرجعون ه محضرون ه يأكلون ه العيون ه لا ثمره ه ط لمن ~~جعل «ما» نافية ومن جعلها موصولة لم يقف أيديهم ط يشكرون ه لا يعلمون ه ~~مظلمون ه ط لها ط العليم ه لا لمن قرأ ms3889 والقمر بالرفع بالعطف على الليل، ومن ~~قرأ بالنصب وقف مطلقا القديم ه النهار ط يسبحون ه المشحون ه لا يركبون ه ~~ينقذون ه لا حين ه. ### | التفسير: # الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أول البقرة وغيرها والذي يختص ~~بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار ~~الله عن ابن عباس. ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم يؤيده قوله إنك لمن المرسلين وكثيرا ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم ~~الألد كيلا يقول إنك قد أفحمت بقوة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك. ~~وأيضا الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر ~~العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان ~~الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلاقع، وكان من المعلوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفا عليه ~~عند الكفرة. وقوله على صراط كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على ~~المنهج القويم. وتنكير صراط للتعظيم. قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية ~~القائلين بأن المكلف إذا صار واصلا لم يبق عليه تكليف فإن # PageV05P524 # المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم. وقوله ما أنذر آباؤهم ~~كقوله في «القصص» لتنذر قوما ما أتاهم من نذير [الآية: 46] وقد مر أنه يشمل ~~اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعد ما ضلوا فهم غافلون لهذا ~~السبب. وقد يقال: إن «ما» مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذار آبائهم ~~أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على ~~الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم. ثم بين أن السبب الحقيقي ~~للغفلة هو أنه تعالى جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار ~~وهو قوله فيهم لأملأن جهنم منك وممن تبعك [ص 85] أو أراد بالقول سبق علمه ~~فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون. وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ~~ولكنهم ms3890 لا يؤمنون جحودا وعنادا، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في ~~مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح ~~فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة. # وحين بين أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله تعالى فقال إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا فيكون مثلا لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم. وقيل: إنه ~~إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك [الإسراء: 29] وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله فهم لا ~~يؤمنون أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في ~~قوله وما كان الله ليضيع إيمانكم [البقرة: 143] # وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده ~~انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم ~~فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر. فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت ~~الآيتان. # والضمير في قوله فهي إلى الأذقان راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة ~~لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل ~~جامعة أي جامعا لليد والعنق. وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة. وقيل: # واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال أي جعلنا في أعناقهم أغلالا ~~ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطىء ~~رأسه فلا يزال مقمحا. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق ~~أي سففته. والكانونان يقال لهما شهرا قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء ~~لبرده فيهما. وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية ~~فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر الطريق ~~فضرب ذلك مثلا للذي يهديه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصراط المستقيم ~~العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية ms3891 عن عدم التصديق ~~بتحريك الرأس. ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان ~~كالماء الزلال الذي به الحياة. ثم ضرب مثلا # PageV05P525 # آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله وجعلنا من بين أيديهم سدا ~~قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم آيات ~~الأنفس، وإما أن يكون خارجا عنها وهو السد فلا يتضح لهم دلائل الآفاق. ~~ويمكن أن يقال: السد من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة ~~إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأول إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، ~~والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ. وفيه أن السالك إذا انسد عليه الطريق ~~من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا ~~محالة. ثم زاد في التأكيد بقوله فأغشيناهم أي جعلنا بعد ذلك كله على ~~أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون شيئا أصلا. ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى ~~أن السد قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية ~~فلا يرون السد قريب منهم فهم لا يبصرون وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف ~~تأكيدا على تأكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه ~~التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السد ولا إلى غيره. ويمكن أن يقال: فائدته ~~تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب ~~اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن ~~فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفا ~~على المذكورات قائلا وسواء عليهم الآية. وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق ~~بتفسيره في أول البقرة. ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلا ~~وآجلا. # ثم بين بقوله إنما تنذر أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى ~~المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم ms3892 لا إلى المنتفعين ~~به. والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية ~~مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة ~~لا تقطعوا رجاءكم. والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها. وقيل: أي ~~بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية ~~فائدة. ومعنى الفاء في فبشره أنك كما أنذرت وخوفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر ~~كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل ~~الصالح. أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية. وحين فرغ من بيان الرسالة ~~شرع في أصل الحشر قائلا إنا نحن نحي الموتى على أن البشارة بالمغفرة والأجر ~~لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء ~~الأموات. والظاهر أن قوله نحن ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره ~~والجملة خبر «إن» ويجوز أن يكون نحن خبر «إن» # PageV05P526 # كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا. كأن الله تعالى قال إنما نحن ~~معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء ~~الموتى. وفي هذا التركيب أيضا إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا ~~حتى نقول إنا كذا فنمتاز. ثم أشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه ~~المجازاة فقال ونكتب ما قدموا أي أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة. ~~وقيل: أراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله سرابيل تقيكم الحر ~~[النحل: 81] والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لأن قوله وآثارهم يدل ~~عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو ~~بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه. وقيل: هي آثار ~~المشائين إلى المساجد. # عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم. # وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي ~~تعفيها الرياح أي تمحوها. وقيل: ms3893 أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل ~~الأعمال وآثارهم أي أعمالهم. # سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل «نكتب ما قدموا ونحييهم» ~~لأجل الجزاء؟ الجواب لأن الكتابة ليست مقصودة بالذات وإنما المقصود الأصلي ~~هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر. وأيضا قوله ~~إنا نحن دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا ~~الله سبحانه بخلاف الكتابة، فقدم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على ~~العظمة. وأيضا أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله وكل شيء أحصيناه ومعناه ~~أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم ~~إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه. وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ ~~والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ~~ليست الكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء. والإمام اللوح لأن الملائكة ~~يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، ~~والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب ~~عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تأس. # واضرب لنفسك ولقومك مثلا مثل أصحاب القرية وهي أنطاكية الروم، والمرسلون ~~رسل عيسى عليه السلام إلى أهلها. وفي قوله إذ أرسلنا دلالة على أن رسول ~~الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل ~~الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه ~~أرسل اثنين ليكون قولهما # PageV05P527 # على قومها عند عيسى حجة تامة. وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يكتفي ~~بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة. وأما القصة فإن ~~عيسى عليه السلام أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى ~~غنما واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟ # قالا: نشفي المريض ونبرىء الأكمة والأبرص. وكان له ولد مريض من سنتين ~~فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر ms3894 فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما ~~إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم. من ~~أوجدك وآلهتك. فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله ~~سبحانه فعززنا بثالث # من قرأ بالتشديد فمعناه فقوينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي ~~فغلبنا وقهرنا أهل القرية. وإنما ترك ذكر المفعول به لأن الغرض ذكر الثالث ~~فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي ~~سيق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه. وأما ~~باقي القصة فإن شمعون دخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا ~~خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما ~~يقولانه؟ قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك. فدعاهما فقال شمعون: # من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ~~ما يريد. # قال: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك. فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى ~~انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما ~~فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا. ~~فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم. ~~وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم. فقال ~~شمعون: فالحق إذا معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر ~~فأهلكوا بالصيحة. قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية ~~بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أولا: إنا إليكم مرسلون ~~مقتصرين على «أن» . وثانيا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون مجموعا بين «أن» ~~واللام وما يجري مجرى القسم. ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام ~~الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة. وفي قولهم وما علينا إلا البلاغ ~~المبين تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر ~~منكم والتذكر. ms3895 وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن ~~عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه ~~وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين ~~بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم. لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم بالقول أو بالحجارة. وليمسنكم بعد ذلك أو بسبب الرجم ~~بالحجارة # PageV05P528 # المتوالية إلى الموت عذاب أليم قالوا طائركم أي سبب شؤمكم معكم وهو كفركم ~~ومعاصيكم أإن ذكرتم يعني أتطيرون إن ذكرتم. ومن قرأ أين على وزن «كيف» ~~ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلا عن المكان الذي ~~حللتم فيه. ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون بل أنتم ~~قوم مسرفون في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب ~~التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء وجاء من أقصا المدينة رجل هو حبيب النجار الذي ~~مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية. وقيل: كان في غار يعبد الله ~~عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه ~~فقتلوه. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله ~~طرفة عين: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون» # ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل ولادته وذلك أنه ~~سمع نعته من الكتب والعلماء. وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية ~~أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة ~~لهم به وكان بعيدا من التواطؤ. وقوله من أقصى المدينة أيضا يفيد مثل هذا أو ~~أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي ~~بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في ~~نصرتهم وهدايتهم ونصحهم. ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال ~~مؤمن آل فرعون اتبعون أهدكم سبيل الرشاد [غافر: 38] لأنه جاءهم ms3896 فنصحهم في ~~أول مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل ~~وأوضحوا لأجلكم السبيل. فقوله اتبعوا نصيحة وقوله المرسلين إظهار للإيمان ~~وقدم النصيحة إظهارا للشفقة. # وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي. # ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجرا في الدلالة ~~ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول. ثم ~~أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه. قال الحكيم الذي ~~فطرني إشارة إلى وجود المقتضي. وقوله وما لي إشارة إلى عدم المانع من جانبه ~~فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدما في الوضع والطبع ~~على المانع إلا أن المقتضي هاهنا لظهوره كان مستغنيا عن البيان رأسا فقدم ~~عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل «وما لكم لا تعبدون» كيلا يذهب الوهم ~~إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ما لكم لا ترجون ~~لله وقارا [الآية: 13] لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي ~~لا أعبد وقد طلب مني ذلك. وفي قوله وإليه ترجعون بيان الخوف والرجاء ولهذا ~~لم يقل # PageV05P529 # «وإليه أرجع» كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة. ثم ~~أراد كمال التوحيد فقال أأتخذ من دونه آلهة فقوله ما لي لا أعبد الذي فطرني ~~فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله أأتخذ على سبيل الإنكار نفي لغيره ~~ممن يسمى إلها وبهما يتم معنى لا إله إلا الله. ثم عرض على عقولهم جهل ~~عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب ~~الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن ~~شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه أي خلصه بوجه من الوجوه. # قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على ~~المرسلين. قال إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي لتشهدوا لي. وإنما قال بربكم ms3897 ~~ولم يقل «بربي» ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه. وقال أكثرهم: الخطاب ~~للكفار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني ~~وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني. وفي قوله قيل ادخل الجنة وجهان أحدهما. أنه ~~قتل. ثم كأن سائلا سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى ~~بذل مهجته؟ فقيل: قيل ادخل الجنة. والقائل هو الله سبحانه أو الملائكة ~~بأمره. قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم ~~شأنه ولأنه معلوم. ثم كأن سائلا آخر سأل: أي شيء تمنى في الجنة؟ فقيل: قال ~~يا ليت قومي يعلمون وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سببا لهم في ~~التوبة والإيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه ~~حيا وميتا. ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى ~~صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة. وثانيهما أن الرسل ~~بشروه وهو حي بدخول الجنة فصدقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن. و ~~«ما» في قوله بما غفر مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو ~~استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب ~~عن الدين إلا أن طرح الألف أجود. فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من ~~قوله «بما صنعت» فقوله غفر لي ربي وجعلني من المكرمين بإزاء قوله فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم ثم أشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلا وما أنزلنا على ~~قومه قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد ~~المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم ~~العذاب. ثم قال وما كنا منزلين أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك ~~قوم حبيب جندا من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على ~~غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من ms3898 السماء يوم بدر والخندق وحنين وما ~~أنزلها لغيره من نبي فضلا عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب ~~النجار. # فالحاصل أنه تعالى يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن إنزال الجنود من ~~عظائم الأمور التي لا يؤهل لها # PageV05P530 # إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك. فمن قرأ إلا صيحة بالنصب أراد ما كانت ~~الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن «كان» التامة ~~فمعناه ما وقعت إلا صيحة. # قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء ~~إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل. قلت: ~~يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة. وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت ~~أسماء الجنس كلها مؤنثة. # ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد. وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة أيضا ~~ومنه المثل «أثقل من الزواقي» والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح ~~الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال. # ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رمادا لأنهم كانوا كالنار ~~الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة ~~لديهم. ثم بين بقوله يا حسرة أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من ~~الملائكة والثقلين، أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما ~~صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ما يأتيهم الآية. ~~ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية. وقوله أنهم ~~إليهم لا يرجعون بدل من كم أهلكنا التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة ~~المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال ~~من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم. والرجوع حسي وهو ظاهر، ~~أو معنوي وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم. من قرأ ~~«لما» بالتشديد فبمعنى إلا و «أن» نافية. ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و ~~«ما» صلة تقديره. وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. ~~قال في ms3899 الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟ وأجاب بأنهما ليسا بواحد، ~~بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم. ويحتمل أن ~~يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبي نبي مرسل. ~~ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضا مع تعداد النعم وتذكيرها ~~قائلا: وآية لهم الأرض الميتة قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست ~~آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى ~~الأرض والسماء كقوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد [فصلت: 53] وقوله ~~أحييناها استئناف بيانا لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على ~~قياس. # ولقد أمر على اللئيم يسبني # PageV05P531 # وقوله فمنه يأكلون بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان ~~وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم ~~واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم. وسواء كانت ميتة أو ~~لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم ~~إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذا كان في مكانهم كأن أجمع للقوة ~~والفراغ. ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير ~~العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين ~~فذلك كالشيء المدخر القريب التناول. والضمير في قوله من ثمره يعود إلى ~~الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لا توجد ~~إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى ~~التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل. وقيل: إلى التفجير المدلول ~~عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل ~~جميع ما ذكره في قوله أنا صببنا الماء صبا إلى قوله وفاكهة وأبا [عبس: 25- ~~31] وقوله وما عملت من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ~~ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية ms3900 ~~فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ~~ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو ~~المذكور. # ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك. هذا إذا ~~جعلت «ما» موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق. وقيل: عمل ~~الأيدي التجارة. وقيل: # الطبخ ونحوه. # ثم نزه نفسه بقوله سبحان الذي خلق الأزواج أي الأصناف والمراد بقوله ومما ~~لا يعلمون أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو [المدثر: 31] فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ~~[السجدة: 17] قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن ~~أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس. وقوله مما تنبت لا يخرجه عن العموم ~~لأن البيان متعدد نظيره قول القائل: # أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد. فإنه يفهم أن تعديد الأصناف ~~لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف الذي خلق الأزواج كلها [الآية: 36] من ~~غير تقييد. وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان. ومعنى ~~سلخ النهار من الليل تميزه منه. ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه. قال ~~جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازاله عنها فاستعير لإزالة الضوء ~~وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله. ومعنى # PageV05P532 # مظلمون داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا ~~يقدرون على دفعه. وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه ~~أخرى. ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ~~والشمس تجري لمستقر أي لحد لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر ~~المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها ~~بعد الحصول في ذلك الحد ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أول الحمل أو أحد ~~الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها فلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك ~~من ms3901 الاعتبارات. وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد. وقيل: أراد لجري ~~مستقرها وهو فلكها. وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة. وقال ~~الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة. وقيل: أراد ~~الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة. وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار ~~بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار ~~لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ذلك الجري على الوجوه ~~المذكورة تقدير العزيز الغالب بقدرته على كل مقدور العليم بمبادىء الأمور ~~وغاياتها. # ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أول سورة يونس في قوله وقدره منازل ~~[الآية: # 5] والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو «فعلون» ~~من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج. والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب ~~الأعيان. فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة. وقد يقال: نبت قديم ~~وإن لم يكن له سنة. وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند ~~من يعتقد أنه لا أول له. وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف ~~بالقدم، فلو أن رجلا قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق ~~منهم من مضى له حول وأكثر. وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفر فشبه انقراض ~~الشهر به من الوجوه الثلاثة. ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة ~~وسلطانا على حياله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر لتباطوء سيرها عن سيره ~~ولا الليل أي ولا تسبق آية الليل- وهو القمر- آية النهار- وهي الشمس- أي لا ~~يداخل القمر الشمس في سلطانها. وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار. ~~وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار. والمراد ~~أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع ~~الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل «يسبق» على قياس تدرك ~~أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة. ms3902 وأقول: ~~يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن # PageV05P533 # يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله سرابيل تقيكم الحر [النحل: ~~81] وكذا الكلام في قوله ولا الليل سابق النهار أراد ولا النهار سابق الليل ~~أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته. سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما ~~لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس ~~لبطء سيرها لا تدرك القمر. فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى ~~أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه ~~موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها ~~بعينه. وأما قوله وكل في فلك يسبحون فقد مر تفسيره في سورة الأنبياء. # ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ~~ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش. قال بعض المفسرين: ~~أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم. والفلك فلك نوح ومثله هو ما ~~يركبون الآن عليه من السفن والزوارق. قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم ~~دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل ~~أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل. ومن ~~فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته ~~من يركبها غالبا. وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله ~~كالنساء. وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد. # في الحديث «إنه نهى عن قتل الذراري» # يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم ~~أمره وعلى هذا يكون قوله وخلقنا لهم إلى آخره اعتراضا، ومثل الفلك ما ~~يركبون من الإبل لأنها سفائن البر. وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير ~~للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خاليا كان خفيفا لا يرسب في الماء ~~بالطبع. ثم ذكر ما ms3903 يؤكد كونه فاعلا مختارا قائلا وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ ~~لهم وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث. وقوله إلا رحمة إشارة إلى أن ~~الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى ~~الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در ~~القائل: # ولم أسلم لكي أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام ### | التأويل: # يس إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغا لم يبلغه أحد من المرسلين تنزيل ~~العزيز الرحيم فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ~~ذلك نحي القلوب الموتى ونكتب ما قدموا من الأنفاس المتصاعدة ندما وشوقا، ~~وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم أصحاب القرية القلوب إذ ~~أرسلنا إليهم اثنين من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن ~~دار الغرور والإنابة إلى دار # PageV05P534 # الخلود فكذبوهما النفس وصفاتها فعززنا بثالث من الجذبة إنا تطيرنا بكم ~~لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه طائركم معكم ~~لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشئومة رجل يسعى هو الروح المشتاق ~~إلى لقاء الحق لا يسئلكم أجرا لأنه لا شرب له من مشاربكم. قيل ادخل الجنة ~~وهي عالم الأرواح وهو كقوله يا أيتها النفس المطمئنة إلى قوله وادخلي جنتي ~~[الفجر: 30] على قومه من بعده أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى ~~النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح ~~حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله. صيحة واحدة من وارد حق فإذا ~~هم يعني النفس وصفاتها خامدون ميتون عن أنانيته بهويته ألم يروا كم أهلكنا ~~فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد ~~من غيرهم شكايتهم وآية لهم القلوب الميتة أحييناها بالطاعة ونخيل الأذكار ~~وأعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات خلق ~~الأزواج من الآباء العلوية والأمهات السفلية مما تنبت أرض البشرية بازدواج ~~الكاف والنون. ومن ms3904 أنفسهم بازدواج الروح والقلب ومما لا يعلمون من تأثير ~~العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت وآية لهم ليل ~~البشرية نسلخ منه نهار الروحانية فإذا هم مظلمون بظلمة الخليقة فإن الله ~~خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره. وشمس نور الله تجري لمستقر لها وهو ~~قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب قدرناه ثمانية وعشرين منزلا على ~~حسب حروف القرآن وأسماؤها: # الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة ~~والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق ~~والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية ~~واليقين. فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 90] وهو آخر المنازل ~~والمقامات، فإن السالك يألف الحق أولا ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له ~~الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملا كالبدر، ثم يتناقص نوره ~~بحسب دنوه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي ~~الذي افتخر به نبينا صلى الله عليه وسلم # بقوله «الفقر فخري» . # ثم أشار بقوله لا الشمس ينبغي لها إلى أن الرب لا يصير عبدا ولا العبد ~~ربا. ثم ذكر أن العوام محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة ~~كلاهما بفلك العناية وملاحة أرباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة ~~المشايخ. وإن نشأ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات ~~والإباحة. # PageV05P535 ### | [سورة يس (36) : الآيات 45 الى 83] # وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله ~~أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~(48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) # فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50) ونفخ في ms3905 الصور فإذا هم من ~~الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما ~~وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على ~~الأرائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب ~~رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) # ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) ~~وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا ~~تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ~~(64) # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ~~(65) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو ~~نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ~~ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين (69) # لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) أولم يروا أنا خلقنا لهم ~~مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون ~~الله آلهة لعلهم ينصرون (74) # لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون (76) أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم ~~مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78) قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي ~~خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت ~~كل شيء وإليه ترجعون (83) # PageV05P536 ### | القراآت: # يخصمون بفتحتين ثم كسر الصاد المشددة: ابن كثير وورش وسهل ويعقوب وأصله ms3906 ~~«يختصمون» أدغمت التاء في الصاد بعد نقل حركتها إلى الخاء، وقرأ أبو جعفر ~~ونافع غير ورش بسكون الخاء، وقرأ أبو عمرو بإشمام الفتحة قليلا وقرأ حمزة ~~بسكون الخاء وتخفيف الصاد من الخصم ثلاثيا. الباقون: بكسر الخاء للاتباع ~~وتشديد الصاد. # وروى خلف عن يحيى بكسر الياء والخاء والتشديد. شغل بضمتين: عاصم وخلف ~~وابن عامر ويزيد ويعقوب. فكهون وبابه بغير ألف: يزيد. ظل بضم الظاء وفتح ~~اللام: # حمزة وعلي وخلف على أنه جمع ظلة. الآخرون: ظلال جمع ظل جبلا بضم الجيم ~~وسكون الباء. ابن عامر وأبو عمرو. وقرأ أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل بكسرتين ~~واللام مشددة، وقرأ يعقوب بضمتين والتشديد. والباقون: بضمتين والتخفيف ~~ننكسه مشددا: # حمزة وعاصم غير مفضل. الآخرون: بالتخفيف من النكس. تعقلون بتاء الخطاب: # أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب لتنذر على الخطاب أبو جعفر ونافع ~~وابن عامر وسهل ويعقوب يقدر على صيغة المضارع: يعقوب كن فيكون بالنصب: ابن ~~عامر وعلي. ### | الوقوف: # ترحمون ه معرضين ه رزقكم الله لا لأن ما بعده جواب «إذا» أطعمه لا كذلك ~~لاتحاد المقول ولئلا يبتدأ بما لا يقوله مسلم. وجوز جار الله أن يكون قوله ~~إن أنتم قول الله أو حكاية قول المؤمنين لهم فالوقف جائز. مبين ه صادقين ه ~~يخصمون ه يرجعون ه ينسلون ه مرقدنا ه لئلا يوهم أن هذا صفة وما بعده منفي ~~وفيه وجوه أخر نذكرها في ### | التفسير # المرسلون ه محضرون ه تعملون ه فاكهون ه ج لاحتمال أن هم تأكيد الضمير ~~وأزواجهم عطف عليه وفي ظلال ظرف فاكهون، ولاحتمال أن ما بعده مبتدأ وخبره ~~متكؤن يدعون ه ج لأنه من المحتمل أن يكون سلام خبر محذوف أي عليهم سلام ~~يقول قولا، وأن يكون سلام بدل ما يدعون أي لهم ما يتمنون وهو سلام سلام ط ج ~~لحق الحذف رحيم ه المجرمون ه الشيطان ج لأن التقدير فإنه مبين ه لا للعطف ~~اعبدوني ج مستقيم ه كثيرا ه تعقلون ه توعدون ه تكفرون ه يكسبون ه يبصرون ه ~~يرجعون ms3907 ه في الخلق ط يعقلون ه له ج مبين ه الكافرين ه مالكون ه يأكلون ه ~~ومشارب ه يشكرون ه ينصرون ج نصرهم لا لأن الواو للحال محضرون ه قولهم ه ~~لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار يعلنون ه مبين ه خلقه ط رميم ه مرة ط ~~عليم ه لا لأن # PageV05P537 # الذي بدل توقدون ه مثلهم ط لانتهاء الاستفهام العليم ه فيكون ه ترجعون ه. ### | التفسير: # لما بين الآيات المذكورة حكى أنهم في غاية الجهالة ونهاية الضلالة، لا ~~مثل العلماء الذين يتبعون البرهان، ولا كالعوام الذين يبنون أمورهم على ~~الأحوط إذا أنذرهم منذر انتهوا عن ارتكاب المنهي خوفا من تبعته وطمعا في ~~منفعته وإليه الإشارة بقوله لعلكم ترحمون أي في ظنكم فإن الذي لا تفيده ~~الآيات يقينا فلا أقل من أن يحترز من العذاب ويرجو الثواب أخذا بطريقة ~~الاحتياط، ونظير الآية ما مر في أول سورة سبأ أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السماء والأرض [الآية: 9] وعن مجاهد: أراد ما تقدم من ذنوبكم ~~وما تأخر. وعن قتادة: ما بين أيديكم من وقائع الأمم وما خلفكم أي من أمر ~~الساعة. وقيل: ما بين أيديكم من أمر الساعة. وقيل: ما بين أيديكم الآخرة ~~فإنهم مستقبلون لها، وما خلفكم الدنيا فإنهم تاركون لها. أو ما بين أيديكم ~~من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنه حاضر عندهم وما خلفكم من أمر فإنكم ~~إذا اتقيتم تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والحشر رحمكم الله. أو ما بين ~~أيديكم من أنواع العذاب كالحرق والغرق المدلول عليه بقوله وإن نشأ نغرقهم ~~ما خلفكم الموت الطالب لكم يدل على قوله ومتاعا إلى حين وجواب «إذا» محذوف ~~وهو لا يتقون أو يعرضون، يدل عليه ما بعده مع زيادة فائدة هي دأبهم الإعراض ~~عند كل آية. # ويحتمل أن يكون قوله وما تأتيهم متعلقا بما قبله وهو قوله يا حسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن. وما تأتيهم من آية من آيات ms3908 ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم فإذا أتوا ~~بالآيات أعرضوا عنها. وقوله ألم يروا إلى قوله لعلكم ترحمون اعتراض. ثم ~~أشار إلى أنهم كما يخلون بجانب التعظيم لأمر الله حيث قيل لهم اتقوا فلم ~~يتقوا يخلون بجانب الشفقة على خلق الله ولا ينفقون إذا أمروا بالإنفاق على ~~أنهم خوطبوا بأدنى الدرجات في التعظيم والإشفاق، فإن أدنى الانقياد الاتقاء ~~من العذاب، وأدنى الإشفاق هو إنفاق بعض ما في التصرف من مال الله، فأين هم ~~من معشر أقبلوا بالكلية على الله وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله؟ وفي ~~قوله مما رزقكم الله إشارة إلى أن الله تعالى قادر على إغناء الفقير ~~وإعطائه ولكنه جعل الغني واسطة في الإنفاق على الفقير. فالسعيد من عرف حق ~~التوسيط وانتهز فرصة الإمكان وعلم أن الإنفاق سبب للبركة في الحال ومجلبة ~~للثواب في المآل. وقوله قال الذين كفروا دون أن يقول «قالوا» تسجيل عليهم ~~بالكفر. وقوله للذين آمنوا # مزيد تصوير لجهالتهم حين قالوا لهؤلاء الأشراف ما قالوا. وقوله أنطعم دون ~~«أننفق» إظهار لغاية خستهم فإن الإطعام أدون من # PageV05P538 # الإنفاق ومن بخل بالأدون فهو بأن يبخل بالأكثر أولى. وقوله من لو يشاء ~~الله أطعمه كلام في نفسه حسن لكنهم ذكروه في معرض الدفع فلهذا استوجبوا ~~الذم وقد بين الله خطأهم بقوله مما رزقكم الله فإن من في خزائنه مال وله في ~~يد الغير مال فإنه مخير إن أراد أعطى زيدا مما في خزائنه وإن شاء أعطاه مما ~~في يد الغير وليس لذلك الغير أن يقول لم أحلته علي. وقوله إن أنتم إلا في ~~ضلال مبين بناء على ما اعتقدوه أن الأمر بالإنفاق ضائع، لأنه سعي في إبطال ~~مشيئة الله ولم يعلموا أن الضلال لا يتعداهم أيه سلكوا، وذلك أنهم لم ~~ينظروا إلى الأمر والطلب وبادروا إلى الاعتراض، والطاعة هي اتباع الأمر لا ~~الاستكشاف عن الغرض والغاية. ومن جملة تعنتهم أنهم استبطؤا الموعود على ~~الاتقاء والإنفاق قائلين إن كنتم أيها المدعون للرسالة صادقين فأخبرونا متى ms3909 ~~يكون هذا الموعود به من الثواب والعقاب فأجابهم الله تعالى بقوله ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة كأنهم بالاستبطاء كانوا منتظرين شيئا. وتنكير صيحة للتهويل ~~ووصفها بواحدة تعظيم للصيحة وتحقير لشأنهم أي صيحة لا يحتاج معها إلى ~~ثانية، وفي قوله تأخذهم أي تعمهم بالأخذ مبالغة أخرى، وكذا في قوله وهم ~~يخصمون أي يشتغلون بمتاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ومع ذلك ~~يصعقون. وقيل: تأخذهم وهم يختصمون في أمر البعث قائلين إنه لا يكون. # ثم بالغ في شدة الأخذ بقوله فلا يستطيعون توصية وفي قوله فلا يستطيعون ~~دون أن يقول «فلا يوصون» مبالغة لأن من لا يوصي قد يستطيعها، وكذلك في ~~تنكير توصية الدال على التقليل، وكذا في نفس التوصية لأنها بالقول والقول ~~يوجد أسرع من الفعل من أداء الواجبات ورد المظالم، وقد تحصل التوصية ~~بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. وفي قوله ولا إلى أهلهم يرجعون بيان ~~لشدة الحاجة إلى التوصية فإن الذي يقطع بعدم الوصول إلى أهله كان إلى ~~الوصية أحوج. وفيه تنبيه على أن الميت لا رجوع له إلى الدنيا ولا اجتماع له ~~بأهله مرة أخرى إلى حين يبعثون. ثم بين حال النفخة الثانية، والأجداث ~~القبور والنسلان العدو. وكيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين ~~الإماتة والإحياء؟ نقول: لا مؤثر إلا الله، والنفخ علامة على أن الصوت يوجد ~~التزلزل وأنه قد يصير سببا لافتراق الأجزاء المجتمعة تارة ولاجتماع ~~المتفرقة أخرى. ثم إن أجزاء كل بدن قد تحصل في موضع هو بمنزلة جدثه، أو ~~أعطى للأكثر حكم الكل. وذكر الرب في هذا الموضع للتخجيل فإن من أساء واضطر ~~إلى الحضور عند من أحسن إليه كان أشد ألما وأكثر ندما. وقوله ينسلون لا ~~ينافي قوله في موضع آخر فإذا هم قيام ينظرون [الزمر: 68] فلعل ذلك في أول ~~الحالة ثم يحصل لهم سرعة المشي من غير اختيارهم. ويمكن أن يقال: # PageV05P539 # إن هيئة الانتظار ليست بمنافية للمشي بل مؤكدة له ومعينة عليه. وفي «إذا» ~~المفاجأة إشارة إلى أن الإحياء والتركيب والقيام والعدو كلها ms3910 تقع في زمان ~~النفخ. # ثم بين أنهم قبل النسلان قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا كأنهم شكوا ~~في أنهم كانوا موتى فبعثوا أو كانوا نياما فتنبهوا فجمعوا في السؤال بين ~~الأمرين: البعث والمرقد. # عن مجاهد: للكفار. هجعة يجدون فيها طعم النوم فإذا صيح بأهل القبور قالوا ~~ذلك، ثم أجابهم الملائكة في رواية ابن عباس، والمتقون على قول الحسن هذا ما ~~وعد الرحمن كأنه قيل: ليس بالبعث الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده حتى ~~يهمكم السؤال عن الباعث أن هذا هو البعث الأكبر الذي وعده الرحمن في كتبه ~~المنزلة على لسان رسله الصادقين. والظاهر أن هذا مبتدأ وما وعد الرحمن إلى ~~آخره خبره، و «ما» مصدرية أي هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين على تسمية ~~الموعود والمصدوق فيه بالمصدر. # ويجوز أن يكون «ما» موصولة أي هذا الذي وعده الرحمن وصدقه المرسلون أي ~~صدقوا فيه. وجوز جار الله أن يكون هذا صفة للمرقد وما وعد خبر مبتدأ محذوف ~~أي هذا وعد الرحمن، أو مبتدأ محذوف الخبر أي ما وعده الرحمن وصدقه المرسلون ~~حق عليكم. # وقيل: إن قوله هذا ما وعد الرحمن من كلام الكافرين كأنهم تذكروا ما سمعوا ~~من الرسل فأجابوا به أنفسهم، أو أجاب بعضهم بعضا. ثم عظم شأن الصيحة ~~بالنسبة إلى المكلفين وحقر أمرها بالإضافة إلى الجبار قائلا إن كانت إلا ~~صيحة الآية. وقد مر نظيره. ثم بين ما يكون في ذلك اليوم قائلا فاليوم لا ~~تظلم نفس شيئا ولا تجزون أيها الكافرون إلا ما كنتم تعملون وفيه إشارة إلى ~~أن عدله عام وفضله خاص بأهل الإيمان وفيه أنهم إذا جمعوا لم يجمعوا إلا ~~للعدل أو الفضل فالفاء فيه كما في قول القائل للوالي أو للقاضي: جلست للعدل ~~فلا تظلم. أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه. وقوله ما كنتم تعملون إشارة إلى عدم ~~الزيادة فإن الشيء لا يزيد على عينه كقولك: فلان يجازيني حرفا بحرف. أي لا ~~يترك شيئا. # ويجوز أن يراد الجنس أي لا تجزون إلا جنس العمل حسنا ms3911 أو سيئا. ثم فصل حال ~~المحسنين بطريق الحكاية في ذلك اليوم تصويرا للموعود وترغيبا فيه فقال إن ~~أصحاب الجنة اليوم في شغل لا يكتنه كنهه وفيه وجوه أقواها أنهم مشغولون عن ~~هول ذلك اليوم بما لهم من الكرامات والدرجات. وقوله فاكهون مؤكد لذلك ~~المعنى أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور. وثانيها أنه بيان ~~لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء بل المراد أنهم في عمل، ثم بين عملهم ~~بأنه ليس بشاق بل هو ملذ محبوب. وثالثها أنهم تصوروا في الدنيا أمورا ~~يطلبونها في الجنة فإذا رأوا فيها ما لم يخطر ببالهم اشتغلوا به عنها. # PageV05P540 # وعن ابن عباس أن الشغل افتضاض الأبكار أو ضرب الأوتار. وقيل: التزاور. ~~وقيل: # ضيافة الله. وعن الكلبي: هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار لا يهمهم ~~أمرهم لئلا يدخل عليهم تنغيص من تنعمهم. والفاكه والفكه المتنعم المتلذذ ~~ومنه الفاكهة لأنها تؤكل للتلذذ لا للتغذي والفكاهة الحديث لأجل التلذذ لا ~~للضرورة. والأزواج ظاهرها زوج المرأة وزوجة الرجل. وقيل: أراد أشكالهم في ~~الأحساب وأمثالهم في الإيمان كقوله وآخر من شكله أزواج [ص: 58] قال أهل ~~العرفان: من شرائط السماع الزمان والمكان والإخوان فقوله هم وأزواجهم في ~~ظلال إشارة إلى عدم الوجوه الموحشة وأن لهم في ظل الله ما يمنع الإيذاء ~~كقوله لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا [الدهر: 13] وقوله على الأرائك متكؤن ~~دليل على القوة والفراغة والتمكن من أنواع الملاذ. وقوله لهم فيها فاكهة ~~إشارة إلى سائر أنواع الملاذ الزائدة على قدر الضرورة. # وقوله ولهم ما يدعون إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وما يخطر ببالهم. قال ~~الزجاج: هو افتعل من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم. وقال جار الله: ~~هو للاتخاذ أي ما يدعون به أو ما يدعون به أو ما يدعون لأنفسهم كقولك: ~~يشتوي. أي اتخذ لنفسه شواء. أو هو بمعنى التداعي. وعلى الوجهين إما أن يراد ~~كل ما يدعو به الله أحد أو كل ما يطلبه من صاحبه فإنه يجاب له بذلك، أو ms3912 ~~يراد أن كل ما يصح أن يدعى به ويطلب فهو حاصل لهم قبل الطلب. وقيل: معناه ~~يتمنون من قولهم: ادع علي ما شئت أي تمنه علي. # وقيل: هو من الدعوى وذلك أنهم كانوا يدعون في الدنيا أن الله هو مولاهم ~~وأن الكافرين لا مولى لهم بينه قوله سلام يقال لهم قولا من رب رحيم أي من ~~جهته بواسطة الملائكة. وقيل: أراد لهم ما يدعون سالم خالص لا شوب فيه. ~~وقولا أي عدة وعلى هذا يكون قوله لهم للبيان وما يدعون سلام مبتدأ وخبر ~~كقولك: لزيد الشرف متوفر. # وقال بعضهم: يحتمل أن يكون قولا نصبا على التمييز لأن السلام من الملك قد ~~يكون قولا وقد يكون إشارة. وقال أهل البيان قوله وامتازوا معطوف على المعنى ~~كأنه قيل: # دوموا أيها المؤمنون في النعيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون. أو قلنا ~~لأهل الجنة: إنكم في شغل وقلنا لأهل النار: امتازوا وهو كقوله فريق في ~~الجنة وفريق في السعير [الشورى: # 7] أو تميزوا في أنفسكم غيظا وحنقا فلا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم ~~كقوله في صفة جهنم تكاد تميز من الغيظ [الملك: 8] أو افترقوا خلاف ما ~~للمؤمن من الاجتماع بالإخوان فلا عذاب كفرقة الأخدان يؤيده ما روي عن ~~الضحاك: لكل كافر بيت من النار يكون فيه لا يرى ولا يرى. وعن قتادة: أراد ~~اعتزلوا عن كل خير ترجون، أو امتازوا عن # PageV05P541 # شفعائكم وقرنائكم. أو المراد تميزهم بسواد الوجه وزرقة العين وبأخذ ~~الكتاب بالشمال وبخفة الميزان وغير ذلك. وقال صاحب المفتاح: قوله إن أصحاب ~~الجنة إلى آخر الآيات خطاب لأهل المحشر بدلالة الفاء في قوله فاليوم لا ~~تظلم بعد قوله إن كانت إلا صيحة وقد جاء في التفاسير أن قوله إن أصحاب ~~الجنة إنما يقال حين يسار بهم إلى الجنة فيؤل معنى الكلام إلى قول القائل ~~إن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر يؤل حالهم إلى أسعد حال فليمتازوا عنكم ~~إلى الجنة، وامتازوا أنتم عنهم أيها المجرمون. ثم كان لسائل أن يقول: إن ~~الإنسان خلق ظلوما جهولا ms3913 والجهل عذر فبين الله تعالى أن الأعذار زائلة ~~قائلا ألم أعهد إليكم والآية إلى قوله أفلم تكونوا تعقلون شبه اعتراض، فيه ~~توبيخ لأهل النار وما ذلك العهد عن بعضهم أنه الذي مر ذكره في قوله ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل [طه: 115] وقيل: هو المذكور في قوله وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم [الأعراف: 172] وقيل: هو المبين على لسان الرسل. ومعنى ~~لا تعبدوا لا تطيعوا ولا تنقادوا وسوسته وتزيينه. وقوله هذا إشارة إلى ما ~~عهد إليهم من مخالفة الشيطان وعبادة الرحمن. قال أهل المعاني: التنوين في ~~قوله صراط للتعظيم إذ لا صراط أقوم منه، أو للتنويع أي هذا بعض الطرق ~~المستقيمة، ففيه توبيخ لهم على العدول عنه كما يقول الرجل لولده وقد نصحه ~~النصح البالغ: هذا فيما أظن قول نافع غير ضار. وفي ذكر الصراط هاهنا إشارة ~~إلى أن الإنسان في دار التكليف مسافر والمجتاز في بادية يخاف فيها على نفسه ~~وماله لا يكون عنده شيء أهم من معرفة طريق قريب أمن. ثم بين لهم عدواة ~~الشيطان بقوله ولقد أضل منكم جبلا وهو في لغاته كلها بمعنى الخلق من جبله ~~الله على كذا أي طبعه عليه. عن علي رضي الله عنه أنه قرأ جيلا بياء منقوطة ~~من تحت بنقطتين. ثم أشار إلى محل امتياز المجرمين إليه بقوله هذه جهنم ~~وقوله اصلوها أمر إهانة وتنكيل نحو ذق. وفي قوله اليوم إشارة إلى أن اللذات ~~قد مضت وأيامها قد انقضت وليس بعد ذلك إلا العقاب. روى أهل التفسير أنهم ~~يجحدون يوم القيامة كفرهم في الدنيا فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم ~~جوارحهم. # وفي الحديث «يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز شاهدا إلا من نفسي فيختم ~~على فيه ويقال لأركانه: انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام ~~فيقول بعد الكن وسحقا فعنكن كنت أناضل» «1» # قال المتكلمون: إنه لا يبعد من الله تعالى إنطاق كل جرم من الأجرام إنطاق ~~اللسان وهو فاعل لما يشاء. قال الحكيم: إنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع ms3914 ~~أعذارهم وانهتاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليئوس. ~~PageV05P542 # وتكلم الأعضاء عبارة عن ظهور إمارات الذنوب عليهم بحيث لا يبقى للإنكار ~~مجال كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إذا ظهر أمارات الحزن ~~وأسبابه. ثم إنه تعالى أسند الختم إلى نفسه وأسند التكلم والشهادة إلى ~~الأيدي والأرجل لكيلا يقال: إن الإقرار بالإجبار غير مقبول. وأيضا إنه أسند ~~التكلم إلى الأيدي والشهادة إلى الأرجل لأن الأعمال مستندة إلى الأيدي ~~غالبا كقوله وما عملته أيديهم فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] فهي كالعاملة، ~~والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره. وإنما جعلت الشهادة عليهم منهم لأن ~~غيرهم إما صالحون وهم أعداء للمجرمين فلهم أن يقولوا شهادتهم غير مقبولة في ~~حقنا، وإما فاسقون وشهادة الفسقة غير مقبولة شرعا. # وهاهنا نكتة وهي أن الختم لازم للكفار في الدارين، ختم الله على قلوبهم ~~في الدنيا وكان قولهم بأفواههم كما قال يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ~~[آل عمران: 167] ثم إذا ختم على أفواههم أيضا في الآخرة لزم أن يكون قولهم ~~بسائر أعضائهم. هذا وقد ذكرنا مرارا أنه تعالى كلما يذكر تمسك الجبرية يذكر ~~عقيبه تمسك القدرية وبالعكس. وكان للقدرية أن تتمسك بقوله يكسبون تكفرون ~~حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم فلا جرم عقبه بتمسك الجبري وهو قوله ولو ~~نشاء لطمسنا ووجه التمسك أن إعماء البصائر شبه إعماء الأبصار، وسلب القوة ~~العقلية كسلب القوة الجسمية. فكما أنه لو شاء لطمس على أبصارهم حتى لا ~~يهتدوا إلى الطريق القاهر الظاهر ولو شاء لسلب قوة جسومهم بالمسخ حتى لا ~~يقدروا على تقدم ولا تأخر، فكذلك إذا شاء أعمى البصائر وسلب قواهم العقلية ~~حتى لم يفهموا دليلا ولم يتفكروا في آية. والطمس محو أثر شق العين. قال جار ~~الله فاستبقوا الصراط أصله فاستبقوا إلى الصراط فانتصب بنزع الخافض. ~~والمعنى لو شاء لمسخ أعينهم فلو راموا أن يسبقوا إلى الصراط الذي عهدوه ~~واعتادوا على سلوكه إلى مساكنهم لم يقدروا عليه إذ الصراط طريق الاستباق، ~~والاستباق مضمن معنى الابتدار. # فالمراد لو شاء لأعماهم ms3915 حتى لو أرادوا أن يمشوا مستبقين في الطريق ~~المألوف أو مبتدرين إياه كما كان هجيراهم لم يستطيعوا. أو يجعل الصراط ~~مسبوقا لا مسبوقا إليه، فالمعنى لو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوه ~~لعجزوا ولم يقدروا إلا على سلوك الطريق المعتاد كالعميان يهتدون فيما ألفوا ~~من المقاصد والجهات دون غيرها. عن ابن عباس: أراد لمسخناهم قردة وخنازير. ~~وقيل: حجارة. وعن قتادة: لأقعدناهم على أرجلهم أو أزمناهم على أرجلهم. ~~والمكان والمكانة واحد أراد مسخا مجمدا بحيث لا يقدرون أن يرجعوا مكانهم. ~~وإنما قدم الطمس على المسخ تدرجا من الأهون إلى الأصعب، فإن الأعمى قد # PageV05P543 # يهتدي إلى وجوه التصرف بأمارات عقلية أو حسية غير البصر. وأما الممسوخ ~~على مكانه فلا يهتدي إلى شيء أصلا. ولمثل ما قلنا قدم المضي على الرجوع فإن ~~سلوك طريق قد رآه مرة يكون أهون مما لم يره أصلا، فنفى أولا استطاعة الأصعب ~~ثم نفى استطاعة الأهون أيضا لأجل المبالغة. وحين قطع الأعذار بسبق الإنذار ~~وذلك في قوله ألم أعهد إليكم شرع في قطع عذر آخر للكافر وهو أن يقول: لم ~~يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا فقال الله ~~تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق كقوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر [الحج: ~~5] افلا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرتم ما تمكنتم فيه من ~~النظر والعمل، ومن لم يأت بالواجب في زمان الإمكان لم يأت به في زمن ~~الأزمان. وعن بعضهم: # طوى العصران ما نشراه مني ... فأبلى جدتي نشر وطي # أراني كل يوم في انتقاص ... ولا يبقى على النقصان شي # وقال آخر: # أرى الأيام تتركني وتمضي ... وأوشك أنها تبقى وأمضي # علامة ذاك شيب قد علاني ... وضعف عند إبرامي ونقضي # وما كذب الذي قد قال قبلي ... إذا ما مر يوم مر بعضي # وحيث بين أصل الوحدانية والحشر في هذه السورة مرات أقربها قوله وأن ~~اعبدوني وقوله هذه جهنم إلى آخرها عاد إلى أصل الرسالة بقوله وما علمناه ~~الشعر وإنما لم يقل ms3916 وما علمناه السحر ولا الكهانة مع أنهم ادعوا أنه ساحر ~~كاهن لأنه ما تحداهم إلا بالقرآن. وإنما نسبوه إلى السحر عند إظهار فعل ~~خارق كشق القمر وحنين الجذع إليه، ونسبوه إلى الكهانة عند إخباره عن الغيوب ~~وهو نوع خاص من الكلام من غير اعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية. قال جار ~~الله معنى قوله وما ينبغي له أنه لا يتأتى له ولا يتسهل كما جعلناه أميا لا ~~يهتدي للخط. # وروي عن الخليل أن الشعر كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~كثير من الكلام ولكن كان لا يتأتى له. قال: وما روي أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقال: # هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت كلام اتفاقي من غير قصد ~~وتعمد، والشعر كلام موزون مقفى مع تعمد. # وقيل: أراد # PageV05P544 # نفي الشعر عن القرآن فقال وما علمناه بتعليم القرآن الشعر وما ينبغي ~~للقرآن أن يكون شعرا وأنا أقول: الأحسن أن يقال: ما ينبغي له معناه أنه لا ~~يليق بجلالة منصبه لأن الشعر مادته كلام يفيد تأثيرا دون التصديق وهو ~~التخييل، وأما الوزن والقافية فهما كالصورة ويفيدانه ترويجا وتزيينا فجل ~~رتبته من التخييل الذي هو قريب من المغالطة، ولهذا لم يؤمر بأن يدعو بهما ~~إلى سبيل ربه. وإنما أمر بأن يدعو إلى الدين بسائر أصناف الكلام حيث قيل ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [النحل: # 125] ونظيره قوله هاهنا إن هو إلا ذكر أي موعظة وقرآن مبين ذو البيان أو ~~الإبانة وأنه يشمل البرهان والجدل. أما البرهان فظاهر، وأما الجدل فلأن ~~النتيجة إذا كانت في نفسها حقة. فالرجل العالم المحق ليس عليه إلا إفحام ~~الخصم الألد وإلزامه بمقدمات مسلمة أو مشهورة، ومما يؤيد ما ذكرنا ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود # هكذا: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. ولا ريب ms3917 أنه كان يتأتى له رواية الشعر ~~إن لم يتأت له قرضه، وما ذاك إلا للتنزه عما يشبه ما يشين رتبته ولا يوافق ~~مغزاه. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم حين قال: # هل أنت إلا إصبع دميت انقطع الوحي أياما حتى قالت الكفار إن محمدا قد ~~ودعه ربه وقلاه، # وهذا أحد أسباب نزول تلك الآية. ولمثل ما قلنا لم يرو عنه كلام منظوم وإن ~~كان حقا وصدقا كالذي قاله بعض الشعراء في التوحيد والحقائق. وقد أشار إلى ~~نحو ذلك # بقوله صلى الله عليه وسلم «إن من الشعر لحكمة» «1» # وقد مر في تفسير قوله سبحانه في آخر الشعراء إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات [الآية: 227] وذلك أن الشاعر يقصد لفظا فيوافقه معنى حكمي. ~~وبالجملة لا يخلو الشعر عن تكلف ما، وقد يدعوه النظم إلى تغيير المعنى ~~لمراعاة اللفظ، فأين الشارع من الشاعر؟ ثم بين كون القرآن منزلا على هذا ~~الوجه بقوله لتنذر يا محمد أو لينذر هو أي القرآن من كان حيا عاقلا متأملا. ~~ويجوز أن تكون الحياة عبارة عن الإيمان، أو المراد بالحي من يؤل حاله إلى ~~الإيمان. أو المراد بالإنذار الانتفاع به مثل هدى للمتقين [البقرة: 2] إنما ~~تنذر من اتبع الذكر [يس: 11] وقوله ويحق القول كقوله في أول PageV05P545 # السورة لقد حق القول وقد مر وهذا كلام مطابق من حيث المعنى كأنه قال: ~~لتنذر من كان حيا ويحق القول على من كان ميتا لأن الكافر في عداد الموتى. ~~ثم عاد إلى تقرير دلائل الوحدانية مع تعداد النعم فقال أولم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أي من جملة ما عملته أيدينا فاستعار عمل الأيدي لتفرده ~~بالأحداث والإيجاد مع اشتمال المحدث والموجد على غرائب وعجائب حتى قال فيه ~~أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 11] وقوله فهم لها مالكون إشارة ~~إلى إتمام الإنعام في خلق الأنعام. وقوله وذللناها لهم إشارة إلى ما فوق ~~التمام فقد يملك الشيء ولا يكون مسخرا، ومن الذي يقدر على تذليل الإبل لولا ~~أمر الله بتسخيرها حتى قال بعضهم: ms3918 # يصرفه الصبي بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير # وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غير لديه ولا نكير # والجرير حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة. ومن زعم أن الملك بمعنى ~~الضبط من قوله: لا أملك رأس البعير أن يفر. يلزمه التكرار. ثم فصل بعض ~~منافعها بقوله فمنها ركوبهم والركوب والركوبة ما يركب كالحلوب والحلوبة، ~~والتاء للمبالغة. وقيل: للوحدة والمنافع كالجلود والأوبار والأصواف، ذكرها ~~بالاسم العام لما في تفصيلها من الطول. # والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب أي الأواني المتخذة من جلودها، أو هو ~~الشرب كالألبان والاسمان. # وحين وبخهم على عدم الشكر بقوله أفلا يشكرون زاد في توبيخهم بقوله ~~واتخذوا من دون الله آلهة أي وضعوا الشرك مكان الشكر فلا أظلم منهم. وفي ~~قوله لعلهم ينصرون إلى قوله محضرون وجهان: أحدهما أنهم طمعوا في أن يتقووا ~~بهم ويعتضدوا بمكانهم والأمر عكس ذلك حيث هم جند لآلهتهم معدون يخدمونهم ~~ويذبون عنهم من غير نفع في آلهتهم. وثانيهما اتخذوهم لينصروهم عند الله ~~بالشفاعة، والأمر على خلاف ذلك حيث إن آلهتهم يوم القيامة جند محضرون ~~لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا للنار. # ووجه ثالث وهو أن يكون قوله وهم لهم جند محضرون تأكيدا لعدم الاستطاعة ~~فإن من حضر واجتمع ثم عجز عن النصرة يكون في غاية الضعف بخلاف من لم يتأهب ~~ولم يجمع أنصاره. ثم عقب دليل التوحيد بالرسالة مسليا رسوله بقوله فلا ~~يحزنك قولهم باتخاذ الشريك لله أو بالطعن في الرسالة أو بالإيذاء والتهديد. ~~ثم علل عدم الحزن بقوله إنا نعلم ما يسرون من النفاق وسائر العقائد الفاسدة ~~وما يعلنون من الشرك وسائر الأفعال القبيحة، أو يسرون من المعرفة بالله ~~ويعلنون من العناد. وجوز جار الله فتح «أن» على تقدير # PageV05P546 # لام التعليل، بل جوز أن تكون المفتوحة بدلا من قولهم والمكسورة مفعولا ل ~~قولهم ويكون نهي الرسول عن ذلك كنهيه عن الشرك في قوله ولا تكونن من ~~المشركين [الأنعام: 14] ثم أردف الرسالة بالحشر مع أن فيه دليلا آخر على ~~التوحيد مأخوذا من الأنفس، فإن الأول كان مأخوذا ms3919 من الآفاق. وفي قوله فإذا ~~هو خصيم مبين وجهان: أحدهما فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق ~~معرب عما في ضميره كقوله أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين ~~[الزخرف: 18] فقوله من نطفة إشارة إلى أدنى ما كان عليه الإنسان وقوله فإذا ~~هو خصيم مبين إشارة إلى أعلى ما حصل عليه الآن، لأن أعلى أحوال الناطق أن ~~يقدر على المخاصمة والذب عن نفسه بالكلام الفصيح. وثانيهما # قول كثير من المفسرين إنها نزلت في جماعة من كفار قريش تكلموا في البعث ~~فقال لهم أبي بن خلف الجمحي: واللات والعزى لأصيرن إلى محمد ولأخصمنه. # وأخذ عظما باليا فجعل يفتته بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ~~ما قد رم؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: نعم ويبعثك ويدخلك جهنم. # قال أهل البيان: سمى قولهم من يحي العظام وهي رميم مثلا لأن إنكار قدرة ~~الله تعالى على إحياء الموتى قصة عجيبة. وفيه تشبيه الخالق القادر العليم ~~بالمخلوق العاجز عن خلق أدنى بعوضة الجاهل بما يجري عليه من الأحوال. ~~والرميم اسم لما بلي من العظام كالرمة والرفات ولا يبعد أن يكون صفة. ولم ~~تؤنث بتقدير موصوف محذوف أي شيء رميم، أو لأنه بمعنى فاعل كقوله إن رحمت ~~الله قريب [الأعراف: 56] وفي الآية دليل ظاهر على أن عظام الميتة نجسة لأن ~~الموت والحياة يتعاقبان عليها. وقال أصحاب أبي حنيفة: إنها طاهرة وإن ~~الحياة لا تحل فيها فلا يتصور موتها، وكذا الشعر والعصب. وتأولوا الآية بأن ~~المراد بإحياء العظام ردها على ما كانت عليه غضة طرية في بدن حي حساس. ~~واعلم أن المنكرين للحشر منهم من اكتفى في إنكاره بمجرد الاستبعاد كقوله من ~~يحي العظام وهي رميم فأزال استبعادهم بتصوير الخلق الأول، فإن الذي قدر على ~~جعل النطفة المتشابهة الأجزاء إنسانا مختلف الأبعاض والأعضاء، مودعا فيه ~~الفهم والعقل وسائر أسباب المزية والفضل، فهو على إعادتها أقدر. # ومنهم من ذكر شبهة وهي كقولهم: إن الإنسان بعد العدم لم يبق شيئا فكيف ms3920 ~~يصح إعادة المعدوم عقلا؟ أو كقولهم: إن الذي تفرقت أجزاؤه في أبدان السباع ~~وجدران الرباع كيف يجمع ويعاد؟ أو كقولهم إن إنسانا إذا نشأ مغتذيا بلحم ~~إنسان آخر فلا بد أن لا يبقى للآكل وللمأكول جزء يمكن إعادته. فأجاب الله ~~تعالى عن الأول بقوله يحييها الذي أنشأها أول مرة يعني كما خلق الإنسان ولم ~~يكن شيئا مذكورا فإنه يعيده وإن لم يكن شيئا. وعن الباقيتين بقوله وهو بكل ~~خلق عليم فيجمع الأجزاء المتفرقة في البقاع والسباع وهكذا # PageV05P547 # يعلم الأصلي من الفضلي فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل والمأكول. ثم شبه خلق ~~الإنسان بل الحيوان من قبل إيداع الحرارة الغريزية التي بها قوام الحياة في ~~جوهر رطب طري بإنشاء الشجر الأخضر الذي تنقدح منه النار. قالت العرب: في كل ~~شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر واستغزر يقطع الرجل منهما غصنين ~~مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ- وهو ذكر على ~~العفار- وهي أنثى- فتنقدح النار بإذن الله عز وجل. # وعن ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب قالوا: ولذلك يتخذ ~~منه كذينقات القصارين. قلت: ويشبه أن يكون كل شجرة في غاية الصلابة هكذا ~~إلا أن يكون له سبب خاص به كما يروى أنه معجزة لموسى عليه السلام فإنه قد ~~رأى النار فيها فلا ينبغي لغيره أن يراها. ثم أكد قدرته الكاملة على خلق ~~الإنسان إبداء وإعادة بتذكر خلق السموات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس. ~~ثم أثبت ما نفاه مستفهما للتقرير بقوله بلى وهو الخلاق الكثير الخلق الكامل ~~فيه العليم بكل جوهر وعرض وما يطلق عليه اسم الشيئية. ثم بين أن إيجاده ليس ~~متوقفا إلا على تعلق الإرادة بالمقدور وقد مر تقريره في أوائل «البقرة» ~~وغيرها. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن المعدوم شيء. وأجيب بأن ~~الآية دلت على أنه حين تعلق الإرادة به شيء، أما إنه قبل ذلك شيء فكلا. ثم ~~ختم السورة بتقرير المبدأ والمعاد على الإجمال. فقوله بيده ملكوت كل شيء ~~إشارة إلى المبدأ. # وقوله ms3921 وإليه ترجعون إشارة إلى المعاد وإذا تقرر الطرفان فما بينهما الوسط ~~المشتمل على التكاليف والرسالة، فهذه الآية كالنتيجة للمقدمات السابقة في ~~السورة. عن ابن عباس: # كنت لا أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت بذلك فإذا أنه لهذه ~~الآية. # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ان لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس» «1» # فذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر وأنه ~~مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فلذلك سماها قلب القرآن. وقال غيره: إن ~~الأصول الثلاثة التي يتعلق بها نصيب الجنان وهي التوحيد والرسالة والحشر ~~مكررة في هذه السورة. وليس فيها شيء من بيان وظيفة اللسان ولا العمل ~~بالأركان. فلما كان أعمال القلب لا غير سماه قلبا، ولهذا ورد في الأخبار ~~أنه ينبغي أن تقرأ على الميت حالة النزع وذلك ليزداد بها قوة قلبه، فإن ~~الأعضاء الظاهرة وقتئذ ساقطة المنة، والقلب مقبل على الله معرض عما سواه ~~ولنا فيه وجه هو بالتأويل أشبه فلنذكره هناك. PageV05P548 ### | التأويل: # اتقوا ما بين أيديكم من الدنيا وشهواتها وما خلفكم من نعيم الجنة ولذاتها ~~لعلكم ترحمون بمشاهدة الجمال وأنوار الكمال ونفخ في الصور إشارة إلى نفخ ~~إسرافيل المحبة في صور القلب، فإذا السر والروح والخفي من أجداث أوصاف ~~البشرية إلى ربهم ينسلون يرجعون بعضها بالسير وبعضها بالطيران إن أصحاب ~~الجنة اليوم في شغل شغلهم الله بالمفاكهة عن المشاهدة كما قال بعض الصوفية: ~~والناس يخرجون من مسجد الجامع هؤلاء حشو الجنة. وللمجالسة أقوام آخرون وهم ~~الفارغون من الالتفات إلى الكونين. قال الله تعالى فإذا فرغت [الشرح: 7] أي ~~من تعلقات الكونين فانصب [الشرح: 7] لطلب الوصال. ويحكى أن الآية قرئت في ~~مجلس الشبلي رضي الله عنه فشهق شهقة وغاب، فلما أفاق قال: مساكين لو علموا ~~أنهم عم شغلوا لهلكوا. ويحتمل أن يقال: # إنهم اليوم أي في الدنيا في شغل بأنواع الطاعات والعبادات من طلب الحق ~~والشوق إلى لقائه كما يحكى عن يحيى بن معاذ أنه قال: رأيت رب العزة في ~~منامي فقال ms3922 لي: ابن معاذ، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني. ~~ويمكن أن يقال: إنهم اليوم في الدنيا في شغل بالطاعات والرضا بما قسم الله ~~عن طلب اللذات والفوائد وارتكاب المحرمات والزوائد. أو يقال: إنه خطاب ~~للعصاة فإن أهل الله هم المستغرقون في بحار عظمة الله، وأهل الجنة مشتغلون ~~باستيفاء اللذات وليس للعصاة إلا رحمتي وكرمي كما قال يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [الزمر: 53] وتشهد أرجلهم # في بعض الاخبار المروية أن عبدا لتشهد عليه أعضاؤه بالذلة فتتطاير شعرة ~~من جفن عينه فتستأذن بالشهادة له فيقول الحق تعالى: تكلمي يا شعرة جفن عين ~~عبدي واحتجي عن عبدي. فتشهد له بالبكاء من خوفه فيغفر له وينادي مناد: هذا ~~عتيق الله بشعرة. # ومن نعمره ننكسه إن السالك إذا عمر صار في آخر الأمر إلى الفناء في الله ~~حتى لا يبقى منه ما يستند الفعل إليه. وفي قوله وما علمناه الشعر إشارة إلى ~~أن العلوم والصنائع كلها من الله تعالى وبتعليمه وإلهامه. من الشجر الأخضر ~~وهو شجرة البشرية نار المحبة توقدون مصباح قلوبكم. وإنما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن قلب القرآن يس» # لأن ذكره صلى الله عليه وسلم رمز إليه في أول السورة وفي آخرها. أما ~~الأول فقد مر في تفسير لفظ يس وأما الثاني فلأن قوله فسبحان إلى آخره يدل ~~على المبدأ والمعاد تصريحا، وعلى الرسالة ضمنا، ولا ريب أن القلب خلاصة كل ~~ذي قلب، وإنه صلى الله عليه وسلم كان خلاصة المخلوقات وكان خلقه القرآن ~~الذي نزل على قلبه، وكأن فاتحة السورة وخاتمتها مبنية على ذكره منبئة عن ~~سره كالقلب في جوف صاحبه فلأجل هذه المناسبات أطلق على يس أنه قلب القرآن ~~والله ورسوله أعلم بأسرار كلامه. # PageV05P549 ### | (سورة والصافات) # (مكية حروفها ثلاثة آلاف وثمانمائة وستة وعشرون كلمها ثمانمائة وستون ~~آياتها مائة واثنان وثمانون) ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 82] # بسم الله الرحمن الرحيم # والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد ~~(4) # رب السماوات ms3923 والأرض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا ~~بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ~~ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) # إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10) فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من ~~خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا ~~يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) # وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي ~~زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) # وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~(21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤلون (24) # ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا ~~مؤمنين (29) # وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا ~~إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) # إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أإنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم ~~لذائقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) # إلا عباد الله المخلصين (40) أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون ~~(42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) # يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا ~~هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) # فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (50) قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) ~~يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون ~~(53) قال هل أنتم مطلعون (54) # فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ~~ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين (59) # إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون (61) أذلك ms3924 خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم (64) # طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ~~ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (68) إنهم ~~ألفوا آباءهم ضالين (69) # فهم على آثارهم يهرعون (70) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (71) ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله ~~المخلصين (74) # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ~~وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في ~~العالمين (79) # إنا كذلك نجزي المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا ~~الآخرين (82) # PageV05P550 ### | القراآت: # والصافات صفا وما بعدهما مدغما: حمزة وأبو عمرو غير عباس بزينة منونا: ~~حمزة وعاصم غير المفضل الكواكب بالنصب: أبو بكر وحماد. الباقون: بالجر لا ~~يسمعون بتشديد السين والميم وأصله «يتسمعون» : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير ~~أبي بكر وحماد. الآخرون: بسكون السين وتخفيف الميم. بل عجبت بالضم: حمزة ~~وعلي وخلف. الآخرون: بالفتح على الخطاب آيذا بالمد والياء إنا بهمزة واحدة ~~مكسورة: يزيد وقالون وزيد. الباقون: مثل التي في «الرعد» وأما الثانية فمثل ~~التي في «الرعد» أوآباؤنا مثل أوأمن أهل القرى [الأعراف: 98] وكذلك في ~~«الواقعة» لا تناصرون بالتشديد البزي وابن فليح أإنا أإنك أإفكا مثل أإنكم ~~في «الأنعام» ينزفون بضم الياء وكسر الزاي: حمزة وعلي وخلف والمفضل. ~~الآخرون: بفتح الزاي لترديني بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس ~~في الوصل. ### | الوقوف: # صفا ه لا زجرا ه لا لواحد ه ط المشارق ه ط الكواكب ه لا مارد ه ج لاحتمال ~~ما بعده الوصف والاستئناف قاله السجاوندي. وعليه بحث # PageV05P551 # يجيء في التفسير واصب ه لا ثاقب ه ج خلقنا ط لازب ه ويسخرون ه ص لا ~~يذكرون ه ص يستسخرون ه ص مبين ه ج لمبعوثون ه لا الأولون ه ط داخرون ه ~~ينظرون ه الدين ه تكذبون ه يعبدون ه لا الجحيم ه مسؤلون ه لا لأن المسئول ~~عنه قوله ما لكم لا ms3925 تناصرون ه مستسلمون ه يتساءلون ه اليمين ه مؤمنين ه ج ~~سلطان ج للعدول مع اتفاق الجملتين طاغين ه لذائقون ه غاوين ه مشتركون ه ~~بالمجرمين ه يستكبرون ه مجنون ه ط المرسلين ه الأليم ه ج تعملون ه لا ~~المخلصين ه معلوم ه فواكه ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف مكرمون ه لا ~~النعيم ه لا متقابلين ج معين ه لا للشاربين ه ج لأن ما بعده يصلح وصفا ~~واستئنافا ينزفون ه عين ط مكنون ج يتساءلون ه قرين ه المصدقين ه لمدينون ه ~~مطلعون ه الجحيم ه لتردين ه المحضرين ه بميتين ه لا بمعذبين ه العظيم ه ~~العاملون ه الزقوم ه للظالمين ه الجحيم ه لا لأن ما بعده صفة لشجرة ~~الشياطين ه البطون ه لا لأن «ثم» لترتيب الأخبار حميم ه الجحيم ه ج ضالين ه ~~لا للعطف مع اتصال المعنى يهرعون ه الأولين ه منذرين ه المنذرين ه لا ~~المخلصين ه المجيبون ه ز العظيم ه ز الباقين ه ز في الآخرين ه لا لأن ما ~~بعده مفعول تركنا على سبيل الحكاية العالمين ه المحسنين ه المؤمنين ه ~~الآخرين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بدأ في أول هذه السورة بالتوحيد كما ختم السورة المتقدمة بذكر ~~المعاد وأقسم على المطلوب بثلاثة أشياء، أما الحكمة في القسم فكما مر في ~~أول سورة يس، وأما الإقسام بغير الله وصفاته فلا نسلم أنه لا يجوز لله ~~سبحانه، أو هو على عادة العرب، أو المراد تعظيم هذه الأشياء وتشريفها، أو ~~المراد رب هذه الأشياء فحذف المضاف. قال الواحدي: إدغام التاء في الصاد حسن ~~وكذا التاء في الزاي وفي الذال لتقارب مخارجها، ألا ترى أن التاء والصاد ~~هما من طرف اللسان وأصول الثنايا ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على ~~المدغم في الإطباق والصفير وإدغام الأنقص في الأزيد حسن؟ وأيضا الزاي ~~مجهورة وفيها زيادة صفير. ثم المقسم بها في الآيات إما أن تكون صفات ثلاثا ~~لموصوف واحد أو صفات لموصوفات متباينة. وأما التقدير ms3926 الأول ففيه وجوه ~~الأول: أنها صفة الملائكة لأنهم صفوف في السماء كصفوف المصلين في الأرض، أو ~~أنهم يصفون أجنحتهم في الهواء واقفين منتظرين لأمر الله تعالى. والصف ترتيب ~~الشيء على # PageV05P552 # نسق. الفاعل صاف، والجماعة صافة، والصافات جمع الجمع ولولا ذلك لقيل ~~والصافين. # قال الحكيم: يشبه أن يكون معنى كونهم صفوفا أن لكل منهم مرتبة معينة في ~~الشرف أو بالغلبة. والزجر سوق السحاب. قال ابن عباس: يعني الملائكة ~~الموكلين بالسحاب. وقال آخرون: أراد زجرهم الناس عن المعاصي بالخواطر ~~والإلهامات، أو بدفع تعرض الشياطين عن بني آدم. والتاليات الذين يتلون كتاب ~~الله على الأنبياء. والحاصل أن كونهم صافين إشارة إلى استكمال جواهر ~~الملائكة في ذواتها أعني وقوفهم في مواقف العبودية والطاعة، وكونهم زاجرين ~~إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي من جواهر الأرواح البشرية، ~~وكونهم تالين إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية والأنوار ~~الإلهية على الأرواح الإنسانية. الوجه الثاني أنها صفات النفوس الإنسانية ~~المقبلة على عبودية الله وعبادته وهم ملائكة الأرض، أقسم بنفوس المصلين ~~بالجماعات الزاجرين أنفسهم عن الشهوات أو عن إلقاء وساوس الشيطان في قلوبهم ~~أثناء الصلوات بتقديم الاستعاذة أو برفع الأصوات، التالين للقرآن في الصلاة ~~وغيرها. أو أقسم بنفوس العلماء الصافات لأجل الدعوة إلى دين الله الزاجرات ~~عن الشبهات والمنهيات بالمواعظ والنصائح الدارسات شرائع الله وكتبه لوجه ~~الله، أو أقسم بنفوس المجاهدين في سبيل الله كقوله إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا # [الصف: 3] والزجرة والصيحة سواء. والمراد رفع الصوت بزجر الخيل. وأما ~~التاليات فذلك أنهم يشتغلون وقت المحاربة بقراءة القرآن وذكر الله. # يحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يخرج من الصف وسيفه ينطف ~~دما فإذا رقى ربوة يأتي بالخطبة الغراء. # الوجه الثالث أنها صفات آيات القرآن وذلك أنها أنواع مختلفة بعضها دلائل ~~التوحيد، وبعضها دلائل العلم والقدرة، وبعضها دلائل النبوة، وبعضها دلائل ~~المعاد، وبعضها بيان التكاليف والأحكام، وبعضها تعليم الأخلاق الفاضلة، ~~وكلها مترتبة ترتيبا لا يتغير ولا يتبدل فكأنها ms3927 أجرام واقفة في صفوف معينة، ~~ولا ريب أنها تزجر المكلفين عن المناهي والمنكرات. وأما نسبة التلاوة إليهن ~~فمجاز كما يقال: شعر شاعر. والفاء في هذه الوجوه لترتب الصفات في الفضل ~~فالفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة أو بالعكس فلكل وجه. ويحتمل وإن لم يذكره ~~جار الله أن تكون لترتيب معانيها في الوجود كقوله: # الصابح فالغانم فالآيب كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. مثاله المصلون يقفون ~~أولا صفوفا ثم يزجرون الوساوس عنهم بالاستعاذة ثم يشتغلون بالقراءة. # PageV05P553 # وأما التقدير الثاني وهو أن يكون المراد بهذه الأمور الثلاثة موصوفات ~~متغايرة فالصافات الطير من قوله والطير صافات [النور: 41] والزاجرات كل ما ~~زجر عن معاصي الله، والتاليات كل من تلا كتاب الله. أو الصافات طائفة من ~~الملائكة أو من الأشخاص الإنسانية، وكل من الزاجرات والتاليات طائفة أخرى. ~~وقيل: الصافات العالم الجسماني المنضود كرة فوق كرة من الأرض إلى الفلك ~~الأعظم، والزاجرات الأرواح المدبرة للأجسام بالتحريك والتصريف، والتاليات ~~الأرواح المستغرقة في بحار معرفة الله تعالى والثناء عليه. والفاء على هذه ~~المعاني لترتب الموصوفات في الفضل. ثم إنه سبحانه لم يقتصر في إثبات ~~التوحيد على الحلف ولكنه عقبه بالدليل الباهر فقال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما ورب المشارق فلكل كوكب مشرق ومغرب بل للشمس ولسائر السيارات ~~وللثوابت في كل يوم مشرق آخر بحسب تباعدها عن منطقة المعدل وتقاربها منها. # وإنما اقتصر على ذكر المشارق لشرفها ولدلالتها على البغارب كقوله سرابيل ~~تقيكم الحر [النحل: 81] . ثم بين أنه جعل الكواكب بحيث يشاهدها الناس من ~~السماء الدنيا وهي تأنيث الأدنى لمنفعتين: الأولى تحصيل الزينة، والثانية ~~الحفظ من الشيطان. والزينة مصدر كالنسبة أو اسم لما يزان به الشيء كالليقة ~~لما تلاق به الدواة. ثم قرأ بالإضافة فلها وجوه: أن يكون مصدرا مضافا إلى ~~الفاعل أي بأن زانتها الكواكب وإلى المفعول أي بأن زان الله تعالى الكواكب ~~وحسنها في أنفسها، فإن النور والضوء أحسن الصفات وأكملها، وكذا أشكالها ~~المختلفة كشكل الثريا وبنات النعش والجوزاء وسائر الصور المتوهمة من الخطوط ~~التي تنظم طائفة ms3928 منها، وقد ترتقي إلى نيف وأربعين منها صور البروج الاثني ~~عشر. # وبالجملة إشراق الجواهر الزواهر وتلألؤها على بسيط أزرق بنظام مخصوص مما ~~يروق الناظر، ويجوز أن يقع الكواكب بيانا للزينة وهي اسم لأن الزينة مبهمة ~~في الكواكب وغيرها مما يزان به فيكون كخاتم فضة. ويجوز أن يراد بالزينة ما ~~زينت به الكواكب كما روي عن ابن عباس أنه فسر الزينة بالضوء. ومن قرأ ~~بتنوين بزينة وجر الكواكب فعلى الإبدال، ومن قرأ بتنوين بزينة ونصب الكواكب ~~فعلى أنه بدل من محل بزينة أو من السماء، أو على أن المراد بتزيينها ~~الكواكب كما في أحد وجوه الإضافة. قوله وحفظا فيه وجوه أحدها: أنه محمول ~~على المعنى والتقدير: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين. ~~وثانيها أن يقدر مثل الفعل المتقدم للتعليل كأنه قيل: وحفظا من كل شيطان ~~زيناها بالكواكب. وثالثها قال المبرد: إذا ذكرت فعلا ثم عطفت عليه مصدر فعل ~~آخر نصبت المصدر لأنه قد دل على فعله بما تقدم. تقول: افعل ذلك وكرامة أي ~~وأكرمك كرامة، وذلك لما علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال فالتقدير: ~~وحفظناها # PageV05P554 # حفظا. قال المفسرون: الشياطين كانوا يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا ~~كلام الملائكة وعرفوا به ما سيكون من الغيوب فأخبروا صنعاءهم، فجعل الله ~~الكواكب في زمن محمد صلى الله عليه وسلم بحيث تحرقهم وتحفظ أهل السماء من ~~إصغائهم. قال الحكيم: ليس المراد بالكواكب الحافظة أنفس الكواكب المركوزة ~~في الأفلاك وإلا لوقع نقصان ظاهر في أعدادها، بل المراد ما يضاهيها من ~~الشهب الحادثة عند كرة النار من الأبخرة المرتفعة، وقد مر تحقيق ذلك في أول ~~سورة الحجر. قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: إن الشياطين لهم حذق ~~كامل في استخراج الصنائع الدقيقة فإذا عرفوا هذه الحالة بالتجربة فلم لا ~~يمنعون منه. وأيضا إنهم مخلوقون من النار والنار كيف تؤثر في النار؟ وأيضا ~~مقر الملائكة السطح الظاهر من الفلك الأعلى وإنهم لا يصعدون إلا إلى قريب ~~من الفلك الأدنى فكيف يسمعون كلام الملائكة؟ والجواب ms3929 أنا لا نسلم حذقهم في ~~كل الأمور ولهذا جاء في وجوه تسخيرهم ما جاء على أن موضع الاستراق ~~والاحتراق غير متعين، ووقوع هذه الحالة أيضا كالنادر. # فلعل المسترق يكون غير واقف عليه، والنيران بعضها أقوى من البعض وليس ~~الشيطان نارا صرفا، ولكن الناري غالب عليه. ولا نسلم أن الملائكة لا ينزلون ~~إلى الفلك الأخير بإذن الله. والمارد الخارج من الطاعة وقد مر اشتقاقه في ~~قوله مردوا على النفاق. # والضمير في قوله لا يسمعون لكل شيطان لأنه في معنى الجمع. والتسمع تكلف ~~السماع سمع أو لم يسمع وقد ضمن معنى الإصغاء فلذلك عدي بإلى. وقيل: معنى ~~سمعت إليه صرفت إلى جهته سمعي. قال جار الله: هذه الجملة لا يصح أن تكون ~~صفة لأن الحفظ من شياطين غير سامعين أو مستمعين لا معنى له، ولا يصح أن ~~يكون استئنافا لأن سائلا لو سأل: لم يحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا ~~يسمعون. لم يستقم فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ به لاقتصاص حال المسترقة ~~للسمع. قلت: لو كان صفة باعتبار ما يؤول إليه حالهم جاز، وكذا إن كان ~~مستأنفا كأنه قيل: لم يحفظ فأجيب لأنهم يؤلون إلى كذا. ومن هنا زعم بعضهم ~~أن أصله لئلا يسمعوا لهم فحذفت اللام ثم «أن» وأهدر عملها كما في قول ~~القائل: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ورد عليه في الكشاف أن حذف اللام في قولك ~~«جئتك أن تكرمني» وحذف «أن» في قول الشاعر جائز، فأما اجتماعهما فمنكر من ~~المنكرات. قلت: إن القرآن حجة على غيره مع أن قول الشاعر أيضا لا يصح إلا ~~بتقدير اللام أو «من» مع «أن» . والملأ الأعلى الملائكة # PageV05P555 # لأنهم يسكنون السموات. وعن ابن عباس: أراد أشراف الملائكة. وعنه: الكتبة ~~من الملائكة. والقذف الرمي بحجر تقول: قذفته بحجر أي رميت إليه حجرا. وقوله ~~من كل جانب أي مرة من هذا الجانب ومرة من هذا الجانب. وقيل: من كل الجوانب. ~~دحورا أي طردا مع صغار مصدر من غير لفظ الفعل، لأن القذف والطرد متغايران ~~كأنه ms3930 قيل: # يقذفون قذفا أو يدحرون دحورا. ويجوز أن يكون مفعولا له أي لأجل الدحور أو ~~مصدرا في موضع الحال أي مدحورين كقوله مذموما مدحورا [الإسراء: 18] ولهم أي ~~للشياطين عذاب واصب دائم وقد مر في النحل في قوله وله الدين واصبا [النحل: # 52] يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب ولهم في الآخرة نوع من العذاب ~~غير منقطع إلا من خطف في محل الرفع بدلا من الواو في لا يسمعون أي لا يسمع ~~إلا الشيطان الذي اختلس الكلمة مسارقة. وقيل: وثب وثبة. وقيل: الاستثناء ~~منقطع خبره فأتبعه أي أتبعه ورمى في أثره شهاب ثاقب مضيء أو ماض فإذا قذفوا ~~احترقوا. وقيل: تصيبهم آفة فلا يعودون. وقيل: لا يقتلون بالشهب بل يحس بذلك ~~فلا يرجع ولهذا لا يمتنع غيره من ذلك. وقيل: يصيبهم مرة ويسلمون مرة فصاروا ~~في ذلك كراكبي السفينة للتجارة. وحين بين الوحدانية ودلائلها في أول هذه ~~السورة أراد أن يذكر ما يدل على الحشر والكلام فيه من طريقين: الأول أن ~~يقال: قدر على الأصعب فيقدر على الأسهل بالأولى، الثاني قدر في أول الأمر ~~فيقدر في الحالة الثانية. أما الطريق الأول فأشار إليه بقوله فاستفتهم أي ~~سل قومك أو صاحبهم وأراد بمن خلقنا ما ذكرنا من الملائكة والسموات والأرض ~~والمشارق والكواكب والشهب والشياطين، وغلب أولي العقل على غيرهم. وقيل: ~~أراد عادا وثمود ومن قبلهم من الأمم الخالية. والقول الأول أقوى بدليل فاء ~~التعقيب ولإطلاق قوله خلقنا اكتفاء ببيان ما تقدمه كأنه قال: خلقنا كذا ~~وكذا من عجائب الخلق، فاستخبرهم أهم أشد خلقا أم هذه الخلائق، ومن هان عليه ~~هذه كان خلق البشر بل إعادته عليه أهون. # وأما الطريق الثاني فإليه الإشارة بقوله إنا خلقناهم من طين لازب أي لازم ~~والباء بدل من الميم عند أكثرهم ولهذا قال ابن عباس: هو الملتصق من الطين ~~الحر. وقال مجاهد والضحاك: هو المنتن. ووجه الاستدلال أن هذا الجسم لو لم ~~يكن قابلا للحياة لم يقبلها من أول الأمر، وإذا قبلها أولا فلا يبقى ريب في ~~قبولها ms3931 ثانيا، وقادرية الله تعالى باقية على حالها فالإعادة أمر ممكن، وقد ~~أخبر الصادق عن وقوعها فيجب وقوعها. وفي هذا الطريق الثاني تقوية للطريق ~~الأول، فإن خلقهم من الطين شهادة عليهم بالضعف والرخاوة. ثم بين أنهم مع ~~قيام الحجج الضرورية عليهم مصرون على الإنكار فقال بل عجبت من قرأ بفتح ~~التاء فظاهر أي عجبت يا محمد من تكذيبهم وإنكارهم البعث وهم يسخرون من # PageV05P556 # تعجبك، أو عجبت من القرآن حين أعطيته ويسخر أهل الكفر منه. ومن قرأ بالضم ~~فأورد عليه أن التعجب على الله غير جائز لأنه روعة تعتري الشخص عند استعظام ~~الشيء. وقيل: # هذه حالة تحصل عند الجهل بصفة الشيء. وأجيب بأن معناه: قل يا محمد بل ~~عجبت. # سلمنا لكن العجب هو أن يرى الإنسان ما ينكره الكافر والإنكار من الله ~~تعالى غير منكر. # سلمنا لكن هذه الألفاظ في حقه تعالى محمولة على النهايات كالمكر ~~والاستهزاء والمعنى: # بلغ من عظم آياتي وكثرة خلائقي أني استعظمتها فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم ~~وعنادهم يسخرون منها، أو استعظمت إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ~~ممن يصف الله تعالى بالقدرة عليه نظيره الآية وإن تعجب فعجب قولهم [الرعد: ~~5] . عند من يرى أن العجب من الله. # وقد جاء في الحديث «يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة» . # وقال أيضا: «عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته» . # والأل التضرع. ثم حكى عنهم أنه كما أن دأبهم السخرية عند إيراد البراهين ~~فكذلك دأبهم أنهم إذا وعظوا لا يتعظون. # وإذا رأوا آية بينة كانشقاق القمر وغيره من المعجزات يستسخرون يبالغون في ~~السخرية أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها ونسبوا ما رأوه إلى السحر. ~~فالحاصل أنه لا تفيد معهم البراهين الضرورية ولا المقدمات الوعظية ولا ~~المعجزات الدالة على صدق إخبارك بالبعث. قوله أوآباؤنا من قرأ بسكون الواو ~~فمعطوف على محل اسم «أن» ، ومن قرأ بفتحها فعليه، أو على الضمير في ~~لمبعوثون وحسن الفصل بهمزة الاستفهام والمعنى: # أيبعث أيضا آباؤنا؟ يعنون أنهم أقدم فبعثهم أبعد. وعلى الأول أرادوا ~~إنكار ms3932 أن يبعث واحد منهم أو من آبائهم فأرغمهم الله سبحانه بقوله قل نعم ~~تبعثون وأنتم داخرون صاغرون أذلاء. وإذا كان كذلك فإنما هي أي البعثة أو هو ~~مبهم يوضحه خبره زجرة واحدة يعني صيحة النفخة الثانية فإذا هم ينظرون أراد ~~أنهم أحياء بصراء أو أراد أنهم ينظرون أمر الله فيهم. وقالوا يا ويلنا ~~الظاهر أن كلامهم يتم عند قوله تكذبون يقوله الكفرة فيما بينهم. وقيل: إن ~~كلامهم يتم عند قوله يا ويلنا ثم قال الله أو الملائكة هذا يوم الدين ~~الجزاء والحساب هذا يوم الفصل القضاء والفرق بين المحسن والمسيء احشروا ~~الذين ظلموا بالكفر أو بالفسق يعني رؤساءهم. وهذا الحشر بمعنى الجمع لأنه ~~بعد البعث أي اجمعوهم وأزواجهم أي أشكالهم الذين على دينهم وسيرتهم الزاني ~~مع الزاني، والسارق مع السارق، والشارب مع الشارب. وقيل: قرناءهم من ~~الشياطين. وقيل: نساءهم اللاتي على ملتهم. وما كانوا يعبدون من دون الله من ~~الأصنام فاهدوهم ادعوهم أو قدموهم والسابق يسمى الهادي أو دلوهم إلى صراط ~~الجحيم وسطها أو طريقها لأنه قال # PageV05P557 # بعد ذلك وقفوهم أي احبسوهم للسؤال كأنهم إذا انتهوا إلى الجحيم سئلوا ~~تهكما وتوبيخا بالعجز عن التناصر ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ~~قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. وحقيقته طلب كل منهم سلامة نفسه فقال المفسرون: ~~إن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر فيوبخ على ذلك يوم القيامة. ثم حكى ~~أنهم في جهنم يتساءلون تساؤل التخاصم وذلك أن اتباعهم قالوا لرؤسائهم إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين وفيه وجوه، الأول: أنها استعارة عن الخيرات ~~والسعادات وذلك أن الجانب الأيمن أشرف من الأيسر شرعا وعرفا. كان رسول الله ~~يحب التيامن في كل شيء ولهذا أمرت الشريعة بمباشرة أفاضل الأمور باليمين ~~وأراطلها بالشمال، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات والشمال لكاتب السيئات، ووعد ~~المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه والمسيء بالضد، وما جعلت يمنى إلا للتيمن بها ~~ولذلك تيمنوا بالسانح وتطيروا بالبارح. فقيل: أتاه عن اليمين أي من قبل ~~الخير وناحيته فصده عنه وأضله. قال ms3933 جار الله: من المجاز ما غلب عليه ~~الاستعمال حتى لحق بالحقيقة وهذا من ذاك لأن اليمين كالحقيقة في الخير. ثم ~~صار قولك «أتاه عن اليمين» مجازا في المعنى المذكور. الثاني: أن يقال: فلان ~~يمين فلان إذا كان عنده بمنزلة رفيعة فكأنهم قالوا: إنكم كنتم تخدعوننا ~~وتوهمون أننا عندكم بمحل رفيع فوثقنا بكم وقبلنا عنكم. الثالث: اليمين ~~الحلف، كان الكفار قد حلفوا لهؤلاء الضعفة أن ما يدعونهم إليه هو الحق ~~فوثقوا بأيمانهم وتمسكوا بعهودهم. الرابع: أن اليمين القوة والقهر فبها يقع ~~البطش غالبا أي كنتم تأتوننا عن القهر والغلبة حتى حملتمونا على الضلال. ~~وكما أن الضمير في قالوا الأول كان عائدا إلى الأتباع بقرينة الخطاب، ~~فالضمير في قالوا الثاني يعود إلى الرؤساء لمثل تلك القرينة. والمعنى بل ~~أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه كما أعرضنا. وما كان لنا عليكم من سلطان بل ~~كنتم قوما مختارين الطغيان وهذا مثل محاجة إبليس وما كان لي عليكم من سلطان ~~إلا أن دعوتكم فاستجبتم [إبراهيم: 22] فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون قال ~~مقاتل: # أراد قوله: لأملأن جهنم [الأعراف: 18] والمعنى أنه لما أخبر عن وقوعنا في ~~العذاب وكان خبر الله حقا فلا جرم وجب وقوعنا في العذاب. قال جار الله: لو ~~حكى الوعيد كما هو لقال «إنكم لذائقون» ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم ~~يتكلمون بذلك عن أنفسهم وكلا الاستعمالين شائع فأغويناكم إنا كنا غاوين أي ~~أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية كأنهم قالوا: إن ~~اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر لزم ~~التسلسل فعلمنا أن غوايتنا أيضا من الله كما مر في قوله فحق علينا قول ربنا ~~هذا تفسير أهل السنة. وأما المعتزلة فيفسرون الآيات هكذا قالوا: بل لم ~~تكونوا مؤمنين أي كنتم مختارين الكفر على الإيمان، وما سلبنا تمكنكم من ~~تسلط بل اخترتم أنتم الطغيان فحق # PageV05P558 # علينا وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة لعلمه بحالنا واستحقاقنا ~~بها العقوبة فأغويناكم فدعوناكم إلى الغي لأنا كنا غاوين ms3934 فأردنا إغواءكم ~~لتكونوا أمثالنا. وحين حكى كلام الأتباع والمتبوعين أنتج من ذلك قوله فإنهم ~~جميعا يومئذ أي يوم القيامة في العذاب مشتركون كما كانوا مشتركين في ~~الغواية. ولعل للمتبوعين عذابا زائدا للإغواء ولكن الزيادة لا تنافي ~~الاشتراك في أصل الشيء إنا كذلك أي مثل ذلك الفعل نفعل بكل مجرم أي كافر ~~بدليل قوله إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون يأبون من ~~قبوله، والجملة الشرطية خبر «كان» وهو مع الاسم والخبر خبر «إن» وإن ألغيت ~~«كان» فالخبر يستكبرون و «إذا» ظرفه. # ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون عنوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بين أنهم منكرون للتوحيد وللنبوة جميعا فرد عليهم بقوله بل جاء متلبسا ~~بالحق وصدق المرسلين وفيه تنبيه على أن التوحيد دين كل الأنبياء ثم صدقهم ~~في قولهم فحق علينا قول ربنا ونقل الكلام من الغيبة إلى الحضور للمبالغة ~~قائلا إنكم لذائقوا العذاب الأليم ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بالرحيم ~~الكريم المتعالي عن النفع والضر أن يعذب عبيده فقال وما تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون فالحكمة اقتضت الأمر بالخير والطاعة، والنهي عن القبيح والمعصية، ~~والأمر والنهي لا يكمل المقصود بهما إلا بالترغيب والترهيب، وإذا وقع ~~الإخبار عنه وجب تحققه صونا للكلام عن الكذب هذا بتفسير المعتزلة أشبه. ~~والسني يقول: لا اعتراض عليه في شيء ولا يسأل عما يفعل. قال جار الله إلا ~~عباد الله استثناء منقطع أي لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق قلت: ~~يجوز أن يكون الاستثناء متصلا والمعنى: وما تجزون إلا ما كنتم تعملون من ~~غير زيادة إلا المخلصين فإن جزاءهم بالأضعاف. ويحتمل أن يكون الخطاب في ~~قوله إنكم للمكلفين جميعا فيصح الاستثناء المتصل مطلقا أي تذوقون العذاب ~~الأليم. قوله معلوم قيل: أي معلوم الوقت كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ~~[مريم: 62] وقيل: معلوم الصفة لكونه مخصوصا بخصائص خلق عليها من طيب طعم ~~ورائحة ولذة وحسن منظر. وقيل: معلوم القدر على حسب استحقاقهم. وقيل: أراد ~~أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق ms3935 الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى يقطع. ثم ~~فسر ذلك الرزق بأنه فواكه فقيل: إن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا ~~لأجل الحاجة، وأرزاق أهل الجنة كلها كذلك لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة ~~بالأقوات فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد فلذلك سمي رزقهم فاكهة. وقيل: ~~أراد به التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإذا كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان ~~الطعام أولى بالحضور. # PageV05P559 # وحيث بين الأكل ذكر أن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال وهم مكرمون إذ ~~الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم. وحين ذكر مأكولهم وصف مسكنهم وهيئة ~~جلوسهم فقال في جنات النعيم على سرر متقابلين وقد مر في «الحجر» . ثم وصف ~~مشروبهم. قال أهل اللغة: لا يسمى الإناء كأسا إلا إذا كان فيها خمر، وقد ~~تسمى الخمر نفسها كأسا. عن الأخفش: # كل كأس في القرآن فهي الخمر وكذا في تفسير ابن عباس. والمعين النهر ~~الجاري على وجه الأرض وأصله معيون لأنه الظاهر للعيون أو من عين الماء. وقد ~~يقال: عان الماء يعين إذا ظهر جاريا قاله ثعلب. # وقيل: «فعيل» من المعن وهو المنقعة أو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في ~~السير أي بالغ فيه. واشتد وصف الخمر بما يوصف به الماء لأنها تجري في الجنة ~~في أنهار كما يجري الماء. وبيضاء صفة للكأس: قال الحسن: خمر الجنة أشد ~~بياضا من اللبن. ولذة إما مصدر وصف بها للمبالغة كأنها نفس اللذة، أوصي ~~تأنيث. اللذ واللذ اللذيذ واحد كالطب والطبيب ثم بين أن خمر الجنة لا تغتال ~~العقول. يقال: غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده، وفيه تعريض بخمر الدنيا ~~ولهذا قدم الظرف وبنى الكلام على الاسم في قوله ولا هم عنها ينزفون أي ~~يسكرون. وخص هذا الوصف بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر. يقال: نزف ~~الشارب على البناء للمفعول إذا ذهب عقله. والتركيب يدور على الفناء والنفاد ~~ومنه نزحت الركية حتى نزفتها إذا لم تترك فيها ماء. وأنزف مثله ومعناه صار ~~ذا نزف. وعن بعضهم أن معنى قوله ولا هم عنها ms3936 ينزفون هو أن الشراب لا ينقطع ~~عنهم لئلا يلزم نوع من التكرار. # والأولون حملوه على المبالغة. ثم وصف منكوحهم بقوله وعندهم قاصرات الطرف ~~أي حابساتها عن غير أزواجهن كقوله عربا [الواقعة: 37] والعين جمع العيناء ~~مؤنث الأعين وهو كبير العين. ثم شبههن ببيض النعام المكنون في وكناتها، ~~وذلك لأن فيها بياضا يشوبه قليل من الصفرة، وإذا كانت مستورة في أماكنها ~~كانت مصونة عن الغبرة والتغير فكانت في غاية الحسن، وبها تشبه العرب النساء ~~وتسميهن بيضات الخدور. ثم عطف على قوله يطاف قوله فأقبل وهو مضارع في ~~المعنى إلا أنه على عادة الله تعالى في الأخبار. # ولعل هذا التذاكر عقيب إطافة الكأس فلهذا جيء بالفاء بخلاف ما مر في ~~تخاصم أهل النار. # والمراد أنهم يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة أهل المنادمة والعشرة. ~~قال بعضهم: # وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام # PageV05P560 # وقد حكى من جملة مكالماتهم تذكرهم أنه كان قد حصل لهم في الدنيا ما يوجب ~~لهم الوقوع في عذاب الله، ثم إنهم تخلصوا عنه وفازوا بالنعيم المقيم وهذا ~~ابتداء الحكاية قال قائل منهم أي من أهل الجنة إني كان لي قرين جليس أو ~~شريك في الدنيا يقول أإنك لمن المصدقين أي بيوم الدين أإنا لمدينون لمجزيون ~~من دان يدين إذا جزى. وقيل: # لمسوسون مقهورون من دانه إذا ساسه ومنه # الحديث «الكيس من دان نفسه» # وعن بعضهم: # أراد بالمتحادثين الرجلين المذكورين في الكهف في قوله واضرب لهم مثلا ~~رجلين [الآية: 32] قال يعني ذلك القائل أو الله أو بعض الملائكة هل أنتم ~~مطلعون إلى النار أي هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم منها. عن ابن ~~عباس: إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار فاطلع على أهل النار فرأى ~~قرينه في سواء الجحيم وسطها قال لقرينه تالله إن كدت لتردين «إن» مخففة ~~واللام فارقة. والإرداء الإهلاك، وبخه على أنه كان يدعوه في الدنيا إلى ~~إنكار البعث المتضمن للكفر المؤدي إلى الهلاك الحقيقي. # والخطاب مع القرين إما أن يكون بحيث ms3937 يسمعه حقيقة وذلك لرفع الحجاب وتقريب ~~المسافة أو كما أراد الله بقدرته، وإما أن يخاطبه وإن لم يمكنه السماع ~~لبعده كما يخاطب الموتى ومن في حكمهم، نظيره ما مر في قصة صالح فتولى عنهم ~~وقال يا قوم لقد أبلغتكم [الأعراف: 79] إلى آخر الآية والله أعلم. ثم شكر ~~الله تعالى على أن وفقه لنعمة الإسلام وأرشده إلى الحق وعصمه عن الباطل ~~فقال ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين في النار مثلك أطلق إطلاقا لأن ~~الإحضار يستعمل في الشر غالبا ولا سيما في اصطلاح القرآن. # وحين تمم كلامه مع الرجل الذي كان قرينا له في الدنيا وهو الآن من أهل ~~النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة قائلا أفما نحن بميتين وفيه ~~قولان أحدهما: إن أهل الجنة لا يعلمون في أول دخولهم الجنة أنهم لا يموتون ~~فيستفهمون عن ذلك فيما بينهم، أو يسألون الملائكة فإذا جيء بالموت على صورة ~~كبش أملح وذبح فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون والتقدير: نحن مخلدون منعمون ~~فما من شأننا أن نموت ولا أن نعذب. وثانيهما أن هذا مما يقوله المؤمن تحدثا ~~بنعمة الله سبحانه واغتباطا بحاله، فإن الذي يتكامل خيره وسعادته إذا عظم ~~تعجبه بها قد يقول. أفيدوم هذا لي؟ وإن كان على يقين من دوامه. وأيضا إنه ~~قال ذلك بمسمع من قرينه ليكون توبيخا له وليحكيه الله فيكون لنا لطفا ~~وزجرا. احتج نفاة عذاب القبر بقوله إلا موتتنا الأولى فإنه يدل على أن ~~الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ولو حصلت الحياة في القبر لكان الموت حاصلا ~~مرتين. وأجيب بأن المراد بالموتة الأولى كل ما يقع في الدنيا. وقوله إن هذا ~~لهو الفوز العظيم يجوز أن يكون من تمام كلامه لقرينه تقريعا له وتوبيخا وأن ~~يكون من قول أهل الجنة فيما بينهم أي إن هذا الأمر # PageV05P561 # الذي نحن فيه أو هو قول الله تصديقا لهم، وكذا قوله لمثل هذا فليعمل ~~العاملون ولا خلاف أن قول ذلك خير من كلام الله عز وجل كأنه لما ms3938 تمم قصة ~~المؤمن رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فاستفهم للتقرير أن ذلك الرزق خير نزلا ~~أم شجرة الزقوم قال جار الله: # أصل النزل الفضل والريع في الطعام يقال: طعام كثير النزل. فاستعير للحاصل ~~من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل تلك الشجرة الألم ~~والغم. ويمكن أن يقال: النزل ما يقدم للضيف، ومعلوم أنه لا خير في شجرة ~~الزقوم ولكنهم وبخوا على ذلك. وظاهر القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم ~~والرائحة مؤلمة التناول صعبة الابتلاع إلا أن المفسرين اختلفوا في ماهيتها، ~~فذكر قطرب أنها شجرة مرة تكون بتهامة. وقال غيره: # إنها ليس لها في الدنيا وجود بدليل قوله إنا جعلناها فتنة للظالمين وذلك ~~أنها خلاف المألوف والمعتاد فإذا ورد على سمع المؤمن فوض علمه إلى الله ~~تعالى وإذا ورد على الزنديق توسل به إلى الطعن في القرآن ويزيد في شبهته ~~كقوله فزادتهم رجسا إلى رجسهم [التوبة: 125] وقيل: إنما كانت فتنة لهم ~~لأنهم إذا كلفوا تناولها شق ذلك عليهم فهو كقوله: يوم هم على النار يفتنون ~~[الذاريات: 13] وذكر المفسرون أن ابن الزبعري قال لصناديد قريش إن محمدا ~~يخوفنا بالزقوم وإن الزقوم بلسان بربر وإفريقية الزبد والتمر. # وذكروا أيضا أن أبا جهل أدخلهم بيته وقال: يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد ~~والتمر فقال: # تزقموا فهذا الذي يوعدكم محمد به فأنزل الله صفة الزقوم. # وذكر بقية أوصاف الشجرة منها إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم أي منبتها في ~~قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. وفيه تكذيب للطاعنين فيه كيف يكون في ~~النار شجرة والنار تحرق الشجر. ومنها طلعها كأنه رؤس الشياطين قال جار ~~الله: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة ~~لفظية وذلك أن يكون وجه الاستعارة مجرد الطلوع أي الظهور، أو معنوية وذلك ~~إذا كان يشبه الطلع شكلا ولونا. وفي تشبيه ثمرتها برؤوس الشياطين أقوال ~~أحدها وهو الأقوى: أنه تمثيل وتخييل وذلك أن الشيطان مثل في القبح ونفرة ~~الطباع عنه كما أن الملك مثل في الحسن وميل ms3939 النفوس إليه، وإذا كان الشيطان ~~كله مستقبحا فرأسه كذلك، وتشبيه الثمرة برأسه أولى للاستدارة وللتوسط في ~~الجحيم. الثاني أن الشيطان هاهنا نوع من الحيات تعرفها العرب، خفاف لها ~~أعراف ورؤوس قباح. الثالث أنه شجر معروف عند العرب قبيح الأعالي يسمى ~~الأستن وثمره يسمى رؤوس الشياطين. الرابع قال مقاتل: رؤوس الشياطين حجارة ~~سود تكون حول مكة. ولعل هذا بل الثالث والثاني أيضا يعود إلى الأول إلا أنه ~~بعد التسمية كأنه صار أصلا يشبه به. ثم # PageV05P562 # علل جعل الشجرة فتنة للظالمين بقوله فإنهم لآكلون منها أي من طلعها ~~فمالؤن منها البطون أي بطونهم إما لأن شدة الجوع تحملهم على تناول ذلك ~~الشيء الكريه، وإما لأن الزبانية يقسرونهم على أكلها ليكون بابا من العذاب، ~~فإذا شبعوا غلبهم العطش أو أخذتهم الغصة فيسقون من حميم وهو الماء الشديد ~~الحرارة، وقد وصفه الله سبحانه في قوله وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ~~يشوي الوجوه [الكهف: 29] والشوب المزج كما قال في صفة شراب أهل الجنة ~~ومزاجه من تسنيم [المطففين: 27] وهو تسمية بالمصدر والمراد أن الطعام مزج ~~بالحميم أو يسقون صديدا أو شرابا حارا ممزوجا بما هو أحر وهو الحميم. # ومعنى «ثم» التراخي في الزمان كأنهم لا يسقون إلا بعد مدة مديدة تكميلا ~~للتعذيب، أو التراخي بالرتبة لأن الشراب أبشع من الطعام بكثير. قال مقاتل: ~~معنى «ثم» في قوله ثم إن مرجعهم أنهم يخرجون من الجحيم ودركاتها إلى موضع ~~فيه الزقوم والحميم، وبعد الأكل والشرب يردون إلى موضعهم أي من الجحيم ~~فكأنهم في وقت الأكل والشرب لا يعذبون بالنار. وقيل: هو كقولهم «فلان يرجع ~~إلى مال ونعمة» أي هو فيها. وقيل: «ثم» لتراخي الأخبار أي فقد صح أن مرجع ~~الكفار إلى النار. وقيل: «ثم» مع الجملة قد تدل على التقديم أي قبل ذلك كان ~~مرجعهم إلى الجحيم. ثم بين أن سبب وقوعهم في أصناف العذاب المذكور هو ~~التقليد. والإهراع الإسراع الشديد كأنهم يساقون سوقا ولو لم يوجد في ذم ~~التقليد إلا هذه الآية لكفى. ثم أراد تسلية النبي ms3940 صلى الله عليه وسلم ~~إجمالا بقوله ولقد ضل قبلهم أي قبل قومك أكثر الأولين ثم استثنى من قوله ~~ولقد ضل أو من المنذرين المهلكين عباده المخلصين فإن عاقبتهم كانت حميدة. ~~ثم سلاه بوقائع الأمم الخالية تفصيلا. وقدم قصة نوح عليه السلام لكونه أبا ~~ثانيا ونداؤه في قوله رب انصرني بما كذبون [المؤمنون: # 26] أو قوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [نوح: 26] واللام ~~الداخلة على فلنعم جواب قسم محذوف أو للابتداء، والمخصوص بالمدح وهو نحن ~~محذوف، والجمع لتصوير العظمة والكبرياء، وفيه وفي فاء التعقيب في فلنعم ~~دليل على أن نداء العظيم الكبير حقيق بأن يكون مقرونا بإجابة. والكرب ~~العظيم ما هو فيه من مخاوف الطوفان أو من إيذاء قومه مع اليأس من إيمانهم ~~وهذا أقرب. وفي قوله هم الباقين بصيغة الحصر دلالة على أن كل من سواه وسوى ~~ذريته فقد فنوا. روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير ذريته وهم سام ~~وحام ويافث. فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان شرقا وغربا، ~~ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وتركنا عليه في المتأخرين من الأمم ~~هذه الكلمة وهي سلام على نوح ومعنى في العالمين أن هذه التحية ثبتها الله ~~فيهم فيسلم الثقلان عليه إلى يوم القيامة. ثم بين أن سبب هذه التشريفات هو ~~كونه محسنا وهذا جزاء # PageV05P563 # كل محسن. ثم بين أن إحسانه كان مسبوقا بإيمانه فعلى كل مؤمن أن يجتهد حتى ~~يصير محسنا. وحين تمم ما آل إليه أمر نوح وذريته ذكر عاقبة سائر قومه فقال ~~ثم أغرقنا الآخرين أعاذنا الله من الإغراق والإحراق وجعل فلكنا فلك نوح ~~وسفرنا متضمنا للنصر والفتوح. ### | التأويل: # والصافات إشارة إلى ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجساد في أربعة صفوف: ~~الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع لأهل الكفر ~~فالزاجرات هي الإلهامات الربانية للعوام عن المناهي، وللخواص عن رؤية ~~الأعمال، وللأخص عن الالتفات إلى غير الله فالتاليات ذكرا هم الذين يذكرون ~~الله في الخلوات بخلوص النيات. رب سموات القلوب ms3941 وأرض النفوس وما بينهما من ~~صفاتهما ورب مشارق القلوب يطلع منها شموس الشواهد وأقمار الطوالع ونجوم ~~اللوامع. السماء الدنيا هي الرأس، وكواكبها الحواس، والشهب هي الخواطر ~~الرحمانية تدفع بها الوساوس الشيطانية طين لازب أي لاصق بكل ما يصادفه فقوم ~~لصقوا بالدنيا وقوم لصقوا بالآخرة وقوم لصقوا بنفحات ألطاف الحق، فأذابتهم ~~وجذبتهم عن أنانيتهم بهويتها كما تذيب الشمس الثلج وتجذبه عنه: وقفوهم إنهم ~~مسؤلون للسالك في كل مقام وقفة تناسب ذلك المقام وهو مسؤول عن أداء حقوق ~~ذلك المقام. فقوم يسألهم الملك وقوم يسألهم الملك، والأولون أقوام لهم ~~أعمال صالحة تصلح للعرض والكشف. والآخرون قسمان: قوم لهم أعمال يسترها الحق ~~عن اطلاع الخلق عليهم في الدنيا والآخرة كما # قال «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري» # وقوم لهم ذنوب لا يطلع عليها إلا الله فيسترها عليهم كما # جاء ذكره في الحديث «إن الله يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كتفه ~~يستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب. ثم ~~يقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أي عبدي تعرف ذنب ~~كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه ورأى نفسه أنه قد هلك ~~قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته» ~~«1» # إلا موتتنا الأولى وهي الموتة الإرادية عن الصفات النفسانية وبعد ذلك لا ~~موت، بل ينتقل من دار إلى دار. لمثل هذا فليعمل العاملون بل لمثل هذه ~~الأمور تبذل الأرواح وتفدى الأشباح كما قيل: (شعر) PageV05P564 # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن بات من ليلى على اليأس والصد # ثم أخبر بعد قصة الأولياء عن قصة الأعداء بقوله أذلك خير نزلا أم شجرة ~~الزقوم وفي قوله كأنه رؤس الشياطين دليل على أن أفعالهم كانت في قبح صفات ~~الشياطين فكانت مكافأتهم من جنس صورة الشياطين سلام على نوح في العالمين ~~انه تعالى سلم على نوح الروح لأنه يحتاج إلى سلام الله ليعبر على الصراط ~~المستقيم ms3942 الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف، ولهذا يكون دعوة الرسل حينئذ ~~رب «سلم سلم» . وإنما اختصوا بالصراط والعبور عليه ليؤدوا الأمانة التي ~~حملوها إلى أهلها وهو الله سبحانه وتعالى. ### | [سورة الصافات (37) : الآيات 83 الى 182] # وإن من شيعته لإبراهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون (85) أإفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب ~~العالمين (87) # فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) ~~فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) ما لكم لا تنطقون (92) # فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما ~~تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في ~~الجحيم (97) # فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين (98) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~(99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم (101) فلما بلغ معه ~~السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) # فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت ~~الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) ~~وفديناه بذبح عظيم (107) # وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين ~~(110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين (112) # وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد ~~مننا على موسى وهارون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ~~ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) # وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام ~~على موسى وهارون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا ~~المؤمنين (122) # وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا ~~وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم الأولين (126) فكذبوه ~~فإنهم لمحضرون (127) # إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ~~ياسين (130) إنا كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132) # وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في ~~الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) # وبالليل أفلا ms3943 تعقلون (138) وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) # فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) ~~فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون (147) # فآمنوا فمتعناهم إلى حين (148) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) ~~أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ~~ولد الله وإنهم لكاذبون (152) # أصطفى البنات على البنين (153) ما لكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون ~~(155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان ~~الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160) فإنكم وما تعبدون (161) ~~ما أنتم عليه بفاتنين (162) # إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن ~~الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) # لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا ~~به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم ~~المنصورون (172) # وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف ~~يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح ~~المنذرين (177) # وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين (182) # PageV05P565 ### | القراآت: # يزفون بضم الياء وكسر الزاي: حمزة. الباقون: بفتح الياء إني أرى أني ~~أذبحك بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. وترى بضم التاء ~~وكسر الراء: علي وخلف وحمزة. ستجدني بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وإن ~~إلياس موصولا كهمزة الوصل: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بكسر ~~الهمزة الله ربكم ورب بالنصب في ثلاثتها على البدل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد والمفضل. الباقون: برفعها على الابتداء ~~والخبر. آل ياسين ابن عامر ونافع ورويس. الآخرون إلياسين كأنه جمع إلياس ~~لكاذبون أصطفى موصولا والابتداء بكسر الهمزة: يزيد وإسماعيل والأصبهاني عن ~~ورش الباقون: بفتحها في الحالين. ### | الوقوف: # لإبراهيم ه ط لأن ms3944 التقدير «واذكر» . وجوز في الكشاف أن يتعلق الظرف بما ~~في الشيعة من معنى المتابعة فلا وقف سليم ه تعبدون ه ج للابتداء بالاستفهام # PageV05P566 # مع اتحاد المقول تريدون ه ط لاستفهام آخر العالمين ه في النجوم ه لا ~~للفاء واتحاد المعنى سقيم ه مدبرين ه تأكلون ه ج للاستفهام مع الاتحاد كما ~~مر لا تنطقون ه باليمين ه يزفون ه تنحتون ه لا لأن الواو للحال تعملون ه في ~~الجحيم ه الأسفلين ه سيهدين ه الصالحين ه حليم ه ماذا ترى ط ما تؤمر ز ~~للسين مع اتصال المقول الصابرين ه للجبين ه ج لاحتمال أن الواو مقحمة ~~وناديناه جواب «لما» ، ولاحتمال أن الجواب محذوف أي قبلنا منه وناديناه يا ~~إبراهيم ه لا الرؤيا ج لاحتمال أن ما بعده داخل في حكم النداء أو مستأنف ~~المحسنين ه المبين ه عظيم ه في الآخرين ه لا إبراهيم ه المحسنين ه المؤمنين ~~ه الصالحين ه إسحاق ط مبين ه وهارون ه ج للآية مع العطف العظيم ه ج لذلك ~~الغالبين ه لا المستبين ه ج المستقيم ه ج في الآخرين ه لا وهارون ه ~~المحسنين ه المؤمنين ه المرسلين ه لا وجه صحيح وإن لم يكن مقصودا فلهذا لم ~~يكن الوقف لازما. تتقون ه الخالقين ه لا لمن قرأ الله بالنصب الأولين ه ~~لمحضرون ه المخلصين ه في الآخرين ه لا الياسين ه المحسنين ه المؤمنين ه ~~المرسلين ه أجمعين ه لا الغابرين ه الآخرين # ه مصبحين # ه لا وبالليل # ط تعقلون # ه المرسلين # ه لا المشحون # ه لا المدحضين # ه ج لحق المحذوف مع الفاء مليم ه من المسبحين ه لا يبعثون ه سقيم ه ج ~~يقطين ه ج أو يزيدون ه ط إلى حين ه ط البنون ه ط شاهدون ه ليقولون ه لا ولد ~~الله لا تعجيلا لتكذيبهم لكاذبون ه البنين ه ط لابتداء استفهام آخر تحكمون ~~ه تذكرون ه ج لأن «أم» تصلح استئنافا مبين ه لا لتعجيل أمر ms3945 التعجيز صادقين # ه نسبا ط لمحضرون ه لا لتعلق الاستثناء وسبحان الله معترض يصفون ه ~~المخلصين ه تعبدون ه لا بفاتنين ه لا الجحيم ه معلوم ه الصافون ه ج للعطف ~~مع الاتفاق المسبحون ه ج ليقولون ه لا من الأولين ه لا المخلصين ه يعلمون ه ~~المرسلين ه لأن ما بعده يصلح ابتداء مقولا للكلمة المنصورون ه ص لعطف ~~الجملتين المتفقتين غالبون # ه حين ه لا للعطف ولشدة اتصال المعنى يبصرون ه يستعجلون ه المنذرين ه حين ~~ه لا يبصرون ه عما يصفون ه ج لعطف جملتين مختلفتين المرسلين ه ج للابتداء ~~بالحمد الذي به يبتدأ الكلام وإليه ينتهي مع اتفاق الجملتين العالمين ه. ### | التفسير: # الضمير في شيعته يعود إلى نوح والمراد أن إبراهيم ممن شايع نوحا على # PageV05P567 # أصول الدين أو على التصلب في الدين. وقال الكلبي: واختاره الفراء إنه ~~يعود إلى محمد أي هو على منهاجه ودينه وإن كان إبراهيم سابقا والأول أظهر ~~لتقدم ذكر نوح. ولما روي عن ابن عباس معناه من أهل دينه وعلى سنته وما كان ~~بين نوح وإبراهيم إلا نبيان: هود وصالح، وبين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة ~~وأربعون سنة. ومعنى جاء ربه أقبل بقلبه على الله وأخلص العمل له. والقلب ~~السليم قد مر في «الشعراء» . ثم ذكر من جملة آثار سلامة قلبه أن دعا أباه ~~وقومه إلى التوحيد. ومعنى ماذا تعبدون أي شيء تعبدونه كقوله في «الشعراء» ~~ما تعبدون [الآية: 70] سألهم عن جنس معبوديهم ثم وبخهم على ذلك بقوله أإفكا ~~هو مفعول له قدم للعناية كما قدم المفعول به على الفعل لذلك فإنه كان الأهم ~~عنده أن يكافحهم ويعنفهم على شركهم وأنهم على إفك وباطل. ويجوز أن يكون ~~إفكا حالا معنى أو مفعولا به وآلهة بدل منه على أنها إفك في أنفسها. فما ~~ظنكم برب العالمين حتى جعلتم الجمادات أندادا له أو حسبتم أنه يهمل أمركم ~~ولا يعاقبكم، وفيه أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدر عن عبادته. وفي قوله ~~إني سقيم ms3946 قولان: # الأول أنه صدر منه كذبا لمصلحة رأى فيه، ولما # جاء في الحديث «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» : قوله: «إني سقيم وقوله ~~بل فعله كبيرهم وقوله لسارة إنها أختي» «1» # وقد سبق تقرير ذلك في الأنبياء. الثاني وهو الأقوى أنه كلام صادق لأن ~~الكذب قبيح وإن اشتمل على مصلحة. وأما الحديث فنسبة الراوي إلى الكذب أولى ~~من نسبة نبي الله إلى ذلك. وفي التوجيه وجوه: الأول: إن النظر في النجوم ~~يريد به النظر في علم النجوم وأحكامها وكتبها وذلك ليس بحرام ولا سيما في ~~ذلك الشرع فليس فيه إلا اعتقاد أنه تعالى خص كل واحد من الكواكب بقوة ~~وخاصية يظهر بها منه أثر مخصوص، والإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول ~~حالة مكروهة له، إما في بدنه أو في قلبه، فلعل به سقما كالحمى الثابتة، أو ~~أراد سيسقم لأمارة نجومية، أو أراد به الموت الذي يلحقه لا محالة ولاداء ~~أعي منه. الثاني: أن المراد بالنجوم ما جاء في قوله فلما جن عليه الليل رأى ~~كوكبا إلى آخر الآية. أي نظر فيها ليعرف أحوالها وأنها قديمة أو محدثة. ~~وقوله إني سقيم أي سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ، أو سقيم ~~النفس لكفركم. الثالث: إن النجوم النبات أي فنظر فيها متحريا منها ما فيه ~~شفاء لسقمهم وهمهم أن به ذلك وكان به. وقال الأزهري عن أحمد بن يحيى: ~~النجوم جمع نجم وهو كل ما تفرق ومنه نجوم الكتابة أي نظر في متفرقات ~~PageV05P568 # كلامهم وأحوالهم حتى يستخرج منه حيلة فلم يجد عذرا أحسن من قوله إني سقيم ~~قال المفسرون: كان الطاعون أغلب الأسقام عليهم فظنوا أن به ذلك فتركوه في ~~بيت الأصنام مخافة العدوى وهربوا إلى عيدهم وذلك قوله سبحانه فتولوا عنه ~~مدبرين فراغ إلى آلهتهم ذهب إليها في خفية حتى لا يرى فكأنه رجع إليها ~~مراوغا قومه من روغان الثعلب. وقيل: # راغ بقوله إني سقيم حتى خلا بها وسماها آلهة على زعمهم. وقوله ألا تأكلون ~~ما لكم لا ms3947 تنطقون استهزاء بها وكان عندها طعام زعموا أنها تأكل منه. وقيل: ~~وضع الطعام ليبارك فيه. # وروى أن سدنتها كانوا يأكلون ما يوضع عندها من الطعام وينطقون عند الضعفة ~~عن لسانها يوهمون أنها تأكل وتنطق. # وإنما جاء في هذه السورة فقال ألا تأكلون بالفاء وفي «الذاريات» قال ألا ~~تأكلون بغير الفاء لأنه قصد من أول الأمر تقريع من زعم أنها تأكل وتشرب، ~~وفي «الذاريات» يستأنف تقديره: قربه إليهم فلم يأكلوها فلما رآهم لا يأكلون ~~فقال ألا تأكلون. # فراغ عليهم عداه بعلى لأن الميل الأول كان على سبيل الرفق استهزاء، وهذا ~~كان بطريق العنف والقهر وهذا كمال يقال في المحبوب: مال إليه. وفي المكروه: ~~مال عليه. وقوله ضربا مصدر راغ من غير لفظه أو لفعل محذوف أو حال أي يضرب ~~ضربا أو ضاربا. # ومعنى باليمين أي باليد اليمنى لأنها أقوى على الأعمال أو بالقوة مجازا، ~~أو بسبب الحلف وهو قوله تالله لأكيدن أصنامكم فأقبلوا إليه أي إلى إبراهيم ~~يزفون يمشون على سرعة. وزفيف النعامة ابتداء عدوها. ومن قرأ بضم الياء فإما ~~لازم من أزف إذا صار إلى حال الزفيف، أو متعد والمفعول محذوف أي يزفون ~~دوابهم أو بعضهم بعضا وقد مر نظيره في التوبة في قوله ولأوضعوا خلالكم ~~[التوبة: 47] قال بعض الطاعنين، قوله فأقبلوا إليه دل على أنهم عرفوا كاسر ~~أصنامهم. وقوله في «الأنبياء» أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم [الآية: ~~62] دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض. وأجيب بأن هؤلاء غير ~~أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه. # على أن قوله فأقبلوا إليه لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو ~~إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر. وحين عاتبوه على فعله ~~أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم ف قال أتعبدون ما تنحتون وذلك أن الناحت لم ~~يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبودا لي صار ~~بسبب تصرفي فيه معبودا لي وفساد هذا معلوم بالبديهة، احتج جمهور ms3948 الأشاعرة ~~بقوله والله خلقكم وما تعملون على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى ~~خلقكم وأعمالكم. وزيف بأن «ما» موصولة لتناسب قرينتها في قوله ما # PageV05P569 # تنحتون # وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. والصحيح أن الآية ~~كقوله بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن [الأنبياء: 56] أي فطر ~~الأصنام. # ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة ~~الإيذاء وقالوا ابنوا له بنيانا قال ابن عباس: بنوا حائطا من حجارة طوله في ~~السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون. وتقدير الآية: ابنوا له بنيانا واملؤه ~~نارا وألقوه فيها. والجحيم النار العظيمة. ومعنى الفاء في قوله فأرادوا ~~كقوله أهلكناها فجاءها بأسنا [الأعراف: 4] كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ~~نارا وألقوه فيها فنجيناه منها. وقد صح أنهم أرادوا به كيدا فجعلناهم ~~الأسفلين الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو ~~العاطفة. وإنما اختصت هذه السورة بقوله الأسفلين لأنه ذكر أنهم بنوا بنيانا ~~عاليا فكان ذكر السفل في طباقه أنسب. ثم ذكر بقية قصة إبراهيم وقوله إني ~~ذاهب إلى ربي كقوله في «العنكبوت» إني مهاجر إلى ربي [الآية: 26] وإنما حكم ~~بقوله سيهدين ربي إلى ما فيه صلاحي في الدارين اعتمادا على فضل الله أو عرف ~~ذلك بالوحي. وحين هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال رب هب لي من ~~الصالحين والله تعالى بين استجابته بقوله فبشرناه بغلام حليم وصف الغلام ~~بالعلم في سورة الحجر وبالحلم هاهنا. فذهب العلماء إلى أنه أراد بغلام عليم ~~في صغره حليم في كبره، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ومن هنا انطوت البشارة على ~~معان ثلاثة: أحدها أن الولد ذكر، والثاني أنه يبلغ أوان الحلم، والثالث أنه ~~يكون حليما، وأي حلم أعظم من استمساكه حين عرض أبوه عليه الذبح فقال ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين وفيه أن ولده قائم مقامه في الشرف والفضيلة فوصفه ~~بالحلم كما وصف به إبراهيم في قوله إن إبراهيم لحليم أواه منيب [هود: 75] . ~~وقيل: العليم إسحق لقوله فأقبلت امرأته في صرة ms3949 [الذاريات: 29] والحليم ~~إسماعيل. ثم حكى حديث ذبحه قائلا فلما بلغ معه السعي أي قوي على أن يمشي مع ~~أبيه في حوائجه. والظرف بيان كأنه قال أولا فلما بلغ السعي فقيل: مع من؟ ~~فأجيب مع أبيه. ولا يجوز تعلقه بالسعي لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه ولا ~~بقوله بلغ لأنهما لم يبلغا معا حد السعي- والمعنى في اختصاص الأب إخراج ~~الكلام مخرج الأغلب. وقال جار الله: السبب فيه أن الأب أرفق الناس به ~~وأعطفهم عليه وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم ~~قوته. يروى أنه كان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وقيل أراد السعي في المنافع ~~وفي طاعة الله. # اعلم أن الناس اختلفوا في الذبيح، فعن أبي بكر الصديق وابن عباس وابن عمر ~~ومحمد بن كعب وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والضحاك أنه إسماعيل # لقوله صلى الله عليه وسلم «أنا # PageV05P570 # ابن الذبيحين» # فأحدهما جده إسماعيل والآخر أبوه عبد الله. وذلك أن عبد المطلب نذر إن ~~بلغ بنوه عشرة أن يذبح واحدا منهم تقربا، فلما كملوا عشرة أتى بهم البيت ~~وضرب عليهم بالقداح فخرج قدح عبد الله فمنعه أخواله ففداه بعشرة من الإبل، ~~ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرة أخرى، وضرب مرة أخرى فخرج ~~قدحه وهكذا يزيد عشرة عشرة إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزر فنحرها ~~وسن الدية مائة. # وفي رواية أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم «يا ابن الذبيحين» . ~~فتبسم فسأل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل ~~الله له أمرها ليذبحن أحد ولده. فخرج السهم على عبد الله فمنعوه ففداه ~~بمائة من الإبل. # حجة أخرى: نقل عن الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ~~فقال: يا أصمعي أين عقلك؟ ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل وهو الذي ~~بنى البيت مع أبيه وسن النحر بمكة. وحجة أخرى: وصف إسماعيل بالصبر في قوله ~~وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين [الأنبياء: ms3950 85] وهو صبره على ~~الذبح في قوله ستجدني إن شاء الله من الصابرين ووصفه بصدق الوعد إنه كان ~~صادق الوعد [مريم: 54] وذلك أنه وعد أباه الصبر على قضاء الله أو على الذبح ~~فوفى به. أخرى: ومن وراء إسحاق يعقوب [مريم: 54] فيمن قرأ بالنصب لأنه إذا ~~بشر بالولد من صلبه علم أنه لم يؤمر بذبحه. أخرى: أجمعوا على أن إسماعيل ~~مقدم في الوجود على إسحق فهو المراد بقوله رب هب لي من الصالحين ثم إنه ذكر ~~عقيبة قصة الذبح. وأيضا قوله وبشرناه بإسحاق يجب أن يكون غير قوله فبشرناه ~~بغلام حليم وإلا لزم التكرار. حجة أخرى: # ان قرني الكبش كانا ميراثا لولد إسماعيل عن أبيهم وكانا معلقين بالكعبة ~~إلى أن احترق البيت في أيام ابن الزبير والحجاج. وعن علي وابن مسعود وكعب ~~الأحبار وإليه ذهب أهل الكتاب أن الذبيح إسحق لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي النسب أشرف؟ فقال: يوسف صديق ~~الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله. # وأجابوا عن قوله: وبشرناه بإسحاق أنه بشر بغلام أولا ثم بنبوته ثانيا. ~~وأيضا صرح بالمبشر به في قوله فبشرناها بإسحاق [هود: 71] وفي قوله وبشرناه ~~بإسحاق فيحمل عليه المبهم في قوله فبشرناه بغلام وأيضا لا نسلم أن البشارة ~~بيعقوب كانت متصلة ببشارة إسحق اعتبارا بقراءة من قرأ يعقوب [هود: 17] ~~بالرفع. وأيضا أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله إني ذاهب إلى ربي هو ~~مهاجرته إلى الشام ثم قال فبشرناه بغلام فوجب أن يكون الغلام الحليم قد حصل ~~له في الشام وذلك الغلام لم يكن إلا إسحق، لأن إسماعيل قد نشأ بمكة. وكان ~~الزجاج يقول: الله أعلم أيهما الذبيح. ويتفرع على اختلاف المفسرين في ~~الذبيح اختلافهم في موضع الذبح، فالذين قالوا إن الذبيح إسماعيل ذهبوا إلى ~~أن الذبح كان # PageV05P571 # بمنى وهذا أقوى، والذين قالوا إنه إسحق قالوا إن الذبح كان بالشام وخصه ~~بعضهم يبيت المقدس. إذا عرفت هذا الاختلاف فقوله يا بني إني أرى في المنام ms3951 ~~إنما قال بلفظ المستقبل لأنه كان يرى في منامه ثلاث ليال أو لأن رؤيا ~~الأنبياء وحي ثان فذكر تأويل الرؤيا كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب ~~سفينة: رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة فكأنه قال: إني أرى في المنام ~~ما يوجب أني أذبحك. ويحتمل أن يكون حكاية ما رآه. قال بعض المفسرين: رأى ~~ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فأصبح يروي ~~في ذلك أمن الله أو من الشيطان فسمي يوم التروية. فلما أمسى رأى مثل ذلك ~~فعرف أنه من الله فسمي عرفة، ثم رأى مثله في الثالثة فهم بنحره فسمي يوم ~~النحر. وقال بعضهم: حين بشره الملائكة بغلام حليم قال هو إذن ذبيح الله، ~~فلما ولد وبلغ حد السعي مع أبيه قيل له: # أوف بنذرك فانظر ماذا ترى هو من الرأي. ومن قرأه من الإراءة فالمعنى ماذا ~~تبصر من رأيك وتدبيرك. وإنما شاوره في حتم من الله ليثبته إن جزع ويفرح ~~بصبره إن ثبت ولئلا يقع الذبح معافصة من غير إعلام به وبسببه، وليكون سنة ~~في المشاورة فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في الأكل من الشجرة لما فرط منه ~~ذلك قال يا أبت افعل ما تؤمر أي به فحذف الجار كقوله: أمرتك الخير. أي ~~أمرتك بالخير أو أمرك على تسمية المأمور به بالمصدر ثم إضافته إلى المفعول: ~~فلما أسلما أي انقادا وخضعا لأمر الله. قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا ~~نفسه. وتله أي صرعه. واللام في للجبين كهي في قوله ويخرون للأذقان ~~[الإسراء: 109] والجبين أحد جانبي الجبهة. وقيل: كبه لوجهه لأن الولد قال ~~له اذبحني وأنا ساجد. # يروى أنه حين أراد ذبحه قال: يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى الشعب ~~ونحتطب، فلما توسطا الشعب أخبره بما أمر فقال له: اشدد به رباطي لئلا أضطرب ~~واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، ~~واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي ليكون أهون فإن الموت شديد، ms3952 واقرأ على ~~أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسهل. ~~فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. ثم أقبل عليه يقبله وقد ~~ربطه وهما يبكيان فقال له: كبني على وجهي ولا تنظر إلي حتى لا تدركك رقة ~~تحول بينك وبين أمر الله. # قال جار الله: تقدير الكلام فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به العيان ولا يحيط به البيان ~~من استئثارهما بما أنعم الله عليهما من دفع البلاء وبما اكتسبا في تضاعيف ~~ذلك من الثواب والثناء، وقد أشير إلى جميع ذلك بقوله إنا كذلك نجزي ~~المحسنين إن هذا الأمر الذي قد وقع لهو البلاء المبين الذي يتميز فيه ~~المخلص عن المدعى والمكروه الذي لا أصعب على النفس منه. # يروى أنه لما وصل موضع السجود منه # PageV05P572 # الأرض جاء الفرج. # وقيل: إنه وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ونودي يا إبراهيم قد صدقت ~~الرؤيا. فنظر فإذا جبرائيل عليه السلام معه كبش أقرن أملح فكبر جبرائيل ~~والكبش وإبراهيم وابنه وأتى المنحر من منى فذبحه # وذلك قوله سبحانه وفديناه بذبح عظيم والفداء جعل الشيء مكان غيره لدفع ~~الضرر عنه. والذبح اسم لما يذبح كالطحن لما يطحن. وقوله عظيم أي سمين ضخم ~~الجثة بالقياس إلى أمثاله وهي السنة في الأضاحي. # قال صلى الله عليه وسلم «استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم» . # والاستشراف جعلها شريفة وكريمة. وعن سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما ~~وقد رعى في الجنة أربعين خريفا. وفي قول ابن عباس: إنه الكبش الذي قربه ~~هابيل فقبل منه وكان يرعى في الجنة إلى أن فدى به إسماعيل. وقيل: سمي عظيما ~~لعظم قدره حيث قبله الله تعالى فداء عن ولد خليله. وقيل: وصفه بالعظم لبقاء ~~أثره إلى يوم القيامة فإنه ما من سنة إلا ويذبح بسبب ذلك من الأنعام ما لا ~~يحصيه إلا الله. وعن الحسن. أنه وعل أهبط عليه من ثبير. وقال ms3953 السدي: # نودي إبراهيم فالتفت فإذا هو بكبش أملح ينحط من الجبل فقام عند إبراهيم ~~عليه السلام فذبحه وخلى ابنه. # استدل بعض الأصوليين من أهل السنة بالآية على جواز نسخ الحكم قبل حضور ~~وقته. وقالت المعتزلة. وكثير من فقهاء الشافعية والحنفية بعدم الجواز ~~لاستلزامه البداء أو الجهل، وزعموا أنه تعالى أمر إبراهيم في المنام ~~بمقدمات الذبح كاضجاع ابنه ووضع السكين على حلقه، والعزم الصحيح على ~~الإتيان بذلك الفعل أوان ورود الأمر. سلمنا أنه أمر بنفس الذبح لكن لم يجوز ~~أنه قطع الحلقوم إلا أنه كان يلتئم جزءا فجزءا فلهذا قيل له قد صدقت ~~الرؤيا. والفداء فضل من الله في حقه وتعظيم له بدلا من عدم وقوع الذبح في ~~الظاهر ولهذا قال وفديناه. بإسناد الفداء إلى ذاته تعالى. والحق أن نسخ ~~الحكم قبل وقته لا يدل على البداء والعبث كما أنه بعد الوقت لا يدل على ذلك ~~فقد يكون غرض الآمر أن يعلم أن المأمور هل يعزم على الفعل ويوطن نفسه على ~~الانقياد والطاعة أم لا. وتصديق الرؤيا يكفي فيه الإتيان بمثل هيئة الذبح، ~~فمن الرؤيا ما يكون تأويلها بالشبيه كرؤيا يوسف، والفداء زيادة تشريف ~~وتكريم ووضع سنة مؤكدة. # وروي أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه ~~فبقيت سنة في الرمي. # وروي أنه لما ذبحه قال جبرائيل: الله أكبر الله أكبر. فقال الولد الذبيح: ~~لا إله إلا الله والله أكبر. فقال إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد. فبقي ~~سنة. # قوله وتركنا إلى قوله المؤمنين قد مر نظيره في قصة نوح إلا أنه لم يقل ~~هاهنا في العالمين اكتفاء بما علم في قصة نوح. ولم يقل هاهنا إنا # PageV05P573 # كذلك # بل اقتصر على كذلك لأنه سبق ذكر التأكيد في هذه القصة فلم يحتج إلى ~~إعادته على أنه قد بقي من القصة شيء فناسب الاختصار في الاعتراض. قوله ~~وبشرناه بإسحاق من جعل الذبيح إسماعيل قال: وبشرناه بإسحاق بعد إسماعيل. ~~ومن جعل الذبيح إسحق قال بشر بنبوته وقد كان بشر بمولده. قوله ms3954 نبيا من ~~الصالحين كل منهما حال مقدرة من الفاعل أي بشرناه به مقدرا وعالما وحاكما ~~بأنه نبي صالح. وقد أطنب صاحب الكشاف في هذا المقام حيث بنى الكلام على أنه ~~حال مقدرة من إسحق. وهو عندي تطويل بلا طائل فليتأمل. وباركنا عليه قيل: أي ~~على الغلام المبشر به. وقيل: على إبراهيم: وعلى إسحاق أي أفضنا عليهما ~~بركات الدين والدنيا. ومن جملة ذلك ما # روي أنه أخرج من صلب إسحق ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى # وهم المشار إليهم بقوله ومن ذريتهما محسن ويعلم من قوله وظالم لنفسه أن ~~البر قد يلد الفاجر ولا عار على الأب، وأن الشرف بالحسب لا بالنسب. وأما ~~قصة موسى فلا خفاء بها. والكرب العظيم تسلط فرعون وجفاؤه على قومه. وقيل: ~~الغرق. والضمير في نصرناهم لهما ولقومهما. والمستبين البليغ في بيانه وهو ~~التوراة بان وأبان واستبان بمعنى إلا أن الثالث أبلغ. والصراط المستقيم دين ~~الله الذي اشترك في أصوله جميع الرسل. وأما إلياس فالجمهور على أنه نبي من ~~بني إسرائيل بعث بعد موسى وكان من ولد هارون. وقيل: # هو إدريس النبي وقد مر ذكره في سورة مريم. و «إذا» ظرف 3 لمحذوف أي اذكر ~~يا محمد لقومك إذ قال لقومه ألا تتقون الله. قال الكلبي: أي ألا تخافون ~~عبادة غير الله. وحين خوفهم مجملا ذكر سببه فقال أتدعون أي أتعبدون بعلا ~~وهو اسم صنم من ذهب كان ببعلبك من بلاد الشام طوله عشرون ذراعا وله أربعة ~~أوجه فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياءه، فكان ~~الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها ~~الناس. قال الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه: # لو جوزنا دخول الشيطان في جوف الصنم وتكلمه فيه لكان قادحا في كثير من ~~المعجزات كحنين الجذع وكلام الجمل. قلت: هذا الوهم زائل بعد ثبوت النبوة ~~بمعجزات أخر. # وقيل: البعل الرب بلغة اليمن. والمعنى أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة ~~أحسن الخالقين. ثم بين جزاء تكذيبهم أنهم محضرون في العذاب ms3955 غدا. وباقي ~~القصة ظاهر إلا قوله إلياسين فمن قرأ بالإضافة فعلى أن إدريس بن ياسين أي ~~سلام على أهل ياسين. وقيل: # آل ياسين آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يس اسم القرآن فكأنه قيل: ~~سلام على من آمن بكتاب الله. # والوجه الأول هو أنسب الأقوال. ومن قرأ على صورة الجمع فقد قال الفراء: ~~أراد به إلياس # PageV05P574 # وأتباعه من المؤمنين كقولهم المهلبون والأشعرون بتخفيف ياء النسبة. وقيل: ~~إنه لغة في إلياس. قال الزجاج: يقال ميكائيل وميكائين فكذا هاهنا. حكى ~~الثعلبي وغيره أن إلياس نبي من سبط هارون بعثه الله إلى بني إسرائيل وكان ~~فيهم ملك يقال له «أحب» وله امرأة يقال لها «إزبيل» وكانت تبرز للناس كما ~~يبرز زوجها وتجلس للحكم كما يجلس، فأتاهما إلياس ودعاهما إلى الله تعالى ~~فأبيا عليه وهما بقتله فاختفى منهما سبع سنين، وكان اليسع خليفته وآل أمره ~~إلى أن أوحي إليه أن اخرج إلى موضع كذا فما جاءك فاركبه ولا تخف. فجاء فرس ~~من نار فوثب عليه وناداه خليفته اليسع بن أخطوب ما تأمرني؟ فرمى إلياس إليه ~~بكسائه من الجو وكان ذلك عليه علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل. ورفع ~~الله إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش فكان ~~إنسيا ملكيا أرضيا سماويا. # وقيل: إلياس موكل بالفيافي كما وكل الخضر بالبحار، وهما آخر من يموت من ~~بني آدم. # وكان الحسن يقول: قد هلك إلياس والخضر ولا نقول كما يقول الناس. وقصة لوط ~~مذكورة مرارا. ومعنى مصبحين وبالليل # أن مشركي العرب كانوا مسافرين إلى الشام فلعل أكثر مرورهم بتلك الديار ~~كان في هذين الوقتين لأمر عارض كحر أو غيره. وقصة يونس أيضا مما سبق ذكرها، ~~وفيها مزيد تسلية وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم. قال بعضهم: إنه أرسله ~~ملك زمانه إلى أولئك القوم ليدعوهم إلى الله تعالى. فالإباق وهو هرب العبد ~~من سيده لا يوجب العصيان، والأظهر أن قوله وإن يونس لمن المرسلين # مذكور في معرض التعظيم على قياس أوائل سائر القصص، ms3956 ولن يفيد هذه الفائدة ~~إلا إذا كان الإرسال من الله تعالى. وأما الجواب عن إباقه فقد مر في قوله ~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا [الأنبياء: 87] قوله المشحون # كالعلة لقوله فساهم # والمساهمة المقارعة. يقال: أسهم القوم إذا اقترعوا. # قال المبرد: هي من السهام التي تجال للقرعة، والمدحض المغلوب في الحجة ~~وغيرها وحقيقته الذي أزلق عن مقام الظفر والغلبة. يروى أنه حين غضب على ~~قومه خرج من بينهم حتى أتى بحر الروم ووجد سفينة مشحونة فحملوه فيها، فلما ~~وصلت إلى لجة البحر أشرفت على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصيا وإلا لم ~~يحصل في السفينة ما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر. وقد يزعم أهل البحر أن ~~السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري فاقترعوا فخرج من بينهم يونس. فقال ~~التجار: نحن أولى بالمعصية من نبي الله. ثم عادوا ثانيا وثالثا فخرج سهمه ~~فقال: يا هؤلاء أنا العاصي ورمى بنفسه إلى الماء. فالتقمه الحوت أي ابتلعه ~~كاللقمة وهو مليم داخل في الملامة ومنه المثل: رب لائم مليم. أي يلوم غيره ~~وهو أحق منه باللوم فلولا أنه كان من المسبحين قيل: أي من المصلين. قيل: أي ~~من المصلين. # عن قتادة: كان كثير الصلاة في الرخاء. وقيل: من الذاكرين الله كثيرا ~~بالتسبيح والتقديس # PageV05P575 # كما قيل: اذكر الله في الخلوات يذكرك في الفلوات. والأظهر أن المراد منه ~~ما حكى الله تعالى في آية أخرى أنه كان يقول في تلك الظلمات لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين [الأنبياء: 87] . # والضمير في يبعثون للخلائق بالقرينة وقوله للبث فيه أقوال: أحدها: يبقى ~~هو والحوت إلى يوم البعث. والثاني يموت الحوت ويبقى هو في بطنه. والثالث ~~يموتان ثم يحشر يونس من بطنه. واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فعن ~~الحسن أنه لم يلبث إلا قليلا. وقيل: ثلاثة أيام. وعن عطاء: سبعة. وعن ~~الضحاك: عشرون. وقال الكلبي: # أربعون. # روي أن الحوت سار مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح ولم ~~يفارقهم حتى انتهوا إلى البر ms3957 فلفظه بالعراء وهو المكان الخالي لا شجر فيه ~~ولا شيء يغطيه. # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «سبح يونس في بطن ~~الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا ربنا إنا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة. ~~فقال: نعم ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر فقالوا: العبد ~~الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح. قال: نعم فشفعوا ~~له فأمر الحوت فقذفه في الساحل» # وحكي في بعض التفاسير وإن لم يطابقه رأي أصحاب المسالك كل المطابقة أن ~~الحوت أخرجه إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم دجلة فلفظه ~~بأرض نصيبين لم تنله آفة إلا أن بدنه عاد كبدن الصبي حين يولد، فأنبت الله ~~عليه شجرة من يقطين وذلك كالمعجزة له. قال المبرد والزجاج: هو «يفعيل» من ~~قطن بالمكان إذا أقام به فيشمل كل شجرة لا تقوم على ساق كالدباء والبطيخ ~~إلا أن المفسرين خصصوه بالدباء قالوا: لأن الذباب لا يجتمع عنده # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتحب القرع. قال: أجل هي شجرة ~~أخي يونس. # قال الواحدي: في الآية دلالة أولا على أن اليقطين لم يكن من قبل فأنبته ~~الله لأجله. والآخر أن اليقطين كان قائما بحيث يحصل له ظل. قلت: الثاني ~~مسلم إلا أن الأول ممنوع إن أراد به النوع وإن أراد به الشخص فمسلم. # وقيل: هي التين. وقيل: هي شجرة الموز تغطى بورقها واستظل بأغصانها واغتذى ~~من ثمارها. # وروي أنه كان يستظل بالشجرة وكانت وعلة تأتيه فيشرب من لبنها. # وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست فبكى جزعا فأوحى إليه: بكيت على شجرة ~~ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون فرجع إلى قومه. # وقد سبق في سورة يونس باقي التفسير و «أو» في قوله أو يزيدون ليست للشك ~~وإنما المراد وصفهم بالكثرة في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ~~ألف أو أكثر. ومن هذا التأويل يتضح وجه العطف من حيث ms3958 المعنى كأنه قيل: # وأرسلناه إلى جم غفير مقول فيهم إنهم مائة ألف أو يزيدون. وقيل: التقدير ~~وأرسلناه إلى # PageV05P576 # مائة ألف وأرسلناه إلى قوم يزيدون في الإيهام. وكم الزائد؟ قيل: ثلاثون ~~ألفا. عن ابن عباس. وقيل: بضعة وثلاثون. وقيل: بضعة وأربعون. وقيل: سبعون. ~~وجاء مرفوعا عشرون ألفا. ويحتمل أن يراد أو يزيدون في مرور الزمان لأنه ~~يبقى فيهم مدة كما قال فآمنوا فمتعناهم إلى حين هو انقضاء آجالهم. وقيل: ~~القيامة وقد مر. ثم عطف قوله فاستفتهم على مثله في أول السورة. والوجه فيه ~~أنه أمر رسوله باستفتاء قريش عن سبب إنكار البعث، ثم ساق الكلام متصلا بعضه ~~ببعض على ما عرفت في أثناء التفسير، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة ~~الضيزى حين أضافوا البنات إلى الله تعالى قائلين الملائكة بنات الله مع ~~كراهتهم التامة لهن ورغبتهم الوافرة في البنين. وحين استفتاهم على سبيل ~~التوبيخ شرع في تزييف معتقدهم بقسمة عقلية وذلك أن سند الدعوى إما أن يكون ~~حسا أو خبرا أو نظرا. أما الحس فمفقود لأنهم ما شاهدوا كيفية تخليق الله ~~الملائكة وهو المراد من قوله أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون وأما ~~الخبر فكذلك لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم أنه صدق قطعا وهؤلاء كذابون ~~أفاكون وأشار إليه بقوله ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون ~~وأما النظر فمفقود أيضا وبيانه من وجهين: الأول أن دليل العقل يقتضي فساده ~~لأنه تعالى أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء الأخس لأجل نفسه وذلك ~~قوله أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون من قرأ أصطفى بفتح الهمزة ~~فلأنه استفهام بطريق الإنكار وقد حذفت همزة الوصل للتخفيف، ومن قرأ بكسرها ~~على الإخبار جعله من جملة كلام الكفرة. الثاني: عدم الدليل على صحة مذهبهم ~~وهو قوله أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين نظيره ما مر في ~~قوله أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون [الروم: 35] ~~وقوله وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا للمفسرين فيه قولان: ms3959 أحدهما أنهم ~~الطائفة الأولى والمعنى أنهم جعلوا بين الله وبين الملائكة نسبة بسبب قولهم ~~إنهم بناته فإن الولادة تقتضي الجنسية والمناسبة، وفيه توبيخ لهم على أن من ~~صفته الاجتنان والاستتار كيف يصلح أن يكون مناسبا لا يجوز عليه صفات ~~الإجرام، وعلى هذا فالضمير في قوله إنهم لمحضرون للكفرة. والمعنى أنهم ~~يقولون ما يقولون في الملائكة وقد علمت الملائكة أنهم في ذلك كاذبون وأنهم ~~محضرون النار معذبون بما يقولون. وثانيهما أنهم طائفة من الزنادقة قائلون ~~بيزدان وأهرمن كما مر في «الأنعام» في قوله وجعلوا لله شركاء الجن [الآية: ~~100] وعلى هذا فالضمير إما للكفار كما مر، وإما للشياطين. روى عكرمة أنهم ~~قالوا: سروات الجن بنات الرحمن. وقال الكلبي: زعموا أن الله سبحانه تزوج ~~إلى الجن فخرج منها الملائكة. والتاء في الجنة للتأنيث كحق وحقة. # PageV05P577 # قال جار الله: الاستثناء في قوله إلا عباد الله منقطع معناه إنهم لمحضرون ~~ولكن المخلصين ناجون وما بينهما اعتراض دال على التنزيه. وجوز أن يكون ~~الاستثناء من الضمير في يصفون أي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن أهل الإخلاص مبرؤن ~~من وصفه بما لا ينبغي. # وحين بين المذاهب الفاسدة بقضها بين أن أهل الشرك ومعبوديهم ليس لهم أن ~~يفتنوا على الله أي يحملوا غيرهم على سلوك سبيل الفتنة والضلال إلا من سبق ~~في علم الله بأنه من أهل النار. وقالت المعتزلة: إلا من سبق في علمه أنهم ~~بسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. # وجوز جار الله أن تكون الواو في وما تعبدون بمعنى «مع» وجاز السكوت على ~~تعبدون كما في قولهم «كل رجل وضيعته» . ثم قال ما أنتم عليه أي على ما ~~تعبدون بفاتنين إلا من هو صال مثلكم. وقال: والوجه في نظم هذه الآيات أن ~~يكون قوله سبحان الله إلى قوله المسبحون من كلام الملائكة والمعنى: ولقد ~~علمت الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا: ~~سبحان الله، فنزهوه عن ذلك واستثنوا عباده المخلصين. وقالوا للكفرة: فإذا ~~صح ذلك فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله ms3960 أحدا من خلقه إلا من ~~كان مثلكم ممن علم الله عز وجل لكفرهم أنهم أهل النار. وكيف نكون مناسبين ~~لرب العزة وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه لكل منا مقام من الطاعة لا ~~يستطيع أن يتجاوزه ونحن الصافون كما مر في أول السورة ونحن المسبحون وقال ~~في التفسير الكبير: هاتان الجملتان تدلان على الحصر، وفيه إشارة إلى أن ~~طاعة البشر كالعدم بالنسبة إلى طاعة الملك فكيف يجوز أن يقال: البشر تقرب ~~درجتهم من درجة الملك فضلا عن دعوى الأفضلية؟ قلت: لا شك أن هذا التركيب ~~يفيد الحصر إلا أنه لم يفرق بين قصر الأول على الثاني كما في الآية وبين ~~عكسه، والذي يفيد مدعاه هو العكس لا الأصل فافهم. وقيل: هذه الآيات من قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم ~~يوم القيامة على قدر عمله. ثم ذكر أعمالهم وأنهم الذين يصطفون في الصلاة ~~ويسبحون الله وينزهونه. ثم حكى أن مشركي قريش كانوا ليقولون لو أن عندنا ~~ذكرا أي كتابا من جملة كتب الأولين أي نظيرها في بيان الشرائع والتكاليف ~~لأخلصنا العبادة لله. وإن مخففة واللام فارقة فكفروا به الفاء للربط أي ~~فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار فكفروا به فسوف يعلمون وخامة عاقبة ~~التكذيب. وقيل: أرادوا لو علمنا حال آبائنا وما آل إليه أمرهم وكان ذلك كما ~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم لآمنا به وأخلصنا لكنا على شك من حديثه. ثم ~~بين أن رسل الله وجنده منصورون غالبون عاجلا وآجلا، والأول أكثري والثاني ~~تحقيق يقيني. ثم أمر نبيه بالصفح والإغماض إلى أوان النصرة والغلبة قائلا ~~فتول عنهم أي أعرض عن أذاهم إلى حين الأمر بالقتال أو إلى يوم بدر. عن ~~السدي: أو إلى الموت والقيامة. # PageV05P578 # وأبصرهم وما يقضى عليهم من الأسر والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة ~~فسوف يبصرونك وما يؤل إليه أمرك من النصر والثواب في الدارين. وفي هذا ~~الأمر تنفيس عن النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية ms3961 له كأن الحالة الموعودة ~~قدام عينيه قربا وتحققا. وفسوف في الموضعين للوعيد لا للتبعيد وكأنهم فهموا ~~التسويف فاستعجلوا العذاب فوبخوا عليه. وكان من عادة العرب أن يغيروا صباحا ~~فسميت الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر، وشبه نزول العذاب بساحتهم بعد ما ~~أنذروه بجيش أنذر بعض النصحاء بهجومه قومه فلم يلتفتوا إلى إنذاره ولا ~~أخذوا أهبتهم حتى أناخ بفنائهم بغتة فشن الغارة عليهم. قيل: نزلت في فتح ~~مكة. # وعن أنس: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وكانوا خارجين إلى ~~مزارعهم ومعهم المساحي قالوا: محمد والخميس. ورجعوا إلى حصنهم فقال صلى ~~الله عليه وسلم: الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح ~~المنذرين # أي صباحهم، فحذف المخصوص بالذم. واللام في المنذرين للجنس. وإنما ثنى ~~وتول عنهم ليكون تسلية على تسلية. والأول لعذاب الدنيا والثاني للآخرة، ~~وأطلق الفعل الثاني أيضا اكتفاء بالأول وليفيد فائدة زائدة وهي أنه يبصر ~~وهم يبصرون ما لا يحيط به الوصف من صنوف المسرة وفنون المساءة. واعلم أن ~~السورة اشتملت على ما قاله المشركون في الله وعلى ما عانى المرسلون من ~~جهتهم وعلى ما يؤل إليه عاقبة الرسل وحزب الله من موجبات الحمد فلا جرم ~~ختمها بكلمات جامعة لتلك المعاني. ومعنى رب العزة كقوله قل اللهم مالك ~~الملك [آل عمران: 26] والمراد ذي العزة لأنها صفته لا مربوبه. عن ابن عباس ~~أنه سمع رجلا يقول: اللهم رب القرآن فأنكر عليه وقال: القرآن ليس بمربوب ~~ولكن كلام الله. والظاهر أن قوله عما يصفون يتعلق ب سبحان كما في قوله ~~سبحان الله عما يصفون وقل: متعلق بالعزة أي امتنع عما يصفونه به وقد مر شيء ~~من تحقيق هذه الحالة في آخر سورة يس. قال بعضهم: إنما لم يقل في آخر قصتي ~~لوط ويونس سلام عليهما اكتفاء بقوله في الخاتمة وسلام على المرسلين # عن علي رضي الله عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم ~~القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلس سبحان ms3962 ربك رب العزة إلى آخر ~~السورة. # PageV05P579 ### | (سورة ص) # (وهي مكية حروفها ثلاثة آلاف وتسعة وستون كلمها سبعمائة واثنان وثلاثون ~~آياتها ثمان وثمانون) ### | [سورة ص (38) : الآيات 1 الى 40] # بسم الله الرحمن الرحيم # ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب (4) # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب (5) وانطلق الملأ منهم أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن ~~هذا إلا اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما ~~يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) # أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما ~~هنالك مهزوم من الأحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ~~(12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب (14) # وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا ~~قطنا قبل يوم الحساب (16) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد ~~إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير ~~محشورة كل له أواب (19) # وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب (20) وهل أتاك نبأ الخصم إذ ~~تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن ~~هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ~~(23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم ~~على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه ~~فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) # فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن ms3963 سبيل الله ~~إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا ~~من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب (29) # ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي ~~الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت ~~بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمان ~~وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) ~~فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل بناء وغواص ~~(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ~~(39) # وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) # PageV05P580 ### | القراآت: # أو نزل بالواو مثل أأنبئكم [الآية: 15] في آل عمران عذابي وعقابي بالياء ~~في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل الأيكة مذكور ~~في «الشعراء» من فواق بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف. الباقون: # بالفتح ولي نعجة بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي فتناه بتخفيف النون ~~على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس لتدبروا بحذف إحدى التاءين على أنه ~~خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي. الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في ~~الدال إني أحببت بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي ~~بالفتح أبو جعفر ونافع وأبو عمرو والرياح مجموعة: يزيد. ### | الوقوف: # ذي الذكر ط وشقاق ه مناص ه منهم ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء ~~بالضمير وقد اتفقت الجملتان كذاب ج للاستفهام واتحاد العامل واحدا ج لمثل ~~ما مر عجاب ه آلهتكم ج لما مر يراد ج ه لذلك الآخرة ج لذلك اختلاق ه ج لما ~~قلنا من بيننا ط من ذكري ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ~~عذاب ه لأن «أم» بمعنى ألف استفهام إنكار الوهاب ه ج لأن ms3964 «أم» تصلح ابتداء ~~إنكار الأسباب ه الأحزاب ه الأوتاد ه لا الأيكة ط الأحزاب ه عقاب ه فواق ه ~~الحساب ه الأيد ج للابتداء بان ولاحتمال التعليل أواب ه والإشراق ه أواب ه ~~الخطاب ه الخصم م لأن «إذ» ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر ~~أي اذكر إذ تسوروا المحراب ه لا # PageV05P581 # لأن «إذ» بدل من الأولى لا تخف ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ~~الصراط ه في الخطاب ه نعاجه ج ما هم ط وأناب ه ذلك ط مآب ه عن سبيل الله ~~الأولى ط الحساب ه باطلا ط كفروا ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب النار ~~ه ج لأن «أم» لاستفهام إنكار. كالفجار ه الألباب ه سليمان ط العبد ط أواب ه ~~لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإن أوبه غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا ~~للعطف ربي ج لاحتمال أن «حتى» للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب ~~الخير حتى توارت بالحجاب ه لحق الحذف تقديره: قال ردوها علي فطفق. والأعناق ~~ه أناب ه بعدي ه لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك الوهاب ه أصاب ه وغواص ه ~~الأصفاد ه حساب ه مآب ه. ### | التفسير: # عن ابن عباس أن ص بحر عليه عرش الرحمن. وعن سعيد بن جبير: # بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين. وقيل: صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم في كل ما أخبر به عن الله. # وقيل: صد الكفار عن قبول هذا الدين. وقيل: صد محمد صلى الله عليه وسلم ~~قلوب العباد. وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت ~~في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ص بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل ~~بأوامره وانته عن نواهيه. والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم ~~محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد. # ويجوز إن كان ص اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي ~~التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن ms3965 هذا حاتم والله، تريد هذا هو ~~المشهور بالسخاء والله. ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي ~~مخالفة الله ورسوله. ومعنى «بل» ترك كلام والأخذ في كلام آخر. ولئن سلم أنه ~~للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا في ~~تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزا، والحكم المذكور بعد ~~«بل» هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب. ثم خوف الكفار بقوله ~~كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات أي رفعوا أصواتهم بالدعاء ~~والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك. وعن الحسن: فنادوا ~~بالتوبة كقوله فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ولهذا قال ولات حين مناص أي لم ~~يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي. قال سيبويه والخليل: ~~التاء في «لات» زائدة مثلها في «ربت» و «ثمت» وهي المشبهة بليس، وقد تغير ~~حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو ~~خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص. ولو رفع لكان تقديره وليس حين ~~مناص حاصلا لهم. وقال الأخفش: إنها «لا» النافية للجنس زيدت عليها التاء # PageV05P582 # وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: أصل «لات» ليس قلبت الياء ألفا والسين تاء. ~~وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: # العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم # وإلى هذا ذهب أبو عبيدة. وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف ~~متصلا بحين. وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس ~~عليه. أما الوقف على لات فعند الكوفيين بالهاء قياسا على الأسماء، وعند ~~البصريين بالتاء قياسا على الأفعال. والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو ~~فات. قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا ~~حذركم فأنزل الله ولات حين مناص. ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم قائلا وعجبوا أن جاءهم منذر منهم أي ms3966 من جنس ~~البشر. ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلا وقال الكافرون ~~هذا ساحر في إظهار خوارق العادات كذاب على الله. وإنما قيل في سورة ق فقال ~~الكافرون [الآية: 2] بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل ~~الكلامان لفظا ومعنى. وأما هاهنا فلم يتصل إلا معنى أجعل الآلهة أي صيرها ~~وحكم عليها بالوحدة إن هذا لشيء عجاب بليغ في العجب. # يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال ~~الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب ~~فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا ~~أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فدعا أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك. ~~فقال: ماذا يسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ~~فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها. # فقال صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله. فنفروا من ذلك وقالوا: ~~أجعل الآلهة إلها واحدا كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه ~~الآيات. # يعني من أول السورة إلى قوله كذبت قبلهم وانطلق الملأ منهم أي نهضوا من ~~ذلك المجلس وأن مفسرة أي امشوا من غير أن يتلفظوا به واصبروا على عبادة ~~آلهتكم. # قال النحويون: الانطلاق هاهنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس ~~التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم. وقيل: وانطلق ~~الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا. وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول. ~~وليس المراد بالمشي السير إنما # PageV05P583 # المراد المضي على الأمر. وقيل: امشوا واتركوا محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل. وفي ~~تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ms3967 ~~إن هذا الأمر وهو استعلاء محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد أي حكم الله ~~به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر أريد ~~بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم. وقيل: إن ~~عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه. وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع ~~لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر ~~للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد صلى الله عليه وسلم من هذا القول ~~تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما ~~يريد. ما سمعنا بهذا أي بقول محمد صلى الله عليه وسلم في الملة الآخرة فيما ~~أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة ~~غير موحدة. قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائنا في ~~الملة الآخرة فيكون الظرف حالا من هذا لا متعلقا ب سمعنا والمعنى أنا لم ~~نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. إن ~~هذا إلا اختلاق كذب اختلقه من عنده. ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به ~~صدورهم قائلين أأنزل عليه الذكر من بيننا وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال ~~والجاه فقط نظيره في القمر أألقي الذكر عليه من بيننا [القمر: 25] إلا أنه ~~استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفا مكتوبة وألواحا مسطورة. وقدم ~~الظرف هاهنا لشدة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله تعالى عن شبهتهم ~~بقوله بل هم في شك من ذكري أي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك ~~عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك. وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا ~~آياتي. ثم قال بل لما يذوقوا عذاب أي لو ذاقوه لأقبلوا على أداء المأمورات ~~والانتهاء عن المنهيات. وقيل: أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم ~~بالعذاب لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ms3968 ذلك ~~سببا لشكهم في صدقه صلى الله عليه وسلم فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول ~~العذاب. ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله أم عندهم خزائن رحمة ربك ~~والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده. ~~ثم خصص بعد التعميم قائلا أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ولا ريب ~~أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى. ~~ثم تهكم بهم بقوله فليرتقوا أي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة ~~الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود. وقيل: ~~أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري ~~فيها فليرتقوا إليها. قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن # PageV05P584 # الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم ~~السفلي. ثم حقر أمرهم بقوله جند ما وهو خبر مبتدأ محذوف و «ما» مزيدة ~~للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود. ثم خصص الوصف بقوله من ~~الأحزاب أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور ~~عما قريب فلا تبال بهم. قال قتادة هنالك إشارة إلى يوم بدر. وقيل: يوم ~~الخندق. وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات. وقال ~~أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول ~~العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر «ليس من أهله» «لست هنالك» . ثم مثل حالهم ~~بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مرارا. والذي يختص بالمقام ~~هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب ~~يلعب # بها عنده. وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها. وقيل: هي ~~أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة. وقيل: ~~أراد كثرة أوتاد خيام معسكره. وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد ~~الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب. ms3969 وقول أهل البيان إن أصل هذه ~~الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود ~~على الوجوه كلها. وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تعالى ~~أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه. # قال أبو البقاء: قوله أولئك الأحزاب مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبرا ~~والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ~~الأحزاب صفة أولئك وأولئك بدلا من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه. قال جار ~~الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم ~~منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب. لقد ذكر تكذيبهم أولا في الجملة ~~الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله إن كل إلا ~~كذب الرسل فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا ~~واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم فحق أي ثبت أو وجب لذلك عقابي إياهم في الدنيا ~~ثم في الآخرة وذلك قوله وما ينظر هؤلاء المذكورون. وقيل: أهل مكة: إلا صيحة ~~واحدة وهي النفخة الأولى ما لها من توقف مقدار فواق وهو بالفتح والضم زمان ~~ما بين حلبتي الحالب. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «العيادة قدر فواق الناقة» # ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر. وقيل: الفواق بالفتح ~~الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى ~~الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا ~~لشبهات ثلاث وقعت لهم: # PageV05P585 # أولاها في الإلهيات وهو قولهم أجعل الآلهة إلها واحدا والثانية في ~~النبوات وهي قولهم أأنزل عليه الذكر من بيننا والثالثة تتعلق بالمعاد وهي ~~قولهم: ربنا عجل لنا قطنا وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطه إذا ~~قطعه. والقط أيضا صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا ~~نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ~~ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر ms3970 على ما يقولون. قال جار الله: # أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم. واذكر أخاك ~~داود كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم ~~أثر أمر معصية الله في أعينهم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء ~~الدائم والحزن الواصب. # وقال غيره: اصبر على أذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ~~ما ابتلاهم به. ثم عدهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم ~~وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل ~~الابتلاء. ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر ~~الصبر على البليات. ثم إن مجامع ما ذكر الله تعالى في قصة داود ثلاثة أنواع ~~من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله تعالى من الفضائل. الثاني: شرح ~~الواقعة التي وقعت له. والثالث: استخلاف الله تعالى إياه بعد ذلك. والأول ~~عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم إياه ليقتدي به في الصبر ~~وسائر أصول الأخلاق. وثانيها تسميته بالعبد مضافا إلى صيغة جمع التكلم ~~للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مرارا. ويمكن ~~أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضا تشريفا له. وثالثها قوله ذا الأيد ذا ~~القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوما ويفطر يوما وهو ~~أشد الصوم ويقوم نصف الليل. ويحتمل أن يكون الياء محذوفا اكتفاء بالكسر ~~فيكون جمع اليد بمعنى النعمة لأن الله تعالى أنعم عليه ما لم ينعم على ~~غيره. رابعها قوله إنه أواب أي رجاع في الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته ~~من آب يؤب. خامسها تسبيح الجبال معه وقوله يسبحن حال والإشراق وقت إضاءة ~~الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى. يقال شرقت الشمس ولما تشرق. واستدل به ابن ~~عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما # روي عن أم هانىء: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء ~~فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانىء ms3971 هذه صلاة الإشراق. # قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود عليه السلام ويحتمل أن يكون معنى ~~الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله ~~جار الله. سادسها قوله والطير محشورة أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية. ~~قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير # PageV05P586 # فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في «الأنبياء» وفي «سبأ» . قال ~~أهل البيان: # قوله محشورة في مقابلة قوله يسبحن ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين ~~والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال ~~شيئا بعد شيء وحالا بعد حال حتى كأن السامع يتصورها بتلك الحالة، وأما ~~الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له تعالى. سابعها ~~قوله كل له أواب أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع ~~للتسبيح. وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى ~~فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدمه وهذا أخص لأنه ~~أدل على الواقعة. ثامنها قوله وشددنا ملكه أي قويناه بالجنود والأعوان ~~وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد ~~بعضهم فقال أربعون ألفا. وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه # أن غلاما ادعى على رجل بقرة فأنكر المدعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل ~~داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله تعالى يأمره أن ~~يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام. فقال داود: هذا منام فأتاه ~~الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلا ~~بلطمة؟ فقال داود: # هذا أمر الله فسكتوا. ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال ~~الرجل: صدقت يا نبي الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود ~~وعظمت هيبته واشتد ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء. # تاسعها قوله وآتيناه الحكمة وقد مر معناها مرارا وأنها منحصرة في قسمين: ~~الأول العلم بالتصورات الحقيقية والتصديقات اليقينية ms3972 بمقتضى الطاقة ~~البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية. ~~وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوة والفهم أو بالزبور والشرائع. عاشرها فصل ~~الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون ~~كاملا مكملا فهما مفهما. # قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي ~~لا يلتبس ولا يختلط بغيره. قلت: ومن ذلك أن لا يخطىء صاحبه مظان الفصل ~~والوصل كما نذكره في الوقوف. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. # فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية ~~والحكومات وتدابير الملك والمشورات. # يروى أنه سبحانه علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، ~~فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها. ثم ~~إن رجلا غصب من آخر لؤلؤة وجعلها في جوف عصا له ثم خاصمه المدعي إلى داود ~~فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردها علي وإني صادق # PageV05P587 # في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن ~~يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطاب. # وقيل: هو قوله «أما بعد» وهو أول من تكلم به. وقيل: هو أنه إذا تكلم في ~~الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه. ثم إنه ~~سبحانه لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلا وهل أتاك يا محمد ~~نبأ الخصم أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن. وفائدة هذا الاستفهام التنبيه ~~على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها. وللناس في هذه ~~الواقعة ثلاثة أقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبي ~~الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبي الله، وثالثها ~~التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل ~~على الكبيرة. ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلا ~~منها على حدة. وأما المشترك بين ms3973 الأقوال فلا نفسره إلا مرة. # القول الأول: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله ~~داود- وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه- فانتهضوا الفرصة في ذلك ~~وتسوروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره. وفي قوله إذ دخلوا على داود ~~إشارة إلى أنهم بعد التسور نزلوا عليه. قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ~~ويكون معناهما كالواحد كقولك «ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت علي» مع أنه ~~يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحدا. وحين رآهما قد دخلا عليه لا من ~~الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر. ففزع منهم قالوا لا تخف ~~خصمان أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أولا نظرا إلى ~~أصله، وثناه ثانيا بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع الضمائر في قوله إذ ~~تسوروا إذ دخلوا ففزع منهم قالوا لا تخف بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو ~~على أن صحب كل منهما من جملتهما. والأول أظهر لأن القائلين كانا اثنين ~~بالاتفاق بغى بعضنا على بعض أي بغى أحدنا على الآخر وتعدى حد العدالة. ثم ~~قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها فاحكم بيننا بالحق أي بالعدل ~~الذي هو حكم الله فينا. والثانية ولا تشطط وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق ~~والشط البعد. شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق. والثالثة ~~واهدنا إلى سواء الصراط أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه. وحين أخبروا عن ~~وقوع الخصومة مجملا شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيرا إلى الآخر إن هذا ~~وقوله أخي أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر له تسع وتسعون ~~نعجة وهي أنثى من الضأن ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها أي ملكنيها فأكفلها ~~كما أكفل ما تحت يدي وعزني في الخطاب أي غلبني في # PageV05P588 # المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه أشد قال داود لقد ظلمك بسؤال نعجتك أضاف ~~المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأول أي بسؤاله إياك ~~نعجتك. وليس السؤال هاهنا سؤال خضوع وتفضل وإنما ms3974 هو سؤال مطالبة ومعازة. ~~وإلى متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن ~~السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: # بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب وإن كثيرا من الخلطاء الشركاء ~~الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ليبغي بعضهم على ~~بعض وقد تغلب الخلطة في الماشية. والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا اتحد ~~الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أربعون شاة ~~فعليهما شاة. وعند أبي حنيفة لا شيء عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر ~~تسع وتسعون فعلى الأول أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر ~~الباقي. هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة. ثم بين أن ~~أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل. «وما» في قوله ~~وقليل ما هم مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم. وقال ابن عيسى: هي موصولة ~~أي وقليل الذين هم كذلك. قصد نبي الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام ~~الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها ~~أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن ~~له في أكثر الخلطاء أسوة وظن داود أنما فتناه أي ابتليناه وذلك أن القوم ~~لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطانا شديد القوة وقد فزع منهم. ثم ~~إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء فاستغفر ربه # من تلك الحالة وأناب إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن ~~إلا بتوفيق الله. فغفرنا له ذلك الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم. # ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم ~~استغفر من تلك الهمة. أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر ~~الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعا إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه. ~~ومعنى خر راكعا سقط ساجدا. قال الحسن: لأنه لا يكون ساجدا حتى ms3975 يركع، أو ~~المراد أن خر للسجود مصليا لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة. ومذهب الشافعي ~~أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبي فلا توجب على غيره سجدة ~~التلاوة ولا تستحب أيضا. ومذهب أبي حنيفة بخلافه. وجوز مع ذلك أن يكون ~~الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأول. ولا يرد عليه إلا أن داود ~~كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر ~~عليه بقوله لا تخف ولا تشطط وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم ~~الآخر قبل # PageV05P589 # استماع كلامه والأول استبعاد محض؟ وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا ~~بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر ~~الواقعة بقوله: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب والزلفى القربة، والمآب الحسن ~~الجنة. قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في ~~الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في ~~الدنيا- وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت ~~الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة ~~الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر. ~~والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسرا ما له إلا امرأة واحدة ~~واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا ~~يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة. # القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن ~~امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له ~~أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان. فقيل ~~له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلا ~~ليس له إلا امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ~~ما امتحنت به. وقيل: خطبها أوريا ms3976 ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن ~~خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في ~~قوله وعزني في الخطاب من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوجها دوني. وعلى ~~هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر. وحين وافق حالهما حال ~~داود تنبه فاستغفر. وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه ~~بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض ~~فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب. والجواب أن التقدير ما ~~تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض. أو أرادوا: أرأيت لو كنا خصمين بغى ~~بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له ~~نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجة في ذلك محاجة ~~حريص على بلوغ مراده. وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا ~~مثل. # القول الثالث: # وهو المشهور عند الجمهور أن داود عليه السلام جزأ زمانه أربعة أجزاء: ~~يوما للعبادة، ويوما للاشتغال بخواص أموره، ويوما يجمع بني إسرائيل للوعظ ~~والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد ~~يده # PageV05P590 # ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن ~~وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى ~~جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ~~ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟ فأخبرته ~~فقال لها: هل لك زوج؟ فقالت: نعم. قال: أين هو؟ قالت: في جند كذا فرجع وكتب ~~إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلانا في أول التابوت وكان من يتقدم ~~على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله ~~على يده وسلم. فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم ~~يحزن ms3977 كما كان يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة ~~إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسورا ~~عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد ~~قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله. يروى أنهما قالا حينئذ حكم على ~~نفسه. وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه. # ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في ~~العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق. # فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق ~~طعاما ولا شرابا حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك. # ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك ~~تسمع صوته موضع كذا، فأتاه واستحل منه فقال: أنت في حل. قال: فلما رجع قال ~~له جبريل: هل أخبرته بجرمك؟ فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئا فارجع وأخبره ~~بالذي صنعت. فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتما ~~وبكى أربعين يوما. فأتاه جبريل وقال: إن الله تعالى يقول: أنا أستوهبك من ~~عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزينا في عمره ~~باكيا على خطيئته. # وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها. # والمحققون كعلي رضي الله عنه وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة ~~على هذا الوجه. # روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد ~~الفرية على الأنبياء. # قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود ~~إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل. # ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه ~~الرواية قوله سبحانه عقيب ذكر الواقعة يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فمن البعيد ms3978 جدا أن يوصف الرجل بكونه ساعيا في سفك دم أخيه المسلم بغير حق ~~وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: # PageV05P591 # إنا فوضنا الخلافة إليه. وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله تعالى فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى إلخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من ~~الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال «السلطان ~~ظل الله في الأرض» فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ ~~فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن ~~صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد. يحكى عن بعض خلفاء ~~بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟ قال: ~~وما هو؟ قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية. ~~فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية. وحين ~~تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور ~~الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى ~~الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أولا بقوله وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ~~ظن الذين كفروا لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ~~فويل للذين كفروا من النار لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة ~~فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر «آل عمران» ~~ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [الآية: 191] ثم صرح ~~بالغاية قائلا أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية. «وأم» منقطعة ~~بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لو بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال ~~الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة ~~المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس ~~وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى ~~الحكمة، ولا ينافي ms3979 هذا إمكان التسوية من حيث المالكية. وحين ذكر هذه ~~المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة من على رسوله بقوله كتاب أي هذا كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك كثير المنافع والفوائد ليدبروا آياته ليتأملوا فيها ~~ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل ~~معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير. # قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: يقال في وجه النظم إن العقلاء ~~قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في ~~كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة ~~مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها ~~فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتا مفحما. وإذ قد ~~عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل ~~الاستهزاء ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب فقال # PageV05P592 # تعالى: يا محمد فاصبر على ما يقولون واقطع الكلام معهم في هذه المسألة ~~واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره ~~بالحكم الحق كأنه قال: # أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: ~~نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلا ~~لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن أفسد وفجر وذلك ضد الحكمة. وحين ذكر هذه ~~الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة ~~والإرشاد، لأن هذه الطائف لا تستفاد إلا منه. # وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله نعم العبد أي هو ~~فحذف المخصوص للعلم به. وفي قوله إنه أواب كما مر في قصة داود إشارة إلى ~~أنه كان شبيها بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح. وفي ~~القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة ms3980 أبيه على وجه لا يقدح في ~~العصمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلا ~~منهما بالوجهين بتوفيق الله تعالى. # أما الأول من الواقعة الأولى فقوله إذ عرض عليه بالعشي الصافنات وهي جمع ~~صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل. ~~قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه. # وفي الحديث «من سره أن يقوم الناس له صفوفا فليتبوأ مقعده من النار» # أي واقفين مثل خدم الجبابرة. والجياد جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا ~~وقفت كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها على أحسن الأشكال. وإذا أجريت كانت ~~سراعا في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق. يروى أن رباط الخيل ~~كان مندوبا في شرعهم كما في شرعنا. ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى ~~الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها ~~لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد ~~من قوله إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي سمى الخيل خيرا لتعلق الخير بها كما # جاء في الحديث «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» «1» # أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة ~~الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره. والضمير في قوله حتى توارت للخيل أي ما ~~زالت تعرض PageV05P593 # عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى إن غابت عن بصره، ثم قال ردوها علي أي ~~أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحا بسوقها ~~وأعناقها تشريفا لها وإظهارا لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو، ~~أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في ~~اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. وقيل: مسح الغبار عن ~~أعناقها وسوقها بيده. وقيل: وسم أعناقهن وأرجلهن فجعلهن في سبيل الله. # وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما # روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف ms3981 فرس. # وقيل: ورثها من أبيه وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقيل: أخرجها ~~الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة. فقعد يوما بعد ~~الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله حتى توارت أي ~~الشمس بدليل ذكر العشي بالحجاب حجاب الأفق. وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب ~~الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال إني أحببت ~~حب الخير وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت ~~حبها مغنيا عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقربا لله وذلك قوله ~~فطفق مسحا قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس ~~كقولهم «عرضت الناقة على الحوض» قال الراوي: قربها إلا مائة فما في أيدي ~~الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيرا منها وهي الريح ~~تجري بأمره. وقيل: الضمير في ردوها للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله ~~فرد الله عليه الشمس فصلى العصر. ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان ~~إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل ~~وعرقبة أرجلها منهي عنه. # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله. # وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء ~~والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله ~~فليس بمنهي. قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء ~~والسفاهة إلى حيث قالوا ربنا عجل لنا قطنا قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما ~~يقولون واذكر عبدنا داود. ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون ~~لائقا لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق ~~الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه ~~أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسبا. هذا تمام الكلام في ms3982 الواقعة الأولى. # وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله. ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا # PageV05P594 # فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك ~~عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن ~~نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفا من ~~مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتا فتنبه على خطئه في أن ~~لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب. # وثانيها # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة ~~على سبعين امرأة. وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي ~~بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: # إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل. والذي ~~نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعين فذلك ~~قوله ولقد فتنا سليمان» «1» . # وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضا شديدا امتحنه الله به حتى صار ~~جسدا على كرسيه ملقي كما # جاء في الحديث «لحم على وضم وجسد بلا روح» # لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له. ثم أناب أي رجع إلى حالة ~~الصحة. والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطانا جلس على ~~سرير ملكه أربعين يوما، وذلك أن ملكه كان في خاتمه فأخذ شيطانا يقال له آصف ~~وقال: كيف تفتنون الناس؟ قال: # أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف ~~على كرسيه. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطىء البحر وهو ~~يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر. # وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه. # وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض ~~الجزائر وأن بها ملكا عظيم الشأن. فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها ~~جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتا له اسمها ms3983 جرادة من أحسن الناس ~~وجها، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها. ~~فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها ~~وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر ~~الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة ~~وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوما فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل ~~سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس. واسمه صخر- على صورة سليمان ~~فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه ~~الطير والجن والإنس. وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته ~~وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: ~~أنا سليمان. حثوا PageV05P595 # عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوما عدد ما عبد الوثن في بيته. # وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه. وقيل: ~~من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد ~~الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا ~~التوراة، فلما قرؤها فر الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة ~~فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجرة عمله يوما فأخرج من بطنها ~~الخاتم ثم أناب أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجدا. ثم إن سليمان ظفر ~~بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر. والعلماء المتقنون ~~أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا ~~يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف ~~يسلطهم الله على آحاد عباده فضلا عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا ~~بنسائهم. وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة ~~إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه. # وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن ~~بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه ms3984 سليمان فأعاده إلى يده فسقط، ~~فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى ~~الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك. فقام آصف في ~~ملكه أربعة عشر يوما وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فرد الله إليه ملكه ~~وأثبت الخاتم في يده. # وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله ~~إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوما عن ظالم، ثم ذكر القصة ~~وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه. # ثم حكى الله تعالى أن سليمان قال رب اغفر لي وهب لي ملكا قدم المغفرة على ~~طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديما لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن ~~الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ~~ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات. # والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح ~~وحملوا قوله لا ينبغي لأحد من بعدي على أنه سأل ملكا لا يقدر الشيطان على ~~أن تقوم مقامه. # والأولون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسدا وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ~~ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ~~ولهذا قال بعضهم: # أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة. وحقيقة لا ~~ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوبا لأنه سماوي فوق طوق ~~البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ~~ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية # PageV05P596 # ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، ~~وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ~~ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها. وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن ~~خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكا لا ms3985 يتصور ~~انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة. وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك ~~إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال. وربما ~~كان للناس أمثال ذلك. والأقوى هو الأول بدليل قوله عقيبه فسخرنا له الريح ~~والشياطين. ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوته ويؤيده # ما جاء في الحديث «أردت أن أربطه- يعني الشيطان- على سارية من سواري ~~المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان» «1» # والضمير في بأمره لسليمان. وقيل: لله. والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي ~~هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو ~~هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة. ومعنى أصاب ~~قصد وأراد من إصابة السهم. وقوله والشياطين معطوف على الريح وقوله كل بناء ~~وغواص بدل الكل من الشياطين. كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون ~~اللؤلؤ من البحر وهو أول من استخرج الدر من البحر وآخرين عطف على الشياطين ~~أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في ~~القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. والصفد القيد والعطاء لأنه ~~ارتباط للمنعم عليه ومنه # قول علي رضي الله عنه: من برك فقد أسرك ومن جفاك فقد أطلقك # وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر. قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف ~~الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس. ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك ~~الجنس وخلق نوعا آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة. ~~قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة. ولم لا يجوز أن تكون ~~أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق ~~والتفرق. هذا عطاؤنا أي قلنا لسليمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم. ~~وقوله: بغير حساب يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر ~~فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوضا إليك زمام PageV05P597 # التصرف فيه. ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب ~~على ms3986 ما تعطي وتمنع يوم القيامة. عن الحسن: أن الله لم يعط أحدا عطية إلا ~~جعل عليه فيها حسابا سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم ~~يعط لم يكن عليه تبعة. ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا ~~فامنن على من شئت منهم بالإطلاق، أو أمسك من شئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة ~~من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم ~~الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلا: وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه. # التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد. ~~أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من ~~نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله. ثم أشار إلى انحراف مزاج الكفار بمرض ~~نسيان الله من اللين والسلامة إلى الغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ~~ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد إلى تكثير ~~الآلهة. وفي قوله واصبروا على آلهتكم إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما ~~بينهم بالصبر والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب ~~الحقيقي إن هذا لشيء يراد في الأزل من المقبول والمردود. # بل لما يذوقوا عذاب لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم ~~فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك يوم لا يجدي البرهان. عجل ~~لنا قطنا النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس ~~الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية ~~إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد. له تسع وتسعون نعجة هن آثار فيوض الصفات ~~الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك ~~والخلق ولي نعجة واحدة هو ذات الله وحده فقال أكفلنيها أي صيرني أجمع بين ~~الله وبين ما سواه. ثم هاهنا أسرار كثيرة تفهمها إن شاء الله. وظن داود ~~أنما ms3987 فتناه امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا فاستغفر للحق ربه راكعا وأناب ~~إلى الله معرضا عما سواه. وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهيا ~~للحق: إنا جعلناك خليفة فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان ~~خلق مستعدا لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية ~~تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة. الحمد لله الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام: # 1] فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا [فاطر: 1] ووجه الخلافة هو ~~أن # PageV05P598 # الروح الإنساني أول فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، ~~وصفاته من صفاته بلا واسطة، فخلق لخليفته منزلا صالحا وهو قالبه، وأعد له ~~عرشا هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادما وهو النفس، فلو بقي ~~الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضا من الله تعالى فائضا لخلافة الحق ~~على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضة ~~لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض ~~الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق. ووهبنا لداود الروح سليمان ~~القلب إذ عرض عليه بالعشي وهو بعد زوال شمس التجلي الصافنات الجياد وهي ~~مركب الصفات البشرية. وفي قوله فطفق مسحا إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله ~~إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف «لا إله إلا الله» وإليه الإشارة ~~بقوله ثانيا ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه صدره شيئا من الشهوات ~~الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة. فإن قيل: قوله لا ينبغي لأحد من ~~بعدي هل يتناول نبينا صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: # يتناوله بالصورة لا بالمعنى. فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس ~~عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلو الهمة وبذل المال ~~والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتتان به عزة ودلالا ولهذا # قال في حديث تسلطه على ms3988 الشيطان «ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته» «1» # وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن # فيقول: «الفقر فخري» # على أن صورة الملك أيضا مما سيحصل لبعض أمته كما # قال «وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» «2» . ### | [سورة ص (38) : الآيات 41 الى 88] # واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ~~وذكرى لأولي الألباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه ~~صابرا نعم العبد إنه أواب (44) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار (45) # إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ~~(47) واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن ~~للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50) # متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف ~~أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ~~(54) هذا وإن للطاغين لشر مآب (55) # جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من ~~شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) ~~قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) # قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا ~~لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله ~~إلا الله الواحد القهار (65) # رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبأ عظيم (67) ~~أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن ~~يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70) # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين (75) # قال أنا خير منه خلقتني من ms3989 نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك ~~رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) # إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك ~~منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك ~~منهم أجمعين (85) # قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر ~~للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88) PageV05P599 ### | القراآت: # مسني الشيطان بسكون الياء: حمزة. بنصب بضمتين: يزيد، وقرأ يعقوب بفتحتين، ~~وقرأ هبيرة بالفتح والسكون. والباقون: بالضم والسكون بخالصة ذكرى على ~~الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام عبدنا إبراهيم على التوحيد: ابن كثير وعلى ~~هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان. ما يوعدون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ~~وغساق بالتشديد حيث كان: حمزة وعلي وخلف وحفص وأخر بضم الهمزة على الجمع: ~~أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل. والباقون: بالمد على التوحيد. الأشرار ~~بالإمالة والتفخيم مثل الأبرار غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان الأشرار ~~بالإمالة أتخذناهم موصولة والابتداء بكسر الألف: أبو عمرو وسهل ويعقوب ~~وحمزة وعلي وخلف. والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ما كان لي بفتح ~~الياء: حفص إلا إنما بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد لعنتي إلى بفتح الياء: ~~أبو جعفر ونافع فالحق بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب ~~غير رويس. # PageV05P600 ### | الوقوف: # أيوب م إلا إذا جعل «إذ» بدلا وعذاب ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه ~~جبريل فقال له اركض برجلك ج لأن هذا مبتدأ مع أنه من تمام القول وشراب ه ~~الألباب ه ولا تحنث ط صابرا ط العبد ط أواب ه والأبصار ه الدار ه ج للاية ~~مع العطف الأخيار ه وذا الكفل ط من الأخيار ه ذكر ه ط مآب ه لا لأن جنات ~~بدل أو عطف بيان. الأبواب ه ج لاحتمال أن عامل متكئين محذوف أي يتنعمون ~~متكئين وإن جعل حالا من مفتحة فهي مقدرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح ~~الأبواب وشراب ه أتراب ه ms3990 الحساب ه من نفاد ه ج هذا ط أي هذا بيان جزاء ~~المتقين أو الأمر هذا مآب ه لا جهنم ج لأن ما بعده يصلح حالا واستئنافا ~~يصلونها ج المهاد ه هذا لا لأن خبره حميم فقوله فليذوقوه اعتراض وغساق ه لا ~~للعطف أزواج ه ط معكم ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء بهم ~~ه النار ط بكم ط لنا ج القرار ه النار ه الأشرار ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة ~~لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالا ومن صرح ~~بالاستفهام فوقفه مطلق الأبصار ه النار ه القهار ه ج لأن ما بعده يصلح بدلا ~~وخبرا لمحذوف أي هو الغفار عظيم ه لا لأن ما بعده وصف معرضون ه يختصمون ه ~~مبين ه طين ه ساجدين ه أجمعون ه لا إبليس ط الكافرين ه بيدي ط للاستفهام ~~العالين ه منه ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية طين ه رجيم ه ج ~~والوصل أولى لاتصال لعنتي به الدين ه يبعثون ه المنظرين ه لا لتعلق إلى ~~المعلوم ه أجمعين ه لا للاستثناء المخلصين ه فالحق ز على قراءة الرفع أي ~~فهذا الحق مع اتحاد المقول أقول ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من ~~قوله والحق. أجمعين ه ج المتكلفين ه للعالمين ه حين ه. ### | التفسير: # وجه النظم كأنه تعالى يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في ~~الدنيا أكثر مالا أو جاها من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من ~~أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج. ~~وأيوب عطف بيان و «إذ» معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه ~~وكان معاصرا ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي ~~دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد ~~والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع ms3991 النون ~~كقفل وقفل. ومعنى الكل التعب والمشقة. قيل: الضر # PageV05P601 # في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن ~~الذي نزل به كان من الشيطان وقد مر تقريره في «الأنبياء» ومجمله ما # روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟ ~~فقال: نعم، عبدي أيوب. قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك ~~كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله. # فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده. فجاء وزلزل الدار ~~فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا ~~يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد أيوب وحدثت أسقام ~~عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث ~~استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى ~~امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فأشارت إلى أيوب بذلك ~~فغضب لذلك- أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء- وحلف إن عافه الله ~~ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكيا إليه لامنه # كقول يعقوب نما أشكوا بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86] فأجاب دعاءه وأوحى إليه اركض أي اضرب برجلك الأرض. عن قتادة: ~~هي أرض الجابية من قرى الشام. فأظهر الله تعالى من تحت رجله عينا باردة ~~طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه ورد عليه أهله ~~وماله. # القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات ~~وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحا إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه ~~لا سلطان له إلا الوسوسة. فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه ~~بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من ~~روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء. ولناصر القول الأول أن ~~يقول: سلمنا ms3992 أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن ~~يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟. ولنعد ~~إلى تفسير ما يختص بالمقام. قوله مغتسل بارد أي هذا مكان يغتسل فيه أي ~~بمائه ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عينا واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه ~~نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب ~~رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح. وزعم أن ~~تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد. وقوله ووهبنا له أهله ومثلهم معهم قيل: ~~أحياهم الله بأعيانهم وزاده مثلهم من أولاده. وقيل: من أولاد أولاده. وقيل: ~~كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم. وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله ~~والأول أصح. وقوله رحمة منا وذكرى # PageV05P602 # مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيرا لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ~~ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز. وإنما لم يقل هاهنا رحمة من عندنا ~~[الأنبياء: 84] مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله وذكرى ~~لأولي الألباب مع قوله في «الأنبياء» وذكرى للعابدين [الآية: 84] إشارة إلى ~~أن ذا اللب هو الذي يعبد الله. وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة ~~قوله وخذ معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة. ~~قال مجاهد: هو لأيوب خاصة. وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة. والصحيح أنه ~~باق في المريض والمعذور لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا ~~عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه ~~وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها. # ومعنى وجدناه صابرا علمنا منه الصبر. # وهاهنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان نعم ~~العبد تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة ms3993 مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر ~~عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل ~~الى تحصيله؟ فأنزل الله تعالى قوله فنعم المولى ونعم النصير [الحج: 78] ~~والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني ~~الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق. قلت: وصف أنبياء سائر ~~الأمم بقوله نعم العبد ووصف هذه الأمة بقوله كنتم خير أمة [آل عمران: 110] ~~فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء. ومعنى أولي ~~الأيدي والأبصار أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة ~~لأقوى الإدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه ~~تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول ~~والعرفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن ~~الأيدي جمع اليد النعمة. قوله أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار الخالصة صفة أو ~~مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة. والمعنى ~~جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا ~~يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو ~~بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية ~~عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. # والمصطفين جمع مصطفى وأصله مصطفيين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء # PageV05P603 # المتحركة ألفا ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع ~~خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت وإسماعيل واليسع وذا ~~الكفل وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء. وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل ~~منهم من أنواع الابتلاء تثبيتا لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو باب من أبواب ~~التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه بابا آخر وهو ذكر ~~جزاء المتقين والطاغين قال هذا ذكر ثم قال وإن للمتقين كما يقول المصنف: ms3994 ~~إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر. ويحتمل أن يكون من ~~تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف ~~وذكر جميل يذكرون به أبدا. قوله مفتحة حال والعامل فيها ما في المتقين من ~~معنى الفعل. قال الزجاج الأبواب فاعل مفتحة والعائد محذوف أي الأبواب منها. ~~وقال غيره: في مفتحة ضمير الجنات والأبواب بدل الاشتمال من الضمير تقديره ~~مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض «ضرب زيد اليد والرجل» فكان اللام ~~عوضا من الضمير الراجع. # والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له ~~أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح. وقيل: ~~أراد به وصف تلك المساكن بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل. وقوله ~~متكئين حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو يدعون ~~أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم. وقيل: ~~يتمنون وقيل: يسألون. قال المفسرون: # أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول. وحين بين أمر المسكن والمأكول ~~والمشروب ذكر أمر المنكوح. وقاصرات الطرف قد مر في «الصافات» أنهن اللواتي ~~قصرن الطرف عن الالتفات إلى غير أزواجهن. والأتراب جمع ترب وهي اللدة. ~~واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد. والسبب ~~في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل: هن وأزواجهن واحدة ~~في الأسنان. وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية. ويروى أنهن بنات ثلاث ~~وثلاثين. ومعنى ليوم الحساب قيل: لأجل الحساب لأن الحساب علة الوصول إلى ~~جزاء العمل. والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب. إن ~~هذا لرزقنا ما له من نفاد انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم ~~بدوامها. ثم بين أن حال الطاغين مضادة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا ~~الطغيان هاهنا على الكفر لأنه تعالى يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخريا، ~~والفاسق لا يتخذ المؤمن هزوا لأن الطاغي اسم ms3995 ذم، والاسم المطلق محمول على ~~الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن ~~الذين طغوا علي وكذبوا رسلي لهم شر مصير. وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر ~~من أهل الإيمان وغيرهم # PageV05P604 # لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله تعالى إن الإنسان ~~ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 6] والمهاد الفراش وقد مر مرارا. وقوله هذا قد ~~مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم ~~أو منه حميم ومنه غساق أو هذا فليذوقوه معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ~~فإياي فارهبون [النحل: # 51] وقيل: حميم مبتدأ وهذا خبره. والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من ~~صديد أهل النار. يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وذكر الأزهري أن الغاسق ~~البارد ولهذا قيل لليل الغاسق لأنه أبرد من النهار. فالحميم يحرق بحره، ~~والغساق يحرق ببرده. # وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق ~~يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه. وقال كعب: هو ~~عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية. وعن الحسن: هو عذاب لا ~~يعلمه إلا الله. إن الناس أخفوا لله طاعة فأخفى لهم ثوابا في قوله فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ~~وآخر من شكله أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق. ~~وأزواج أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة ~~للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو ~~خبر هو. # وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا ~~يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم. أما الأول ~~فقوله هذا أي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون. ~~والفوج الأول الرؤساء والثاني الأتباع. وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني ~~أبناء آدم هذا فوج أي ms3996 جمع كثيف دخل النار في صحبتكم. والاقتحام الدخول في ~~الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال. ~~وقوله لا مرحبا بهم دعاء منهم على أتباعهم ومرحبا نصب على أنه مفعول به أو ~~مصدر أي أتيت رحبا لا ضيقا، أو رحبت بلادك رحبا فإذا دخل عليه لا صار دعاء ~~السوء وبهم بيان للمدعو عليهم. وقوله إنهم صالوا النار تعليل لاستيجابهم ~~اللعن. قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن ~~النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم. وقيل: هو إخبار لا ~~دعاء أي وقد وردوا موردا لا رحب فيه ولا سعة. وقيل هذا فوج مقتحم معكم كلام ~~الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم. وقيل: هذا كله كلام الخزنة قالوا أي ~~الأتباع. # بل أنتم لا مرحبا بكم أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ~~ذلك بقولهم # PageV05P605 # أنتم قدمتموه لنا والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب ~~في العمل الذي هذا جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا ~~عمل السوء لا رؤساؤهم والعمل هو المقدم لا جزاؤه. ومن جعل قوله لا مرحبا ~~بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة ~~أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه. فبئس القرار ~~أي المستقر النار قالوا أي الفوج وهو كالبدل من قالوا الأول والضعف المضاعف ~~كما مر في «الأعراف» وأما الثاني فقوله ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا ~~خير فيهم يعنون فقراء المسلمين. وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي ~~جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم. من قرأ أتخذناهم ~~بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، ~~وكذا فيمن قرأ أتخذناهم بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن ~~جعلها صفة أو حالا فلا إشكال ms3997 وحينئذ يتصل أم زاغت بقوله ما لنا لا نرى أي ~~الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي ~~علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها. فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله أتخذناهم ~~على الاستفهام لأن الأول للإنكار، والثاني للاستخبار. ويجوز أن يكون «أم» ~~متصلة وكلاهما للإنكار. ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول ~~الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام ~~في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد لهم ~~وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون، كذلك. ثم بين ما هو فقال هو ~~تخاصم أهل النار لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة. # واعلم أنه سبحانه لما بدأ في أول السورة بأن محمدا يدعو إلى التوحيد وأن ~~الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى. ثم ذكر ~~طرفا من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار ~~إقامة وبقاء. ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير ~~المطالب المذكورة في أول السورة وهي صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق ~~ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال قل إنما أنا منذر وما من إله إلا ~~الله الواحد من جميع الوجوه القهار لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية ~~قائلا رب السماوات والأرض وما بينهما ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ~~العزيز الغفار فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعد الجنة لأهل ~~الاستغفار. قوله قل هو نبأ عظيم أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول ~~بالنبوة أو بإثبات الحشر # PageV05P606 # والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها سيق ~~الكلام منجرا إلى هاهنا. ويحتمل أن يراد كتاب أنزلناه فيه نبأ عظيم وهؤلاء ~~الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور. ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ~~ما كان لي من علم بالملإ الأعلى وهم الملائكة إذ يختصمون أي يتقاولون فيما ms3998 ~~بينهم بالوحي. والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول ~~بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالا وجوابا والمشابهة علة لجواز المجاز. ~~ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلا إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين أي ~~ما يوحى إلي إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ~~أنما. وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إلي إلا لأن أنذر ولا أقصر. # روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أتاني الليل آت من ربي وفي ~~رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد. قلت: لبيك ربي وسعديك. قال: هل ~~تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أعلم. # قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات وما ~~في الأرض. قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في ~~الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات ~~المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن ~~عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه» «1» الحديث. # قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام. # واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمدا صلى الله عليه وسلم بسبب الحسد ~~والكبر فختم الله تعالى السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم ~~واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجرا للمكلفين عن هاتين ~~الخصلتين، فعلى هذا يكون إذ قال معمولا لمحذوف أي اذكر وقت قول ربك ~~للملائكة. وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد. ~~وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما يذكره عما قريب. والمعنى ما أحكيه خبر له شأن ~~لأنه مستفاد من الوحي. وقوله إذ قال بدل من إذ يختصمون والملأ الأعلى أصحاب ~~القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء [البقرة: 30] كأنهم قالوا: ~~هؤلاء فيما بينهم. ثم خاطبوا ms3999 بها الله سبحانه فلا يلزم أن يكون الله تعالى ~~من الملأ الأعلى ويثبت له مكان. أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل ~~تقاول الله وملائكته. وقال جار الله: # كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك ~~المتوسط. وقصة PageV05P607 # آدم مذكورة في «البقرة» وفي غيرها مشروحة. والتي في هذه السورة يوافق ~~أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله خلقت ~~بيدي كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن ~~القدرة يقال مالي بهذا الأمر يد أي قوة وطاقة. ومنها أنها النعمة. ومنها ~~أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله مما عملت أيدينا [يس: ~~71] وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك. والحق ~~فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته ~~مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد ~~أمكن جعله مجازا عنها. ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف ~~والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإحدى الصفتين، ~~كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإنه مظهر القهر إلا الإنسان فإنه مظهر ~~لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا # جاء في الأحاديث القدسية «لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان» # قوله أستكبرت أم كنت من العالين أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ~~ممن علوت وفقت؟ فأجاب بأنه من العالين حيث قال أنا خير منه وقيل: استكبرت ~~الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين. ومعنى الهمزة التقرير. قوله فالحق من ~~قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل لعمرك [الحجر: ~~72] أي فالحق قسمي لأملان والحق أقوله وهو اعتراض. ومن نصبهما فعلى أن ~~الثاني تأكيد للأول، أو على أن الأول للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ~~سبحانه، أو الحق الذي هو نقيض الباطل. وقوله منك ms4000 أي من جنسك وهم الشياطين ~~وممن تبعك منهم أي من ذرية آدم. وأجمعين تأكيد للتابعين والمتبوعين. ثم ختم ~~السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى ~~الداعي أو إلى المدعو إليه. أما الداعي فلا يسأل أجرا على ما يدعو إليه وهو ~~القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب ~~المال البتة. وأما المدعو إليه فقوله وما أنا من المتكلفين الذين ينتحلون ~~ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني ~~أدعوكم إلى الإقرار بالله أولا ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانيا، ثم إلى ~~وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثا ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد ~~والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء ~~رابعا، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامسا، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث ~~والقيامة سادسا ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ~~[النجم: 31] فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ~~ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله إن هو إلا ~~ذكر للعالمين # عن النبي صلى الله عليه وسلم «للمتكلف # PageV05P608 # ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم» # ولتعلمن نبأه بعد حين أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو ~~الموت لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. وقيل: هو القيامة. وقيل: هو حين ~~ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد. # PageV05P609 ### | (سورة الزمر) # (مكية إلا ثلاث آيات نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه يا عبادي الذين أسرفوا ~~إلى آخرهن حروفها أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية وكلمها ألف ومائة وسبعون ~~آياتها 75) ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 1 الى 31] # بسم الله الرحمن الرحيم # تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~فاعبد الله مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن ms4001 الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ~~ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4) # خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5) خلقكم من ~~نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده ~~الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) وإذا مس الإنسان ضر دعا ~~ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل ~~لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8) أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب (9) # قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض ~~الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10) قل إني أمرت أن أعبد ~~الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12) قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) # فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن ~~تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16) والذين اجتنبوا ~~الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من ms4002 في النار (19) # لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار ~~وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ~~ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال ~~مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من ~~يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم ~~القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25) فأذاقهم الله ~~الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26) ولقد ~~ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما ~~لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) # إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) # PageV05P610 ### | القراآت: # يرضه بالإشباع: ابن كثير وعلي والمفضل وعباس وإسماعيل وابن ذكوان وخلف ~~يرضه باختلاس ضمة الهاء: يزيد وسهل ويعقوب ونافع وعاصم غير يحيى وحماد ~~والمفضل وحمزة وهشام وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الباقون يرضه بسكون ~~الهاء ليضل بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. الباقون: بالضم أمن هو ~~بتخفيف الميم: نافع وابن كثير وحمزة وأبو زيد يا عبادي الذين بفتح الياء. # الشموني والبرجمي والوقف بالياء إني أمرت فبشر عبادي بفتح ياء المتكلم ~~فيهما: # شجاع وأبو شعيب وعباس والشموني والبرجمي والوقف بالياء إني أخاف بالفتح: # PageV05P611 # أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. سالما بالألف: ابن كثير وأبو عمرو. ~~والآخرون: # بفتح السين واللام من غير ألف. ### | الوقوف: # الحكيم ه له الدين ms4003 ه ط الخالص ط أولياء ه التقدير يقولون ولو وصل لأوهم ~~أن ما نعبدهم أخبار من الله قاله السجاوندي. وعندي أن هذا وهم بعيد والأولى ~~أن لا يوقف لئلا يفصل بين المبتدأ وخبره زلفى ج لاحتمال أن خبر المبتدأ هو ~~ما بعده يختلفون ه ط كفار ه ما يشاء ز لتعجيل التنزيه سبحانه ط القهار ه ز ~~بالحق ج لاحتمال كون ما بعده حالا والاستئناف أفضل والقمر ط مسمى ط الغفار ~~ه أزواج ط ثلاث ط الملك ط تصرفون ه الكفر ج لعطف جملتي الشرط مع وقوع ~~العارض لكم ط أخرى ط لأن «ثم» لترتيب الأخبار تعملون ه الصدور ه سبيله ط ~~قليلا ز ص والأولى الوصل أو التقدير فإنك النار ه رحمة ربه ط لا يعلمون ه ~~الألباب ه ربكم ط حسنة ط واسعة ط حساب ه له الدين ه ط المسلمين ه عظيم ه ~~ديني ه لا دونه ط يوم القيامة ط المبين ه ومن تحتهم ظلل ط عباده ط فاتقون ه ~~البشرى ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب عباد ه لا أحسنه ط الألباب ه العذاب ~~ه في النار ه ج للآية مع الاستدراك مبنية لا لأن ما بعده وصف الأنهار ط وعد ~~الله ط الميعاد ه حطاما ط الألباب ه من ربه ط لحذف جواب الاستفهام من ذكر ~~الله ط مبين ه ربهم ج لأن الجملة ليست من صفة الكتاب مع العطف ذكر الله ط ~~من يشاء ط هاد ه يوم القيامة ط لحق الحذف كما مر تكسبون ه لا يشعرون ه ~~الدنيا ج للام الابتداء مع العطف أكبر ه يعلمون ه يتذكرون ه ج لاحتمال كون ~~قرآنا نصبا على المدح أو على الحال المؤكدة كما يجيء يتقون ه متشاكسون ه ~~لرجل ط مثلا ط الله ج للإضراب مع اتفاق الجملتين لا يعلمون ه ميتون ه ~~تختصمون ه. ### | التفسير: # تنزيل الكتاب مبتدأ وخبره من الله وقيل: أصله هذا تنزيل الكتاب والجار ~~صلة، والأولى أقوى لأن الإضمار ms4004 خلاف الأصل، ولأنه يلزم مجاز آخر وهو كون ~~التنزيل بمعنى المنزل فإن هذا إشارة إلى القرآن أو إلى جزء منه وهو هذه ~~السورة. وفيه إبطال ما يقوله المشركون من أن محمدا يقوله من تلقاء نفسه. ~~وفي قوله من الله إشارة إلى الذات المستحق للعبادة والطاعة كقولك: هذا كتاب ~~من فلان. تعظم به شأن الكتاب: وفي قوله العزيز إشارة إلى أن هذا الكتاب يحق ~~قبوله فكتاب العزيز عزيز، وفيه أنه غني عن # PageV05P612 # إرسال الكتاب والاستكمال به وإنما ينتفع به المرسل إليهم. وفي قوله ~~الحكيم إشارة إلى أنه مشتمل على الفوائد الدينية والدنيوية لا على العبث ~~والباطل. وقوله إنا أنزلنا إليك ليس تكرارا من وجهين: أحدهما أن التنزيل ~~للتدريج والإنزال دفعي كما مر مرارا. والثاني أن الأول كعنوان الكتاب، ~~والثاني يقرر ما في الكتاب. وقوله بالحق يعني أن كل ما أودعنا فيه من إثبات ~~التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع التكاليف فهو حق وصدق مؤيد بالبرهان العقلي ~~وهو مطابقته للعقول الصحيحة، وبالدليل الحسي وهو أن الفصحاء عجزوا عن ~~معارضته. ثم اشتغل ببيان بعض ما فيه من الحق وهو الإقبال على عبادته ~~بالإخلاص والالتفات عما سواه بالكلية. أما الأول فهو قوله فاعبد الله أي ~~أنت أو أمتك مخلصا له الدين وآية الإخلاص أن يكون الداعي إلى العبادة هو ~~مجرد الأمر لا طلب مرغوب أو هرب مكروه. وأما الثاني فذلك قوله ألا لله ~~الدين الخالص أي واجب اختصاصه بالطاعة من غير أن يشوب ذلك دعاء أو شرك ظاهر ~~وخفي. وخصصه قتادة فقال: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وحين حث ~~على التوحيد والإخلاص ذم طريقة الشرك والتقليد فقال والذين اتخذوا الضمير ~~للمشركين ولكن الموصول يحتمل أن يكون عبارة عن المشركين والخبر ما أضمر من ~~القول، أو قوله إن الله يحكم بينهم والقول المضمر حال أو بدل فلا يكون له ~~محل كالمبدل، وأن يكون عبارة عن الشركاء والخبر إن الله يحكم بينهم والقول ~~المضمر للحال أو بدل. وتقدير الكلام على الأول: والمشركون الذين اتخذوا من ms4005 ~~دونه أولياء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا، أو المشركون الذين اتخذوا من ~~دونه أولياء قائلين أو يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن ~~الله يحكم بينهم. وعلى الثاني: والشركاء الذين اتخذهم المشركون أولياء ~~قائلين أو يقولون كذا إن الله يحكم بينهم. وإذا عرفت التقادير فنقول: ~~المراد بالأولياء هاهنا الملائكة وعيسى واللات والعزى. قال ابن عباس: # كانوا يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله أما الملائكة وعيسى فظاهر، وأما ~~الأصنام فلأنهم اعتقدوا أنها تماثيل الكواكب والأرواح السماوية أو ~~الصالحين. ومعنى حكم الله بينهم أنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ويدخلهم مع ~~الأصنام النار. واختلافهم أن الملائكة وعيسى موحدون وهم مشركون والأصنام ~~يكفرون يوم القيامة بشركهم وهم يرجون نفعهم وشفاعتهم. ويجوز أن يرجع الضمير ~~في بينهم إلى الفريقين المؤمن والمشرك. ولا يخفى ما في الآية من التهديد. ~~ثم سجل عليهم بالخذلان والحرمان فقال إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~فكذبهم هو زعمهم شفاعة الأصنام وكفرانهم أنهم تركوا عبادة المنعم الحق ~~وأقبلوا على عبادة من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا. ومن جملة كذبهم قولهم ~~الملائكة # PageV05P613 # بنات الله فلذلك نعبد صورها فاحتج على إبطال معتقدهم بقوله لو أراد الله ~~أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء وهو الأفضل يعني البنين لا الأنقص ~~وهن البنات. وقال جار الله: معناه لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل ~~من اصطفاء ما شاء من خلقه وهم الملائكة، لأن اتخاذ الولد ممتنع، وفيه توبيخ ~~لهم على أنهم حسبوا الاصطفاء اتخاذ الأولاد بل البنات. وأقول: إنه تعالى ~~أراد إبطال قولهم بطريق برهان وهو صورة قياس استثنائي كقوله لو أراد الله ~~أن يتخذ ولدا لاصطفى لأجل الاتخاذ مما يخلق ما يشاء لكنه ما اصطفى ينتج أنه ~~لم يرد أما الشرطية فظاهرة بعد تسليم كمال قدرته، وأما الثانية فأشار إليها ~~بقوله سبحانه هو الله الواحد القهار فقوله سبحانه إشارة إلى استحالة ~~اصطفائه شيئا لأجل اتخاذ الولد. وقوله هو الله الواحد القهار إشارة إلى ~~البرهان على استحالة ذلك ms4006 وتقريره من ثلاثة أوجه: الأول أنه هو الله وهو اسم ~~للمعبود الواجب الذات الجامع لجميع نعوت الجمال والجلال واتخاذ الولد يدل ~~على الحاجة والفقر حتى يقوم الولد بعده مقامه، أو على الاستئناس والالتذاذ ~~بوجوده أو لغير ذلك من الأغراض، وكل ذلك ينافي الوجوب الذاتي والاستغناء ~~المطلق. الثاني أنه هو الواحد الحقيقي كما مر ذكره مرارا. والولد إنما يحصل ~~من جزء من أجزاء الوالد، ومن شرطه أن يكون مماثلا لوالده في تمام الماهية ~~حتى تكون حقيقة الوالد حقيقة نوعية محمولة على شخصين، ويكون تعين كل منهما ~~معلوما لسبب منفصل وكل ذلك ينافي التعين الذاتي والوحدة المطلقة. وأيضا إن ~~حصول الولد من الزوج يتوقف على الزوجة عادة وهي لا بد أن تكون من جنس الزوج ~~فلا يكون الزوج مما ينحصر نوعه في شخصه. الثالث أنه هو القهار والمحتاج إلى ~~الولد هو الذي يموت فيقوم الولد مقامه والميت مقهور لا قاهر، فثبت بهذه ~~الدلائل أنه تعالى ما اصطفى شيئا لأن يتخذه ولدا فصح أنه لم يرد ذلك، ونفي ~~إرادة الاتخاذ أبلغ من نفي الاتخاذ فقد يراد ولا يتخذ لمانع كعجزه ونحوه. ~~هذا ما وصل إليه فهمي في تفسير هذه الآية والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. # وحين طعن في إلهية الأصنام عدد الصفات التي بها يستدل على الإلهية الحقة ~~وهي أصناف: أولها قوله خلق السماوات والأرض بالحق أي متلبسا بالغاية ~~الصحيحة وقد مر مرارا. الثاني. يكور الليل على النهار والتكوير اللف واللي ~~يقال كار العمامة على رأسه وكورها. وفي التشبيه أوجه منها: أن الليل ~~والنهار متعاقبان إذا غشي أحدهما مكان الآخر فكأنما ألبسه ولف عليه. ومنها ~~أنه شبه كل منهما إذا غيب صاحبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الأبصار. ~~ومنها أن كلا منهما يكر على الآخر كرورا متتابعا كتتابع أكوار العمامة. # وقيل: أراد أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص من الآخر من # قوله صلى الله عليه وسلم «نعوذ بالله من # PageV05P614 # الحور بعد الكور» «1» # أي من الإدبار بعد الإقبال. الثالث ms4007 قوله وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ~~مسمى وقد مر مثله في «فاطر» وغيره. وحيث كان الأجل المسمى شاملا للقيامة ~~عقبه بقوله ألا هو العزيز الغفار وفيه ترهيب مع ترغيب. الرابع والخامس قوله ~~خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وهما آيتان أولهما تشعيب الخلق ~~الفائت للحصر من نفس آدم، والثانية خلق حواء من ضلعه. ومعنى «ثم» ترتيب ~~الأخبار لأن الأولى عادة مستمرة دون الثانية إذ لم يخلق أنثى غير حواء من ~~قصيري رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع. وقيل: هو متعلق ~~بواحدة في المعنى كأنه قيل: خلقكم من نفس واحدة ثم شفعها الله بزوج منها. ~~وقيل: إنه خلق آدم وأخرج ذريته من ظهره ثم ردهم إلى مكانهم، ثم خلق بعد ذلك ~~حواء. وقيل: «ثم» قد يأتي مع الجملة دالا على التقدم كقوله ثم اهتدى [طه: ~~82] ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 17] # وكقوله صلى الله عليه وسلم «فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير» # السادس قوله وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج أما الأزواج فهي المذكورة ~~في سورة الأنعام من الضأن اثنين الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين، ومن الإبل ~~اثنين، ومن البقر اثنين. وأما وصفها بالإنزال فقيل: أنزلها من الجنة. وقيل: # أراد إنزال ما هو سبب في وجودها وهو المطر الذي به قوام النبات الذي به ~~يعيش الحيوان. # وقيل: أنزل بمعنى قضى وقسم لأن قضاياه وقسمه مكتوبة في اللوح ومن هناك ~~ينزل. وفي هذه العبارة نوع فخامة وتعظيم لإفادتها معنى الرفعة والاعتلاء ~~ولهذا يقال: رفعت القضية إلى الأمير وإن كان الأمير في سرب. وخصت هذه ~~الأزواج بالذكر لكثرة منافعها من اللبن واللحم والجلد والشعر والوبر ~~والركوب والحمل والحرث وغير ذلك. السابع قوله يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا ~~من بعد خلق والمقصود ذكر تخليق الحيوان على الإطلاق بعد ذكر تخليق الإنسان ~~والأنعام، إلا أنه غلب أولي العقل لشرفهم. ويحتمل أن يكون ذكر الإنعام ~~اعتراضا حسن موقعه ذكر الأزواج بعد قوله جعل منها زوجها ليعلم أن كل ms4008 حيوان ~~ذو زوج وترتيب التخليق مذكور مرارا كقوله ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين إلى قوله أحسن الخالقين [المؤمنون: 14] والظلمات الثلاث: البطن والرحم ~~والمشيمة، أو الصلب والرحم والبطن. ذلكم الذي هذه أفعاله ربكم له الملك وقد ~~مر إعرابه في «فاطر» . لا إله إلا هو إذ لا موصوف بهذه الصفات إلا هو فأنى ~~تصرفون PageV05P615 # أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان؟ ثم بين أنه غني عن طاعات ~~المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال إن تكفروا فإن الله غني عنكم قال ~~المعتزلة: في قوله ولا يرضى لعباده الكفر دليل على أن الكفر ليس بقضائه ~~وإلا لكان راضيا به. وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن ~~العباد المضاف إلى الله أو إلى ضميره هم المؤمنون. قال وعباد الرحمن الذين ~~يمشون [الفرقان: 63] عينا يشرب بها عباد الله [الدهر: 6] فمعنى الآية: ولا ~~يرضى لعباده المخلصين الكفر. وهذا مما لا نزاع فيه. أو نقول: سلمنا أن كفر ~~الكافر ليس برضا الله بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض ~~إلا أنا ندعي أنه بإرادته، وليس في الآية دليل على إبطاله. ثم بين غاية ~~كرمه بقوله وإن تشكروا يرضه لكم والسبب في كلا الحكمين ما # جاء في الحديث القدسي «سبقت رحمتي غضبي» # وباقي الآية مذكور مرارا مع وضوحه. ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض ~~آرائه بقوله وإذا مس إلى آخره. وقد مر نظيره أيضا. وقيل: إن الإنسان هو ~~الكافر الذي تقدم ذكره. # وقيل: أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره. ومعنى خوله أعطاه لا ~~لاستجرار العوض. # قال جار الله: في حقيقته وجهان: أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل ~~مال وخال مال إذا كان متعهدا له حسن القيام به. ومنه ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة # أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطا في الوعظ وعظهم. والثاني أنه ~~جعله يخول أي يفتخر كما قيل: # إن الغني طويل الذيل مياس ومعنى نسي ms4009 ما كان يدعوا إليه نسي الضر الذي كان ~~يدعو الله إلى كشفه، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و «ما» بمعنى «من» . ~~والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع الله. ~~واللام في ليضل لام العاقبة. ثم هدده بقوله تمتع بكفرك كقوله اعملوا ما ~~شئتم [فصلت: 40] وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلا ثم يؤل إلى ~~النار. # ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى الله ولا اعتماد ~~لهم إلا على فضله فقال أمن هو قانت قال ابن عباس: القنوت الطاعة. وقال ابن ~~عمر: لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام. والمشهور أنه الدعاء في ~~الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة. وعن قتادة آناء الليل أوله ووسطه ~~وآخره. وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ~~ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل # PageV05P616 # الخارجية، ولأن الليل وقت الراحة فالعبادة فيه أشق على النفس فيكون ثوابه ~~أكثر. والواو في قوله ساجدا وقائما للجمع بين الصفتين. وفي قوله يحذر ~~الآخرة أي عذابها ويرجوا رحمة ربه إشارة إلى أن العابد يتقلب بين طوري ~~القهر واللطف، ويتردد بين حالي القبض والبسط ولا يخفى أن في الكلام حذفا ~~فمن قرأ أمن بالتخفيف فالخبر محذوف والمعنى أمن هو مطيع كغيره، وإنما حذف ~~لدلالة الكلام عليه وهو جري ذكر الكافر قبله وبيان عدم الاستواء بين العالم ~~والجاهل بعده. ومن قرأ بالتشديد فالمحذوف جملة استفهامية والمذكور معطوف ~~على المبتدأ والمعنى: هذا أفضل أمن هو قانت. وقيل: الهمزة على قراءة ~~التخفيف للنداء كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من تصلي وتصوم أبشر. # وقيل: المنادي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قوله قل هل يستوي ~~الذين يعلمون الآية. قال جار الله: أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم ~~القانتون فكأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون ~~العلوم ثم لا يقنتون فيها ثم يفتنون بالدنيا. ms4010 ويجوز أن يراد على وجه ~~التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون كذلك لا يستوي القانتون ~~والعاصون. قيل: نزلت في عمار بن ياسر وأمثاله، والظاهر العموم. وفي قوله ~~إنما يتذكر أولوا الألباب إشارة إلى أن هذا التفات العظيم بين العالم ~~والجاهل لا يعرفه إلا أرباب العقول كما قيل: # إنما نعرف ذا الفضل من الناس ذووه وقيل لبعض العلماء: إنكم تزعمون أن ~~العلم أفضل من المال ونحن نرى العلماء مجتمعين على أبواب الملوك دون العكس؟ ~~فأجاب بأن هذا أيضا من فضيلة العلم لأن العلماء علموا ما في المال من ~~المنافع فطلبوه، والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فتركوه. وحين ~~بين عدم الاستواء بين من يعلم وبين من لا يعلم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يخاطب المؤمنين بأنواع من الكلام. النوع الأول. قل يا عبادي الذين آمنوا ~~اتقوا ربكم قال أهل السنة: أمر المؤمنين أن يضموا إلى الإيمان التقوى، وفيه ~~دلالة على أن الإيمان يبقى مع المعصية. وقالت المعتزلة: أمرهم بالتقوى ~~لكيلا يحبطوا إيمانهم بارتكاب الكبائر بل يزيدوا في الإيمان حتى يتصفوا ~~بصفة الاتقاء. ثم بين للمؤمنين فائدة الاتقاء قائلا للذين أحسنوا الآية. ~~وقوله في هذه الدنيا إما أن يكون صلة لما قبله أو صلة لما بعده وهو قول ~~السدي. # ومعناه على الأول: الذين أحسنوا في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة وهي ~~الجنة. والتنكير للتعظيم أي حسنة لا يصل العقل إلى كنهها. وعلى الثاني: ~~الذين أحسنوا فلهم في هذه # PageV05P617 # الدنيا حسنة. قال جار الله: فالظرف بيان لمكان الحسنة. ويحتمل أن يقال: ~~إنه نصب على الحال لأنه نعت للنكرة قدم عليها. والقائلون بهذا القول فسروا ~~الحسنة بالصحة والعافية وضم بعضهم إليها الأمن والكفاية. ورجح الأول بأن ~~هذه الأمور قد تحصل للكفار على الوجه الأتم فكيف تجعل جزاء للمؤمن المتقي. ~~وقيل: هي الثناء الجميل. وقيل: الظفر والغنيمة. وقيل: نور القلب وبهاء ~~الوجه. وفي قوله وأرض الله واسعة إشارة إلى أن أسباب التقوى إن لم يتيسر في ~~أرض وجبت الهجرة ms4011 إلى أرض يتيسر ذلك فيها فيكون كقوله ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها [النساء: 97] وعن أبي مسلم: هي أرض الجنة لأنه حين بين ~~أن المتقي له الجنة وصف أرض الجنة بالسعة ترغيبا فيها كما قال نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء [الزمر: 74] إنما يوفى الصابرون على مفارقة الأوطان وتجرع ~~الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وتكاليفه أجرهم بغير حساب أي لا ~~يحاسبون أو بغير حصر. # قال جار الله: عن النبي صلى الله عليه وسلم «ينصب الله الموازين يوم ~~القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل الحج فيوفون ~~أجورهم بالموازين ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان ~~ويصب عليهم الأجر صبا» ثم تلا الآية وقال: حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا ~~أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. # النوع الثاني قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على ~~هذا الدين الذي أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادة قومك يعبدون ~~اللات والعزى؟ فأنزل الله هذه الآية. # وكأنه إشارة إلى الأمر المذكور في أول السورة فاعبد الله مخلصا له الدين ~~وقوله وأمرت لأن أكون ليس بتكرار لأن اللام للعلة والمأمور به محذوف يدل ~~عليه ما قبله والمعنى: أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول ~~المسلمين أي مقدمهم وسابقهم في الدارين فنقول: فائدة التكرار أن ذكر ~~التعليل مع نوع تأكيد. وقيل: اللام بدل من الباء أي أمرت بأن أكون أول من ~~دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره ليصح الاقتداء بي في قولي وفعلي. ولعل ~~الإخلاص إشارة إلى عمل القلب والإسلام إلى عمل الجوارح، # فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل بالأعمال ~~الظاهرة، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم ليس مثل الملوك الجبابرة الذين ~~يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلونها بل له سابقة في كل ما يأمر به وينهى ~~عنه. ms4012 # وحين بين أن الله أمره بإخلاص القلب وبأعمال الجوارح وكان الأمر يحتمل ~~الوجوب والندب بين أن ذلك الأمر للوجوب فقال قل إني أخاف الآية. وذلك أن ~~خوف العقاب لا يترتب إلا على ترك الواجب، وإذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع جلالة قدره خائفا من العصيان فغيره أولى. قيل: المراد به أمته. ~~وقيل: نزلت قبل أن يغفر الله له. وقالت الأشاعرة: فيه دليل على أن صاحب ~~الكبيرة # PageV05P618 # قد يعفى عنه لأنه بين أن اللازم عند حصول المعصية خوف العقاب لا نفس ~~العقاب. النوع الثالث قل الله أعبد مخلصا له ديني وليس بتكرار لما قبله ~~وذلك أن الأول للإخبار بأنه مأمور من جهة الله بالعبادة الخالصة عن الشرك ~~الجلي والخفي، وهذا إخبار بأن الذي أمر به فإنه قد أتى به على أكمل الوجوه، ~~ولهذا أخر الفعل وضم إلى مضمونه التهديد بقوله فاعبدوا ما شئتم من دونه ~~النوع الرابع قل إن الخاسرين الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه هم الذين ~~خسروا أنفسهم لوقوعها في هلكة الإخلاد بعذابها وخسروا أهليهم لأن أهلهم ~~وأولادهم إن كانوا في النار فلا فائدة لهم منهم لأنهم محجوبون عنهم، أو لأن ~~كلا منهم مشغول بهمه وإن كانوا من أهل الجنة فما أبعد ما بينهم. # وقيل: أهلوهم الحور العين في الجنة لو آمنوا. # قال أهل البيان: في قوله ألا ذلك هو الخسران المبين تفظيع لشأنهم حيث ~~استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه ووسط الفصل وعرف الخسران ووصفه بالمبين. ~~قلت: # التحقيق فيه أن للإنسان قوتين يستكمل بإحداهما علما وبالأخرى عملا. ~~والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالبديهيات وترتيبها على ~~الوجه المؤدي إلى النتائج وهو بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال ~~بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هي القوى البدنية وغيرها من ~~الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر ~~التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة فكل من أعطاه الله العقل والصحة ~~والتمكين. # ثم إنه لم يستفد منها معرفة الحق ولا عمل الخير فإذا مات ms4013 فقد فات ربحه ~~وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده ~~أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه وقد أشار إلى هذا بقوله ~~لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل أي أطباق من النار من ظلل الآخرين ~~فإن لجهنم دركات كما أن للجنة درجات. وقال المفسرون: سمى النار ظلة بغلظها ~~وكثافتها فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب حائلة من النظر إلى شيء آخر. ~~قلت: إن كانوا في كرة النار فوجهه ظاهر ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة ~~نار الجهل والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان وقد مر في قوله لهم من ~~جهنم مهاد ومن فوقهم غواش [الأعراف: 41] يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم [العنكبوت: 55] وقيل: الظلة ما علا الإنسان فسمى ما تحتهم ~~بالظلة إطلاقا لأحد الضدين على الآخر، أو لأن التحتانية مشابهة للفوقانية ~~في الحرارة والإحراق وذلك العذاب المعد للكفار يخوف الله به عباده المؤمنين ~~وقد مر أن العباد في القرآن إذا كان مضافا إلى ضمير الله اختص بأهل الإيمان ~~عند أهل السنة. وعندي أنه لا مانع من # PageV05P619 # التعميم هاهنا. ثم عقب الوعيد بالوعد قائلا والذين اجتنبوا الطاغوت وهو ~~كل ما عبد من دون الله كما مر في آية الكرسي. وقوله أن يعبدوها بدل اشتمال ~~منه وأنابوا إلى الله رجعوا بالكلية إلى تحصيل رضاه، فالأول تخلية، والثاني ~~تحلية، وحقيقة الإعراض عما سوى الله والإقبال على الله هي أن يعرف أن كل ما ~~سواه فإنه ممكن الوجود لذاته فقير في نفسه وهو سبحانه واجب الوجود لذاته ~~غني على الإطلاق لا حكم إلا له ولا تدبير إلا به وبأمره. لهم البشرى أي هم ~~مخصوصون بالبشارة المطلقة وهي الخبر الأول الصدق الموجب للسرور بزوال ~~المكاره وحصول الأماني ووقتها الموت الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون ~~سلام عليكم [النحل: 32] وعند دخول الجنة والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ~~سلام عليكم بما صبرتم [الرعد: 24] وعند لقاء الله تحيتهم يوم يلقونه سلام ~~[الأحزاب: 44] وسماع هذه البشارات ms4014 في الدنيا على ألسنة الرسل لا يخرجها عن ~~كونها بشارة في هذه الأوقات لأنها في الأول عامة للمكلفين مبهمة فيهم ولا ~~تتعين إلا في هذه الأحوال. وقيل: هذه أنواع أخر من السعادات فوق ما عرفوها ~~أو سمعوها نسأل الله الفوز بها. قال ابن زيد: نزلت في ثلاثة نفر كانوا ~~يقولون في الجاهلية لا إله إلا الله: زيد بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسلمان ~~الفارسي. وعن ابن عباس أن أبا بكر آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه ~~عثمان وعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد وسعيد فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا ~~فأنزل الله فبشر عبادي الذين يستمعون القول أي من أبي بكر فيتبعون أحسنه ~~وهو لا إله إلا الله. # وقال أهل النظم: لما بين أن الذين اجتنبوا وأنابوا لهم البشرى وكان ذلك ~~درجة عالية لا يصل إليها إلا الأقلون جعل الحكم أعم إظهارا للرحمة فقال: كل ~~من اختار الأحسن في كل باب كان من زمرة السعداء أهلا للبشارة. وقال جار ~~الله: أراد بعباده الذين يستمعون القول الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم أي ~~هم الذين ضموا هذه الخصلة إلى تلك، ولهذا وضع الظاهر في موضع المضمر. وفي ~~الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال وأنه إذا اعترض أمران واجب وندب، ~~فالأولى اختيار الواجب. وكذا الكلام في المباح والندب، فالأولى اختيار ~~الواجب. وكذا الكلام في المباح والندب كالقصاص والعفو وكل ما هو أحوط في ~~الدين. مثاله في الأصول القول بأن للعالم صانعا حيا قديما عليما قادرا ~~متصفا بنعوت الجلال والإكرام وصفات الكمال والتمام، أولى وأحوط من إنكاره. ~~وكذا الإقرار بالبعث والجزاء أحوط من الإنكار، وفي الفروع الصلاة المشتملة ~~على القراءة والتشهد والتسليم وغيرها من الأركان والأبعاض المختلف فيها ~~أجود من الصلاة الفارغة عنها أو عن بعضها. # وقال العارفون: يسمعون من النفس الدعوة إلى الشهوات، ومن الشيطان قول ~~الباطل # PageV05P620 # والغرور، ومن الملك الإلهامات، ومن الله ورسوله الدعاء إلى دار السلام، ~~فيقبلون كلام الله ورسوله والخواطر الحسنة دون غيرها. وعن ابن عباس: هو ~~الرجل يجلس مع القوم فيستمع ms4015 الحديث فيه محاسن ومساو فيحدث بأحسن ما سمع ~~ويكف عما سواه. ومن الواقفين من يقف على قوله فبشر عبادي ويبتدىء الذين ~~يستمعون وخبره أولئك الذين هداهم وهو إشارة إلى الفاعل وأولئك هم أولوا ~~الألباب إشارة إلى أن جواهر نفوسهم قابلة لفيض الهداية بخلاف من لم يكن له ~~قابلية ذلك وهو قوله أفمن حق عليه كلمة العذاب قال جار الله: أصل الكلام ~~أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه فهي جملة شرطية دخل عليها الهمزة ~~للإنكار، وكررت الفاء الثانية للجزاء تأكيدا لمعنى الإنكار. ووضع من في ~~النار موضع الضمير تصريحا بجزائهم، وأما الفاء الأولى فللعطف على محذوف يدل ~~عليه سياق الكلام تقديره: أأنت مالك أمرهم؟ فمن حق إلى آخره. وجوز أن يكون ~~الكلام بعد المحذوف جملتين شرطية جزاؤها محذوف أيضا ثم حملية والتقدير: ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار؟ قلت: فالكلام ~~على هذا التقدير يشتمل على أربع جمل: ثنتان بعد همزتي الإنكار محذوفتان ~~والباقيتان ظاهرتان. ومن زعم أن الفاء بعد الهمزة لمزيد الإنكار لا للعطف ~~فمجموع الآية شرطية كما ذكرنا، أو هي مع حملية ثم صرح بجزاء المتقين فقال ~~لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف وهو كالمقابل لما مر في وعيد الكفار لهم من ~~فوقهم ظلل ومعنى قوله مبنية والله أعلم. أنها بنيت بناء المنازل التي على ~~الأرض وسويت تسويتها وجعلت متساوية في أسباب النزاهة من الأشجار والأنهار ~~لا مثل أبنية الدنيا فان الفوقاني منها يكون أضعف من التحتاني وأخف، ~~والتحتاني قد يجري من تحتها الأنهار، وأما الفوقاني فلا يمكن فيها ذلك. قال ~~حكماء الإسلام: الغرف المبنية بعضها فوق بعض هي العلوم المكتسبة المبنية ~~على الفطريات، وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية. # وحين وصف الآخرة بصفات توجب الرغبة فيها أراد أن يصف الدنيا بما يقتضي ~~النفرة عنها فقدم لذلك مقدمة يستدل بها على حقية الصانع أيضا فقال ألم تر ~~أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه أي أدخله في الأرض حال كون ذلك ms4016 الماء ~~ينابيع مثل الدم في العروق. والينابيع جمع ينبوع وهو كل ماء يخرج من الأرض. ~~وقيل: هو الموضع الذي يخرج منه الماء كالعيون والآبار فينصب على الظرف. ~~وقوله ثم يخرج على لفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن وهي إخراج ~~النبت المختلف الألوان والأصناف والخواص بسبب الماء المخالط للأرض ثم يهيج ~~أي يتم جفافه. قال الأصمعي: لأنه إذا # PageV05P621 # تم جفافه جاز له أن يثور عن منابته ويذهب ثم يجعله حطاما أي فتاتا متكسرا ~~إن في ذلك الذي ذكر من إنزال الماء وإخراج الزرع بسببه لذكرى لتذكيرا أو ~~تنبيها على وجود الصانع لأولي الألباب وفيه أن الإنسان وإن طال عمره فلا بد ~~له من الانتهاء إلى حالة اصفرار اللون وتحطم الأجزاء والأعضاء بل إلى الموت ~~والفناء. وإنما قال هاهنا ثم يجعله حطاما وفي الحديد ثم يكون حطاما ~~[الحديد: 20] لأن الفعل هناك مسند إلى النبات وهو قوله أعجب الكفار نباته ~~وهاهنا مسند إلى الله من قوله أنزل إلى آخره. وحين بالغ في تقرير البيانات ~~الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله والإعراض عن الدنيا الفانية بين أن ~~ذلك البيان لا يكمل الانتفاع به إلا إذا شرح الله صدره ونور قلبه فقال أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ولا يخفى ما في لفظة «على» من ~~فائدة الاستعلاء والتمكن كما مر في قوله أولئك على هدى [البقرة: 5] والخبر ~~محذوف كما ذكرنا في قوله أمن هو قانت يعني هذا الشخص المنشرح الصدر كمن طبع ~~الله على قلبه يدل عليه ما بعده فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أي من أجل ~~سماع القرآن. وإنما عدى ب «من» لأن قسوة القلب تدل على خلوه من فوائد ~~القرآن ويجوز أن يكون «من» للتعليل وذلك أن جواهر النفوس مختلفة فبعضها ~~تكون مشرقة بنور الله يزيدها نور القرآن بهاء وضياء، وبعضها تكون مظلمة ~~كدرة لا ينعكس نور الذكر إليها ولا تظهر صور الحق فيها كالمرآة الصدئة. ثم ~~أكد وصف القرآن وكيفية تأثيره في النفوس بقوله الله ms4017 نزل أحسن الحديث # عن ابن عباس وابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة ~~فقالوا له: حدثنا، فنزلت الآية. # والحديث كلام يتضمن الخبر عن حال متقدمة ووصفه بالحدوث من حيث النزول لا ~~ينافي قدمه من حيث إنه كلام نفسي. ووجه كونه أحسن لفظا ومعنى مما لا يخفى ~~على ذي طبع فضلا عن ذي لب. وقوله كتابا بدل من أحسن أو حال موطئة. ومعنى ~~متشابها أنه يشبه بعضه بعضا في الإعجاز اللفظي والمعنوي والنظم الأنيق ~~والأسلوب العجيب والاشتمال على الغيوب وعلى أصول العلوم كما مر في أول ~~«البقرة» في تفسير قوله وإن كنتم في ريب [البقرة: 23] وقيل: هو من قوله ~~وأخر متشابهات [آل عمران: 7] فيكون صفة لبعض القرآن. وقيل: # يشبه اللفظ اللفظ والمعنى مختلف. وقوله مثاني جميع مثنى ومثنى بمعنى مكرر ~~لما ثنى من قصصه وأحكامه ومواعظه، أو لأنه يثني في التلاوة فلا يورث ملالا # كقوله «ولا يخلق على كثرة الرد» «1» # وقيل: المثاني لآي القرآن كالقوافي للشعر. وقد مر بعض هذه الأقوال في ~~مقدمات الكتاب وفي سورة الحجر في قوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: ~~87] PageV05P622 # ومعنى اقشعرار الجلد تقبضه. قال جار الله: تركيبه من حروف القشع وهو ~~الأديم اليابس مضموما إليها الراء ليصير رباعيا دالا على معنى زائد، وهو ~~تمثيل لشدة الخوف أو حقيقة سببه الخوف. قال المفسرون: أراد أنهم عند سماع ~~آيات العذاب يخافون فتقشعر جلودهم وعند سماع آيات الرحمة والإحسان أو ~~تذكرهم لرأفته وأن رحمته سبقت غضبه تلين جلودهم وقلوبهم. ومعنى «إلى» في ~~قوله إلى ذكر الله هو أنه ضمن لأن معنى سكن واطمأن. وقال العارفون: إذا ~~نظروا إلى عالم الجلال طاشوا وإن راح لهم أثر من عالم الجمال عاشوا. وقال ~~أهل البرهان: إذا اعتبر العقل موجودا لا أول له ولا آخر ولا حين ولا جهة ~~وقع في بادية التحير والهيبة، وإذا اعتبر الدلائل القاطعة على وجود موجود ~~واجب لذاته واحد في صفاته وأفعاله اطمأن قلبه إليه. قال جار الله: إنما ~~ذكرت الجلود أولا ms4018 وحدها لأن الخشية تدل على القلوب لأنها محل الخشية فكأنه ~~قيل: تقشعر جلودهم بعد خشية قلوبهم، ثم إذا ذكروا الله ومبنى أمره على ~~الرأفة والرحمة استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينا في ~~جلودهم. ويحتمل أن يقال: المكاشفة في مقام الرجاء أكمل منها في مقام الخوف، ~~ومحل المكاشفات هو القلب، فلذلك اختص ذكر القلب بجانب الرجاء. ثم أشار إلى ~~الكتاب المذكور بقوله ذلك هدى الله كقوله هدى للمتقين [البقرة: 2] . # ثم بين أن للقاسية قلوبهم حالين: أما في الدنيا فالضلال العام وهو قوله ~~ومن يضلل الله فما له من هاد وأما في الآخرة فقوله أفمن يتقي بوجهه سوء ~~العذاب أي شدته والخبر محذوف وهو كمن أمن العذاب واتقاء العذاب بوجهه إما ~~حقيقة بأن تكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا ~~بوجهه، وإما أن يكون كناية عن عجزه عن الاتقاء وذلك أن الإنسان إذا وقع في ~~نوع من العذاب فإنه يجعل يديه وقاية لوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، فكأنه ~~قيل: لا يقدرون على الاتقاء إلا بالوجه، والاتقاء بالوجه غير ممكن فلا ~~اتقاء أصلا وقيل للظالمين القائلون هم خزنة النار. قوله كذب الذين من قبلهم ~~تصوير لحال أمثالهم من الأمم الخالية بيناهم آمنون إذ أخذهم العذاب والخزي ~~في الدنيا كالمسخ والقتل ونحوهما. ثم بين بقوله ولقد ضربنا إلى آخر الآيتين ~~أن هذه البيانات بلغت في الكمال إلى حيث لا مزيد عليه. ثم ضرب من أمثال ~~القرآن مثلا لقبح طريقة أهل الشرك وهو رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء ~~متشاكسون أي كلهم يسيء خلقه في استخدامه أو هم مختلفون في ذلك يأمره هذا ~~بشيء وينهاه الآخر عن ذلك الشيء بعينه. # والشكاسة سوء الخلق والاختلاف. ورجلا سالما لرجل أي خالصا من الشرك. ومن ~~قرأ بغير ألف فعلى حذف المضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة. وقال جار ~~الله: وإنما # PageV05P623 # جعله رجلا ليكون أفطن لما شقي به أو سعد فان المرأة والصبي قد يغفلان عن ~~ذلك. قلت: # لا ريب ms4019 أن الرجل أصل في كل باب فجعله مضرب المثل أولى نظيره وضرب الله ~~مثلا رجلين أحدهما أبكم [النحل: 76] ثم استفهم على سبيل الإنكار بقوله هل ~~يستويان مثلا وهو تمييز أي هل يستوي حالاهما وصفتاهما. واقتصر في التمييز ~~على الواحد لقصد الجنس والمراد تجهيل من يجعل المعبود متعددا، فليس رضا ~~واحد كطلب رضا جماعة مختلفين. وحاصله يرجع إلى دليل التمانع كما مر في قوله ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [الأنبياء: 22] وقال أهل العرفان: ~~الشركاء المتشاكسون تجاذب شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال، ~~فأين ذلك الرجل ممن ليس له في الدنيا نصيب ولا له في الخلق نسيب وهو عن ~~الآخرة غريب وإلى الله قريب. قوله الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون كما مر في ~~«لقمان» قوله إنك ميت وجه النظم أنه سبحانه كأنه قال إن هؤلاء الأقوام إن ~~لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة بسبب استيلاء الحرص والحسد عليهم في ~~الدنيا، فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضا يؤلون إلى الموت فلو ~~أنهم يتربصون بك الموت فإن الموت يعم الكل فلا معنى لشماتة المرء بعد وفاة ~~صاحبه ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون تحتج عليهم بأنك قد بلغت وهم ~~يعتذرون بما لا طائل تحته، وقد يخاصم الكفار بعضهم بعضا حتى يقال لهم لا ~~تختصموا لدي [ق: 28] وقد يقع الاختصام بين أهل الملة في الدماء والمظالم ~~التي بينهم والله أعلم. # تم الجزء الثالث والعشرون، وبه يتم المجلد الخامس من تفسير غرائب القرآن ~~ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري، ويليه المجلد السادس، ~~وأوله: # فمن أظلم ممن كذب على الله ... # PageV05P624 ### | الفهرس # فهرس المجلد الخامس من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان # PageV05P625 # تفسير سورة الأنبياء الآيات: 1- 20 3 الآيات: 21- 50 11 الآيات: 51- 91 ~~27 الآيات: 92- 112 52 تفسير سورة الحج الآيات: 1- 22 61 الآيات: 23- 41 74 ~~الآيات: 42- 64 87 الآيات: 65- 78 98 تفسير سورة المؤمنون الآيات: 1- 30 ~~106 الآيات: 31- 56 118 الآيات: 57- 90 125 الآيات: 91- 118 132 تفسير سورة ~~النور ms4020 الآيات: 1- 10 140 الآيات: 11- 26 165 الآيات: 27- 34 175 الآيات: ~~35- 50 192 الآيات: 51- 64 207 تفسير سورة الفرقان الآيات: 1- 20 219 ~~الآيات: 21- 50 229 # PageV05P627 # الآيات: 51- 77 249 تفسير سورة الشعراء الآيات: 1- 68 261 الآيات: 69- ~~122 272 الآيات: 123- 175 279 الآيات: 176- 227 283 تفسير سورة النحل ~~الآيات: 1- 14 291 الآيات: 15- 44 297 الآيات: 45- 66 310 الآيات: 67- 93 ~~318 تفسير سورة القصص الآيات: 1- 21 326 الآيات: 22- 42 336 الآيات: 43- 70 ~~347 الآيات: 71- 88 359 تفسير سورة العنكبوت الآيات: 1- 15 367 الآيات: 16- ~~41 377 الآيات: 42- 69 386 تفسير سورة الروم الآيات: 1- 32 399 الآيات: 33- ~~60 414 تفسير سورة لقمان الآيات: 1- 19 421 الآيات: 20- 34 428 تفسير سورة ~~الم السجدة الآيات: 1- 30 433 # PageV05P628 # تفسير سورة الأحزاب الآيات: 1- 20 443 الآيات: 21- 40 454 الآيات: 41- 73 ~~467 تفسير سورة سبأ الآيات: 1- 21 481 الآيات: 22- 54 494 تفسير سورة فاطر ~~الآيات: 1- 26 505 الآيات: 27- 45 514 تفسير سورة يس الآيات: 1- 44 522 ~~الآيات: 45- 83 537 تفسير سورة الصافات الآيات: 1- 82 550 الآيات: 83- 182 ~~566 تفسير سورة ص الآيات: 1- 40 580 الآيات: 41- 88 600 تفسير سورة الزمر ~~الآيات: 1- 31 610 # PageV05P629 ### | المجلد السادس # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الرابع والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | تتمة سورة الزمر ### | [سورة الزمر (39) : الآيات 32 الى 75] # فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين (32) والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33) لهم ما ~~يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك ~~بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36) # ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل ms4021 يا قوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) إنا ~~أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~وما أنت عليهم بوكيل (41) # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى ~~عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42) ~~أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43) ~~قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44) وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون (45) قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم ~~سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) فإذا مس الإنسان ضر ~~دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ~~ما كسبوا وما هم بمعجزين (51) # أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون (52) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما ~~أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أن ~~تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) # أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب ~~لو ms4022 أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها ~~واستكبرت وكنت من الكافرين (59) ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60) وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) # الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض ~~والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) قل أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون (64) ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67) ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) ~~وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم ~~بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71) # قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين ~~اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74) وترى ~~الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين (75) # PageV06P003 ### | القراآت: # عباده على الجمع: يزيد وحمزة وعلى وخلف. أرادني الله بسكون الياء: حمزة. ~~كاشفات بالتنوين ضره بالنصب وهكذا ممسكات رحمته أبو عمرو وسهل ويعقوب. ~~الباقون: بالإضافة فيهما قضى عليها مجهولا الموت بالرفع: # حمزة وعلي وخلف يا عبادي الذين أسرفوا بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو ~~عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير. ms4023 يا حسرتاي بياء بعد الف: # يزيد. الآخرون: بالألف وحدها وينجي الله بالتخفيف: روح بمفازاتهم على ~~الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل تأمروني بتشديد النون وفتح ~~الياء: ابن كثير تأمرونني بنونين وسكون الياء: ابن عامر تأمروني بنون واحدة ~~وفتح الياء: أبو جعفر ونافع. الباقون: بتشديد النون وسكون الياء. لنحبطن ~~بالنون من الإحباط عملك بالنصب: يزيد. الآخرون: على الغيبة وفتح العين عملك ~~بالرفع وسيق بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس فتحت بالتخفيف: ~~حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين. ### | الوقوف: # إذ جاءه ط للكافرين ه المتقون ه عند ربهم ط المحسنين ه ج لاحتمال تعلق ~~اللام بمحذوف كما يجيء. يعملون ه عبده ط من دونه ط من هاد ه ج مضل ط انتقام ~~ه ليقولن الله ط رحمته ط حسبي الله ط المتوكلون ه عامل ج لابتداء التهديد ~~مع فاء التعقيب تعلمون ه لا مقيم ه بالحق ج لاختلاف الجملتين فلنفسه ج ~~عليها ج للابتداء بالنفي مع العطف بوكيل ه ج في منامها ج مسمى ط يتفكرون ه ~~شفعاء ط يعقلون ه جميعا ط والأرض ط بناء على أن «ثم» لترتيب الأخبار ترجعون ~~ه بالآخرة ط ج فصلا بين الجملتين مع اتفاقهما نظما يستبشرون ه يختلفون ه ~~القيامة ط يحتسبون ه يستهزؤن ه دعانا ز فصلا بين تناقض الحالين مع اتفاق ~~الجملتين منا لا لأن ما بعده جواب على علم ط لا يعلمون ه يكسبون ه ما كسبوا ~~الأولى ط ما كسبوا الثانية لا لأن الواو للحال بمعجزين ه ويقدر ط يؤمنون ه ~~رحمة الله ط جميعا ط الرحيم ه لا تنصرون ه لا تشعرون ه لا الساخرين ه لا ~~المتقين ه لا المحسنين ه الكافرين ه مسودة ط للمتكبرين ه بمفازتهم ز ~~لاحتمال الاستئناف والحال أوجه # PageV06P005 # يحزنون ه كل شيء ز للفصل بين الوصفين تعظيما مع اتفاق الجملتين وكيل ه ~~والأرض ط الخاسرون ه الجاهلون ه من قبلك ج لحق القسم المحذوف الخاسرين ه ~~الشاكرين ه ms4024 بيمينه ط يشركون ه من شاء الله ج بيانا لتراخي النفخة الثانية ~~عن الأولى مع اتفاق الجملتين ينظرون ه لا يظلمون ه يفعلون ه زمرا ط هذا ط ~~الكافرين ه فيها ج المتكبرين ه زمرا ط خالدين ه نشاء ج العاملين ه ربهم ج ~~لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالا وقد قضى بين الزمرين ~~العالمين ه. ### | التفسير: # لما ضرب لعبدة الأصنام مثلا أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم ~~يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني ~~الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن. ومعنى إذ جاءه أنه لم يراع طريقة أهل ~~الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب. واللام في قوله للكافرين ~~لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. قال جار الله: ~~ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة. وحين بين وعيدهم عقبه ~~بوعد الصادقين المصدقين وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقيل: ~~الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله أولئك هم المتقون قوله ليكفر ظاهره ~~تعلقه ب يشاؤن فتكون لام العاقبة. ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم ~~لأجل ذلك. قال جار الله: الأسوأ هاهنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج ~~أعدل بني مروان. وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر ~~عندهم أسوأ أعمالهم. وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه ~~الإيمان. واستدل مقاتل- وكان شيخ المرجئة- بهذه الآية فإنها تدل على أن من ~~صدق الأنبياء فإنه تعالى يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان ~~والوصف بالتقوى وفيه نظر. ثم إنهم كانوا يخوفون المؤمنين والنبي صلى الله ~~عليه وسلم برفض آلهتهم وتحقيرها. # ويروى أنه بعث خالدا إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، ~~إن لها شدة. فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله تعالى أليس الله بكاف ~~عبده # أي نبيه بدليل قوله ويخوفونك ومن قرأ على الجمع فهي للعموم. والآيات إلى ~~قوله بوكيل ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مرارا. والعذاب ms4025 الخزي عذاب ~~يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله تعالى ~~بقوله الله يتوفى الأنفس وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت ~~والنوم يضاهي الضلال. فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا ~~بتخليق الله وتكوينه # PageV06P006 # فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ~~ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فقيه تسلية أخرى للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على ~~إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلا عن ~~الأصنام. ومعنى الآية أن الله تعالى يتوفى الأنفس حين موتها. قال جار الله: ~~أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ويتوفى الأنفس التي ~~لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى كقوله وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل [الأنعام: 60] والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة ~~عند موتها ومرة عند نومها فتكون «في» متعلقة ب يتوفى والتوفي مستعمل في ~~الأول حقيقة وفي الثاني مجازا، ولم يجوزه كثير من أئمة الأصول. وقال ~~الفراء: «في» متعلقة بالموت وتقديره: # ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها. ثم بين الفرق ~~بين الحالين بقوله فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ~~من غير غلط. # وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن ~~حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة. وأما في وقت ~~النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس ~~الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز ~~والعقل، وإذا نقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير ~~العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا ~~نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ms4026 إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ثم كان لمشرك أن ~~يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن ~~نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله أم اتخذوا من دون الله أي من دون إذنه ~~شفعاء و «أم» بمعنى «بل» ، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء ~~الكفار إما أن يطعموا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل ~~تماثيلهم. والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئا ولا تعقل وأشار ~~إلى هذا المعنى بقوله قل أولو كانوا يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون والثاني أيضا مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن ~~الله وهو المراد بقوله قل لله الشفاعة وانتصب جميعا على الحال. ولو كان ~~تأكيدا للشفاعة لقيل جمعاء. # وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله له ملك ~~السماوات والأرض ثم إليه ترجعون يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له. ~~ثم ذكر نوعا آخر من قبائح أفعال المشركين فقال وإذا ذكر الله وحده أي ~~منفردا ذكره عن ذكر آلهتهم # PageV06P007 # اشمأزت أي نفرت وانقبضت منه قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين ~~من دونه سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر إذا هم يستبشرون أي فاجأ وقت ذكر ~~آلهتهم وقت استبشارهم. وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء ~~قلبه سرورا حتى يظهر أثره في بشرته، والاشمئزاز أن يمتلىء غما وغيظا حتى ~~يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب. وقيل: ~~معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نفروا لأن فيه ~~نفيا لآلهتهم. وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله ~~«تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى» فاستبشر المشركون وسجدوا. # ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكر من ~~ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات ms4027 والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي ~~الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء اللهم فاطر السماوات والأرض وهو وصفه ~~بالقدرة التامة عالم الغيب والشهادة وهو نعته بالعلم الكامل. وإنما قدم ~~وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادرا متقدم على العلم بكونه ~~عالما كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف أنت تحكم بين ~~عبادك في ما كانوا فيه يختلفون يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك ~~أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير ~~العليم. # عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: ~~اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه ~~من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم. # وعن الربيع بن خثيم. وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين عليه السلام ~~وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأ هذه الآية. ~~وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي صلى الله عليه وسلم. يجلسه في ~~حجره ويضع فاه في فيه. ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ولو أن ~~للذين ظلموا أي بالشرك وقد مر نظير الآية مرارا أولها في آل عمران وفيه ~~قوله وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون نظير قوله في أهل الوعد فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [السجدة: 17] وقيل: عملوا أعمالا حسبوها ~~حسنات فإذا هي سيئات. يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك ~~فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم ~~يكن في حسباني. وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء. ثم صرح ~~بما أبهم قائلا وبدا لهم سيئات ما كسبوا و «ما» موصولة أو مصدرية أي ظهرت ~~لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو ~~غير ms4028 ذلك من المواقف. وجوز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ~~وجزاء # PageV06P008 # سيئة سيئة # [الشورى: 40] وإنما قال في الجاثية سيئات ما عملوا [الجاثية: 33] لمناسبة ~~ألفاظ العمل، وهاهنا قد وقع من ألفاظ الكسب. # ثم حكى نوعا آخر من قبيح أعمالهم قائلا فإذا مس الإنسان وقد مر مثله في ~~مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر هاهنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض ~~لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجئوا إليه ~~وحده عند ضر يصيبهم. # ومعنى أوتيته على علم أوتيته على علم الله بكوني مستحقا لذلك أو على علم ~~عندي صار سببا لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك. ولا شك أن هذا نوع من ~~الغرور فلهذا قال سبحانه بل هي فتنة بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن ~~الكافر. ذكر الضمير أولا بتأويل المخول وأنثه ثانيا بتأويل النقمة. ثم أشار ~~بقوله قد قالها أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم والذين من قبلهم هم قارون ~~وقومه حيث قال إنما أوتيته على علم عندي [القصص: 78] وقومه راضون بها ~~فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها فما أغنى عنهم ~~ما كانوا يكسبون من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله هؤلاء إلى أهل مكة ~~أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم ~~فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أو لم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟ ~~وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ~~ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا ~~بإذن مبدعها وفاطرها. وقول الشاعر: # فلا السعد يقضي به المشتري ... ولا النحس يقضي علينا زحل # ولكنه حكم رب السماء ... وقاضي القضاة تعالى وجل # كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر. والذي يشكك به الإمام فخر الدين ~~الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية ~~السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، ms4029 لأنا لو سلمنا وقوع ذلك ~~فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في ~~طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها. نعم لو ادعى عسر إدراك ~~جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما ~~يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم. وحين أطنب في الوعيد أردفه ~~ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم عن ابن ~~عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم ~~الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه ~~الآية. وعن ابن عمر: نزلت # PageV06P009 # في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم ~~عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتبا فكتبها إلى عياش والوليد وإلى ~~أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. وقيل: نزلت بالمدينة في وحشي وقد سبق. ثم إن ~~قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من ~~الرحمة يكون مشروطا بالتوبة والإيمان. وإن قلنا: العباد المضاف في عرف ~~القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما ~~اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين. فالمعتزلة ~~شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مرارا. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه ~~الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ~~ثلاث مرات» رواه في الكشاف. # وعلى هذا يكون مخصوصا بشرط الإيمان. # ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أولها تسمية المذنب عبدا ~~والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود ~~والرحمة على المساكين. وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف. وثالثها من ~~جهة وصفهم بقوله الذين أسرفوا على أنفسهم كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب ~~عود مضرتها عليهم لا علي. ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر ~~بالرجاء ms4030 فلا يليق به إلا الكرم. وخامسها قوله من رحمة الله مع إمكان ~~الاقتصار على الضمير بأن يقول «من رحمتي» فإيراد أشرف الأسماء في هذا ~~المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف. وسادسها تكرير اسم الله تعالى في ~~قوله إن الله يغفر الذنوب جميعا مع تصدير الجملة ب «إن» ، ومع إيراد صيغة ~~المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله جميعا أي حال كونها ~~مجموعة. وسابعها إرداف الجملة بقوله إنه هو الغفور الرحيم ومع ما فيه من ~~أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن ~~مقرونا بخوفه فقال وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له وذلك أن الأشاعرة أيضا ~~يجوزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها. ومع احتمال هذا ~~العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير ~~في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن ~~الثاني. وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار ~~بهذه الآيات من قوله وأنيبوا والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم ~~السابقة، وإما الموت لأنه أول أهول الآخرة. وقوله أحسن ما أنزل إليكم كقوله ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقد مر الأقوال فيه. وحين خوفهم # PageV06P010 # بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟ فذكر ثلاثة أنواع ~~من الكلمات: الأول أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول ~~أو لئلا. # تقول. قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس ~~الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم. وجوز ~~أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله «رب وفد أكرمته» . يا حسرتى على ما ~~فرطت أي قصرت. والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدم في جنب الله واعلم أن بعض ~~أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله سبحانه ولا ~~يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل. والصحيح ~~ما ذهب إليه علماء ms4031 البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في ~~مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: # إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج # وتقول: لمكانك فعلت كذا. أي لأجلك. # وفي الحديث «من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل» # «1» ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه ~~عبارات. قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله. وقال مقاتل: ضيعت من ذكر ~~الله. # وقال مجاهد: في أمر الله. وقال الحسن: في طاعة الله. وعن سعيد بن جبير: ~~في حق الله. # وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله والصاحب بالجنب [النساء: 36] وقال ~~ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد ~~جانب وجنب. والتحقيق في المسألة أن الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه ~~كأنه حد من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو ~~العضو وبين ما يكون لازما للشيء وتابعا له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في ~~الآية على أحد هذه المضافات. قال الشاعر وهو سابق البربري: # أما لتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرى عليك تقطع؟ # ثم زاد في التحسر بقوله وإن كنت لمن الساخرين أي المستهزئين بالقرآن ~~والنبي والمؤمنين. «إن» مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال. ~~قال قتادة. لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدقين. النوع الثاني ~~من كلمات النفس المعذبة PageV06P011 # لو أن الله هداني يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من ~~الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه. لكنت من المتقين النوع ~~الثالث قوله عند رؤية العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين قال جار الله: ~~لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب ~~وهو الثاني، صح أن تقع «بلى» جوابا له مع أنه غير منفي، لأن قوله لو أن ~~الله هداني في معنى ما هديت. قلت: ms4032 هذا يصلح جوابا للقولين الثاني والثالث ~~أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن ~~عدم القابلية وكونه واقعا في جانب القهر لن يزول عنه. ثم صرح ببعض أنواع ~~العذاب قائلا ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وقبوله وجوههم مسودة ~~مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال. # والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله فكذبت بها ويشمل الكذب ~~عليه باتخاذ الشريك والوالد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن ~~إلى كونه مختلفا ونحو ذلك. وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل ~~فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم. ~~وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من ~~زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدة الحياء ونحو ذلك فالله ~~تعالى أعلم بمراده. ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ~~ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحو هما أنوار ~~كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف هنالك تبلوا كل نفس ما ~~أسلفت [يونس: 30] . # ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلا وينجي الله الذين اتقوا الشرك أو المعاصي ~~كبائر وصغائر بمفازتهم هي «مفعلة» من الفوز. فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع ~~فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح. ولا شك أن الباء هي التي في ~~نحو قولك «كتبت بالقلم» . فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله لا ~~يمسهم السوء ولا هم يحزنون فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟ ~~فقيل: لا يمسهم السوء أي في أبدانهم. ولا هم يحزنون يتألمون قلبا على ما ~~فات. وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، ~~وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة. ويجوز أن يسمى العمل ~~الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها. وعلى هذه الوجوه يكون قوله لا يمسهم ~~منصوبا على الحال. وعن ms4033 الماوردي أن المفازة هاهنا البرية أي بما سلكوا ~~مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب. وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئا من ~~دلائل # PageV06P012 # المالكية قائلا الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وقد مر في ~~«الأنعام» . ثم أكده بقوله له مقاليد السماوات والأرض وهو كقوله في ~~«الأنعام» وعنده مفاتح الغيب [الآية: 59] والمقاليد المفاتيح أيضا فقيل: لا ~~واحد لها من لفظها. وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد. والظاهر أنه في الأصل ~~فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي. # ويروى أنه سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير الآية فقال: ~~يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله ~~أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. # وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد ~~الله بها ويمجد. قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح ~~على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق ~~الحسنة وللآخر بالضد. قال في الكشاف قوله والذين كفروا متصل بقوله وينجي ~~وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه ~~أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده. هذا ~~والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة ~~فعلية. والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده والذين ~~كفروا بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في ~~الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله قل أفغير الله أي ~~قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ب أعبد وتأمروني اعتراض ~~والمعنى أفغير الله أعبد بأمركم. وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه. # وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله تأمروني أعبد لأنه في ~~معنى تعبدونني ms4034 غير الله وتقولون لي اعبد. والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ~~ورفع الفعل. # ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة «أن» كيف تتقدم عليه. ويحتمل أن يجاب بأن ~~العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله أن أعبد وقيل: التقدير ~~أفبعبادة غير الله تأمروني؟. # وقوله أيها الجاهلون لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشد من جهل من ~~نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء. ثم هدد الأمة على ~~الشرك مخاطبا نبيه بقوله ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك من الأنبياء ~~مثله لئن أشركت فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل ~~واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: # كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ولئن اتبعت ~~أهواءهم [البقرة: # 120] وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق ~~جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا. وفي قوله ولتكونن من الخاسرين إشارة إلى ~~أن منصب النبوة # PageV06P013 # الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضده الذي هو ~~البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك. # ثم رده صلى الله عليه وسلم إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص ~~الله بالعبادة فقال بل الله فاعبد وكن من الشاكرين على ذلك لأن توفيق ~~العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم. ثم بين أنهم ~~لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته ~~وقد مر في «الأنعام» و «الحج» . ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلا ~~والأرض جميعا قبضته قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو ~~بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين ~~إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز. وكذلك حكم ما # يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلا من أهل الكتاب جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: ms4035 يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على ~~أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على ~~أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال وأنزل الله الآية تصديقا له. # وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما ~~يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ~~ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على ~~القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ~~ذكر كلاما آخر طويلا. واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام ~~الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم ~~لا. وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن ~~يؤول الآية بما شاء. # وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ ~~الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل. ثم إن كان هناك ~~مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ ~~القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ~~الأعضاء والجوارح لله تعالى فوجب المصير إلى التأويل صونا للنص عن التعطيل. ~~ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في ~~قبضة فلان. وقال تعالى وما ملكت أيمانهم [الأحزاب: # 50] ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد. وأنا أقول: ~~هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم ~~يحيلون كثيرا من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما. ولا يرد اعتراض ~~الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا # PageV06P014 # الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر. ~~ولنرجع إلى الآية. قوله والأرض قالوا: المراد بها الأرضون ms4036 لوجهين: أحدهما ~~قوله جميعا فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله كل الطعام [آل عمران: 93] وقوله ~~والنخل باسقات [ق: 10] والثاني قوله والسماوات ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو ~~أجزاء حسا أو حكما فإنه يصح تأكيده بالجميع. وعطف السموات على الأرض في ~~القرآن كثير. نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ~~ببعيد. والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعا مع عظمهن لا ~~يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته. وعندي أن المراد منه تصرفه ~~يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله يوم تبدل الأرض غير الأرض [إبراهيم: 48] ~~والسماوات مطويات بيمينه كقوله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب [الأنبياء: ~~104] وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك ~~بيدك. وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه تعالى ~~حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة. وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه ~~إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها. وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل ~~السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله سبحانه وتعالى عما يشركون ثم ذكر ~~سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ونفخ في الصور فصعق الظاهر أن نفخ الصور ~~مرتان، # وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في «النمل» ، والثانية ~~للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة. # والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في ~~«النمل» تفسير باقي الآية. قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة ~~واحدة ثم نفخ فيه أخرى وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها ~~في غير مكان. ومعنى ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجاه ~~خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود ~~تحيرا. ثم وصف أرض القيامة بقوله وأشرقت الأرض بنور ربها الظاهر أن هذا نور ~~تجليه سبحانه. وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله الله نور السماوات ~~والأرض [الآية: 35] وفي غيره من المواضع. وقال علماء البيان: افتتح الآية ~~بذكر ms4037 العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم. ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق ~~بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضده أظلمت الدنيا بجوره. وأهل الظاهر ~~من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نورا مخصوصا. ~~وقيل: أراد أرض الجنة. # ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ووضع الكتاب إلى آخره. وكل # PageV06P015 # ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل. والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ ~~يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس. وجيء ~~بالنبيين ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون. والمراد ~~بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح ~~والمكان والزمان أيضا. وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في ~~تخصيصهم بالذكر فائدة. وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج ~~إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة ~~فقال وسيق وهو على عادة إخبار الله تعالى. والزمر الأفواج المتفرقة واحدها ~~زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى ~~الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب ~~والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة ~~جماعة. والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله لأملأن جهنم [السجدة: ~~13] أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل ~~على الكافرين ليعلم سبب العذاب. # سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل ~~الجنة؟ # الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين ~~اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع ~~لهم إلى دار الكرامة والرضوان. وقيل: طباق. وقيل: أكثر أهل الجنة البله ~~فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم. وقيل: إنهم يقولون لا ~~أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن ~~يساقوا إلى ms4038 الجنة. وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة ~~فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة ~~في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق. وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة ~~في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك ~~معنى السوق. # سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار فتحت أبوابها من غير واو وفي صفة أهل ~~الجنة وفتحت أبوابها بالواو؟ والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له ~~واو الثمانية قد مر في قوله التائبون العابدون [التوبة: 112] وفي سورة ~~الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا ~~تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله جنات ~~عدن مفتحة لهم الأبواب [ص: 50] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها ~~وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب حتى إذا محذوف وحق موقعه ما بعد خالدين ~~أي كان ما كان من أصناف الكرامات # PageV06P016 # والسعادات. وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها. وقيل: ~~لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة ~~بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة ~~بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعا. ومعنى تسليم ~~الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة. ~~ومعنى طبتم قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة ~~والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفسا بما نلتم من الجنة ونعيمها. # وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق ~~شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها ~~أبدا، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: ~~طبتم. وقال جار الله: # أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ~~فادخلوها خالدين ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي ms4039 السبب في دخول الجنة ~~والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف ~~بصفتها رزقنا الله تعالى بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك. ثم حكى قول ~~المتقين في الجنة فقال وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده أي الوعد بدخول ~~الجنة وأورثنا الأرض أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مر مرارا نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوأ من جنته كما يريد من ~~غير منازع. وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا ~~مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص. ثم وصف مآب ~~الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال وترى أيها الرائي أو النبي الملائكة ~~حافين محدقين وهو نصب على الحال. قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من ~~الجمعية. وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال. وقيل: الحاف بالشيء الملازم ~~له. # وقوله من حول العرش «من» زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى ~~حيث شاء الله أو متصل بالرؤية يسبحون بحمد ربهم تلذذا لا تعبدا. وكان جوانب ~~العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة. والضمير في قوله وقضي ~~بينهم للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بغضهم النار وبعضهم الجنة ~~لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل. وقيل: بين الأنبياء وأممهم. وقيل: ~~تكرار لقوله وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وقيل: هو حال وقد ~~مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ~~ثوابهم ليس على سنن واحد. ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة ~~جميعا، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال ~~الملائكة حول العرش. ثم ختم السورة بقوله وقيل الحمد لله والقائل # PageV06P017 # المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله وآخر دعواهم أن الحمد لله [يونس: 10] ~~جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كل منزلته. # PageV06P018 ### | (سورة المؤمن # وهي مكية إلا آية قوله إن الذين يجادلون حروفها أربعة آلاف وتسعمائة ~~وسبعون كلمها الف ms4040 ومائتان غير كلمة آياتها خمس وثمانون) . ### | [سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 22] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجادل في آيات الله ~~إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4) # كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ~~وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5) وكذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز ~~الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز ~~العظيم (9) # إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون (10) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12) هو الذي يريكم آياته وينزل ~~لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون (14) # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر ~~يوم التلاق (15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم ~~لله الواحد القهار (16) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله ~~سريع الحساب (17) وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما ~~للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ~~(19) # والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع ~~البصير (20) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ms4041 فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق (21) ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ~~فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22) # PageV06P019 ### | القراآت: # حم وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ~~ابن ذكوان. وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك ~~طبعا لا اختلافا لمعان مذكورة في «ص» . كلمات ربك على الجمع: أبو جعفر ~~ونافع وابن عامر لتنذر بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو ~~على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس التلاقي بالياء في الحالين: ابن كثير ~~ويعقوب وأفق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل. والذين تدعون على الخطاب: نافع ~~وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان أشد منكم ابن عامر. ~~الباقون منهم. ### | الوقوف: # حم ط كوفي العليم ه لا الطول ط إلا هو ط المصير ه البلاد ه من بعدهم ص ~~لعطف الجملتين المتفقتين فأخذتهم ط للإبتداء بالتهديد عقاب ه النار م لئلا ~~يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار آمنوا ج لحق القول المحذوف الجحيم ه ~~وذرياتهم ط الحكيم ه وقد يوصل للعطف السيئات ط رحمته ط العظيم ه فتكفرون ه ~~سبيل ه كفرتم ج للابتداء بالشرط مع العطف تؤمنوا ط الكبير ه رزقا ط ينيب ه ~~الكافرون ه ذو العرش ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال التلاق ه لا ~~بارزون ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف شيء ط اليوم ط فصلا بين السؤال ~~والجواب القهار ه كسبت ط اليوم ط الحساب ه كاظمين ط يطاع ه ط الصدور ه ~~بالحق ط بشيء ط البصير ه من قبلهم ط واق ه فأخذهم الله ط العقاب ه. ### | التفسير: # حم اسم الله الأعظم. وقيل: حم ما هو كائن أي قدر. # وروي أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما حم؟ فقال: أسماء ~~وفواتح سور. # وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول «البقرة» . ومن جملة ~~تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم. تنزيل الكتاب من الله ms4042 العزيز ~~العليم وقد مر نظيره في أول «الزمر» . ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد ~~فقال غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول قالت المعتزلة: معناه ~~أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيرا، أو طاعة # PageV06P020 # أعظم منه ثوابا إن كان صغيرا. وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون ~~التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله قابل التوب وليفيد المدح المطلق ويؤيده ~~إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت ~~بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب ~~الحالتين. وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب ~~بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب. ثم إن قبول التوبة واجب على الله ~~أم لا؟ فيه بحث أيضا للفريقين. فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على ~~سبيل التفضيل وإلا لم بتمدح به. والظاهر أن التوب مصدر. وقيل: جمع توبة أي ~~ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته. وقد ذكر أهل الإعراب هاهنا سؤالا وهو ~~أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في مالك ~~يوم الدين [الفاتحة: 3] وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما ~~صفتين لله إلا أن قوله شديد العقاب لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى ~~شديد عقابه. فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه ~~بدل لزم نبو ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة. وأجيب على تقدير أن ~~لا يكون الكل أبدالا بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع ~~الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام ~~والدلالة على فرط الشدة. وجوزوا أن تكون هذه النكتة سببا لجعله بدلا من بين ~~سائر أخواته. هذا ما قاله صاحب الكشاف. وعندي أنه لا مانع من جعل شديد ~~العقاب أيضا للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقة. قوله ذي الطول أي ذي ~~الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في ms4043 قوله ومن لم يستطع منكم طولا [النساء: # 25] وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره ~~مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع ~~عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالدا ~~ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو ~~المعاد. وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف ~~كان مرجوا أن يغفر الله له ويقبل توبته. ثم بين أحوال من لا يقبل هذه ~~التقريرات ولا يخضع لها فقال ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ~~والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من ~~المطاعن وفضول الكلام. فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على ~~دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين ~~الجدالين # قال صلى الله عليه وسلم «إن جدالا في القرآن كفر» «1» # فنكر الجدال PageV06P021 # ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق ثم عقب الكلام بقوله فلا يغررك ليعلم أن جدالهم ~~الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا تقلبهم في البلاد ~~للتجارات والمكاسب فإن قريشا كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن ~~مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك. ثم مثل حالهم بحال الأمم ~~السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى ~~الرسل. ثم بين بقوله وكذلك حقت أنهم في الآخرة أيضا معذبون. وقوله أنهم ~~أصحاب النار بدل من كلمة ربك أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في ~~الآخرة من أصحاب النار. وجوز جار الله أن يكون أنهم في محل النصب بحذف لام ~~التعليل وإيصال الفعل. وقوله الذين كفروا قريش أي كما وجب إهلاك أولئك ~~الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة ~~في الفريقين. ومن قرأ كلمات على الجمع أراد ms4044 بها علم الله السابق أو ~~معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار. # وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات ~~أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم ~~كأنه قيل: # إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزنا فإن ~~الأشراف يحابونهم. # روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت ~~العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا ~~فيما خلق من الملائكة فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا ~~العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ~~ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور» # وروى أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة ~~العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة. # وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان ~~الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز ~~وجل ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية [الحاقة: 17] أما في غير ذلك الوقت ~~فلا يعلم به إلا الله. أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة ~~يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على ~~عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد ~~وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. ~~وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب # PageV06P022 # الكشاف. سؤال: ما فائدة قوله ويؤمنون به ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله ~~مؤمنون؟ أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه. ~~وأيضا فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة ~~يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم ~~أن إيمانهم ms4045 كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر ~~والاستدلال. واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير ~~حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخرا ~~وشرفا. وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن ~~الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن. وإن شئت فتأمل قوله تعالى الذين يؤمنون ~~بالغيب فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله بالغيب فائدة. على أنه ~~يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلها، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوبا عن ~~ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟ وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم ~~يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة. # وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن ~~الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك ~~الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى ~~بالإلهية من المحفوظ. قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة ~~وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟ وهل يزعم ~~عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟ وإنما ~~ذكرت ما ذكرت لكونه واردا على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، ~~لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما. قال جار ~~الله: وقد روعي التناسب في قوله ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا كأنه ~~قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله ~~يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا ~~أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري. احتج كثير من ~~العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية ~~للملائكة وإلا لزم بحكم «ابدأ بنفسك» أن يستغفروا أولا لأنفسهم قال الله ~~تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [محمد: 19] وقال نوح رب ms4046 اغفر لي ~~ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا [نوح: 28] قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى ~~غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في ~~الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد. لو سلم أن قوله للذين آمنوا عام أن ~~يكون المستغفر له عاصيا على أنه قد خص الاستغفار في قوله # PageV06P023 # فاغفر للذين تابوا وهذا فيه بحث يجيء. وفي قولهم ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~ولو بإعطاء الوجود وعلما وقد مر في «الأنعام» إشارة إلى أن الحمد والثناء ~~ينبغي أن يكون مقدما على الدعاء. وفي لفظ ربنا خاصية قوية في تقديم الدعاء ~~كما ذكرنا في آخر «آل عمران» كأن الداعي يقول: كنت نفيا صرفا وعدما محض ~~فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعا إليك، ولا ريب أن ذكر ~~الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوي جوهر الروح ~~ويكسبه إشراقا وصفاء. وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب ~~الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت ~~منه التوبة واتباع الدين. قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم ~~وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت ~~شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل ~~بالفرق. # وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة فاغفر للذين تابوا عن الكفر واتبعوا ~~سبيلك الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن ~~الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب ~~النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفارا. قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من ~~الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها [البقرة: ~~30] أما قوله وقهم عذاب الجحيم فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة ~~المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية. # وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمنا وصريحا طلبوا إيصال الثواب إليهم ~~بقولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم قال علماء السنة: كل أهل الإيمان ~~موعودون بالجنة وإن ms4047 كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدة ~~إن لم يكن عفوا وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة. قال الفراء والزجاج: قوله ومن ~~صلح يجوز أن يكون معطوفا على الضمير في وأدخلهم فيكون دعاء من الملائكة ~~بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلا لأنس الأولين وتتميما لابتهاجهم وإشفاقا ~~على هؤلاء أيضا. ويجوز أن يكون عطفا على الضمير في وعدتهم لأنه تعالى قال ~~في سورة الرعد أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم [الآية: 23] وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء ~~الأصناف اللهم إلا ضمنا. قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم ~~وإن كانوا ذوي كبائر. ثم ختم الآية بقوله إنك أنت العزيز الحكيم لأنه إن لم ~~يكن غالبا على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيما ~~أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه. ثم قالوا وقهم السيئات فقيل: # PageV06P024 # يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف. واعترض بأنهم قالوا مرة ~~وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار. وأجيب بأن الأول دعاء للأصول وهذه لفروعهم ~~وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف ~~وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال ~~الضارة، وعلى هذا يكون يومئذ في قوله ومن تق السيئات يومئذ إشارة إلى ~~الدنيا. وقوله فقد رحمته يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة. قال في ~~الكشاف: السيئات هى الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير ~~أو قبول التوبة. ثم إنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته ~~وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك ~~إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال إن الذين كفروا ينادون أي ~~يوم القيامة. # وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير. أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم ~~أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة. وأما التقديم والتأخير فهو أن ~~قوله إذ تدعون منصوب بالمقت الأول. وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت ~~أنفسكم ms4048 الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان ~~فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم ~~هواهن وفيه توبيخ. ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط ~~غيره ولهذا أوردهم النار. الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا ~~أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول. # الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلى قوله ولوموا أنفسكم [إبراهيم: 22] وفي هذه الحالة مقتوا ~~أنفسهم. فلعل المعنى. لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن ~~لعنه إياه. وأما قول الكفرة في الجواب ربنا أمتنا اثنتين أي إماتتين اثنتين ~~وأحييتنا إحياءتين اثنتين فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف. أما في ~~الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أولا أمواتا ثم نطفة ثم علقة ~~إلخ كما في الآية الأخرى كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا [البقرة: 28] ونسب ~~هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: # ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما ~~أردت الإنشاء على هذه الصفة. والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على ~~المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما. قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ ~~بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء. قال: والإماتة الثانية هي التي ~~في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد ~~البعث. وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر # PageV06P025 # والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في ~~الحديث. أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه تعالى لم يذكرها، ~~والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حيا لزم ~~نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهره بحيث يراه ~~كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب ~~الجهالات. ms4049 وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على ~~عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة. وإذا كان الإنسان جوهرا ~~نورانيا مشرقا مدبرا للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة ~~الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع ~~في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات. وقال ~~بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة. وضعف بأنه لو لم يكن صادقا ~~لأنكر الله عليهم. وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: ~~الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة. ~~فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها. ~~وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل ~~يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة ~~المستثنين في قوله فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~[الزمر: 68] ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ~~الذين كفروا عام. ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في ~~القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جدا. وقد يدور في الخلد أن هذا النداء ~~يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي ~~بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله تعالى ~~أعلم بمراده. وقوله فهل إلى خروج من سبيل أي إلى نوع من الخروج والرد من ~~القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا ~~كلام من غلب عليه اليأس والقنوط. وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم ~~إلا أنه سبحانه رمز إلى عدم الخروج بقوله ذلكم أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل ~~لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أوان التكليف فالحكم ~~لله العلي الكبير حيث حكم عليكم ms4050 بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته ~~وكبرياءه. قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم «لا حكم إلا لله» مأخوذ من هذه ~~الآية. ثم أراد أن يذكر طرفا من دلائل وحدانيته وكماله فقال هو الذي يريكم ~~آياته من الريح والسحاب والرعد والبرق وينزل لكم من السماء ماء هو سبب ~~الرزق وما يتذكر إلا من ينيب أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض # PageV06P026 # عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات. ثم قال للمنيبين فادعوا ~~الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال جار الله: قوله رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله الذي ~~يريكم أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا أوسطها معرفة. ثم إن ~~الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن ~~يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال يرفع الله الذين ~~آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11] وكذا في الرزق والأجل ~~بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات ~~معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب. أو ~~يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. وأما على الثاني # فلا ريب أنه سبحانه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده ~~وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي ~~توابع الوجود. # واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن ~~يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله تعالى هذه الصفة بصفتين ~~أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات. أما الجسمانيات ~~فأعظمها العرش فأشار بقوله ذو العرش إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، ~~وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله يلقي الروح أي الوحي من ~~أمره أي من عالم أمره على من يشاء من عباده وقد مر نظيره في الآية في أول ~~سورة النحل. وقيل: من أمره ms4051 حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله لينذر يوم ~~التلاق ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل ~~السماء والأرض كما قال عز من قائل ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا [الفرقان: 25] ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله. وقال ميمون بن مهران: ~~يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلا وانفصل عنه ولم يمكن ~~التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا. وقوله يوم هم ~~بارزون بدل من الأول. ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ~~وبرزوا لله الواحد القهار [الآية: 48] وقوله لا يخفى على الله منهم شيء ~~تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاما في جميع الأحوال وشاملا للدنيا والآخرة إلا ~~أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله ~~عند الاستتار بالحجب كما قال ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ~~فهو نظير قوله مالك يوم الدين [الفاتحة: 3] ثم أكد تفرده في ذلك اليوم ~~بالحكم والقضاء بقوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ولا ريب # PageV06P027 # أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين ~~السائل ولا المجيب. فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من ~~في السموات ومن في الأرض يقول الرب تعالى: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. ~~فهو سبحانه يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار. وأما الذين ألغوا صرف ~~المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكارا شديدا لأنه تعالى بين ~~أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ~~ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث ~~إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، ~~فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي ~~مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، ms4052 يقوله ~~المؤمن تلذذا والكافر هوانا وتحسرا على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا ~~فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد. وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة ~~كما عرفت في مالك يوم الدين [الفاتحة: 3] يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل ~~نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم ~~من يقرأ آية؟ فقرأ رجل رواس رفيع الدرجات ذو العرش فلما بلغ قوله لمن الملك ~~اليوم نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله تعالى وقال: لك ~~الملك لا لي. فلما توفي الرواس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ ~~فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية ~~فغفرت لك وله. ومما يدل على تفرده سبحانه قوله لله الواحد القهار فإن كل ~~واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مرارا، وباقي ~~الآية أيضا مما سلف تفسيره مرات. ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات ~~الهائلة فقال وأنذرهم يوم الآزفة وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفا إذا دنا، ~~ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو ~~قريب. قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي ~~مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا ~~هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا. # وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه تعالى ذكر يوم ~~القيامة في قوله يوم التلاق يوم هم بارزون فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك ~~اليوم، ولأنه تعالى وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم [الواقعة: 83] كلا إذا بلغت التراقي [القيامة: 26] ولا ~~ريب أن الرجل عند معاينة # PageV06P028 # أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدة ~~الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس. وقوله كاظمين أي مكروبين. ~~والكاظم ms4053 الساكت حال امتلائه غما وغيظا قال عز من قائل والكاظمين الغيظ [آل ~~عمران: 134] وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى ~~حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب. وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم ~~من أفعال العقلاء كقوله فظلت أعناقهم لها خاضعين [الشعراء: 4] أو عن ضمير ~~المفعول في وأنذرهم أي وأنذرهم مقدرين أو مشارفين الكظم فيكون حالا مقدره. ~~وفي قوله ما للظالمين من حميم ولا شفيع بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث ~~حمله الأولون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب ~~الكبائر. وقد مر مرارا ولا سيما في قوله وما للظالمين من أنصار [آل عمران: ~~192] ومعنى قوله يطاع يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: # ولا ترى الضب بها ينجحر وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن ~~الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين. والفائدة في ذكر هذه ~~الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتف في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم ~~أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم. وقوله يعلم خائنة الأعين خبر آخر ~~لقوله هو الذي يريكم آياته إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله لينذر وذكر وصف ~~القيامة استطرادا، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة ~~كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب. قال: # ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو «جرد قطيفة» أي ~~يعلم العين الخائنة لأن قوله وما تخفي الصدور لا يساعد عليه. قلت: يعني أن ~~عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب. وقيل: هي قول الإنسان ~~رأيت ولم ير وما رأيت ورأى. ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها. ~~قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة. وقيل: الوسوسة. وقال ابن عباس: ~~ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا. أقول: والحاصل أنه تعالى ~~أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك. ms4054 ففي قوله يعلم ~~خائنة الأعين إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله وما تخفي ~~الصدور دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب. وإذا علمت هذه الصفة وقد ~~عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك فى حقية قضائه ~~فلذلك قال والله يقضي بالحق ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا ~~بصر # PageV06P029 # بقوله والذين يدعون إلخ. ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر ~~نظير الآية في مواضع. وإنما قال في هذه السورة ذلك بأنهم كانت وفي ~~«التغابن» ذلك بأنه كانت [الآية: 6] موافقة لضمير الفصل في قوله كانوا هم ~~أشد. ### | التأويل: # الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة ~~إلى سر بينه وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل غافر الذنب للظالم وقابل التوب للمقتصد شديد العقاب للكافر ذي الطول ~~للسابق وقهم عذاب الجحيم أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى لمقت الله ~~إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان أكبر من مقتكم أنفسكم لو كنتم ~~تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوكم. ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن ~~عذاب البعد الأبدي أشد من رياضة أيام معدودة قلائل. ذو العرش عرش القلوب ~~استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 23 الى 50] # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23) إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا ساحر كذاب (24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين ~~آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25) وقال فرعون ~~ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد (26) وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ~~(27) # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم ~~بعض الذي ms4055 يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28) يا قوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم ~~إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32) # يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ~~(33) ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا ~~هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34) ~~الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يا هامان ابن ~~لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في ~~تباب (37) # وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب (40) ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى ~~النار (41) تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى ~~العزيز الغفار (42) # لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43) فستذكرون ما أقول لكم وأفوض ~~أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق ~~بآل فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46) وإذ يتحاجون في النار ms4056 فيقول الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) # قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال ~~الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا ~~أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال (50) # PageV06P030 ### | القراآت: # ذروني بفتح الياء: ابن كثير إني أخاف بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ~~ونافع وأبو عمرو. أو بصيغة الترديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. ~~الباقون: بواو العطف. يظهر بضم الياء وكسر الهاء من الإظهار الفساد بالنصب: ~~أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل وحفص. الآخرون: # بفتحهما ورفع الفساد عذت مدغما: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف ويزيد وإسماعيل ~~وهشام التنادى بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وأفق يزيد وورش وسهل ~~وعباس في الوصل قلب متكبر بالتنوين فيهما عل الوصف: أبو عمرو وقتيبة وابن ~~ذكوان. # الباقون: على الإضافة. لعلي أبلغ الأسباب بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ~~وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر فأطلع بالنصب: حفص. اتبعوني بالياء في ~~الحالين: سهل # PageV06P031 # وابن كثير ويعقوب وأفق أبو عمرو ويزيد والأصفهاني عن ورش وإسماعيل وأبو ~~نشيط عن قالون في الوصل. ما لي بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع أمري ~~إلى الله بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو تقوم بتاء التأنيث: الرازي ~~عن هشام أدخلوا من الإدخال: أبو جعفر ونافع ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وحفص. ~~وعلى هذه القراءة الخطاب للزبانية. وانتصب آل وأشد على أنهما مفعول بهما. ~~وعلى القراءة الأخرى هو لآل فرعون، وانتصب آل على النداء لا على أنه مفعول ~~به. ### | الوقوف: # مبين ه لا كذاب ه نساءهم ط ضلال ه ربه ج لاحتمال اللام مؤمن قف قد قيل: ~~بناء على أن الجار يتعلق بالفعل بعده والوصل أصح لأنه كان من القبط، ولو ~~فرض أنه لم يكن منهم فالجملة وصف له من ربكم ج لانتهاء الاستفهام إلى ~~الابتداء بالشرط كذبه ج للعطف والشرط يعدكم ms4057 ط كذاب ه في الأرض ز لابتداء ~~الاستفهام والوجه الوصل لأن المقصود الوعظ به جاءنا ط الرشاد ه الأحزاب ه ~~لا لأن ما بعده بدل بعدهم ط للعباد ه التناد ه ط لأجل البدل مدبرين ج لأن ~~ما بعده يصلح حالا واستئنافا من عاصم ج لاحتمال كون ما بعده ابتداء إخبار ~~من الله سبحانه وكونه من كلام المؤمن من هاد ه جاءكم به ط رسولا ط مرتاب ه ~~ج لاحتمال البدل فإن «من» في معنى الجمع أو الاستئناف أي هم الذين أو أعني ~~أنهم آمنوا ط جبار ه الأسباب ه لا كاذبا ط السبيل ط تباب ه الرشاد ج لأن ~~النداء يبدأ به مع أنه تكرار للأول متاع ز للفصل بين تنافي الدارين مع ~~اتفاق الجملتين القرار ه مثلها ج لعطف جملتي الشرط حساب ه النار ه ج ~~لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ولاحتمال ابتداء استفهام آخر الغفار ه النار ~~ه لكم ط إلى الله ط بالعباد ه العذاب ه ج لاحتمال البدل والابتداء وعشيا ج ~~لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف الساعة قف لحق القول المحذوف أي يقال لهم ~~أو للزبانية العذاب ه من النار ه العباد ه من العذاب ه بالبينات ط بلى ط ~~فادعوا ج لاحتمال أن ما بعده من قول الخزنة أو ابتداء إخبار من الله تعال ~~ضلال ه. ### | التفسير: # لما وبخ الكفار بعدم السير في الأرض للنظر والاعتبار أو بعدم النظر في ~~أحوال الماضين مع السير في الأقطار وقد وصف الماضين بكثرة العدد والآثار ~~الباقية، أراد أن يصرح بقصة واحدة من قصصهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وزيادة توبيخ وتذكير لهم. وكان في قصة موسى وفرعون من العجائب ما فيها، فلا ~~جرم أوردها هاهنا مع فوائد زائدة على ما في # PageV06P032 # المواضع الأخر منها: ذكر مؤمن من آل فرعون وما وعظ ونصح به قومه. ولأن ~~القصة قد تكررت مرارا فلنقتصر في التفسير على ما يختص بالمقام. قوله بالحق ~~أي بالمعجزات الظاهرة. وقوله اقتلوا يريد به إعادة القتل ms4058 كما مر في ~~«الأعراف» في قوله سنقتل أبناءهم [الآية: 127] قوله إلا في ضلال أي في ضياع ~~واضمحلال. فإن كان اللام في الكافرين للجنس فظاهر لأن وبال كيدهم يعود ~~بالآخرة عليهم حين يهلكون ويدخلون النار، وإن كان للعهد وهم فرعون وقومه ~~فأظهر كما قص عليك من حديث إغراقهم واستيلاء موسى وقومه على ديارهم. قوله ~~ذروني أقتل موسى ظاهره مشعر بأن قومه كانوا يمنعونه من قتله وفيه احتمالات: ~~الأول لعله كان فيهم من يعتقد نبوة موسى فيأتي بوجوه الحيل في منع فرعون. ~~الثاني قال الحسن: إن أصحابه قالوا لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكنه ~~أن يغلب سحرتك، وإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس وقالوا: إنه كان محقا ~~وعجزوا عن جوابه فقتله. الثالث: لعل مراد أمرائه أن يكون فرعون مشغول القلب ~~بأمر موسى حتى إنهم يكونون في أمن وسعة. قال جار الله: إن فرعون كان فيه خب ~~وجريرة وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء فكيف لا يقصد قتل من أحس بأن ~~في وجوده هدم ملكه وتغيير ما هو عليه من عبادة أصنامه كما قال إني أخاف أن ~~يبدل الآية. ولكنه كان قد استيقن أنه نبي وكان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل ~~بالهلاك. قال: # وقوله وليدع ربه شاهد صدق على فرط خوفه من دعوة ربه. وقال غيره: هو على ~~سبيل الاستهزاء يعني إن أقتله فليقل لربه الذي يدعي وجوده حتى يخلصه. ومعنى ~~تبديل الدين تغيير عبادة الأصنام كما مر في «الأعراف» في قوله ويذرك وآلهتك ~~[الآية: 127] والفساد التهارج والتنازع واختلاف الآراء والأهواء، أراد أنه ~~يحدث لا محالة من إبقائه فساد الدين والدنيا جميعا، أو أحد الأمرين على ~~القراءتين. ثم حكى ما ذكره موسى في دفع شر فرعون وهو العوذ بالله. وفي ~~تصدير الجملة بان دلالة على أن الطريق المعتبر في دفع الآفات الاستغاثة ~~والاستعاذة برب الأرض والسموات. وفي قوله بربي إشارة إلى أن الذي رباني ~~وإلى درجات الخير رقاني سيعصمني من شر هذا المارد الجاني. وفي قوله وربكم ~~احتراز عن ms4059 أن يظن ظان أنه يريد به فرعون لأنه رباه في صغره ألم نربك فينا ~~وليدا [الشعراء: 18] وفيه بعث لقوم موسى على أن يقتدوا به في الاستعاذة فإن ~~اجتماع النفوس له تأثير قوي. وفي قوله من كل متكبر أي متكبر عن قبول الحق ~~على سبيل العموم فائدتان: إحداهما شمول الدعاء فيدخل فيه فرعون بالتبعية. ~~والثانية أن فرعون رباه في الصغر فلعله راعى حسن الأدب في عدم تعيينه. وأما ~~وصف المتكبر بقوله # PageV06P033 # لا يؤمن بيوم الحساب فلأن الموجب لإيذاء الناس أمران: أحدهما قسوة القلب. ~~والثاني عدم اعتقاد بالجزاء والحساب. ولا ريب أنه إذا اجتمع الأمران كان ~~الخطب أفظع لاجتماع المقتضى وارتفاع المانع. ثم شرع في قصة مؤمن آل فرعون. ~~والأصح أنه كان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا واسمه سمعان أو حبيب أو ~~خربيل. وقيل: كان إسرائيليا. # وزيف بأن المؤمنين من بني إسرائيل لو يعتلوا ولم يعزوا لقوله اقتلوا ~~أبناء الذين آمنوا معه فما الوجه في تخصيصه؟ ولقائل أن يقول: الوجه تخصيصه ~~بالوعظ والنصيحة إلا أن قوله: فمن ينصرنا من بأس الله وقوله يا قوم على رأس ~~كل نصيحة يغلب على الظن أنه يتنصح لقومه. ومعنى أن يقول لأجل قوله أو وقت ~~أن يقول كأنه قال منكرا عليهم أترتكبون الفعلة الشنعاء وهي قتل نفس محرمة ~~أي نفس كانت لأجل كلمة حقة وهي قوله ربي الله والدليل على حقيقتها إظهار ~~الخوارق والمعجزات. وفي قوله من ربكم استدراج لهم إلى الاعتراف بالله. ثم ~~احتج عليهم بالتقسيم العقلي أنه لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا. على ~~الأول يعود وبال كذبه عليه، وعلى الثاني أصابكم ما يتوعدكم به من العقاب. ~~واعترض على الشق الأول بأن الكاذب يجب دفع شره بإمالته إلى الحق أو بقتله، ~~ولهذا أجمع العلماء على أن الزنديق الذي يدعو الناس إلى دينه يجب قتله. ~~وعلى الشق الثاني بأنه أوعدهم بأشياء والنبي صادق في مقالته لا محالة فلم ~~قال يصبكم بعض الذي يعدكم ولم يقل «كل الذي» ؟ والجواب عن الأول أنه ms4060 إنما ~~ردد بين الأمرين بناء على أن أمره مشكوك فيما بينهم، والزمان زمان الفترة ~~والحيرة، فأين هذا من زماننا الذي وضح الحق فيه وضوح الفجر الصادق بل ظهور ~~الشمس في ضحوة النهار؟ وعن الثاني أنه من كلام المنصف كأنه قال: إن لم ~~يصبكم كل ما أوعد فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، أو أراد عذاب الدنيا وكان ~~موسى أوعدهم عذاب الدنيا والآخرة جميعا. وعن أبي عبيدة: أن البعض هاهنا ~~بمعنى الكل وأنشد قول لبيد: # تراك أمكنه إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها # وخطأه جار الله وكثير من أهل العربية وقالوا: إنه أراد ببعض النفوس فقط. ~~ثم أكد حقية أمر موسى بقوله إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب وقد هداه الله ~~إلى المعجزات الباهرة فهو إذن ليس بمتجاوز عن حد الاعتدال ولا بكذاب. وقيل: ~~إنه كلام مستأنف من الله عز وجل، وفيه تعريض بأن فرعون مسرف في عزمه على ~~قاتل موسى كذاب في ادعاء الإلهية فلا يهديه الله إلى شيء من خيرات الدارين ~~ويزيل ملكه ويدفع شره، # PageV06P034 # وقد يلوح من هذه النصيحة وما يتلوها من المواعظ أن مؤمن آل فرعون كان ~~يكتم إيمانه إلى أن قصدوا قتل موسى وعند ذلك أظهر الإيمان وترك التقية ~~مجاهدا في سبيل الله بلسانه. ثم ذكرهم نعمة الله عليهم وخوفهم زوالها بقوله ~~يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض أي غالبين على أرض مصر ومن فيها من ~~بني إسرائيل والقبط فمن ينصرنا من بأس الله من يخلصنا من عذابه إن جاءنا ~~وذلك لشؤم تكذيب نبيه قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى أي ما أشير عليكم برأي ~~إلا بما أرى من قبله وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد وصلاح الدين ~~والدنيا، أو ما أعلمكم من الصواب ولا أسر خلاف ما أظهر. قال جار الله: وقد ~~كذب فقد كان مستشعرا للخوف الشديد من جهة موسى ولكنه كان يتجلد. وحكى أبو ~~الليث أن الرشاد اسم من أسماء أصنامه. قوله مثل دأب قال ms4061 جار الله صاحب ~~الكشاف: لا بد من حذف مضاف أي مثل جزاء دأبهم وهو عادتهم المستمرة في الكفر ~~والتكذيب. ثم قال: إنه عطف بيان للأول لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح. ~~ولو قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود لم يكن إلا عطف بين لإضافة ~~قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أول المضافات. قلت: لا بأس من جعله بدلا ~~كما مر. وقوله وما الله يريد ظلما للعباد أبلغ من قوله وما ربك بظلام ~~للعبيد [فصلت: # 46] لأن نفي الإرادة آكد من نفي الفعل ولتنكير الظلم في سياق النفي. وفيه ~~أن تدميرهم كان عدلا وقسطا. وقيل: معناه أنه لا يريد لهم أن يظلموا فدمرهم ~~لكونهم ظالمين. وحين خوفهم عذاب الدنيا خوفهم عذاب الآخرة أيضا فقال ويا ~~قوم إني أخاف عليكم يوم التناد أما اليوم فيمكن انتصابه على الظرفية كأنه ~~أخبر عن خوفه في ذلك اليوم لما يلحقهم من العذاب، والأولى أن يكون مفعولا ~~به أي أحذركم عذاب ذلك اليوم. وفي تسمية يوم القيامة يوم التناد وجوه منها: ~~أن أهل الجنة ينادون أهل النار وبالعكس كما مر في سورة الأعراف. ومنها أنه ~~من قوله يوم ندعوا كل أناس بإمامهم [الإسراء: 71] ومنها أن بعض الظالمين ~~ينادي بعضا بالويل والثبور قائلين يا ويلنا. ومنهما أنهم ينادون إلى ~~المحشر. # ومنهما أنه ينادي المؤمن هاؤم اقرؤا كتابيه والكافر يا ليتني لم أوت ~~كتابيه. ومنها أنه يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح وينادي في أهل ~~القيامة لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا على فرح، وأهل النار حزنا على حزن. ~~وقال أبو علي الفارسي: التناد مخفف من التناد مشددا وأصله من ند إذا هرب ~~نظيره يوم يفر المرء من أخيه وأمه [عبس: 34] إلخ. ويؤيده قراءة ابن عباس ~~مشددا وتفسيره بأنهم يندون كما تند الإبل. وقوله بعد ذلك يوم تولون مدبرين ~~أنهم إذا سمعوا زفير النار ندوا هاربين فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا ~~وجدوا ملائكة صفوفا فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. وقال قتادة: ms4062 معنى ~~تولون # PageV06P035 # مدبرين انصرافهم عن موقف الحساب إلى النار. ثم أكد التهديد بقوله ما لكم ~~من الله الآية. ثم ذكر مثالا لمن لا يهديه الله بعد إضلاله وهو قوله ولقد ~~جاءكم يوسف وفيه أقوال ثلاثة أحدها: أنه يوسف بن يعقوب، وفرعون موسى هو ~~فرعون يوسف، والبينات إشارة إلى ما # روي أنه مات لفرعون فرس قيمته ألوف فدعا يوسف فأحياه الله. وأيضا كسفت ~~الشمس فدعا يوسف فكشفها الله # ، ومعجزاته في باب تعبير الرؤيا مشهورة، فآمن فرعون ثم عاد إلى الكفر بعد ~~ما مات يوسف. والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف ابن يعقوب، أقام فيهم ~~عشرين سنة قاله ابن عباس. والثاني هو يوسف بن ابن إبراهيم بن يوسف إليهم ~~رسولا من الجن اسمه يوسف وأورده أقضى القضاة أيضا وفيه بعد. قال المفسرون ~~في قوله لن يبعث الله من بعده رسولا ليس إشارة إلى أنهم صدقوا يوسف لقوله ~~فما زلتم في شك وإنما الغرض بيان أن تكذيبهم لموسى مضموم إلى تكذيب يوسف ~~ولهذا ختم الآية بقوله كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب قلت: هذا إنما يصح ~~إذا لم يكن فرعون يوسف قد آمن به لكنه مروي كما قلنا اللهم إلا أن يقال: ~~لولا شكه في أمره لما كفر بعد موته قال جار الله: فاعل كبر ضمير عائد إلى ~~من هو مسرف لأنه موحد اللفظ وإن كان مجموع المعنى. وجوز أن يكون الذين ~~يجادلون مبتدأ على تقدير حذف المضاف أي جدال الذين يجادلون كبر. وجوز آخرون ~~أن يكون التقدير الذين يجادلون كبر جدالهم على حذف الفاعل للقرينة. وفي ~~قوله وعند الذين آمنوا إشارة إلى أن شهادة المؤمنين عند الله بمكان حتى ~~قرنها إلى شهادة نفسه. والمقصود التعجب والاستعظام لجدالهم وخروجه عن حد ~~أشكاله من الكبائر، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه مركزهما ومنبعهما، أو ~~باعتبار صاحبه. ومن قرأ بالإضافة فظاهر إلا أنه قيل: فيه قلب والأصل على ~~قلب كل متكبر كما يقال: فلان يصوم كل يوم جمعة أي يوم كل جمعة. ثم ms4063 أخبر ~~الله سبحانه عن بناء فرعون ليطلع على السماء وقد تقدم ذكره في سورة القصص. ~~قال أهل اللغة: الصرح مشتق من التصريح الإظهار، وأسباب السموات طرقها كما ~~مر في أول «ص» فليرتقوا في الأسباب [الآية: 10] فائدة بناء الكلام على ~~الإبدال هي فائدة الإجمال ثم التفصيل والإبهام ثم التوضيح من تشويق السامع ~~وغيره. من قرأ فأطلع بالرفع فعلى العطف أي لعلي أبلغ فأطلع. ومن قرأ بالنصب ~~فعلى تشبيه الترجي بالتمني. والتباب الخسران والهلاك كما مر في قوله وما ~~زادوهم غير تتبيب [هود: 101] استدل كثير من المشبهة بالآية على أن الله في ~~السماء قالوا: إن بديهة فرعون قد شهدت بأنه في ذلك الصوب وأنه سمع من موسى ~~أنه يصف الله بذلك وإلا لما رام بناء الصرح. والجواب أن بديهة فرعون لا حجة ~~فيها، وسماعه ذلك من موسى ممنوع. وقد يطعن بعض اليهود بل كلهم في الآية بأن # PageV06P036 # تواريخ بني إسرائيل تدل على أن هامان لم يكن موجودا في زمان موسى وفرعون ~~وإنما ولد بعدهما بزمان طويل، ولو كان مثل هذا الشخص موجودا في عصرهما لنقل ~~لتوفرت الدواعي على نقله. والجواب أن الطعن بتاريخ اليهود المنقطع الوسط ~~لكثرة زمان الفترة أولى من الطعن في القرآن المعجز المتواتر أولا ووسطا ~~وآخرا. # ثم عاد سبحانه إلى حكاية قول المؤمن وأنه أجمل النصيحة أولا بقوله اتبعون ~~أهدكم ثم استأنف مفصلا قائلا إنما هذه الحياة الدنيا متاع يتمتع به أياما ~~قلائل ثم يترك عند الموت إن لم يزل نعيمها قبل ذلك وإن الآخرة هي دار ~~القرار المنزل الذي يستقر فيه. ثم بين أنه كيف تحصل المجازاة في الآخرة ~~وفيه إشارة إلى أن جانب الرحمة أرجح. ومعنى الرزق بغير حساب أنه لا نهاية ~~لذلك الثواب، أو أنه يعطى بعد الجزاء شيئا زائدا على سبيل التفضل غير مندرج ~~تحت الحساب. ثم صرح بأنهم يدعونه إلى النار وهو يدعوهم إلى الخلاص عنها ~~وفسر هذه الجملة بقوله تدعونني لأكفر بالله الآية. ليعلم أن الشرك بالله ~~أعظم موجبات النار والتوحيد ضده. وفي ms4064 قوله ما لي أدعوكم من غير أن يقول «ما ~~لكم» مع أن الإنكار يتوجه في الحقيقة إلى دعائهم لا إلى المجموع ولا إلى ~~دعائه سلوك لطريق الإنصاف. ووجه تخصيص العزيز الغفار بالمقام أنه غالب على ~~من أشرك به غفور لمن تاب عن كفره. قوله لا جرم لا رد لكلامهم، وجرم بمعنى ~~كسب أو وجب أو لا بد وقد سبق في «هود» و «النحل» . ومعنى ليس له دعوة أنه ~~لا يقدر في الدنيا على أن يدعو الناس إلى نفسه لأنه جماد، ولا في الآخرة ~~لأنه إذا أنطقه الله فيها تبرأ من عابديه. # ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي ليس له استجابة دعوة كقوله والذين يدعون ~~من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء [الرعد: 14] عن ~~قتادة: # المسرفين هم المشركون. ومجاهد: السفاكون للدماء بغير حلها. وقيل: الذين ~~غلب شرهم خيرهم. وقيل: الذين جاوزوا في المعصية حد الاعتدال كما بالدوام ~~والإصرار وكيفا بالشناعة وخلع العذار فستذكرون أي في الدنيا عند حلول ~~العذاب أو في الآخرة عند دخول النار وأفوض أمري إلى الله قاله لأنهم ~~توعدوه. وفيه وفي قوله فوقاه الله دليل واضح على أنه أظهر الإيمان وقت هذه ~~النصائح. قال مقاتل: لما تمم هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل ~~فطلبوه فلم يقدروا عليه. قوله وحاق بآل فرعون معناه أنه رجع وبال مكرهم ~~عليهم فأغرقوا ثم أدخلوا نارا. ولا يلزم منه أن يكونوا قد هموا بإيصال مثل ~~هذا السوء إليه، ولئن سلم أن الجزاء يلزم فيه المماثلة لعل فرعون قد هم # PageV06P037 # بإغراقه أو بإحراقه كما فعل نمرود. قوله يعرضون عليها أي يحرقون بها. ~~يقال: عرض الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به. وقوله غدوا وعشيا إما ~~للدوام كما مر في صفة أهل الجنة ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا [مريم: 62] ~~وإما لأنه اكتفى في القبر بإيصال العذاب إليهم في هذين الوقتين. وفي سائر ~~الأوقات إما أن يبقى أثر ذلك وألمه عليهم، وإما أن يكون فترة وإما أن ~~يعذبوا بنوع ms4065 آخر من العذاب الله أعلم بحالهم. وفي الآية دلالة ظاهرة على ~~إثبات عذاب القبر لأن تعذيب يوم القيامة يجيء في قوله ويوم تقوم الساعة ~~قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بعرض النار عرض النصائح عليهم في الدنيا ~~لأن سماع الحق مر طعمه؟ قلنا: عدول عن الظاهر من غير دليل. ولما انجر ~~الكلام إلى شرح أحوال أهل النار عقبة بذكر المناظرات التي تجري فيها بين ~~الرؤساء والأتباع والمعنى: اذكر يا محمد وقت تحاجهم وقد مر نظير ذلك مرارا. ~~وفي قولهم إن الله قد حكم بين العباد أي قضى لكل فريق بما يستحقه إشارة إلى ~~الإقناط الكلي، ولهذا رجعوا عن محاجة المتبوعين إلى الالتماس من خزنة النار ~~أن يدعوا الله بتخفيف العذاب عنهم زمانا. قال المفسرون: # إنما لم يقل لخزنتها لأن جهنم اسم قعر النار فكأن لخزنتها قربا من الله ~~وهم أعظم درجة من سائر الخزنة فلذلك خصوهم بالخطاب. أما قول الخزنة لهم ف ~~ادعوا ودعاء الكافر لا يسمع، فالمراد به التوبيخ والتنبيه على اليأس كأنهم ~~قالوا: الشفاعة مشروطة بشيئين: كون المشفوع له مؤمنا والشافع مأذونا له ~~فيها، والأمر إن هاهنا مفقودان على أن الحجة قد لزمتهم والبينة ألجأتهم. ثم ~~أكدوا ذلك بقولهم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي لا أثر له البتة. ### | [سورة غافر (40) : الآيات 51 الى 85] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51) ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد آتينا ~~موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53) هدى وذكرى لأولي الألباب (54) ~~فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55) # إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما ~~هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوي الأعمى ~~والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58) إن ~~الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس ms4066 لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) # الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63) ~~الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من ~~الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64) هو الحي لا إله إلا ~~هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65) # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من ~~قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ~~أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ~~(70) # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار ~~يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا ~~عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74) ذلكم بما ~~كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) # ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76) فاصبر إن وعد ~~الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك ~~المبطلون (78) الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ~~ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ~~(80) # ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81) أفلم يسيروا ms4067 في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (83) فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) # PageV06P038 ### | القراآت # لا ينفع على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم تتذكرون بتاء الخطاب: ~~عاصم وحمزة وعلي وخلف. ادعوني أستجب بفتح الياء: ابن كثير. # سيدخلون من الإدخال مجهولا: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر ~~غير الشموني شيوخا بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة ~~والأعشى ويحيى وحماد. ### | الوقوف # الأشهاد ه لا لأن يوم بدل من الأول الدار ه الكتاب ه لا الألباب ه ~~والإبكار ه أتاهم لا ن ما بعده خبر «إن» ما هم ببالغيه ج لاختلاف الجملتين ~~بالله ط البصير ه لا يعلمون ه ولا المسيء ط يتذكرون ه لا يؤمنون ه أستجب ~~لكم ط داخرين ه مبصرا ط لا يشكرون ه شيء لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء ~~وخطؤه ظاهر إلا هو ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام ~~مقصود الكلام يؤفكون ه يجحدون ه الطيبات ط العالمين ه الدين ه العالمين ه ~~شيوخا ج لاختلاف الجملتين تعقلون ه ويميت ج لأجل الفاء مع الشرط فيكون ه في ~~آيات الله ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر يصرفون ه ج لاحتمال كون الذين ~~بدلا من الضمير في يصرفون رسلنا قف إن لم تقف على يصرفون. يعلمون ه لا ~~لتعلق الظرف والسلاسل ط لأن ما بعده مستأنف. وقيل: والسلاسل مبتدأ والعائد ~~محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم يسجرون ه ج للآية مع العطف من دون ~~الله ط شيئا ط الكافرين ه تمرحون ه خالدين فيها ج المتكبرين ه حق ه للشرط ~~مع الفاء يرجعون ه نقصص عليك ms4068 ط بإذن الله ج المبطلون ه تأكلون ه ز للآية مع ~~العطف وشدة اتصال المعنى تحملون ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف. ~~نكرون # ه من قبلهم ط للفصل بين الاستخبار والأخبار يكسبون ه يستهزؤن ه مشركين ه ~~بأسنا الثاني ط في عباده ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن الكافرون ه. ### | التفسير: # هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ~~فوقاه الله وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مرارا أن موسى وسائر ~~قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال إنا لننصر ~~رسلنا الآية. # ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس ~~بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا ~~لما قتل به سبعون # PageV06P040 # ألفا. وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد ~~من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل «هود» . ~~ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار ~~فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة. ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها ~~قومه بعده. والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون ~~مذكرا للشيء المنسي. وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم مسليا له بقوله فاصبر إن وعد الله بالنصر وإعلاء كلمة الحق حق ~~كما قص عليك من حال موسى وغيره. ثم أمره باستغفار لذنبه وقد سبق البحث في ~~مثله مرارا. والعشي والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام. قوله إن ~~الذين يجادلون عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى هاهنا. وفيه ~~بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب ~~الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد ms4069 أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك ~~تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ما هم ببالغيه ثم أمره أن ~~يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على ~~حسب ذلك. ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله تعالى ~~عليهم بقوله لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ومن قدر على الأصعب في ~~نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبير بل لا يعرفون ما ~~البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ولكن أكثر الناس لا يعلمون. # ثم نيه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال ~~المستند إلى الحجة والدليل قائلا وما يستوي الأعمى والبصير وحين بين ~~التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم ~~قال قليلا ما تتذكرون وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما ~~يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معاندا مصرا. ثم صرح بوجود القيامة ~~قائلا إن الساعة لآتية أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في «طه» لأن المخاطبين ~~هاهنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها. ~~ومعنى لا يؤمنون لا يصدقون بالبعث. ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ~~ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم أكثر المفسرين على أن الدعاء هاهنا بمعنى العبادة، ~~والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله سبحانه إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن # PageV06P041 # كقوله إن يدعون من دونه إلا إناثا [النساء: 117] # روى النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الدعاء ~~العبادة» وقرأ هذه الآية. # وجوز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي ~~لأن الدعاء باب من العبادة يصدقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء. وقد ~~مر تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله أجيب دعوة ms4070 الداع إذا دعان [الآية: ~~186] وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم. وفي الدعاء. قال ~~جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد. ومعنى داخرين ~~صاغرين. وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال ~~والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على ~~غير الله. وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجابا البتة ~~لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله. # ثم إنه تعالى ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير ~~الآية مرارا ولا سيما في أواخر «يونس» وأواسط «البقرة» . وكرر ذكر الناس ~~نعيا عليهم وتخصيصا لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات. وأما وجه ~~النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا ~~أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟ ففيه تحريض على الدعاء. وأيضا ~~الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعو فلذلك ذكر في عدة آيات دلائل باهرة ~~من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال. قوله ذلكم الله إلى ~~قوله إلا هو قد مر في «الأنعام» . قوله كذلك يؤفك أي كل من حجد بآيات الله ~~ولم يكن طالبا للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا. قوله فأحسن صوركم كقوله ~~ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70] لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم [التين: ~~4] قوله الحمد لله رب العالمين إما استئناف مدح من الله تعالى لنفسه، وإما ~~بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله. قوله لما جاءني البينات ~~شامل لأدلة العقل والنقل جميعا. قوله ثم لتبلغوا أشدكم متعلق بمحذوف أي ثم ~~يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا. وأما قوله ولتبلغوا أجلا مسمى فمتعلق بفعل ~~آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم ~~أن تعقلوا ما في ذلك من العبر. # وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم ~~أشار بقوله فإذا قضى إلخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار ms4071 في شيء ~~ما إلى آلة وعدة. وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ~~ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل ~~بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من ~~الأمرين يحصل في آن واحد. ويمكن أن # PageV06P042 # يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأول وهو آدم كقوله خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون [آل عمران: 59] ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ألم ~~تر الآية والكتاب القرآن. وما أرسل به الرسل سائر الكتب. وقوله فسوف يعلمون ~~إذ الأغلال في أعناقهم ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس. بناء على أن سوف ~~للاستقبال وإذ للمضي، لأن «إذ» هاهنا بمعنى «إذا» إلا أنه ورد على عادة ~~أخبار الله نحو وسيق [الزمر: # 73] ونادى [الأعراف: 48] وقال المبرد: إذ صارت زمانا قبل سوف لأن العلم ~~وقع منهم بعد ثبوت الأغلال. والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه ~~من بعد أن حق بالوجود. ومعنى يسجرون قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ~~ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة ~~أجوافهم منها. والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار. ~~وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ثم قيل لهم على سبيل التوبيخ أين ~~ما كنتم «ما» موصولة مبتدأ و «أين» خبرها. ومعنى ضلوا غابوا وضاعوا ولم يصل ~~إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله بل لم نكن ~~ندعوا من قبل شيئا يعتد به كما تقول: حسبت أن فلانا شيء فإذا هو ليس بشيء ~~أي ليس عنده خير. ومن جوز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: ~~إنهم أنكروا عبادة الأصنام. ثم قال كذلك يضل الله الكافرين قالت الأشاعرة: ~~أي عن الحجة والإيمان. وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان. وقال في ~~الكشاف: # أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم ~~الآلهة لم يجد ms4072 أحدهما الآخر. واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار ~~لقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم [الأنبياء: 98] والجواب أن كون ~~الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر. وأجاب في الكشاف باختلاف ~~الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع. # ذلكم العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط بغير الحق وهو ~~الشرك وعبادة الصنم. ويجوز أن يكون القول محذوفا أي يقال لهم ادخلوا أبواب ~~جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدرين الخلود فيها فبئس مثوى المتكبرين ~~يعني الذين مر ذكرهم في قولهم إن في صدوركم إلا كبر والمخصوص بالذم محذوف ~~وهو مثواكم أو جهنم. قال جار الله: إنما لم يقل «فبئس مدخل المتكبرين» حتى ~~يكون مناسبا لقوله ادخلوا كقولك: زر بيت الله فنعم المزار. لأن الدخول ~~المؤقت بالخلود في معنى الثواء. وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر ~~رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال فإما نرينك ~~بعض الذي نعدهم من عذاب الدنيا فذاك أو نتوفينك فإلينا يرجعون هذا التقدير ~~ذكره جار الله، وقد مر في «يونس» مثله. # PageV06P043 # وأقول: لا بأس أن يعطف قوله أو نتوفينك على نرينك ويكون الرجوع إلى الله ~~جزاء لهما جميعا ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا ~~في الدنيا أو لم يعذبوا. ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في ~~الصبر والتماسك فقال ولقد أرسلنا الآية. ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد ~~الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. # وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس. ولعل ~~الأصح أن عددهم لا يعلمه الا الله لقوله تعالى ألم يأتكم نبؤا الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله [إبراهيم: 9] ~~لكن الإيمان بالجميع واجب. # عن علي رضى الله عنه: بعث الله نبيا أسود لم يقص علينا قصته. # ثم إن قريشا كانوا يقترحون آيات تعنتا كما مر في أواخر «سبحان» وأول ~~«الفرقان» وغيرهما فلا جرم قال الله تعالى وما كان ms4073 لرسول أن يأتي بآية إلا ~~بإذن الله فإذا جاء أمر الله بعذاب الدنيا أو بالقيامة. وقال ابن بحر: # أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها وخسر هنالك أي ~~في ذلك الوقت استعير المكان للزمان المبطلون وهم أهل الأديان الباطلة. ثم ~~عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلا الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ~~قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو ~~الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا. أو يقال: ~~منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن ~~الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو ~~طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين. وأما الأكل وإصابة المنافع ~~فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعا. وإنما قال على ~~الفلك ولم يقل «وفي الفلك» مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجا لقوله عليها # [المؤمنون: 22] والحمل محمول على الظاهر. وقيل: هو من قول العرب: حملت ~~فلانا على الفرس إذا وهب له فرسا. ثم وبخهم بقوله يريكم آياته فأي آيات ~~الله تنكرون. # ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله أفلم يسيروا الآية. وقد سبق. وقوله فما أغنى ~~عنهم «ما» نافية أو استفهامية ومحلها النصب. وقوله ما كانوا مصدرية أو ~~موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا. قوله فرحوا لا يخلو إما أن يكون الضمير ~~عائدا إلى الكفار أو إلى الرسل. وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم ~~الذي يزعمون كقولهم وما أظن الساعة قائمة [الكهف: 36] اإذا كنا ترابا ~~وعظاما اانا لفي خلق جديد [ق: 4] ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض ~~الفلاسفة كقولهم وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] وكانوا إذا سمعوا بوحي ~~الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم # PageV06P044 # كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام فقيل له: لو هاجرت إليه؟ ~~فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. ويروى أن ms4074 جالينوس قال ~~لعيسى عليه السلام: # بعثت لغيرنا. ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا [الروم: 7] وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم ~~الديانات. وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء ~~عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم ~~واستهزائهم. ووجه آخر وهو أن يكون ضمير فرحوا للكفار وضمير عندهم للرسل أي ~~فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء. ثم بين أن إيمان البأس وهو ~~حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مرارا. ومعنى ~~فلم يك ينفعهم لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف. وترادف الفاءات ~~في قوله فما أغنى فلما جاءتهم فلما رأوا فلم يك لترتيب الأخبار ولتعاقب ~~المعاني من غير تراخ. وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله كانوا أكثر منهم ~~وقوله فلما جاءتهم جار مجرى البيان والتفسير لقوله فلما أغنى وقوله فلما ~~رأوا بأسنا تابع لقوله فلما جاءتهم كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال ~~فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله فلما رأوا بأسنا آمنوا وكذلك فلم ~~يك تابع لإيمانهم بعد البأس. قال أهل البرهان: وإنما قال هاهنا وخسر هنالك ~~الكافرون وفيما قبل المبطلون لأنه قال هناك قضي بالحق ونقيض الحق الباطل، ~~وهاهنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم. # PageV06P045 ### | (سورة فصلت) # (وهي مكية حروفها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون كلمها سبعمائة وأربع ~~وتسعون آياتها 54) ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 24] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون (5) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكاة ~~وهم بالآخرة هم كافرون (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ms4075 ~~ممنون (8) قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين (9) # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ~~سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في ~~كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ~~(12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13) إذ جاءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا ~~لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14) # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا ~~أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (15) فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) # حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ~~(20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ~~وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ~~ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22) ~~وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (23) فإن يصبروا ~~فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) # PageV06P046 ### | القراآت: # سواء بالرفع: يزيد. وقرأ يعقوب بالجر. الباقون: بالنصب نحسات بسكون ~~الحاء: ابن كثير وأبو عمرو ونافع وسهل ويعقوب وأما ثمود بالنصب: المفضل ~~نحشر بالنون أعداء بالنصب: نافع ويعقوب. الآخرون: بالياء مجهولا أعداء ~~مرفوعا. ### | الوقوف: # حم كوفي الرحيم ه ج لأن قوله كتاب يصلح أن يكون بدلا من تنزيل وأن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب. ويجوز أن يكون تنزيل هو ms4076 مع وصفه مبتدأ وكتاب ~~خبره يعلمون ه ج لأن وبشيرا صفة أخرى ل قرآنا ونذيرا ه ج لاختلاف الجملتين ~~لا يسمعون ه عاملون ه واستغفروه ج للمشركين ه لا كافرون ه ممنون ه وأندادا ~~ط العالمين ه لا للآية مع العطف أيام ط لمن نصب سواء أو رفع ومن خفض لم يقف ~~للسائلين ه كرها ط طائعين ه أمرها ج للعدول بمصابيح ج لحق المحذوف أي ~~وحفظناها حفظا ولعل الوصل أولى لما يجيء وحفظا ه العليم ه وثمود ه بناء على ~~أن «إذ» يتعلق بمحذوف هو أذكر أو بمعنى الفعل في الصاعقة أي يصعقون إذ ذاك، ~~ولا يجوز أن يتعلق ب أنذرتكم إلا الله ط كافرون ه منا قوة ط منهم قوة ط ~~للفصل بين الإخبار والاستخبار يجحدون ه الدنيا ج لا ينصرون ه يكسبون ه ~~يتقون ه يوزعون ه يعملون ه علينا ط ترجعون ه تعملون ه الخاسرين ه مثوى لهم ~~ط المعتبين ه ### | التفسير: # حم قال بعضهم: الحاء من الحكمة، والميم من المنة أي من على عباده بتنزيل ~~الحكمة من الرحمن في الأزل، الرحيم في الأبد وهي كتاب فصلت آياته أي ميزت ~~أمثالا ومواعظ وأحكاما وقصصا إلى غير ذلك. وقد مر في أول «هود» . وانتصب ~~قرآنا على المدح والاختصاص أو على الحال الموطئة لقوم يعلمون أي لقوم عرب ~~يفهمون معانيه يعنى بالإصالة وللباقين بعدهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم منهم فالدعوة تحصل أولا لهم. والأظهر عندي أنه كقوله هدى للمتقين ~~[البقرة: 2] وذلك أنه لا ينتفع بالقرآن إلا أهل العلم به. قال أهل السنة: ~~الصفات المذكورة هاهنا للقرآن توجب شدة # PageV06P047 # الاهتمام بمعرفته. والوقوف على معانيه بيانه أن كونه نازلا من الرحمن ~~الرحيم دليل على أن تنزيله رحمة للعالمين، وفيه شفاء لأمراض القلوب، وكونه ~~كتابا. والتركيب يدور على الجمع كما سبق في أول الكتاب يدل على أن فيه علوم ~~الأولين والآخرين. وقوله فصلت آياته دليل على أنه في غاية الكشف والبيان ~~وكونه قرآنا عربيا ولغة العرب أفصح اللغات ms4077 مما يوجب أن تتوفر عليه الرغبات ~~ولا سيما للعرب ومن داناهم. وكونه بشيرا ونذيرا يدل على أن الاحتياج إليه ~~من أهم المهمات لأنه سعي في معرفة ما يوصل إلى الثواب الأبدي، ويخلص من ~~العقاب السرمدي. فإذا علم المخاطبون هذه الفوائد ثم أعرض أكثرهم عن القرآن ~~ولم يسمعوه سماع قبول دل ذلك على أن المهدي من هداه الله ومن يضلله فلا ~~هادي له. ثم أكد بيان إعراضهم بقوله وقالوا قلوبنا في أكنة ولا يخفى أنه ~~سبحانه ذكر هذا في معرض الذم فوجه الجمع بينه وبين قوله وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [الأنعام: 25] هو أن الذم إنما يتوجه على ~~اعتقادهم أنهم إذا كانوا كذلك لم يجز تكليفهم ولا خطابهم بالأمر والنهي، أو ~~أنهم قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء. قال جار الله: فائدة «من» في قوله ومن ~~بيننا وبينك حجاب دون أن يقول «وبيننا» هو أن العبارة الثانية تدل على مطلق ~~الحجاب، ولكن العبارة الواردة في القرآن تفيد أن المسافة التي بينهم وبين ~~رسول الله مملوءة من الحجاب لا فراغ فيها كأنه قيل: إن الحجاب ابتدأ منا ~~ومنك. ثم حكى عنهم ما قالوا على سبيل التهديد أو التحلية فاعمل أي على دينك ~~أو في إبطال ديننا إننا عاملون على ديننا أو في إبطال أمرك. ثم أمر رسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن شبهتهم بقوله إنما أنا بشر مثلكم وتوجيه ~~النظم إني لا أقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز ~~إلا أني أوحي إلي التوحيد والأمر به، فعلي البلاغ وحده. ثم إن قبلتم قولي ~~أثابكم الله وإلا عاقبكم. قال في الكشاف: أراد إن نبوتي صحت بالوحي وإذا ~~صحت وجب اتباعي ومن جملة ذلك القول بالتوحيد. ثم بين أن خلاصة الوحي ترجع ~~إلى أمرين: الاستقامة والإقامة على التوحيد المتوجهين إلى الله والاستغفار ~~من تقصير قد يقع في الطاعة. ثم هدد أهل الشرك بقوله وويل للمشركين وقرن منع ~~الزكاة بالكفر بالله أولا وبالآخرة ثانيا، لأن المال ms4078 شقيق الروح، وبه ~~وببذله في سبيل الله يعرف الموافق من المنافق، ففيه بعث شديد لأهل الإيمان ~~على أداء الزكاة، وفيه أن الشفقة على خلق الله قرينة التعظيم لأمر الله. ~~وقيل: كانت قريش يطعمون الحاج ولا يطعمون المؤمنين فنزلت قاله الفراء. ~~وقيل: أراد بالزكاة هاهنا الإيمان لأنه يزكي النفس من دون الشرك. ثم ذكر ~~جزاء المطيعين وهو ظاهر. والممنون المقطوع. وقيل: هو من المنة. قال جمع من ~~المفسرين: نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن # PageV06P048 # الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون. # لما حكى بعض قبائح المشركين وسائر الكفرة أراد أن يورد دليلا على التوحيد ~~فأمر رسوله أن يوبخهم بقوله أإنكم لتكفرون بالذي سمعتم ممن تصدقونهم من أهل ~~الكتاب غيركم أنه خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا عمم الكفر أولا ثم ~~خصص بنوع الشرك وجعل فيها رواسي ومعنى من فوقها أي بالنسبة إلى سكان ~~المعمورة تذكيرا لنعمة فوق نعمة فإن الجبال منافعها أكثر من أن تحصى يعرف ~~بعضها أهلها ولعلنا قد عددنا في أول «البقرة» طرفا منها. وبارك فيها بوضع ~~الخيرات الكثيرة فيها. قال ابن عباس: # يريد شق الأنهار وخلق الجبال والأشجار والحيوانات وكل ما يحتاج إليه وقدر ~~فيها أقواتها عن مجاهد: يعني المطر فإنه بمنزلة الغذاء للأرض به حياتها. ~~وعن محمد بن كعب: أراد أقوات أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وقيل: لا حاجة إلى ~~الإضمار فإن الإضافة تحسن لأدنى ملابسة أي وقدر فيها أقواتها التي يختص ~~حدوثها بها في أربعة أيام يعني مع اليومين الأولين فيكون إيجاد نفس الأرض ~~في يومين وإيجاد هذه الأشياء في يومين آخرين والمجموع أربعة أيام وخلق ~~السماء في تتمة ستة فتكون هذه الآية موافقة لسائر الآيات، وقد سبق هذا ~~المعنى في أول سورة البقرة. من قرأ سواء بالرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ~~أي هو سواء. ثم إن كان الضمير للأربعة فمعناه أن تلك الأيام مستوية في ~~الطول والقصر كأيام خط الاستواء، أو هي تامة غير ناقصة بشيء فقد يطلق لفظ ~~الكل على ms4079 الأكثر، وهذه إحدى فوائد العدول عن العبارة الصريحة وهي أن لو قال ~~في يومين آخرين. وقال بعضهم: من فوائده أنه لا يجوز عطف قوله وجعل على خلق ~~لأن قوله وتجعلون معطوف على لتكفرون ولا يجوز أن يحال بين صلة الموصول وما ~~يعطف عليه بأجنبي لا يقال: جاءني الذي يكتب وجلس ويقرأ فلا بد من إضمار فعل ~~مثل الأول فتقدير الكلام: ذلك أن رب العالمين خلق الأرض وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهو كلام لا يرد عليه ~~سؤال أصلا. ومن قرأ بالجر فعلى وصف الأربعة بالاستواء والمعنى كما مر. ومن ~~قرأ بالنصب فعلى المصدر أي استوت استواء. ثم إن كان الضمير للأربعة فالمعنى ~~كما قلنا، وإن كان للأقوات. وكذا في قراءة الرفع احتمل أن يكون للسائلين ~~متعلقا به أي الأقوات والأرزاق سواء لمن سأل ولمن لم يسأل لما # روى عن ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا رديفه يقول: ~~خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح ~~بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل، وأنا من الذين لم يسألوا الله ~~الرزق، ومن سأل فهو جهل منه. # PageV06P049 # واحتمل أن يكون قوله للسائلين متعلقا بقوله وقدر أي قدر فيها الأقوات ~~لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء. وقيل: إنه متعلق ~~بمحذوف كأنه قيل: هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما ~~فيها، لأن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قوله ثم ~~استوى إلى السماء أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق ~~السماء، وقد مر في أول «البقرة» . قوله وهي دخان ذكر أصحاب الأثر وجاء في ~~أول توراة اليهود أن عرش الله قبل خلق السموات والأرض كان على الماء فأحدث ~~في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق ~~الله منه الأرض، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق الله منه ms4080 السموات. وزعم ~~المتكلمون أن الله سبحانه خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة ~~النور، ثم ركبها وجعلها سموات وكواكب وشمسا وقمرا وأحدث صفة الضوء فيها ~~فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان، لأنه ~~لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور. واعلم أن ~~ظاهر قوله ثم استوى يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله ~~في آيات أخر. وفي الآثار، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال: ~~خلق الله السماء قبل الأرض فتأول الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد ~~استوى كما في قوله تعالى إن يسرق فقد [يوسف: 77] أي إن يكن يسرق. # وزيف بأن الجمع بين «ثم» الدال على التأخر وبين إضمار «كان» الدال على ~~التقدم جمع بين النقيضين. ويمكن أن يجاب بأن «ثم» هاهنا لترتيب الأخبار. ~~وقال الإمام فخر الدين الرازي: المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على ~~تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون [آل عمران: 59] فإن إيجاد الموجود محال. فمعنى الآية أنه ~~قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا. قلت: لو لم ~~يكن قوله تعالى وجعل فيها رواسي من فوقها إلى قوله أربعة أيام لكان هذا ~~التأويل له وجه. وقال بعض الصوفية: خلق أرض البشرية في يومي الهواء ~~والطبيعة وهما من الأنداد، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها، ~~وبارك فيها بالحواس الخمسة، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في ~~تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي، ثم استوى إلى سماء ~~القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطوارا سبعة كقوله وقد خلقكم ~~أطوارا [نوح: 15] أولها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ما كذب الفؤاد ما رأى ~~[النجم: 11] ثم الحكمة # «ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه» # ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام # PageV06P050 # الرباني. قوله فقال لها ms4081 وللأرض ائتيا الآية. للمفسرين فيه قولان: الأول ~~إجراء الكلام على ظاهره فإنه ليس بمستبعد من الله إنطاق أي جسم فرض بل ~~إيداع الحياة والفهم فيه ولهذا قال طائعين على لفظ جمع المذكر السالم، فإن ~~جمع المؤنث السالم لا يختص بالعقلاء. ووجه الجمع أن أقل الجمع اثنان أو لأن ~~كل واحد منهما سبع. ومن هؤلاء من قال: نطق من الأرض موضع الكعبة، ومن ~~السماء ما بحذائها، فجعل الله لها حرمة على سائر الأرض. وعلى هذا القول لا ~~بد أن يكون هذا التخاطب بعد الوجود فقالوا: معناه ائتيا بما خلقت فيكما أما ~~أنت يا سماء فأطلعي الشمس والقمر والنجوم، وأما أنت يا أرض فاخرجي ما خلقت ~~فيك من النبات فقالتا: جئنا بما أحدثت فينا مستجيبين لأمرك. ومعنى الإتيان ~~الحصول والوقوع كما يقال: أتى عمله مرضيا. ويجوز أن يراد لتأت كل منكما ~~صاحبتها الإتيان الذي تقتضيه الحكمة من كون الأرض قرارا والسماء سقفا لها. ~~وقوله طوعا أو كرها إظهار لكمال القدرة والتقدير أبيتما أو شئتما كما يقول ~~الجبار لمن تحت يده: لتفعلن هذا شئت أو أبيت، وانتصابهما على الحال بمعنى ~~طائعين أو كارهين. والقول الثاني أن هذا تمثيل لنفوذ قدرته فيهما ولا قول ~~ثمة، وعلى هذا لا يبعد أن يكون المقصود إيجادهما على وفق إرادته وهما في ~~حيز العدم، وأن يكون المراد ما تقدم. وقال بعضهم: # الطوع يرجع إلى السماء لأن أحوالها على نهج واحد لا يختلف. وشبه مكلف ~~مطيع والكره يعود إلى الأرض لأنها مكان تغيير الأحوال ومحل الحوادث ~~والمكاره. قلت: لعل هذين الوصفين لهما باعتبار سكانهما. قوله فقضاهن قضاء ~~الشيء إتمامه والفراغ منه مع الإتقان. والضمير إما راجع إلى السماء على ~~المعنى لأنها سموات سبع. وانتصب سبع سماوات على الحال. وإما مبهم مميز بما ~~بعده. # يروى أنه خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وخلق سائر ما في الأرض في يوم ~~الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في ~~آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وأسكنه ms4082 الجنة وهي الساعة التي تقوم ~~فيها القيامة. # وأوحى في كل سماء أمرها أي أمر أهلها من العبادة والتكليف الخاص بكل ~~منهم، فبعضهم وقوف وبعضهم ركوع وبعضهم سجود، وعلى هذا احتمل أن يكون خلق ~~الملائكة مع السموات وقبلها. وقيل: الإيحاء هاهنا التكوين والإيجاد وأمرها ~~شأنها وما يصلحها وزينا السماء الدنيا بمصابيح أي بالنيرات المضيئة ~~كالمصباح وحفظناها حفظا من الشياطين المسترقة للسمع كما مر مرارا. وجوز جار ~~الله أن يكون حفظا مفعولا له على المعنى كأنه قال: وخلقنا المصابيح زينة ~~وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم فلكمال عزته قدر على خلق ما خلق ولشمول علمه ~~دبر ما دبر. # PageV06P051 # ثم قال لنبيه عليه السلام فإن أعرضوا عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر ~~والبرهان القاهر فقل أنذرتكم صاعقة لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق ~~عناد، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه. # يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد فلو ~~التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن ~~أمره. فقال عتبة بن ربيعة: أنا ذاك. فأتاه وقال: أنت خير أم هاشم؟ أنت خير ~~أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا. وعرض عليه ~~الرياسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بسم الله الرحمن الرحيم إلى قوله مثل صاعقة عاد وثمود فهال عتبة بذاك ~~وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشا. فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا ~~قد صبأ. فانطلقوا إليه فقال: والله لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو ~~بشعر ولا كهانة ولا سحر # ولما بلغ صاعقة عاد وثمود ناشدته بالرحم أن يكف. ولقد علمتم أن محمدا إذا ~~قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. فإن قيل: كيف يصح هذا الإنذار ~~وقد أخبر الله سبحانه في قوله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: ~~33] وإن هذه الأمة آمنون من العذاب؟ قلنا: الأنفال مدينة وهذه مكية. # قوله إذ جاءتهم الرسل من ms4083 بين أيديهم قيل: الضميران عائدان إلى الرسل أي ~~جاءهم رسل بعد الرسل. وقيل: من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا ومن خلفهم ~~الآخرة. # وقيل: من بين أيديهم الذين عاينوهم، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم ~~وكتبهم. # وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي ~~بزمان قريب. وقال بعض المحققين: معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في ~~إرشادهم كل حيلة ألا تعبدوا ويجوز أن تكون «أن» مفسرة أو مخففة وضمير الشأن ~~مقدر. والفاء في قوله فإنا للجزاء كأنه قيل: فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة ~~فانا لا نؤمن بكم. وقولهم ربنا وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم، أو أرادوا ~~التهكم. ثم فصل حال كل فريق قائلا فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وهذا إخلال بالشفقة على الخلق وقالوا من أشد منا قوة لأن الفاعل والعلة ~~أقوى من القابل والمعلول، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال ~~وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال: الله أقوى منهم كما صح أن يقال: ~~الله أقدر، الله أكبر. وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. # وقوله وكانوا بآياتنا يجحدون معطوف على قوله فاستكبروا وقالوا: إن ~~التوبيخ المذكور وقع اعتراضا في البين. ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح ~~الباردة الشديدة # PageV06P052 # ضوعفت من الصر بالكسر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض، أو من صرير ~~الباب. # والتركيب يدور على الضم والجمع. عن ابن عباس أن الله تعالى ما أرسل على ~~عاد من الريح إلا قدر خاتمي ومع ذلك أهلكت الكل. والأيام النحسات هي التي ~~فسرها الله سبحانه في الحاقة سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام [الآية: 7] ~~والنحس بالسكون ضد السعد وهو إما مخفف نحس بالكسر أو هو أصل في نفسه كضخم، ~~أو وصف لمصدر. # واستدل به بعض الأحكاميين على أن بعض الأيام يصح وصفه بالسعادة وبعضها ~~يضدها. # وأجاب بعض المتكلمين بأن المراد بالنحوسة كونها ذات غبار وتراب وبرد. ~~والإنصاف أنه تكلف خارج عن قانون اللغة. والإضافة في قوله عذاب الخزي كهي ~~في ms4084 قولك: رجل صدق. وقوله ولعذاب الآخرة أخزى من الإسناد المجازي فإن الذل ~~والهوان لصاحبه. # قوله وأما ثمود مرتفع على الابتداء. قوله فهديناهم خبره قال سيبويه: هذا ~~أفصح لأن أما من مظان وقوع المبتدأ بعده. وقرىء بالنصب إضمارا على شريطة ~~التفسير. واتفقوا على أن المراد بالهداية هاهنا الدلالة المجردة لقوله بعده ~~فاستحبوا العمى يعني عمى البصيرة وهي الضلالة على الهدى إلا أن المعتزلة ~~تأولوه بأنه إنما شاع استعماله في الدلالة المجردة لأنه مكنهم وأزاح علتهم ~~فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها. على أن المراد المعقولة ونقيضها، ~~وقد مر هذا البحث في أول «البقرة» في قوله هدى للمتقين [الآية: 2] وصاعقة ~~العذاب داهيته وقارعته، والهون مصدر بمعنى الهوان وصف به العذاب مبالغة، أو ~~أبدله منه وكسبهم شركهم وتكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة. ثم بين أحوال الذين ~~آمنوا واتقوا المعاصي بقوله ونجينا الآية. وحين بين عقوبتهم في الدنيا أخبر ~~عن عذابهم وعذاب أمثالهم في الآخرة فقال ويوم يحشر الآية. والعامل فيه ~~«اذكر» محذوفا، أو هو ظرف لما يدل عليه يوزعون كأنه قيل: يمنعون يوم يحشر ~~فيحبس أوائلهم حتى يلحق بهم أواخرهم. قال جار الله: هو عبارة عن كثرة أهل ~~النار. قلت: وذلك لأن الإيزاع لا يحتاج إليه إلا عند كثرة العدد كما مر في ~~«النحل» . وما الإبهامية في قوله حتى إذا ما جاؤها تفيد التأكيد. وهو أن ~~عند وقت مجيئهم لا بد أن تحصل هذه الشهادة وشهادة الجلود بملامسة ما هو ~~محرم. وعن ابن عباس: المراد شهادة الفروج فيكون كناية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه» «1» # وفيه وعيد شديد في فعل الزنا لأن مقدمته تحصل بالكف ونهايته تكون بمساعدة ~~الفخذ. قوله أنطق كل شيء من العمومات المخصوصة أي ممن يصح النطق منه. ~~والمراد أن القادر على خلقكم PageV06P053 # وإنطاقكم في المرة الأولى في الدنيا، ثم خلقكم وإنطاقكم مرة أخرى، وثالثة ~~في القبر وفي القيامة، كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء؟ وقد مر تمام ~~البحث في «يس» . # عن ابن ms4085 مسعود قال: كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي ~~فقال أحدهم: # أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال آخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمع وإلا لم ~~يسمع. وقال الآخر: # إن كان يسمع إذا رفعنا أصواتنا يسمع إذا خفضنا. فذكرت ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فنزل وما كنتم تستترون الآية. # وذلك أنهم كانوا يستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب القبائح فقيل لهم: ~~ما كان استتاركم ذلك خفية أن تشهد عليكم جوارحكم هذه، لأن ذلك غير ممكن ~~فإنها متصلة بكم وهي أعوانكم ومع ذلك لم يكن استتاركم في اعتقادكم أنها ~~تشهد عليكم ولكنكم استترتم لظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما كنتم تعملون ~~وهو الخفيات من أعمالكم. # وفيه رد على بعض الجهلة الذين يستخفون من الناس ولا يمكنهم الاستخفاء من ~~الله، وفيه تنبيه على أن المؤمن يجب عليه أن يكون في أوقات خلواته أهيب ~~لربه وأوفر احتشاما ومراقبة. ثم أخبر فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ولا ينتج ~~الصبر لهم فرجا وخلاصا وإن يستعتبوا يطلبوا من الله الرضا عنهم فما هم من ~~المعتبين أي من المرضيين. والمراد أنهم باقون في مكروههم أبدا، سكتوا أو ~~نطقوا. قال الضعيف مؤلف الكتاب: إذا كان هذا وعيد من ظن أنه يمكن إخفاء بعض ~~الأعمال من الله بالأستار والحجب فما ظنكم بوعيد من جزم أنه سبحانه غير ~~عالم بالجزئيات نعوذ بالله من هذا الاعتقاد والله أعلم. # تم الجزء الرابع والعشرون ويليه الجزء الخامس والعشرون أوله: وقيضنا لهم ~~قرناء ... # PageV06P054 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | [سورة فصلت (41) : الآيات 25 الى 54] # وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في ~~أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) وقال الذين ~~كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون (26) فلنذيقن الذين ~~كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (27) ذلك جزاء أعداء ~~الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون (28) وقال ~~الذين كفروا ربنا ms4086 أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ~~ليكونا من الأسفلين (29) # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلا ~~من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من ~~المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك ~~من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن آياته الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون (38) ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ~~(39) # إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين ~~كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا ~~لولا فصلت آياتهء أعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~وإنهم لفي شك منه مريب (45) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك ~~بظلام للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما ~~تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم ms4087 أين شركائي قالوا آذناك ما ~~منا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ~~(48) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) # ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة ~~قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ~~ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ~~وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم ~~به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ألا إنهم ~~في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54) # PageV06P055 ### | القراآت: # ربنا أرنا بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو ~~بالاختلاس. الآخرون: بكسر الراء. الذين بتشديد النون: ابن كثير. يلحدون ~~بفتح الياء والحاء: حمزة. الباقون: بضم الياء وكسر الحاء أعجمي بهمزة ~~واحدة: هشام. # وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز. ~~الباقون: بالمد ثمرات على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل. ~~شركاي مثل من وراي على وزن عصاي قد مر في سورة مريم إلى ربي بفتح الياء: ~~أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ونأى بجانبه وقد مر في سورة سبحان الذي أسرى. ### | الوقوف: # والإنس ج للإبتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق خاسرين ه تغلبون ~~ه يعملون ه النار ج لأن ما بعده يصلح مستأنفا وحالا أي كائنا لهم فيها دار ~~الخلد ج يجحدون # ه الأسفلين ه توعدون ه وفي الآخرة # ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول تدعون # ه ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلا رحيم ه المسلمين ه السيئة ط حميم ~~ه صبروا ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد عظيم ه بالله ط العليم ه ~~والقمر ط # PageV06P056 # تعبدون ه يسأمون ه ms4088 سجدة اهتزت وربت ط الموتى ط قدير ه علينا ط القيامة ط ~~شئتم ه لا ليكون ما بعده دالا على أنه أمر تهديد بصير ه لما جاءهم ج لأن ~~خبر أن محذوف فيتقدر هاهنا أو بعد قوله من خلفه كما يجيء عزيز ه لا لاتصال ~~الصفة من خلفه ط حميد ه من قبلك ط أليم ه آياته ط وعربي ط وشفاء ط عمى ط ~~بعيد ه فيه ط بينهم ط مريب ه فعليها ط للعبيد ه الساعة ط بعلمه ط ج شركائي ~~لا لأن قالوا عامل يوم آذناك لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده من ~~شهيد ه ج للآية مع العطف محيص ه الخير ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود ~~الكلام يتم بهما قنوط ه هذا لي لا تحرز إعمالا يقوله مسلم قائمة كذلك ~~للحسنى ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب عملوا إمهالا للتذكر في ~~الحالتين مع اتفاق الجملتين غليظ ه بجانبه ج فصلا بين تناقض الحالين مع ~~اتفاق الجملتين عريض ه بعيد ه الحق ط شهيد ه ربهم ج محيط ه. ### | التفسير: # لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر. # ومعنى قيضنا سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من ~~القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم ~~مقام الآخر. والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وهو الدنيا وما فيها من الشهوات وما خلفهم وهو الآخرة بأن لا جنة ~~ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما ~~خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم. ~~والآية على مذهب الأشاعرة واضحة. وقالت المعتزلة: # معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء ~~سوى الشياطين. ومعنى في أمم كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل لاعراف ~~كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد ms4089 فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط ~~من الكلام فنزلت وقال الذين كفروا الآية. يقال: لغى بكسر الغين يلغى ~~بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضا، والمقصود أنهم علموا أن القرآن ~~كلام كامل لفظا ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب ~~القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا ~~القرآن إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ~~لعلكم تغلبون القارئ على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد. وحين ~~حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله فلنذيقن الآية. والمضاف في قوله # PageV06P057 # أسوأ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ذلك جزاء أعداء الله ~~وقوله النار بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر. ودار الخلد موضع المقام. قال ~~الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها ~~وقد وضع قوله بما كانوا بآياتنا يجحدون موضع أن لو قال بما كانوا يلغون ~~إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ربنا ~~أرنا أي أبصرنا الذين أضلانا من الجن والإنس وذلك أن الشياطين ضربان: جني ~~وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيرا، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل ~~الذي سن القتل. ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة. وقد يقال: معناه إذ ذاك ~~أعطناه. وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا ~~قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء ~~وأصله الإحضار. نجعلهما تحت أقدامنا أي نطأهما إذلالا وإهانة ليكونا من ~~الأسفلين الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل. وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما ~~الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ~~[البقرة: 30] كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة. # وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ربنا الله ~~إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها. وقوله ثم ~~استقاموا إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط ms4090 دون الميل ~~إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله اهدنا ~~الصراط المستقيم [الفاتحة: 5] ومعنى «ثم» تراخي الاستقامة في الرتبة عن ~~الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة. ~~وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم ~~استقاموا على ذلك في عالم الأشباح. وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا ~~إلى إله غيره. تتنزل عليهم الملائكة عند الموت أو عنده وفي القبر وفي ~~القيامة. و «أن» مفسرة أو مخففة. ولقد فسرنا الخوف والحزن مرارا والإبشار ~~لازم. قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشارا. وقوله ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال. وقوله وأبشروا إخبار عن ~~حصول المنافع. وقوله نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا # يقابل قوله وقيضنا لهم قرناء فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات ~~الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، ~~وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة. وإذا كانت هذه الولاية ثابتة ~~في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق ~~الجسمانية. وقيل: في الحياة الدنيا # PageV06P058 # بالاستغفار. وفي الآخرة # بالشفاعة. وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا ~~الجنة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم # يعني الحظوظ الجسمانية ولكم فيها ما تدعون # أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في «يس» سائر الوجوه. والنزل ما ~~يهيأ للضيف وقد مر. وفي ذكر الغفور الرحيم هاهنا مناسبة لا تخفى. # قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم قلوبنا ~~غلف [البقرة: # 88] لا تسمعوا لهذا القرآن حرض سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة ~~إظهارا لمزيته على الجهال وتحصيلا للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ومن ~~أحسن قولا ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل ~~الناقصين. زعم بعض المفسرين ms4091 أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح ~~الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة. والأصح أنه عام لجميع ~~الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء ~~المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام ~~الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب. ~~وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن ~~زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه. ونوقض بأنا ~~نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن ~~من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية. قال جار الله: ليس معنى قوله وقال ~~إنني من المسلمين أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام ~~مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة. وقال آخرون: أراد به التلفظ به ~~تفاخرا بالإسلام وتمدحا. وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء ~~الله. فإنه لو كان ذلك معتبرا لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن ~~التجويز غير الإيجاب. ثم صبر رسوله صلى الله عليه وسلم على سفاهة الكفار ~~وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ~~ولا تستوي الحسنة ولا السيئة «لا» زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا ~~تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة ~~والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلا كأنه سأل: # فكيف نصنع؟ فأجيب ادفع بالتي هي أحسن فإن الحسنة أحسن من السيئة كما ~~يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن «لا» غير مزيدة والمعنى ~~أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا ~~اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة. # مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه ~~مكان إسائته. قال: # PageV06P059 # ومن جعل «لا» مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ms4092 ادفع بالتي هي حسنة. ~~ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع ~~بما هو دونها. قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة ~~الالتفات إلى غيره. فإذا الذي إذا فعلت ذلك انقلب عدوك وليا مصافيا. # قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعطفه. # ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله وما يلقاها إلا الذين صبروا أي لا يعمل ~~بها إلا كل صبار على تجرع المكاره. وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم من قوة جوهر ~~النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم ~~بالثواب الجزيل. وعن الحسن: ما عظم حظ دون الجنة. ثم ذكر طريقا آخر في دفع ~~الغضب والانتقام قائلا وإما ينزغنك وقد مر في آخر الأعراف. والمعنى إن صرفك ~~الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال هاهنا إنه هو السميع ~~العليم بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسبا لما تقدمه من قوله وما يلقاها ~~مؤكدا بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على ~~أصل الاسم معرفة والخبر نكرة. وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله ~~بين الدلائل على وجوده فقال ومن آياته إلخ. والضمير في خلقهن للآيات أو ~~الليل وما عطف عليه. ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء. وفي قوله إن ~~كنتم إياه تعبدون تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلا منهم ~~وزعما أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة ~~العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة ~~إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد ~~متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفا ظاهرا في نفسه فإن استكبروا ~~عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر فالذين عند ربك ~~عندية بالشرف والرتبة ms4093 وهم الملائكة المقربون يسبحون له بالليل والنهار أي ~~على الدوام والاستمرار وهم لا يسأمون من السامة والملالة. والحاصل أنهم إن ~~لم يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك ~~لا يعدم عابدا مخلصا. # ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ومن ~~آياته أنك ترى الأرض خاشعة وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة ~~بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مر في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت ~~وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي ~~قبل ذلك كالفقير الكاسف البال # PageV06P060 # المتلبس بثوب أطمار. وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في ~~آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله لا يخفون علينا وكفى به وعيدا. ثم ~~أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله أفمن يلقى إلخ. وقوله يوم ~~القيامة ظرف لآمنا أو ليأتي. ثم هددهم بقوله اعملوا ما شئتم إلخ. ثم أبدل ~~من قوله إن الذين كفروا بالذكر أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا ~~معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله لا يخفون وإنه كلام مستأنف. ~~وعلى هذا فاختلفوا في خبر «إن» . فالأكثرون على أنه أولئك ينادون وما ~~بينهما اعتراض من تتمة الذكر. وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك. ~~وقيل: هو محذوف. ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما ~~جاءهم. وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد ~~قوله لما جاءهم وبعد قوله من خلفه وبعد قوله حميد والعزيز معناه الغالب ~~القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن ~~الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته. ثم أكد هذا الوصف بقوله لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق ~~البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء. وقيل: ~~أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة ms4094 كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما ~~يخالفه. وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعما منه ~~أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفي ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي ~~إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته. تنزيل أي هو منزل من إله حكيم ~~في جميع أفعاله حميد إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه. ثم سلى نبيه عليه ~~السلام بقوله ما يقال لك وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ~~ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم. إن ربك لذو مغفرة ~~للمحقين وذو عقاب أليم للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به ~~من الدعاء إلى دينه. وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من ~~الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم. ويجوز أن يكون المقول هو قوله ~~إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه. ~~كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتا منهم فأجابهم الله بقوله ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا معترضين منكرين لولا فصلت آياته أي بينت ~~بلسان نفهمه. أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟ وإنما جاز هذا ~~التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض ~~بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا ~~بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد # PageV06P061 # رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير. ولو قلت: ~~واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل. ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها ~~أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم ~~لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربيا أو أعجميا. ~~وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم قلوبنا في أكنة فإن القرآن إذا كان بلغتهم ~~وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال قل ~~هو للذين ms4095 آمنوا هدى وشفاء لداء الجهل والذين أي وللذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط ~~محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه. وقرأ ~~والذين لا يؤمنون به إلخ. والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم ~~عمي. ثم أكد هذا المعنى بقوله # أولئك ينادون من مكان بعيد فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص ~~الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم. ثم شبه حال القرآن بحال ~~الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى ~~بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته. والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر ~~العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ. ثم ذكر أن جزاء كل أحد ~~يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحدا ثم كان لسائل أن يسأل: ~~متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال إليه لا إلى غيره يرد علم الساعة ~~أي إذا سأل عنها. قيل: لا يعلمها إلا هو. ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر ~~مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس ~~إلا له سبحانه. والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة. ثم ذكر من أحوال القيامة ~~طرفا آخر فقال ويوم يناديهم أين شركائي وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر ~~مرارا قالوا آذناك قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذنا بالفتح إذا ~~استمع. وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل ~~القيامة يعلمون أنه تعالى يعلم الأشياء علما واجبا، فالإعلام في حقه محال. ~~قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟ والمعنى ظهر وحصل في الواقع من ~~جهة قولنا ما كان ثابتا في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا [آل عمران: 142] أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر. ~~وقولهم آذناك ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء ms4096 للإيذان أو ~~إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات ~~لمزيد التوبيخ. ومعنى ما منا من شهيد ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك ~~لأنا عرفنا عيانا أنه لا شريك لك. أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها ~~فتبرأ مما # PageV06P062 # أضيف إليها من الشركة. ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن ~~يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا. ومعنى يدعون يعبدون. والظن ~~بمعنى اليقين، والمحيص المهرب. وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من ~~شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكفار تبدله في ~~حالاته كلي أو أكثري. ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في ~~حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه ~~فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي ~~وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة ~~الحسنى قائسا أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف ~~ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا [الآية: 36] فلا جرم خيب الله ~~أمله وعكس ما تصوره بقوله فلننبئن وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله ~~بقوله وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه أي تعظم وتجبر. وقد سلف في ~~«سبحان» . # واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ~~ودوامه أيضا وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب. فإن ~~قيل: كيف قال أولا فيؤس قنوط ثم قال فذو دعاء عريض؟ قلنا: أراد أنه يؤس ~~بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني ~~في آخرين. # ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع ~~الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال قل أرأيتم الآية. ~~وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ms4097 قلوبنا في ~~أكنة [فصلت: 5] لا تسمعوا لهذا القرآن ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل ~~الدليل يحتمل أن يكون صحيحا وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي. ~~وقوله ممن هو في شقاق بعيد من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بيانا لبعد ~~شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف. وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف ~~وهو قوله مثلا فمن أضل منكم. وإنما قال في الأحقاف وكفرتم [الآية: 10] ~~بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن ~~دخول «ثم» مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله وشهد شاهد ~~فلم يحسن إلا الواو. ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة ~~تكون لذويه فقال سنريهم آياتنا في الآفاق وهي الفتوح الواقعة على أيدي ~~الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة. وفي ~~أنفسهم وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى يتبين لهم أنه أي محمدا أو # PageV06P063 # القرآن أو الدين الحق ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقا ~~دل على صدق المخبر بل إعجازه. وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض ~~والسماء. # وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه ~~كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه. ولا ريب أن ~~العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حينا ~~بعد حين. وقد أكثر الله تعالى من تقرير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في ~~السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في ~~تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون [الذاريات: 21] وفي قوله سنريهم دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون ~~بإراءة الله. قال جار الله: معنى قوله أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ~~هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب ~~المطلع على كل شيء. وقال ms4098 حكماء الإسلام: أراد بقوله أولم يكف توبيخ من ليس ~~له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة ~~الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر ~~في الآفاق. وقال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص ~~وقوله أولم يكف لخواص الخواص. وقيل: أو لم يكف الإنسان من الزاجر والرادع ~~عن المعاصي كون الله شهيدا عليهم. وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه ~~على الأشياء كلها. ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي ~~عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلا على حسب ما يستحقه والله أعلم. # PageV06P064 ### | (سورة حمعسق # وهي مكية إلا أربع آيات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلى آخرهن حروفها ثلاثة ~~آلاف وثمانية وثمانون كلمها ثمانمائة وست وستون آياتها ثلاث وخمسون) ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 23] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) عسق (2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ~~(3) له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم (4) # تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن ~~في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه أولياء ~~الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (6) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا ~~لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق ~~في السعير (7) ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته ~~والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو ~~الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير (9) # وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه ~~أنيب (10) فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11) له مقاليد ~~السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) شرع لكم ~~من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ms4099 وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ~~الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم ~~وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) # فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من ~~كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة ~~بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (15) والذين يحاجون في الله من ~~بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) ~~الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (18) الله لطيف بعباده ~~يرزق من يشاء وهو القوي العزيز (19) # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وما له في الآخرة من نصيب (20) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (21) ~~ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (22) ذلك الذي ~~يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) # PageV06P065 ### | القراآت: # يوحي على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس يكاد بالياء التحتانية: # نافع وعلي تنفطرن بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ~~إبراهام كنظائره. يبشر الله مخففا من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة ~~وعلي. ### | الوقوف: # حم عسق كوفي من قبلك ط لمن قرأ يوحى مجهولا كأنه قيل: # من الموحي فقال ms4100 الله أي هو الله الحكيم ه في الأرض ط العظيم ه لمن في ~~الأرض ط الرحيم ه عليهم ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما ~~قبله بوكيل ه لا ريب فيه ط السعير ه رحمته ط نصير ه أولياء ج للفصل بين ~~الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء الموتى ط فصلا بين المقدور المخصوص وبين ~~القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين قدير ه إلى الله ط أنيب ه والأرض ط ~~أزواجا الثاني ط لأن ضمير فيه يحتمل أن يعود إلى الأزواج الذي في مدلول ~~الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره فيه ط شيء ج لعطف الجملتين ~~المختلفتين البصير ه والأرض ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل ~~معنى الفعل في له أو في الملك. ويقدر ط عليم ه فيه ط إليه ط ينيب ه بينهم ط ~~كذلك ما بعده ط مريب ه فادع ج كما أمرت ج أهواءهم ج كتاب ج كل ذلك للترتيل ~~في القراءة وإن اتفقت الجملتان بينكم ط وربكم ط أعمالكم ط وبينكم ط بيننا ج ~~المصير ه شديد ه والميزان ط قريب ه بها ج لعطف الجملتين المختلفتين منها ج ~~للعطف أو الحال الحق # PageV06P066 # ط بعيد ه من يشاء ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله الله لطيف وهما ~~متفقتان العزيز ه في حرثه ج لعطف جملتي الشرط نصيب ه به الله ط بينهم ط ~~أليم ه بهم ط الجنات ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ربهم ط الكبير ه ~~الصالحات ط في القربى ط حسنا ط شكور ه. ### | التفسير: # الكلام في حم كما سبق وأما عسق فقد قيل: إنه مع حم اسم للسورة. وقيل: ~~رموز إلى فتن كان علي يعرفها. وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين ~~علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته. وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ~~ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف ~~قدرة المهدي. # وهذه الأقاويل مما لا معول عليها. وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم ms4101 ~~محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده. أقسم أنه يوحي إليه وإلى ~~سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات. والأولى ~~تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح. # وإنما فصل حم من عسق حتى عدا آيتين خلاف كهيعص [مريم: 1] لتقدم حم قبله ~~واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحا إلا هذه فإنها دلت ~~عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب. روي عن ابن عباس أنه ~~لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه حم عسق والله أعلم بصحة هذه الرواية. ~~والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك والى الأنبياء ~~قبلك. والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد ~~وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ~~إبراهيم وموسى [الأعلى: 18، 19] وفي ورود لفظ يوحي مستقبلا لا ماضيا إشارة ~~إلى أن إيحاء مثله عادته. ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله له ما ~~في السماوات إلخ. ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال تكاد السماوات ~~يتفطرن وقد سبق في آخر سورة مريم. ومعنى من فوقهن أن الانفطار يبتدىء من ~~أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي ~~الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل. قال جار الله: # كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن. وقيل: معناه ~~من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء ~~فوقنا. وقيل: # الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: # يتفطرن من ثقل الرحمن. فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة. ~~ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافا محذوفا أي ~~من ثقل ملائكة الرحمن # PageV06P067 # كقوله صلى الله عليه وسلم «أطت السماء أطا وحق لها أن تئط ما فيها موضع ~~شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد.» «1» # ثم انتقل من وصف الجسمانيات ms4102 إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم ~~إلى عالم الأرواح يسبحون وبالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ~~والملائكة قيل: هو عام. وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا ~~أنه عمم هاهنا فقال لمن في الأرض أي يطلبون أم لا يعاجل الله أهل الأرض ~~بالعذاب طمعا في توبة الكفار والفساق منهم. وقيل: هو مخصوص بما مر أي ~~يستغفرون للمؤمنين منهم. # ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك ~~إلا البلاغ. قوله وكذلك أوحينا قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما ~~اعترض بين الكلامين ما اعترض. وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ~~وكذلك إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم ~~برقيب. وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع. وقرآنا عربيا حال. ~~والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم ~~معناه ولا يتجاوز حد الإنذار. ويجوز أن يكون كذلك إشارة إلى الإيحاء أي كما ~~أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف ~~المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر. قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا ~~وبكذا. فمن الاستعمال الثاني قوله لتنذر أم القرى أي أهل مكة على حذف ~~المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف. # ومن الاستعمال الأول قوله وتنذر يوم الجمع والمفعول الأول محذوف وتنذر ~~الناس يوما تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل ~~عامل وعمله. قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ~~ان قوله وتنذر يكون مكررا للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم ~~الجمع. وقد مر في القصص في قوله حتى يبعث في أمها [الآية: 59] أن مكة لم ~~سميت أم القرى. وقوله ومن حولها يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ~~ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو ~~بنص آخر كقوله وما أرسلناك إلا ms4103 كافة للناس [سبأ: 28] وقوله لا ريب فيه ~~اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة. ~~وقوله فريق مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل ~~حالهم بعد الحشر والاجتماع. # ثم بين بقوله ولو شاء الله إلخ. أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة ~~متعلق PageV06P068 # بمشيئته وإرادته. وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة ~~القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مرارا. والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة ~~أن يكونوا مسلمين كلهم. وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياسا على قوله ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة [الزخرف: 33] ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة ~~قائلا أم اتخذوا من دونه أولياء إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي الذي ~~يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه يحي الموتى وهو ~~على كل شيء قدير وهو الحقيق بأن يتخذ وليا. # وحين منع الرسول صلى الله عليه وسلم من التحزن على من كفر أراد أن يمنع ~~المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال وما اختلفتم والتقدير: قل يا محمد كذا ~~بدليل قوله ذلكم الله ربي الآية. والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه ~~من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ~~ومعاقبة المبطلين. وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كقوله فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] ~~وقيل: # وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو ~~إلى الظاهر من السنة. وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا ~~تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره. قال في الكشاف: ولا ~~يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده. وقوله وما اختلفتم شامل ~~لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل يا أيها الناس ومثل أقيموا الصلاة والأظهر ~~أن اختلافهم يدخل فيه، ms4104 وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك ~~البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد. فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع ~~الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد. قلنا: إذا كان القياس مأمورا ~~به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيبا، كانت المخالفة في حكم الموافقة ~~ولهذا قال # «اختلاف أمتي رحمة» # ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيدا لصحة أحكامه فقال فاطر ~~السماوات والأرض وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف. # ومعنى ومن الأنعام أزواجا أنه خلق للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا يذرؤكم ~~فيه يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا حتى حصل بين ~~الذكور والإناث التوالد والتناسل. والضمير في يذرؤكم راجع إلى المخاطبين ~~وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فبه تغليبين تغليب ~~المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على ~~غيرهم. وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل. # وإنما قال يذرؤكم فيه ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعا ومعدنا للتكثير ~~كقوله ولكم في القصاص حياة [البقرة: 179] ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام ~~البعض ومعنى # PageV06P069 # ليس كمثله شيء نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل ~~والله تعالى شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال ~~إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا ~~التقرير مختص بنا. قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا ~~يبخل. يعنون أنت لا تبخل. وكذا هاهنا يريد ليس كالله شيء. وجوز أن يكون ~~تكرير حرف التشبيه للتأكيد. وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه ~~تعالى لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية. قوله له مقاليد السماوات ~~والأرض أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضا. ~~وحين عظم وحيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم بقوله كذلك يوحي إليك إلى آخره ~~ذكر تفصيل ذلك فقال شرع لكم أي أوجب وبين لأجلكم ms4105 من الدين ما وصى به نوحا ~~وهو أقدم الأديان بعد الطوفان والذي أوحينا إليك وهو ختمها وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى وهي الملل المعتبرة المتوسطة. ثم فسر المشروع الذي ~~اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله أن أقيموا الدين الحنيفي ومحله نصب ~~بدلا من مفعول شرع أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: ~~هو إقامة الدين. يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون ~~الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~[المائدة: 48] وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ~~أوحينا والخطاب في إليك تفخيم شأن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم حكى حسد ~~أهل الشرك بقوله كبر على المشركين أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من ~~الدين المبرأ من عبادة غير الله. ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء ~~يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه. يقال: اجتباه ~~إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي ~~إلى الدين. # ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال وما تفرقوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته كقوله في آل ~~عمران وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ~~[الآية: 19] وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما ~~أمروا به. قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله إلى أجل مسمى ليكون محدودا من ~~الطرفين. وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية وإن ~~الذين أورثوا الكتاب هم العرب ورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتابين ~~كتابهم أوهم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: ~~جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها # PageV06P070 # لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك ms4106 من كتابهم وهو مع العلم غير ~~مجتمعين فلذلك أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم فادع إلى الملة الحنيفية. ~~وقيل: اللام بمعنى «إلى» والإشارة إلى القرآن واستقم عليها كما أمرت ولا ~~تتبع أهواءهم المختلفة وقل آمنت بما أنزل الله من أي كتاب كان وأمرت لأعدل ~~بينكم أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إلي حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري. ~~ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال الله ربنا وربكم لنا جزاء أعمالنا ~~ولكم جزاء أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه ~~لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج ~~الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية ~~وإنما بقي السيف. وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله الله يجمع بيننا إشارة ~~إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي ~~المنتقم. ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله من بعد ما استجيب له ~~أي من بعد ما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعد ما استجاب الله لرسوله ~~ونصره يوم بدر حجتهم داحضة أي باطلة زائلة عند ربهم وذلك أن اليهود ~~والنصارى كانوا يقولون: # كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا. وأيضا أنتم ~~تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية ~~التوراة متفق عليها ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم مختلف فيها. والجواب أن ~~نبوة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق ~~محمد صلى الله عليه وسلم كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضا. ثم ~~حث على سلوك طريقة العدل حذرا من عقاب يوم القيامة فقال الله الذي أنزل ~~الكتاب أي جنسه متلبسا بالغرض الصحيح والميزان أي أنزل العدل والسوية في ~~كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان. وقيل: هو العقل. وقيل: الميزان نفسه وذلك في ~~زمن نوح. وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بالكتاب وما يدريك ~~يا ms4107 محمد أو أيها المكلف لعل الساعة أي مجيئها قريب أو ذكر بتأويل البعث أو ~~الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب. ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن ~~يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف. ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع ~~الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه. ثم قبح طريقة منكري ~~الساعة فقال يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها يقولون على سبيل السخرية: متى ~~تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال. ثم مدح المقربين بأنهم ~~يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالا له أو حذرا من تقصير وخلل وقع في ~~العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجا بالرجاء، وقد مر تحقيقه مرارا. ثم ~~هدد الشاكين المجادلين في أمر # PageV06P071 # البعث بقوله ألا إن الذين يمارون وأصله من المرية الشك لفي ضلال بعيد عن ~~الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن ~~في إنكاره نسبة الله سبحانه إلى ضد العلم والقدرة. ثم إنه لا ريب في أن ~~إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال الله لطيف بعباده ~~عمم البر ثم خصص بقوله يرزق من يشاء يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم ~~من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر ~~أسباب المزية إلا أن أحدا منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو ~~يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا. وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر ~~في قوله وهو اللطيف الخبير [الآية: 103] وأما قوله القوي العزيز ففيه إشارة ~~إلى أن لطفه مقرون بقهره. وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار ~~كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه سماه حرثا تشبيها للعامل الطالب لثواب الآخرة ~~أضعافا مضاعفة بالزارع الذي ms4108 يلقي البذر في الأرض طلبا للزيادة والنماء، ومن ~~فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله ~~أضعافا مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال نؤته ~~منها أي بعض ذلك وما له في الآخرة من نصيب قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة ~~أخرى وهي أن يعلم أن شيئا من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه ~~وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه ~~الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة» «1» # هذا لفظه أو لفظ هذا معناه. وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية ~~الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا. # وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح ~~صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة. قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ ~~بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن ~~عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث ~~بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال ~~بقوله أم لهم شركاء وهي المنقطعة عند بعضهم. وقال آخرون: هي المعادلة لألف ~~الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم PageV06P072 # من الدين أم لهم آلهة. شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله أي لم ~~يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله أتنبئون الله بما لا يعلم [يونس: 18] والأذن ~~بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة ~~لعلمها الله ولولا كلمة الفصل أي القضاء السابق بتأخير الجزاء لقضي بينهم ~~والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ترى الظالمين في القيامة ~~مشفقين خائفين مما كسبوا من الجرائم وهو أي وبال ذلك واقع بهم واصل إليهم ~~لا محالة والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات أي ms4109 منتزهاتها. قالت ~~الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين ~~وغيرهم ليس إلا الذي آمن ولم يعمل صالحا وهو الفاسق. ولقائل أن يقول: لم لا ~~يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون ~~الجنات كلها روضات، ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا. ~~والفضل الكبير قد تقدم في «فاطر» . ذلك المذكور أو الثواب أو التبشير هو ~~الذي يبشر الله به عباده ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر ~~رسوله بأن يقول لا أسئلكم عليه على هذا التبليغ أجرا إلا المودة الكائنة في ~~القربى جعلوا مكانا للمودة ومقرا لها ولهذا لم يقل «مودة القربى» أو ~~«المودة للقربى» وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم. فإن ~~قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك ~~غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في «الشعراء» . وقد جاء في ~~حق نبينا صلى الله عليه وسلم أيضا قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [سبأ: 47] ~~وقل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] والمعقول منه أن ~~التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة. # وأيضا أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة. قلنا: إن من جعل الآية منسوخة ~~باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: ~~الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # والمعنى لا أطلب منكم أجرا، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجرا لأن حصول ~~المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ~~والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل [الرعد: 21] ومنهم من قال: الاستثناء ~~منقطع أي لا أسألكم عليه أجرا البتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي ~~تفسير المودة في القربى أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: ms4110 أكثر الناس علينا ~~في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن # PageV06P073 # ذلك فأجاب بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسطة النسب في قريش ليس ~~بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ~~ما أدعوكم إليه أجرا إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من ~~أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا ~~علي. القول الثاني: # روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تنوبه نوائب ~~وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده ~~وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا. ثم ~~أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم. # القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة ~~والعمل الصالح. الرابع: # عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ~~وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما. ولا ريب أن هذا فخر ~~عظيم وشرف تام، # ويؤيده ما # روي أن عليا رضي الله عنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد ~~الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت ~~والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا # وعنه صلى الله عليه وسلم «حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في ~~عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا ~~أجازيه عليها غدا إذا لقيني يوم القيامة» # وكان يقول «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» «1» # وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب عليا والحسن والحسين، # وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله فاتبعوه [الأنعام: 153] وكفى شرفا ~~لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخرا ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم ~~في كل صلاة. # قال بعض المذكرين: إن النبي صلى الله عليه وسلم ms4111 قال «مثل أهل بيتي كمثل ~~سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق» # وعنه صلى الله عليه وسلم «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» # فنحن نركب سفينة حب آل محمد صلى الله عليه وسلم ونضع أبصارنا على الكواكب ~~النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج ~~الشبه والضلالة. ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ومن يقترف حسنة أي ~~يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره هاهنا ~~للخير. عن السدي أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت في ~~أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه ~~مرادة قصدا أوليا لذكرها عقيبها. ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها إن الله ~~غفور لمن أذنب شكور لمن أطاع الله والله أعلم. PageV06P074 ### | [سورة الشورى (42) : الآيات 24 الى 53] # أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله ~~الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة ~~عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط ~~الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير ~~بصير (27) وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي ~~الحميد (28) # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير (29) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (30) ~~وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (31) ومن ~~آياته الجوار في البحر كالأعلام (32) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ~~ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (33) # أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (34) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما ~~لهم من محيص (35) فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير ~~وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ms4112 يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون (38) # والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا ~~وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض ~~بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ~~(43) # ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون ~~من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم (45) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ~~من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46) استجيبوا لربكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن ~~أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان ~~منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور (48) # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير ~~(50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ~~عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور (53) # PageV06P075 ### | القراآت: # ما تفعلون على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ينزل الغيث بالتشديد: أبو جعفر ~~ونافع وابن عامر وعاصم ينزل بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بما ms4113 كسبت ~~بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون فبما كسبت بالفاء ~~الجواري بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وأفق أبو جعفر ونافع وأبو ~~عمرو في الوصل. وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة. الرياح نافع. على ~~الجمع: أبو جعفر ونافع. ويعلم الذين بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع. ~~الباقون: # بالنصب كبير الإثم على التوحيد: حمزة وعلي وخلف. أو يرسل بالرفع فيوحي ~~بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بالنصب فيهما. ### | الوقوف: # كذبا ج للشرط مع فاء التعقيب قلبك ط لأن ما بعده مستأنف بكلماته ط الصدور ~~ه تفعلون ه لا فضله ط شديد ه يشاء ط بصير ه رحمته ط الحميد ه دابة ط قدير ه ~~كثير ه في الأرض ط ولا نصير ه كالأعلام ه ط على ظهره ط شكور ه لا كثير ه لا ~~لمن رفع ويعلم ومن نصب فوقفه مجوز آياتنا ط محيص ه الدنيا ج لعطف جملتي ~~الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقا بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ~~يتوكلون ه ط يغفرون ه ج الصلاة ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد ~~المقول بينهم ص لذلك ينفقون ه ج ينتصرون ه مثلها ج على الله ط الظالمين ه ~~سبيل ه ط الحق ط أليم ه الأمور ه بعده ط من سبيل ه ج للآية مع العطف خفي ط ~~القيامة ط مقيم ه من دون الله ط سبيل ط من الله ط نكير ه حفيظا ط البلاغ ط ~~بها ج كفور ه والأرض ط ما يشاء ط الذكور ه لا وإناثا ج لاحتمال ما بعده ~~العطف والاستئناف أي وهو يجعل عقيما ه قدير ه ما يشاء ط حكيم ه أمرنا ط ~~عبادنا ط مستقيم ه وما في الأرض ط الأمور ه. ### | التفسير: # لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام # PageV06P076 # إلى هاهنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال أم يقولون ~~افترى قال جار ms4114 الله: «أم» منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: ~~أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم ~~أجابهم بقوله فإن يشإ الله يختم على قلبك أي يجعلك من المختوم على قلوبهم ~~فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم. والغرض ~~المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء ~~فهو مختوم على قلبه. وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته ~~فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله لقطعنا منه الوتين ~~[الحاقة: 46] قاله قتادة. وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على ~~أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه. ثم استأنف فقال ويمح الله الباطل أي من ~~عادته ذلك فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم مبطلا لفضحه وكشف عن باطله، ~~وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ويدع الإنسان [الإسراء: 11] سندع ~~الزبانية [العلق: 18] وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن ~~افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ويحق ~~الحق بكلماته [يونس: 82] أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه. ~~ويجوز أن يكون وعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يمحو الباطل الذي ~~هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه ~~السابق وبعلمه القديم إنه عليم بذات الصدور فيجازي المبطل والمحق على حسب ~~حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها ~~من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة ~~آدم. أما الضمير في قوله ويستجيب فعائد إلى الله سبحانه وأصله ويستجيب لهم ~~فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على ~~مطلوبهم تفضلا. وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله. قال سعيد بن ~~جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم. وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله ~~عنه أنه قيل: ms4115 ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال: لأنه دعاكم فلم تجيبوه وقرأ ~~والله يدعوا إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا [يونس: 25] وحيث وعد ~~الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ~~ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض أي ظلم بعضهم بعضا وعصوا الله. وهذه ليست بقضية كلية ~~دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا ~~يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة ~~فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضا إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره ~~طمعا في ماله أو جاهه التابع للمال غالبا، فلو تساويا # PageV06P077 # في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون ~~وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا ~~تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر # قوم إذا نبت الربيع بأرضهم ... نبتت عداوتهم مع البقل # وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى. وقوله ~~بقدر أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله وما ننزله إلا بقدر معلوم ~~[الحجر: # 21] وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين ~~أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال وهو ~~الذي ينزل الغيث الآية. ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل ~~رحمة سوى المطر وهو الولي الذي يتولى أمور عباده الحميد على كل ما يفعله. ~~ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض ومحل قوله وما بث إما مجرور عطفا على السموات أو مرفوع ~~عطفا على خلق. وإنما قال فيهما من دابة مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن ~~الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبسا ببعضه كما يقال: «بنو فلان ~~فعلوا كذا» ولعله قد فعله واحد ms4116 منهم فقط. ويجوز أن يكون للملائكة مع ~~الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من ~~الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض. وهو على جمعهم أي إحيائهم بعد ~~الموت إذا يشاء قدير وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في يشاء يعود ~~إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة. ثم بين حال المكلفين وأن ما ~~يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله ~~يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجا. ~~قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حدا. ~~وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء. ولقائل أن ~~يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصا بالقيامة لا ينافي وصول بعض ~~الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا # قال علي رضي الله عنه: هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله. # وذلك أنه تعالى قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف ~~يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم ~~فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافيا لكون الجزاء في الآخرة ~~ولحصول العفو أيضا. # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~هذه الآية فقال: ما عفا الله عنه. # فهو أعز وأكرم من # PageV06P078 # أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد ~~عليه العذاب في الآخرة. قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم ~~حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم ~~الآن. وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن ~~الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة ~~درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم. ثم خاطب المشركين بقوله وما أنتم ~~بمعجزين الآية ثم ذكر دليلا آخر قائلا ومن آياته الجواري ms4117 أي السفن الجواري ~~في البحر كالأعلام أي كالجبال في العظم. ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب ~~الرياح فلذلك قال إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره أي فيصرن واقفة ~~على ظهر ماء البحر إن في ذلك لآيات لكل صبار على البلاء شكور على الآلاء أو ~~صبار في السفينة شكور إذا خرج منها أو أن يشأ يوبقهن أي يهلك السفينة بما ~~فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره بما كسبوا من كفران نعم الله ~~وعصيانه ويعف عن كثير من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة. ~~والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن ~~يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم. من رفع ويعلم فعلى ~~الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في ~~الكشاف. وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار «أن» لأن قبلها جزاء. ~~تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك. ووجهه أن هذا في تأويل المصدر معطوف على مصدر ~~أصنع مقدرا. ثم استأنف قوله ما لهم من محيص أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه. ~~ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص ~~إلا أنه ذكر هاهنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، ~~والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31] إنما حرم ربي الفواحش [الأعراف: ~~33] ومن قرأ كبير على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة ~~الغفران عند الغضب «وهم» تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره. قال بعض ~~العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من ~~فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق ~~بالقوة الغضبية. قال المفسرون: نزل قوله والذين استجابوا لربهم في الأنصار ~~دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات ~~الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، ~~والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف ms4118 محذوف أي ذو التشاور. وليس بين # PageV06P079 # قوله هم ينتصرون أي ينتقمون وبين قوله يغفرون منافاة، فإن هذه أخص من ~~الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سببا لتسكين ثائرة ~~الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون ~~المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصرا ~~ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة. ثم بين أن ~~شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال وجزاء سيئة سيئة مثلها حتى لو ~~قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئا. وسمى الثاني سيئة ازدواجا ~~للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعا كالقصاص والقطع وسائر ~~الحدود. وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع ~~الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه. وإنما عرف ذلك بنص آخر ~~أو بقياس جلي. ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلا فمن عفا وأصلح ما بينه ~~وبين خصمه بالإغضاء والعفو فأجره على الله فإن الانتصار حسن في نفسه ولا ~~سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد ~~يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله إنه لا يحب ~~الظالمين # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان ~~له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟ فيقولون: ~~نحن الذين عفونا عمن ظلمنا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله» # ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد ~~الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ولمن انتصر الآية. وقوله ~~بعد ظلمه من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله الأمور وإنما ~~أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم ~~أشد من الصبر على الذي ليس ms4119 بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد ~~أيضا، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته. ~~والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة. ثم حكى أن ~~الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر ~~حالهم حين يعرضون على النار. الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله من الذل ~~وقد يعلق ب ينظرون أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف ~~فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف ~~الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عميا فلا ينظرون إلا ~~بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: # لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عميا، أو لعل هذا في قوم وذاك ~~في قوم. ثم حكى قول المؤمنين فيهم ويوم القيامة ظرف ل خسروا كما في «الزمر» ~~فيحتمل أن # PageV06P080 # يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا. وجوز في الكشاف أن يكون ظرفا لقال. ~~والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئا مما دون في ~~صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئا من أحوالكم. ثم سلى ~~نبيه بقوله فإن أعرضوا ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف ~~الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن ~~في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء. وإنما جمع قوله وإن تصبهم لأن ~~الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم. وقوله فإن الإنسان من وضع الظاهر موضع ~~الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدب النفس ~~وراضها. ثم بين كمال قدرته بقوله لله ملك السماوات والأرض الآية. والمقصود ~~أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده ~~فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه. ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض ~~من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض ~~يجعله عديم الولد. وقدم ذكر الإناث ms4120 تطييبا لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات ~~عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء. أو ~~لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ~~ما لا يشاء الإنسان أهم. وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح. ولا ريب أن ~~هذا أولى من العكس. وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم ~~أنه فضل من الله. وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر. ~~ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية ~~الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام. # ثم قال أو يزوجهم ذكرانا وإناثا فأعطى كلا الجنسين حقه. ونصبهما على ~~الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم ~~كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا. وقيل: معناه أن تلد ذكرا ~~وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية. وعن ابن عباس أن الآية نزلت في ~~الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثا، ولإبراهيم عليه السلام ذكورا، ولمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ذكورا وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثا هن ~~فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيما. والحق أن هذا التقسيم ~~وإن كان مطابقا لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن. وإن صحت ~~الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض ~~أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج ~~الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على # PageV06P081 # من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله وما كان لبشر أي وما صح ~~لأحد أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو ~~المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده. وعن ~~مجاهد أن داود عليه السلام ألهمه الزبور فكتبه حفظا. الثاني التكليم بلا ~~واسطة ولكن من وراء حجاب. والمجسمة استدلوا به على ms4121 أنه تعالى في جهة فإن ~~الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان. وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع ~~الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم ~~الملائكة. وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم. وقيل: حجاب لموضع ~~الكلام. الثالث أن يرسل رسولا كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما ~~يشاؤه الله. والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه سبحانه جعل الوحي ~~في الآية خاصا بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا أو ~~مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا أو إلا وحيا أو إسماعا أو إرسالا، أو إلا أن ~~يوحى أو يسمع أو يرسل. # ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى ~~مرسلا عطفا على وحيا بمعنى موحيا. وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة ~~الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق ~~أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي. وقد يقال: إن توجيه ~~التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل ~~محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة. فالملك يحتاج إلى معجزة ~~تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا ~~بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر ~~كذلك. وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور ~~الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة. قال أهل ~~التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا صلى الله عليه وسلم، لأنه في ~~بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء ~~الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من ~~قائل وكذلك أوحينا إليك ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء ~~أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث. ومعنى روحا من أمرنا ms4122 ~~قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله يلقي الروح من أمره [غافر: 15] وما ~~كنت تدري في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ما الكتاب ولا الإيمان يعني ~~ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف ~~على النقل وإذن الشرع. وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي ~~لا يؤمن. والضمير في جعلناه للقرآن أو الإيمان أولهما جميعا. ووحد كقوله ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: # PageV06P082 # 11] وهداية الله خاصة، وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ~~ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم. # PageV06P083 ### | (سورة الزخرف) # (وهي مكية حروفها ثلاثة آلاف وأربعمائة كلمها ثمانمائة وثلاث وثلاثون ~~آياتها تسع وثمانون آية) ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 30] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (3) وإنه ~~في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (4) # أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (5) وكم أرسلنا من نبي في ~~الأولين (6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن (7) فأهلكنا أشد منهم ~~بطشا ومضى مثل الأولين (8) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~خلقهن العزيز العليم (9) # الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) والذي نزل ~~من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (11) والذي خلق ~~الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ~~ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين (13) وإنا إلى ربنا لمنقلبون (14) # وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) ~~وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ~~ويسئلون (19) # وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن ms4123 هم إلا يخرصون ~~(20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون (23) قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون (24) # فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين (25) وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~وقومه إنني براء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (27) وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم ~~الحق ورسول مبين (29) # ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (30) # PageV06P084 ### | القراآت: # في إم الكتاب بكسر الهمزة: حمزة وعلي إن كنتم بالكسر: # أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف. الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم مهدا: عاصم ~~وحمزة وعلي وخلف وروح. الباقون مهاد ميتا بالتشديد: يزيد. يخرجون من ~~الخروج: # حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. الآخرون: من الإخراج ينشؤا من باب التفعيل: ~~حمزة وعلي وخلف وحفص. الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة عباد ~~الرحمن جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن ~~كثير وابن عامر عند الرحمن بالنون كقوله فالذين عند ربك [فصلت: 38] ~~الآخرون: عبيد الرحمن أو شهدوا بقلب همزة الإشهاد واوا مضمومة: ورش ~~وإسماعيل. وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد. وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين. ~~الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة قال أولو بالألف: ابن عامر ~~وحفص والمفضل جئناكم يزيد. ### | الوقوف: # حم ه كوفي المبين ه لا ومن لم يقف على حم وقف على المبين لأن القسم متعلق ~~بما قبله وهو هذه حم تعقلون ه ج حكيم ه ط مسرفين ه الأولين ه يستهزؤن ه ~~الأولين ه العليم ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصبا أو رفعا على ~~المدح فالوقف تهتدون ه بقدر ج للالتفات مع الفاء ميتا ج لانقطاع النظم مع ~~تعلق التشبيه تخرجون ه تركبون ه لا مقرنين ه لا ms4124 لأن ما بعده من تمام المقول ~~لمنقلبون ه جزءا ط مبين ه ط بالبنين ه كظيم ه مبين ه إناثا ط خلقهم ط ~~ويسئلون ه ما عبدناهم ط يخرصون ه ط مستمسكون ه مهتدون ه مقتدون ه آباءكم ط ~~كافرون ه المكذبين ه تعبدون ه لا سيهدين ه يرجعون ه مبين ه كافرون ه ### | التفسير: # أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج ~~المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه. وفي نسبة الجعل إلى نفسه ~~إشارة # PageV06P085 # إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة. وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب ~~اللوح المحفوظ. وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيما لنعمته فيه، وقال ابن ~~عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على ~~خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه. وأم الكتاب ~~بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي ~~حكيم في أم الكتاب لدينا. والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك ~~والحكيم المشتمل على الحكمة. ثم أنكر على مشركي قريش بقوله أفنضرب قال جار ~~الله: أراد أنهملكم فنضرب عنكم الذكر يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه ~~وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض. إذا أبعد وصفحا مصدر من غير لفظ الفعل ~~والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانبا من ~~قولهم: «نظر إليه بصفح وجهه» فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ ~~والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم. وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي ~~أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم لإشراككم مع علمنا ~~بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به. قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ~~ننهاكم وهو قريب من الأول. وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلو من ~~مناسبة لقوله فأهلكنا أشد منهم بطشا ومن قرأ إن كنتم بالكسر فكقول الأجير: ~~إن كنت عملت لك فوفني حقي. يخيل في ms4125 كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة ~~الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج. ثم سلى نبيه بقوله وكم ~~أرسلنا الآيتين. قوله أشد منهم قيل: «من» زائدة والمراد أشدهم بطشا كعاد ~~وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصله أشد منكم إلا ~~أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم [يونس: ~~22] قوله ومضى مثل الأولين أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ~~ويحتمل أن يكون معناه كقوله وقد خلت سنة الأولين [الحجر: 13] ثم بين بقوله ~~ولئن سألتهم أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله ~~وكتابه وقدرته على البعث. وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار ~~بدليل قوله لكم ولم يقل «لنا» ولقوله فأنشرنا والمراد لينسبن خلقها إلى ~~الذي هذه أوصافه وقد مر في «طه» مثله. وقوله تهتدون أي في الأسفار أو إلى ~~الإيمان بالنظر والاعتبار. وقوله بقدر أي بمقدار الحاجة لا مخربا مغرقا كما ~~في الطوفان. وقوله ميتا تذكيره بتأويل المكان. والأزواج الأصناف وقد مر في ~~قوله سبحان الذي خلق الأزواج # [يس: 36] والعائد إلى ما في قوله ما تركبون محذوف فلك أن تقدره مؤنثا أو ~~مذكرا باعتبارين. # قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي ~~بغير # PageV06P086 # واسطة على المتعدي بواسطة. قلت: يجوز أن يكون كقوله «ويوم شهدناه» ~~والضمير في ظهوره عائد إلى ما. والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار ~~وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله. # يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: # الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا إلى قوله لمنقلبون وكبر ~~ثلاثا وهلل ثلاثا. وإذا ركب في السفينة قال بسم الله مجراها ومرساها إن ربي ~~لغفور رحيم [هود: 41] # ومعنى مقرنين مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه. وقيل: لا يطيق أن ~~يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد وإنا ms4126 إلى ربنا لمنقلبون أي في آخر ~~عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد ~~للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال ~~بالملاهي والمناهي فيكون غافلا عن المبدأ والمعاد. عن بعضهم أنه أدخل في ~~الخبر هاهنا خلاف ما في «الشعراء» لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة ~~عام لكل أحد. وما في «الشعراء» خاص بالسحرة. # ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله ولئن سألتهم والمقصود التنبيه ~~على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض ~~هو الله جعلوا له من عباده جزءا أي أثبتوا له ولدا، وذلك أن ولد الرجل جزء ~~منه. # قال صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» » # وفي قوله من عباده إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في ~~الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في ~~الوجود والبقاء والذات والصفات. وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم ~~جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف. والكفور البليغ الكفران لأنه ~~يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه. وحين وبخهم على إثبات الولد ~~زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتا مع ~~أنها مكروهة عندهم فقال أم اتخذ مما يخلق وفائدة تنكير بنات وتعريف البنين ~~كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير إناثا وتعريف الذكور [الشورى: 49] ~~وقوله بما ضرب للرحمن مثلا أي بالجنس الذي جعله شبها لله لأن الولد لا يكون ~~إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في «النحل» اغتم ~~ويسود وجهه وملىء غيظا وكربا. ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان ~~الإناث قائلا أومن ينشؤا والتقدير أهو كضده. # قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة ~~الذميمة وهي أنه PageV06P087 # يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ~~ولا يعرف عما في ms4127 ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله. قالت العقلاء: قلما ~~تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها. وفيه أن ~~النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص ~~الرجال. وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد ~~للدار الأخرى. ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه تعالى من أي جنس من بعد ما ~~عمم في قوله مما يخلق فقال وجعلوا أي سموا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفا. وقوله أشهدوا ~~خلقهم كقوله ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض [الكهف: 51] وفيه تهكم بهم ~~لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة ~~يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة. ثم أوعدهم بقوله ~~ستكتب شهادتهم على أنوثية الملائكة ويسئلون ثم حكى نوعا آخر من كفرهم ~~وشبهاتهم وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم أي الملائكة والأصنام ~~نظير ما مر في آخر الأنعام سيقول الذين أشركوا [الآية: 148] . واستدلال ~~المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~أجاب الزجاج عنه بأن قوله ما لهم بذلك من علم عائد إلى قولهم الملائكة بنات ~~الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم والله أمرنا بها ~~[الأعراف: 28] فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه. وقيل: # قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا ~~كانوا صادقين مؤمنين. وجعل هذا الأخير وحده مقولا على وجه الهزء دون ما ~~قبله تعويج لكتاب الله. # وتمام البحث بين الفريقين مذكور في «الأنعام» وإنما قال في الجاثية إن هم ~~إلا يظنون لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم نموت ~~ونحيا وكذبوا في قولهم وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] وكانوا شاكين في ~~أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله أم آتيناهم كتابا من قبله أي من ~~قبل ms4128 القرآن أو الرسول فهم به مستمسكون ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند ~~لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد. والأمة الدين والطريقة التي ~~تؤم أي تقصد. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هذا دأب أسلافهم وداء ~~قديم في جهال بني آدم. وإنما قال أولا مهتدون وبعده مقتدون لأن العرب كانوا ~~يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم ~~لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء. ثم أخبر أن النذير قال أو ~~أمر النذير أو محمدا أن يقول أولو جئتكم أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين ~~أهدى من دين آبائكم فأصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم. # PageV06P088 # ثم بين بقصة إبراهيم عليه السلام أن القول بالتقليد يوجب المنع من ~~التقليد، وذلك أن إبراهيم عليه السلام كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين ~~الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد ~~على الدليل لا على مجرد التقليد. والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء. وقوله ~~إلا الذي فطرني قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام. وقيل: منقطع ~~بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجرورا بدلا من ما أي إلا من الذي وجوز في ~~الكشاف أن تكون «إلا» صفة بمعنى غير و «ما» موصوفة تقديره إنني براء من ~~آلهة تعبدونها غير الذي فطرني فإنه سيهدين أي يثبتني على الهداية أو يرشدني ~~إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله إنني براء مما تعبدون بمنزلة لا إله وقوله ~~إلا الذي فطرني بمثابة «إلا الله» وهي كلمة التوحيد فلذلك أنث الضمير في ~~قوله وجعلها أي وجعل إبراهيم أو الله كلمة التوحيد باقية في عقبه فلا يزال ~~في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره ووصى بها إبراهيم ~~بنيه ويعقوب [البقرة: 132] لعلهم أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو ~~عن الشرك بدعاء الموحدين منهم. # ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سببا ~~لعظم ms4129 كفرهم وشدة عنادهم. قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد حتى ~~جاءهم الحق وهو القرآن ورسول مبين الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم ~~تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه. ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق ~~قائلا ولما جاءهم الحق جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم ~~معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم. ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 31 الى 56] # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون ~~الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) وزخرفا وإن كل ذلك لما ~~متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (35) # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم ~~عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك ~~بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (40) # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم ~~مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (43) وإنه لذكر ~~لك ولقومك وسوف تسئلون (44) وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون (45) # ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين ~~(46) فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يا أيها الساحر ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون (50) # ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ms4130 ولا يكاد يبين (52) ~~فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (53) فاستخف ~~قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين (54) فلما آسفونا انتقمنا منهم ~~فأغرقناهم أجمعين (55) # فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) # PageV06P089 ### | القراآت: # سقفا بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد. الباقون: بضمتين على ~~الجمع كرهن ورهن. قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة ~~بمعنى إلا ف إن نافية. الآخرون: بالتخفيف ف «إن» مخففة واللام فارقة كما مر ~~في آخر هود يقيض على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد. الآخرون: بالنون ~~جاءنا على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ~~ويعقوب. # الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين أنكم في العذاب بالكسر: ~~ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان أيه الساحر بضم الهاء مثل أيه المؤمنون وقد ~~مر في «النور» تحتي بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر أسورة ~~كأجربة: حفص وسهل ويعقوب. الآخرون أساورة كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى ~~السوار. وأصله أساوير. إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره سلفا بضمتين: حمزة ~~وعلي وهو جمع سليف. الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم. ### | الوقوف: # عظيم ه رحمت ربك ط سخريا ط يجمعون ه يظهرون ه لا يتكؤن ه لا وزخرفا ط ~~الدنيا ط للمتقين ه قرين ه مهتدون ه القرين ه مشتركون ه مبين ه منتقمون ه ~~لا مقتدرون ه إليك ط لاحتمال التعليل مستقيم ه ولقومك ج للتعليق مع سين ~~التهديد تسئلون ه # PageV06P090 # يعبدون ه العالمين ه يضحكون ه من أختها ز لنوع عدول يرجعون ه لمهتدون ه ~~ينكثون ه تحتي ج للاستفهام مع اتحاد الكلام تبصرون ه لأن «أم» منقطعة ~~مقترنين ه فأطاعوه ط فاسقين ه أجمعين ه للآخرين ه. ### | التفسير: # هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه ~~الدنيوي فقالوا لولا نزل هذا القرآن وفي الإشارة هاهنا نوع استخفاف منهم ~~لكتاب الله على رجل من القريتين أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف. قال ~~المفسرون: # الذي ms4131 بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي. ~~ومنهم من قال غير ذلك. وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم ~~الله تعالى بأجوبة أولها قوله على سبيل الإنكار أهم يقسمون رحمت ربك أي ~~النبوة فيضعوها حيث شاؤا نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا أي خدما وتابعا ومملوكا. ~~واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنيا بالطبع. وقالت المعتزلة: للغرض ~~وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوضة إلى تدبير الله ~~وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية ~~الأخروية أولى بذلك. وقيل: الرحمة الرزق. ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم ~~فكيف تكون النبوة منهم؟ واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من ~~الله حلالا كانت أو حراما. وقالت المعتزلة: الله تعالى قاسم ولكن العباد هم ~~الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم. والجواب أنه كما قسم الرزق عين ~~الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره. وثانيها قوله ورحمت ربك خير مما ~~يجمعون لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باق لا ~~يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟ وثالثها قوله ~~ولولا كراهة أن يكون الناس أمة واحدة مجتمعين على الكفر لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوبا لقميصه في أن ~~اللام للغرض. والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب عليها أي على ~~المعارج يظهرون يعلون السطوح. والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في ~~كل باب. وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهبا كثيرا. أو وجه آخر على هذا ~~التفسير وهو أن يكون معطوفا على قوله من فضة إلا أنه نصب بنزع الخافض أي ~~بعضها من فضة وبعضها من ذهب. والحاصل أنه سبحانه إن وسع على الكافرين كل ~~التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا ~~عند الله تعالى، وفي معناه # قول نبينا صلى ms4132 الله عليه وسلم «لو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح ~~بعوضة ما سقى # PageV06P091 # كافرا منها شربة ماء» «1» # وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض ~~الإخلاص لا لأجل الدنيا. ثم بشر المؤمنين بقوله وإن كل ذلك إلى آخره. # قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله تعالى واجب، وفيه ~~أنه تعالى لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا ~~يخلق فيهم الكفر أولى. والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما ~~وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود ~~والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟ # ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا ~~والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم ~~كالعمى فقال ومن يعش عن ذكر الرحمن أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه ~~يتجاهل. قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضا. والفرق أنه إذا حصلت آفة في ~~بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به ~~قيل عشا أي تعامى. وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي ب «عن» ومعنى نقيض نقدر كما ~~مر في «حم السجدة» وإنهم أي الشياطين ليصدونهم أي العشي عن دين الله ~~ويحسبون أي الكفار أن الشياطين والكافرين مهتدون وإنما جمع الضميرين لأن من ~~عام وشيطانا تابع له. ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله حتى ~~إذا جاءنا الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم # لقوله صلى الله عليه وسلم «كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون» # ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه ~~حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين # أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين. وقيل: # المغرب أيضا مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة. وقيل: ~~مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ms4133 ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله تعالى أن ~~ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله أنكم من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ ~~بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم ~~وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن ~~في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب. وإن قيل: ~~المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال ~~نفسه. وإذ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد. PageV06P092 # ثم إنه صلى الله صلى الله عليه وسلم كان يتحزن على فقد الإيمان منهم ~~فسلاه بقوله أفأنت إلى آخره. وقوله فإما نذهبن بك أراد به قبض روحه كقوله ~~في «يونس» وفي «المؤمن» فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك [الآية: 77] ~~الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا. # عن جابر أنه قال: لما نزلت فإنا منهم منتقمون قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أورده في تفسير اللباب. # وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر. والحاصل أنه ~~تعالى توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعا. ثم قال لنيه صلى الله عليه ~~وسلم سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكا بما ~~أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك ~~أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا. قال أهل التحقيق: في ~~الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان ~~وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي. قلت: الذكر ~~الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفا من ذلك ~~بعميم فضله. ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إنكاره لأصنامهم، فبين تعالى أنه غير مخصوص بهذه الدعوة ms4134 وهذا ~~الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه. وفي الآية أقوال: ~~أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا. وقال القفال: ~~المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولا من رسلنا. ~~والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ~~فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك [يونس: 94] ~~ثانيها أن حقيقة السؤال هاهنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم ~~والفحص عن مللهم. وثالثا أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا. ورابعها # أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو ~~في بيت المقدس فأمهم. وقيل له صلى الله عليه وسلم: سلهم. فلم يسأل. وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم «إني لا أشك في ذلك» قاله ابن عباس. # وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني ملك فقال: يا محمد ~~سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ~~ولايتك وولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه رواه الثعلبي. # ولكنه لا يطابق قوله سبحانه أجعلنا الآية. وجوز بعضهم أن يكون من مبتدأ ~~والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية ~~والحكم. واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~جهة كونه فقيرا خاملا وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ~~أليس لي ملك مصر إلى قوله مهين [الزخرف: 52] فلا جرم أورد قصة موسى هاهنا ~~تسلية # PageV06P093 # للنبي صلى الله عليه وسلم. قوله فلما جاءهم معطوف على محذوف تقديره فقال ~~إني رسول رب العالمين. فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى ~~آخره. قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها ~~كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية. قوله وما ~~نريهم حكاية حال ماضية. وفي قوله هي أكبر من أختها وجهان: ms4135 أحدهما أن كلا ~~منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها ~~لتكافؤ كل منها في الكبر. وإذا كان هذا الحكم صادقا على كل منها فكلها كبار ~~كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لا قيت سيدهم. مثل النجوم التي يسري بها ~~الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من ~~الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها. هذا القدر مستفاد من ~~الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها. ~~وأخذناهم بالعذاب السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به. قالت ~~المعتزلة: لعلهم يرجعون أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم ~~لكان. وأجابوا بأنه لو أراد قسرا لكان ولكنه أراد مختارا، وزيف بأنه لو ~~أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضا مختارا. أما الفرق فالصواب أن ~~يقال: # «لعل» للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مرارا. وقالوا يا أيه ~~الساحر أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذما بل كانوا يستعظمونه ولهذا ~~قالوا إننا لمهتدون وقيل: # كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحرا. وقولهم إننا لمهتدون وعد منوي ~~إخلافه. # وقولهم ادع لنا ربك بما عهد عندك أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وققد ~~مر في «الأعرف» ونادى فرعون أي أمر بالنداء في مجامع قومه أو رفع صوته بذلك ~~فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم. والأنهار أنهار النيل. قال المفسرون: كانت ~~ثلاثمائة وستين نهرا ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر ~~منفيس. كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه. وقيل: بين يدي في ~~جناتي وبساتيني. وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد ~~بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة ~~«وإن وجدناه لبحرا» وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي. ~~قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر وتجري نصب على ~~الحال، أو الواو للحال ms4136 وما بعده جملة محلها نصب. وفي «أم» أقوال منها قول ~~سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله أنا خير ~~موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال ~~السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه. ومنها أنها منقطعة ~~لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانيا. أثبت عندكم أني خير. ~~ومنها أن التقدير # PageV06P094 # أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من ~~المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدد ولا يكاد ~~يبين الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في «طه» . وإلقاء الأسورة ~~عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل ~~سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ~~ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص ~~يتبعونهم فلذلك قالوا أو جاء معه الملائكة مقترنين # به أو يقترن بعضهم ببعض فاستخف قومه أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة ~~أو استخف عقولهم واستجهلهم فأطاعوه وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا ~~يردعه إلا العصا: # وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ومعنى آسفونا أغضبونا وأغضبوا رسلنا فجعلناهم ~~سلفا أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل ~~أفعالهم وإليه المآب. ### | [سورة الزخرف (43) : الآيات 57 الى 89] # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا أآلهتنا خير أم ~~هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (58) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل (59) ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون (60) وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم (61) # ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (62) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد ~~جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (63) ~~إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ms4137 (64) فاختلف الأحزاب من ~~بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (65) هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يا عباد لا خوف عليكم ~~اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (71) # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة ~~منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (74) لا يفتر عنهم وهم ~~فيه مبلسون (75) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76) # ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (77) لقد جئناكم بالحق ~~ولكن أكثركم للحق كارهون (78) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (79) أم يحسبون ~~أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (80) قل إن كان للرحمن ~~ولد فأنا أول العابدين (81) # سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ~~وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ~~إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله يا رب إن هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون (89) # PageV06P095 ### | القراآت: # يا عبادي بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو. # وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء. الباقون بغير ياء في الحالين تشتهيه بهاء ~~الضمير: # ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص. الآخرون: بحذفها وإليه يرجعون بياء ~~الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بتاء الخطاب. وقيله بالكسرة: ~~حمزة وعاصم غير المفضل: الآخرون: بالنصب. تعلمون على الخطاب: أبو جعفر ~~ونافع وابن عامر. ### | الوقوف: # يصدون ه أم هو ط جدلا ط خصمون ه إسرائيل ه ط يخلفون ه واتبعون ط مستقيم ه ~~الشيطان ج للابتداء بان مع اتصال المعنى مبين ه فيه ms4138 ج لعطف الجملتين مع ~~الفاء وأطيعون ه فاعبدوه ط مستقيم ه من بينهم ج للابتداء مع الفاء أليم ه ~~لا يشعرون ه المتقين ه تحزنون ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفا مسلمين ه ج ~~لاحتمال أن يكون الذين إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ادخلوا إلى آخره خبرا، ~~والقول محذوف لا محالة تحبرون ه وأكواب ج الأعين ج للعدول مع العطف خالدون ~~ه تعملون ه تأكلون ه خالدون ه ج لأحتمال ما بعده صفة أو حالا له لا مستأنفا ~~مبلسون ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفا أو حالا الظالمين ه ربك ط ~~ماكثون ه ج كارهون ه مبرمون ه ج لأن «أم» يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاما ~~آخر ونجواهم ط يكتبون ه العابدين ه يصفون ه يوعدون ه وفي الأرض إله ط ~~العليم ه بينهما ج الساعة ج ترجعون ه يعلمون ه يؤفكون ه ج فالوقف بناء على ~~قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها لا ~~يؤمنون ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول سلام ط للابتداء بالتهديد. ~~قال السجاوندي: من قرأ تعلمون على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد ~~داخلا في الأمر # PageV06P096 # بقوله قل قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم. ### | التفسير: # هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش. وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: ~~أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون ~~عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله. وانتصب مثلا على أنه مفعول ~~ثان لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو إذا قومك أي المؤمنون منه أي من ~~المثل أو من ضربه يصدون أي يجزعون ويضجون وقالوا أي الكفار أهذا خير أم هو ~~يعنون الملائكة خير من عيسى. وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الآية: 98] # قال ابن الزبعري للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن ms4139 النصارى يعبدون ~~عيسى وأمه وعزيرا، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا ~~معهم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله ~~تعالى قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية ~~أيضا. # والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلا إذا قومك قريش من هذا ~~المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحا وسرورا بما رأوا من ~~سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا ~~انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح. وقالوا أآلهتنا وهي الأصنام خير أم عيسى ~~فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون. # وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق. ~~وثالثها أنه صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلها وأن ~~مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمدا يريد أن نتخذه إلها كما ~~اتخذ النصارى المسيح إلها وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون ~~محمدا، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل ~~الله تعالى كلامهم بقوله ما ضربوه لك إلا جدلا أي لم يضربوا هذا المثل ~~لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق بل هم قوم من عادتهم الخصومة ~~واللدد. ثم قرر أمر عيسى عليه السلام بقوله إن هو إلا عبد أنعمنا عليه بأن ~~خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ولو نشاء لجعلنا منكم أي بدلا ~~منكم ملائكة في الأرض يخلفون يقومون مقامكم. وقيل: أراد لولدنا منكم يا ~~رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم. والغرض بيان كمال ~~القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسبا من الله. ~~ثم بين مآل حال عيسى عليه السلام بقوله وإنه يعني عيسى لعلم للساعة لعلامة ~~من علامات القيامة كما # جاء في الحديث «أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل ms4140 ~~يكسر الصليب ويقتل الخنزير # PageV06P097 # ويقاتل الناس على الإسلام» «1» # وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف. وقيل: ان عيسى كان يحيي الموتى فعلم ~~بالساعة والبعث. وقيل: الضمير في وإنه للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت ~~الساعة فلا تمترن بها فلا تشكن فيها واتبعوني هذه حكاية قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله هل ينظرون ~~وقد مر في آل عمران وفي «مريم» . وقوله أن تأتيهم بدل من الساعة والأخلاء ~~جمع خليل ويومئذ ظرف عدو وهو كقوله إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~[البقرة: # 166] ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول. ومعنى تحبرون ~~تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب ~~جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له. وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر ~~زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها ~~براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكوابا والله أعلم بأسراره. وفيها أي ~~في الجنة. قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على ~~تفصيله لم يخرجوا عنه. ثم يقال لهم وأنتم فيها خالدون إلى آخره. ثم وصف حال ~~أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمعتزلي. ~~ومعنى لا يفتر لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيرا ودهشا. ولما ~~أيسوا من فتور العذاب نادوا يا مالك وهو اسم خازن النار ليقض علينا ربك أي ~~ليمتنا كقوله فقضى عليه [القصص: 15] قال مالك: بعد أربعين عاما أو بعد مائة ~~أو ألف أو قال الله بدليل قوله لقد جئناكم فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان ~~يحتمل أن يكون قول الملائكة. قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكا لأن ~~الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضوانا لأن ~~الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح. ثم عاد إلى توبيخ قريش ~~وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال أم أبرموا أمرا ms4141 والإبرام الإحكام والمعنى ~~أنهم كلما أحكموا أمرا في المكر بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنا نحكم أمرا ~~في مجازاتهم. وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك ~~أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدث ~~PageV06P098 # به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم ~~على سبيل الخفية أيضا. # ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه ~~فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ~~وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت ~~الخمسة زوجا فهي منقسمة بمتساويين. # وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته ~~لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلا في الواقع لزم وقوع التالي عادة ~~وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصا ~~فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا ~~المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة ~~فيه إلى تقريب المرام. وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ~~ذكروا فيه وجوها متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول ~~الموحدين لله. ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون ~~له ولد. يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه. ومنها جعل «إن» نافية ~~أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق ~~بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا ~~القيامة. ثم مدح ذاته بقوله وهو الذي في السماء إله أي معبود كما مر في ~~قوله وهو الله في السماوات وفي الأرض [الأنعام: 3] والتقدير وهو الذي هو في ~~السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول ms4142 الكلام. ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام ~~تنفعهم. وقوله إلا من شهد استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم ~~وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلا لأن من جملة من يدعونهم ~~الملائكة وعيسى وعزيزا. وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي ~~مشفوعا له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء وهم يعلمون دلالة ~~على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر. ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلا ~~ولئن سألتهم والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له ~~أندادا. وقيل: # الضمير في سألتهم للمعبودين. من قرأ وقيله بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف ~~على سرهم ونجواهم أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لتقدم ذكره بالكناية في قوله قل إن كان وعن أبي علي أنه يعود إلى ~~عيسى، وفيه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم. # ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم ~~قيله كقراءة من قرأ بالجر. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأعمال الخلق ~~الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق. # PageV06P099 ### | (سورة الدخان) # (مكية حروفها ألف وأربعمائة وأربعون كلماتها ثلاثمائة وأربعون آياتها تسع ~~وخمسون) ### | [سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 59] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) والكتاب المبين (2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~(3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) # أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) ~~رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحيي ~~ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين (8) بل هم في شك يلعبون (9) # فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ~~ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ~~(13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (14) # إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم (17) أن ms4143 أدوا إلي ~~عباد الله إني لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان ~~مبين (19) # وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون (21) فدعا ~~ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) واترك ~~البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) # كم تركوا من جنات وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين (27) كذلك وأورثناها قوما آخرين (28) فما بكت عليهم السماء والأرض ~~وما كانوا منظرين (29) # ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من ~~المسرفين (31) ولقد اخترناهم على علم على العالمين (32) وآتيناهم من الآيات ~~ما فيه بلؤا مبين (33) إن هؤلاء ليقولون (34) # إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بآبائنا إن كنتم ~~صادقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا ~~مجرمين (37) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما ~~إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين (40) يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ~~ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرة الزقوم ~~(43) طعام الأثيم (44) # كالمهل يغلي في البطون (45) كغلي الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سواء ~~الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) # إن هذا ما كنتم به تمترون (50) إن المتقين في مقام أمين (51) في جنات ~~وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين (53) كذلك وزوجناهم بحور عين ~~(54) # يدعون فيها بكل فاكهة آمنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ~~ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (57) فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59) # PageV06P100 ### | القراآت: # رب السماوات بالجر على البدل من ربك: عاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: ~~بالرفع أني آتيكم بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ترجموني ~~فاعتزلوني بالياء في الحالين: يعقوب وأفق ورش وسهل وعباس في الوصل لي ~~بالفتح: ورش فكهين بغير الألف: يزيد يغلي على التذكير والضمير للطعام: ابن ~~كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ms4144 ابن ذكوان. الباقون: بتاء التأنيث ~~والضمير للشجرة فاعتلوه بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب. ~~الآخرون: بالكسر ذق أنك بفتح الهمزة على حذف لام التعليل. في مقام بضم ~~الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر. ### | الوقوف: # حم كوفي ه المبين ه لا ومن لم يقف على حم وقف على المبين منذرين ه حكيم ه ~~ط بناء على أن التقدير أمرنا أمرا من عندنا ط مرسلين ه ج لاحتمال أن رحمة ~~مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة من ربك ط العليم ه لا لمن خفض رب ~~بينهما ط موقنين ه ويميت ط الأولين ه يلعبون ه مبين ه ط الناس ط أليم ه ~~مؤمنون ه مبين ه لا للعطف مجنون ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ~~عائدون ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود الكبرى ج لاحتمال التعليل ~~منتقمون ه كريم ه لا عباد الله ط أمين ه على الله ج مبين ه ج ترجمون ه ~~فاعتزلون ه مجرمون ه متبعون ه لا رهوا ط مغرقون ه وعيون ه لا كريم ه لا ~~فاكهين ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت آخرين ه منظرين ه المهين # PageV06P101 # ه لا من فرعون ط المسرفين ه العالمين ه ج مبين ه ليقولون ه لا بمنشرين ه ~~صادقين ه تبع لا للعطف من قبلهم ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ~~أهلكناهم ج لأن التعليل أوضح مجرمين ه لاعبين ه لا يعلمون ه أجمعين ه لا ~~لأن ما بعده بدل ولا هم ينصرون ه لا رحم الله ط الرحيم ه الأثيم ه ج ~~لاحتمال أن يكون كالمهل خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف في البطون لا ~~الحميم ه الجحيم ه الحميم ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق الكريم ه ~~تمترون ه أمين ه لا عيون # ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال متقابلين ه ج لاحتمال أن يراد كما ~~ذكرنا من ms4145 حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك عين ه ج لئلا يوهم أن ما ~~بعده صفة للحور آمنين ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به الأولى ~~ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا بإضمار قد الجحيم ه لا لأن فضلا مفعول ~~له من ربك ط العظيم ه يتذكرون ه مرتقبون ه. ### | التفسير: # أقسم بالقرآن إنا أنزلناه في ليلة مباركة لأن من شأننا الإنذار والتخويف ~~من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن أشرف الأمور ~~الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان- أعني قوله إنا ~~كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ~~ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم إنا كنا ~~منذرين وقوله إنا أنزلناه اعتراض. # والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم ~~يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة. وأكثر المفسرين ~~على أنها ليلة القدر لقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر: 1] وليلة ~~القدر عند الأكثرين من رمضان. ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة ~~أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، ~~والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين ~~مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر. وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة ~~النصف من شعبان. وما رأيت لهم دليلا يعول عليه. قالوا: وتسمى ليلة البراءة ~~أيضا وليلة الصك لأن الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في ~~هذه الليلة. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة ~~أرسل الله تعالى إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من ~~عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرا يدفعون عنه مكايد ~~الشيطان.» # وقال «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد # PageV06P102 # شعر أغنام بني كلب.» # وقال: «إن الله يغفر لجميع المسلمين ms4146 في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ~~ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا» # ومما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ~~ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع ~~عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد ~~على الله شراد البعير. ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ~~ماء زمزم زيادة ظاهرة. وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدئ ~~بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر. ~~والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. ~~ومعنى يفرق يفصل ويكتب كل أمر هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق ~~العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ~~ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة ~~الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. وقيل: ~~يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته. ~~وفي انتصاب أمرا وجوه: إما أن يكون حالا من أمر حكيم لأنه قريب من المعرفة ~~أو من الهاء في أنزلناه أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على ~~الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدرا من ~~غير لفظ الفعل وهو يفرق لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به ~~قوله إنا كنا مرسلين يجوز أن يكون بدلا من قوله تعالى إنا كنا منذرين أي ~~أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل ~~الرحمة، ويحتمل كونه تعليلا ليفرق، أو لقوله أمرا من عندنا وقوله من ربك ~~وضع للظاهر موضع الضمير إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة. ثم حقق ربوبيته ~~بقوله إنه هو السميع العليم إلى قوله الأولين. ومعنى الشرط في قوله إن كنتم ms4147 ~~موقنين نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات ~~والأرض. قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن ~~كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ~~ذلك. وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله بل هم في شك يلعبون في ~~الدنيا أو يستهزؤن بنا فلا جرم أوعدهم بقوله فارتقب ويوم مفعول به أي ~~انتظره. والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير ~~كبيت لاخصاص له مملوء دخانا يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ~~ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين. # وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV06P103 # «أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق ~~الناس إلى المحشر» «1» # أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها. وقيل: الدخان ~~يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم. وقيل: الدخان ~~الشر والفتنة. وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة ~~واللزام. وذلك # أن قريشا لما استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: ~~اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف. # فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء ~~والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان. # فمشى إليه صلى الله عليه وسلم أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، ~~وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا. فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا ~~إلى شركهم وذلك قوله هذا عذاب أي قائلين هذا إلى آخره. # ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ما هو أعظم من ~~كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا وتولوا عنه واتهموه صلى ~~الله عليه وسلم بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون. ومعنى «ثم» تبعيد ~~الحالتين. ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زمانا ms4148 قليلا. ~~واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة ~~أو يقال إنه قد مضى. والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين. ~~ويوم ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد «أن» لا يعمل فيما قبله. # وقيل: بدل من يوم تأتي السماء ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقصة ~~موسى. ومعنى فتنا امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيبا في قومه أو بكرم ~~خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال فقولا له قولا لينا ~~[طه: 44] و «أن» مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، ~~أو مصدرية والياء محذوف. وعباد الله مفعول به لقوله فأرسل معنا بني إسرائيل ~~[طه: 47] أو منادى والمعنى أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب عليكم من ~~الإيمان والطاعة. والقصة مذكورة في «الشعراء» وغيرها وأن ترجمون أن تقتلون ~~أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر وإن لم تؤمنوا لي أي لم تصدقوني ~~ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا علي ولا لي فدعا ربه شاكيا أن هؤلاء قوم ~~مجرمون مصرون على الكفر فأسر أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه ~~اللهم عجل لهم PageV06P104 # ما يستحقونه بإجرامهم. ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في «يونس» ربنا اطمس ~~على أموالهم [الآية: 88] وفي رهوا وجهان: أحدهما ساكنا أي لا تضربه. ثانيا ~~واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبسا. وذلك أن موسى أراد أن ~~يضربه ثانيا حتى ينطبق ويزول الانفاق خوفا من أن يدركهم قوم فرعون، والله ~~تعالى أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة ~~الواسعة أي اتركه مفتوحا منفجرا على حاله. والنعمة بفتح النون التنعم ~~والباقي مذكور في «الشعراء» . وقوله فما بكت كان إذا مات الرجل الخطير ~~قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه # الحديث «وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء» # وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ms4149 ويعتقدون أنهم ~~لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم ~~دون ذلك. وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف ~~والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك. # قال الواحدي في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، ~~فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية.» # ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك ~~عليهم. وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة ~~والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين وما كانوا إذا منظرين أي لما جاء وقت ~~هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا. قوله من فرعون بدل من ~~العذاب بل جعل في نفسه عذابا مهينا لشدة شكيمته وفرط عتوه. # وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه. وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، ~~وفي قراءة ابن عباس من فرعون على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه ~~أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال. ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ولقد ~~اخترناهم بإيتاء الملك والنبوة على علم منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر ~~عليه على عالمي زمانهم. ولا ريب أن هذا قبل التحريف. وقيل: أي على علم منا ~~بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع ~~وغيرها. # ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله بل هم في شك يلعبون فقال إن ~~هؤلاء يعني كفار قريش ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى قال المفسرون: يؤل ~~إلى ما حكى عنهم في موضع آخر إن هي إلا حياتنا الدنيا [المؤمنون: 37] وذلك ~~أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف ~~إلا الموتة الأولى وهو # PageV06P105 # حال كونهم نطفا. ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة ms4150 أو ~~العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتا لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج ~~فلان الحجة الأولى، ومات وما نحن بمنشرين أنشر الله الموتى أحياهم فأتوا ~~أيها النبي والذين آمنوا معه بآبائنا إن كنتم صادقين # يروى أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم إحياء ~~الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وصحة البعث، # فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله أهم خير أم قوم تبع أي ~~ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة. ابن عباس: تبع نبي. # أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا أدري تبع نبيا كان أم غير ~~نبي» # رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلا صالحا ذم الله قومه ولم يذمه. وإنما خصهم ~~بالذكر لقربهم من العرب زمانا ومكانا. وعن سعيد بن جبير كسا البيت. وقال ~~قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند. وقال أبو عبيدة: هم ملوك ~~اليمن يسمى كل واحد منهم تبعا لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة ~~الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا ~~كتب بسم الذي ملك برا وبحرا. ثم برهن على صحة البعث بقوله وما خلقناهما إلى ~~آخره، وقد مر في «الأنبياء» وفي «ص» نظيره. # وإنما جمع السموات هاهنا لموافقة قوله في أول السورة رب السماوات وسمى ~~يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين ~~أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين ~~بينهم وبين ما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء ~~وخليله. والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد ~~أن أحدا منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة. # والضمير في لا هم ينصرون للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه ~~وشياعه. وقوله إلا من رحم الله في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على ~~الاستثناء إنه هو العزيز الغالب على من ms4151 عصى الرحيم لمن أطاع. ثم أراد أن ~~يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال إن شجرة الزقوم وقد مر تفسيرها ~~في الصافات. والأثيم مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر. ~~والمهل دردي الزيت وقد مر في «الكهف» . ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم ~~كما أن الوجه في قوله طلعها كأنه رؤس الشياطين [الصافات: 65] هو كراهة ~~المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلا يغلي إلى آخره. ثم أخبر أنه سبحانه يقول ~~للزبانية خذوه أي خذوا الأثيم فاعتلوه جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه ~~فيجر إلى وسط النار. ومنه العتل للجافي الغليظ. وقوله من عذاب الحميم دون ~~أن يقول «من الحميم» تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم ~~فقد صب عليه عذابه وشدته. # يروي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين # PageV06P106 # جبليها أعز ولا أمنع مني فو الله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي ~~«شيئا» فنزلت الآية. # أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه إن ~~هذا العذاب ما كنتم به تمترون تشكون. ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ~~ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى ~~فيه من المكاره. # وقوله وزوجناهم اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم ~~لا. # والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن. وقيل: زوجته امرأة وزوجته ~~بامرأة لغتان. # وهكذا اختلفوا في الحور. فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقا آخر. ~~وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا. يدعون أي يحكمون ويأمرون في الجنة ~~بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان آمنين من التخم والتبعات، ثم ~~أخبر عن خلودهم بقوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى قال جار ~~الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ~~ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة ~~الأولى قد ذاقوها. وقال ms4152 أهل التحقيق: # إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته. فالإنسان ~~الكامل هو في الدنيا في الجنة. وفي الآخرة أيضا في الجنة فقد صح أنه لم يذق ~~في الجنة إلا الموتة الأولى. ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم ~~بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل ~~فإنهم يتربصون بك الدوائر. # PageV06P107 ### | (سورة الجاثية) # (مكية حروفها ألفان ومائة وأحد وستون كلمها أربعمائة وثمان وثمانون ~~آياتها سبع وثلاثون) ### | [سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 37] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) # واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5) تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ~~آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) ~~وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) # من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله ~~أولياء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من ~~رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13) قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون (14) # من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد آتينا ~~بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ~~العالمين (16) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(17) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ~~(18) إنهم لن يغنوا عنك ms4153 من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ~~ولي المتقين (19) # هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20) أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون (21) وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت ~~وهم لا يظلمون (22) أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) ~~وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم ~~بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24) # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا ~~إن كنتم صادقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السماوات والأرض ويوم ~~تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27) وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى ~~كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) # فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز ~~المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم ~~قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ~~ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيئات ما ~~عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين (34) # ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين ~~(36) وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (37) # PageV06P108 ### | القراآت: # وفي خلقكم مدغما: عباس. آيات بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب الريح ~~على التوحيد: حمزة وعلي وخلف يؤمنون على الغيبة: # أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص أليم مذكور في «سبأ» ms4154 لنجزي ~~بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف ليجزي بالياء مبنيا للمفعول قوم بالرفع: # يزيد. الباقون: مبنيا للفاعل قوما سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح ~~وزيد غشاوة بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 كل أمة ~~تدعي بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب الساعة بالنصب: حمزة لا يخرجون من ~~الخروج حمزة وعلي وخلف. ### | الوقوف: # حم كوفي ه الحكيم ه للمؤمنين ه ط ومن نصب، آيات لم يقف لأنه عطف المفردين ~~على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين يوقنون ه لا للعطف على عاملين ~~كما يجيء يعقلون ه بالحق ج للاستفهام مع الفاء يؤمنون ه أثيم ه يسمعها ج ~~لانقطاع النظم مع فاء التعقيب أليم ه هزوا ط مهين ه ط لأنه لو وصل اشتبه ~~بأنها وصف عذاب جهنم ج لعطف المختلفين أولياء ج لذلك عظيم ه هدى ط لأن ما ~~بعده مبتدأ مع العاطف أليم ه # PageV06P109 # تشكرون ه ج للآية مع العطف منه ط يتفكرون ج يكسبون ه فلنفسه ج فعليها ز ~~لأن «ثم» لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة ترجعون ه العالمين ه ج للآية ~~والعطف من الأمر ج لعطف المختلفين بينهم ط يختلفون ه لا يعلمون ه شيئا ج ~~بعض ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين المتقين ه يوقنون ه ~~الصالحات # قف ومن نصب سواء # لم يقف. ومماتهم # ط يحكمون # ه لا يظلمون ه غشاوة ط من بعد الله ط تذكرون ه الدهر ج لاحتمال الواو ~~الحال من علم ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى يظنون ه صادقين ه لا يعلمون ~~ه والأرض ط المبطلون ه جاثية قف لمن قرأ كل بالرفع كتابها ط تعملون ه بالحق ~~ه ط تعملون ه في رحمته ط المبين ه مجرمين ه ما الساعة لا تحرزا عن الابتداء ~~بقول الكفار بمستيقنين ه يستهزؤن ه ناصرين ه الدنيا ج للعدول عن الخطاب إلى ~~الغيبة يستعتبون ه العالمين ه والأرض ص لعطف الجملتين المتفقتين الحكيم ه. ### | التفسير: # إعراب أول ms4155 السورة وتفسيرها كإعراب أول «المؤمن» وتفسيره وقوله إن في ~~السماوات إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها ~~وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك ~~أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع ~~زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما. استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز ~~العطف على عاملين مختلفين وهما في قراءة النصب «أن» وفي أقيمت الواو ~~مقامهما فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع ~~الابتداء وفي. وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله لآيات تكرار ~~محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيدا وفي ~~الحجرة زيدا والمسجد زيدا، وأنت تريد أن في الدار زيدا والحجرة والمسجد. # والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب لآيات على ~~الاختصاص. # ويرتفع بإضمار هي. وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مرارا ولا سيما في ~~أواسط «البقرة» ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولا ثم قال لقوم ~~يوقنون ثم يعقلون فما سبب هذا الترتيب؟ قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه ~~الله: أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق ~~واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين ~~فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، ~~وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات # PageV06P110 # والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، ~~فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال. وفي خلق ما بث من الدواب ~~على ظهر الأرض، ازدادوا إيمانا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في ~~سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق ~~وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا، عقلوا ~~واستحكم عقلهم وخلص يقينهم. وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: ~~نفسية وخارجية. فالنفسية ms4156 أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من ~~نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية. فالفلكية لبعدها عن ~~الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر ~~والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم ~~السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود. تلك مبتدأ والتبعيد ~~للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة ونتلوها في محل الحال. وقوله بعد ~~الله وآياته كقولهم: أعجبني زيد وكرمه. وأصله بعد آيات الله. والمعنى أن من ~~لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه. # وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله. فإن لم يؤمنوا به فبأي ~~كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي. ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم ~~وقد مر ما في الآية في سورة لقمان. قوله وإذا علم أي شعر وأحس بأنه من جملة ~~القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن ~~والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كاعتراض ابن الزبعري في قوله ~~إنكم وما تعبدون من دون الله [الأنبياء: 98] وإنما أنث الضمير في قوله ~~اتخذها لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزوا ولا ~~يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. قوله من ورائهم جهنم كل ما توارى عنك فهو ~~وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم عليه السلام هذا هدى أي هذا ~~القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد. ثم ذكر دليلا آخر على الوحدانية وهو ~~تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مرارا. وقوله ولتبتغوا أي بسبب ~~التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري. ثم عمم ~~بعد التخصيص وقوله منه في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض ~~كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون ~~خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه. # عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر- ~~يقال لها المريسيع- فأرسل عبد ms4157 الله بن أبي غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه ~~فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحدا ~~يستقي حتى ملأ قرب النبي # PageV06P111 # وقرب أبي بكر وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما ~~قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل ~~الله تعالى قل للذين آمنوا يعني عمر يغفروا للذين لا يرجون أيام الله لا ~~يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله ~~الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض. عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون ~~بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت من ذا الذي يقرض الله [البقرة: 245] قال ~~اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في ~~طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه. وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا ~~تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن ~~الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، ~~وإنما نكر قوما مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم ~~والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوما كاملين في الصبر والإغضاء على أذى ~~الأعداء بما يكسبون من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: ~~القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق. ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله من ~~عمل صالحا الآية. # ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة ~~والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين. وقال ابن عباس: ~~يريد أنه تبين لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مهاجر من تهامة إلى ~~يثرب. وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى. فما اختلفوا إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم ~~أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسدا. ~~ثم جعلناك على شريعة أي منهاج وطريقة من الأمر أمر الدين ms4158 وقيل: # من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا. قال الكلبي: إن رؤساء قريش ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا ~~أفضل منك وأسن فزجره الله تعالى عن ذلك بقوله ولا تتبع إلى آخره أي لو ملت ~~إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقا للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك. ثم ~~أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله ولا تتبع أتباعهم إلى الفرق بين ~~ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله سبحانه. ~~ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته هذا القرآن. وقيل: ما تقدم من اتباع ~~الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشارا إليه أولى لقوله بصائر من ربكم ~~إلى آخره. وقد مر في آخر «الأعراف» مثله. ثم بين الفرق بين الظالمين ~~والمتقين من وجه آخر قائلا أم حسب # قال جار الله: «أم» منقطعة والآية نظيرة ما سلف في «ص» أم نجعل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين [الآية: 28] والاجتراح الاكتساب. من قرأ # PageV06P112 # سواء # بالنصب فمعناه مستويا والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ~~ثاني مفعولي نجعلهم # وهو الكاف. ومن قرأ بالرفع فخبر ومحياهم # مبتدأ والجملة بدل أيضا لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا. والمعنى إنكار أن ~~يستوي الفريقان حياة وموتا، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على ~~المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد. وقيل: معناه ~~إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل ~~قد يكون الكافر أرجح حالا من المؤمن. فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة ~~الكافر إنما يظهر بعد الوفاة. وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلا من ~~الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه # لقوله صلى الله عليه وسلم «كما تعيشون تموتون» # وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة ~~هذه الدعوى بقوله وخلق الله الآية. قال جار الله: ولتجزى معطوف على بالحق ~~لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على ms4159 قدرته وللجزاء. ويجوز أن ~~يكون المعلل محذوفا وهو فعلنا ونحوه. والحاصل أن الغاية من خلق السماء ~~والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده ~~والتميز بينهما بموجب العدالة. ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلا أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان وأضله ~~الله على علم بحاله أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق ~~القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها. وقيل: ~~أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم فمن يهديه من بعد إضلال الله قال بعض ~~العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في «البقرة» لأن كفار ~~مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا ~~يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك ~~والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه. ففي هذه ~~الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي ~~الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل ~~سورة على ترتيبه. ثم ذكر من أسباب الضلال سببا آخر وهو إنكارهم البعث ~~معتقدين أن لا حياة إلا هذه. وليس قولهم الدنيا تسلما لثانية وإنما هو قول ~~منهم على لسان المقرين وبزعمهم نموت ونحيا فيه تقديم وتأخير على أن الواو ~~لا توجب الترتيب. وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة ~~الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتا حال كونهم نطفا، ~~أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر. ثم ~~إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين وما ~~يهلكنا إلا الدهر اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون # PageV06P113 # الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب. ولا حاجة في هذا الباب ~~إلى مبدىء المبادئ فأجاب الله عن شبهتهم بقوله وما لهم بذلك من علم أي ms4160 ليس ~~لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظنا تخمينا واستبعادا فلا ينبغي ~~للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ ~~والمعاد المذكور مرارا وأطوارا. وليس قولهم ائتوا بآبائنا من الحجة في شيء ~~لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل ~~الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: # تحية بينهم ضرب وجيع وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال قل الله ~~يحييكم إلى آخره. ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على ~~الكفار فيه فقال ويوم تقوم الساعة العامل فيه يخسر وقوله يومئذ بدل من يوم ~~وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف. قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة ~~للحساب المترقبة لما يعمل بها. وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم. وقيل: ~~مستوفزا لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله. # والجثو للكفار خاصة. وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك فأما الذين آمنوا وأما ~~الذين كفروا تدعى إلى كتابها يريد كتاب الحفظة ليقرؤه. وقال الجاحظ: إلى ~~كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا. ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن. ~~اليوم تجزون بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله هذا كتابنا إلى قوله ~~إنا كنا نستنسخ أي نأمر بالنسخ. وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله ~~عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم ~~مثبتة فيه، وأضيف إلى الله سبحانه لأنه أمر ملائكته بكتبه. قوله أفلم تكن ~~القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله إن نظن إلا ظنا قال أبو علي والأخفش: ~~هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، ~~فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظنا. وقال المازني: تقديره ~~إن نظن نحن إلا ظنا منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم ~~لا تظنون. وقال جار الله: أصله نظن ظنا ms4161 ومعناه إثبات الظن فحسب. فأدخل أداة ~~الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من ~~العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ~~ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله وما نحن بمستيقنين وباقي السورة واضح ~~مما سلف والله أعلم. # تم الجزء الخامس والعشرون ويليه الجزء السادس والعشرون أوله تفسير سورة ~~الأحقاف. # PageV06P114 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السادس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة الأحقاف) # (مكية غير آية نزلت في عبد الله بن سلام قل أرأيتم الآية حروفها ألفان ~~وثلاثمائة كلماتها ثلاثمائة وأربع وأربعون آياتها خمس وثلاثون) ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # حم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون (3) قل ~~أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في ~~السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4) # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن ~~دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ~~(6) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر ~~مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو ~~أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) قل ما ~~كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~وما أنا إلا نذير مبين (9) # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (10) وقال الذين كفروا ~~للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك ~~قديم (11) ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا ms4162 كتاب مصدق لسانا عربيا ~~لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ~~جزاء بما كانوا يعملون (14) # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز ~~عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16) والذي قال ~~لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان ~~الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين (17) أولئك ~~الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا ~~خاسرين (18) ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (19) # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير ~~الحق وبما كنتم تفسقون (20) # PageV06P115 ### | القراآت: # لتنذر على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب. ~~الباقون: على الغيبة. والضمير للكتاب إحسانا: حمزة وعلي وخلف وعاصم. ~~الباقون: حسنا كرها في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو ~~عمرو وجبلة وهشام. الباقون: بالضم وفصله يعقوب. الآخرون وفصاله أوزعني أن ~~بالفتح: ابن كثير غير القواس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني نتقبل ~~بالنون أحسن بالنصب ونتجاوز بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص. الآخرون بياء ~~الغيبة مبنيا للمفعول في الفعلين أحسن بالرفع أف بالكسر والتنوين: أبو جعفر ~~ونافع وحفص والمفضل. وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين. الباقون: بالكسر ~~ولا تنوين أتعدانني أن بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ~~وليوفيهم بالياء: # ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم. الباقون: بالنون أأذهبتم بتحقيق ~~الهمزتين: ابن ذكوان آذهبتم بالمد: ابن ms4163 كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام. ~~الباقون: # بهمزة واحدة. ### | الوقوف: # حم ه كوفي الحكيم ه مسمى ط معرضون ه السماوات ه لانتهاء الاستفهام إلى ~~الخطاب صادقين ه غافلون ه كافرين ه مبين ه لأن «أم» تتضمن استفهام إنكار ~~افتراه ط شيئا ط فيه ط وبينكم ط الرحيم ه بكم ط مبين ه ط واستكبرتم ط ~~الظالمين ه إليه ط قديم ه ورحمة ط للمحسنين ه يحزنون ه فيها ج لأن جزاء ~~يصلح مفعولا له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء يعملون ه إحسانا ط ووضعته ~~كرها ط شهرا ط سنة لا لأن ما بعده جواب «إذا» ذريتي ط للابتداء بإن مع ~~اتحاد الكلام المسلمين ه الجنة ط لأن التقدير وعد الله وعدا صدقا وهو مصدر ~~مؤكد لأن قوله نتقبل في معنى الوعد يوعدون ه الأولين ه والإنس ط خاسرين ه # PageV06P116 # عملوا ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل ~~محذوفا كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم لا ~~يظلمون ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم بها ج لابتداء التهديد مع الفاء ~~تفسقون ه. ### | التفسير: # إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ما ~~خلقنا إلى قوله وأجل مسمى وقد مر في أول «الروم» أنه الوقت الذي عينه ~~لإفناء الدنيا. وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الرد ~~على عبدة الأوثان بقوله قل أرأيتم وقد مر في «فاطر» . والمراد أنهم لا ~~يستحقون العبادة أصلا لأنهم ما خلقوا شيئا في هذا العالم لا في الأرض ولا ~~في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد ~~وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك. فقوله ائتوني من باب ~~إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد ~~أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء بكتاب فيه شيء من ذلك أو أثارة من علم ~~قال الواحدي: كلام أهل ms4164 اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: ~~أحدها البقية من قولهم «سمنت الناقة على إثارة من شحم» أي على بقية شحم ~~كانت بها من شحم ذاهب. والثاني أنه من الأثر بمعنى الرواية. والثالث من ~~الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدونه علما. عن ~~ابن عباس مرفوعا أنه الخط. قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه ~~علم علمه. ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ومن أضل الآية. وبالجملة ~~فالدليل الأول دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على ~~نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن ~~إلا جمادا وعبادة الجماد محض الضلال. وقوله إلى يوم القيامة تأبيد على عادة ~~العرب، ويحتمل أن يكون توقيتا بدليل قوله وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وهذا التبري والتخاطيب نوع من الاستجابة. ثم قرر غاية عنادهم بقوله وإذا ~~تتلى ثم عجب من حالهم بقوله أم يقولون افتراه الآية أي إن كذبت على الله ~~كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في ~~الافتراء. # ثم فوض أمرهم إلى الله قائلا هو أعلم بما تفيضون أي تتدفعون فيه من القدح ~~في الوحي، وتسميته سحرا تارة وافتراء أخرى وفي قوله وهو الغفور الرحيم ~~إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه ~~إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه. ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر ~~من البيان فقال قل ما كنت بدعا هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست ~~بأول رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع # PageV06P117 # لم يكن إلى مثله سابق. وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه ~~لا يتبع إلا الوحي وما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، ~~وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه ~~سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال ms4165 الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل ~~أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في ~~الأسواق لأن الرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك. # قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء على أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على ~~أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك ~~فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟ فسكت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنزل الله الآية. # وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون ~~واليهود وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ~~تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا إلى قوله فوزا عظيما [الفتح: 1] فبين الله ~~تعالى ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية. والأصح عند العلماء أنه لا حاجة ~~إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه ~~لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي. وقوله ولا ~~بكم في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم. و «ما» موصولة أو استفهامية، ومحل ~~الأولى نصب، والثانية رفع. # ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال قل أرأيتم الآية. وقد مر نظيره في آخر «حم ~~السجدة» إلا أنه زاد هاهنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن ~~سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه وتأمله ~~فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به. وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد ~~الله بن سلام وفيه نزل وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله على مثل القرآن. # والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد ~~والمعاد. وعلى هذا فقوله على مثله يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة ms4166 القرآن. ~~ويجوز أن يعود الضمير في مثله إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون ~~الجار متعلقا ب شهد قال جار الله: # الواو الأخيرة عاطفة ل استكبرتم على شهد وأما الواو في وشهد فقد عطفت ~~جملة قوله وشهد إلى آخره على جملة قوله كان من عند الله وكفرتم به والمعنى ~~أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم ~~بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس ~~وأظلمهم؟ يدل على هذا الجواب المحذوف قوله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~قلت: هذا كلام حسن. ويجوز # PageV06P118 # أن يكون قوله واستكبرتم معطوفا على قوله فآمن. ويجوز أن يكون الواو في ~~وشهد للحال بإضمار «قد» . قال: وقد جعل الإيمان في قوله فآمن مسببا عن ~~الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته ~~وآمن. # القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام ~~بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإيمانه تصديقه ذلك. # القول الثالث أن الشاهد ليس شخصيا معينا وتقدير الكلام لو أن رجلا منصفا ~~عارفا بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم ~~تكونوا ظالمين ضالين؟ # والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت ~~بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟ ثم ذكر شبهة ~~أخرى لهم وهي أنهم قالوا للذين آمنوا أي لأجلهم وفي حقهم لو كان ما أتى به ~~محمد خيرا ما سبقونا إليه وقيل: اللام كما في قولك «قلت له» . وضعف بأنه لو ~~كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه. وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو ~~المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو ms4167 كان هذا الدين خيرا لما سبقنا ~~إليه أولئك الغائبون. # قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان ~~وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيرا ما سبقونا إليه، ونحن ~~أرفع منهم حالا وأكثر مالا وهؤلاء رعاة الغنم. وقيل: قاله أغنياء قريش ~~للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود. وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام ~~عبد الله بن سلام وأصحابه. والعامل في قوله وإذ لم يهتدوا به محذوف وهو ظهر ~~عنادهم وذلك أن «إذ» للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع. والإفك القديم ~~كقولهم أساطير الأولين. وقيل: كذب ككذب عيسى عليه السلام قوله ومن قبله ~~كتاب موسى خبر ومبتدأ وقوله إماما أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب ~~على الحال كقولك «في الدار زيد قائما» . وقوله لسانا عربيا حال من ضمير ~~الكتاب في مصدق أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالا من كتاب ~~لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة. وجوز أن يكون مفعولا ل مصدق على حذف ~~المضاف أي يصدق ذا لسان عربي هو الرسول. قوله وبشرى معطوف على محل لتنذر ~~لأنه مفعول له. وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع ~~أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال إن الذين قالوا الآية. وقد مر في ~~«حم السجدة» إلا أنه رفع واسطة الملائكة هاهنا من البين. ثم إن أعظم # PageV06P119 # أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك ~~قال ووصينا الآية. وقد مر في «الروم» و «لقمان» . والكره بالضم، والفتح ~~المشقة أي ذات كره أو حملا ذاكره. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ~~ومعنى، والمقصود بيان مدة الرضاع. ولما كان منتهيا بالفصال صح التعبير عن ~~آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي ~~بالفصال. وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين [البقرة: 233] أن مدة الحمل ستة أشهر. # وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر عليا رضى ms4168 ~~الله عنه بذلك فمنعه محتجا بالآية فصدقه عمر وقال: لولا على لهلك عمر. # قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت ~~في المائة والأربع والثمانين ليلة. وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك. ~~وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكون الجنين زمانا مقدرا، فإذا ~~تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل ~~الجنين. وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوما فإذا أتى عليه مثل ~~ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو ~~مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة ~~وثلاثين يوما تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت ~~خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، ~~وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مر هذا المعنى في ~~هذا الكتاب. ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وانفصل في مائتين ~~وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدة الحمل فليس يعرف له دليل من ~~القرآن. وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس ~~من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولدا قد نبتت ~~أسنانه وعاش. وعن أرسطاطاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى ~~الإنسان. هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة ~~أشهر أرضعته أحدا وعشرين شهرا. وعلى هذا قوله حتى إذا بلغ أشده أكثر ~~المفسرين كما مر في آخر «الأنعام» وأول «يوسف» و «القصص» . على أن وقت ~~الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة ~~تقريبا، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في ~~الانتفاص، والقوة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن ~~النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول رب أوزعني أي ms4169 ألهمني ~~ووفقني كما مر في «النمل» . # PageV06P120 # قال علماء المعاني: قوله في ذريتي كقوله «يجرح في عراقيبها نصلي» فكأنه ~~سأل أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنة له. وقوله أحسن ما عملوا إما بمعنى ~~الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح. وقوله في أصحاب الجنة في موضع ~~الحال أي معدودين فيهم. عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في ~~أبي بكر الصديق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة ~~دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالده ~~وبنوه وبناته غير أبي بكر. قالوا: # ومما يؤيد هذا القول أنه سبحانه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين ~~سنة رب أوزعني إلخ. ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول. والأظهر أن ~~هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون ~~واردا على طريقة الإرشاد والتعليم. سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب. قوله والذي قال مبتدأ خبره أولئك والمراد بالذي جنس القائل فلذلك ~~أورد الخبر مجموعا. ويجوز أن يكون الخبر عاما في القائل وفي أمثاله فيندرج ~~فيه القائل. وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل. عن الحسن وقتادة: هو ~~الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وذهب السدي إلى أن الآية نزلت في عبد ~~الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول لوالديه أف لكما وهي كلمة تضجر ~~وتبرم كما مر في «سبحان» و «الأنبياء» أتعدانني أن أخرج من القبر وقد خلت ~~القرون من قبلي فلم يرجع أحدهم وهما # يعني أبويه يستغيثان الله أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد ~~يسألانه أن يوقفه للإيمان ويقولان له ويلك آمن بالله وبالبعث. والمراد ~~بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك. # قال السدي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم ~~نزل فيه ولكل درجات مما عملوا وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه سبحانه ~~قال فيه أولئك الذين حق عليهم القول كائنين في أمم ms4170 إلى آخره. وأن عبد ~~الرحمن لم يبق كافرا بل كان من سادات المسلمين. وروي عن عائشة إنكاره أيضا. ~~وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ~~ليزيد، رد عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ~~والذي قال لوالديه فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن ~~أباك وأنت في صلبه. ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ولكل أي من ~~الجنسين درجات من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو ~~الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مر. والاستكبار ~~عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأول أولى بالتقديم لعظم ~~موقعه. وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع. قال مؤلف # PageV06P121 # الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله تعالى قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق [الأعراف: 32] ولكن التقشف ~~وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا ~~الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضا إلى أن يقع المرء في حد البعد عن ~~الله. # وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة وهم ~~يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها ورقاعا فقال: أنتم اليوم خير أم يوم ~~يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر ~~البيت كما تستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. قال: بل أنتم اليوم خير. # وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا ولكنني أستبقي طيباتي ~~لأن الله وصف قوما فقال أذهبتم طيباتكم وعنه أن رجلا دعاه إلى طعام فأكل ثم ~~قدم شيئا حلوا فامتنع وقال: # رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال أذهبتم الآية. فقال الرجل: اقرأ يا ~~أمير المؤمنين ما قبلها ويوم يعرض الذين كفروا ولست منهم فأكل وسره ما سمع. ~~والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من ms4171 الطيبات إلا الذي أصابه في ~~دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له ~~منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب. ### | [سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى 35] # واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ~~ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا ~~لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (22) قال إنما العلم ~~عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه ~~عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم (24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين (25) # ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) وإذ صرفنا إليك نفرا ~~من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم ~~منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما ~~بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) # يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب ~~أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه ~~أولياء أولئك في ضلال مبين (32) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ~~(33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ~~ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم ms4172 يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ ~~فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (35) # PageV06P122 ### | القراآت: # إني أخاف بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف. # لا يرى بالياء التحتانية مبنيا للمفعول إلا مساكنهم بالرفع: عاصم وحمزة ~~وخلف وسهل ويعقوب. الباقون لا ترى على خطاب كل راء مساكنهم بالنصب بل ضلوا ~~بإدغام اللام في الضاد: علي. وإذ صرفنا بإدغام الذال في الصاد وكذا ما ~~يشبهه: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو يقدر ~~فعلا مضارعا من القدرة: سهل ويعقوب. ### | الوقوف: # عاد ط لأن «إذ» يتعلق بأذكر محذوفا وهو مفعول به. هذا قول السجاوندي، ~~وعندي أن لا وقف. وقوله «إذ» بدل الاشتمال من أخا عاد. إلا الله ط عظيم ه ~~آلهتنا ج لتناهي الاستفهام مع تعقيب الفاء الصادقين ه عند الله ز لاختلاف ~~الجملتين لفظا ولكن التقدير وأنا أبلغكم تجهلون ه ممطرنا ط لتقدير القول به ~~ط لأن التقدير هذه ريح أليم ه لا لأن ما بعده صفة مساكنهم ط المجرمين ه ~~وأفئدة ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام ~~يستهزؤن ه يرجعون ه آلهة ج لتمام الاستفهام عنهم ج لعطف الجملتين يفترون ه ~~القرآن ج لكلمة المجازاة مع الفاء أنصتوا ج لذلك منذرين ه مستقيم ه أليم ه ~~أولياء ط مبين ه الموتى ط قدير ه النار ط لتقدير القول بالحق ط وربنا ط ~~تكفرون ه لهم ط يوعدون ه لا لأن ما بعده خبر «كأن» نهار ط بلاغ ج للاستفهام ~~مع الفاء الفاسقون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر ~~الكلام إليه، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا ~~عاد لأنه واحد منهم. # والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا ~~اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنذر جمع ~~نذير مصدر أو # PageV06P123 # صفة. الواو في قوله وقد خلت إما أن تكون ms4173 للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون ~~بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضا والمعنى واذكروا وقت ~~إنذار هود قومه ألا تعبدوا إلا الله وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر ~~عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله لتأفكنا أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا. قوله إنما ~~العلم عند الله أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى ~~لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأي جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى ~~الكذب. ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله ~~فلما رأوه عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله عارض أي سحاب عرض في ~~نواحي السماء. والإضافة في قوله مستقبل أوديتهم وممطرنا لفظية ولهذا صح ~~وقوعها صفة للنكرة. والتدمير الإهلاك والاستئصال. وفي قوله بأمر ربها إشارة ~~إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب ~~بالاستقلال. # ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب ~~الخارجية عليهم فقال ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه قال المبرد: «ما» ~~موصولة و «إن» نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه. وقال ابن قتيبة: «إن» زائدة ~~وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ~~ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، ~~وعند تساويهما يفوت هذا المقصود. وقيل: «إن» للشرط والجزاء مضمر أي في الذي ~~إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر. قوله من شيء أي شيئا من الإغناء وهو القليل ~~منه. وقوله إذ كانوا ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك «ضربته إذ أساء» ~~. قوله من القرى يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز ~~واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها. قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه ~~للماضين لقوله لعلهم يرجعون عن شركهم، والأولون حملوه على الالتفات. ثم ~~وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم. فقوله آلهة مفعول ثان ل ~~اتخذوا والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى ms4174 الذين وقربانا حال أو مفعول له ~~أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم. والقربان مصدر أو اسم لما ~~يتقرب به إلى الله عز وجل. ويجوز أن يكون قربانا مفعولا ثانيا وآلهة بدلا ~~أو بيانا. قوله وذلك إفكهم أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة ~~محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله. # وحين بين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضا ~~كذلك. # وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما # عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق # PageV06P124 # فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض. فذهبوا ~~يطلبون السبب فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يصلي بأصحابه أو ~~منفردا. فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ ~~فيها سورة «اقرأ» فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب. # وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه. ~~والقول الثاني # أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن ~~على الجن فأيكم يتبعني؟ فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك. قال: فسمعت ~~لغطا شديدا حتى خفت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم علا بالقرآن أصواتهم. ~~فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن اللغط فقال: اختصموا إلي ~~في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم. # وفي رواية أخرى عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أمعك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر. فاستدعاه ~~فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور. # واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى. وقال ~~عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة. ~~وقيل: # اثني عشر ألفا. # ولنرجع إلى التفسير. قوله ms4175 وإذ صرفنا معطوف على قوله اذكر أخا عاد إذ أنذر ~~ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار. والضمير ~~في حضروه للنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن قالوا أي قال بعضهم لبعض ~~أنصتوا والإنصاف السكوت لاستماع الكلام فلما قضي أي فرغ النبي صلى الله ~~عليه وسلم من القراءة. وإنما قالوا أنزل من بعد موسى لأنهم كانوا يهودا أو ~~لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس أجيبوا داعي الله عنوا رسول الله ~~أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم، ومنه ~~يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن أيضا وهذا من جملة ~~خصائصه. وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم وآمنوا به لأن ~~الإيمان أشرف أقسام التكاليف. و «من» في قوله من ذنوبكم للتبعيض فمن الذنوب ~~ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في «إبراهيم» . واختلفوا في أن الجن ~~هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله ويجركم من ~~عذاب أليم وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ~~ويأكلون ويشربون. وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب. قوله ~~فليس بمعجز أي لا يفوته هارب. قوله ولم يعي يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف ~~وجهه. قوله بقادر في محل الرفع لأنه خبر «أن» وإنما دخلت الباء لاشتمال ~~الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ والمقصود تأكيد ما مر في أول ~~السورة من # PageV06P125 # دلائل البعث والنبوة. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم وقوله من الرسل بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في ~~تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على ~~النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على ~~السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم ~~يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضبا، ms4176 وقال الله تعالى في حق آدم ولم نجد له ~~عزما [طه: 115] ولا تستعجل لهم أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه ~~نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا ~~أنها ساعة من نهار هذا الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة ~~«إبراهيم» عليه السلام. # PageV06P126 ### | (سورة محمد صلى الله عليه وآله) # (وهي مدنية حروفها ألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون كلماتها خمسمائة ~~وأربعون آياتها ثمان وثلاثون) ### | [سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح ~~بالهم (2) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع ~~الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم (4) # سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6) يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم ~~وأضل أعمالهم (8) ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (9) # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها (10) ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين ~~لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى ~~لهم (12) وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر ~~لهم (13) أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم ~~(14) # مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها ms4177 من كل ~~الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ~~(15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16) ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (18) # PageV06P127 ### | القراآت: # والذين قتلوا مبنيا للمفعول ثلاثيا: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص. # الباقون قاتلوا. ويثبت من الإثبات: المفضل. الباقون: بالتشديد أسن بغير ~~الألف كحذر: ابن كثير أنفا بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن ~~قنبل. ### | الوقوف: # أعمالهم ه بالهم ه من ربهم ط أمثالهم ه الرقاب ط الوثاق لا للفاء ولتعلق ~~بعد بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق أوزارها ج ذلك ط أي ذلك كذلك، وقد ~~يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ~~ذلك، أو فعلوا ذلك ببعض ط أعمالهم ه بالهم ه ج للآية مع العطف واتحاد ~~الكلام لهم ه أقدامكم ه أعمالهم ه ج من قبلهم ط لتناهي الاستخبار عليهم ج ~~للابتداء بالتهديد مع الواو أمثالها ه لهم ه الأنهار ط لهم ه أخرجتك ج ~~لاحتمال أن ما بعده صفة قرية أو ابتداء إخبار لهم ه أهواءهم ه المتقون ط ~~للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها. آسن ج طعمه ج للشاربين ~~ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف مصفى ج من ربهم ط لحذف المبتدأ والتقدير ~~أفمن هذا حاله كمن هو خالد أمعاءهم ه إليك ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء ~~وللابتداء آنفا ط أهواءهم ه تقواهم ه بغتة ه لتناهي الاستفهام مع مجيء ~~الفاء بعده في الإخبار أشراطها ج لعكس ما مر ذكراهم ه. ### | التفسير: # قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك ~~الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟ فأجاب الذين كفروا وصدوا منعوا الناس عن ms4178 ~~الإيمان صدا أو امتنعوا عنه صدودا أضل الله أعمالهم أي أبطل ثوابها وكانوا ~~يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام. وعن ابن عباس أنها ~~نزلت في المطعمين يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب. والأظهر العموم. قال جار ~~الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة ~~من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم ~~مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن. وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد ~~للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله. وحين بين ~~حال الكفار بين حال المؤمنين قائلا والذين آمنوا وعملوا الصالحات بالهجرة ~~والنصرة وغير ذلك وآمنوا بما نزل على محمد يعني القرآن وهو تخصيص بعد ~~تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة ~~اعتراضية هي قوله وهو الحق من ربهم ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين # PageV06P128 # محمد صلى الله عليه وسلم لا يرد عليه النسخ أبدا. وتكفير السيئات من ~~الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات [الفرقان: 7] والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو بمعنى ~~القلب أي يصلح أمر دينهم. والحاصل أن قوله وآمنوا بما نزل على محمد بإزاء ~~قوله وصدوا عن سبيل الله فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك ~~فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل ~~بقوله ذلك الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك ~~الحق محمدا والقرآن كذلك أي مثل ذلك الضرب يضرب الله للناس كلهم أمثال ~~أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل ~~الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل ~~الكفار واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين ~~بغير تصريح مثل ms4179 لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل. وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة ~~الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين. وقيل: # إن قوله كذلك لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال ~~الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك ~~نهاية الإيضاح فقال كذلك أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين ~~أحوالهم. قال أصحاب النظم: لما بين أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته ~~باعتبار عمله نتج من ذلك قوله فإذا لقيتم الذين كفروا أي في دار الحرب أو ~~في القتال فضرب الرقاب وأصله فأضربوا الرقاب ضربا إلا أنه اختصر للتوكيد ~~لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني. وليس ضرب ~~الرقبة مقصودا بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع ~~القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ. وفيه رد على من زعم أن القتل بل ~~إيلام الحيوان قبيح مطلقا لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر ~~والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر ~~بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن. حتى إذا أثخنتموهم أكثرتم قتلهم ~~وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم ~~النهوض وقد مر في آخر «الأنفال» . فشدوا الوثاق وهو بالفتح والكسر اسم ما ~~يوثق به والمراد فأسروهم وشدوهم بالحبال والسيور. # فإما تمنون منا وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول ~~المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلا لأثر مضمون جملة متقدمة. وقال الشافعي: ~~للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمن وهو الإطلاق من ~~غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال. لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى # PageV06P129 # رجلا برجلين من المشركين. وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة. وأن ~~المن والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها فاقتلوا المشركين [التوبة: 5] ~~وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق. وعن مجاهد: ليس اليوم من ولا فداء ~~إنما ms4180 هو الإسلام أو ضرب العنق. وقوله حتى تضع يتعلق بالضرب والشد أو بالمن ~~والفداء. والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون ~~حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها ~~التي لا تقوم الحرب إلا بها. قال الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا # فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها. وقيل: أوزارها آثامها والمضاف ~~محذوف أي حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا. # وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى ~~تقدير المضاف. وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى عليه السلام. # عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك من عاش منكم أن ~~يلقى عيسى عليه السلام إماما هاديا وحكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ~~وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر» «1» # وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى ~~تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن ~~والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر. ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار ~~عن الاستعانة بأحد فقال ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم بغير قتال أو بتسليط ~~الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ولكن أمركم بقتالهم ليبلوا بعضكم ببعض فيمتحن ~~المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين ~~بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاما للحجة وقطعا للمعاذير. ومعنى ~~الابتلاء من الله سبحانه قد مر مرارا أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، ~~أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين. # ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله والذين قتلوا أو قاتلوا على القراءتين ~~فلن يضل أعمالهم خلاف الكفرة سيهديهم إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ويصلح ~~بالهم أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأول سبب النعيم، ~~والثاني نفس PageV06P130 # النعيم ويدخلهم الجنة عرفها لهم جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في ms4181 الجنة ~~كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا. وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه ~~عرفها بوصفها في القرآن. وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. ثم حث ~~على نصرة دين الله بقوله يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله أي دينه أو ~~رسوله ينصركم على عدوكم ويفتح لكم ويثبت أقدامكم في مواقف الحرب أو على ~~جادة الشريعة والذين كفروا حالهم بالضد. يقال: تعسا له في الدعاء عليه ~~بالعثار والتردي. عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهوي في ~~جهنم. وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعا والتقدير: أتعسهم الله ~~فتعسوا تعسا ولهذا عطف عليه قوله وأضل أعمالهم ثم بين سبب بقائهم على الكفر ~~والضلال بقوله ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله من القرآن والتكاليف لألفهم ~~بالإهمال وإطلاق العنان فأحبط أعمالهم التي لا استناد لها إلى القرآن أو ~~السنة. # ثم هددهم بحال الأقدمين وهو ظاهر. ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك ~~مطلقا، والأول إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره وللكافرين ~~أمثالها الضمير للعاقبة أو العقوبة. والأول مذكور، والثاني مفهوم بدلالة ~~التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط ~~في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء. والقتل والأسر نوع من ~~التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ذلك النصر والتعس بأن الله مولى ~~الذين آمنوا أي وليهم وناصرهم وأن الكافرين لا مولى لهم بمعنى النصرة ~~والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله وردوا إلى ~~الله مولاهم الحق [يونس: 30] ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته ~~مختصة بالمؤمنين فقال إن الله يدخل الآية. فشبه الكافرين بالأنعام من جهة ~~أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل ~~بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ~~ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم. ثم زاد في تهديد قريش ~~بقوله وكأين من قرية أي أهل قرية هم أشد ms4182 قوة من أهل قريتك التي أخرجتك ~~تسببوا لخروجك. وقوله فلا ناصر لهم حكاية تلك الحال كقوله وكلبهم باسط ~~[الكهف: 18] ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق ~~الإنكار أفمن كان على بينة معجزة ظاهرة وحجة باهرة من ربه يريد محمدا وأمته ~~قوله واتبعوا محمول على معنى «من» وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من ~~الرب تأكيد لها. وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين ~~جزائهما فقال مثل الجنة أي صفتها العجيبة الشأن. وفي إعرابه وجهان: أحدهما ~~ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف ~~الاستفهام، والتقدير: # PageV06P131 # أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟ ~~وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوي بين ~~الفريقين. وقوله فيها أنهار كالبدل من الصلة أو حال. والآسن المتغير اللون ~~أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصورا، واللذة صفة أو مصدر ~~وصف به كما مر في «الصافات» ، والباقي ظاهر. قال بعض علماء التأويل: لا شك ~~أن الماء أعم نفعا للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم ~~الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن ~~في أول التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر ~~والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقة السببية إلا أن ~~الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية. والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن ~~هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع. فالعقل ~~الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن ~~لكونه ضروريا في أول النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن ~~حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلا عنه غير ~~ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة ~~العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق ~~للزوجته ودسومته والتصاقه والله تعالى أعلم ms4183 بمراده. وقوله ومغفرة من ربهم ~~إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن ~~أن يقال: # إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟ والجواب أن ~~المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن ~~حلالها حساب وحرامها عذاب. ثم ذكر نوعا آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل ~~أراد المنافقين فقال ومنهم من يستمع إليك كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم حتى إذا خرجوا ~~انصرفوا وخرج المسلمون من عندك يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض ~~الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أي شيء قال محمد آنفا أي في ~~ساعتنا هذه. وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم «استأنفت الأمر» ابتدأته. ولا ~~يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى. وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال ~~استهزاء وإعلام أنهم لم يلتقتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه ~~لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله. ثم مدح أهل الحق ~~بقوله والذين اهتدوا بالإيمان زادهم الله هدى بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ~~ونور اليقين وآتاهم تقواهم أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: ~~بين لهم ما يتقون. وقيل: الضمير في زادهم للاستهزاء أو لقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. ثم خوف أهل الكفر # PageV06P132 # والنفاق باقتراب القيامة. وقوله أن تأتيهم بدل اشتمال من الساعة وأشراط ~~الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره. ومنه مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإنه نبي آخر الزمان ولهذا # قال «بعثت أنا والساعة كهاتين» # وأشار بالسبابة والوسطى فأنى لهم من أين لهم إذا جاءتهم الساعة ذكراهم أي ~~لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ وفأنى لهم الخبر. وقيل: ~~فاعل جاءتهم ضمير يعود إلى «الذكرى» . وجوز أن يرتفع «الذكرى» بالفعل ~~والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟ والقول هو الأول ~~ولله المرجع والمآب وإليه المصير. ### | [سورة محمد ms4184 (47) : الآيات 19 الى 38] # فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم ~~متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة ~~محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا ~~الله لكان خيرا لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم (23) # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (24) إن الذين ارتدوا على ~~أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم (25) ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم (27) ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (28) # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ~~(30) ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم (31) إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33) # إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~(34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم (35) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ~~ولا يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) ها ~~أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل ~~عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم (38) # PageV06P133 ### | القراآت: # وتقطعوا بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب. والآخرون: بالتشديد من التقطيع. ~~وأملى لهم مبنيا للمفعول ماضيا: أبو عمرو ويعقوب وأملى مضارعا مبنيا ~~للفاعل: سهل ورويس. الباقون: ماضيا مبنيا للفاعل إسرارهم بكسر الهمز على ms4185 ~~المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد وليبلونكم حتى يعلم ويبلوا ~~بالياءات: أبو بكر وحماد. الآخرون: بالنون في الكل. وقرأ يعقوب ونبلو ~~بالنون مرفوعا السلم بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد. ### | الوقوف: # والمؤمنات ط ومثواكم ه نزلت سورة ج للشرط مع الفاء القتال لا الموت ط ~~للابتداء بالدعاء عليهم لهم ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما ~~يجيء معروف قف الأمر ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ~~خيرا لهم ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء أرحامكم ه أبصارهم ه أقفالها ه ~~الهدى لا لأن الجملة بعده خبر «إن» سول لهم ط لأن فاعل وأملى ضمير اسم الله ~~ويجوز الوصل على جعله حالا أي وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من ~~حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز وأعزم. والحال على قراءة وأملى بفتح ~~الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ~~ينعطف على الماضي. ومع ذلك لو جعل حالا على تقدير وأنا أملى جاز لهم ه ~~الأمر ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا والوقف أجوز لأن الله يعلم ~~الأسرار في الأحوال كلها إسرارهم ه وأدبارهم ه أعمالهم ه أضغانهم ه بسيماهم ~~ط للابتداء بما هو جواب القسم القول ط أعمالكم ه والصابرين ط لمن قرأ ~~ونبلوا بسكون الواو أي ونحن نبلو أخباركم ه الهدى لا لأن ما بعده خبر «إن» ~~شيئا ط أعمالهم ه أعمالكم ه لهم ه إلى السلم قف قد قيل: على أن قوله وأنتم ~~مبتدأ، وجعله حالا أولى الأعلون قف كذلك أعمالكم ه قف ولهو ط أموالكم ه ~~أضغانكم ه سبيل الله ج لانقطاع النظم مع الفاء من يبخل ج لابتداء الشرط مع ~~العطف عن نفسه ط الفقراء ه للشرط مع العطف غيركم لا للعطف أمثالكم ه. ### | التفسير: # لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: # فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن ms4186 هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب ~~أمتك. أو # PageV06P134 # المراد فاعلم خبرا يقينا على ما علمته نظرا واستدلالا. أو أراد فاذكر لا ~~إله إلا الله. والهاء في أنه لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول ~~الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية ~~بعد الحكمة النظرية. عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه ~~الآية. وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم. والفاءات في هذه الآية وما تقدمها ~~لعطف جملة على جملة بينهما اتصال. وفي الآية نكتة وهي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب ~~العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع ~~غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها ~~الشفاعة. ثم قال والله يعلم متقلبكم ومثواكم فقيل: التقلب في الأسفار ~~والمثوى في الحضر. وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل. وقيل: ~~الأول في الدنيا والثاني في الآخرة. وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب ~~الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو ~~النار. والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق ~~الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفا من التقصير في العبودية. ثم ~~ذكر طرفا آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، ~~وذلك أنهم كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم لولا نزلت سورة ~~في باب القتال فإذا أنزلت سورة محكمة مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ~~وذكر فيها القتال عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدها ~~على المنافقين. قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون ~~أدل على حرصهم فيكون أبلغ في باب التوبيخ. قوله فأولى لهم كلمة تحذير أي ~~وليك شر فاحذره. هذه عبارة كثير من المفسرين. وقال المبرد: يقال للإنسان ~~إذا كاد يعطب ثم يفلت: ms4187 أولى لك. أي قاربت العطب ثم نجوت. # وهو في الفرقان على معنى التحذير. وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم ~~والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى ~~من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على لهم كما أشير ~~إليه في الوقوف. # واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض [الأنفال: 75] والأصح أنه فعل متعد من ~~الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال. ويحتمل أن ~~يكون «فعلى» من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره. ثم حثهم على الامتثال ~~بقوله طاعة وقول معروف أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع ~~عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ ~~محذوف كما مر في سورة النور في قوله طاعة معروفة # PageV06P135 # [الآية: 53] ويجوز أن يكون أمرا للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف. ~~فإذا عزم الأمر أي جد وصار معزوما عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب ~~أمر القتال. ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله فهل عسيتم هو من أفعال ~~المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في «البقرة» في قوله عسى أن تكرهوا شيئا ~~وهو خير لكم [الآية: 216] فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في ~~التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم إن توليتم وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور ~~الناس أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ~~وتقطعوا أرحامكم بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في ~~الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن ~~بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك ~~العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله سبحانه بأنهم إن ~~ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل ms4188 والنهب ~~وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية. ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر ~~عليه حالهم فقال أولئك الذين لعنهم الله بعدهم عن رحمته. ثم بين نتيجة ~~اللعن قائلا فأصمهم أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا وأعمى ~~أبصارهم أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات. قال بعض ~~العلماء: # إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا ~~يتفاوت بوجودها وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن. وأما الرؤية فتتعلق بالبصر ~~نفسه، فالتأكيد هناك إنما يحصل بترك ذكر الأذن وهاهنا بذكر الأبصار والله ~~أعلم. قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين ~~وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي. فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة ~~في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها. # سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله أفلا يتدبرون القرآن؟ # وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز. ويمكن أن يقال: لما ~~أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله ~~أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها ~~مقفلة. قال جار الله: إنما نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين ~~أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها. وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب ~~لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا ~~تنفتح. ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما ~~تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال إن الذين ارتدوا ~~الآية. # PageV06P136 # ذلك الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال ~~اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريظة والنضير، أو قاله اليهود ~~أو المنافقون للمشركين سنطيعكم في بعض الأمر الذي يهمكم كالتظافر على عداوة ~~محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب ~~محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام ms4189 وإنكار المعاد والله يعلم إسرارهم ~~فلذلك أفشى الذي قالوه سرا فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ~~فكيف يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت يضربون وجوههم وأدبارهم ~~التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت ~~وأدبارهم عند السوق إلى النار. وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين ~~الهرب ذلك الإذلال والإهانة بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه كأنهم ~~ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا ~~عما فيه رضا الله. وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك ~~والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين. وإنما قال ما أسخط الله ولم يقل «ما ~~أرضى الله» لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر ~~المترتب على شيء. ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله أم حسب وهي منقطعة. ~~والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة. وإخراج الأضغان إبرازها للرسول ~~صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما قال ولو نشاء لأريناكهم أي لو شئنا ~~أريناك أماراتهم فلعرفتهم كررت لام جواب «لو» في المعطوف لأجل المبالغة ~~بسيماهم بعلامتهم. عن أنس أنه ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم ~~يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب «هذا ~~منافق» . ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق ~~كقولهم لئن رجعنا إلى المدينة [المنافقون: 8] إن بيوتنا عورة [الأحزاب: 13] ~~أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ~~ومن الناس من يقول [البقرة: 8] ومنهم من عاهد الله [التوبة: 75] وحقيقة ~~اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. # وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض ~~والتورية قال: # ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب # ويقال للمخطئ لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال الكلبي: لحن القول ~~كذبه. ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند ms4190 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~عرفه. وعن ابن عباس هو قولهم # PageV06P137 # ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب والله ~~يعلم أعمالكم فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ولنبلونكم أي ~~لنأمرنكم بما لا يكون متعينا للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل ~~المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب. ونبلوا أخباركم ~~التي تحكي عنكم كقولكم آمنا بالله وباليوم الآخر [البقرة: 8] أو عهودكم ~~كقوله ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار [الأحزاب: 15] أو ~~أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله والمرجفون في المدينة ~~[الأحزاب: 60] عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا ~~تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا. ثم أنزل في اليهود من ~~قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر إن الذين كفروا الآية. ~~وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو إطعامهم. ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ~~بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء ~~وبالمن والأذى. عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~يرون إنه لا يضر مع «لا إله إلا الله» ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى ~~نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن قتادة: رضي الله عن ~~عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا ~~بطلت فإن فضل الله باق يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال إن الذين ~~كفروا الآية. # قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن والده وقال: إنه ~~كان محسنا في كفره. # وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر. فلا تهنوا لا تضعفوا ولا تجبنوا ~~وتدعوا إلى السلم أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح. ويجوز أن يكون منصوبا ~~بإضمار «أن» بعد الواو في جواب النهي وأنتم الأعلون الغالبون المستولون ~~عليهم ms4191 والله معكم بالنصرة والكلاءة ولن يتركم أعمالكم أي لن ينقصكم جزاء ~~أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ~~ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله. # وفي الحديث «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» «1» # وهو من فصيح الكلام. ثم زادهم حثا على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم ~~وبأنه سبحانه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود ~~PageV06P138 # فائدتها عليهم كما # قال «خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم» # قوله ولا يسئلكم أموالكم أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، ~~أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زادا لكم في المعاد. وقيل: لا ~~يسألكم أموالكم رسولي لنفسه. وقيل: إنهم لا يملكون شيئا وإن المال مال الله ~~وهو المنعم بإعطائه. والقول هو الأول لقوله إن يسئلكموها فيحفكم أي يجهد كم ~~يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافيا مما في ملكه أي ~~عاريا تبخلوا ويخرج الإحفاء أو الله تعالى على طريق التسبب أضغانكم أي ~~تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين. ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج ~~كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض فمنكم من يبخل و «ها» للتنبيه وكرر مع ~~أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء ~~الموصوفون. # ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به. وقيل: هؤلاء موصول صلته تدعون ~~وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في «البقرة» و «آل عمران» . ثم قبح أمر البخل ~~بقوله ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه أي وباله على نفسه أو عن داعى ربه. قال ~~في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه. وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا ~~التفسير. نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقا. ثم مدح نفسه بالغنى المطلق ~~وبين بقوله وأنتم الفقراء أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى ~~الثواب. ثم ms4192 هددهم بقوله وإن تتولوا وهو معطوف على وإن تؤمنوا ومعنى يستبدل ~~قوما غيركم يخلق قوما سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى ~~كقوله إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد [فاطر: 16] ومعنى «ثم» التراخي في ~~الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم. وقيل: في جميع الأحوال. وعن ~~الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوما وهم ~~العرب أهل اليمن أو العجم. قاله الحسن وعكرمة لما # روي أو رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه ~~فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا ~~بالثريا لتناوله رجال من فارس # والله تعالى أعلم. # PageV06P139 ### | (سورة الفتح) # (مدنية حروفها ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون كلماتها خمسمائة وستون ~~آياتها تسع وعشرون) ### | [سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 29] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (4) # ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله ~~عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (6) ولله جنود السماوات والأرض ~~وكان الله عزيزا حكيما (7) إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ~~ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (10) سيقول ~~لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب ~~الرسول ms4193 والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا ~~(13) ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله ~~غفورا رحيما (14) # سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل ~~تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل للمخلفين من الأعراب ستدعون ~~إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا ~~حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى ~~حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ~~وأثابهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19) # وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ~~ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا عليها قد ~~أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا (21) ولو قاتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها وكان الله بكل شيء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد ms4194 الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ~~وأجرا عظيما (29) # PageV06P140 ### | القراآت: # ليؤمنوا ويعزروه ويوقروه ويسبحوه بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو. ~~وعليه الله بضم الهاء: حفص فسنؤتيه بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن ~~عامر. الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله سبحانه شغلتنا بالتشديد: ~~قتيبة # PageV06P141 # ضرا بالضم كلم الله على الجمع: حمزة وعلي وخلف بل ظننتم بالإدغام: علي ~~وهشام بل تحسدوننا مدغما: حمزة وعلي وهشام. ندخله ونعذبه بالنون فيهما: # أبو جعفر ونافع وابن عامر بما يعملون بصيرا بياء الغيبة: أبو عمرو الرؤيا ~~بالإمالة: # ابن عامر وعلي وهشام شطأه بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي ~~والقواس. # الباقون: ساكنة الطاء. ### | الوقوف: # مبينا ه لا مستقيما ه لا على احتمال الجواز هاهنا لتكرار اسم الله ~~بالتصريح عزيزا ه إيمانهم ط والأرض ط حكيما ه لا لتعلق اللام سيئاتهم ط ~~عظيما ه لا للعطف ظن السوء ط دائرة السوء ج لعطف الجملتين المختلفتين جهنم ~~ط مصيرا ه والأرض ط حكيما ه ونذيرا ه لا وتوقروه ط للفصل بين ضمير اسم الله ~~وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله وأصيلا ه يبايعون ~~الله ط أيديهم ج ط للشرط مع الفاء على نفسه ج للعطف مع الشرط عظيما ه ~~فاستغفر لنا ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال قلوبهم ط نفعا ط خبيرا ه ~~بورا ه سعيرا ه الأرض ط من يشاء ط رحيما ه نتبعكم ج لأن ما بعده حال عامله ~~سيقول أو مستأنف ms4195 كلام الله ط من قبل ج للسين مع الفاء تحسدوننا ط قليلا ه ~~يسلمون ه حسنا ج أليما ه المريض حرج ط لأن الواو للاستئناف الأنهار ج أليما ~~ه قريبا ه لا يأخذونها ط حكيما ه عنكم ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف ~~والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون ~~مستقيما ه لا للعطف بها ج قديرا ه نصيرا ه تبديلا ه عليهم ط بصيرا ه محله ط ~~بغير علم ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل من يشاء ج لاحتمال أن جواب «لولا» ~~محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جوابا للأولى أليما ه وأهلها ط عليما ه بالحق ~~ج لحق حذف القسم آمنين لا مقصرين لا لأنها أحوال متابعة لا تخافون ط لأن ~~قوله فعلم بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله صدق الله قريبا ه ~~كله ط شهيدا ه رسول الله ج لأن ما بعده مستأنف ورضوانا ز لأن سيماهم مبتدأ ~~غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين السجود ط الإنجيل ج ~~لاحتمال أن التقدير هم كزرع الكفار ط عظيما ه. ### | التفسير: # الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر ~~به. والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية. # عن أنس قال: لما رجعنا عن # PageV06P142 # الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله ~~إنا فتحنا فقال صلى الله عليه وسلم: لقد أنزل علي آية هي أحب إلي من الدنيا ~~كلها. والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجاء بالماء حتى عمهم. # وعن ابن شهاب: # لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس. وقال ~~الشعبي: أصاب النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، ~~بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ms4196 ~~وظهرت الروم على فارس، وكان صلى الله عليه وسلم وعد به فصح صدقه وأطعم نخل ~~خيبر. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور ~~بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصدا نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو ~~البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظنا منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون ~~إلى أهليهم أبدا. واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة ~~قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفا ~~وثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت ~~إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح. # فلما رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت ~~قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوها وأسرابا خليقا أن ~~يفروا ويدعوك؟ فشتمه أبو بكر. فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى ~~وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب ~~محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه ~~وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا ~~تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدون النظر إليه تفخيما، وإنه قد عرض ~~عليكم خطة رشد فاقبلوها منه. فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو ~~المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة سنته بل ~~يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه «بسم الله الرحمن الرحيم» . قال سهيل: ما نعرف «الرحمن الرحيم» ~~اكتب في قضيتنا ما نعرف «باسمك اللهم» . ولما كتب «هذا ما صالح محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» . قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب ~~محمد بن عبد الله. فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4197 وأمرهم بالإجابة فكتب «هذا ما صالح محمد بن ~~عبد الله قريشا على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي ~~من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازا إلى مصر والشام ~~أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمدا من ~~قريش فهو إليهم رد، ومن جاءهم من # PageV06P143 # أصحاب محمد فهو لهم» فاشتد ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم ~~الله منه الإسلام جعل له مخرجا. فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا # يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح. وقيل: كان هذا الفتح ~~عن ترام بالحجارة ولم يكن قتال شديد. وقيل: المراد به فتح مكة، وعده الله ~~ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله. وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل ~~للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدي إلى الثقة. وقيل وهو قول ~~قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكمنا لك ~~بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله. قال أهل النظم: لأول ~~هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدمة وذلك أنه قال ها أنتم هؤلاء ~~تدعون لتنفقوا [محمد: 38] إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ~~ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد. وأيضا ~~لما قال وأنتم الأعلون [محمد: 35] بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة ~~وكان في قوله وتدعوا إلى السلم [محمد: 35] إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية ~~من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح. # سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟ الجواب الغاية ~~هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من ~~الفتوح ليجمع ms4198 لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن تكون ~~الفتوح من حيث إنها جهاد للعدو سببا للغفران والثواب. قال جار الله: وقيل: ~~تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله إذا جاء نصر الله ~~والفتح إلى قوله واستغفره [النصر: 1- 3] وقيل: # إن فتح مكة كان سببا لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب ~~لتطهير عبده. # وأيضا بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما # ورد في الأخبار «خرج كيوم ولدته أمه» . «1» # وأيضا إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدوا لله، فلما ~~فتحت للرسول صلى الله عليه وسلم عرف أنه حبيب الله المغفور له. أما الذنب ~~فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهوا ~~أو عمدا. ومعنى ما تأخر أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوة وتأخر عنها. وقيل ~~ما تقدم ذنب أبويه آدم وحواء وما تأخر ذنب PageV06P144 # أمته. وقيل: أراد جميع الذنوب فحد أولها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة ~~كما تقول: # أعطى من رأى ومن لم يره. وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر ~~زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهرا. والأولى أن يقال: ما تقدم ~~النبوة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة ويتم نعمته عليك بإعلاء دينك وفتح ~~البلاد على يدك لقوله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي [المائدة: ~~3] ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي صلى الله عليه ~~وسلم عدو من قريش، فإن كثيرا منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا ~~واستأمنوا يوم الفتح. وقيل: إتمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب ~~الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة ويهديك صراطا مستقيما أي يثبتك ويهديك عليه ~~فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو ~~أمته. والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو ~~الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد. وفي ms4199 الآية تفخيم شأن ~~الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم. وثانيها لفظ ~~(لك) الدال على الاختصاص. وثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أولا وآخرا. ~~ثم بين سبب النصر بقوله هو الذي أنزل السكينة وهي السكون والوقار ~~والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في «البقرة» وفي «التوبة» ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم أي يقينا مع يقينهم أو إيمانا بالشرائع مع إيمانهم ~~بالله. وعن ابن عباس أن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، ~~فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج، أو ~~ازدادوا إيمانا استدلاليا مع إيمانهم الفطري. وعلى هذا ففائدة قوله مع ~~إيمانهم أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر ~~والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول. وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ~~ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان. ويحتمل أن يراد ~~بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة ~~والرجفة. وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو ~~أن الله تعالى لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكا، أو أنه لا يقدر على ~~إحياء الموتى. ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد ~~مر في سورة التوبة. قال بعض العلماء: ضم المؤمنات هاهنا إلى المؤمنين بخلاف ~~قوله قد أفلح المؤمنون [المؤمنون: 1] وبشر المؤمنين [الأحزاب: 47] ونحو ~~ذلك. والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات ~~لهم ذكرهن صريحا نفيا لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر ~~الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف. مثلا من المعلوم أن البشارة ~~والنذارة عامة للناس # PageV06P145 # قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة ~~يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدو والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، ~~فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله تعالى هذا الوهم، وكذا الكلام في ~~تعذيب المنافقات والمشركات. نكتة الجنود المذكورة أولا هي جنود ms4200 الرحمة ~~فكانوا سببا لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع ~~الكرامة لقوله ويكفر عنهم سيئاتهم ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما ~~قال وكان ذلك عند الله فوزا عظيما وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر ~~بتعذيبهم أولا على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أولا ثم يوبقهم في خبر ~~اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما ~~قال عليها ملائكة غلاظ شداد [التحريم: 6] ولا ريب أن كل ذلك على قانون ~~الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيها على أن إنزال السكينة ~~وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، ~~جارية على وفق الحكمة. وقرن العز بالحكمة ثانيا لأن العذاب والغضب وسلب ~~الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعا على ~~أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم. # ثم مدح رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة ~~فقال إنا أرسلناك شاهدا على أمتك ومبشرا ونذيرا وقد مر في سورة الأحزاب ~~مثله إلا أن قوله لتؤمنوا بالله ورسوله قائم مقام قوله هناك وداعيا إلى ~~الله بإذنه [الآية: 46] من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب ~~فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين. وقوله وتعزروه وتوقروه كلاهما ~~بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه. قوله هناك وسراجا منيرا وذلك أن ~~النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية. وقال جار الله: # الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم دينه ورسوله. وقوله وتسبحوه من التسبيح ~~أو من السبحة وهي صلاة التطوع. وبكرة وأصيلا للدوام أو المراد صلاة الفجر ~~والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس. إن الذين يبايعونك هي بيعة ~~الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة. وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد. ~~وسماها مبايعة تشبيها بعقد البيع نظيره إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~[التوبة: 111] إنما يبايعون الله لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة. ~~ثم أكد هذا المعنى بقوله يد الله فوق أيديهم قال ms4201 أهل المعاني: هذا تمثيل ~~وتخييل ولا جارحة هناك. وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق ~~إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا ~~علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم [الحجرات: 17] قال القفال: هو من # PageV06P146 # قوله صلى الله عليه وسلم «اليد العليا خير من اليد السفلى» «1» # يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم. وقيل: ~~اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله. وقيل: يد الله بمعنى الحفظ ~~فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما ~~حتى يتم البيع، والمراد أن الله تعالى يحفظهم على بيعتهم. ثم زجرهم من نقض ~~العهد وحثهم على الوفاء بقوله فمن نكث إلى آخره. والنكث والنقض أخوان. ~~وقوله فإنما ينكث على نفسه أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه. # قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ~~على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان ~~منافقا اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم. # ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقا وله ~~في السورة نظائر فقال سيقول لك المخلفون هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار. ~~وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتد بهم. والظاهر أنهم سموا بذلك ~~لأنه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا ~~استنفر الأعراب وأهل البوادي حذرا من قريش أن يصدوه عن البيت، فتثاقل كثير ~~من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك ~~فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اعتذروا وقالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا سل الله أن يغفر لنا ~~تخلفنا عنك وإن كان عن عذر فكذبهم الله بقوله يقولون بألسنتهم وقوله شيئا ~~من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعا إلا ما شاء الله. ms4202 وإنما قال هاهنا ~~بزيادة لفظة لكم لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف «المائدة» فإنه عام لقوله أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا [المائدة: 17] ثم رد قولهم ~~اللساني فقال بل كان الله بما تعملون خبيرا ثم رد اعتذارهم الواهي بقوله بل ~~ظننتم الآية. # والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله رحيما وفيه بيان كمال ~~قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتية ورحمته سابقة. وقوله سيقول ~~المخلفون إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي ~~وحده. وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم. # وقوله إلى مغانم هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصا من غاب منهم ومن حضر بدل تعب ~~السفر في العمرة التي PageV06P147 # صدهم المشركون عنها. وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس. ~~قالوا: # ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كسهم من حضر. # وكان انصراف النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ~~ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها ~~وغنم أموالا كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين ذرونا نتبعكم ~~فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا ~~أهل الحديبية وذلك قوله يريدون أن يبدلوا كلام الله فقال الله لنبيه قل لن ~~تتبعونا أي في خيبر. وقيل: عام في غزواته كذلكم قال الله من قبل أي قبل ~~انصرافهم إلى المدينة فسيقولون ردا على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم ~~به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردهم بقوله بل كانوا ~~لا يفقهون إلا فهما قليلا وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو ~~فهمهم من ms4203 قوله قل لن تتبعونا مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن ~~المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلا لأن الصادق قد أخبر بنفيه. وذهب ~~جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله هاهنا هو قوله في سورة ~~براءة لن تخرجوا معي أبدا [الآية: 83] واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي ~~كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي. وأجاب بعضهم بأن هذه ~~الآية أعني سيقول المخلفون نزلت في غزوة تبوك أيضا. وعندي أن الاعتراض غير ~~وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور. ثم إن الله سبحانه أخبر عن مخلفي ~~الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب. وقيل: هم هوازن ~~وغطفان. وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك. ~~والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل ~~الردة الذين حاربهم أبو بكر الصديق لأنه تعالى قال تقاتلونهم أو يسلمون ~~ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن ~~عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. هذا عند أبي ~~حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون ~~مشركي العجم والعرب. وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى ~~حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن ~~يزعم أنه نزل فيهم لن تخرجوا معي أبدا [التوبة: 83] اللهم إلا أن يقال: ~~المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، ~~أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد. ~~وقوله أو يسلمون رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون. # ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف «أن» رفع الفعل. وقيل: الإسلام ~~هاهنا الانقياد # PageV06P148 # فيشمل إعطاء الجزية أيضا. والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة ~~الجنة. وقيل: # الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا ms4204 يتم الاستدلال ~~على إمامة الخلفاء. وقوله من قبل أي في الحديبية. # قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟ فأنزل الله ~~تعالى ليس على الأعمى حرج # أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده. وقدم ~~الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي ~~وغير ذلك. نعم يتعسر عليه الحرب ماشيا وكذا جودة الكر والفر راكبا. وقد ~~يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذورا لأنه نادر الوجود. ~~والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما ~~عجز حسي أو عجز حكمي. فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من ~~الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب ~~لأن الدابة قد تهلك. وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد ~~البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال. ومن ~~الثاني الرق والدين الحال بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له ~~الجهاد إلا بإذنه إلا إذا كان كافرا. والباقي واضح إلى قوله لقد رضي الله ~~وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة. ~~وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت. وعن جابر بن ~~عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها فعلم ما في قلوبهم من خلوص النية ~~فأنزل السكينة الطمأنينة والأمن عليهم وأثابهم جازاهم عن الإخلاص في البيعة ~~فتحا قريبا هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه. وقيل: هو فتح ~~مكة ومغانم كثيرة يأخذونها هي مغانم خيبر وكانت أرضا ذات عقار وأموال ~~فقسمها عليهم وعدكم الله مغانم كثيرة هي التي أصابوها مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو بعده إلى يوم القيامة فعجل لكم هذه يعني غنيمة خيبر وكف أيدي ~~الناس عنكم يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف ~~الله الرعب في ms4205 قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح. وقيل: أيدي اليهود حين ~~خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله ولتكون آية ~~أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو ~~دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقا. وقيل: ~~الضمير للكف والتأنيث لأجل تأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ~~ويزيدكم بصيرة. # قوله وأخرى أي وعدكم الله مغانم أخرى. عن ابن عباس: هي فتوح فارس # PageV06P149 # والروم. أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما ~~فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علما أنها ستصير ~~لكم. قال جار الله: # يجوز في أخرى النصب بفعل مضمر يفسره قد أحاط أي وقضى الله أخرى قد أحاط ~~بها. ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة وقد أحاط خبره. ~~وجوز الجر بإضمار «رب» . ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في ~~فتح خيبر لم يكن اتفاقيا بل كان إلهيا سماويا فقال ولو قاتلكم إلى آخره. ~~والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال سنة الله إلى ~~آخره. # عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جبل التنعم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم ~~واستحياهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة # وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم. وقيل: هو التنعيم. وقيل: إظفاره دخوله ~~بلادهم بغير إذنهم. # وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج ~~علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخذ الله تعالى بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم ~~صلى الله عليه وسلم: هل كنتم في عهد أحد وهل جعل ms4206 لكم أحد أمانا فقالوا: ~~اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية. # وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم. # وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو ~~بالصلح # وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل. فقال خالد: أنا سيف ~~الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت. # فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد ~~فهزمه حتى أدخله جوف مكة. فأنزلت الآية. # وسمي خالد يومئذ سيف الله. وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون ~~المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخلوهم بيوت مكة. ثم ذم قريشا ~~بقوله هم الذين كفروا وصدوكم يعني يوم الحديبية عن المسجد الحرام أن تطوفوا ~~به للعمرة وصدوا الهدي أو صدوكم مع الهدى حال كونه معكوفا أي محبوسا ممنوعا ~~موقوفا عن أن يبلغ محله المعهود وهو مني وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث ~~عنه في «البقرة» . ثم بين حكمة المصالحة بقوله ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات وقوله لم تعلموهم صفة الرجال والنساء جميعا على جهة التغليب. # وأن تطؤهم بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم والوطء ~~كالدوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك. وقوله فتصيبكم جواب النفي أو عطف على أن # PageV06P150 # تطؤهم # والمعرة «مفعلة» من العر العيب كالجرب ونحوه. وقوله بغير علم متقدم في ~~النية متعلق ب أن تطؤهم والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال سبحانه: # ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير ~~عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب ~~بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا ~~جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم. والكلام يدل على هذا ~~الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ~~ما ms4207 لا يدخل تحت الوصف. وجوزوا أن يكون لو تزيلوا كالتكرير لقوله ولولا رجال ~~لرجعهما إلى معنى واحد. والتنزيل التميز والتفرق ويكون لعذبنا هو الجواب. ~~وقوله ليدخل تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صونا لأهل ~~الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم ~~في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين. ~~وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا. وقوله إذ ~~جعل يجوز أن ينتصب بإضمار «اذكر» أو يكون ظرفا لعذبنا أو ل صدوكم وفاعل جعل ~~يجوز أن يكون الله وقوله في قلوبهم بيان لمكان الجعل كما مر في قوله ~~وأشربوا في قلوبهم العجل [البقرة: 93] ويجوز أن يكون الذين كفروا ومفعولاه ~~الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله. والحمية في مقابلة ~~السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك ~~عدم إقرارهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ومنه ما جرى في قصة الحديبية من ~~إبائهم أن يكتب في كتاب العهد «بسم الله الرحمن الرحيم» وأن يكتب «محمد ~~رسول الله» يقال: حميت أنفي حمية كأنها «فعلية» بمعنى «مفعول» من الحماية ~~اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة ~~والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا. وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف ~~برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، اختارها الله للمؤمنين. ومعنى الإضافة ~~إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب ~~الله. وكانوا أحق بها وأهلها لأنهم خيار الأمم. وقيل: أراد وكانوا يعني أهل ~~مكة أحق بهذه الكلمة لتقدم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق. وحكى ~~المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول «لا إله إلا الله» في ~~اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك. وكان قائلها ~~يمد بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركا بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة ~~أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله وألزمهم ms4208 كلمة التقوى أي ندبهم إلى ذكرها ما ~~استطاعوا. ثم قص رؤيا نبيه صلى الله عليه وسلم بيانا لإعجازه فإن الرؤيا ~~الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. # PageV06P151 # وقصته أنه رأى في المنام أن ملكا قال له لتدخلن إلى قوله لا تخافون فأخبر ~~أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدوا عن البيت ~~واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن نأتي البيت فنطوف به؟ فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم ~~تأتونه العام؟ فقالوا: لا. قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله ~~تصديقه. ومعنى صدق الله رسوله الرؤيا صدقه في رؤياه ولم يكذبه. # وقوله بالحق إما أن يكون متعلقا ب صدق أي صدقه فيما رأى صدقا متلبسا ~~بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالا من الرؤيا أي ~~متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الابتلاء، وتميز المؤمن المخلص من ~~المنافق المرائي. وجوز أن يكون بالحق قسما لأنه اسم من أسماء الله سبحانه، ~~أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في لتدخلن جواب القسم ~~لا للابتداء فيحسن الوقف على الرؤيا. والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان ~~الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر. وفي ورود إن ~~شاء الله في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا. ~~والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله يغفر لمن يشاء ~~ويعذب المنافقين إن شاء والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون ~~استثناء تحقيق لا تعليق. والثالث أنه أراد لتدخلن جميعا إن شاء ولم يمت أحد ~~أو لم يغب. والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع # لقوله صلى الله عليه وسلم وقد دخل البقيع «وأنا إن شاء الله بكم لا حقون» ~~«1» # وليس في وقوع الموت استثناء. الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف. ~~ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله ms4209 فعلم ما لم تعلموا من الحكمة في ~~تأخير الفتح إلى العام القابل فجعل من دون ذلك الفتح فتحا قريبا وهو فتح ~~خيبر. ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله هو الذي أرسل ~~الآية. وذلك أنه كذب رسوله كان مضلا ولم يكن إرساله سببا لظهور دينه وقوة ~~ملته، وقد مر نظير الآية في سورة التوبة. ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى ~~أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله. وقد يقال: إن كمال العز ~~والغلبة عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى على الأرض كافر وكفى بالله ~~شهيدا على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى. PageV06P152 # ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لمن يرضوا بهذا التعريف في كتاب ~~العهد فقال محمد رسول الله فهو مبتدأ وخبر. وجوز أهل الإعراب أن يكون ~~المبتدأ محذوفا لتقدم ذكره في قوله أرسل رسوله أي هو محمد فيكون رسول الله ~~صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون محمد مبتدأ ورسول الله صفته أو بيانا. ~~وقوله والذين معه وهم الصحابة عطفا على محمد وخبر الجميع أشداء على الكفار ~~جمع شديد كما قال واغلظ عليهم [التحريم: 9] أعزة على الكافرين [المائدة: ~~54] عن الحسن: بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن ~~تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى ~~مؤمن مؤمنا إلا صحافه وعانقه. # والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة ~~رضي الله عنه وإن كان التقبيل على اليد. ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه ~~السنة أبدا فيتشددوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم تراهم يا محمد أو يا ~~من له أهلية الخطاب ركعا سجدا راكعين ساجدين يبتغون فضلا من الله بالعفو عن ~~تقصيرهم ورضوانا منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم سيماهم ~~علامتهم في وجوههم من أثر السجود فيجوز أن تكون العلامة أمرا محسوسا وأن ~~السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على الأرض، وكان كل من علي بن الحسين زين ~~العابدين ms4210 عليه السلام وعلي بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو ~~الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات ~~البعير. والذي # جاء في الحديث «لا تعلبوا صوركم» # أي لا تخدشوها. وعن ابن عمر أنه رأى رجلا أثر في وجهه السجود فقال: إن ~~صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة. ~~وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض. ويجوز أن يكون أمرا معنويا ~~من البهاء والنور. وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل # «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» # وإن الذي يبيت شاربا يتميز عند أرباب البصيرة من الذي يبيت مصليا وفيه ~~قال بعضهم: # عيناك قد حكتا مبي ... تك كيف كنت وكيف كانا # ولرب عين قد أرت ... ك مبيت صاحبها عيانا # قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على ~~وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله سبحانه كيف لا يستنير ظاهره ~~وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء ذلك مثلهم أي ذلك الوصف ~~وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت ~~بقوله كزرع إلى # PageV06P153 # آخره. كقوله وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع [الحجر: 66] وقد ~~يقال: تم الكلام عند قوله ذلك مثلهم في التوراة ثم ابتدأ مثلهم في الإنجيل ~~كزرع لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا ~~أبصروهم. والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ~~ومنه شاطئ النهر. فآزره من المؤازرة المعاونة. ويجوز أن يكون أفعل من الأزر ~~القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس. فاستغلظ الزرع أو الشطء أي صار من ~~الرقة إلى الغلظ فاستوى على سوقه فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل ~~بحيث يعجب الزارعين. والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع ~~مجازا مستعارا. ووجه ms4211 التشبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وحده ثم ~~أتبعه من هاهنا قليل ومن هاهنا حتى كثروا وقوي أمرهم. وقوله ليغيظ بهم ~~الكفار تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم ~~بذلك ليغيظ بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه كفار مكة والعجم. وقيل: هذا ~~الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزراع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه ~~بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع ~~والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصودا هاهنا. ~~وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله والذين معه أبو بكر أشداء على الكفار عمر ~~رحماء بينهم عثمان تراهم ركعا سجدا علي عليه السلام يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا طلحة والزبير سيماهم في وجوههم سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو ~~عبيدة ابن الجراح. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ ~~بعثمان فاستوى على سوقه بعلي. وقوله منهم لبيان الجنس. ويجوز أن يكون قوله ~~ليغيظ تعليلا للوعد لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما حصل ~~لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم. # PageV06P154 ### | (سورة الحجرات) # (مدنية حروفها ألف وأربعمائة وستة وسبعون كلماتها ثلاثمائة وأربعون ~~آياتها ثمان عشرة) ### | [سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم (1) يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (2) إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون (4) # ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5) يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله ms4212 لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة ~~والله عليم حكيم (8) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10) يا ~~أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من ~~نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس ~~الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون (11) يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب ~~بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله ~~تواب رحيم (12) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (16) يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين (17) إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ~~(18) # PageV06P155 ### | القراآت: # لا تقدموا بالفتحات من التقدم: يعقوب الحجرات بفتح الجيم: # يزيد. إخوتكم على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ولا ~~تجسسوا ولا تنابزوا ولتعارفوا بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ميتا ~~مشددا: أبو جعفر ونافع يألتكم بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في ~~رواية. ms4213 الآخرون: بالحذف بما يعملون على الغيبة: ابن كثير. ### | الوقوف: # واتقوا الله ط عليم ه ج لا تشعرون ه للتقوى ط عظيم ه لا يعقلون ه خيرا ~~لهم ط رحيم ه نادمين ه رسول الله ط والعصيان ط الراشدون ه لأن فضلا مفعول ~~له ونعمة ط حكيم ه بينهما ج للشرط مع الفاء أمر الله ج لذلك وأقسطوا ط ~~المقسطين ه ترحمون ه منهن ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب بالألقاب ط بعد ~~الإيمان ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ومن لم يتب عما ذكر من اللمز والنبز ~~الظالمون ه من الظن ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن بعضا ج فكرهتموه ~~ط واتقوا الله ط رحيم ه لتعارفوا ط أتقاكم ط خبير ه آمنا ط قلوبكم ط شيئا ط ~~رحيم ه في سبيل الله ط الصادقون ه في الأرض ط عليم ه أسلموا ط إسلامكم ج ~~لأن «بل» للإضراب عن الأول صادقين ه والأرض ط تعملون ه. ### | التفسير: # لما بين محل النبي صلى الله عليه وسلم وعلو منصبه بقوله هو الذي أرسل ~~رسوله إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله لا تقدموا الآية. ففيه تأكيد لما ~~ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له. والأظهر أن هذا إرشاد عام. وذكر ~~المفسرون في أسباب النزول وجوها منها ما # روي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني ~~تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أمر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس. فقال أبو بكر: ~~ما أردت إلا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى # PageV06P156 # ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية. # وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس. ~~وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن عائشة أنها ~~نزلت في ms4214 صوم يوم الشك. وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في ~~الحرب قبل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقدم إما متعد وحذف المفعول ~~للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله «فلان يعطي ~~ويمنع» لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم ~~تقدم أصلا في أي فعل كان. وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة ~~يعقوب. قال جار الله: حقيقة قولهم «جلست بين يدي فلان» أن يجلس بين الجهتين ~~المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله ~~للتعظيم. # وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتقديم بين يدي ~~الله. قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا ~~يتكلموا. وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله. # وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه ~~بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ # واتقوا الله في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن ~~المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب إن الله سميع لأقوالكم عليم بنياتكم ~~وأفعالكم. ثم أعاد النداء عليهم مزيدا للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال ~~وتخصيص بعد تعميم. # وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت ~~وكان يتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية ~~فقد ثابت فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت ~~يخاف أن تكون الآية نزلت فيه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لست ~~هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة. # وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم استخفافا واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى ~~المؤمنون عن ذلك. ms4215 وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو ~~به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديبا للمؤمنين الخلص حتى ~~يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته. قوله ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر أي جهرا مثل جهر بعضكم لبعض قيل: تكرار للمعنى الأول لأجل ~~التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقا. ثم ~~اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه ~~فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر. والثاني فيما إذا سكت # PageV06P157 # ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة ~~أبهة النبوة. وقيل: # النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي ~~الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: ~~يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله. ثم علل كلا ~~من النهيين بقوله أن تحبط أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا ~~كان عن استخفاف وإهانة كان كفرا محبطا للأعمال السابقة. والمفعول له يتعلق ~~بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين. وجوز في الكشاف ~~أن يقدر الفعل في الثاني مضموما إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب ~~عليهما الفعل جميعا صبا واحدا، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل ~~الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ليكون لهم ~~عدوا وحزنا [القصص: 8] وفي قوله وأنتم لا تشعرون إشارة إلى أن ارتكاب ~~المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به. ومثله قول الحكيم: ~~إن كلا من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أولا حالا ثم تصير ملكة راسخة ~~وعادة مستمرة. ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا ~~تدري. فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي ms4216 الرذائل أن تزول عنه ~~وهي أحوال. # قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله لا أكلمك ~~إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله # هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له ~~فوجد قويا عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره ~~فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: ~~أنت لهذا الأمر. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى ~~وحصولها فيها سابقة ولا حقة لهم مغفرة لذنوبهم وأجر عظيم لطاعتهم. وفي ~~تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم ~~واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء. يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم ~~بالسكينة والوقار. قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس ~~باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب ~~أو جدال معاند أو إرهاب عدو. # ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم ~~الناس يوم حنين: أصرخ بالناس # وكان العباس أجهر الناس صوتا. وفيه قال نابغة بني جعدة: # PageV06P158 # زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يختلطن بالغنم # وأبو عروة كنية العباس. زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق ~~مرارة السبع في جوفه. ويروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه ~~فأسقطت الحوامل لشدة صوته. ثم علمهم أدبا أخص فقال إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض. والحجرة ~~البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع ~~«فعلة» بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلا من أمهات المؤمنين لها حجرة. روي أن ~~وفدا من بني تميم قدم ms4217 على النبي صلى الله عليه وسلم وهو سبعون رجلا منهم ~~الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن. فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة حجرة فنادوه ~~من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالا له ~~صلى الله عليه وسلم. والفعل وإن كان مستندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه ~~بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له. # وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن ~~مدحنا زين منا شين. فتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فخرج إليهم ~~وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين. فقال لهم: فيم جئتم؟ ~~فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك. فقال: ما بالشعر بعثت ولا ~~بالفخار أمرت ولكن هاتوا. فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حسانا فقام وأنشد. فلما ~~فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم ~~أحسن قولا، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر. ثم دنا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله. # وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكا عشنا في جنابه، وإن يكن ~~نبيا كان أولى بأن نكون أسعد الناس به. وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى ~~بني العنبر. أما إخبار الله تعالى عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن ~~الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما ~~لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في ~~كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله تعالى. وإنما ~~حكم عليهم بعدم العقل لأنهم لم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن ~~قانون الأدب ومنبئ عن عدم الوقار والأناة ولا سيما في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms4218 فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهام أهل ~~البيت فلذلك قال ولو أنهم صبروا حتى تخرج وفائدة قوله إليهم أنه لو خرج لا ~~لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم لكان # PageV06P159 # الصبر خيرا لهم في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل ~~وكمال الأدب. وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعا # فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق النصف وفادى النصف # والله غفور مع ذلك لمن تاب رحيم في قبول التوبة. # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني ~~تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن ~~يهلكهم. # ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ~~ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه. ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ وقد أجمع المفسرون على # أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني ~~المصطلق مصدقا وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم ~~خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم. فهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا ~~برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال: # لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ~~ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه فقالوا: نعوذ بالله من غضبه ~~وغضب رسوله. # وقيل: # بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه ~~الصدقات فرجع. # قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أي فاسق جاءكم بأي ~~نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق لا يتجافى بعض ~~أنواعه الذي هو الكذب. # والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت ms4219 الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه ~~«فقست البيضة» إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن تقاليبه أيضا «قفست الشيء» ~~بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصبا. والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه. ~~واختبر لفظة «إن» التي هي للشك دون «إذا» تنبيها على أنه صلى الله عليه ~~وسلم ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض ~~والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة ~~زور. ثم علل التبين بقوله أن تصيبوا أي كراهة إصابتكم قوما حال كونكم ~~جاهلين بحقيقة الأمر. والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك ~~متمنيا أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام. ومن مقلوباته «أدمن الأمر» إذا ~~دام عليه. ومدن بالمكان أقام به. قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد ~~العدل يجب العمل به لأن الله تعالى أمر بالتبين في خبر الفاسق، ولو تبينا ~~في خبر العدل لسوينا بينهما. وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم. واتفقوا ~~على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم ~~الخبر. وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فصار # PageV06P160 # فاسقا بكذبه. وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا ~~لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله. ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل ~~على خلافه. نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه. ثم أرشدهم إلى أمر ~~آخر قائلا واعلموا أن فيكم رسول الله وليس هذا الأمر مقصودا بظاهره لأنه ~~معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم ~~كما يقال لمن يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: اعلم أن الشيخ حاضر. ثم ~~قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه. وقيل: ~~أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله لو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لعنتم لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه ms4220 أعلم منكم ~~بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل ~~قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتم. # قال جار الله: الجملة المصدرة بلو ليس كلاما مستأنفا لاختلال النظم حينئذ ~~ولكنها حال من أحد الضميرين في فيكم وهو المستتر المرفوع أو البارز ~~المجرور. والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون ~~منه اتباع آرائكم. قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بيانا آخر. ثم قال: فائدة ~~تقديم خبر «أن» هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض. وفائدة قوله ~~يطيعكم بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا ~~يخالفهم في كثير مما عن لهم من الآراء والأهواء. وفي قوله في كثير من الأمر ~~مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضا تعليم ~~حسن وتأديب جميل في باب التخاطب. ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم ~~لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم ~~عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني ب لكن فإن من شرطه ~~مخالفة ما بعده لما قبله. فلو كان المخاطبون في الطرفين واحدا لم يكن ~~للاستدراك معنى بل يؤدي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال ~~محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أولا أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت. ~~قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر ~~الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة. استدلت ~~الأشاعرة بقوله حبب وكره على مسألة خلق الأفعال. وحملها المعتزلة على نصب ~~الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد. والمعنى ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح. وأما الفسوق والعصيان فقيل: ~~الأول الكبائر والثاني # PageV06P161 # الصغائر. ويحتمل أن يكون ms4221 الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل ~~الإقرار باللسان لأن الفسق هاهنا أمر قولي بدليل قوله إن جاءكم فاسق بنبإ ~~سماه فاسقا لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان أولئك البعض المتبينون هم ~~الراشدون وهذه جملة معترضة. # وقوله فضلا من الله ونعمة كل منهما مفعول له والعامل فيهما حبب وكره ~~ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه ~~المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضا فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول ~~له بهذا الاعتبار. ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه ~~قيل: فأولئك هم الراشدون رشدا لأن رشدهم إفضال وإنعام منه. قال بعض ~~العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغني، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد ~~الفقير والله عليم بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل حكيم في ~~تدابيره وأفضاله وأنعامه. # ثم علمهم حكما آخر. # في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله ~~لو أتيت عبد الله بن أبي. فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي ~~أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فو الله لقد آذاني نتن حمارك. فقال ~~عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل ~~من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي ~~والنعال فأنزل الله فيهم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن أقل الجمع اثنان فرجع ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم. وعن مقاتل: قرأها عليهم ~~فاصطلحوا. وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في ~~المنتظر من الزمان. والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة [التوبة: 122] وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن ~~اقتتلت طائفتان واختير «أن» دون «إذا» مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ~~ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادرا وعلى سبيل الفرض والتقدير، ~~ولهذه النكتة ms4222 بعينها قال طائفتان ولم يقل «فريقان» تحقيقا للتقليل كما ~~قلنا. وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضا إلى هذا المعنى لأن كونهما ~~طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضي في الفعل ~~ولم يقل يقتتلون لئلا ينبئ عن الاستمرار. # وفيه أيضا من التقابل ما فيه. وإنما قدم الفعل في قوله إن جاءكم فاسق ~~بنبإ ليعلم أن المجيء بالنبإ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقا سواء كان قبل ~~ذلك فاسقا أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل ~~المجيء بالنبإ. قال بعض العلماء: إنما # PageV06P162 # قال اقتتلوا على الجمع ولم يقل «فأصلحوا بينهم» لأن عند القتال يكون لكل ~~منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كلمة كل طائفة وإلا لم ~~يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد. والبغي ~~الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ ~~الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى ~~المسلمين. ومعنى قوله إلى أمر الله قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه ~~من ولاة الأمر بقوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [النساء: ~~59] وقيل: إلى الصلح لقوله وأصلحوا ذات بينكم [الأنفال: 1] وقيل: إلى أمر ~~الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان. ~~وإنما قال فإن بغت ولم يقل «فإذا» بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى ~~كالنادر، وكذا قوله فإن فاءت لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها ~~على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: «إن مت فأنت حر» . مع أن ~~الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حيا باقيا في ملكه غير ~~معلوم. # واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل ~~بطلانا بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعا، وكذا ~~الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة. ~~وهكذا يخرج ms4223 مانع حق الشرع لله أو للعباد عنادا لأنه لا تأويل له. ولا بد أن ~~يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال، ~~فإن كانوا أفرادا يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي. # والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة لقوله تعالى وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا # وعن علي رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا # ولكنهم يخطؤن فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن ~~علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص ~~لمواطأته إياهم. وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من ~~صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي صلى الله عليه وسلم ليست بسكن لنا. واتفقوا ~~على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين # للحديث المشهور «إن عمارا تقتله الفئة الباغية» «1» # وقد يقال: # إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما ~~قبل البغي كقوله يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه [المائدة: 54] ~~والمرتد ليس بمؤمن PageV06P163 # بالاتفاق. أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال ~~فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال ~~فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع ~~التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضا بضمان نفس ومال، ~~ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة. والأموال المأخوذة ~~في القتال ترد بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين. # والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض ~~إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين ~~لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة ~~القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل ~~شرذمة من أهل الفساد تأويلا وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه ~~النكتة قرن بالإصلاح. والثاني قوله ms4224 بالعدل لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج ~~فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى. ~~واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل عليا رضي ~~الله عنه زاعما أن له شبهة وتأويلا فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا ~~تمثلوا به فقتله الحسن بن علي رضي الله عنه وما أنكر عليه أحد. وأما الذين ~~لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب. وأما ~~كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف ~~عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط. قوله وأقسطوا أمر ~~باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين. قال أهل ~~اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في ~~الرجلين. وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي ~~أزال القسط وهو الجور. وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن ~~يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال إنما المؤمنون ~~إخوة أي حالهم لا يعدو الأخوة الدينية إلى ما يضادها فأصلحوا بين أخويكم ~~بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم. والتثنية بحسب الأغلب، ~~ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا ~~يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل» # واتقوا الله في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم. # ثم شرع في تأديبات أخر. والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور. # قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV06P164 # أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول. فجاء يوما وقد أخذ الناس ~~مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا. فقال ms4225 له رجل: أصبت ~~مجلسا فاجلس. # فجلس ثابت مغضبا ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانة يريد أما كان يعير بها ~~في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت. # وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات ~~واستهزؤا بالفقراء. وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي. فقال ~~له عبد الله: يا يهودي. وقيل: نزلت ولا نساء من نساء في عائشة وقد عابت أم ~~سلمة بالقصر. ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت ~~تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذا تجر خلفها كأنه لسان كلب. # وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حيي أتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين. فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد. # وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع. وإنما لم يقل «رجل من ~~رجل ولا امرأة من امرأة» زيادة للتوبيخ وتنبيها على أن السخرية قلما تصدر ~~عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع إلى التلهي ~~والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثري. وإنما لم يقل «رجل من ~~امرأة» وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه ~~بالأولى. وقوله عسى أن يكونوا كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي. عن عبد الله ~~بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا. قوله ~~سبحانه ولا تلمزوا تأديب آخر واللمز الطعن باللسان. والمعنى حضوا أنفسكم ~~بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير ~~أهل دينكم. قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان. ~~وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن ~~مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضا. قوله ولا ~~تنابزوا تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من ms4226 ~~الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب ~~كما أن اللقب أخص من العلم. وإنما قال ولا تنابزوا ولم يقل ولا تنبزوا على ~~منوال ولا تلمزوا لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالبا فمن ينبز غيره ~~بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلا ولا كذلك اللمز فإن الملموز ~~كثيرا ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب ~~واحد فقط. ثم أكد النهي عن التنابز بقوله بئس الاسم أي الذكر الفسوق وفي ~~قوله بعد الإيمان وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول «بئس ~~الشأن الصبوة # PageV06P165 # بعد الشيخوخة» أي معها. وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو ~~باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق ~~فنهوا عنه. وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحول عن التجارة ~~إلى الفلاحة «بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة» فمعنى بعد الإيمان بدلا عن ~~الإيمان ومن لم يتب عما نهي عنه فأولئك هم الظالمون لأن الإصرار على المنهي ~~كفر إذ جعل المنهي. كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله يا أيها الذين ~~آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن فيه تأديب آخر. ومعنى اجتنبوا كونوا منه في ~~جانب. وإنما قال كثيرا ولم يقل الظن مطلقا لأن منه ما هو واجب كحسن الظن ~~بالله وبالمؤمنين كما # جاء في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي» «1» # قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» ~~«2» # وقال «إن حسن الظن من الإيمان» # ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن ~~به ظن السوء» . # وهو الذي أمر في الآية باجتنابه. ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان ~~المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة # بقوله صلى الله عليه وسلم «من الحزم سوء الظن» # وعن النبي صلى الله عليه ms4227 وسلم «احترسوا من الناس بسوء الظن» # ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية. قال أهل المعاني: إنما نكر ~~كثيرا ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله إن بعض الظن إثم ولو عرف ~~لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه. ~~والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. # تأديب آخر ولا تجسسوا وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث ~~عنه كقوله فتحسسوا من يوسف وأخيه [يوسف: 87] فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء ~~من الحس. قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته «يا معشر من آمن بلسانه ~~ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات ~~المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته» «3» # وهذا الأدب كالسبب لما قبله. فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضا. تأديب ~~آخر ولا يغتب يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب ~~بظهر الغيب، # وسئل PageV06P166 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال «أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت ~~صادقا اغتبته وإن كنت كاذبا فقد بهته» «1» # ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال أيحب إلى آخره. ~~وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد ~~الفعل إلى أحدكم ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل ~~لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتا ~~ففيه مزيد تنفير للطبع. وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن ~~الناس يأكلون فلانا ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ. شبهوا إدارة ذكره في الفم ~~بالأكل. والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا ~~يشعر بما يقال فيه. أما الفاء في قوله فكرهتموه ففصيحة أو نتيجة لأنها ~~للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه. أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل ~~وداعي ms4228 الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحقق أيضا أن تكرهوا لما ~~هو نظيره وهي الغيبة. وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس. # وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما فنام عن ~~شأنه يوما فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندي شيء ~~فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة «لبئر من آبار مكة» ~~لغار ماؤها. فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: ما لي ~~أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ فقالا: ما تناولنا لحما. فقال: إنكما قد ~~اغتبتما فنزلت. # قلت: # قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت ~~المدود المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر الحسي ~~عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوة منهما. واعلم أن الغيبة وإن كانت ~~منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق. # ففي الحديث «اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس» # وروي «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا ~~فيما وجد منكم» . # وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعا من السخرية واللمز ~~وغير ذلك على الإطلاق فقال يا أيها الناس الآية. # قال بعض الرواة: إن ثابت بن قيس حين قال «فلان ابن فلانة» قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله. فقال: ~~انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأسود ~~وأحمر. قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين، فأنزل الله هذه الآية. # وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا حتى ~~أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: PageV06P167 # الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحرث بن هشام: أما ~~وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا. وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله ~~شيئا يغيره. وقال أبو سفيان: إني ms4229 لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به رب السماء. ~~فأتى جبريل عليه السلام فأخبره. # وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء ~~بالفقراء. # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي في سوق المدينة غلاما أسود ~~يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم: فاشتراه رجل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل ~~صلاة ففقده يوما فسأل عنه صاحبه فقال: محموم. فعاده ثم سأل عنه بعد أيام ~~فقيل: # هو في ذمائه. فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر ~~عظيم فنزلت. # وقوله من ذكر وأنثى فيه وجهان: أحد هما من آدم وحواء فيدل على أنه لا ~~تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد ~~منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون ~~التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلا، لكن التفاوت بين الناس بالكفر ~~والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن ~~هو الناس وغيره كالنسناس. # والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد ~~وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله. وهذا القسم إما أن يرجع إلى ~~القابل أو إلى الفاعل كما يقال «كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل ~~فلان» فذكر الله سبحانه أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر ~~وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم. فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة ~~وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء ~~والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما، ولا يصلح للمناصب الدينية ~~كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما، ولا يصلح لشيء منها ~~فاسق وإن كان قرشي النسب قاروني النشب. ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم ~~على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ms4230 أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن ~~تتفاخروا بالأنساب. قيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب. وقال جار ~~الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب. أولها ~~شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ~~ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش ~~عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة. # فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع # PageV06P168 # عليه، ولهذ قال خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور [الأنعام: 1] ~~وقال في الآية خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ولكنه قال في ~~موضع آخر وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] فبين أن الأصل ~~في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر ~~عن اعتبار العبادة فلهذا قال إن أكرمكم عند الله أتقاكم وفيه معنيان: أحد ~~هما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله. والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث ~~التقوى والأول أشهر كما يقال «ألذ الأطعمة أحلاها» أي اللذة بقدر الحلاوة ~~لا أن الحلاوة بقدر اللذة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال «الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها. يا أيها الناس ~~إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ ~~الآية» # وعنه صلى الله عليه وسلم «من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله» «1» # قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى. إن الله عليم ~~بظواهركم خبير ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى. وحين حث عموم الناس على ~~تقواه وبخ من في إيمانه ضعف. # قال ابن عباس: إن نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا ~~الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، ~~وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتيناك ~~بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك ms4231 بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا ~~يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات. # أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن ~~تؤمنوا إيمانا حقيقيا وهو الذي وافق القلب فيه اللسان. ولكن قولوا أسلمنا ~~يعني إسلاما لغويا وهو الخضوع والانقياد خوفا من القتل ودخولا في زمرة أهل ~~الإيمان والسلم. ثم أكد النفي المذكور بقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ~~وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن «لما» حرف فيه توقع ~~وانتظار. ثم حثهم على الطاعة بقوله وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم أي لا ~~ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي ~~لغة غطفان. يقال ألته السلطان حقه أشد الألت. ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ~~ليتا. وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه. فيكون يلتكم على وزن ~~«يعدكم» ، وعلى الوجه المتقدم على وزن «يبعكم» . إن الله غفور رحيم لمن تاب ~~وأخلص نيته. ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله إنما المؤمنون ومعنى «ثم» في ~~قوله ثم لم يرتابوا كما في قوله ربنا الله ثم استقاموا [فصلت: 30] وارتاب ~~مطاوع رابه PageV06P169 # إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ~~ولا اتهام لمن صدقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس. وقال جار الله: ~~وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان ~~تنبيها على مزيته وإشعارا بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضا ~~جديدا. وفي قوله أولئك هم الصادقون تعريض بأن المذكورين أولا كاذبون ولهذا ~~قال قل لم تؤمنوا إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح. ~~ثم أراد تجهيلهم بقوله قل أتعلمون الله بدينكم والباء قيل للسببية والأظهر ~~أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به. وذكر في أسباب ~~النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم ms4232 مؤمنون ~~معتقدون فنزلت هذه الآية. والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو ~~عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟ وقيل: # تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله يمنون عليك نزلت في ~~المذكورين وفي أمثالهم. يقال: من عليه صنعه إذا اعتده عليه منة وإنعاما. ~~قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي ~~النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض. ثم ~~قال بل الله يمن عليكم حيث هداكم للإيمان الذي ادعيتموه. وفي إضافة الإسلام ~~إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقا غير مضاف إشارة إلى ~~الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه. وجواب الشرط محذوف أي إن ~~كنتم صادقين في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم. ثم عرض بأنهم غير ~~صادقين فقال إن الله يعلم الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله ~~أعلم بالصواب. # PageV06P170 ### | (سورة ق) # (مكية حروفها ألف وأربعمائة وسبعة وسبعون كلماتها ثلاثمائة وخمس وسبعون ~~آياتها خمس وأربعون) ### | [سورة ق (50) : الآيات 1 الى 45] # بسم الله الرحمن الرحيم # ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء ~~عجيب (2) أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (3) قد علمنا ما تنقص الأرض ~~منهم وعندنا كتاب حفيظ (4) # بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (5) أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (6) والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8) ~~ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (9) # والنخل باسقات لها طلع نضيد (10) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان ~~لوط (13) وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الإنسان ~~ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى ms4233 ~~المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد (18) وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد (19) # ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد (20) وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) ~~لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه ~~هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) # مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب ~~الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد (27) قال لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد (29) # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (30) وأزلفت الجنة للمتقين ~~غير بعيد (31) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) # لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد (35) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم ~~بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص (36) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ~~ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب (39) # ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ~~(41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (42) إنا نحن نحيي ونميت ~~وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (44) # نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (45) # PageV06P171 ### | القراآت: # ميتا بالتشديد: يزيد وعيدي وما بعده مثل التي في «إبراهيم» يوم يقول ~~بالياء: نافع وأبو بكر وحماد امتلأت بإبدال الهمزة ألفا: أبو عمرو ويزيد ~~والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف يوعدون على الغيبة: ابن كثير ~~وإدبار بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة المنادي ~~بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وأفق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ~~وفي ms4234 الوصل. ### | الوقوف: # ق ط كوفي ولو جعل قسما فلا يوقف للعطف المجيد ه ج لأن «بل» قد يجعل جواب ~~القسم تشبيها بأن في التحقيق وفي توكيد ما بعده، وقد يجعل جوابه محذوفا أي ~~لتبعثن ترابا ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقول واحد بعيد ه منهم ج لاحتمال ما ~~بعده الحال والاستئناف حفيظ ه مريج ه فروج ه بهيج ه لا لأن تبصرة مفعول ~~لأجله منيب ه الحصيد ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب نضيد ه لا لأن ~~المراد أنبتناها لأجل الرزق للعباد ط للعطف ميتا ط الخروج ه وثمود ه لوط ه ~~لا تبع ط وعيد ه الأول ط جديد ه نفسه ج وجعل ما بعدها حالا أولى من ~~الاستئناف فيوقف على الوريد و «إذ» يتعلق بمحذوف وهو «أذكر» أو بقوله ما ~~يلفظ فلا يوقف على قعيد. عتيد ه بالحق ط تحيد ه الصور ط الوعيد ه وشهيد ه ~~حديد ه عتيد ه لتقدير القول عنيد ه لا مريب ه لا بناء على أن ما بعده صفة ~~أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصبا على المدح فالوقف الشديد ه ~~بعيد ه بالوعيد ه للعبيد ه مزيد ه بعيد ه حفيظ ه ج لاحتمال أن تكون «من» ~~شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلا من لكل منيب ه بسلام ~~ط الخلود ه # PageV06P172 # ط مزيد ه البلاد ط للاستفهام. قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى ~~لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام. محيص ه شهيد ه لغوب ~~ه الغروب ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده السجود ه قريب ه لا لأن ~~ما بعده بدل بالحق ط الخروج ه المصير ه لا لتعلق الظرف سراعا ط يسير ه وعيد ~~ه. ### | التفسير: # قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه. وقيل: ~~قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف. وقيل: قضي الأمر. # وقيل: قف ms4235 يا محمد على أداء الرسالة. والأقوال المشتركة بين الفواتح ~~مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول «ص» ، وبينهما مناسبة أخرى من ~~قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر. ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة ~~في المبدأ والتوحيد. وفي أول خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر ~~والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس ~~إلى الفضاء. والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو ~~مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به. ومعنى منذر منهم أي من جنسهم أو من ~~بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أولا ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل ~~الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم هذا ~~الرجع أو البعث شيء عجيب أبهم الضمير أولا في عجبوا ثم فسره ثانيا في قوله ~~فقال الكافرون أو اقتصر على الضمير أولا للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع ~~المضمر تسجيلا عليهم بالكفر. ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم أإذا متنا ~~والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة ترابا ذلك الرجع أي البعث رجع بعيد أي ~~يستبعد في العقول. وقيل: إنه من كلام الله عز وجل. والرجع بمعنى الجواب أي ~~جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين ~~الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله تعالى بأجزاء الميت على ~~التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله قد علمنا ما تنقص الأرض من أجساد الموتى ~~وتأكل من لحومهم وعظامهم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب» «1» # وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم PageV06P173 # بالموت ويدفن في الأرض منهم. وعندنا كتاب هو اللوح المحفوظ من التغيير ~~ومن الشياطين. ثم أتبع الإضراب الأول إضرابا آخر فقال بل كذبوا والمقصود أن ~~تكذيبهم بالحق الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أول وهلة من ~~غير تدبر أفظع من تعجبهم. والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات ~~والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر ms4236 وأخرى إلى الشعر أو الكهانة ~~وقالوا في حق محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. ثم استدل على حقية المبدأ ~~والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق ~~وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب. وليس في الآية دلالة على ~~امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه. نعم ~~إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهرا اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين ~~الفروج والأبواب. وفي قوله فوقهم مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية ~~الغباوة. ومنها مد الأرض أي دحوها. # ومنها خلق الجبال الرواسخ. ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق ~~الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في ~~بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات. ومنها إنزال ماء المطر ~~الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات. والحصيد صفة موصوف محذوف أي وحب ~~الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها. والباسقات ~~التي طالت في السماء، والطلع أول ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد ~~بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر. ثم شبه ~~بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم وكذلك تخرجون [الآية: 19] ثم ~~هددهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مرارا. وأما حديث أصحاب الرس فلم ~~يذكر إلا في «الفرقان» وحديث تبع في «الدخان» . وأراد بفرعون قومه لأن ~~المعطوف عليه أقوام فحق وعيد مثل فحق عقاب [ص: 14] وفيه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي ~~لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أي مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟ ~~واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، ~~وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه. # ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله سبحانه وعظيم قدرته ~~على بدئه وإعادته. والوسوسة الصوت الخفي. والباء في به ms4237 للتعدية و «ما» ~~مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوسا. والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم ~~«هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار» وما في الآية أدل على الإفراط في القرب ~~لأن الوريد جزء من بدن الإنسان # PageV06P174 # يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفوذ الدم في العروق. والوريد العرق ~~الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريدا لأن الروح أو الدم يرده. والوريدان ~~عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين. ~~والحبل العرق أيضا شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى ~~الخاص. قال جار الله: «إذ» منصوب ب أقرب والمراد أنه أقرب من الإنسان من كل ~~قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به. وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها ~~لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن مقعد ملكيك على- ثنييك أي عطفيك- ولسانك ~~قلمهما وريقك مداد هما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا ~~منهما» # ويجوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأن ~~حفظته موكلون به. والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس ~~بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة. ~~وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر. ~~قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقيل: لا ~~يكتبان إلا الحسنات والسيئات. وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه ~~وعند جماعه. وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن ~~قرب القيامتين الصغرى والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله وجاءت ~~سكرة الموت ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبة بالعقل. والباء في ~~بالحق للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت ~~أو من سعادة الميت أو ضدها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ~~ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ذلك المجيء ما كنت ~~منه تحيد أي تميل وتهرب ms4238 أيها الإنسان. ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون ~~بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق ~~هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات. قوله ذلك يوم ~~الوعيد إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد. ~~والسائق والشاهد ملكان، أحد هما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار ~~كما قال وسيق والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكا واحدا جامعا بين ~~الأمرين. ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه ~~كالمعرفة. ثم يقال للإنسان. لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا الأمر فكشفنا ~~عنك بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة غطاءك وهو الاشتغال بعالم ~~المحسوسات فبصرك اليوم حديد غير كليل متيقظ غير نائم. وقال ابن زيد: # الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان [الشورى: 52] أي كنت # PageV06P175 # قبل الوحي في غفلة من هذا العلم. ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر ~~لقوله ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا [الزخرف: 36] يقول لأهل المحشر ~~أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها. إن جعلت «ما» موصوفة ف ~~عتيد صفة لها وإن جعلتها موصولة ف عتيد بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف. ~~ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ألقيا ~~خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب «خليلي» ~~و «قفا» . وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة. وقال المبرد: التثنية للتأكيد ~~كأنه قيل: ألق ألق: نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما. وجوز ~~أن يكون الألف بدلا من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده ~~قراءة الحسن ألقين. عنيد ذي عناد أو معاند مناع للخير كثير المنع للمال عن ~~حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله. وقيل: نزلت في الوليد بن ~~المغيرة كان يمنع بني أخيه من ms4239 الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام ~~لم أنفعه بخير ما عشت. معتد ظالم مريب مشكك أو شاك في دين الله. قوله قال ~~قرينه جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدم فإنه جاء على طريق العطف كأن ~~قرينه- وهو الفاجر- قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ربنا ~~ما أطغيته ما أوقعته في الطغيان ولكن كان في الأزل في ضلال بعيد وقالت ~~المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى. # ثم ذكر كلاما آخر مستأنفا كأن سائلا سأل فماذا قال الله؟ فقيل: قال لا ~~تختصموا وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة ~~الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب والحال أني قد قدمت ~~إليكم وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] والباء في بالوعيد إما مزيدة أو ~~للتعدية على أن قدم بمعنى تقدم أو هو حال والمفعول جملة. قوله ما يبدل إلى ~~آخره. أي قدمت إليكم هذا الكلام مقرونا بالوعيد. قال في الكشاف: فإن قلت: ~~إن قوله وقد قدمت حال من ضمير لا تختصموا فاجتماعهما في زمان واحد واجب ~~وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة. قلت: معناه لا ~~تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة. ~~وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضي الماضي ثابت في ~~أي حال فرض بعده. وقوله لدي إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدل القول الذي هو ~~لدي يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي # PageV06P176 # بالسعادة والشقاوة. وإما أن يتعلق بقوله ما يبدل أي لا يقع التبديل عندي. ~~والمعاني كما مرت. ويجوز أن يراد لا يكذب لدي ولا يفتري بين يدي فإني عالم ~~بمن طغى وبمن أطغى. ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان ~~اليأس غير مقبول. فقولكم «ربنا وإلهنا» لا يفيدكم. يوم نقول منصوب ب بظلام ~~أو ب ms4240 «أذكر» قال أهل المعاني: # سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس. ~~وقوله هل من مزيد أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار ~~الداخلين كما أن من يضرب غيره ضربا مبرحا أو شتمه شتما فاحشا يقول له ~~المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله سبحانه لأملأن جهنم فلا بد أن يحصل ~~الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟ ويحتمل أنها تطلب ~~الزيادة بعد امتلائها غيظا على العصاة وتضيقا للمكان عليهم، أو لعل هذا ~~الكلام يقع قبل إدخال الكل. وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار ~~فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ~~ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند ~~هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله تعالى ذليل متواضع لله. وروي أنه ~~لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع ~~تعالى فيها قدمه أي ما قدمه في # قوله «سبقت رحمتي غضبي» «1» # أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل ~~حتى ينشئ الله خلقا فيسكنون فضول الجنة. قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة ~~والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حد معلوم، بل تقول دائما بلسان الحال ~~هل من مزيد إلا أن يفيض الله سبحانه عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه ~~صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حد معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي ~~في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حد معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان ~~وكان هنالك ما كان كما قال وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت للمتقين يحتمل أن ~~تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على نقول والمضي لتحقيق الوقوع ~~المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدمة فلم ~~يحتج إلى ms4241 تحقيق الإنذار. وقوله غير بعيد نصب على الظرف أي مكانا غير بعيد ~~عنهم، أو على الحال. ووجه تذكيره مع PageV06P177 # تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله إن رحمت الله قريب [الأعراف: 56] أنه ~~على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئا غير بعيد. ~~قال جار الله: # معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز ~~أن يتناول العزيز ذل ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل ~~عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد. فمعنى الآية أن الجنة ~~قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات. وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي ~~إزلافا غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر ~~الله سبحانه إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطي المسافة وغير ذلك. ~~ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمرا خطيرا ~~فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول ~~للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا # قال صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله. فقيل: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» «1» # وقوله غير بعيد يراد به القرب المكاني كأنه تعالى ينقل الجنة من السماء ~~إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن. ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه ~~الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون ~~قريبا منه فذكر الله سبحانه في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد ~~الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: # على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود # وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد ~~دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ~~ملكاته الذميمة تحول ms4242 بينه وبينها. ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد ~~والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن ~~أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، ~~وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات ~~والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات. ووجه آخر وهو أن الجنة قربت ~~لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم ~~أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل ~~PageV06P178 # لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم. قوله عز من قائل هذا ما توعدون ~~قال جار الله: إنه جملة معترضة. وقوله لكل أواب حفيظ بدل من قوله للمتقين ~~قلت: ولو جعل خبرا ثانيا لهذا لم يبعد. والمشار إليه الثواب أو الإزلاف. ~~والأواب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو ~~لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير ~~حينئذ مريدا لطريقه. قوله من خشي قد مر وجوه إعرابه في الوقوف. وجوز أن ~~يكون منادى كقولهم «من لا يزال محسنا أحسن إلي» وحذف حرف النداء للتقريب ~~والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من ~~جهة الخشية أولا ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع ~~الغيب وقد مر مرارا، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال ~~أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب ~~الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى ~~عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ~~يخافون ربهم من فوقهم [النحل: 50] أو ضعف المخوف منه كقوله لا تخف ولا تحزن ~~[العنكبوت: 33] يريد أنه لا عظمة لهم وقال إنا نخاف من ربنا يوما [الإنسان: ~~10] لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة. ووصف القلب بالمنيب ms4243 ~~باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا ~~اللسان والجوارح ادخلوها بسلام أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله ~~وملائكته ذلك إشارة إلى قوله يوم نقول أي ذلك اليوم يوم تقدير الخلود في ~~النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ~~ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده لهم ما يشاؤن فيها ~~ولدينا مزيد مما لم يخطر بالقلوب. ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] # ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن ~~المزيد الذي قال الله تعالى ولدينا مزيد. # ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلا وكم أهلكنا الآية. ومعنى الفاء ~~في قوله فنقبوا للتسبيب عما قبله من الموت كقوله «هو أقوى من زيد فغلبه» أي ~~شدة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ~~هل من محيص أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر إن في ذلك الذي ذكر من ~~أول السورة إلى هاهنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ~~لذكرى لمن كان له قلب واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع ~~الإصغاء إلى الكلام وفي قوله وهو شهيد # PageV06P179 # إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضرا بفطنته وذهنه. ~~وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكي يستخرج المعاني بتدبره وفكره ~~فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعا مصغيا إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير. ~~قال المفسرون: زعمت اليهود أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، ~~أولها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فرد الله ~~عليهم بقوله ولقد خلقنا إلى قوله وما مسنا من لغوب أي إعياء. ثم سلى رسوله ~~فأمره بالصبر على أذى الكفار. وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى مع كمال قدرته ~~واستغنائه صبر على أذى الجهلة ms4244 الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى ~~الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟ بل كيف لا يصبر أحدنا على ~~أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟ اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا ~~تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر وواغوثاه وواغوثاه ~~وواغوثاه. وقد سبق نظير الآية في آخر «طه» ودلالتها على الصلوات الخمس ~~ظاهرة وأدبار السجود أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن ~~الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله تعالى ~~وتقديسه. وقيل: النوافل بعد المكتوبات. وعن ابن عباس: # هي الوتر بعد العشاء. ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها ~~وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك «آتيك خفوق النجم» . ~~قال أهل النظم: إن النبي صلى الله عليه وسلم له شغلان: أحدهما عبادة الله، ~~والثاني هداية الخلق. فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك ~~الآخر وهو العبادة. ثم بين غاية التسبيح بقوله واستمع يعني اشتغل بتنزيه ~~الله وانتظر المنادي كقوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: # 99] ومفعول استمع متروك أي كن مستمعا لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا ~~تكن مثل هؤلاء المعرضين. قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر ~~بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدث عنه كما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ ~~اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك. # وانتصب يوم ينادي بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي ~~يخرجون من القبور. والمنادي قيل الله كقوله ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ~~[القصص: 32] احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] والأظهر أنه ~~إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال ~~المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل ~~القضاء. وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر. والمكان القريب صخرة ~~بيت المقدس. يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا. وقيل: من تحت ~~أقدامهم. # وقيل: من منابت ms4245 شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد ~~القول بأن # PageV06P180 # المنادي هو الله لقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد والصيحة النفخة ~~الثانية كما قال إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع [يس: 53] وقوله بالحق ~~متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث. ويجوز ~~أن يتعلق بالسماع أي أي يسمعونها باليقين. وقيل: الباء للقسم أي بالله ~~الحق. قوله سراعا حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ذلك الشق أو الحشر ~~حشر علينا يسير لا على غيرنا وهو رد على قولهم ذلك رجع بعيد. نحن أعلم بما ~~يقولون أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وما أنت عليهم بجبار أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع. ~~ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم ~~وهذا مما يقوي طرف المجبرة. وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظا غليظا. ~~والأول أولى بدليل قوله فذكر إلى آخره أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ~~ينتفع بتذكيرك والله أعلم. # تم الجزء السادس والعشرون ويليه الجزء السابع والعشرون أوله تفسير سورة ~~الذاريات # PageV06P181 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء السابع والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة الذاريات) # (وهي مكية وحروفها ألف ومائتان وستة وثمانون كلماتها ثلاثمائة وسبعون ~~آياتها ستون) ### | [سورة الذاريات (51) : الآيات 1 الى 60] # بسم الله الرحمن الرحيم # والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا (2) فالجاريات يسرا (3) فالمقسمات ~~أمرا (4) # إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسماء ذات الحبك (7) إنكم ~~لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) # قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسئلون أيان يوم الدين ~~(12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون ~~(14) # إن المتقين في جنات وعيون (15) آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك ~~محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالأسحار هم يستغفرون ~~(18) وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (19) # وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السماء ~~رزقكم وما توعدون ms4246 (22) فو رب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ~~(23) هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (24) # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله فجاء ~~بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا ~~تخف وبشروه بغلام عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز ~~عقيم (29) # قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم (30) قال فما خطبكم أيها ~~المرسلون (31) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من ~~طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين (36) وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (37) وفي موسى ~~إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين (38) فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون ~~(39) # فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم (40) وفي عاد إذ أرسلنا عليهم ~~الريح العقيم (41) ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود ~~إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ~~ينظرون (44) # فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا ~~قوما فاسقين (46) والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (47) والأرض فرشناها ~~فنعم الماهدون (48) ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها آخر ~~إني لكم منه نذير مبين (51) كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون (52) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فما أنت ~~بملوم (54) # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~(56) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين (58) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون ~~(59) # فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (60) # PageV06P182 ### | القراآت: # والذاريات ذروا بإدغام التاء في الذال: حمزة وأبو عمرو ومثل ما بالضم: ~~حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص. الباقون: مثل بالفتح على البناء لإضافته إلى ~~غير متمكن، ms4247 أو على أنه لحق حقا مثل نطقكم سلم بكسر السين وسكون اللام: حمزة ~~علي وخلف والمفضل والصعقة بسكون العين للمرة: علي وقوم نوح بالجر: أبو عمرو ~~وعلي وخلف. ### | الوقوف: # ذروا ط وقرا ه لا يسرا ه لا أمرا ه ط لصادق ه لا لواقع ه الحبك ه لا ~~مختلف ه لا أفك ه ط الخراصون ه لا ساهون ه لا لأن يسئلون صلة بعد صلة، ~~الدين ه ط بناء على أن عامل يوم منتظر أي يقال لهم ذوقوا يفتنون ه فتنتكم ط ~~تستعجلون ه وعيون ه لا ربهم ط محسنين ه ط يهجعون ه يستغفرون ه والمحروم ه ~~للموقنين ه ط للعطف أنفسكم ط تبصرون ه توعدون ه تنطقون ه المكرمين ه م لأن ~~عامل «إذ» محذوف وهو «اذكر» ولو وصل لأوهم أنه ظرف للإتيان سلاما ط سلام ج ~~لحق المحذوف مع اتحاد القائل أي أنتم قوم منكرون ه سمين ه لا للعطف تأكلون ~~ه للآية مع العطف خيفة ط لا تخف ه عليم ه عقيم ه كذلك لا للتعلق بما بعده ~~ربك ط العليم ه المرسلون ه مجرمين ه طين ه للمسرفين ه المؤمنين ه ج للآية ~~مع العطف بالفاء واتصال المعنى المسلمين ه ط كذلك الأليم ه لتناهي القصة ~~وحكم العربية الوصل للعطف على قوله وفي الأرض آيات مبين ه مجنون ه ليم # ه كما مر العقيم ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال أي غير تاركته ~~كالرميم ه حين ه ينظرون ه منتصرين ه لا على القراءتين فيما بعده للعطف أي ~~وفي قوم نوح أو وأخذنا قوم نوح ولو قدر واذكر قوم نوح فالوقف قبل ج فاسقين ~~ه لموسعون ه الماهدون ه تذكرون ه إلى الله ط مبين ه للآية مع العطف آخر ط ~~مبين ه أو # PageV06P183 # مجنون # ه أتواصوا به ج لأن «بل» للإضراب معنى مع العطف لفظا طاغون ه بملوم ه لا ~~للآية مع اتفاق الجملتين المؤمنين ه ليعبدون ه يطعمون ه المتين ه يستعجلون ms4248 ~~ه يوعدون ه ### | التفسير: # لما بين في آخر السورة أنهم بعد إيراد البراهين الساطعة عليهم مصرون على ~~إنكار الحشر، ولهذا سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله نحن أعلم بما يقولون ~~وما أنت عليهم بجبار [ق: 45] لم يبق إلا توكيد الدعوى بالإيمان فلذلك افتتح ~~بذلك. # عن علي كرم الله وجهه أنه قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني وإن لا ~~تسألوني لا تسألوا بعدي مثلي. # فقال ابن الكواء فقال: ما الذاريات؟ قال: الرياح. # وقد مر في الكهف في قوله تذروه الرياح [الآية: 45] قال: فالحاملات وقرا؟ ~~قال رضي الله عنه: السحاب لأنها تحمل المطر. وإنما لم يقل أوقارا باعتبار ~~جنس المطر وهو واحد. قال: فالجاريات يسرا؟ قال رضي الله عنه: الفلك والمراد ~~جريان اليسر. قال: فالمقسمات أمرا؟ قال رضي الله عنه: # الملائكة لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو تفعل التقسيم ~~مأمورة بذلك فيكون مصدرا في موضع الحال. ومعنى الفاء فيها ظاهر لأنه تعالى ~~أقسم بالرياح فبالسحاب الذي تسوقه فبالفلك التي تجريها بهبوباتها كأن ماء ~~البحر أو مدده من السحاب فلذلك أخر. ثم أقسم بالملائكة التي تقسم الأرزاق ~~بإذن الله من الأمطار وتجارات البحر. # وقيل: إن الأوصاف الأربعة كلها للرياح لأنها تذرو التراب وغيره أولا، ثم ~~تنشئ السحاب وتحمله. ولا ريب أن السحاب حمل ثقيل ولا سيما إذا كان فيه مطر ~~ثم تجري- أعني الرياح- في الجو جريا سهلا في نفسها أي لا يصعب عليها الجري ~~أو بالنسبة إلينا بخلاف الصرصر والعاصف ونحوها فتبسط السحاب في السماء ثم ~~تقسم الأمطار في الأقطار بتصريف السحاب، وقد روعي في ذكر هذه الأوصاف لطيفة ~~فإن الحشر يتم إمكانه بها لأن أجزاء بدن المكلف إن كانت في الأرض فتميز ~~الريح بينها بالذرو، وإن كانت في الهواء فتحملها بالنقل، وإن كانت في البحر ~~فتخرجها بإنشاء السحاب منها إذ الذي قدر على إجراء السفن في البحار يقدر ~~على إخراج تلك الأجزاء منها إلى البر. وبعد ذلك تقسم الملائكة أرواح ~~الخلائق على أجسادها بإذن الله تعالى. وقيل: المقسمات الكواكب ms4249 السبعة. ~~وجواب القسم إن ما توعدون و «ما» مصدرية أو موصولة لصادق في نفسه كما يقال ~~«خبر صادق» أو «ذو صدق» كعيشة راضية. ثم صرح بالموعود قائلا وإن الدين أي ~~الجزاء لواقع أي حاصل. وحين أقسم على صدق موعوده أقسم على جهلهم وعنادهم، ~~والحبك الطرائق كطرائق الرمل، والماء إذا ضربته الريح ويقال: إن # PageV06P184 # خلقة السماء كذلك واحدها حباك، وقال الحسن: حبكها نجومها لأنها تزينها ~~كما تزين الموشى يكون بطرائق الوشي. وقيل: حبكها صفاقتها وإحكامها يقال ~~للثوب الصفيق «ما أحسن حبكه» . وعلى القول الأول يكون بين القسم والمقسم ~~عليه مناسبة لأن القول المختلف له أيضا طرائق، قال الضحاك: قول الكفرة لا ~~يكون مستويا وإنما هو متناقض مختلف ولهذا قالوا للرسول شاعر مجنون، وللقرآن ~~مثل ذلك، وعن قتادة: أراد منكم مصدق ومكذب ومقر ومنكر. والضمير في يؤفك عنه ~~للقرآن أو النبي أي يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف بعده لأنه غاية ~~ونهاية. ويمكن أن يقال: يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، ويجوز أن يكون ~~الضمير للموعود أقسم بالذاريات وغيرها أن وقوعه حق، ثم أقسم بالسماء أنهم ~~مختلفون في وقوعه يؤفك عن الإقرار به من هو عديم الاستعداد، مغمور في الجهل ~~والعناد. وجوز جار الله أن يرجع الضمير إلى قول مختلف ويكون «عن» كما في ~~قوله ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب ~~وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول ~~المختلف. ثم دعا عليهم بقوله قتل الخراصون أي الكذابون المقدرون ما لا يصح ~~وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولا أوليا. ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل ~~بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان. # وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله قتل الإنسان ما أكفره والغمرة كل ~~ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به أيان يوم الدين ~~أي متى وقوعه؟ # ثم أجاب بقوله يوم هم أي يقع في ذلك اليوم. ومعنى ms4250 يفتنون يحرقون ويعذبون. # ثم وبخهم وتهكم بهم قائلا ذوقوا إلى آخره. وحين حكى حال الفاجر الشقي ~~أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال إن المتقين في جنات وعيون أي في جنات ~~فيها عيون حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم قال جار الله: قابلين لكل ما ~~أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئا على سخط وكراهية. وقال غيره: أراد أنهم ~~يأخذونه شيئا فشيئا ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية ~~له. وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم ~~وأموالهم. قال: إن فيض الله تعالى لا ينقطع أصلا وإنما يصل إلى كل مكلف ~~بقدر ما استعد له، فكلما ازداد قبولا ازداد تأثرا من الفيض والأخذ في هذا ~~المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية، وذلك لما أسلفوا من حسن ~~العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله إنهم كانوا قبل ذلك محسنين أي في ~~الدنيا وظهر عليهم # PageV06P185 # بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته. وقوله ما آتاهم على المضي لتحقق ~~الإيتاء مثل ونادى [الأعراف: 38] وسيق [الزمر: 72] وقال أهل العرفان: ما ~~آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد. ثم فسر إحسانهم بقوله كانوا قليلا ~~من الليل ما يهجعون «ما» صلة أي كانوا ينامون في طائفة قليلة من الليل أو ~~يهجعون هجوعا قليلا. وجوز أن تكون ما مصدرية أو موصولة. وارتفع «ما» مع ~~الفعل على أنه فاعل قليلا من الليل هجوعهم أو الذي يهجعون فيه. وفيه أصناف ~~من المبالغة من جهة لفظ الهجوع وهو النوم اليسير، ومن جهة لفظ القلة، ومن ~~جهة التقييد بالليل لأنه وقت الاستراحة فقلة النوم فيه أغرب منها في ~~النهار، ومن جهة ما المزيدة على قول. ولا يجوز أن تكون «ما» نافية لأن ما ~~بعدها لا يعمل فيما قبلها. وصفهم بأنهم يحيون أكثر الليل متهجدين فإذا ~~أسحروا أخذوا في الاستغفار وكأنهم باتوا في معصية الملك الجبار. وهذا سيرة ~~الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم. ثم يستقله ويعتذر، واللئيم بالعكس يأتي بأقل ~~شيء ثم يمن به ويستكثر. ومثله ms4251 المطيع يأتي بغاية مجهوده من الخدمة ثم ينسب ~~نفسه إلى التقصير فيستغفر. ويمكن أن يقال: # إنهم يستغفرون من الهجوع كأنهم أرادوا أن يقوموا على إحياء الليل كله. ~~ويجوز أن يكون الاستغفار بمعنى الصلاة لقوله بعده في أموالهم حق فيكون ~~كقوله يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة [البقرة: 3] ووجه أغرب وهو أن يكون ~~السين في استغفر مثله في استحصد الزرع أي حان أن يحصد فكأن وقت السحر وهو ~~الأولى بحصول المغفرة. قال جار الله: في قوله هم يستغفرون إشارة إلى أنهم ~~هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون المصرين. وقيل: إبراز الضمير لدفع ~~وهم من يظن أن التقدير وبالأسحار قليلا يستغفرون على قياس الفعل السابق. # وحيث ذكر جدهم في التعظيم لأمر الله أردفه بذكر شفقتهم على خلق الله. ~~والمشهور في الحق أنه القدر الذي علم إخراجه من المال شرعا وهو الزكاة قيل: ~~إنه على هذا لم يكن صفة مدح لأن كل مسلم كذلك بل كل كافر وذلك إذا قلنا إنه ~~مخاطب بالفروع إلا أنه إذا سلم سقط عنه. وأجيب بأن السائل من له الطلب ~~شرعا. والمحروم من الحرمة وهو الذي منع الطلب فكأنه قيل: في أموالهم حق ~~للطالب- وهو الزكاة- ولغير الطالب وهو الصدقة المتطوع بها التي تتعلق بفرض ~~صاحب المال وإقراره وليس عليه فيها مطالبة. ويمكن أن يقال: أراد في أموالهم ~~حق في اعتقادهم وسيرتهم كأنهم أوجبوا على أنفسهم أن يعطوا من المال حقا ~~معلوما وإن لم يوجبه الشرع. وفي السائل والمحروم وجوه أحدها ما مر. الثاني ~~السائل هو الناطق والمحروم كل ذي روح غيره من الحيوان كما # قال صلى الله عليه وسلم «لكل كبد حرى # PageV06P186 # أجر» . «1» # الثالث وهو الأظهر أن السائل هو الذي يستجدي والمحروم الذي يحسب غنيا ~~فيحرم الصدقة لتعففه # قال صلى الله عليه وسلم «ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة ~~والتمرتان قالوا: فما هو قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه.» «2» # وتقديم السائل على ترتيب الواقع لأنه يعرف حاله بمقاله فيسد خلته، وأما ~~المحروم فلا تندفع حاجته إلا بعد الاستكشاف والبحث. وقيل: ms4252 المحروم الذي لا ~~ينمى له مال. وقيل: هو المنقوص الحظ الذي لا يكاد يكسب. ثم أكد وقوع الحشر ~~والدلالة على قدرته بقوله وفي الأرض آيات كقوله ومن آياته أنك ترى الأرض ~~خاشعة إلى قوله إن الذي أحياها لمحي الموتى [فصلت: 39] ومن عجائب الأرض ما ~~هي في جرمها من الاستدارة والألوان المختلفة وطبقاتها المتباينة، ومنها ما ~~عليها وفيها من الجبال والمواليد الثلاثة، ومنها ما هي واردة عليها من ~~فوقها كالمطر وغيره. وخص الآيات الأرضية بالذكر لقربها من الحواس، وخص ~~كونها آيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بذلك، ومن لم يتأمل في المصنوعات ~~لم يزد يقينه بالصانع. ثم استدل بالأنفس فقال وفي أنفسكم آيات. وذلك أن ~~الإنسان عالم صغير فيه تشابه من العالم الكبير وقد مر تقرير ذلك مرارا. ~~وقيل: هي الأرواح أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات. قال أهل النظم: هذه ~~الآية مؤكدة لما قبلها فإن من وقف على هذه الآيات الباهرة تبين له جلال ~~الله وعظمته فيتقيه ويعبده ويستغفره من تقصيره ولا يهجع إلا قليلا، وهكذا ~~من عرف أن رزقه في السماء لم يبخل بماله ويعطيه السائل والمحروم. وعن الحسن ~~أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه: فيه رزقكم يعني المطر ولكنكم تحرمونه. # وما توعدون هي الجنة فوق السماء السابعة وتحت العرش. وقيل: إن أرزاقكم في ~~الدنيا وما توعدون في العقبى كلها مقدرة مكتوبة في السماء. ثم أنتج من ~~الأخبار السالفة من أول السورة إلى هاهنا حقيقة القرآن أو النبي أو ~~الموعود، وأقسم عليه برب السماء الأرض ترقيا من الأدنى وهي المربوبات ~~كالذاريات وغيرها إلى الرب تعالى. و «ما» مزيدة بنص الخليل حكاه جار الله ~~يقال في الأمر الظاهر غاية الظهور أن هذا الحق أنك ترى PageV06P187 # وتسمع مثل ما أنك هاهنا. قال الأصمعي: أقبلت خارجا من البصرة فطلع أعرابي ~~على قعود فقال: من الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من ~~موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي فتلوت والذاريات فلما بلغت قوله ~~وفي السماء رزقكم ms4253 فقال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على الناس وعمد ~~إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى. فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن ~~يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي ~~واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ثم ~~قال: فهل غير هذا؟ فقرأت فو رب السماء والأرض إنه لحق فصاح فقال: يا سبحان ~~الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى ~~اليمين قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقصة ~~إبراهيم وغيرها قد مرت في «هود» و «الحجر» وفي قوله هل أتاك تفخيم لشأن ~~الحديث. والضيف واحد. وجمع والمكرمون إما باعتبار إكرامه إياهم حتى خدمهم ~~بنفسه وبامرأته، أو لأنهم أهل الإكرام عند الله كقوله بل عباد مكرمون ~~[الأنبياء: 26] وجوز أن يكون نصب إذ دخلوا بالمكرمين إذا فسر بإكرام ~~إبراهيم أو بما في ضيف من معنى الفعل. قال المفسرون: أنكرهم للسلام الذي هو ~~علم الإسلام أو أراد تعرف حالهم لأنهم لم يكونوا من معارفه فراغ إلى أهله ~~فذهب إليهم في خفية من ضيوفه وهو نوع أدب للمضيف كيلا يستحيوا منه ولا ~~يبادروا بالاعتذار والمنع من الضيافة. وفي قوله فقربه إليهم دلالة على أن ~~نقل الطعام إلى الضيف أولى من العكس لئلا يتشوش المكان عليهم. # قال ألا تأكلون سلوك لطريقة الاستئناف ولهذا حذف الفاء خلاف ما في ~~«الصافات» وقد مر. والاستفهام لإنكار ترك الأكل أو للحث عليه فأوجس فأضمر ~~وقد تقدم سائر الأبحاث في «هود» وفي «الصافات» . واعلم أنه سبحانه ذكر في ~~«هود» أنه لما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وقال هاهنا سلام قوم منكرون ~~ولا تنافي بين الحديثين لأنه أنكرهم أولا بالسلام الذي لم يكن من عادة تلك ~~الشريعة، ثم زاد إنكاره حين رآهم لا يأكلون الطعام فذكر أحد الإنكارين في ~~تلك السورة والآخر في هذه. قوله فأقبلت امرأته في صرة أي في صيحة ومنه صرير ~~القلم. ms4254 قال الحسن: كانت في زاوية تنظر إليهم فوجدت حرارة الدم فأقبلت إلى ~~بيتها صارة فلطمت وجهها من الحياء والتعجب كعادة النسوان وقالت أنا عجوز ~~فأجابت الملائكة كذلك أي مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به قال ربك فلا ~~تستبعدي. # وروي أن جبرائيل قال لها: انظري إلى سقف بيتك فنظرت فإذا جذوعه مورقة ~~مثمرة فحينئذ أحس إبراهيم صلوات الرحمن عليه بأنهم ملائكة. # قال فما خطبكم # PageV06P188 # شأنكم وطلبكم؟ فأجابوا بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط ليرسلوا عليهم السجيل ~~كما قصصنا في «هود» . والضمير في قوله فيها للقرية وإن لم يجر لها ذكر لأنه ~~معلوم، قالت المعتزلة: # في الآية دلالة على أن الإيمان والإسلام واحد. وقال غيرهم: المسلم أعم من ~~المؤمن وإطلاق العام على الخاص مما لا منع فيه ولا يدل على اتحادهما وهذا ~~كقوله القائل من في البيت من الناس؟ فيقول له: ما في البيت من الحيوان أحد ~~غير زيد. فيكون مخبرا له بخلو البيت عن كل إنسان غير زيد. وقوله وتركنا ~~فيها آية كقوله في «العنكبوت» ولقد تركنا منها آية بينة [الآية: 35] أي ~~علامة يعتبر بها الخائفون دون القاسية قلوبهم وهي الحجارة المسومة أو ماء ~~أسود. قوله وفي موسى قيل: الأقرب أن يكون معطوفا على قوله وتركنا فيها أي ~~وجعلنا في موسى آية. قال جار الله: هو كقوله من قال: # علفتها تبنا وماء باردا ويمكن أن يقال: إن قصة موسى أيضا آية متروكة ~~باقية على وجه الدهر فلا حاجة إلى هذا التكلف. قوله فتولى بركنه كقوله ونأى ~~بجانبه [الإسراء: 83] وقيل: الباء للمصاحبة. والركن القوم أي فازور وأعرض ~~مع ما كان يتقوى به من جنوده وملكه. وقيل: # ركنه هامان وزيره قال العلماء: وصفه فرعون بالمليم مع أنه وصف يونس النبي ~~به صلى الله عليه وسلم كما مر في «الصافات» لا يوجب اشتراكهما في استحقاق ~~الملامة، لأن موجبات اللوم تختلف. # فراكب الكبيرة ملوم على قدرها، ومقترف الصغيرة ملوم بحسبها، وبينهما بون، ~~العقيم ريح لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر. والرميم ما رم ms4255 وتفتت. ~~قال في الكشاف: # تمتعوا حتى حين تفسيره في قوله تمتعوا في داركم ثلاثة أيام [هود: 65] ~~قلت: # هذا سهو منه فإن قوله فعتوا عن أمر ربهم لا يطابقه إذ العتو لم يترتب على ~~هذا الأمر لحصوله قبله. وإنما الصواب أن يكون التمتع المأمور به في هذه ~~الآية هو الذي في قصة قوم يونس فآمنوا فمتعناهم إلى حين [الصافات: 148] ~~فكأن قوم ثمود أمروا أن يؤمنوا كي يمهلوا إلى انقضاء آجالهم الطبيعة والأمر ~~أمر تكليف لا تكوين فعتوا عن أمر ربهم بالإصرار على كفرهم. فقيل: على سبيل ~~التكوين تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وكان ذلك علامة العذاب والصاعقة ~~النازلة نفسها وهم ينظرون أي كانت نهارا يعاينونها أو كانوا منتظرين لها إذ ~~قيل لهم تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام فما استطاعوا من قيام عبارة عن جثومهم ~~كما مر مرارا وما كانوا منتصرين ممتنعين من العذاب وقصة نوح واضحة وقد مر ~~إعرابه في الوقوف. # ثم عاد إلى دلائل القدرة فقال والسماء بنيناها بأيد وفي لفظ البناء إشارة ~~إلى # PageV06P189 # كونها محكمة البنيان. وفي قوله بأيد أي بقوة تأكيد لذلك. وفي قوله وإنا ~~لموسعون مزيد تأكيد والمعنى لقادرون من الوسع الطاقة والموسع القوي على ~~الإنفاق ومنه قال الحسن: أراد إنا لموسعون الرزق بالمطر. وقيل: جعلنا بين ~~السماء وبين الأرض سعة. # وإنما أطلق الفرش على الأرض ولم يطلق البناء لأنها محل التغييرات كالبساط ~~يفرش ويطوى ومن كل شيء من الحيوان خلقنا زوجين ذكرا وأنثى. وعدد الحسن ~~أشياء كالسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر والبر والبحر والموت ~~والحياة. قال: كل اثنين منها زوج والله تعالى فرد لا مثل له. وقد يدور في ~~الخلد أن الآية إشارة إلى أن كل ما سوى الله تعالى فإنه مركب نوع تركيب لا ~~أقل من الوجود والإمكان أو الجنس والفصل أو المادة والصورة ولذلك قال لعلكم ~~تذكرون له إرادة ترقيكم من المركب إلى البسيط ومن الممكن إلى الواجب ومن ~~المصنوع. وإذا عرفتم الله ففروا إلى الله أي التجئوا إليه ولا تعبدوا غيره ~~أمر ms4256 بالإقبال عليه وبالإعراض عما سواه. وكرر قوله إني لكم منه نذير مبين ~~للتأكيد. وبعد توضيح البيانات وذكر القصص وتقرير الدلائل سلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقوله كذلك أي الأمر مثل الذي تقرر من تكذيب الرسل وإصرار ~~الكفرة على الإنكار والسب. ثم فسر ما أجمله بقوله ما أتى إلى آخره وقوله ~~أتواصوا به استفهام على سبيل التعجب من تطابق آرائهم على تكذيب أنبيائهم. ~~ثم أضرب عن ذلك لأن تطابق المتقدم والمتأخر على أمر واحد غير ممكن فنبه على ~~جلية الحال قائلا بل هم قوم طاغون يعني أن اشتراك علة التكذيب وهو الطغيان ~~أشركهم في المعلول فتول عنهم فإن تكذيبهم لا يوجب ترك الدعوة العامة فما ~~أنت بملوم على إعراضك عنهم بعد التبليغ لأنك قد بذلت مجهودك واستفرغت وسعك ~~وذكر مع ذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين أراد أن الإعراض عن طائفة معلومة ~~لعدم قابليتهم لا يوجب ترك البعض الآخر. # ثم بين الغاية من خلق الثقلين وهي العبادة. وللمعتزلة فيه دليل ظاهر على ~~أن أفعال الله معللة بغرض. وقال أهل السنة: إن العبادة المعرفة والإخلاص له ~~في ذلك فإن المعرفة أيضا غاية صحيحة، وإنما الخلاص عن الإشكال بما سلف ~~مرارا أن استتباع الغاية لا يوجب كون الفعل معللا بها، وإذا لم يكن الفعل ~~معللا بذلك فقد يكون الفعل، وتتخلف الغاية لمانع كعدم قابلية ونحوه. ثم ذكر ~~أنه خلقهم ليربحوا عليه لا ليربح هو عليهم. # والمتين الشديد القوة. ثم هدد مشركي مكة وأضرابهم بقوله فإن للذين ظلموا ~~ذنوبا أي نصيبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم المهلكين، والذنوب في الأصل ~~الدلو العظيمة قال أهل البيان: وهذا تمثيل وأصله من تقسيم الماء يكون لهذا ~~دلو ولهذا دلو. واليوم الموعود القيامة أو يوم بدر. # PageV06P190 ### | (سورة الطور) # (مكية حروفها ألف وخمسمائة كلمها ثلاثمائة واثنتا عشرة آياتها تسع ~~وأربعون) ### | [سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 49] # بسم الله الرحمن الرحيم # والطور (1) وكتاب مسطور (2) في رق منشور (3) والبيت المعمور (4) # والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من ms4257 ~~دافع (8) يوم تمور السماء مورا (9) # وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون ~~(12) يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (13) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (14) # أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون (15) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء ~~عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (16) إن المتقين في جنات ونعيم (17) ~~فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيئا ~~بما كنتم تعملون (19) # متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين (20) والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما ~~كسب رهين (21) وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنازعون فيها كأسا ~~لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ~~(26) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو ~~البر الرحيم (28) فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون (29) # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (30) قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين (31) أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون (32) أم يقولون ~~تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (34) # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (35) أم خلقوا السماوات والأرض بل لا ~~يوقنون (36) أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين (38) أم له البنات ولكم البنون (39) # أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) ~~أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحان ~~الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ~~(44) # فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم (49) # PageV06P191 ### | القراآت: # فكهين مقصورا: يزيد وأتبعناهم من باب ms4258 الأفعال: أبو عمرو وذريتهم على ~~التوحيد مرفوعا ذرياتهم على الجمع: أبو جعفر ونافع. وقرأ أبو عمرو على ~~الجمع فيهما منصوبا. وقرأ ذريتهم ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضا ولكن ~~برفع الأول. الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعا والثاني منصوبا ~~ألتناهم بكسر اللام ثلاثيا. ابن كثير لؤلؤ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ~~ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج أنه هو البر بفتح ~~الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي أنا كنا من قبل ندعوه إنه المسيطرون بالسين: ~~ابن كثير في رواية. وابن عامر والآخرون: بالصاد. وقرأ حمزة في رواية بإشمام ~~الراء يصعقون مبنيا للمفعول: # ابن عامر وعاصم وإدبار النجوم بالفتح: زيد عن يعقوب. ### | الوقوف: # والطور ه لا مسطور ه لا منشور ه لا المعمور ه لا المرفوع ه لا المسجور ه ~~لا لواقع ه لا من دافع ه لا مورا ه لا سيرا ط للمكذبين ه لا يلعبون ه م دعا ~~ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار تكذبون ه لا تبصرون ه تصبروا ه لاختلاف ~~الجملتين مع اتفاق المعنى عليكم ط تعملون ه ونعيم ه لا آتاهم ربهم ج ~~لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم الجحيم ه تعملون ه لا مصفوفة ~~ج عين ه شيء ه رهين ه يشتهون ه ولا تأثيم ه مكنون ه يتساءلون ه مشفقين ه ~~السموم ه ط لمن قرأ إنه بالكسر الرحيم ه مجنون ه لأن «أم» ابتداء استفهام ~~وتوبيخ المنون ه المتربصين ه ط لما قلنا طاغون ه ج لاحتمال ابتداء ~~الاستفهام والجواب بقوله بل لا يؤمنون ه ج للآية مع الفاء صادقين ه ط ~~الخالقون ه ط والأرض ج لأن «بل» للإضراب مع العطف لا يوقنون ه المسيطرون ه ~~ط فيه ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب مبين ه ط البنون ه ط مثقلون ه ~~يكتبون ط كيدا ط المكيدون ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل «أم» فهو ~~للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام غير ms4259 الله ط يشركون ه مركوم ه ~~يصعقون ه لا لأن يوم بدل ما تقدمه ينصرون ه ط لا يعلمون ه تقوم ه لا النجوم ~~ه # PageV06P192 ### | التفسير: # لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو ~~الجبل الذي مر ذكره مرارا في قصة موسى. والكتاب المسطور التوراة ظاهرا لأنه ~~هو المناسب للطور. وقيل: اللوح المحفوظ. وقيل: صحيفة الأعمال. والرق ~~الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه. والمنشور خلاف المطوي كقوله ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا [الإسراء: 13] وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب ~~مخصوص من بين جنس الكتب والبيت المعمور الكعبة أو الضراح في السماء السابعة ~~سمي معمورا لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة والسقف المرفوع السماء ~~والبحر المسجور المملوء أو الموقد من قوله وإذا البحار سجرت [الانفطار: 3] ~~وقد سبق في «المؤمن» في قوله ثم في النار يسجرون [الآية: 72] # عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى ~~فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة والطور فلما بلغ إن عذاب ربك لواقع أسلمت ~~خوفا من أن ينزل العذاب # يوم تمور تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ~~ونحوه. قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي ~~الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت ~~المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء ~~من الخيالات والأوهام. إن عذاب ربك بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام ~~لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة ~~العوائق مورا، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها ~~لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيرا. والدع الدفع العنيف. قال المفسرون: ~~إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ~~ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم. والاستفهام في قوله ~~أفسحر للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا ~~أيضا سحر أم أنتم لا تبصرون هذا المخبر عنه في ms4260 الآخرة كما كنتم لا تصدقون ~~الخبر عنه في الدنيا. وقوله فاصبروا أو لا تصبروا كقوله سواء علينا أجزعنا ~~أم صبرنا [إبراهيم: 21] ثم علل الاستواء بقوله إنما تجزون يعني أن الجزاء ~~لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه. قوله ووقاهم معطوف على متعلق قوله ~~في جنات أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب. وجوز أن يعطف على آتاهم ~~على أن «ما» مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية كلوا على إرادة القول أي ~~يقال لهم كلوا واشربوا أكلا وشربا هنيئا أو طعاما وشرابا هنيئا لا تنغيص ~~فيه. وقد مر في أول «النساء» . وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر ~~القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي ~~هنأكم جزاء ما عملتم. قوله والذين آمنوا # PageV06P193 # ظاهره أنه مبتدأ خبره ألحقنا قال جار الله: هو معطوف على بحور عين أي ~~قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي ~~يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع ~~أولادهم ونسلهم بهم. وقوله بإيمان أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان ~~الآباء. ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل ~~كما # جاء في الحديث «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر ~~بهم عينه ثم تلا هذه الآية» # وما ألتناهم اي وما نقصنا من ثوابهم شيئا بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ~~ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلا وإحسانا. ثم بين أن الجزاء بمقدار ~~العمل فقال كل امرئ بما كسب رهين أي مرهون. قال جار الله: كأن نفس العبد ~~رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين ~~عليه. فإن عمل صالحا فكها وخلصها وإلا أوبقها. وقيل: هذا يعود إلى الكفار. ~~والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه. وقيل: بمعنى راهن وهو ~~المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم. وأمددناهم وزدناهم وقتا بعد وقت ~~يتنازعون يتعاطون هم وقرناؤهم لا ms4261 لغو فيها أي لا حديث باطل في أثناء شربها. ~~ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ولا تأثيم أي لا يفعلون ما ~~ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن ~~المفيد وذلك أنهم حكماء علماء. والغلمان الخدام المختصون بهم، واللؤلؤ ~~المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن. # وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب» # وعنه صلى الله عليه وسلم «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من ~~خدامه فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» # يتساءلون يتحادثون مشفقين أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب ~~النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم من قبل أي في الدنيا فذكر فاثبت ~~على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة فما أنت بنعمة ربك أي بسبب حمد ~~الله وإنعامه عليك بكاهن كما يزعمون ولا مجنون فلعله كان لهم في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظرا إلى إخباره عن ~~المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق ~~مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما ~~قال أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من ~~حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت «فعول» من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ~~ولذلك سمي شعوب. وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء ~~قبله. والأحلام العقول وكانت قريش يدعون # PageV06P194 # أنهم أهل النهي والأحلام. وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك ~~الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق ~~والباطل والمعجز وغيره تقوله اختلقه من تلقاء نفسه بل لا يؤمنون جحودا ~~وعنادا وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا فليأتوا بحديث مثله. # ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله أم خلقوا ms4262 من غير شيء من غير خالق أم هم ~~الخالقون أنفسهم. وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب. والأول أقوى ~~لقوله أم خلقوا السماوات والأرض ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ~~بل لا يوقنون وذلك أنه حكى عنهم ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله [لقمان: 25] فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته ~~لم يثبتوا له ندا ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله أم ~~عندهم خزائن ربك حتى يختاروا للنبوة من أرادوه أم هم المسيطرون المسلطون ~~الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم أم لهم سلم يستمعون الوحي ~~صاعدين فيه إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة. والمغرم أن ~~يلتزم الإنسان ما ليس عليه أم عندهم الغيب المحفوظ في اللوح فهم يكتبون ما ~~فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها أم يريدون كيدا وهو ~~كيدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وفي غيرها فالذين كفروا ~~اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم هم المكيدون المغلوبون الذين يعود وبال ~~الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام. ثم صرح بالمقصود الكلي ~~فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله سبحان الله ثم أجاب عن بعض ~~مقترحهم وهو قولهم أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا والمراد أنهم لفرط ~~عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء ~~لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض. ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة ~~الأولى. قوله عذابا دون ذلك أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع ~~سنين وعذاب القبر واصبر لحكم ربك بإمهالهم وتبليغ الرسالة فإنك محفوظ ~~بأعيننا وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة وحين تقوم أي ~~من أي مكان قمت أو من منامك. وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو ~~بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها. # والمعنى مثل ما قلنا. وقيل: التسبيح التهجد. ومن الليل صلاة العشاءين، ~~وإدبار النجوم ms4263 صلاة الفجر. أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة ~~الأمة فليس له شأن إلا هذين. # PageV06P195 ### | (سورة النجم) # (مكية حروفها ألف وأربعمائة وخمسة كلماتها ثلاثمائة وستون آياتها اثنتان ~~وستون) ### | [سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 62] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن ~~هو إلا وحي يوحى (4) # علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا ~~فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) # فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما ~~يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) # عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى ~~(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18) أفرأيتم اللات والعزى (19) # ومناة الثالثة الأخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى ~~(22) إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن ~~يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى (23) أم للإنسان ~~ما تمنى (24) # فلله الآخرة والأولى (25) وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا ~~إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (26) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن ~~وإن الظن لا يغني من الحق شيئا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا (29) # ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ~~(30) ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ~~إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) أفرأيت الذي تولى (33) ~~وأعطى قليلا وأكدى (34) # أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم ~~الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر ms4264 أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~(39) # وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى (41) وأن إلى ربك المنتهى ~~(42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه ~~النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) # وأنه أهلك عادا الأولى (50) وثمود فما أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى (54) # فبأي آلاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الأولى (56) أزفت الآزفة ~~(57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) # وتضحكون ولا تبكون (60) وأنتم سامدون (61) فاسجدوا لله واعبدوا (62) # PageV06P196 ### | القراآت: # هوى وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو. وقرأ حمزة ~~وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في «طه» ما كذب بالتشديد: يزيد وهشام ~~ما زاغ البصر بالإمالة: حمزة ونصير ومناة بالمد: ابن كثير والشموني ~~أفتمرونه ثلاثيا: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ضيزى بالهمزة: ابن كثير في رواية ~~كبير الإثم على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل إبراهام هشام عادا لولي ~~مدغما غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش. وقرأ إسماعيل ~~والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالون بإظهار الغنة غير مهموز. وكذلك روي ~~عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارئ على عاد ابتدأ ب لولي ولو شاء ~~الولي بتخفيف الهمزة والأولى أحسن. وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار ~~الغنة، وإذا وقف على عاد ابتدأ لولي ولو شاء الولي والباقون عاد الأولى ~~بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين وثمود في الحالين بغير تنوين: حمزة ~~وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ربك تمارى بتشديد التاء: ~~رويس عن يعقوب. ### | الوقوف # هوى ه لا غوى ه ج للآية مع العطف على جواب القسم الهوى ه ط يوحى ه لا ~~القوى ه لا لذلك ذو مرة ط لتمام الصفة فاستوى ه لا لأن الواو للحال الأعلى ~~ه ط فتدلى ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود أو أدنى ms4265 ه ج وإن اتفقت ~~الجملتان لأن ضمير فأوحى # لله لا للنبي ما أوحى # ه ج ما رأى ه أخرى ه لا المنتهى ه المأوى ه لأن عامل إذ زاغ البصر فلا ~~وقف على ما يغشى طغى ه الكبرى ه والعزى ه لا الأخرى ه الأنثى ه ضيزى ه ~~سلطان ط الأنفس ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف الهدى ه ط لأن أم ابتداء ~~استفهام إنكار ما تمنى ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال ~~المعنى والأولى ه ويرضى ه الأنثى ه علم ط إلا الظن ه ج لاختلاف الجملتين ~~شيئا ط لذلك الدنيا ه ط من العلم ط اهتدى # PageV06P197 # ه وما في الأرض ط بالحسنى ه ج لأن الذين يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلا من ~~الذين أحسنوا اللمم ط المغفرة ط أمهاتكم ج أنفسكم ه ط اتقى ه تولى ج وأكدى ~~ه يرى ه موسى ه وفى ه لا أخرى ه لا سعى ه لا يرى ه ص لوقوع العارض بين ~~المعطوف على أن الأوفى ه لا المنتهى ه لا وأبكى ه لا وأحيا ه لا والأنثى ه ~~تمنى ه ص لما مر الأخرى ه لا وأقنى ه لا الشعرى ه ط الأولى ه لا أبقى ه لا ~~وأطغى ه ط لأن المؤتفكة منصوب بما بعده أهوى ه لا ما غشى ه ج لابتداء ~~الاستفهام مع الفاء تتمارى ه الأولى ه لا الآزفة ه للاستئناف والحال كاشفة ~~ه تعجبون ه لا ولا تبكون ه لا سامدون ه لا واعبدوا ه سجدة. ### | التفسير: # لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم. ~~واللام فيه للعهد أو للجنس. والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب ~~لها وصورتها في السماء كعنقود عنب. وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث ~~من منازل القمر. قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء. وذلك أن الشمس ~~تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها. وعلى الثاني فيه وجوه ~~أحدها. نجوم السماء ms4266 وهويها غروبها. وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في ~~وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من ~~الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى ~~بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم ~~له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا. وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة. # وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها. وثالثها النجم ~~النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوه. ورابعها النجم أحد نجوم ~~القرآن وقد نزل منجما في عشرين سنة فيكون كقوله والقرآن الحكيم إنك لمن ~~المرسلين على صراط مستقيم [يس: 2، 3] وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم ~~عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا ~~سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشكوك وحرارة الحمية الجاهلية وأدرك الحكمة ~~ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف ~~الأغذية الروحانية تامة كاملة. قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي ~~نقيض الرشد، والخطاب لقريش. قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله قد تبين ~~الرشد # PageV06P198 # من الغي # [البقرة: 256] من يضلل الله فلا هادي له [الأعراف: 186] إلا أنه ينبغي أن ~~يتبين الفرق بين الضلال والغواية. والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد ~~السالك إلى مقصده طريقا أصلا، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق ~~مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير ~~رشيد. # قال عز من قائل فإن آنستم منهم رشدا [النساء: 6] فكأنه سبحانه نفى الأعم ~~أولا ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلا. ويحتمل أن ~~يكون قوله ما ضل نفيا لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضا من مسيس ~~الجن. وقوله وما غوى نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون. ويحتمل ~~أن يكون الأول عبارة عن ms4267 صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في ~~أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن ~~تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله سبحانه إلى طريق ~~أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار وما ~~ينطق عن الهوى أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما ~~وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم ~~السلام، وأجيب بأن الله تعالى إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي ~~أيضا. وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه. قال أهل اللغة: الهوى ~~المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية. ومبة ~~النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله إن هو إلا وحي ~~أبلغ مما لو قيل هو «وحي» وهو ظاهر. وقوله يوحى لتحقيق الحقيقة كقوله ولا ~~طائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه ~~طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك هاهنا ربما يقال ~~للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال. فلما قيل يوحى اندفع التجوز. # ثم بين طريق الوحي بقوله علمه أي الموحي أو محمدا شديد القوى وهو جبرائيل ~~عليه السلام أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه ~~فضيلة المتعلم. ولو قال «علمه جبرائيل عليه السلام» لم يفهم منه فضل ~~المتعلم ظاهرا. وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفا ~~وما أوتي من العلم إلا قليلا. وفيه أن جبرائيل عليه السلام أمين موثوق به ~~من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق ~~بروايته، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كيلا يضيق صدره حين علم ~~بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال ~~في موضع آخر وعلمك ما لم تكن تعلم ms4268 # [النساء: 113] # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال «أدبني ربي فأحسن تأديبي» # PageV06P199 # والمرة القوة. والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله وزاده بسطة في العلم ~~والجسم [البقرة: 247] فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح ~~صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة. ويجوز ~~أن يراد بقوله شديد القوى قواه الجسمانية وبقوله ذو مرة القوى العقلية. ~~والتنكير للتعظيم. قوله فاستوى المشهور أن فاعله جبرائيل عليه السلام أي ~~فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى ~~أي الأشرف وهو الشرقي ثم دنا جبرائيل من الرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصورة المعتادة فتدلى قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ~~ثم دنا منه. وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان ~~فيه، فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يقال: # تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد ~~فلا يفيد إلا التأكيد. ثم زاد تأكيدا بقوله فكان قاب قوسين قال أهل ~~العربية. هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل عليه ~~السلام مثل «قاب قوسين» . والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها ~~المقدار. والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها. # وفي الحديث «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» «1» # وقال صلى الله عليه وسلم «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من ~~الدنيا وما فيها» «2» # والقد السوط. وقوله أو أدنى أي في تقديركم كقوله مائة ألف أو يزيدون ~~[الصافات 147] وقال بعضهم: الضمير في فاستوى لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية ~~والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا ~~من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال إنما أنا بشر مثلكم يوحى ms4269 إلي ~~[الكهف: 110] فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلا جدا. وعلى هذا يمكن أن ~~يكون الرجحان في الكمال للنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول أكثر أهل السنة، ~~أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون ~~الضمير في دنا لجبريل والمراد أن النبي صلى الله عليه وسلم وإن زال عن ~~الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن ~~نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل. PageV06P200 # وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق ~~الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكا فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما ~~نظيره ولقد رآه بالأفق المبين [التكوير: 23] أي رأى جبرائيل وهو أي محمد ~~بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: «رأيت الهلال ~~على السطح» أي وأنا على السطح. وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن ~~العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوسا أو قوسين لتأكيد العهد بين ~~الاثنين، فأخبر الله سبحانه أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام ~~من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة. وقيل: # الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لله والمراد قرب المكان بينهما. وهذا ~~يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة. دنا دنو إكرام ~~لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس. # والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم. أخبر بالقصة إكراما وكتم ~~الإسرار عظاما. # قوله فأوحى إلى عبده ما أوحى # الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد صلى ~~الله عليه وسلم أو جبريل عليه السلام فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم عبده ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي. وقيل: أوحى ~~إليه الصلاة. وقيل: # أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها. وعلى الأمم حتى ~~تدخلها أمتك. # والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله. ثانيها ~~فأوحى الله إلى ms4270 محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى أولا جبرائيل يعني أن ~~الوحي كان ينزل عليه أولا بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة. ~~وعلى هذا يحتمل أن يقال «ما» مصدرية أي أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن، أو كلمه أنه وحي أو ~~خلق فيه علما ضروريا. ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى. رابعها ~~فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ~~من الأنبياء قبله. وفيه إشارة إلى أن جبريل عليه السلام أمين لم يجن قط في ~~شيء مما أوحى إلى الأنبياء. خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما أوحى الله إليه. سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى ~~هو. # وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~قوله ما كذب الفؤاد ما رأى الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد صلى الله ~~عليه وسلم أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك. ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه ~~عرفه. ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك. وقيل: ~~اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ~~ينكره. والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله لا تدركه الأبصار ~~[الأنعام: 103] # PageV06P201 # وما ربك بغافل [الأنعام: 132] بخلاف قوله إن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~[التوبة: 12] لا يغفر أن يشرك به [النساء: 48] فإنه لنفي الوقوع. والظاهر ~~أن فاعل رأى محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه ~~الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في ~~صورته بالأفق الشرقي. والثاني الآيات العجيبة الإلهية. والثالث الرب تعالى ~~والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ms4271 لا تدركه ~~الأبصار [الأنعام: 103] ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في ~~حديث معراج النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول «سبحان الذي» . ولعل ~~القول الأول أصح. # يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى ~~الله عليه وسلم مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، # وإليه إشارة بقوله أفتمارونه من المراء أي أتجادلونه على ما يرى ومن قرأ ~~أفتمرونه فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته. ولما فيه من معنى ~~الغلبة عدي ب «على» وقيل: معناه أفتجحدونه. ولا بد من تضمين معنى الغلبة. ~~ولقد رآه نزلة أخرى أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة ~~فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة ~~المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن ~~يقال: إنه كان من الجن احتمالا بعيدا فلما رآه عند سدرة المنتهى لم يحتمل ~~أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال. # أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ~~بقلبه مرتين. والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أو ~~بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه نزل عن متن ~~الهوى ومركب النفس. وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه ~~العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة ~~الآخرة. وعلى القول الأول أيضا يحتمل أن تكون النزلة لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام «لو دنوت أنملة لاحترقت» ثم عاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليه. ومعنى أخرى أنه صلى الله عليه وسلم تردد في ~~أمر الصلاة مرارا فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين. أما ~~السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة. # «نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ms4272 ظلها سبعين عاما ~~لا يقطعها» «1» # وقد ورد الحديث بذلك. فعلى هذا عند ظرف مكان. ثم إن كان المرئي جبريل فلا ~~إشكال، وإن كان هو الله تعالى فكقول القائل PageV06P202 # «رأيت الهلال على السطح» وقد مر. وقال بعضهم عند ظرف زمان كما يقال: صليت ~~عند طلوع الفجر. والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحار عقول ~~العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر. وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من ~~إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال «أشجار البلدة الفلانية كذا» وأشجار الجنة ~~لا تيبس ولا تخلو من الثمار. # فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي ~~أرواح الشهداء. # وإما من إضافة الملك إلى الحال كما يقال «ظرف المداد» أي سدرة هي محل ~~انتهاء الجنة. # وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال «دار زيد وأشجار عمرو» فيكون ~~التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله سبحانه قال وأن إلى ربك المنتهى ~~فالإضافة للتشريف «نحو بيت الله وناقة الله» . وقال الحسن: جنة المأوى هي ~~التي يصير إليها المتقون. وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن ~~الضمير في عندها للسدرة. وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها ~~الحيرة القصوى. قال إذ يغشى السدرة ما يغشى معناه ورود حالة على حالة أي ~~طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته. # والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على ~~عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما ~~يسبح الله» # وعنه عليه السلام «يغشاها رفرف من طير خضر» # والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل. وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش ~~أو جراد من ذهب. والمحققون على أنها أنوار الله تعالى تجلى للسدرة كما تجلى ~~للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان أثبت ~~من موسى فلم تضطرب الشجرة ms4273 ولم يصعق محمد صلى الله عليه وسلم. قوله ما زاغ ~~البصر # فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد صلى الله عليه وسلم أي لم يلتفت إلى ما ~~يغشاها. # فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء ~~وامتحانا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار ~~الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور. ~~أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى عليه السلام. وفي الأول بيان ~~أدب محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الثاني بيان مزيته. وذهب بعضهم إلى أن ~~اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع هيبة وإجلالا. والظاهر أن ~~الضمير في قوله وما طغى للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته. ~~ويحتمل أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير ~~المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات. # قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد صلى الله عليه وسلم إلى سدرة ~~اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر ~~إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر # PageV06P203 # رآه أبيض أو أصفر أو أخضر. قوله لقد رأى من آيات ربه الكبرى الظاهر أن ~~الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى. وذلك البعض إما جبرائيل ~~على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت. ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى ~~من آيات ربه آية هي الكبرى. وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد ~~في الاخبار أن لله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحا. نعم لو قيل: ~~إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ~~الله ليلة المعراج. وفيه خلاف تقدم. # قوله أفرأيتم اللات والعزى إلخ. أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله تعالى ~~ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف ms4274 عند سدرة ~~المنتهى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ~~ذهبتم إليه وعولتم عليه؟ # قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله «فعلة» من لوى ~~يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون ~~فكأنه حذفت الياء تخفيفا وحركت الواو فانقلبت ألفا. والوقف عليه بالتاء ~~كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرئ به. زعموا أنه سمي ~~برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج. # وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه ~~وثنا. والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ~~ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى ~~قتلها وهو يقول: # يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأخبره بما فعل. فقال: تلك العزى ولن تعبد أبدا. # وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك ~~كانت تمنى عندها أي تراق. ومن قرأ بالمد فلعلها «مفعلة» من النوء كأنهم ~~كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركا بها. والأخرى لا يطلق إلا إذا كان ~~الأول مشاركا كالثاني فلا يقال: رأيت رجلا وامرأة أخرى. وإنما يقال رأيت ~~رجلا ورجلا آخر. وهاهنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ومناة الثالثة الأخرى؟ ~~وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله قالت ~~أخراهم لأولاهم [الأعراف: 38] أي وضعاؤهم لرؤسائهم. ويجوز أن تكون الأولية ~~والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت ~~من النبات ومناة من الجماد. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى. ~~الثالثة. # PageV06P204 # وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ~~ثوالث كثيرة وهذه ثالثة أخرى. وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى ~~المعبودتين بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى. ثم إنه تعالى ms4275 حين وبخهم ~~على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئا منها ليس مثلا لله تعالى ~~ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم ~~الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر ~~والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث ~~أنداد الله تعالى، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكرا ألكم ~~الذكر الذي ترغبون فيه وله الأنثى التي تستنكفون عنها تلك القسمة إذا أي ~~إذا صح ما ذكرتم قسمة ضيزى أي جائزة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي ~~«فعلى» بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واوا لتسلم الضمة إلا أنه فعل ~~بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء ~~الحركة. ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها «فعلى» ~~بالكسر. قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم ~~نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، ~~فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف ~~للشريف والوضيع للوضيع إن هي يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات إلا ~~أسماء سميتموها وقد مر في «الأعراف» وفي «يوسف» . قال الإمام فخر الدين ~~الرازي رحمه الله: اليتم يتم بقوله ما أنزل الله بها من سلطان فإن إطلاق ~~الاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية. وهاهنا يمكن أن يكون ~~مرادهم من قولهم «الملائكة بنات الله» أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة ~~بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة. والعرب قد تستعمل البنت مكان ~~الولد كما يقال «بنت الجبل وبنت الشفة» لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصا ~~إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا ~~اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه تعالى ثم قال: وهذا بحث يدق عن ~~إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم. قلت: ms4276 هذا البحث الدقيق ~~يوجب أن يكون الذم راجعا إلى ترك الأدب فقط. وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما ~~توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها. وما أمكن له على ~~تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية. # ومعنى ما أنزل الله بها أي بسببها وصحتها. وقال الرازي: الباء للمصاحبة ~~كقول القائل «ارتحل فلان بأهله ومتاعه» أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. ومن ~~قرأ إن تبعون على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، واما ~~لأن الضمير للآباء وصيغة الاستقبال # PageV06P205 # حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار. قوله وما تهوى ~~الأنفس يجوز أن تكون «ما» مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى ~~العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك. لم يعلم أن الإعجاب من ~~أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه. وإذا قال: # أعجبني ما تصنع. شمل الحال والاستقبال. ويجوز أن تكون «ما» موصولة والفرق ~~أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى. وقوله الأنفس من باب ~~مقابلة الجمع بالجمع. # والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل ~~واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل. ويجوز أن يكون ~~الظن مقصودا به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلا. ~~ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضا وهو إن كان واجب العمل به في ~~المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار ~~بقوله ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه ~~الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين. # قوله أم للإنسان أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة ~~الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا ~~أنبياء دون محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله فلله الآخرة والأولى رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا ~~حكم لأحد عليه. ومعنى الفاء أنه ms4277 إذا تقرر أن شيئا من الأشياء ليس بتمني ~~الإنسان فلا حكم إلا لله. ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه. ~~وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن «كم» للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد ~~الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله تدمر كل شيء [الأحقاف: 25] ~~ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل ~~أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل ~~اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف ~~يكون حال الجمادات؟ وقوله لمن يشاء أي لمن يريد الشفاعة له ويرضى أي ويراه ~~أهلا أن يشفع له فههنا أيضا أنواع أخر من المبالغة. الأول توقيف الشفاعة ~~على الإذن. والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق ~~الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة. والثالث رضا الله الشفاعة فقد ~~يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] وهذا عند أهل ~~السنة واضح. ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال إن الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة أي كل واحد منهم تسمية الأنثى لأنهم إذا ~~جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتا وبالعكس. وهاهنا سؤالان: # أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسمين فكان الأولى أن ~~يقال: إن # PageV06P206 # الذين يسمون لا يؤمنون. وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة ~~هذه التسمية؟ # والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضا لأنه ~~بخير عن جميع معهود أنهم يسمون. ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون ~~بينهما ملازمة. ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة ~~والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد. # وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة ~~فمعناه المبالغة أيضا لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب ~~مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ما لهم به من ms4278 علم إن ~~يتبعون إلا الظن واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه بحث مع ~~هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثا بحثا طويلا بناء على ظنه بهم ~~أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثا. وحاصل ذلك البحث يرجع ~~إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة ~~وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها ~~كما نبهناك عليه. ثم بين الله سبحانه قاعدة كلية فقال: وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه ~~الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على ~~البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم ~~الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال فأعرض أي ~~إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق عن ~~من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ويجوز أن يكون هذا الإعراض ~~متضمنا للأمر بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال. وقوله ذلك أي ~~الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء مبلغهم من العلم جملة ~~معترضة. ثم بين علة الإعراض قائلا إن ربك هو أعلم إلى آخره، وفيه بيان أنه ~~تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين ~~قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق. ثم قرر أنه سوى الملك ~~والملكوت لغرض الجزاء والإثابة. # والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى ~~الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر. واختلف في الكبائر وقد أشبعنا ~~القول فيها في سورة النساء في قوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [الآية: ~~31] والفواحش ما تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في ms4279 ~~الصورة كالشرك بالله. والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه ~~اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: # PageV06P207 # ألمت فحيت ثم قامت فودعت وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير ~~اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش. عن أبي سعيد الخدري: ~~اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة. عن السدي: # الخطرة من الذنب. وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حدا ولا ~~عذابا. # وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حينا بعد حين. # قال جار الله: معنى قوله إن ربك واسع المغفرة أنه يكفر الصغائر باجتناب ~~الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة. وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن ~~فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، ~~بل فيه بشارة أنه سبحانه يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك لأن غفران اللمم لا ~~يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر. وقوله هو ~~أعلم بكم إلى آخره. دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالما بأصلهم ~~وفرعهم كان عالما بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى ~~جبلتهم وطبعهم. فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل. ~~والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله ~~هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومة وجب عليه أن ~~لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولا وآخرا باطنا وظاهرا، ~~وما أحسن نسق هذه الجمل. وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ~~ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أمورا نعلمها في البيت الخالي وفي ~~جوف الليل المظلم؟ فأجاب الله تعالى بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ~~أحوالكم وقت كونكم أجنة. وقوله في بطون أمهاتكم للتأكيد فإنه إذا خرج من ~~بطن الأم يدعى سقطا أو ولدا. وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما ~~عليه بتقدير الله ms4280 وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد. وقيل: ~~فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو ~~جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر ~~على جمعه بعد التمزق. # والعامل في «إذ» هو «اذكر» أو ما يدل عليه أعلم أي يعلمكم وقت الإنشاء. ~~والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية. ويجوز أن يكون ~~الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم. وقوله وإذ أنتم يكون خطابا لنا. ~~قوله أفرأيت الذي تولى # قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيرا قويا فقال له رجل: لم تترك ~~دين آبائك؟ قال: أخاف. ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك ~~فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع # PageV06P208 # كلام النبي صلى الله عليه وسلم # وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من ~~أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح. ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: ~~إن لي ذنوبا وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء. فقال عبد الله: ~~أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن ~~الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك. يقال: ~~أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه «أجبل الحافر وأجبل ~~الشاعر» إذا أفحم. ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة ~~عنه؟ وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين ~~شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متوليا لكتاب الله ~~وأعطى قليلا من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد صلى الله عليه وسلم ~~أمسك عن العمل به. قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله أم لم ينبأ بما في صحف ~~موسى عينها أو جنسها وهو ما ms4281 نبأهم به نبينا صلى الله عليه وسلم. وجمع الصحف ~~إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما ~~لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى وألقى الألواح [الأعراف: 15] وكل لوح ~~صحيفة. وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف ~~إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر «سبح اسم ربك» هذا ~~المعنى مع ترتيب الوجود. والتشديد في قوله وفى للمبالغة في الوفاء، أو لأنه ~~بمعنى وفر وأتم كقوله فأتمهن [البقرة: 124] وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء ~~وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح ~~الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه. # يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يطلب ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا ~~نوى الصوم. # وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقا فلما رمي في النار قال له ~~جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليكم فلا. # قالا: فسل الله. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. # وروي في الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي عمله كل يوم بأربع ركعات ~~في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى. # وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟ كان يقول إذا أصبح وإذا ~~أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون» # وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم صلى الله عليه وسلم يؤخذ ~~الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم ~~إبراهيم فلهذا قال سبحانه ألا تزر وازرة وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ~~ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلا مما في صحف موسى، أو الرفع ~~كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقيل: هو أنه لا تزر نفس من ~~شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى ~~بأن لا تحمل. # PageV06P209 # ثم عطف على قوله ألا تزر قوله وأن ليس وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات ~~فيما مر. وفيه ms4282 مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر. وأورد عليه أن ~~الله سبحانه قال ليس للإنسان ولو أراد الكافر لقال «ليس على الإنسان» وهذا ~~بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال تعالى وإن ~~أسأتم فلها [الإسراء: # 7] وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في ~~الأخبار، وأيضا قال تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها [الأنعام: 160] ~~والأضعاف فوق ما سعى. # وأجاب بعضهم بأن قوله ليس للإنسان إلا ما سعى كان في شرع من تقدم ثم إنه ~~تعالى نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع. وقال المحققون: إن ~~سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعي نفسه وهو أن يكون ~~مؤمنا صالحا كان سعي غيره كأنه سعي نفسه. والثاني «ما» مصدرية والمضاف ~~محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه. # ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه. الثالث في صيغة المضي ~~إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية ~~مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان ~~يمنيه ويعده إلى أن يحل الأجل بغتة. قوله وأن سعيه سوف يرى إن كان من ~~الرؤية فكقوله اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله [التوبة: 105] وإن كان من ~~الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله ~~قادر على إعادة كل معدوم عرضا كان أو جوهرا، والمراد أن يريه الله إياه على ~~صورة جميلة إن كان عملا صالحا وبالضد إن كان بالضد. ويجوز أن يكون مجازا عن ~~الثواب كما يقال «سترى إحسانك عند الملك» أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى ~~لقوله ثم يجزاه الجزاء الأوفى اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة ~~تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل واف أي يجزى العبد ~~بسعيه الجزاء الأتم. وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله الجزاء ~~الأوفى وأبدل عنه كقوله وأسروا النجوى ms4283 الذين ظلموا [الأنبياء: 3] ومن لطائف ~~الآية أنه قال في حق المسيء ألا تزر وازرة وزر أخرى ولا يلزم منه أن يبقى ~~الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال «كل وازرة ~~تزر وزر نفسها» لم يكن بد من بقاء وزرها عليها. وقال في حق المحسن «ليس له ~~ما سعى» ولم يقل «ليس له ما لم يسع» إذ العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما ~~سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل ~~أنه قال في حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب ~~رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه. قوله وأن إلى ربك المنتهى المشهور أن ~~فيه بيان المعاد كقوله عز # PageV06P210 # من قائل وإلى الله المصير [آل عمران: 28] أي للناس بين يدي الله وقوف ~~وفيه بيان وقت الجزاء. وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان. ~~والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى ~~الواجب. وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام ~~إلى الله فأمسكوا. # وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا ذكر الرب فانتهوا» # والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية له. ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده ~~الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة ~~والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم. يقال: منى ~~وأمنى. وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن ~~مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ البكاء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى ~~الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى ~~الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو ~~انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب. قوله أمات وأحيا إما لأجل ~~الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة. ms4284 قال الأطباء: الذكر ~~أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب. وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون ~~من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل ~~كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام ~~الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعرا. وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ~~ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس ~~حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد ~~إليها. وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيرا لحرارة القلب. وإلى آلات ~~التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع ~~حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت. هذا أقوى ~~ما قالوا في هذا الباب. ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة ~~التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة ~~الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات ~~إلى الواجب بالذات. # واعلم أنه سبحانه في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم ~~الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك. ففي آيات الضحك والبكاء ~~والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود أنا أحيي ~~وأميت [البقرة: # PageV06P211 # 258] وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد ~~بالفصل وعلى هذا القياس قوله وأن عليه النشأة الأخرى ظاهره وجوب وقوع الحشر ~~في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: ~~هو كقوله ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14] أي بعد خلقته ذكرا وأنثى نفخ ~~فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه ~~بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه ~~من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه. ~~وإنما وسط الفصل لأن كثيرا من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان ms4285 ~~واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر. وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو ~~النجوم فقال ردا عليهم وأنه هو رب الشعرى وهما شعريان شامية ويمانية وهذه ~~أنورهما. وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من قبل أمه قال: لا أرى شمسا ولا قمرا ولا نجما تقطع السماء عرضا غيرها ~~فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشا في عبادة الأوثان. ~~وكانت قريش يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم «أبو كبشة» تشبيها له ~~لمخالفته إياهم في دينهم. وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا ~~بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى. وعاد الأولى قوم هود والأخرى، ~~إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة. وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا ~~أشرافا قوله وثمود عطف على عادا أي ما رحم عليهم. ومن المفسرين من قال فما ~~أبقى أي ما ترك أحدا منهم كقوله فهل ترى لهم من باقية [الحاقة: 8] وبه تمسك ~~الحجاج على من زعم أن ثقيفا من ثمود. وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم ~~أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحا عليه السلام كان أول ~~الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي ~~أظلم، ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها. # ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون ~~عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاما. وليس ~~قوله إنهم كانوا تعليلا للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين ~~والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بيانا لشدة طغيانهم وفرط ~~ظلمهم. والمؤتفكة يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر ~~في هود أهوى أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض فغشاها ~~ما غشى من الحجارة المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب. وجوز ~~أن يكون «ما» فاعلا كقوله والسماء وما بناها [الشمس: ms4286 5] هذا كله حكاية ما ~~في الصحف إلا فيمن قرأ وأن إلى ربك المنتهى بالكسر على الابتداء وكذا ما ~~بعده أما قوله فبأي آلاء ربك تتمارى فقد قيل: هو أيضا مما في # PageV06P212 # الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] والمراد أنه لم يبق فيها ~~إمكان الشك، وقد عد نعما ونقما وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضا نعم إن أراد ~~أن يعتبر. ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه ~~وإقنائه. ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمه ~~فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما ~~أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له ~~مزيد بيان في سورة الرحمن هذا القرآن أو الرسول نذير أي إنذار أو منذر من ~~جنس الإنذارات أو المنذرين. وقال الأولى على تأويل الجماعة. وحين فرغ من ~~بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال أزفت الآزفة أي ~~قربت الموصوفة بالقرب في قوله اقترب للناس حسابهم [الأنبياء: 1] وما يدريك ~~لعل الساعة قريب [الشورى: 17] وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم ~~وأنها تكاد تقوم ليس لها من دون الله نفس كاشفة للتأنيث كما مر، أو ~~للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و «من» زائدة ~~والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد ليس لها في الوجود نفس ~~تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره. ~~ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء ~~وإنكارا. وفي قوله ولا تبكون إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور ~~القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا ~~سجدا وبكيا [مريم: 57] والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو. وعن مجاهد: كانوا ~~يمرون بالنبي صلى الله ms4287 عليه وسلم غضابا مبرطمين. وقال: # البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا ~~نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال فاسجدوا أي إذا اعترفتم لله ~~بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة. وقد مر في سورة الحج في قوله ~~ألقى الشيطان في أمنيته [الآية: 52] # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد ~~معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس # وذكرنا سببه. # PageV06P213 ### | (سورة القمر) # (وهي مكية حروفها ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون كلماتها ثلاثمائة واثنتان ~~وأربعون آياتها خمس وخمسون) ### | [سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 55] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ~~(2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما ~~فيه مزدجر (4) # حكمة بالغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر (6) ~~خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع ~~يقول الكافرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا ~~مجنون وازدجر (9) # فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (10) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (11) ~~وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملناه على ذات ~~ألواح ودسر (13) تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر (14) # ولقد تركناها آية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا ~~أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) # تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21) ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا ~~منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر (24) # أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب ~~الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن ~~الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) # فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر (31) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ms4288 من مدكر (32) كذبت قوم لوط ~~بالنذر (33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (34) # نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ~~(36) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم ~~بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء آل فرعون النذر (41) ~~كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (42) أكفاركم خير من أولئكم أم ~~لكم براءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) # سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) ~~إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر (49) # وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر ~~(51) وكل شيء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في ~~جنات ونهر (54) # في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) # PageV06P214 ### | القراآت # مستقر بالجر: يزيد الداعي إلى الداعي بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن ~~كثير غير ابن فليح وزمعة وأفق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل ~~فيهما بالياء يدع الداع بغير ياء في الحالين إلى الداع في الوصل: قالون. # الباقون: بغير ياء في الحالين شيء نكر بسكون الكاف: ابن كثير خاشعا ~~بالألف: # أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الآخرون خشعا كركع. ففتحنا ~~بالتشديد: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب وفجرنا بالتخفيف: أبو زيد عن المفضل ~~ونذري وما بعده بالياء في الحالين: يعقوب وأفق ورش وسهل وعباس في الوصل. # أو لقي مثل أو «نبئكم» ستعلمون على الخطاب: ابن عامر وحمزة سنهزم بالنون ~~الجمع بالنصب: روح وزيد عن يعقوب. ### | الوقوف # القمر ه مستمر ه مستقر ه مزدجر ه لا بناء على أن قوله حكمة بدل من «ما» ~~أو من مزدجر النذر ه لا للعطف مع اتصاله المعنى عنهم م لأنه لو وصل لأوهم ~~أن الظرف متصل به وليس كذلك بل هو ظرف يخرجون نكر ه لا لاتصال الحال بالظرف ~~من قبل اتحاد ms4289 عاملهما منتشر ه لا لأن مهطعين حال بعد حال الداع ط عسر ه ~~وازدجر ه فانتصر ه منهمر ه ز للعطف مع اتحاد مقصود الكلام قدر ه ج للعارض ~~من الجملتين المتفقتين وللآية مع احتمال الحال أي وقد حملناه ودسر ه لا لأن ~~تجري صفة لها بأعيننا ج لأن جزاء مفعول له أو مصدر لفعل محذوف كفر ه مدكر ه ~~ونذر ه مدكر ه ونذر ه مستمر ه لا لأن ما بعده صفة الناس لا لأن كأنهم حال ~~منقعر ه ونذر ه مدكر ه بالنذر ه نتبعه لا لتعلق «إذا» بها وسعر ه أشر ه ~~الأشر ه واصطبر ه لا للعطف بينهم ج لأن كل مبتدأ مع أن الجملة من بيان ما ~~تقدم محتضر ه فعقر ه ونذر ه المحتظر ه مدكر ه بالنذر ه لوط ط # PageV06P215 # لأن الجملة لا تصلح صفة للمعرفة بسحر ه لا عندنا ط شكر ه بالنذر ه ونذر ه ~~مستقر ه ج للفاء أي فقيل لهم ذقوا ونذر ه مدكر ه النذر ه ج لاتصال المعنى ~~بلا عطف مقتدر ه في الزبر ه ج لأن ما بعده يصلح استفهام إنكار مستأنف ويصلح ~~بدلا عن «أم» قبلة منتصر ه الدبر ه وأمر ه وسعر ط بناء على أن يوم ليس ظرفا ~~لضلال وإنما هو ظرف لمحذوف أي يقال لهم ذقوا وجوههم ط سقر ه بقدر ه بالبصر ~~ج مدكر ه الزبر ه مستطر ه ونهر ه لا لأن ما بعده بدل مقتدر ه. ### | التفسير: # أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة أزفت الآزفة [النجم: # 57] إلا أنه ذكر هاهنا دليلا على الاقتراب وهو قوله وانشق القمر في ~~الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق ~~القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفاق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن ~~مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا ~~إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على ms4290 عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~هذا قول أكثر المفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على ~~عادة إخبار الله.، وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ~~ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك. وأجيب بأن الناقلين لعلهم ~~اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضا إنه ~~سبحانه جعل انشقاق القمر آية من الآيات لرسوله ولو كانت مجرد علامة القيامة ~~لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما ~~معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. ~~وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن ~~البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن ~~يتمسك به أولى من قول الفلسفي. هذا مع أن استدلالهم على امتناع الخرق في ~~السماويات لا يتم كما بينا في الحكمة. وكيف يدل انشقاق القمر على اقتراب ~~الساعة نقول: من جهة إن ذلك يدل على جواز انخراق السماويات وخرابها خلاف ما ~~زعمه منكرو الحشر من الفلاسفة وغيرهم. ومن هاهنا ظن بعضهم وإليه ميل الإمام ~~فخر الدين الرازي أن المراد باقتراب الساعة ليس هو القرب الزماني وإنما ~~المراد قربها في العقول وفي الأذهان كأنه لم يبق بعد ظهور هذه الآية للمنكر ~~مجال. واستعمال لفظ الاقتراب هاهنا مع أنه مقطوع به كاستعمال «لعل» في قوله ~~لعل الساعة تكون قريبا [الأحزاب: 63] والأمر عند الله معلوم. قال: وإنما ~~ذهبنا إلى هذا التأويل لئلا يبقى للكافر مجال الجدال فإنه قد مضى # PageV06P216 # قرب سبعمائة سنة ولم تقم الساعة ولا يصح إطلاق لفظ القرب على مثل هذا ~~الزمان. # والجواب أن كل ما هو آت قريب وزمان العالم زمان مديد والباقي بالنسبة إلى ~~الماضي شيء يسير قال أهل اللغة: في «افتعل» مزيد تشجم ومبالغة فمعنى اقترب ~~دنا دنوا قريبا، وكذلك اقتدر أبلغ من قدر. ثم بين أن ظهور آيات الله لا ms4291 ~~يؤثر فيهم بل يزيد في عنادهم وتمردهم حتى سموها سحرا مستمرا أي دائما مطردا ~~كأنهم قابلوا ترادف الآيات وتتابع المعجزات باستمرار السحر، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأتي كل أوان بمعجزة قولية أو فعلية سماوية أو أرضية. ~~وقيل: هو من قولهم «حبل مرير الفتل» من المرة وهي الشدة أي سحر قوي محكم. ~~وقيل: من المرارة يقال: استمر الشيء إذا اشتد مراراته أي سحر مستبشع مر في ~~مذاقنا. وقيل: مستمر أي مار ذاهب زائل عما قريب. عللوا أنفسهم بالأماني ~~الفارغة فخيب الله آمالهم بإعلاء الدين وتكامل قوته كل يوم. والظاهر أن ~~قوله وإن يروا إلى آخر الآية. جملة معترضة بيانا لما اعتادوه عند رؤية ~~الآيات. وقوله وكذبوا عطف على قوله اقتربت كأنهم قابلوا الاقتراب والانشقاق ~~بالتكذيب واتباع الأهواء. # والمعنى وكذبوا بالأخبار عن اقتراب الساعة واتبعوا أهواءهم في أن محمد ~~صلى الله عليه وسلم ساحر أو كاهن أو كذبوا بانشقاق القمر واتبعوا آراءهم ~~الفاسدة في أنه خسوف عرض للقمر وكذلك كل آية وكل أمر مستقر صائر إلى غاية ~~وأن أمر محمد صلى الله عليه وسلم سيصير إلى حد يعرف منه حقيقته وكذلك أمرهم ~~مستقر على حالة البطلان والخذلان. ومن قرأ بالجر فلعطف كل على الساعة أي ~~اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر وبين حاله. ثم أشار بقوله ولقد جاءهم ~~إلى أن كل ما هو لطف بالعباد قد وجد فأخبرهم الرسول باقتراب القيامة وأقام ~~الدليل على صدقه ووعظهم بأحوال القرون الخالية وأهوال الدار الآخرة. # وفي كل ذلك مزدجر لهم أي ازدجار أو موضع ازدجار ومظنة ادكار وهو افتعال ~~من الزجر قلبت التاء دالا. وقوله حكمة يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ~~هذا الترتيب في إرسال الرسول وإيضاح الدليل والإنذار بمن مضى من القرون ~~حكمة بالغة كاملة قد بلغت منتهى البيان فما تغنى نفي أو استفهام إنكار ~~معناه أنك أتيت بما عليك من دعوى النبوة مقرونة بالآية الباهرة وأنذرتهم ~~بأحوال الأقدمين فلم يفدهم فأي غناء تغنى النذر أي الإنذارات بعد هذا ms4292 فتول ~~عنهم لعلمك أن الإنذار لا يفيد فيهم ولا يظهر الحق لهم إلى يوم البعث ~~والنشور. والداعي إسرافيل أو جبريل ينادي إلى شيء منكر فظيع تنكره النفوس ~~لأنها لم تعهد بمثله وهو هول يوم القيامة. وتخصيص المدعوين بالكافرين من ~~حيث إنهم هم الذين يكرهون ذلك اليوم من ضيق العطن قوله خاشعا حال من ~~الخارجين والفعل للأبصار. وليس قراءة من قرأ خشعا على الجمع من باب «أكلوني # PageV06P217 # البراغيث» كما ظن في الكشاف، ولكنه أحسن من ذلك ولهذا تواترت قراءته لعدم ~~مشابهة الفعل صورة. تقول في السعة «قام رجل قعود غلمانه» وضعف «قاعدون» ~~وضعف منه «يقعدون» لأن زيادة الحرف ليست في قوة زيادة الاسم. وجوز أن يكون ~~في خشعا ضميرهم ويقع أبصارهم بدلا عنه. وخشوع الأبصار سكونها على هيئة لا ~~تلتفت يمنة ويسرة كقوله لا يرتد إليهم طرفهم [إبراهيم: 43] والأجداث القبور ~~شبههم بالجراد المنتشر للكثرة والتموج والذهاب في كل مكان. وقيل: المنتشر ~~مطاوع أنشره إذا أحياه فكأنهم جراد يتحرك من الأرض ويدب فيكون إشارة إلى ~~كيفية خروجهم من الأجداث وضعف حالهم. ومعنى مهطعين مسرعين وقد مر في ~~إبراهيم عليه السلام. # ثم إنه سبحانه أعاد بعض الأنباء وقدم قصة نوح على عاد وفائدة، قوله ~~فكذبوا عبدنا بعد قوله كذبت قبلهم قوم نوح هي فائدة التخصيص بعد التعميم أي ~~كذبت الرسل أجمعين فلذلك كذبوا نوحا. ويجوز أن يكون المراد التكرير أي ~~تكذيبا عقيب تكذيب، كلما مضى منهم قرن تبعه قرن آخر مكذب. وقوله عبدنا ~~تشريف وتنبيه على أنه هو الذي حقق المقصود من الخلق وقتئذ ولم يكن على وجه ~~الأرض حينئذ عابد لله سواه فكذبوه وقالوا هو مجنون وازدجروه أي استقبلوه ~~بالضرب والشتم وغير ذلك من الزواجر عن تبليغ ما أمر به. وجوز أن يكون من ~~جملة قولهم أي قالوا ازدجرته الجن ومسته وذهبت بلبه فدعا ربه أني مغلوب ~~غلبني قومي بالإيذاء والتكذيب. وقيل: # غلبتني نفسي بالدعاء عليهم حين أيست من إجابتهم لي فانتصر منهم فانتقم ~~منهم لي أو لدينك روي أن الواحد من ms4293 قومه كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا ~~عليه فيفيق وهو يقول: # اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وأبواب السماء وفتحها حقيقة عند من ~~يجوز لها أبوابا وفيها مياها. وعند أهل البحث والتدقيق هو مجاز عن كثرة ~~انصباب الماء من ذلك الصوب كما يقال في المطر الوابل «جرت ميازيب السماء ~~وفتحت أفواه القرب» . والباء للآلة نحو: # فتحت الباب بالمفتاح. ونظيره قول القائل «يفتح الله لك بخير» . وفيه ~~لطيفة هي جعل المقصود مقدما في الوجود والتقدير يفيض الله لك خيرا يأتي ~~ويفتح لك الباب. ويجوز أن يراد فتحنا أبواب السماء مقرونة بماء منهمر منصب ~~في كثرة وتتابع أربعين يوما. قال علماء البيان: قوله فجرنا الأرض عيونا ~~أبلغ من أن لو قال «وفجرنا عيون الأرض» أي جعلنا الأرض كلها كأنها عيون ~~منفجرة نظيره واشتعل الرأس شيبا [مريم: 4] وقد مر فالتقى الماء أي جنسه ~~يعني مياه السماء والأرض يؤيده قراءة من قرأ فالتقى الماءان على أمر قد قدر ~~أي على حال قدرها الله عز وجل كيف شاء، أو على حال جاءت # PageV06P218 # مقدرة متساوية أي قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، ولعله إشارة إلى أن ماء ~~الأرض ينبع من العيون حتى إذا ارتفع وعلا لقيه ماء السماء. ويحتمل أن يقال: ~~اجتمع الماء على أمر هلاكهم وهو مقدر في اللوح وذات ألواح ودسر هي السفينة ~~وهي من الصفات التي تؤدي مؤدى الموصوف فتنوب منابه. وهذا الإيجاز من فصيح ~~الكلام وبديعه. والدسر المسامير جمع دسار من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به ~~منفذه. فعلنا كل ما ذكرنا من فتح أبواب السماء وغيره جزاء أو جزيناهم جزاء ~~لمن كان كفر وهو نوح عليه السلام لأن وجود النبي صلى الله عليه وسلم نعمة ~~من الله وتكذيبه كفرانها. يحكى أن رجلا قال للرشيد: الحمد لله عليك. # فسئل عن معناه قال: أنت نعمة حمدت الله عليها. والضمير في تركناها ~~للسفينة أو للفعلة كما مر في «العنكبوت» فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها ~~آية للعالمين [الآية: # 15] والمدكر المعتبر وأصله «مذتكر» افتعال من الذكر والاستفهام ms4294 فيه وفي ~~قوله فكيف كان عذابي ونذر أي إنذاراتي للتوبيخ والتخويف ولقد يسرنا القرآن ~~سهلناه للادكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية. وقيل: ~~للحفظ والأول أنسب بالمقام. وإن # روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظا على ظهر القلب سوى القرآن. # سؤال: ما الحكمة في تكرير ما كرر في هذه السورة من الآي؟ والجواب أن ~~فائدته تجديد التنبيه على الادكار والاتعاظ والتوقيف على تعذيب الأمم ~~السالفة ليعتبروا بحالهم، وطالما قرعت العصا لذوي الحلوم وأصحاب النهي ~~وهكذا حكم التكرير في سورة الرحمن عند عد كل نعمة، وفي سورة المرسلات عند ~~عد كل آية لتكون مصورة للأذهان محفوظة في كل أوان. ونفس هذه القصص كم كررت ~~في القرآن بعبارات مختلفة أوجز وأطنب لأن التكرير يوجب التقرير والتذكير ~~ينبه الغافل على أن كل موضع مختص بمزيد فائدة لمن يعرف من غيره، وإنما كرر ~~قوله فكيف كان عذابي ونذر مرتين في قصة عاد لأن الاستفهام الأول أورده ~~للبيان كما يقول المعلم لمن لا يعرف كيف المسألة الفلانية ليصير المسئول ~~سائلا فيقول: كيف هي؟ فيقول المعلم: إنها كذا وكذا. والاستفهام الثاني ~~للتوبيخ والتخويف. فأما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار وفي قصة نوح ~~اقتصر على الثاني لذلك. ولعله ذكر الاستفهامين معا في قصة عاد لفرط عتوهم ~~وقولهم من أشد منا قوة [فصلت: 15] وقد مر في حم السجدة تفسير الصرصر ~~والأيام النحسات. وإنما وحد هاهنا لأنه أراد مبدأ الأيام ووصفه بالمستمر ~~أغنى عن جمعه أي استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. قيل: استمر عليهم جميعا على ~~كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة. # وقيل: المستمر الشديد المرارة. تنزع الناس تقلعهم عن أماكنهم فتكبهم وتدق ~~رقابهم # PageV06P219 # كأنهم أعجاز نخل منقعر منقلع عن مغارسه. وفي هذا التشبيه إشارة إلى جثثهم ~~الطوال العظام، ويجوز أن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس ~~كأعجاز النخل أصولا بلا فروع. قال النحويون: اسم الجنس الذي تميز واحده ~~بالتاء جاز في وصفه التذكير كما في الآية، والتأنيث كما في قوله أعجاز ms4295 نخل ~~خاوية [الحاقة: 7] هذا مع أن كلا من السورتين وردت على مقتضى الفواصل. قوله ~~أبشرا من باب ما أضمر عامله على شريطة التفسير وإنما أولى حرف الاستفهام ~~ليعلم أن الإنكار لم يقع على مجرد الاتباع ولكنه وقع على اتباع البشر ~~الموصوف وأنه من جهات إحداها كونه بشرا وذلك لزعمهم أن الرسول لا يكون ~~بشرا. الثانية كونه منهم وفيه بيان قوة المماثلة، وفيه بيان مزيد استكبار ~~أن يكون الواحد منهم مختصا بالنبوة مع أنهم أعرف بحاله. الثالثة كونه ~~واحدا، أي كيف تتبع الأمة رجلا أو أرادوا أنه واحد من الآحاد دون الأشراف. ~~والسعر النيران جميع سعير للمبالغة، أو لأن جهنم دركات، أو لدوام العذاب ~~كأن يقول: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق وفي سعر فعكسوا عليه قائلين: ~~إن اتبعناك كنا إذا كما تقول. وقيل: الضلال البعد عن الصواب، والسعر الجنون ~~ومنه «ناقة مسعورة» وفي قوله أألقي الذكر عليه من بيننا تصريح بما ذكرنا من ~~أن واحدا منهم كيف اختص بالنبوة. وفي الإلقاء أيضا تعجب آخر منهم وذلك أن ~~الإلقاء إنزال بسرعة كأنهم قالوا: الملك جسم والسماء بعيدة فكيف نزل في ~~لحظة واحدة؟ أنكروا أصل الإلقاء ثم الإلقاء عليه من بينهم. والأشر البطر ~~المتكبر أي حمله بطره وشطارته على ادعاء ما ليس له. ثم قال سبحانه تهديدا ~~لهم ولأمثالهم سيعلمون غدا أي فيما يستقبل من الزمان هو وقت نزول العذاب أو ~~يوم القيامة من الكذاب الأشر بالتشديد أي الأبلغ في الشرارة. وحكى ابن ~~الأنباري أن العرب تقول: هو أخير وأشر. وذلك أصل مرفوض. ومن قرأ ستعلمون ~~على الخطاب فإما حكاية جواب صالح أو هو على طريقة الالتفات. ثم إنه تعالى ~~خاطب صالحا بقوله إنا مرسلوا الناقة أي مخرجوها من الصخرة كما سألوا فتنة ~~وامتحانا لهم. فارتقبهم وتبصر ما هم فاعلون بها واصطبر على إيذائهم ونبئهم ~~أن الماء قسمة أي مقسوم بينهم خص العقلاء بالذكر تغليبا كل شرب محتضر فيه ~~يوم لها ويوم لهم كما قال عز من قائل لها شرب ms4296 ولكم شرب يوم معلوم [الشعراء: ~~155] وقد مر في «الشعراء» . وقال في الكشاف: # محضور لهم وللناقة وفيه إبهام. وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في ~~شربها فنادوا صاحبهم وهو قدار نداء المستغيث وكان أشجع وأهجم على الأمور أو ~~كان رئيسهم. # فتعاطى فاجترأ على الأمر العظيم فتناول العقر وأحدثه بها أو تعاطى الناقة ~~أو السيف أو # PageV06P220 # الأجر. والهشيم الشجر اليابس المتهشم أي المتكسر والمحتظر الذي يعمل ~~الحظيرة، ووجه التشبيه أن ما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم ~~فيتكسر وأنهم صاروا موتى جاثمين ملقى بعضهم فوق بعض كالحطب الذي يكسر في ~~الطرق والشوارع. ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم وقودا للجحيم كقوله كانوا ~~لجهنم حطبا # والحاصب الريح التي ترميهم بالحجارة وقد مر في «العنكبوت» . ولعل التذكير ~~بتأويل العذاب. والسحر القطعة من الليل وهو السدس الآخر كما مر في «هود» و ~~«الحجر» . وصرف لأنه نكرة وإذا أردت سحر يومك لم تصرفه. والظاهر أن ~~الاستثناء من الضمير في عليهم لأنه أقرب ولأنه المقصود. وجوز أن يكون ~~استثناء من فاعل كذبت وهو بعيد نعمة مفعول له أي إنعاما. # وقوله كذلك نجزي من شكر أكثر المفسرين على أنه إشارة إلى أنه تعالى يصون ~~من عذاب الدنيا كل من شكر نعمة الله بالطاعة والإيمان. وقيل: إنه وعد بثواب ~~الآخرة أي كما نجيناهم من عذاب الدنيا ننعم عليهم يوم الحساب بالثواب. # وحين أجمل قصتهم فصلها بعض التفصيل قائلا ولقد أنذرهم أي لوط بطشتنا شدة ~~أخذنا بالعذاب فتماروا بالنذر فتشاكوا بالإنذارات ولقد راودوه عن ضيفه ~~معناها قريب من المطالبة كما مر في «يوسف» . والضمير للقوم باعتبار البعض ~~لأن بعضهم راودوه وكان غيرهم راضين بذلك فكانوا جميعا على مذهب واحد. ~~فطمسنا أعينهم مسخناها وجعلناها مع الوجه صفحة ملساء لا يرى لها شق. وإنما ~~قال في «يس» ولو نشاء لطمسنا على أعينهم [الآية: 66] بزيادة حرف الجر لأنه ~~أراد به إطباق الجفنين على العين وهو أمر كثير الوقوع قريب الإمكان بخلاف ~~ما وقع للمراودين من قوم لوط فإنه أنذر وأبعد والكل بالإضافة ms4297 إلى قدرة الله ~~تعالى واحد، إلا أنه حين علق الطمس بالمشيئة ذكر ما هو أقرب إلى الوقوع ~~كيلا يكون للمنكر مجال كثير. ونقل عن ابن عباس أن المراد بالطمس المنع عن ~~الإدراك فما جعل على بصرهم شيئا غير أنهم دخلوا ولم يروا هناك شيئا. ولعل ~~في هذا النقل خللا لأنه لا يناسب قوله عقيب ذكر الطمس فذوقوا عذابي ونذر أي ~~فقلت لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا ألم عذابي وتبعة إنذاراتي. ثم حكى ~~العذاب الذي عم الكل بقوله ولقد صبحهم ولقائل أن يسأل: مع الفائدة في قوله ~~بكرة مع قوله صبحهم والجواب أن صبحهم يشمل من أول الصبح إلى آخر الإسفار ~~وأنه تعالى وعدهم أول الصبح كما قال إن موعدهم الصبح [هود: 81] فأراد بقوله ~~بكرة تحقيق ذلك الوعد. ويمكن أن يقال: قد يذكر الوقت المبهم لبيان أن تعيين ~~الوقت غير مقصود كما تقول: خرجنا في بعض الأوقات ولا فائدة فيه إلا قطع ~~المسافة. فإنه ربما يقول السامع متى # PageV06P221 # خرجتم فيحتاج إلى أن تقول في وقت كذا أو في وقت من الأوقات. فإذا قال من ~~أول الأمر في وقت من الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ~~وبمثله أجيب عن قوله سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] ويحتمل أن ~~يقال: صبحهم معناه قال لهم بكرة عموا صباحا وهو بطريق التهكم كقوله فبشرهم ~~بعذاب [آل عمران: 21] ويجوز أن يكون التصبيح بمعنى الإغاثة من قولهم «يا ~~صباحاه» والعذاب المستقر الثابت الذي لا مدفع له أو الذي استقر عليهم ودام ~~إلى الاستئصال الكلي أو إلى القيامة وما بعدها. قوله ولقد جاء آل فرعون ~~النذر يعني موسى وهارون وغيرهما وأنهما عرضا عليه ما أنذر به المرسلون وهو ~~بمعنى الإنذارات بآياتنا كلها هي الآيات التسع أو جميع معجزات الأنبياء ~~عليهم السلام لأن تكذيب البعض تكذيب الكل العزيز المقتدر الغالب الذي لا ~~يعجزه شيء. ثم خاطب كفار أهل مكة بقوله أكفاركم خير من أولئكم المكذبين وهو ~~استفهام إنكار لأن الأقدمين كانوا أكثر عددا وقوة وبطشا ms4298 أم لكم براءة في ~~الزبر الكتب المتقدمة أن من كفر منكم كان آمنا من سخط الله فأمنتم بتلك ~~البراءة كما أن البيداء وهو من في يده قانون أصل الخراج إذا استوفى الخراج ~~من أهله كتب لهم البراءة أم يقولون نحن جميع جمع مجتمع أمرنا منتصر منتقم ~~عن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر فتقدم في الصف فقال: نحن ننصر اليوم من ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فنزلت سيهزم الجمع ويولون الدبر أي ~~الأدبار. عن عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عمر: أي جمع يهزم؟ فلما رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول سيهزم الجمع عرف تأويلها ~~بل الساعة موعدهم والساعة أدهى من أنواع عذاب الدنيا أو أدهى الدواهي. ~~والداهية اسم فاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه ويختص بأمر صعب كالحادثة ~~والنازلة. وأمر من المرارة. وقيل: من المرور أي أدوم وأكثر مرورا. وقيل: من ~~المرة الشدة. قوله إن المجرمين الآية. # روى الواحدي في تفسيره بإسناده عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى ~~قوله خلقناه بقدر # وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مجوس هذه الأمة القدرية» # وهو المجرمون الذين سماهم الله في قوله إن المجرمين في ضلال عن الحق في ~~الدنيا وسعر وهو نيران في الآخرة أو في ضلال وجنون في الدنيا لا يهتدون ولا ~~يعقلون. أو في ضلال وسعر في الآخرة لأنهم لا يجدون إلى مقصودهم وإلى الجنة ~~سبيلا. والنيران ظاهر أنها في الآخرة، وسقر علم لجهنم من سقرته النار ~~وصقرته إذا لوحته، والمشهور بناء على الحديث المذكور أن قوله إنا كل شيء ~~متعلق بما قبله كأنه قال: إن مس النار جزاء من أنكر هذا المعنى وهو منصوب ~~بفعل مضمر يفسره الظاهر. قال النحويون: النصب في مثل هذا الصور لازم لئلا ~~يلتبس # PageV06P222 # المفسر بالصفة، وذلك أن النصب نص في المعنى المقصود وأما الرفع فيحتمل ~~معنيين: # أحدهما ms4299 كل شيء فإنه مخلوق بقدر وهو يؤدي مؤدى النصب، والآخر كل شيء مخلوق ~~لنا فإنه بقدر وهذا غير مقصود بل فاسد إذ يفهم منه أن شيئا من الأشياء غير ~~مخلوق لله ليس بقدر والقدر التقدير أي كل شيء خلقناه مرتبا على وفق الحكمة ~~أو مقدرا مكتوبا في اللوح ثابتا في سابق العلم الأزلي. # واعلم أنه قد مر في هذا الكتاب أن الجبري يقول القدرية التي ذمها النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو المعتزلي الذي ينفي كون الطاعة والمعصية بتقدير ~~الله. والمعتزلة تقول: الجبري الذي يدعي أن الزنا والسرقة وغيرهما من ~~القبائح كلها بتقدير الله تعالى. وكذا حال السني لأنه وإن كان يثبت للعبد ~~كسبا إلا أنه يسند الخير والشر إلى القضاء والقدر وقال بعض العلماء: # إن كل واحد من الفريقين لا يدخل في اسم القدرية إلا إذا كان النافي نافيا ~~لقدرة الله لا أن يقول: هو قادر على أن يجلىء العبد إلى الطاعة ولكن حكمته ~~اقتضت بناء التكليف على الاختيار وإلا كان المثبت منكرا للتكليف وهم أهل ~~الإباحة القائلين بأن الكل إذا كان بتقدير الله فلا فائدة في التكليف. ولعل ~~وجه تشبيههم بالمجوس أنهم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كالمجوس فيما بين ~~الكفار المتقدمين فكما أن المجوس نوع من الكفرة أضعف شبهة وأشد مخالفة ~~للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة وبهذا التأويل لا يلزم الجزم بأنهم من ~~أهل النار، وأيضا لعل اسم القدرية لأهل الإثبات أولى منه لأهل النفي كما ~~تقول: دهري لأنه يقول بالدهر والثنوية لإثباتهم إلهين اثنين أو نورا وظلمة. ~~وقال بعضهم: هذا الاسم بأهل النفي أولى لأن الآية نزلت في منكري القدرة وهم ~~المشركون القائلون بأن الحوادث كلها مستندة إلى اتصالات الكواكب ~~وانصرافاتها فلا قدرة لله على شيء من ذلك. قوله وما أمرنا إلا واحدة أي إلا ~~كلمة واحدة وهي «كن» تأكيد لإثبات القدرة له وقد مر مثله في «النحل» . ~~وقوله كلمح بالبصر تأكيد على تأكيد وهذا تمثيل وإلا فتكوينه وإيجاده عين ~~مشيئته وأرادته. ومعنى ms4300 الخلق والأمر أيضا تقدم مشتبعا في «الأعراف» ثم ~~هددهم مرة أخرى بقوله ولقد أهلكنا أشياعكم أي أشباهكم في الكفر من الأمم. ~~ثم ذكر نوعا آخر من التهديد مع بيان كمال القدرة والعلم فقال وكل شيء فعلوه ~~في الزبر أي في صحف الحفظة. قال النحويون: هذا مما التزم فيه الرفع لأن ~~النصب يكون نصا في معنى غير مقصود بل فاسد إذ يلزم منه أن يكون كل شيء ~~مفعولا في الزبر وهذا معنى غير مستقيم كما ترى. وأما الرفع فيحتمل معنيين. ~~أحدهما صحيح مقصود وهو أن يقدر قوله فعلوهن صفة ل شيء والظرف خبر أي كل شيء ~~مفعول للناس فإنه في الزبر. والآخر أن # PageV06P223 # تقدر الجملة خبر أو يبقى الظرف لغوا فيؤدي الكلام حينئذ مؤدي النصب، ولا ~~ريب أن الوجه الذي يصح المعنى فيه على أحد الاحتمالين أولى من الذي يكون ~~نصا في المعنى الفاسد. ثم أكد المعنى المذكور بقوله وكل صغير وكبير من ~~الأعمال بل مما وجد ويوجد مستطر أي مسطور في اللوح. ثم ختم السورة بوعد ~~المتقين. والنهر جنس أريد به الأنهار اكتفى به للفاصلة. ولما سلف مثله ~~مرارا كقوله إن المتقين في جنات وعيون [الذاريات: 15] وقيل: معناه السعة ~~والضياء من النهار في مقعد صدق وفي مكان مرضي من الجنة مقربين عند مليك ~~مقتدر لا يكتنه كنه عظمته واقتداره نظيره قول القائل «فلان في بلدة كذا في ~~دار كذا مقرب عند الملك» . ويحتمل أن يكون الظرف صفة مقعد صدق كما يقال ~~«قليل عند أمين خير من كثير عند خائن» . قال أهل اللغة: القعود يدل على ~~المكث بخلاف الجلوس ولهذا يقال للمؤمن «مقعد دون مجلس» ومنه قواعد البيت، ~~وكذا في سائر تقاليبه من نحو وقع أي لزق بالأرض وعقد. والإضافة في مقعد صدق ~~كهي في قولك «رجل صدق» أي رجل صادق في الرجولية كامل فيها. ويجوز أن يكون ~~سبب الإضافة أن الصادق قد أخبر عنه وهو الله ورسوله، أو الصادق اعتقد فيه ~~وهو المكلف، أو يراد مقعد لا يوجد فيه كذب ms4301 فإن من وصل إلى الله استحال عليه ~~إلا الصدق وهو تبارك وتعالى أعلم وأجل وأكرم. # PageV06P224 ### | (سورة الرحمن) # (مكية إلا قوله) يسئله من في السماوات والأرض الآية. # حروفها ألف وثلاثمائة وستة وثلاثون كلماتها ثلاثمائة وإحدى وخمسون آياتها ~~ثمان وسبعون) ### | [سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 78] # بسم الله الرحمن الرحيم # الرحمن (1) علم القرآن (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) # الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع ~~الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان (9) # والأرض وضعها للأنام (10) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو ~~العصف والريحان (12) فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) خلق الإنسان من صلصال ~~كالفخار (14) # وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأي آلاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ~~ورب المغربين (17) فبأي آلاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) # بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأي آلاء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان (22) فبأي آلاء ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشآت في ~~البحر كالأعلام (24) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (25) كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام (27) فبأي آلاء ربكما تكذبان (28) يسئله من في السماوات ~~والأرض كل يوم هو في شأن (29) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (30) سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (32) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33) فبأي آلاء ربكما تكذبان (34) # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(36) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~(38) فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام (41) فبأي آلاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التي يكذب بها ~~المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم آن (44) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (45) ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان (48) فبأي آلاء ربكما تكذبان (49) # فيهما عينان تجريان (50) فبأي آلاء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فاكهة ~~زوجان (52) فبأي آلاء ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق ~~وجنى الجنتين دان (54) # فبأي آلاء ms4302 ربكما تكذبان (55) فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا ~~جان (56) فبأي آلاء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (59) # هل جزاء الإحسان إلا الإحسان (60) فبأي آلاء ربكما تكذبان (61) ومن ~~دونهما جنتان (62) فبأي آلاء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (65) فيهما عينان نضاختان (66) فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (67) فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) فبأي آلاء ربكما تكذبان (69) # فيهن خيرات حسان (70) فبأي آلاء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام ~~(72) فبأي آلاء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) # فبأي آلاء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان (77) تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام (78) # PageV06P225 ### | القراآت: # والحب ذا العصف والريحان بالنصب فيهما: ابن عامر. والحب ذو العصف بالرفع ~~فيهما والريحان بالجر: حمزة وعلي وخلف. الباقون: برفع الريحان يخرج مجهولا ~~من الإخراج: أبو جعفر ونافع وأبو عمر وسهل ويعقوب اللؤلؤ كنظائره والجوار ~~ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو وخلف طريق ابن عبدوس. # المنشآت بكسر الشين. حمزة ويحيى طريق الصر يعيني سيفرغ بالياء: حمزة وعلي ~~وخلف. الباقون: بالنون على طريق الالتفات أيه الثقلان بضم الهاء مثل أيه ~~المؤمنون [النور: 31] أيه الساحر [الزخرف: 49] شواظ بكسر الشين: ابن كثير ~~ونحاس. بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل لم يطمثهن بضم الميم في إحداهما ~~تخيرا: علي. وروى أبو الحرث عنه في الأولى بالضم من إستبرق بنقل حركة ~~الهمزة إلى النون: رويس وورش والشموني وحمزة في الوقف ذو الجلال بالرفع: ~~ابن عامر. ### | الوقوف: # الرحمن ه لا القرآن ه ط الإنسان ه البيان ه بحسبان ه ص لعطف الجملتين ~~المتفقتين يسجدان ه الميزان ه لا لتعلق أن الميزان ه للأنام ه لا لأن ~~الجملة بعدها حال فاكهة ص الأكمام ه ص والريحان ه ج لابتداء الاستفهام مع ~~دخول فاء التعقيب، والوقف أجوز لأن الابتداء بالاستفهام مبالغة في التنبيه ~~وكذلك في جميع السورة تكذبان ه كالفخار ه لا نار ه ج تكذبان ه # PageV06P226 # المغربين ه ج تكذبان ه يلتقيان ه لا لأن ما بعده حال من ms4303 الضمير في ~~يلتقيان ولا يبغيان ه حال بعد حال تكذبان ه والمرجان ه ج تكذبان ه كالأعلام ~~ه ج تكذبان ه فان ه ج لعطف الجملتين المختلفتين والأولى الوصل لأن الكلام ~~الأول يتم بالثاني. والإكرام ه ج تكذبان ه والأرض ط شأن ه ج تكذبان ه ~~الثقلان ه تكذبان ه فانفذوا ه ط بسلطان ه ج تكذبان ه فلا تنتصران ه ج ~~تكذبان ه كالدهان ه ج تكذبان ه ولا جان ه ج تكذبان ه والأقدام ه ج تكذبان ه ~~المجرمون ه م لأنه لو وصل صار ما بعده حالا من المجرمين وليس كذلك آن ج ~~تكذبان ه جنتان ه ج تكذبان ه لا لأن قوله ذواتا صفة أفنان ه ج تكذبان ه ~~تجريان ه تكذبان ه زوجان ه تكذبان ه ج لأن متكئين حال إلا أن الكلام قد ~~تطاول من إستبرق ط دان ه ج تكذبان ه الطرف لا لأن لم يطمثهن حال عنهن جان ه ~~ج تكذبان ه والمرجان ه ج تكذبان ه إلا الإحسان ج تكذبان ه جنتان ه تكذبان ه ~~مدهامتان ه تكذبان ه ضاختان # ه تكذبان ه ورمان ه ج تكذبان ه ج حسان ه تكذبان ه في الخيام ه ج تكذبان ه ~~جان ه ج تكذبان ه ج حسان ه ج تكذبان ه والإكرام ه. ### | التفسير: # افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على الهيبة والعظمة وهي انشقاق ~~القمر. وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والعناية وهي القرآن ~~الكريم الذي فيه شفاء القلوب والطهارة عن الذنوب، وهو أسبق الآلاء قدما ~~وأجل النعماء منصبا. وبين السورتين مناسبة أخرى من جهة أنه ذكر هناك ما يدل ~~على الانتقام والغضب كقوله فذوقوا عذابي ونذر [القمر: 39] وقوله فكيف كان ~~عذابي ونذر [القمر: 21] وذكر في هذه السورة بعد تعداد كل نعمة فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان مرة بعد مرة وتذكير النعمة على نعمة لأنها مما توقظ الوسنان ~~وتنبه أهل الغفلة والنسيان. قال جار الله الرحمن مبتدأ والأفعال بعده مع ms4304 ~~ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها عن العاطف إما لأن العائد قام مقام الصدر ~~وإما لمجيئها على نمط التعديد كما تقول: زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل ~~كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعله أحد بأحد فما تنكر من إحسانه. قلت: فعلى ~~هذا لو لم يوقف على القرآن جاز. وقيل: الرحمن خبر مبتدأ أي هو الرحمن. ثم ~~استأنف قائلا علم القرآن وما مفعوله الأول؟ قيل: هو متعد إلى واحد والمعنى ~~جعل القرآن علامة وآية للنبوة. وقيل: هو جبرائيل أي علم جبرائيل القرآن حتى ~~نزل به على محمد. وقيل: علم # PageV06P227 # محمدا أو الإنسان القرآن كما يليق بفهمهم على حسب استعدادهم ولعله يلزم ~~من الوجه الأخير شبه تكرار من قوله خلق الإنسان علمه البيان فالأول إشارة ~~إلى قواه البدنية والثاني إشارة إلى قواه النطقية، ويلزم منه أيضا أن يكون ~~التعليم قبل الخلق ظاهرا إلا أن يكون تفصيلا لما أجمله. وقد نقل عن ابن ~~عباس أن الإنسان آدم علمه الأسماء كلها، أو محمد صلى الله عليه وسلم. ~~والبيان القرآن فيه بيان ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة. قوله الشمس ~~والقمر بحسبان أي بحسبانه استغنى عن الوصل اللفظي بالربط المعنوي لرعاية ~~الفاصلة يعني أنهما يجريان في بروجهما ومنازلهما بحساب معلوم والنجم وهو ~~النبات بغير ساق والشجر يسجدان بالانقياد له. وإنما وسط العاطف بين هاتين ~~الجملتين لما بين العلوي والسفلي من تناسب التقابل، ولما بين الحسبان ~~والسجود من تناسب التجانس، وذلك لأن سيرهما بحساب مقدر مقرر وهو من جنس ~~الانقياد لأمر الله والسماء رفعها قال في الكشاف: أي خلقها مرفوعة مسموكة ~~حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على ~~أنبيائه. قلت: إنه حمل الرفع على ارتفاع المنزلة ولعل المراد به الرفع ~~الحسي ليطابق قوله والأرض وضعها أي خفضها في مركز العالم مدحوة محاطة ~~بالماء. نعم لو جعل وضع الأرض عبارة عن ذلها وتسخيرها كقوله هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا [الملك: 15] صح تفسيره وإنما وسط قوله ووضع الميزان بين ~~رفع ms4305 السماء ووضع الأرض لأنه لا ينتفع بالميزان إلا إذا كان معلقا في الهواء ~~بين الأرض والسماء وهذا أمر حسي، وأما العقلي فهو أنه بدأ أولا من النعم ~~بذكر القرآن الذي هو بيان الشرائع والتكاليف، ثم أتبعه ذكر كيفية خلق ~~الإنسان وقواه النفسانية وما يتم به معاشه من السماويات والأرضيات، ثم ذكر ~~أنه خلق لأجلهم آلة الوزن بها يقيمون العدالة في ومعاملاتهم وأمور تمدنهم ~~فصار كما مر في حم عسق الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان الشورى: 1] ~~وكما يجيء في الحديد وأنزلنا معهم الكتاب والميزان [الآية: 25] وأن في قوله ~~ألا تطغوا مفسرة أو ناصبة أي لأن لا تتجاوز حد الاعتدال في شأن هذه الآية ~~أي في شأن الوزن. ثم أكد بقوله إثباتا ونفيا وأقيموا الوزن بالقسط قوموه أو ~~قوموا لسان الميزان بالعدل ولا تخسروا الميزان أي لا تجعلوها سببا للخسران ~~والتطفيف. # وفي تكرير لفظ الميزان بل في ورود هذه الجمل المتقاربة الدلالة مكررة ~~إشارة إلى الاهتمام بأمر العدل وندب إليه وتحريض عليه. وقيل: الأول ميزان ~~الدنيا والثاني ميزان الآخرة والثالث ميزان العقل. وقيل: نزلت متفرقة ~~فاقتضى الإظهار. قوله للأنام أي لكل ما على ظهر الأرض من دابة. وقيل: ~~للإنسان. وخص بالذكر لشرفه ولأن الباقي خلق لأجله فيها فاكهة التنوين ~~للتعظيم وهي كل ما يتفكه به. وقد أفرد النخل بالذكر للتفضيل ولأنه فاكهة # PageV06P228 # غذائية. والأكمام جمع كم وهو وعاء الثمر. ثم ذكر أقوات البهائم والإنسان ~~قائلا والحب ذو العصف وهو ورق الزرع أو التبن. وقال الفراء والسدي: وهو أول ~~ما ينبت من الزرع والريحان الورق. ومن رفع فعلى حذف المضاف وإقامة المضاف ~~إليه مقامه أي وذو الريحان. وقال الحسن وابن زيد. على هذه القراءة وهو ~~ريحانكم الذي يشم. # ثم خاطب الجن والإنس بقوله فبأي آلاء ربكما تكذبان # عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~الرحمن حتى ختمها ثم قال: مالي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا ما ~~قرأت عليهم هذه الآية مرة إلا ms4306 قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك ~~الحمد. # قال جار الله: الخطاب في ربكما للثقلين بدلالة الأنام عليهما قلت: ربما ~~يصرح به قوله أيها الثقلان سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أو بما سيذكر عقيبه ~~من قوله خلق الإنسان والجان خلقناه. وقيل: التكذيب إما باللسان والقلب معا ~~وإما بالقلب دون اللسان كالمنافقين فكأنه قال: فيا أيها المكذبان بأي آلاء ~~ربكما تكذبان. وقيل: أراد فيا أيها المكذبان بالدلائل السمعية والعقلية أو ~~بدلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والاستفهام للتوبيخ والزجر. قوله خلق الإنسان ~~من صلصال قد مر في سورة «الحجر» إلا أنه شبهه هاهنا بالفخار وهو الخزف ~~بيانا لغاية يبس طينته وكزازته، والتركيب يدل عليه ومنه الفخور ولولا يبس ~~دماغه لم يفخر ومنه الفرخ لأنه تنشق البيضة عنه. وكل يابس عرضة للتشقق ومنه ~~الخزف لغاية يبوسة مزاجه. والجان أبو الجن. وقيل: هو إبليس. والمارج اللهب ~~الصافي الذي لا دخان فيه من مرج إذا اضطرب ولعلها المخلوطة بسواد النار من ~~مرج الشيء اختلط. وقوله من نار بيان لمارج كأنه قيل: من صاف من نار. ويجوز ~~أن يكون نارا مخصوصة فيكون صفة رب المشرقين يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، ~~والأول مطلع أول السرطان، والثاني مطلع أول الجدي. هذا في بلادنا الشمالية ~~والحال في الجنوبية بالعكس. قوله مرج البحرين وقد مر في «الفرقان» معناه ~~أرسلهما ملحا وعذبا متلاقيين بينهما برزخ لا يبغيان أي لا يبغي أحدهما على ~~الآخر بالممازجة يخرج منهما أي من كل منهما. وقال في الكشاف: أعاد الضمير ~~إلى البحرين لاتحادهما فالخارج من العذب كأنه خارج من الملح تقول: خرجت من ~~البلد ولم تخرج إلا من محلة بل من دار. وقال أبو علي الفارسي: أراد من ~~أحدهما فحذف المضاف. قلت: ونحن قد سمعنا أن الأصداف تخرج من البحر المالح ~~ومن الأمكنة التي فيها عيون عذبة في مواضع من البحر الملح ويؤيده قوله ~~سبحانه في «فاطر» ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها [الآية: ~~12] فلا حاجة إلى هذه التكلفات. قال الفراء وغيره من أهل ms4307 # PageV06P229 # اللغة: اللؤلؤ الدر، والمرجان ما صغر منه. وعن مقاتل: بالضد. ويشبه أن ~~يكون اللؤلؤ هذا الجنس المعروف والمرجان البسذ. يقال: إنه ينبت في بحر ~~الروم والإفرنج كالشجر وهو الفصل المشترك بين المعدن والنبات، والجواري ~~السفن الجارية حذف الموصوف للعلم به. ومن قرأ المنشآت بفتح الشين فمعناها ~~المرفوعات الشرع والتي رفع خشبها بعضها على بعض وركب حتى ارتفعت. والقارئ ~~بالكسر أراد الرافعات الشرع أو اللائي يبتدئن في السير أو ينشئن الأمواج ~~بجريهن، والأعلام الجبال الطوال شبههن في البحر بالجبال في البر. والضمير ~~في عليها للأرض بدلالة المقال أو الحال. والوجه عبارة عن الذات كما مر في ~~تفسير البسملة وفي قوله كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] وقوله ذو صفة ~~للوجه وهو على القياس. وفيه دلالة على أن الوجه والرب ذات واحد بخلاف قوله ~~في آخر السورة تبارك اسم ربك فإن الاسم غير المسمى في الأصح فلهذا قال ذي ~~الجلال والإكرام ومعناه ذو النعمة والتعظيم كما سبق في البسملة. والنعمة في ~~فناء ما على الأرض هو مجيء وقت الجزاء يسئله من في السماوات من الملائكة ~~ومن في الأرض من الثقلين الملائكة لمصالح الدارين والثقلان لمصالح الدارين. ~~وعن مقاتل: يسأل أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل الملائكة أيضا الرزق ~~والمغفرة للناس كل يوم هو في شأن # سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الشأن فقال: من شأنه أن يغفر ~~ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين. # قلت: هذا التفسير يطابق ما مر في الحكمة. وما ذكرنا في الكتاب مرارا من ~~أن القضاء هو الحكم الكلي الواقع في الأزل، والقدر هو صدور تلك الأحكام في ~~أزمنتها المقدرة. فبالاعتبار الأول # قال «جف القلم بما هو كائن» «1» # وبالاعتبار الثاني قال: كل يوم هو في شأن وهذا بالنسبة إلى المقضيات ولا ~~تغير في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وبالجملة إنها شؤون يبديها لا ~~شؤون يبتديها. وروى الواحدي في البسيط عن ابن عباس: إن مما خلق الله عز وجل ~~لوحا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة ms4308 حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله ~~فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما ~~يشاء. وحين بين أن كل زمان مقدر لأجل شأن قال سنفرغ لكم قال أهل البيان: هو ~~مستعار من قول الرجل لمن يتهدده «سأفرغ لك» . # والمراد تجرد داعيته للإيقاع به من النكاية فيه. والمراد شؤونه ستنتهي ~~إلى شأن الجزاء PageV06P230 # وقصد المحاسبة. ثم هدد الثقلين بأنهم لا يستطيعون الهرب من أحكامه ~~وأقضيته فيهما. # نفذ من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية. وأقطار السموات والأرض ~~نواحيهما. # واحدها قطر. وهو في الهندسة عبارة عن الخط المنصف للدائرة. والسلطان ~~القوة والغلبة، أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام ولا سلطان فلا مفر. ~~قال الواحدي: أراد أنه لاخلاص من الموت. ويحتمل أن يخص هذا بيوم الجزاء ~~المشار إليه بقوله سنفرغ لكم ويؤيده ما # روي أن الملائكة تنزل فتحيط بجميع الخلائق فإذا رآهم الجن والإنس هربوا ~~فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت به، # ويعضده قوله عقيبه يرسل عليكما الآية. # جاء في الخبر: يحاط على الخلق بلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن ~~والإنس الآية. # وذلك قوله يرسل عليكما شواظ وهو اللهب الذي لا دخان له معه. وقرأ ابن ~~كثير بكسر الشين لغة أهل مكة يقولون صوار بالضم والكسر. والنحاس الدخان. ~~ومن قرأ بالرفع فمعناه يرسل عليكما هذا مرة وهذا مرة. ويجوز أن يرسلا معا ~~من غير أن يمزج أحدهما بالآخر. ومن قرأ بالجر فبتقدير وشيء من نحاس. وعن ~~أبي عمرو أن الشواظ يكون من الدخان أيضا. وقيل: هو الصفر المذاب يصب على ~~رؤوسهم. وعن ابن عباس: # إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر فلا تنتصران فلا تمتنعان فإذا ~~انشقت السماء لنزول الملائكة فكانت وردة أي حمراء كالدهان وهو جمع الدهن أو ~~اسم ما يتدهن به كالحزام والإدام شبهها بدهن الزيت كقوله كالمهل [المعارج: ~~8] وهو دردي الزيت. وقيل: الدهان الأديم الأحمر. عن ابن عباس: نصير كلون ~~الفرس الورد. # وقيل: تحمر ms4309 احمرار الورد ثم تذوب ذوبان الدهن. وقال قتادة: هي اليوم ~~خضراء ولها يوم القيامة لون آخر يضرب إلى الحمرة. والفاء في قوله فإذا ~~للتعقيب وفي فكانت للعطف، والجواب محذوف كما سيجيء في قوله إذا السماء ~~انشقت [الانشقاق: 1] والمراد أنهما لا ينتصران حين إرسال الشواظ عليهما ~~فحين تنشق السماء وصارت الأرض والجو والهواء كلها نارا وتذوب السماء كما ~~يذوب النحاس الأحمر كيف تنتصران؟ ويمكن أن يكون وجه تشبيه السماء يومئذ ~~بالدهن هو الميعان والذوبان بسرعة وعدم رسوب الخبث كخبث الحديد ونحوه، ~~والغرض بيان بساطة السماء وأنه لا اختلاف للأجزاء فيها. فيومئذ لا يسئل عن ~~ذنبه إنس ولا جان وضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن كما يقال هاشم ~~ويراد ولده. والضمير في ذنبه عائد إلى الإنس لأن الفاعل رتبته التقديم ~~وكأنه قيل: لا يسأل بعض الإنس عن ذنبه ولا بعض الجن. والجمع بين هذه الآية ~~وبين قوله فو ربك لنسئلنهم [الحجر: 92] هو ما مر من أن المواطن مختلفة، أو ~~لا يسأل سؤال # PageV06P231 # استعلام وإنما يسأل سؤال توبيخ وتقريع. وعندي أن بيان عدم احتياج المذنب ~~إلى السؤال عن حاله لأن كل ما هو اليوم فيه كامن فذلك في يوم القيامة يظهر ~~ويبرز من ظلمة الطبيعة والعصيان، أو من نور الطاعة والإيمان وإليه الإشارة ~~بقوله يعرف المجرمون بسيماهم من سواد الوجه وزرقة العين فيؤخذ كل منهم أو ~~جنس المجرم بالنواصي # أي بسببها. ولعل المراد أن تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلفها أو ~~من قدام ويلقون في النار. # روى الحسن عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~«والذي نفسي بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنم بألف عام فهم كل ~~يوم يزدادون قوة إلى قوتهم حتى يقبضوا من قبضوا عليه بالنواصي والأقدام» # ويجوز أن يكون الفعل مسندا إلى قوله بالنواصي نحو ذهب بزيد. ثم ذكر أنهم ~~يوبخون بقول الملائكة لهم هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون والأصل الخطاب ~~والالتفات للتبعيد والتسجيل عليهم بالإجرام. والآني ms4310 الذي بلغ منتهى حره. ~~قال الزجاج: أني يأني أنا إذا انتهى في النضج والحرارة. والمعنى أنهم لا ~~يزالون طائفين بين عذاب الجحيم وبين الحميم وذلك حين ما يستغيثون كقوله وإن ~~يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل [الكهف: 29] قال جار الله: نعمته فيما ذكره من ~~الأهوال وأنواع المخاوف هي نجاة الناجي منه وما في الإنذار به من اللطف، ~~ويمكن أن يراد بأي الآلاء المعدودة في أول السورة تكذبان فتستحقان هذه ~~الأشياء المذكورة من العذاب. ثم شرع في ثواب أهل الخشية والطاعة قائلا ولمن ~~خاف مقام ربه وقد مر نظيره في «إبراهيم» قوله ذلك لمن خاف مقامي [الآية: ~~14] قال المفسرون: الجنتان إحداهما للخائف الإنسي والثانية للخائف الجني، ~~أو إحداهما لفعل الطاعات والثانية لترك المنكرات، أو إحداهما للجزاء ~~والأخرى للزائد عليه تفضلا، أو هما جنة عدن وجنة النعيم، أو إحداهما ~~جسمانية والأخرى روحانية. وقيل: التثنية للتأكيد كقوله ألقيا [ق: 24] وهو ~~ضعيف. والأفنان جمع الفنن وهو الغصن المستقيم طولا قاله مجاهد وعكرمة ~~والكلبي وغيرهم، وإنما خصها بالكر لأنها هي التي تورق وتثمر وتظل والساق ~~لأجل ضرورة القيام ولا ضرورة في الجنة ولا كلفة. وعن سعيد بن جبير: هي جمع ~~فن والمعنى أنهما صاحبتا فنون النعم وعلى هذا يكون قوله فيهما من كل فاكهة ~~زوجان أي صنفان كتفصيل بعد إجمال والصنفان رطب ويابس أو معروف وغريب فيهما ~~أي في كل منهما عينان تجريان من جبل من مسك إحداهما في الأعالي والأخرى في ~~الأسافل. وقال الحسن: تجريان بالماء الزلازل إحداهما التسنيم والأخرى ~~السلسبيل متكئين حال من الخائفين المذكورين في قوله لمن خاف وجوز أن يكون ~~نصبا على المدح. قال المفسرون: إذا كان بطائن الفرش وهي التي تحت الظهارة ~~مما يلي # PageV06P232 # الأرض من إستبرق فما ظنك بظهائرها؟ ويجوز أن يكون ظهائرها السندس. ~~والتحقيق أنه لا يعلمها إلا الله كقوله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم [السجدة: ~~17] وجنى الجنتين أي ثمرها دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال جار ~~الله: فيهن أي في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة ms4311 والفرش ~~والجنى. وقيل: في الفرش أي عليها. وقيل: في الجنان لأن ذكر الجنتين يدل ~~عليه ولأنهما يشتملان على أماكن ومجالس ومتنزهات، وهذا الوجه عندي أظهر ~~وسيجيء بيانه بنوع آخر عن قريب. قال الفراء: # الطمث الاقتضاض وهو النكاح بالتدمية وقبلهم أي قبل أصحاب الجنتين واللفظ ~~يدل عليه. قال مقاتل: هن من حور الجنة. وقال الكلبي والشعبي: هن من نساء ~~الدنيا أنشئن خلقا آخر لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنسي ولا ~~جني. قال في الكشاف: # لم يطمث الإنسيات منهمن أحد من الإنس والجنيات أحد من الجن قلت: هذا ~~التفصيل لعله لا حاجة إليه يعرف بأدنى تأمل. قال الزجاج: فيه دليل على أن ~~الجن تطمث كما تطمث الإنس. # ثم ذكر أنهن في صفاء الياقوت وبياض اللؤلؤ الصغار هل جزاء الإحسان في ~~العمل إلا الإحسان في الجزاء. وخص ابن عباس فقال: هل جزاء من قال لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله إلا الجنة. وحين فرغ من نعت جنتي المقربين شرع في ~~وصف جنتين لأصحاب اليمين فقال ومن دونهما أي ومن أسفل منهما في المكان أو ~~في الفضل أو فيهما وهو الأظهر. # روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم «جنتان من فضة أبنيتهما وما ~~فيهما وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما» «1» # مدهامتان هو من الادهيمام إدهام يدهام فهو مدهام نظير اسواد يسواد فهو ~~مسواد في اللفظ وفي المعنى، وذلك أن كل نبت أخضر فتمام خضرته من الري أن ~~يضرب إلى السوادضاختان # فوارتان، والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح وهو الرش. قال ابن عباس: ~~تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور، وانما خص النخيل والرمان ~~بالذكر بعد اندارجهما في الفاكهة لفضلهما وشرفهما، فالنخل فاكهة وطعام ~~والرمان فاكهة ودواء كامل ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حلف لا يأكل ~~فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث. وخالفه صاحباه ووافقهما الشافعي. ~~والخيرات مخفف خيرات لأن الخير الذي هو بمعنى التفضيل لا يجمع جمع السلامة ~~والمعنى أنهن فاضلات الأخلاق حسان الصور. واعلم ms4312 أنه سبحانه قال في الموضعين ~~عند ذكر الحور فيهن وفي سائر المواضع PageV06P233 # فيهما والسر فيه أن تمام اللذة عند اجتماع النسوان للرجل الواحد هو أن ~~يكون لكل منهن مسكن على حدة فتباعد من مسكن الأخرى، واسع بحيث يسع ما يليق ~~بحاله أو بحالها من الجواري والغلمان وسائر الأسباب، فيحصل هناك منتزهات ~~كثيرة كل منها جنة، وكأن في ضمير الجمع إشارة إلى ذلك. وأما العيون ~~والفواكه فلم يكن شيء منها بهذه المثابة من كمال اللذة فأكتفي فيها بعود ~~الضمير إلى الجنتين فقط. والمقصورات اللواتي قصرن أي حبسن في خدورهن. امرأة ~~مقصورة أي مخدرة. روى قتادة عن ابن عباس: # الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ~~ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون» «1» # وقال أهل المعاني: كنى عن الجماع في الدنيا بنحو قوله من قبل أن تمسوهن ~~[البقرة: 237] وذكر الجماع في الآخرة بلفظ يقرب من الصريح وهو الطمث فما ~~الحكمة في ذلك؟ والجواب أن المباشرة في الدنيا قبيحة لما فيها من قضاء ~~الشهوة وإسقاط القوى وهي في الآخرة بخلاف ذلك فإنها داعية روحانية ولذة ~~حقيقية فلم يحتج إلى الكناية لأن الكنايات إنما تجري في الهنيئات. قال جار ~~الله: متكئين نصب على الاختصاص. قلت: ويجوز أن يكون حالا والعامل مضمر يدل ~~عليه قوله لم يطمثهن إنس قبلهم أي يطمثونهم في حال الاتكاء. قال أبو عبيدة ~~والضحاك ومقاتل والحسن: الرفرف ضرب من البسط. وقيل: كل ثوب عريض فهو رفرف. ~~ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط رفارف. وقال الزجاج: الرفرف هاهنا رياض ~~الجنة. وقيل: الوسائد. قال جار الله ال عبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب ~~أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء غريب عجيب. # وعن أبي عبيدة: كل شيء من البسط عبقري وهو جمع واحدة عبقرية. ومما يدل ~~على أن صفات هاتين الجنتين تقاصرت عن الأوليين قوله مدهامتان فإنه دون قوله ~~ذواتا أفنان وذلك أن ms4313 كمال الخضرة لا يوجب كون البستان ذا فنن ونضاختان دون ~~تجريان وفاكهة دون كل فاكهة وكذلك صفة الحور والمتكأ. قال أهل العلم: كرر ~~قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان إحدى وثلاثين مرة: ثمانية منها ذكرها عقيب ~~تعداد عجائب خلقه وذكر المبدأ والمعاد، ثم سبعة منها عقيب ذكر النار ~~وأهوالها على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة أورد ثمانية في وصف الجنات ~~وأهلها على عدد أبواب الجنة، وثمانية بعدها عقيب PageV06P234 # وصف الجنات التي هي دونهما. فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها ~~استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة. ثم نزه نفسه عما لا ~~يليق بجلاله وختم السورة عليه. والاسم مقحم كما بينا وفائدة هذا التوسيط ~~سلوك سبيل الكناية كما يقال «ساحة فلان بريئة عن المثالب» والله أعلم ~~بحقائق كلامه. # PageV06P235 ### | (سورة الواقعة) # (مكية غير آية وتجعلون رزقكم حروفها ألف وسبعمائة وثلاثة كلمها ثلاثمائة ~~وثمان وتسعون آياتها ست وتسعون) ### | [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 96] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت ~~الأرض رجا (4) # وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلاثة (7) فأصحاب ~~الميمنة ما أصحاب الميمنة (8) وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة (9) # والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11) في جنات النعيم (12) ثلة من ~~الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) # على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقابلين (16) يطوف عليهم ولدان مخلدون ~~(17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) # وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثال ~~اللؤلؤ المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (24) # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) وأصحاب ~~اليمين ما أصحاب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) # وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة ~~(33) وفرش مرفوعة (34) # إنا أنشأناهن إنشاء (35) فجعلناهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لأصحاب ~~اليمين (38) ثلة من الأولين (39) # وثلة من الآخرين (40) وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (41) في سموم وحميم ~~(42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) # إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) ~~وكانوا يقولون أإذا ms4314 متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (47) أوآباؤنا ~~الأولون (48) قل إن الأولين والآخرين (49) # لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (51) ~~لآكلون من شجر من زقوم (52) فمالؤن منها البطون (53) فشاربون عليه من ~~الحميم (54) # فشاربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن خلقناكم فلولا ~~تصدقون (57) أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) # نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون (62) ~~أفرأيتم ما تحرثون (63) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) # لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن ~~محرومون (67) أفرأيتم الماء الذي تشربون (68) أأنتم أنزلتموه من المزن أم ~~نحن المنزلون (69) # لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرأيتم النار التي تورون (71) ~~أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن (72) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ~~(73) فسبح باسم ربك العظيم (74) # فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرآن ~~كريم (77) في كتاب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) # تنزيل من رب العالمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ~~ترجعونها إن كنتم صادقين (87) فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان ~~وجنة نعيم (89) # وأما إن كان من أصحاب اليمين (90) فسلام لك من أصحاب اليمين (91) وأما إن ~~كان من المكذبين الضالين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) # إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96) # PageV06P236 ### | القراآت: # ينزفون من باب الأفعال: عاصم وحمزة وخلف. الباقون: بفتح الزاء حور عين ~~بجرهما: يزيد وعلي وحمزة عربا بالسكون: حمزة وخلف ويحيى وحماد وإسماعيل ~~أإذا متنا وكنا كما في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه تابع عاصما، وإلا يزيد ~~فإنه تابع قالون شرب بضم الشين: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وسهل. الباقون: ~~بالفتح وكلاهما مصدر قدرنا بالتخفيف: ابن كثير اانا لمغرمون بهمزتين: أبو ~~بكر وحماد. # الآخرون: بهمزة واحدة مكسورة على الخبر. بموقع على الوحدة: حمزة وعلي ~~وخلف ms4315 تكذبون بالتخفيف: المفضل فروح بضم الراء: قتيبة ويعقوب. ### | الوقوف: # الواقعة ه لا بناء على أن العامل في الظرف هو ليس ولو كان منصوبا بإضمار ~~«أذكر» أو كان الجواب محذوفا أي إذا وقعت الواقعة كان كيت وكيت صح الوقف ~~كاذبة ه م لئلا يصير ما بعدها صفة رافعة ه لا لتعلق الظرف بخافضة أو لكونه ~~بدلا من الأول رجا ه لا بسا ه لا منبثا ه ثلاثة ه ط ما أصحاب الميمنة ه ط ~~لتناهي استفهام التعجب ما أصحاب المشئمة ه ط السابقون ه لا بناء على أن ~~السابقون تأكيد والجملة بعده خبر المقربون ه ج لاحتمال أن ما بعده خبر ~~مبتدأ محذوف أي هم في جنات النعيم ه الأولين ه لا الآخرين ه لا موضونة ه # PageV06P237 # لا متقابلين ه مخلدون ه لا معين ه لا ولا ينزفون ه لا يتخيرون ه لا ~~يشتهون ه ط لمن قرأ وحور عين بالرفع المكنون ه ج يعملون ه تأثيما ه لا ~~سلاما ه ط ما أصحاب اليمين ه ط مخضود ه لا منضود ه لا ممدود ه لا مسكوب ه ~~لا كثيرة ه لا ممنوعة ه لا مرفوعة ه ط إنشاء ه لا أبكارا ه لا أترابا ه لا ~~اليمين ه ط الأولين ه الآخرين ه ط ما أصحاب الشمال ه ط وحميم ه لا يحموم ه ~~لا ولا كريم ه مترفين ه ج العظيم ه ج لمبعوثون ه لا الأولون ه والآخرين ه ~~لا معلوم ه المكذبون ه لا زقوم ه لا البطون ه ج والوقف أجوز الحميم ه ج ~~الهيم ه ط الدين ه تصدقون ه تمنون ه ط الخالقون ه بمسبوقين ه لا تعلمون # ه تذكرون ه تحرثون ه ط الزارعون ه تفكهون ه لمغرمون ه لا محرومون ه ~~تشربون ه المنزلون ه تشكرون ه تورون ه ط المنشؤن ه للمقوين ه ج العظيم ه ~~النجوم ه لا عظيم ه لا كريم ه لا مكنون ه المطهرون ه ط العالمين ms4316 ه مدهنون ه ~~تكذبون ه الحلقوم ه لا تنظرون ه لا تبصرون ه مدينين ه لا صادقين ه المقربين ~~ه لا نعيم ه اليمين ه لا اليمين ه لا الضالين ه لا حميم ه لا جحيم ه اليقين ~~ه العظيم ه ### | التفسير: # إذا وقعت الواقعة نظير قولك حدثت الحادثة «وكانت الكائنة» وهي القيامة ~~التي تقع لا محالة. يقال: وقع ما كنت أتوقعه أي نزل ما كنت أترقب نزوله. ~~واللام في لوقعتها للوقت أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله لأن الإيمان ~~حينئذ بما هو غائب الآن ضروري إلا أنه غير نافع لأنه إيمان اليأس. ويجوز أن ~~يراد ليس لها وقتئذ نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني لأن إنكار المحسوس غير ~~معقول. وجوز جار الله أن يكون من قولهم «كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم» ~~إذا شجعته على مباشرته. وقالت له: إنك تطيقه. فيكون المراد أن القيامة ~~واقعة لا تطاق شدة وفظاعة وأن الأنفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند ~~عظائم الأمور. وقيل: هي مصدر كالعافية فيؤل المعنى إلى الأول. وقال في ~~الكشاف: هو بمعنى التكذيب من قولهم «حمل على قرنه فما كذب» أي فما جبن وما ~~تثبط، وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به من طاقته له. والحاصل من هذا ~~التوجيه أنها إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد خافضة رافعة أي هي تخفض ~~أقواما وترفع آخرين إما لأن الواقعات العظام تكون كذلك كما قال: # PageV06P238 # وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا # وإما لأن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل ~~الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله إذا رجت ~~الأرض أي حركت تحريكا عنيفا حتى ينهدم كل بناء عليها وبست الجبال بسا أي ~~فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها فكانت أي صارت غبارا ~~متفرقا. ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلا وكنتم لفظ الماضي لتحقق الوقوع ~~أزواجا أي أصنافا ثلاثة ثم فصلها فقال فأصحاب ms4317 الميمنة ما أصحاب الميمنة وهو ~~تعجب من شأنهم كقولك «زيد ما زيد» سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم، ~~أو لأنهم أهل المنزلة السنية من قولهم «فلان مني باليمين» إذا وصفته ~~بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون ~~البارح، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم، والسعداء ميامين ~~على أنفسهم والأشقياء مشائيم عليها. # روي أن أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهم في ~~الشمال # والسابقون عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه ~~من التوحيد والإخلاص والطاعة هم السابقون عرف الخبر للمبالغة كقوله «وشعري ~~شعري» يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم، وعلى هذا يحسن الوقف ~~السابقون أولئك المقربون إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال ~~والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله، وفي لفظ السبق أشار إلى ذلك في جنات ~~النعيم إخفاء حالهم وبيان محل أجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية ثلة ~~من الأولين أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا صلى الله عليه ~~وسلم. قال أهل الاشتقاق: أصل الثلة من الثل وهو الكسر كما أن الأمة من الأم ~~وهو الشج كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، ثم اشتق الإمام منه إذ به ~~يحصل الأمة المقتدية به. # وقليل من الآخرين أي من هذه الأمة. قال الزجاج: الذين عاينوا جميع ~~النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم وهاهنا سؤال ~~وهو أنه كيف قال هاهنا وقليل من الآخرين وفيما بعده قال وثلة من الآخرين ~~والجواب أن الثلتين في آية أصحاب اليمين هما جميعا من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. جواب آخر وهو أن يقال: الخطاب في قوله وكنتم أزواجا لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم والأولون منهم هم الصحابة والتابعون كقوله والسابقون ~~الأولون [التوبة: 1] والآخرون منهم هم الذين يلونهم إلى يوم الدين، ولا ريب ~~أن السابقين يكونون في الأولين أكثر منهم في الآخرين. وأما أصحاب اليمين ~~فيوجدون في كلا القبيلين كثيرا وعلى ms4318 هذا يكون الترتيب المذكور ساقطا ولا ~~نسخ لإمكان اجتماع مضموني الخبرين في الواقع. قال الزجاج وهو قول مجاهد ~~والضحاك يعني جماعة ممن تبع النبي صلى الله عليه وسلم وعاينه وجماعة ممن # PageV06P239 # آمن به وكان بعده. # وروى الواحدي في تفسيره بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال «جميع الثلتين من أمتي» # وأجاب بعضهم بأنه لما نزلت الآية الأولى شق على المسلمين فما زال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى نزلت ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين وزيفت هذه الرواية بظهور ورود الآية الأولى في السابقين والثانية ~~في أصحاب اليمين، وبأن النسخ لا يتضح بل لا يصح في الأخبار، وبأن الآية ~~الأولى لا توجب الحزن ولكنها تقتضي الفرح من حيث إنه إذا كان السابقون في ~~هذه الأمة موجودين وإن كانوا قليلين وقد صح أنه لا نبي بعد محمد صلى الله ~~عليه وسلم لزم أن يكون بعض الأمة مع محمد صلى الله عليه وسلم سابقين ~~فيكونون في درجة الأنبياء والرسل الماضين، ولعل في # قوله «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» # إشارة إلى هذا. # وأقول: عندي أن الجواب الصحيح هو أن السابقين في الأمم الماضية يجب أن ~~يكونوا أكثر لأن فيض الله سبحانه المقدر للنوع الإنساني إذا وزع على أشخاص ~~أقل يكون نصيب كل منهم أوفر مما لو قسم على أشخاص أكثر، ولعلنا قد كتبنا في ~~هذا المعنى رسالة وعسى أن يكون هذا سببا لخاتمة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أما أصحاب اليمين وهم أهل الجنة كما قلنا فإنهم كثيرون من هذه الأمة لأنهم ~~كل من آمن بالله ورسوله وعمل صالحا هذا ما سنح في الوقت والله تعالى أعلم ~~بمراده. # ثم وصف حال المقربين بقوله على سرر موضونة قال المفسرون: أي منسوجة ~~بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت وقد دوخل بعضها في بعض كما توضن حلق ~~الدرع أي استقروا على السرر متكئين وقوله ولدان مخلدون أي غلمان لا يهرمون ~~ولا يغيرون قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم ms4319 يشمط إنه لمخلد. ~~قال: ويقال مخلدون مقرطون من الخلدة وهو القرط. وقيل: هم أولاد أهل الدنيا ~~لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. # قال جار الله: روي هذا عن علي رضي الله عنه. # والحسن قال الحديث «أولاد الكفار خدام أهل الجنة» # والأكواب الأقداح المستديرة الأفواه ولا آذان لها ولا عري، والأباريق ~~ذوات الخراطيم الواحد إبريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه. والباقي مفسر في ~~«الصافات» إلى قوله مما يتخيرون أي يختارون تخيرت الشيء أخذت خيره، قال ابن ~~عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. # ومن قرأ وحور عين بالرفع فمعناه ولهم أو عندهم حور. ومن خفضهما فعلى ~~العطف المعنوي أي يكرمون أو يتنعمون بأكواب وبكذا وكذا. والكاف في قوله ~~كأمثال للمبالغة في التشبيه. قوله جزاء مفعول له أي يفعل بهم ذلك لأجل ~~الجزاء. قوله ولا تأثيما أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما ~~فيه إثم. وانتصب سلاما على # PageV06P240 # البدل من قيلا أو على أنه مفعول به أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا ~~سلاما عقيبه سلام. ثم عجب من شأن أصحاب اليمين. والسدر شجر النبق والمخضود ~~الذي لا شوك له كأنه خضد شوكه. وقال مجاهد: هو من خضد الغصن إذا ثناه وهو ~~رطب كأنه من كثرة ثمره ثنى أغصانه والطلح شجر الموز أو أم غيلان كثير النور ~~طيب الرائحة وعن السدي: # شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل. وفي الكشاف أن عليا عليه ~~السلام أنكره وقال: ما شأن الطلح إنما هو طلع وقرأ قوله لها طلع نضيد فقيل: ~~أو نحو لها؟ # قال: آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول قال: وعن ابن عباس نحوه. قلت: وفي ~~هذه الرواية نظر لا يخفى. والمنضود الذي نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست ~~له ساق بارزة وظل ممدود أي ممتد منبسط كظلي الطلوع والغروب لا يتقلص. ~~ويحتمل أن يراد أنه دائم باق لا يزول ولا تنسخه الشمس، والعرب تقول ms4320 لكل شيء ~~طويل لا ينقطع إنه ممدود. والمسكوب المصبوب يسكب لهم أين شاؤا وكيف شاؤا، ~~أو يسكبه الله في مجاريه من غير انقطاع، أو أراد أنه يجري على الأرض في خير ~~أخدود لا مقطوعة في بعض الأوقات ولا ممنوعة عن طالبيها بنحو حظيرة أو لبذل ~~ثمن كما هو شأن البساتين والفواكه في الدنيا مرفوعة أي نضدت حتى ارتفعت أو ~~مرفوعة على الأسرة قاله علي رضي الله عنه. وقيل: هي النساء المرفوعة على ~~الأرائك. والمرأة يكنى عنها بالفراش يدل على هذا قوله إنا أنشأناهن وعلى ~~التفسير الأول جعل ذكر الفرش وهي المضاجع دليلا عليهن. ومعنى الإنشاء أنه ~~ابتدأ خلقهن من غير ولادة أو أعاد خلقهن إنشاء. روى الضحاك عن ابن عباس ~~أنهن نساؤنا العجز الشمط يخلقهن الله بعد الكبر والهرم أبكارا عربا جمع ~~عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل أترابا مستويات في السن بنات ~~ثلاث وثلاثين كأزواجهن كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا من غير وجع. وقوله ~~لأصحاب اليمين متعلق بأنشأنا وجعلنا. ثم عجب من أصحاب الشمال. ومعنى في ~~سموم في حر نار ينفذ في المسام. والحميم الماء الكثير الحرارة. واليحموم ~~الدخان الأسود «يفعول» من الأحم وهو الأسود. ثم نعت الظل بأنه حار ضار لا ~~منفعة فيه ولا روح لمن يأوي إليه. # قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر. قال الفراء: العرب تجعل ~~الكريم تابعا لكل شيء ينوي به المدح في الإثبات أو الذم في النفي تقول: هو ~~سمين كريم وما هذه الدار بواسعة ولا بكريمة. ثم ذكر أعمالهم الموجبة لهذا ~~العقاب فقال إنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا مترفين متنعمين متكبرين عن ~~التوحيد والطاعة والإخلاص وكانوا يصرون على الحنث وهو الذنب الكبير ووصفه ~~بالعظم مبالغة على مبالغة تقول: بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة ~~بالمئاثم وحنث في يمينه خلاف بر فيها. وخص جمع من # PageV06P241 # المفسرين فقالوا. أعني به الشرك. وعن الشعبي: هو اليمين الغموس وذلك أنهم ~~كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون يدل عليه ما بعده وقد ms4321 مر مثله في «الصافات» . ~~واعلم أنه سبحانه ذكر في تفصيل الأزواج الثلاثة نسقا عجيبا وأسلوبا غريبا. ~~وذلك أنه لم يورد في التفصيل إلا ذكر صنفين. أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. ~~ثم بعد ما عجب منهما بين حال الثلاثة السابقين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال ~~فأقول وبالله التوفيق: هذا كلام موجز معجز فيه لطائف خلت التفاسير عنها ~~منها: أنه طوى ذكر السابقين في أصحاب الميمنة لأن كلا من السابقين ومن ~~أصحاب اليمين أصحاب اليمن والبركة كما أن أصحاب الشمال أهل الشؤم والنكد، ~~وكأن في هذا الطي إشارة إلى # الحديث القدسي «أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري» # ومنها أن ذكر السابقين وقع في الوسط باعتبار وخير الأمور أوسطها، وفي ~~الأول باعتبار والأشراف بالتقديم أولى، وفي الآخر باعتبار ليكون إشارة إلى # قوله صلى الله عليه وسلم «نحن الآخرون السابقون» «1» # ومنها أن مفهوم السابق متعلق بمسبوق، فما لم يعرف ذات المسبوق لم يحسن ~~ذكر السابق من حيث هو سابق. فهذا ما سنح للخاطر وسمح به والله تعالى أعلم ~~بمراده. # ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقرر لهم ما شكوا فيه فقال قل إن ~~الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات أي ينتهي أمر جميعهم إلى وقت يوم ~~معلوم عند الله وفيه رجوع إلى أول السورة. ولما كرر ذكر المعاد بعبارات شتى ~~ذكر طرفا من حال المكذبين المعاصرين ومن ضاهاهم فقال ثم إنكم أيها الضالون ~~عن الهدى المكذبون بالبعث لآكلون أي في السموم المذكور من شجر هو للابتداء ~~من زقوم هو للبيان فمالؤن منها البطون أنت الضمير بتأويل الشجرة قال جار ~~الله: عطف الشاربين على الشاربين لاختلافهما اعتبارا وذلك أن شرب الماء ~~المتناهي الحرارة عجيب وشربه كشرب الهيم أعجب. والهيم الإبل التي بها ~~الهيام وإذا شربت فلا تروى واحدها أهيم والمؤنث هيماء وزنه «فعل» كبيض. ~~وجوز أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي لا يتماسك كسحاب وسحب. ~~ثم خفف وفعل به ما فعل بنحو جمع أبيض والمعنى أنه يسلط عليهم الجوع حتى ~~يضطروا إلى أكل ms4322 الزقوم. ثم يسلط عليهم العطش إلى أن يضطروا إلى شرب الحمم ~~كالإبل الهيم نحن خلقناكم فلولا تصدقون بالبعث بعد الخلق فإن من قدر على ~~البدء كان على الإعادة أقدر. ثم برهن على أنه لا خالق إلا هو فقال أفرأيتم ~~ما تمنون PageV06P242 # أي تقذفونه في الأرحام. يقال: أمنى النطفة ومناها وقد مر في قوله من نطفة ~~إذا تمنى [النجم: 46] أأنتم تخلقونه تقدرونه وتصورونه. ووجه الاستدلال أن ~~المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في جميع الأعضاء ~~ولهذا تشترك كل الأعضاء في لذة الوقاع ويجب اغتسال كلها لحصول الانحلال ~~عنها جميعا. فالذي قدر على جمع تلك الأغذية في بدن الإنسان ثم على جمع تلك ~~الأجزاء الطلية في أوعيتها ثم على تمكينها في الرحم إلى أن تتكون إنسانا ~~كاملا يقدر على جمعها بعد تفريقها بالموت المقدر بينهم بحيث لا يفوته شيء ~~منها وإلى هذا أشار بقوله وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أي نحن قادرون على ~~ذلك لا يغلبنا عليه أحد. يقال: سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته ~~عليه. والأمثال جمع المثل أي على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق وفي ما ~~لا تعلمون # أي في خلق ما لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يريد بيان قدرته على إنشائنا ~~في جملة خلق تماثلنا أو خلق لا تماثلنا. وجوز جار الله أن يكون جمع مثل ~~بفتحتين والمعنى إنا قادرون على تغيير صفاتكم التي أنتم عليها وإنشاء صفات ~~لا تعلمونها. ثم ذكرهم النشأة الأولى ليكون تذكيرا بعد تذكير فقال ولقد ~~علمتم الآية. ثم دل على كمال عنايته ورحمته ببريته مع دليل آخر على قدرته ~~قائلا أفرأيتم ما تحرثون من الطعام أي تبذرون حبه أأنتم تزرعونه أي تجعلونه ~~بحيث يكون نباتا كاملا يستحق اسم الزرع. # وفي الكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يقولن أحد زرعت وليقل ~~حرثت» # والحطام ما تحطم وتكسر من الحشيش اليابس. وقوله فظلتم أصله فظللتم حذفت ~~إحدى اللامين للتخفيف وهو مما جاء مستعملا غير مقيس عليه. ومعنى ms4323 تفكهون ~~تعجبون كأنه تكلف الفكاهة. وعن الحسن: تندمون على الإنفاق عليه والتعب فيه ~~أو على المعاصي التي تكون سببا لذلك. من قرأ إنا بالخبر فواضح ويحسن تقدير ~~القول أو لا بد منه، ومن قرأ بالاستفهام فللتعجب ولا بد من تقدير القول ~~أيضا. ومعنى لمغرمون لمهلكون من الغرام الهلاك لهلاك الرزق، أو من الغرامة ~~أي لملزمون غرامة ما أنفقنا بل نحن قوم محرومون لا حظ لنا ولو كنا مجدودين ~~لما جرى علينا ما جرى ورفضوا العجب من حالهم، ثم أسندوا ذلك إلى ما كتب ~~عليهم في الأزل من الإدبار وسوء القضاء نعوذ بالله منهما. ثم ذكر دليلا آخر ~~مع كونه نعمة أخرى وهو إنزال الماء من المزن وهو السحاب الأبيض خاصة. ~~والأجاج الماء الملح اكتفى باللام الأولى في جواب «لو» عن إشاعة الثانية ~~وهي ثابتة في المعنى لأن «لو» شرطية غير واضحة ليس إلا أن الثاني امتنع ~~لامتناع الأول وهذا أمر وهمي فاحتيج في الربط إلى الكلام التوكيدي. ويمكن ~~أن يقال: إن المطعوم مقدم على أمر المشروب والوعيد بفقده أشد وأصعب فلهذا ~~خصت آية المطعوم باللام المفيدة # PageV06P243 # للتأكيد. وإنما ختم الآية بقوله فلولا تشكرون لأنه وصف الماء بقوله الذي ~~تشربون ولم يصف المطعوم بالأكل أو لأنه قال أأنتم أنزلتموه من المزن وهذا ~~لا عمل للآدمي فيه أصلا بخلاف الحرث أو لأن الشرب من تمام الأكل فيعود ~~الشكر إلى النعمتين جميعا ثم عد نعمة أخرى من قبيل ما مر. ومعنى تورون ~~تقدحونها وتستخرجونها من الشجر وقد سبق ذكرها في آخر «يس» . # وأعلم أنه سبحانه بدأ في هذه الدلائل بذكر خلق الإنسان لأن النعمة فيه ~~سابقة على جميع النعم. ثم أعقبه بذكر ما فيه قوام الناس وقيام معايشهم وهو ~~الحب، ثم أتبعه الماء الذي به يتم العجين، ثم ختم بالنار التي بها يحصل ~~الخبز، وذكر عقيب كل واحد ما يأتي عليه ويفسده فقال في الأولى نحن قدرنا ~~بينكم الموت وفي الثانية لو نشاء لجعلناه حطاما وفي الثالثة لو نشاء جعلناه ~~أجاجا ولم يقل ms4324 في الرابعة ما يفسدها بل قال نحن جعلناها تذكرة تتعظون بها ~~ولا تنسون نار جهنم كما # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ناركم هذه التي يوقدها بنو آدم جزء ~~من سبعين جزءا من جهنم» «1» # ومتاعا وسبب تمتع ومنفعة للمقوين للذين ينزلون القواء وهي القفر أو للذين ~~خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام في السفر من أقوى الرجل إذا لم يأكل شيئا ~~من أيام. وفي نسق هذه الآيات بشارة للمؤمنين وذلك أنه سبحانه بدأ بالوعيد ~~الشديد وهو تغيير ذات الإنسان بالكلية في قوله وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم ثم ترك ذلك المقام إلى أسهل منه وهو تغير قوته ذاتا فقال لو ~~نشاء لجعلناه حطاما ثم عقبه بأسهل وهو تغيير مشروبه نعتا لا ذاتا ولهذا حذف ~~اللام في قوله لو نشاء جعلناه أجاجا ويحتمل عندي أن يكون سبب حذف اللام هو ~~كون «لو» بمعنى «أن» وذلك أن الماء باق هاهنا فيكون التعليق حقيقة بخلاف ~~الزرع فإنه بعد أن حصد صار التعليق المذكور وهميا فافهم. ثم ختم بتذكير ~~النار وفيه وعد من وجه ووعيد من وجه. أما الأول فلأنه لم يبين ما يفسدها ~~كما قلنا يدل على أن الختم وقع على الرأفة والرحمة. وأما الثاني فلأن عدم ~~ذكر مفسدها يدل على بقائها في الآخرة. وفي قوله تذكرة إشارة إلى ما قلنا. ~~ثم أمر بإحداث التسبيح بذكره أو بذكر اسمه العظيم تنزيها له عما يقول ~~الكافرون به وبنعمته وبقدرته على البعث، ثم عظم شأن القرآن بقوله فلا أقسم ~~أي فأقسم والعرب تزيد لا قبل فعل أقسم كأنه ينفي ما سوى المقسم عليه فيفيد ~~PageV06P244 # التأكيد. ومواقع النجوم مساقطها ومغاربها ولا ريب أن لأواخر الليل خواص ~~شريفة ولهذا قال سبحانه والمستغفرين بالأسحار [آل عمران: 17] وعن سفيان ~~الثوري: إن لله تعالى ريحا تهب وقت الأسحار وتحمل الأذكار والاستغفار إلى ~~الملك الجبار. وقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم اعتراض فيه اعتراض. ومواقعها ~~منازلها ومسايرها في أبراجها أو هي أوقات نزول نجوم القرآن الكريم الحسن ms4325 ~~المرضي من بين جنس الكتب. أو كرمه نفعه للمكلفين. أو هو كرامته على الله عز ~~وجل في كتاب مكنون مستورا لا على من أراد الله تعالى اطلاعه على أسراره من ~~ملائكته المقربين وهو اللوح لا يمسه إن كان الضمير للكتاب فالمعنى أنه لا ~~يصل إلى ما فيه إلا عبيده المطهرون من الأدناس الجسمية وهم الكروبيون، وإن ~~كان للقرآن فالمراد أنه لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة الباطنة ~~والظاهرة، فلا يمسه كافر ولا جنب ولا محدث. ومن الناس من حرم قراءة القرآن ~~عند الحدث الأصغر أيضا. وعن ابن عباس في رواية وهو مذهب الإمامية إباحة ~~قراءته في الجناية إلا في أربع سور فيها سجدة التلاوة لأن سجدتها واجبة ~~عندهم. ثم وبخ المتهاونين بشأن القرآن فقال أفبهذا الحديث أي بالقرآن أو ~~بهذا الكلام الدال على حقيقة القرآن أنتم مدهنون متهاونون من أدهن في الأمر ~~إذا لان جانبه ولا يتصلب فيه وتجعلون رزقكم أي شكر رزقكم أنكم تكذبون ~~بالبعث وبما دل عليه القرآن، ومن أظلم ممن وضع التكذيب موضع الشكر كأنه عاد ~~إلى ما انجر منه الكلام وهو ذكر تعداد النعم من قوله أفرأيتم ما تحرثون إلى ~~قوله للمقوين وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم الأمطار إليها يعني وتجعلون ~~شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله عز وجل وتنسبونه ~~إلى النجوم. ثم زاد في توبيخ الإنسان على جحد أفعال الله وآياته. وترتيب ~~الآية بالنظر إلى أصل المعنى هو أن يقال: فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان ~~إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين فزاد في الكلام توكيدات منها تكرير ~~فلولا التحضيضية لطول الفصل كما كرر قوله فلا تحسبنهم بعد قوله لا تحسبن ~~الذين يفرحون [آل عمران: 188] ومنها تقديم الظرف وهو قوله إذا بلغت الحلقوم ~~أي النفس. وإنما أضمرت للعلم بها كقوله ما ترك على ظهرها [فاطر: 45] وإنما ~~قدم الظرف للعناية فإنه لا وقت لكون الإنسان أحوج إلى التصرف والتدبير منه، ~~ولأنه أراد أن يرتب الاعتراضات عليه. ومنها زيادة ms4326 الجمل المعترضة وهي قوله ~~وأنتم يا أهل الميت حينئذ تنظرون إليه ونحن أقرب إليه منكم بالقدرة والعلم ~~أو بملائكة الموت ولكن لا تبصرون لا بالبصر ولا بالبصيرة. ومعنى مدينين ~~مربوبين مملوكين مقهورين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. # PageV06P245 # ومنها قوله إن كنتم صادقين فإنه شرط زائد على شرط أي إن كنتم صادقين إن ~~كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت، والحلقوم ~~الحلق وهو مجرى النفس، والواو والميم زائدان، ووزنه «فعلوم» ويمكن أن يقال: ~~إن فعل فلولا الأول محذوف يدل عليه ما قبله والمعنى تكذبون مدة حياتكم ~~جاعلين التكذيب رزقكم ومعاشكم. فلولا تكذبون وقت الموت وأنتم في ذلك الوقت ~~تعلمون الأحوال وتشاهدونها؟ ويحتمل أن يكون معنى مدينين مقيمين من مدن إذا ~~أقام، والمعنى إن كنتم على ما تزعمون من أنكم لا تبقون في العذاب إلا أياما ~~معدودة فلم لا ترجعون أنفسكم إلى الدنيا إن لم تكن الآخرة دار الإقامة. ~~ويجوز أن يكون من الدين بمعنى الجزاء والمعنى يؤول إلى الأول لأن الجزاء ~~نوع من القهر والتسخير. ويحتمل عندي أن يكون الضمير في ترجعونها عائدا إلى ~~ملائكة الموت بدليل قوله ونحن أقرب والمعنى فلولا تردون عن ميتكم ملائكة ~~الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا. # وحين بين أنه لا قدرة لهم على رجع الحياة والنفس إلى البدن وأنهم مجزيون ~~في دار الإقامة فصل حال المكلف بعد الموت قائلا فأما إن كان المتوفى من ~~المقربين أي من السابقين من الأزواج الثلاثة فروح أي فله استراحة وهذا أمر ~~يعم الروح والبدن وريحان أي رزق وهذا للبدن وجنة نعيم وهذا للروح يتنعم ~~بلقاء المليك المقتدر. # ويروى أن المؤمن لا يخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليه بريحان من الجنة يشمه # وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك أيها النبي من أصحاب اليمين أي أنت ~~سالم من شفاعتهم. هذا قول كثير من المفسرين. وقال جار الله: فسلام لك يا ~~صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين كقوله وتحيتهم فيها سلام [يونس: 10] إن ~~هذا ms4327 القرآن أو الذي أنزل في هذه السورة لهو حق اليقين أي الحق الثابت من ~~اليقين وهو علم يحصل به ثلج الصدر ويسمى ببرد اليقين. وقد يسمى العلم ~~الحاصل بالبرهان فالإضافة بمعنى «من» كقولك «خاتم فضة» وهذا في الحقيقة لا ~~يفيد سوى التأكيد كقولك «حق الحق» . # «وصواب الصواب» أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه. أو المراد هذا هو ~~اليقين حقا لا اليقين الذي يظن أنه يقين ولا يكون كذلك في نفس الأمر. هذا ~~ما قاله أكثر المفسرين. # وقيل: الإضافة فيه كما في «جانب الغربي» و «مسجد الجامع» أي حق الأمر ~~اليقين. ويحتمل أن تكون الإضافة كما في قولنا «حق النبي أن يصلى عليه» و ~~«حق المال أن تؤدى زكاته» ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم # PageV06P246 # وأموالهم إلا بحقها» «1» # أي إلا بحق هذه الكلمة. ومن حقها أداء الزكاة والصلاة فكذلك حق اليقين ~~الاعتراف بما قال الله سبحانه في شأن الأزواج الثلاثة. وعلى هذا يحتمل أن ~~يكون اليقين بمعنى الموت كقوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 92] ~~وقال أهل اليقين: للعلم ثلاث مراتب: أولها علم اليقين وهو مرتبة البرهان، ~~وثانيها عين اليقين وهو أن يرى المعلوم عيانا فليس الخبر كالمعاينة، ~~وثالثها حق اليقين وهو أن يصير العالم والمعلوم والعلم واحدا. ولعله لا ~~يعرف حق هذه المرتبة إلا من وصل إليها كما أن طعم العسل لا يعرفه إلا من ~~ذاقه بشرط أن لا يكون مزاجه ومذاقه فاسدين. # روى جمع من المفسرين أن عثمان بن عفان دخل على ابن مسعود في مرضه الذي ~~مات فيه فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: ما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. ~~قال: أفلا ندعو الطبيب؟ قال: # الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: تدفعه ~~إلى بناتك. قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من قرأ ms4328 سورة الواقعة كل يوم لم ~~تصبه فاقة أبدا» PageV06P247 ### | (سورة الحديد) # (مدنية وقيل مكية حروفها ألف وأربعمائة وأربعة وسبعون كلماتها خمسمائة ~~وأربعة وأربعون آياتها تسعة وعشرون) ### | [سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 29] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات ~~والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم (3) هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) # له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (6) آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ~~(7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم ~~إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور وإن الله بكم لرؤف رحيم (9) # وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10) من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ~~آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم ~~بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب (13) ينادونهم ألم نكن ~~معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى ~~جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) # فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم ~~وبئس المصير (15) ألم ms4329 يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون (16) اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم ~~الآيات لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعف لهم ولهم أجر كريم (18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم (19) # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون ~~حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم (21) ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا ~~بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (24) # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (26) ثم قفينا على ~~آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون (27) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل ms4330 بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم (29) # PageV06P248 ### | القراآت: # أخذ مجهولا ميثاقكم بالرفع: أبو عمرو وكل بالرفع: ابن عامر انظرونا من ~~الأنظار: حمزة الأماني بسكون الياء: يزيد لا تؤخذ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد ~~وسهل ويعقوب وما نزل بالتشديد مجهولا: عباس نزل بالتخفيف من النزول: نافع ~~وحفص. الباقون: بالتشديد ولا تكونوا على الخطاب: رويس # PageV06P249 # المصدقين والمصدقات بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد بما أتاكم ~~مقصورا من الإتيان: أبو عمرو فإن الله هو الغني بغير الفصل: أبو جعفر ونافع ~~وابن عامر إبراهام كنظائره. ### | الوقوف: # الأرض ج لعطف الجملتين المختلفتين الحكيم ه والأرض ج لاحتمال أن يكون ~~قوله يحيي مستأنفا لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالا من ~~المجرور في قوله له والجار عاملا فيها. ويميت ج قدير ه والباطن ج عليم ه ~~العرش ط فيها ط كنتم ط بصير ه والأرض ط الأمور ه في الليل ط الصدور ه فيه ط ~~كبير ه بالله ط مؤمنين ه إلى النور ط رحيم ه والأرض ط وقاتل ط وقاتلوا ط ~~الحسنى ط خبير ه كريم ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله وله أجر أو بقوله بشراكم ~~أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول «اذكر» فيها ط العظيم ه ج وإن وصل وقف ~~على نوركم لأن يوم قد يتعلق بالنور فيوقف على نوركم وقد يتعلق بقوله قيل ~~ارجعوا نورا ط باب ط العذاب ط معكم ط الغرور ه كفروا ط النار ط مولاكم ط ~~المصير ه الحق ط إلا لمن قرأ ولا تكونوا على النهي قلوبهم ط فاسقون ه موتها ~~ط تعقلون ه كريم ه الصديقون ه والوصل أولى ومن وقف على الصديقين لم يقف على ~~ربهم ونورهم ط الجحيم ه والأولاد ط حطاما ط ورضوان ط الغرور ه ورسله ط من ~~يشاء ط العظيم ه نبرأها ط يسير ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف ~~أي ذلك لكيلا آتاكم ط فخور ه لا لأن ms4331 ما بعده بدل بالبخل ط الحميد ه بالقسط ~~ط ه للعطف ظاهرا مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل بالغيب ط ~~عزيز ه مهتد ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظا إلا أن الأولى للبعض القليل ~~والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف فاسقون ه ورحمة ط لأن ما بعدها منصوب ~~بابتدعوا المقدر رعايتها ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظا إلا أن قوله ~~فآتينا ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان التفرقة بين الفريقين فيرجع ~~إلى قوله فمنهم مهتد أجرهم ه ط لما مر فاسقون ه ويغفر لكم ط رحيم ه لا وقد ~~يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم يشاء ط العظيم ه ### | التفسير: # معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله وإن من شيء إلا يسبح بحمده ~~[الإسراء: 44] والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو # PageV06P250 # سبحان وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي. وفي الجمعة والتغابن ~~بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعابا للأقسام وذلك دليل على ~~أن التسبيح لله تعالى مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد. ~~وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة ~~فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين هاهنا ~~على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه. قال: # هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما ~~تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا ~~بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو ~~الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء ~~الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة ~~فلأنه لو كان كذلك لوجدا معا كما أن العلة والمعلول يوجدان معا وكذا الواحد ~~والاثنان. وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في ~~الزمان وإلا تسلسل. قلت: لم لا يجوز أن ms4332 يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على ~~بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلا غير قار ~~الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضا لا تنتهي ~~النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال. وقال: ~~إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه تعالى قبل كل شيء والبرهان أيضا ~~يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك ~~القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو ~~أثر والمضافان معا، والمعي لا يكون قبل ولا بالحاجة لأنهما قد يكونان معا ~~كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة هاهنا ولا بالمكان ~~وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان بجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على ~~جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب تعالى على ما عداه خارج عن ~~هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو. قلت: إنه سبحانه متقدم على ~~ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة. أما بالتأثير فظاهر قوله والمضافان ~~معا. قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور.، وإن أردت مطلقا ~~فممنوع. وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث ~~هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل ~~الأماكن ومعها لقوله فأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] # وقد جاء في الحديث «لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله» «1» ~~PageV06P251 # ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهاهنا سر لعلنا قد رمزنا إليه ~~في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلا له. وأما بالزمان فأظهر قوله ~~والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان. قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين ~~هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ~~ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد ms4333 ~~امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب سبحانه، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل ~~على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادئ الوهمية تتغير ~~بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ~~ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادئ المفروضة. ~~قال: أما البحث عن كونه تعالى آخرا بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من ~~أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخرا وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه سبحانه يوصل ~~الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها ~~والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلا في ~~أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهم أنه تعالى ~~إما أن يكون عالما بعدد حركات أهل الجنة والنار أولا. # فإن كان عالما لزم تناهيه فإن الإحاطة بما لا يتناهى مستحيلة. وإن لم ~~يعلم لزم نسبة الجهل إليه تعالى وذلك محال. وأيضا الحوادث المستقبلة قابلة ~~للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه. وأجاب عن الأول بأن إمكان ~~استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال ~~إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية ~~التأثير إلى امتناع التأثير. قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان ~~الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي ~~وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلا إنما ~~الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه. قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون ~~معلومه متناهيا، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته ~~غير متناهية. وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أبدا يكون ~~متناهيا. قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين ~~مرارا غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في ~~أبدية ms4334 الجنة والنار على إجماع المسلمين. # واختلفوا في معنى كونه تعالى آخرا على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع ~~العالم ليتحقق كونه آخرا، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبدا. قلت: هذا حقيق بأن ~~لا يسمى آخرية بل يسمى توسطا. وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به ~~فلا جرم وصف بكونه آخرا. # PageV06P252 # أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما ~~النزاع في معنى قوله آخرا. وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن ~~المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر ~~الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة. قلت: أراد أنه ~~غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى ~~الأول كل المطابقة. ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب. ~~قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى ~~المترتبة من الأشرف إلى الأخس. وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي ~~الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو سبحانه ~~أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق ~~التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه تعالى، وهذا من غوامض الأسرار وقد وفقني ~~الله تعالى لحلها وبيانها فالشكر على آلائه. أما تفسير الظاهر والباطن ~~فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده. والباطن لأنه جل عن ~~إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعا. وقيل: ~~معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي. قال الليث: يقال أنت ~~أبطن بهذا الأمر أي أخبر به. وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا ~~قوله يعلم ما يلج فإنه قد مر في أول «سبأ» فقط فلا حاجة إلى الإعادة. # وقوله وهو معكم معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله له ~~ملك السماوات والأرض وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله يحيي ~~ويميت والثاني في العقبى لقوله وإلى ms4335 الله ترجع الأمور قوله مستخلفين فيه ~~أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة ~~بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله تعالى لرعاية حق ~~الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل ~~الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد ~~السببين. قوله لا تؤمنون حال من معنى الفعل كقولك «مالك قائما» أي ما تصنع. ~~والواو في قوله والرسول للحال من ضمير لا تؤمنون فهما حالان متداخلتان. ~~وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله وإذ أخذ ربك من بني ~~آدم من ظهورهم [الأعراف: 172] ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية ~~والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه إن كنتم مؤمنين ~~لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل ~~للتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما ~~فيه. استدل القاضي بقوله وما # PageV06P253 # لكم # على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل الفعل وإلا لم يصح ~~التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض. والبحث في أمثاله مذكور في ~~مواضع. والضمير في قوله ليخرجكم لله تعالى أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه ~~بعد فناء الخلق وقد مر في «آل عمران» : قال المفسرون: إن أبا بكر أول من ~~أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ~~ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله أولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وهم ~~الذين # قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» «1» # أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز ~~الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمس مع أنه كان أصدق ~~إنباء عن ms4336 ثقة صاحبه بهذا الدين وكلا وعد الله الحسنى المثوبة الحسنى وهي ~~الجنة مع تفاوت الدرجات. ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز ~~عن إنفاق المال في سبيل الله. وقد مر في أواخر «البقرة» . قال أهل السنة: ~~إنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدر عنه الفعل الفلاني فله كذا من ~~الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة. وقال ~~الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة. وإنما وصف الأجر بالكريم ~~لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريما من هذا الوجه. ثم ~~أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال يوم ~~ترى يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه. عن ابن مسعود وقتادة ~~مرفوعا أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه ~~منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ~~ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نورا من يكون نوره على ~~إبهامه ينطفئ مرة ويتقد أخرى. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم ~~القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك. هذا وقد بينا لك في هذا ~~الكتاب مرارا أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله ~~سبحانه. وإنما قال بين أيديهم وبأيمانهم لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ~~ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء ~~يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيبا لهم ~~ومتقدما PageV06P254 # ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة بشراكم اليوم جنات قوله يوم يقول ~~بدل من قوله يوم ترى ومنصوب ب «أذكر» مقدرا. قال جمع من العلماء: الناس ~~كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار ~~والمنافقون يطلبونها منهم قائلين انظرونا لأنهم إذا نظروا إليهم والنور ~~قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار. قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل ~~وأنشد ms4337 أبو الحسن: # ظاهرات الجمال والحسن ينظرن ... كما ينظر الأراك الظباء # والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا ~~إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون ~~النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب ~~وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل. # ومن قرأ انظرونا أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم ~~إمهالا لهم. قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نورا على قدر عمله. ثم إنه ~~يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة ~~من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب ~~في السماء. ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفئ نور المنافقين ~~فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم والاقتباس أخذ القبس ~~أي الشعلة من النار قيل ارجعوا وراءكم أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور ~~فاطلبوا نورا وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو ~~الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها ~~خدعة خدع بها المنافقون كقوله يخادعون الله وهو خادعهم # [البقرة: 9] وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول ~~قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون ~~إليهم فيجدون السور مضروبا بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو ~~الأعراف باطنه أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فيه الرحمة ~~وظاهره وهو ما ظهر لأهل النار من قبله أي من جهته العذاب قال أبو مسلم: ~~المراد من قول المؤمنين ارجعوا منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن ~~يريد القرب منه «وراءك أوسع لك» والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، ~~والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله بسور ~~صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ألم نكن معكم مرافقتهم في الظاهر. ومعنى ~~فتنتم محنتم أنفسكم بالنفاق وأهلكتموها وتربصتم بالمؤمنين ms4338 الدوائر وارتبتم ~~وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو في البعث أو # PageV06P255 # في كل ما هو من عند الله وغرتكم الأماني بكثرة الآمال وطول الآجال حتى ~~جاء أمر الله بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار وغركم بالله الشيطان ~~الغرور فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح فاليوم لا يؤخذ ~~منكم أيها المنافقون فدية قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ~~ولا من الذين كفروا في الظاهر. فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن ~~كلا منكم مأواكم النار هي مولاكم وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما ~~توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم. قال جار الله ~~حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو ~~مئنة للكرم أي مكان لقول القائل «إنه لكريم» . قال في التفسير الكبير: هذا ~~معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في ~~إمامة علي رضي الله عنه # بقوله صلى الله عليه وسلم «من كنت مولاه فعلى مولاه» # فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة في تفسير الآية أن المولى معناه ~~الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ~~ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على ~~التقدير الأول عبثا، وعلى التقدير الثاني كذبا. قال: وإذا كان قول هؤلاء ~~معنى لا تفسيرا بحسب اللغة سقط الاستدلال. قلت: في هذا الإسقاط بحث لا ~~يخفى. وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل ~~التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأسا كقوله تعالى يغاثوا بماء كالمهل ~~[الكهف: 29] ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء. # قوله سبحانه ألم يأن للذين آمنوا من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي ~~وقته. قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي ~~قلوبهم النفاق المباين للخشوع. وقال آخرون: نزل في ms4339 المؤمنين المحقين. روى ~~الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا لينا في العيش ورفاهية فغيروا ~~بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية. وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية ~~قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر إليهم فقال: ~~هكذا كنا حتى قست القلوب. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن ~~عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث ~~عشرة. وقوله لذكر الله من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ ~~الله التي ذكرها في القرآن وما نزل من الحق وأراد أن القرآن جامع للوصفين ~~الذكر والموعظة ولكونه حقا نازلا من السماء. ويجوز أن يكون من إضافة المصدر ~~إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم # PageV06P256 # إيمانا # [الأنفال: 2] ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ~~ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة. ومن قرأ ولا تكونوا بالتاء الفوقانية فهي ~~الناهية. ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوبا عطفا على أن تخشع ~~والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو ~~طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه ~~فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع. وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم ~~أمد خروج النبي صلى الله عليه وسلم، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة ~~والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرئ الأمد بالتشديد أي ~~الوقت الأطول وكثير منهم فاسقون خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، ~~وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر. ~~قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل ~~مما تقرءون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق. قوله ~~اعلموا أن الله يحي الأرض فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب ~~التي ماتت بسبب القساوة فالموظبة على ms4340 الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما ~~يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه ~~يذكر القيامة وبعث الأموات. ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله إن ~~المصدقين وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله وأقرضوا الله لأن الألف واللام ~~بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. والظاهر أن الأول هو الواجب ~~والثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك. وأيضا ذكر الأول ~~بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبئ عن الالتزام والوجوب. ومن قرأ ~~بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت ~~التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر ~~تحريضا عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه. وقال والذين آمنوا ~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من ~~التوحيد والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقا ~~إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسول رسوله. ثم حث على الجهاد ~~بقوله والشهداء وهو مبتدأ حبره عند ربهم وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة ~~وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني لهم أجرهم ونورهم ويجوز أن يكون قوله عند ~~ربهم حالا أو صفة للشهداء كقوله «مررت على اللئيم يسبني» وما بعده خبر. ~~وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~[النساء: 41] ومن جعل الشهداء عطفا على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله ~~بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل ~~الله. قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد. وقال جار الله: المعنى أن الله ~~يعطي # PageV06P257 # المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. ~~وقيل: # أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده. وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد ~~كرامة ربه. وعن الأصم. إن المؤمن قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به ~~من الإيمان والطاعة. # ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع ms4341 قلة ~~جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه. ومعنى إعجاب الكفار ~~أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره ~~كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في «الكهف» وفي «سبأ» وبأصحاب الجنة في ~~«نون» . ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاما ~~هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس. ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير ~~في قوله وفي الآخرة عذاب شديد للكافرين ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين قال ~~سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة. # فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة. ثم ~~حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في «آل عمران» إلا أن ~~البشارة هاهنا أعم لأنه قال هناك أعدت للمتقين الذين ينفقون [الآية: 133] ~~إلى آخره. وهاهنا قال أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ولأن هؤلاء أدون حالا ~~من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال وجنة عرضها كعرض السماء والأرض فلم ~~يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالا من المشبه ~~به. وفي لفظ سابقوا هاهنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من ~~بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ سارعوا هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في ~~القرب أو متقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين ~~وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء. # قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة ~~والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ما أصاب من مصيبة أي لا يوجد مصيبة ~~في الأرض من القحط والوباء والبلاء ولا في أنفسكم من المرض والفتن إلا في ~~كتاب أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في ~~الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات ~~أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا # قال ms4342 «جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين» «1» # ولم يقل إلى الأبد. PageV06P258 # وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل ~~البرهان: # فصل في هذه السورة وأجمل في «التغابن» فقال ما أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله [الحديد: 22] والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا ~~والآخرة بقوله اعلموا أنما الحياة الدنيا إلى آخره قوله من قبل أن نبرأها ~~من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات إن ذلك الإثبات أو ~~الحفظ على الله يسير وإن كان عسيرا على غيره. ثم بين وجه الحكمة في ذلك ~~الإثبات قائلا لكيلا تأسوا أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم نظيره ما # ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم ~~وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده ~~الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا ~~يشتد به فرحه. # روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة ~~صبرا وللخير شكرا أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ~~ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر. والباقي ظاهر وقد مر ~~في النساء. والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغيا لحبه المال ليفتخر به ~~ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ومن يتول ~~عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه فإن الله هو الغني عن ~~طاعة المطيعين الحميد في ذاته وإن لم يحمده الحامدون. وقيل: إن الآية نزلت ~~في اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبخلوا ببيان نعته. # ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال ~~الكتاب والميزان معهم. # يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ms4343 الله تعالى أنزل أربع بركات من ~~السماء إلى الأرض. # أنزل الحديد والنار والماء والملح. وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر: 6] وقال قطرب: هو من النزل ~~يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا منهم من قال: هو من باب «علفتها تبنا ~~وماء باردا» . وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. ~~أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. # والثاني لا يتم إلا بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب ~~الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزا. وإما أن ~~يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق ~~بالقوة النظرية الروحانية، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق ~~بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق. وثانيها # PageV06P259 # المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ~~ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف. ~~وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن ~~مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، ~~والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بد لهم من السيوف الزواجر. ورابعها أن ~~الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة والمقربين لا يسكن إلا ~~بكتاب الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28] أو هو في مقام الطريقة ~~وهو النفس اللوامة. وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق ~~المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة ~~والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة. وخامسها السالك ~~إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب ~~والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا ~~بد له من الحديد. وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، ~~وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة. أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب ~~والأعمال تقوم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف. ~~وسابعها الكتاب ms4344 للعلماء والميزان للعوام والسيف للملوك. قال أهل التجارب: ~~في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها. أو ما يعمل بالحديد ~~بيانه أن أصول الصناعات أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة. أما ~~الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها. ~~ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل ~~الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضا في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما ~~الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة ~~والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة ~~فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم ~~إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد ~~الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد ~~لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون ~~حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل. قال بعضهم: # سبحان من خص الفلز بعزه ... والناس مستغنون عن أجناسه # وأذل أنفاس الهواء وكل ذي ... نفس فمحتاج إلى أنفاسه # نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن ~~والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلا لأن الحاجة ~~إلى النفس أمس. قال بعض المحققين هاهنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان ~~إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم # PageV06P260 # لا يقع في عرضة البيع وكثيرا ما يعطى الأجر على تعلمه قوله وليعلم الله ~~ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ~~ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة ~~دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها. ويجوز أن يكون المعطوف عليه ~~محذوفا بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفا من أن ~~يجعل وليعلم الله ومعنى بالغيب غائبا عنهم. # قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد ms4345 المعتبر هو ~~الذي يوجد عن إخلاص القلب خاليا من النفاق والرياء وفي قوله إن الله قوي ~~عزيز رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون ~~واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين ~~والشهداء. # وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي. # عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في فمنهم للذرية أو للمرسل إليهم ~~بدليل الإرسال. والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل ~~هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي ~~لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله تعالى في ~~قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~رحماء بينهم [الفتح: 29] قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل ~~نصبها على جعلنا لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولا لله قال في ~~التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من ~~أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء. قلت: الظن بالعلماء ينبغي ~~أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ~~ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي ~~الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو ~~إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل. مجعولا لله سبحانه؟ قال ~~المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات ~~فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من ~~الفتنة متحملين كلفا ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة ~~والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، # روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا ابن مسعود أما علمت ~~أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت ~~بعيسى عليه السلام وقاتلوا أعداءه في ms4346 نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها ~~طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة ~~بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله وجعلنا في ~~قلوب الذين اتبعوه رأفة» # الآية قال العلماء: لم يرد الله تعالى بقوله # PageV06P261 # ابتدعوها طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها. ~~والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضا ~~وهو الخائف «فعلان» من رهب كخشيان من خشي. وقرئ بالضم وهو نسبة إلى الرهبان ~~جمع الراهب. وقوله إلا ابتغاء رضوان الله استثناء منقطع عند الأكثر أي ما ~~فرضناها نحن عليهم ولكنهم ابتدعوها طلب رضوان الله. وقال آخرون: إنه متصل ~~والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندبا إن أتى ~~بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج. وفي قوله فما رعوها حق رعايتها ~~أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث ~~والإلحاد إلا أناسا منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمد صلى الله ~~عليه وسلم فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ~~ولكنهم جعلوها سلما إلى المنافع الدنيوية. # وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولا عليهم بل كانت على ~~جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فمارعوها إلا قليلا منهم آمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن استقاموا على الطريقة. ورابعها أن الصالحين من قوم ~~عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها ~~الحواريون. ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله يا أيها الذين آمنوا أي بعيسى ~~اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم كفلين نصيبين من ~~رحمته لإيمانكم أولا بعيسى وثانيا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويجعل لكم نورا ~~تمشون به وهو النور المذكور في قوله يسعى نورهم أو النور المذكور في قوله ~~أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس [الأنعام: 122] ~~ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد صلى الله ms4347 عليه وسلم والمراد اثبتوا على ~~إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في ~~قوله أولئك يؤتون أجرهم مرتين [القصص: 54] وذلك أن مؤمني أهل الكتاب ~~افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم ~~فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على ~~أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم ~~نصفين كان الكفل الواحد نصفا، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءا ~~من عشرة. ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد ~~من القسمة الثانية. قوله لئلا يعلم الآية. أكثر المفسرين والنحويين على أن ~~«لا» زائدة والمعنى ليعلم أهل الكتاب الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ~~ولا يقدرون على شيء من الكفلين. والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا ~~البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا ~~يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة ~~مخصوصين. وأن الفضل بيد الله يؤتيه من # PageV06P262 # يشاء # وقيل: غير زائدة والضمير في ألا يقدرون للرسول وأصحابه. والعلم بمعنى ~~الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وبالله ~~التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم. # تم الجزء السابع والعشرون ويليه الجزء الثامن والعشرون أوله تفسير سورة ~~المجادلة # PageV06P263 # بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثامن والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة المجادلة # مدنية حروفها ألف وتسعمائة واثنان وتسعون كلمها أربعمائة وثلاث وتسعون ~~آياتها اثنتان وعشرون) ### | [سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 22] # بسم الله الرحمن الرحيم # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ms4348 الله والله يسمع ~~تحاوركما إن الله سميع بصير (1) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ~~وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (3) ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ~~(4) # إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين (5) يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما ~~عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة ~~إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ~~ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم (7) ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى ~~واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) # إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن ~~الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10) يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ~~(11) يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ~~ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (12) أأشفقتم أن تقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ms4349 فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13) ألم تر إلى الذين ~~تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون (14) # أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون (15) اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (16) لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (17) يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون (18) استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ~~ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (19) # إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ~~ورسلي إن الله قوي عزيز (21) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون (22) # PageV06P264 ### | القراآت # يظهرون من المظاهرة: عاصم يظهرون بتشديد الظاء والهاء من الظهر وأصله ~~«يتظهرون» أدغمت التاء في الظاء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ~~ويعقوب. والباقون يظهرون بتشديد الظاء وزيادة الألف من التظاهر وأصله ~~«يتظاهرون» ما هن أمهاتهم بالرفع: المفضل. الآخرون: بكسر التاء على إعمال ~~«ما» عمل ليس هذه هي الفصحى ما تكون بتاء التأنيث: يزيد وهو ظاهر. الآخرون: ~~على التذكير بناء على أن التقدير ما يقع شيء من نجوى. ولا أكثر بالرفع: ~~يعقوب إما على الابتداء كقولك «لا حول ولا قوة» أو للعطف على محل من نجوى ~~الباقون: بالنصب على أن «لا» لنفي الجنس أو على أنهما مجروران عطفا على ~~نجوى كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. أو عطفا على العدد ~~والتقدير: ما يكون من نجوى أكثر من ذلك وتتناجوا من باب الافتعال: حمزة ~~ورويس وفلا تتناجوا من ms4350 الافتعال أيضا. رويس. المجالس على الجمع: عاصم ~~انشزوا بضم الشين فيهما: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد ~~والخراز. الآخرون: بالكسر فيهما وهما لغتان مثل يعرشون ويعرشون ورسلي بفتح ~~الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر عشيراتهم على الجمع: الشموني كتب مجهولا ~~الإيمان بالرفع: المفضل. # PageV06P265 ### | الوقوف: # تحاوركما ط بصير ه ما هن أمهاتهم ط ولدنهم ط وزورا ط غفور ه يتماسا ط به ~~ط خبير ه يتماسا ج مسكينا ط ورسوله ط الله ط أليم ه بينات ق مهين ه ط ~~لاحتمال تعلق الظرف بما قبله وكونه مفعولا لا ذكر عملوا ط ونسوه ط شهيد ه ~~وما في الأرض ه كانوا ج لأن «ثم» للعطف أو لترتيب الاخبار القيامة ط عليم ه ~~الرسول ز لعطف الجملتين المتفقتين معنى مع أن جاؤك فعل ماض لفظا به الله لا ~~لأن ما بعده حال أو عطف على جاؤك لمستقبل معنى نقول ط جهنم ط لاحتمال الحال ~~وكونه مستأنفا يصلونها ج المصير ه والتقوى ج تحشرون ه بإذن الله ط المؤمنون ~~ه يفسح الله لكم ج لابتداء شرط آخر مع العطف منكم لا للعطف درجات ط خبير ه ~~صدقة ط وأطهر ط رحيم ه صدقات ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ورسوله ط تعملون ~~ه عليهم ط لتناهي الاستفهام إلى الإخبار منهم لا بناء على أن ما بعده حال ~~والعامل معنى الفعل في الجار أي وهم يحلفون قاله السجاوندي ولا يبعد عندي ~~أن يكون مستأنفا فيحسن الوقف. يعلمون ه شديدا ط يعملون ه مهين ه شيئا ط ~~النار ط خالدون ه على شيء ط الكاذبون ه ذكر الله ط أولئك حزب الشيطان ط ~~الخاسرون ه ه الأذلين ه ورسلي ط عزيز ه عشيرتهم ط بروح منه ط للعدول عن ~~الماضي إلى المستقبل فيها ط عنه ط أولئك حزب الله ط المفلحون ه. ### | التفسير: # عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلمت المجادلة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت ms4351 وأنا عنده لا أسمع وقد سمع الله ~~لها. # وعن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد ~~سمع الله لها أي أجاب وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة. ~~ورآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم فلما سلمت راودها فأبت فغضب وكان به حدة ~~فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا ~~شابة مرغوب في، فلما كبر سني ونثرت بطني أي كثر منه ولدي جعلني منه كأمه. # وفي رواية أنها قالت: إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم ~~إلي جاعوا. فقال صلى الله عليه وسلم لها: ما عندي في أمرك شيء. # وروي أنه قال لها مرارا: حرمت عليه. # وهي تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت. # ومعنى في زوجها في شأنه ومعنى «قد» في قد سمع الله التوقع لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله عز وجل مجادلتها ~~وشكواها وينزل في شأنها ما يفرج عنها. والتحاور التراجع في الكلام وفي # PageV06P266 # الآية دلالة على أن من انقطع رجاؤه عن الخلق كفاه الله همه. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى زوجها وقال: ما حملك على ما صنعت؟ ~~فقال: الشيطان، فهل من رخصة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم وقرأ عليه ~~الآيات الأربع وقال صلى الله عليه وسلم له: هل تستطيع العتق؟ فقال: لا ~~والله. فقال: فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ فقال: لا والله يا رسول الله ~~إلا أن تعينني منك بصدقة فأعانه بخمسة عشر صاعا وأخرج أوس من عنده مثله ~~فتصدق به على ستين. # وعلم أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية لأنه في التحريم غاية فإن كان ~~شرعا متقدما فالآية ناسخة له ولا سيما فيمن # روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: حرمت عليه. # وإن كان عادة الجاهلية فلا نسخ لأن النسخ لا يوجد إلا في الشرائع. ثم إنه ~~سبحانه وبخ العرب أولا بقوله ms4352 الذين يظاهرون منكم ثم بين الحكم العام في ~~الآية الثانية ولهذا لم يورد لفظة منكم ونحن نبني تفسير الآية على أبحاث ~~الأول في معنى الظهار وهو عبارة عن قول الرجل لامرأته «أنت علي كظهر أمي» ~~فاشتقاقه من الظهر. وقال صاحب النظم: ليس الظهر بذلك أولى في هذا المطلوب ~~من سائر الأعضاء التي هي موضع التلذذ فهو مأخوذ من ظهر إذا علا وغلب وبه ~~سمي المركوب ظهرا لأن راكبه يعلوه، وكذلك امرأة الرجل مركبه وظهر له. ~~والدليل على صحة هذا المعنى أن العرب تقول في الطلاق: نزلت عن امرأتي أي ~~طلقتها. وفي لفظ الظهار إضمار والتقدير: # ظهرك علي أي علوي وركوبي عليك حرام علي كعلو أمي. ثم لا مناقشة بين ~~العلماء في الصلات فلو قال: أنت معي أو عندي أو مني أو لي كظهر أمي صح ~~ظهاره. وكذا لو ترك الصلات كلها وقال: أنت كظهر أمي كما أن قوله «أنت طالق» ~~صريح وإن لم يقل «مني» أما إذا شبهها بغير الظهر فذهب الشافعي إلى أن ذلك ~~العضو إن كان مشعرا بالإكرام كقوله أنت علي كروح أمي أو عين أمي صح ظهاره ~~إن أراد الظهار لا الإكرام وإلا فلا. وإن لم ينو شيئا ففيه قولان، وإن لم ~~يكن مشعرا بالكرامة كقوله أنت كرجل أمي أو كيدها أو بطنها ففي الجديد ظهار، ~~وفي القديم لا، وقد يرجح هذا بالبراءة الأصلية. وقال أبو حنيفة: إن شبهها ~~بعضو من الأم يحل له النظر إليه كاليد أو الرأس لم يكن ظهارا، وإن شبهها ~~بعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ كان ظهارا. وفي التشبيه بالمحرمات ~~الأخر من النسب أو الرضاع سوى الأم في الجديد وعليه أبو حنيفة أنه ظهار ~~لعموم قوله يظهرون ومن قصره على الأم احتج بقوله بعده ما هن أمهاتهم وبأن ~~حرمة الأم أشد. # البحث الثاني في المظاهر وفيه مسائل: الأولى: قال الشافعي: كل من صح ~~طلاقه صح ظهاره وإن كان خصيا أو مجبوبا، ويتفرع عليه أن ظهار الذمي صحيح. ~~حجة الشافعي عموم قوله تعالى ms4353 والذين يظاهرون وأيضا تأثير الظهار في التحريم ~~والذمي أهل لذلك # PageV06P267 # بدليل صحة طلاقه. وأيضا إيجاب الكفارة للزجر عن هذا الفعل الذي هو منكر ~~من القول وزور وهذا المعنى قائم في حق الذمي. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يصح ~~ظهاره. واحتج أبو بكر الرازي لهما بأن قوله الذين يظاهرون منكم خطاب ~~للمؤمنين. وأيضا من لوازم الظهار تصحيح وجوب الصوم على العائد العاجز عن ~~الإعتاق وإيجاب الصوم على الذمي ممتنع لأنه مع الكفر باطل، وبعد الإسلام ~~غير لازم لأنه يجب ما قبله. وأجيب عن الأول بأن قوله منكم خطاب للحاضرين ~~فلم قلتم: إنه يختص بالمؤمنين؟ على أن التخصيص بالذكر عندكم لا يدل على نفي ~~ما عداه. وأيضا العام عندكم إذا أورد بعد الخاص كان ناسخا للخاص. وعن ~~الثاني أن من لوازم الظهار أيضا أنه حين عجز عن الصوم اكتفي منه بالإطعام ~~فهو هاهنا إن تحقق العجز وجب أن يكتفي فيه بالإطعام، وإن لم يتحقق العجز ~~زال السؤال. # وأيضا الصوم بدل عن الإعتاق والبدل أضعف عن المبدل. ثم إن العبد عاجز عن ~~الإعتاق مع أنه يصح ظهاره بالاتفاق فإذا كان فوات أقوى اللازمين لا يوجب ~~منع الظهار ففوات الأضعف كيف يمنع؟ وقال القاضي حسين من أصحاب الشافعي في ~~الجواب: نقول للذمي إن أردت الخلاص من التحريم فأسلم وصم قوله الإسلام يجب ~~ما قبله. قلنا: إنه عام والتكفير خاص والخاص مقدم على العام. الثانية قال ~~مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو ظاهر ولو قال ~~شهرا فقد قال أبو حنيفة والشافعي: بطل ظهاره بمضي المدة وكان قبل ذلك صحيحا ~~لما # روي أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته حتى ينسلخ رمضان ثم وطئها في المدة ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحرير رقبة. # وأما بطلان ظهاره بعد المدة فلمقتضى اللفظ كما في الأيمان، فإذا مضت ~~المدة حل الوطء لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته. وقال مالك وابن أبي ~~ليلى: هو مظاهر أبدا. # البحث الثالث في المظاهر عنها. ويصح الظهار عن ms4354 الصغيرة والمجنونة والأمة ~~المتزوجة والذمية والرتقاء والحائض والنفساء، ولا يصح عن الأجنبية سواء ~~أطلق أو علق بالنكاح فقال «إذا نكحتك فأنت علي كظهر أمي» . ويصح عن الرجعية ~~ولا يصح عن الأمة وأم الولد عند أبي حنيفة والشافعي لأن قوله تعالى والذين ~~يظاهرون من نسائهم يتناول الحرائر دون الإماء كما في قوله أو نسائهن ~~[النور: 31] بدليل أنه عطف عليه قوله أو ما ملكت أيمانهن [النور: 31] وقال ~~مالك والأوزاعي: يصح لأن قوله من نسائهم يشمل ملك اليمين لغة. وفي الآية ~~سؤال وهو أن المظاهر شبه الزوجة بالأم ولم يقل إنها أم فكيف أنكر الله عليه ~~بقوله ما هن أمهاتهم وحكم بأنه منكر وزور؟ والجواب أن قوله «أنت علي كظهر ~~أمي» إن كان إخبارا فهو كذب لأن الزوجة حلال والأم حرام وتشبيه المحللة # PageV06P268 # بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب، وإن كان إنشاء كان معناه أن الشرع ~~جعله سببا في حصول الحرمة، ولما لم يرد الشرع بهذا السبب كان الحكم به كذبا ~~وزورا ولهذا أوجب الله سبحانه الكفارة على صاحب القول بعد العود. سؤال آخر ~~قوله تعالى إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ظاهره يقتضي أنه لا أم إلا ~~الوالدة لكنه قال في موضع آخر وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم [النساء: 23] وقال ~~وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب: 6] أجاب في الكشاف بأنه يريد أن الأمهات على ~~الحقيقة إنما هن الوالدات وغير هن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن بسبب ~~الإرضاع، أو لكونها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أبو الأمة. وأما ~~الزوجات فلسن من أحد القبيلين وكان قول المظاهر منكرا لمخالفة الحقيقة ~~وزورا لعدم موافقة الشرع. قوله ثم يعودون لما قالوا قال الفراء: لا فرق في ~~اللغة بين قولك عاد لما قال وإلى ما قال وفيما قال. وقال أبو علي الفارسي: ~~كلمة إلى واللام يتعاقبان قال الله تعالى الحمد لله الذي هدانا لهذا ~~[الأعراف: 43] وقال فاهدوهم إلى صراط الجحيم [الصافات: 23] وقال أهل اللغة: ~~إذا قال قائل عاد لما فعل جاز أن يريد أنه فعله مرة أخرى وهذا ظاهر، وجاز ms4355 ~~أن يريد أنه نقض ما فعل لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعودة ~~إليه، وإلى هذا ذهب أكثر المجتهدين إلا أن الشافعي قال: معنى العود لما ~~قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانا يمكنه أن يطلقها فيه، وذلك أنه ~~لما ظاهر فقد قصد التحريم فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع فيه من إيقاع ~~التحريم ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق دل على أنه ندم على ما ابتدأه ~~من التحريم فحينئذ تجب عليه الكفارة. # واعترض أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عليه من وجهين: الأول أنه تعالى ~~قال ثم يعودون وكلمة «ثم» تقتضي التراخي. وعلى قول الشافعي يكون المظاهر ~~عائدا عقيب القول بلا تراخ وهذا خلاف مفهوم الآية. الثاني أنه شبهها بالأم ~~والأم لا يحرم إمساكها فلا يكون إمساك الزوجة نقضا لما قال. وأجيب عن الأول ~~بأنه يوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من ~~التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك. ~~والتحقيق أن العبرة بالحكم ونحن لا نحكم بالعود ما لم ينقض زمان يمكنه أن ~~يطلقها فيه فقد تأخر كونه عائدا عن كونه مظاهرا بهذا القدر من الزمان وهذا ~~يكفي في العمل بمقتضى كلمة «ثم» . وعن الثاني أن المراد إمساكها على سبيل ~~الزوجية واللفظ محتمل لهذا وإمساك الأم بهذا الوجه محرم. وقال أبو حنيفة: ~~معناه استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة، وذلك أنه لما شبهها ~~بالأم في حرمة هذه الأشياء ثم قصد استباحتها كان مناقضا لقوله «أنت علي ~~كظهر أمي» . وقال مالك: العود إليها عبارة عن # PageV06P269 # العزم على جماعها، وضعف بأن العزم على جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما ~~المناقض لكونها محرمة هو القصد إلى استحلال جماعها فيرجع إلى قول أبي ~~حنيفة. ولا يرد عليه إلا أنه خص وجه التشبيه من غير دليل، والذي ذكره ~~الشافعي أعم وأقل ما يطلق عليه اسم العود فكان أولى. وعن طاوس والحسن أن ~~العود إليها عبارة عن ms4356 جماعها وخطئ لقوله فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا وإذا ~~كان التكفير قبل الجماع والتكفير لا يثبت إلا بعد العود فالعود غير الجماع. ~~وأما الاحتمال الأول وهو أن العود لما فعل هو فعله مرة أخرى ففيه أيضا ~~وجوه: الأول: قول الثوري: إن العود هو الإتيان بالظهار في الإسلام وزيف ~~بأنه يرجع حاصل المعنى إلى قوله والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في ~~الجاهلية ثم يعودون لما قالوا في الإسلام فكفارته كذا وكذا وهذا إضمار من ~~غير دليل مع أنه خلاف الأصل. الثاني قال أبو العالية: إذا كرر لفظ الظهار ~~فهو عود وإلا فلا. وضعف بحديث أوس # وحديث سلمة بن صخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لزمهما الكفارة مع ~~أنهما لم يكررا الظهار. # الثالثة: قال أبو مسلم الأصفهاني: العود هو أن يحلف على ما قال أولا من ~~لفظ الظهار فإذا لم يحلف لم تلزمه الكفارة قياسا على ما لو قال في بعض ~~الأطعمة «إنه حرام علي كلحم الآدمي» فإنه لا يلزمه الكفارة إلا إذا حلف ~~عليه. ورد بأن الكفارة قد تجب بالإجماع في المناسك ولا يمين. وعندي أن هذا ~~الرد مردود لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة في الصورتين من غير يمين وجوبها ~~في كل صورة بلا يمين. نعم يرد على أبي مسلم أن تفسير العود بالحلف إثبات ~~اللغة بالقياس، ولا يخفى أن العود لما قالوا على هذا الاحتمال ظاهر لأنه ~~أريد بالقول اللفظ. وأما الاحتمال الآخر فيحتاج إلى تأويل القول بالمقول ~~فيه وهو ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار كما مر في قوله ونرثه ما يقول ~~[مريم: 81] أي المال والواو للحال. # مسائل: الأولى: الجديد وأبو حنيفة أن الظهار يحرم جميع جهات الاستمتاعات ~~لأن قوله سبحانه من قبل أن يتماسا يعم جميع ضروب المس من المس بيد وغيرها. # وروى عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: # اعتزلها حتى تكفر. # الثانية: اختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أبو حنيفة ms4357 والشافعي: لكل ظهار ~~كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار للتأكيد. وقال مالك: من ظاهر ~~من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة. حجتهما أنه تعالى ~~رتب الكفارة على التلفظ بكلمة الظهار والمعلول يتكرر بتكرر العلة، ويتفرع ~~عليه أنه لو كانت تحته أربع نسوة وقال لهن: أنتن علي كظهر أمي لزمه أربع ~~كفارات لأن الحكم يتكرر ويتعدد بتعدد المحل. حجته # PageV06P270 # أنه رتب الكفارة على مطلق الظهار والمطلق شامل للمتعدد، ونوقض باليمين ~~فإن الكفارة لازمة في كل يمين. الثالثة: دلت الآية على إيجاب الكفارة قبل ~~التماس فإن جامع قبل أن يكفر لم يجب عليه إلا كفارة واحدة وهو قول أكثر أهل ~~العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان وأحمد وإسحق، # لأن سلمة بن صخر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ظاهرت من امرأتي ثم ~~أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها. فقال عليه الصلاة والسلام: استغفر ~~ربك ولا تعد حتى تكفر. # وقال بعضهم ومنهم عبد الرحمن بن مهدي: إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه ~~كفارتان. الرابعة: لا ينبغي للمرأة أن تدع الزوج يقربها حتى يكفر فإن تهاون ~~حال الإمام بينهما ويجبره على التكفير وإن كان بالضرب حتى يوفيها حقها من ~~الجماع. قال الفقهاء: # ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار لأن ترك التكفير ~~إضرار بالمرأة وامتناع من إيفاء حقها. الخامسة: قد ذكرنا أن الاستمتاعات ~~محرمة عليه إلى أن يكفر وذلك صريح في تحرير الرقبة وفي الصيام والآن نقول: ~~إن التكفير بالإطعام أيضا كذلك وإن لم يتعرض للتماس في قوله فإطعام ستين ~~مسكينا حملا للمطلق على المقيد عند اتحاد الواقعة، وللأقل وهو صورة واحدة ~~على الأكثر وهذه من فصاحات القرآن. السادسة: # مذهب أبي حنيفة أن هذه الرقبة تجزي وإن كانت كافرة لإطلاق الآية. وقال ~~الشافعي: لا بد أن تكون مؤمنة قياسا على كفارة القتل. والجامع أن الإعتاق ~~إنعام والمؤمن أولى به، ولأن المشركين نجس وكل نجس خبيث بالإجماع. وقال ~~الله تعالى ولا تيمموا الخبيث [البقرة: 267] ولا ms4358 تجزي أم الولد ولا المكاتب ~~عند الشافعي لضعف الملكية فيه ولا يحصل الجزم بالخروج عن العهدة. وقال أبو ~~حنيفة: إن أعتقه قبل أن يؤدي شيئا جاز عن الكفارة لأنه رقبة بدليل قوله وفي ~~الرقاب [البقرة: 177] وإن أعتقه بعد أن يؤدي شيئا لم يجز. # والمدبر يجزي عند الشافعي ولا يجزي عند أبي حنيفة. السابعة: يعتبر في ~~الرقبة بعد الإيمان على خلاف فيه السلامة عن العيوب لا التي يثبت بها الرد ~~في البيع ولكن التي تخل بالعمل والاكتساب لأن المقصود هناك المالية وهاهنا ~~تكميل حاله ليتفرغ للعبادات والوظائف المخصوصة بالأحرار، فلا يجزي مقطوع ~~اليدين أو الرجلين أو إحداهما ولا المجنون، ويجزي الأعور والأصم والأخرس ~~ومقطوع الأذنين أو الأنف أو أصابع الرجلين لا أصابع اليد لأن البطش والعمل ~~يتعلق بها. والعبد الغائب. إن انقطع خبره لا يجزي ولو أعتق عبده عن كفارته ~~شرط أن يرد دينارا أو غيره لم يجز بل يجب أن يكون الإعتاق خاليا عن شوائب ~~العوض. الثامنة: كفارة الظهار مرتبة على ما في الآية. فإن كان في ملكه عبد ~~فاضل عن حاجته فواجبه هو، وإن احتاج إلى خدمته لمرض أو كبر أو لأن منصبه ~~يأبى أن يخدم نفسه لم يكلف صرفه إلى الكفارة، ولو وجد ثمن العبد فكالعبد. ~~والشرط أن يفضل عن حاجة # PageV06P271 # نفقته وكسوته ونفقة عياله وكسوتهم وعن المسكن وما لا بد له من الأثاث ولو ~~كانت له ضيعة أو رأس مال يتجر فيه ويفي ما يحصل منهما بكفايته بلا مزيد ولو ~~باعهما لارتد إلى حد المساكين لم يكلف صرفه إلى الكفارة. ولو وجد ثمن العبد ~~فكالعبد والشرط بيعها وإن كان ماله غائبا أو لم يجد الرقبة في الحال لم يجز ~~العدول إلى الصوم بل يصبر، وإن كان يتضرر بامتناع الابتياع لأنه تعالى قال ~~فمن لم يجد وهو واجد. أما من كان مريضا في الحال ولا يقدر على الصوم فإنه ~~ينتقل إلى الإطعام لأنه تعالى قال فمن لم يستطع وهو غير مستطيع، والمآل غير ~~معلوم ولا هو متعلق باختياره ms4359 بخلاف إحضار المال أو تحصيل الرقبة فإن ذلك قد ~~يمكنه. التاسعة: لو أطعم مسكينا واحدا ستين مرة لا يجزي عند الشافعي لظاهر ~~الآية، ولأن إدخال السرور في قلب ستين أجمع وأقرب من رضا الله. وقال أبو ~~حنيفة: يجزي. العاشرة: الشبق المفرط والغلمة عذر عند الأكثرين في الانتقال ~~إلى الإطعام كما # في قصة الأعرابي وهل أتيت إلا من قبل الصوم فأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: أطعم. # وحمله آخرون على خاصة الأعرابي. ولنكتف بهذا القدر من المسائل الفقهية في ~~تفسير آية الظهار. # قال الزجاج ذلكم توعظون أي ذلكم التغليظ وعظ لكم حتى تتركوا الظهار. وحين ~~ذكر حكم الآية عقبه بقوله ذلك فيحتمل أن يعود إلى مطلق بيان كفارة الظهار، ~~ويحتمل أن يعود إلى التخفيف والتوسيع لتصدقوا بالله ورسوله فإن التخفيف ~~مناسب للتصديق والعمل بالشريعة وللكافرين الذين استمروا على أحكام الجاهلية ~~عذاب أليم وإنما قال في الآية الثانية عذاب مهين ليناسب قوله كبتوا أي ~~أخزوا وأهلكوا. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق. وفي الحدود مع المحادة نوع من ~~التجانس، والمحادة المشاقة من الحد الطرف كأن كلا من المتخاصمين في طرف آخر ~~كالمشاقة من الشق. وقال أبو مسلم: هي من الحديد كأن كلا منهما يكاد يستعمل ~~الحديد أي السيف وهم المنافقون أو الكافرون على الإطلاق. قوله أحصاه الله ~~أي أحاط بما عمل كل منهم كما وكيفا وزمانا ومكانا ونسوه لكثرته أو لقلة ~~اكتراثهم بالمعاصي وإنما يحفظ معظمات الأمور. ثم قرر كمال علمه بقوله ما ~~يكون من نجوى ثلاثة نفر ويجوز أن يكون ثلاثة وصفا للنجوى على حذف المضاف أي ~~من أهل نجوى، أو لأنهم جعلوا نجوى مبالغة وكذلك كل مصدر وصف به. # قال الزجاج: هي مشتقة من النجوة المكان المرتفع لأن الكلام المذكور سرا ~~يجل عن استماع الغير. سؤال: لم ذكر الثلاثة والخمسة وأهمل ذكر الاثنين ~~والاربعة؟ الجواب من وجوه أحدها: أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ~~اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين # PageV06P272 # وكانوا على هذين العددين فحص صورة الواقعة بالذكر. عن ابن ms4360 عباس أن ربيعة ~~وحبيبا ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما ما يتحدثون فقال أحدهم: أترى ~~أن الله يعلم ما نقول. # فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو ~~يعلم كله فنزلت. قالت جماعة: الحق مع الثالث فلعل الآخر كان فلسفي الاعتقاد ~~القائل بأنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات. ثانيها أن العدد الفرد أشرف ~~من الزوج لأن الله تعالى وتر ولأن الزوج يحتاج إلى الوتر دون العكس ~~كالواحد. وثالثها أن المتشاورين الاثنين كالمتنازعين في النفي والإثبات، ~~والثالث كالمتوسط الحكم وهكذا في كل زوج اجتمعوا للمشاورة فلا بد فيهم من ~~واحد يكون حكما فذكر سبحانه الفردين الأولين تنبيها على الأفراد الباقية. ~~ورابعها أن هذا إشارة إلى كمال المرحمة، وذلك أن الثلاثة إذا أخذ اثنان ~~منهم في التناجي والمسارة بقي الواحد ضائعا وحيدا فيضيق قلبه فيقول الله ~~تعالى: أنا جليسك وأنيسك. وكذا الخمسة إذا اجتمع اثنان اثنان منهم بقي ~~الخامس فريدا فنفس الله تعالى عنه ببشارة المعية. وهذا التأويل لا يتأتى في ~~الاثنين والأربعة فأهمل ذكرهما. وفيه أن من انقطع عن الخلق لم يتركه الله ~~ضائعا. وخامسها وهو من السوانح. أنه سبحانه لما أراد تكميل الكلام بقوله ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر لم يكن بد من الابتداء بالثلاثة مع أنها عدد ~~أكثري في التشاور، ثم بالخمسة ليكون لكل من العددين طرفا قلة وكثرة. وفيه ~~أيضا من الفصاحة أنه لم يقع حروف الأربعة مكررا إذ لو قال «ولا أربعة إلا ~~وهو خامسهم» على ما وقع في مصحف عبد الله لكان في ذكر الرابع والأربعة شبه ~~تكرار. ولعل في الآية إشارة إلى أن التناجي لا ينبغي أن يكون إلا بين اثنين ~~إلى ستة لتكون الزيادة على الخمسة بقدر احتمال النقصان على الثلاثة، ويعضده ~~ما روي أن عمر بن الخطاب ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، ~~وهذه من نكت القرآن زادنا الله اطلاعا عليها. # قال أكثر المفسرين: كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون ms4361 ~~بأعينهم إذا رأوا المؤمنين يريدون بذلك غيظهم، فنهاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك فعادوا لمثله وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين ~~وتواص بمحالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فنزل ألم تر إلى الذين # الآية منهم من قال: هم المنافقون ومنهم من قال: فريق من الكفار. والأول ~~أقرب بدليل قوله وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك وذلك أنهم كانوا يقولون «السام ~~عليك يا محمد» والله تعالى يقول وسلام على عباده الذين اصطفى [النمل: 59] و ~~«يا أيها الرسول» و «يا أيها النبي» . وحديث عائشة مع اليهود في هذا المعنى ~~مذكور مع شهرته وكانوا يقولون: ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا ~~الله بما نقول، فأجاب الله تعالى عن قولهم بأن جهنم تكفيهم. قال أبو علي: ~~التناجي والانتجاء بمعنى نحو اجتوروا واعتوروا في معنى تجاوروا وتعاوروا. ~~ثم نهى المؤمنين عن # PageV06P273 # مثل تلك النجوى وهو ظاهر. وقال جمع من المفسرين: وهو خطاب للمنافقين ~~الذين آمنوا باللسان دون مواطأة القلوب. وأعلم أن المناجاة إذا كانت على ~~طريقة البر والتقوى فقلما تقع الداعية إلى كتمانها فلا تكره النجوى ولا ~~يتأذى بها أحد إذا عرفت سيرة المناجي فلهذا أمر الله سبحانه أن لا يقع ~~التناجي إلا على وجه البر. # قوله إنما النجوى الألف واللام فيه لا يمكن أن تكون للاستغراق أو للجنس، ~~فمن النجوى ما تكون ممدوحة لاشتمالها على مصلحة دينية أو دنيوية فهي إذن ~~للعهد وهو التناجي بالإثم والعدوان زينه الشيطان لأجلهم ليحزن الشيطان، أو ~~التناجي المؤمنين وكانوا يقولون ما نراهم متناجين إلا وقد بلغهم عن أقاربنا ~~الذين خرجوا إلى الغزوات أنهم قتلوا أو هربوا. ثم بين أن الشيطان أو الحزن ~~لا يضر المؤمن أصلا إلا بمشيئة الله وإرادته. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون ~~صاحبهما فإن ذلك يحزنه» «1» # وفي رواية «دون الثالث» . # وحين نهى تعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر حثهم على ~~ما يوجب مزيد المحبة والألفة. والتفسح في ms4362 المجلس التوسع لله والمراد مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتضامون فيه تنافسا في القرب منه وحرصا ~~على استماع كلامه. ومن قرأ على الجمع جعل لكل جالس مجلسا على حدة. وقيل: هو ~~المجلس من مجالس القتال أي مراكز القتال. كان الرجل يأتي الصف فيقول: ~~تفسحوا. فيأبون حرصا على الشهادة. والقول الأول أصح. # قال مقاتل بن حيان: كان صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في الصفة وفي ~~المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر ~~وقد سبقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون أن ~~يوسع لهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك ~~على الرسول فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان قم يا فلان. فلم يزل ~~كذلك حتى أقعد النفر الذين هم قيام بين يديه فعرفت الكراهية في وجه من أقيم ~~من مجلسه، وطعن المنافقون في ذلك قالوا: والله ما عدل على هؤلاء وإن قوما ~~أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم فأجلس من أبطأ عنه فنزلت وإذا قيل ~~انشزوا # أي انهضوا للتوسعة على المقبلين فانشزوا ولا تملوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالارتكاز فيه يرفع الله الذين آمنوا منكم أيها الممتثلون ~~والعالمين منهم خاصة درجات قال بعض أهل العلم: المراد به الرفعة في مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو مناسب للمقام # لقوله «ليليني منكم أولو الأحكام PageV06P274 # والنهي» «1» # والمشهور أنه الرفعة في درجات ثواب الآخرة وقد أطنبنا في فضيلة العلم في ~~أوائل البقرة عند قوله وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة: 31] والأمر يقتضي أن ~~يقتدى بالعالم في كل شيء ولا يقتدى بالجاهل في شيء، وذلك أنه يعلم من كيفية ~~الاحتراز عن الحرام والشبهات ومحاسبة النفس ما لا يعرفه الغير، ويعلم من ~~كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها ما لا خبر فيه عند غيره، ويتحفظ فيما يلزمه ~~من الحقوق ما لا يتحفظ غيره ولكنه كما تعظم منزلته عند الطاعة ينبغى أن ~~يعظم ms4363 عتابه عند التقصيرات حتى كاد تكون الصغيرة بالنسبة إليه كبيرة، اللهم ~~ثبتنا على صراطك المستقيم ووفقنا للعمل بما فهمنا من كتابك الكريم. قال ابن ~~عباس: كان المسلمون أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~شقوا عليه وأراد الله أن يخفف عن نبيه، فلما نزلت آية النجوى شح كثير من ~~الناس فكفوا عن المسألة. # وقال مقاتل بن حيان: إن الأغنياء غلبوا الفقراء في مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأكثروا مناجاته فأمر الله بالصدقة عند المناجاة فازدادت درجة ~~الفقراء وانحطت رتبة الأغنياء وتميز محب الآخرة عن محب الدنيا. # قال بعضهم: هذه الصدقة مندوبة لقوله ذلك خير لكم ولأنه أزيل العمل به ~~بكلام متصل وهو قوله أأشفقتم والأكثرون على أنها كانت واجبة لظاهر الأمر، ~~والواجب قد يوصف بكونه خيرا ولا يلزم من اتصال الآيتين في القراءة اتصالهما ~~في النزول. وقد يكون الناسخ متقدما على المنسوخ كما مر في آية الاعتداد ~~بالحول في البقرة. واختلفوا في مقدار تأخرها: فعن الكلبي ما بقي ذلك ~~التكليف إلا ساعة من نهار. وعن مقاتل بقي عشرة أيام. # وعن علي رضي الله عنه: لما نزلت الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو ~~شعيرة. قال: إنك لزهيد # أي إنك لقليل المال فقدرت على حسب مالك. # وعنه عليه السلام: إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها ~~أحد بعدي. كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم فكنت إذا ناجيته تصدقت ~~بدرهم. # قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال القاضي: هذا لا يدل على فضله على أكابر الصحابة لأن الوقت لعله لم يتسع ~~للعمل بهذا الفرض. وقال فخر الدين الرازي: سلمنا أن الوقت قد وسع إلا أن ~~الاقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير الذي لا يجد شيئا وينفر الرجل ~~الغني ولم يكن في تركه مضرة. لأن PageV06P275 # الذي يكون سببا ms4364 للألفة أولى مما يكون سببا للوحشة. وأيضا الصدقة عند ~~المناجاة واجبة: # أما المناجاة فليست بواجبة ولا مندوبة بل الأولى ترك المناجاة لما بينا ~~من أنها كانت سببا لسآمة النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: هذا الكلام لا ~~يخلو عن تعصب ما ومن أين يلزمنا أن نثبت مفضولية علي رضي الله عنه في كل ~~خصلة، ولم لا يجوز أن يحصل له فضيلة لم توجد لغيره من أكابر الصحابة. # فقد روي عن ابن عمر كان لعلي رضي الله عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن ~~كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة رضي الله عنها وإعطاؤه الراية يوم ~~خيبر وآية النجوى. # وهل يقول منصف إن مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم نقيصة على أنه لم يرد ~~في الآية نهي عن المناجاة وإنما ورد تقديم الصدقة على المناجاة فمن عمل ~~بالآية حصل له الفضيلة من جهتين: سد خلة بعض الفقراء، ومن جهة محبة نجوى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ففيها القرب منه وحل المسائل العويصة وإظهار أن ~~نجواه أحب إلى المناجي من المال والظاهر أن الآية منسوخة بما بعدها وهو ~~قوله أأشفقتم إلى آخرها. قاله ابن عباس. وقيل: نسخت بآية الزكاة. أما أبو ~~مسلم الذي يدعي أن لا نسخ في القرآن فإنه يقول: كان هذا التكليف مقدرا ~~بغاية مخصوصة ليتميز الموافق من المنافق والمخلص من المرائي، وانتهاء أمد ~~الحكم لا يكون نسخا له. ومعنى الآية أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من ~~الإنفاق المنقص للمال الذي هو أحب الأشياء إليكم فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به ~~وتاب الله عليكم ورخص لكم في أن لا تفعلوا فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة ~~وسائر الطاعات. ومن زعم أن العمل بآية النجوى لم يكن من الطاعات قال: إنه ~~لا يمتنع أن الله تعالى علم ضيق صدر كثير منهم عن إعطاء الصدقة في المستقبل ~~لو دام الوجوب فقال: إذا كنتم تائبين راجعين إلى الله وأقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة فقد كفاكم هذا التكليف. # قال المفسرون: كان عبد الله بن ms4365 نبتل المنافق يجالس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حجرة من حجراته إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين ~~شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: علام ~~تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: بل فعلت. فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فنزل ألم تر إلى ~~الذين تولوا # أي وادوا قوما غضب الله عليهم وهم اليهود ما هم منكم لأنهم ليسوا مسلمين ~~بالحقيقة ولا منهم لأنهم كانوا مشركين في الأصل ويحلفون على الكذب وهو ~~ادعاء الإسلام. وفي قوله وهم يعلمون دلالة على إبطال قول الجاحظ إن الخبر ~~الكذب هو الذي يكون مخالفا للمخبر عنه مع أن المخبر يعلم المخالفة وذلك أنه ~~لو كان كما زعم لم يكن لقوله وهم يعلمون فائدة بل يكون تكرار صرفا. قال بعض ~~المحققين: العذاب # PageV06P276 # الشديد هو عذاب القبر، والعذاب المهين الذي يجيء عقيبه هو عذاب الآخرة. ~~وقيل: الكل عذاب الآخرة لقوله الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا ~~فوق العذاب [النحل: 88] قال جار الله: معنى قوله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~إنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول مصرين على سوء العمل، أو هي حكاية ما ~~يقال لهم في الآخرة. ومعنى الفاء في فصدوا أنهم حين دخلوا في حماية الايمان ~~بالأيمان الكاذبة وأمنوا على النفس والمال اشتغلوا بصد الناس عن الدخول في ~~الإسلام بإلقاء الشبهات وتقبيح حال المسلمين. # ويروى أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا ~~فنزل لن تغني عنهم الآية. # ثم أخبر عن حالهم العجيبة الشأن وهو أنهم يحلفون يوم المحشر لعلام الغيوب ~~كما يحلفون لكم في الدنيا وأنتم بشر يخفى عليكم السرائر ويحسبون أنهم على ~~شيء من النفع. والمراد أنهم كما عاشوا على النفاق والحلف الكاذب يموتون ~~ويبعثون على ذلك الوصف. قال القاضي والجبائي: إن أهل الآخرة لا يكذبون. ms4366 ~~ومعنى الآية أنهم يحلفون في الآخرة إنا ما كنا كافرين عند أنفسنا. وقوله ~~ألا إنهم هم الكاذبون في الدنيا. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسف وقد ~~مر البحث في قوله والله ربنا ما كنا مشركين [الأنعام: # 23] ثم بين أن الشيطان هو الذي زين لهم ذلك. ومعنى استحوذ استولى وغلب ~~ومنه قول عائشة في حق عمر: كان أحوذيا أي سائسا غالبا على الأمور وهو أحد ~~ما جاء على الأصل نحو «استصوب واستنوق» احتج القاضي به في خلق الأعمال بأن ~~ذلك النسيان لو حصل بخلق الله لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا، ولكانوا ~~كالمؤمنين في كونهم حزب الله لا حزب الشيطان. والجواب ظاهر مما سلف مرارا ~~فإن الكلام في الانتهاء لا في الوسط. قوله أولئك في الأذلين قال أهل ~~المعنى: إن ذل أحد الخصمين تابع لعز الخصم الآخر. ولما كانت عزة أولياء ~~الله تعالى غير متناهية فذل أعدائه لا نهاية له فهم إذن أذل خلق الله. ثم ~~قرر سبب ذلهم بقوله كتب الله في اللوح لأغلبن أنا ورسلي إما بالحجة وحدها ~~أو بها وبالسيف. قال مقاتل: إن المسلمين قالوا: إنا لنرجو أن يظهرنا الله ~~على فارس والروم. # فقال عبد الله بن أبي: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتموهم ~~عليها؟ كلا والله إنهم أكثر عددا وعدة فنزلت الآية. ثم بين أن الجمع بين ~~الإيمان الخالص وموادة من حاد الله ورسوله غير ممكن ولو كان المحادون بعض ~~الأقربين. وقال جار الله: هذا من باب التمثيل والغرض أنه لا ينبغي أن يكون ~~وحقه أن يمتنع ولا يوجد. قلت: لو اعتبر كل من الأمرين من حيث الحقيقة كان ~~بينهما أشد التباين ولا حاجة إلى هذا التكلف إلا أن يحمل # PageV06P277 # أحدهما على الحقيقة والآخر على الظاهر فحينئذ قد يجتمعان كما في حق أهل ~~النفاق، وكما يوجد بعض أهل الإيمان يخالط بعض الكفرة ويعاشرهم لأسباب ~~دنيوية ضرورية. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة فإني ~~أجد فيما أوحي إلي» ms4367 # لا تجد قوما # يروى أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فصكه صكة سقط منها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد ~~فعلته؟ قال: نعم. قال: لا تعد. قال: والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته. # وقيل: في أبي عبيدة بن الجراح فقتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد، وفي ~~كثير من أكابر الصحابة أعرضوا عن عشائرهم وعادوهم لحب الله ورسوله. فذهب ~~جمع من المفسرين إلى أنها نزلت في حاطب ابن أبي بلتعة وإخباره أهل مكة ~~بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم عام الفتح وسيجيء في الممتحنة. ~~والأظهر عندي نزولها في المؤمنين الخلص لقوله أولئك كتب أي أثبت في قلوبهم ~~الإيمان إثبات المكتوب في القرطاس. وقيل: معناه جمع. والتركيب يدور عليه أي ~~استكملوا أجزاء الإيمان بحذافيرها ليسوا ممن يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ~~قوله وأيدهم بروح منه قال ابن عباس: أي نصرهم على عدوهم. # وسمي النصرة روحا لأن الأمر يحيا بها، ويحتمل أن يكون الضمير للإيمان على ~~أنه في نفسه روح فيه حياة القلوب والباقي ظاهر والله أعلم وإليه المصير ~~وبيده التوفيق والإتمام بالصواب. # PageV06P278 ### | (سورة الحشر) # (مدنية حروفها ألف وخمسمائة وثلاثون كلماتها أربعمائة وخمس وأربعون ~~آياتها أربع وعشرون) ### | [سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 24] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (2) ~~ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~النار (3) ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ~~(4) # ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين (5) وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم ms4368 عليه من خيل ولا ~~ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (6) ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون (8) والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (9) # والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم (10) ألم ~~تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم ~~لكاذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن ~~نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ~~وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا ~~يعقلون (14) # كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين (16) فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء ~~الظالمين (17) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (18) ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون (19) # لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (20) لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون (21) هو ms4369 الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب ~~والشهادة هو الرحمن الرحيم (22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس ~~السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) ~~هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم (24) # PageV06P279 ### | القراآت: # يخربون بالتشديد: أبو عمرو. والباقون: بالتخفيف من الإخراب تكون بالتاء ~~الفوقانية دولة بالرفع على «كان» التامة: يزيد. والآخرون: على التذكير ~~والنصب جدار بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو. والآخرون: بضمتين من ~~غير ألف. إني أخاف بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. والبارئ ~~بالإمالة: # قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس. ### | الوقوف # وما في الأرض ط الحكيم ه الحشر ط الأبصار ط في الدنيا ط النار ط ه ورسوله ~~ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور العقاب ه الفاسقين ه من يشاء ط قدير ه ~~السبيل ه منكم ط فانتهوا ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ~~واتقوا الله ط العقاب ه لئلا يوهم أن قوله للفقراء يتعلق ب شديد ورسوله ط ~~الصادقون ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في ### | التفسير. # خصاصة قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله المفلحون ه ~~لمثل المذكور رحيم ه أبدا لا لأن ما بعده من تمام القول لننصرنكم ط لكاذبون ~~ه معهم ج لا # PageV06P280 # ينصرونهم # ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم لا ينصرون ه من الله ط لا يفقهون ه جدر ~~ط شديد ه لا يعقلون ه ج لتعلق الكاف ب لا يعقلون أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ~~أمرهم ط لاحتلاف الجملتين أليم ه ج لما قلنا اكفر ط العالمين ه فيها ط ~~الظالمين ه لغد ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم ~~فلتنظر لغدها نفس واحد منكم واتقوا الله ه تعملون ه أنفسهم ط الفاسقون ه ~~الجنة الأولى ط الفائزون ه من خشية ms4370 الله ط يتفكرون ه إلا هو ج لاحتمال كون ~~ما بعده خبر مبتدأ محذوف والشهادة ج لاحتمال كون الضمير بدلا من عالم أو ~~مبتدأ الرحيم ه إلا هو ط لما قلنا المتكبر ط يشركون ه الحسنى ط والأرض ط ~~الحكيم ه. ### | التفسير: # قال المفسرون: صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ~~يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في ~~التوراة لا ترد له رايه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج ~~كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشا عند الكعبة، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أخا ~~كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: # اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك. فتنادوا بالحرب. # وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ~~فأرسل إليهم عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن ~~قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدربوا على الأزقة ~~وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة. فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا ~~من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة ~~أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشام إلا ~~أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة ~~بالحيرة. # واللام في قوله لأول الحشر بمعنى الوقت كقولك «جئت ليوم كذا» . وهم أول ~~من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام. فمعنى الحشر إخراج الجميع ~~من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل ~~منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين. وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر ~~الناس للساعة إلى ناحية الشام كما # جاء في الحديث «نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب» «1» # قاله ms4371 PageV06P281 # قتادة. وقيل: آخر حشرهم اجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل: معناه ~~لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل «وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم أو مانعتهم» هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلا على فرط ~~وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسما لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم ~~اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم. # قلت: حاصل كلامه رضي الله عنه الحصر. ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو ~~النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله تعالى في قلوبهم ولاستعمال ~~القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ~~[البقرة: 210] هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك [الأنعام: ~~158] ومعنى لم يحتسبوا أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه. وقذف ~~الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا صلى الله عليه وسلم كما مر في آل عمران ~~سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب [آل عمران: 151] وفي لفظ القذف زيادة ~~تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد «مقذف» فكأنما قذف باللحم قذفا لاكتنازه ~~وتداخل أجزائه. قال الفراء يخربون بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ~~ويتركونها. وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خرابا، والتخريب ~~الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا. وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض ~~الأحكام نحو «فرحته» و «أفرحته» و «حسنه الله» و «أحسنه» . قال المفسرون: ~~إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها ~~من داخل والمسلمون من خارج. قلت: # ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسد أفواه الازقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما ~~أرادوا حمله من جيد الخشب والساج. وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة ~~تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم ~~كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك. ثم أمر أهل الابصار الباطنة ~~بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة ms4372 من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل ~~من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، ~~والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من ~~اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس ~~يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس. ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على ~~حصونهم وعدتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا ~~يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر ~~والطعن في النبوة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء ~~والجلاء. واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب # PageV06P282 # ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي. وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن ~~الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في ~~الآخرة والعكس لا يلزم. وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة ~~نبوته. والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم ~~أشد من الموت فلهذا قال ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ~~بالقتل ولهم في الآخرة بعد ما عاينوا في الدنيا عذاب النار ذلك التخريب أو ~~الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله. قالت الفقهاء: فيه ~~دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه ~~المشاقة حصل التخريب. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد ~~قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس ~~المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ما قطعتم # محله نصب ومن لينة بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من ~~الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل. وياؤها واو في الأصل ms4373 ~~كالديمة. وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله ~~تعالى أن ذلك جائز غيظا لقلوب الكفرة. واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون ~~الكفار وقلع أشجارهم. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعا للقتال. # وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار. # وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعلى أن كل مجتهد مصيب. # قوله وما أفاء الله أدخل العاطف هاهنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي ~~غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها. ومعنى أفاء جعله فيئا من فاء ~~إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين. والإيجاف من الوجيف ~~وهو السير السريع. # وقوله عليه أي على ما أفاء. والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا ~~واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله ~~سبحانه الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك ~~اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم ~~حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك ~~الأموال من الغنيمة لا من الفيء. وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم ~~تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع. ~~الثاني تسليم # PageV06P283 # أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم ~~يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على ~~أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راكب جمل، فلما ~~كانت المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ~~ثمة. ثم # روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم ms4374 يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر ~~كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة # قال الواحدي: كان الفيء مقسوما في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكذا خمس ~~الباقي، والأسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل. وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: # أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في رباط الثغور. والثاني أنه يصرف إلى مصالح ~~المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم. هذا في ~~الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه ~~لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة ~~الأنفال. ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال كي لا يكون ~~دولة قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ~~ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف. والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم ~~عن قوم. قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت ~~له الدولة. فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء ~~بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء ~~الذي حقه أن يعطى الفقراء جدا بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون ~~الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة ~~والجد والغلبة وكانوا يقولون من عزبر ومنه قول الحسن «اتخذوا عباد الله ~~خولا ومال الله دولا» يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. ومن قرأ على «كان» ~~التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاورا بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا ~~تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها. قوله وما آتاكم الآية. # قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم ~~الرسول صلى الله عليه ms4375 وسلم منها، والأولى عند المحققين العموم. قوله ~~للفقراء بدل من قوله ولذي القربى إلى آخر الأصناف الأربعة. ولا يجوز أيضا ~~أن يكون ابتداء البدل من قوله فلله لأنه يخل بتعظيم الله على ظاهر اللفظ ~~وإن كان المعنى للرسول صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز أيضا أن يكون الابتداء ~~من قولهم وللرسول لأنه تعالى أخرجه عن الفقراء بقوله وينصرون الله ورسوله ~~ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير. ولئن صح أنه صلى الله عليه وسلم # قال «الفقر فخري» # فذاك معنى آخر وهو غنى # PageV06P284 # القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هما واحدا وهو الافتقار ~~بالكلية إلى الله. # استدل بعض العلماء بقوله أولئك هم الصادقون على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء ~~المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو لم ~~تكن خلافته حقة لزم كذبهم وهو خلاف الآية. وقال في الكشاف: أراد صدقهم في ~~إيمانهم وجهادهم. قوله والذين تبوؤا الدار معطوف على المهاجرين وكذا قوله ~~والذين جاؤ وذلك عند من يجعل الغنائم حلا للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم ~~بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله يحبون ويقولون ~~حالين أي الغنائم لهم محبين قائلين. ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير ~~وقف على هم الصادقون والمفلحون وجعل الفعلين خبرين. # وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على ~~الدعاء. قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعل ~~للمهاجرين دونهم. وهاهنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان. الثاني ~~بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين. والجواب عن ~~الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: # «علفتها تبنا وماء باردا» أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان ~~كأنهم جعلوه مستقرا لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان. والمعنى تبوؤا دار ~~الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف ~~المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا ~~يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي ms4376 تقدمه. وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو ~~هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في ~~الإيمان ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حسدا وغيظا مما أوتى المهاجرون من ~~الفيء وغيره. وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم ~~اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة. وقال جار الله: ~~المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى شيء ~~منه يحتاج إليه ولو كان بهم خصاصة أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل ~~خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة. ومفعول يؤثرون ~~محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم. # عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إن شئتم قسمتم ~~للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم ~~كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم. فقالوا: لا بل نقسهم لهم من ديارنا ~~وأموالنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت. # والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، ~~والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة # PageV06P285 # وملكة. قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا ~~أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه. وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار ~~الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف. والظاهر أنها نزلت في الفيء كما ~~مر ويدخل فيه غيره. قوله والذين جاؤ من بعدهم أي هاجروا بعد المهاجرين ~~الأولين. وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث ~~جميع المؤمنين. ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن ~~أبي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم ~~يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا لهم لا نطيع في ~~قتالكم أو خذلانكم أحدا. ثم شهد إجمالا عليهم بأنهم كاذبون، ms4377 ثم فصل ذلك ~~قائلا لئن أخرجوا إلى قوله ولئن نصروهم وهذا على سبيل الفرض لأنه تعالى كما ~~يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون. والمعنى لو فرض نصر ~~المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك أي لا يمنعهم من ~~عذاب الله مانع لظهور كفرهم. وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة ~~المنافقين. وعلى هذا يكون «ثم» لترتيب الأخبار كقوله ثم اهتدى [طه: 82] ثم ~~بين الحكمة في الغزو فقال لأنتم أشد رهبة قال في الكشاف: أي مرهوبية هي ~~مصدر رهب المبني للمفعول. وقوله في صدورهم دلالة على نفاقهم يعني أنهم ~~يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفا شديدا ورهبتهم في السر منكم أشد من ~~ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته. وجوز أن يكون المراد ~~أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون ~~للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم. قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر ~~مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا ~~يرتدعون إلا خوفا من العقوبة العاجلة. ومن هذا أخذ عمر فقال: ما يزع ~~السلطان أي يمنع أكثر مما يزع القرآن. وقال الشاعر: # السيف أصدق إنباء من الكتب وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا. ثم شجع ~~المسلمين بقوله لا يقاتلونكم أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إلا في قرى ~~محصنة غاية التحصين أو من وراء جدر لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ~~بأسهم بينهم شديد لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو ~~لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أمورا يعلم الله أنها لا تقع في الخارج ~~على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدو يؤيده قوله تحسبهم ~~جميعا مجتمعين ذوي تآلف ومحبة وقلوبهم شتى متفرقة وهو فعلى من # PageV06P286 # الشت. وإنما قال هاهنا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون وفي الأول لا ms4378 يفقهون لأن ~~الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد هاهنا أنهم ~~لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل ~~يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا ~~مبطلين. ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب. قال جار ~~الله: انتصب قريبا بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريبا. قلت: لا يبعد أن ~~يتعلق بصلة الذين. ثم ضرب مثلا آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ~~ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما ~~خصوص إغراء إبليس قريشا يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله سبحانه وإذ زين ~~لهم الشيطان إلى قوله إني بريء منكم [الأنفال: 48] قال مقاتل: وكان عاقبة ~~اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار. قال جار ~~الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيدا أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن ~~بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد. وسمى ~~القيامة بالغد تقريبا لمجيئها. عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد. ~~وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة. قال أهل المعاني: تنكير نفس ~~للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير لغد للتعظيم والتهويل. قال مقاتل: ونسوا ~~حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم ~~القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم. قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله ~~فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية. وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل ~~الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا ~~كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه «هو أبوك» . استدل ~~أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن ~~الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا. # واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل ~~النار لزم خلاف الآية. والجواب ms4379 ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم ~~أنه من أهل النار. ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان. قال ~~الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله وتلك الأمثال يعني هذا وغيره من أمثال ~~التنزيل. وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله كمثل الذين كمثل الشيطان ولما ~~وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد ~~سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة. والقدوس ~~مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين وهذا بالنسبة إلى ~~زمان الماضي والحال. والسلام إشارة إلى كونه سالما عن الآفات والعاهات ~~والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة. المؤمن ~~الواهب الأمن والمصدق # PageV06P287 # لأنبيائه بالمعجزات. وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في ~~قوله ومهيمنا عليه [الآية: 48] وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء. ولمكان ~~تعداد هذه الأوصاف كرر قوله يسبح له إلى آخر السورة. فمن عزته كان منزها عن ~~النقائص أهلا للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن ~~يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق ~~للخير وإليه المآب. # PageV06P288 ### | (سورة الممتحنة) # (وهي مدنية حروفها ألف وخمسمائة وعشرة كلماتها ثلاثمائة وثمان وأربعون ~~آياتها ثلاث عشرة) ### | [سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى 13] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) إن يثقفوكم ~~يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ~~(2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما ~~تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة ms4380 والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير (4) # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ~~(5) لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من ~~دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9) # يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم ~~الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10) وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون (11) يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله ~~إن الله غفور رحيم (12) يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ~~قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور (13) # PageV06P289 ### | القراآت # يفصل ثلاثيا معلوما: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب يفصل بالتشديد: حمزة ~~وعلي وخلف. مثله ولكن مجهولا: ابن ذكوان. الآخرون: ثلاثيا مجهولا في ~~إبراهام كنظائره أن تولوهم بتشديد التاء: البزي وابن فليح تمسكوا بالتشديد: # أبو عمرو وسهل ويعقوب. ### | الوقوف # من الحق ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ms4381 كفروا والاستئناف بالله ربكم ~~ط أعلنتم ط السبيل ه تكفرون ه أولادكم ج لاحتمال تعلق الظرف ب لن تنفعكم أو ~~يفصل يوم القيامة ج بناء على المذكور بينكم ط بصير ه والذين معه ج لأن ~~الظرف قد يتعلق باذكر محذوفا أو أسوة من دون الله ط لأن ما بعد مستأنف في ~~النظم وإن كان متصلا في المعنى من شيء ط المصير ه لنا ربنا ه للإبتداء بأن ~~مع أن التقدير فإنك الحكيم ه الآخر ط الحميد ه مودة ط قدير ه رحيم ه إليهم ~~ط المقسطين ه تولوهم ج للشرط مع العطف الظالمون ه فامتحنوهن ط بإيمانهن ط ~~الكفار ط لهن ط ما أنفقوا ط أجورهن ط ما أنفقوا ط حكم الله ط بينكم ط حكيم ~~ه ز ما أنفقوا ط مؤمنون ه لهن الله ط رحيم ه القبور ه. ### | التفسير: # يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني ~~المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير ~~وكساها بردا واستحملها كتابا إلى أهل مكة هذه نسخته «من حاطب بن أبي بلتعة ~~إلى أهل مكة. اعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم» ~~. فخرجت سارة ونزل جبريل عليه السلام بالخبر، فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليا رضي الله عنه وعمارا وعمرو فرسانا أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا ~~روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها. ~~فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه: والله ما ~~كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسل سيفه وقال: # PageV06P290 # أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لحاطب: # ما حملك عليه؟ فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ~~ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت ms4382 غريبا في قريش وكل من معك من المهاجرين ~~لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ ~~عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا ~~فصدقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: ~~وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم. ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة. # وتلقون مستأنف أو حال من ضمير لا تتخذوا أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى ~~الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون ~~الأفعال كما لو قلت مثلا ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام. ~~والباء في بالمودة إما زائدة كما في قوله ولا تلقوا بأيديكم [البقرة: 195] ~~أو للسببية ومفعول تلقون محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بسبب المودة. وأن تؤمنوا تعليل ل يخرجون أي يخرجونكم لإيمانكم. ~~وإن كنتم خرجتم تأكيد متعلق ب لا تتخذوا وجوابه مثله. وانتصب جهادا وابتغاء ~~على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوى ولابتغاء رضواني فلا ~~تتولوا أعدائي. وقوله تسرون مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن ~~علام الغيوب لا يخفى عليه شيء. ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا ~~بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان. # قال علماء المعاني: إنما عطف قوله وودوا وهو ماض لفظا على ما تقدمه وهو ~~مضارع تنبيها على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على ~~المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدو أن يقصد أعز شيء عند ~~صاحبه. ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم ~~تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال يوم يفر المرء من أخيه ~~[عبس: 34] الآية. ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم. ثم ذكر أن ms4383 وجوب ~~البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم عليه السلام والذين ~~آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب ~~العداوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة ~~مصافاة والمقت محبة. ثم استثنى إلا قول إبراهيم من قوله أسوة كأنه قال حق ~~عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [التوبة: 113] أما قوله وما أملك ~~لك من الله من شيء فليس بداخل في # PageV06P291 # حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماما لقصة إبراهيم مع أبيه. ~~وقال في الكشاف: # هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي ~~إلا الاستغفار. ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ربنا عليك توكلنا الآية. ~~ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه. ثم أكد أمر ~~الائتساء بقوله لقد كان فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله لكم قوله لمن كان ~~يرجوا وختم الآية بنوع من الوعيد. ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة ~~أقاربهم بالمودة والله قدير على تقليب القلوب وتصريف الأحوال والله غفور ~~رحيم لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة ~~أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي. ولما نزلت هذه الآيات ~~تشدد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل لا ينهاكم الله وقوله أن ~~تبروهم بدل من الذين لم يقاتلوكم وكذا قوله أن تولوهم من الذين قاتلوكم ~~والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء. ومعنى تقسطوا ~~إليهم تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطا. وعدي ب «إلى» لتضمنه معنى ~~الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم. وقيل: ~~أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ~~يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة. # وقيل: هم النساء والصبيان. وعن قتادة: نسختها آية ms4384 القتال. # قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ~~ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتابا وختموه. فجاءت سبيعة بنت ~~الحرث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فأقبل زوجها ~~مسافرا المخزومي. وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إلي امرأتي فإنك ~~قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية. # فكانت بيانا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. # وعن الضحاك: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين عهد أن ~~تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها ~~زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها. وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط ~~مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى ~~فامتحنوهن فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر. # وفائدة قوله الله أعلم بإيمانهن أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس ~~من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا ~~تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام ~~الغيوب فإن علمتموهن مؤمنات العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب فلا ~~ترجعوهن إلى أزواجهن # PageV06P292 # الكفار لأنه لا حل بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن مثل ما أنفقوا مثل ~~ما دفعوا إليهن من المهور. ثم نفى عنهم الحرج في تزوج هؤلاء المهاجرات إذا ~~أعطوهن مهورهن. # قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى ~~أزواجهن فيشترط في إباحة تزوجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك ~~المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق. احتج أبو حنيفة بالآية ~~على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا ~~وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ms4385 ويصح نكاحها إلا أن تكون ~~حاملا ولا تمسكوا بعصم الكوافر وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: ~~أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع ~~عصمتها وحل عقدتها. وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وقال ~~مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن وسئلوا ما أنفقتم من ~~مهور أزواجكم الملحقات بالكفار وليسئلوا ما أنفقوا من مهور نسائهم ~~المهاجرات. أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ~~ونهاية الإنصاف. ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله. قال جار الله: ~~يحكم بينكم كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، ~~أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. # يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن ~~المسلمين فأنزل الله تعالى وإن فاتكم # أي سبقكم وانفلت منكم شيء من أزواجكم أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة ~~إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن ~~يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوض عنه. ويجوز أن يراد وإن فاتكم ~~شيء من مهور أزواجكم. ومعنى فعاقبتم فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة ~~النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر ~~يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره فآتوا الذين ذهبت أزواجهم إلى ~~الكفار مثل ما أنفقوا أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها ~~الكافر. وقال الزجاج: معنى فعاقبتم فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، ~~فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر. قال بعض المفسرين: جميع من ~~لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان ~~كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب ~~وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد ~~العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ms4386 ود، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن ~~العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر. أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مهور نسائهم من الغنيمة. وفي قوله واتقوا الله ندب إلى سيرة التقوى ورعاية ~~العدل ولو مع الكفرة. # PageV06P293 # ثم نبه نبيه صلى الله عليه وسلم على شرائط المبايعة وهي المعاهدة على كل ~~ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد هاهنا المعاقدة على ~~الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت ~~المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى ~~بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد ~~به بين الرجلين. وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية ~~مختلقة من تلقاء أنفسهن. وقيل: قذف المحصنين. قال ابن عباس: في قوله ولا ~~يعصينك في معروف إنما هو شرط شرطه الله تعالى على النساء، والمعروف كل ما ~~ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. واختلف في كيفية مبايعته ~~إياهن فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهن. وقيل: صافحهن ~~وكان على يده ثوب. وقيل: كان عمر يصافحهن ما مست يد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يد امرأة يملكها إنما كان كلاما. # وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من ~~الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ~~ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~فيما استطعتن وأطقتن. قلنا الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلم نصافحك يا ~~رسول الله. قال: # إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة. # يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعا في ثمارهم فنزلت ~~لا تتولوا قوما الآية. # وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار ~~من موتاهم ms4387 أن يرجعوا أحياء. وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا ~~من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى. # PageV06P294 ### | (سورة الصف) # (مدنية وقيل مكية كلماتها مائتان وإحدى وعشرون وحروفها تسعمائة وستة ~~وعشرون وآياتها أربع عشرة) ### | [سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 14] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (4) # وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (5) وإذ قال ~~عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام ~~والله لا يهدي القوم الظالمين (7) يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله ولو كره المشركون (9) # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح ~~قريب وبشر المؤمنين (13) يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ~~فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين (14) ### | القراآت: # زاغوا بالإمالة مثل زاغ البصر [النجم: 17] بعدي بفتح الياء: # أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وحماد وأبو بكر غير ابن غالب متم ~~نوره بالإضافة: # ابن كثير وحمزة وعلي ms4388 وخلف وحفص. الآخرون: بالتنوين ونصب نوره تنجيكم ~~بالتشديد: ابن عامر أنصارا بالتنوين لله جارا ومجرورا: أبو جعفر ونافع وابن ~~كثير وأبو عمرو. والباقون: بالإضافة أنصاري إلى الله بالفتح كما مر في «آل ~~عمران» . # PageV06P295 ### | الوقوف: # وما في الأرض ط الحكيم ه ج تفعلون ه تفعلون ه مرصوص ط إليكم ط قلوبهم ط ~~الفاسقين ه أحمد ط مبين ه الإسلام ط الظالمين ه الكافرون ه المشركون ه أليم ~~ه ز وأنفسكم ط تعلمون ه لا لأن قوله يغفر لكم جواب تؤمنون على أنه خبر في ~~معنى الأمر عدن ط العظيم ه ج للعطف تحبونها ط لحق الحذف أي هي نصر قريب ه ~~لانقطاع النظم واختلاف المعنى المؤمنين ه إلى الله ط وكفرت طائفة ه لاتفاق ~~الجملتين مع تخصيص الثانية ببيان حال أحد الفريقين ظاهرين ه. ### | التفسير: # يروى أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى ~~الله لعملناه فدلهم الله على الجهاد فولوا يوم أحد فعيرهم. # وروي أن الله تعالى حين أخبر بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا إلى ~~الله لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد ولم يفوا. # وقيل كان الرجل يقول: قلت ولم يقل وطعنت ولم يطعن فأنزل الله تعالى لم ~~تقولون واللام الجارة إذا دخلت على «ما» الاستفهامية أسقطت الألف لكثرة ~~الاستعمال. وقد عرفت مرارا أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم، وهذا ~~التفسير يتناول إخلاف كل وعد. وقال الحسن: نزلت في الذين آمنوا بلسانهم لا ~~بقلوبهم. ثم عظم أمر الإخلاف في قلوب المنافقين فقال كبر الآية. وفيه أصناف ~~مبالغة من جهة صيغة التعجب والتعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره ~~وأشكاله، ومن جهة إسناد الفعل إلى أن تقولوا ونصب مقتا على التمييز ومن قبل ~~أن المقت أشد من البغض أو من وصفه بأنه عند الله لأن الممقوت عنده ممقوت ~~عند كل ذي لب. ثم حث على الجهاد بنوع آخر وذلك أنه نسب أولا ترك الجهاد بعد ~~تمنيه إلى المقت ثم نسب الجهاد ms4389 إلى الحب. وانتصب صفا على المصدر بمعنى ~~الحال. وقوله كأنهم مع الأول حالان متداخلان أي صافين أنفسهم أو مصفوفين ~~كأنهم في تراميهم من غير فرجة ولا خلل بنيان رص بعضه على بعض أي رص صف. ~~وجوزوا أن يراد صف معنوي وهو اتفاق كلمتهم واستواء نياتهم في الثبات. # وعلى الأول استدل بعضهم به على تفضيل القتال راجلا بناء على أن الفرسان ~~لا يصطفون من غير فرجة، ثم ذكرهم قصة موسى عليه السلام مع قومه كيلا يفعلوا ~~بنبيهم مثل ما فعل به بنو إسرائيل. وتفسير الإيذاء مذكور في آخر «الأحزاب» ~~وسائر أصناف إيذائهم إياه من عبادة العجل وطلب الرؤية والالتماسات المنكرة ~~مشهورة وقد تعلمون في موضع الحال. # وفائدة «قد» تأكيد العلم لا تقليله وفيه إشارة إلى نهاية جهلهم إذا عكسوا ~~القضية وصنعوا مكان تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءه. والزيغ ~~الميل عن الحق والإزاغة الإمالة فكأنهم تسببوا # PageV06P296 # لمزيد الانحراف عن الجادة، فالطاعة تجر الطاعة والمعصية تجر المعصية. قال ~~بعض العلماء: إنما قال عيسى يا بني إسرائيل ولم يقل يا قوم كما قال موسى، ~~لأنه لا نسب له فيهم. قلت: ممنوع لقوله تعالى في «الأنعام» ومن ذريته داود ~~إلى قوله وعيسى [الآية: 48] قال النحويون: قوله مصدقا ومبشرا حالان والعامل ~~فيهما معنى الإرسال في الرسول فلا يجوز أن يكون إليكم عاملا لأنه ظرف لغو. ~~عن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم ~~أمة محمد حكماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء يرضون من الله ~~باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل. قوله وهو يدعى إلى ~~الإسلام نظير ما مر من قوله وقد تعلمون أني رسول الله ففي كل منهما تعكيس ~~القضية إذ جعل مكان إجابة النبي إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين افتراء ~~الكذب على الله وهو قولهم للمعجزات هي سحر، لأن السحر كذب وتمويه ولهذا عرف ~~الكذب بخلاف آخر «العنكبوت» . ثم ذكر غرضهم من الافتراء بقوله يريدون ~~ليطفؤا ولهذا خص هذه ms4390 السورة باللام كأنه قال: يريدون الافتراء لأجل هذه ~~الإرادة كما زيدت اللام في «لا أبالك» لتأكيد معنى الإضافة. وباقي الآيتين ~~سبق تفسيره في «براءة» . # وإنما قال هاهنا والله متم نوره لمكان الفصل بالعلة كأنه قال: يريدون ~~الافتراء لغرض إطفاء نور الله والحال أن الله متم نوره، وأما هنالك فإنه ~~عطف قوله ويأبى على قوله يريدون. # ثم دل أهل الإيمان على التجارة الرابحة وهي مجاز عن وجدان الثواب على ~~العمل كما قال إن الله اشترى إلى قوله فاستبشروا ببيعكم [التوبة: 111] قال ~~أهل المعاني: # فائدة إيقاع الخبر موقع الأمر هي التنبيه على وجوب الأمر وتأكيده كأنه ~~أمتثل فهو يخبره به كأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان؟ وعن الفراء أن قوله يغفر ~~لكم جواب هل أدلكم بتأويل أن متعلق الدلالة هو التجارة والتجارة مفسرة ~~بالإيمان والجهاد فكأنه قيل: هل تتجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ذلكم ~~يعني ما ذكر من الإيمان والجهاد خير لكم من أموالكم وأنفسكم وهو اعتراض. ~~وقوله إن كنتم تعلمون اعتراض زائد على اعتراض ومعناه إن كنتم تعلمون أنه ~~خير لكم كان خيرا لكم لأن نتيجة الخير إنما تحصل بعد اعتقاد كونه خيرا. ثم ~~قال ولكم مع هذه النعم الآجلة نعمة أخرى عاجلة تحبونها وهي فتح مكة كما قال ~~وأثابكم فتحا قريبا [الفتح: 18] وعن الحسن: هو فتح فارس والروم. # قال في الكشاف: في قوله تحبونها شيء من التوبيخ على محبة العاجلة. وعندي ~~أنه سبحانه رتب أمرين على أمرين: المغفرة وإدخال الجنة على الإيمان، والنصر ~~والفتح على # PageV06P297 # الجهاد، ومحبة النصر من الله والفتح القريب لا تقتضي التوبيخ وإنما ذلك ~~مطلوب كل ذي لب ودين. وقال في قوله وبشر إنه معطوف على تؤمنون لأنه بمعنى ~~الأمر. والأظهر عند علماء المعاني أنه معطوف على «قل» مقدرا قل يا أيها ~~الذين آمنوا يؤيد تقدير قل. قوله هل أدلكم فإن نسبة هذا الاستفهام إلى ~~رسوله أولى من نسبته إلى الله سبحانه على ما لا يخفى. قوله كونوا أنصار ~~الله أي أعوان دينه كما قال عيسى ابن مريم ms4391 للحواريين أي أصفيائه وقد مر ~~ذكرهم في «آل عمران» من أنصاري متوجها إلى نصرة دين الله قال أهل البيان: ~~فيه تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى وإنه لا يصح على الظاهر لأن الكون يشبه ~~بالكون لا القول، فوجهه أن يحمل التشبيه على المعنى وبيانه أن كون ~~الحواريين أنصار الله يعرف من سياق الآية بعدها وهو قول الحواريين نحن ~~أنصار الله وارد بطريق الاستئناف كأن سائلا سأل: فماذا قال الحواريون ~~حينئذ؟ فأجيب بما أجيب. وقولهم لا يخالف كونهم فيعود معنى الآية إلى قول ~~القائل: كونوا أنصار الله مثل كون الحواريين أنصار عيسى وقت قوله من أنصاري ~~على أن «ما» مصدرية والمصدر يستعمل مقام الظرف اتساعا كقولك «جئتك قدوم ~~الحاج» و «خفوق النجم» أي وقت القدوم والخفوق والسر في العدول عن العبارة ~~الواضحة إلى العبارة الموجودة هو أن سوق الكلام بطريق الكناية حيث جعل ~~المشبه به لازم ما هو المشبه به أبلغ من التصريح، وأن بناء الكلام على ~~السؤال والجواب أوكد، وأن المجاز وهو استفادة كونهم من قولهم أبلغ من ~~الحقيقة، ولعل في الآية أسرارا أخر لم نطلع عليها. ومعنى ظاهرين غالبين. عن ~~زيد بن علي: كان ظهورهم بالحجة. # PageV06P298 ### | (سورة الجمعة) # (وهي مكية حروفها سبعمائة وثمانية وأربعون كلماتها مائة وثمانون آياتها ~~إحدى عشرة) ### | [سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(4) # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (5) قل يا أيها ~~الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين (6) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ms4392 (7) قل ~~إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون (8) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك ~~قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) ### | القراآت: # كمثل الحمار والتوراة بالإمالة قد سبق ذكرهما. ### | الوقوف # وما في الأرض لا الحكيم ه مبين ه لا للعطف أي وفي آخرين بهم ط الحكيم ه ~~من يشاء ط العظيم ه أسفارا ط بآيات الله ط الظالمين ه صادقين ه أيديهم ط ~~بالظالمين ه تعلمون ه البيع ط تعلمون ه تفلحون ه قائما ط التجارة ط ~~الرازقين ه. # PageV06P299 ### | التفسير: # في الأميين منسوب إلى أمة العرب أو إلى أم القرى. وقد مر سائر الوجوه في ~~«الأعراف» في قوله النبي الأمي [الآية: 157] وباقي الآية مذكور في «البقرة» ~~و «آل عمران» . والمراد بآخرين التابعون وحدهم أو مع تبع التابعين إلى يوم ~~القيامة. ثم شبه اليهود الطاعنين في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم ~~حاملو التوراة وحفاظها العارفون بما فيها من نعت نبي آخر الزمان بالحمار ~~الحامل للأسفار أي الكتب الكبار لأنه لا يدري منها إلا ما مر بجنبيه من ~~الكد والتعب. ومعنى حملوا كلفوا العمل بما فيها. ومحل يحمل جر صفة للحمار ~~كما في قوله «على اللئيم يسبني» وهذا مثل كل من علم علما يتعلق بعمل صالح ~~ثم لم يعمل به. ثم قبح مثلهم بقوله بئس مثلا مثل القوم الذين وكانوا يقولون ~~نحن أبناء الله وأحباؤه فقيل لهم: إن كان قولكم حقا فتمنوا الموت ليكون ~~وصولكم إلى دار الكرامة أسرع وقد مر مثله في أول «البقرة» إلا أنه قال ~~هاهنا ولا يتمنونه وهناك ولن يتمنوه وذلك أن كليهما للنفي إلا أن «لن» أبلغ ~~في نفي ms4393 الاستقبال وكانت دعواهم هناك قاطعة بالغة وهي كون الجنة لهم بصفة ~~الخلوص فخص الأبلغ بتلك السورة. ثم بين أن الموت الذي لا يجترؤن على تمنيه ~~خيفة أن يؤاخذوا بوبال كفرهم فإنه ملاقيهم لا محالة. قال أهل النظم: # قد أبطل الله تعالى قول اليهود في ثلاث: زعموا أنهم أولياء لله فكذبهم ~~بقوله فتمنوا الموت وافتخروا بأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم ~~بالحمار يحمل أسفارا، وباهوا بالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع لنا ~~الجمعة. قال جار الله: يوم الجمعة بالسكون الفوج المجموع كضحكة للمضحوك ~~منه، وضم الميم تثقيل لها كما قيل في عسرة عسرة. قلت: ومما يدل على أن ~~أصلها السكون جمعها على جمع كقدرة وقدر. وفي الكشاف أن من يوم الجمعة بيان ~~«إذا» وتفسير له. وأقوال: إن اليوم أعم من وقت النداء والعام. لإبهامه لا ~~يصير بيانا ظاهرا فالأولى أن تكون «من» للتبعيض. والنداء الأذان في أول وقت ~~الظهر، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على ~~المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر على ~~ذلك، حتى إذا كان عثمان وكثر الناس زاد مؤذنا آخر، مؤذن على داره التي تسمى ~~زوراء فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة. وعن ~~ابن عباس: إن أول جمعة في الإسلام بعد جمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لجمعة اجتمعت بجواثى قرية من قرى البحرين من قرى عبد القيس وروي أن الأنصار ~~بالمدينة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة. وكنيته أبو إمامة وقالوا: هلموا نجعل ~~لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فإن لليهود السبت وللنصارى الأحد ~~فاجعلوه يوم العروبة، فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة ~~لاجتماعهم فيه، وأنزل الله تعالى آية الجمعة فهي أول جمعة كانت في الإسلام ~~قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأول جمعة جمعها رسول # PageV06P300 # الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قدم المدينة مهاجرا نزل قباء على بني ~~عمرو ms4394 بن عوف وأقام بها يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس ~~مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم ~~بن عوف في بطن واد لهم فخطب وصلى الجمعة. وفضيلة صلاة الجمعة كثيرة منها ما # ورد في الصحاح عن أبي هريرة «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب ~~المسجد يكتبون الأول فالأول» «1» # و «مثل المبكر كمثل الذي يهدي بدنة تم كالذي يهدي بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ~~ثم بيضة فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» «2» # وعنه صلى الله عليه وسلم «من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقى ~~فتنة القبر» # وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر غاصة بالمبكرين إلى ~~الجمعة يمشون بالسرج. # وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة. ولا تقام الجمعة ~~عند أبي حنيفة إلا في مصر جامع وهو ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام. ~~وقد يقال: ما يكون فيه نهر جار وسوق قائم وملك قاهر وطبيب حاذق. وعنده ~~تنعقد بثلاثة سوى الإمام، وعند الشافعي لا تنعقد إلا بأربعين متوطنين. ~~وأعذار الجمعة مشهورة في كتب الفقه. # ومعنى السعي القصد دون العدو ومنه قول الحسن: ليس السعي على الأقدام ~~ولكنه على النيات والقلوب. وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع ~~المشي. قال العلماء: # وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه. قوله إلى ذكر الله أي إلى الخطبة ~~والصلاة وهي تسمية الشيء بأشرف أجزائه. ومذهب أبي حنيفة أنه لو اقتصر على ~~كل ما يسمى ذكرا مثل الحمد لله أو سبحان الله جاز. وعند صاحبيه والشافعي لا ~~بد من كلام يسمى خطبة. # وعن جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: نحمد الله ~~ونثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهد الله فلا مضل له ومن يضلله فلا ~~هادي له، # إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل ~~بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. # وعنه أن ms4395 النبي صلى الله عليه وسلم كان صلاته قصدا وخطبته قصدا. # وعن أبي وائل قال: خطبنا عمار فأوجز وأبلغ فلما نزل قال: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ~~فأقصر الخطبة وأطل الصلاة» «3» # وإن من البيان لسحرا. قوله وذروا البيع خاص ولكنه عام في الحقيقة لكل ما ~~يذهل عن ذكر الله. وسبب التخصيص أن أهل القرى وقتئذ يجتمعون PageV06P301 # من كل أوب في السوق وأغلب اجتماعهم على البيع والشراء. ولا خلاف بين ~~العلماء في تحريم البيع وقت النداء. وهل يصح ذلك البيع إن وقع الأكثرون؟ ~~نعم لأن المنع غير متوجه نحو خصوص البيع. وإنما هو متوجه نحو ترك الجمعة ~~حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب النهي ولو باع في غير تلك الحالة لم ~~يصادفه نهي. قوله فانتشروا وابتغوا إباحة بعد حظر. وعن بعض السلف أنه كان ~~يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من أمور الدنيا امتثالا للآية. وعن ابن عباس: لم ~~يؤمروا بطلب شيء من الدنيا إنما هو عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيارة أخ ~~في الله. وعن الحسن وسعيد بن المسيب: الطلب طلب العلم. وقيل: # صلاة التطوع. وفي قوله واذكروا الله كثيرا إشارة إلى أن المرء لا ينبغي ~~أن يغفل عن ذكر ربه في كل حال كما قال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله [النور: 37] # عن جابر قال: بينا نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قيل: عير ~~تحمل طعاما فالتفتوا إليها حتى ما بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~اثنا عشر رجلا فنزلت وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # أي تفرقوا إليها وتركوك قائما في الصلاة أو في الخطبة أو في الزاوية، ~~وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهذا هو المراد باللهو ~~والتقدير إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه، فحذف أحدهما ~~لدلالة المذكور عليه. # يروى أنه صلى الله عليه وآله قال: والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعا ms4396 ~~لأضرم الله عليهم الوادي نارا. # ثم حث على تجارة الآخرة وعلى تيقن أن لا رازق بالحقيقة إلا هو سبحانه وقد ~~مر مرارا. # PageV06P302 ### | (سورة المنافقين) # (مدنية حروفها سبعمائة وستة وسبعون كلماتها مائة وثمانون آياتها إحدى ~~عشرة) ### | [سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله ~~والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل ~~الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع ~~لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله ~~أنى يؤفكون (4) # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون (5) سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن ~~الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ~~(7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (8) يا أيها الذين آمنوا لا ~~تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ~~(9) # وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء ~~أجلها والله خبير بما تعملون (11) ### | القراآت # خشب بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد لووا بالتخفيف: نافع وقالون ~~يعملون على الغيبة: يحي وحماد. ### | الوقوف: # لرسول الله ط م لئلا يوهم أن قوله والله يعلم من مقول المنافقين لرسوله ط ~~لكاذبون ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافا عن سبيل الله ط يعملون ه لا ~~يفقهون ط أجسامهم ط لقولهم ط مسندة ط عليهم ط # PageV06P303 # فاحذرهم ط قاتلهم الله ط ز لابتداء الاستفهام مع اتصال المعنى يؤفكون ه ~~مستكبرون ه تستغفر ms4397 لهم ط لن يغفر الله لهم ط الفاسقين ه ينفضوا ط لا يفقهون ~~ه الأذل ط لا يعلمون ه عن ذكر الله ط للشرط مع الواو الخاسرون ه قريب ج ه ~~لتعلق الجواب الصالحين ه ز أجلها ط تعملون ه. ### | التفسير: # قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها ~~قلوبهم ألسنتهم كما ينبيء عنه «إن واللام» وكون الجملة اسمية مع تصديرها ~~بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله تعالى لأجل علمه بعدم ~~المواطأة. أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون ~~أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. قلت: ~~هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقا أو ~~كذبا إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أولوا الآية بما أولوا، وهو ~~أن التكذيب توجه إلى ادعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن ~~مرجع كون الخبر صدقا إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا ~~إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل ~~مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق ~~لاعتقاده. وفائدة إقحام قوله والله يعلم إنك لرسوله التنصيص على التأويل ~~المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم إنك لرسول الله كذب. ثم ~~أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في «المجادلة» . وجوز في الكشاف ~~أن تكون اليمين الكاذبة هاهنا إشارة إلى قولهم نشهد لأن الشهادة تجري في ~~إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين. # ذلك الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ~~ساء ما كانوا يعملون بسبب بأنهم آمنوا باللسان ثم كفروا بظهور نفاقهم أو ~~نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ~~ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبي ms4398 رجلا جسيما فصيحا وكذا ~~أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيستندون، فيه وكان النبي صلى الله عليه وسلم والحاضرون يعجبون بهيا كلهم ~~ويستمعون إلى كلامهم فنزلت وإذا رأيتهم أيها الرسول أو يا من له أهلية ~~الخطاب. ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير ~~بالخشب المستندة إلى الحائط. ويجوز أن تكون الخشب أصناما منحوتة شبهوا بها ~~في حسن صورهم وقلة جدواهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد ~~عدم الانتفاع لأن الخشب # PageV06P304 # المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة ~~الفارغة المتروكة فلا نفع فيها. قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر ~~فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب ~~جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على «هم كأنهم خشب» أو هو كلام ~~مستأنف فلا محل له. قوله عليهم ثاني مفعولي يحسبون أي يحسبونها واقعة عليهم ~~صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم ~~كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ~~وأموالهم. ثم أخبر عنهم بأنهم هم العدو أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى ~~الأعداء هو العدو المداجي المكاشر تظنه جارا مكاشرا وتحت ضلوعه داء لا دواء ~~له. # ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم «فلان لا صديق له في السر ولا عدو ~~له في العلانية» وذلك أن هذه من آيات النفاق فاحذرهم ولا تغتر بظاهرهم، ~~وجوز أن يكون هم العدو المفعول الثاني وعليهم لغو. وإنما لم يقل «هي العدو» ~~نظرا إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة قاتلهم الله دعاء عليهم باللعن ~~والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر. ويجوز أن يكون تعليما ~~للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لقي بني المصطلق على المريسيع ~~وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين ms4399 والأنصار واقتتلا، ~~فلطم أحد فقراء المهاجرين شابا حليفا لعبد الله بن أبي، فبلغ ذلك عبد الله ~~فقال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل «سمن ~~كلبك يأكلك» ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال لقومه: لو ~~أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا تفضوا من حول ~~محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل. فقال ~~عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب. فأخبر زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب. # قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به أنصاريا فقال: فكيف إذا تحدث ~~الناس أن محمدا قتل أصحابه. ولما أنزل الله تعالى تصديق قول زيد وبان نفاق ~~عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن ~~أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت وإذا قيل لهم تعالوا ولم ~~يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات # وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة «براءة» بأكثر من هذا، وقد نفى عن ~~المنافقين الفقه أولا وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأسا ~~كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم. أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما ~~يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها ~~من البين # PageV06P305 # إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك ~~بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغا لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى ~~مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها. وعن بعض ~~الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ~~والغنى الذي ms4400 لا فقر بعده. # وعن الحسن بن علي رضي الله عنه أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك ~~تيها فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية. # وحينئذ عير المنافقين بما عير. وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث ~~لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في ~~جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء من المال أو صرف زمانه في طرف من أمر ~~الأولاد فلله وبالله وفي الله. # وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ~~الحسن: جميع الفرائض. وقيل: # القرآن. وقيل: الصلوات الخمس. يفعل ذلك أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين. ~~ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد. وإتيان الموت ~~إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير ~~في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ولن يؤخر الله نفسا والمعنى ~~هلا أخرت موتي إلى زمان قليل فأصدق وأكن من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ ~~بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن. وقيل: هذا ~~الوعيد لمانع الزكاة. # PageV06P306 ### | (سورة التغابن) # (مكية إلا قوله يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم إلى آخر ثلاث آيات ~~حروفها ألف وسبعون) ### | [سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 18] # بسم الله الرحمن الرحيم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء ~~قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) ~~خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) # ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ~~ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا ~~واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما ms4401 عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك ~~يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ~~(10) ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل ~~شيء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا ~~أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا ~~وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) # إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما ~~استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور ~~حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم (18) ### | القراآت: # يوم نجمعكم بالنون: رويس. الباقون: على الغيبة نكفر وندخله بالنون فيهما: ~~أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل. الآخرون: على الغيبة. # PageV06P307 ### | الوقوف: # وما في الأرض ط لاختلاف الجملتين وله الحمد ط لنوع اختلاف وهو تقديم ~~الخبر على المبتدأ في الأول قدير ه مؤمن ط بصير ه صوركم ج لعطف المختلفين ~~المصير ه تعلنون ه الصدور ه من قبل ط لتناهي الاستفهام إلى الاخبار مع صدق ~~الاتصال بالفاء أليم ه يهدوننا ه لاعتراض الاستفهام بين المتفقين الله ط ~~حميد ه يبعثوا ط عملتم ه يسير ه أنزلنا ط خبير ه التغابن ط أبدا ط العظيم ه ~~فيها ط المصير ه بإذن الله ط قلبه ط عليم ه الرسول ج ط المبين ه إلا هو ط ~~المؤمنون ه فاحذروهم ج رحيم ه تنة # طظيم # ه لأنفسكم ط المفلحون ه ويغفر لكم ط حليم ه لا الحكيم ه. ### | التفسير: # قال في الكشاف: قدم الظرفين في قوله له الملك وله الحمد لمكان الاختصاص ~~وأن لا ms4402 ملك بالحقيقة إلا له ولا استحقاق حمد في التحقيق إلا له. قلت: لو ~~عكس الترتيب أفاد الخصوصية بوجه آخر وهو أن هذا الجنس وهذه الطبيعة له كما ~~سبق في «الفاتحة» هو الذي خلقكم ذا فطرة سليمة. وقوله فمنكم كافر ومنكم ~~مؤمن بحسب الأسباب الخارجية # كقوله صلى الله عليه وسلم «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه» «1» # والكل على وفق المشيئة. قالت المعتزلة: أراد هو الذي تفضل عليكم بأصل ~~النعم الذي هو الخلق فكان يجب عليكم أن تقابلوه بالتوحيد والتكبير مجتمعين ~~مطيعين لا أن يغلب الكفر والجحود عليكم، ولمكان هذه الغلبة قدم الكافر. ~~والعجب من صاحب الكشاف أنه سلم أن في خلق الكافر قد يكون وجه حسن ولكنه ~~يخفى علينا ولا يسلم أن في خلق داعية الكفر في الكافر قد يكون وجه حسن يخفى ~~عليه. وقيل: هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن. ~~وقوله فأحسن صوركم كقوله في أحسن [التين: 4] وسيجيء في «التين» إن شاء الله ~~العزيز. وكل قبيح من الإنسان فهو في نوعه كامل إلا أن الله تعالى خلق أكمل ~~منه من نوعه وأحسن فلهذا يحكم بدمامته وقبحه، ولهذا قالت الحكماء: شيئان لا ~~غاية لهما: الجمال والبيان. وحين وصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم الشامل ~~أعم أولا ثم أخص ثم أخفى، هدد كفار مكة بحال الأمم الماضية فقال ألم يأتكم ~~الآية ذلك الوبال الدنيوي والعذاب الأخروي بأنه أي بأن الشان كانت أي كانت ~~القضية وقد مر نظيره في «حم المؤمن» . أبشر فاعل فعل محذوف تفسيره يهدوننا ~~وجمع الضمير لأن PageV06P308 # البشر اسم جمع إنما أنا بشر [الكهف: 110] إن نحن إلا بشر [إبراهيم: 11] ~~قال أهل المعاني: لم يذكر المستغنى عنه في قوله واستغنى الله ليتناول كل ~~شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم. قال في الكشاف: معناه وظهر استغناء الله ~~حيث لم يلجئهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك، وإنما ذهب إلى هذا التأويل ~~لئلا يوهم أن يوجد التولي والاستغناء معا ويلزم منه أن لا يكون الله في ~~الأزل غنيا. قلت: ms4403 لو جعل الواو للحال أي وقد كان الله مستغنيا قديما أو ~~والحال وجود استغناء الله في وجودكم لم يحتج إلى التأويل. قوله زعم من ~~أفعال القلوب وفيه تفريع لكفار مكة لأن الزعم ادعاء العلم مع ظهور أمارات ~~خلافه ويؤيده ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «زعموا مطية الكذاب» # وأن لن يبعثوا في تقدير مفرد قائم مقام المفعولين. قال جار الله: يوم ~~يجمعكم منصوب بقوله لتنبؤن أو ب خبير لأنه في معنى الوعد كأنه قيل: والله ~~يعاقبكم يوم كذا أو بإضمار «اذكر» . قلت: # يجوز أن يكون يوم مبنيا على الفتح ومحله ابتداء والخبر جملة قوله ذلك يوم ~~التغابن. # سؤال: ما الفائدة في زيادة قوله ليوم الجمع الجواب إن كان الخطاب في ~~يجمعكم لكفار مكة فظاهر أي اذكروا وقت جمعكم الواقع في وقت يجمع فيه ~~الأولون والآخرون، وإن كان لعموم الناس فلعل اللام في الجمع للمعهود الذي ~~سلف في نحو قوله يوم يجمع الله الرسل [المائدة: 109] وحشرناهم فلم نغادر ~~منهم أحدا [الكهف 47] قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ~~[الواقعة: 49، 50] هذا ما سمح به الفكر الفاتر والله تعالى أعلم بمراده. ~~قال جار الله: التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن يغببن ~~بعضهم بعضا لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا ~~سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي ينزلونها لو كانوا أشقياء. قلت: ~~في تسمية القسم الأخير تغابنا نظر إلا أن يفرض بنزول الشقي في ذلك المنزل ~~يزيد عذاب الشقي، وزيادة العذاب سبب تضيق المكان عليه. واعتذر عنه جار الله ~~بأنه تهكم بالأشقياء لأن خسران أحد الفريقين مبني على ربح الآخر ولا ربح في ~~التحقيق فيلزم التهكم مثل فبشرهم [آل عمران: 21] # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى ~~مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده ~~من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة» . # ويجوز أن يفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات ms4404 الظالم وحمل الظالم خطايا ~~المظلوم وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئا ~~من استعداده الفطري في غير ما أعطى لأجله. قوله ومن يؤمن بالله يهد قلبه # PageV06P309 # كقوله وزدناهم هدى [الكهف: 13] والأول باللسان والثاني بالجنان أي هدينا ~~قلبه إلى حقيقة الإيمان. وقال جار الله: يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة ~~والخير، والتحقيق فيه أن نور الإيمان ينبسط كل يوم بسبب الرسوخ والثبات ~~وتكامل المغيبات وتزايد المعارف والطاعات إلى أن يتنور جميع أجزاء القلب ~~وينعكس منه إلى كل الأعضاء والجوارح. وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما ~~أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد: إن ابتلى صبر وإن ~~أعطى شكر وإن ظلم غفر والله بكل شيء عليم يعلم درجات القلوب من الإيمان. ~~ولما كان أكثر ميل الناس عن الطاعات والكمالات الحقيقيات لأجل صرف الزمان ~~في تهيئة أمور الأزواج والأسباب المفضية إليهن أو المعينة عليهن، ثم ~~الأولاد الذين هم ثمرات الأفئدة وحياة القلوب وقرة العيون، بين الله سبحانه ~~أن العاقل لا ينبغي أن يصرف كده في ذلك ويكون على حذر منهم ومن تكثيرهم، ~~وبيع الدين بالدنيا لأجلهم فمن الأزواج أزواج يعادين بعولتهن وأعدى عدوك هي ~~التي تضاجعك، وهل يستلذ الوسنان إذا كان في مضجعه ثعبان. ومن الأولاد أولاد ~~كيد زائدة قطعها مؤذ وفي إبقائها عيب وإن تعفوا عنهم إذا أطلعتم منهم على ~~معاداة فإن الله يجازيكم. # وروى أن ناسا أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم فلما هاجروا ~~بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم ~~وأولادهم فنزلت. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما ~~قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على ~~المنبر فقال: صدق الله نما أموالكم وأولادكم فتنة # رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما. # وعن بعض السلف: العيال سوس الطاعات. وقال بعض أهل التفسير: # أراد إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال ms4405 والأولاد ~~عنهما. وحين بين أن الأزواج والأولاد لا ينبغي أن يمنعوا المكلف عن طاعة ~~الله أنتج من ذلك الأمر بتقوى الله بمقدار الوسع والطاقة. «وما» للمدة أو ~~للمصدر وقوله خيرا لأنفسكم نصب بمحذوف هو افعلوا أو ائتوا وقد مر نظيره في ~~آخر «النساء» في قوله انتهوا خيرا لكم [الآية: 171] وفيه إشارة إلى أن ~~أمثال هذه الأوامر خير من التهالك في أمور الأزواج والأولاد وإغضاب الرب ~~وإتعاب النفس لتكثير المال المخلف ومن أشقى ممن لا يقدم لأجل نفسه شيئا ~~يستقرضه منه رازقه مع شدة احتياجه إلى ذلك بعد مماته ويؤخر لأجل وارثه ~~أموالا عظيمة مع عدم وثوقه بأنه هل يكون له انتفاع بها أم لا اللهم اشغلنا ~~بما يغنينا وبالله. # PageV06P310 ### | (سورة الطلاق) # (وهي مكية حروفها ألف وسبعون كلمها مائة وسبع وأربعون آياتها اثنتا عشرة ~~آية) ### | [سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ~~ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود ~~الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~(1) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (3) واللائي يئسن من ~~المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) # ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~(5) أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ms4406 (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر ~~عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا ~~شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) # أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد ~~أنزل الله إليكم ذكرا (10) رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا ~~(11) الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا ~~أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12) ### | القراآت # بالغ أمره بالإضافة: حفص. الآخرون: بالتنوين والنصب وجدكم # PageV06P311 # بكسر الواو: روح. ندخله بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل. ### | الوقوف # العدة ج تعظيما لأمر الاتقاء ربكم ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف مبينة ج ~~وتلك حدود الله ط نفسه ط أمرا ه لله ط الآخر ط مخرجا لا لا يحتسب ط حسبه ط ~~أمره ط قدرا ه أشهر لا للعطف أي واللائي لم يحضن كذلك لم يحضن ط حملهن ط ~~يسرا ه ط إليكم ط أجرا ه عليهن ط حملهن ط أجورهن ك بمعروف ك أخرى ه ط من ~~سعته ط آتاه الله ط يسرا ه نكرا ه خسرا ه الألباب ه ز والوصل هاهنا والوقف ~~على آمنوا أجوز من العكس ذكرا ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء إلى ~~النور ط أبدا ط رزقا ه مثلهن ط علما ه. ### | التفسير: # لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيرا ~~ما تقضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا ~~يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين. وقبل الخوض في تقرير ~~أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ms4407 هاهنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم وحده ثم قال إذا طلقتم على الجمع؟ # والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهارا لتقدمه ~~وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب. وقيل: الجمع للتعظيم والمراد ~~بالخطاب النبي أيضا. وقيل: # أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة. وقيل: يا أيها النبي قل ~~للمؤمنين. ومعنى إذا طلقتم إذا أردتم تطليقهن كقوله فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله [النحل: 98] واللام في قوله لعدتهن بمعنى الوقت أي للوقت الذي ~~يمكنهن الشروع في العدة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه. وقال جار الله: ~~فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقولك «أتيته لليلة بقيت من شهر كذا» أي مستقبلا ~~لها. قال الفقهاء: السني طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا ~~آيسة في غير حالة البدعة، والبدعي طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر ~~جامعها فيه ولم يظهر حملها. فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال ~~الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتد بالإقراء لقوله تعالى فطلقوهن ~~لعدتهن # وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: مره ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء. فتلك العدة التي ~~أمر الله أن يطلق لها النساء. # والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص. ~~وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه ~~أن يطلقها في ذلك الطهر # كقوله صلى الله عليه وسلم في قصة ابن عمر «ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها» # ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل. # PageV06P312 # هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت. أما السنة والبدعة من جهة العدد ~~فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة ~~على الأطهار. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر ~~واحد، فأما متفرقا في الأطهار فلا لما روي في ms4408 قصة ابن عمر: إنما السنة أن ~~يستقبل الطهر استقبالا، ويطلق لكل قرء تطليقة. # وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا ~~بدعة. وقد يستدل بما # روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثا. ولم ينكر عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثا يقع واحدة. ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو ~~قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين. والأصح عند أكثر المجتهدين أن ~~الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثما وعاصيا وهذا مبني على أن النهي لا ~~يوجب فساد المنهي عنه. # وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال له: ~~إذن عصيت وبانت منك امرأتك. # قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها ~~على مال فلا لإطلاق قوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به [البقرة: ~~229] ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبذل المال دليل على شدة الحاجة إلى ~~الخلاص بالمفارقة. قال جار الله: # اللام في قوله النساء للجنس وقد علم بقوله فطلقوهن لعدتهن أنه مطلق على ~~البعض وهن ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص. قلت: ما ضره لو ~~جعله عاما لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل ~~النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها والمدخول ~~بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة. # قوله وأحصوا العدة أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا ~~أزيد ولا أنقص لا تخرجوهن من بيوتهن يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج ~~أضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن ~~البعولة لا ينبغي أن يخرجوهن غضبا عليهن أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ~~ينبغي لهن أن يخرجن بأنفسهن. وقوله إلا أن يأتين استثناء من الجملة الأولى ~~أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، أو إلا أن يطلقهن على النشوز ~~فإن النشوز يسقط حقهن ms4409 في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن ~~ويؤيده قراءة أبي إلا أن يفحشن عليكم وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة ~~في نفسه. والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من ~~الجملة الثانية. قوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أي أحصوا العدة وألزموهن ~~مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة. # والخطاب في لا تدري للنبي صلى الله عليه وسلم على نسق أول السورة أو لكل ~~مكلف فإذا بلغن # PageV06P313 # أجلهن # أي شارفن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على ~~وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في ~~«البقرة» وأشهدوا على الرجعة أو الفرقة وذوي عدل منكم أي من جنسكم من ~~المسلمين قاله الحسن. # وعن قتادة: من أحراركم. وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند ~~الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وفائدة الإشهاد أن لا يقع ~~التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية ~~لأجل الميراث. # ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو ~~عرض دنيوي ذلكم الحث على أداء الشهادة لله يوعظ به من هو من أهل الإيمان ~~بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما ~~مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقا لما مر ~~في «البقرة» إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، ~~وهاهنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله تعالى أعلم بأسرار كلامه. ثم حض ~~على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ومن يتق ~~الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد يجعل ~~له مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ويرزقه ~~من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر ms4410 والحقوق. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم» # ومن يتق الله فما زال يقرؤها ويعيدها. # وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة. فقال: ما أمسى ~~عند آل محمد إلا مد فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. ففعل، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل ~~عنها العدو فاستاقها فنزلت هذه الآية. # قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة. ومن أسرار القرآن ~~ولطائفه أنه سبحانه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ومن يتق ~~الله وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعا من الجزاء: الأول ~~أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيرا ممن طلقها. الثاني اليسر في ~~الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حيا. الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون ~~في الآخرة من النعماء. ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغني ~~عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة. # الثانية إن الله بالغ أمره أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب. ~~الثالثة قد جعل الله # PageV06P314 # لكل شيء قدرا # أي وقتا ومقدارا. وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه ~~إذا علم كونه قادرا على كل شيء وعلم أنه قد بين وعين لكل شيء حدا ومقدارا ~~لم يبق إلا التسليم والتفويض. قال جار الله: قال المفسرون: إن ناسا قالوا: ~~قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت واللائي يئسن ~~فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن. قلت: ~~في صحة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء ~~وإحالتها على ms4411 ما في «البقرة» ، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك ~~مدنية. نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن ~~مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة. # والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو ~~استحاضت فعدتهن ثلاثة أشهر وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب ~~أولى. وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين. والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي ~~النطر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن ~~فقد بلغت سن اليأس. # واللائي لم يحضن هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر حذف لدلالة ~~ما قبله عليه. قوله وأولات الأحمال أي النساء الحوامل أجلهن بعد الطلاق أو ~~بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن أن يضعن حملهن هذا قول أكثر الأئمة ~~والصحابة وإنما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه. فلو كانت حاملا بتوأمين لم ~~تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا ~~على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر. # وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من ~~بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، # ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حيا أو ميتا أو سقطا أو مضغة لا صورة فيها، ~~وصدقت المرأة بيمينها لأنهن مؤتمنات على أرحامهن. وحين كرر شرط التقوى كان ~~لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل أسكنوهن من حيث ~~سكنتم أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه. والوجد الوسع والطاقة. قال قتادة: ~~فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه. قال أبو حنيفة: السكنى ~~والنفقة واجبتان لكل مطلقة. وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى. # وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن ~~زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سكنى لك ولا ~~نفقة. # وضعف بقول عمر: لا ندع ms4412 كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه ~~لها # سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة # ولا تضآروهن بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى ~~تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق عليها ~~أمرها وقد يلجئها إلى # PageV06P315 # أن تفتدي منه. قوله وإن كن أولات حمل تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل ~~وإن كانت بائنة. هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ~~ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك ~~الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع ~~الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق ~~عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل. # وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها. # ثم بين أمر الطفل قائلا فإن أرضعن أي هؤلاء المطلقات لكم أي لأجلكم ولدا ~~منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية. وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي ~~حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة. وجوز الشافعي مطلقا ~~كلما صار. ثم خاطب الآباء والأمهات جميعا بقوله وأتمروا قال أهل اللغة: ~~الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضا ~~بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معا ~~وإن تعاسرتم أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أمر مؤنة الإرضاع فسترضع ~~أي الطفل له أي للأب مرضعة أخرى وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما ~~تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاض. يريد لا تبقى ~~غير مقضية وأنت ملوم. ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات ~~والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في «البقرة» على الموسر قدره وعلى ~~المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم. ثم هدد من خالف الأحكام ~~المذكورة بأحوال الأمم السابقة. والحساب ms4413 الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، ~~والعذاب النكر أي المنكر الفظيع. # يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ~~ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلا، وأن يراد عذاب ~~الآخرة وحسابها. ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل وسيق [الزمر: 72] ونادى ~~[الأعراف: 38] وعلى هذا يكون قوله أعد الله تكريرا للوعيد وبيانا لكونه ~~مترقبا كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله يا أولي الألباب ~~وجوز جار الله أن يكون عتت وما عطف عليه صفة للقرية وأعد الله عاملا في ~~كأين. قوله رسولا قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ذكرا لأنه وصف بتلاوة ~~آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر ~~الشرف كقوله وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] فأبدل منه كأنه في نفسه شرف ~~إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ~~ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر أي ملكا مذكورا في السموات وفي ~~الأمم كلها، # PageV06P316 # أو دل قوله قد أنزل الله على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولا أو أعمل ذكرا في ~~رسولا إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. ~~قلت: # لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ليخرج والمعنى ليخرج الله أو ~~الرسول الذين عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ~~ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجلي به ظلم ~~الشكوك والحسبان. قوله قد أحسن الله له رزقا فيه معنى التعجب والتعظيم. ثم ~~ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مرارا إلا ~~أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم ~~إلى أن قوله مثلهن أي في الخلق لا في العدد. وقيل: هن الأقاليم السبعة، ~~والدعوة شاملة لجميعها. وقيل: إنها سبع أرضين ms4414 متصل بعضها ببعض وقد حال ~~بينهن بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم. وقيل: إنها سبع طبقات ~~بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة ~~تجاور المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها ~~طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ~~ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعد ~~هذه الطبقة من الهواء. وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى ~~مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: ~~في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ~~ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نورا يستضيئون به. وذكر النقاش في تفسيره ~~فصلا في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعدم ~~الوثوق بمثل تلك الروايات. ومعنى يتنزل الأمر بينهن أن حكم الله وأمره يجري ~~فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا ~~تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب تعالى وتقدس. # PageV06P317 ### | (سورة التحريم) # (وهي مدنية حروفها ألف وستون كلماتها مائتان وتسع وأربعون آياتها اثنتا ~~عشرة آية) ### | [سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 12] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) ~~وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير (4) # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات ~~عابدات سائحات ثيبات وأبكارا (5) يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة ms4415 عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون (7) يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم ~~أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم ~~لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ~~ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين (12) ### | القراآت # عرف بالتخفيف: علي تظاهرا عاصم وحمزة وعلي وخلف. أن # PageV06P318 # يبدله بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو نصوحا بضم النون: يحيى وحماد ~~وكتبه على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص. ### | الوقوف # لك ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن ~~تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضا غير جائز أزواجك ط رحيم ه أيمانكم ج ~~لعطف الجملتين المختلفتين مولاكم ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع ~~اتفاق الجملتين الحكيم ه حديثا ج عن بعض ج هذا ط الخبير ه قلوبكما ج ~~المؤمنين ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ظهير ه وأبكارا ه ما يؤمرون ه اليوم ط ~~تعملون ه نصوحا ط الأنهار لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ويدخلكم وج ~~لاحتمال أن يوم متعلق بقوله يسعى بعد واغفر لنا ج للابتداء بأن مع احتمال ~~اللام قدير ه عليهم ه جهنم ط المصير ه لوط ط لابتداء الحكاية الداخلين ه ~~فرعون ج لئلا يتوهم أن ms4416 الظرف متعلق ب ضرب بل التقدير «اذكروا» الظالمين ه ~~لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون القانتين ه. ### | التفسير: # كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، ~~فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير. والمغفور ~~والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل يؤكل وله ~~ريح كريهة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره التفل فحرم لقولهما على ~~نفسه العسل. الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين. وهاهنا روايتان: ~~الأولى # أنه صلى الله عليه وسلم خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة ~~فقال لها: # اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي ~~أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين. # الثانية # أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها ~~واعتزل نساءه ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان ~~في آل الخطاب خير لما طلقك. فنزل جبريل صلى الله عليه وسلم وقال: راجعها ~~فإنها صوامة قوامة وإنها لمن نسائك في الجنة. # قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم حلال ~~بأن يقول: هو علي حرام ولكنه كان يمينا كقوله «والله لا أشرب العسل ولا ~~أقرب الجارية بعد اليوم» فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين ~~يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك والله غفور لك رحيم بك والدليل ~~عليه ظاهر. قوله قد فرض الله لكم تحلة بمعنى التحليل كالتكرمة أيمانكم أي ~~شرع لكم تحليلها بالكفارة. # وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه ~~إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث. والتحلة ~~تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة # PageV06P319 # بمعنى التكريم. عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم لم يكفر عن يمينه لأنه ~~كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما ms4417 هو تعليم للمؤمنين. وعن ~~مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية. وما حكم تحريم الحلال؟ قال أبو حنيفة: ~~هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاما فهو يمين على ~~الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما ~~نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئا فعلى ~~الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا ~~فعلى ما نوى. # وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين. وقال ~~الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق. وعن عمر: إذا نوى الطلاق ~~فرجعي. # وعن علي رضي الله عنه: ثلاث. # وعن عثمان: ظهار. وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس ~~لأحد أن يحرمه والله مولاكم متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته ~~أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم وهو العليم بما يصلحكم الحكيم فيما يأمركم به ~~وينهاكم عنه واذكر إذا أسر النبي إلى بعض أزواجه وهي حفصة حديثا هو حديث ~~مارية وإمامة الشيخين فلما نبأت به حفصة عائشة وأظهره الله على نبيه أي ~~أطلعه على إفشائه على لسان جبريل. وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون ~~من الظهور عرف بعضه أعلم ببعض الحديث. ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه ~~المجازاة من قولك للمسيء «لأعرفن لك ذلك» وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل: ~~المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية. وإنما أعرض عن البعض تكرما. ~~قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام. # وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي علي؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت ~~نفسي فرحا بالكرامة التي خص الله بها أبي. وإنما ترك المفعول ولم يقل «فلما ~~نبأت به بعضهن وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة ~~في وجود الإنباء به، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرمه وحلمه لم يوجد ~~منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة. # ولما ms4418 كان المقصود في قوله من أنبأك هذا ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين ~~جميعا. # ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلا إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما. ووجه ~~الجمع ما مر في قوله فاقطعوا أيديهما [المائدة: 38] وإن تظاهرا أي تعاونا ~~على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله مولاه أي ناصره وجبريل ~~خاصة من بين الملائكة وصالح المؤمنين قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى ~~الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحا. # وجوز أن يكون جمعا وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ. عن سعيد ابن ~~جبير: # PageV06P320 # هو كل من برىء من النفاق. وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء. والملائكة ~~على كثرة جموعهم بعد ذلك الذي عرف من نصرة المذكورين ظهير فوج مظاهر له ~~كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما. ~~ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا. # ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله عسى ربه إن طلقكن الآية. والسائحات الصائمات ~~كما في آخر التوبة. قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت ~~إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكا إلى أن يجد من يطعمه. وقيل: ~~السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهن خير نساء ~~العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيرا منهن بفرض العصيان وتطليق ~~الرسول إياهن. وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله وأبكارا يقال لها «واو ~~الثمانية» إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة ~~والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة ~~الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين. ثم ~~عمم التحذير فقال قوا أنفسكم وهو أمر من الوقاية # في ms4419 الحديث «رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ~~ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة» # وتفسير قوله وقودها الناس والحجارة قد مر في أول «البقرة» . وكونها معدة ~~للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها. وجوز أن يكون ~~أمرا بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم عليها ~~ملائكة أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في ~~الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله. وقوله ~~ما أمرهم نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله. # ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمنا قائلا ~~ويفعلون ما يؤمرون ويجوز أن يكون الأول عائدا إلى الماضي والثاني إلى ~~المستقبل. ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله لا ~~تعتذروا لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولا لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ~~ولكنه جزاء أعمالهم. ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على ~~الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا ~~يكون فيها شوب رياء ولا نفاق. وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك ~~في دينك. وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع. وقيل: توبة تنصح الناس أي ~~تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها. وعسى من الكريم إطماع ولئلا ~~يتكلوا. قوله لا يخزي تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ربنا إنك من تدخل ~~النار فقد أخزيته [آل عمران: 192] كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من ~~مثل # PageV06P321 # حالهم. قوله نورهم يسعى قد مر في الحديد قوله يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ~~أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفا من زواله على عادة البشرية، أو ~~لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله سبحانه على أنه يجوز ~~أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى ~~منزلة لأن النور على قدر الأعمال ms4420 فيسألون إتمامه تفضلا لا مجازاة لانقطاع ~~التكليف والعمل يومئذ. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار بالسيف ~~والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة ~~على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية ~~في «التوبة» . # ثم ضرب مثلا لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط. واسمها ~~قيل واهلة ومثلا لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ~~ابنة عمران. وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مر في أول السورة من حال عائشة ~~وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا ~~الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئا، ~~وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ادخلا النار مع سائر الداخلين الذين ~~لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم. # وفي قوله عبدين من عبادنا إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس ~~إلا الصلاح كائنا من كان. وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما ~~وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين. فامرأة نوح قالت لقومه إنه ~~لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. عن ~~أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى عليه السلام وتدها فرعون باربعة أوتاد ~~واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها. قال الحسن: ~~فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها. وقيل: ~~لما قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة بنى من درة. ومعنى عندك بيتا في ~~الجنة أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوه في مقام القرب، أو أرادت ~~أعلى موضع في الجنة. وقولها من فرعون وعمله كقولك «أعجبني زيد وكرمه» وفيه ~~دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين. والضمير في فيه ~~للفرج. # وقيل: هو جيب الدرع وقد مر في «الأنبياء» . وكلمات الله صحف إبراهيم ~~وغيره أو جميع ما كلم ms4421 الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو ~~الإنجيل. وقرىء بكلمة الله أي بعيسى وكانت من القانتين من باب التغليب كما ~~مر في قوله واركعي مع الراكعين [آل عمران: 43] وقيل: «من» للابتداء أي ولدت ~~منهم لأنهم من أعقاب هرون عليه السلام. # تم الجزء الثامن والعشرون ويليه الجزء التاسع والعشرون وأوله تفسير سورة ~~الملك # PageV06P322 # الجزء التاسع والعشرون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة الملك) # (وهي مكية حروفها ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر كلمها ثلاثمائة وخمس وثلاثون ~~آياتها ثلاثون) ### | [سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 30] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير (1) الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سماوات طباقا ~~ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع ~~البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) # ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا ~~فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما ~~نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم ~~فسحقا لأصحاب السعير (11) إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير ~~(12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير (14) # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور (15) أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور (16) أم ~~أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب ~~الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير (19) # أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم ms4422 من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ~~(20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21) أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ~~ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما ~~أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي ~~كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من ~~هو في ضلال مبين (29) # قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين (30) # PageV06P323 ### | القراآت # من تفوت من التفعل: حمزة وعلي هل ترى بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي ~~وهشام ولقد زينا مثل لقد سمع: ابن فليح فسحقا بالضم: يزيد وعلي الآخرون: ~~بالسكون أأمنتم بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون أأمنتم بتوسيط ~~ألف بين الهمزتين نذيري ونكيري كنظائرهما. سيئت مثل ضربت: أبو جعفر ونافع ~~وابن عامر وعلي ورويس. يدعون بسكون الدال: يعقوب. # أهلكني الله بسكون الياء: حمزة معي بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير ~~وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد فسيعلمون على الغيبة: علي. ### | الوقوف # الملك ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقديم الظرف في الأولى قدير ه ~~لا لأن الذي بدل عملا ه الغفور ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل طباقا ط تفاوت ~~ط البصر ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد ~~الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر فطور ه حسير ه السعير ه جهنم ط المصير ه ~~تفور ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل الغيظ ط نذير ه من شيء ط ج لاحتمال ~~أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة كبير ه ms4423 ~~السعير ه بذنبهم ج لابتداء الشتم مع الفاء كبير ه أو اجهروا به ه ط الصدور ~~ه خلق ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالا. الخبير ه من رزقه ط ~~النشور ه هي تمور ه لا لأن أم معادل أم أمنتم حاصبا ط لابتداء التهديد نذير ~~ه نكير ه ويقبضن م الرحمن ط بصير ه الرحمن ط غرور ه رزقه ط ونفور ه مستقيم ~~ه والأفئدة ط تشكرون ه تحشرون ه صادقين ه عند الله ط ص مبين ه تدعون ه ~~رحمنا لا لأن ما بعده جواب الشرط أليم ه توكلنا ج ومن قرأ فسيعلمون بياء ~~الغيبة فوقفه مطلق للعدول مبين ه معين ه. ### | التفسير: # كثير خير من تحت تصرفه وتسخيره الملك الحقيقي وهو على إيجاد كل ممكن ~~وإعدامه قدير بيانه أنه خلق الموت والحياة وهما عرضان يتعاقبان على كل من ~~صح عليه ذلك. فالموت نظير الإعدام والحياة مثال الإيجاد، وتقديم الموت لأن ~~الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل: يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه ~~الروح. # PageV06P324 # وعن ابن عباس: الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله ~~خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق ~~الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل لا تمر بشيء ولا يجد ريحها ~~شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون: هذا على سبيل التمثيل وإلا فالعرض لا ~~يكون جوهرا. أقول: لعل الأملح والبلقاء إشارة إلى أن هذين العرضين في ~~عالمنا هذا لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة فتكون بسبب ذلك تارة ~~وتفقد أخرى. قال جار الله: إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل ~~من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية ~~أهم. زعم الكلبي أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو ~~هاشم: إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد. وقالت الأشاعرة: إنه قادر ~~على القبيلين وإلا ms4424 لم يكن على كل شيء قدير وهو خلاف الآية فلزمهم صحة وجود ~~مقدور بين قادرين وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، ~~وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، وبكون العبد موجد الأفعال نفسه. ومعنى ~~الغاية في قوله ليبلوكم أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها ~~الغني والفقير والمولى والعبد ولا ينفعه إلا ما قدم من خير صار ذلك داعيا ~~إلى حسن العمل وزاجرا عن ضده. وكذا لو قيل: إن الموت حال كونه نطفة والحياة ~~نفخ الروح في الجنين فإنه إذا تفكر في أمور نفسه علم أن وراء هذه الحياة ~~موتا ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فلما بلغ قوله أيكم أحسن عملا ~~قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لقومه «لو أكثرتم ذكرها ذم اللذات ~~لشغلكم عما أرى» «1» # والابتلاء مجاز كما مر في قوله وإذ ابتلى إبراهيم وفي الكهف قوله أيكم ~~أحسن عملا مفعول ثان ليبلوكم على أنه متضمن معنى العلم وليس هذا من باب ~~التعليق لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعا نحو ~~«علمت أزيد منطلق» نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج لأنهما قالا ~~تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغالب الذي لا يعجزه من ~~أساء العمل الغفور لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال ~~القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما الذي خلق سبع سماوات طباقا أي ذات طباق أو ~~طوبقت طباقا أو هو وصف بالمصدر مبالغة أي مطابقة بعضها فوق بعض من طابق ~~النعل إذا طار طارقها. # ثم أشار إلى أنها محكمة متقنة بقوله ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت أو ~~تفوت قال PageV06P325 # الفراء: وهما واحد ومعناه يرجع إلى عدم التناسب والنظام بحيث يقول الناظر ~~الفهم لو كان كذا لكان أحسن، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~راء. والأصل ما ترى فيهن فعدل ms4425 إلى العبارة الموجودة تعظيما لخلقهن وتنبيها ~~على أنه سبب تناسبهن كقوله «خلق الرحمن» . فلو علم للمكلفين أنفع من هذا ~~الخلق لفعل. وفسر بعضهم التفاوت بالفطور لقوله هل ترى من فطور أي صدوع ~~وشقوق وخروق وفتور كل هذه من عبارات المفسرين وهو كقوله في أول «ق» وما لها ~~من فروج [ق: 4] وإنما أمر برجع البصر لأن النظرة الأولى حمقاء، ثم أمر ~~بتكرير رجع البصر كرتين وهو تثنية الكرة مثل لبيك وسعديك إلى أن يحسر بصره ~~من طول المعاودة فإنه لا يعثر على شيء من الخلل والعيب، ومعنى خاسئا بعيدا ~~عن إصابة الملمس، قوله ولقد زينا قد مر تفسيره في «حم السجدة» . والرجوم ~~جمع رجم مصدر سمي به ما يرجم به. وقيل: معناه جعلناها ظنونا ورجوما بالغيب ~~لشياطين الإنس وهم الأحكاميون من أهل التنجيم. وحين بين أنه أعد لهؤلاء ~~عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا عمم الوعيد بقوله ~~وللذين كفروا الآية. ثم وصف جهنم بصفات منها أن لها شهيقا تشبيها لحسيسها ~~المنكر الفظيع بصوت الحمار. ويجوز أن يكون الشهيق لأهلها ممن تقدم طرحهم أو ~~من أنفسهم ومنها الفوران. قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: ~~تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل. ويجوز أن يكون من فور الغضب ~~يؤيده قوله تكاد تميز من الغيظ يقال فلان يتميز غيظا وغضبا فطارت منه شقة ~~في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه، ولعل السبب في هذا المجاز ~~هو أن الغضب حالة تحصل عند غليان دم القلب، والدم عند الغليان يصير أعظم ~~حجما ومقدارا فيمدد الأوعية حتى كادت تنشق وتنخرق، فجعل ذكر هذا اللازم ~~كناية عن شدة الغضب، وقيل: الغيظ للزبانية احتجت المرجئة بقوله كلما ألقي ~~الآية. على أنه لا يدخل النار إلا الكفار لأنه تعالى حكى عن كل من ألقي ~~فيها أنه قال كذبنا النذير أجاب القاضي بأن النذير قد يطلق على ما في ~~المقول من الأدلة المحذرة عن المعصية فيشمل الفاسق، القائلون بأن معرفة ~~الله وشكره ms4426 لا يجبان إلا بعد ورود الشرع. احتجوا بأنه تعالى ما عذبهم إلا ~~بعد مجيء النذير. ثم حكى عن أهل النار أنهم يقولون للخزنة لو كنا نسمع ~~الإنذار سماع من كان طالبا للحق أو نعقله عقل متأمل متفكر ما كنا في أصحاب ~~السعير وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل ~~واحتج بالآية من فضل السمع على البصر لأنه تعالى جعل مناط الفوز السمع ولم ~~يذكر البصر القائل بأن الدين لا يتم إلا بالتعليم. احتج بأنه قدم السمع على ~~العقل تنبيها على أنه لا بد أولا من إرشاد # PageV06P326 # المرشد وهداية الهادي. وأجيب بأن سبب التقديم هو أن المكلف لا بد أن يسمع ~~قول الرسول ثم يتفكر فيه. قال في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن المراد لو ~~كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، ثم قال في إبطاله كأن ~~هذه الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب ~~والمجتهدين قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا ~~محالة. قلت: الإنصاف أن نزول الآية قبل المذهبين لا ينافي توبيخ أهل النار ~~يوم القيامة أنفسهم بأنهم على تلك السيرة، وكم من قصة قد أخبر الله بوقوعها ~~من قبل أن تقع وهو أحد أنواع إعجاز القرآن، وأيضا لا يلزم من كونهما ناجمين ~~كون غيرهما من أهل الوعيد. وأيضا على هذا التفسير لو صح يلزم كونهما من أهل ~~النجاة قطعا فينضم إلى المبشرين أفراد غير محصورة فضلا عن حادي عشر فيكون ~~دعوى انحصار المبشرين في العشرة مصادرة على المطلوب. والفاء في قوله ~~فاعترفوا للنتيجة أي فصح بعد البيانات السابقة أنهم اعترفوا بذنبهم قال ~~مقاتل: يعني تكذيبهم الرسل. # قال الفراء: الذنب هاهنا بمعنى الجمع لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج ~~عطاء الناس أي أعطيتهم. ثم بين أن ذلك الاعتراف مما لا ينفع قائلا فيه ~~فسحقا أي فبعدا لهم عن رحمة الله اعترفوا أو جحدوا. والتخفيف والتثقيل ~~لغتان والمعنى أسحقهم الله سحقا. وقال ms4427 أبو علي: إسحاقا إلا أن المصدر جاء ~~على الحذف كقولهم «عمرك الله» ثم أتبعهم الوعيد الوعد قائلا إن الذين ~~الآية. وقد مر مرارا. ثم هدد على العموم فقال وأسروا وهو من التسرية وعلل ~~ذلك بقوله إنه عليم بذات الصدور قال ابن عباس: كانوا يتكلمون فيما بينهم ~~بأشياء فيخبره جبرائيل فقالوا: أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد فأنزل الله ~~الآية بيانا لجهلهم. ثم استدل على كمال علمه بنوع آخر قائلا ألا يعلم من ~~خلق ومحل «من» رفع أي ألا يعلم من خلق مخلوقه، وذلك أن خلق الشيء يتوقف على ~~معرفة تفاصيل كمياته وكيفياته وسائر أحواله لئلا يقع الترجيح من غير مرجح، ~~وهذه مقدمة جلية أو نصب أي ألا يعلم الله من خلقه، وجوز أن يكون «من» بمعنى ~~«ما» ويكون إشارة إلى ما يسره الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، وهذا ~~يقتضي أن تكون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. وقد يستدل بالوجهين الأولين ~~أيضا على ذلك لأن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بتفاصيلها ~~بناء على الآية. ولكنه غير عالم بتفاصيلها لأنه لا يعرف مقادير حركته ~~وسكونه وكمية الجواهر الفردة الواقعة على مسافته، بل لا يعرف الأسباب ~~السابقة والغايات اللاحقة لا بكلها ولا بأكثرها في كل فعل من أفعاله. وأنكر ~~في الكشاف أن يكون قوله ألا يعلم متروك المفعول على تقادير كون «من» مرفوع ~~المحل نحو «فلان يعطي» قال: لأن قوله وهو اللطيف # PageV06P327 # الخبير # حال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم ولكن، ألا يعلم ~~كذا وهو عالم بكل شيء قلت: أما قوله وهو اللطيف حال فممنوع ولم لا يجوز أن ~~يكون مستأنفا، وعلى تقدير تسليمه فليس معنى قوله ألا يعلم متروك المفعول ~~على تقدير كون «من» مرفوع المحل حتى يلزم توقيت الشيء بنفسه، بل المعنى ألا ~~يتصف الخالق بالعلم والحال أن علمه وصل إلى بواطن الأشياء وخبايا الأمور. ~~وذلك أن المتصف بالأخص متصف بالأعم ضرورة. قوله هو الذي جعل لكم الأرض قال ~~أهل النظم: وجه التعلق أنه ms4428 سبحانه وتعالى قال: أيها الكافرون أنا عالم ~~بسركم وجهركم فكونوا خائفين مني محترزين من عقابي فهذه الأرض التي تمشون في ~~مناكبها وتعتقدون أنها أبعد الأشياء عن الإضرار بكم أنا الذي ذللتها لكم ~~وإن شئت خسفت بكم إياها، والذلول من كل شيء المنقاد الذي يذل لك، ومن ذلها ~~أنه ما جعلها خشنة يمتنع المشي عليها، ولا صلبة بحيث لا يمكن حفرها والبناء ~~عليها، ولا متحركة على الاستقامة واستدارة، بل جعلها ساكنة في جو الهواء ~~عند المركز. قال جار الله: المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل لأن ملتقى ~~المنكبين من الغارب أبعد شيء من أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه، فإذا ~~كان هذا الموضع ذلولا فما ظنك بغيره، وعن ابن عباس والضحاك وقتادة أن مناكب ~~الأرض جبالها وآكامها، وإذا كانت هذه الأمكنة مع شخوصها وارتفاعها مذللة ~~فغيرها أولى. قال الحسن ومجاهد والكلبي ومقاتل، وهو رواية عطاء عن ابن عباس ~~واختاره الفراء وابن قتيبة: أن مناكبها جوانبها وطرقها، ومنكبا الرجل ~~جانباه فيكون كقوله والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا ~~[نوح: 19، 20] وكلوا من رزقه الذي خلق لكم في الأرض ولا يخفى أن الأمر ~~بالمشي والأكل للإباحة. ثم قال وإليه النشور يعني ينبغي أن يكون مشيكم في ~~الأرض وأكلكم من رزق الله مشي من يعلم وأكل من يتيقن أن المصير إلى الله، ~~والمراد التحذير من المعاصي سرا وجهرا. ثم بين أن بقاءهم سالمين على هذه ~~الأرض إنما هو بفضل الله ولو شاء لخسف بهم الأرض أو أمطر عليهم مطر القهر، ~~واستدلال المشبهة بقوله من في السماء ظاهر. وأهل السنة يتأولونه بوجوه ~~منها: قول أبي مسلم أن العرب كانوا يقرون بوجود الإله لكنهم يزعمون أنه في ~~السماء فقيل لهم على حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء ومنها ~~قول جمع من المفسرين أأمنتم من في السماء ملكوته أو # سلطانه أو قهره لأن العادة جارية بنزول البلاء من السماء. ومنها قول ~~آخرين أن المراد جبرائيل يخسف بهم الأرض بأمر الله والمور حركة في ms4429 اضطراب ~~وقد مر في «الطور» . # والحاصب ريح فيها حصباء وقد مر أيضا. ثم هدد وأوعد قائلا فستعلمون كيف ~~نذير قال # PageV06P328 # عطاء والضحاك عن ابن عباس: هو المنذر يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه حين لا ينفعكم ذلك. وقيل: بمعنى الإنذار أي ~~عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، ثم مثل بحال الأمم السابقة. قال أبو ~~مسلم: النكير عقاب المنكر. وقال الواحدي: # أراد إنكاري وتغييري. ثم برهن على الوحدانية وكمال القدرة بوجوه: الأول ~~أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي باسطات أجنحتهن لأنهن إذا بسطنها صففن ~~قوادمها صفا. قال أهل المعاني: وإنما قيل ويقبضن دون «قابضات» على نحو ~~«صافات» لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل في كل منهما مد ~~الأطراف وبسطها، والقبض طارئ على البسط لأجل الإعانة فالمعنى أنهن صافات ~~ويكون منهن القبض في بعض الأوقات كما يكون من السابح. وإنما قال في «النحل» ~~ما يمسكهن إلا الله [الآية: 79] وفي هذه السورة ما يمسكهن إلا الرحمن لأن ~~التسخير في جو السماء محض الإلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية ~~البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن. إنه بكل شيء بصير ~~فيعلم أو يرى كيف يدبر العجائب. قالوا وفي الآية دليل على أن الأفعال ~~الاختيارية للعبد مخلوقة لله تعالى، لأن استمساك الطير في الهواء فعل ~~اختياري لها وقد أضافه الله تعالى إلى نفسه، ثم إن الكفار كانوا يمتنعون من ~~الإيمان ولا يلتفتون إلى دعوة الرسول وكان تعويلهم على أمرين: أحدهما القوة ~~من جهة الإخوان والأعوان. والثاني الاستظهار بالأصنام والأوثان وكانوا ~~يقولون إنها توصل إلينا جميع الخيرات وتدفع عنا كل الآفات، فأبطل الله ~~الأول بقوله أمن هذا الذي يعني من يشار إليه من المجموع ويقال هذا الذي هو ~~جند لكم هو ينصركم من دون الرحمن إن أرسل عذابه عليكم إن الكافرون إلا في ~~غرور من الشياطين يغرونهم أن العذاب لا ينزل بهم ولو أنزل دفعه أصنامهم. ~~وأبطل الثاني بقوله أمن هذا الذي يشار إليه هذا الذي يرزقكم ms4430 بزعمكم إن أمسك ~~الله رزقه بإمساك أسبابه من المطر وغيره هل يقدر على رزقكم بل لجوا في عتو ~~وتباعد عن الحق ونفور عنه بالطبع والأول دليل فساد القوة العلمية، والثاني ~~إشارة إلى فساد القوة النظرية. ثم نبه على قبح هذين الوصفين قائلا أفمن ~~يمشي مكبا قال الواحدي «أكب» مطاوع «كب» . وأنكر عليه صاحب الكشاف بأن ~~مطاوع «كب» هو «انكب» ومثله «قشعت الريح السحاب فانقشع» وأما الهمزة في ~~«أكب» و «أقشع» فللصيرورة أي صار ذا كب وقشع، أو دخل فيهما ولا شيء من بناء ~~أفعل مطاوعا ولا يخفى أن هذا نزاع لفظي، أما المثل فقيل: هو في حق راكب ~~التعاسيف وفي الذي يمشي على الصراط السوي وقيل: هو الأعمى والبصير أو ~~العالم والجاهل. وعن قتادة: الكافر أكب على معاصي الله فحشره يوم القيامة ~~على وجهه، # PageV06P329 # والمؤمن كان على الدين الواضح فهداه الله للطريق السوي إلى الجنة. ومنهم ~~من قال: هو في شخصين فقال مقاتل: أبو جهل والنبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~عطاء عن ابن عباس: أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب. وعن عكرمة: أبو جهل وعمار ~~بن ياسر. والأصح التعميم وإن كان السبب خاصا. البرهان الثاني ابتداء خلق ~~الإنسان وتبيين جوارحه. وفي قوله قليلا ما تشكرون إشارة إلى أنه أعطاهم هذه ~~القوى الشريفة ولكنهم ضيعوها في غير ما خلقت لأجله. البرهان الثالث ذرء ~~الناس ونشرهم في الأرض ثم أشار إلى المعاد بقوله وإليه تحشرون لأن القادر ~~على البدء أقدر على الإعادة وقد مر نظير الآيتين في سورة «المؤمنين» . وحين ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخوفهم بعذاب الله حكى عن الكفار أنهم ~~طالبوه بتعيين الوقت. قال أبو مسلم: # المراد كانوا يقولون متى هذا الوعد يعني العذاب النازل بعاد وثمود ~~وغيرهما لقوله بعد ذلك فلما رأوه ومن حمل اللفظ على المستقبل وفسر الوعد ~~بالقيامة كان قوله فلما رأوه من قبيل وسيق [الزمر: 72] وأجابهم الله بقوله ~~قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين العلم بوقوعه حاصل عندي وكان ~~كافيا ms4431 الإنذار والتحذير، وأما العلم بوقته فليس إلا لله ولا حاجة في ~~النذارة إلى ذلك. والضمير في رأوه للوعيد في الدنيا أو في الآخرة والزلفة ~~القرب. قال الحسن: أراد عيانا لأن ما قرب من الإنسان رآه معاينة. وقال في ~~الكشاف: انتصابها على الحال أو الظرف أي رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة. ~~قوله سيئت قال ابن عباس: اسودت وعلتها الكآبة والقترة كوجه من يقاد إلى ~~القتل. وقال الزجاج: تبين فيها السوء وهذا الفعل يستعمل لازما ومتعديا ~~بمعنى القبح أو التقبيح. قوله وقيل هذا الذي الأكثرون على أن القائلين هم ~~الزبانية. وقال آخرون: بل يقول بعضهم لبعض. # وتدعون تفعلون من الدعاء أي تتمنون وتستعجلون به ويؤيده قراءة من قرأ ~~بالتخفيف. # وقيل: هو من الدعوى أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون وكنتم ببطلانه ~~مدعين. وقيل: # استفهام على سبيل الإنكار والمعنى، أهذا ما ادعيتموه لا بل كنتم بسببه ~~تدعون عدمه. يروى أن كفار مكة كانوا يدعون على الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وعلى المؤمنين. بالهلاك ويتربصون بهم الدوائر فأمر الله بنوعين من الجواب ~~الأول. قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي كما تتمنون فننقلب إلى الجنة أو ~~رحمنا بالنصرة وإمهال المدة كما نرجو فمن يجير الكافرين من عذاب النار فنحن ~~متربصون لإحدى الحسنيين وأنتم هالكون بالهلاك الذي لا هلاك بعده، وإن ~~أهلكنا الله بالموت فمن يخلصكم من النار بعد موت هداتكم؟ وإن رحمنا ~~بالإمهال والغلبة عليكم فمن ينجيكم من العذاب فإن المقتول على أيدينا هالك؟ ~~وإن أهلكنا الله في الآخرة بذنوبنا ونحن له مسلمون فأي خلاص ومناص ~~للكافرين؟ وإن رحمنا # PageV06P330 # لأجل الإيمان فمن يرحم الكافرين ولا إيمان لهم؟ النوع الثاني في الجواب ~~قل هو الرحمن آمنا به ولم نكفر كما كفرتم وعليه خاصة توكلنا لا على غيره، ~~وفيه تعريض بالكفرة أنهم متكلون على الرجال والأموال وإذا كانت حالنا هكذا ~~فكيف يقبل الله دعاءكم علينا؟ ثم أشار إلى وجوب الاعتماد عليه في كل حاجة ~~مع أنه برهان آخر على كمال قدرته ووحدانيته فقال ms4432 قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم ~~غورا أي غائرا مصدر بمعنى الفاعل للمبالغة. # عن الكلبي: لا تناله الدلاء. والمعين الجاري على وجه الأرض وقد ذكرنا ~~الخلاف في اشتقاقه في «الصافات» . يحكى أن بعض المتجبرين على الله قرئت ~~الآية عنده فقال: تأتينا به الفؤس والمكتل فذهب ماء عينيه وهذا من الإعجاز. ~~قال مؤلف الكتاب: وحكم القريحة كذلك فإن فتح باب العويصات لا يتيسر إلا ~~بإعانة رب الأرض والسموات والله الموفق وإليه المآب وبالله التوفيق والنصر. # PageV06P331 ### | (سورة نون) # (مكية حروفها ألف وأربعمائة وستة وخمسون كلمها ثلاثمائة آياتها اثنتان ~~وخمسون) ### | [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 52] # بسم الله الرحمن الرحيم # ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لأجرا غير ~~ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) # فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) # ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم ~~(12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) # إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (15) سنسمه على الخرطوم (16) ~~إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا ~~يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) # فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم ~~صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ~~(24) # وغدوا على حرد قادرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن ~~محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا ~~إنا كنا ظالمين (29) # فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) ~~عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب ~~الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33) إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) # أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه ~~تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون (39) # سلهم أيهم بذلك زعيم (40) أم لهم ms4433 شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ~~(41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) فذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) # وأملي لهم إن كيدي متين (45) أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ~~وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) # فاجتباه ربه فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك ~~بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين ~~(52) # PageV06P332 ### | القراآت: # ن والقلم مظهرا: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم ~~غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف. ووجه الإخفاء نية الوصل أإن كان ~~بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد آن كان بقلب الثانية ألفا، ابن عامر ويزيد ~~ويعقوب الباقون بهمزة واحدة يبدلنا بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو لما ~~تخيرون # بتشديد التاء: البزي وابن فليح ليزلقونك بفتح الياء: أبو جعفر ونافع ~~الآخرون: بالضم من الإزلاق. ### | الوقوف: # يسطرون ه ط لأن ما بعده جواب القسم ل بمجنون ه ج لأن ما بعده يصلح ~~مستأنفا وعطفا على جواب القسم ممنون ه ج لذلك عظيم ه ويبصرون ج لأن ما بعده ~~مفعول المفتون ه سبيله ط لاتفاق الجملتين بالمهتدين ه المكذبين ه فيدهنون ه ~~مهين ه لا بنميم ه لا أثيم ه لا زنيم ه ط لمن قرأ أن كان مستفهما وبنين ه ~~ومن قرأ مقصورا يقف على البنين دون زنيم الأولين ه الخرطوم ه الجنة ط ~~لاحتمال أن يكون «إذ» ظرفا ليكون وأن يكون مفعول «أذكر» محذوفا مصبحين ه لا ~~لتعلق أن المفسرة صارمين ه يتخافتون ه لا مسكين ه قادرين ه لضالون ه لا ~~لعطف «بل» واتحاد المفعول محرومون ه تسبحون ه ظالمين ه يتلاومون ه طاغين ه ~~راغبون ه العذاب ط أكبر م يعلمون ه النعيم ه كالمجرمين ه ط ما ms4434 لكم ص وقفة ~~لطيفة لاستفهام آخر تحكمون ه ج تدرسون ه ج لأن ما بعده مفعول تدرسون وإنما ~~كسرت «أن» لدخول اللام في خبرها تخيرون ه لا لأن «أم» معادل الاستفهام أو ~~بمعنى ألف الاستفهام القيامة لا لأن «أن» جواب الأيمان تحكمون ه زعيم ه لما ~~مر في تخيرون شركاء ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء صادقين ه فلا ~~يستطيعون ه لا لأن ما بعده حال ذلة ط سالمون ه بهذا الحديث ط لا يعلمون ه ج ~~للعطف لهم ط متين ه مثقلون ه يكتبون ه الحوت م بناء على أن «إذ» مفعول ~~«اذكر» مكظوم ه ط مذموم ه الصالحين ه لمجنون ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول ~~الكفار للعالمين ه ### | التفسير: # الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة. أما المخصوصة بالمقام ~~فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ~~ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في ~~بطنه، أو بالحوت الذي لطخ سهم نمرود بدمه، أقوال. عن ابن عباس في رواية ~~الضحاك والحسن # PageV06P333 # وقتادة أن النون هو الدواة. قال: # إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجوم # فيكون قسما بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة ~~كما يحصل بالعبارة. وعن بعض الثقات أن أصحاب السحر يستخرجون من بعض الحيتان ~~شيئا أسود كالنقس أو أشد سوادا منه يكتبون منه فيكون النون. وهو الحوت ~~عبارة عن الدواة، ويعضده ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق ~~النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ~~ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم ~~القيامة» # وعن معاوية بن قرة مرفوعا أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه ما ~~يأمرهم الله به. وقيل: نهر في الجنة. اعترض النحويون على هذه ms4435 الأقوال كلها ~~أن اللفظ إن كان جنسا لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علما منصرفا، وإن كان ~~علما غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف ~~الرحمن فإنه يجتمع من الر وحم ون هذا الاسم الخاص. أما القلم فالأكثرون على ~~أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: ~~هو القلم المعهود الذي # جاء في الخبر أن «أول ما خلق الله القلم» «1» # والجوهرة التي # وردت في الحديث «أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت ~~وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض» # كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب. و «ما» ~~في قوله وما يسطرون موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة. وقيل: ~~أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: «أنت» اسم «ما» والخبر بمجنون ~~وقوله بنعمة ربك كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ~~ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبسا بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل ~~بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبسا بحمد الله، أو أثبته لك حال كون ~~التباسي بالحمد. # وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر ~~الأخلاق الفاضلة. # وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال ~~العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول ~~الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان. وإن لك على احتمال أعباء النبوة ومشاق ~~تبليغ الرسالة لأجرا غير ممنون PageV06P334 # قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله عطاء غير مجذوذ [هود: 108] وعن مجاهد ~~ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة. وقالت المعتزلة: في تقرير ~~هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف ~~لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبئ عن كونه غير ممنون. ~~والحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى ms4436 الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب ~~الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثوابا عظيما. وإنك ~~لعلى خلق عظيم والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل ~~بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج ~~الأفضل لم يكن خلق أحسن منه. وفيه إشارة إلى أن نعم الله تعالى كانت ظاهرة ~~نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو ~~عليه يعتمد، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان ~~مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقا فيهم، وإليه الإشارة ~~بقوله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق ~~الكريم وفي قوله لعلى إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا ~~يزعه عنها وازع. قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. قالت: كان خلقه القرآن. وفي رواية: قرأت قد أفلح ~~المؤمنون [المؤمنون: 1] # وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول ~~الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، # وقال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء ~~فعلته لم فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، # ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم وهدد أعداءه بقوله فستبصر يا محمد ما قدر ~~لك من عز الدارين ويبصرون في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في ~~الآخرة. قوله بأيكم المفتون قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة ~~والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. وقال الفراء والمبرد والحسن ~~والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود. وقيل: ~~الباء بمعنى «في» وعلى هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي ~~الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في ~~دينه. ms4437 # وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله تعالى سيعلمون غدا بأيهم ~~الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن ~~هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما. ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه ~~فقال إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله أي بمن جن وهو أعلم بالمهتدين وهم ~~لعقلاء. والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ~~ووعيد. # قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة ~~وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله تعالى فلا # PageV06P335 # تطع المكذبين # وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه سبحانه حين وعده أنصار العز والرفعة في ~~الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملا بحال الفريقين وجزائهما لم ~~يبق لطاعة الأعداء وجه. # ثم ذكر تمنيهم فقال ودوا لو تدهن تلين وتصانع فيدهنون أي فهم يدهنون ~~حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعا في ~~ادهانك. قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر ~~خلاف ما يضمر. ثم حض النبي قائلا ولا تطع كل حلاف مهين لأن من أكثر الحلف ~~بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله. وفيه إشارة إلى أن عزة النفس ~~منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية. ~~وأيضا الحلاف يتفق له الكذب كثيرا والكذب حقير عند الناس. والهماز الذي ~~يذكر الناس بالمكروه. وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس. مشاء بنميم أي ~~لأجل سعاية. # والنميم مصدر نم ينم مناع للخير أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام ~~فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير معتد مجاوز في الظلم ~~حده أثيم كثير الإثم عتل غليظ في الخلقة جاف في الخليقة. الزنيم الدعي ~~ومعنى بعد ذلك التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي ~~هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد. عن ابن ~~عباس في رواية ms4438 أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسرا وله عشر ~~بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه ~~أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية. ~~وقوله أن كان بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ~~ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ذا مال كذب فمتعلق الجار ~~مدلول. قوله إذا تتلى عليه آياتنا قال وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ~~ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله يتلى لأنه مضاف إليه. عن مجاهد ~~أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في ~~زهرة. وقيل: كان الوليد دعيا في قريش سنسمه على الخرطوم أي الأنف وفيه ~~استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو ~~أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، ~~وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا ~~قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا ~~منه الأنفة وقالوا: في الذليل «جدع أنفه ورغم أنفه» . والوسم في الأنف ~~إهانة فوق إهانة. ومتى هذا الوسم؟ منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم ~~يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه. وعن النضر بن # PageV06P336 # شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها. وسمي الخمر خرطوما كما قيل لها ~~السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها. ~~ومنهم من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم. ومنهم ~~من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنه حلاف إلى زنيم فلا يخفى ~~كما لا تخفى السمة على الخرطوم. ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها ~~بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم ~~على الجبهة. ثم بين ms4439 أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم ~~الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء الضراء. # وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا ~~الفقراء حقوقهم، يروى أن واحدا من ثقيف وكان مسلما كان ملك ضيعة فيها نخل ~~وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيبا وافرا للفقراء، فلما مات ورثها منه ~~بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق ~~علينا ليصرمنها أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ولا يستثنون أي لا ~~يقولون «إن شاء الله» وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد ~~اليمين بالثنيا. ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من ~~صرامها. هذا قول الأكثرين. وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا ~~يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم فطاف عليها ~~عذاب طائف من حكم ربك أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلا. قال ~~الكلبي: # أرسل الله عليها نارا من السماء فاحترقت وهم نائمون فأصبحت الجنة كالصريم ~~«فعيل» بمعنى «فاعل» أو معنى «مفعول» والأول قول من قال إنها لما احترقت ~~صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه ~~أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضا صريما لأن كل واحد ~~من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم. ووجه التشبيه أنها يبست ~~وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم «صرم الإناء» إذا أفرغه. والثاني ~~وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك ~~الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايرا لأثر الصرم. وقال الحسن: أي صرم عنها ~~الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه ~~الصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن ~~الرمال وهي ما لا تنبت شيئا ينتفع به. قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم ~~لبعض اغدوا على حرثكم ms4440 وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ~~صارمين لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال ~~فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو # PageV06P337 # عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما يقال: غدا عليهم العدو يتخافتون ~~يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين ~~المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول. قوله وغدوا على ~~حرد هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت ~~درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان ~~المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم. وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون ~~فيها إلا على النكد والمنع. وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض ~~مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة. ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا ~~حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها. ويجوز أن لا يكون ~~قوله على حرد صلة قادرين ولكن الكل يعود إلى قوله أن اغدوا على حرثكم أي ~~عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد وقوله ~~قادرين يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من ~~الصرام وحرمان المساكين. # وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا ~~على غضب بعضهم على بعض كقوله يتلاومون وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد ~~أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع ~~خيرها من المساكين. وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ~~إنا لضالون يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة ~~سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي ~~قالوا بل نحن محرومون حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين. ~~ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال. ومعنى بل ~~أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع ms4441 بها ومنع الغير منها فقالوا: بل ~~الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين. قال أوسطهم أي أعدلهم وخيرهم كما ~~مر في قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] ألم أقل لكم لولا تسبحون ~~قال الأكثرون: معنى التسبيح هاهنا الاستثناء لأنه تعالى وبخهم بقوله ولا ~~يستثنون والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف ~~مشيئته كان نقصا في كمال القدرة. وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها ~~وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر. وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند ~~عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة ~~الخبيثة. فلم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين سبحان ربنا عن أن ~~يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن ~~كل قبيح إنا كنا ظالمين بمنع المعروف وترك الاستثناء. ومعنى يتلاومون يلوم ~~بعضهم بعضا يقول واحد لغيره: أنت # PageV06P338 # أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر. ويقول الثالث: ~~أنت الذي رغبتني في جمع المال. ثم قالوا جميعا يا ويلنا إنا كنا طاغين ~~اعترافا بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين عسى ربنا الآية. سئل قتادة عنهم أهم ~~من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال: لقد كلفتني تعبا كأنه توقف في ~~المسألة. وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيرا منها. وعن ابن ~~مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها ~~الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا. ثم هدد المكلفين بقوله كذلك ~~العذاب أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا ~~أصحاب الجنة عذاب الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأعظم. ثم مزج وعيد الأشقياء ~~بوعد السعداء قائلا إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ليس فيها إلا النعيم ~~الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال ~~كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فلا بد أن يفضلنا عليكم ~~في الآخرة، فإن لم ms4442 يحصل التفضيل فلا أقل من المساواة فنفى الله معتقدهم ~~بقوله أفنجعل المسلمين كالمجرمين قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي ~~المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلما. وأجيب بأنه تعالى لم ينف ~~المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي ~~لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع ~~في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم ~~أكثر من ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به ~~الكافر الذي ضرب مثل أصحاب الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية أم نجعل ~~المتقين كالفجار [ص: 28] وقد مر في «ص» . ثم قال لهم على طريقة الالتفات ما ~~لكم كيف تحكمون هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره أم لكم ~~أيمان علينا يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء ~~به. ومعنى بالغة مؤكدة مغلظة وقوله إلى يوم القيامة يجوز أن يتعلق ببالغة ~~أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها ~~يمين على أن يحصل المقسم عليه وهو قوله إن لكم لما تحكمون ثم قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم أو لكل من يستأهل الخطاب سلهم أيهم بذلك الحكم زعيم أي كفيل ~~بالاستدلال على صحته أم لهم ناس شركاء في هذا القول. والمراد من الآيات أنه ~~ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون # ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من ~~العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه. قوله يوم يكشف قيل: منصوب ~~بقوله فليأتوا أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة ~~لتنفعهم وتشفع لهم. وقيل: بإضمار «اذكر» . وقيل: التقدير يوم يكشف # PageV06P339 # عن ساق كان كيت وكيت. احتجت المشبهة على أن لله ساقا وأيدوه بما يروى عن ~~ابن مسعود مرفوعا أنه يتمثل الحق يوم ms4443 القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟ ~~فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما ~~المؤمنون فيخرون سجدا، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك ~~قوله ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون حال كونهم خاشعة أبصارهم يعني يلحقهم ~~ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود ~~الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود. # وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه تعالى منزه عن الجسمية وعن كل صفات ~~الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه ~~عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات ~~عن سوقهن ومثله. # «وقامت الحرب بنا على ساق» . ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ~~ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح «يده مغلولة» ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو ~~مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله. قال ~~في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق ~~مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن. # وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: ~~الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل ~~التعظيم أي ساق لا يكتنه كنه عظمتها كما يقول غيره. وقال أبو سعيد الضرير: ~~ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم ~~تظهر حقائق الأشياء وأصولها. وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ~~ساق ملك مهيب. وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك ~~اليوم ويدعون إلى السجود ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو ~~زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى ~~الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت ~~الذي لا ينفع نفسا إيمانها. والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن ms4444 في تعليله ~~ضعفا فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف. ولكن لا مانع من ~~الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد. وقال الجبائي: لما ~~خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من ~~قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في ~~الدنيا أيضا غير حاصلة على قول الجبائي. والجواب الصحيح عندي أن عدم ~~الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه تعالى لم يرد منهم الإيمان وعلم ~~منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود ~~وهو لين المفاصل # PageV06P340 # ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر. ثم خوفهم بنوع آخر قائلا فذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال: حسبي مجازيا ~~لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه. وقوله سنستدرجهم إلى قوله متين قد ~~مر في آخر «الأعراف» . وقوله أم تسألهم إلى يكتبون قد مر في «الطور» . ثم ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال ~~يونس عليه السلام وقد تقدم مرارا. قال بعض العلماء: معنى قوله كصاحب الحوت ~~أنه كان في ذلك الوقت مكظوما أي مملوءا من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوما ~~أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة. وقال جمع من المفسرين: أن ~~الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم. وقيل: ~~نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به ~~وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت «لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» ، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة. وقد اعتمد ~~في جواب لولا على الحال أعني قوله وهو مذموم والمعنى أن حاله كانت على خلاف ~~الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في «الصافات» . ولولا تسبيحه لكانت ~~حاله على الذم. وقيل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم ms4445 ~~القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموما فاجتباه ربه بقبول التوبة ~~فجعله من الصالحين أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه ~~في نفسه وقومه. ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن حسد قومه وحرصهم على ~~إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال وإن يكاد هي مخففة من الثقيلة ~~واللام دليل عليها. زلقه وأزلقه بمعنى. # يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه. قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ~~ونظرهم إليك سرا بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من ~~قولهم «نظر إلي نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني» أي لو أمكنه بنظره الصرع ~~أو الأكل لفعله. ثم بين بقوله لما سمعوا الذكر أن هذا النظر كان يشتد منهم ~~في حال قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن حسدا على ما أوتي من النبوة. ~~ويقولون إنه لمجنون حيرة في أمره وتنفيرا عنه مع علمهم بأنه أعقلهم. # ثم قال تعالى وما هو أي القرآن إلا ذكر وموعظة للعالمين وفيه استجهال أن ~~يجنن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف. واعلم أن ~~للعقلاء خلافا في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟ وبتقدير ~~كونها حقيقة فهل الآية مفسرة بها أم لا؟ أما المقام الأول فقد شرحناه في ~~أول «البقرة» في قوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين [الآية: 102] وفى يوسف في ~~قوله يا بني لا تدخلوا من باب واحد [الآية: # 67] والذي نقوله هاهنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في ~~الجسم لا يعقل # PageV06P341 # إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة. # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم قال «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر» # وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: # كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا ~~يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه. فالتمس الكفار من بعض ~~من كانت له هذه الصفة أن ms4446 يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لم أر ~~كاليوم رجالا مثله. فعصمه الله تعالى. طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: ~~الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون ~~مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات. وعن الحسن: ~~دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية وبالله التوفيق. # PageV06P342 ### | (سورة الحاقة) # (مكية حروفها ألف وستة وخمسون آياتها اثنتان وخمسون وكلمها أربعمائة ~~وثمانون) ### | [سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 52] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدراك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة (4) # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) ~~سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز ~~نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات ~~بالخاطئة (9) # فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما طغى الماء حملناكم في ~~الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور ~~نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) # فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على ~~أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية (18) فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) # إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) ~~قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24) # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما ~~حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عني ماليه (28) هلك عني ~~سلطانيه (29) # خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا ~~فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين ~~(34) # فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا ~~الخاطؤن (37) فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) # إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما ms4447 تؤمنون (41) ولا بقول ~~كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل (44) # لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) # وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم ~~(52) ### | القراآت # وما أدراك بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، # PageV06P343 # وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان فهل ترى كما ~~في الملك ومن قبله بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: ~~بفتح القاف وسكون الباء وتعيها بسكون العين تشبيها بخاء «فخذ» : القواس عن ~~حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة ~~عن أصحابه فهي يومئذ بالإدغام: شجاع وأبو شعيب لا يخفى على التذكير: حمزة ~~وعلي وخلف كتابي وحسابي بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ما لي وسلطاني ~~بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب يؤمنون ويذكرون على الغيبة: ابن ~~كثير وسهل ويعقوب وابن عامر. ### | الوقوف: # الحاقة ه لا لأن ما بعده خبرها ما الحاقة ه لا لاحتمال الواو بعده الحال ~~والاستئناف الحاقة ه م بالقارعة ه بالطاغية ه ط عاتية ط أيام لا لأن حسوما ~~صفة الثمانية صرعى لا لأن ما بعده صفة خاوية ه ج للاستفهام مع الفاء باقية ~~ط بالخاطئة ه رابية ه الجارية ه ج واعية # ه واحدة ه لا واحدة ه ط الواقعة ه لا للعطف واهية ه لا لذلك رجاءها ط ~~لاختلاف النظم ثمانية ط خافية ه كتابيه ه ج حسابيه ه ج راضية ه لا عالية ه ~~لا دانية ه الخالية ه كتابيه ه ج حسابيه ه ج القاضية ه ج ماليه ه كلها ~~جائزات وتفصيلا بين الندامات مع اتحاد المقولات سلطانيه ه فغلوه ط للعطف ~~صلوه ه لا لذلك فاسلكوه ه ط العظيم ه لا المسكين ه ط حميم ه غسلين ه لا ~~الخاطؤن ه تبصرون ه لا وما لا تبصرون ms4448 ه لا كريم ه لا شاعر ط تؤمنون ه كاهن ~~ط تذكرون ه أي هو تنزيل العالمين ه باليمين ه لا الوتين ه والوصل أجوز ~~لدخول الفاء واتحاد الكلام حاجزين ه للمتقين ه مكذبين ه لا الكافرين ه ~~اليقين ه العظيم ه ### | التفسير: # الحاقة وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو ~~مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في ~~مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها. وقيل: ~~إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا ~~أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها. وقيل: هي التي يوجد فيها حواق ~~الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة. ~~وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول ~~بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول # PageV06P344 # الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد ~~الانتظار. قال الأزهري: سميت بذلك لأنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل ~~أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه. وأورد في التفسير الكبير وجوها أخر إلى تمام ~~العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها. قوله ما الحاقة مبتدأ وخبره ~~والمجموع خبر الحاقة. والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟ وفي هذا الاستفهام ~~تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ~~وما أدراك ما الحاقة مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟ وفيه أن ~~مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر. قال جار الله: ما يعني في ~~ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء. وأدراك معلق عنه لتضمنه ~~معنى الاستفهام. قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث ~~كقولك «أعلمتك زيدا فاضلا» . وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ~~ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفا لأهل مكة فقال كذبت ms4449 ثمود ~~وعاد بالقارعة والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل ~~بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها. ولا ريب أنها تفزع ~~الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس ~~إلى غير ذلك. وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ~~هاهنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر. ~~قوله بالطاغية أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصيحة، ~~وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم. واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا ~~بريح. ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في ~~مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كاف في الطباق وعلى هذا القول يحتمل ~~أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر ~~الناقة. ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة. الصرصر ~~الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها. قال جار الله: العتو ~~استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد. قال عطاء ~~عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من ~~استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم. قال الكلبي: # عتت على خزانها كما # جاء في الحديث «ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا ~~بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم ~~عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل.» # وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال تعالى وقد بلغت من ~~الكبر عتيا [مريم: 8] أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة # PageV06P345 # سخرها أي سلطها بدليل عليهم وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها. قوله ~~حسوما جمع حاسم كشهود جمع شاهد. والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه ~~الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل ~~خير واستأصلت كل بركة. ms4450 وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت ~~عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد ~~أخرى إلى أن ينحسم. ويجوز أن يكون حسوما مصدرا كالدخول والخروج وعلى هذا ~~انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالا، أو يكون وصفا بالمصدر أي ذات حسوم، أو ~~مفعولا له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب ~~فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. والصحيح أنها أيام العجز وهي ~~آخر الشتاء وأساميها. الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء ~~الجمر. وقيل: ومكفىء الظعن. والضمير في فيها للجهات أو الليالي والأيام ~~الخاوية الساقطة. وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى ~~هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها ~~والباقية مصدر. وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية ~~أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح ~~فألقتهم في البحر فذلك قوله فهل ترى لهم من باقية وقوله فأصبحوا لا ترى إلا ~~مساكنهم [الأحقاف: 25] ومن قرأ ومن قبله بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه ~~من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه. ومن قرأ بالكسر والفتح أراد ومن عنده ~~من أتباعه وجنوده. والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ~~ذوات الخطأ العظيم رابية من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما ~~كانت فعلاتهم زائدة في القبح. وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا ~~بعذاب الآخرة. # أغرقوا فأدخلوا نارا. ولا ريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد ~~إلى حد ليس فوقه عذاب. قال الواحدي: الوجه في قوله رسول ربهم أن يكون رسول ~~الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطا وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله نا ~~رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] ولو جعل عبارة عن موسى عليه السلام لزم التخصيص من غير ~~مخصص. ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال إنا لما طغى الماء وطغيان الماء ~~كعتو ms4451 الريح وقد سبق في عدة سور. ومعنى حملناكم حملنا آباءكم وأنتم في ~~أصلابهم في الجارية في السفينة وهي سفينة نوح لنجعلها # قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور. # والأظهر عوده إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين ~~فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله وتعيها أذن واعية # من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به. قال أهل اللغة: # PageV06P346 # كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته. يقال: ~~أو عيت المتاع في البيت. # والشر أخبث ما أوعيت من زاد قال جار الله: إنما قيل أذن واعية # على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة ~~من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان ~~وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم. # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه عند نزول هذه ~~الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي. قال علي رضي الله عنه: فما نسيت شيئا ~~بعد ذلك وما كان لي أن أنسى. # وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث ~~الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، ~~وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك يومئذ تعرضون والعرض عند ~~الثانية. ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع ~~فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول «جئته عام كذا» ~~وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها. قوله واحدة صفة مؤكدة قوله وحملت أي ~~رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة. والضمير في ~~فدكتا لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض ~~حتى يندك ويرجع كثيبا مهيلا منثورا. والدك أبلغ من الدق. # وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعا صفصفا من قولك «اندك السنام» إذا ~~افترش «وبعير أدك» «وناقة دكاء» . قوله فيومئذ جواب فإذا نفخ والواقعة ~~النازلة وهي القيامة واهية مسترخية بعد أن ms4452 كانت مستمسكة والملك جنس ولهذا ~~كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها. والأرجاء الجوانب جمع ~~رجا مقصورا. والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى ~~جوانب السماء. # سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟ ~~الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، ~~والضمير في فوقهم عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال ~~له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال ~~مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكما ~~كقوله «في بيته يؤتى الحكم» وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية ~~آلاف أو ثمانية صفوف. وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله. ~~قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق # PageV06P347 # اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟ فلو ~~كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة ~~أيدهم الله بأربعة أخرى» # وروي «ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم ~~مطرقون يسبحون» # وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة ~~الثور، وبعضهم على صورة النسر. # وروي «ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين ~~عاما» «1» # وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على ~~عفوك بعد قدرتك. # وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. ولولا ~~هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر. قالت المشبهة: ~~لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله يومئذ ~~تعرضون للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضرا لم يكن للعرض معنى. ~~وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو ms4453 أنه ~~تعالى خاطبهم بما يتعارفونه فخلق لنفسه بيتا يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل ~~في ذلك البيت حجرا هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم ~~بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه ~~المتعارف. فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم ~~على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تعالى تلك الصورة المهيبة لا لأنه ~~يقعد على السرير. # روي أن في القيامة ثلاث عرضات. فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما ~~الثالثة ففيها تنشر الكتب. # قوله لا تخفى منكم خافية أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلا وقيل: ~~أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفيا في الدنيا على غير الله وذلك ~~ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين. ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب. ~~«وهاء» صوت بصوت به فيفهم منه «خذ» وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة ~~منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو «هاء» مثل باع للواحد المذكور «وهاؤما» ~~بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية. هاؤم بضم الهمزة بعده ميم ~~ساكنة لجمع المذكر. «هاء» بالكسر للمؤنثة «هاؤن» لجمعها كتابيه مفعول هاؤم ~~عند الكوفيين واقرؤا عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي ~~فحذف لدلالة الثاني عليه. قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه ~~إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلا على المحذوف. وأجاب الكوفيون بأن ~~PageV06P348 # الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~[الأحزاب: 35] والهاء في كتابيه وغيره هاء السكت ومن هاهنا تثبت في الوقف ~~وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعا لوجودها ~~في المصحف، وإنما قال من أوتي كتابه هاؤم اقرؤا كتابيه ابتهاجا وفرحا. ~~وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته. # وفي قوله إني ظننت وجوه كما مر في قوله الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ~~[البقرة: 46] ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل ~~الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، ms4454 وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين ~~بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب والجزاء. # وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ~~ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى ~~سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح # ثم يقول هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت عند النظر الأولى أني ملاق حسابيه ~~على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء ~~فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا. ثم بين عاقبة أمره قائلا فهو في عيشة فعلة ~~من العيش للنوع راضية منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع ~~والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك «بصري» أو «هاشمي» من النسبة ~~بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك «نهاره صائم» جعل الصوم ~~للنهار وهو لصاحبه كذلك هاهنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها في جنة عالية ~~درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفيعة المباني ~~والقصور والأشجار قطوفها دانية ثمارها قريبة التناول. والقطوف جمع قطف ~~بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون. # يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو ~~دنت كلوا على إرادة القول وهنيئا مصدر أو صفة كما مر في «الطور» . جمع ~~الخطاب في كلوا مع أنه وحد الضمير في قوله أوتي وغيره حملا على لفظ من ثم ~~على معناه. والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف. ومن قال ~~بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال. # وقوله بما أسلفتم كقوله في «الطور» بما كنتم تعملون [الآية: 19] والإسلاف ~~في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال «أسلف ~~في كذا» إذا قدم فيه ماله. والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في ~~أيام الدنيا الماضية. وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل ~~والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا. ثم أخذ في قصة الأشقياء. ~~وإنما تمنى أنه ms4455 لم يدر أي شيء حسابه لأنه كله عليه لا يعود منه إليه سوى ~~الضر. والضمير في يا ليتها عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام. ~~ولعل # PageV06P349 # في قوله ولم أدر إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي ~~الموتة التي متها يا ليتها كانت القاضية لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها. ~~وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي. قال ~~القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوء المنقلب ما هو أشد وأشنع من ~~الموت. قوله ما أغنى نفي. ويجوز أن يكون استفهاما على سبيل الإنكار ومعناه ~~أي شيء أغنى عني ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال هلك عني ~~تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهانا. قال ابن عباس: ضلت ~~عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا. # وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك. يحكى عن عضد ~~الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: # ليس شرب الكأس إلا في المطر ... وغناء من جوار في السحر # غانيات سالبات للنهى ... ناعمات في تضاعيف الوتر # مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر # عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر # يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى. ولا ~~ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما ~~أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله سبحانه ولهذا # جاء في الحديث «أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك» «1» # ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضا ~~من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره. وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ~~ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باق فمن هاهنا روي أن ~~الله تعالى ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق ~~لسانه إلا بتلاوة ما ms4456 أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه على إرادة القول ~~أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه. ~~والتصلية في الجحيم وهي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطانا يتعظم على ~~الناس. والسلسلة حلق منتظمة كل حلقة PageV06P350 # منها في حلقة. وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل. ~~والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد. # وقوله سبعون ذراعا يجوز أن يكون محمولا على الظاهر وأن يراد المبالغة على ~~عادة العرب. وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا ~~تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت ~~كانت الكلفة أشد. # قالوا: كل ذراع سبعون باعا أبعد مما بين مكة والكوفة. قال الحسن: الله ~~أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسلة في دبره وتخرج من حلقه ثم ~~يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه ~~سلوكها. عن بعضهم أن جمعا من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون ~~العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة ~~تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة. وقيل: # هو كقولهم «أدخلت القلنسوة في رأسي» او «الخاتم في أصبعي» . ومعنى «ثم» ~~التراخي في الرتبة. ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله ~~العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، ~~والثاني إلى فساد القوة العملية. قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على ~~الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض ~~بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟ وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على ~~تكثير المرق لأجل المساكين وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع ~~نصفها الآخر إلا بالإطعام. والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى ~~الإعطاء. # وفي الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع. والحميم القريب النافع ~~وقوله هاهنا إشارة إلى مكان ms4457 عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من ~~العذاب. يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري. وقال الكلبي: هو ~~ما يسأل من أهل النار. فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل. ويجوز أن ~~يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف. قال ابن عباس: ~~الخاطئون في الآية هم المشركون. ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء ~~لأنها إما مبصر أو غير مبصر. وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح ~~والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة. والأكثرون على أن ~~الرسول الكريم هاهنا هو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر بعده أنه ليس ~~بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالشعر والكهانة وإنما ~~يصفون محمدا صلى الله عليه وسلم وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه ~~جبرائيل عليه السلام لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء. وفي ذكر ~~الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قوله ~~المؤدي عن الله # PageV06P351 # بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل. وفي وصفه بالكرم إشارة إلى ~~أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعا في أغراض الدنيا الخسيسة. وأيضا من ~~كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية. ~~وإنما قال عند نفي الشعر عنه قليلا ما تؤمنون وعند نفي الكهانة قليلا ما ~~تذكرون لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس. أما من حيث اللفظ ~~فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في ~~غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن ~~فيه أصول كل المعارف والحقائق والبراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان ~~المكلف ممن يصدق ولا يعاند. وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل ~~يوقف. على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها. ~~وأيضا في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا ~~بإظهار قبائحهم. ثم صرح بالمقصود فقال تنزيل من رب ms4458 العالمين أي هو تنزيل ثم ~~بين أن المفتري لا يفلح وإن قرض أنه نبي فقال ولو تقول وهو تكلف القول من ~~غير أن يكون له حقيقة والأقاويل جمع أقوال. وقال جار الله: في اللفظ تصغير ~~وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع «أفعولة» من القول. ومعنى الآية لو ~~نسب إلينا قولا لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته ~~وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار ~~المقتول وقع الضرب في قفاه. ومعنى لأخذنا منه باليمين لأخذنا بيمينه، وكذا ~~قوله لقطعنا منه الوتين لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري. ~~والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن ~~قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل ~~الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره «ما زالت أكلة خبير تعاودني، ~~فهذا أوان اقطع أبهري» . والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه ~~فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم. وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين ~~القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه ~~القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالجواب في حكمة الله تعالى كيلا يشتبه ~~الصادق بالكاذب. # وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين [الصافات: ~~28] أي من قبل الحق. والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من ~~يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه فما منكم من أحد عنه أي عن الرسول أو عن ~~القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ~~حاجزين أي مانعين. وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل ~~على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن # PageV06P352 # القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال وإنه لتذكرة للمتقين ثم أوعد ~~على التكذيب قائلا وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ثم بين أن تكذيب القرآن سبب ~~حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين ms4459 أو في الدنيا إذا رأوا ~~دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد ~~الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله «هو حق العالم» . ثم أمر بالتسبيح شكرا له ~~على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه. # PageV06P353 ### | (سورة المعارج) # (وهي مكية حروفها ثمانمائة وأحد وستون كلماتها مائتان وست عشرة آياتها ~~أربع وأربعون) ### | [سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 44] # بسم الله الرحمن الرحيم # سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج ~~(3) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) # فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) يوم تكون ~~السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) # ولا يسئل حميم حميما (10) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ~~ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤويه (13) ومن في الأرض جميعا ~~ثم ينجيه (14) # كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعوا من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى ~~(18) إن الإنسان خلق هلوعا (19) # إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) ~~الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) # للسائل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ~~ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حافظون ~~(29) # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (32) ~~والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) # أولئك في جنات مكرمون (35) فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين ~~وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا ~~خلقناهم مما يعلمون (39) # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم ~~وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ~~(42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ~~ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون (44) ### | القراآت: # سأل بغير همز مثل باع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة في الوقف وإن شاء ~~لين ms4460 الهمزة على التذكير: علي ولا يسئل بضم الياء: البزي من طريق الهاشمي ~~والبرجمي يومئذ بالفتح على البناء: أبو جعفر ونافع غير إسماعيل وعباس وعلي # PageV06P354 # والشموني والبرجمي توويه بغير همز: يزيد والأعشى وحمزة في الوقف نزاعة ~~بالنصب: حفص والمفضل يخرجون من الإخراج: الأعشى وحمزة في الوقف إلى نصب ~~بضمتين: ابن عامر وسهل وحفص نصب بالضم فالسكون: المفضل الباقون: # بالفتح فالسكون. ### | الوقوف: # واقع ه لا دافع ه لا المعارج ه لا سنة ج جميلا ه بعيدا ه لا قريبا ه ط ~~كالمهل ه لا كالعهن ه لا حميما ه ج لأن ما بعده منقطع عنه مستأنف ولكن ~~أصلحوا الوقف على يبصرونهم ببنيه ه لا وأخيه ه تؤويه ه لا جميعا ه لا للعطف ~~ينجيه ه لا كلا ط لظى ه ج لأن من قرأ نزاعة بالرفع جاز أن يكون بدلا أو خبر ~~لظى والضمير في إنها للقصة أو خبر مبتدأ محذوف. ومن نصب فعلى الحال المؤكدة ~~أو على الإختصاص. للشوى ه ص لأن يدعوا يصلح مستأنفا وبدلا من نزاعة وتولى ه ~~لا فأوعى ه هلوعا ه لا جزوعا ه لا منوعا ه لا المصلين ه لا دائمون ه لا ~~معلوم ه لا والمحروم ه ص الدين ه مشفقون ه ج مأمون ه حافظون ه لا ملومين ه ~~ج العادون ه ج راعون ه لا قائمون ه ك يحافظون ه لا مكرمون ه ط لانقطاع ~~المعنى مهطعين ه لا عزين ه نعيم ه كلا ط يعلمون ه لقادرون ه ج منهم ج بناء ~~على أن الواو للحال بمسبوقين ه يوعدون ه ج لأن ما بعد ب ءدل يوقضون ه ج لأن ~~ما بعد حال من الضمير ذلة ط يوعدون ه. ### | التفسير: # من قرأ سأل بالهمزة ففيه وجهان: الأول عن ابن عباس أن النضر بن الحرث قال ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة [الأنفال: 32] الآية ~~فأنزل الله تعالى سأل سائل أي دعا داع ولهذا عدي بالباء. يقال: دعاه بكذا ms4461 ~~إذا استدعاه وطلبه. وقال ابن الأنباري: الباء للتأكيد والتقدير: سأل سائل ~~عذابا لا دافع له البتة. إما في الآخرة وإما في الدنيا كيوم بدر. الثاني ~~قال الحسن وقتادة: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل بعذاب الكافرين، ~~أو سأل عن عذاب. والباء بمعنى «عن» . قال ابن الأنباري: أو عنى واهتم بعذاب ~~أنه على من ينزل وبمن يقع، فبين الله تعالى أن هذا واقع بهم فلا دافع له. ~~والذي يدل على صحة هذا الوجه قوله في آخر الآية فاصبر صبرا جميلا ومن قرأ ~~بغير همز فله وجهان أيضا: الأول أنه مخفف «سأل» وهي لغة قريش والمعاني كما ~~مرت، والآخر أن يكون من السيلان ويعضده قراءة ابن عباس «سال سيل» وهو مصدر ~~في معنى سائل كالفوز بمعنى الفائز. والمعنى اندفع عليهم وأدى عذاب فذهب بهم ~~وأهلكهم أما سائل # PageV06P355 # فلا يجوز فيه إلا الهمز وفاقا لأنه إن كان من سأل المهموز فظاهر، وإن كان ~~من غير المهموز انقلبت الياء همزة كما في بائع. وقوله للكافرين صفة أخرى ~~للعذاب أي بعذاب واقع، لا محالة كائن للكافرين، أو متعلق بواقع أي نازل ~~لأجلهم، أو كلام مستأنف جواب للسائل الذي سأل: إن العذاب على من ينزل أي هو ~~للكافرين. والظاهر أن قوله من الله يتعلق ب دافع أي لا دافع له من جهة الله ~~لأنه قضاء مبرم. وجوز أن يتصل بواقع أي نازل من عند ذي المعارج المصاعد. ~~روى الكلبي عن ابن عباس أنها السموات لأن الملائكة يعرجون فيها. # وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم بحسب الأرواح ومراتب الاستحقاق ~~والاستعداد. وقيل: هي الجنة لأنها درجات. وقال في التفسير الكبير. وهي ~~مراتب أرواح الملكية المختلفة بالشدة والضعف وبسببها يصل آثار فيض الله إلى ~~العالم السفلي عادة، أو غير عادة فتلك الأرواح كالمصاعد لمراتب الحاجات ~~التي ترفع إليها، وكالمنازل لآثار الرحمة من ذلك العالم إلينا. # قوله تعرج الملائكة والروح وفي مواضع أخرى يوم يقوم الروح والملائكة. ~~قيل: إن الروح أعظم الملائكة قدرا وهو أول في درجة نزول الأنوار ms4462 من جلال ~~الله، ومنه تتشعب إلى أرواح سائر الملائكة والبشر في آخر درجات منازل ~~الأرواح. وبين الطرفين معارج مراتب أرواح الملائكة ومدارج منازل الأنوار ~~القدسية ولا يعلم تفصيلها إلا الله. وأما المتكلمون فالجمهور منهم قالوا: ~~إن الروح هو جبريل عليه السلام. ولا استدلال لأهل التشبيه في لفظ المعارج ~~فإنا بينا أنها المراتب. وقوله إليه إلى عرشه أو حكمه أو إلى حيث تهبط ~~أوامره أو إلى مواضع العز والكرامة. والأكثرون على أن قوله في يوم من صلة ~~تعرج أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم وهو يوم القيامة. قال الحسن: يعني من ~~موقفهم للحساب إلى حين يقضي بين العباد خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ثم ~~بعد ذلك يستقر أهل الجنة في الجنة إلى آخر الآية. والأصح أن هذا الطول إنما ~~يكون للكافر لما # روي عن أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسوله صلى الله عليه وسلم: ما أطول هذا ~~اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من ~~صلاة مكتوبة في الدنيا. # ومنهم من قال: إن ذلك الموقف وإن طال فقد يكون سببا لمزيد السرور والراحة ~~للمؤمن. ومنهم من قال: إن هذه المدة على سبيل التقدير لا على سبيل التحقيق. ~~والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الناس وأدهاهم لبقي فيه ~~خمسين ألف سنة. ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من ~~أيام الدنيا. وأيضا الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا ~~أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ~~ساعة. قاله وهب وجماعة من أهل التفسير. وقال أبو مسلم: إن هذا # PageV06P356 # اليوم الدنيا كلها من أول ما خلق العالم إلى القيامة وفيه يقع عروج ~~الملائكة. ثم لا يلزم من هذا أن يصير وقت القيامة معلوما لأنا لا ندري كم ~~مضى وكم بقي. ومر في «ألم السجدة» . # وقال جمع من المفسرين قوله في يوم من صلة واقع أي يقع ذلك العذاب ms4463 في يوم ~~طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم وهو يوم القيامة. وثم يحتمل أن يكون ~~المراد منه استطالة ذلك اليوم لشدته على الكفار، ويحتمل أن العذاب الذي ~~سأله السائل يكون مقدرا بهذه المدة ثم ينقله الله تعالى إلى نوع آخر من ~~العذاب. يروى عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن هذه الآية وعن قوله في ~~يوم كان مقداره ألف سنة فقال: أيام سماها الله هو أعلم بها كيف تكون وأكره ~~أن أقول فيها ما لا علم لي به. وقال وهب في الجواب: من أسفل العالم إلى ~~أعلى شرف العرش مسيرة خمسين ألف سنة، ومن أعلى السماء الدنيا إلى الأرض ~~مسيرة ألف سنة، لأن عرض كل سماء من السموات السبع مسيرة خمسمائة سنة، وبين ~~أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة أخرى، فالمراد مقدار ألف سنة لو صعدوا ~~إلى سماء الدنيا ومقدار خمسين ألف سنة لو صعدوا إلى العرش. وفي قوله فاصبر ~~صبرا جميلا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له: إن العذاب قرب ~~وقوعه فاصبر فقد شارفت الانتقام. # قال الكلبي: هذه الآية نزلت قبل أن يؤمر الرسول بالقتال إنهم يرون العذاب ~~أو يوم القيامة بعيد الأمد بعيدا عن الإمكان ونراه قريبا منه ثم قال يوم أي ~~اذكر يوم تكون السماء كالمهل كدردي الزيت. عن ابن مسعود: كالفضة المذابة. ~~وتكون الجبال كالعهن أي الصوف المصبوغ ألوانا لقوله ومن الجبال جدد بيض ~~وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود # [فاطر: 27] وجوز جار الله أن ينتصب يوم ب قريبا أو بإضمار يقع لدلالة ~~واقع عليه، أو يراد به يوم تكون السماء كالمهل كان كيت وكيت، أو هو بدل من ~~يوم القيامة فيمن علقه ب واقع قوله ولا يسئل حميم من قرأ بفتح الياء فظاهر ~~أي لا يسأله بكيف حالك لاشتغال كل بنفسه، ومن قرأ بالضم فالمعنى لا يسأل ~~حميم عن حميم ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه فيكون ~~على حذف الجار. وقال الفراء: لا يقال الحميم ms4464 أين حميمك. ثم كان لسائل أن ~~يقول: لعله لا يبصره فلهذا لا يسأل فقال يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم ~~يتمكنوا من تسائلهم ويجوز أن يكون صفة أي حميما مبصرين معرفين إياهم وإنما ~~جمع ضمير الحميم لأنه في معنى الجمع حيث رفع في سياق النفي. وقيل: إن ~~الجملة تتعلق بما بعده والمعنى إن المجرمين يبصرون المؤمنين حال ما يود ~~أحدهم أن يفدي نفسه بكل ما يمكنه فإن الإنسان إذا كان في البلاء ثم رأى ~~عدوه في الرخاء كان ذلك أشد عليه وفصيلته عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم ~~تؤويه تضمه # PageV06P357 # إليها للانتماء في النسب أو في إعداد النوائب. ومعنى ثم استبعاد الإنجاء ~~عن الافتداء. # ثم أكد الاستبعاد بقوله كلا وهو ردع للمجرم عن كونه بحيث يود افتداءه ~~وتنبيه على أنه لا ينفعه ذلك. والضمير في إنها للقصة كما ذكرنا أو للنار ~~وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العذاب عليها، ويجوز أن يعود إلى العذاب ~~والتأنيث باعتبار الخبر لأن لظى علم لنار جهنم. واللظى اللهب الخالص. ~~والشوى الأطراف وهي اليدان والرجلان، والشوى أيضا جلد الرأس، الواحدة شواة، ~~قال سعيد بن جبير: العصب والعقب ولحم الساقين واليدين تنزعها نزعا فتهلكها ~~ثم يعيدها الله سبحانه. وفي قوله تدعوا وجوه منها: أنها تدعوهم بلسان الحال ~~كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك فإن لم تجبك جؤارا أجابتك ~~اعتبارا. فههنا لما كان مرجع كل من الكفرة إلى دركة من دركات جهنم كأنها ~~تدعوهم إلى نفسها. ومنها أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول ~~صريحا فصيحا: لى يا كافة الكفرة ثم تلتقطهم التقاط الحب. ومنها أن يكون على ~~حذف المضاف أي تدعو زبانيتها. ومنها أن الدعاء بمعنى الإهلاك كقول العرب ~~«دعاه الله» أي أهلكه من أدبر أي عن الطاعة وتولى عن الإيمان وجمع المال ~~حرصا عليه فأوعى جعله في وعاء وكنزه فلم يؤد حقوق الله فيه أصلا وهذه مجامع ~~آفات النفس. ثم بين أن الإنسان بالطبع مائل إلى الأخلاق الذميمة فقال إن ~~الإنسان وهو ms4465 الكافر عند بعضهم والأظهر العموم بدليل الاستثناء عقيبه خلق ~~هلوعا والهلع قلة الصبر وشدة الحرص كما فسره الله تعالى بقوله إذا مسه الشر ~~أي الفقر والمرض ونحوه من المضار كان جزوعا وإذا مسه الخير أضداد ذلك كان ~~منوعا # عن النبي صلى الله عليه وسلم «شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع» «1» # قال أهل السنة: الحالة النفسانية التي هي مصدر الأفعال الاختيارية كالجزع ~~والمنع لا شك أنها بخلق الله تعالى. بل الجزع والمنع أيضا من خلقه ولا ~~اعتراض لأحد عليه خلق بعض الناس هلوعا وخلق المستثنين منهم غير هلوع بل ~~مشغولي القلب بأحوال الآخرة، وكل ذلك تصرف منه في ملكه، وقالت المعتزلة: ~~ليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف لأنه تعالى ذكره في معرض الذم والله ~~تعالى لا يذم فعله. ولأنه تعالى استثنى منهم جماعة جاهدوا أنفسهم وظلفوها ~~عن الشهوات. ولو كانت ضرورية لم يقدروا على تركها. # والجواب أن الذين خلقهم كذلك لم يقدروا على الترك والذين تركوها هم الذي ~~خلقوا على هذا الوصف وهم أصناف ثمانية: الأول الذين يداومون على الصلوات ~~والمراد منها أداؤها PageV06P358 # في أوقاتها، وأما المحافظة عليها فترجع إلى الاهتمام بشأنها وذلك يحصل ~~برعاية أمور سابقة على الصلاة كالوضوء وستر العورة وطلب القبلة وغيرها، حتى ~~إذا جاء وقت الصلاة لم يكن يتعلق القلب بشرائطها وأمور مقارنة للصلاة ~~كالخشوع والاحتراز عن الرياء والإتيان بالنوافل والمكملات، وأمور لاحقة ~~بالصلاة كالاحتراز عن اللغو وما يضاد الطاعة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، فارتكابه المعصية بعد الصلاة دليل على أن تلك الصلاة لم تقع في ~~حيز القبول. # الثاني والذين في أموالهم حق قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: هو الزكاة ~~المفروضة. # قلت: الدليل عليه وصفه بأنه معلوم واقترانه بإدامة الصلاة، وقال مجاهد ~~وعطاء والنخعي: # هو ما سوى الزكاة وإنه على طريق الندب والاستحباب. قلت: هذا التفسير بما ~~في «الذاريات» أشبه لأنه لم يصف الحق هناك بأنه معلوم ولأنه مدح هناك قوما ~~بالتزام ما لا يلزمهم كقلة الهجوع والاستغفار بالأسحار. الثالث ms4466 والذين ~~يصدقون بيوم الدين أي يؤمنون بالغيب والجزاء. الرابع والذين هم من عذاب ~~ربهم مشفقون خائفون والمؤمن خائف من التقصير في الطاعة وبعض الفسقة لا ~~يخافون من ارتكاب أنواع الظلم وأصناف المعصية. ثم أكد ذلك الخوف بقوله إن ~~عذاب ربهم غير مأمون لأن الأمور بخواتيمها والخاتمة غير مقطوع بها. الخامس ~~والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله العادون وقد مر في «المؤمنين» . # والسادس والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون وقد مر أيضا. السابع والذين هم ~~بشهاداتهم قائمون من أفرد فلانها مصدر، ومن جمع فللنظر إلى اختلاف الشهادات ~~وكثرة أنواعها. وأكثر المفسرين قالوا: هي الشهادات عند الحكام يقومون بها ~~بالحق ولا يكتمونها، وهذه من جملة الأمانات خصها بالذكر تنبيها على فضلها ~~لأن في إقامتها إحياء للحقوق وفي تركها تضييع لها. وروى عطاء عن ابن عباس ~~أنها الشهادة بالله أنه واحد لا شريك له. الثامن والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون وقد ذكرناه. ثم عين مكان هؤلاء بقوله تعالى أولئك في جنات مكرمون # قال المفسرون: كان المشركون يحتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرقا يستهزؤن به وبالمؤمنين ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد ~~فلندخلنها قبلهم فنزلت. فمال الذين كفروا قبلك # أي نحوك وفي مقابلتك مهطعين مسرعين مادين أعناقهم إليك عزين فرقا شتى جمع ~~عزة محذوفة العجز وأصلها عزوة لأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه ~~الأخرى فهم مفترقون. وجمع بالواو والنون عوضا عن المحذوف كما مر في عضين ~~قوله كلا ردع لهم عن الطمع الفاسد وذلك من وجهين: أحدهما أنهم ينكرون البعث ~~فمن أين لهم هذا الطمع. والثاني أنهم لم يعدوا لها زادا من الإيمان والعمل ~~الصالح. وفي قوله إنا خلقناهم مما يعلمون رد عليهم من # PageV06P359 # الوجهين فإن من علم أن أوله نطفة لم ينكر البعث، أو من علم أن أوله نطفة ~~مذرة كسائر بني آدم لم يدع التقدم والشرف بلا توسل من الإيمان والعمل ~~الصالح. ثم بين كمال قدرته على الإيجاد والإعدام مؤكدا بالأقسام وأنه لا ~~يفوته شيء ms4467 من الممكنات. ومعنى المشارق والمغارب قد تقدم في أول «الصافات» و ~~«الرحمن» وإن للشمس في كل يوم من نصف السنة مغربا ومشرقا. وقيل: مشرق كل ~~كوكب ومغربه. وقيل: المراد أنواع الهدايات والخذلانات. # واختلف فيما وصف الله نفسه بالقدرة عليه هل خرج إلى الفعل أم لا؟ قال ~~بعضهم: بدل الله بهم الأنصار والمهاجرين. وقال آخرون: بدل الله كفرهم ~~بالإيمان. وقيل: التبديل بمعنى الإهلاك الكلي لهم وإيجاد آخرين مكانهم ~~ولكنه هددهم بذلك لكي يؤمنوا، ثم زاد في التهديد بأن يخلوا وشأنهم إلى أوان ~~لقاء الجزاء والأجداث القبور كما في «يس» . ثم شبه إسراعهم إلى الداعي ~~مستبقين بإسراعهم إلى أنصابهم وهي كل ما ينصب فيبعد من دون الله وقد مر في ~~قوله وما ذبح على النصب [المائدة: 3] ومعنى يوفضون يسرعون. وترهقهم ذلة ~~تغشاهم والباقي ظاهر والله أعلم. # PageV06P360 ### | (سورة نوح عليه السلام) # (وهي مكية حروفها سبعمائة وخمسون كلماتها مائتان واحدي وعشرون آياتها ~~ثمان وعشرون) ### | [سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 28] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) ~~قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون (4) # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا (6) ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم إسرارا (9) # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ~~ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14) # ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا (18) والله جعل لكم الأرض بساطا (19) # لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم ms4468 يزده ~~ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا (24) # مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) ~~وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا (28) ### | القراآت # دعائي إلا بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو أني ~~أعلنت بالفتح. أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير وولده بالضم والسكون: # ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بفتحتين ودا # PageV06P361 # بالضم: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالفتح. خطاياهم بالتكسير: أبو عمرو بيتي ~~بالفتح: حفص وهشام. ### | الوقوف: # أليم ه مبين ه وأطيعون ه مسمى ط لا يؤخر م تعلمون ه ونهارا ه فرارا ه ~~استكبارا ه ج لأن «ثم» لترتيب الأخبار مع اتحاد القائل جهارا ه لا إسرارا ه ~~لا لعطف مقصود الكلام غفارا ه لا لجواب الأمر مدرارا ه أنهارا ه ط لابتداء ~~الاستفهام وقارا ه ج لأن ما بعده يحتمل الحال والاستئناف أطوارا ه طباقا ه ~~لا سراجا ه لا نباتا ه إخراجا ه بساطا ه فجاجا # ه خسارا ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام كبارا ه لذلك ونسرا ه ك لأن ما ~~بعده ليس بمعطوف ولكنه حال من فاعل قالوا وذكر السجاوندي أنه حال من مفعول ~~لا تذرن وفيه نظر كثيرا ه ز لأن قوله ولا تزد لا يصح عطفه ظاهرا ولكنه متصل ~~بما قبله بطريق الحكاية أي قال نوح رب إنهم عصوني وقال لا تزد ضلالا ه ~~أنصارا ه ديارا ه كفارا ه تبارا ه ### | التفسير: # لما حذر الناس أهوال يوم القيامة ذكرهم قصة نوح وما جرى على قومه من ~~الإغراق قبل الأطراف حين عصوا رسولهم و «أن» في أن أنذر وأن ms4469 اعبدوا مفسرة ~~لما في الإرسال والإنذار من معنى القول. أو ناصبة والجار محذوف أي أرسلناه ~~بأن قلنا له أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإنذار. ثم حكى أنه امتثل الأمر فأمر ~~قومه بعبادة الله قبل الأطراف ويتناول جميع الواجبات والمندوبات واتقوه ~~ويشتمل على الزجر عن جميع المحظورات وبطاعة نفسه تنبيها على أن طاعة الله ~~هي طاعة نبيه، والإلهيات لا تكمل معرفتها إلا بمعرفة النبوات. ثم وعدهم على ~~العبادة والتقوى والطاعة شيئين: أحدهما دفع مضار الآخرة وهو غفران الذنوب، ~~والثاني وصول منافع الدنيا وهو بتأخير الأجل إلى أقصى الإمكان. وقد مر في ~~سورة إبراهيم استدلال من جوز زيادة «من» في الإثبات بنظير هذه الآية. وما ~~أجيب عنه. # والذي نزيده هاهنا ما قيل: إنه لم لا يجوز أن يراد يغفر لكم كل ما كان من ~~ذنوبكم فتكون فائدته عدم المؤاخذة بمجموع الذنوب لا بكل فرد من أفراده لصدق ~~قول القائل لا أطالبك بمجموع ذنوبك لكني أطالبك بهذا الذنب الواحد. وفي ~~قوله يغفر لكم معنى لا يؤاخذكم قاله الإمام فخر الدين الرازي وهو شبه ~~مغالطة لأنه يوجب استعمال مقتضى النفي مكان مقتضى الإثبات وبالعكس بتأويل ~~تقدير الإثبات وبالعكس مثلا اتفقوا على وجوب النصب في قولك «جاءني القوم ~~إلا زيدا» وعلى قوله يمكن رفعه على البدل بتأويل يتخلف القوم إلا زيد وهكذا ~~قولك # PageV06P362 # «جاءني رجل» لا يشمل المجيء سواه. ولو قلت «ما تخلف رجل» عم المجيء كل ~~أحد. ثم قال: # هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على ~~إيمانه، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفورا فثبت أنه لا بد ~~هاهنا من حرف التبعيض. # قلت: هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضا فوجب أن يذكر من في سورة ~~الصف أيضا. # قوله إن أجل الله إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل ~~الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال ~~يجب أن يغتنم قبل حلول مالا حيلة فيه، وفي قوله لو ms4470 كنتم تعلمون توبيخ على ~~أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت. ثم حكى ~~شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته. ومعنى ليلا ونهارا ~~دائبا دائما من غير توان وفتور. قوله فلم يزدهم دعائي إلا فرارا كقوله ما ~~زادهم إلا نفورا [فاطر: 42] قوله لتغفر لهم ذكر ما هو المقصود وترك ما هو ~~الوسيلة، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار الله. # ويمكن أن يقال: إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه ~~قال: دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم، وهذا كلام متسق مبني على ~~الأول كما ترى. ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها: جعل الأصابع في الآذان ~~لئلا يسمعوا قوله. ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيدا لعدم سماع الحجة أو لئلا ~~يبصروا وجهه. ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق استكبارا ~~بالغا نهايته. ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ بالمناصحة في السر ~~ليلا ونهارا فعاملوه بما ذكر، ثم ثنى بالمجاهدة لأن النصح بين الملأ تقريع ~~وتغليظ فلم يؤثر. وانتصب جهارا على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه ~~صفة دعاء محذوف. والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال. ثم إنه جمع ~~بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع. ثم فسر الدعوة ~~بقوله فقلت استغفروا إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة ~~والنماء. وله وجه معقول وهو أن الله سبحانه مفيض الخيرات والبركات بالذات ~~كما # قال «سبقت رحمتي غضبي» «1» # فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف ~~فإنها بشؤم معاصيهم، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير ~~والنماء. يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله تعالى عنهم ~~القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين. # فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع الله عنهم البلاء. والمدرار الكثير ~~الدريستوي PageV06P363 # فيه المذكر والمؤنث. ثم إنه وبخهم بقوله ما لكم لا ترجون لله وقارا أصل ms4471 ~~الرجاء الأمل. والوقار التوقير «فعال» بمعنى «تفعيل» مثل «سراح» بمعنى ~~«تسريح» وقد يستعمل الرجاء بمعنى الخوف فمعناه على هذا ما لكم لا تخافون ~~عظمة الله. وعلى الأول قال جار الله: معناه أي شيء لكم وما بالكم لا تكونون ~~على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب ولله بيان أو حال ولو ~~تأخر لكان صلة للوقار أو صفة، ويحتمل أن يكون الوقار فعلا للقوم وذلك أنهم ~~كانوا يستخفون برسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على تعظيمه لأجل الله ~~راجين ثوابه. وعن ابن عباس أن الوقار هو الثواب من وقر إذا ثبت واستقر قال ~~جار الله: في تقريره أي لا تخافون لله عاقبة حال استقرار الأمور وثبات ~~الثواب والعقاب. # وقال غيره: تم الكلام عند قوله ما لكم ثم استفهم منكرا لا ترجون أي لا ~~تعتقدون لله ثباتا وبقاء فإنكم لو رجوتم ذلك لما أقدمتم على الاستخفاف ~~برسوله. قال الليث: الطور التارة أي خلقكم مرة بعد مرة نطفة ثم علقة إلى ~~آخرها. وقال ابن الأنباري: والطور الحال فيجوز أن يراد الأوصاف المختلفة ~~التي لا يشبه بعضها بعضا، وهذا دليل للتوحيد المأخوذ من الأنفس، ثم أشار ~~إلى دليل الآفاق بقوله ألم تروا الآية. ومعنى طباقا قد مر في أول «الملك» ~~فلا يلزم منه أن لا يبقى للملائكة مساكن فيها فلعلها متوازية لا متماسة. ~~وأما على قول من يزعم أن الملائكة روحانية فلا إشكال، قوله فيهن في حيزه من ~~السموات وشبه الشمس بالسراج لأن نوره ذاتي كهي، أو لأن الليل عبارة عن ظل ~~الأرض والشمس سبب لزواله. ثم عاد إلى دليل الأنفس بقوله والله أنبتكم من ~~الأرض نباتا يحتمل أن يكون من باب التفعيل فيكون مصدرا متعديا قريبا من لفظ ~~الفعل وأن يكون ثلاثيا لازما فيكون أبعد، ويجوز أن يراد أنبتكم فنبتم ~~نباتا. قال جار الله: استعير الإنبات للإنشاء ليكون أدل على الحدوث. وفي ~~قوله إخراجا تأكيدا أي يخرجكم حقا ولا محالة. ثم ذكر دليلا آخرا فاقيا من ~~حال الأرض. والفج الطريق ms4472 الواسع. # ثم إن سائلا كأنه سأل: ماذا قال نوح بعد هذه الشكوى؟ فبين سبحانه أنه ~~تعالى قال نوح رب إنهم عصوني مكان قوله وأطيعون واتبعوا رؤساءهم ولم يزدهم ~~ما لهم وولدهم إلا خسارا في الآخرة كأن التمتع القليل في الدنيا كالعدم. ~~وولده بالضم لغة في الولد ويجوز أن يكون جمعا كفلك ومكروا معطوف على لم ~~يزده لأن المتبوعين هم الذين مكروا وقالوا للأتباع لا تذرن وجمع حملا على ~~المعنى. والكبار بالتشديد أكبر من الكبار بالتخفيف ولهذا لم يقرأ مخففا إلا ~~في الشاذ فكلاهما مبالغة في الكبير. ولا ريب أن رأس الخيرات هو الإرشاد إلى ~~التوحيد فنقيضه وهو الدعاء إلى الشرك يكون أعظم الكبائر # PageV06P364 # وأفظع أنواع المكر. وإنما سمي مكرا لأنهم دلسوا عليهم بأنه دين آبائكم ~~والآباء أعرف من الأبناء. وبأن هذه الأصنام تعطيكم الخيرات والمنافع وأنها ~~شفعاؤكم. ثم خصوا الأصنام الخمسة بالذكر لأنها كانت عندهم أكبر قالوا: وقد ~~انتقلت من قوم نوح إلى العرب لأسباب لا يعلمها إلا الله، ولأنها لم تكن مما ~~تعرف بالطوفان، فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ~~ونسر لحمير، وصورته أيضا كصورة النسر، وأما ود فعلى صورة الرجل، وسواع على ~~صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، وإنما دعا نوح عليهم ~~بالضلال غضبا عليهم حين عرف بالقرائن المفيدة للجزم أنهم لا يكادون يؤمنون، ~~أو المراد ضلال طريق الجنة، أو ضلال مكرهم المذكور وعدم ترويجه، أو المراد ~~العذاب كقوله إن المجرمين في ضلال وسعر [القمر: 47] وقالت المعتزلة: أراد ~~الخذلان ومنع الألطاف وخص هذا بالضلال دون التبار لموافقة قوله وقد أضلوا ~~قوله مما خطيئاتهم «من» للتعليل كقولك «جئتك لأجل كذا» و «ما» صلة للتوكيد. # وسبب تقديم الجار بيان أنه لم يكن إغراقهم بالطوفان فإدخالهم النار إلا ~~من أجل خطاياهم وهي كفرهم المضموم إلى أنواع إيذاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في مدة ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد يستدل بفاء التعقيب لا سيما وقد ~~دخل على ماض معطوف على مثله على ms4473 إثبات عذاب القبر. عن الضحاك: كانوا يغرقون ~~من جانب ويحرقون من جانب وهكذا حال من مات من المجرمين في ماء أو في نار أو ~~في جوف سبع أصابه ما يصيب المقبور من العذاب العقلي وهو ظاهر، والعذاب ~~الجسمي وهو غير بعيد في قدرة الله تعالى. وتنكير النار للتعظيم أو لأنها ~~نوع من النار مختص بهم. وفي قوله فلم يجدوا تهكم بهم وبآلهتم قوله وقال ~~معطوف على مثله ولهذا دخل العاطف كأنه جمع نوح بين ذلك القول وبين هذا. ~~وإنما وقع مما خطيئاتهم إلى الآية اعتراضا في البين تنبيها على أن خطيئاتهم ~~هي المذكورات في الآية المتقدمة من عصيان رسول الله واتباع غيره. والمكر ~~الكبار والحث على التقليد والإشراك بالله خصوصا الأصنام الخمسة ديارا من ~~الأسماء المستعملة في النفي العام. يقال: ما بالدار ديار وهو «فيعال» من ~~الدور أو من الدار أي نازل دار قاله ابن قتيبة. فعل به ما فعل بنحو أيام لو ~~كان فعالا لقيل دوارا، قوله إنك إن تذرهم إلى آخره. قال العلماء: عرف ذلك ~~أيام لو كان فعالا لقيل دوارا، قوله إنك إن تذرهم إلى آخره. قال العلماء: ~~عرف ذلك بالوحي كما قال أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [هود: 36] ~~وبالتجربة في المدة إليه حالهم واتفق الجمهور على أن صبيانهم لم يغرقوا على ~~وجه العذاب. قال الحسن: علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب ولكن كما يموت ~~أكثر الناس بآجال اختراعية، ومنه # PageV06P365 # الحديث «يهلكون مهلكا واحدا يصدرون مصادر شتى» «1» # ومن روى أن الله سبحانه أعقم أرحام نسائهم أربعين أو سبعين سنة فلا ~~إشكال. ثم إن نوحا كأنه تنبه أن دعاءه عليهم كان بسبب الانتقام وبعض حظ ~~النفس فاستغفر الله من ترك الأولى، ثم عقبه بذكر والديه. وكان اسم أبيه لمك ~~بن متوشلخ. واسم أمه شمخا بنت أنوش. قال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم عليه ~~السلام من آبائه كافر وكان بينه وبين أدم عشرة آباء. وقيل: أراد بالوالدين ~~آدم وحواء ولمن دخل بيتي أي منزلي. ms4474 وقيل: مسجدي. وقيل: سفينتي. وقيل: ديني. ~~وعلى هذا يكون قوله مؤمنا احترازا من المنافق أي دخولا مع تصديق القلب، ثم ~~عمم دعاء الخير للمؤمنين والمؤمنات ودعاء الشر لأهل الظلم والشرك إلى يوم ~~القيامة. والتبار الهلاك ويجوز أن يريد بالظالمين قومه فقط والله أعلم. ~~PageV06P366 ### | (سورة الجن) # (مكية حروفها سبعمائة وتسعة وخمسون كلماتها مائتان وخمس وثمانون آياتها ~~ثمان وعشرون) ### | [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 28] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي ~~إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) # وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) ~~وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9) # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك ~~تحروا رشدا (14) # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ~~(17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) # قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (20) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا ~~بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا (23) حتى إذا رأوا ms4475 ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) # قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل ~~شيء عددا (28) ### | القراآت # وأنه تعالى إلى قوله وأنا منا المسلمون بالفتح: يزيد وابن عامر وحمزة # PageV06P367 # وعلي وخلف وحفص. والمشهور عن أبي جعفر أنه كان يفتح الألف في سبعة مواضع ~~أنه وأنه في خمسة مواضع، واثنين في قوله وأن لو استقاموا وأن المساجد وهما ~~بالفتح لا غير بالإتفاق. تقول الإنس بالتشديد من التفعل: يعقوب يسلكه على ~~الغيبة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب. الباقون: بالنون وإنه لما قام ~~بالكسر: نافع وأبو بكر وحماد لبدا بالضم: هشام. قل إنما أدعوا على الأمر: ~~عاصم وحمزة ويزيد الآخرون قال على صيغة الماضي والضمير لعبد الله ربي أمدا ~~بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ليعلم مبنيا للمفعول: ~~يعقوب. ### | الوقوف: # عجبا ه لا فآمنا به ط للعدول عن الماضي المثبت إلى ضدهما. ثم الوقف على ~~الآيات التي بعد أن جائز ضرورة انقطاع النفس والوقف في قراءة الكسر أجوز ~~أحدا ه ولا ولدا ه شططا ه لا رهقا ه أحدا ه وشهبا ه للسمع ط رصدا ه رشدا ه ~~ذلك ط قددا ه هربا ه آمنا به ط رهقا ه ومنا القاسطون ه ط للابتداء بالشرط ~~رشدا ه طبا # ه لا غدقا ه لا فيه ج صعدا ه أحدا ه لمن قرأ وأنه بالفتح لبدا ه أحدا ه ~~رشدا ه ملتحدا ه ورسالاته ط أبدا ه لا لأن حتى للابتداء بما بعدها عددا ه ~~لا أمدا ه أحدا ه لا رصدا ه عددا ه. ### | التفسير: # روى يونس وهرون عن أبي عمرو وحي بضم الواو من غير ألف. # والوحي والإيحاء بمعنى وهو إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء وسرعة ~~كالإلهام وإنزال الملك وقد مر مرارا. ms4476 وقرىء أحي بقلب الواو همزة. والكلام ~~في الجن اسما وحقيقته قد سلف في الاستعاذة وكذا بيان اختلاف الروايات أنه ~~صلى الله عليه وسلم هل رأى الجن أم لا، وذلك في آخر سورة «حم الأحقاف» . ~~والذي أزيده هاهنا ما ذكره بعض حكماء الإسلام أنه لا يبعد أن تكون الجن ~~أرواحا مجردة كالنفوس الناطقة، ثم يكون لكل واحد منهم تعلق بجزء من أجزاء ~~الهواء كما أن أول متعلق النفس الناطقة هو الروح الحيواني في القلب، ثم ~~بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل التدبير والتصرف فيه كما ~~للنفس الناطقة في البدن، ومنهم من جوز أن يكون الجن عبارة عن النفوس ~~الناطقة التي فارقت أبدان الإنسان فتتصرف فيما يناسبها من الأرواح البشرية ~~التي لم تفارق بعد فتعينها بالإلهام إن كانت خيرة، وبالوسوسة إن كانت ~~بالضد. أما الذاهبون إلى أن الجن أجسام فمنهم الأشاعرة القائلون بأن البنية ~~ليست شرطا في الحياة وأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما ~~بأمور كثيرة وقدرة على أعمال شاقة، فعند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن ~~سواء كانت # PageV06P368 # أجسامهم لطيفة أو كثيفة وسواء كانت أجزاؤهم صغارا أو كبارا. ثم الأمر ~~بالخروج إليهم وقراءة القرآن عليهم لا أنه رآهم وعرف جوابهم. والله تعالى ~~أوحى في هذه السورة. ومنهم من قال: البنية شرط وأنه لا بد من صلابة في ~~البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة. # ومن الأولين من جوز أن يكون المرئي حاضرا والشرائط حاصلة والموانع ~~مرتفعة، ثم أنا لا نراه. وأعلم أن ما ذكرنا في تفسير الأحقاف عن ابن عباس ~~أنه صلى الله عليه وسلم ما رأى الجن. وعن ابن مسعود أنه رآهم. فالجمع بين ~~القولين أن ما ذكره ابن عباس لعله وقع أولا فأوحى الله إليه في هذه السورة ~~أنهم قالوا كذا وكذا، أو رآهم وسمع كلامهم وآمنوا به، ثم رجعوا إلى قومهم ~~وذكروا لقومهم على سبيل الحكاية إنا سمعنا قرآنا عجبا إلى آخره كقوله في ~~«الأحقاف» فلما قضي ولوا إلى قومهم ms4477 منذرين [الآية: 29] أوحى الله تعالى إلى ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما جرى بينهم وبين قومهم. والفائدة فيه أن ~~يعلم أنه مبعوث إلى الثقلين وأن الجن مكلفون كالأنس وأنهم يسمعون كلامنا ~~ويفهمون لغاتنا، وأن المؤمن منهم يدعو سائرهم إلى الإيمان. وأجمع القراء ~~على فتح أنه استمع لأنه فاعل أوحي وكذا على فتح وأن لو استقاموا وأن ~~المساجد لأنه يعلم بالوحي فهما معطوفان على أنه استمع وأجمعوا على كسر إنا ~~في قوله إنا سمعنا لأنه وقع بعد القول. وفي البواقي خلاف، فمن كسر فمحمول ~~على مقول القول وأنه صريح من كلام الجن، ومن فتح فعلى أنه فاعل أوحي ولا بد ~~من تقدير ما في الحكاية ليكون حكاية كلام الجن كأنه قيل: وحكوا أنه تعالى ~~جد ربنا إلى آخره إلا في قوله وأنه لما قام عبد الله فإنه كاللذين تقدماه ~~يصح وقوعه فاعل أوحي من غير تقدير، وجوز صاحب الكشاف فيمن قرأ بفتح الكل في ~~قوله وأنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول سفيهنا وكذلك البواقي أن يكون معناه ~~صدقنا. # قلت: وفيه نظر لنبوه عن الطبع في أكثر المواضع إذ لا معنى لقول القائل ~~مثلا: صدقنا أنا لمسنا السماء وصدقنا أنا لما سمعنا الهدى آمنا به. ~~وبالجملة فكلامه في هذا المقام غير واضح ولا لائق بفضله. قوله سبحانه عجبا ~~مصدر وضع موضع الوصف للمبالغة أي قرآنا عجبا بديعا خارجا عن حد أشكاله بحسن ~~مبانيه وصحة معانيه يهدي إلى الرشد أي الصواب أو التوحيد والإيمان فآمنا به ~~لأن الإيمان بالقرآن إيمان بكل ما فيه من التوحيد والنبوة والمعاد، ويجوز ~~أن يكون الضمير لله لأن قوله ولن نشرك بربنا يدل عليه بعد دلالة الحال ولن ~~نعود إلى ما كنا عليه من الشرك. ذكر الحسن أن فيهم يهود ونصارى ومجوسا ~~ومشركين. قلت: ومما يدل على أن فيهم نصارى قوله تعالى وأنه تعالى جد ربنا ~~أي عظمته مكن قولهم «جد فلان في عيني» أي عظم. وفي حديث عمر كان الرجل منا ~~إذا # PageV06P369 # قرأ البقرة وآل ms4478 عمران جد فينا. ويحتمل أن يراد ملكه وسلطانه أو غناه ~~استعارة من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون. # وفي الحديث «لا ينفع ذا الجد منك الجد» «1» # قال أبو عبيدة: لا ينفع ذا الغنى منك غناه. # وفي حديث آخر «قمت على باب الجنة فإذا غلقه من يدخلها من الفقراء وإذا ~~أصحاب الجد محبوسون» «2» # يعني أصحاب الغنى في الدنيا أي ارتفع غنى ربنا عن الاحتياج إلى الصاحبة ~~والاستئناس بالولد كأنهم بسماع القرآن تنبهوا على خطا أهل الشرك من أهل ~~الكتاب وغيرهم. فقوله ما اتخذ بيان للأول. # وقيل: الجد أبو الأب وإن علا فهو مجاز عن الأصل أي تعالى أصل ربنا وهو ~~حقيقته المخصوصة عن جميع جهات التعلق بالغير قاله الإمام في التفسير ~~الكبير. النوع الثالث مما ذكره الجن قوله وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا السفه خفة العقل، والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره ومنه أشط في ~~السوم إذا أبعد فيه أي يقول قولا هو في نفسه شطط، وصف بالمصدر للمبالغة. ~~والسفيه إبليس أو غيره من مردة الجن الذين جاوزوا الحد في طرف النفي إلى أن ~~أفضى إلى التعطيل، أو في طرف الإثبات إلى أن أدى إلى الشريك والصاحبة ~~والولد. الرابع وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا أي إنما ~~أخذنا قول الغير لأنا ظننا أن لا يفتري الكذب على الله أحد، فلما سمعنا ~~القرآن عرفنا أنهم قد يكذبون. وقال جار الله كذبا صفة أي قولا مكذوبا فيه، ~~أو مصدر لأن الكذب نوع من القول. ومن قرأ بالتشديد وضع كذبا موضع تقولا ولم ~~يجعله صفة لأن التقول لا يكون إلا كذبا. قال بعض العلماء: فيه ذم لطريقة ~~أهل الطريق وحث على الاستدلال والنظر. # الخامس وأنه كان رجال من الإنس الآية. قال جمهور المفسرين: كان الرجل في ~~الجاهلية إذا سافر فأمسى في واد قفر خاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من سفهاء قومه يريد الجن وكبيرهم فيبيت في جوار منهم حتى يصبح. وقال ms4479 ~~آخرون: إذا قحطوا بعثوا رائدهم فإذا وجد مكانا فيه كلأ وماء رجع إلى أهله ~~فسار بهم، فإذا انتهوا إلى تلك الأرض نادوا نعوذ برب هذا الوادي أن يصيبنا ~~آفة يعنون الجن فإن لم يفزعهم أحد نزلوا وربما أفزعهم الجن فهربوا. وقيل: ~~المراد أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الإنس أيضا لكن من شر الجن ~~كأن يقول مثلا: أعوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم من شر جن هذا الوادي. ~~وإنما ذهبوا إلى هذا التأويل ظنا منهم بأن الرجل اسم الإنس لا اسم الجن، ~~وضعف بأنه لم يقم دليل PageV06P370 # على أن الذكر من الجن لا يسمى رجلا. أما قوله فزادوهم رهقا فمعناه أن ~~الإنس لاستعاذتهم بهم زادوهم إثما وجراءة وطغيانا وكبرا لأنهم إذا سمعوا ~~بذلك استكبروا وقالوا: # سدنا الجن والإنس. وقيل: ضمير الفاعل للجن أي فزاد الجن الإنس خوفا ~~وغشيان شر باغوائهم وإضلالهم فإنهم لما تعوذوا بهم ولم يتعوذوا بالله ~~استولوا واجترءوا عليهم. السادس وأنهم أي الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن ~~قاله بعضهم لبعض. وقيل: هذه الآية والتي قبلها من جملة الوحي بلا تقدير ~~الحكاية. والضمير في وأنهم للجن، والخطاب في ظننتم لأهل مكة. والأولى أن ~~يكون الكلام من كلام الجن لئلا يقع كلام أجنبي في البين. السابع وأنا لمسنا ~~السماء قال أهل البيان: اللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب التعرف، ~~والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. والحرس اسم مفرد في معنى ~~الحراس كالخدم بمعنى الخدام ولها لم يقل شداد. الثامن وأنا كنا نقعد منها ~~مقاعد إلى آخره وفي قوله شهابا رصدا وجوه: قال مقاتل: يعني رميا بالشهب ~~ورصدا من الملائكة وهو اسم جمع كما قلنا في حرس. فقوله رصدا كالخبر بعد ~~الخبر وقال الفراء: هو فعل بمعنى مفعول أي شهابا قد رصد ليرجم به. وقيل: ~~بمعنى فاعل أي شهابا راصدا لأجله. واعلم أنا قد بينا في هذا الكتاب أن هذه ~~الشهب كانت موجودة قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء ذكرها في ~~الجاهلية ms4480 وفي كتب الفلاسفة، وإنما غلظت وشدد أمرها عند البعث لئلا يتشوش ~~أمر الوحي بسبب تخليط الكهنة. وفي قوله كنا نقعد منها مقاعد إشارة إلى أن ~~الجن كانوا يجدون بعض المقاعد خالية عن الشهب والحرس والآن ملئت المقاعد ~~كلها. التاسع وأنا لا ندري الآية. وفيه قولان: أحدهما لا ندري أن المقصود ~~من منع الاستراق شر أريد بمن في الأرض أم خير وصلاح. وثانيهما لا نعلم أن ~~المقصود من إرسال محمد الذي وقع المنع من الاستراق لأجله هو أن يكذبوه ~~فيهلكوا كما هلك المكذبون من الأمم السالفة، أو أن يؤمنوا فيهتدوا، وفيه ~~اعتراف من الجن بأنهم لا يعلمون الغيب على الإطلاق. العاشر وأنا منا ~~الصالحون ومنا دون ذلك أي قوم أدون حالا في الصلاح من المذكورين حذف ~~الموصوف واكتفى بالصفة كما في قوله وما منا إلا له مقام معلوم [الصافات: ~~164] وهذا القسم يشمل المقتصدين والصالحين. وقوله كنا طرائق قددا بيان ~~للقسمة المذكورة، فالطرائق جمع الطريقة بمعنى السيرة والمذهب، والقدد جمع ~~قدة من قد كالقطعة من قطع أي كنا قبل الإسلام ذوي مذاهب متفرقة مختلفة أو ~~على حذف المضاف أي كانت طرائقنا طرائق قدد، أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل ~~الطرائق المختلفة. # الحادي عشر وأنا ظننا أي تيقنا وقد استعمل الظن الغالب مكان اليقين أن لن ~~نعجز الله في الأرض # PageV06P371 # إن أراد بنا أمر ولن نعجزه هربا أي هاربين أو بسبب الهرب إن طلبنا وفيه ~~إقرار منهم بأن الله غالب على كل شيء. الثاني عشر وأنا لما سمعنا الهدى ~~الآية. عنوا سماعهم القرآن وإيمانهم به. وقوله فلا يخاف في تقدير مبتدأ أو ~~خبر أي فهو لا يخاف وإلا قيل بالجزم وبدون الفاء، والفائدة في هذا المساق ~~تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة كأنه وقع فأخبر أنه لا يخاف ودلالة على أنه ~~هو المختص بذلك دون غيره إذ يعلم من بناء الكلام على الضمير أن غيره خائف. ~~وقوله بخسا ولا رهقا على حذف المضاف أي جزاء بخس ولا رهق لأنه لم يبخس أحدا ~~حقا ms4481 ولا رهق ظلم أحد، وفيه أن المؤمن ينبغي أن يكون غير باخس ولا ظالما. ~~ويجوز أن يراد لا يخاف البخس من الله لأنه يجزي الجزاء الأحسن الأوفر ولا ~~ترهقه ذلة. الثالث عشر وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون أي الجائرون عن ~~طريق الحق بالكفر والعدوان وهو قريب من العاشر إلا أن في هذا النوع تفصيل ~~جزاء الفريقين فذكر الإيعاد صريحا وفي الوعد اقتصر على ذكر سببه وهو تحري ~~الرشد أي طلب الصواب المستتبع للثواب. قال المبرد: أصل التحري من قولهم ذلك ~~أحرى وأحق وأقرب. وقال أبو عبيدة: تحروا توخوا. وفي العدول عن الحقيقة إلى ~~المجاز في جانب الوعد بشارة وإشارة إلى تحقيق الثواب لما عرفت مرارا أن ~~المجاز أبلغ من الحقيقة. قوله وأن لو استقاموا معطوف على أنه استمع كما مر ~~ومعناه أوحى إلي أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى. وجوز ~~جمع من المفسرين أن يعود الضمير في استقاموا إلى الأنس لأن الترغيب في ~~الانتفاع بالماء الغدق إنما يليق بهم لا بالجن، ولأن الآية روي أنها نزلت ~~بعد ما حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين. وزعم القاضي أن الثقلين يدخلون ~~في الآية لأنه أثبت حكما معللا بعلة وهو الاستقامة فوجب أن يعم الحكم بعموم ~~العلة. وأما قول من يقول إن الضمير عائد إلى الجن فله معنيان: أحدهما لو ~~ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله ولم يستكبر عن السجود لآدم ~~وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير كناية ~~عن طيب العيش وكثرة المنافع لأنه أصل البركات، فتكون الآية نظير قوله ولو ~~أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم [المائدة: 65] وثانيهما لو استقام ~~الجن الذين استمعوا القرآن على طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ~~ينتقلوا عنها إلى الإسلام لو سعنا عليهم الرزق في الدنيا ليذهبوا بطيباتهم ~~في الحياة الفانية ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا [الزخرف: 33] إلى ~~آخره. وأما الذين قالوا: الضمير عائد إلى الإنس فالوجهان جاريان فيه ms4482 ~~بعينهما. وعن أبي مسلم: إن المراد بالماء الغدق جنات تجري من تحتها الأنهار ~~يعني في الجنة. واحتجاج الأشاعرة بقوله # PageV06P372 # لنفتنهم على أنه سبحانه هو الذي يضل عباده ويوقعهم في الفتن والمحن. ~~والمعتزلة أجابوا بأن الفتنة هنا بمعنى الاختبار كقوله ليبلوكم [الملك: 2] ~~ثم بين وعيد المعرضين عن عبادة الله ووحيه. وانتصب عذابا صعدا على حذف ~~الجار أي في عذاب صعد كقوله ما سلككم في سقر [المدثر: 42] أو على تضمين ~~معنى الإدخال. والصعد مصدر بمعنى الصعود، ووصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب ~~أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أن صعدا جبل في جهنم ~~من صخرة ملساء يكلف الكافر صعودها ثم يجذب من أمامه بسلاسل ويضرب من خلفه ~~بمقامع حتى يبلغ أعلاها في أربعين سنة، وإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم ~~يكلف الصعود مرة أخرى، وهكذا أبدا ومن جملة الوحي قوله وأن المساجد لله ذهب ~~الخليل إلى أن الجار محذوف ومتعلقه ما بعده أي ولأجل أن المساجد لله خاصة ~~فلا تدعوا مع الله أحدا فيها عن الحسن عني بالمساجد الأرض كلها لأنها جعلت ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا وهو مناسب لمدح النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذا المقام أي كما أنه مفضل على الأنبياء ببعثه إلى الثقلين فكذلك خص ~~بهذا المعجز الآخر. وقال جمع كثير من المفسرين: إنها كل موضع بني للصلاة # ويشمل مساجدنا والبيع والكنائس أيضا. قال قتادة: # كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم أشركوا بالله فأمرنا ~~بالإخلاص والتوحيد. # وعن الحسن أيضا أن المساجد جمع مسجد بالفتح فيكون مصدرا بمعنى السجود. ~~وعلى هذا قال سعيد بن جبير: المضاف محذوف أي مواضع السجود من الجسد لله وهي ~~الآراب السبعة: الوجه والكفان والركبتان والقدمان. وقال عطاء عن ابن عباس: ~~هي مكة بجميع ما فيها من المساجد، وأنها قبة الدنيا فكل أحد يسجد إليها. ~~قال الحسن: من السنة أن الرجل إذا دخل المسجد أن يقول «لا إله إلا الله» ~~لأن قوله فلا تدعوا مع الله أحدا ms4483 في ضمنه أمر بذكر الله بدعائه. قوله وأنه ~~لما قام عبد الله هو النبي باتفاق المفسرين. ثم قال الواحدي: # هذا من كلام الجن لأن الرسول لا يليق به أن يحكي عن نفسه بلفظ المغايبة. ~~ولا يخفى ضعفه فإنه وارد على طريق التواضع والأدب في الافتخار بالانتساب ~~إلى عبودية المعبود الحق، وهذا طريق مسلوك في المحاورات والمكاتبات. ~~يقولون: عبدك كذا وكذا دون أن يقال «فعلت كذا» . وفي تخصيص هذا اللفظ ~~بالمقام دون الرسول والنبي نكتة أخرى لطيفة هي أن ما قبله النهي عن عبادة ~~غير الله وما بعده ذكر عبادة النبي إياه. فإن كان هذا من جملة الوحي فلا ~~إشكال في النسق، وإن كان من كلام الجن وفرض أن ما قبل قوله وأن لو استقاموا ~~أيضا من كلامهم كانت الآيتان المتوسطتان كالاعتراض بين طائفتي كلام الجن. # ومناسبة الاستقامة على الطريقة وتخصيص المساجد بعبادة الله وحده لما ~~قبلها ظاهرة فلا # PageV06P373 # اعتراض على هذا الاعتراض. وفي قوله كادوا ثلاثة أوجه أظهرها أن الضمير ~~للجن، والقيام قيام النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الفجر بنخلة حين أتاه ~~الجن فاستمعوا لقراءته متزاحمين عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته ~~واقتداء أصحابه. والثاني أن الضمير للمشركين والمعنى لما قام رسولا يعبد ~~الله وحده مخالفا للمشركين كاد المشركون لتظاهرهم عليه يزدحمون على عداوته ~~ودفعه. والثالث قول قتادة أي لما قام عبد الله تلبدت الإنس والجن وتظاهروا ~~عليه ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره. ولبدا جمع لبدة وهي ما ~~تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد. والتركيب يدور على الاجتماع ومنه اللبد. ~~ومن قرأ قل إنما أدعوا فظاهر وهو أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقول لأمته المتظاهرين أو للجن هذا الكلام. ومن قرأ على المضي ~~فإخبار من الله تعالى أن نبيه صلى الله عليه وسلم قال للمتظاهرين أو للجن ~~عند ازدحامهم: ليس ما ترون من عبادتي ربي بأمر بديع وإنما يتعجب ممن يدعو ~~غير الله وجوز في الكشاف أن يكون هذا ms4484 من كلام الجن لقومهم حكاية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ثم أمر أن يخبر أمته بكلمات قاطعة للأسباب ~~والوسائل سوى الإيمان والعمل الصالح. والرشد بمعنى النفع، والضر بمعنى ~~الغي، وكل منهما إمارة على ضده. ثم من هاهنا إلى قوله إلا بلاغا اعتراض أكد ~~به نفي الاستطاعة وإثبات العجز على معنى أن الله إن أراد به سوأ لن يخلصه ~~منه أحد ولن يجد من غير الله ملاذا ينحرف إليه. والمقصود أني لا أملك شيئا ~~إلا البلاغ الكائن من الله ورسالاته، فالجار صفة لا صلة لأن التبليغ إنما ~~يعدى ب «عن» # قال صلى الله عليه وسلم «بلغوا عني ولو آية» # قال الزجاج: انتصب بلاغا على البدل أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ ~~عنه ما أرسلني به. قلت: على هذا جاز أن يكون استثناء منقطعا. وقيل: أن لا ~~أبلغ بلاغا لم أجد ملتحدا كقولك «أن لا قياما فقعودا» . استدل جمهور ~~المعتزلة بقوله ومن يعص الله الآية. # على أن الفساق من أهل القبلة مخلدون في النار، ولا يمكن حمل الخلود على ~~المكث الطويل لاقترانه بقوله أبدا وأجيب بأن الحديث في التبليغ عن الله فلم ~~لا يجوز أن تكون هذه القرينة مخصصة؟ أي ومن يعص الله في تبليغ رسالته وأداء ~~وحيه، ومما يقوي هذه القرينة أن سائر عمومات الوعيد لم يقرن بها لفظ أبدا ~~فلا بد لتخصيص المقام بها من فائدة وما هي إلا أن التقصير في التبليغ أعظم ~~الذنوب. وقد يجاب أيضا بأن قوله ومن يعص الله لا يحتمل أن يجري على عمومه ~~كأن يراد ومن يعص الله بجميع أنواع المعاصي. # فمن المحال أن يقول شخص واحد بالتجسيم وبالتعطيل، وإذا صار هذا العام ~~مخصصا بدليل العقل فلم لا يجوز أن يتطرق إليه تخصيص آخر كأن يقال: ومن يعص ~~الله بالكفر. # وحينئذ لا يبقى للخصم شبهة بل نقول: لا حاجة إلى التزام تخصيص آخر، فإن ~~الآتي بالكفر # PageV06P374 # آت بجميع المعاصي الممكنة الجمع. قال جار الله: حتى إذا متعلق بقوله ~~يكونون ms4485 عليه لبدا أي يتظاهرون عليه بالعداوة إلى يوم بدر أو إلى يوم ~~القيامة حين يعلم يقينا أن الكافر أضعف الفريقين. وجوز أن يتعلق بمحذوف دلت ~~عليه الحال من استضعاف الكفار واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما ~~هم عليه حتى إذا رأوا. ثم أمره بأن يفوض علم تعيين الساعة إلى الله لأنه ~~عالم الغيب ومن رسول بيان لمن ارتضى وفيه أن الإنسان المرتضى للنبوة قد ~~يطلعه الله تعالى على بعض غيوبه، وعلم الكهنة والمنجمين ظن وتخمين فلا يدخل ~~فيه، وعلم الأولياء إلهامي لا يقوى قوة علم الأنبياء كنور القمر بالنسبة ~~إلى ضياء الشمس. وهاهنا أسرار لا أحب إظهارها فلنرجع إلى التفسير. قوله ~~فإنه يسلك الأكثرون على أن الضمير لله سبحانه. وسلك بمعنى أسلك. رصدا مفعول ~~أي يدخل الله من أمام المرتضى وورائه حفظة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا ~~بصورة الملك. وفي الكلام إضمار التقدير. إلا من ارتضى من رسول فإنه يطلعه ~~على غيبه بطريق الوحي ثم يسلك. وقيل: الضمير للمرتضى وسلك بمعنى سار وفاعله ~~الملائكة ورصدا حال. قال في الكواشي: ثم بين غاية الإظهار والسلك فقال ~~ليعلم أي ليظهر معلوم الله كما هو الواقع من غير زيادة ولا نقص، ومثل هذا ~~التركيب قد مر مرارا. قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن قد أبلغ جبرائيل ~~ومن معه من الملائكة الوحي بلا تحريف وتغيير. وقوله من بين يديه مع قوله أن ~~قد أبلغوا كقوله فإن له نار جهنم خالدين من الحمل على اللفظ تارة وعلى ~~المعنى أخرى. ثم ما ذكرنا وهو أن المراد بالعلم هو الظهور بقوله وأحاط بما ~~لديهم من الحكم والشرائع أي وقد أحاط قبل به. ثم عمم العلم فقال وأحصى كل ~~شيء من ورق الأشجار وزبد البحار وقطر الأمطار. وعددا مصدر في معنى الإحصاء ~~أو حال أي ضبط كل شيء معدودا محصورا أو تمييز والله أعلم. # PageV06P375 ### | (سورة المزمل) # (مكية غير آية إن ربك حروفها ثمانمائة وثمانية وثمانون كلماتها مائتان ~~وثمان وخمسون آياتها عشرون) ### | [سورة المزمل (73) : الآيات 1 ms4486 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا ~~(6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) ~~رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) # واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) # إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) ~~فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل ~~الولدان شيبا (17) السماء منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه سبيلا (19) # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20) ### | القراآت: # أو انقص بكسر الواو للساكنين: حمزة وعاصم وسهل. الآخرون: بضمها للإتباع ~~ناشية بالياء: يزيد والشموني والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون. # بالهمزة وطأ بكسر الواو وسكون الطاء: ابن عامر وأبو عمرو. الآخرون: بالمد ~~مصدر واطأت مواطأة ووطاء رب المشرق بالخفض على البدل من ربك ابن عامر ~~ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: بالرفع على المدح ~~أي هورب. ونصفه وثلثه بالنصب فيهما: عاصم وحمزة وعلى وابن كثير وخلف. ### | الوقوف # المزمل ه لا إلا قليلا ه لا قليلا ه لا ترتيلا ه ثقيلا ه # PageV06P376 # قيلا ه ط طويلا ه ط تبتيلا ه ms4487 ط بالخفض لا يقف وكيلا ه جميلا ه م قليلا ه ~~وجحيما ه لا أليما ه وقد قيل يوصل بناء على أن يوم ظرف لدينا والوقف أجوز ~~لأن ثبوت إلا نكال لا يختص بذلك اليوم بل المراد ذكر يوم كذا أو يوم كذا ~~ترون ما ترون. مهيلا ه رسولا ه وبيلا ه شيبا ه لا بناء على أن ما بعده صفة ~~يوما به ط مفعولا ه تذكرة ج للشرط مع الفاء سبيلا ه معك ط والنهار ه القرآن ~~ط مرضى لا للعطف من فضل الله لا لذلك في سبيل الله ج لطول الكلام والوصل ~~أولى للتكرار فاقرؤا ه منه لا للعطف حسنا ط أجرا ط لاختلاف الجملتين الله ط ~~رحيم ه ### | التفسير: # المزمل أصله المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، فأدغم التاء في ~~الزاء ونحوه المدثر في المثر والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بالإتفاق ~~إلا أنهم اختلفوا في سببه. # فعن ابن عباس: أول ما جاءه جبرائيل عليه السلام خافه فظن أن به مسا من ~~الجن فرجع من الجبل مرتعدا وقال: زملوني فبينا هو كذلك إذ جاءه الملك ~~وناداه يا أيها المزمل # فهذه السورة على هذا القول من أوائل ما نزل من القرآن # قال الكلبي: إنما تزمل النبي صلى الله عليه وسلم بثيابه ليتهيأ للصلاة ~~فأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه. # ومثله # عن عائشة وقد سئلت عن تزمله فقالت: إنه صلى الله عليه وسلم كان تزمل مرطا ~~سداه شعر ولحمته وبر طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علي وأنا نائمة ونصفه عليه ~~وهو يصلي. # وقيل: أنه صلى الله عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا في قطيفة فنودي ~~بما يهجن تلك الحالة لأنها فعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن فأمر بأن ~~يختار على الهجود التهجد وعلى التزمل الموجب للاستثقال في النوم التشمر ~~للعبادة، # وقال عكرمة: اشتقاقه من الزمل الحمل ومنه أزدمله أي احتمله، والمعنى يا ~~أيها الذي احتمل أمرا عظيما يريد أعباء النبوة ويناسبه التكليف بعده ms4488 بقيام ~~الليل. قال ابن عباس: إنه كان فريضة عليه بناء على ظاهر الأمر ثم نسخ. ~~وقيل: كان واجبا عليه وعلى أمته في صدر الإسلام فكانوا على ذلك سنة أو عشر ~~سنين، ثم نسخ بالصلوات الخمس، قال جار الله: قوله نصفه بدل من الليل وإلا ~~قليلا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف الليل أو انقص من النصف ~~قليلا أو زد على النصف، خيره بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على ~~البت، وبين أن يختار أحد الأمرين: النقصان من النصف أو الزيادة عليه. وإن ~~شئت جعلت نصفه بدلا من قليلا لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل، ولأن الواجب ~~إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن العهدة إلا بزيادة شيء فيصير الواجب ~~بالحقيقة نصفا فشيئا فيكون الباقي أقل منه، فكان تخييرا بين ثلاث بين قيام ~~النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد # PageV06P377 # عليه، فلك أن تقول: على تقدير إبدال النصف من الليل إن الضمير في منه ~~وعليه راجع إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل أو قم أنقص ~~القليل أو أزيد منه قليلا فيكون التخيير فيما وراء النصف إلى الثلث مثلا، ~~وإن شئت على تقدير إبدال النصف من قليلا جعلت قليلا الثاني بمعنى نصف النصف ~~وهو الربع كأنه قال: أو انقص منه قليلا نصفه ويجعل المزيد على هذا القليل ~~أعني الربع كأنه قيل: أو زد عليه أي على الربع قليلا نصفه وهو الثمن فيكون ~~تخييرا بين النصف وحده والربع والثمن معا والربع وحده، هذا حاصل كلامه مع ~~بعض الإيضاح. وأما في التفسير الكبير فقد اختار أن المراد بقوله قليلا ~~الثلث لقوله تعالى في السورة إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه وطائفة ففيه دليل على أن أكثر المقادير الواجبة كان الثلثين ~~إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما يتفق له خطأ بالاجتهاد أو النوم ~~فينقص شيء منه إلى النصف أو إلى الثلث على قراءة الخفض. ms4489 وليس هذا مما يقدح ~~في العصمة لعسر هذا الضبط على البشر ولا سيما عند اشتغاله بالنوم ولذلك قال ~~علم أن لن تحصوه فيصير تقدير الآية. قم الثلثين ثم نصف الليل. أو انقص من ~~النصف، أو زد عليه. والغرض التوسعة وأن أكثر الفرض هو الثلثان وأقله الثلث ~~ليكون النقصان من النصف بقدر الزيادة. عن الكلبي قال: كان الرجل يقوم حتى ~~يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين. ثم علم أدب القراءة ~~فقال ورتل القرآن ترتيلا وهو قراءة على تأن وتثبت ولا تحصل إلا بتبيين ~~الحروف وإشباع الحركات ومنه «ثغر مرتل» إذا كان بين الثنايا افتراق ليس ~~بالكثير، ومنه قال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رتل حسن التنضيد كنور ~~الأقحوان. سئلت عائشة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا كسر ~~دكم. هذا لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها. وفي قوله ترتيلا زيادة تأكيد ~~في الإيجاب وأنه لا بد للقاريء منه لتقع قراءته عن حضور القلب وذكر المعاني ~~فلا يكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة وعدم شعور. حين أمره بقيام ~~الليل وبتدبر القرآن فيه وعده بقوله إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا كأنه قال: ~~صير نفسك بأنوار العبادة والتلاوة مستعدة لقبول الفيض الأعظم وهو القرآن ~~وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة على نفوس البشر. وقيل: ~~ثقله أنه كان إذا نزل عليه الوحي تربد جلده وارفض جبينه عرقا. ومنه قيل ~~«برحاء الوحي» . وقال الحسن: أراد ثقله في الميزان وقال أبو علي الفارسي: ~~ثقيل على المنافقين من حيث إنه يهتك أستارهم وقال الفراء: كلام له وزن ~~وموقع لأنه حكمة وبيان ليس بالسفساف وما لا يعبأ به. وقيل: باق على وجه ~~الدهر لأن الثقيل من شأنه أن لا يزول عن حيزه. وقيل: يثقل إدراك معانيه ~~وإحضارها. والفرق بين أقسامها من # PageV06P378 # المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤل. # ثم عاد إلى حكمة الأمر بقيام الليل فقال إن ناشئة الليل فيها قولان: ~~أحدهما أنها ساعات الليل إما كلها ms4490 لأنها تنشأ أي تحدث واحدة بعد أخرى، وإما ~~الساعات الأول ما بين المغرب والعشاء وهو قول زين العابدين وسعيد بن جبير ~~والضحاك والكسائي وذلك أنها مبادئ نشوء الليل. والثاني أنها عبارة عن ~~الأمور التي تحدث في الليل. وعلى هذا اختلفوا فمنهم من قال: هي النفس ~~الناشئة بالليل أي التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض وترتفع من نشأت ~~السحابة إذا ارتفعت. ومنهم من قال: هي مصدر كالعاقبة أي قيام الليل. # ولا بد من سبق النوم لما روي عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أول ~~الليل أتقولين له قام ناشئة الليل؟ قالت: لا إنما الناشئة القيام بعد ~~النوم. وقد فسرها بعض أهل المعنى بالواردات الروحانية والخواطر النورانية ~~والانفعالات النفسانية للإبتهاج بعالم القدس وفراغ النفس من الشواغل الحسية ~~التي تكون بالنهار. الوطاء والمواطأة الموافقة. قال الحسن: # يعني النفس أشد موافقة بين السر والعلانية أو القلب أو اللسان لانقطاع ~~رؤية الخلائق، أو يواطيء فيها قلب القائم لسانه، إن أردت الساعات، أو ~~القيام. ومن قرأ وطأ بغير فالمعنى أشد ثبات قدم وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ ~~على المصلي من صلاة النهار ومنه قوله «اللهم أشدد وطأتك على مضر» وأقوم ~~قيلا وأشد مقالا وأثبت قراءة لهدو الأصوات وسكون الحركات فلا يكون بين ~~القراءة وبين تفهم معانيها حائل ولا مشوش. قال في الكشاف: عن أنس إنه قرأ و ~~«أصوب قيلا» فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي أقوم فقال: إنهما واحد. قال ابن ~~جني: وهذا يدل على أن القوم كانوا يعتبرون المعاني ولا يلتفتون نحو ~~الألفاظ. قال العلماء الراسخون: هذا النقل يوجب القدح في القرآن فالواجب أن ~~يحمل النقل لو صح على أنه فسر أحد اللفظين بالآخر لا أنه زعم أن تغيير لفظ ~~القرآن جائز. ثم أكد أمر قيام الليل بقوله إن لك في النهار سبحا طويلا قال ~~المبرد: أي تصرفا وتقلبا في مهماتك فلا تفرغ لخدمة الله إلا بالليل ومنه ~~السابح لتقلبه بيديه ورجليه. وقال الزجاج: أراد أن ما فاتك من الليل شيء ms4491 ~~فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه. وقيل: أن لك في النهار مجالا ~~للنوم والاستراحة وللتصرف في الحوائج. ثم بين أن أشرف الأعمال عند قيام ~~الليل ما هو فصله في شيئين ذكر اسم الرب والتبتل إليه وهو الانقطاع إلى ~~الله بالكلية والتبتل القطع، الأول مقام السالك والثاني مقام المشاهد. ~~فالأول كالأثر والثاني كالعين وإنما لم يقل وبتل نفسك إليه تبتيلا لأن ~~المقصود بالذات هو التبتل فبين أولا ما هو المقصود ثم أشار أخيرا إلى سببه ~~تأكيدا مع رعاية الفاصلة. ثم أشار إلى الباعث إلى التبتل فقال رب المشرق ~~والمغرب # PageV06P379 # لأن التكميل والإحسان موجب المحبة وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها ~~والمحبة تقتضي الإقبال على المحبوب بالكلية لا إله إلا هو وهو إشارة إلى ~~كماله تعالى في ذاته والكمال محبوب لذاته، وهذا منتهى مقامات الطالبين وإنه ~~يستدعي رفع الإختيار من البين وتفويض الأمر بالكلية إلى المحبوب الحقيقي ~~حتى أن المحبوب لو كان رضاه في عدم التبتل إليه رضي المحب بذلك، وإن كان ~~رضاه في التبتل والتوجه نحوه فهو المطلوب لا من حيث إنه تبتل بل من حيث إنه ~~مراد المحبوب الحق جل ذكره. وقوله فاتخذه وكيلا كالنتيجة لما قبله، وفيه إن ~~من لم يفوض كل الأمور إليه لم يكن راضيا بإلهيته معترفا بربوبيته، وفيه ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه شر الكفار وأعداء الدين. ثم ~~أمره بالصبر عند الاختلاط وبالهجر الجميل إذا أراد أن لا يخالطهم. والهجر ~~الجميل أن يخالفهم بقلبه ويداريهم بالإغضاء وترك المكافآت ومن المفسرين من ~~قال: إنه منسوخ بآية القتال وقد عرفت مرارا أنه لا ضرورة إلى التزام النسخ. ~~في أمثال هذه الآية. ثم أمره بأن يخلي بينه وبين المكذبين أصحاب الترفه. # والنعمة بالفتح التنعم وهم صناديد قريش ولم يكن هناك منع ولكنه سبحانه ~~أجرى الكلام على عادة المحاورات، والغرض أنه سبحانه يكفي في رفع شرور ~~الكفرة ودفع إيذائهم ثم فصل ما سيعذب به أهل التكذيب مما يضاد تنعمهم. ~~والإنكال جمع نكل بالكسر أو ms4492 نكل بالضم وهي القيود الثقال. عن الشعبي: إذا ~~ارتفعوا استلفت بهم. والطعام ذو الغصة هو الذي ينشب في الحلق كالزقوم ~~والضريع فلا ينساغ، وقد يمكن حمل هذه الأمور على العقوبات الروحانية ~~فالإنكال عبارة عن بقاء النفس في قيود العلائق الحسية والملكات الوهمية، ~~والجحيم نيران الحسرة والحيرة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة. ثم ~~إنه يتجرع غصة الحرمان وألم الفراق الجلال والبقاء في ظلمة الضلال والتنوين ~~في هذه الألفاظ للتعظيم أو النوع. ثم وصف اليوم فيه هذه الأحوال والأهوال ~~فقال يوم ترجف الأرض والجبال الرجفة الزلزلة والكثيب الرمل المجتمع «فعلي» ~~«بمعنى» «مفعول» من كثب الشيء جمعه. وقال الليث. الكثيب نثر التراب أو ~~الشيء يرمي به. وسمي الكثيب كثيبا لأن ترابه دقاق كأنه نثر بعضه على بعض ~~لرخاوته، والمهيل السائل تراب مهيل ومهيول أي مصبوب وإنما لم يقل كثيبة ~~مهيلة لأنها بأسرها تجتمع فتصير واحدا، أو المراد كل واحد منها، وحين خوف ~~المكذبين بأهوال الآخرة خوفهم بأهوال الدنيا مثل ما جرى على الأمم السالفة ~~لا سيما فرعون وجنوده. وإنما خصص قصة موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم ~~الباقية ومعجزاته أبهر فكان تشبيه نبينا صلى الله عليه وسلم بحاله أنسب. ~~ومعنى شاهدا عليكم كما مر في قوله ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] ~~إنما عرف الرسول ثانيا لأنه ينصرف إلى المعهود # PageV06P380 # السابق في الذكر والأخذ الوبيل الثقيل الغليظ ومنه الوابل للمطر العظيم. ~~قال أبو زيد: هو الذي لا يستمر ألو خامته ومنه كلأمستوبل. # ثم عاد إلى توبيخهم مرة بعد أخرى قائلا فكيف تتقون إن كفرتم يوما وانتصب ~~يوما على أنه مفعول به ل تتقون أي كيف تحذرون ذلك اليوم لو كفرتم أي إن ~~جحدتم يوم الجزاء فكيف تدعون تقوى الله وخوف عقابه؟ ويجوز أن يكون ظرفا ل ~~تتقون أي فيكف لكم بالتقوى يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا؟ ثم ذكر من هول ~~ذلك اليوم شيئين: الأول أنه يجعل الولدان شيبا جمع أشيب نحو بيض جمع أبيض ~~فقيل: إنه وصفه بالطول بحيث يبلغ الأطفال ms4493 فيه أوان الشيخوخة والشيب. ~~والأكثرون على أنه مثل في الشدة كما قيل «يوم يشيب نواصي الأطفال» والأصل ~~فيه قول الحكماء إن الهموم والأحزان تسرع الشيب لإقتضائهما احتباس الروح ~~إلى داخل القلب المستتبع لانطفاء الحرارة الغريزية المستعقب لفجاجة الأخلاط ~~واستيلاء البلغم المتكرج. وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا ~~حقيقة لأن إيصال الألم والخوف إلى الصبيان غير جائز. وجوزه بعضهم بناء على ~~أن ذلك اليوم أمر غير داخل تحت التكليف وقد حكي أن رجلا أمسى فاحم الشعر ~~كحنك الغراب وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية فقال: أرأيت القيامة والنار في ~~المنام ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك وأصبحت كما ~~ترون. الثاني قوله السماء منفطر به وإنما ذكر السماء لأن تأنيثه غير حقيقي، ~~أو بتأويل السقف، أو بتأويل الشيء المنفطر أو ذات انفطار. والباء في به ~~بمعنى «في» عند الفراء، أو للآلة نحو فطرت العود بالقدوم أي أنها تنفطر ~~بسبب هول ذلك اليوم، أو تثقل به إثقالا يؤدي إلى انفطارها كقوله ثقلت في ~~السماوات والأرض [الأعراف: 187] كان وعده أي وعد الله وقيل وعد اليوم فيكون ~~من باب إضافة المصدر إلى المفعول إن هذه الآيات المشتملة على التكاليف ~~والتخاويف تذكرة موعظة شافية فمن شاء اتخذ إلى قرب ربه سبيلا بالإتعاظ ~~والادكار والتوسل بالطاعة والتجنب عن المعصية. قال المفسرون: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه شمروا بعد نزول أوائل السورة عن ساق الجد في شأن ~~قيام الليل، وتركوا الرقاد حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم فلا جرم ~~رحمهم ربهم وخفف عنهم قائلا إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل أقل ~~منهما. قال أهل المعاني والبيان: انما استعير الأدنى للأقل لأن المسافة بين ~~الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز وتقوم نصفه وثلثه وهذا مطابق لما ~~مر أو لأن التخيير بين النصف والناقص منه إلى الثلث وبين الزائد على النصف ~~إلى الثلثين. # ومن قرأ بالجر فمعناه يقوم أقل من الثلثين وهو النصف، وأقل من النصف وهو ~~ثلثه، ms4494 وأقل من # PageV06P381 # الثلث وهو الربع وهو مطابق للوجه الآخر. وقوله وطائفة عطف على المستتر في ~~تقوم وجاز من غير تأكيد للفصل والله يقدر الليل والنهار فلا يعرف ما مضى من ~~كل منهما أي آن يفرض إلا هو. وهذا الحصر ينبيء عنه بناء الكلام على الاسم ~~دون الفعل. ثم أكد المعنى المذكور بقوله علم أن لن تحصوه أي لا يصح منكم ~~ضبط أوقات الليل كما هي إلا أن تأخذوا بالأوسع الأحوط وذلك شاق عليكم فتاب ~~عليكم ما فرط منكم في مساهلة حصر الأوقات ورفع تبعته عنكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن الأكثرون على أن القراءة هاهنا عبارة عن الصلاة كما يعبر عنها ~~بالقيام والركوع والسجود، والمعنى فصلوا ما تيسر عليكم بالليل فيكون هذا ~~ناسخا للأول. ثم إنهما نسخا جميعا بالصلوات الخمس، أو نسخ هذا وحده بهن. ~~وعن بعضهم أنها القراءة حقيقة. # وروي «من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن ومن قرأ مائة آية أو ~~خمسين كتب من القانتين» «1» # ثم بين الحكمة في النسخ فقال علم وهو استئناف على تقدير السؤال عن وجه ~~النسخ. و «أن» في قوله أن سيكون مخففة من الثقيلة اسمها الشأن و «كان» تامة ~~أي سيوجد منكم مرضى هي جمع مريض وآخرون عطف عليه في الموضعين سوى الله ~~سبحانه بين المسافرين للكسب الحلال والمجاهدين في سبيله فما أنصف من جانبه ~~من العلماء مستنكفا عنه إلى طلب ما لم يجوز أخذ الأجرة عليه كالإمامة ~~والقضاء والتدريس يرى أنه منصب من المناصب الدينية فيضيع دينه للذة خيالية ~~لا اعتداد بها عند العقلاء. عن عبد الله بن عمر: ما خلق الله موتة أموتها ~~بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض ~~أبتغي من فضل الله، وعن عبد الله ابن مسعود مرفوعا ظنا. أيما رجل جلب شيئا ~~إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله من ~~الشهداء. وظاهر أن المرضى لا يمكنهم الإشتغال بالتجهد لمرضهم. وأما ~~المسافرون ms4495 والمجاهدون فمشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة، فلو اشتغلوا ~~بالعبادة في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم قوله فاقرؤا ما تيسر منه من ~~إعادة الأول تأكيدا للرخصة، عن ابن عباس: سقط عن أصحاب النبي قيام الليل ~~وصار تطوعا وبقي ذلك فرضا على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أمر بإقامة ~~الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهذا أيضا مما يغلب على الظن أن الآية مدنية. ~~وقيل: هي زكاة الفطر. ثم أشار إلى صدقة التطوع بقوله وأقرضوا الله ويحتمل ~~أن يعود هذا أيضا إلى الزكاة أي أقرضوا الله بإيتاء الزكاة، وفيه أن ~~PageV06P382 # إخراج الزكاة ينبغي أن يكون على أحسن وجه من مراعاة النية الخالصة والصرف ~~إلى المستحقين وكونها من أطيب الأموال لا أقل من الوسط. ثم حث على الإنفاق ~~مطلقا بقوله وما تقدموا الآية وقوله هو صيغة الفصل. وقوله خيرا ثاني مفعولي ~~تجدوه ثم حرض على الاستغفار في جميع الأحوال وإن كان طاعات لما عسى أن يقع ~~فيها تفريط وإليه المرجع والمآب. # PageV06P383 ### | (سورة المدثر) # (مكية حروفها ألف وعشرة كلماتها مائتان وخمس وخمسون آياتها ست وخمسون) ### | [سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 56] # بسم الله الرحمن الرحيم # يا أيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) # والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في ~~الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) # على الكافرين غير يسير (10) ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ~~ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) # ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) ~~إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) # ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) ~~فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) # إن هذا إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) وما أدراك ما سقر (27) لا ~~تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) # عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكافرون ماذا أراد ms4496 الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) ~~والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (34) # إنها لإحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ~~(37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) # في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم ~~نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) # وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين ~~(47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) # كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى ~~صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون الآخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) # فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة (56) ### | القراآت # الرجز بضم الراء: يزيد وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والآخرون: # بالكسر تسعة عشر بسكون العين لتوالي الحركات: يزيد والخراز عن هبيرة إذا ~~بسكون الذال أدبر من الإدبار: نافع ويعقوب وحمزة وخلف وحفص والمفضل. ~~الباقون # PageV06P384 # إذا بالألف دبر من الدبور. مستنفرة بفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر ~~والمفضل تخافون بتاء الخطاب: ابن مجاهد والنقاش عن أبي ذكوان وما تذكرون ~~على الخطاب: نافع ويعقوب. ### | الوقوف: # المدثر ه لا فأنذر ه لا فكبر ه ك فطهر ه ك فاهجر ه ك تستكثر ه ك فاصبر ه ~~ط وقد يجوز الوقوف على الآيات قبلها إلا على الأولى الناقور ه لا عسير ه ~~يسير ه وحيدا ه لا ممدودا ه ك شهودا ه ك تمهيدا ه ك أن أزيد ه كلا ط عنيدا ~~ه ط للإبتداء بالتهديد صعودا ه ك للإبتداء بأن وقدر ه لا قدر ه لا نظر ه لا ~~وبسر ه ك واستكبر ه ك يؤثر ه ك البشر ه سقر ه لا ما سقر ه ط لتناهي ~~الاستفهام ولا تذر ه م لأن التقدير هي لواحة مع اتحاد المقصود للبشر ط ~~للآية ولأن ما بعده من ms4497 تمام المقصود عشر ه ط ملائكة ص لاتفاق الجملتين مع ~~استقلال كل منهما بنفي واستثناء كفروا لا لتعلق اللام والمؤمنون لا لذلك ~~مثلا ط ويهدي من يشاء ط إلا هو ط للبشر ه قد يوصل على جعل كلا ردعا والوقف ~~على للبشر دون كلا صواب لأنه تأكيد القسم بعدها والقمر ه لا إذ أدبر ه لا ~~أسفر ه لا الكبر ه للبشر ه يتأخر ه ط رهينة ه لا اليمين ه ط على تقديرهم في ~~جنات يتساءلون فيها. والوقف على جنات أولى لعدم الإضمار سقر ه المصلين ه ~~المسكين ه الخائضين ه ك الدين ه لا اليقين ه الشافعين ه ج للإبتداء ~~بالاستفهام به معرضين ه لا لأن ما بعده صفتهم مستنفرة ه ط قسورة ه ط منشرة ~~ه ط كلا للردع عن الإرادة الآخرة لا على جعل كلا بمعنى حقا تذكرة ج للشرط ~~مع الفاء ذكره ه الله ه المغفرة ه ### | التفسير: # روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت على جبل حراء ~~فنوديت يا محمد إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئا، فنظرت ~~فوقي فرأيت الملك قاعدا على عرش بين السماء والأرض فخفت ورجعت إلى خديجة ~~فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردا، ونزل جبرائيل وقال يا أيها المدثر # وروى الزهري مثله، وقريب منه ما قيل: إنه تحنث في غار حراء فقيل له يا ~~أيها المدثر المغطى بدثار اشتغل بدعوة الخلق، فالسورة على هذا من أوائل ما ~~نزول. وقيل: سمع من قريش ما كرهه كما يجيء حكايته عن الوليد فاغتم فتغطى ~~بثوبه مفكرا فأمر أن لا تدع إنذارهم وتصبر على أذاهم. وقيل: أراد يا أيها ~~المدثر بدثار النبوة مثل لباس التقوى. والدثار ما فوق الشعار، والشعار ~~الثوب الذي يلي # PageV06P385 # الجسد # قال صلى الله عليه وسلم «الأنصار شعار والناس دثار» «1» # قوله قم أي من مضجعك أو قم قيام عزم وتصمم. وقوله فأنذر متروك المفعول ~~لئلا يختص بأحد نحو «فلان يعطي» أي فافعل ms4498 الإنذار وأوجده وقيل: أراد فحذر ~~قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. قوله وربك فكبر أي عظم ربك مما يقول عبدة ~~الأوثان، أو من أن يأمرك بالإنذار من غير حكمة وصلاح عام. # وعن مقاتل: وهو نفس التكبير. # يروى أنه لما نزل قال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فكبرت خديجة ~~وفرحت وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلوات # ولا يبعد أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر صلوات مخصوصة ~~والفاءات في فكبر وما يتلوها لتلازم ما قبلها وما بعدها كأنه قيل: مهما كان ~~من شيء فلا تدع تكبيره. وقوله وثيابك فطهر في تفسيره وجوه أربعة: # أحدها أن يترك كل من لفظي الثياب والتطهير على ظاهره. فعن الشافعي أن ~~المراد الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس والأقذار ~~ولا ريب أن هذا هو الأصل إلا أن في غير حال الصلاة أيضا لا يحل استعمال ~~النجس أولا يحسن فقبح بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا. # وروي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلى شاة فرجع إلى بيته ~~حزينا وتدثر ثيابه فقيل يا أيها المدثر قم فأنذر # ولا تمنعك تلك الناهية عن الإنذار. وربك فكبر عن أن لا ينتقم منهم وثيابك ~~فطهر عن تلك النجاسات والقاذورات الثاني: الثياب حقيقة والتطهير كناية عن ~~التقصير لأن العرب كانوا يطولون ثيابهم ويجرون أذيالهم. وقال علي عليه ~~السلام: قصر ثيابك فإنه أتقى وأبقى وأنقى. وقيل: تطهيرها أن لا تكون مغصوبة ~~ولا محرمة بل تكون مكتبسة من وجه حلال. الثالث: عكسه فعبر عن الجسد بالثياب ~~لاشتماله على النفس. وكان العرب لا يتنظفون وقت الاستنجاء فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وسلم بالتنظيف. # الرابع: أن يكون كل من اللفظين مجازا قال القفال: إنهم لما لقبوه بالساحر ~~شق عليه ذلك فرجع إلى بيته وتدثر فكان ذلك إظهار جزع وقلة صبر فأمر بحسن ~~الخلق وتهذيب الأخلاق أي طهر قلبك عن الصفات الذميمة كقطع الرحم وعزم ~~الانتقام والسآمة من الدعوة إلى ms4499 دين الله لأجل أذى القوم. وهذا بعد مناسبته ~~لخطابه بالمدثر مجاز مستعمل يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل إذا كان بريئا ~~من المثالب. ويقال: المجد في ثوبيه والكرم في برديه وذلك أن الثواب كالشيء ~~الملازم للإنسان فجعل طهارته كطهارته، ولأن الغالب أن من طهر باطنه طهر ~~ظاهرة. وقيل: هو أمر بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل ~~النبوة. # وهذا تأويل من حمل قوله ووضعنا عنك وزرك [الشرح: 2] على آثام الجاهلية: ~~وقيل: PageV06P386 # معناه نساءك طهرهن. وقد يكنى عن النساء بالثياب هن لباس لكم. قوله والرجز ~~فاهجر هو بالكسر والضم العذاب والمراد اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان ~~وغيرها أي أثبت على هجره مثل أهدنا، وهذا يؤكد تأويل من حمل قوله وثيابك ~~فطهر على تحسين الأخلاق والاجتناب عن المعاصي ولا تمنن تستكثر لا تعط ~~مستكثرا رائيا لما أعطيته كثيرا بل يجب أن تستحقرها وترى أن للأخذ حرمة ~~عليك بقبول ذلك الإنعام، وهذا نهاية الكرم على أن الاستكثار ينبيء على ~~المنة وهي مبطلة للعمل كما قال لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى [البقرة: ~~267] فقوله تستكثر مرفوع والجملة في موضع الحال منصوبا، ويجوز أن يكون ~~الأصل لأن تستكثر فحذف اللام ثم «أن» وأبطل عملها كما # روي «ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى» # بالرفع. واختار أبو علي الفارسي الوجه الأول إلا أنه قال: تأويله لا تمنن ~~مقدرا الاستكثار كما في قول القائل: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا. ~~وأقول: # هذا التأويل مما لا حاجة إليه لأن طلب الكثرة مقرون بالإعطاء بخلاف الصيد ~~غدا. وذهب جم غفير من المفسرين إلى أنه نهى عن الاستقراض وهو أن يهب شيئا ~~طامعا في أن يأخذ أكثر منه فيكون نهى تنزيه لأنه # جاء في الحديث «المستغزر يثاب من هبته» # ويجوز أن يكون نهي تحريم خاصا برسول الله لأن منصبه يجل عن طلب الدنيا ~~خصوصا بهذا الوجه. ومنهم من حمله على الرياء فيكون نهي تحريم للكل والمن ~~معنى. وقال القفال: يحتمل أن يكون المقصود النهي عن طلب العوض زائدا ms4500 أو ~~مساويا أو ناقصا. أما الزائد فظاهر. وأما المساوي والناقص فلأن طالب العوض ~~كاره أن ينتقص المال بسبب العطاء فكأنه يطلب الكثرة. # ويجوز أن يقال: إنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائدا ~~على العطاء فسمي طلب الثواب استكثارا حملا للشيء على أغلب أحواله، وكما أن ~~الأغلب أن المرأة ذات الولد إنما تتزوج للحاجة إلى من يربي ولدها فسمي ~~الولد ربيبا، ثم اتسع ولد المرأة ربيبا. وإن كان كبيرا خارجا عن حد التربية ~~أمر صلى الله عليه وسلم أن يكون عطاؤه خاليا عن انتظار العوض والتفات النفس ~~إليه كيف كان حتى يقع خالصا لوجه الله ويكون صابرا محتسبا. # وعن الحسن وغيره أنه لما أمره الله بإنذار القوم وتكبير الرب وتطهير ~~الثياب وهجران الرجز قال ولا تمنن على ربك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر ~~لما تفعله بل اصبر على ذلك كله ويؤكده قوله بعد ذلك ولربك فاصبر أي استعمل ~~الصبر في مظانه خالصا لوجه ربك وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر ~~الدين والوحي كالمستكثر لذلك بأمر الله. وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك ~~لتستكثر أي لتأخذ منهم على ذلك أجرا فيكثر مالك. # وقال مجاهد: لا تمنن أي لا تضعف من قولك «حبل من» أي ضعيف ومنه «منه ~~السير» أي أضعفه. والمعنى لا تضعف أن تستكثر من هذه الأوامر ووجه الرفع ما ~~مر في قوله «أحضر # PageV06P387 # الوغى» قوله فإذا نقر الفاء للتسبيب كأنه قال: اصبر على التكاليف ~~المعدودة وعلى أذى المشركين فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم ~~وتلقى عاقبة صبرك والفاء في فذلك للجزاء. وانتصب فإذا بما دل عليه الجزاء ~~لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين «فاعول» من النقر ~~كالهاضوم من الهضم، يشبه أن يكون البناء للآلة لأن الهاضوم ما به يهضم. ~~فالناقور ما ينقر به وهو الصور باتفاق المفسرين، فكأنه آلة النقر أي النفخ ~~وذلك أن النفخ سبب حدوث الصوت في المزامير كما أن النقر سبب الحدوث في ~~الآلات ذوات الأوتار. قال ms4501 الجوهري في الصحاح فإذا نقر في الناقور أي نفخ في ~~الصور. وقد يلوح من كلام الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير أن ~~النقر غير النفخ. # وهكذا من كلام الحليمي في كتاب «المنهاج» وذلك أنه قال: جاء في الأخبار ~~إن في الصور ثقبا بعدد الأرواح كلها فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر و ~~«النفخ» لتكون الصيحة أهول وأعظم. وإذا نفخ فيه للإحياء لم ينقر فيه. ~~واقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها ويظهر ~~من فحوى كلامه أنه حمل هذا النقر على أنه مقرون بالنفخة الأولى بعد أن أثبت ~~المغايرة. ومن المفسرين من ذهب إلى أن النفخة الثانية أهول لأنه سبحانه ~~أخبر أن ذلك الوقت شديد على الكافرين، والإصعاق ليس بشديد عليهم ولذلك ~~يقولون يا ليتها كانت القاضية [الحاقة: 27] أي يا ليتنا بقينا على الموتة ~~الأولى. قلت: # لا دليل في هذا لأن الإصعاق شديد عليهم لا محالة، ثم إذا جاءت النفخة ~~الثانية رأوا من الأهوال ما تمنوا حالة الإصعاق. أو نقول: مبدأ الشدة من ~~حين الإصعاق ثم يصير الأمر بعد ذلك أشد لأنهم يناقشون في الحساب وتسود ~~وجوههم وتتكلم جوارحهم إلى غير ذلك من القبائح والأهوال، فلذلك يحتمل أن ~~يكون إشارة إلى النقر ويتم الكلام بتقدير مضاف أي فذلك النقر يومئذ نقر يوم ~~عسير فالعامل في يومئذ هو النقر. ويجوز أن يكون إشارة إلى اليوم ويومئذ ~~مبني على الفتح ولكنه مرفوع المحل بدلا منه كأنه قيل: فيوم النقر يوم عسير ~~وقوله غير يسير تأكيد كقولك «أنا محب لك غير مبغض» وفائدته أن يعلم أن عسره ~~على الكافرين ولا يرجى زواله كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، أو ~~يراد أنه عسير على الكل لأن أكثر الأنبياء يقول: نفسي نفسي والولدان يشيبون ~~إلا أن الكافر يختص بمزيد العسر بحيث يكون اليسر منفيا عنه رأسا ويعلم هذا ~~من تقديم الظرف. # روى المفسرون أن الوليد بن المغيرة المخزومي وجماعة من صناديد قريش كأبي ~~جهل وأبي لهب وأبي سفيان ms4502 والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ~~اجتمعوا وقالوا: ان وفود العرب يجتمعون في أيام الحج ويسألوننا عن أمر محمد ~~فكل منا يجيب بجواب آخر فواحد # PageV06P388 # يقول مجنون. وآخر يقول: كاهن وآخر يقول: شاعر فتستدل العرب باختلاف ~~الأجوبة على كون هذه الأجوبة باطلة، فهلموا نجتمع على تسمية محمد باسم ~~واحد. فقال واحد: إنه شاعر فقال الوليد: سمعت كلام عبيد بن الأبرص وكلام ~~أمية بن أبي الصلت وكلامه ما يشبه كلامهما. فقال الآخر. وهو كاهن. فقال ~~الوليد: إن الكاهن يصدق تارة ويكذب أخرى ومحمد ما كذب قط. فقال آخر: إنه ~~مجنون فقال الوليد: المجنون يخيف الناس وما يخيف محمد أحدا قط فقام الوليد ~~وانصرف إلى بيته فقال الناس: صبأ الوليد فدخل أبو جهل وقال: مالك يا أبا ~~عبد شمس؟ هذه قريش تجمع لك شيئا زعموا أنك احتجت وصبأت فقال الوليد: مالي ~~إليه حاجة ولكني فكرت في أمر محمد فقلت: إنه ساحر لأنه يفرق بين الرجل ~~ووالده ومواليه وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل. ~~فأجمعوا على تلقيب محمد صلى الله عليه وسلم بهذا اللقب وفرحوا بذلك وتعجبوا ~~عن كياسته وفكره ونظره ثم إنهم خرجوا ونادوا بمكة إن محمدا لساحر، فلما سمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته حزينا فتدثر ~~بقطيفة وأنزل الله تعالى يا أيها المدثر قم فأنذر الآية. # ثم إنه هدد الوليد وسلى نبيه بقوله ذرني ومن خلقت وحيدا وهو كقوله في ~~المزمل وذرني والمكذبين [الآية: 11] وقوله وحيدا من غير شكة أحد أو من ~~«مفعول» خلقت المحذوف أي خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ولا ولد. ويجوز أن ~~يكون نصبا على الذم والمراد أذم وحيدا بناء على أن الوليد كان يلقب بالوحيد ~~فإن كان علما فلا إشكال، وإن كان صفة على ما روى أنه كان يقول أنا الوحيد ~~بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لأبي نظير، وهو استهزاء به وتهكم بحسب ~~ظنه واعتقاده نحو ذق ms4503 إنك أنت العزيز الكريم [الدخان: 49] فيفيد أنه ليس ~~وحيدا في العلو والشرف ولكنه وحيد في الخبث والدناءة والكفر. وقيل: إن ~~وحيدا مفعول ثان قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له فيكون طعنا في ~~نسبه كما في قوله عتل بعد ذلك زنيم [ن: 13] وفي المال الممدود وجوه أظهرها ~~أنه المال الذي يكون له مدد يأتي منه الخير بعد الخير على الدوام كالزرع ~~والضرع وأنواع التجارات، ولهذا فسره عمر بن الخطاب بغلة شهر بشهر. وقال ابن ~~عباس: # هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال. وعلى هذا يكون المال ~~الممدود إما بمعنى المدد كما قلنا، أو بمعنى امتداد مكانه. وقريب منه ما ~~روى مقاتل أنه كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره صيفا ولا شتاء. ومن ~~المفسرين من قدر المال الممدود فقال: ألف دينار أو أربعة آلاف أو تسعة آلاف ~~أو ألف ألف فهذه تحكمات لا أصل لها إلا أن تكون رواية صحيحة أن مال الوليد ~~على أحد هذه الأعداد وحينئذ يمكن أن يقال: العبرة بعموم # PageV06P389 # اللفظ لا بخصوص السبب وفي قوله وبنين شهودا وجوه: أحدها أنهم حضور معه ~~بمكة لا يفارقونه لاستغنائهم عن الكسب وطلب المعاش فهو مستأنس بهم غير ~~محزون بفراقهم. # الثاني أنهم رجال يشهدون معهم بمكة في المجامع والمحافل. الثالث أنهم من ~~أهل الشهادات في الحكومات يسمع قولهم ويعتد بهم. وأما عددهم فعن مجاهد: ~~عشرة وقيل: # ثلاثة عشر وقيل: سبعة كلهم رجال: الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام ~~والعاص وقيس وعبد شمس. قال جار الله: أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة. ~~قلت: إنه أبقى الوليد بن الوليد في حوزة الكفرة وهو مسلم حسن الإسلام مشهور ~~الصحبة كما ذكره رشيد الدين الوطواط في رسالته، وصاحب سر السلف سيد الحفاظ ~~أبو القاسم فيه # أن الوليد بن الوليد ابن المغيرة كان من المستضعفين حبسه المشركون فدعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته: اللهم أنج الوليد ابن الوليد وعياش بن ~~أبي ربيعه وسلمة بن هشام. ثم قدم المدينة ms4504 فتوفى بها فكفنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في قميصه # وكانت أم سلمة تندبه. # أبكى الوليد بن الوليد بن المغيرة ... أبكى الوليد بن الوليد أخا العشيرة # وقال ابن الأثير في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤلف كتاب «جامع ~~الأصول» : هو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ~~القرشي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرا وفداه أخواه خالد وهشام، ~~فلما فدى أسلم فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي؟ فقال: # كرهت أن تظنوا اني أسلمت جزعا من الإسار فحبسوه بمكة وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة ثم أفلت من ~~أيديهم ولحق بالمدينة. # والعجب من جار أنه ذكر في سورة الزمر في تفسير قوله قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم أن الوليد أسلم وأسلم معه نفر وهاجروا ثم إنه أبقاه ~~هاهنا في بقية الكفار. قوله ومهدت له تمهيدا أي وبسطت له الجاه العريض ~~والرياسة في قومه فأتممت عليه نعمتي المال والجاه، واجتماعهما هو الكمال ~~عند أهل الدنيا حتى جعلوه دعاء الخير فيما بينهم قائلين «أدام الله تأييدك ~~وتمهيدك» أي بسطتك وتصرفك في الأمور. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ~~ولذلك لقب بالوحيد وريحانة قريش. ومعنى «ثم» في قوله ثم يطمع أن أزيد ~~استبعاد وتعجب من طمعه وحرصه على الزيادة بعد أن لم يعرف حق بعض ما أوتي. ~~قال الكلبي ومقاتل: ثم يرجو أن أزيد في ماله وولده وقد كفر بي. وقيل: إن ~~تلك الزيادة في الآخرة كأن يقول إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي. ~~ثم قال الله تعالى كلا حتى افتقر ومات فقيرا. # ثم علل الردع على وجه الاستئناف كأن قائلا قال: لم لا يزداد؟ فقال: لأنه ~~كان لآياتنا عنيدا معاندا والكافر لا يستحق المزيد ولا سيما إذا كان كفره ~~أفحش أنواعه وهو كفر العناد، ومما يدل على أن كفره كفر عناد بعد ما حكينا ~~عنه ما ms4505 # روي أن الوليد مر برسول # PageV06P390 # الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ حم السجدة فرجع وقال لبني مخزوم: والله ~~لقد سمعت آنفا من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. إن له ~~لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا ~~يعلى، # ولا ريب أن من عرف هذا القدر ثم زعم أن القرآن سحر فإنه يكون معاندا، ~~والعنيد هو الذي كان العناد خلقه وديدنه فلشدة عناده وصفه الله تعالى به. ~~وتقديم الظرف يدل على أن عناده كان مختصا بآيات الله وإن كان تاركا للعناد ~~في سائر الأمور. وفي جمع الآيات إشارة إلى أنه كان منكرا للتوحيد والنبوة ~~والبعث وغير ذلك من دلائل الدين ومعجزاته ولهذا أو عده الله سبحانه أشد ~~الوعيد قائلا سأرهقه صعودا أي سأصعده عقبة شاقة المصعد وفيه قولان: أحدهما ~~الظاهر وهو ما # روي عن النبي «الصعود جبل من نار يصعد فيه خمسين خريفا ثم يهوي فيه كذلك ~~أبدا» «1» # وعنه صلى الله عليه وسلم «يكلف أن يصعد عقبة من النار كلما وضع عليها يده ~~ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت فإذا رفعها عادت» # الثاني إنه مثل لما سيلقى من العذاب الشاق الصعب الذي لا يطاق كما مر في ~~قوله يسلكه عذابا صعدا [الجن: 17] ثم فسر كيفية عناده بقوله إنه فكر ماذا ~~يقول في القرآن وقدر في نفسه كلاما فقتل كيف قدر وهذا الكلام ما ينطق به ~~العرب عند التعجب والاستعظام يقولون: قتله الله ما أشجعه. وقاتله ما أشعره، ~~وأخزاه ما أظرفه. # والمراد أنه قد بلغ المبلغ الذي حق له أن يحسد فيدعى عليه. والمعنى في ~~الآية التعجب من قوة خاطره. أنه كيف استنبط هذه الشبهة في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم بحيث وأفق غرض قريش كما حكينا وهي بالحقيقة ثناء على طريق ~~الاستهزاء. ومعنى ثم الداخلة في تكرير الدعاء الدلالة على أن التعجب في ~~الكرة الثانية أبلغ من الأولى، أو هي حكاية لما كرره من قوله تعالى ms4506 قتل كيف ~~قدر ويجوز أن يكون التقدير الأخير تقديرا للتقدير أي ينظر فيه بتمام ~~الاحتياط فهذا ما يتعلق بأحوال قلبه. ثم وصفه بأحوال ظاهره قائلا ثم نظر في ~~وجوه القوم ثم عبس وبسر قال الليث: عبس عبوسا إذا قطب ما بين عينيه فإن ~~أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح واستكبر عن الإيمان ويحتمل أن يقال: قدر ~~ما يقوله ثم نظر فيه احتياطا والدعاء بينهما اعتراض، ثم قطب في وجه النبي ~~ثم أدبر عن الحق واستكبر عنه. # ومعنى «ثم» في هذه الأفعال سوى فعل الدعاء الثاني المهلة. والفاء في قوله ~~تعالى فقال للدلالة على أنه كما تولى واستكبر ذكر هذه الشبهة، أو أن الكلمة ~~لما خطرت بباله بعد التفكر لم يتمالك أن نطق بها من غير تراخ. وقوله يؤثر ~~من الأثر بالسكون الرواية كما مر أو من الإيثار أي هو مختار على جميع أنواع ~~السحر. قوله إن هذا إلا قول البشر جار PageV06P391 # مجرى التوكيد من الجملة الأولى ولهذا لم يتوسط العاطف بينهما. أراد بذلك ~~أنه ملفوظ من كلام غيره. ومن تأمل في هاتين الجملتين عرف أنه حكاية كلام ~~مفتخر غير خاف عليه وجوه الحيل ودفع الحق الصريح ولذلك جازاه الله بقوله ~~سأصليه سقر ولعله بدل من قوله سأرهقه صعودا ثم قال وما أدراك ما سقر ~~والمراد التهويل: ثم بينه بقوله لا تبقي ولا تذر قال بعضهم: معناهما واحد ~~والتكرير للمبالغة. وقال آخرون: لا بد من الفرق: فروى عطاء عن ابن عباس ~~أنها لا تبقي من الدم واللحم والعظم شيئا فإذا أعيدوا خلقا جديدا فلا تترك ~~إحراقهم وهكذا أبدا. وقيل: لا تبقي من المستحقين للعذاب إلا عذبتهم، ثم لا ~~تذر من أبدان أولئك المعذبين شيئا إلا أحرقته. وقيل: لا تبقى على شيء ولا ~~تذر من قوتها شيئا إلا استعملته والتقدير هي لا تبقى بدليل قوله خبرا بعد ~~خبر لواحة ويجوز أن يكون هذا خبرا لمبتدأ آخر. قال أكثر المفسرين: هي من ~~لاحه العطش ولوحه أي غيره وذلك أنها تسود البشرة وهي ms4507 أعلى الجلود بإحراقها. ~~واعتراض الحسن والأصم بأن وصفها بالتغيير لا يناسب بعد قوله لا تبقي ولا ~~تذر نعم لو عكس الترتيب لاتجه لأنها تغير البشرة أولا ثم تفنيها، فمعنى ~~لواحة لماعة من لاح البرق ونحوه يلوح إذا لمع والبشر بمعنى الإنسان وذلك ~~أنها تظهر لهم من مسيرة خمسمائة عام. # ثم بين أن عدد الخزنة الموكلين عليها تسعة عشر فترك المميز فقيل صنفا. # والأكثرون شخصا مالك وثمانية عشر أعينهم كالبرق وأنيابهم كالصياصي يجرون ~~أشعارهم يخرج اللهب والنار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع ~~كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت الرأفة والرحمة منهم يأخذ أحدهم سبعين ألفا ~~في كفه ويرميهم حيث أراد من جهنم. وذكر العلماء في تخصيص هذا العدد وجوها ~~فقال المتشرعون: هذا مما لا يصل إليه عقول البشر كأعداد السموات والأرضين ~~والكواكب وأيام السنة والشهور. وكأعداد الزكاة والكفارات والصلوات. وقيل: ~~إن العدد على وجهين: قليل وهو من الواحد إلى التسعة، وكثير وهو من العشرة ~~إلى ما لا نهاية، فجمع بين نهاية القليل وبداية الكثير. وقيل: # إن ساعات اليوم بليلته أربع وعشرون، خمس منها تركت لأجل الصلوات الخمس ~~والباقية لكل منها يعذب من يضيعها في غير حق الله. وقيل: إن أبواب جهنم ~~سبعة، وله للفساق زبانية زبانية واحدة بسبب ترك العمل، ولكل من الأبواب ~~الباقية ثلاثة أملاك لأن الكفار يعذبون لأجل أمور ثلاثة: ترك الاعتقاد وترك ~~الإقرار وترك العمل. قال الحكيم: إن فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية ~~والعملية هو بسبب استعماله القوى الحيوانية والطبيعية لا على وجهها. والقوى ~~الحيوانية الشهوة والغضب. والحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة. والماسكة ~~والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، فلما كان منشأ الإفادة هذه ~~القوى التسع عشر لا جرم كان عدد # PageV06P392 # الزبانية كذلك. يروى أنه لما نزلت الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم ~~أمهاتكم أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم؟ فقال المسلمون: ويحكم ~~أتقاس الملائكة بالحدادين أي السجانين؟ وجرى هذا مثلا في كل شيئين لا يسوى ~~بينهما وأنزل الله تعالى وما جعلنا ms4508 أصحاب النار إلا ملائكة أي وما جعلناهم ~~رجالا من جنسكم يطاقون ويرحمون فإن الجنسية مظنة الرأفة ولذلك جعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم من جنس الأمة ليكون بهم رؤفا رحيما. ولا استبعاد في كون ~~الملائكة في النار غير معذبين بناء على القول بالفاعل المختار، ولعلهم غلبت ~~عليهم النارية فصارت لهم طبعا كالحيوانات المائية. وقوله وما جعلنا عدتهم ~~إلا فتنة الآية. هو على مذهب أهل السنة ظاهر، وأما على أصول المعتزلة فقال ~~الجبائي: المراد بالفتنة تشديد التعبد، استدلوا به على كمال قدرة الله ~~تعالى وقال الكعبي: هي الامتحان فيؤمن المؤمن بالمتشابه ويفوض حكمة التخصيص ~~بهذا العدد إلى الخالق، والكافر يعترض عليه. وقال: # بعضهم: أراد ما وقعوا فيه من الكفر بسبب إنكارهم والتقدير إلا فتنة على ~~الذين كفروا، وحاصله يرجع إلى ترك الألطاف. وأجيب عن هذه التأويلات بأن ~~تنزيل المتشابهات لا بد أن يكون له أثر في تقوية داعية الكفر وإلا كان ~~إنزالها كلا إنزال. ومع هذا الترجيح لا يحصل الإيمان البتة وهو المعنى ~~بالإضلال. # واعلم أن في الآية دلالة على أنه سبحانه جعل افتتان الكافر بعدد الزبانية ~~سببا لأمور أربعة: أولها ليستيقن ثانيها ويزداد ثالثها ولا يرتاب رابعها ~~وليقول وفيه إشكال. # قال جار الله: ما جعل افتتانهم بالعدد سببا ولكنه وضع فتنة موضع تسعة عشر ~~تعبيرا عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر تنبيها على أن هذا الأثر من لوازم ~~ذلك المأثر. وقال آخرون: # تقديره وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للكافرين وإلا ليستيقن كما يقال: فعلت ~~كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك. قالوا: والعاطف يذكر في هذا الموضع تارة ويحذف ~~أخرى. وأما سبب استيقان أهل الكتاب فهو أنهم قرؤا هذا العدد في كتابهم ~~ولكنهم ما كانوا واثقين لتطرق التحريف إلى كتابهم. فلما سمعوا ذلك في ~~القرآن تيقنوا بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما في ~~كتابهم من غير سابقة دراسة وتعلم. ولأنه أخبر كفار قريش بهذا الأمر الغريب ~~من غير مبالاة باستهزائهم وتكذيبهم فعرفوا أنه من قبيل الوحي وإلا لم يجترئ ms4509 ~~على التكلم به خوفا من السخرية. وأما زيادة إيمان المؤمنين فحمل على آثاره ~~ولوازمه ونتائجه. وأما نفي الارتياب عن أهل الكتاب والمؤمنين بعد إثبات ~~الاستيقان وزيادة الإيمان لهم فمن باب التوكيد كأنه قيل: حصل لهم يقين جازم ~~بحيث لا يحصل بعده شك وريب. فإن الذي حصل له اليقين قد يغفل عن مقدمة من ~~مقدمات الدليل فيعود له الشك. وفيه أيضا تعريض # PageV06P393 # بحال من عداهم كأنه قيل: وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ ~~والكفران، وأما الذين في قلوبهم مرض فهم أهل النفاق الذين أحدثوا بعد ذلك ~~لأن السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق وإنما حدث بالمدينة، ففي الآية إخبار ~~بالغيب وقد وقع مطابقا فكان معجزا. # واللامات في الأمور الأربعة للغاية عند الأشاعرة، والمعتزلة يسمونها لام ~~العاقبة وقد مر في مواضع. وقوله ماذا أراد الله بهذا مثلا إلى قوله من يشاء ~~قد مر في «البقرة» . وجعل مثل هذا العدد مثلا لغرابته حيث لم يقل عشرين ~~وسواه والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب مع أنهم منكرون له من ~~أصله. والكاف في كذلك منصوب المحل أي مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى ~~يضل ويهدي. قوله وما يعلم جنود ربك إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا ~~يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى حين الأبد إلا الله ~~سبحانه كما يقوله أهل الحق وقد مر. وقيل: إن القوم قد استقلوا ذلك العدد ~~فقال تعالى في جوابهم: هبوا أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد من الأعوان ~~والجنود ما لا يحصيهم إلا الله وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو فلا ~~يعسر عليه تتميم الخزنة عشرين وأزيد ولكن له في هذا العدد حكمة اختص هو ~~بمعرفتها. قوله وما هي إلا ذكرى متصل بوصف سقر. وقوله وما جعلنا أصحاب ~~النار إلى هاهنا اعتراض أي وما سقر وصفتها إلا موعظة للناس. ويحتمل أن يعود ~~الضمير إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات وهي ذكرى لجميع ~~العالمين وإن لم ms4510 ينتفع بها إلا أهل الإيمان وقوله كلا قيل: إنكار لأن يكون ~~للكفار ذكرى لأنهم لا يتذكرون أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا، ~~أو ردع لقول أبي جهل وأصحابه أنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار، أو ردع ~~لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة. وقد مر أنه يجوز أن يكون بمعنى حقا ~~تأكيدا للقسم بعده. قال الفراء: # دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل. روى بعضهم أن ابن عباس كان يعيب قراءة ~~الثلاثي ويقول: إنما يدبر ظهر البعير. وفي صحة الرواية نظر لأن القراآت ~~السبع كلها متواترة. قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء ومنه أمس ~~الدابر. وعلى هذا يكون دبور الليل وإدباره وإسفار الصبح أي إضاءته كشيء ~~واحد. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: هو من دبر الليل النهار إذا خلفه. ثم قال ~~إنها أي إن سقر التي جرى ذكرها لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر جمع الكبرى. ~~قال جار الله: جعلت ألف التأنيث كتائها فكما جمعت «فعلة» على «فعل» جمعت ~~«فعلى» عليه. ونظير ذلك «السوافي» في جمع «السافياء» وهو التراب الذي يسفيه ~~الريح. «والقواصع» في جمع «القاصعاء» كأنها فاعلة. وقال المفسرون: المراد ~~من الكبر دركات جهنم وهي سبع: جهنم ولظى والحطمة وسعير وسقر والجحيم ~~والهاوية. فعلى هذا معنى كون سقر إحداهن ظاهر. وقال أهل المعاني: أراد أنها ~~من بين الدواهي واحدة في العظم لا # PageV06P394 # نظير لها ونذيرا تمييز من إحدى أي إنها لإحدى الدواهي إنذارا كما تقول: ~~هي إحدى النساء عفافا وقيل نذيرا حال ومن غريب التفسير أن نذيرا متصل بأول ~~السورة أي قم فأنذر نذيرا. ثم قال لمن شاء السبق أو هو خبر وما بعده وهو أن ~~يتقدم أو يتأخر مبتدأ كقولك لمن توضأ أن يصلي أنه مطلق لمن شاء السعي إلى ~~الخير أو التخلف عنه. «أو» للتهديد كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~[الكهف: 29] ويجوز أن يكون لمن شاء بدلا من قوله للبشر أي إنها منذرة للذين ~~إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا تأخروا فهلكو. واستدلال المعتزلة على ms4511 أن ~~العبد مختار ظاهر، والأشاعرة يحملونه على التهديد أو على أن فاعل شاء هو ~~الله سبحانه أي لمن شاء الله منه التقدم أو التأخر. سلمنا أن الفاعل ضمير ~~عائد إلى من لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله لقوله وما تشاؤن إلا أن ~~يشاء الله ثم أكد المعنى المتقدم بقوله كل نفس بما كسبت رهينة أي ليس لامرئ ~~إلا جزاء عمله كما مر نظيره في «الطور» . قال النحويون: التاء في رهينة ~~ليست للتأنيث لأن «فعيلا» بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي ~~اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم. وأقول أيضا: يحتمل أن تكون التاء ~~للمبالغة إلا أصحاب اليمين فإنهم فكوا رقابهم عن الرهن بسبب أعمالهم الحسنة ~~كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. قال الكلبي: # هم الذين كانوا على يمين آدم. وقال ابن عباس: هم الملائكة. # وعن علي عليه السلام وابن عمر: هم الأطفال. # قال الفراء: هذا القول أشبه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا إثما يرتهنون ~~به، ولأنه تعالى ذكر فيهم أنهم يتساءلون عن حال المجرمين وهذا إنما يليق ~~بالولدان الذين لا يعرفون موجب دخول النار والأولون حملوا السؤال على ~~التوبيخ والتخجيل. قال في الكشاف: معنى التساؤل عنهم أنهم يسأل بعضهم بعضا ~~عن حالهم. أو يتساءلون غيرهم عنهم كقولك «دعوته أنا وتداعيناه نحن» . ثم ~~زعم أن الوجه في قوله ما سلككم على الخطاب مع أن سياق الكلام يقتضي الغيبة ~~هو أنه حكاية قول المسئولين لأن المسئولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم ~~وبين المجرمين فيقولون قلنا لهم ما سلككم في سقر وقال غيره: المراد أن ~~أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم، فلما رأوهم قالوا لهم ما ~~سلككم؟ وأقول: ولو فرض التكلم مع المجرمين زال الإشكال أي يتساءلون عن حال ~~المجرمين أي عن حال أنفسهم وليس فيه إلا وضع المظهر مكان الضمير. وهذا ~~التكرار مما جاء في القرآن وغيره من فصيح الكلام شائعا ذائعا كقوله فبدل ~~الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا [الأعراف: 162] ~~«أن يسألوا ms4512 # PageV06P395 # الحق يعطي الحق سائله» . وإذا جاز ذلك مع التصريح بهما فكيف لم يجز ~~وأحدهما محذوف؟ وهذا من غرائب نظم القرآن وفصاحته غير بعيد، والمعنى ما ~~أدخلكم في هذه الدركة من النار؟ فأجابوا بأن ذلك لأمور أربعة: أحدها ترك ~~الصلاة، والثاني ترك إطعام المسكين. قال العلماء: يجب أن يحمل هذان على ~~الصلاة والصدقة الواجبتين وإلا لم يجز العذاب على تركهما. الثالث الشروع في ~~الأباطيل مع أهلها كإيذاء أهل الحق وكل ما لا يعني المسلم. الرابع التكذيب ~~بالبعث والجزاء إلى حين عيان الموت وأمارات ظهور نتائج أعمال المكلف عليه، ~~وقد يستدل بالآية على أن الكفار معذبون بفروع الشرائع كما يعذبون بأصولها ~~كالتكذيب بيوم الدين. وإنما أخر لأنه أعظم الذنوب أي إنهم بعد ذلك كله ~~يكذبون بهذا الأصل كقوله ثم كان من الذين آمنوا [البلد: 17] ويجوز أن يكون ~~سبب التأخير أنه آخر الأصول فأولها المبدأ وآخرها المعاد. وأيضا أراد أن ~~يرتب عليه قوله حتى أتانا اليقين وهو آخر حالات المكلف فلو قدم لم يحسن ~~معنى ولا لفظا لوقوع الفصل بين المعطوفات. قال في الكشاف: يحتمل أن كل واحد ~~منهم دخل النار لمجموع هذه الأربع، أو دخلها بعضهم ببعضها والباقون بسائرها ~~أو بكلها. قلت: إنهم جميعا مستوون في الدركة والظاهر أنهم دخلوها بمجموع ~~الأمور، ثم بين غاية خسرانهم بقوله فما تنفعهم شفاعة الشافعين وفيه دليل ~~على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة وذلك لغير الفساق عند المعتزلة، وفائدة ~~الشفاعة زيادة درجاتهم أو العفو عن صغائرهم، ثم وبخهم بقوله فما لهم عن ~~التذكرة أي عن القرآن الذي هو سبب الموعظة معرضين حال نحو مالك قائما كأنهم ~~حمر مستنفرة من قرأ بكسر الفاء فمعناه الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من ~~نفوسها، وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة ونداء عليهم بالبلادة والغباوة وعدم ~~التأثر من مواعظ القرآن بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجبا لنفرتهم، ~~ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ولا سيما إذا رابها ريب ولهذا وصف الحمر بقوله ~~فرت من قسورة وهى اسم جمع للرماة أو اسم ms4513 جنس للأسد وهو القهر والغلبة، وقال ~~ابن عباس: هي ركز الناس وأصواتهم. وعن عكرمة: ظلمة الليل. ومن قرأ بفتح ~~الفاء فهي المحمولة على النفار. ورجح بعضهم قراءة الكسر بناء على أن الفرار ~~يناسب النفار. ذكر المفسرون أنهم قالوا لرسول الله: لا نتبعك حتى تأتي لكل ~~واحد منا بكتب من السماء بصحف عنوانها من رب العالمين. إلى فلان ابن فلان ~~نؤمر فيها باتباعك. وروى بعضهم انهم قالوا: إن كان محمدا صادقا فليصبح عند ~~رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءة وأمنة من النار فأنكر الله تعالى فقال: بل ~~يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة أي قراطيس منشرة تقرأ كسائر الصحف، ~~أو منشرة على أيدي الملائكة # PageV06P396 # أنزلت ساعة كتبت قبل أن تطوى. وقيل: كانوا يقولون: بلغنا أن بني إسرائيل ~~كان الرجل منهم يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته فائتنا بمثل ذلك. فعلى ~~هذا المراد بالصحف الكتابات الظاهرة المكشوفة. ثم زجرهم عن اقتراح الآيات ~~فقال كلا بل لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التذكرة. ثم وصف القرآن بأنه ~~موعظة بليغة وتذكر شاف فمن شاء ذكره وتذكير الضمير هاهنا وفي إنه بتأويل ~~الذكر أو القرآن. ثم بين السبب # الأصلي في عدم التذكرة قائلا وما يذكرون إلا أن يشاء الله واستدلال ~~الأشعري به ظاهر، والمعتزلة حملوه على مشيئة القسر والإلجاء. ثم ختم السورة ~~بذكر ما ينبىء عن كمال الهيبة وهو صفة القهر الذي بسببه يجب أن يتقي، وصفة ~~اللطف الذي به يجب أن يرجى، والله الموفق للصواب وإليه المصير والمآب. # PageV06P397 ### | (سورة القيامة) # (وهي مكية حروفها ثلاثمائة واثنان وخمسون كلماتها مائة وتسع وتسعون ~~آياتها أربعون) ### | [سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 40] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) يسئل أيان يوم القيامة (6) فإذا برق ~~البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) # يقول الإنسان يومئذ أين المفر (10) كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ ~~المستقر (12) ينبؤا الإنسان ms4514 يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الإنسان على نفسه ~~بصيرة (14) # ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه ~~وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) # كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الآخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ~~ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) # تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) ~~وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) # إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ~~ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) # ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الإنسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من ~~مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ~~(39) # أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى (40) ### | القراآت: # روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل لأقسم على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا ~~أقسم ولا خلاف في قوله ولا أقسم بالنفس اللوامة برق بفتح الراء: أبو جعفر ~~ونافع. الآخرون: بكسرها تحبون وتذرون على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم ~~وحمزة وعلي وخلف ولا صلى إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع ~~وأبو عمرو. وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة الشديدة. يمنى على التذكير: حفص ~~والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس. الباقون: بتاء التأنيث. ### | الوقوف: # القيامة ه لا اللوامة ه عظامه ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها بنانه ه ~~أمامه ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف القيامة ه ج البصر ه لا القمر ~~ه ك المفر ه ك لأن كلا يصلح للردع عن الفرار والأجوز لا # PageV06P398 # وزر # ه ط المستقر # ه ط وأخر # ه ط بصيرة # ه لا معاذيره # ه لا لتعجل به # ه ط وقرآنه # ه ج لاحتمال أن «ثم» لترتيب الأخبار بيانه ه ط العاجلة ه الآخرة ه ناضرة ~~ه ج ناظرة ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة باسرة ه فاقرة ه ط التراقي ه ~~لا راق # ه ك الفراق ه ك بالساق ه ك المساق ه ك ولا ms4515 صلى ه لا وتولى ه ك يتمطى ه ط ~~للعدول إلى الخطاب فأولى ه لا سدى ه ط يمنى ه فسوى ه ك والأنثى ه ط الموتى ~~ه ### | التفسير: # المشهور أن «لا» في لا أقسم صلة زائدة كما مر في قوله فلا أقسم بمواقع ~~النجوم [الواقعة: 75] واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن ~~بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب ~~زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها ~~إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي ~~لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة ~~المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع. ~~والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن ~~إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام إنه يستأهل فوق ذلك. الاعتراض الثاني أن ~~هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن ~~أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: # فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # وفائدة الزيادة كما تقرر. وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل ~~بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير ~~مقسم أتحسب أنا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم ~~أنا قادرون عليه. وقيل: # المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم ~~بالنفس اللوامة على أن الحشر حق. وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ لأقسم ~~على أن اللام للابتداء. # وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيما لها ولم يقسم ~~بالنفس اللوامة تحقيرا لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما ~~فاسقة مقصرة في العمل. أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف ~~في قوله إن النفس لأمارة بالسوء [الآية: # 53] بيان سبب ms4516 تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم ~~بالمطمئنة. والذي ذكره المفسرون هاهنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس ~~فإنها تلوم نفسها يوم القيامة # PageV06P399 # على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت ~~مسيئة. وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه ~~الخواطر وإلا لدام حزنهم. # وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائما نفسه وإن ~~الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه. ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم ~~النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى. ولا يخفى وجه المناسبة ~~بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه. وخص ~~النفس اللوامة بعضهم بآدم عليه السلام وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي ~~خرج به من الجنة. وقيل: أن الإنسان خلق هلوعا فأي شيء طلبه إذا وجده مله ~~فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة. والجمهور على ~~أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ~~وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه ~~فإن الأقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على ~~أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها. قال ~~جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن ~~عباس: هو أبو جهل. # وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء. قال: يا محمد ~~حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن به، أو يجمع الله العظام؟ ~~فأنزل الله سبحانه أيحسب الإنسان الآية. # قوله قادرين حال مؤكدة لانه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي ~~نبه عليها بقوله أن نسوي ms4517 بنانه لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ~~ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو ~~الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على ~~تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها. وقيل: معنى التسوية جعلها شيئا واحدا ~~كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد ~~العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله بل يريد إضراب عن قوله ~~والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاما مقدرا. ومعنى ليفجر أمامه ليدوم ~~على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة. وهذا فحوى قول سعيد بن ~~جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله. قال أهل ~~النظم: وإن إنكار البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء ~~بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع ~~والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله أيحسب الإنسان إلى ~~قوله بنانه وأنكر على الثاني بقوله # PageV06P400 # بل يريد أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات ~~العاجلة يسئل سؤال تنعت أيان يوم القيامة ثم ذكر من أمارات الساعة أمورا ~~أولها فإذا برق البصر أي تحير فزعا وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ~~ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة. ومن قرأ بفتح الراء فهو من ~~البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ~~[إبراهيم: 42] وثانيها وخسف القمر أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت ~~خسوفه، أو ذهب بنفسه من قوله فخسفنا به وبداره الأرض [القصص: 81] وهذا ~~التفسير عندي لا يلائم ما بعده لأن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير ~~معقول ظاهرا. وثالثها وجمع الشمس والقمر قيل: أي في اطلاعهما من المغرب. # وقيل: في ذهاب الضوء. وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران ~~كما جاء في الحديث، # ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، والثور مثل ms4518 في الذل والبلادة فإذا كان ~~عقيرا أي جريحا كان أبلغ في ذلك. وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون ~~نار الله الكبرى. طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع ~~الشمس والقمر. # وأجيب بأنه تعالى قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة ~~الأرض. والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود ~~بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال. ولئن سلمنا أن المراد هو الاجتماع ~~المعهود فالقمر حينئذ في المحاق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر ~~والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور. ومنهم ~~من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، ~~وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: # عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس. وأما جمع الشمس والقمر فكناية ~~عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار ~~والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف ~~من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه. قال الفراء: إنما قال جمع ولم ~~يقل «جمعت» مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور. ~~وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياءان. وقال أبو عبيدة: القمر شارك ~~الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير يقول الإنسان المنكر للقيامة أين المفر ~~والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد ~~فيقول: أين زيد كلا ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة. قال ~~الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان. ~~وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعا. وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل # PageV06P401 # لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر ~~الله إلا الله فلذلك قال إلى ربك # خاصة دون غيره يومئذ المستقر # أي استقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي ms4519 إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ~~ناره. ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم # من عمل وأخر # فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل ~~الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة. وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي ~~بجميع أعماله. والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة. وجوز أن ~~يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار. ثم بين أن الإنسان لأعماله ~~بصير وإن لم ينبأ فقال بل الإنسان على نفسه بصيرة # أي حجة بينة. وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة. قال الأخفش: # جعله في نفسه بصيرة كما يقال «فلان جود وكرم» وذلك أنه يعلم بالضرورة متى ~~رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله ~~السليم. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه. ~~قوله ولو ألقى معاذيره # تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا ~~يخفى شيئا من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه. قال الواحدي والزمخشري: ~~المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعا لقيل معاذر بغير ~~ياء. وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن ~~أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: # إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع ~~المعذرة عقوبة المذنب. فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال ~~الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير ~~بالزيادة والنقصان، ومن جملة استدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ~~قوله عقيبها لا تحرك به # أي بالقرآن الذي نتلوه عليك لسانك لتعجل به # أي بأخذه. # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتد عليه ~~حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل ~~مخافة النسيان فنهاه ms4520 الله تعالى عن ذلك، # نظيره ما مر في «طه» ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [الآية: ~~114] وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذونا فيه أولا ثم ورد ~~النهي ناسخا له إن علينا # بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة جمعه # في صدرك وقرآنه # سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظه لقوله سنقرئك فلا تنسى ~~[الأعلى: 6] فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ~~ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء فإذا قرأناه # بقراءة جبرائيل فاتبع قرآنه # قال قتادة: أي حلاله وحرامه # PageV06P402 # وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ~~ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل عليه السلام لكن يجب أن تسكت ~~حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة. # قال ابن عباس: فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا نزل عليه ~~جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ. # ثم إنه صلى الله عليه وسلم كما كان حريصا على القراءة حتى لا ينسى لفظه ~~كان حريصا على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني ~~المشكلة فنهي عن هذا أيضا بوعد البيان وهو قوله إن علينا بيانه قال بعضهم: ~~وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز. إذا عرفت تفسير الآية ~~فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوها منها: أن هذا الاستعجال لعله اتفق ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت ~~كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئا من العلم وأخذ التلميذ يلتفت ~~يمينا وشمالا فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يمينا وشمالا، ثم يعود ~~إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسبة على من لم يعرف ~~الواقعة. ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة ~~فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك ms4521 أن التعجل مذموم مطلقا ولو في أمور الدين ~~فقال لا تحرك به لسانك # ورتب على ذم الاستعجال قوله كلا بل تحبون العاجلة ومنها أنه لما قال ولو ~~ألقى معاذيره # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل ~~له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا ~~بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في ~~طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال أين ~~المفر فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل ~~أموره إلا به. ومنها أنه تعالى كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو ~~التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما ~~رجع إلى نفسه. وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور ~~في قوله ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # كأنه حين عرض كتابه يقال له اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~[الإسراء: 14] فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من ~~الفزع ويسرع له القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به # فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، ~~فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره ~~وشرح مراتب عقوبته. قوله سبحانه. كلا بل تحبون قال بعضهم: هو بمعنى حقا. ~~وقال جار الله: هو ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وحث ~~له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله بل تحبون العاجلة كأنه ~~قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل # PageV06P403 # تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى. ثم وصف اليوم ~~الآخر بقوله وجوه يومئذ ناضرة ذات نضارة وبهاء. والوجه عبارة عن الجملة ~~قاله في الكشاف: # والأولى عندي تقليلا للمجاز أن يراد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق ms4522 الكل ~~على الجزء لا عكسه إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة شديدة العبوس تظن أن ~~يفعل بها فاقرة فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما ~~توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير. قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف ~~البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ~~ومنه قيل: عملت به الفاقرة. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر ~~إليه. وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في ~~الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى ~~الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه ~~تعالى محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية ~~وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون ب «إلى» إنما يراد ~~به تقليب الحدقة نحو المرئي التماسا للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل ~~كما قال سبحانه وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ويقال: دور فلان متناظرة ~~أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا ~~في حق الله تعالى محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها ~~كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع في. والانتظار إذا كان في شيء متيقن ~~الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح. واعترض بأن النظر إذا ~~كان بمعنى الانتظار لا يعدى ب «إلى» كقوله انظرونا نقتبس من نوركم [الحديد: ~~13] هل ينظرون إلا تأويله [الأعراف: 53] وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان ~~منتظرا للشخص، أما إذا كان منتظرا لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقرونا بإلى ~~كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك. وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة ~~إليك. سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون «إلى» واحد الآلاء أي نعمة ربها ~~منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى ~~نعمة الله ورحمته، قال ms4523 في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد ~~الدلائل الدالة، على أن النظر هاهنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى ~~الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من ~~حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء. وحين وصف القيامة ~~الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة، ~~وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة. والضمير في بلغت ~~للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله # PageV06P404 # فلولا إذا بلغت الحلقوم [الواقعة: 83] والتراقي العظام المكتنفة ثغرة ~~النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو ~~الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في ~~حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من ~~النداوة فيزول عن قرب. قوله وقيل من راق # إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه # «بسم الله أرقيك من كل ما يؤذيك» «1» # فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة ~~جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي ~~من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من ~~الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ولن نؤمن لرقيك [الإسراء: 93] ~~فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ~~ملائكة العذاب. وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ~~ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟ وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت ~~سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر ~~بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء وظن المحتضر أي تيقن أنه وقت ~~الفراق عن الدنيا وأوان الفطام عن مألوفاتها. وفي التعبير عن اليقين هاهنا ~~بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على ~~الحياة العاجلة لا يكاد يقطع ms4524 بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، ~~غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت. ~~واستدل بهذه الآية على أن النفس باق بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت ~~فراقا والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف. والتفت الساق ~~بالساق فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدة كما مر في قوله يوم يكشف عن ~~ساق [القلم: 42] أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة ~~الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها. ~~الثاني أن الساق هي العضو المخصوص. قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف ~~يضرب بإحدى رجليه عى الأخرى؟ قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا ~~في أكفانه. وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحداهما ~~بالأخرى. PageV06P405 # وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالا إلى ~~ربك أي حكمة خاصة يومئذ المساق أي السوق. وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض ~~إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في ~~الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار. قوله فلا صدق ولا صلى الضمير ~~فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه وقد ~~سبق أن تعينه صنفي أو شخصي أخبر الله سبحانه عن اختلال حال أعماله فيما ~~يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلا فلا صدق أي فلا صدق بالرسول أو بالقرآن أو ~~بالبعث ولا صلى ولكن كذب بالحق وتولى عن الطاعة ثم ذهب إلى أهله يتمطى ~~متبخترا مفتخرا بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت ~~الطاء الأخيرة ياء كما في «تقضى البازي» . ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن ~~المتبختر يلوي ظهره. قال أهل العربية «لا» هاهنا بمعنى «لم» وقلما تقع لا ~~الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه # الحديث «لا أكل ولا شرب ولا استهل» «1» # أما قوله عز من قائل فلا اقتحم العقبة [البلد: 11] فسيجيء # قال ms4525 قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد أبي جهل ~~ثم قال له أولى لك فأولى # يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في ~~قوله فأولى لهم [محمد: 20] وذلك في سورة القتال. # فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا في شيئا ~~وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهبا فأنزل الله كما قال الرسول. # قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضا وعيدا مبتدأ من الله للكافر ~~على طريقة الالتفات. ويحتمل أن يكون أمرا من الله لنبيه بأن يقوله لعدو ~~الله فيكون القول مقدرا أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا. ثم قال دليلين على ~~صحة الخبر الأول أيحسب الإنسان أن يترك سدى أي هملا لا يكلف ولا يحاسب ~~بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون [المؤمنون: 115] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة ومني ~~يمنى يراق في الرحم. من ذكر فللمني، ومن أنث فللنطفة. والنطفة اسم لما ينطف ~~كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي ~~هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات. والمني «فعيل» بمعنى «مفعول» من المني ~~بالسكون وهو الدفق غلب أيضا على الماء المخصوص فقوله من مني أي من هذا ~~الجنس كالتأكيد لها. وقوله PageV06P406 # يمنى تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق ~~به التمطي والفخر والاستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى ~~على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام [المائدة: 75] ~~والمراد به قضاء الحاجة. قوله فخلق فسوى أي قدر فعدل أركانه. وقيل: خلق فيه ~~الروح فصير أعضاءه متناسبة فجعل منه أي من الإنسان الزوجين الصنفين الذكر ~~والأنثى # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأ خاتمة السورة قال ~~عقيبها: سبحانك بلى. والله الموفق وإليه المصير والمآب. # PageV06P407 ### | (سورة الدهر) # (وهي مكية حروفها ألف وثلاثة وخمسون كلماتها مائتان وأربعون ms4526 آياتها 31) ### | [سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 31] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل ~~إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) # إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله ~~يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) # إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على ~~الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت ~~قطوفها تذليلا (14) # ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها ~~تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا ~~منثورا (19) # وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق ~~وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان ~~سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ~~ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) # واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ~~(26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم ~~وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا (29) # وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء ~~في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (31) ### | القراآت # سلاسلا بالتنوين والوقف بالألف: أبو جعفر ونافع وعلي وأبو بكر وحماد ~~وهشام سلاسل في الحالين: ابن كثير وحمزة وخلف وسهل ويعقوب يصلون بغير ألف # PageV06P408 # ويقفون بالألف قوارير قوارير غير مصروفين في الحالين: حمزة ويعقوب كلاهما ~~بالتنوين والوقف بالألف والثاني بغير الألف في الحالين. الباقون كلاهما ~~بغير ms4527 تنوين والوقف على الأول بالألف. لؤلؤا بالواو في الأول: شجاع ويزيد ~~وأبو بكر وحماد. الآخرون: # بهمزتين. عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء: أبو جعفر ونافع وحمزة والمفضل ~~الباقون: # بفتح الياء وضم الهاء خضر وإستبرق بالرفع فيهما وإستبرق بالخفض: ابن كثير ~~والمفضل وأبو بكر وحماد. الآخرون: بالخفض فيهما وما يشاؤن على الغيبة: ابن ~~كثير وابن عامر وأبو عمرو ### | الوقوف: # مذكورا ه أمشاج لا قد قيل يوقف عليه لئلا يوهم أن نبتليه صفة له لأنه حال ~~من خلقنا أي خلقناه مريدين ابتلاءه والوهم المذكور زائل لأن ضمير المفعول ~~في نبتليه واحد والأمشاج جمع. بصيرا ه كفورا ه سعيرا ه كافورا ه ج لاحتمال ~~أن يكون عينا بدلا تفجيرا ه مستطيرا ه شكورا ه قمطريرا ه سرورا ه ج على ~~الأرائك ط لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف زمهريرا ه ج لما يعرف في ~~التفسير تذليلا ه كانت قوارير ه لا وقيل: بوقف عليه وليس به لأن الثانية ~~بدل من الأولى تقديرا ه زنجبيلا ه ج لما مر في كافورا سلسبيلا ه ج مخلدون ه ~~بناء على أن حسبتهم صفة الولدان والظرف عارض منثورا ه كبيرا ه وإستبرق ك ~~لاختلاف الجملتين مع أن وجه الحال في الواو واضح أي وقد حلوا فضة ج لأن ~~الواو يحتمل الحال والاستئناف وهذا أولى لإفراد هذه النعمة العظيمة عن سائر ~~النعم طهورا ه ط مشكورا ه تنزيلا ه ج للآية مع الفاء أو كفورا ه أصيلا ه ج ~~لما ذكرنا طويلا ه ثقيلا ه أسرهم ج تبديلا ه تذكرة ج سبيلا ه أن يشاء الله ~~ط حكيما ه والوصل أوجه بناء على أن الجملة صفة في رحمته ط أليما ه ### | التفسير: # اتفقوا على أن «هل» هاهنا وفي «الغاشية» بمعنى «قد» وهذا ما ذهب إليه ~~سيبويه قال: وإنما تفيد معنى الاستفهام حيث تفيده لتقدير الهمزة، وإنما ~~حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، وإنما حذفت الهمزة ~~لكثرة الاستعمال والدليل على تقدير الهمزة، جواز إظهارها مع «هل» كقوله: # سائل فوارس ms4528 يربوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم؟ # ويربوع أبو حي من تميم، ومعنى الآية أقد أتى. فالاستفهام يفيد التقرير ~~وقد تفيد التقريب # PageV06P409 # فيكون حاصله أنه أتى على الإنسان قبل زمان قريب حين من الدهر وهو طائفة ~~من الزمان غير محدودة. وعن ابن عباس وابن مسعود أن الإنسان هاهنا آدم ~~والحين محدود وذلك أنه مكث أربعين سنة طينا إلى أن نفخ فيه الروح فصار شيئا ~~مذكورا بعد أن كان كالمنسي وفي رواية عنه قال: أقام من طين أربعين سنة، ومن ~~صلصال أربعين. ثم من حمأ مسنون أربعين، ثم خلقه بعد مائة وعشرين وإطلاق ~~الإنسان عليه قبل نفخ الروح فيه من باب إطلاق الخمر على العصير. ويجوز أن ~~يراد قد أتى على هذا الذي هو الآن إنسان بالفعل زمان لم يكن هو فيه إنسانا ~~إلا بالقوة وهذا صادق على آدم كما قلنا، وعلى بنيه أيضا عند الأكثرين. ولعل ~~هذه الآية كالتقدمة والتوطئة للتي تعقبها، وكالتأكيد لخاتمة السورة ~~المتقدمة. وقوله لم يكن محله رفع على أنه نعت حين أو نصب على الحال من ~~الإنسان لأنه في تقدير المفعول ويروى أن الصديق لما سمع هذه الآية قال: ~~أيتها تمت أي ليت تلك الحالة تمت وهي كونه غير مذكور لم يخلق ولم يكلف. ~~وقيل: الإنسان آدم كما ذكرنا ولكن الحين هو الستة الأيام التي خلق الله ~~فيها السموات والأرض ثم فرغ لخلق آدم في عصر يوم الجمعة. وقيل: الإنسان عام ~~والحين مدة فترة الرسل وقيل: الحين مدة لبثه في بطن أمه. قال ابن الأعرابي ~~وطائفة من أهل اللغة: الأمشاج جمع مشيج وأمشاج فوصف المفرد بها جميعا نحو ~~برمة أعشار للقدر المتكسرة قطعا، وثوب أكياش للذي فتل غزله مرتين. يقال ~~عليك بالثوب الأكياش فإنه من لباس الأكياس. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها ~~الماءان ماء الرجل. وهو أبيض غليظ- وماء المرأة- وهو أصفر رقيق- والأول ~~يخرج من الصلب، والثاني يخرج من الترائب، فما كان من عصب وعظم فمن نطفة ~~الرجل، وما كان من لحم ودم فمن ماء المرأة. ms4529 عن ابن مسعود: هي عروق النطفة. ~~وقال الحسن: أي مزجت بدم الحيض الذي فيه غذاء الجنين، وعن قتادة: هي ~~أطوارها نطفة ثم علقة ثم مضغة وذهب إلى أنها العناصر وبالجملة فإنها عبارة ~~عن انتقال النطفة من حال إلى حال ولهذا فسر الابتلاء بعضهم بهذا الانتقال ~~ومنه قول ابن عباس نبتليه أي نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة. والأظهر أن ~~حاصل المعنى خلقناه من أمشاج لا للعبث بل للإبتلاء والامتحان. ثم ذكر أنه ~~أعطاه ما يصح معه الابتلاء وهو السمع والبصر اللذان هما أشرف الحواس ولهذا ~~خصا بالذكر. وفيه إشارة إلى أن الحواس السليمة أسباب كلية لتحصيل الكمالات ~~النفسية فمن فقد حسا فقد علما. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ونبتليه معناه ~~لنبتليه كقولك لرجل: # جئتك أقضي حقك أي لأقضي حقك. والمعنى جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. ثم ~~أخبر أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة أوضح له بواسطة أن ~~آتاه العقل السليم سبيل # PageV06P410 # الهدى والضلالة. فقوله شاكرا وإما كفورا حالان من مفعول هديناه أي مكناه ~~وأقدرناه في هاتين الحالتين وقيل: تقديره هديناه السبيل فيكون إما شاكرا أو ~~كفورا. وفيه جهة الوعيد أي فإن شاء فليكفر وإن شاء فليشكر فإنا أعتدنا ~~للكافرين كذا وللشاكرين كذا. وجوز أهل العربية أن يكونا حالين من السبيل ~~على الإسناد المجازي لأن وصف السبيل بالشكر والكفر مجاز، وهذه الأقاويل ~~تناسب أصول المعتزلة. أما الذي اختاره الفراء وهو مطابق لمذهب أهل السنة أن ~~تكون «إما» في هذه الآية كما في قوله وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم ~~وإما يتوب عليهم [التوبة: 106] والمعنى هديناه السبيل ثم جعلناه تارة شاكرا ~~تارة كفورا. # والمراد بالشكر الإقرار بالله وبالكفر إنكاره حتى لا يكون بين الفريقين ~~واسطة. ويجوز أن يريد بالشاكر المطيع وبأهل الكفر كل من سواه كان كفرانه ~~مطلقا وهو الكافر بالله، أو ببعض المعاصي وهو الفاسق. قوله سلاسل من قرأه ~~بالتنوين فإنه صرفه لمناسبة. قال الأخفش: سمعنا من العرب صرف جميع مالا ~~يصرف وهذه لغة الشعراء اضطروا إليه في الشعر ms4530 فجرت ألسنتهم بذلك في النثر ~~أيضا. وقيل: إنه مختص بهذه الجموع لأنها أشبهت الآحاد ولهذا جاز «صواحبات ~~يوسف» . وجوز في الكشاف أن يكون هذا التنوين بدلا من حرف الإطلاق ويجري ~~الوصل مجرى الوقف، ومثله وارير # فيمن قرأ بالتنوين، والاعتاد الإعداد، والسلاسل للأرجل والأغلال للأيدي ~~والأبرار جمع بر وبار. عن الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر من كأس أي إناء ~~فيه الشراب. وقال ابن عباس ومقاتل: هو الخمر بعينها، والمزاج ما يمزج به، ~~والكافور اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا ~~يكون فيه طعم الكافور ولا مضرته، والمضاف محذوف ماء كافور. # والحاصل أن ذلك الشراب يكون ممزوجا بماء هذا العين قيل: «كان» زائدة ~~والأظهر أنها مفيدة ولكنها مسلوبة الدلالة على المضي كقوله وكان الله عليما ~~حكيما [النساء: 17] عن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك. وقيل: ~~يخلق فيه رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور. قال جار الله: ~~فقوله عينا على هذين القولين بدل من محل كأس على تقدير حذف مضاف كأنه قال: ~~يشربون خمرا خمر عين، أو نصب على الإختصاص. ولا خلاف بين العلماء أن عباد ~~الله في الآية مختص بالمؤمنين الأبرار فغلب على ظنهم أن العباد المضاف إلى ~~اسم الله سبحانه مخصوص في اصطلاح القرآن بالأخيار، وعلى هذا يسقط استدلال ~~المعتزلة بقوله ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] كما مر في أول الزمر. ~~وإنما قال أولا يشربون من كأس وآخرا يشرب بها لأن الكأس هي مبدأ شربهم وأما ~~العين فإنما يمزجون بها شرابهم فالباء بمعنى «مع» مثل «شربت الماء بالعسل» # PageV06P411 # يفجرونها يجرونها حيث شاؤا من منازلهم تفجيرا سهلا «قال مؤلف الكتاب» : ~~لا يبعد أن يكون الخمر عبارة عن العلوم اللدنية الحاصلة بالذوق والمكاشفة. ~~والكافور عبارة عن المعارف الحاصلة بواسطة البدنية، ومزاجها تركيبها على ~~الوجه الموصل إلى تحصيل لذات وكمالات أخر، وتفجرها إشارة إلى اتصالها إلى ~~أهلها من النفوس المستعدة لذلك. قال أهل النظم: حين وصف سعادة الأبرار كان ~~لسائل أن يسأل: ما لهم يرزقون ذلك؟ ms4531 فأجاب بقوله يوفون بالنذر وفيه أن الذي ~~وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى. ذكر ~~الواحدي في البسيط والزمخشري في الكشاف وكذا الإمامية أطبقوا على أن السورة ~~نزلت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولا سيما في هذه الآي. # يروى عن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ناس معه فقال: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك فنذر علي وفاطمة وفضة ~~جارية لهما إن أبرأهما الله يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهما شيء، ~~فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة منها ~~صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم ~~سائل فقال: السلام عليكم يا أهل محمد، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني ~~أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا ~~صياما. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه. ووقف ~~عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه ~~بيد الحسن والحسين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أبصرهم وهم ~~يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام ~~وانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد لصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ~~ذلك فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فاقرأه السورة. # ويروى أن السائل في الليالي جبرائيل أراد بذلك ابتلاءهم بإذن الله ~~سبحانه. # ووصفهم الله سبحانه بالخوف من أهوال القيامة في موضعين أولا في قوله ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا أي مكروهه مستطيرا فاشيا منتشرا من استطار ~~الحريق، ومنه الفجر المستطير وأصله من طار. والغرض أنه تسع مكاره ذلك اليوم ~~جميع المكلفين حتى الأنبياء يقولون: نفسي # إلا نبينا محمد فإنه يقول «أمتي أمتي» # والسموات يتفطرن والكواكب ينتثرن إلى غير ذلك من المكاره والأهوال. # ولا ينافي هذا أمن المسلمين في الآخرة على ما قال ms4532 لا يحزنهم الفزع الأكبر ~~[الأنبياء: # 103] وثانيا في قوله إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا وإذا كان حال أهل بيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو حال الأبرار على العموم في الخوف من الله إلى ~~هذه الغاية فغيرهم أولى بالخوف. وأما الضمير في حبه فللطعام أي مع اشتهائه ~~والحاجة إليه كقوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا # PageV06P412 # مما تحبون # [آل عمران: 92] ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: # 9] وقال الفضيل بن عياض: أي على حب الله عز وجل نظير الآية قوله وآتى ~~المال على حبه [البقرة: 177] ومعنى المسكين واليتيم قد عرف مرارا، وأما ~~الأسير فعن سعيد بن جبير وعطاء: هو الأسير من أهل القبلة. وعن أبي سعيد ~~الخدري: هو المملوك والمسجون. # وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغريم أسيرا فقال «غريمك أسيرك فأحسن ~~أسيرك» وقد سمى الزوجة أسيرا أيضا فقال «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان ~~عندكم» # أي أسراء. # عن الحس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض ~~المسلمين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه. # وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف ~~إليهم الواجبات. والإحسان إليهم في الحال إلى أن يرى الإمام فيهم ما يرى من ~~قتل أو من أو فداء أو استرقاق، لا ينافي احتمال حكم الإمام عليهم بالقتل في ~~المآل لأن سد خلتهم بالإطعام واجب على الفور وذلك يحتمل التراخي كما في حق ~~من يلزمه القصاص ولم يكن له مال. ثم هذا الإطعام يجب أولا على الإمام فإن ~~لم يفعله وجب على المسلمين. قال قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك ~~المسلم أحق أن تطعمه. ثم الإطعام ليس بواجب على التعيين ولكن الواجب ~~مواساتهم بأي وجه كان. وإنما عبر عن ذلك بالإطعام لأن سبب النزول كان كذلك، ~~ولأن المقصود الأعظم من أنواع الإحسان الطعام الذي به قوام البدن. يقال: ~~أكل فلان مال فلان إذا أتلفه بأي وجه كان، وإن لم يكن بالأكل نفسه. قوله ~~إنما ms4533 نطعمكم لوجه الله لرضاه خاصة. ولا بد من إضمار القول. ثم إن هذا القول ~~يجوز أن يكون منهم باللسان منعا للسائل عن المجازاة بمثله، أو بالشكر ليقع ~~إطعامهم خالصا لله. ويجوز أن يكون بنطق الحال. قال مجاهد: إما إنهم ما ~~تكلموا بذلك ولكن الله علم ذلك منهم فكشف عن نيتهم وأثنى عليهم. وفيه تنبيه ~~على ما ينبغي أن يكون عليه المطعم بل كل عامل من إخلاص عمله لله. عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل الرسول ما قالوا ~~فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا. والشكور مصدر ~~كالكفور ولو فتحت أولهما عاد المعنى مبالغة في شاكر وكافر. قوله إنا نخاف ~~ظاهره أنه تعليل للإطعام ويجوز أن يكون تعليلا لعدم إرادة المجازاة. ووصف ~~اليوم بالعبوس مجاز وذلك بطريقين أحدهما: أن يشبه في ضرره وشدته بالأسد ~~العبوس أو بالشجاع الباسل. والثاني أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء. # يروى أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران. # والقمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله بلاء وأصله الشديد العبوس الذي ~~يجمع ما بين عينيه. # PageV06P413 # والتركيب يدل على الجمع ومنه القمطر خريطة يجمع فيه الكتب، واقمطرت ~~الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها قاله الزجاج: فأصله من ~~القطر وجعل الميم زائدة والظاهر أنها أصلية. وحين أخبر عن أعمال الأبرار ~~وإخلاصهم ذكر ما سيجزيهم على ذلك وأكد تحقيق الوعد بأن عبر عنه بصيغة ~~الماضي قائلا فوقاهم الله شر ذلك اليوم أي مكروهه فإن كل ما يشق على النفس ~~وتكرهه فهو شر بالإضافة إليها، وإن كان خيرا في نفس الأمر مشتملا على الحكم ~~والفوائد كالقصاص وسائر الحدود ولقاهم أعطاهم نضرة في الوجوه سرورا في ~~القلوب بدل عبوس الكفرة وحزنهم وجزاهم بما صبروا على التكاليف أو الإيثار ~~المؤدي إلى إفناء المال المستتبع للجزع جنة وحريرا أي بستانا فيه مأكل هني ~~ولباسا له منظر بهي قال الأخفش والزجاج متكئين نصب على الحال من ms4534 مفعول ~~جزاهم وقيل: على المدح. وقيل: حال من الجنة. وضعف لأنه يستدعي إبراز الضمير ~~بأن يقال: متكئين فيها هم. والزمهرير شدة البرد. والأظهر أن الميم والهاء ~~أصليتان لعدم النظير لو جعل أحدهما زائدا، والمعنى أن هواءها معتدل. # وفي الحديث «هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر» . # وعن ثعلب أن الزمهرير هو القمر بلغة طي واشتقاقه من الزهر، والمراد أن ~~الجنة لضيائها لا تحتاج إلى شمس ولا قمر. قوله ودانية ذكر الأخفش والكسائي ~~والفراء والزجاج أنه معطوف على متكئين كما تقول في الدار عبد الله متكئا ~~ومرسلة عليه الحجال، وإن جعلنا قوله لا يرون حالا صارت الأحوال ثلاثا ~~والتقدير. # وجزاهم متكئين فيها على الأرائك غير رائين فيها هواء مؤذيا ودانية عليهم ~~الظلال. ودخلت الواو في الثالثة للدلالة على الاجتماع كأنه قيل: وجزاهم جنة ~~متكئين فيها على الأرائك جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد وبين الدنو ~~من الظلال. ويجوز أن يكون دانية معطوفا على جنة لأنهم وصفوا بالخوف. وقد ~~قال سبحانه ولمن خاف مقام ربه جنتان [الرحمن: 46] والتقدير: وجزاهم جنة ~~أخرى دانية عليهم ظلالها. وقوله لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا من باب ~~«علفتها تبنا وماء باردا» وذلك لأن الزمهرير لا يرى أي ولا ينالون زمهريرا ~~وإن أريد بالشمس نكاية شعاعها وحرها فمعنى لا يرون لا ينالون، ولا يخفى أن ~~هذا الظل ليس بالمعنى المصطلح في الدنيا وهو الضوء النوراني فإنه لا شمس ~~هناك، فمعنى دنو الظلال أن أشجار الجنة خلقت بحيث لو كان هناك شمس لكانت ~~تلك الأشجار قريبة الظلال على أهل الجنة وقد أكد هذا المعنى بقوله وذللت ~~قطوفها تذليلا أي لا تمتنع على قطافها كيف شاؤا. وقال ابن قتيبة: ذللت أي ~~أدنيت من قولهم «حائط ذليل» إذا كان قصيرا قال البراء ابن عازب: من أكل ~~قائما لم يؤذه، ومن أكل جالسا ومضجعا أمكنه. وحين وصف طعامهم # PageV06P414 # ولباسهم ومسكنهم واعتدال هوائه وكيفية جلوسهم فيه أخبر عن شرابهم وقد ذكر ~~الأواني. ومعنى قوارير من فضة أن جنس الآنية من الفضة ms4535 إلا أن تلك الفضة في ~~صفاء القوارير وشفافتها حتى يرى باطنها من ظاهرها، وإذا كانت قوارير الدنيا ~~وأصلها من الحجر في غاية الصفاء والرقة بحيث تحكي ما في جوفها فما ظنك ~~بقوارير الجنة وأصلها من الفضة؟ ومعنى كانت كما مر في قوله كان مزاجها ~~كافورا وقال في الكشاف: هو من قوله كن فيكون [يس: # 82] أي تكونت قوارير بتكوين الله والمراد تفخيم تلك الخلقة العجيبة ~~الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. والضمير في قدروها إما لأهل الجنة ~~أي إنها جاءت كما قدروا في أنفسهم حسب شهوتهم وحاجتهم، وإما للطائفين أي ~~قدروا شرابها على مقدار ري كل أحد من غير زيادة ونقصان. وقريب منه قول ~~مجاهد: لا تنقص ولا تفيض. وقال الربيع بن أنس: إن تلك الأواني تكون مقدار ~~ملء الكف لم تعظم فيثقل حملها. قوله ويسقون فيها كأسا أي في الجنة إناء ~~مملوأ من الخمر، ويجوز أن يكون الضمير للأواني، والكأس الخمر نفسها والعرب ~~تحب طعم الزنجبيل في المشروب وتستلذه ولذلك وصف الله مشروبهم في الآخرة ~~بذلك. قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة فليس منه في ~~الدنيا إلا الاسم. أما السلسبيل فقد قال ابن الأعرابي: لم أسمعه إلا في ~~القرآن. وقال الأكثرون اشتقاقه من السلاسة. يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ~~أي عذب سهل المساغ فكأن الباء واللام زيدتا للمبالغة حتى صارت الكلمة ~~خماسية. ويرد عليه أن الباء ليست من حروف الزيادة. قال الزجاج: السلسبيل في ~~اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة. والفائدة في تسميتها بالسلسبيل بعد ~~تسميتها بالزنجبيل هي أنها في طعم الزنجبيل ولذته ولكن ليس فيها اللذاع ~~الذي هو مناف للسلاسة. # وقد نسب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام أن معناه سل سبيلا إليها. # ووجه أن صحت الرواية بأنها حينئذ جملة سميت بها مثل «تأبط شرا» وسبب ~~التسمية في الأصل أنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالإيمان والعمل ~~الصالح. وفي بعض شعر المتأخرين: # سل سبيلا فيها إلى راحة النف ... س ms4536 براح كأنها سلسبيل # والظاهر منع صرفه للعملية والتأنيث ولكن لم يقرأ به إلا في الشواذ ~~والمتواترة التنوين، ووجهه ما مر في سلاسلا على أن رعاية المشاكلة أولى ~~لكونه رأس آية. ثم وصف خدمهم بقوله ويطوف عليهم ولدان مخلدون ويجوز أن يكون ~~هذا بيانا للطائفين في قوله ويطاف عليهم بآنية وقد صرح به في الواقعة وزاد ~~هاهنا أن شبههم في حسنهم وصفائهم وبقائهم وتفرقهم في المجلس لأصناف الخدمة ~~باللؤلؤ المنثور. يحكى أن المأمون ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل ~~وهو على بساط منسوج من ذهب وقد نثرت عليه # PageV06P415 # نساء دار الخلافة اللؤلؤ، فنظر إليه منثورا على ذلك البساط فاستحسن ~~المنظر وقال: لله در أبي نواس كأنه شاهد مجلسنا هذا حيث قال البيت: # كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب # وقيل: شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأكثر ماء، ثم أجمل ~~نعيمهم لأنه مما لا يحصر ولا يخطر ببال أحد ما دام في الدنيا فخاطب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أو كل راء قائلا وإذا رأيت قال الفراء: مفعوله وهو ~~الموصول مضمر تقديره ما ثم كقوله لقد تقطع بينكم [الأنعام: 94] يريد ما ~~بينكم. وأنكر الزجاج وغيره حذف الموصول والاكتفاء بالصلة. والذي اختاره ~~أصحاب المعاني أن يكون المفعول متروكا ليشيع ويعم. # والمعنى أن الرائي أينما وجد الرؤية لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم وملكا ~~كبيرا أي واسعا هنيئا. و «ثم» ظرف مكان أشير به إلى الجنة. # روي أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام. # وقيل: الملك الكبير هو الذي لا زوال له. وقيل: هو أنه إذا أراد شيئا كان. ~~ومنهم من حمله على التعظيم وهو أن يأتي الرسول بكرامة من الكسوة والطعام ~~والشراب والتحف إلى ولي الله وهو في منزله فيستأذن عليه ولا يدخل عليه رسول ~~رب العزة وإن كان من الملائكة المقربين إلا بعد الاستئذان قاله الكلبي: ~~وقال أهل العرفان: الملك الكبير هو اللذات الحقيقية والمعارف الإلهية ~~والأسرار الربانية التي ms4537 تستحقر عندها اللذات البدنية. وعن علي أنه قرأ ملكا ~~كبيرا بفتح الميم وكسر اللام هو الله. من قرأ عاليهم بسكون الياء فعلى أنه ~~مبتدأ وثياب سندس خبر أي ما يعلوهم من لباسهم ثياب سندس. # ومن قرأ بالنصب فعلى أنه ظرف بمعنى فوق فيكون خبرا مقدما. ويجوز أن يكون ~~نصبا على الحال من ضمير الأبرار أي ولقاهم نضرة وسرورا. حال ما يكون عاليهم ~~ثياب سندس. أو يطوف عليهم أي على الأبرار ولدان حال ما يكون عاليهم ثياب ~~سندس. ويحتمل أن يكون العامل رأيت والمضاف محذوف والتقدير رأيت أهل نعيم ~~وملك عاليهم ثياب سندس. # من قرأ خضر بالرفع فظاهر، ومن قرأ بالجر فعلى الجوار أو على أنه صفة سندس ~~بالاستقلال لأنه جنس فكان في معنى الجمع كما يقال: أهلك الناس الدينار ~~الصفر والدرهم البيض. وأما الرفع في إستبرق فللعطف على ثياب، والجر للعطف ~~على سندس. # وكلاهما ظاهر. قوله وحلوا أساور من فضة إن كان الضمير للولدان فلا إشكال ~~لأن أساور المخدومين تكون من ذهب كما قال سبحانه في مواضع يحلون فيها من ~~أساور من ذهب [الكهف: 31] وأساور الخدام تكون من فضة. وإن كان الضمير ~~للأبرار فلا إشكال # PageV06P416 # أيضا فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة وإما على الجمع. وما أحسن ~~بالمعصم أن يكون فيه سواران سوار من ذهب وسوار من فضة. وأيضا فالطباع ~~مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة، ورب إنسان يكون استحسانه ~~لصفرة الذهب فالله تعالى يعطي كل أحد بفضله ما تكون رغبته فيه أتم. وقال ~~بعض أهل التأويل: أساور اليد أعمالها وأكسابها التي صارت ملكات نورانية بها ~~يتوسل إلى جوار الحضرة الصمدية كما أن الذهب والفضة في الدنيا وسائل إلى ~~تحصيل المطالب العاجلة. ثم ختم جزاء الأبرار بقوله وسقاهم ربهم شرابا طهورا ~~هو إما مبالغة طاهر والمراد أنها ليست بنجسة كخمور الدنيا ولا مستقذرة طبعا ~~لمساس الأيدي الوضرة والأقدام النجسة والدنسة، ولا تؤل إلى النجاسة ولكنها ~~ترشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك. وإما مبالغة مطهر. قال أبو قلابة: ms4538 ~~يؤتون بالطعام والشراب ممزوجا بالكافور والزنجبيل فإذا كان ذلك سقوا هذا ~~الشراب فتظهر بذلك بطونهم ويفيض عرق من جلودهم كريح المسك. وذكر أصحاب ~~التأويل أن الأنوار الفائضة من العالم العلوي متفاوتة في الصفاء والقوة ~~والتأثير فبعضها كافورية طبعها البرد واليبس ويكون صاحبها في الدنيا في ~~مقام الخوف والبكاء والقبض، وبعضها زنجبيليا على طبع الحر واليبس ويكون ~~صاحبها قليل الالتفات إلى ما سوى الله قليل المبالاة بالجسمانيات، ثم لا ~~يزال الروح الإنساني ينتقل من نوع إلى نوع ومن مقام إلى مقام إلى أن ينتهي ~~إلى حضرة نور الأنوار فيضمحل في نور تجليه سائر الأنوار، وهذا آخر سير ~~الصديقين ومنتهى درجاتهم في الارتقاء إلى مدارج الكمال، فلهذا أضاف السقي ~~إلى ذاته قائلا وسقاهم ربهم ثم ختم وعدهم بقوله إن هذا كان لكم جزاء عن ابن ~~عباس أن هذا المعنى إنما يقال لهم بعد دخولهم الجنة، فالقول مقدر والغرض ~~إعلامهم أن كل ما تقدم من أصناف العطاء إنما هو جزاء أعمالهم والغرض إذاقة ~~لذة الآخرة فإن سرورهم يزيد بذلك. وقال آخرون: إنه ابتداء خبر من الله ~~تعالى لعباده في الدنيا ليعلموا في دار التكليف أن هذه الأشياء معدة في ~~الآخرة لمن بر وأطاع. واعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد ~~بعد العدم، ثم ذكر أنه خلقه من أمشاج وهي العناصر والأخلاط والماءان ماء ~~الرجل وماء المرأة، والأطوار المتعاقبة على النطفة أو النفس أو البدن، وعلى ~~جميع التقادير فلذلك يدل على كونه فاعلا مختارا صانعا حكيما. ثم أخبر أنه ~~ما خلقه لأجل العبث ماطلا باطلا ولكنه خلقه للابتلاء والامتحان وأعطاه كل ~~ما هو محتاج إليه من العقل والحواس ثم إن مآل أمره بالجبر أو بالقدر إلى ~~الشكر أو الكفر، أما الكافر فله السلاسل والأغلال، وأما الشاكر فله النعيم ~~والظلال. واختصر في العقاب وأطنب في ذكر الثواب إشارة إلى أن رحمته سبقت ~~غضبه. # PageV06P417 # وحين فرغ من شرح أحوال الآخرة بدأ بكيفية صدور القرآن الذي منه تعليم هذه ~~العلوم والحقائق فقال إنا نحن ms4539 نزلنا عليك القرآن تنزيلا وفيه أنواع من ~~المبالغة من قبل إيقاع الضمير اسما لأن «ثم» تكريره ومن جهة ذكر المصدر بعد ~~الفعل ومن جهة لفظ التنزيل دون الإنزال لأن تنزيل القرآن منجما مفرقا أقرب ~~إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده، وحيث سلى قلبه أمره ~~بالصبر على أذى الكفار إلى أوان تنزيل آية القتال ونهاه عن طاعة كل آثم ~~منهم وخصوصا الكفور فإن الكفر أعظم الآثام قال النحويون: كلمة أو مفيدة ~~لأحد الشيئين أو الأشياء، فأورد عليه أنه يلزم في الآية أنه لا يجوز طاعة ~~الآثم والكفور إذا تخالفا. أما إذا توافقا فإنه يجوز طاعتهما إذ لا يبعد أن ~~يقول السيد لعبده إذا أمرك أحد هذين الرجلين فخالفه. أما إذا توافقا فلا ~~تخالفهما. والجواب أنه لا ريب أن قولك «لا تضرب زيدا أو عمرا» معناه في ~~الأظهر لا تضرب زيدا ولا عمرا. ويحتمل احتمالا مرجوحا «لا تضرب أحدهما ~~واضرب الآخر» إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في الآية لقرينة الإثم والكفر فإن ~~أحدهما إذا كان منهيا عنه فكلاهما معا # أولى لأن زيادة الشر شر. ولهذا قال الفراء: لا تطع واحدا منهما سواء كان ~~آثما أو كفورا. ولو كان العطف بالواو كان نصا في النهي عن طاعتهما معا، ولا ~~يلزم منه النهي عن طاعة كل منهما على الانفراد. وقد خص بعض المفسرين فقال: ~~الآثم هو عتبة لأنه كان متعاطيا لأنواع الفسوق. والكفور هو الوليد لأنه كان ~~شديد الشكيمة في الكفر. # يروى أن عتبة بن ربيعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر ~~حتى أزوجك ولدي فإني من أجمل قريش ولدا. وقال الوليد: أنا أعطيك من المال ~~حتى ترضى فإني من أكثرهم مالا. فقرأ عليهم رسول الله من أول «حم السجدة» ~~إلى قوله فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فانصرفا عنه. ~~وقال أحدهما: ظننت أن الكعبة ستقع. # وقال الحسن: الآثم هو المنافق، والكفور مشركو العرب، أمره بالصبر على ~~التكاليف مطلقا. ثم قسمها إلى نهي وأمر ms4540 على هذا الترتيب لأن التخلية مقدمة ~~على التحلية. أما النهي فقد مر، وأما الأمر فأوله ذكر الله ولا سيما في ~~الصلاة أول النهار وآخره وهو المراد بقوله بكرة وأصيلا ويشمل صلوات الفجر ~~والظهر والعصر وأول الليل وهو المراد بقوله ومن الليل فاسجد له أي وفي بعض ~~الليل فصل له يعني صلاة المغرب والعشاء وأوسطه وهو المعنى بقوله وسبحه أي ~~وتهجد له طويلا من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه كما مر في «المزمل» . ثم ~~شرع في توبيخ المتمردين عن طاعته مستحقرا إياهم قائلا إن هؤلاء يحبون الدار ~~العاجلة ونعميها الزائل ويذرون وراءهم يوما ثقيلا أي شديدا كقوله ثقلت في ~~السماوات والأرض [الأعراف: 187] ثم بين كمال قدرته قائلا نحن خلقناهم ~~وشددنا # PageV06P418 # أسرهم # أي ربطهم وتوثيقهم ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقد وبه سمى القد أسرا. ~~والمعنى ركبناهم تركيبا محكما وتقنا مفاصلهم بالأعصاب والربط والأوتار حسب ~~ما يحتاجون إليه في التصرف لوجوه الحوائج وإذا شئنا أهلكناهم بالنفخة ~~وبدلنا أمثالهم في شدة الأسر عند النفخة الثانية. وقال جار الله: قيل معناه ~~بدلنا غيرهم ممن يطيع وحقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم [محمد: 38] ممن يطيع إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد [إبراهيم: ~~19] قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن وهو ~~ضعيف لأن كل واحد من «إذا» «وإن» حرف الشرط. قلت: ما ذكره جار الله ليس ~~طعنا في القرآن وإنما هو طعن في نفس ذلك القول بناء على أن «إذا» لا تستعمل ~~إلا فيما كان مقطوع الوقوع كالإماتة بالنفخة الأولى والإحياء في النشأة ~~الأخرى. أما الإهلاك على سبيل الاستئصال فذلك غير مقطوع به فلهذا ألا يحسن ~~تفسير اللفظ به وتعين التفسير الأول، والمبادرة بالاعتراض قبل الفهم التام ~~ليس من دأب العلماء المتقين فعجب من مثله ذلك. قوله إن هذه تذكرة قد مر في ~~«المزمل» والمقصود من إعادته أن هذه السورة بما فيها من الترتيب الأنيق ~~تبصرة للمتأملين المتخذين إلى كرامة الله سبيلا بالطاعة والانقياد، ms4541 وفيه ~~دليل للقدري. وفي قوله وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إلى آخر السورة دليل ~~للجبري والتوفيق بينهما مفوض إلى فهم أهل التوفيق وقدمنا فيه التحقيق. ~~وانتصب الظالمين بفعل يفسره معنى أعد أو وعدت ونحوهما أوعد، وبالله التوفيق ~~وإليه المصير والمآب. # PageV06P419 ### | (سورة المرسلات) # (وهي مكية حروفها ثمانمائة وستة عشر كلماتها مائة وإحدى وثمانون آياتها ~~خمسون) ### | [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 50] # بسم الله الرحمن الرحيم # والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات ~~فرقا (4) # فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم ~~طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) # وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لأي يوم أجلت (12) ليوم ~~الفصل (13) وما أدراك ما يوم الفصل (14) # ويل يومئذ للمكذبين (15) ألم نهلك الأولين (16) ثم نتبعهم الآخرين (17) ~~كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) # ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم ~~(22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) # ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات ~~وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون (29) # انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ~~ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) # هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين ~~(37) هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (38) فإن كان لكم كيد فكيدون (39) # ويل يومئذ للمكذبين (40) إن المتقين في ظلال وعيون (41) وفواكه مما ~~يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي ~~المحسنين (44) # ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ ~~للمكذبين (47) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) # فبأي حديث بعده يؤمنون (50) ### | القراآت # فالملقيات ذكرا بتشديد الذال للإدغام: أبو عمرو وحمزة في رواية عنهما ~~عذرا بضم الذال: الشموني والبرجمي أو نذرا بالسكون: أبو عمرو وحمزة وعلي ~~وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد: وقتت بالتشديد وبالواو: أبو عمرو ويعقوب. # وبالتخفيف: ويزيد. وفي رواية بإبدال الواو همزة كقولهم «أجوه» في «وجوه» ~~. الباقون: بالإبدال # PageV06P420 # وبالتشديد ألم نخلقكم مظهرا روى النقاش ms4542 عن ابن ربيعة عن أصحابه والحلواني ~~عن قالون وحفص والنجاري وعن ورش فقدرنا مشددا: أبو جعفر عن نافع وعلي، ~~انطلقوا إلى ظل بفتح اللام: رويس: جمالت على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وحفص ~~وجمالات بضم الجيم مجموعة: يعقوب. الآخرون: بالكسر مجموعا. ### | الوقوف: # عرفا ه لا عصفا ه لا نشرا ه لا فرقا ه لا ذكرا ه لا نذرا ه لا لواقع ه ط ~~طمست ه لا فرجت ه لا نسفت ه لا أقتت ه لا بناء على أن عامل «إذا» محذوف أي ~~إذا كانت هذه الأمور يفصل بين الخلق أجلت ه ط للفصل بين الجواب والسؤال ~~الفصل ج للمكذبين ه الأولين ه ط لأن ما بعده مستأنف أي ثم نحن نتبعهم ~~الآخرين ه بالمجرمين ه مهين ه لا معلوم ه لا فقدرنا ه القادرون ه كفاتا ه ~~لا وأمواتا ه لا فراتا ه لا للمكذبين ه تكذبون ه ج للتكرار مع الآية ووجه ~~الوقف لمن قرأ بفتح اللام أوضح لأنه ابتداء إخبار عن موجب عملهم بما أمروا ~~به شعب ه لا اللهب ه ط كالقصر ه ج لأن ما بعده وصف لشرر لا للقصر صفر ه ط ~~للمكذبين ه لا ينطقون ه لا فيعتذرون ه للمكذبين ه الفصل ه ج لاحتمال ما ~~بعده الاستئناف والحال أي أشير إلى يوم مجموعا فيه والأولين ه فكيدون ه ~~للمكذبين ه يشتهون ه تعملون ه المحسنين ه للمكذبين ه مجرمون ه للمكذبين ه ~~لا يركعون ه للمكذبين ه يؤمنون ه ### | التفسير: # الكلمات الخمس في أول هذه السورة يحتمل أن يكون المراد بها جنسا واحدا أو ~~أجناسا مختلفة. أما الاحتمال الأول فذكروا فيه وجوها الأول: أنها الملائكة ~~أقسم رب العزة بطوائف الملائكة الذين أرسلهم بأوامره حال كونهن عرفا أي ~~متتابعة كشعر العرف. يقال: جاؤا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع إذا ~~اجتمعوا عليه، ويجوز أن يكون العرف خلاف النكر أي أرسلهن للاحسان والمعروف. ~~فإن هؤلاء الملائكة إن كانوا بعثوا للرحمة فمعنى الإحسان حينئذ ظاهر، وإن ~~كانوا ms4543 قد بعثوا لأجل العذاب فذلك إن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف ~~للأنبياء والمؤمنين الذين انتقم الله من الكفار لأجلهم. ومعنى الفاء في ~~فالعاصفات أنهن عقيب الأمر عصفن في مضيهن كما عصفت الرياح بدرا إلى امتثال ~~الأمر. قيل: هو من قولهم «عصفت الحرب بالقوم» أي ذهبت بهم وأهلكتهم. ويقال ~~«ناقة عصوف» أي عصفت براكبها فمضت كأنها ريح من السرعة فالمراد أنهن حين ~~أرسلن للعذاب طرن بروح الكافر. ثم أقسم بطوائف من الملائكة نشرن أجنحتهن في ~~الجو عن # PageV06P421 # انحطاطهن بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض. أو أحيين النفوس الميتة بما ~~أوحين ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا للمحقين أو ~~نذرا للمبطلين. قال الأخفش والزجاج: هما بالسكون مصدران كالشكر والكفر، ~~والضم لغة في كل منهما كالنكر والنكر، والمعنى إعذارا أو إنذارا وكل منهما ~~بدل من ذكرا أو مفعول له. وقال أبو عبيد: # بالثقل جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر ~~والمنذر فيكونان حالين من الإلقاء أي عاذرين أو منذرين الوجه الثاني أنها ~~الرياح أقسم الله سبحانه برياح عذاب أرسلهن متتابعة فعصفن عصفا ورياح رحمة ~~نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه كقوله ويجعله كسفا [الروم: 48] فألقين ذكرا ~~إي صرن سببا في حصول الذكر لأن الإنسان العاقل إذا شاهد تلك الرياح التجأ ~~إلى ذكر الله والتضرع إليه فيكون عذرا للذين يعتذرون إلى الله عز وجل ~~بالتوبة والاستغفار، وإنذارا للذين يغفلون عن الله ويغفلون شكره إذ ~~ينسبونها إلى الأنواء. والوجه الثالث إنها القرآن وآياته أرسلت متتابعة أو ~~بكل معروف وخير فعصفت أي قهرت سائر الملل والأديان والكتب أي ابتدأن بالقهر ~~والنسخ عقيب الإرسال، ونشرن بعد ذلك بالتدريج آثار الحكم وأنوار الهداية في ~~قلوب العالمين ففرقت بين الحق والباطل وألقت الذكر والشرف إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمته كما قال وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: # 44] الرابع أنها طوائف الأنبياء أرسلوا بالوحي المستعقب لكل خير ومفتاحه ~~«لا إله إلا الله» فأخذ أمرهم في العصوف والاشتداد إلى أن بلغ غايته ms4544 ~~وانتشرت دعوتهم ففرقوا بين المؤمن والكافر، والمقر والجاحد، وألقوا الذكر ~~والتوحيد إلى الناس كافة أو إلى طائفة معينين. # الخامس وهو بالتأويل أشبه أن المرسلات هي الدواعي والإلهامات الربانية ~~أرسلت فأخذت في العصوف والاشتداد بحيث أزالت عن القلب حب ما سوى الله ~~وانبثت آثارها في سائر الأعضاء والجوارح، فلا يسمع إلا بالله ولا يبصر إلا ~~بالله، وكذا البطش والمشي وسائر الحركات والسكنات، ففرقت بين الوجود ~~المجازي وهو وجود سوى الله وبين الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله، وألقت ~~الذكر على كل الجوارح فلم يذكر غير الله. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجوه ~~أيضا أحدها: وهو المنقول عن الزجاج واختاره القاضي أن الثلاث الأول هي ~~الرياح كما في الوجه الثاني من الوجوه المتقدمة، والباقيتان الملائكة كما ~~مر في الوجه الأول منها. ووجه الجمع بين الرياح والملائكة هو اللطافة وسرعة ~~الحركة. وثانيها أن الأولين هما الرياح والثلاثة الأخيرة هي الملائكة لأنها ~~تنشر الوحي، ثم يعقبه أثران ظهور الفرق بين أولياء الله وأعدائه ودوران ذكر ~~الله على القلوب والألسن. وقد يتأيد هذا الوجه بعطف الثانية على الأولى ~~بفاء الوصل المنبئ عن التعقيب والتسبيب. ثم التنسيق بالواو # PageV06P422 # وعطف الباقيين عليها بالفاء وثالثها أن الأولى ملائكة العذاب والباقية ~~آيات القرآن على منوال ما سبق. قوله إنما توعدون لواقع جواب القسم ومعناه ~~على ما قال الكلبي: كل ما توعدون به من الخير والشر لواقع. والأكثرون ~~يخصونه بمجيء القيامة بدليل ذكر أماراتها بعده وهو قوله فإذا النجوم طمست ~~أي أزيلت عن أماكنها بالانتثار وأذهب ضوءها بالانكدار وقد ورد كل منهما ~~وإذا الكواكب انتثرت [فاطر: 2] وإذا النجوم انكدرت [التكوير: 2] فذكروا في ~~وجه الجمع بينهما أنه يجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر بمحوق النور. وفسر ~~الانتثار في الكشاف بمحق الذوات وفيه بعد لأن الانتثار غير الانعدام وإن ~~أراد بالمحق غير هذا فعليه بالبيان قوله وإذا السماء فرجت أي فتحت السماء ~~فكانت أبوابا وإذا الجبال نسفت أي سيرت أجزاؤها في الهواء كالحب إذا نسف ~~بالمنسف وقد مر في «طه» في قوله ويسئلونك عن ms4545 الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ~~[طه: 105] قال مجاهد والزجاج: المراد بأقتت الرسل تعيين الوقت الذي يحضرون ~~فيه للشهادة على أممهم، وكان هذا الوقت مبهما عليهم قبل ذلك وقريب منه قول ~~جار الله: إن معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. ثم ~~عجب العباد من هول ذلك اليوم فقال لأي يوم أجلت الأمور المتعلقة بهؤلاء ~~الرسل وهي تعذيب من كذبهم وتعظيم من صدقهم وظهور ما كانوا يوعدون الأمم ~~إليه ويخوفونهم به من العرض والحساب ونشر الدواوين ووضع الموازين. ثم أجاب ~~بأنهم أجلوا ليوم الفصل بين الخلائق، ثم عظم ذلك اليوم ثانيا فقال وما ~~أدراك ما يوم الفصل وأي شيء شدته ومهابته. ثم عقبه بتهويل ثالث فقال ويل ~~يومئذ أي يوم إذ كان كذا وكذا من الأهوال للمكذبين وإعرابه كإعراب سلام ~~عليك [مريم: 47] وقد سبق. وقد كرر هذا التهويل في تسعة مواضع أخر لمزيد ~~التأكيد والتقرير كما مر في سورة الرحمن. ثم هددهم بقوله ألم نهلك الأولين ~~كعاد وثمود وغيرهما إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم ثم نتبعهم الآخرين وهم ~~كفار مكة أهلكهم الله يوم بدر وغيره من المواطن قوله كذلك أي مثل ذلك ~~الإهلاك الفظيع نفعل بكل مجرم. ثم وبخهم بتعديد النعم وآثار القدرة عليهم ~~فقال ألم نخلقكم من ماء مهين حقير لا يعبأ به وهو النطفة فجعلناه في قرار ~~مكين وهو الرحم وهو أنه يتمكن فيه ما يتكون منه الولد إلى قدر معلوم أي إلى ~~مقدار معلوم من الزمان المقدر ولهذا قال فقدرنا بالتشديد فنعم القادرون أي ~~فنعم المقدرون له نحن. ومن قرأ بالتخفيف فبمعنى التقدير أيضا لتتوافق ~~القراءتان. قال الفراء: # قدر وقدر بالتخفيف والتشديد لغتان، ويجوز أن يكون المخفف من القدرة أي ~~فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا فنعم أصحاب القدرة نحن حيث خلقناهم في ~~أحسن تقويم. وفي # PageV06P423 # قوله ويل يومئذ للمكذبين توبيخ وتخويف من وجهين أحدهما: أن النعمة كلما ~~كانت أعظم كان كفرانها أفحش. والثاني أن القادر على الإبداء أقدر على ~~الإعادة فالمنكر لهذا ms4546 الدليل الواضح يستحق غاية التوبيخ. ثم عد عليهم نعم ~~الآفاق بعد ذكر الأنفس. والكفات اسم ما يكفت أي يضم ويجمع، ويجوز أن يكون ~~اسما لما يكفت به مبينا للمفعول كالشداد لضمام يشد به رأس القارورة. وانتصب ~~أحياء وأمواتا بفعل مضمر دل عليه هذا الاسم أي تكفت أحياء على ظهرها ~~وأمواتا في بطنها. والتنكير للتفخيم أي أحياء وأمواتا لا تعد ولا تحصى. ~~وجوز انتصابهما على الحال والضمير الذي هو ذو الحال محذوف للعلم به أي ~~تكفتكم في حال حياتكم وفي حال مماتكم. وقيل: معنى كونها كفاتا أنها تجمع ما ~~ينفصل منهم من المستقذرات وقيل: معناه أنه جامعة لما يحتاجون إليه في ~~التعيش. وقيل: هما راجعان إلى الأرض يعني ما ينبت وما لا ينبت. والكل ~~بتكلف. والوجه هو الأول. وباقي الآية ظاهر مما سلف مرارا. ثم أخبر عما يقال ~~للمكذبين في يوم الفصل فقال انطلقوا أي يقال لهم انطلقوا لما كذبتم به من ~~العذاب. ثم بين ما أجمل بقوله انطلقوا # يروى أن الشمس تقرب يوم القيامة لرؤوس الخلائق وليس عليهم يومئذ لباس ~~فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ بأنفاسهم، ويحمي الله برحمته من يشاء إلى ظل ~~من ظلاله # فهناك يقولون فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم [الطور: 25] ويقال ~~للمكذبين انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه انطلقوا إلى ~~ظل قال الحسن: ما أدري ما هذا الظل ولا سمعت فيه بشيء فقال قوم: سمى النار ~~بالظل مجازا. وشعبها الثلاث كونها من فوقهم ومن تحت أرجلهم ومحيطة بهم. وعن ~~قتادة: هو الدخان شعبة عن يمينهم وأخرى عن يسارهم والثالثة من فوق، تظلهم ~~حتى يفرغ من حسابهم والمؤمنون في ظل العرش. وقال في الكشاف: هو عبارة عن ~~عظم الدخان. فالدخان العظيم تراه يتفرق ذوائب وقال أهل ### | التأويل: # الشعب الثلاث هي القوة الغضبية ومنشؤها القلب في الجانب الأيسر، والشهوية ~~ومنشؤها الكبد في الجانب الأيمن، والشيطانية ومنشؤها الدماغ من فوق، فيتولد ~~من اتباع هذه الثلاثة ثلاثة أنواع من الظلمات. وقال أبو مسلم: هي الأوصاف ~~الثلاثة التي ms4547 ذكرها الله تعالى عقيبه وهي لا ظليل ولا يغني من اللهب إنها ~~ترمي بشرر كالقصر وفيه تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين أي ذلك ~~الظل غير مانع حر الشمس وغير مغن من حر اللهب شيئا أي لا روح كما قال في ~~الواقعة لا بارد ولا كريم [الآية: 44] يقال أغن عني وجهك أي أبعده لأن ~~الغني عن الشيء يباعده كما أن المحتاج إليه يقاربه. وإنما عدي في الآية ب ~~«من» لأنه أراد أن ابتداء الإغناء منه، وعن قطرب أن اللهب هاهنا هو العطش. ~~ثم شبه الشرر وهو ما يتطاير # PageV06P424 # من النار متبددا في كل جهة بالقصر. والأكثرون على أنه واحد القصور. وعن ~~سعيد بن جبير ومقاتل والضحاك أنه الغليظ من أصول الشجر العظام الواحدة قصرة ~~كجمرة وجمر. وروي عن ابن عباس أنه سئل عن القصر فقال: خشب كنا ندخره ~~للشتاء. ثم زاد في البيان أن أتبعه تشبيها آخر قائلا كأنه جمالات صفر وهي ~~جمع جمالة بمعنى جمل. ويجوز أن يكون جمع جمال كرجالات وقال أبو علي: التاء ~~في جمالت لتأكيد الجمع كحجر وحجارة. أما الجمالة بالضم فهي قلوس سفن البحر ~~أي حبالها كما مر في قوله حتى يلج الجمل في سم الخياط [الأعراف: 40] # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس أنها قطع النحاس. # ومعظم أهل اللغة لا يعرفونه. وقال الفراء: يجوز أن يكون الجمالات بالضم ~~من الشيء المجمل. يقال: أجملت الحساب وجاء القوم جملة أي مجتمعين. والمعنى ~~أن هذه الشرر ترتفع كأنها شيء مجموع غليظ أصفر والأكثرون على أن المراد ~~بهذه الصفرة سواد يعلوه صفرة. قال الفراء: لا ترى أسود في الليل إلا وهو ~~مشرب صفرة والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كأنه أشبه شيء ~~بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة. # وقال آخرون: الشرر إنما يسمى شررا ما دام مرتفعا وحينئذ يكون نارا وإذا ~~كان نارا كان أصفر فاقعا. واعلم أنه عز اسمه شبه الشرر في العظم والارتفاع ~~بالقصر ثم شبهه مع ms4548 ذلك في اللون والكثرة والتابع وسرعة الحركة بالجمالات ~~الصفر. ثم نقل عن ابن عباس أنه قال: هذا التشبيه إنما ورد على ما هو معتاد ~~في بلاد العرب. وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة. فسمع أبو العلاء ~~ذلك فشبه الشرر بالطراف وهو الخيمة من الأديم قال: # حمراء ساطعة الذوائب في الد ... جى ترمي بكل شرارة كطراف # فزعم صاحب الكشاف أنه أراد معارضة المعجز. قال الإمام فخر الدين الرازي: ~~كان الأولى بصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك لأنه أخذ مقتبسا تابعا، والمعجز ~~أظهر حالا وأجل منصبا من أن يتصدى لمعارضته أحد بعد استقرار أمره ويلتفت ~~إلى المعارض، وإذ قد ذكر صاحب الكشاف ذلك فلنذكر التفاوت بين القرآن وبين ~~كلام أبي العلاء وذلك من وجوه الأول: قيل: إن لون الأديم قريب من لون ~~الشرارة إلا أن الجمالات متحركة كالشرارة دون الخيمة. الثاني أن القصر موضع ~~الأمن وتشيبه الشرارة به إشارة إلى أن الكافر إنما يعذب بآفة من الموضع ~~الذي يتوقع منه الأمن وهو دينه وملته التي ظن أنه منها على شيء، وليست ~~الخيمة موضع الأمن الكلي الثالث أن الشرر متتابعة كالجمال ولا كذلك الطراف ~~الرابع أن العرب اعتقدوا أن الجمال في ملك الجمال وتمام النعم في حصول ~~النعم. ففي الآية إشارة إلى أنكم كنتم تعدون الجمال فخذوا هذه الشرارات ~~التي هي كالجمالات وهذا التهكم غير # PageV06P425 # موجود في الشعر. الخامس أن الإبل إذا نفرت وشردت متتابعة نال من وقع فيما ~~بينها بلاء شديد. فتشبيه الشرر بها يفيد كمال الضرر والطراف ليس كذلك. ~~السادس أن القصر يكون أعظم غالبا من الطراف والجمالات وهي جمع الجمع تكون ~~أكثر عددا من الطراف والغرض التوكيد فيكون تشبيه القرآن أبلغ في المعنى ~~المقصود. السابع أن التشبيه بشيئين كالقصر والجمالات في إثبات الوصفين ~~كالعظم والصفرة أقوى في ثبوت الوصفين من التشبيه بشيء واحد للوصفين ~~بعينهما، لأن الأول كالمبين المفصل، والثاني كالمجمل المبهم إذ يحتمل أن ~~يكون وجه التشبيه واحدا منهما فقط. الثامن أن الإنسان إنما يكون طيب العيش ~~إذا كان ms4549 وقت الانطلاق راكبا ووقت النزول راقدا في الظل فكأنه قيل في الآية ~~على سبيل التهكم مركوبكم هذه الجمالات من الشرر وظلكم في مثل هذا القصر ولو ~~شبه بالطرف لم يحصل هذا المقصود. التاسع أن تطاير القصر وهو من اللبن ~~والحجر والخشب في الهواء أغرب من تطاير الخيمة وهي خفيفة الحجم. العاشر أن ~~سقوط القصر أفظع وأهول من سقوط الطراف هذه خلاصة كلام الإمام في هذا المقام ~~أوردناها لئلا يكون كتابنا خاليا من فوائد تفسيره. قوله هذا يوم لا ينطقون ~~يروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الجمع بين هذه الآية وبين نحو قوله ~~ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون [الزمر: 31] فأجاب بتغاير الزمانين ~~وتباين الموطنين. وقال الحسن: أراد لا ينطقون بحجة صحيحة وعذر واضح فكأنهم ~~لم ينطقوا ولم يعتذروا. قوله ولا يؤذن إنما لم يقل «فيعتذروا» بسقوط النون ~~للنصب كقوله لا يقضى عليهم فيموتوا [فاطر: 36] لأنه لو نصب لأوهم أنهم إنما ~~لم يعتذروا لأجل أنهم لم يؤذوا في الاعتذار ولولا المنع لاعتذروا وهذا غير ~~جائز، ولكن المراد أن لا عذر لهم في نفس الأمر كما لا إذن فالفاء لمطلق ~~النسق لا للتسبب. هذا مع أنه فيه رعاية الفاصلة وهي من جملة الفصاحة ~~اللفظية، ولهذا لم يقرأ في سورة «اقتربت» إلى شيء نكر [الآية: 6] لا مثقلا. ~~وقريء قوله في آخر «الكهف» و «الطلاق» عذابا نكرا [الآية: 8] بالوجهين ~~قالوا: # وإنما لم يؤذن لهم في الاعتذار لأنه سبحانه أزاح الاعتذار في الدنيا ~~بتقديم الإنذار بدليل قوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا ولهذا قال في آخر ~~هذا الأخبار ويل يومئذ للمكذبين ثم أشار لمزيد التهديد والتوبيخ إلى اليوم ~~المذكور بقوله هذا يوم الفصل ثم أوضح هذه الجملة بقوله جمعناكم أيها ~~المتأخرون والأولين لأن الفصل بين الخلائق لا يجوز إلا بإحضار الكل. وقد ~~يستدل به على عدم جواز القضاء على الغائب. ثم عجزهم وحقر أمرهم بقوله فإن ~~كان لكم كيد فكيدون وقد علم أنه لا حيلة لهم في رفع البلاء عن أنفسهم ms4550 يومئذ ~~كما كانوا يحتالون في الدنيا يؤذون بذلك أنبياء الله وأولياءه، وهذا ~~التعجيز # PageV06P426 # والتخجيل من جنس العذاب الروحاني فلهذا عقبه بقوله ويل يومئذ للمكذبين ثم ~~زاد في حسرتهم وغمهم بتعديد ما أعد للمطيعين المتقين من الظلال والعيون ~~والفواكه بدل ظلالهم التي لا روح فيها ولا تغني عن الحر والعطش، استقروا في ~~تلك النعم مقولا لهم كلوا واشربوا وهو أمر إكرام لا أمر تكليف وهذا أيضا من ~~جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في ~~النعيم المقيم ولذا أردفه بقوله ويل يومئذ للمكذبين ثم ذكر أن هذا الويل ~~ثابت لهم في حال ما يقال في الآخرة كلوا وتمتعوا قال جار الله: هذا في ~~طريقة قول القائل: # إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا # أي كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بهذا، وفيه توبيخ وتذكير بحالهم ~~السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم، ~~وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعادا لكل مجرم، وجوز أن يكون كلوا وتمتعوا كلاما ~~مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا. ثم ذمهم على ترك الخشوع والتواضع لله ~~بقبول وحيه. وقيل: ما كان على العرب أشد من الركوع والسجود. # يروى أن وفد ثقيف أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا: لا ~~ننحني أي لا نركع ولا نسجد فإنها مسبة علينا. فقال صلى الله عليه وسلم: لا ~~خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود. وأنزل الله الآية. # ثم ختم السورة بالتعجب من حال الكفار وإصرارهم على جهالاتهم وضلالاتهم ~~بعد القرآن وبياناته وقد مر في أول «الجاثية» نظيره والله أعلم. تم. # تم الجزء التاسع والعشرون ويليه الجزء الثلاثون وأوله تفسير سورة النبأ # PageV06P427 # الجزء الثلاثون من أجزاء القرآن الكريم ### | (سورة النبأ) # (وهي مكية حروفها سبعمائة وسبعون كلماتها مائة وثلاث وسبعون آياتها ~~أربعون) ### | [سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 40] # بسم الله الرحمن الرحيم # عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا ~~سيعلمون (4) # ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهادا (6) والجبال أوتادا ms4551 (7) ~~وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) # وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) # لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقاتا ~~(17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) # وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين مآبا ~~(22) لابثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) # إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) ~~وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شيء أحصيناه كتابا (29) # فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا ~~(32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) # لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب ~~السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم ~~الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (38) ذلك ~~اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا (39) # إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا (40) ### | القراآت # كلا ستعلمون بتاء الخطاب في الموضعين: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ~~وفتحت بالتخفيف: عاصم وحمزة وعلي وخلف لبثين مقصورا: حمزة ولا كذابا مخففا. ~~علي رب بالرفع بتقدير هو رب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو والمفضل. ~~الباقون: بالجر على البدل الرحمن بالجر على البدل أو البيان: ابن عامر وسهل ~~ويعقوب وعاصم غير المفضل. الآخرون: بالرفع على «هو الرحمن» أو على أنه خبر ~~آخر. ### | الوقوف # يتساءلون ه ج لاحتمال أن الجار متصل بالفعل المذكور والمراد التهديد. # PageV06P428 # قال الفراء: «عن» بمعنى اللام أي لأي شيء، أو متصل بمحذوف كأن سائلا سأل ~~عن أي شيء يتساءلون فأجيب عن النبأ. العظيم ه لا مختلفون ه ط بناء على أن ~~معنى كلا حقا سيعلمون لا ه سيعلمون ه ج مهادا ه لا أوتادا ه ص أزواجا ه ~~سباتا ه لا لباسا ه لا معاشا ه ص شدادا ه لا وهاجا ه ص ثجاجا ه لا ونباتا ه ~~ك ms4552 ألفافا ه ط ميقاتا ه ط لأن ما بعده بدل أفواجا ه ك أبوابا ه ك سرابا ه ط ~~مرصادا ه لا مآبا ه لا أحقابا ه ج لأن ما بعده يصلح استئنافا وحالا، ويجوز ~~أن يكون صفة ل أحقابا لمكان عود الضمير في فيها إليها شرابا ه لا غساقا ه ك ~~وفاقا ه حسابا ه كذابا ه م لأن التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه كتابا ه لا ~~عذابا ه مفازا ه وأعنابا ه أترابا ه ك دهاقا ه ط لأنه لو وصل اشتبه بالصفة ~~وللموصوف وجه كما يجيء في التفسير. كذابا ه ط لأن جزاء يصلح مصدرا ومفعولا ~~له حسابا ه ط لمن قرأ رب بالرفع وقف على بينهما إلا لمن قرأ الرحمن بالرفع ~~رب بالجر على الرحمن وقف على الوجوه إلا إن جعله مبتدأ لا يملكون خبره ~~خطابا ه لا بناء على أن يوم ظرف لا يملكون صفا ه لا بناء على أن يوم ظرف لا ~~يتكلمون صوابا ه لحق الشرط مع الفاء مآبا ه ريبا # ه ج لأن وم # متعلق باذكر أو بذابا # رابا # ه. ### | التفسير: # حرف الجر إذا دخل على «ما» الاستفهامية تحذف ألفها نحو «بم» و «عم» و ~~«علام» و «لم» ه لشدة الاتصال وكثرة الاستعمال. ثم إن كان الكلام مبنيا على ~~السؤال والجواب فالسائل والمجيب واحد وهو الله، والفائدة في هذا الأسلوب أن ~~يكون إلى التفهيم أقرب. ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما وقع فيه التساؤل ~~وبيان أن مطلب ما وضع للسؤال عن حقائق الأشياء المجهولة والشيء العظيم الذي ~~تعجز العقول عن إدراكه أو يدعي فيه العجز يكون مجهولا، فوقع بين المسئول ~~بما هو وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه، والمشابهة أحد أسباب ~~المجاز. والنبأ العظيم القيامة بدليل الردع عن الإختلاف وللتهديد بعده. ~~وتقديم الضمير وبناء الكلام عليه لتقوى الكلام لا للاختصاص فإن غير قريش ~~أيضا مختلفون في أمر البعث فمنهم من يثبت الروحاني في المعاد فقط، ومنهم من ~~يشك فيه كقوله وما ms4553 أظن الساعة قائمة [الكهف: 36] ومنهم من يقطع بعدم البعث ~~إن هي إلا حياتنا الدنيا [المؤمنون: 37] كان يسأل بعضهم بعضا عن القيامة ~~ويتحدثون عنها متعجبين من وقوعها. ويجوز أن يكون المفعول محذوفا أي ~~يتساءلون النبي والمؤمنين نحو تراءينا الهلال فيكون التساؤل بطريق ~~الاستهزاء ويحتمل أن يكون الضمير للمسلمين والكافرين # PageV06P429 # جميعا فقد كانوا جميعا يتساءلون عنه، أما المؤمن فليزداد خشية واستعداد، ~~وأما الكافر فلأجل الاستهزاء. وقيل: النبأ العظيم القرآن، واختلافهم فيه أن ~~بعضهم جعلوه سحرا وبعضهم شعرا وكهانة. وقيل: نبوة محمد كانوا يقولون ما هذا ~~الذي حدث بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم [ق: 2] وقالت الشيعة: هو علي قال ~~القائل في حقه هو النبأ العظيم وفلك نوح وباب الله وانقطع الخطاب. قال أهل ~~المعاني: تكرير الردع مع الوعيد دليل على غاية التهديد. وفي «ثم» إشارة إلى ~~أن الوعيد الثاني أبلغ، ويجوز أن يكون الأول في الدنيا والثاني في الآخرة، ~~أو الأول للكفار والثاني للمؤمنين. وقيل: الأول ردع عن الاختلاف والثاني عن ~~الكفر. وحذف المفعول به أي سيعلمون أن ما يتساءلون عنه مختلفين فيه حق وصدق ~~وذلك إذا اتصل العيان بالخبر. ومن قرأ الخطاب فقد سلك سبيل الالتفات. ثم ~~عدد دلائل القدرة على البعث ودلائل الحكمة في الجزاء على أن كلا منهما نعمة ~~يجب أن تشكر بالتوفر على الطاعة ولا تكفر بالإقدام على المعصية. والمهاد ~~الفراش، والأوتاد ما يشد بها أطناب الخيمة، شبهت الجبال الراسيات بها لأنها ~~تحفظ الأرض أن تميد بما عليها وقد سبق تقريره. والأزواج الأصناف المتقابلات ~~القبيح بإزاء الحسن والطويل بحذاء القصير وغير ذلك من الأضداد. # والسبات الراحة. والتركيب يدل على القطع والإزالة ومنه سبت الرجل رأسه ~~إذا حلقه، والنوم يزيل التعب عن الإنسان فيستعقب الراحة قاله ابن الأعرابي ~~والمبرد. وقال الزجاج وغيره: هو الموت وهذا التفسير لا يناسبه مقام تعداد ~~النعم. واللباس ما يتغطى به والليل أخفى للويل. والمعاش مصدر أو اسم زمان ~~لأن الناس يتقلبون فيه لوجوه تعيشهم. والشداد المحكمة التي لا تقبل الشق ~~والخرق إلا ما شاء ms4554 الله. والوهاج المتلألئ الوقاد. وفي كتاب الخليل: الوهج ~~النار. ولا شك أن الشمس جامعة للنور والحرارة. والمعصرات السحاب بلغة قريش ~~من أعصرت إذا شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك «أحصد الزرع» أي حان أن ~~يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض وهذا القول مروي عن ابن عباس ~~واختاره أبو العالية والربيع والضحاك. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل وقتادة: ~~هي الرياح التي تنشئ السحاب وتدر أخلافه فكأنها مبادئ الإنزال. الثجاج ~~المنصب بكثرة يقال «ثجه وثج بنفسه» # وفي الحديث «أفضل الحج العج والثج» «1» # فالعج رفع الصوت بالتلبية والثج صب دماء الهدي. ثم بين غاية الإنزال وهي ~~إخراج الحب للإنسان، والنبات للأنعام غالبا، والجنات الملتفة لأجل التلذذ ~~والتفكه. قال الكسائي والأخفش: والألفاف جمع لف بالكسر ويحتمل PageV06P430 # أن يكون جمع لفيف كشريف وأشراف. وقال في الكشاف: إنه لا واحد له كالأوزاع ~~للجماعات المتفرقة ومنه قولهم «أخوة أخياف» أي مختلفة. واعلم أن هذه التسعة ~~نظرا إلى حدوثها وإمكانها تدل على الفاعل المختار، ونظرا إلى ما فيها من ~~الإتقان والإحكام تدل على كمال علمه وحكمته الذاتية. وبعد ثبوت كماله في ~~هذه الأوصاف لم يبق للمتأمل شك في إمكان الحشر وقد أخبر الصادق عن وقوع هذا ~~الممكن فوجب الجزم به على أن في إخراج النبات بعد جفافه ويبسه دليلا ظاهرا ~~على إمكان إخراج الموتى من القبور وبعثهم فلهذا رتب على هذه البيانات قوله ~~إن يوم الفصل كان ميقاتا أي حدا توقت به الدنيا أو حدا لفصل الحكومات تنتهي ~~الخلائق إليه. والنفخة هاهنا هي الثانية التي تكون عندها الحياة بدليل قوله ~~فتأتون أفواجا أي طائفة طائفة إلى أن يتكامل اجتماعهم. وقال عطاء: كل نبي ~~يأتي مع أمته. # وروى صاحب الكشاف عن معاذ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال ~~عليه السلام: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه وقال: ~~تحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، ~~وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، ms4555 وبعضهم صم بكم، ~~وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم ~~أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، ~~وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة ~~بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على ~~صورة الخنازير فآكل السحت، وأما المنكسون فأكلة الربا، وأما العمي فالذين ~~يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ~~ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت ~~أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار ~~فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هو أشد نتنا من الجيف فالذين ~~يتبعون الشهوات واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون ~~الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» . # وفتح السماء شقها وانفطارها أو معنى آخر مغاير لهما. والضمير في فكانت ~~للسماء كأنها لكثرة أبوابها المفتوحة لنزول الملائكة صارت بكليتها أبوابا ~~كقوله وفجرنا الأرض عيونا [القمر: 12] ويحتمل أن يعود إلى مقدر دل عليه ~~الكلام أي فكانت تلك المواضع المفتوحة أبوابا. وقال الواحدي: المضاف محذوف ~~أي فكانت ذات أبواب. وأما الجبال فإنه تعالى ذكر حالها بعبارات مختلفة، ~~ويمكن الجمع بينها بأن تدرك أولا وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ~~[الحاقة: 14] ثم تصير كالعهن ثم تصير كالهباء # PageV06P431 # وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وهي في كل هذه الأحوال باقية في ~~مواضعها ثم تنسف بإرسال الرياح عليها وإذا الجبال نسفت [الانفطار: 4] ثم ~~تطير هاهنا أحوال إذا برزت من تحتها ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~[الكهف: 47] والثاني للجبال فتطيره في الهواء كالهباء فمن نظر إليها حسبها ~~لتكاثفها أجساما جامدة وهي بالحقيقة مارة بتحريك الهواء كما قال وترى ~~الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] والثالث لها باعتبار ~~أماكنها الأصلية فمن نظر إلى المواضع من بعيد ظن أن الجبال هناك حتى إذا ~~دنا منها لم يجد فيها شيئا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ms4556 [النور: 39] وقد أشار إلى هذه الحالة بقوله وسيرت الجبال فكانت ~~سرابا. # ثم أخبر عن أحوال السعداء والأشقياء يومئذ. وقدم ذكر هذا المقام غير محرر ~~فلينظر الأشقياء لأن الكلام في السورة بني على التهديد فقال إن جهنم كانت ~~أي في علم الله أو هي مسلوبة الدلالة على المضي. والمرصاد إما اسم للمكان ~~الذي يرصد فيه كالضمار للذي تضمر فيه الخيل، والمنهاج اسم للمكان الذي ينهج ~~فيه. والمعنى أن خزنة جهنم يرصدون الكفار هناك، أو أن خزنتها يستقبلون ~~المؤمنين عندها لأن جوازهم عليها بدليل قوله وإن منكم إلا واردها [مريم: ~~71] ولهذا قال الحسن وقتادة: يعني طريقا إلى الجنة. وإما صفة نحو «مقدام» ~~بمعنى أنها ترصد أعداء الله. وقوله للطاغين متعلق بما بعده أو بما قبله، ~~وعلى التقديرين لا بد من إضمار وهو لفظة لهم أو لأهل الجنة. ثم ذكر كيفية ~~استقرارهم هناك فقال لابثين ومن قرأ بغير ألف فهو أدل على الثبات. قال جار ~~الله: اللابث من وجد منه اللبث فقط، واللبث من لا يكاد يبرح المكان أما ~~الأحقاب فزعم الفراء أن أصله الترادف والتتابع أي دهورا مترادفة لا تكاد ~~تتناهى كلما مضى حقب تبعه آخر. وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي ولكن ~~الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون. وسأل هلال ~~الهجري عليا فقال: الحقب مائة سنة السنة اثنا عشر شهرا والشهر ثلاثون يوما ~~واليوم ألف سنة. وقال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس: # الحقب الواحد بضع وثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوما واليوم ألف سنة ~~من أيام الدنيا. # ونحو هذا يروى عن ابن عباس وقطرب مرفوعا. فإن قيل: عذاب أهل النار ولا ~~سيما الطاغين غير متناه والأحقاب بالتفاسير المذكورة وإن كثر مبلغها ~~متناهية، فما وجه الجمع بينهما؟ قلنا: الحقب متناه ولكن الأحقاب لا نسلم ~~أنها متناهية فإن الجمع لا يلزم تناهي آحاده فيجوز أن يكون المعنى كلما مضى ~~حقب تبعه آخر. قال الفراء: سلمنا أن الأحقاب تفيد التناهي لكن بالمفهوم ~~والنصوص الدالة على التأبيد ms4557 كقوله يريدون أن يخرجوا من النار # PageV06P432 # وما هم بخارجين منها # [المائدة: 37] تدل بالمنطوق ولا شك أن المنطوق راجح. وقال الزجاج: المعنى ~~أنهم يلبثون فيها أحقابا غير ذائقين بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، ثم ~~ينقلون إلى جنس آخر غير الحميم والغساق. وذكر في الكشاف وجها آخر وهو أن ~~يكون أحقابا من حقب عامنا هذا إذا قل خيره. وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو ~~حقب كحذر وجمعه أحقاب فينتصب حالا منهم أي لابثين في أسوأ حال. والبرد ~~معروف أي لا يجدون هواء باردا ولا ماء باردا. وقال الأخفش والفراء: هو ~~النوم وذلك أن البرد لازم للنوم ولهذا يسكن العطش. وسببه توجه الحرارة ~~الغريزية إلى الباطن عند فتور الحواس الظاهرة والحركات الاختيارية وفي ~~أمثالهم «منع البرد البرد» أي أصابني من البرد ما منعني من النوم. # وقد يضعف هذا القول أنهم لا يقولون ذقت البرد ويقولون «ذقت الكرى» وبأنهم ~~يجدون الزمهرير فكيف يصح نفي البرد عنهم. وقد يجاب عن الأول بأن الذوق في ~~الصورتين مجاز فأي ترجيح لأحدهما على الآخر. وعن الثاني بأن المراد برد له ~~روح لا الذي فيه عذاب. # والحميم الماء البالغ في الحرارة، والغساق صديد أهل النار. قوله جزاء نصب ~~على المصدر أي جزاهم جزاء. وانتصب وفاقا على الوصف أي ذا وفاق أو موافقا ~~لعملهم في القبح والفظاعة والدوام. ثم ذكر علة التأبيد فقال إنهم كانوا لا ~~يرجون حسابا لا يخافون أو لا يتوقعون حسابا وهذه إشارة إلى نقصانهم بحسب ~~القوة العلمية فإن الذي اعتقد أنه لا حشر ولا حساب لا يبالي بأي شيء ترك من ~~القبائح والمظالم أو أي شيء ترك من الخيرات والفضائل. قوله وكذبوا بآياتنا ~~كذابا إشارة إلى فساد عقائدهم حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ومصدر «فعل» ~~مشدد العين يجيء على «فعال» بالتشديد وهو الأكثر، وبالتخفيف عند بعضهم ~~ولهذا لم يقرأ به إلا في الشواذ. قال جار الله: هو مصدر كذب بدليل قوله: # فصدقتها وكذبتها ... والمرء ينفعه كذابه # وهو مثل قوله أنبتكم من الأرض نباتا [نوح: 17] يعني ms4558 وكذبوا بآياتنا ~~وكذبوا كذابا أو تنصبه ب كذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا لأن كل مكذب بالحق ~~كاذب. وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة أو ~~كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون ~~عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل ~~من يبالغ في أمر فبلغ فيه أقصى جهده. أقول: أراد بهذا الوجه الأخير أن باب ~~المغالبة يبنى على المفاعلة فيمكن أن يستدل بالمفاعلة على المبالغة بطريق ~~العكس الجزئي وكل شيء أحصيناه من باب الإضمار على شريطة التفسير. قوله ~~كتابا مصدر لأنه والإحصاء يتلاقيان في معنى الضبط والتحصيل، ويجوز أن يكون ~~حالا # PageV06P433 # أي مكتوبا في اللوح أو في صحف الأعمال. قال جار الله: هذه جملة معترضة. ~~أقول: إنها من تمام التعليل المذكور أي فعلوا كذا وكذا ونحن عالمون بجميع ~~الكليات والجزئيات فلهذا كتبنا جزاء العاصين على وفق أعمالهم. # ثم أظهر غاية السخط بطريق الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، والتعقيب بفاء ~~الجزاء الدال على أن المذكور سبب عن كفرهم بالحسنات وتكذيبهم بالآيات. ~~وزيادة العذاب يحتمل أن تكون لأجل أن المؤثر إذا استمر ودام ازداد الإحساس ~~بأثره، ويحتمل أن يكون لازدياد كفرهم وعتوهم حينا بعد حين كقوله فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم [التوبة: 125] ويحتمل أن تكون زيادة العذاب عبارة عن نفس ~~استمراره لأنه يتزايد بمرور الزمان، والمراد انا لن نخلصكم من العذاب إلى ~~خلافه. ثم شرع في شرح أحوال السعداء قائلا إن للمتقين مفازا فوزا وظفرا ~~بالمطالب والأماني أو موضع فوز ثم فسره بقوله حدائق إلخ. والحدائق البساتين ~~فيها أنواع الشجر وقد مر في قوله حدائق ذات بهجة [النمل: 60] وخص منها ~~الأعناب لشأن مزيته على سائر الفواكه. والكواعب النواهد واحدها كاعب كطالق ~~وطامث وهي التي ظهر ثديها كالكعب لها نتو قليل. والأتراب اللدات. والدهاق ~~المترعة المملوءة وهذا قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي ~~والمبرد. يروى أن ابن عباس دعا غلاما له فقال: اسقنا دهاقا فجاء الغلام بها ~~ملانة فقال ابن عباس: ms4559 هذا هو الدهاق. وعن أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد: ~~هي المتتابعة. قال الواحدي: وأصل هذا من قول العرب أدهقت الحجارة إدهاقا ~~وهو شدة تلازمها ودخولها بعضها في بعض. وعن عكرمة: دهاقا أي صافية. والدهاق ~~على هذا القول يجوز أن يكون جمع دهق وهي خشبتان يعصر بهما. والكأس الخمر أي ~~خمرا ذات دهاق وهي التي عصرت وصفيت بالدهاق. ولا يسمعون فيها أي في الجنة ~~وهو الأظهر أو في الكأس وشربها لغوا كلاما باطلا ولا كذابا أي لا يكذب ~~بعضهم بعضا لأنهم إخوان الصفاء وأخذان الوفاء. ومن قرأ بالتخفيف فمعناه أنه ~~لا يجري بينهم كذب أو مكاذبة. قال جار الله: جزاء مصدر مؤكد منصوب بمعنى ~~قوله إن للمتقين مفازا كأنه قال: جازى المتقين بمفاز وعطاء نصب ب جزاء نصب ~~المفعول به أي جزاهم عطاء. # وقال الزجاج: المعنى جازاهم بذلك جزاء وأعطاهم عطاء. ومعنى حسابا كافيا ~~من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال: حسبي. وقيل: أي على حسب أعمالهم فمعنى ~~الحساب العد والتقدير لبعضهم عشرة ولبعضهم سبعمائة وأكثر. وقال ابن قتيبة: ~~هو من أحسبت فلانا أي أكثرت له يعني عطاء كثيرا. وإنما قال في الأول جزاء ~~وفاقا لأن جزاء السيئة # PageV06P434 # سيئة مثلها أي موافقة لها. وأما هاهنا فالمراد ثواب المؤمنين وليس ذلك ~~بتقدير العمل فقط ولكن بمقدار ما يكفيه. ثم مدح نفسه بقوله رب السماوات ~~والأرض وما بينهما الرحمن وقد تقدم إعرابه في الوقوف. والضمير في لا يملكون ~~قيل للكافرين نقله عطاء عن ابن عباس، يريد لا يخاطب المشركون الله، وأما ~~المؤمنون فيشفعون ويقبل الله ذلك منهم. وقيل للمؤمنين لأن ذكرهم أقرب من ~~ذكر الكفار، والمراد أنه ما تحيف حقهم فبأي سبب يخاطبونه. والأكثرون على أن ~~الضمير لأهل السموات والأرض فإن أحدا من المخلوقين لا يملك خطابا من جهة ~~الله إذ كل من هو سواه فهو مملوكه، والمملوك لا يملك من جهة مالكه شيئا ~~وإلا لم يكن للمالك كمال الملك. وقالت المعتزلة: إنه عالم بقبح القبيح غني ~~عن فعله وعالم بغناه فلا ms4560 يفعل إلا الحسن وحينئذ لا وجه للمطالبة والمخاطبة. ~~ثم أكد المعنى المذكور بقوله يوم يقوم الروح وهو أعظم المخلوقات قدرا كما ~~مر في سورة سبحان في تفسير قوله تعالى ويسئلونك عن الروح [الإسراء: 85] ~~والصف مصدر في الأصل لا يثنى ولا يجمع غالبا فلهذا جاز أن يكون المراد أنهم ~~يقومون صف من الروح وحده ومن الملائكة بأسرهم صف، وجاز أن يكون يراد يقوم ~~الكل صفا واحدا أو يقومون صفوفا لقوله وجاء ربك والملك صفا صفا [الفجر: 22] ~~ثم بين أنهم مع جلالة قدرهم لا يتكلمون إلا بشرطين: أحدهما الإذن من الله، ~~والضمير في له إما للشافع أو للمشفوع. والثاني أن يقول صوابا والضمير في ~~قال أيضا إما للشافع فالمراد أنهم لا ينطقون إلا بعد ورود الإذن في الكلام، ~~ثم بعد الإذن يجتهدون حتى لا يتكلمون إلا بما هو حق وصواب. وإما للمشفوع. ~~والقول الصواب على هذا التفسير شهادة أن لا إله إلا الله وذلك اليوم الحق ~~أي لا باطل فيه ولا ظلم أو هو الكائن لا محالة فمن شاء اتخذ بالطاعة إلى ~~ربه مآبا ومرجعا. والظاهر أن الضمير عائد في شاء إلى فمن وفيه دليل ~~للمعتزلة. ويروى عن الخدري وابن عباس أن الضمير لله ذابا قريبا # هو عذاب الآخرة لأن ما هو آت قريب. وفي المرء أقوال: فعن عطاء أنه الكافر ~~لتقدم ذكر الإنذار وقوله الكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم. وعن ~~الحسن وقتادة: إنه المؤمن لمجيء ذكر الكافر بعده، ولأن المؤمن لما قدم ~~الخير والشر فهو منتظر لأمر الله كيف يحدث، وأما الكافر فإنه قاطع بالعذاب ~~ومع القطع لا يحصل الانتظار. والأظهر أنه عام في كل مكلف. و «ما» استفهامية ~~منصوبة بدمت # أو موصولة منصوبة بنظر # فيلزم إضمار «إن» حذف العائد من قدمته، وحذف الجار لأن الأصل أن يقال ~~ينظر إليه. قوله نت ترابا # فيه وجوه أحدها: ليتني لم أبعث غير محشور. الثاني ما # ورد في الأخبار أن البهائم تحشر فيقتص # PageV06P435 # للجماء من القرناء ثم ترد ترابا فيود الكافر حالها ms4561 ليتخلص من العذاب. # وأنكر بعض المعتزلة ذلك لأنه تعالى إذا أعادها فهي بين معوض وبين متفضل ~~عليه، وعلى التقديرين لا يجوز أن يقطعها عن المنافع لأن ذلك كالإضرار بها. ~~قال القاضي: إذا وفر الله أعواضها وهي غير كاملة العقل لم يبعد أن يزيل ~~الله حياتها على وجه لا يحصل لها شعور بالألم فلا يكون ضررا. وقال بعضهم: ~~إن الحيوانات إذا انتهت مدة أعواضها جعل الله تعالى كل ما كان منها حسن ~~الصورة ثوابا لأهل الجنة، وما كان قبيح الصورة عقابا لأهل النار. الثالث ~~قال بعض الصوفية: أراد يا ليتني كنت متواضعا في طاعة الله كالتراب لا ~~مرتفعا كالنار. الرابع قيل: # الكافر إبليس يرى آدم وثواب أولاده فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره حين ~~قال خلقتني من نار وخلقته من طين [ص: 76] . # PageV06P436 ### | (سورة النازعات) # (وهي مكية حروفها سبعمائة وثلاثون وآياتها ست وأربعون وكلمها مائة ~~وسبعون) ### | [سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 46] # بسم الله الرحمن الرحيم # والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات ~~سبقا (4) # فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ ~~واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) # يقولون أإنا لمردودون في الحافرة (10) أإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا ~~تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هي زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) # هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى ~~فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) # فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى ~~(23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) # فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26) ~~أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها ~~وأخرج ضحاها (29) # والأرض بعد ذلك دحاها (30) أخرج منها ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها ~~(32) متاعا لكم ولأنعامكم (33) فإذا جاءت الطامة الكبرى (34) # يوم يتذكر الإنسان ما سعى (35) وبرزت الجحيم لمن يرى (36) فأما من طغى ~~(37) وآثر الحياة الدنيا (38) فإن الجحيم هي المأوى (39) # وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (40) فإن الجنة هي المأوى (41) ~~يسئلونك عن الساعة أيان ms4562 مرساها (42) فيم أنت من ذكراها (43) إلى ربك ~~منتهاها (44) # إنما أنت منذر من يخشاها (45) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ~~ضحاها (46) ### | القراآت: # والسابحات سبحا فالسابقات سبقا بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس أثنا ~~أإذا كما مر في «الرعد» إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ناخرة بالألف: حمزة ~~وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص وطوى كما مر في ~~«طه» وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان. ومنها تزكى ~~بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب منذر من بالتنوين: ~~يزيد وعباس. # الآخرون: بالإضافة للتخفيف. # PageV06P437 ### | الوقوف # غرقا ه لا نشطا ه لا سبحا ه لا سبقا ه لا أمرا ه م لأن جواب القسم محذوف ~~وهو ليبعثن ولأنه لو وصل لأوهم أن يوم ظرف فالمدبرات وليس كذلك لأن تدبير ~~الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل يوم تتبعها الراجفة ه لا الرادفة ه ط ~~واجفة ه ط خاشعة ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا في ~~الحافرة ط لمن قرأ اإذا مستفهما نخرة ه ط خاسرة ه م لتناهي قولهم بالإنكار ~~وابتداء أخبار الله تعالى واحدة ه ط بالساهرة ه ط موسى ه م لأن إذ ناداه ~~يجوز أن يكون ظرفا لا ذكر قاله السجاوندي. ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن ~~لم يجز تعلقه بإتيان الحديث طوى ه ج لاحتمال أن يكون اذهب مفعول ناداه لأنه ~~في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف طغى ه للآية مع اتفاق ~~الجملتين والوصل أوجه للفاء تزكى ه لا للعطف فتخشى ط للآية وانتهاء ~~الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب الكبرى ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه ~~للفاء واتصال المقصود وعصى ه يسعى ه فنادى ه الأعلى ه والوصل هاهنا ألزم ~~للعبرة بتعجيل المؤاخذة والأولى ه ط يخشى ه ط لتبدل الكلام لفظا ومعنى ~~وابتداء الاستفهام أم السماء ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة ~~وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن ms4563 فاعرفه بناها ه لا فسواها ه لا ضحاها ه ص ~~دحاها ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، ~~وجوز أن يكون أخرج حالا بإضمار «قد» فلا وقف مرعاها ه ص أرساها ه ولأنعامكم ~~ه ط الكبرى ه ز لأن يوم ظرف جاءت وعامل «إذا» مقدر تقديره أي ترون أو كان ~~ما كان، وجوز أن يكون يوم مفعول «اذكر» وعامل «إذا» مقدر قبل يوم، ويجوز أن ~~يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله فأما من طغى إلى آخره جوابا لقوله فإذا ~~جاءت. سعى ه ط لمن يرى ه طغى ه لا الدنيا ه لا المأوى ط الهوى ه لا المأوى ~~ه ط مرساها ط ذكراها ه ط منتهاها ه ط يخشاها ه ط ضحاها ه. ### | التفسير: # في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في ~~المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني ~~آدم غرقا أي نزعا بشدة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها. والغرق ~~والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى ~~إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من ~~البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي # PageV06P438 # تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمرا من أمور العباد أو جنس ~~الأمر. قال مقاتل: # يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم. ~~فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ ~~الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح. قال الإمام فخر الدين ~~الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق ~~الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، ~~والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ~~ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال ~~الله فسبق بعضهم بعضا في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم ~~العلوي والعالم السفلي بإذن ms4564 مبدعهم المنان. أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على ~~مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور. الوجه الثاني وهو قول الحسن ~~البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق ~~شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطا أي تخرج من ~~برج إلى برج من قولك «ثور ناشط» إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته ~~البطيئة الثابتة. وأما السابحات فهي السيارة كقوله كل في فلك يسبحون ~~[الأنبياء: 33] ولأن سيرها المتفاوت يصير سببا لسبق بعضها بعضا، ويترتب على ~~السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدم العلم بالكائنات ~~بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر ~~السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات. الوجه ~~الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعا، تغرق الأعنة فيه لطول ~~أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي ~~سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب ~~فيه. الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع ~~القسي بإغراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، ~~والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي ~~في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر. قال جار الله: يوم ترجف منصوب ~~بجواب القسم المحذوف وهو «لتبعثن» . وقوله تتبعها حال. ثم أورد على نفسه أن ~~هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولى وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت ~~الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال «رأيته عام كذا» وإنما رؤيته في ~~ساعة منها. والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة ~~الأولى فهي من الإسناد المجازي. والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب ~~الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، # وقد ورد # PageV06P439 # الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاما. # ويروى أنه تعالى يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها ~~كالنطف فيكون سببا في الإحياء # ولله تعالى أن يفعل ما يشاء. وقيل: # الراجفة هي ms4565 النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله تعالى عسى أن ~~يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون [النمل: 72] وقيل: الراجفة الأرض والجبال ~~من قوله يوم ترجف الأرض والجبال [المزمل: 14] والرادفة السماء والكواكب ~~لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك. وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، ~~والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى. قال أبو مسلم ~~بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلا من الراجفة والرادفة هي خيل ~~المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فتبعت إحداهما الأخرى. والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة ~~هي أبصار المنافقين وعلى الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ. وقوله أبصارها ~~خاشعة خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله يقولون أإنا ~~لمردودون في الحافرة أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم «رجع فلان ~~في حافرته» أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفرا فالطريق في الحقيقة ~~محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ~~ذات حفر كما قلنا في «عيشة راضية» ونحوه كرة خاسرة كما يجيء. # ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين أإذا كنا عظاما ~~نخرة نرد أو نبعث. يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف ~~البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن ~~كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي. ثم ~~أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء تلك الكرة إذا أي إذا نحشر ونرد ونرجع ~~كرة خاسرة رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها. ثم أفحمهم بقوله فإنما هي زجرة ~~أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة واحدة يقال: زجر ~~البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية. يروى أنه تعالى ~~يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون. والساهرة الأرض البيضاء المستوية ~~سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها ms4566 من ~~قولهم عين ساهرة أي جارية. والأظهر أنها أرض الآخرة. وقيل: هي أرض الدنيا ~~ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدمين معجزة وفيها تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم لأن فرعون كان أكثر جمعا وأشد قوة من كفار قريش. ~~والوادي المقدس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في ~~«طه» . قوله هل لك الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو ~~التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب # PageV06P440 # التكاليف لأن المكلف لا يصير زاكيا إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ~~ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة. قوله وأهديك إشارة ~~إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب عليه الخشية ~~التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل» # وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين. ثم ~~هاهنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه ~~فرعون وجحد نبوته فأراه وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض ~~من التلطف والمداراة ما لا يخفى فهو كقوله فقولا له قولا لينا [طه: 44] ~~والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في «طه» فكذب بالقلب واللسان إذ ~~نسب المعجز إلى السحر وعصى بإظهار التمرد والطغيان ثم أدبر خوفا من الثعبان ~~يسعى هاربا أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهارا للجحود. وجوز أن ~~يكون أدبر موضوعا مكان «أقبل» كما يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل ~~فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهارا للسخط ولقصد التفاؤل عليه. ومعنى الفاء في ~~فكذب أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط ~~عتوه ورسوخ تفر عنه. # ومعنى «ثم» في ثم أدبر تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء ~~الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس فحشر جنوده ~~للتشاور أو لجمع السحرة فنادى في المقام ms4567 الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر ~~مناديا. وقيل: قام فيهم خطيبا فقال ما قال. وانتصب نكال الآخرة على أنه ~~مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالا وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام ~~والتسليم. قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق. ~~وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون. ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي ~~وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ما ~~علمت لكم من إله غيري [القصص: 38] والثانية أنا ربكم الأعلى [النازعات: 24] ~~وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وذكر ~~قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى ~~هي قوله أنا ربكم الأعلى وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله أنا ~~ربكم والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصر على الأولى لم يكن كفرا بدليل قول ~~يوسف ارجع إلى ربك [يوسف: 50] إنه ربي أحسن مثواي [يوسف: 23] لكنه لما وصفه ~~بالأعلى صار كفرا فأخذه بالأولى والآخرة. # قال الإمام فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق ~~السموات # PageV06P441 # والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهريا منكرا للصانع ~~والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى ~~مربيكم والمحسن إليكم. # وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون ~~وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها ~~في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟ وأي استبعاد ~~في ذلك وقد قال الله تعالى إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى [العلق: 7] وسكر ~~الدنيا أشد من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب ~~المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته. ثم ختم القصة بقوله ~~إن في ذلك الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر ~~به المعتبر لعبرة لمن يخشى أي يكون من ms4568 أهل الخشية لا القسوة. ثم خاطب منكري ~~البعث بقوله أأنتم أشد أي أصعب خلقا أم السماء فنبههم على أمر معلوم ~~بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة. وإذا كان الله قادرا ~~على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر. ~~ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال بناها وفيه تصوير للأمر المعقول وهو ~~الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء. ثم ذكر هيئة البناء فقال رفع ~~سمكها وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض. فإذا اعتبر من ~~السفل إلى العلو يسمى سمكا، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقا. وذكر أهل التفسير ~~أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام. # ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم. قوله فسواها زعم ~~أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا ~~الاعتقاد. وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها. ~~وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله فسواهن سبع سماوات ~~[البقرة: 29] الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله. ويقال: أغطش الليل ~~أيضا مثل أضاء وأظلم. وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في ~~النور والضوء. وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس ~~وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله والأرض بعد ذلك دحاها قد مر تفسير ~~الدحو في أول سورة «البقرة» وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدم خلق الأرض ~~على السماء في قوله هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~[البقرة: 29] قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان # في حديث علي: اللهم داحي المدحيات # أي باسط الأرضين السبع. وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أن ~~قوله بعد ذلك يعنى مع ذلك كقوله فك رقبة إلى قوله ثم كان من الذين آمنوا ~~[البلد: 17] أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله. ونصب الأرض والجبال # PageV06P442 # فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير. قال ms4569 المفسرون: أراد ~~بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعارا للإنسان ولهذا ~~قال متاعا أي فعل كل ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم. وحين فرغ من دلائل القدرة ~~على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة. والطامة الداهية التي لا تطاق من ~~قولهم طم الفرس طميما إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى ~~كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدة، وفي أمثالهم «جرى الوادي فطم على ~~القري» وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار. # وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه. وقيل: ~~الطامة النفخة الثانية عن الحسن. وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة ~~إلى الجنة وأهل النار إلى النار. قال جار الله: يوم يتذكر بدل من فإذا جاءت ~~لأنه إذا رأى أعماله مدونة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها. قوله وبرزت الجحيم ~~لمن يرى كقولهم «قد بين الصبح لذي عينين» وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا ~~يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار ~~إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر. وقيل: إنها ~~برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن ~~المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها ~~برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر. وبرزت الجحيم للغاوين ~~[الشعراء: # 91] وقوله طغى إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف ~~نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان. قوله وآثر الحياة الدنيا رمز إلى ~~اختلال القوة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. واللام في المأوى للعهد ~~الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن ~~الألف، واللام بدل من الإضافة. قوله خاف مقام ربه نقيض طغى. قوله ونهى ~~النفس الأمارة وآثر الحياة الدنيا فهذا الشخص إذا كامل في قوته النظرية ~~والعملية. وتفسير خاف مقام ربه قد مر في سورة الرحمن. ms4570 ونهى النفس ضبطها ~~وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك. # ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الطامة ~~والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون أيان مرساها أي زمان إرسائها وهو ~~إقامة الله إياها وقد مر في آخر «الأعراف» . وعن عائشة رضي الله عنها لم ~~يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت. وقوله ~~فيم أنت على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ~~ذكرها والسؤال عنها حرصا على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحدا من ~~خلقه. ويجوز أن يكون قوله فيم أنت من ذكراها من تتمة السؤال أي يسألونك # PageV06P443 # فيم أنت من العلم بها. ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا ~~السؤال. ثم قيل: # أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها ~~وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، ~~فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من ~~التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت إنما أنت منذر لا تتعداه إلى العلم بالغيب ~~الذي العلم بالساعة جزئي منه. وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون ~~بذلك. ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا. وقيل: ~~في القبور. روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا ~~إلا عشية أو ضحى. وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم ~~تلك العشية على أن الإضافة في ضحاها يكفي فيها أدنى ملابسة وهو هاهنا ~~اجتماعهما في نهار واحد. قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن ~~مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوما كاملا. قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من ~~عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضا بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح ~~أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها. فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم ~~أن مجموع مدة الدنيا في ms4571 ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه ~~عشية أو ضحاها نظيره قول القائل «ما سرت إلا عشية أو ضحى» فإنه لا يفهم منه ~~إلا السير في بعض يوم ما، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر. ولو ~~قال «إلا عشيته أو ضحاها» لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين ~~من يوم واحد. قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية ~~وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين ~~الساعتين. أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في ~~أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم ~~حين أرادوا التعبير عن بعض اليوم. قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن ~~لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول ~~الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية ~~على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه. # PageV06P444 ### | (سورة عبس) # (مكية حروفها خمسمائة وثلاثة وثلاثون كلمها مائة وثلاث وثلاثون آياتها ~~اثنتان وأربعون) ### | [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 42] # بسم الله الرحمن الرحيم # عبس وتولى (1) أن جاءه الأعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى (4) # أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جاءك ~~يسعى (8) وهو يخشى (9) # فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شاء ذكره (12) في صحف مكرمة ~~(13) مرفوعة مطهرة (14) # بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الإنسان ما أكفره (17) من أي شيء ~~خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) # ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شاء أنشره (22) كلا لما ~~يقض ما أمره (23) فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) # أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) ~~وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) # وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) فإذا جاءت ~~الصاخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) # وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ ms4572 منهم يومئذ شأن يغنيه (37) ~~وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة مستبشرة (39) # ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة ~~(42) ### | القراآت: # كل آيات هذه السورة في الإمالة والتفخيم مثل سورة طه فتنفعه بالنصب على ~~أنه جواب لعل: عاصم غير الأعشى تصدى بتشديد الصاد للإدغام: أبو جعفر ونافع ~~وابن كثير. الآخرون: بتخفيفها بناء على حذف تاء تتفعل أو الخطاب عنه تلهى ~~بإشباع ضمة الهاء وتشديد التاء: البزي وابن فليح أنا بالفتح على البدل من ~~الطعام: عاصم وحمزة وخلف. ### | الوقوف: # وتولى ه لا الأعمى ه ط يزكى ه لا الذكرى ه ط استغنى ه لا تصدى ه ط يزكى ه ~~يسعى ه لا يخشى ه تلهى ه ز لأن كلا للردع فلا يوقف أو بمعنى حقا فيوقف ~~تذكرة ه ج للشرط بعده مع الفاء ذكره ه م لأن الظرف لا يجوز أن يتعلق بما ~~قبله ولكنه خبر مبتدأ محذوف أي هو في صحف مكرمة ه لا مطهرة ه لا سفرة ه ز ~~بررة ط أكفره ه ط خلقه ه ز لأن # PageV06P445 # الجواب محذوف أي خلقه من نطفة ط فقدره ه لا يسره ه ز فأقبره ه لا أنشره ه ~~ط بناء على أن كلا بمعنى حقا ولا يصلح للردع وجه كما يجيء أمره ه ط إلى ~~طعامه ه ز إلا لمن قرأ أنا بالفتح صبا ه لا شقا ه لا حبا ه ز وقضبا ه ك ~~ونخلا ه ك غلبا ه ك وأبا ه لا ولأنعامكم ه ط الصاخة ه ز فإن الأوضح أن يكون ~~يوم ظرف جاءت وجوز أن يكون مفعول «اذكر» محذوفا والعامل مقدر أي فإذا جاءت ~~الصاخة كان ما كان أخيه لا وأبيه ه ك وبنيه ه ط يغنيه ه ك مسفرة ه لا ~~مستبشرة ه ج فصلا بين حالتي الفئتين مع اتفاق الجملتين غبرة ه لا قترة ه ~~الفجرة ه. ### | التفسير: # أطبق المفسرون على أن الذي عبس هو الرسول صلى الله عليه وسلم والأعمى هو ~~ابن أم مكتوم واسمه ms4573 عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الزهري. وذلك # أنه أتى رسول الله وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن ~~هشام والعباس بن عبد المطلب يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم ~~غيرهم. فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا ~~يعلم شغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس ~~وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه ويقول: ~~إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على ~~المدينة مرتين. # وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء. والجار محذوف ~~على القياس متعلق ب عبس أو ب تولى على اختلاف في باب تنازع الفعلين ~~للكوفيين والبصريين والتقدير: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدى لغني. # قال أهل المعاني: في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد ~~الإنكار كمن يشكو جانيا بطريق الغيبة وهو حاضر ثم يقبل على الجاني مواجها ~~بالتوبيخ. قالوا: وفي ذكر الأعمى نحو من الإنكار أيضا لأن العمى يوجب العطف ~~والرأفة عند ذوي الآداب غالبا لا التولي والعبوس، ولا يخفى أن نظر النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان على أمر كلي هو رجاء إسلام قريش فإنه في الظاهر أهم ~~من إجابة رجل أعمى على الفور إلا أنه سبحانه عد هذا الجزئي كليا من جهة ~~أخرى هي تطييب قلوب الفقراء والضعفاء وإهمال جانب أهل الغنى والثراء، فإن ~~هذا أدخل في الإخلاص وابتغاء رضوان الله وذلك مظنة التهمة والرياء. يحكى عن ~~سفيان الثوري أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. وأيضا فائدة الإرشاد ~~والتعليم بالنسبة إلى هذا الأعمى أمر معلوم وبالنسبة إلى أولئك أمر موهوم ~~لأنه جاء طالبا مسترشدا وأنهم جاءوا مستهزئين معاندين، وترك المعلوم ~~للموهوم خارج عن طريق الاحتياط وإلى هذا المعنى أشار بقوله # PageV06P446 # وما يدريك لعله لعل الأعمى ms4574 يزكى عما لا ينبغي أو يذكر يتعظ فتنفعه الذكرى ~~فيفعل ما ينبغي. وقيل: الضمير في لعله للكافر يعني أي شيء أدراك بحال كل من ~~أولئك الكفرة حتى طمعت في تطهرهم من الأوزار وانتفاعهم بالاذكار. ثم زاد ~~تصريحا لما فعل قائلا أما من استغنى أي بالمال. وقال عطاء: عن الإيمان. ~~وقال الكلبي: أي عن الله. والأول أولى لأنهم كانوا أغنياء وما توجه الخطاب ~~إلا من هذه الجهة وإن كان إسلامهم موهوما فأنت له تصدى تتعرض وأصله تتصدد ~~من الصدد وهو ما استقبلك فصار قبالك وما عليك يحتمل أن تكون «ما» استفهامية ~~ونافية يعني أي وبال يعود عليك أو ليس عليك بأس في أن لا يتزكى ذلك ~~المستغني إن عليك إلا البلاغ فما الموجب للحرص والتهالك على إسلامه حتى ~~تكسر قلوب الفقراء بالعبوس والإعراض، وهذا معنى قوله وأما من جاءك يسعى ~~يسرع في طلب الخير وهو يخشى الله أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك. وقيل: ~~يخشى الكيوة لأنه أعمى ما كان له قائد فأنت عنه تلهى أي تتشاغل. # قال أهل المعاني: بناء الكلامين على ضمير المخاطب تقوية إنكار التصدي ~~والتهلي عليه أي مثلك خصوصا لا ينبغي أن يتصدى لغنى ويتلهى عن الفقير. قوله ~~كلا ردع عن المعاتب عليه وعن معاودة مثله أي لا تفعل مثل ذلك. ثم قال إنها ~~يعني آيات القرآن وهو قول مقاتل، أو هذه السورة وهو قول الكلبي واختاره ~~الأخفش تذكرة وهي في معنى الذكر والوعظ فلذلك قال فمن شاء ذكره والمراد أن ~~هذا القرآن أو هذا التأديب الذي عرفناكه في إجلال الفقراء وعدم الالتفات ~~إلى أهل الدنيا ثبت في اللوح المحفوظ الذي قد وكل بحفظه أكابر الملائكة. ~~وفيه أن القرآن الذي بلغ في العظمة إلى هذا الحد أي حاجة له إلى أن يقبله ~~هؤلاء الكفرة، فسواء قبلوه أو لا فلا تلتفت إليهم واجتهد في تطيب قلوب ~~الفقراء الذين هم أهل الإخلاص وحزب الله. ثم وصف الصحف بأنها مكرمة عند ~~الله مرفوعة في السماء أو مرفوعة المقدار مطهرة عن ms4575 أهل الخبائث لا يمسها ~~إلا المطهرون من تلك الملائكة وتلك الصحف بأيدي سفرة قال ابن عباس ومجاهد ~~ومقاتل وقتادة: هم الكتبة من الملائكة واحدها سافر مثل كتبة وكاتب، وقد مر ~~في أول التفسير أن التركيب يدل على الكشف فبالكتابة يتبين ما في الضمير ~~ويتضح. قال الفراء: اشتقاق السفرة من السفارة لأن الملائكة سفرة بين الله ~~ورسوله ولا يخفى ما في السورة من معنى الكشف أيضا كرام على ربهم. وقال ~~عطاء: أراد أنهم يكرمون من أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا مع زوجته للجماع ~~وعند قضاء الحاجة بررة أتقياء واحدها بار. وقيل: هي صحف الأنبياء فيكون ~~كقوله إن هذا لفي الصحف الأولى [الأعلى: 18] وقيل: السفرة القراء. وقيل: ~~الصحابة. ثم عجب من # PageV06P447 # صناديد قريش وأضرابهم من أهل العجب والكفر المرتفعين على الفقراء مع أن ~~أولهم نطفة مذرة وآخرهم جيفة قذرة وهم فيما بين الوقتين حملة عذرة فقال قتل ~~الإنسان وهو دعاء عليه أشنع دعوة لأنه لا أفظع من القتل وما أكفره تعجب من ~~حال إفراطه في الكفران وتلقي نعم خالقه بالجحود والطغيان، وهذا قد ورد على ~~أسلوب كلام العرب وأنه لا يمكن أن يحمل في حقه تعالى إلا على إرادة إيصال ~~العقاب الشديد وليكون لطفا للمعتبرين المتعجبين المتأملين في مراتب حدوثهم ~~التي أولها نطفة وأشار إليها بقوله من أي شيء خلقه من نطفة والاستفهام ~~لزيادة التقرير في التحقير. # ثم قال فقدره فحمله الفراء على أطواره بعد كونه نطفة إلى وقت إنشائه خلقا ~~آخر، وعلى أحواله من كونه ذكرا أو أنثى وشقيا أو سعيدا. وقال الزجاج: قدره ~~على الاستواء كقوله ثم سواك رجلا [الكهف: 37] ويحتمل أن يراد فقدر كل عضو ~~في الكمية والكيفية على التقدير اللائق بمصلحته. وأما المرتبة الوسطى ~~فإليها الإشارة بقوله ثم السبيل يسره وهو نصب على شريطة التفسير فمن فسر ~~التقدير بالأطوار فسر السبيل بمخرج الولد من بطن أمه. يقال: إن رأس المولود ~~في بطن أمه يكون من فوق ورجله من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب بإلهام ~~الله ms4576 تعالى إياه على أن نفس خروج الولد حيا من ذلك المنفذ الضيق من أعجب ~~العجائب وعلى التفاسير الأخر فالمراد تسهيل سبيل الخير والشر كقوله إنا ~~هديناه السبيل [الدهر: 3] وأشار إلى المرتبة الأخيرة بقوله ثم أماته فأقبره ~~أي جعله ذا قبر فيكون متعديا إلى واحد، ويحتمل أن يكون الثاني محذوفا أي ~~فأقبره غيره. يقال: قبر الميت إذا دفنه بنفسه، وأقبر غيره الميت إذا أمره ~~بدفنه، فالمراد أن الله سبحانه أمر بدفن الأموات الإنسية تكرمة لهم دون أن ~~يطرحوا على وجه الأرض طعمة للسباع كسائر الحيوان ثم إن في كل هذه ~~الانتقالات دلالات واضحة على أنه سبحانه إذا شاء أن ينشر الإنسان ببعثه من ~~قبره أنشره قوله كلا يجوز أن يكون ردعا للإنسان عن تكبره وترفعه أو عن كفره ~~وإنكاره المعاد. وقال في الكشاف: وهذا هو ردع للإنسان عما هو عليه فهذا قول ~~مجاهد إن إنسانا لم يخل من تقصير قط فلم يقض أحد من لدن آدم إلى هذه الغاية ~~جميع ما كان مفروضا عليه. وقال آخرون: معناه أن الإنسان الكافر لم يقض بعد ~~ما أمره الله من التأمل في دلائل التوحيد والبعث. وقال الأستاذ أبو بكر بن ~~فورك: القضاء بمعنى الحكم والضمير لله أي لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره ~~به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يحكم له به. وحين فرغ من دلائل ~~الأنفس أردفها بدلائل الآفاق قائلا فلينظر الإنسان نظر استدلال وتدبر إلى ~~طعامه الذي يعيش به كيف دبرنا أمره من إنزال الماء من السماء، ثم شق # PageV06P448 # الأرض بالنبات أو بالكراب على البقر فيكون إسناد الفعل إلى السبب. والحب ~~ما يصلح للقوت كالحنطة والشعير، والقضب العلف بعينه قاله الحسن. وقال أكثر ~~المفسرين: إنه القت لأنه يقضب مرة بعد أخرى أي يقطع. والغلب الغلاظ الأعناق ~~في الأصل يقال: أسد أغلب، ثم استعير للحدائق أنفسها لتكاثف أشجارها ~~ولأشجارها لعظمها وغلظها. ثم أجمل الفاكهة ليعم الكل وأجمل العلف بقوله ~~وأبا للعموم وهو المرعى لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب ms4577 والأم إخوان قاله ~~جار الله. وقيل: الأب الفاكهة اليابسة المعدة للبقاء. والفاء في قوله فإذا ~~جاءت مثل ما مر في «النازعات» والصاخة النفخة الأخيرة. قال الزجاج: أصل ~~الصخ الطعن، والصك صخ رأسه بالحجر أي شدخه، والغراب يصخ بمنقاره في دبر ~~البعير أي يطعن، والنفخة لشدتها تصك الآذان. وقال جار الله: يقال صخ لحديثه ~~مثل أصاخ له فوصف النفخة بالصاخة مجاز لأن الناس يصخون لها أي يستمعون. ~~وفرار المرء من الجماعة المذكورين إما بالصورة وذلك للاحتراز عن المطالبة ~~بالتبعات يقول الأخ: ما واسيتني بمالك. ويقول الأبوان: قصرت في برنا. وتقول ~~الصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت كذا وكذا، والبنون يقولون: لم تعلمنا ولم ~~ترشدنا. قال جار الله: إنما بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ~~والفرار إنما يقع من الأبعد ثم من الأقرب، وأخر الصاحبة والبنين لأن البنين ~~أقرب وأحب فكأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبيه بل من صاحبته وبنيه. وأقول: ~~هذا القول يستلزم أن تكون الصاحبة أقرب وأحب من الأبوين ولعله خلاف العقل ~~والشرع، والأصوب أن يقال: أراد أن يذكر بعض من هو مطيف بالمرء في الدنيا من ~~أقاربه في طرفي الصعود والنزول فبدأ بطرف الصعود لأن تقديم الأصل أولى من ~~تقديم الفرع، وذكر أولا في كل من الطرفين من هو معه في درجة واحدة وهو الأخ ~~في الأول، والصاحبة في الثاني على أن وجود البنين موقوف على وجود الصاحبة ~~فكانت بالتقديم أولى. وقيل: أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ~~ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح. والأنسب عندي أن يكون الفار # قابيل وقد جاء هكذا في بعض الروايات، والأظهر أن الفرار المعني هو قلة ~~الاهتمام بشأن هؤلاء بدليل قوله لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه أي يصرفه ~~ويصده عن قرابته. قال ابن قتيبة: ويقال أغن عني وجهك أي اصرفه. وعندي أن ~~اشتقاقه من الغنى وذلك أن من أغناك فقد صرفك عن نفسه أو عن طلب حاجته. ثم ~~ذكر أن الناس يومئذ فريقان وأن أهل الكمال تلوح ms4578 على وجوههم أنوار الكمال من ~~أسفر الصبح إذا أضاء يستبشرون بأنواع المسار، ويضحكون بدل ما كانوا يبكون ~~في الدنيا خوفا من عقاب الله تعالى، وأن أهل النقائص يظهر على وجوههم سواد ~~مع غبرة كوجوه الزنوج مثلا إذا # PageV06P449 # أعبرت. والقترة سواد كالدخان جمع الله في وجوههم ظلمة الضلال والكفر مع ~~غبار الفجور والفسق ولهذا نعى عليهم بقوله أولئك هم الكفرة الفجرة أعاذنا ~~الله في الدارين من مثل أحوالهم. # PageV06P450 ### | (سورة التكوير) # (مكية حروفها خمسمائة وثلاثة وثلاثون كلها مائة وتسع وثلاثون آياتها تسع ~~وعشرون) ### | [سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 29] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا ~~العشار عطلت (4) # وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا ~~الموؤدة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) # وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السماء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا ~~الجنة أزلفت (13) علمت نفس ما أحضرت (14) # فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا ~~تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) # ذي قوة عند ذي العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صاحبكم بمجنون (22) ~~ولقد رآه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) # وما هو بقول شيطان رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعالمين ~~(27) لمن شاء منكم أن يستقيم (28) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين ~~(29) ### | القراآت # سجرت بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. قتلت بالتشديد: يزيد ~~ونشرت مخففا: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد الجوار ممالة: ~~قتيبة ونصير وأبو عمرو في رواية بظنين بالظاء: ابن كثير وعلي وأبو عمر ~~ويعقوب. الباقون: بالضاد. ### | الوقوف # كورت ه ص انكدرت ه ص سيرت ه ك عطلت ه ك حشرت ه ك سجرت ه ك زوجت ه ك سئلت ~~ه ك قتلت ه ج لاعتراض الاستفهام بين النسق نشرت ه ص كشطت ه ك سعرت ه ك ~~أزلفت ه ك أحضرت ه ط لتمام الشرط والجزاء والتقدير إذا كورت الشمس كورت ~~ارتفعت الشمس بفعل مضمر تفسيره الظاهر وكذلك ما بعدها. وقوله ms4579 علمت جواب عن ~~الكل وهو العامل في «إذا» وما عطف عليها بالخنس ه لا الكنس ه لا عسعس ه ك ~~تنفس ه ك كريم ه ك مكين ه ك أمين ه ط بناء على أن ما بعده مستأنف ومن جعل # PageV06P451 # وما صاحبكم وما بعدها معطوف على جواب القسم لم يقف على أمين إلى قوله ~~فأين تذهبون. بمجنون ه ج المبين ه ج بضنين ه ج رجيم ه ج تذهبون ه ط ~~للعالمين ه لا لأن ما بعده بدل البعض يستقيم ه العالمين ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين ~~أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء. أما ~~هذه ففيها اثنا عشر شيئا أولها تكوير الشمس وفيه وجهان: أحدهما إزالة النور ~~لأن التكوير هو التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة. # وفي الحديث «نعوذ بالله من الحور بعد الكور» «1» # أي من التشتت بعد الألفة والاجتماع، ومنه كارة القصار وهي ثوب واحد يجمع ~~ثيابه فيه. ولا يخفى أن الشيء الذي يلف يصير مخفيا عن الأعين فعبر عن إزالة ~~النور عن جرم الشمس وصيرورتها غائبة عن الأعين بالتكوير. الثاني أن يكون من ~~قولهم طعنه فحوره وكوره إذا ألقاه أي ألقيت ورميت عن الفلك. وثانيها انكدار ~~النجوم أي تساقطها وتناثرها والأصل في الانكدار الانصباب وكل متراكب ففيه ~~كدورة فلهذا يقال للجيش الكثير دهماء. قال الخليل: # انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم. قال الكلبي: تمطر ~~السماء يومئذ نجوما فقال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء ~~والأرض بسلاسل من النور وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في ~~السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة. # ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها. # وثالثها تسيير الجبال وقد مر في سورة «عم» . ورابعها تعطيل العشار وهي ~~جمع عشراء كالنفاس في نفساء. والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل ~~عليها الفحل عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع الحمل لتمام ms4580 السنة، وهي ~~أنفس ما يكون عند أهلها وهم العرب فخوطبوا بما هو مركوز في أذهانهم مصور في ~~خزانة خيالهم، والغرض بيان شدة الاشتغال بأنفسهم حتى يعطلوا ويهملوا ما هو ~~أهم شيء عندهم. وقيل: العشار هي السحاب تعطلت عما فيها من الماء، ولعله ~~مجاز من حيث إن العرب تشبه السحاب بالحامل. قال الله تعالى فالحاملات وقرا ~~[الذاريات: 2] وخامسها حشر الوحوش والوحش ضد ما يستأنس به من دواب البر. # قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وفيه أنه سبحانه إذا كان لا ~~يهمل أمر الوحوش فكيف يهمل أمر المكلفين. قال الإمام فخر الدين: وفيه دليل ~~على أن هول ذلك PageV06P452 # اليوم بلغ مبلغا لا يفرغ الوحوش للنفار عن الإنسان ولا بعضها للاحتراز عن ~~بعض مع العداوة الطبيعية بين بعض الأصناف حتى صار بعضها غذاء بعض. قلت: هذا ~~الاستدلال ضعيف فإن الوحوش في الدنيا أيضا مجتمعة مع الناس ومع أضدادها لكن ~~في أمكنة مختلفة، فلم لا يجوز أن تكون في القيامة أيضا كذلك. وعن ابن عباس ~~في رواية إن حشر الوحوش عبارة عن موتها وذلك إذا قضى بينها فردت ترابا فلا ~~يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه. يقال: ~~إذا اجتاحت السنة الناس وأموالهم حشرتهم السنة أي أماتتهم. السادس تسجير ~~البحار أي تنشيف ما فيها من الرطوبة حتى لا يبقى فيها شيء من المياه وقد ~~سبق في «الطور» . السابع تزويج النفوس وهو اقتران الأرواح بالأجساد. وقال ~~الحسن: هو كقوله وكنتم أزواجا ثلاثة [الواقعة: 7] أي صنفتم أصنافا ثلاثة ~~وقريب منه قول من قال: هو أن يضم كل واحد إلى من يجانسه ويكون في طبقته من ~~خير أو شر. وقول من قال: هو أن يقرن بين الرجل وبين من كان يلازمه في ~~الدنيا من ملك أو سلطان. وقال ابن عباس: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ~~ونفوس الكافرين بالشياطين، ويقرب منه قول الزجاج هو أن تقرن النفوس ~~بأعمالها. الثامن سؤال الموؤدة. قال جار الله: وأد يئد مقلوب آد يؤد إذا ~~أثقل ms4581 لأنه إثقال بالتراب، وكانوا يدفنون بناتهم في الأرض أحياء خوفا من ~~الفقر ولخوف العار كما مر في «النحل» وغيره. ومعنى هذا السؤال تبكيت قاتلها ~~كما يخاطب عيسى بقوله أأنت قلت للناس [المائدة: 116] والغرض تبكيت النصارى. ~~وقيل: الموؤدة هي التي تسأل نفسها فهي السائلة والمسئول عنها. وإنما قيل ~~قتلت ماضيا مجهولا غائبا بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت ~~به حين سئلت لقيل قتلت مجهولا مخاطبا، ولو حكى كلامها حين سألت لقيل قتلت ~~متكلما مجهولا وبه قرأ ابن عباس. قالت المعتزلة وبه يحتج صاحب الكشاف: إن ~~في الآية دلالة على أن أطفال المشركين لا يعذبون لأنه تعالى إذا بكت الكافر ~~بسببها فلأن لا يعذبها أولى. ويمكن أن يجاب بأن تعذيب الوائد للوأد من جهة ~~أنه تصرف في ملك الله تعالى بغير حق لا ينافي تعذيب الموؤدة من جهة أخرى ~~وهي أن حكمها في الإسلام والكفر حكم أبيها. التاسع نشر صحف الأعمال. عن ~~قتادة: هي صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك حين موتك ثم تنشر يوم القيامة ~~فلينظر رجل يملى في صحيفته. ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم. ~~وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع ~~صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم ~~أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال قاله في الشكاف. العاشر كشط ~~السماء كما يكشط # PageV06P453 # الإهاب عن الذبيحة. والغطاء عن الشيء أي كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة ~~وعرش الله تعالى. الحادي عشر والثاني عشر تسعير الجحيم أي إيقادها وإزلاف ~~الجنة أي إدناؤها. استدل بعضهم بالآية على أن النار غير مخلوقة الآن لأنه ~~علق تسعيرها بيوم القيامة، ويمكن المعارضة بأنها تدل على أن الجنة مخلوقة ~~وإلا لم يمكن إزلافها على أن تعليق تسعير الجحيم بيوم القيامة لا ينافي ~~وجودها قبل ذلك غير موقدة إيقادا شديدا. وقيل: يسعرها غضب الله عز وجل ~~وخطايا بني آدم. # وقوله علمت ms4582 نفس ما أحضرت كقوله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا [آل ~~عمران: 30] والتنوين في نفس للتقليل على أنه مفيد للتكثير بحسب المقام نحو ~~قد يعلم الله [النور: 63] ربما يود الذين كفروا [الحجر: 2] ويجوز عندي أن ~~يكون للتعظيم أو للنوع يعني النفس الإنسانية لا النباتية ولا الحيوانية ولا ~~الفلكية عند القائلين بها. وإسناد الإحضار إلى الأنفس مجاز لأن الملائكة ~~أحضروها في الصحف أو في الموازين إلا أنها لما تسبب منها ذلك أسند إليها ~~على أن آثار أعمالها إنما تلوح عليها. # قال أهل التأويل: هذه الأحوال يمكن اعتبارها في وقت القيامة الصغرى وهي ~~حالة الموت، فالشمس النفس الناطقة، وتكويرها قطع تعلقها، وانكدار النجوم ~~تساقط القوى، وتسيير الجبال انعزال الأعضاء الرئيسة عن أفعالها، والعشار ~~البدن يهمل أمرها، وحشر الوحوش ظهور نتائج الأفعال البهيمية والسبعية على ~~الشخص، وتسجير البحار نفاد الأوهام الباطلة والأماني الفارغة فإنها بحر لا ~~ساحل له دون الموت الاختياري أو الاضطراري، وتزويج النفوس انضمام كل ملكة ~~إلى جنسها الظلمة إلى الظلمة والنور إلى النور، والموؤدة القوة التي ضيعها ~~المكلف في غير ما خلقت لأجله. وسمعت بعض المحققين من أساتذتي أنها كل مسألة ~~سنحت للخاطر ولم تقيد بالكتابة حتى غابت. والسماء سماء الأرواح والباقي ~~ظاهر. وحين أثبت المعاد شرع في النبوات فأكدها بالحلف. والخنس جمع خانس، ~~والكنس جمع كانس. والأكثرون على أنها السيارات الخمسة الجاريات مع النيرين ~~في أفلاكها بالارتباطات المعلومة من الهيئة وقد ذكرنا طرفا منها في البقرة ~~بقوله إن في خلق السماوات والأرض [الآية: 164] وفي قوله فسواهن سبع سماوات ~~[البقرة: 29] فخنوسها رجوعها ومنه الخناس للشيطان، وكنوسها اختفاؤها تحت ~~ضوء الشمس ومنه كنس الوحش إذا دخل كناسه. والمنجمون يسمون زحل والمشتري ~~والمريخ والزهرة وعطارد متحيرة لمشاهدة الوقوف والرجوع منها بعد الاستقامة ~~وهي حركتها الخاصة من المغرب إلى المشرق على توالي البروج أي من الحمل إلى ~~الثور ثم إلى الجوزاء وهكذا على الترتيب. # PageV06P454 # فإذا تحركت القهقري بعكس هذا الترتيب شبه الحركة اليومية. يقال: إنها ~~راجعة أقسم الله بها إذ ms4583 أحوالها أغرب ورباطاتها مع الشمس أعجب كما بين في ~~ذلك العلم. # وعن علي رضي الله عنه وهو قول عطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب ~~وخنوسها غيبتها عن البصر بالنهار وكنوسها ظهورها للبصر في الليل كما يظهر ~~الوحش من كناسه. # وعن ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش وخنوسها صفة لأنوفها ومنه «رجل ~~أخنس وامرأة خنساء» وفي هذا القول بعد عن الخنس المقسم بها لأنه لا يناسب ~~ما بعده. وقال أهل التأويل: هي الحواس الخمس تظهر آثارها تارة وتغيب أخرى. ~~ثم أقسم بالليل والنهار. ومعنى عسعس أقبل وأدبر فهو من الأضداد، وتنفس ~~الصبح مجاز عن تخلصه من ظلمة الليل كنفس المكروب إذا وجد راحة أو مجاز عما ~~يكون عنده من روح ونسيم. والضمير في إنه للقرآن، والرسول الكريم جبرائيل، ~~وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وكرمه في ~~نفسه أنه لا يدل إلا على الخير والكمال. ومعنى كون القرآن قول جبرائيل أنه ~~وصل منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن النزاع وقع من الكفرة في أنه ~~قول محمد أو هو من السماء فأثبت الثاني ليلزم نفي الأول. وفي لفظ رسوله ~~دلالة على أنه ليس قوله بالاستقلال. وقوله ذي قوة كقوله ذي مرة [النجم: # 6] وقد مر بالنجم. وقوله عند ذي العرش أي عند ربه بالقرب كقوله ومن عنده ~~[الرعد: 43] والمكين ذو الجاه الذي يعطى ما يسأل يقال مكن فلان بضم الكاف ~~مكانة. # وقوله ثم إشارة إلى الظرف المذكور أي مطاع عند الله في الملائكة المقربين ~~يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه أمين على الوحي والسفارة وقد عصمه الله من ~~الخيانة والزلل. # استدل في الكشاف بالآيات على تفضيل الملك على الأنبياء وقال: لأنه وصف ~~جبرائيل بصفات الكرامة، ثم وصف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وما صاحبكم ~~بمجنون وشتان بين الوصفين. # قلت: أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون. ~~والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطرادا لبيان مدح النبي صلى الله ms4584 عليه ~~وسلم والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به ~~وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه. ووصف جبرائيل ~~بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، ~~فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على ~~مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق ~~لغرض تزكية النبي صلى الله عليه وسلم. والعجب من الإمام فخر الدين الرازي ~~أيضا أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال ~~حرصه على تزييف أدلتهم. ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث ~~حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا # PageV06P455 # شيطان رجيم فقال ولقد رآه بالأفق المبين وهو أفق الشمس كما مر في «النجم» ~~. ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال وما هو على الغيب بضنين ومن قرأ بالظاء ~~الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة ~~التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل. ومن قرأ ~~بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينها من الأضراس ومن يمين ~~اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس ~~كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه ~~أنه لا يكتم شيئا من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدين من ~~الإرشاد والكمال فأين تذهبون بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك ~~لتارك لجادة اعتسافا أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى ~~الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب. قوله لمن شاء ~~فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ ~~والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات ~~والأرض. ولا يخفى ما بينها وبين قوله فأين تذهبون من التناسب والطباق وفيه ~~دليل القدرية ms4585 إلا أن قوله وما تشاؤن إلا أن يشاء الله فيه دليل الجبرية كما ~~مر في آخر هل أتى وغيره والله الموفق. # PageV06P456 ### | (سورة انفطرت) # (مكية حروفها ثلاثمائة وسبعة وعشرون كلماتها ثمانون آياتها 19) ### | [سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا البحار فجرت (3) ~~وإذا القبور بعثرت (4) # علمت نفس ما قدمت وأخرت (5) يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) الذي ~~خلقك فسواك فعدلك (7) في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) # وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون (12) إن ~~الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي جحيم (14) # يصلونها يوم الدين (15) وما هم عنها بغائبين (16) وما أدراك ما يوم الدين ~~(17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله (19) ### | القراآت # فجرت بالتخفيف: ابن شنبوذ عن أهل مكة فعدلك مخففا: يزيد وحمزة وعلي وخلف ~~وعاصم غير المفضل ركبك كلا مدغما: أبو عمرو وقتيبة عنه يكذبون على الغيبة: ~~يزيد يوم لا بالرفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. # الآخرون: بالفتح. ### | الوقوف # انفطرت ه ك انتثرت ه ك فجرت ه ك بعثرت ه ك وأخرت ه ط الكريم ه لا فعدلك ه ~~ط بناء على أن الظرف بعده متعلق ب ركبك ومن خفف فعدلك لم يقف بناء على أنه ~~جعل «في» بمعنى «إلى» أي فعدلك إلى أي صورة ما شاء ركبك ه ط بناء على أن ~~«كلا» توكيد لتحقيق بل ومن جعله ردعا عن الاعتراف لم يقف بالدين ه ج ~~لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف والوصل أجوز إلا من قرأ يكذبون على ~~الغيبة فإنه يقف مطلقا للعدول لحافظين ه لا كاتبين ه ك تفعلون ه نعيم ه ج ~~جحيم ه ج لاحتمال أن ما بعده مستأنف أو صفة جحيم بغائبين ه ط لابتداء النفي ~~أو الاستفهام الدين ه يوم الدين ه لا لمن قرأ يوم بالنصب أي ذلك في يوم ومن ~~رفعه على أنه بدل من يوم الدين فلا وقف. # شيئا ms4586 ط لله ه ط. ### | التفسير: # إنه سبحانه يذكر طرفا آخر من أشراط الساعة في هذه السورة. فأولها انفطار ~~السماء أي انشقاقها كقوله في الفرقان ويوم تشقق السماء بالغمام [الفرقان: ~~25] وكما # PageV06P457 # يجيء في قوله إذا السماء انشقت [الانشقاق: 1] وفيه كذا في قوله وإذا ~~الكواكب انتثرت إبطال قول من زعم أن الفلكيات لا تنخرق. أما الدليل المعقول ~~الذي ذكره الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وهو أن الأجسام متماثلة في ~~الجسمية فيصح على كل واحد منها ما يصح على الباقي لكن السفليات يصح عليها ~~الانخراق فيصح على العلويات أيضا فغير مفيد ولا مقنع، لأن الخصم لو سلم ~~الصحة فله أن ينازع فى الوقوع لمانع كالصورة الفلكية وغيرها. وأما تفجير ~~البحار فقد فسروها بفتح بعضها إلى بعض حتى تصير البحار كلها بحرا واحدا ~~وذلك لتزلزل الأرض وتصدعها حتى يرتفع الحاجز الذي بين البحار الشرقية وبين ~~البحار الغربية. وقد فسره في الكشاف بزوال البرزخ بين العذب والمالح حتى ~~يختلطا وهو تصور فاسد نشأ من مجرد سماع لفظ ارتفاع البرزخ. وعن الحسن: إن ~~الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية وهو معنى التسجير عنده ~~كما مر في السورة المتقدمة. قال جار الله: بعثر وبحثر بمعنى وهما من البعث ~~والبحث زيد فيهما الراء والمعنى بحثت القبور وأخرج موتاها. ولأهل التأويل ~~أن يحملوا بعثرة القبور على كشف الأسرار والأحوال الخفية، ومعنى التقديم ~~والتأخير قد سبق في القيامة في قوله ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13] والمراد جميع أعمالها وإنما يحصل بها العلم الإجمالي عند ~~الموت أو في أوائل أشراطه ثم يزيد شيئا فشيئا إلى حين مطالعة صحيفة العمل. ~~ولما أخبر عن وقوع الساعة والحشر بين ما يدل عليه عقلا فقال يا أيها ~~الإنسان هو الكافر المنكر للبعث عند طائفة لقوله بعد ذلك كلا بل تكذبون وقد ~~يخص ببعضهم فروي عن ابن عباس أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وعن الكلبي ~~ومقاتل في الأشد بن كلدة. وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يعاقبه ms4587 الله تعالى وأنزل الآية. والأقرب أنها تتناول جميع العصاة وخصوص ~~السبب لا يقدح في العموم، وهاهنا سؤال وهو أنه تعالى وصف نفسه في هذا ~~المقام بالكرم وهذا الوصف يقتضي الاغترار به حتى قالت العقلاء: من كرم ~~الرجل سوء أدب غلمانه. وسمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الخدم فقال: أما ~~يهاب هؤلاء الغلمان. فقال: # إنما يهابنا أعداؤنا. # وعن علي رضي الله عنه أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه فنطر فإذا هو بالباب ~~فقال لم لم تجبني؟ فقال: لثقتي بتحملك وأمني من عقوبتك فاستحسن جوابه ~~فأعتقه. # «قال مؤلف الكتاب» : إني في عنفوان الشباب رأيت فيما يرى النائم أن ~~القيامة قد قامت وقد دار في خلدي أن الله تعالى لو خاطبني بقوله يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فمادا أقول؟ ألهمني الله في المنام ~~أن أقول: غرني كرمك يا رب. ثم إني وجدت هذا المعنى قد ذكر في بعض التفاسير. ~~وعن الفضيل بن عياض أنه قال: أقول في الجواب غرتني ستورك المرخاة. وإذا ثبت ~~أن الكرم يقتضي أن يغتر بصاحبه فكيف وقع الإنكار عليه؟ # PageV06P458 # والجواب من وجهين: الأول أن كل كريم فهو حكيم لأن إيصال النعم إلى الغير ~~لو لم يكن مبنيا على داعية الحكمة كان تبذيرا لا كرما فكأنه سبحانه قال: ~~كيف اغتررت بكرمي وكرمي حقيقي صادر عن الحكمة وهي تقتضي أن لا يهمل وإن ~~أمهل، وأن ينتقم للمظلوم من الظالم ولو بعد حين، وأن يعيد الناس لأجل ~~المجازاة حتى يظهر المحسن من المسيء والبر من الفاجر لا يضيع حقوق الناس؟. # والحاصل أن الكرم بالخلق والتسوية وهي انتصاب القامة أو سلامة الأعضاء، ~~وبالتعديل وهو تناسبها أو جعله مستعدا لقبول الكمالات لا يقتضي أن لا يعيده ~~إلى الحالة الأولى لأجل المجازاة، بل يجب أن يعيده تتميما للنعمة وإظهارا ~~للحكمة. الثاني أن كرمه السابق بالخلق وغيره لا يوجب كرما لا حقا بالعفو ~~والغفران لجميع المعاصي لأن غاية الكرم هو أن يبتدئ بالنعم من غير عوض ولا ~~غرض، أما الكريم إذا أمر ms4588 المنعم عليه بشيء وإنه يتلقاه بالعصيان فليس من ~~الكرم أن يغمض عن جرمه بل قد يعد ذلك ضعفا وذلة ولا سيما إذا كان المأمور ~~به هو معرفة المنعم ولهذا روي عن عمر مرفوعا «غره جهله» . وعن الحسن: غره ~~والله شيطانه الخبيث حتى طمع في الكرم اللاحق لأجل الكرم السابق. # خصوصا إذا لم يكن ممن حصل له معرفة ربه في الدنيا. قال النحويون: «ما» في ~~ما شاء مزيدة قلت: وذلك بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فهي مفيدة للتأكيد أي ~~في كل صورة من الصور شاء كقوله هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء [آل ~~عمران: 6] وإنما لم يقل «ففي أي صورة» بالفاء العاطفة على نسق ما تقدمها ~~لأنها كالبيان بعد ذلك. والجار متعلق بركب أي ركبك في أي صورة اقتضتها ~~حكمته أو بمحذوف أي حاصلا في بعض الصور المرادة. وجوز جار الله أن يتعلق ب ~~فعدلك ويكون في أي معنى التعجب أي فعدلك في صورة عجيبة ثم قال ما شاء أي ~~ركبك ما شاء من التركيب. قال الحسن: منهم من صوره ليستخلصه له، ومنهم من ~~صوره ليشغله بغيره. قلت: الأولون مظاهر اللطف والجمال، والآخرون مظاهر ~~القهر والجلال. ثم زجرهم عن الاغترار بقوله كلا وهي حرف وضع في اللغة لنفي ~~ما تقدم وتحقيق غيره أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور، ولئن ~~فرض فالله كريم غفار للذنوب، ولئن قدر أنه معاقب فلعله غير عالم بالجزئيات ~~فكيف يحاسب فنبههم الله تعالى على خطئهم بأن تكذيبهم بالجزاء إنما وقع في ~~حال تسليط الحفظة عليهم، وهذا التكذيب أيضا من جملة ما يكتبونه. أو نقول: ~~لما ردعهم عن الطمع الفارغ والأمل المنكر أضرب عنه إلى ما هو شر منه وهو ~~إنكار الجزاء أصلا. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم إشارة إلى أن أمر ~~الجزاء عند الله تعالى من عظائم الأمور # PageV06P459 # والاشغال. قال بعضهم: من لم يزجره عن المعاصي مراقبة الله إياه كيف يرده ~~عنها الكرام الكاتبون؟ قلت: لا ريب أن الأول أصل والثاني ms4589 فرع إلا أن المكلف ~~لإلفه بالمحسوسات يزجره ما هو أقرب إلى عالم الحس أكثر ما يزجره ما هو أقرب ~~إلى عالم الأرواح ولهذا تقع الزواجر والروادع في المدينة الفاضلة. ثم ذكر ~~فائدة كتابة الحفظة وغايتها فقال إن الأبرار إلى آخره. يحكى أن سليمان بن ~~عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فقال لأبي حازم: # كيف القدوم على الله غدا؟ فقال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما ~~المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. قال: فبكى ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله ~~فقال أبو حازم: # اعرض عملك على كتاب الله قال: في أي مكان؟ قال في قوله إن الأبرار لفي ~~نعيم وإن الفجار لفي جحيم # قال جعفر الصادق: النعيم المعرفة والمشاهدة، والجحيم ظلمات الشهوات. # وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل، والجحيم الطمع والحرص، وقال ~~العارفون: النعيم الاشتغال بالله والجحيم الاشتغال بما سواه. وقوله وما هم ~~عنها بغائبين كقوله وما هم بخارجين منها أو أراد ما كانوا يغيبون عنها قبل ~~ذلك أي في قبورهم فيكون قد بين حال البرزخ كما شرح حال المبدأ والمنتهى. ثم ~~نبه بقوله وما أدراك مرتين أن يوم الدين مما لا يكتنه كنه شدته، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يعرفه إلا بالوحي. وقيل: # للكافر. ثم وصفه مجملا بقوله يوم لا تملك إلى آخره أي لا ملك ولا تصرف في ~~ذلك بظاهر وحقيقة الإله تعالى. # PageV06P460 ### | (سورة المطففين) # (مكية وقيل مدنية حروفها سبعمائة وثلاثون كلمها مائة وتسعون آياتها 36) ### | [سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 36] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا كالوهم ~~أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) # ليوم عظيم (5) يوم يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا إن كتاب الفجار لفي ~~سجين (7) وما أدراك ما سجين (8) كتاب مرقوم (9) # ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به إلا ~~كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين (13) كلا بل ~~ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) # كلا إنهم عن ربهم يومئذ ms4590 لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم ~~يقال هذا الذي كنتم به تكذبون (17) كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين (18) وما ~~أدراك ما عليون (19) # كتاب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) على ~~الأرائك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) # يسقون من رحيق مختوم (25) ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (26) ~~ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا كانوا ~~من الذين آمنوا يضحكون (29) # وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) ~~وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (32) وما أرسلوا عليهم حافظين (33) ~~فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون (34) # على الأرائك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36) ### | القراآت # بل ران حفص يقف على بل وقفة يسيرة ومع ذلك يصل. وقرأ الحلواني عن قالون ~~مظهرا ران بالإمالة: حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى تعرف مبنيا للمفعول نضرة ~~بالرفع: يزيد ويعقوب خاتمه بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة: # علي. أهلهم بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي ~~وخلف بضمهما. الباقون: بضم ميم الجمع فقط فكهين مقصورا: يزيد وحفص هل ثوب ~~الكفار بالإدغام: حمزة وعلى وهشام. # PageV06P461 ### | الوقوف # للمطففين ه لا يستوفون ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق ~~الوصفين مع اتفاق الجملتين يخسرون ه للاستفهام عظيم ه لا لأن التقدير لأمر ~~يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة لرب ~~العالمين ه ط لأن «كلا» لتحقيق أن بمعنى «ألا» التي للتنبيه أو حقا أو هو ~~ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة سجين ه ط ما سجين ه ط للحذف أي هو ~~كتاب مرقوم ه ط لأن ويل مبتدأ للمكذبين ه لا الدين ه ط للابتداء بالنفي ~~أثيم ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له الأولين ه والوقف لما ذكر يكسبون ه ~~لمحجوبون ه لأن «ثم» لترتيب الأخبار الجحيم ه ك لاختلاف الجملتين تكذبون ه ~~ك عليين ه ك عليون ه ك مرقوم ه لا لأن ما بعده صفة المقربون ه ط نعيم ه لا ms4591 ~~لأن ما بعده حال أو صفة ينظرون ه لا لذلك النعيم ه ج لأن ما بعده يصلح ~~مستأنفا أو حالا مختوم ه لا لأن ما بعده وصف مسك ط المتنافسون ه ط تسنيم ه ~~لا بناء على أن عينا حال كما قال الزجاج. فإن أريد النصب على المدح جاز ~~الوقف المقربون ه ط يضحكون ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى يتغامزون # ه ك لذلك فكهين ه ك لضالون ه لا لأن المنفية حال حافظين ه ط لتبدل الكلام ~~معنى يضحكون ه لا ينظرون ه ط يفعلون ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من ~~أحوالها وأهوالها صدر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على ~~الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس ~~السمات وهي التطفيف. والتركيب يدل على التقليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف ~~الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلئ. وقال الزجاج: إنما ~~قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال ~~والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس ~~كيلا فنزلت فأحسنوا الكيل. # قلت: إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم ~~المدينة قرأها عليهم. وهكذا الوجه فيما # روي أن أهل المدينة كانوا تجارا يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة ~~والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليهم فقال «خمس بخمس. قيل: يا رسول الله ~~وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا ~~بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم ~~الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا # PageV06P462 # الزكاة إلا حبس عنهم القطر» «1» # وعن علي رضي الله عنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: ms4592 أقم الوزن ~~بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. # كأنه أخبره بالتسوية أولا ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن أبي: لا ~~تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين. والاكتيال الأخذ ~~بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن. قال الفراء: «من» و «على» يعتقبان في هذا ~~الموضع. فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك. وقال ~~أهل البيان: وضع «على» مكان «من» للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال ~~فيه ضرر. وجوز أن يتعلق الجار ب يستوفون والتقديم للتخصيص أي يستوفون على ~~الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. والضمير في كالوهم أو وزنوهم منصوب ~~راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف الجار وأصل الفعل. قال ~~الكسائي والفراء: هذه لغة الحجاز ومنه المثل «الحريص يصيدك لا الجواد» أي ~~الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد. ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير ~~وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا ~~يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة ~~يبينان بها ما أرادا. وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ~~ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن يد من الألف، وزيفت هذه ~~التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح ~~الخط. وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول ~~القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، ~~وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. قلت: # النظم على قولهما باق على حالته من الإعجاز والفصاحة لأنه يفيد ضربا من ~~التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ~~ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق ~~بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من ~~البخس في الكيل وفي الوزن جميعا ولهذا قال سبحانه وإذا كالوهم أو وزنوهم ms4593 ~~وأما في الأخذ فالميزان غالبا يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف ~~فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في ~~الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوة فلهذا لم يقل ~~هناك «أو اتزنوا» . وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات ~~الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى. وذهب بعض العلماء إلى ~~أن المطفف لا يتناوله PageV06P463 # الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة. والأكثرون على أن قليله وكثيره ~~يوجب الوعيد. # وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر. # وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله: لفظ المطفف يتناول التطفيف في ~~الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم ~~يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف. والذي يرى عيب الناس ولا يرى ~~عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما ~~يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد ~~لنفسه حقا. ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه ~~عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين ~~بلا كيل ووزن؟ ثم زاد في توبيخهم بقوله ألا يظن فإن كانوا من أهل الإسلام ~~كما روي أن أهل المدينة كانوا يفعلون ذلك فالظن بمعنى العلم، وإن كانوا ~~كفارا منكري البعث فالظن بمعناه الأصلي. والمراد به أنهم لا يقطعون بالبعث ~~أفلا يظنونه أيضا كقوله إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين [الجاثية: 32] ~~وفي الإشارة إليهم ب أولئك وقد ذكرهم عما قريب تبعيد لهم عن رتبة الإعتبار ~~بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه ~~لرب العالمين بيان بليغ لعظم هذا الذنب كما إذا قال الحالف والله الطالب ~~الغالب الحي القيوم. ففيه تعظيم شأن المقسم عليه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «يقوم الناس مقدار ثلاثمائة سنة من الدنيا ~~لا يؤمر ms4594 فيهم بأمر» . # قال ابن عباس: هو في حق المؤمنين كقدر انصرافهم من الصلاة. وفيه أنه إذا ~~ظهر التطفيف الذي يظن به أنه حقير فكيف بسائر الظلامات؟ وحمل بعضهم هذا ~~القيام على رد الأرواح إلى أجسادها حتى يقوموا من مراقدهم. وعن أبي مسلم: ~~أراد به الخضوع التام كقوله وقوموا لله قانتين [البقرة: # 238] ثم بين أن كل ما يعمل من خير أو شر فإنه مكتوب عند الله. وقدم ديوان ~~الشرور لأن المذكور قبله هو وعيد أهل الفجور. وسجين «فعيل» من السجن وهو ~~الحبس والتضييق جعل علما لديوان الشر الجامع لأعمال الكفرة والفسقة ~~والشياطين، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا العلمية كتاب مرقوم ليس تفسيرا ~~للسجين بل التقدير: كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وإن كتاب الفجار مرقوم. ~~وموقع قوله وما أدراك ما سجين اعتراض تعظيما لأمر السجين، ولأن ذلك لم يكن ~~مما كانت العرب تعرفه أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك. وقيل: مرقوم ~~أي مطروح وعلى هذا يكون سجين اسم مكان. ثم اختلفوا، فعن ابن عباس في رواية ~~عطاء وقتادة ومجاهد والضحاك وعن البراء مرفوعا أنه أسفل أرضين وفيها إبليس ~~وذريته. وعن أبي هريرة مرفوعا أنه جب في جهنم. وقال الكلبي: صخرة تحت # PageV06P464 # الأرض السابعة. والتحقيق أنه سبحانه أجرى أمور عباده على ما تعارفوه فيما ~~بينهم، ولا شك أن السفلة والظلمة والضيق وحضور الشياطين الملاعين من صفات ~~البغض فوصف الله كتاب الفجار بأنه في هذا الموضع استهانة بهم وبأعمالهم، ~~كما أنه وصف كتاب الأبرار بأنه في عليين وتشهده الملائكة المقربون تعظيما ~~لحالهم. ثم أوعد المكذبين ووصفهم بقوله الذين يكذبون للذم لا للبيان لأن كل ~~مكذب فالوعيد يتناوله سواء كان مكذبا بالبعث أو بسائر آيات الله تعالى فهو ~~كقولك «فعل فلان الفاسق الخبيث» . وإنما خص التكذيب بالبعث لتقدم ذكره وذكر ~~ما يتعلق به. ثم بالغ في الذم بقوله وما يكذب به إلا كل معتد أثيم متجاوز ~~عن حد الاعتدال في استعمال القوة النظرية إما في طرف الإفراط وهو الجريرة ~~حتى ms4595 عد الممكن محالا وأقدم على التكذيب، وإما في طرف التفريط وهو البله ~~والغباوة حتى قنع بالاستبعاد المحض وأعرض عن النظر في دلائل البعث من الخلق ~~الأول وغيره. أثيم في إعمال القوى البدنية في غير مواقعها حتى أثمر له ~~الباطل بدل الحق، وحكم على آيات الله بأنها أساطير الأولين، وفيه إنكار ~~للنبوة أيضا. ثم أضرب عن أن يكون لهم اختيار فيما قالوه أو يكون لهم ارعواء ~~عما ارتكبوه، لأن ما كسبوه قدران على قلوبهم أي ركبها كما يركب الصدأ وغلب ~~عليها. قال أهل اللغة: ران النعاس والخمر في الرأس يرين رينا وريونا إذا ~~رسخ فيه، ولهذا قال الحسن: هو الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب. قلت: الغين ~~هو الحجاب الرقيق الذي يزول عن كثب ومثله الغيم. والرين هو الغليظ الذي لا ~~يرجى زواله ولهذا # جاء في الحديث «إنه ليغان على قلبي» # وأما الرين فمن صفة الكفار الذين صارت ملكاتهم الذميمة في غاية الرسوخ ~~حتى أظلم سطوح قلوبهم بل دخلت الظلمة أجوافها وبلغت الكدورة صفاقها. # ثم قال كلا حقا وهو ردع عن الكسب الرائن على القلب إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون وذلك أن النور لا يرى إلا بالنور، فإذا كانت نفوسهم في غاية ~~الظلمة الذاتية والعرضية الحاصلة من الملكات الردية احتجبوا عن نور الله ~~ومنعوا من رؤيته. قال أهل السنة كثرهم الله: وفي تخصيصهم بالحجب دلالة على ~~أن أهل الإيمان والأعمال الصالحة لا يكونون محجوبين عن ربهم. وقالت ~~المعتزلة: المضاف محذوف أي عن رحمة ربهم أو كرامته. وقال في الكشاف: هو ~~تمثيل للاستخفاف بهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين. ثم ~~أخبر بقوله ثم إنهم لصالوا الجحيم أي داخلوها عن بقية حالهم وأنهم لا ~~يتركون على حجب الحرمان بل يعذبون بنار القطيعة والهجران لأنهما متلازمان ~~ثم يقال في معرض التوبيخ هذا الذي كنتم به تكذبون جمعا بين عذاب الوجل ~~وعذاب الخجل. # PageV06P465 # ثم شرع في قصة الأبرار. وعليون جمع «علي» «فعيل» من العلو وإعرابه كإعراب ~~الجمع لأنه على صورته وإن صار ms4596 مفردا كقنسرين من حيث إنه جعل علما لديوان ~~الخير الذي فيه أعمال الملائكة وصلحاء الثقلين، إما لأنه سبب الارتفاع إلى ~~أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يحضره ~~الملائكة المقربون. وقال مقاتل: هو في ساق العرش. وعن ابن عباس: هو لوح من ~~زبرجد معلق تحت العرش. وبالجملة كتاب الأبرار ضد كتاب الفجار بجميع معانية ~~كما عرفت من بقية حال الأبرار. ومفعول ينظرون محذوف ليشمل أنواع نعيمهم في ~~الجنة من الحور العين والأطعمة والأشربة والملابس والمراكب والمساكن وكل ما ~~أعد الله لهم. # قال عليه السلام «يلحظ المؤمن فيحيط بكل ما آتاه الله وإن أدناهم منزلة ~~من له مثل سعة الدنيا» # وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون ولا يحجب الحجاب أبصارهم عن ~~الإدراك. وقال بعضهم: ينظرون إلى الله تعالى بدليل قوله تعرف يا من له أهل ~~العرفان في وجوههم نضرة وقوله في موضع آخر وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ~~[القيامة: 22، 23] ولا ريب أن هناك قرائن وأحوالا تعرف بها بهجتهم ~~وازدهاؤهم بالضحك والاستبشار بل بتجلي الأنوار والآثار. والرحيق الخمر ~~الصافية التي لا غش فيها مختوم أوانيه ختامه أي ما يختم به مسك مكان الطينة ~~أو الشمعة. وإنما ختم تكريما وصيانة على ما جرت به العادة فكأنها أشرف من ~~الخمر الجارية في أنهارها من الجنة. وقيل: ختامه أي مقطعه رائحة المسك إذا ~~شرب. وهذا قول علقمة والضحاك وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة. قال الفراء: ~~الختام آخر كل شيء ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، والخاتم ~~مثله وأنت خاتم النبيين. والتركيب يدل على القطع والانتهاء بجميع معانيه. ~~عن أبي الدرداء مرفوعا: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شربهم، لو أن ~~رجلا من أهل الدنيا أدخل فيه يده ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحه ~~الطيبة. قال بعضهم: مزج الخمر بالأدوية الحارة مما يعين على الهضم وتقوية ~~الشهوة، فلعل فيه إشارة إلى قوة شهوتهم وصحة أبدانهم. ثم رغب في العمل ~~الموجب لهذه الكرامة قائلا وفي ذلك ms4597 فليتنافس المتنافسون فليرغب الراغبون ~~بالمبادرة إلى طاعة الله. قال أهل اللغة: نفست عليه الشيء نفاسة إذا ضننت ~~به وأن لا تحب أن يصير إليه، والتنافس تفاعل منه فإن كل واحد من الشخصين ~~يريد أن يستأثر به لما يظهر من نفسه من الجد والاعتمال في الطاعة ~~والعبودية. والجملة معترضة، وفي تقديم الجار إشارة إلى أن السعي والإتعاب ~~يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم لا في النعيم الزائل. وتسنيم علم لعين ~~بعينها في الجنة من سنمه إذا رفعه لأنها أرفع شراب هناك، ولأنها تأتيهم من ~~فوق على ما # PageV06P466 # روي أنها تجري في الهواء متسنمة فتصب في أوانيهم، أو لأنها لكثرة مائها ~~تعلو على كل شيء تمر به، أو يرى فيها ارتفاع وانخفاض. والتركيب يدل على ~~الارتفاع ومنه سنام البعير عن ابن عباس: أشرف شراب أهل الجنة هو التسنيم ~~فالمقربون يشربونها صرفا وتمزج لأصحاب اليمين. فقال بعض أهل العرفان: وذلك ~~أن المقربين السابقين لا يشتغلون إلا بمطالعة وجه الله الكريم، وأما أهل ~~اليمين فإنه يكون شرابهم ممزوجا لأن نظرهم تارة إلى الله وتارة إلى الخلق. ~~ثم حكى قبائح أفعال الكافرين على أن التكلم واقع في يوم القيامة بدليل قوله ~~عقيبه فاليوم قال المفسرون: هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة ~~وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين. # وقيل: جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم ~~المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم ~~الأصلع فضحكوا منه فنزلت هذه الآي قبل أن يصل علي كرم الله وجهه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # والتغامز تفاعل من الغمز وهو الإشارة بالعين أو الحاجب أو الشفة، وأكثر ~~ذلك إنما يكون على سبيل الخبث. ومعنى فكهين متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. ~~قوله وما أرسلوا حال معترضة إنكارا من الله عليهم وتهكما بهم أي ينسبون ~~المسلمين إلى الضلال والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين موكلين بهم حافظين ~~عليهم أحوالهم. وجوز في الكشاف أن تكون ms4598 المنفية من جملة قول الكفار فيكون ~~إنكارا لصدهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام. قلت: لو كان من جملة ~~قولهم لكان الظاهر أن يقال: وما أرسلوا أي المسلمون علينا. يروى أنه يفتح ~~للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها. فإذا وصلوا إليها أغلق ~~الباب دونهم يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك المؤمنون منهم ناظرين إليهم على ~~الأرائك. ولا يخفى ما في هذا الإخبار والحكاية من تسلية المؤمنين وتثبيتهم ~~على الإسلام والتصبر على متاعب التكاليف وأذية الأعداء في أيام معدودة لنيل ~~ثواب لا نهاية له ولا غاية. قال المبرد: ثوب وأثاب بمعنى، وقد تستعمل ~~الإثابة في الشر كالمجازاة، ويجوز أن يراد التهكم نحو فبشرهم بعذاب [آل ~~عمران: 21] وفي هذا القول مزيد غيظ وتوبيخ للكافرين ونوع سرور وتنفيس ~~للمؤمنين. # ويحتمل أن يكون الاستفهام للتقرير أي هل قدرنا على الإثابة نحو فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا [الأعراف: 44] # PageV06P467 ### | (سورة الانشقاق) # (مكية حروفها أربعمائة وأربعون كلمها مائة وسبع كلمات آياتها خمسة ~~وعشرون) ### | [سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما ~~فيها وتخلت (4) # وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله ~~مسرورا (9) # وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعوا ثبورا (11) ويصلى سعيرا ~~(12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) # بلى إن ربه كان به بصيرا (15) فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) ~~والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19) # فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين ~~كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) ### | القراآت # ويصلى ثلاثيا مفتوح العين مبنيا للفاعل: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد ~~وحمزة وعاصم وخلف. الباقون يصلى بالتشديد مبنيا للمفعول لتركبن بفتح الباء ~~للتوحيد والخطاب للإنسان: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الآخرون: بالضم على ~~خطاب ms4599 أفراد الجنس. ### | الوقوف # انشقت ه لا وحقت ه ك مدت ه ك وتخلت ه ك وحقت ه ط لأن الجواب محذوف أي إذا ~~كانت هذه الأمارات ظهر ما ظهر فملاقيه ه ط وقد يقال عامل «إذا» فملاقيه أي ~~إذا السماء انشقت لاقى كدحه فلا وقف إلى قوله فملاقيه وقيل: قوله فأما من ~~أوتي الشرط مع جوابه جواب للشرط الأول، وقوله يا أيها الإنسان إلى قوله ~~فملاقيه اعتراض ولا وقف على بيمينه يسيرا ه ك مسرورا ه ط ظهره ه لا ثبورا ه ~~لا سعيرا ه ط مسرورا ه يحور ه لا بلى ج لجواز تعلق بلى بما قبله وبما بعده ~~بصيرا ه ط للإبتداء بالقسم بالشفق ه لا وسق ه لا اتسق ه لا طبق ه ك لا ~~يؤمنون ه ك لا يسجدون ه ط # PageV06P468 # يكذبون ه ز للآية والوصل أوجب لأن الواو للحال يوعون ه ز لفاء التعقيب ~~أليم ه لا ممنون ه. ### | التفسير: # عن علي رضي الله عنه أن السماء تنشق من المجرة. # ومعنى أذنت لربها استمعت له ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن» ~~«1» # والمراد أنها لم تمتنع عن قبول ما أريد بها من الانشقاق والانفطار فعل ~~المأمور والمطواع الذي أصغى لحديث آمره وحقت بذلك لأن الممكن لا بد له أن ~~يقع تحت قدرة الواجب لذاته. ومد الأرض تسوية جبالها وآكامها بحيث لا يبقى ~~فيها عوج. عن ابن عباس: مدت مد الأديم العكاظي لأن الأديم إذا مد زال ما ~~فيه من الانثناء واستوى. وقيل: من مده بمعنى أمده أي زيد في سعتها أو ~~بسطتها ليمكن وقوف الخلائق الأولين والآخرين عليها وألقت ما فيها أي رمت ~~بما في جوفها من الكنوز والأموات وتخلت أي خلت غاية الخلو كأنها تكلفت أقصى ~~ما يمكنها من الفراغ. وقوله وأذنت لربها وحقت ليس بمكرر لأن الأول في ~~السماء وهذا في الأرض وحذف جواب «إذا» ليذهب الوهم كل مذهب، أو اكتفاء بما ~~مر في سورتي «التكوير» ms4600 و «الانفطار» . وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. ~~والمعنى يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت، ~~والأقرب أن الإنسان للجنس بدليل التفصيل بعده. وقيل: هو رجل بعينه إما محمد ~~صلى الله عليه وسلم والمعنى إنك تكدح فى تبليغ رسالات الله فأبشر فإنك تلقى ~~الله بهذا العمل، وإما أمية بن خلف وإنه يجتهد في إيذاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم قاله ابن عباس. والكدح جهد النفس في العمل حتى تأثرت من كدحت ~~جلده إذا خدشته أي جاهد إلى وقت لقاء ربك وهو الموت وما بعده. وفيه أن ~~الدنيا دار عناء وتعب ولا راحة ولا فرح فيها. والضمير في قوله فملاقيه للرب ~~أي فملاق له البتة فهو كالتأكيد للمذكور، ويجوز أن يكون للكدح أي لجزائه ~~يؤيده التفصيل الذي بعده. عن عائشة أن الحساب اليسير هو أن يعرف ذنوبه ثم ~~يتجاوز عنه. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من يحاسب يعذب فقيل: يا رسول الله ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال: ذلكم العرض من نوقش في الحساب عذب» «2» # أقول فسوف من الكريم إطماع فيمكن أن تكون الفائدة في إيراده أن يكون ~~PageV06P469 # المؤمن على ثقة واطمئنان بالوعد، ويمكن أن يكون إشارة إلى طول الامتداد ~~بين مواقف ذلك اليوم وينقلب إلى أهله من الحور العين في الجنة أو إلى ~~قرنائه من المؤمنين أو إلى عشيرته كقوله جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ~~آبائهم وأزواجهم وذرياتهم [الرعد: # 23] ومعنى وراء ظهره أن تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله وراء ظهره ويؤتى ~~كتابه بشماله ومن وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره. وقيل: ~~تجعل وجوههم إلى خلف فيكون الكتاب قد أوتي من جانب ظهره ولكن بشماله كما في ~~«الحاقة» . والوراء هاهنا بمعنى مجرد الجانب، أو معنى قدام. والثبور الهلاك ~~ودعاؤه أن يقول «وا ثبوراه» . # وسمي المواطأة على الشيء مثابرة لأنه كأنه يريد أن يهلك نفسه في طلبه ~~والنفس تمنعه عن ذلك أنه كان أي في الدنيا مسرورا في أهله كقوله وإذا ms4601 ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين [المطففين: 31] وفيه أن الفرح في الدنيا ~~يعقب الغم في الآخرة لقوله فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا [التوبة: 82] ومن ~~كان في الدنيا حزينا متفكرا في أمر الآخرة كان حاله في الآخرة بالعكس. ~~والفرح المنهي عنه ما يتولد من البطر والترفه لا الذي يكون من الرضا ~~بالقضاء ومن حصول بعض الكمالات والفضائل النفسية لقوله قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا [يونس: 58] ثم بين أن سروره إنما كان لأجل أن البعث ~~والنشور لم يكن محققا عنده فقال إنه ظن أن لن يحور أي أن يرجع إلى الله أو ~~إلى خلاف حاله من السرور والتنعم. عن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور ~~حتى سمعت أعرابية تقول لبنت لها: # حوري أي ارجعي. ثم نفى منطوقه بقوله بلى أي بلى يحور. وفي قوله إن ربه ~~كان به بصيرا إشارة إلى أن العلم التام بأحوال المكلفين يوجب إيصال الجزاء ~~إليهم، فلا بد من دار سوى دار التكليف وإلا كان قدحا في القدرة والحكمة. ~~قال الكلبي: كان به بصيرا من يوم خلقه إلى أن بعثه. وقال عطاء: بصيرا بما ~~سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء ثم أكد وقوع القيامة وما يتبعها من ~~الأهوال بقوله فلا أقسم بالشفق وهو الحمرة الباقية من آثار الشمس في الأفق ~~الغربي قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل. وعن الفراء: سمعت بعض العرب يقول: ~~عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر. وعن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه ~~البياض، وأنه روى أنه رجع عنه لأن البياض يمتد وقته فلا يصلح للتوقيت، ولأن ~~التركيب يدل على الرقة ومنه الشفقة لرقة القلب. ثم إن الضوء يأخذ من عند ~~غيبة الشمس في الرقة والضعف. وعن مجاهد أن الشفق هاهنا النهار لما في النور ~~من الرقة واللطافة كما أن في الظلمات الغلظ والكثافة، لأن القسم بالنهار ~~يناسب القسم بالليل في قوله والليل وما وسق والتركيب يدل على الاجتماع ~~والضم ومنه الوسق لأنه جامع لستين صاعا. # واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، وقد وسقها ms4602 الراعي أي جمعها ونظيره في ~~وقوع # PageV06P470 # «افتعل» و «استفعل» مطاوعين لفعل «اتسع» و «استوسع» . أقسم الله سبحانه ~~بجميع ما ضمه الليل وآواه وستره من النجوم والدواب وغيرها. ويمكن أن يكون ~~من جملته أعمال العباد الصالحين. ثم أقسم بالقمر إذا اتسق أي اجتمع نوره ~~وتكامل كما يقال «أمور فلان متسقة» أي مجتمعه على الصلاح كما يقال منتظمة. ~~والطبق ما يطابق غيره ومنه قيل للغطاء «الطبق» . ثم قيل للحال المطابقة ~~لغيرها طبق. # وقوله عن طبق حال من فاعل لتركبن أو صفة أي طبقا مجاوزا لطبق، ف «عن» ~~تفيد البعد والمجاوزة أي حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة ~~والهول. # وجوز أن يكون جمع طبقة أي أحوالا بعد أحوال هي طبقات في الشدة، فبعضها ~~أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من أهوال القيامة كأنهم لما أنكروا البعث ~~أقسم الله سبحانه أن ذلك كائن وأن الناس يلقون بعد الموت شدائد متنوعة ~~وأحوالا مترتبة حتى يتبين السعيد من الشقي والمحسن من المسيء. وقيل: لتركبن ~~سنة الأولين من المكذبين المهلكين. عن مكحول: كل عشرين عاما تجدون أمرا لم ~~تكونوا عليه. والركوب على هذه التفاسير مجاز عن الحصول على تلك الحالة. وقد ~~يقال على قراءة فتح الباء: إنها صيغة الغائبة والضمير للسماء وأحوالها ~~المختلفة انشقاقها ثم انفطارها، ولعل هذا كمال الانحراف ثم صيرورتها وردة ~~كالدهان أو كالمهل وهذا القول مناسب لأول السورة وهو مروي عن ابن مسعود. # وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أعباء الرسالة وأنه يجب ~~عليه أن يتلقاه بالصبر والتحمل إلى أوان الظفر والغلبة كقوله لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم [آل عمران: 86] وعن ابن عباس وابن مسعود أن المراد حديث ~~الإسراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم ركب أطباق السماء. وبين القسم ~~والمقسم عليه مناسبة لأنه أقسم بتغيرات واقعة في الأفلاك والعناصر على صحة ~~إيجاد سائر التغايير من أحوال القيامة وغيرها، ولا شك أن القادر على بعض ~~التغايير المعتبرة قادر على أمثالها فلا جرم قال على سبيل الاستبعاد فما ~~لهم لا ms4603 يؤمنون وتأويل الآية أن النفس إذا استغرقت في بعض المجهولات ~~التصورية والتصديقية كانت المناسبة شبيهة بالشمس الغاربة، فإذا أقبلت على ~~تحصيل قضية من تلك القضايا المجهولة مثلا تجلى عليها نور من النفس يترجح به ~~عندها أحد طرفي النقيض على الآخر، لكن ما لم تكن جازمة فذلك النور كالشفق ~~بالنسبة إلى ضياء الشمس، ثم إذا سبحت في لجة المعلومات لها طالبة للحد ~~الأوسط عرضت هناك شبهة شبيهة بالليل وما وسقه، فإذا حصل الحد الأوسط ~~بالتحقيق وانتقل الذهن منه إلى النتيجة الحقة صارت المسألة كالبدر التم وهو ~~المستفاد ضوءه من النفس الناطقة القدسية التي يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ~~نار. وطبقا عن طبق هي مراتب العلوم النظرية من # PageV06P471 # أول بدايتها وهي كونها عقلا هيولانيا إلى نهايتها وهي كونها عقلا مستفادا ~~فكأنه سبحانه أقسم بأحوال المعلومات المستخلصة على إمكان حصول العلم بها. ~~ثم وبخهم على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند ~~تلاوة القرآن. وقوله لا يؤمنون ولا يسجدون في موضع الحال والعامل معنى ~~الفعل في فما لهم عن ابن عباس، عباس والحسن وعطاء والكسائي ومقاتل: المراد ~~من السجود هاهنا الصلاة. وقال أبو مسلم وغيره: # أراد به الخضوع والاستكانة. والأكثرون على أنه السجود نفسه. ثم اختلفوا ~~فعن أبي حنيفة وجوبه لأنه ذمهم على الترك. وعن الحسن وهو قول الشافعي أنه ~~سنة كسائر سجدات التلاوة عنده. ثم بين بقوله بل الذين كفروا يكذبون أن ~~الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه وإن كانت جلية ظاهرة لكن الكفار يكذبون ~~بها تقليدا للإسلاف أو عنادا. ثم أجمل وعيدهم بقوله والله أعلم بما يوعون ~~أي يجمعون ويضمرون في صدورهم من الشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة ~~والنيات الخبيثة فهو يجازيهم على ذلك. وقيل: بما يجمعون في صحفهم من أعمال ~~السوء. ثم صرح بالوعيد قائلا فبشرهم وقوله إلا الذين آمنوا استثناء منقطع ~~عند الزمخشري ولا بأس بكونه متصلا كأنه قال: إلا من آمن منهم فله أجر غير ~~مقطوع أو هو من المنة، بني الكلام هاهنا على الاستئناف فلم ms4604 يحتج إلى الفاء، ~~وعلى التعقيب في التين فأورد الفاء والاستئناف أجمع مقدمة. # PageV06P472 ### | (سورة البروج) # (مكية حروفها أربعمائة وثمانية وخمسون) ### | [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحاب ~~الأخدود (4) # النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين ~~شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ~~ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد (9) # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم ~~عذاب الحريق (10) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير (11) إن بطش ربك لشديد (12) إنه هو يبدئ ويعيد ~~(13) وهو الغفور الودود (14) # ذو العرش المجيد (15) فعال لما يريد (16) هل أتاك حديث الجنود (17) فرعون ~~وثمود (18) بل الذين كفروا في تكذيب (19) # والله من ورائهم محيط (20) بل هو قرآن مجيد (21) في لوح محفوظ (22) ### | القراآت # المجيد بالجر صفة للعرش: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الآخرون: # بالرفع خبرا بعد خبر محفوظ بالرفع صفة للقرآن: نافع. ### | الوقوف # البروج ه لا الموعود ه ومشهود ه ط بناء على أن جواب القسم محذوف وأن معنى ~~قتل لعن وأصحاب الأخدود هم أهل الظلم، وإن جعل قتل بمعناه الأصلي وأصحاب ~~الأخدود هم المظلومون صح جوابا للقسم بتقدير: لقد قتل ولا وقف على الأخدود ~~لأن النار بدل اشتمال منه الوقود ه لا قعود ه لا شهود ه ط الحميد ه لا ~~والأرض ط شهيد ه ط الحريق ه ط الأنهار ط الكبير ه ط إلا لمن جعل إن بطش ربك ~~جوابا للقسم وسائر الوقوف هاهنا لا بد منها لطول الكلام لشديد ه ك ويعيد ه ~~ج لاختلاف الجملتين الودود ه لا المجيد ه لا يريد ه ج لابتداء الاستفهام ~~الجنود ه لا لأن ما بعده بدل وثمود ه ط للإضراب تكذيب ه لا لأن الواو للحال ~~محيط ه ج مجيد ه لا محفوظ ه. # PageV06P473 ### | التفسير: # لما أخبر في خاتمة السورة المتقدمة أن في الأمة مكذبين ms4605 سلى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بأن سائر الأمم السالفة كانوا كذلك كأصحاب الأخدود وكفرعون ~~وثمود. أما البروج فأشهر الأقوال أنها الأقسام الاثنا عشر من الفلك الحمل ~~والثور إلى آخرها. وإنما أقسم بها لشرفها حيث نيط تغيرات العالم السفلي ~~بحلول الكواكب فيها. وقيل: هي منازل القمر الثمانية والعشرون. وقيل: وقت ~~انشقاق السماء وانفطارها وبطلان بروجها. أما الشاهد والمشهود فأقوال ~~المفسرين فيهما كثيرة، وقد ضبطها القفال بأن اشتقاقهما إما من الشهود ~~الحضور، وإما من الشهادة والصلة محذوفة أي مشهود عليه أو به. والاحتمال ~~الأول فيه وجوه الأول: # وهو # مروي عن ابن عباس والضحاك ومجاهد والحسن بن علي وابن المسيب والنخعي ~~والثوري، أن المشهود يوم القيامة والشاهد الجمع الذي يحضرون فيه من ~~الملائكة والثقلين الأولين والآخرين لقوله من مشهد يوم عظيم [مريم: 37] # ذلك يوم مجموع له الناس [هود: 103] قال جار الله: وطريق تنكيرهما ما مر ~~في قوله علمت نفس ما أحضرت [التكوير: 14] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من ~~شاهد ومشهود. ويجوز أن يكون للتعظيم أي شاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. وإنما ~~حسن القسم بيوم القيامة لأنه يوم الفصل والجزاء وتفرد الله بالحكم والقضاء. ~~الثاني وهو قول ابن عمر وابن الزبير أن المشهود يوم الجمعة وأن الشاهد ~~الملائكة. # روى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «أكثروا الصلاة علي ~~يوم الجمعة فإنه يوم مشهود نشهده الملائكة» . # الثالث أنه يوم عرفة والشاهد من يحضره من الحجاج قال الله تعالى يأتين من ~~كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم [الحج: # 27] وحسن القسم به تعظيما لأمر الحج. # يروى أنه تعالى يقول للملائكة يوم عرفة «انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ~~أتوني من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم وأن إبليس يصرخ ويضع التراب ~~على رأسه لما يرى في ذلك اليوم من نزول الرحمة» «1» # الرابع أنه يوم النحر لأن أهل الدنيا يحضرون في ذلك اليوم بمنى ~~والمزدلفة. الخامس أنهما كل يوم فيه اجتماع عظيم للناس فيتناول الأقوال ~~المذكورة كلها، والدليل عليه تنكيرهما لأن القصد ms4606 لم يكن فيه إلى يوم بعينه. ~~والاحتمال الثاني فيه أيضا وجوه أحدها: أن الشاهد هو الله تعالى والمشهود ~~به هو التوحيد لقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] وثانيها ~~الشاهد هو الأنبياء والمشهود عليه النبي صلى الله عليه وسلم لقوله فكيف إذا ~~جئنا من كل أمة بشهيد [النساء: 41] وثالثها العكس لقوله وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا [النساء: 41] ورابعها الشاهد الحفظة والمشهود عليه المكلفون لقوله ~~وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد [ق: 21] PageV06P474 # وإن عليكم لحافظين [الانفطار: 11] وخامسها وهو قول عطاء الخراساني: ~~الشاهد الجوارح والمشهود عليه الإنسان يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم [النور: 24] وسادسها الشاهد والمشهود عيسى وأمته كقوله وكنت عليهم ~~شهيدا ما دمت فيهم [المائدة: 117] وسابعها أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وسائر الأمم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] ~~وثامنها قال الإمام في تفسيره: الشاهد جميع الممكنات والمشهود له واجب ~~الوجود أخذا من قول الأصوليين إنه استدلال بالشاهد على الغائب. # وتاسعها الحجر الأسود والحجيج # للحديث «الحجر الأسود يمين الله في أرضه يؤتى به يوم القيامة له عينان ~~يبصر بهما يشهد على من زاره» # أو لفظ هذا معناه. وعاشرها الأيام والليالي وأعمال بني آدم كما روي عن ~~الحسن: ما من يوم إلا وينادي إني يوم جديد وإني على ما تعمل في شهيد. # أما جواب القسم فعن الأخفش أنه قتل واللام مقدر والكلام على التقديم ~~والتأخير أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وعن ابن مسعود وقتادة ~~واختاره الزجاج أن الجواب هو قوله إن بطش ربك لشديد وقيل: إن الذين فتنوا ~~وما بينهما اعتراض. واختار الزمخشري وطائفة من المتقدمين أنه محذوف. ثم ~~اختلفوا فقال المتقدمون: المحذوف هو إن الأمر حق في الجزاء على الأعمال. ~~وقال في الكشاف: هو ما دل عليه قتل فكأنه أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ~~ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين ~~وتصبيرهم على أذى أهل مكة وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم من التعذيب على ms4607 ~~الإيمان حتى يقتدوا بهم ويصبروا على أذى قومهم ويعلموا أن كفارهم أحقاء بأن ~~يقال فيهم قتلت قريش، أي لعنوا كما قتل أصحاب الأخدود وهو الخد أي الشق في ~~الأرض يحفر مستطيلا ونحوهما بناء. ومعنى الخق والأخقوق بالخاء الفوقانية ~~منه # الحديث «فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان» # عني به فرس سراقة حين تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من ~~الغار. والمعتمد من قصص أصحاب الأخدود ما # جاء في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لبعض الملوك ساحر، ~~فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر. وكان في طريق الغلام راهب يتكلم ~~بالمواعظ لأجل الناس، فمال قلب الغلام إلى حديثه. فرأى في طريقه ذات يوم ~~دابة أو حية قد حبست الناس فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك ~~من الساحر فاقتلها بهذا الحجر فقتلها. وكان الغلام بعد ذلك يتعلم من الراهب ~~إلى أن صار بحيث يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الداء. وعمي جليس للملك ~~فأبرأه فأبصره الملك فسأله: # من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي. فغضب فعذبه فدل على الغلام، فعذب الغلام حتى ~~دل # PageV06P475 # على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه فقد بالمنشار، وأبى الغلام فذهب به ~~إلى جبل ليطرح من ذروته فدعا فرجف بالقوم فطاحوا ونجا، فذهبوا به إلى قرقور ~~وهي سفينة صغيرة فلججوا به ليغرقوه فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا. ~~وقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما ~~من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام. ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه ~~فوضع يده عليه ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: نزل بك ما ~~كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه السكك، وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع ~~منهم طرحه فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها فقال الصبي: ~~يا أماه اصبري فإنك على الحق، وما هي إلا غميضة فصبرت واقتحمت. # وعن علي رضي الله عنه أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس، وكان بعض ms4608 ملوكهم ~~أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم فتناولها فسكر ~~فوقع على أخته، فلما صحا ندم وطلب المخرج فقالت: إن المخرج أن تخطب الناس ~~فتقول: إن الله عز وجل أحل لكم نكاح الأخوات ثم تخطبهم إن الله حرمه. فخطب ~~فلم يقبلوا منه قالت له: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا. فقالت: ابسط فيهم ~~السيف فلم يقبلوا. فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها. # وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ~~ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فأحرق ~~منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفا. وذكر أن طول الأخدود ~~أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر وقد أشار سبحانه إلى عظم النار إشارة مجملة ~~بقوله ذات الوقود أي لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس. ~~وهذه الروايات لا تعارض بينها ولا منافاة فيحتمل أن يكون الكل واقعا ~~والمجموع مراد الله أو بعضه هو أعلم به. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وصل إلى ذكر أصحاب الأخدود ~~قال: نعوذ بالله من جهد البلاء. # وإذ ظرف لقتل وهم عائد إلى الأصحاب وقعود جمع قاعد فإن كانوا مقتولين ~~فمعنى قعودهم على النار إما أن يكون هو أن طرحوا عليها وقعدوا حواليها ~~للإحراق وذلك أنهم كانوا يعرضون المؤمنين على النار فكل من ترك دينه تركوه ~~ومن صبر على دينه ألقوه في النار، وإما أن يكون «على» بمعنى «عند» كقوله ~~ولهم علي ذنب أي عندي فالمراد بالقتل على هذا التفسير اللعن ويعضده قوله ~~وهم أي الظالمون على ما يفعلون بالمؤمنين شهود أي حضور، وفيه وصفهم بقسوة ~~القلب، ووصف المؤمنين بالصلابة في دينهم حيث لم يلتفتوا إليهم وبقوا مصرين ~~على الحق، أو هو من الشهادة والمعنى أنهم # PageV06P476 # وكلوا بذلك وجعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط ~~فيما أمر به من التعذيب، ويجوز أن يراد شهادة جوارحهم على ذلك يوم القيامة. ~~ثم ms4609 ذم أولئك الجبابرة بما في ضمنه مدح المؤمنين قائلا وما نقموا منهم أي ~~وما عابوا وما أنكروا عليهم إلا أن يؤمنوا وإنما اختير بناء الاستقبال رمزا ~~إلى أنهم كانوا يطلبون منهم ترك الإيمان في المستقبل ولم يعذبوهم على ~~الإيمان في الماضي أي عذبوهم على ثباتهم وصبرهم على إيمانهم بمن يستحق أن ~~يؤمنوا به لكونه إلها قادرا لا يغالب بليغا في الكمال بحيث استأهل الحمد ~~كله مالكا لجميع المخلوقات. وفيه إشارة إلى أنه لو شاء لمنعهم عن ذلك ~~التعذيب لكنه أخرهم إلى يوم الجزاء ودل عليه بقوله والله على كل شيء شهيد ~~ثم عم الوعيد في آيتين أخريين والفتنة البلاء والإيذاء والإحراق. وفي قوله ~~ثم لم يتوبوا دلالة على أن توبة القاتل عمدا مقبولة خلاف ما يروى عن ابن ~~عباس. وعذاب جهنم وعذاب الحريق إما متلازمان كقوله: # إلى الملك القرم ... وابن الهمام # والغرض التأكيد وإما مختلفان في الدركة: الأول لكفرهم، والثاني لأنهم ~~فتنوا أهل الإيمان. # وجوز أن يكون الحريق في الدنيا لما # روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. # ثم رغب ورهب بوجه آخر في آيات والبطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة كان ~~نهاية. ثم أكده بقوله إنه هو يبدئ البطش ويعيد أي يبطش بالجبابرة في الدنيا ~~والآخرة. ويجوز أن يدل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدة بطشه وقوته. ~~وفيه وعيد للكفرة بأنه يعيدهم كما بدأهم ليبطش بهم إذ كفروا بنعمة الإبداء ~~وكذبوا بالإعادة. قال ابن عباس: إن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ~~ثم يعيدهم خلقا جديدا فذلك قوله هو يبدئ ويعيد والودود بليغ الودادة ~~والمراد به إيصال الثواب لأهل طاعته إلى الوجه الأتم فيكون كقوله ويحبهم ~~[المائدة: 54] وإن شئت قلت: هو بمعنى مفعول فيكون كقوله ويحبونه [المائدة: ~~54] وقال القفال: ويكون بمعنى الحليم من قولهم «فرس ودود» وهو المطيع ~~القياد. قال في الكشاف فعال خبر مبتدأ محذوف. قلت: الأصل عدم الإضمار ~~فالأولى أن يكون خبرا آخر بعد الأخبار السابقة، ولعله حمله على ذلك كونه ~~نكرة وما قبله معارف والعذر عنه ms4610 من وجهين: أحدهما قطع النسق بقوله ذو العرش ~~ولا سيما عند من يجوز المجيد صفة العرش. والثاني تخصيص فعال لما يريد فإنه ~~صيره مضارعا للمضاف. قال: وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية ~~الكثرة. قلت: ويجوز أن يكون المعنى أن ما يريده فإنه يفعله البتة لا يصرفه ~~عنه صارف. ثم ذكرهم وسلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقصة فرعون وثمود من # PageV06P477 # متأخري الكفار ومتقدميهم، والمراد بفرعون هو وجنوده. ثم أضرب عن التذكير ~~إلى التصريح بتكذيب كفار قريش والتنبيه على أنه محيط أي عالم بهم فيجازيهم، ~~ويجوز أن يكون مثلا لغاية اقتداره عليهم وأنهم في قبضة حكمه كالمحاط إذا ~~أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه بحيث لا يجد مهربا. ويجوز أن تكون الإحاطة ~~بمعنى الإهلاك وظنوا أنهم أحيط بهم [يونس: 22] ثم سلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بوجه آخر وهو أن هذا القرآن الذي كذبوا به شريف الرتبة في نظمه ~~وأسلوبه حتى بلغ حد الإعجاز وهو مصون عن التغيير والتحريف بقوله وإنا له ~~لحافظون [الحجر: 9] قال بعض المتكلمين: اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرأونه ~~وأمثال هذه الحقائق مما يجب به التصديق سمعا الله حسبي. # PageV06P478 ### | (سورة الطارق) # (مكية حروفها مائتان وأحد وتسعون كلمها اثنتان وسبعون) ### | [سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17] # بسم الله الرحمن الرحيم # والسماء والطارق (1) وما أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس ~~لما عليها حافظ (4) # فلينظر الإنسان مم خلق (5) خلق من ماء دافق (6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب (7) إنه على رجعه لقادر (8) يوم تبلى السرائر (9) # فما له من قوة ولا ناصر (10) والسماء ذات الرجع (11) والأرض ذات الصدع ~~(12) إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14) # إنهم يكيدون كيدا (15) وأكيد كيدا (16) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (17) ### | القراآت: # لما بالتشديد: ابن عامر وعاصم وحمزة ويزيد. ### | الوقوف # الطارق ه لا الطارق ه ك الثاقب ه ك حافظ ه ط مم خلق ه ط للفصل بين ~~الاستخبار والإخبار. دافق ه لا والترائب ه ط لقادر ه ك بناء على أن الظرف ~~مفعول «اذكر» ومن ms4611 جعل يوم ظرفا للرجع وهو أولى لم يقف. # السرائر ه لا ولا ناصر ه ط الرجع ه الصدع ه ك فصل ه ك بالهزل ه ط كيدا ه ~~لا كيدا ج ه رويدا ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه أكثر في كتابه الكريم الأقسام بالسماويات لأن أحوالها في ~~مطالعها ومغاربها ومسيراتها عجيبة. أما الطارق فهو كل ما ينزل بالليل ولهذا ~~جاء في الحديث التعوذ من طوارق الليل. وذكر طروق الخيال في أشعار العرب ~~كثير لأن تلك الحالة تحصل في الأغلب ليلا، # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي الرجل أهله طروقا. # ثم إنه تعالى بين أنه أراد بالطارق في الآية النجم الثاقب أي هو طارق ~~عظيم الشأن رفيع القدر وهو جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البحر والبر. ~~قال علماء اللغة: سمي ثاقبا لأنه يثقب الظلام بضوئه كما سمي دريا لأنه ~~يدرأوه أي يدفعه، أو لأنه يطلع من المشرق نافذا في الهواء كالشيء الذي يثقب ~~الشيء، أو لأنه إذا رمي به الشيطان ثقبه أي نفذ فيه وأحرقه. وقد خصه # PageV06P479 # بعضهم بزحل لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات. وقال ابن زيد: هو الثريا. # وروي أن أبا طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما ~~هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ما ثم نورا ففزع أبو طالب وقال: أي شيء ~~هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله فعجب ~~أبو طالب ونزلت السورة. # من قرأ لما مشددة بمعنى «إلا» ف «إن» نافية. ومن قرأها مخففة على أن «ما» ~~صلة كالتي في قوله فبما رحمة [آل عمران: 159] ف «إن» مخففة من المثقلة. ~~والآية على التقديرين جواب القسم. والحافظ هو الله أو الملك الذي يحصي ~~أعمال العباد كقوله وإن عليكم لحافظين [الانفطار: 10] أو الذي يحفظ الإنسان ~~من المكاره حتى يسلمه إلى القبر. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ~~كما يذب عن قصعة العسل الذباب ms4612 ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته ~~الشياطين» # أو الذي يحفظ عليه رزقه وأجله حتى يستوفيهما. وحين ذكر أن على كل نفس ~~حافظا أتبعه بوصيته للإنسان بالنظر في مبدئه ومعاده. والدفق صب فيه دفع، ~~ولا شك أن الصب فعل الشخص فهو من الإسناد المجازي أو على النسبة أي ماء ذي ~~دفق كما مر في عيشة راضية [الحاقة: 21] ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب ~~أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والذي ينفصل من ~~اليدين ومن الدماغ يمر عليهما أيضا. # وطالما أعطى للأكثر حكم الكل وهذا المعنى يشمل ماء الرجل وماء المرأة، ~~ويحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط إما بناء على حكم التغليب وإما بناء ~~على مذهب من لا يرى للمرأة ماء ولا سيما دافقا. وذهب جم غفير إلى أن الذي ~~يخرج من بين الصلب ومادته من النخاع الآتي من الدماغ هو ماء الرجل، والذي ~~يخرج من الترائب وهي عظام الصدر الواحدة تربية هو ماء المرأة. وإنما لم يقل ~~من ماءين لاختلاطهما في الرحم واتحادهما عند ابتداء خلق الجنين. وقد يقال: ~~العظم والعصب من ماء الرجل، واللحم والدم من ماء المرأة، وقد ورد في الخبر ~~أن أي الماءين علا وغلب فإن الشبه يكون منه. ثم بين قدرته على الإعادة ~~بقوله إنه على رجعه أي على إعادة الإنسان لقادر يعني بعد ثبوت قدرته على ~~تكوين الإنسان ابتداء من نطفة حقيرة وجب الحكم بأنه قادر على رجعه. وعن ~~مجاهد أن الضمير في رجعه يعود إلى الماء والمراد إنه قادر على رد الماء إلى ~~الإحليل. وقيل: إلى الصلب والترائب وهذا قول عكرمة والضحاك. وقال مقاتل بن ~~حيان: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا ~~إلى النطفة. والقول هو الأول بدليل قوله يوم تبلى السرائر أي يمتحن ما أسر ~~في القلوب من العقائد والنيات وما أخفى من الأعمال الحسنة أو القبيحة، ~~وحقيقة البلاء في حقه تعالى ترجع إلى الكشف والإظهار كقوله ونبلوا أخباركم ~~[محمد: ms4613 31] ويحتمل أن يعود البلاء إلى المكلف كقوله هنالك تبلوا # PageV06P480 # كل نفس ما أسلفت # [يونس: 30] ومثله قول ابن عمر: يبدي الله يوم القيامة كل سر منها فيكون ~~زينا في الوجوه وشينا في الوجوه. يعني من أداها كان وجهه مشرقا ومن ضيعها ~~كان وجهه مغبرا. ثم نفى القوة الذاتية والقوة العرضية الخارجية عن الإنسان ~~يومئذ بقوله فما له من قوة ولا ناصر ثم أكد حقية القرآن الذي فيه هذه ~~البيانات الشافية والمواعظ الوافية فقال والسماء ذات الرجع أي المطر لأن ~~الله يرجعه وقتا فوقتا أو على سبيل التفاؤل أو زعما منهم أن السحاب يحمل ~~الماء من البحار ثم يرجعها إليها. والصدع ما تتصدع عنه الأرض من النبات. ~~وقيل: الرجع الشمس والقمر يرجعان بعد مغيبهما، والصدع الجبلان بينهما شق ~~وطريق. والضمير في إنه للقرآن والفصل الفاصل بين الحق والباطل كما قيل له ~~«فرقان» . وقال القفال: أراد إن هذا الذي أخبرتكم به من قدرتي على الرجع ~~كقدرتي على الإبداء قول حق. ثم أكد حقيته بقوله وما هو بالهزل لأن البيان ~~الفصل لا يذكر إلا على سبيل الجد والاهتمام بشأنه وأعلاها أن يكون خاشعا ~~باكيا كقوله إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا [مريم: 58] ثم سلى ~~نبيه وحثه على الصبر الجميل فقال إنهم يعنى أشراف مكة يكيدون كيدا في إطفاء ~~نور الحق وذلك بإلقاء الشبهات والطعن في النبوة والتشاور في قتل النبي صلى ~~الله عليه وسلم كقوله وإذ يمكر بك الذين كفروا [الأنفال: # 30] وأكيد كيدا سمي جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة ~~الإثم الموجبة لشدة العذاب كيدا. ثم أنتج من ذلك قوله فمهل الكافرين أي لا ~~تدع بهلاكهم ولا تستعجل به. ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة ووصف الإمهال بقوله ~~رويدا أي سهلا يسيرا. # والتركيب يدل على الرفق والتأني ومنه قولهم في باب أسماء الأفعال «رويد ~~زيدا» أي أروده إروادا وأرفق به فكأنه سبحانه قال: مهل مهل مهل ثلاث مرات ~~بثلاث عبارات وهذه نهاية الإعجاز. وأجل الإمهال يوم بدر أو يوم القيامة ~~وهذا أولى ms4614 ليعم التحذير عن مثل سيرتهم ويتم الترغيب في خلاف طريقهم والله ~~المستعان على ما تصفون. # PageV06P481 ### | (سورة الأعلى) # (وهي مكية حروفها مائتان واحد وتسعون كلمها اثنتان وسبعون آياتها تسع ~~عشرة) ### | [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # سبح اسم ربك الأعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج ~~المرعى (4) # فجعله غثاء أحوى (5) سنقرئك فلا تنسى (6) إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى (7) ونيسرك لليسرى (8) فذكر إن نفعت الذكرى (9) # سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11) الذي يصلى النار الكبرى (12) ثم ~~لا يموت فيها ولا يحيى (13) قد أفلح من تزكى (14) # وذكر اسم ربه فصلى (15) بل تؤثرون الحياة الدنيا (16) والآخرة خير وأبقى ~~(17) إن هذا لفي الصحف الأولى (18) صحف إبراهيم وموسى (19) ### | القراآت: # فسوى وجميع آياتها مثل «طه» وكذلك في سورة و «الشمس» و «الليل» و «الضحى» ~~و «اقرأ باسم ربك» من قوله أرأيت الذي ينهى إلى آخر السورة. قدر بالتخفيف: ~~علي بل يؤثرون على الغيبة: قتيبة وأبو عمرو ويعقوب. ### | الوقوف: # الأعلى ه لا فسوى ه ص فهدى ه ك المرعى ه ك أحوى ه ط فلا تنسى ه لا الله ط ~~يخفى ج ه للعدول. وقيل: قوله ونيسرك معطوف على سنقرئك وقوله إنه يعلم الجهر ~~وما يخفى اعتراض فلا وقف لليسرى ه ك والوصل أليق الذكرى ه ج يخشى ه لاشقى # ه لا الكبرى ج ه لأن «ثم» لترتيب الأخبار ولا يحيى ه ط لأن ما بعده ~~مستأنف تزكى ه لا فصلى ه ط لأن «بل» للإضراب الدنيا ه بناء على أن الواو ~~للاستئناف أو الحال أوجه وأبقى ه ط الأولى ه لا وموسى ه. ### | التفسير: # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب هذه السورة، # وأكثر السلف كانوا يواظبون على قراءتها في التهجد ويتعرفون بركتها. # وعن عقبة بن عامر أنه قال: لما نزل قوله فسبح باسم ربك العظيم [الواقعة: ~~74] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم. ولما نزل ~~قوله سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها ms4615 في سجودكم. # ومن الناس من تمسك بالآية في أن الاسم نفس # PageV06P482 # المسمى لأن التسبيح أي التنزيه إنما يكون للمسمى لا للاسم. وأجاب ~~المحققون عنه بأن الاسم صلة كقوله: «ثم اسم السلام عليكما» . سلمنا أنه غير ~~صلة ولكن تسبيح اسمه تنزيهه عما لا يليق معناه بذاته تعالى أو صفاته أو ~~بأفعاله أو بأحكامه، فإن العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة لم تنشأ إلا من ~~هذه، ومن جملة ذلك أن يصان اسمه عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع ~~والتعظيم، وأن لا يسمى غيره بأسمائه الحسنى، وأن لا يطلق عليه من الأسامي ~~إلا ما ورد به الإذن الشرعي. قال بعض العلماء: لعل الذين نقل عنهم أن الاسم ~~نفس المسمى أرادوا به أن الاسم الذي حدوه بأنه ما دل على معنى في نفسه غير ~~مقترن بزمان هو نفس مدلول هذا الحد. قال الفراء: لا فرق بين سبح اسم ربك ~~وبين «سبح باسم ربك» . واعترض عليه بأن الفرق هو أن الأول معناه نزه الاسم ~~من السوء، والثاني معناه سبح الله أي نزهه بسبب ذكر أسمائه العظام، أو ~~متلبسا بذكره إلا أن تجعل الباء صلة في الثاني نحو ولا تلقوا بأيديكم ~~[البقرة: 195] أو مضمرة في الأول مثل واختار موسى قومه [الأعراف: 155] أي ~~من قومه. نعم لو زعم الفراء أن المعنيين متلازمان جاز. ومن الملاحدة من طعن ~~في القرآن بأنه يقتضي أن يكون للعالم ربان أحدهما عظيم وهو في قوله فسبح ~~باسم ربك العظيم [الواقعة: 96] والآخر أعلى منه وهو سبح اسم ربك الأعلى ~~والجواب أنه عظيم في نفسه وأعلى وأجل من جميع الممكنات، والصفة كاشفة لا ~~مميزة ونظيره وصفه بالكبير تارة وبالأكبر أخرى. والمراد بالعظم والعلو عظم ~~الشرف وعلو القدر فلا استدلال فيه للمشبهة. ثم شرع في بعض أوصافه الكمالية ~~فقال الذي خلق فسوى وقد مر نظيره في «الانفطار» أي خلق الإنسان فجعله منتصب ~~القامة في أحسن تقويم، أو خلق كل حيوان بل كل ممكن فجعله مستعدا للكمال ~~اللائق بحاله. # والذي قدر لكل مخلوق ما يصلح له فهداه ms4616 إليه وعرفه وجه الانتفاع به كما ~~يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت وقد ألهمها الله أن تمسح العين ~~بورق الرازيانج الرطب فتطلبه إلى أن تجده فيعود بصرها، وإلهامات البهائم ~~والطيور مشروحة مكتوبة في كتب العجائب. وقال الحكيم: كل مزاج فإنه مستعد ~~لقوة خاصة، وكل قوة فإنها لا تصلح إلا لفعل معين فالتقدير عبارة عن التصرف ~~في الأجزاء الجسمية، وتركيبها على وجه خاص لأجله يستعد لقبول تلك القوى، ~~والهداية عبارة عن خلق تلك القوى في تلك الأعضاء بحيث تكون كل قوة مصدرا ~~لفعل معين، ويحصل من مجموعها إتمام المصلحة. وقد خصه بعض المفسرين فقال ~~مقاتل: هدى الذكر للأنثى كيف يأتيها. وقال غيره: هداه لمعيشته ومرعاه. ~~وقيل: هداه لسبيل الخير والشر. وقال السدي: قدر مدة مكث الجنين في الرحم # PageV06P483 # ثم هداه للخروج. وقال الفراء: قدر فهدى وأضل فاكتفى بذكر أحدهما كقوله ~~سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] وقيل: الهداية بمعنى الدعاء إلى الإيمان أي ~~قدر دعاء الكل إلى الإيمان فدعاهم إليه كقوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ~~[الشورى: 52] وقيل: دلهم بأفعاله على توحيده وكبريائه «ففي كل شيء له آية ~~تدل على أنه واحد» ومن جملة ذلك إخراج المرعى وهو الكلأ الأخضر، ثم جعله ~~غثاء وهو ما يبس من النبات فحملته الأهوية وطيرته الرياح. والظاهر أن أحوى ~~صفة للغثاء. والحوة السواد، فالعشب إذا يبس واستولى البرد عليه جعل يضرب ~~إلى السواد، وقد يحتمله السيل فيلصق به أجزاء كدرة. وقال الفراء وأبو ~~عبيدة: الأحوى هو الأسود لشدة خضرته وعلى هذا يكون حالا من ضمير المرعى أي ~~صيره في حال حوته غثاء. وقال جار الله: هو حال من المرعى أي أخرجه أسود من ~~الخضرة والري فجعله غثاء وحين أمره بالتسبيح بشره وشرفه بإيتاء آية باهرة ~~وهي أن يقرأ عليه جبرائيل ما يقرأ من الوحي الذي هو أشرف أنواع الذكر ~~فيحفظه لا ينساه إلا ما شاء الله أن ينساه وهو أحد طريقي النسخ. # فقال مجاهد ومقاتل والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل ms4617 عليه ~~القرآن كثر تحريك لسانه مخافة أن ينسى فقيل له: لا تعجل بالقراءة فإن ~~جبرائيل مأمور بأن يكرر عليك إلى أن تحفظه # نظيره ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه [طه: 114] وعلى هذا ~~يجوز أن يراد بالتعليم والإقراء شرح الصدر وتقوية الحفظ بحيث يبقى القرآن ~~محفوظا له من غير دراسة، ومع أنه أمي فيكون إعجازا. وعن بعضهم أن قوله فلا ~~تنسى نهي لا خبر، والألف مزيدة للفاصلة نحو الظنونا [الأحزاب: 10] والسبيلا ~~[الأحزاب: 67] وضعف بأن الزيادة خلاف الأصل فلا يصار إليها إلا لدليل ظاهر. ~~وأما إذا جعلناه خبرا كان معنى الآية البشارة بأنا جعلناك بحيث لا تنسى، ~~وإن جعلناه نهيا كان أمرا بالمواظبة على الأسباب المانعة من النسيان وهي ~~الدراسة والقراءة والبحث فلا يكون من البشارة في شيء. وأيضا النسيان لا ~~يتعلق بقدرة العبد فيلزم أن يحمل النهي عنه على الأمر بالأسباب المانعة منه ~~وهو خلاف الظاهر، أما الاستثناء ففيه قولان: الأول أنه ليس على حقيقته، فقد ~~روي عن الكلبي أنه صلى الله عليه وسلم لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا. ~~وعلى هذا فالمقصود من الاستثناء إما نفي النسيان رأسا كما تستعمل القلة في ~~معنى العدم، وإما التبرك بذكر هذه الكلمة وتعليم العباد أن لا يتركوها في ~~كل ما يخبرون عنه، وفيه أنه تعالى قادر على إنسائه إلا أنه لا ينسيه بفضله ~~وإحسانه، وفيه لطف للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون متيقظا مبالغا دراسة ~~ما ينزل عليه من الوحي قليلا كان أو كثيرا، فإن كل جزء من أجزائه يحتمل أن ~~يكون هو المستثنى. الثاني أنه حقيقة. ثم حمله مقاتل على النسخ كما مر. وقال ~~الزجاج: أراد إلا أن يشاء الله فتنساه ثم تذكره بعد النسيان كما # روي أنه أسقط في # PageV06P484 # قراءته آية في الصلاة فحسب أبي أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها. # وقيل: أريد القلة والندرة لا في الواجبات فإنه يورث الخلل في الشرع ولكن ~~في غيرها. ثم علل حسن النسخ بقوله إنه يعلم الجهر وما يخفى وإذا ms4618 كان كذلك ~~كان وضع الحكم ورفعه واقعا بحسب مصالح المكلفين. وقيل: أراد أنك تجهر ~~بقراءتك مع قراءة جبرائيل مخافة النسيان والله يعلم ما في نفسك من الحرص ~~على تحفظ الوحي، فلا تفعل فأنا أكفيك ما تخافه. ثم بشره ببشارة أخرى وهو ~~تيسيره أي توفيقه للطريقة التي هي أيسر وهي حفظ القرآن والشريعة السهلة ~~السمحة. وعن ابن مسعود: هي الجنة يعني العمل المؤدي إليها. والعبارة ~~المشهورة أن يقال: جعل الفعل الفلاني ميسرا لفلان وإنما عكس الترتيب في ~~الآية لدقيقة هي أن الفاعل ما لم يوجد فيه قابلية لصدور الفعل عنه امتنع ~~حصوله منه وهذا معنى # قوله صلى الله عليه وسلم «كل ميسر لما خلق له» . # وفي الآية دلالة على أنه سبحانه فتح عليه من أبواب قبول الفيض ما لم ~~يفتحه على غيره حتى صار يتيم أبي طالب قدوة للعالمين وهاديا للخلائق أجمعين ~~كما قال فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع فحذفت إحدى القرينتين للعلم بها ~~كقوله سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] وهو بناء على الأغلب فإن التذكير إنما ~~يكون غالبا إذا كان رجاء التذكر حاصلا كقوله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ~~إن أردن تحصنا [النور: 33] وفيه حث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء ~~لغيره إذا بين له الحق: قد أوضحت لك إن كنت تسمع وتقبل، ويكون مراده البعث ~~على السماع والقبول. أو تنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم على أن الذكرى لا ~~تنفعهم كما يقال للرجل: أدع فلانا إن أجابك. والمعنى ما أراه يجيبك. ووجه ~~آخر وهو أن تذكير العالم واجب في أول الأمر. وأما التكرير فالضابط فيه هو ~~العرف فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا أردفه بالشرط. قيل: ~~التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بعواقب الأمور. والجواب أن ~~أمر الدعوة والبعثة مبني على الظواهر لا على الخفيات. وروي في الكتب أنه ~~تعالى كان يقول لموسى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44] وأنا ~~أشهد أنه لا يتذكر أو يخشى. وإنما سمى الوعظ بالتذكير ms4619 لأن حسن هذا الدين ~~مركوز في العقول فطرت الله التي فطر الناس عليها [الروم: 30] فكأن هذا ~~العلم كان حاصلا في نفسه بالقوة ثم زال عنها بالعوائق والغواشي، وعند بعض ~~العقلاء أن النفوس قبل تعلقها بالأبدان عالمة بما لها أن تعلم إلا أنها ~~نسيتها لاشتغالها بتدبير البدن، ومن هنا قال أفلاطون: لست أعلمكم ما كنتم ~~تجهلون ولكن أذكركم ما كنتم تعلمون. ثم إنه تعالى بين أن المنتفع بالتذكير ~~من هو فقال سيذكر من يخشى قال في التفسير الكبير: # إن الناس في أمر المعاد ثلاثة أقسام: القاطع بصحته، والمتردد فيه، ~~والجاحد له. والفريقان # PageV06P485 # الأولان ينتفعان بالتذكير والتخويف، وكثير من المعاندين إنما يجحدون ~~باللسان فقط، فتبين أن أكثر الخلق ينتفعون بالوعظ والمعرض نادر وترك الخير ~~الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فلهذا وجب تعميم التذكير. قلت: هذا خلاف ~~القرآن حيث قال وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103] وقال وقليل من ~~عبادي الشكور [سبأ: 13] ولا تجد أكثرهم شاكرين [الأعراف: 17] وخلاف الحديث ~~حيث # قال صلى الله عليه وسلم في بعث النار «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» . # وخلاف المعقول فإنه لو سلم أن قسمين من الأقسام الثلاثة ينتفعان بالتذكير ~~وينضم إليه من القسم الثالث بعض آخر فقد لا يلزم أن يكون الثاني أقل من ~~المجموع المفروض لجواز اختلاف الأقسام، بل السبب في تعميم التذكير انتفاع ~~المنتفعين به وهم أهل الخشية أعني العلماء بالله وإلزام الحجة لغيرهم. ~~والسين في سيذكر إما لمجرد الإطماع فإن «سوف» من الله واجب، وإما لأن ~~التذكير متراخ عن التذكير غالبا لتخلل زمان النظر والتأمل بينهما غالبا. ~~قيل: نزلت الآية في عثمان بن عفان. # وقيل: في ابن أم مكتوم. ونزل في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة قوله ~~ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى أي السفلى من أطباق النار. وعن ~~الحسن: النار الكبرى نار جهنم والصغرى نار الدنيا. فالأشقى هو الكافر على ~~الإطلاق، وذلك أن الكافر أشقى من الفاسق. # ولا يلزم من تخصيص ذكر الكافر بدخول النار أن لا يدخلها الفاسق، ms4620 وسبب ~~تخصيص الكافر بالذكر أن الفاسق لم يتجنب التذكير بالكلية فيكون القرآن ~~مسكوتا عن الشقي الذي هو أهل الفسق، ويحتمل أن يكون الأشقى بمعنى الشقي ~~كقوله وهو أهون عليه [الروم: # 27] أي هين فيدخل فيه الفاسق لأنه يجتنب بوجه من الوجوه. وقوله ثم لا ~~يموت فيها ولا يحيى قد مر تفسيره في «طه» . ومعنى «ثم» تراخى الرتبة لأن ~~هذا النوع من الحياة أفظع من نفس الدخول في النار. ثم ذكر وعد السعداء بعد ~~وعيد الأشقياء. ومعنى تزكى تطهر من أدناس الشرك والمعاصي والعقائد الفاسدة ~~وذكر اسم ربه بالتوحيد والإخلاص فصلى أي اشتغل بالخدمة والطاعة حتى يكون ~~كاملا بحسب قوته النظرية والعملية بعد تخليته لوح الضمير عن النقوش ~~الفاسدة. وقال الزجاج: تزكى أي تكثر من التقوى وأصله من الزكاء النماء ~~فيكون تفصيله قوله قد أفلح المؤمنون [المؤمنون: 1] إلى آخر الآيات. وفي أول ~~البقرة إلى قوله هم المفلحون [الآيات: 1، 5] وقال مقاتل: تزكى من الزكاة ~~كتصدق من الصدقة والمعنى: قد أفلح من تصدق من ماله وذكر ربه بالتوحيد ~~والصلاة فصلى له. # وخصه قوم بصلاة العيد وصدقة الفطر أي أفلح من تصدق قبل خروجه إلى المصلى، ~~وذكر اسم ربه في طريق المصلى أو عند تكبيرة الافتتاح فصلى العيد وهذا قول ~~عكرمة وأبي العالية وابن # PageV06P486 # سيرين وابن عمرو وعلي. وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # وضعف بأنه خلاف ما ورد في مواضع أخر من القرآن من تقديم الصلاة على ~~الزكاة. والجواب إنما ورد هكذا لأن زكاة الفطر مقدمة على صلاته. واعترض ~~الثعلبي بأن السورة مكية بالإجماع ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب ~~الواحدي بأنه لا يمتنع أن يقال لما كان في معلوم الله تعالى أن يكون ذلك ~~أثنى على من فعل ذلك. استدل بعض الفقهاء بالآية على وجوب تكبيرة الافتتاح، ~~واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بها على أن التكبيرة الأولى ليست من صلب الصلاة ~~لعطف الصلاة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه. وأجيب بما ~~روي عن ابن عباس ms4621 أن المراد ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له وبأنه قد ~~يقال «أكرمتني فزرتني» وبالعكس من غير فرق. وقد يزيف هذا الجواب الثاني ~~بأنه خلاف الظاهر وبأن خصوصية المادة ملغاة فلا يلزم من عدم الفرق في ~~المثال المضروب عدم الفرق فيما يتعلق به حكم شرعي. ثم وبخهم بقوله بل ~~تؤثرون إلى آخره. ثم بين أن ما في السورة من التوحيد والنبوة والوعيد ~~والوعد كانت ثابتة في صحف الأنبياء الأقدمين لأنها قواعد كلية لا تتغير ~~بتغير الأزمان فهو كقوله وإنه لفي زبر الأولين [الشعراء: 196] وقيل: المشار ~~إليه بهذا هو قوله بل تؤثرون الآية لأنه أقرب المذكورات، ولأن حاصل جميع ~~الكتب السماوية الزجر عن الدنيا والإقبال على الآخرة. # قال في الكشاف: روي عن أبي ذر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم ~~أنزل الله من كتاب؟ قال «مائة وأربعة كتب منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث ~~خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، ~~والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان» # فتقدير الآية إن هذا لفي الصحف الأولى التي منها صحف إبراهيم وموسى. ~~قالوا: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه ~~مقبلا على شأنه الله تعالى حسبي. # PageV06P487 ### | (سورة الغاشية) # (مكية حروفها ثلاثمائة وأحد وثمانون كلمها اثنتان وتسعون آياتها ست ~~وعشرون) ### | [سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26] # بسم الله الرحمن الرحيم # هل أتاك حديث الغاشية (1) وجوه يومئذ خاشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى ~~نارا حامية (4) # تسقى من عين آنية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغني من ~~جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) # في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لاغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر ~~مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) # ونمارق مصفوفة (15) وزرابي مبثوثة (16) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ~~(17) وإلى السماء كيف رفعت (18) وإلى الجبال كيف نصبت (19) # وإلى الأرض كيف سطحت (20) فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر (22) ~~إلا من تولى وكفر (23) فيعذبه الله العذاب الأكبر (24) # إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) ### | القراآت: # تصلى ms4622 بضم التاء من الإصلاء: أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر وحماد. # الباقون: بالفتح لا يسمع بضم الياء التحتانية لاغية بالرفع: ابن كثير ~~وأبو عمرو ويعقوب. وقرأ نافع بتاء التأنيث والرفع. الآخرون: بفتح تاء ~~التأنيث أو الخطاب لكل سامع لاغية بالنصب. بمصيطر بالصاد: أبو جعفر ونافع ~~وعاصم وعلي وخلف. وقرأ حمزة في رواية بإشمام الزاي. الباقون: بالسين. ~~إيابهم بالتشديد: يزيد. ### | الوقوف: # الغاشية ه ط خاشعة ه ناصبة ه ك حامية ه ك آنية ه ط لتمام الأوصاف ضريع ه ~~ط جوع ه ج للابتداء بعده ناعمة ه لا راضية ه لا عالية ه ج لاغية ه ط جارية ~~ه م لئلا يتوهم أن ما بعدها صفة لعين فيكون في الحارية سرور ليس كذلك ~~مرفوعة ه لا موضوعة ه لا مصفوفة ه لا مبثوثة ه ط خلقت ه رفعت ه ك نصبت ه ط ~~سطحت ه وقد يوقف على الآيات الأربع لأجل مهلة النظر وإلا فلكل متسقة مذكر ه ~~ط بمصيطر ه لا وكفر ه ك الأكبر ه ط إيابهم ه لا حسابهم ه. # PageV06P488 ### | التفسير: # لما انجر الكلام في السورة المتقدمة إلى ذكر الآخرة، شرح في هذه السورة ~~بعض أحوال المكلفين فيها. والغاشية القيامة لأنها تغشى الناس بشدائدها، وكل ~~ما أحاط بالشيء من جميع الجهات فهو غاش له قال الله تعالى يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم [العنكبوت: 55] وقال وتغشى وجوههم النار ~~[إبراهيم: 50] أي لم يأتك حديث هذه الداهية وقد أتاك الآن فاستمع. وقدم وصف ~~الأشقياء لأن مبنى السورة على التخويف كما ينبئ عنه لفظ الغاشية. والمراد ~~بالوجه الذات ووجه حسن هذا المجاز أن الخشوع والانكسار والذل وأضدادها ~~يتبين أكثرها في الوجه كقوله وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من ~~طرف خفي [الشوري: 45] والعمل والنصب أي التعب. قيل: كلاهما في الآخرة وهو ~~الأظهر لقوله يومئذ أي تعمل في النار عملا تتعب فيه وهو جرها السلاسل ~~والأغلال وخوضها في النار خوض الدابة في الوحل وترددها في صعود من نار ~~وحدور منها. ms4623 قال الحسن: كان يجب عليها أن تعمل لله في الدنيا خاشعة ناصبة ~~فلما قصر في ذلك وقع في مثله بعد المفارقة إلى أن يشاء الله ليكون معارضا ~~بنقيض مقصوده. وقيل: كلاهما في الدنيا وهم أصحاب الصوامع خشعت وجوههم لله ~~وعملت ونصبت في أعمالها من غير نفع لهم في الآخرة، لأن أعمالهم مبنية على ~~غير أساس من الدين الحنيفي. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء فهي في نصب ~~منها في الآخرة. ثم شرح مكانهم وهو النار الشديدة الحر، ومشروبهم وهو من ~~عين آنية أي متناهية في الحرارة، ومطعومهم وهو الضريع. وإنما قدم المشروب ~~على الضريع المطعوم لأن الماء يناسب النار مناسبة الضدين أو الشبيهين من ~~حيث بساطتهما، أو لأنهم إذا أثر فيهم حر النار غلب عليهم العطش وكان الماء ~~عندهم أهم، ثم إذا أثرت فيهم الحرارتان أرادوا أن يدفعوا ألم الإحساس بها ~~بما يزيد العذاب على البدن، هذا مع أن الواو ليست للترتيب. قال الحسن: لا ~~أدري ما الضريع ولم أسمع فيه من الصحابة شيئا وقد يروى عنه أيضا أنه «فعيل» ~~بمعنى «مفعل» كالأليم بمعنى المؤلم. والبديع بمعنى المبدع ومعناه إلا من ~~طعام يحملهم على الضراعة والذل عند تناوله لما فيه من الخشونة والمرارة ~~والحرارة. وعن سعيد بن جبير أنه شجرة ذات شوك. قال أبو الجوزاء: كيف يسمن ~~من يأكل الشوك. # وفي الخبر «الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمر من الصبر وأنتن من ~~الجيفة وأشد حرا من النار» # قال العلماء: إن للنار دركات وأهلها على طبقات: فمنهم من طعامه الزقوم، ~~ومنهم من طعامه غسلين، ومنهم من طعامه ضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم ~~من شرابه الصديد لكل باب منهم جزء مقسوم [الحجر: 44] ووجود النبت في النار ~~ليس ببدع من قدرة الله كوجود # PageV06P489 # بدن الإنسان والعقارب والحيات فيها. قوله لا يسمن ولا يغني من جوع صفة ~~للطعام أو للضريع، وفيه أن طعامهم ليس من جنس طعام الإنس لكن من جنس الشوك ~~الذي ترعاه الإبل ما دام رطبا فإذا يبس نفرت ms4624 عنه لأنه سم قاتل. ويحتمل أن ~~يراد لا طعام لهم أصلا لأن الضريع يبيس هذا الشوك والإبل تنفر عنه كما قلنا ~~فهو كقوله «ليس لفلان ظل إلا الشمس» يريد نفي الظل على التوكيد. # وروي أن كفار قريش قالوا على سبيل التعنت حين سمعوا الآية: إن الضريع ~~لتسمن عليه إبلنا فنزلت لا يسمن ولا يغني من جوع # أي ليس فيه منفعة الغذاء ولا الاسمان ودفع الجوع كذبهم الله في قولهم ~~يسمن الضريع، أو نبههم الله بعد تسليم أن ضريعهم مسمن على أن ضريع النار ~~ليس كذلك أي كل ما في النار يجب أن يكون خاليا عن النفع. ثم أخذ في وصف ~~السعداء فقال وجوه وإنما فقد العاطف خلاف ما في سورة القيامة لأنه أراد ~~هاهنا تفصيل ما أجمل في قوله هل أتاك حديث الغاشية ومعنى ناعمة ذات نعومة ~~أو تنعم. وقوله لسعيها راضية أي رضيت بما عملت في الدنيا وأثنت عليه نحو ~~قولها «ما أحسن ما عملت» وذلك إذا رأت محلها ومنزلتها في الكرامة والثواب ~~أو رضيت لجزاء سعيها حين رأت ما لا مزيد عليه. واللاغية اللغو مصدر ~~كالعافية والباقية، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف أي كلمة ذات لغو. قوله عين ~~جارية قال جار الله: يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله علمت نفس [الانفطار: ~~5] قال الكلبي: لا أدري جرت بماء أو غيره. قال القفال: عين شراب جارية على ~~وجه الأرض في غير أخدود وتجري لهم كما أرادوا. مرفوعة في الرتبة أو مرتفعة ~~عن الأرض ليرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما آتاه الله من الخدم والملك، ~~فإذا جاء ولي الله ليجلس عليها تطأطأت له، فإذا استوى عليها ارتفعت إلى حيث ~~أراد الله. وقد وصفها ابن عباس بأن ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر ~~والياقوت. وقيل: مرفوعة أي مخبوءة لهم من رفع الشيء إذا خبأه. والأكواب ~~الكيزان التي لا عرى لها كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم حاضرة أو ~~موضوعة على حافات العيون ليشرب بها. وجوز في الكشاف أن يراد موضوعة من حد ms4625 ~~الكبر إلى التوسط والاعتدال. والنمارق الوسائد واحدها نمرقة بضم النون. ~~وروى الفراء بكسرها أيضا مصفوفة بعضها بجنب بعض أينما أراد أن يجلس جلس على ~~واحدة وأسند إلى أخرى. # والزرابي البسط العراض الفاخرة واحدها زربية بكسر الزاي. وقيل: هي ~~الطنافس التي لها خمل رقيق. ومبثوثة أي مبسوطة أو مفرقة في المجلس. وحين ~~ذكر أحوال المعاد عاد إلى الاستدلال على المبدأ فإن من عادة كتاب الله ~~الكريم أنه يرجع إلى تذكير الأصول عودا إلى بداية. وللمحققين في نسق الآية ~~وفي تناسب هذه الأمور وجوه منها: قول أكثر أهل # PageV06P490 # المعاني إن القرآن إنما نزل بلغة العرب فيجب أن يخاطبوا بحسب ما هو مركوز ~~في خزانة خيالهم، ولا ريب أن جل هممهم مصروفة بشأن الإبل فمنها يأكلون ~~ويشربون، ومن أصوافها وأوبارها ينتفعون، وعليها في متاجرهم ومسافراتهم ~~يحملون، فحيث أراد الله سبحانه أن ينصب لهم دليلا من مصنوعاته يمكنهم أن ~~يستدلوا به على كمال حكمة الصانع ونهاية قدرته لم يكن شيء أحضر صورة في ~~متخيلهم من الإبل فنصبها لهم. ولا ريب أنها من أعاجيب مصنوعات الله تعالى ~~صورة وسيرة لما ركب فيها من التحمل على دوام السير مع كثرة الأثقال، ومن ~~البروك حتى تحمل، ثم النهوض بما حملت، ومن الصبر على العطش، وعلى العلف ~~القليل أياما، ثم شرب الماء الكثير إذا وجدت، ومن تذللها لصبي أو ضعيف. # قال الإمام فخر الدين الرازي: كنت مع جماعة في مفازة فضللنا الطريق ~~فقدموا جملا وتبعوه وكان ذلك الجمل يمشي ينعطف من تل إلى تل ومن جانب إلى ~~جانب حتى وصل الطريق فتعجبنا من قوة تخيله. وعن بعض أهل الفراسة أنه حدث عن ~~البعير وبديع خلقه في بروكه ثم نهوضه مثقلا وقد نشأ في بلاد لا إبل بها ~~ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وذلك أن طول العنق يسهل عليه ~~النهوض. ثم إن أصحاب المواشي لاحتياجهم الشديد إلى الماء المستعقب للكلأ ~~صار جل نظرهم إلى السماء التي منها ينزل المطر، ثم إلى الجبال التي هي أقرب ~~إلى ms4626 السماء وأسرع لوقوع المطر عليها وحفظ الثلج الذي منه مادة العيون ~~والآبار عند إقلاع الأمطار على أنها مأمنهم ومسكنهم في الأغلب. # لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل # ثم إلى الأرض التي فيها ينبت العشب وعليها متقلبهم ومرعاهم، فثبت أن ~~الآية كيف وردت منظمة حسب ما انتظم في خزانة خيال العرب بحسب الأغلب. ومنها ~~أن جميع المخلوقات متساوية في دلالة التوحيد وذكر جميعها غير ممكن فكل ~~طائفة منها تخص بالذكر. ورد هذا السؤال فوجب الحكم بسقوطه، ولعل في ذكر هذه ~~الأشياء التي لا تناسب في الظاهر تنبيها على أن هذا الوجه من الاستدلال غير ~~مختص بنوع دون نوع بل هو عام في الكل. ومنها أن المراد بالإبل السحاب على ~~طريق التشبيه والمجازفان العرب كثيرا تشبه السحاب بالإبل في أشعارهم. ومنها ~~أن تخصيص الإنسان بالاستدلال منه على التوحيد يستتبع الوقوع في الشهوة ~~والفتنة، وكذا الفكر في البساتين النزهة والصور الحسنة فخص الإبل بالذكر ~~لأن التفكير فيها متمحض لداعية الحكمة وليس للشهوة فيها نصيب، على أن إلف ~~العرب بها أكثر كما مر، وكذا السماء والأرض والجبال دلائل الحدوث فيها ~~ظاهرة وليس فيها نصيب للشهوة. والمراد بالنظر إلى هذه الأشياء هو النظر ~~المؤدي إلى الاستدلال # PageV06P491 # بدليل قوله كيف خلقت كيف رفعت كيف نصبت كيف سطحت وليس في السطح دلالة على ~~عدم كرية الأرض لأنها في النظر مسطحة وقد تكون في الحقيقة كرة إلا أنها ~~لعظمها لا تدرك كريتها. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير الأمة بهذه ~~الأدلة وأمثالها لأن أمره مقصور على كونه مذكرا لا منحطا إلى كونه مسيطرا ~~أي مسلطا عليهم فإن أراد بالتسليط القهر أو بالإكراه بمعنى خلق الهداية ~~فيهم فالآية ثابتة لأن ذلك لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا ~~يكون الاستثناء منقطعا. وإن أراد القتال معهم إن لم يؤمنوا فالآية منسوخة ~~وهذا قول كثير من المفسرين، وعلى هذا فالأظهر أن يكون الاستثناء في قوله ~~إلا من تولى وكفر متصلا لا باعتبار الحال ms4627 فإن السورة مكية ولكن بالنظر إلى ~~الاستقبال أي إلا المصرين على الإعراض والكفر فإنك تصير مأمورا بقتالهم ~~مستوليا عليهم بالغلبة والقهر. وقيل: هو استثناء منقطع أي لست بمستول عليهم ~~ولكن من تولى وكفر فإن لله الولاية والقهر فهو يعذبه العذاب الأكبر الذي هو ~~القتل والسبي أو عذاب الدرك الأسفل. وقيل: هو استثناء من قوله فذكر أي فذكر ~~إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما ~~اعتراض. # ويرد أنه صلى الله عليه وسلم لا ينقطع طمعه من إيمان الكفرة ما داموا ~~أحياء إلا أن يعلمه الله بذلك، وعلى تقدير الإعلام أيضا لا يجوز أن يقطع ~~التذكير لأن الدعوة عامة في الأصل ولو جعلت خاصة لم تبق مضبوطة كرخصة ~~المسافر مثلا. ثم ختم السورة بما يصلح للوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ~~ومن قرأ إيابهم بالتشديد فإما أن يكون «فيعالا» مصدر «فيعل» من الإياب، ~~وأما أن يكون أصله «أوابا» فعالا من «أوب» ثم قلبت إحدى الواوين ياء كما في ~~«ديوان» ثم الأخرى كما في «سيد» . قال جار الله: فائدة تقديم الظرف في ~~الموضعين الحصر أي ليس ينبغي أن يكون مرجعهم إلا إلى الجبار المقتدر على ~~توفية جزاء كل طائفة ولا أن يكون حسابهم واجبا إلا على حكمة من هو أحكم ~~الحاكمين ورب العالمين. # PageV06P492 ### | (سورة الفجر) # (مكية حروفها خمسمائة وستة وستون كلمها مائة وست وثلاثون آياتها ثلاثون) ### | [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30] # بسم الله الرحمن الرحيم # والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # هل في ذلك قسم لذي حجر (5) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (6) إرم ذات العماد ~~(7) التي لم يخلق مثلها في البلاد (8) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (9) # وفرعون ذي الأوتاد (10) الذين طغوا في البلاد (11) فأكثروا فيها الفساد ~~(12) فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) إن ربك لبالمرصاد (14) # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15) وأما ~~إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16) كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم (17) ولا تحاضون على طعام المسكين (18) وتأكلون التراث ms4628 أكلا لما ~~(19) # وتحبون المال حبا جما (20) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (21) وجاء ربك ~~والملك صفا صفا (22) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى ~~(23) يقول يا ليتني قدمت لحياتي (24) # فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (25) ولا يوثق وثاقه أحد (26) يا أيتها النفس ~~المطمئنة (27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) # وادخلي جنتي (30) ### | القراآت: # روى ابن مهران وابن الاسكندراني عن أبي عمرو أنه كان يقف على والفجر ~~وأشباهها من ذوات الراء بنقل حركة الراء إلى ما قبله والوتر بكسر الواو: # حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: بالفتح يسري وبالواد أكرمني وأهانني ~~بالياء في الحالين: يعقوب والهاشمي عن البزي والقواس وأبو ربيعة عن أصحابه. ~~وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل أكرمني وأهانني بالياء في الوصل وبغير ~~ياء في الوقف بالواد بالياء في الوصل: ورش وسهل وعباس. الباقون: كلها بغير ~~ياء فقدر بالتشديد: ابن عباس ويزيد ربي بالفتح: أبو جعفر وابن كثير وأبو ~~عمرو. يكرمون ولا يحضون ويأكلون ويحبون كلها على الغيبة: # أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون: بتاء الخطاب تحاضون بفتح التاء الفوقانية ~~والألف # PageV06P493 # من التفاعل: عاصم وحمزة وعلي ويزيد لا يعذب ولا يوثق بفتح الذال والثاء: ~~علي والمفضل وسهل ويعقوب. الآخرون: بكسرهما. ### | الوقوف: # والفجر ه لا عشر ه ك والوتر ه ك يسر ه ك لجواز أن يكون جواب القسم ~~المحذوف وهو ليبعثن أو ليعذبن مقدرا قبل «هل» أو بعده. حجر ه ط ثم الوقف ~~المطلق على لبالمرصاد وما قبله وقف ضرورة بعاد ه لا العماد ه لا البلاد ه ص ~~بالواد ك الأوتاد ه ك البلاد ه ك الفساد ه ك عذاب ه ج لاحتمال التعليل ولما ~~قيل: إن جواب القسم قوله إن ربك لبالمرصاد وما بينهما اعتراض. لبالمرصاد ه ~~ج أكرمن ه ج لابتداء شرط أهانن ه ج لأن «كلا» يحتمل معنى «إلا» وحقا ومعنى ~~الردع. اليتيم ه لا المسكين ه ط لما ه ط جما ه ك دكا ه لا دكا ه ك صفا ه لا ~~صفا ms4629 ه ك بجهنم ه الذكرى ه ج لأن ما بعده مستأنف كأنه قيل: كيف يتذكر لحياتي ~~ه ج أحد ه لا أحد ه ط المطمئنة ه ط مرضية ه عبادي ه جنتي ه. ### | التفسير: # إقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ عن شرفها وأن فيها فوائد دينية ~~ودنيوية. # أما الفجر فعن بعضهم أنه الغيران التي تتفجر منها المياه، والأظهر ما روي ~~عن ابن عباس أنه الصبح الصادق ويوافقه قوله في المدثر والصبح إذا أسفر ~~[الآية: 34] وفي «كورت» والصبح إذا تنفس [الآية: 18] وذلك أن فيه عبرة ~~للمتأمل لما يحصل من انفجار الضوء فيما بين الظلام، وانتشار الحيوان من ~~أوكارها لطلب المعاش كما في نشور الموتى من قبورهم. وقيل: المضاف محذوف أي ~~ورب الفجر أو أقسم بصلاة الفجر. وخصه بعضهم بفجر النحر لأنه يوم الضحايا ~~والقرابين، وبعضهم بفجر المحرم لأنه أول يوم السنة، وبعضهم بفجر ذي الحجة ~~لقوله وليال عشر والتنكير لأنها ليال معدودة من ليالي السنة أو لأنها ~~مخصوصة بفضائل كما # جاء في الخبر «ما من أيام العمل الصالح فيهن أفضل من عشر ذي الحجة» «1» # قال أهل المعاني: ولو عرفت بناء على أنها ليال معلومة جاز إلا أن التعظيم ~~المستفاد من التنكير يفوت التناسب بين اللامات إذ ذاك فعدم اللام خير من ~~وجوده مخالفا للباقية. وقيل: إنها عشر المحرم. وقيل: العشر الأخيرة من ~~رمضان ولهذا سن فيها الاعتكاف وفيها ليلة القدر، وكان صلى الله عليه وسلم ~~إذا دخل العشر الأخير شد المئزر وأيقظ أهله أي كف PageV06P494 # عن الجماع وأمر أهله بالتهجد. وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد. ~~والوتر بالفتح لغة أهل العالية، وبالكسر لغة تميم. واختلف المفسرون فيهما ~~اختلافا عظيما فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من ~~هذين القسمين فتكون كقوله فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون [الحاقة: 38، ~~39] وقيل: الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة، ونقائضها الجهل والعجز ~~والموت. والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة ~~بلا موت. وقيل الشفع والوتر: ms4630 نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا ~~بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله علم ~~بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم [العلق: 4، 5] الرابع الشفع الممكنات ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين [الذاريات: 49] والوتر الواجب تعالى وتقدس. الخامس الشفع ~~الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية، # عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الصلاة منها شفع ومنها ~~وتر» . «1» # السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية، والوتر دركات النار ~~وأبوابها وهي سبعة. السابع الشفع البروج الاثنا عشر، والوتر الكواكب ~~السبعة. الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون. التاسع ~~الشفع السجدتان والوتر الركوع. العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا [البقرة: # 60] والوتر معجزاته ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات [الإسراء: 101] وأظهر ~~الأقوال ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة ~~لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة. # وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا ~~يمضي كقوله والليل إذا أدبر [المدثر: 33] وعن مقاتل: هو ليلة المزدلفة. ~~وعلى هذا جوز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقدم ضعفة أهله في هذه الليلة. # والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي ~~عقلا، ونهي لأنه يعقل وينهى، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط. قال الفراء: يقال ~~إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها. والمراد بالاستفهام تقرير أن ~~هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر ~~حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال ~~بعضهم: فيه دليل على أنه تعالى أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم. ~~ولقائل أن يقول: المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية. ثم إنه تعالى ذكر ~~للعبرة ولتسلية نبيه صلى الله عليه وسلم قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال ms4631 ~~لأنهم أعلام في القوة PageV06P495 # والشدة والتجبر. والمعنى ألم ينته علمك إليهم علما يقرب المشاهدة لتعاضده ~~بالوحي أو التواتر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل راء. والمراد ~~بعاد هو عاد الأولى القديمة ولهذا ابنه لزم لأنهم أولاد عاد بن عوص بن إرم ~~بن سام بن نوع فسموا باسم جدهم. وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها. ~~ولم ينصرف قبيلة أو أرضا للعلمية والتأنيث. وقيل: الإرم العلم لأنهم كانوا ~~يبنون أعلاما كهيئة المنارة كقوله أتبنون بكل ريع آية [الشعراء: 128] وعلى ~~هذين الوجهين يكون المضاف محذوفا أي أهل البلدة أو الأعلام، وعلى الوجه ~~الأخير لا يكون لمنع الصرف وجه ظاهر لكونه اسم جنس. والعماد بمعنى العمود ~~لأنه ما يعمد أو جمع عمد. ثم إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى أنهم كانوا ~~بدويين أهل عمد أو كانوا طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، أو كانت ~~ذات البناء الرفيع. وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين. ثم قيل: ~~هذه المدينة اسكندرية. وقيل: دمشق. واعترض بأن بلاد عاد كانت فيما بين عمان ~~إلى حضر موت وهي بلاد الرمال المسماة بالأحقاف. # وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا البلاد وأخذا عنوة ~~وملكا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع ~~بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة ~~وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها ~~من الزبرجد والياقوت وفيها أصناف الأشجار والأنهار. ولما تم بناؤها سار ~~إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة ~~من السماء فهلكوا. ويروى أنه وضع إحدى قدميه فيها فأمر ملك الموت بقبض ~~روحه. # ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ملك الموت حين عرج به إلى السماء ~~فسأله: هل رققت لأحد من الخلائق الذين قبضت أرواحهم؟ فقال: نعم اثنان ~~أحدهما طفل ولد بالمفازة ثم أمرت بقبض روح أمه ولم يكن هناك إنسان يتعهد ~~الطفل، والثاني ملك ms4632 اجتهد في بناء مدينة لم يخلق مثلها ثم لم يرزق رؤيتها ~~بعد أن وضع رجله فيها يعني شدادا، فدعا الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~أن يخبره بذلك فأوحى إليه أن ذلك الملك هو ذلك الطفل الذي ربيناه وآتيناه ~~مملكة الدنيا. # وحين قابل النعمة والملك بالكفران وبنى الجنان التي هي من مقدورات الله ~~الرحمن جزيناه بالخيبة والحرمان. هكذا وجدت الحكاية في بعض التفاسير. وعن ~~عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع على تلك المدينة فحمل ما قدر ~~عليه مما هناك، فبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب الأحبار ~~فسأله فقال: هي إرم ذات العماد وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر ~~أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له. ثم التفت فأبصر ~~ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك # PageV06P496 # الرجل. والضمير في مثلها لإرم لأنهم أطول الناس قدودا وأشدهم بناء، أو ~~للمدينة أو للأعلام على اختلاف الأقوال. وجاب الصخرة أي الحجر العظيم قطعه ~~كقوله وتنحتون من الجبال بيوتا [الشعراء: 149] والوادي وادي القرى قاله ~~مقاتل. وقد قيل: لفرعون ذي الأوتاد لكثرة جنوده أو لتعذيبه للناس بالأوتاد ~~الأربعة وقد مر في «ص» . وصب السوط كناية عن التعذيب المتواتر، وفيه إشارة ~~إلى أن عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة كالسوط بالنسبة إلى القتل مثلا ~~وقد أشار إلى عذاب الآخرة أو إليه مع عذاب الدنيا بقوله إن ربك لبالمرصاد ~~أي يمهل ولكنه لا يهمل. والمرصاد المكان الذي يرقب فيه الرصد، والباء بمعنى ~~«في» وهو مثل لعدم الإهمال. وقيل لبعض العرب: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. # وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ السورة عند المنصور حتى بلغ الآية فقال إن ربك ~~لبالمرصاد يا أبا جعفر عرض له في هذا بأنه من الجبابرة الذين وعدوا بها. ~~وقال الفراء: معناه إليه المصير فيكون وعدا ووعيدا للمؤمن والكافر. قال أهل ~~النظم: لما ذكر أنه تعالى بمرصد من أعمال بني آدم عقبه بتوبيخ الإنسان على ~~قلة اهتمامه بأمر الآخرة ms4633 وفرط تماديه في إصلاح المعاش كأنه قيل: نحن ~~مترقبون لمجازاة الإنسان على ما سعى، فأما هو فإنه لا يهمه إلا الدنيا ~~وطيباتها فإن وجد راحة فرح بها وإن مسه ضر كند. والظاهر أن الإنسان للجنس. # وعن ابن عباس أنه عتبة بن ربيعة. وعن الكلبي هو أمية بن خلف. ومعنى ~~الابتلاء في البسط والضيق هو أنه سبحانه يعامل المكلف معاملة المختبر ليظهر ~~أنه هل يتلقى النعمة بالشكر والضيق بالصبر أم لا كقوله ونبلوكم بالشر ~~والخير فتنة [الأنبياء: 35] وتقدير الكلام فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن ~~إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه وأما هو فيقول ربي أهانن إذا ما ابتلاه فقدر أي ~~ضيق عليه رزقه فقوله فيقول خبر المبتدأ في الموضعين إذا ما ابتلاه ظرف ل ~~فيقول وإنما قال في جانب البسط فأكرمه ونعمه أي جعله ذا نعمة وثروة ولم يقل ~~في طرف القبض «فأهانه وقدر عليه» لأن رحمته سبقت غضبه فلم يرد أن يصرح ~~بإهانة عبده، ولئلا يكون الكلام نصا في أن القبض دليل الإهانة من الله، فقد ~~يكون سببا لصلاح معاش العبد ومعاده. وأما البسط فهو إكرام في الظاهر ~~الغالب، والبسط لأجل الاستدراج قليل وعلى قلته فهو خير من خسران الدنيا ~~والآخرة جميعا. وعلام توجه الإنكار والذم؟ فيه وجهان: أحدهما على قوله ربي ~~أهانن فقط لأنه سمي ترك التفضل إهانة وقد لا يكون كذلك. والثاني على مجموع ~~الأمرين لا من حيث مجموعهما بل على كل منهما. أما على دعوى الإهانة فكما ~~قلنا، وأما على دعوى الإكرام فلأنه اعتقد حصول الاستحقاق في ذلك الإكرام ~~كقوله إنما أوتيته على علم عندي [القصص: 78] وكان عليه أن يرى ذلك # PageV06P497 # محض الفضل والعناية منه تعالى، أو لأنه قال في ذلك كبرا وافتخارا ~~وتكاثرا، أو لأن هذا القول يشبه قول من لا يرى السعادة إلا في اللذات ~~العاجلة، أو قول من غفل عن الاستدراج والمكر. ويحتمل أن يتوجه الذم على ~~مجموع الأمرين من حيث المجموع حتى لو قال في البسط «أكرمني» تحدثا بنعمة ~~الله، وفي القبض لم يقل ms4634 «أهانني» بل قال «الحمد لله على كل حال» لم يكن ~~مذموما. ثم ردع الإنسان عن تلك المقالة بقوله كلا أي لم أبتله بالغنى ~~لكرامته علي ولا بالفقر لهوانه لدي ولكنهما من محض المشيئة، أو على حسب ~~المصالح. # ثم نبه الإضراب في قوله بل لا تكرمون اليتيم على أن هناك شرا من ذلك وهو ~~أنه يكرمهم بكثرة المال ثم لا يؤدون حق الله فيه. وعن مقاتل: كان قدامة بن ~~مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه فنزلت. والتراث أصله ~~الوراث نحو تجاه ووجاه. # واللم الجمع الشديد ومنه كتيبة ملمومة مصدر جعل نعتا أي أكلا جامعا بجميع ~~أجزائه كقوله ولا تأكلوها إسرافا [النساء: 6] وقال الحسن: أي يجمعون نصيب ~~اليتامى إلى نصيبهم كقوله ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [البقرة: 88] ~~وقيل: جامعا بين حلال ما جمعه الميت وبين حرامه. وقيل: جامعا بين ألوان ~~المشتهيات من الأطعمة والأشربة اللذيذة والملابس الفاخرة كما يفعل أهل ~~البطالة من الوراث. والجم الكثير جم الماء وغيره يجم جموما إذا كثر جام، ~~وجم نهي عن التهالك. والشره على جمع المال. وفي وصف الحب بالجم دلالة على ~~أن حب المال وتعلق القلب بتحصيل ما يسد الخلة منه غير مكروه بل مندوب إليه ~~لبقاء نظام العالم على أن كل السلامة وجل الفراغ في الترك كما هو دأب ~~المتوكلين. # إن السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمر على حال بواديها # ولا ينبئك مثل خبير. ثم ردعهم عن الفعل المذكور وذكر تحسر المقصر في طاعة ~~الله يوم القيامة. وجواب «إذا» محذوف بعد صفا أو بعد قوله بجهنم ليذهب ~~الوهم كل مذهب أي كان ما كان من الأهوال. ثم استؤنف وجيء يومئذ أو عطف على ~~ما قبله ويوقف على هذا التقدير على قوله بجهنم ويكون يومئذ الثانية متعلقا ~~بما بعده، ويجوز أن يكون «إذا» منصوبا ب يتذكر ويومئذ الثانية بدل منه. ~~ومعنى دكا دكا دكا بعد دك كما قيل في «لبيك» أي كرر عليها الدك حتى صارت ~~هباء منبثا. وقال المبرد: ms4635 # استوت في الانفراش فذهب دورها وقصورها وجبالها وقلاعها حتى تصير قاعا ~~صفصفا، ولعل هذا الذي بعد الزلزلة. قوله وجاء ربك أي أمره بالجزاء والحساب ~~أو قهره أو # PageV06P498 # دلائل قدرته. ويجوز أن يكون تمثيلا لهول ذلك اليوم كما إذا حضر الملك ~~بنفسه وجنوده كان أهيب وتنزل ملائكة كل سماء صفا صفا أي مصطفين صفوفا ~~مرتبة. # يروى أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اشتد على ~~أصحابه فجاء علي رضي الله عنه فاحتضنه وقبل عاتقه ثم قال: يا نبي الله بأبي ~~أنت وأمي ما الذي حدث اليوم حتى غيرك؟ فتلا عليه الآية. فقال له علي: كيف ~~يجاء بجهنم؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد ~~شرارة لو تركت لأحرقت أهل الجمع. # قال الأصوليون: معنى جيء بجهنم برزت وأظهرت فإن جهنم لا تنتقل من مكان ~~إلى مكان. قوله وأنى له أي ومن أين له منفعة الذكرى ثم فسر التذكر وإنما ~~قدرنا المضاف احترازا من التنافي وإلا فلا وجه للإستفهام الإنكاري بعد ~~إثبات التذكر بأنه يقول يا ليتني قدمت خيرا أو عملا صالحا لحياتي هذه وهي ~~الحياة الأخيرة، أو اللام بمعنى الوقت أي وقت حياتي في الدنيا. وقد يرجح ~~هذا الوجه لأن أهل النار لا حياة لهم في الحقيقة كما قال لا يموت فيها ولا ~~يحيى [الأعلى: 13] ويمكن أن يجاب بأن الحياة المضاهية للموت أو التي هي أشد ~~من الموت حياة أيضا، وبأن حياة الآخرة يراد بها البقاء المستمر الدائم وهذا ~~المعنى شامل لأهل النار ولأهل الجنة جميعا. قالت المعتزلة: في هذا التمني ~~دليل واضح على أن الاختيار كان زمامه بيده، ويحتمل أن يجاب بأن استحالة ~~متمناه قد تكون من جهة أن الأمر في الدنيا لم يكن إليه فيتحسر على ذلك. ~~وقال في التفسير الكبير: فيه دليل على أن قبول التوبة لا يجب عقلا. ويرد ~~عليه أنه لا يلزم من عدم قبولها في الآخرة عدم قبولها في دار التكليف ~~كإيمان اليأس. من قرأ لا يعذب ms4636 ولا يوثق على البناء للفاعل فمعناه على ما ~~قال مقاتل: لا يعذب عذاب الله أي عذابه أحد من الخلق. ضعف بأن يوم القيامة ~~لا يعذب أحد سوى الله فلا يتصور لهذا النفي فائدة. وأجيب بأن المراد لا ~~يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد لأن الأمر يومئذ لله وحده، أو لا يعذب أحد ~~في الدنيا ولا يوثق مثل عذاب الله الكافر ومثل إيثاقه إياه في الشدة ~~والإيلام. وقال أبو علي الفارسي: تقديره لا يعذب أحد من الزبانية أحدا مثل ~~عذاب هذا الإنسان وهو أمية بن خلف، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه ~~لتناهيه في كفره وفساده. ومن قرأ بناء الفعل للمفعول فيهما فظاهر. والضمير ~~في عذابه ووثاقه للإنسان. ويمكن أن يراد لا يحمل عذاب الإنسان أحد كقوله ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى [الأنعام: 164] قال الواحدي: وهذا أولى الأقوال. ثم ~~ذكر بشارة الأبرار وهو أن يقول للمؤمن بذاته أو على لسان ملك يا أيتها ~~النفس المطمئنة أي بذكر الله أو بتحصيل الأخلاق الفاضلة والعقائد الصحيحة ~~التي تسكن النفس السليمة إليها ارجعي إلى ربك إلى حيث لا مالك سواه أو إلى ~~ثوابه راضية بما حكم عليك وقدر لك مرضية عند الله # PageV06P499 # نظيره رضي الله عنهم ورضوا عنه [البينة: 8] وهذه صفة أرباب النفوس ~~الكاملة وإن كانوا بعد في دار التكليف ولهذا رتب على هذه الصفة قوله فادخلي ~~في عبادي أي في جملة الصالحين وادخلي جنتي وهي في الدنيا مقام الرضا ~~والتسليم. وإذا كانت النفس متحلية بالكمالات الحقيقية والمعارف اليقينية في ~~حياته العاجلة كانت أهلا لهذه البشارة عند الموت وعند البعث وفي كل المواطن ~~إلى دخول الجنة. وقيل: إنما يقال له هذا عند البعث والمعنى فادخلي في أجساد ~~عبادي يؤيده قراءة ابن مسعود «في جسد عبدي» قالوا: أنزلت في حمزة بن عبد ~~المطلب أو في خبيب بن عدي الذي صلبه أهله مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة ~~فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول الله وجهه نحوها ~~فلم يستطع أحد أن ms4637 يغيرها. والظاهر العموم ولو سلم فالعبرة بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب. # PageV06P500 ### | (سورة البلد) # (مكية وقيل مدنية حروفها مائتان وستة وثلاثون كلمها ثمانون آياتها عشرون) ### | [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20] # بسم الله الرحمن الرحيم # لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد (4) # أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره ~~أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) # وهديناه النجدين (10) فلا اقتحم العقبة (11) وما أدراك ما العقبة (12) فك ~~رقبة (13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) # يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين آمنوا ~~وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحاب الميمنة (18) والذين ~~كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة (19) # عليهم نار مؤصدة (20) ### | القراآت # لبدا بالتشديد: يزيد فك رقبة أو إطعام على صيغة الفعلين ونصب رقبة ابن ~~كثير وأبو عمرو وعلي. الباقون: على المصدرين فأضافوا الأول ونونوا الثاني ~~أي هي الفك أو الإطعام مؤصدة بالهمز: أبو عمرو ويعقوب وحمزة وخلف وحفص ~~والمفضل. ### | الوقوف: # البلد ه لا البلد ه ك ولد ه ك كبد ه ط أحد م ه لئلا يوهم أن ما بعده صفة ~~لبدا ط أحد ه ك عينين ه لا وشفتين ه ك النجدين ج ه للنفي مع الفاء العقبة ه ~~ز العقبة ه ط رقبة ه لا مسغبة ه ك مقربة ه ك متربة ه ط لأن «ثم» لترتيب ~~الأخبار بالمرحمة ه ك الميمنة ه ط المشأمة ه ط مؤصدة ه. ### | التفسير: # إنه سبحانه قرر في هذه السورة وفي أكثر ما يتلوها من السور مراتب النفوس ~~الإنسانية وأحوالها في السعادة وضدها، فأكد ذلك بالإقسام بالبلد الحرام وهو ~~مكة التي جعلها الله تعالى منشأ كل بركة وخير. وقوله وأنت حل بهذا البلد ~~اعتراض بين القسمين كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم حل ~~بها وأقام فيها. وقيل: الحل بمعنى الحلال كأنه سبحانه عجب من اعتقاد أهل ~~مكة كيف يؤذون أشرف الخلق في ms4638 موضع محرم. عن # PageV06P501 # شرحبيل: يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك ~~وقتلك. # وقال قتادة: أنت حل أي لست بأثيم وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت كما # في الحديث «ولم تحل لي إلا ساعة من نهار» # . فأن كانت السورة مكية أو مدنية قبل الفتح فقوله حل بمعنى الاستقبال نحو ~~إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر: 30] وكثيرا ما تبرز الأفعال المستقبلة في ~~القرآن في صيغ الماضي لتحقق الوقوع، وإن كان حال الفتح أو بعده فظاهر. وعلى ~~الأول يكون فيه إخبار بالغيب وقد يسر الله له فتح مكة كما وعد فيكون معجزا. ~~أما الوالد والولد فقيل: آدم وذريته لكرامتهم على الله ولقد كرمنا بني آدم ~~[الإسراء: 70] وقيل: كل والد ومولود. # وقد يخص الإقسام بالصالحين لأن غير الصالحين لا حرمة لهم أولئك كالأنعام ~~بل هم أضل [الأعراف: 179] والأكثرون على أن الوالد إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام والولد محمد صلى الله عليه وسلم كأنه أقسم ببلده ثم بوالده ثم به ~~والتنكير للتعظيم. وإنما لم يقل ومن ولد للفائدة المذكورة في قوله والله ~~أعلم بما وضعت [آل عمران: 36] أي بشيء وضعته وهو مولود عجيب الشأن. والكبد ~~المشقة والتعب كقوله إنك كادح إلى ربك كدحا [الإنشقاق: 6] وأصله من كبد ~~الرجل بالكسر كبدا بالفتح فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت. ولا تخفى الشدائد ~~الواردة على الإنسان من وقت احتباسه في الرحم إلى انفصاله ثم إلى زمان ~~رضاعه ثم إلى بلوغه ثم ورود طوارق السراء وبوارق الضراء وعلائق التكاليف ~~وعوائق التمدن والتعيش عليه إلى الموت، ثم إلى البعث من المساءلة وظلمة ~~القبر ووحشته، ثم إلى الاستقرار في الجنة والنار من الحساب والعتاب والحيرة ~~والحسرة والوقوف بين يدي الجبار، اللهم سهل علينا هذه الشدائد بفضلك يا ~~كريم ووفقنا للعمل بما يستعقب الخلاص منها إلى النعيم المقيم. وقيل: الكبد ~~مرض القلب وفساد العقيدة والمراد به الذين علم الله من حالهم أنهم لا ~~يؤمنون. وقيل: الكبد هو الاستواء والاستقامة أي خلقناه منتصب القامة. # وقيل: الكبد الشدة والغلظ ثم اشتق منه ms4639 اسم العضو لأنه دم غليظ. وقد يخص ~~الإنسان على هذا التفسير بشخص واحد من جمح يكنى أبا الأشدين، كان يجعل تحت ~~قدميه الأديم ثم يمد من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ويعضد هذا ~~التفسير قوله أيحسب يعني ذلك الإنسان الشديد. وعلى الأول معناه لن يقدر على ~~بعثه ومجازاته أو على تغيير أحواله وأطواره يقول أهلكت مالا لبدا أي كثيرا ~~بعضه فوق بعض وهو جمع لبدة بالضم لما يلبد قاله الفراء. وعن الزجاج أنه ~~مفرد والبناء للمبالغة والكثرة. يقال: رجل حطم إذا كان كثير الحطم. ومن قرأ ~~بالتشديد فهو جمع لا بد يريد كثرة ما أنفقه في الجاهلية فوبخه على ذلك ~~بقوله أيحسب أن لم يره أحد يعنى أنه تعالى كان عالما بقصده حين ينفق ما ~~ينفق # PageV06P502 # رياء وافتخارا وحبا للانتساب إلى المكارم والمعالي أو معاداة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: أيظن أن الله لم يره ولا يسأله عن ~~ماله من أين كسبه وفي أي شيء أنفقه؟ وقال الكلبي: # كان كاذبا ولم ينفق شيئا فقال الله: أيزعم أن الله ما رأى ذلك منه ولو ~~كان قد أنفق لعلم الله. ثم دل على كمال قدرته مع إشارة إلى الاستعداد ~~الفطري بقوله ألم نجعل له عينين يبصر بهما المصنوعات ولسانا يعبر به عما في ~~ضميره وشفتين يستعين بهما على الإفصاح بالنطق وهديناه النجدين سبيلي الخير ~~والشر كقوله إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا [الدهر: 3] هذا قول ~~عامة المفسرين. والنجد في اللغة المكان المرتفع جعل الدلائل لارتفاع شأنها ~~وعلو مكانها كالطرق المرتفعة العالية التي لا تخفى على ذوي الأبصار. وقال ~~الحسن يقول أهلكت مالا لبدا فمن الذي يحاسبني عليه؟ فقيل الذي قدر على أن ~~خلق لك الأعضاء قادر على محاسبتك. وعن ابن عباس وسعيد بن المسيب: هما ~~الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه هدى الله الطفل الصغير حتى ~~ارتضعهما، قال القفال: والتفسير هو الأول. ثم قرر وجه الاستدلال به فقال: ~~إن من قدر على أن خلق من ms4640 الماء المنتن قلبا عقولا ولسانا فؤولا فهو على ~~إهلاك ما خلق أقدر، فما الحجة في الكفر بالله مع تظاهر نعمه؟ وما العلة في ~~التعزز على الله وأوليائه بالمال وإنفاقه وهو المعطي والممكن من الانتفاع؟ ~~ثم عرف عباده وجوه الإنفاق الفاضلة تعريضا بأن ذلك الكافر لم يكن إنفاقه في ~~وجه مرضي معتد به لابتناء قبول الطاعات على الإيمان الذي هو أصل الخيرات. ~~والاقتحام الدخول بشدة ولهذا يستعمل في الأخطار والأهوال. والعقبة طريق ~~الجبل فعن ابن عمر: هي جبل زلال في جهنم. وعن مجاهد والضحاك: هي الصراط ~~يضرب على متن جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار. وزيف ~~الواحدي وغيره هاتين الروايتين بأنه من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم ~~يقتحموا العقبة بهذا المعنى، وبأن تفسير الله سبحانه العقبة عقيبه ينافيه. ~~وعن الحسن: عقبة والله شديدة إن هذا مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه ~~الشيطان. قال النحويون: قلما توجد لا الداخلة على الماضي إلا مكررة كقوله ~~فلا صدق ولا صلى [القيامة: 31] وتقول: لا خيبني ولا رزقني. والقرآن أفصح ~~الكلام فهو أولى برعاية هذه القاعدة. والجواب أن القرآن حجة كافية ولو سلم ~~فهي متكررة في المعنى. قال الزجاج: ألا ترى أنه فسر العقبة بفك الرقبة ~~والإطعام؟ فكأنه قيل: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ولا سيما فيمن قرأ فك ~~وإطعام على الإبدال من اقتحم وجعل ما بينهما اعتراضا. ويجوز أن يراد فلا ~~اقتحم العقبة ولا آمن يدل عليه قوله ثم كان من الذين آمنوا ومن قرأ فك أو ~~إطعام على المصدرين فالفاعل محذوف وهو من خواص المصدر لا # PageV06P503 # يجوز حذف الفاعل من غيره والتقدير: فك فاك رقبة أو إطعام مطعم يتيما. ~~والمسغبة مصدر على «مفعلة» من سغب إذا جاع، وكذا المقربة من قرب في النسب. ~~والمتربة من ترب إذا افتقر والتصق بالتراب فليس فوقه ما يستره ولا تحته ما ~~يوطئه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم: هو الذي مأواه المزابل. # ووصف اليوم بذي مسغبة مجاز باعتبار صاحبه نحو «نهاره صائم» . وفك الرقبة ms4641 ~~تخليصها من رق أو غيره. # وفي الحديث إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل ~~يدخلني الجنة. فقال: «تعتق النسمة وتفك الرقبة. فقال: أوليسا سواء؟ قال: لا ~~إعتاقها أن تتفرد بعتقها وفكها تخلصها من قود أو غرم» «1» # وقد استدل أبو حنيفة من تقديم العتق على أنه أفضل من الصدقة. وعند بعضهم ~~بالعكس لأن في الصدقة تخليص النفس من الإشراف على الهلاك فإن قوام البدن ~~بالغذاء، وفي الفك تخليصها من القيد في الأغلب. وأيضا لعل الأمر في الأول ~~أضيق. ولا شك أن إطعام اليتيم القريب أفضل من اليتيم الأجنبي. وقد يستدل ~~للشافعي أن المسكين أحسن حالا من الفقير وأنه قد يكون بحيث يملك شيئا وإلا ~~وقع قوله ذا متربة تكرارا. وقال بعض أهل التأويل: فك الرقبة أن يعين المرء ~~نفسه على إقامة الوظائف الشرعية ليتخلص بها عن النار. وعندي هو أن يفك ~~رقبته عن الكونين ليلزم عنه زوال الحرص المستتبع لمواساة النفس على الطعام ~~والإيثار. وفي قوله ثم كان وجوه أحدها: أن هذا التراخي في الذكر لا في وجود ~~فإن الإيمان مقدم على جميع الخصال المعتد بها شرعا كقوله: # إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده # أي ثم انه أذكر ساد أبوه: وثانيها التأويل بالعاقبة أي ثم كان في عاقبة ~~أمره ممن يموت على الإيمان. وثالثها أن الاية نزلت فيمن أتى بهذه الخصال ~~قبل إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم آمن به بعد مبعثه. فعند بعضهم يثاب ~~على تلك الطاعات يدل عليه ما # روي أن حكيم بن حزام بعد ما أسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا ~~كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء؟ # فقال صلى الله عليه وسلم «أسلمت على ما قدمت من الخير» «2» . # ورابعها وهو أولى الوجوه عند أصحاب المعاني أن المراد تراخي الرتبة ~~والفضيلة لأن ثواب الإيمان أكثر من ثواب العتق والصدقة. # وقد يوجه البيت المذكور على هذا بأن المراد ثم ساد أبوه ms4642 مع ذلك ثم ساد ~~جده مع ما ذكر، PageV06P504 # ولا ريب أن مجموع الأمرين أو الأمور أشرف من أن ساد هو بنفسه فقط. وحين ~~ذكر خصال الكمال عقبه بما يدل على التكميل قائلا تواصوا أي أوصى بعضهم بعضا ~~بالصبر على التكاليف الشرعية وعلى البلايا والمحن التي قلما يخلوا المؤمن ~~عنها وتواصوا بالمرحمة أي التعاطف والتراحم كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ~~وكونوا إخوانا متعاضدين» . «1» # وفي الآية نكتة لطيفة وهي أنه سبحانه ذكر في باب الكمال أمرين: فك الرقبة ~~والإطعام ثم الإيمان، وذكر في باب التكميل شيئين: التواصي بالصبر على ~~الوظائف الدينية والتواصي بالتراحم، وكل من النوعين مشتمل على التعظيم لأمر ~~الله والشفقة على خلق الله إلا أنه في الأول قدم جانب الخلق، وفي الثاني ~~قدم جانب الحق. # ففي الأول إشارة إلى كمال رحمته ونهاية عنايته بالمخلوقات فإن رعاية ~~مصالحهم عنده أهم، وفي الآخر رمز إلى حسن الأدب وتعليم للمكلفين أن يعرفوا ~~ما هو الأقدم الأهم في نفس الأمر زادنا الله اطلاعا على دقائق هذا الكتاب ~~الكريم. قوله أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة مر في أول الواقعة تفسيرهما. ~~قال أهل اللغة: أوصدت الباب وآصدته بالواو وبالهمز أي أطبقته وأغلقته. قال ~~مقاتل: فلا يخرج أحد منها ولا يدخل روح فيها. والإيصاد بالحقيقة صفة أبواب ~~النار أي مؤصدة أبوابها فهو من الإسناد المجازي. # وقيل: أراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب نعوذ بالله منها. ~~PageV06P505 ### | (سورة والشمس) # (وهي مكية حروفها مائتان وستة وأربعون كلمها أربع وخمسون آياتها خمس ~~عشرة) ### | [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15] # بسم الله الرحمن الرحيم # والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جلاها (3) والليل ~~إذا يغشاها (4) # والسماء وما بناها (5) والأرض وما طحاها (6) ونفس وما سواها (7) فألهمها ~~فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) # وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغواها (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال ~~لهم رسول الله ناقة الله وسقياها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم ~~بذنبهم فسواها (14) # ولا يخاف عقباها (15) ### | القراآت: # تلاها وطحاها مثل دحاها [الآية: 30] في ms4643 «النازعات» فلا يخاف بالفاء وضم ~~الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير بناء على أن قد أفلح جواب القسم واللام ~~محذوف أي لقد أفلح. ### | الوقوف: # وضحاها ه لا تلاها ه ك جلاها ه ك يغشاها ه ك بناها ه ك طحاها ه ك سواها ه ~~لا ص وتقواها ه لا زكاها ه ك دساها ه ط بطغواها ه ط لأن الظرف يتعلق ب كذبت ~~أو بالطغوى أشقاها ه وسقياها ه فعقروها م ك فسواها ه ط عقباها ه. ### | التفسير: # قال النحويون: إن في ناصب إذا تلاها وما بعده إشكالا لأن «ما» سوى الواو ~~الأولى إن كن للقسم لزم اجتماع أقسام كثيرة على مقسم به واحد وهو مستنكر ~~عند الخليل وسيبويه، لأن استئناف قسم آخر دليل على أن القسم الأول قد ~~استوفى حقه من الجواب فيلزم التغليظ، وإن كن عاطفة لزم العطف على عاملين ~~بحرف واحد وذلك أن حرف العطف ناب عن واو القسم المقتضي للجر وعن الفعل الذي ~~يقتضي انتصاب الظرف. # والجواب أنا نختار الثاني ولزوم العطف على عاملين ممنوع لأن حرف العطف ~~ناب عن واو القسم النائب عن الفعل المتعدي بالباء، وكما أن واو القسم تعمل ~~الجر في القسم والنصب # PageV06P506 # في الظرف إذا قلت مثلا ابتداء والليل إذا يغشى [الليل: 1] لقيامه مقام ~~قولك «أقسم بالليل إذا يغشى» فكذا حرف العطف النائب منابه نظيره قولك «ضرب ~~زيد عمرا وبكر خالدا» فترفع بالواو وتنصب لقيامه مقام ضرب. قال بعض ~~المتكلمين: المضاف في هذه الأقسام محذوف تقديره ورب الشمس إلى آخرها. وزيف ~~بلزوم التكرار في قوله وما بناها وما بعده. وأجيب بأن «ما» في وما بناها ~~وما بعده مصدرية. واعترض عليه في الكشاف بأنه يلزم من عطف قوله فألهمها على ~~قوله وما سواها فساد النظم فالوجه أن تكون «ما» موصولة. وإنما أوثرت على ~~«من» لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، ~~ونفس والحكيم الذي سواها، على أنه قد جاء «ما» مستعملا في «من» كقولهم ~~«سبحان ما سخر كن لنا» . أما ms4644 الذين لم يقدروا المضاف فأورد عليهم أنه يلزم ~~تأخير القسم برب السماء وبانيها عن القسم بالسماء. والجواب أن الله عز ~~قائلا أراد أن نتدرج من المحسوسات إلى المعقولات ومن المصنوعات إلى الصانع، ~~ولا يخفى أن المحسوسات أظهرها هو الشمس فذكرها سبحانه مع أوصافها الأربعة ~~الدالة على عظمتها. # فأول أعظم الأوصاف الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، وثانيها تلو ~~القمر لها غاية في منتصف الشهر أو تلوه لها في أخذ الضوء عنها أو في غروبه ~~ليلة الهلال بعدها قاله قتادة والكلبي. وقيل: في كبر الجرم بحسب الحس وفي ~~ارتباط مصالح هذا العالم بحركته. # والثالث والرابع بروزها لمجيء النهار واختفاؤها لمجيء الليل. ثم ذكر ذاته ~~المقدسة وعقبه بأنواع تدابيره في السماء والأرض وفي البسائط وما يتركب منها ~~وأشرفها النفس. ولنشتغل بتفسير بعض الألفاظ. قال الليث: الضحو ارتفاع ~~النهار والضحى فوق ذلك. والضحاء بالمد إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف. ~~وتلاها تبعها بإحدى المعاني المذكورة، والتجلية الكشف والعيان. والضمير في ~~جلاها للشمس في الظاهر على ما قال الزجاج وغيره، لأن النهار كلما كان أصدق ~~نورا كانت الشمس أجلى ظهورا فإن الكشف والعيان يدل على قوة المؤثر وكماله ~~لا قوة الأثر وكماله، فكان النهار يبرز الشمس ويظهرها. وذهب جم غفير إلى أن ~~الضمير يعود إلى الظلمة أو الدنيا أو الأرض بدلالة قرائن الأحوال وسياق ~~الكلام، ولعل الوجه الأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور أقرب منه إلى ~~المقدر، ولأنه يلزم تفريق الضمائر فإن الضمير في يغشاها للشمس بالاتفاق ~~وكذا في ضحاها وتلاها ولأن غشيان الليل الشمس عبارة عن ذهاب الضوء وحصول ~~الظلمة بسبب غيبة الشمس في الأفق، فكذا تجلية النهار إياها يجب أن تكون ~~إشارة إلى كمال الضوء وظهوره للحس بواسطة ظهور الشمس فوق الأفق. والحاصل أن ~~الذهن كما ينتقل من عدم الأثر إلى عدم # PageV06P507 # المؤثر فجعل كأن لعدم الأثر تأثيرا في عدم المؤثر، فكذلك ينتقل من وجود ~~الأثر إلى وجود المؤثر فيصح أن يقال: إن وجود الأثر علة لوجود المؤثر وهذا ~~معنى كون ms4645 النهار مجليا للشمس. والطحو مثل الدحو وقد مر في «النازعات» أي ~~بسطها على الماء. وتنكير النفس إما للتنويع أي نفس خاصة من بين النفوس وهي ~~النفس القدسية النبوية التي تصلح لرياسة ما سواها من النفوس، وإما للتكثير ~~على الوجه المذكور في قوله علمت نفس ما أحضرت [التكوير: 14] وتسويتها إعطاء ~~قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي الحواس الظاهرة والباطنة والقوى ~~الطبيعية المخدومة والخادمة وغيرها فألهمها فجورها وتقواها قالت المعتزلة: ~~هو كقوله وهديناه النجدين [البلد: 10] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير ~~والشر ويعضده ما بعده قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها والتدسية ضد ~~التزكية. وأصل دسي دسس قلب أحد حرفي التضعيف ياء كما في «قضيت» . والتدسيس ~~مبالغة الدس وهو الإخفاء في التراب قال عز من قائل أم يدسه في التراب ~~[النحل: 59] والضمير في «زكى» و «دسى» ل «من» وقال أهل السنة: الضميران لله ~~تعالى و «من» عبارة عن النفس والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعالى وخلقها ~~طاهرة، وخابت نفس دساها الله وخلقها كافرة فاجرة. وقد يروى هذا الوجه عن ~~سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي قالوا: أصل الإلهام من قولهم ~~«لهم الشيء والتهمه» إذا ابتلعه و «ألهمته إياه» أي أبلغته ذلك. فالإلهام ~~الإبلاع أي وضع الإيمان في قلب المؤمن والكفر في قلب الكافر. ثم وعظهم بقصة ~~ثمود لقربها من ديارهم. ولأهل التأويل أن يقولوا: إنما خص هذه القصة لأن ~~ناقة الله هي البدن وعبر بصالح عن الروح، فلما كانت قصة ثمود مناسبة لأحوال ~~النفس الإنسانية كما مرت في التأويلات، وكانت هذه السورة مسوقة لبيان مراتب ~~النفس في السعادة والشقاوة، وخصت القصة بالذكر لذلك، وعلى هذا التأويل قد ~~يراد بالشمس تجلي النفس الناطقة على البدن بالتدبير الكامل، وبالقمر الروح ~~الحيواني. أو شمس المعرفة، وقمر المكاشفة، ونهار وليل المحو، وسماء الروح ~~وأرض القلب كما مر مرارا. والطغوى اسم من الطغيان كالتقوى من الوقاية قلبت ~~ياؤه واوا فرقا بين ما هي اسم وبين ما هي صفة كقولهم «امرأة خزيا وصديا» ms4646 ~~والباء للآلة أي فعلت التكذيب بواسطة طغيانها. وقيل: # المضاف محذوف والمجموع صفة للعذاب والباء للإلصاق أي كذبت ثمود بما أوعدت ~~من العذاب ذي الطغوى كقوله فأهلكوا بالطاغية [الحاقة: 5] والأول أوضح لئلا ~~يكون قوله فكذبوه تكرارا. ومعنى انبعث تحركت داعيته وقوي عزمه على العقر. ~~وأشقاها عاقر الناقة قدار بن سالف، أو هو مع من ساعده على ذلك فإن أفعل ~~التفضيل يجوز أن لا # PageV06P508 # يفرق فيه بين الواحد. والجمع وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير في لهم عائدا ~~إلى الجماعة الأشقياء، وعلى الأول يكون عائدا إلى قوم صالح. وناقة الله نصب ~~على التحذير أي احذروا عقرها وسقياها فلا تعتدوا بها فإن لها شربا ولكم شرب ~~يوم فكذبوه فيما أوعدهم به من نزول العذاب إن فعلوا فعقروا الناقة فدمدم أي ~~فأطبق عليهم العذاب. قالوا: هو مضعف من قولهم «ناقة مدمدمة» إذا ألبست ~~الشحم. والباء في بذنبهم للسببية فسوى الدمدمة بينهم بحيث لم يهرب منها أحد ~~ولا يخاف عقباها كما يخاف ملوك الدنيا فينزجر عن استيفاء العقوبة. وجوز أن ~~يكون الضمير لثمود أي فسواها بالأرض، أو في الهلاك ولا يخاف تبعه بهلاكها ~~وهو تعالى أعلم. # PageV06P509 ### | (سورة والليل) # (مكية حروفها ثلاثمائة وعشرة كلمها إحدى وسبعون آياتها إحدى وعشرون) ### | [سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21] # بسم الله الرحمن الرحيم # والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن ~~سعيكم لشتى (4) # فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل ~~واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) # فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى ~~(12) وإن لنا للآخرة والأولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) # لا يصلاها إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) ~~الذي يؤتي ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) # إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20) ولسوف يرضى (21) ### | القراآت: # نارا تلظى بتشديد التاء: البزي وابن فليح. ### | الوقوف: # يغشى ه لا تجلى ه لا والأنثى ه لا لشتى ه ط واتقى ه لا بالحسنى ه لا ~~لليسرى ه ط واستغنى ه لا بالحسنى ه لا للعسرى ms4647 ط تردى ه ط للهدى ه ز للعطف ~~مع رعاية جانب «أن» والوصل أجوز لإتمام الكلام والأولى ه تلظى ه ج لأن ما ~~بعده صفة أو استئناف الأشقى ه لا وتولى ه ط الأتقى ه لا يتزكى ه ج لأن ما ~~بعده استئناف أو حال تجزى ه الأعلى ه ج لاختلاف الجملتين يرضى ه. ### | التفسير: # هذه السورة نزلت باتفاق كثير من المفسرين في أبي بكر وفي أبي سفيان ابن ~~حرب أو أمية بن خلف، إلا أن المعنى على العموم لقوله تعالى إن سعيكم لشتى ~~فأنذرتكم ومفعول يغشى محذوف وهو إما الشمس كقوله تعالى والليل إذا يغشاها ~~[الآية: 4] أو النهار أو كل شيء يمكن تواريه بالظلام. أقسم سبحانه بالليل ~~والنهار اللذين بتعاقبهما يتم أمر المعاش والراحة مع أنهما آيتان في ~~أنفسهما. ومعنى تجلى ظهر بزوال ظلمة الليل وتبين بطلوع الشمس ثم بذاته الذي ~~خلق كل شيء ذي روح لأن الروح إما ذكر # PageV06P510 # أو أنثى، والخنثى المشكل معين في علم الله وإن كان مبهما في علمنا ولهذا ~~قال الفقهاء: لو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى وقد لقي خنثى ~~مشكلا حنث. وقيل: هما آدم وحواء لشتى جمع شتيت وهو المتفرق المختلف. ثم بين ~~اختلاف الأعمال في ذاتها وفيما يرجع إليها في العاقبة من الثواب والعقاب أو ~~التوفيق والخذلان. # عن علي رضي الله عنه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جنازة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدنا حوله فقال «ما منكم نفس ~~منفوسة إلا وقد علم مكانها من الجنة والنار. فقلنا: يا رسول الله أفلا ~~نتكل؟ قال: # اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ فأما من أعطى» «1» # يعني حقوق ما له واتقى المحارم وصدق بالخصلة الحسنى وهي الإيمان أو كلمة ~~الشهادة أو بالملة الحسنى أو بالمثوبة فسنيسره فسنهيئه للطريق اليسرى. يقال ~~يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومعنى استغنى أنه رغب عما عند الله ~~كأنه مستغن، أو استغنى باللذات العاجلة عن الآجلة. ms4648 والتحقيق فيه أن الأعمال ~~الفاضلة إذا واظب المكلف عليها حصلت في نفسه ملكة نورانية تسهل عليه سلوك ~~سبيل الخيرات حتى يصير التكليف طبعا. والتعب راحة والتكليف عادة، ولأن هذه ~~الملكة تحصل بالتدريج فلا جرم أدخل الفاء في فسنيسره ومن فسر اليسرى بالجنة ~~فمعنى الاستقبال عنده واضح. والرذائل بالضد حتى تصير النفس من الكسل بحيث ~~لا تواتي صاحبها إلا في مواجب الكسل وجذب الراحات العاجلة كقوله وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة: 45] وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى # [النساء: 148] ويقرب مما ذكرنا قول القفال: كل ما أدت عاقبته إلى يسر ~~وراحة وأمور محمودة فإن ذلك من اليسرى وذلك وصف كل الطاعات، وكل ما أدت ~~عاقبته إلى عسر وتعب فهو من العسرى وذلك وصف كل المعاصي، ومن جملة اليسرى ~~الجنة ومن جملة العسرى النار. استدل بعض الأشاعرة بقوله فسنيسره للعسرى على ~~أنه تعالى قد يخلق القبائح في المكلف ويقوي دواعيه على فعلها. والمعتزلة ~~عبروا عن هذا التيسير بالخذلان وعن الأول بمنح الألطاف والتوفيق. ثم وبخ ~~هذا الكافر بقوله وما يغني عنه ماله وهو استفهام في معنى النفي أي لا ينفعه ~~ماله الذي بخل به إذا تردى أي مات من الردى وهو الهلاك. ويجوز أن يكون من ~~قولهم «تردى من الجبل» أي تردى من الحفرة في القبر أو في قعر جهنم. استدل ~~المعتزلة بقوله إن علينا للهدى على أنه تعالى أزاح الأعذار وما كلف المكلف ~~إلا ما في سعته وطاقته، وعلى أنه يجب على الله الهداية، وعلى أن العبد لو ~~لم يكن مستقلا بالإيجاد PageV06P511 # لما كان في وضع الدلائل فائدة. وأجوبة أهل السنة عن المسائل الثلاث ~~معلومة. ونقل الواحدي عن الفراء وجها آخر وهو أن المراد إن علينا للهدى ~~والإضلال فاقتصر كقوله سرابيل تقيكم الحر [النحل: 81] وأكدوا ذلك بما روي ~~عن ابن عباس في رواية عطاء أن معنى الآية أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ~~وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي. ثم بين بقوله وإن لنا للآخرة والأولى ~~أن لله كل ما في الدنيا ms4649 والآخرة فلا يضره عصيان العاصين ولا ينفعه طاعة ~~المطيعين، وإنما يعود ضره أو نفعه إليهم. ويمكن أن يراد أن سعادة الدارين ~~تتعلق بمشيئته وإرادته فيعطي الهداية من يشاء ويمنعها من يشاء. والأول أوفق ~~للمعتزلة والثاني للأشاعرة. ثم ذكر نتيجة المواعظ المذكورة قائلا فأنذرتكم ~~نارا تلظى يعني إذا عرفتم هذه البيانات الوافية والتقريرات الشافية فقد صح ~~أني أنذرتكم، ويجوز أن يراد بالمضي تحقق الوقوع. والمعنى على الاستقبال أي ~~إذا تقررت مراتب النفوس الإنسانية وعرفتم درجاتها ودركاتها فإني أنذرتكم ~~نارا تلظى تتلهب وتتوقد وأصله تتلظى حذف إحدى التاءين. # ثم إن كان المراد بالأشقى هو أبو سفيان أو أمية وبالأتقى هو أبو بكر فلا ~~إشكال وتتناول الآية غيرهما من الأشقياء والأتقياء بالتبعية إذ لا عبرة ~~بخصوص السبب، وإن كان المراد أعم فإن أريد بهم الشقي والتقي فلا إشكال ~~أيضا، وإن أريد حقيقة أفعل التفضيل فإما أن يراد نار مخصوصة بدلالة ~~التنكير، وإما أن يراد بالأشقى الكافر على الإطلاق لأنه أشقى من الفاسق. # وأما الكلام في الأتقى فنقول: إنه لا يلزم من تخصيصه بالذكر نفي ما عداه. ~~قال جار الله: # هذا الكلام وارد على سبيل المبالغة فجعل الأشقى مختصا بالصلي كأن النار ~~لم تخلق إلا له، وجعل الأتقى مختصا بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له. ~~وقوله يتزكى أي يطلب أن يكون عند الله زاكيا، أو هو من الزكاة لا محل له ~~لأنه بدل من يؤتي والصلة لا محل لها لأنها كبعض الكلمة، أو هو منصوب المحل ~~على الحال. قال بعض المفسرين: إن بلالا كان يعذب في الله وهو يقول أحد أحد، ~~فسمع بذلك أبو بكر فحمل رطلا من ذهب فابتاعه به فقال المشركون: ما فعل ذلك ~~أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده فنزل وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ~~ابتغاء قال أكثر النحويين: هذا الاستثناء منقطع لأن الابتغاء ليس من جنس ~~النعمة. وقال الفراء: وهو مفعول له من يؤتي على المعنى أي لا ينفق ماله إلا ~~ابتغاء رضوان الله لا لمكافأة ms4650 نعمة ولسوف يرضى عن الله أو يرضى الله عنه ~~فيكون راضيا مرضيا. واعلم أن بعض الشيعة زعموا أن السورة نزلت في علي رضي ~~الله عنه لقوله يتزكى لأنه قال في موضع آخر ويؤتون الزكاة وهم راكعون ~~[المائدة: 55] وقال بعض أهل السنة: إنها تدل على أفضلية أبي بكر لأنه قال ~~في وصف علي وسائر أهل البيت # PageV06P512 # رضي الله عنهم ويطعمون الطعام إلى قوله إنا نخاف [الدهر: 108] وذكر في ~~صفة أبي بكر أنه لا ينفق إلا لوجه الله من غير شائبة رغبة أو رهبة، وهذا ~~المقام أعلى وأجل. # وعندي أن أمثال هذه الدلائل لا تصلح لترجيح أكابر الصحابة بعضهم على بعض، ~~وأن نزول هذه السورة في الشخص الفلاني مبني على الرواية فلا سبيل للاستدلال ~~إليه، وإليه المرجع والمآب والله أعلم. # PageV06P513 ### | (سورة والضحى) # (وهي مكية حروفها مائة واثنان وسبعون كلمها أربعون آياتها إحدى عشرة) ### | [سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللآخرة خير لك ~~من الأولى (4) # ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ~~ووجدك عائلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) # وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) ### | القراآت: # سجى مثل دحاها [الآية: 30] في «النازعات» . ### | الوقوف: # والضحى ه لا سجى ه لا قلى ه لا الأولى ه لا فترضى ه ط فآوى ه ص فهدى ه ك ~~فأغنى ط فلا تقهر ه ط فلا تنهر ه ط فحدث ه. ### | التفسير: # الأكثرون على أن المراد بالضحى وقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس ~~ويظهر سلطانها. وقيل: هو النهار كله لإقرانه بالليل في القسم وهو ضعيف، لأن ~~معنى سجى سكن واستقر ظلامه، أو سكون الناس فيه فيكون الإسناد مجازيا. يقال: ~~سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وطرف ساج أي ساكن فاتر. ولا ريب أن سجو الليل ~~وقت استيلاء الظلام منه لا كله فهو بمنزلة الضحى من النهار. وهاهنا لطائف: ~~الأولى: قدم ذكر الليل في السورة المتقدمة وعكس هاهنا لانفراد كل ms4651 منهما ~~بفضيلة مخصوصة، فالليل للراحة والنهار لانتظام أمر المعاش فقدم هذا على ذلك ~~تارة وبالعكس أخرى لئلا يخلو شيء من النوعين عن فضيلة التقديم. وأيضا تلك ~~سورة أبي بكر وقد سبقه كفر يشبه الليل في الظلمة، وهذه سورة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولم يسبقه كفر طرفة عين ولا أقل من ذلك، فبدأ بالنهار الذي هو ~~يشابه الإيمان. فإن ذكرت الليل أولا وهو أبو بكر ثم صعدت وجدت بعده النهار ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وإن ذكرت الضحى أولا وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم ثم نزلت وجدت بعده الليل وهو أبو بكر من غير واسطة بينهما كما وقع في ~~نفس الأمر، وكما ثبت من قصة الغار. الثانية: ما الحكمة في # PageV06P514 # تخصيص القسم في أول هذه السورة بالضحى والليل؟ والجواب لأن ساعات النهار ~~كلما تنقص فإن ساعات الليل تزداد وبالعكس، فلا تلك الزيادة للهوى ولا ذاك ~~النقصان للقلى بل للحكمة، فكذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح فمرة ~~إنزال ومرة حبس لا عن الهوى ولا عن القلى. وأما السبب في الأقسام نفسه فلأن ~~الكفار لما ادعوا أن ربه ودعه وقلاه وقد ثبت أن البينة على المدعي واليمين ~~على من أنكر قال لهم: هاتوا الحجة فعجزوا فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه ~~وما قلاه. وفيه أن الليل والنهار لا يسلمان من الزيادة والنقصان فكيف تطمع ~~أن تسلم عن الخلق؟ وفيه أن الليل زمان الاستيحاش والنهار وقت الاجتماع ~~والمعاش فكأنه قال: استبشر فإن بعد الاستيحاش بسبب انقطاع الوحي يظهر ضحى ~~نزول الوحي. # وفيه أن الضحى لما كان وقت موعد موسى لمعارضة السحرة كما قال موعدكم يوم ~~الزينة وأن يحشر الناس ضحى [طه: 59] شرفه الله بأن أقسم به فعلم منه أن ~~فضيلة الإنسان لا تضيع ثمرتها. وفيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الذي قلب قلوب السحرة حتى سجدوا يقلب قلوب أعدائك حتى يسلموا. وفيه أن ~~الضحى وهو ساعة من النهار يوازي جميع الليل كما أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأمته ms4652 يوازي جميع الأنبياء وأممهم. وفيه أن النهار وقت السرور ~~والاجتماع والليل وقت الغموم والوحشة، ففي الاقتصار على ذكر الضحى إشارة ~~إلى أن غموم الدنيا أدوم من سرورها. # يروى أن الله تعالى حين خلق العرش أظلت غمامة سوداء عن يساره ونادت: ماذا ~~أمطر؟ فأجيبت أن أمطري الهموم والأحزان مائة سنة. ثم انكشف فأمرت مرة أخرى ~~بذلك وهكذا إلى تمام ثلاثمائة سنة، ثم بعد ذلك أظلت عن يمين العرش غمامة ~~بيضاء ونادت: ماذا أمطر؟ فأجيبت أن أمطري السرور ساعة # فلهذا السبب ترى الهموم دائمة والأفراح نادرة. وفي تقديم الضحى على الليل ~~إشارة إلى أن الحياة أولى للمؤمن من الموت إلى أن تحصل كمالاته الممكنة له. ~~وأيضا إنه ذكر الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه، ثم عقبه بالليل حتى لا ~~يحصل الأمن من مكره. الثالثة: لا استبعاد فيما يذكره الواعظ من تشبيه وجه ~~محمد صلى الله عليه وسلم بالضحى وشعره بالليل. ومنهم من قال: الضحى ذكور ~~أهل بيته، والليل إناثهم. أو الضحى رسالته، والليل زمان احتباس الوحي كما ~~مر. ويحتمل أن يقال: # الضحى نور علمه الذي به يعرف المستور من الغيوب والليل عفوه الذي به يستر ~~جميع العيوب. أو الضحى إقبال الإسلام بعد أن كان غريبا، والليل إشارة إلى ~~أنه سيعود غريبا. أو الضحى كمال العقل، والليل وقت السكون في القبر. أو ~~أراد أقسم بعلانيتك التي لا يرى عليها الخلق عيبا وبسرك الذي لا يعلم عليه ~~عالم الغيب عيبا. قال المفسرون: أبطأ جبريل عليه السلام عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم اثني عشر يوما عن ابن جريج، أو خمسة عشر عن الكلبي، أو # PageV06P515 # خمسة وعشرين يوما عن ابن عباس، أو أربعين عن السدي ومقاتل. والسبب فيه أن ~~اليهود سألوه عن ثلاث مسائل كما مر في «الكهف» فقال سأخبركم غدا ولم يقل ~~«إن شاء الله» أو لأن جروا للحسن والحسين كان في بيته أو لأنه كان فيهم من ~~لا يقلم الأظفار، فزعم المشركون أن ربه ودعه وقلاه. وروي أن أم جميل امرأة ~~أبي ms4653 لهب قالت له: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت السورة. ~~والتوديع مبالغة في الوداع لأن من ودعك فقد بالغ في تركك. والقلى البغض ~~وحذف المفعول من «قلاك» و «آواك» و «هداك» و «أغناك» للفاصلة مع دلالة ~~قرينة الحال أو المقال. والذي يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم شكا إلى ~~خديجة إن ربي ودعني وقلاني. إن ثبت فمحمول على أنه أراد امتحان خديجة ليعلم ~~بعد غورها في المعرفة والعلم كما # روي أنها قالت: والذي بعثك بالحق ما أهداك الله بهذه الكرامة إلا وهو ~~يريد أن يتمها لك. # ثم زاده تشريفا بقوله وللآخرة خير لك من الأولى يعني هذا التشريف وهو ~~إعلام أن ما ألقاه الحساد فيما بينهم من التوديع والقلى بهت محض وإن كان ~~تشريفا عظيما إلا أن الذي أعد لأجلك في الآخرة أشرف وأسنى. وعلى تقدير ~~انقطاع الوحي لا يجوز أن يكون ذلك للعزل عن النبوة فإنه غير جائز لكنه يدل ~~على قرب الوفاة المستتبعة للقرب من الله فلا يكون كما ظنه الأعداء. ويحتمل ~~أن يراد: وللأحوال الآتية خير لك من الماضية فيكون وعدا بإتمام نوره وإعلاء ~~أمره. وفي تخصيص الخطاب إشارة إلى أن في أمته من كانت الآخرة شر إليه إلا ~~أن الله ستره عليهم ونظر قول موسى إن معي ربي سيهدين [الصافات: 99] لأنه ~~كان في قومه من لم يكن لائقا بهذا المنصب، وحين لم يكن في الغار إلا نبي أو ~~صديق # قال نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] # يروى أن موسى خرج للاستسقاء ومعه الألوف ثلاثة أيام فلم يجدوا الإجابة ~~فسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك فقال: إن في قومك نماما فقال موسى: من ~~هو؟ فقال الله تعالى: إني أبغضه فكيف أعمل عمله؟ فما مضت مدة حتى نزل الوحي ~~بأن ذلك النمام قد مات وهذه جنازته في الموضع الفلاني فذهب موسى إلى ذلك ~~الموضع فإذا فيه سبعون من الجنائز # فهذا ستره على أعدائه فكيف على أوليائه. وهاهنا لطيفة ms4654 وهي أنه تعالى رد ~~ألوفا من المطيعين لمذنب واحد هاهنا يرحم ألوفا من المذنبين لمطيع واحد ~~ودليله قوله ولسوف يعطيك ربك فترضى فلعله حين بين أن الآخرة خير له عقبه ~~ببيان تلك الخيرية وهي رتبة الشفاعة. # يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم «إذن لا أرضى ~~وواحد من أمتي في النار» . «1» # وعن جعفر الصادق رضي الله PageV06P516 # عنه رضا جدي صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل النار موحد. # وقال ابن عباس: هو ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك وفيها ما يليق بها، ~~واللام في ولسوف خالصة للتأكيد دون الحال كأنه قيل: الموعود كائن لا محالة ~~وإن تأخر زمانه بحسب المصلحة. وقال جار الله: تقديره ولأنت سوف يعطيك لأن ~~اللام لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد وفيه نظر. ثم عدد بعض نهمه ~~التي أنعم بها عليه قبل إرساله وكأنه قال: ما تركناك وما قليناك قبل أن ~~اخترناك واصطفيناك فتظن أنا بعد الرسالة نهجرك ونخذلك. قال أهل الأخبار: إن ~~عبد الله بن المطلب توفي وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به، ثم ولد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مع جده عبد المطلب ومع أمه آمنة، فهلكت ~~وهو ابن ست سنين فكان مع جده، ثم هلك جده بعد سنتين فكفل أبو طالب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ابتعثه الله للرسالة فقام بنصرته مدة ~~مديدة، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته وذلك قوله «فآواك» أي جعل لك من تأوي ~~إليه وهو أبو طالب. وفي تفسير تأويل الضلال قولان: الأول أنه الضلال عن ~~الدين. فقال السدي والكلبي: كان على دين قومه أربعين سنة. الثاني وعليه ~~الجمهور أنه ما كفر بالله طرفة عين والمراد عن معالم الشريعة الحنيفية ~~كقوله ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [الشورى: 52] وقيل: ضل في صباه في ~~بعض شعاب مكة فأتى أبو جهل على ناقة ومحمد صلى الله عليه وسلم بين يديه وهو ~~يقول: لا تدري ms4655 ماذا نرى من ابنك. فقال عبد المطلب: ولم. قال: لأني أنخت ~~الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم فلما أركبته أمامي قامت الناقة ~~فكانت الناقة تقول: يا أحمق هو الإمام فكيف يكون خلف المقتدي؟ قال ابن ~~عباس: رده الله إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين رباه بيد عدوه. وقيل: ~~أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب حتى دخلت ~~هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام وسمعت صوتا إنما هلاكنا بيد هذا الصبي. # وروي مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم قال: ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا ~~صبي ضائع كاد الجوع يقتلني فهادني الله # يعني حديث أبي جهل المذكور. وقيل: ضالا أي مغمورا بين الكفار من ضل الماء ~~في اللبن. وقيل: مجاز في الإسناد والمعنى وجد قومك ضلالا فهداهم بك. وقيل: ~~كنت منفردا عن اختلاط أهل الضلال فهداك إلى الاختلاط بهم وإلى دعوتهم. قيل: ~~وعن الهجرة أو القبلة أو عن معرفة جبرائيل أول مرة، أو عن أمور الدنيا أو ~~عن طريق السموات فهداك ليلة المعراج. وقيل: الضلال المحبة لفي ضلالك القديم ~~فهداك إلى وجه الوصول إلى المحبوب والمراد بالسلوك. # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: # قال صلى الله عليه وسلم: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به ~~غير مرتين كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد. قلت ليلة لغلام من قريش كان ~~يرعى معي بأعلى مكة: لو حفظت لي # PageV06P517 # غنمتي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشبان. فلما أتيت أول دار من دور ~~مكة سمعت الدفوف والمزامير فقالوا: فلان تزوج بفلانة. فجلست أنظر إليهم ~~فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس. ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك. ~~فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس. ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى ~~أكرمني الله برسالته. # والعائل في الأصل كثير العيال ثم أطلق على الفقير وإن لم يكن له عيال لأن ~~الفقر من لوازم العول. أغناه ms4656 الله بتربية أبي طالب أولا، ولما اختلت أحوال ~~أبي طالب أغناه بمال خديجة. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهو مغموم فقالت له: ما لك؟ ~~فقال: الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفد مالك فأستحيي منك، وإن أنا ~~لم أبذل أخاف الله. فدعت قريشا وفيهم الصديق. قال الصديق: فأخرجت دنانير ~~حتى وصبتها أبلغت مبلغا لم يقع بصري على من كان جالسا قدامي ثم قالت: ~~اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه وإن شاء أمسكه. # وأما في زمان الرسالة فأغناه لمال أبي بكر ثم أمره بالهجرة وأعانه بإعانة ~~الأنصار حسبك الله ومن أتبعك من المؤمنين. ثم أغناه بما أفاء عليه من ~~الغنائم. # قال صلى الله عليه وسلم «جعل رزقي تحت ظل رمحي» # وبعض هذه الأمور وإن كان بعد نزول السورة إلا أن معلوم الله كالواقع ~~فيكون من قبيل الإخبار بالغيب وقد وقع فيكون معجزا. وقيل: الغنى هو القناعة ~~وغنى القلب كان صلى الله عليه وسلم يستوي عنده الحجر والذهب. قال أهل ~~التحقيق: الحكمة في يتم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف قدر الأيتام ~~فيقوم بأمرهم. وأن يكرم اليتيم المشارك له في الاسم كما # قال صلى الله عليه وسلم «إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه وسعوا له في ~~المجلس» # وفيه أنه لا يعتمد من أول عمره إلى آخره على أحد سوى الله فيحصل له فضيلة ~~التوكل كما # قال جده إبراهيم «حسبي من سؤالي علمه بحالي» # . وفيه أن اليتم منقصة ومذلة فإذا صار أكرم الخلق كان من جنس المعجزات. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال: سألت ربي مسألة لوددت أني لم أسألها ~~قلت: اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال، ~~وأعطيت سليمان كذا وكذا. يقال: ألم أجدك يتيما فآويتك، ألم أجدك ضالا ~~فهديتك، ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى. قال» ألم نشرح لك صدرك [الشرح: ~~1] إلى آخره؟ قلت: بلى. # أقول: إن صح إسناد هذا الحديث وجب حمله على الشكاية مع الله أو إلى الله ms4657 ~~لا من الله، فإن الأول قد يتفق للعارفين في مقام الانبساط والقبض دون ~~الثاني. وحين أذكره الله تعالى نعمه حتى لا ينسى نفسه أوصاه بأن يتعامل مع ~~الخلق مثل معاملة الله معه فقال فأما اليتيم فلا تقهر أي فلا تغلبه على ~~ماله وحقه لضعف حاله. وانتصب اليتيم بالفعل بعده. والفاء لتلازم ما بعدها ~~لما قبلها. وقرئ «فلا تكهر» أي فلا تعبس في وجهه. # يروى أنها نزلت حين صاح النبي صلى الله عليه وسلم على ولد # PageV06P518 # خديجة. # وإذا كان هذا العتاب لمجرد الصياح أو العبوس فكيف إذا آذاه أو أكل ماله. # عن أنس مرفوعا «إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن فيقول الله ~~تعالى: من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والده في التراب؟ من أسكته فله ~~الجنة» # ويروى أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا فجاءه عثمان بعذق من تمر فوضعه ~~بين يديه فأراد أن يأكل فوقف سائل بالباب فقال: يرحم الله عبدا يرحمنا. ~~فأمر بدفعه إلى السائل فكره عثمان ذلك وأراد أن يأكله النبي صلى الله عليه ~~وسلم فخرج واشتراه من السائل، ثم رجع السائل ففعل ذلك ثلاث مرات إلى أن قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أسائل أنت أم بائع؟ فنزل وأما السائل فلا تنهر # أي فلا تزجر. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا رددت السائل فلم يرجع فلا عليك أن ~~تزجره» # قال العلماء: أما إنه ليس بالسائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا ~~تنهره. ثم أمره بأن يحدث الناس بما أنعم به عليه من الإيواء والهداية ~~والإغناء وغيره. وأعلم أنه تعالى نهاه عن شيئين وأمره بواحد، نهاه عن قهر ~~اليتيم جزاء لما أنعم به عليه في قوله ألم يجدك يتيما فآوى ونهاه عن نهر ~~السائل في مقابلة قوله ووجدك عائلا فأغنى وأمره بتحديث نعمه ربه وهو في ~~مقابلة قوله ووجدك ضالا فهدى فالأنسب أن يكون المراد به التبليغ وأداء ~~الرسالة وتكميل الناقصين بالدعاء إلى الدين كما قال مجاهد. ولقد روعي في ~~الترتيب نكتة لطيفة فقدم ms4658 في معرض المنة النعمة الدينية وهي الهداية على ~~النعمة الدنيوية وهي الإغناء وأما في معرض الإرشاد فقدم الإشفاق على الخلق، ~~وأخر التحديث ليكون أدخل في الاستمالة وأجلب للدواعي فإنه ما لم ينتظم أمر ~~المعاش لم تفرغ الخواطر لقبول التكاليف والتزام أمر المعاد. قال المحققون: ~~التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقا بل مندوب إليه إذا كان الغرض أن يقتدي ~~غيره به أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب ~~فالستر أفضل. قالوا: إنما أخر التحديث تقديما لحظ الخلق على حظ نفسه لأنه ~~غني وهم المحتاجون ولهذا رضي نفسه بالقول فقط، ولأن الاستغراق في بحر الشكر ~~ومعرفة المنعم غاية الغايات ونهاية الطاعات. # تنبيه: روي عن البزي أنه قال: قرأت على عكرمة بن سليمان قال: قرأت على ~~إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت والضحى قال: كبر حتى تختم مع ~~خاتمة كل سورة فإني قرأت على عبد الله بن كثير فأمرني بذلك، وأخبرني ابن ~~كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على عبد الله بن ~~عباس تسع عشرة ختمة فأمره بذلك في كلها، وأخبر ابن عباس أنه قرأ على أبي بن ~~كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأمره بذلك. وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سنة في خاتمة والضحى إلى آخر ~~القرآن. وهكذا روي عن قنبل. والسبب فيه أنه حين انقطع الوحي على ما سبق # PageV06P519 # ذكره وأنزلت السورة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر تصديقا لما أتى به وتكذيبا ~~للكفار. # قال العلماء: لا نقول إنه لا بد لمن ختم أن يفعله ولكنه من فعل فقد أحسن ~~ومن ترك فلا حرج. # واختلفوا في لفظ التكبير وكان بعضهم بقول: الله أكبر لا غير. وآخرون ~~يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر فيهللون قبل التكبير. وأما كيفية ~~الأداء فاعلم أن القارئ إذا وصل التكبير بآخر السورة فإن كان آخرها ساكنا ~~كسره لالتقاء الساكنين فإن همزة ms4659 الوصل من أول اسم الله تسقط في الدرج وذلك ~~ثلاثة مواضع فحدث الله أكبر فارغب # [الشرح: 8] الله أكبر واقترب [العلق: 19] الله أكبر. وإن كان منونا كسره ~~أيضا سواء كان المنون مفتوحا أو لا وهو توابا [النصر: 3] الله أكبر أو ~~مضموما وهو ثلاثة لخبير [العاديات: 11] الله أكبر حامية [القارعة: 11] الله ~~أكبر وأحد الله أكبر ومكسورا وهو أربعة ممددة [الهمزة: 9] الله أكبر ومأكول ~~[الفيل: 5] الله أكبر وخوف [قريش: 4] الله أكبر ومسد [المسد: 5] الله أكبر. ~~وإن كان آخر السورة متحركا غير منون تبقى الحركة بحالها فالمفتوح ثلاثة ~~الحاكمين [التين: 8] الله أكبر والماعون [الماعون: 7] الله أكبر وحسد ~~[الفلق: 5] الله أكبر والمضموم ثلاثة ربه [البينة: 8] الله أكبر ويره ~~[الزلزلة: 8] الله أكبر والأبتر [الكوثر: 3] الله أكبر والمكسور خمسة مطلع ~~الفجر [الفجر: 5] الله أكبر وعن النعيم [التكاثر: 8] الله أكبر وبالصبر ~~[العصر: 3] الله أكبر ولي دين [الكافرون: 6] الله أكبر والناس [الناس: 6] ~~الله أكبر والله أعلم. # PageV06P520 ### | (سورة ألم نشرح) # (مكية حروفها مائة وثلاثة كلمها تسع وعشرون آيها ثمان) ### | [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ~~ذكرك (4) # فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ~~ربك فارغب (8) ### | الوقوف # صدرك ه لا وزرك ه لا ظهرك ه لا ذكرك ه ط يسرا ه ط فانصب ه لا فارغب ه ### | التفسير: # روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هذه السورة وسورة ~~الضحى سورة واحدة فكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة من غير فصل بالبسملة. ~~والذي دعاهما إلى ذلك ما رأيا من المناسبة في معرض تعديد النعم بين قوله ~~ألم يجدك يتيما [الضحى: 6] وبين قوله ألم نشرح وفيه ضعف، لأن القرآن كله في ~~حكم وكلام واحد فلو كان هذا القدر يوجب طرح البسملة من البين لزم ذلك في كل ~~السور أو في أكثرها، على أن الاستفهام الأول وارد بصيغة الغيبة، والثاني ~~بصيغة التكلم، وهذا مما يوجب المباينة لا المناسبة. قال جار الله: استفهم ms4660 ~~عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار فأفاد إثبات الشرح وإيجابه فكأنه قيل: ~~شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه وضعنا اعتبارا للمعنى. قلت: # اعتبار المعنى من جانب وضعنا أصوب وأنسب ليكون الكل داخلا في الاستفهام ~~الإنكاري كأنه قيل: ألم نشرح ولم نضع ولم نرفع ومثله ما مر في والضحى ألم ~~يجدك يتيما أو لم يجدك ضالا. ونقول: معنى ألم نشرح أما شرحنا فيصح العطف ~~عليه بهذا الاعتبار ليشمل الاستفهام مجموع الأفعال وهكذا في «والضحى» . ~~وفائدة العدول من المتكلم الواحد إلى الجمع إما تعظيم حال الشرح وإما ~~الإعلام بتوسط الملك في ذلك الفعل كما # روي أن جبرائيل أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ~~ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره. # وطعن القاضي فيه من جهة أن هذه الواقعة من قبيل الإعجاز فكيف # PageV06P521 # يمكن تصديقها قبل النبوة؟ ومن جهة أن الأمور المحسوسة لا يقاس بها الأمور ~~المعنوية. # وأجيب عن الأول بأن الإرهاص جائز عندنا، وعن الثاني بأنه يفعل ما يشاء، ~~ولا يبعد أنه تعالى جعل ذلك الغسل والتنقية علامة تعرف الملائكة بها عصمته ~~عن الخطايا. والأكثرون على أن الشرح أمر معنوي وهو إما نقيض ضيق العطن بحيث ~~لا يتأذى من كل مكروه وإيحاش يلحقه من كفار قومه فيتسع لأعباء الرسالة كلها ~~ولا يتضجر من علائق الدنيا بأسرها، وإما خلاف الضلال والعمه حتى لا يرى إلا ~~الحق ولا ينطق إلا بالحق ولا يفعل إلا للحق. قال المحققون: ليس للشيطان إلى ~~القلب سبيل ولهذا لم يقل «ألم نشرح قلبك» وإنما يجيء الشيطان إلى الصدر ~~الذي هو حصن القلب فيبث فيه هموم الدنيا والحرص على الزخارف فيضيق القلب ~~حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإيمان حلاوة ولا على الإسلام طلاوة، فإذا ~~طرد العدو بذكر الله والإعراض عما لا يعينه حصل الأمن وانشرح الصدر وتيسر ~~له القيام بأداء العبودية. وفوائد إقحام لك دون أن يقتصر على قوله ألم نشرح ~~لك صدرك ما مر في قوله رب اشرح لي صدري [طه: 25] من الإجمال ثم التفصيل، ms4661 ~~ومن إرادة الاختصاص أو كونه أهم. قال أهل المعاني ومنهم جار الله: الوزر ~~الذي أنقض ظهره أي أثقله مثل لما صدر عنه من بعض الصغائر قبل النبوة ولما ~~جهله من الأحكام والشرائع، أو لما كان تهالك عليه من إسلام أولي العناد ~~فيغتم بسبب ذلك، ووضعه عنه أن غفر له أو أنزل عليه الكتاب. # أو قيل له: إن عليك إلا البلاغ لست عليهم بمصيطر. والأصل في الإنقاض أن ~~الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض أي صوت خفي كصوت المحامل والرحال وكل ما ~~فيه انتقاض وانفكاك. وقيل: المراد بالوزر أعباء الرسالة وبوضعه تسهيل الله ~~تعالى ذلك عليه ومن جملتها أنه كان يفزع في الأوائل حتى كاد يرمي بنفسه من ~~الجبل فقوي وألف بالوحي حتى كاد يرمي بنفسه إذا فتر الوحي أو تأخر. وقيل: ~~المراد إزالة الحيرة التي كانت له قبل البعث، كان يريد أن يعبد ربه وما ~~كانت نفسه تسكن إلى الشرائع المتقدمة لوقوع التحريف فيها. ورفع ذكره أن قرن ~~اسمه باسم الله في الشهادة والأذان والتشهد والخطب. وجاء ذكره في القرآن ~~مقرونا بذكر الله في غير موضع، وعلى سبيل التعظيم مثل النبي والرسول. ومن ~~رفع الذكر أن جاء انعته في الكتب السماوية كلها وأخذ على أمم الأنبياء كلهم ~~أن يؤمنوا به. # ثم إنهم كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر فقيل له: لا ~~يحزنك قولهم فإن مع العسر يسرا أي بعد العسر الذي أنتم فيه يسر وأي يسر جعل ~~الزمان القريب كالمتصل والمقارن زيادة في التسلية وقوة الرجاء. # روى مقاتل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: ~~لن يغلب عسر يسرين. # فقال الفراء والزجاج: العسر مذكور بالألف واللام وليس هناك معهود # PageV06P522 # سابق فينصرف إلى الحقيقة فيكون المراد بالعسر في الموضعين شيئا واحدا، ~~وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير فكان أحدهما غير الآخر وزيفه ~~الجرجاني بأنه من المعلوم أن القائل إذا قال: إن مع الفارس سيفا إن مع ~~الفارس سيفا. لم يلزم ms4662 منه أن يكون هناك فارس واحد معه سيفان. وأقول: إذا ~~كان المراد بالعسر الجنس لا العهد لزم اتحاد العسر في الصورتين. # وأما اليسر فمنكر فإن حمل الكلام الثاني على التكرار مثل فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان [الرحمن: 13] ونحوه كان اليسران واحدا. وإن حمل على أنه جملة ~~مستأنفة لزم أن يكون اليسر الثاني غير الأول وإلا كان تكرارا والمفروض ~~خلافه. وإن كان المراد العسر المعهود فإن كان المعهود واحدا وكان الثاني ~~تكرارا كان اليسران أيضا واحدا، وإن كان مستأنفا كانا اثنين وإلا لزم خلاف ~~المفروض، وإن كان المعهود اثنين فالظاهر اختلاف اليسرين وإلا لزم أو حسن أن ~~يعاد اليسر الثاني معرفا بلام العهد فهو واحد والكلام الثاني تكرير للأول ~~لتقريره في النفوس إلا أنه يحسن أن يجعل اليسر فيه مغايرا للأول لعدم لام ~~العهد. ولعل هذا معنى الحديث إن ثبت والله أعلم ورسوله. وإذا عرفت هذه ~~الاحتمالات فإن لم يثبت صحة الحديث أمكن حمل الآية على جميعها، وإن ثبت ~~صحته وجب حملها على وجه يلزم منه اتحاد العسر واختلاف اليسر. وحينئذ يكون ~~فيه قوة الرجاء ومزيد الاستظهار برحمة الكريم. # وأما اليسران على تقدير اختلافهما فقيل: يسر الدنيا ويسر الآخرة أي إن مع ~~العسر الذي أنتم فيه يسر العاجل إن مع العسر الذي أنتم فيه يسر الآجل. ~~وقيل: ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في ~~أيام الخلفاء الراشدين، والأظهر الجنس ليكون وعدا عاما لجميع المكلفين في ~~كل عصر. وحين عدد عليه النعم السابقة ووعده النعم اللاحقة من اليسر والظفر ~~رتب عليه فإذا فرغت فانصب قال قتادة والضحاك ومقاتل: إذا فرغت من الصلاة ~~المكتوبة فانصب أي اتعب للدعاء وأرغب إلى ربك في إنجاز المأمول لا إلى غير ~~يعطك خير الدارين. # وعن الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وعن مجاهد: إذا فرغت ~~من أمور دنياك لما وعدناك من اليسر والظفر فانصب للعبادة والدعوة. وعن شريح ~~أنه مر برجلين يتصارعان فقال: ما بهذا أمر الفارغ وقعود ms4663 الرجل فارغا من غير ~~شغل قريب من العبث والاشتغال بما لا يعني، فعلى العاقل أن لا يضيع أوقاته ~~في الكسل والدعة ويقبل بجميع قواه على تحصيل ما ينفعه في الدارين والله ~~تعالى عالم بحقائقه. # PageV06P523 ### | (سورة التين) # (وهي مكية حروفها مائة وثلاثة كلمها تسع وعشرون آيها ثمان) ### | [سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم (4) # ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ~~ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) ### | الوقوف: # والزيتون ه لا سينين ه لا الأمين ه لا تقويم ه ز للعطف سافلين ه ط بناء ~~على أن المراد بالرد هو الخذلان إلى الكفر، ولو حمل إلى الرد إلى أرذل ~~العمر لأن الاستثناء منقطع جاز الوقف عند قوم ممنون ه ط بالدين ه ط ~~الحاكمين ه. ### | التفسير: # إن التين والزيتون كيف أقسم الله بهما من بين سائر المخلوقات الشريفة؟ # للمفسرين فيه قولان: فعن ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذان من خواص التين ~~أنه غذاء فاكهة ودواء لأنه طعام لطيف سريع الهضم ما بين الطبع، ويخرج بطريق ~~الرشح ويقلل البلغم ويطهر الكليتين ويزيل ما في المثانة من الرمل ويسمن ~~البدن ويفتح مسام الكبد والطحال. # وروي أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال ~~لأصحابه: «كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه لأن فاكهة الجنة ~~بلا عجم فكلوه فإنه يقطع البواسير وينفع من النقرس.» # وعن علي بن موسى الرضا رضي الله عنه: التين يزيل نكهة الفم ويطول الشعر ~~وهو أمان من الفالج. # ومن خواصه أن ظاهره كباطنه ماله قشر ولا نواة له وأنها شجرة تظهر المعنى ~~قبل الدعوى تأتي بالثمرة ثم بالنور خلاف المشمس واللوز ونحوهما، وسائر ~~الأشجار كأرباب المعاملات # في قوله صلى الله عليه وسلم «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» «1» PageV06P524 # لأنها تلبس نفسها أولا بورد أو ورق ثم تظهر ثمرتها، وشجرة ms4664 التين كالمصطفى ~~صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بغير ثم يبدأ بنفسه كما قال ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9] وإنها تعود ثمرتها في العام مرة أخرى، ~~وإنها في المنام رجل خير وغنى فمن رآها نال خيرا وسعة، ومن أكلها رزقه الله ~~أولادا. # ويروى أن آدم عليه السلام تستر بورقها حين نزع عنه ثيابه فلما نزل وكان ~~مستورا بورق التين استوحش فطاف الظباء حوله فاستأنس بها فأطعمها بعض ورق ~~التين فرزقها الله الجمال والملاحة صورة، والمسك وطيبه معنى، وحين تفرقت ~~الظباء ورأى غيرهن منها ما أعجبها جاءت من الغد على أثرهن فأطعمها من الورق ~~فغير الله حالها إلى الجمال والملاحة دون طيب المسك، # وذلك أن الطائفة الأولى جاءت إلى آدم لا لأجل الطمع، والطائفة الثانية ~~جاءت للطمع سرا وإلى آدم ظاهرا، فلا جرم غير ظاهرها دون باطنها. وأما ~~الزيتون فإنه من الشجرة المباركة وهو فاكهة من وجه ودواء من وجه كما تقدم ~~وصفه في سورة النور. قال مريض لابن سيرين: رأيت في المنام كأنه قيل لي كل ~~اللاءين تشفى فقال: كل الزيتون فإنه لا شرقية ولا غربية. وقيل: من أخذ ورق ~~الزيتون في النوم استمسك بالعروة الوثقى. فهذه المصالح والمنافع هي التي ~~جوزت الإقسام بهما. القول الثاني: إنه ليس المراد بهما هذه الثمرة ثم ~~اختلفوا. فعن ابن عباس في رواية: هما جبلان في الأرض المقدسة يقال لهما طور ~~تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. وهما منشأ عيسى ومبعثه ومبعث ~~أكثر أنبياء بني إسرائيل، كما أن طور سينين مبعث موسى، والبلد الأمين مبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد: # التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس. وقيل: التين مسجد الكهف، ~~والزيتون مسجد إيليا. وعن ابن عباس أيضا: التين مسجد نوح على الجودي، ~~والزيتون مسجد بيت المقدس، وعن كعب: أن التين دمشق، والزيتون بيت المقدس. ~~وعن شهر بن حوشب: التين الكوفة والزيتون الشام. وعن الربيع: هما جبلان من ~~بين همذان وحلوان، وأما طور سينين فالطور جبل موسى ms4665 عليه السلام وسينين ~~الحسن بلغة الحبشة. وقال مجاهد: المبارك. وقال الكلبي ومقاتل: كل جبل فيه ~~شجر مثمر فهو سينين وسينا بلغة النبط. قال الواحدي: الأولى أن يكون سينين ~~اسما للمكان الذي فيه الطور سمي بذلك لحسنه أو لبركته، ثم أضيف إليه الطور ~~للبيان. # لإضافته إليه وسميت مكة أمينا لأنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين وما ~~يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون «فعيلا» بمعنى «مفعولا» لأنه مأمون الغوائل كما ~~جعله آمنا لكونه ذا أمن أقول: # من المعلوم أن الإقسام ينبغي في باب البلاغة أن يكون مناسبا وكذا القسم ~~والمقسم عليه، وكان الله سبحانه أقسم بالمراتب الأربع التي للنفس الإنسانية ~~من العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد إن ~~الإنسان خلق في أحسن تقويم وهو كونه مستعدا # PageV06P525 # للوصول إلى المرتبة الرابعة في العلم والعمل، ثم إذا لم يجتهد في الوصول ~~إلى كماله اللائق به فكأنه رد إلى أسفل سافلين الطبيعة، وإنما عبر عن العقل ~~الهيولاني بالتين لضعف شجرته، ولأنه زمان الصبا واللهو والالتذاذ والاشتغال ~~بالأمور التي لا طائل تحتها ولا درك فيها بخلاف زمان العقل بالملكة لقوة ~~المعقولات فيها لكونه بحيث يطلب للأشياء حقائق ومعاني، وهي بمنزلة الزيت، ~~وفي زمان العقل بالفعل يكون قد ازدادت المعاني رسوخا حتى صارت كالجبل ~~المبارك، وفي آخر المراتب اجتمعت عنده صور الحقائق دفعة بمنزلة المدينة ~~الفاضلة، ولعلنا قد كتبنا في هذا المعنى رسالة مفردة فلنقتصر في التفسير ~~على هذا القدر من التأويل. ثم إن أكثر المفسرين قالوا: معنى في أحسن تقويم ~~في أحسن تعديل شكلا وانتصابا. وقال الأصم: في أكمل عقل وفهم وبيان. # والأولون قالوا: لو حلف إنسان أن زوجته أحسن من القمر لم يحنث لأنه تعالى ~~أعلم بخلقه لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وكان بعض الصالحين يقول: إلهنا ~~أعطيتنا في الأول أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الخصال وهو العفو عن ~~الذنوب والتجاوز عن العيوب. ومعنى أسفل سافلين قال ابن عباس: أرذل العمر ~~ومثله قول ابن قتيبة: # السافلون هم الضعفاء والزمنى ومن لا ms4666 يستطيع حيلة ولا يجد سبيلا. قال ~~الفراء: لو قيل «أسفل سافل» حملا على لفظ الإنسان كان صوابا أيضا. وقال ~~مجاهد والحسن: هو النار ومثله ما # قال علي رضي الله عنه: أبواب جهنم بعضها أسفل من بعض ويبدأ بالأسفل ~~فيملأ. # وعلى هذا القول تقدير الكلام رددناه إلى أسفل سافلين أي في أسفل سافلين ~~إلا الذين الآية. أي الذين استكملوا بحسب القوتين النظرية والعلمية فلهم ~~ثواب دائم غير منقطع. إما بسبب صبرهم على ما ابتلوا به من الشيخوخة والهرم ~~والمواظبة على الطاعات بقدر الإمكان مع ضعف البنية وفتور الآلات. أو بواسطة ~~حصول الكمالات لهم. فهذا الاستثناء على القول الأول منقطع بمعنى لكن. وعلى ~~الثاني متصل. ولا يبعد أن يكون أيضا متصلا والمعنى. إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في حال الاستطاعة فلهم ثواب جزيل في حالة الشيخوخة والضعف وإن لم ~~يقدروا على مثل تلك الأعمال. فكأنهم لم يردوا إلى أسفل من سفل. ثم خاطب ~~الإنسان بقوله فما يكذبك بعد بالدين يعني فأي شيء يلجئك بعد هذه البيانات ~~إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء، لأن كل مكذب بالحق فهو كاذب، ولا ريب ~~أن خلق الإنسان من نطفة إلى أن يصير كاملا في الخلق والخلق، ثم تنكيسه إلى ~~حال تخاذل القوى وتقويس الظهر وابيضاض الشعر وتناثره أوضح دليل على قدرة ~~الصانع وحده، ومن قدر على هذا كله لم يعجز عن إعادة مخلوقه بعد تفرق ~~أجزائه. هذا بالنظر إلى القدرة، وأما # PageV06P526 # بالنظر إلى الحكمة والعدالة فإيصال الجزاء إلى المحسن والمسيء والفرق بين ~~الصنفين واجب. وأشار إلى هذا الدليل بقوله أليس الله بأحكم الحاكمين فأمر ~~المعاد بالنظر إلى القدرة ممكن الوقوع وبالنظر إلى الحكمة والعدل واجب ~~الوقوع. وقال الفراء: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى: فمن يكذبك ~~بالجزاء أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل؟ قالت المعتزلة: # قوله في أحسن تقويم دليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يفعل أفعال ~~العباد في ما فيها من السفه والظلم، ولو خلق ذلك لكان هو أولى بأن يدعى ms4667 ~~سفيها وظالما. وأجيب بأن خلق السفه لا يلزم منه الاتصاف بالسفه كما أن ~~إيجاد الحركة لا يلزم منه الاتصاف بالحركة. ويمكن أن يقال: نحن لا ندعي ~~لزوم الاتصاف به ولكن ندعي أن خلق السفه نفسه نوع سفه. والجواب الصحيح بعد ~~المعارضة بالعلم والداعي أن يعارض بقوله ثم رددناه فإنه دليل على أنه أضاف ~~الشيء إلى ذاته. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأ السورة قال: بلى وأنا ~~بذلك من الشاهدين. # PageV06P527 ### | (سورة العلق) # (مكية حروفها مائتان وثمانون كلمها اثنتان وسبعون آياتها تسع عشرة) ### | [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19] # بسم الله الرحمن الرحيم # اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) ~~الذي علم بالقلم (4) # علم الإنسان ما لم يعلم (5) كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى (7) ~~إن إلى ربك الرجعى (8) أرأيت الذي ينهى (9) # عبدا إذا صلى (10) أرأيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) ~~أرأيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله يرى (14) # كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة (16) فليدع ~~ناديه (17) سندع الزبانية (18) كلا لا تطعه واسجد واقترب (19) ### | القراآت: # اقرأ بالألف: الأوقية والأعشى وحمزة في الوقف رآه ممالة مكسورة الراء: ~~حمزة وعلي وخلف ويحيى وعباس والخزاز وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والنقاش ~~عن ابن ذكوان. وقرأ أبو عمرو غير عباس والنجاري عن ورش بفتح الراء وكسر ~~الهمزة. # روى ابن مجاهد وأبو عون غير قنبل مفتوحة الراء مقصورة على وزن «رعه» . ### | الوقوف: # الذي خلق ه ج لاتباع صلة بلا عطف فإن الجملة الثانية مفسرة للأولى ~~المبهمة، ولو جعل المعنى الذي خلق كل شيء ثم خص خلق الإنسان ازداد الوقف ~~حسنا علق ه ج لأن اقرأ يصلح مستأنفا وتكرارا للأول الأكرم ه لا بالقلم ه لا ~~يعلم ه لا ليطغى ه لا استغنى ه ط الرجعى # ه ط ينهى ه لا صلى ه ط الهدى ه لا بالتقوى ه ط وتولى ه ط يرى ه لا خاطئة ~~ه لا ناديه ه لا ms4668 الزبانية ه لا كلا ط على الردع واقترب ه. ### | التفسير: # وقد مر في أوائل الكتاب أن أكثر المفسرين زعموا أن هذه السورة أول ما نزل ~~من السماء. وفي الباء وجهان: الأول إنها زائدة وزيف بأنه خلاف الأصل وبأن ~~معناه حينئذ: # اذكر اسم ربك فلا يحسن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ما أنا ~~بقارئ كما جاء في الحديث، وبأنه كتحصيل الحاصل لأنه لم يكن له شغل سوى ذكر ~~الله. والثاني وهو الأصح أنه نصب على # PageV06P528 # الحال أي اقرأ القرآن مفتتحا أو متلبسا باسم ربك وهو لغو. والباء للآلة ~~وقد مر وجهه في تفسير البسملة. وكذا وجه من جعله متعلقا ب اقرأ الثانية أي ~~استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك. وقيل: هي بمعنى ~~اللام أي اجعل هذا الفعل واقعا لله كقولك «بنيت الدار باسم الأمير» . ~~«وصنفت الكتاب باسم الوزير» . فالعبادة صارت لله تعالى لم يكن للشيطان فيها ~~نصيب. وفي تخصيص الرب بالذكر في هذا الموضع معنيان: أحدهما ربيتك فلزمك ~~القضاء والشكر فلا تتكاسل. والثاني أن الشروع ملزم للإتمام وقد ربيتك منذ ~~كذا فكيف أضيعك بعد هذا فلا تفزع. ثم دل على كونه ربا بقوله الذي خلق أطلق ~~الخلق أولا ليتناول كل المخلوقات، ثم خص الإنسان بالذكر لشرفه أو لعجيب ~~فطرته، أو لأن سوق الآية لأجله. ويجوز أن يكون الأول متروك المفعول إشارة ~~إلى أنه لا خالق سواه ولا يتصف بهذا الاسم غيره، وحينئذ يستدل به على إبطال ~~مذهب المعتزلة في أن العبد خالق أفعال نفسه. قال أهل العلم: إن الحكيم إذا ~~أراد أمر استعمل فيه التدريج كما يحكى أن زفر حين بعثه أبو حنيفة إلى ~~البصرة لتقرير مذهبه لم يلتفتوا إلى قوله وأبوا عن قبوله، فرجع إلى أبي ~~حنيفة وأخبره بذلك فقال: إنك لم تعرف طريق التبليغ لكن ارجع إليهم واذكر في ~~المسألة أقاويل المتهم ثم بين ضعفها ثم قل بعد ذلك هاهنا قول آخر واذكر ~~قولي وحجتي، فإذا تمكن ذلك في قلبهم قل ms4669 هذا قول أبي حنيفة فإنهم يقبلونه ~~حينئذ. والمقصود من الحكاية أن الله تعالى كان يقول لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم هؤلاء عبدة الأوثان والفطام من المألوف شديد، فلو خالفتهم أول مرة ~~وصرحت عن محض الحق أبوا أن يقبلوه فاذكر لهم أولا أنهم المخلوقون من العلقة ~~فلا يمكنهم الإنكار، ثم قل ولا بد للفعل من فاعل فلا يمكنهم أن يضيفوا ذلك ~~إلى الوثن لعلمهم بأنهم نحتوه، فإذا تأملوا أنصفوا أن من لم يخلق لم يكن ~~إلها، والعلق جمع العلقة وإنما لم يقل علقة لأن الإنسان في معنى الجمع وفي ~~تكرار اقرأ وجوه: اقرأ لنفسك ثم اقرأ للتبليغ، أو اقرأ في خارج صلاتك، أو ~~الأول للتعلم والثاني للتعليم وهذا قريب من الأول. # والأوجه أن يراد بالأول أوجد القراءة ويكون قوله باسم ربك متعلقا ب اقرأ ~~الثاني كما مر في تفسير البسملة، قلت: ويمكن أن يكون الأول إشارة إلى كونه ~~قارئا بالقوة ولهذا رتب عليه خلق الإنسان من علق، والثاني إشارة إلى كونه ~~قارئا بالفعل ولهذا وصف نفسه بالأكرمية ورتب عليه تعليم الخط والعلم. ~~وفضائل الخط كثيرة حتى مدح بالرسائل والأشعار وكفاك في مدحه أنه تعالى حين ~~عدد على الإنسان نعمة الخلق والتسوية وتعديل الأعضاء الظاهرة والباطنة وصف ~~نفسه بالكرم قائلا ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك [الانفطار: 6] ~~وحيث من عليه بالخط والتعليم مدح ذاته بالأكرمية فقال متعرضا # PageV06P529 # وربك الأكرم الذي علم بالقلم أي علم الإنسان بواسطة القلم أو علمه ~~الكتابة بالقلم. # يروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتا عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. ~~قال: فما قيده؟ # قال: الكتابة فإن القلم صياد يصيد العلوم يبكي تارة ويضحك بركوعه يسجد ~~الأنام وبحركته تبقى العلوم على ممر الليالي والأيام، # وقوله علم الإنسان ما لم يعلم يجوز أن يكون بيانا للأول أي علمه بالقلم ~~كقول القائل «أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات.» # ويحتمل أن يراد علم بالقلم وعلمه أيضا غير ذلك. وفي الآية إشارة إلى ~~إثبات العلوم السمعية الموقوفة على النقل والكتابة بل ms4670 إلى إثبات النبوة كما ~~أن أول السورة يدل على الأوصاف الإلهية. قوله سبحانه كلا ذكر بعض العلماء ~~أنه بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يتوجه إليه الردع. وقال صاحب ~~الكشاف: إنه ردع لمن كفر بنعمة الله عليه وطغى وهذا معلوم من سياق الكلام ~~وإن لم يذكر. وقال مقاتل: كلا لا يعلم الإنسان أنه خلق من علقة وصار عالما ~~بعد أن كان جاهلا وذلك لاستغراقه في حب المال والجاه فلا يتأمل في هذه ~~الأحوال. ومعنى أن رآه لأن رأى نفسه فحذف حرف الجر على القياس، وحذف النفس ~~لخاصية فعل القلب وهي جواز الجمع بين ضميري الفاعل والمفعول فيه. وأكثر ~~المفسرين على أن المراد بالإنسان هاهنا إنسان واحد هو أبو جهل. ومنهم من ~~يقول: خمس آيات من أول هذه السورة نزلت أولا ثم نزل باقيها في أبي جهل بعد ~~ذلك بزمان فضم إليها. # وقيل: نزلت فيه من قوله أرأيت الذي ينهى إلى آخر السورة والإنسان عام فإن ~~قيل: لم قال في حق فرعون إنه طغى [النازعات: 17] وفي حق أبي جهل ليطغى ~~قلنا: إنما أخبر بذلك عن فرعون قبل أن يلقاه موسى وقبل أن يعرض عليه ~~الأدلة، وأما هذه الآية فنزلت تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حين رد أبو ~~جهل عليه أقبح الرد. وأيضا إن فرعون مع كمال سلطنته ما كان يؤذي موسى إلا ~~بالقول وأبو جهل مع قلة جاهه كان يقصد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفرعون كان قد أحسن إلى موسى أولا وقال آخرا آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنوا إسرائيل [يونس: 9] وأما أبو جهل فكان يحسد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في صباه وقال في آخر عمره: بلغوا عني محمدا أني أموت ولا أجد أبغض إلي ~~منه. وأيضا إنهما وإن كانا رسولين لكن الحبيب في مقابلة الكليم كاليد في ~~مقابلة العين، والعاقل يصون عينه فوق ما يصون يده بل يصون عينه باليد فلهذا ~~كانت المبالغة هاهنا أكثر. واعلم أن المال ليس سببا للطغيان ms4671 على الإطلاق ~~ولهذا ذهب جم غفير إلى أن الإنسان في الآية مخصوص وكيف لا وإنه لم يزد ~~سليمان عليه السلام إلا تواضعا وعبودية. # روي أنه كان يجالس المساكين ويقول: مسكين جالس مسكينا. وكان عبد الرحمن ~~بن عوف من كبار الصحابة كثير المال، # وقال صلى الله عليه وسلم «نعم المال الصالح للرجل # PageV06P530 # الصالح» «1» # ولو أنصف العاقل وتأمل وجد نفسه في حال الغنى أشد افتقارا إلى الله لأن ~~الفقير لا يتمنى إلا سلامة نفسه والغني يتمنى سلامة نفسه وماله وأهله ~~وجاهه: وقيل: السين في استغنى للطلب والمعنى أن الإنسان قد ينسى فضل الرب ~~وعنايته في حالة أن رآه طلب الغنى فنال المنى بسبب الجهد والكد فينسب ذلك ~~إلى كفاءته لا إلى عناية الله، ولم يدر أنه كم من باذل وسعه في الحرص ~~والطلب لم يحصل إلا على خفي حنين، وأنه تعالى قد يرجع الغني آخر الأمر إلى ~~حالة الفقر ليتحقق أن ذلك الغني لم يكن بفعله وكسبه، وإنما ذلك بحول الله ~~وقوته. وهاهنا نكتة وهي أن أول السورة دل على فضيلة العلم وبعدها دل علي ~~مذمة المال فكفى ذلك مرغبا في العلم ومنفرا عن الدنيا. وفي قوله إن إلى ربك # يا إنسان الرجعى # أي الرجوع وعيد وتذكير كأنه قيل: مصيرك إلى الله وإلى حيث لا يدفع عنك ~~المال والكسب فما هذه الحيلة والعصيان والكبر والطغيان؟ # يروى أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتزعم أن من استغنى ~~طغى فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع ~~دينك فنزل جبرائيل فقال: يقول الله إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا ~~فعلنا بهم ما فعلنا ذلك، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب ~~المائدة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم. # وروي أن أبا جهل لعنه الله قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: ~~نعم قال: فو الذي يحلف به لئن رأيته توطأت عنقه فجاءه، وهو صلى الله ms4672 عليه ~~وسلم في الصلاة ثم نكص على عقبيه فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ فقال: إن ~~بيني وبينه لخندقا من نار فنزلت أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى # أي أخبرني عمن ينهي بعض عباد الله وهذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ~~على وجه التعجب، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم أعز الإسلام ~~بعمر أو بأبي جهل بن هشام، وكأنه تعالى قال له: يا محمد كنت تظن أنه يعز به ~~الإسلام وهو ينهى عن الصلاة التي هي أول أركان الإسلام وكان يلقب بأبي ~~الحكم فقيل له: كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ويأمر ~~بعبادة الجماد؟ وفي تنكير العبد دلالة على التفخيم كأنه قال: هو عبد لا ~~يكتنه كنه إخلاصه في العبودية ولا يوصف شرح أخلاقه بالكلية. # يروى أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته وقال: أخبرني ~~عن أخلاق رسولكم. فقال عمر: اطلب من بلال فهو أعلم به مني. ثم إن بلالا دل ~~على فاطمة عليها السلام وهي دلته على علي رضي الله عنه. فلما سأل عليا رضي ~~الله عنه قال: صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه. فقال اليهودي: هذا لا ~~يتيسر لي فقال علي رضي الله عنه: عجزت عن وصف الدنيا وقد حكم الله بقلته ~~حيث قال قل متاع الدنيا قليل PageV06P531 # [النساء: 77] فكيف أصف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وقد شهد الله بأنه ~~عظيم في قوله وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] # والحاصل أنه سبحانه كأنه قال: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن ~~الصلاة، والنهي عن الصلاة مذموم عند العقلاء. # يروى أن عليا رضي الله عنه رأى في المصلى أقواما يصلون قبل صلاة العيد ~~فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقيل له: ألا تنهاهم؟ ~~فقال: أخشى أن أدخل تحت قوله أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى فلم يصرح ~~بالنهي. # وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال له ms4673 أبو يوسف: أيقول المصلي ~~حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ فقال: يقول ربنا لك الحمد ويسجد ~~ولم يصرح بالنهي عن الدعاء. ويحتمل أن يراد بالتنكير الوحدة كأنه قيل: أيظن ~~أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي وهو عبد واحد لا أجد ساجدا غيره ولي من ~~الملائكة المقربين ما لا يحصيه إلا الله. وفيه تفخيم شأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، كان من شهرته بالعبودية لا يحتاج إلى سبق الذكر كقوله أسرى ~~بعبده [الإسراء: 1] أنزل على عبده [الفرقان] وعن الحسن أن الناهي أمية بن ~~خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة. وأما الخطاب في قوله أرأيت إن كان على الهدى ~~فالأكثرون على أنه للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا ليكون الكلام على نسق ~~واحد. وقال في الكشاف: معناه أخبرني أن ذلك الناهي إن كان على طريق سديد ~~فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى. أو كان آمرا بالتقوى فيما يأمر به من ~~عبادة الأوثان كما يعتقد. أو كان على سيرة التكذيب والتولي عن الدين الصحيح ~~كما نقول نحن ألم يعلم بأن الله يرى ويطلع على أحواله من هداه أو ضلاله ~~فيجازيه على ذلك وهو وعيد. فقوله الذي ينهى مفعول أول ل أرأيت الأول وأ ~~رأيت الثاني مكرر للتأكيد ولطول الكلام، وقوله إن كان على الهدى مع ما عطف ~~عليه مفعول ثان له، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب الشرط الثاني وهو قوله ~~ألم يعلم ويجوز أن يكون أرأيت الثالث أيضا مكررا والجواب بالحقيقة هو ما ~~تدل عليه هذه الجملة الاستفهامية كأنه قيل: إن كان على الهدى أو أمر ~~بالتقوى أو كذب وتولى فإن الله مجازيه. وقيل: إن جواب الشرط الأول شيء آخر ~~يدل عليه سياق الكلام والمراد: أرأيت إن صار هذا الكافر على حالة الهدى أو ~~أمر بالتقوى بدل النهي عن عبادة الله، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ~~ذو ثروة. ففيه تعجيب من حاله أنه كيف فوت على نفسه مراتب الكمال والإكمال ~~واختار بدلها طريقي ms4674 الضلال والإضلال. # وقيل: الخطاب في أرأيت الثاني للكافر كأن الظالم والمظلوم عبدان قاما بين ~~يدي مولاهما أو هما اللذان حضرا عند الحاكم أحدهما المدعي والآخر المدعى ~~عليه، فيخاطب هذا مرة وهذا مرة، فلما # قال للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى التفت إلى ~~الكافر # PageV06P532 # وقال: أرأيت يا كافر إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الدين أمرا بالتقوى ~~أتنهاه مع ذلك؟ # ثم إن كان الخطاب في أرأيت الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم فالمعنى: ~~أرأيت يا محمد إن كذب هذا الكافر بتلك الدلائل الواضحة وتولى عن خدمة خالقه ~~ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة حتى يصير زاجرا عنها؟ ~~وإن كان الخطاب للكافر فالمراد إن كان محمد كاذبا أو متواليا ألا يعلم أن ~~خالقه يراه حتى ينتهي فلا يحتاج إلى نهيك؟ قالت العلماء: هذه الآية وإن ~~نزلت في حق أبي جهل إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي ~~جهل ولا يرد عليه المنع عن الصلاة في الدار المغصوبة وفي الأوقات المكروهة ~~ومنع المولى عبده عن قيام الليل وصلاة التطوع وزوجته عن الاعتكاف، لأن ذلك ~~لاستيفاء مصالح أخرى بإذن الله وحده، ثم ردع أبا جهل عن نهيه أو عن عدم ~~علمه بإحاطة الله بجميع الكائنات أو عن عزمه على أن يقتل محمدا أو يطأ ~~رقبته، فإن تلميذ محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي يقتله ويطأ صدره، والسفع ~~القبض على الشيء وجذبه بشدة ومنه سفع النار للفحها كأنها تأخذ من الجسد ~~بياضه وطراوته. وقد كتب لنسفعا في المصحف بالألف على حكم الوقف لأن النون ~~الخفيفة المؤكدة يوقف عليها بالألف، واللام في قوله بالناصية للعهد والمراد ~~لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ثم إن هذا السفع إما أن يكون إلى ~~نار الآخرة وهو ظاهر، وإما أن يكون في الدنيا كما روي أنه عاد إلى النهي ~~فمكن الله المسلمين يوم بدر حتى جروه بالناصية. # يحكى أنه لما نزلت سورة الرحمن قال ms4675 النبي صلى الله عليه وسلم: من يقرأوها ~~على رؤساء قريش؟ فتثاقل القوم مخافة أذيتهم فقام ابن مسعود فقال: أنا. ~~فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يعلم من صعفه ثم قال: من يقرأوها ~~عليهم؟ فلم يقم إلا ابن مسعود فأجلسه ثم قال في الثالثة كذلك فلم يقم إلا ~~هو فأذن له، فحين دخل عليهم وكانوا مجتمعين حول الكعبة قرأ السورة فقام أبو ~~جهل فلطمه فانشق أذنه فأدماه فانصرف وعينه تدمع، فلما رآه النبي صلى الله ~~عليه وسلم رق قلبه وأطرق رأسه مغموما فإذا جبرائيل جاء ضاحكا مستبشرا فقال: ~~يا جبرائيل تضحك وابن مسعود يبكي، فقال: ستعلم فلما كان يوم بدر التمس ابن ~~مسعود أن يكون له حظ في الجهاد فقال صلى الله عليه وسلم: خذ رمحك والتمس في ~~الجرحى من كان به رمق فاقتله فإنك تنال ثواب المجاهدين. فأخذ يطالع القتلى ~~فإذا أبو جهل مصروع فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه فوضع الرمح على منخره من ~~بعيد فطعنه. # ولعل هذا معنى قوله سنسمه على الخرطوم [القلم: # 15] # ثم لما عرف عجزه لم يقدر أن يصعد على صدره لضعفه فارتقى إليه بحيلة، فلما ~~رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا. فقال ابن مسعود: ~~الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. ثم قال أبو جهل: بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد ~~أبغض إلي منه في حال حياتي # PageV06P533 # ولا أحد أبغض إلي منه في حال مماتي فروي أنه صلى الله عليه وسلم لما سمع ~~ذلك قال: فرعوني أشد من فرعون موسى عليه السلام فإنه قال «آمنت» وهو قد زاد ~~عتوا. ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا لأنه أحد وأقطع. فلما قطع ~~رأسه لم يقدر على حمله. # قال أهل العلم: # ولعل الحكيم سبحانه إنما خلقه ضعيفا لأجل أن لا يقوى على الحمل لوجوه ~~منها: أنه كلب والكلب يجر. والثاني ليشق أذنه فتقتص الأذن بالأذن. والثالث ~~تحقق الوعد المذكور في قوله لنسفعا فإن ابن مسعود لما لم يطقه شق أذنه وجعل ms4676 ~~الخيط فيه وجعل يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبرائيل عليه ~~السلام بين يديه يضحك ويقول: يا محمد أذن بأذن لكن الرأس هاهنا مع الأذن. ~~والناصية شعر الجبهة، وقد يسمى مكان الشعر ناصية، وقد كنى هاهنا عن الوجه ~~والرأس بالناصية قالوا: والسبب فيه أن أبا جهل كان مهتما بترجيل الناصية ~~وتطييبها فلقاه الله نقيض المقصود حين أعرض عن حكم المعبود. ثم وصف الناصية ~~بأنها ناصية كاذبة خاطئة كذب صاحبها وخطأه حين سمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الصادق ساحرا كذابا، أو حين زعم أنه أكثر أهل الوادي ناديا، والخاطئ ~~أفظع من المخطئ ولهذا قال لا يأكله إلا الخاطؤن [الحاقة: 37] فالخاطئ معاقب ~~مأخوذ والمخطئ لا يكون مأخوذا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وقوله ~~ناصية بدل الكل من الأول، ووجه حسنها كونها موصوفة كما علم من قواعد النحو. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أغلظ في القول لأبي الجهل وتلا ~~عليه هذه الآيات قال: يا محمد بمن تهددني وإني أكثر هذا الوادي ناديا أي ~~أهل مجلس، لأملأن عليك هذا الوادي خيلا جردا ورجالا مردا فزاد الله في ~~تهديده قائلا فليدع ناديه سندع الزبانية # والزباني كل متمرد من جن وإنس ومثله «زبنية» بتخفيف الياء كعفريت وعفرية ~~وأصله من الزبن الدفع، ولعل كسر الزاي لتغيير النسب، # عن النبي صلى الله عليه وسلم: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا. # قال مقاتل: هم خزنة جهنم أرجلهم في الأرض ورؤوسهم في السماء. قال قتادة: ~~الزبانية الشرط بلغة العرب أي الحرس، وقيل: هي جمع لا واحد له. # ثم ردع أبا جهل عن قبائح أحواله وأفعاله بقوله كلا وشجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله لا تطعه ثم قال واسجد واقترب أي دم على سجودك وتقرب به إلى ~~ربك ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد» «1» # وقيل: صل وتوفر على عبادة الله فعلا وإبلاغا. وقيل: # اسجد يا محمد واقترب يا أبا جهل وضع قدمك عليه ms4677 فإن الرجل ساجد مشغول ~~بنفسه وهذا تهكم به وتعريض بأن الله سبحانه وتعالى عاصم نبيه وحافظه والله ~~أعلم. PageV06P534 ### | (سورة القدر) # (مكية حروفها مائة وعشرون كلمها ثلاثون آيها خمس) ### | [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) وما أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة القدر ~~خير من ألف شهر (3) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) # سلام هي حتى مطلع الفجر (5) ### | القراآت # شهر تنزل بتشديد التاء: البزي وابن فليح مطلع بكسر اللام: علي وخلف. ### | الوقوف # في ليلة القدر ه ج للنفي والاستفهام والوصل أولى لاتصال المبالغة في ~~التعظيم به ما ليلة القدر ه ط لأن ما بعدها مبتدأ شهر ه ط لأن ما بعده ~~مستأنف ربهم ج لاحتمال تعلق من كل بقوله تنزل ولاحتمال تعلقه بقوله سلام أي ~~هي من كل عقوبة سلام أو من كل واحد من الملائكة سلام من المؤمنين قاله ابن ~~عباس: وعلى هذا يوقف على أمر ويوقف على سلام وقيل: لا يوقف على سلام أيضا ~~والتقدير: هي سلام من كل أمر حتى مطلع الفجر ه ### | التفسير: # الضمير في إنا أنزلناه للقرآن إما لأن القرآن كله في حكم سورة واحدة وإما ~~لشهرته ومن نباهة شأنه كأنه مستغن عن التصريح بذكره، وقد عظم القرآن في ~~الآية من وجوه أخر هي إسناد إنزاله إلى نفسه دون غيره كجبرائيل مثلا، وصيغة ~~الجمع الدالة على عظم رتبة المنزل، إذ هو واحد في نفسه نقلا وعقلا والرفع ~~من مقدار الوقت الذي أنزل فيه وهو ليلة القدر. وهاهنا مسائل الأولى: كيف ~~حكم بأنه أنزل في هذه الليلة مع أنه أنزل نجوما في نيف وعشرين سنة؟ والجواب ~~كما مر في البقرة في قوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن [البقرة: 185] أي ~~أنزل فيها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة ثم منها إلى الأرض ~~نجوما، ووجه حسن المجاز أنه إذا أنزل إلى السماء الدنيا فقد شارف النزول ~~إلى الأرض فيكون من فوائد التشويق كما قيل: # PageV06P535 # وأبرح ما يكون ms4678 الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام # وقال الشعبي: ابتدئ بإنزاله في هذه الليلة لأن المبعث كان في رمضان. ~~وقيل: أراد إنا أنزلنا القرآن يعني هذه السورة في فضل ليلة القدر والقدر ~~بمعنى التقدير. قال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى قدر كل ما يكون في تلك ~~السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية نظيره ~~قوله فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان: 4] في أحد الوجوه والمراد إظهار تلك ~~المقادير للملائكة في تلك الليلة فإن المقادير من الأزل إلى الأبد ثابتة في ~~اللوح المحفوظ، وهذا قول أكثر العلماء. ونقل عن الزهري أنه قال: ليلة القدر ~~يعني ليلة الشرف والعظمة من قولهم «لفلان قدر عند فلان» أي منزلة وخطر، ~~ويؤيد هذا التأويل قوله ليلة القدر خير من ألف شهر ثم هذا الشرف ما أن يرجع ~~إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف. وإما أن يرجع إلى ~~الفعل لأن الطاعة فيها أكثر ثوابا وقبولا. وعن أبي بكر الوراق: من شرفها ~~أنه أنزل فيها كتاب ذو قدر على لسان ملك ذي قدر إلى أمة ذوي قدر. ولعل الله ~~تعالى إنما ذكر لفظ القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب. وقيل: القدر ~~الضيق وذلك أن الأرض في هذه الليلة تضيق عن الملائكة. الثانية هذه الليلة ~~هل تضاف إلى يومها الذي بعدها؟ قال الشعبي: نعم يومها كليلتها لقوله ثلاث ~~ليال سويا [مريم: 10] وفي موضع، ثلاثة أيام [آل عمران: 41] ولهذا لو نذر أن ~~يعتكف ليلتين ألزمناه يومهما. الثالثة قال الخليل: من قال إن فضلها لنزول ~~القرآن فيها يقول: # انقطعت وكان مرة والجمهور على أنها باقية. ثم إنه روي عن ابن مسعود أنها ~~في جميع السنة فمن حافظ على الليالي كلها أدركها. وعن عكرمة أنها ليلة ~~البراءة. والأكثرون على أنها في رمضان لقوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن [البقرة: 185] وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر فيجب من الآيتين أن ~~تكون ليلة القدر في رمضان. ms4679 ثم في تعيينها خلاف فقال ابن رزين: هي الليلة ~~الأولى من رمضان لما روي عن وهب أن كتب الأنبياء كلهم إنما نزلت في رمضان ~~وكانت الليلة الأولى منه في غاية الشرف. وعن الحسن البصري: السابعة عشرة ~~لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها. وعن أنس مرفوعا: التاسعة عشرة. وقال محمد بن ~~إسحق: هي الحادية والعشرون لما روي من حديث الماء والطين. # ومعظم الأقوال أنها السابعة والعشرون. وذكروا فيها أمارات ضعيفة منها أن ~~السورة ثلاثون كلمة وقوله هي السابعة والعشرون منها، روي هذا عن ابن عباس. ~~وعنه أيضا أن ليلة القدر تسعة أحرف وهي مذكورة ثلاث مرات وروي أنه كان ~~لعثمان بن أبي العاص غلام فقال: يا مولاي إن البحر يعذب ماؤه في ليلة من ~~الشهر فقال: إذا كان تلك الليلة فأعلمني # PageV06P536 # فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان. قلت: ومن الأمارات التي يحتمل ~~اعتبارها أن الضعيف مؤلف الكتاب وصل إلى تفسير هذه السورة في السابعة ~~والعشرين من رمضان سنة تسع وعشرين وسبعمائة من هجرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولعل لله سبحانه فيه سرا ما لا يطلع عليه إلا هو وحده وأنا أرجو من ~~فضله العميم أن يجعل ذلك سببا لبركات الدارين لي ولمن نظر في هذا الكتاب من ~~إخواني في الدين وما الاعتصام إلا بحوله. وقيل: هى الليلة الأخيرة لأن ~~الطاعات في الشهر تتم وقتئذ بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد صلى الله عليه ~~وسلم # وقد جاء في الحديث «يعتق في في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر» # وأول الليالي ليلة شكر وآخرها ليلة فراق وصبر وكم بين الشكر والصبر، فإن ~~الصبر أمر من الصبر. الرابعة الحكمة في إخفاء ليلة القدر في الليالي ~~كالحكمة في إخفاء وقت الوفاة ويوم القيامة حتى يرغب المكلف في الطاعات ~~ويزيد في الاجتهاد ولا يتغافل ولا يتكاسل ولا يتكل. # يروى أنه صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى نائما فقال: يا علي نبهه ~~ليتوضأ فأيقظه علي ثم قال: يا رسول الله إنك سابق إلى ms4680 الخيرات فلم نبهته ~~بنفسك؟ فقال: لأن رده على كفر ورده عليك ليس بكفر ففعلت ذلك لتخف جنايته ~~لورد. # فإذا كان هذا رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم فقس عليه رحمة الله تعالى ~~عليه وكأنه سبحانه يقول: إذا عرفت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ~~ألف شهر، وإن عصيت فيها اكتسبت عقاب ألف شهر، ورفع العقاب أولى من جلب ~~الثواب، فالإشفاق أن لا يعرفها المكلف بعينها لئلا يكون بالمعصية فيها ~~خاطئا متعمدا. وأيضا إذا اجتهد في طلب ليلة القدر بإحياء الليالي المظنونة ~~باهى الله تعالى ملائكته ويقول: كنتم تقولون فيهم أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء فهذا جدهم في الأمر المظنون، فكيف لو جعلتها معلومة لهم ~~فهنالك يظهر سر قوله إني أعلم ما لا تعلمون [البقرة: 30] . الخامسة معنى ~~كونها خيرا من ألف شهر أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه ~~الليلة، وذلك لما فيها من الخيرات والبركات وتقدير الأرزاق والمنافع ~~الدينية والدنيوية. # وقال مجاهد: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى ~~يمسي، فعل ذلك ألف شهر، فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من ~~ذلك فأنزل الله تعالى السورة فأعطوا ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي # ويؤيده ما # روي عن مالك ابن أنس أن رسول صلى الله عليه وسلم وسلم أري أعمار الناس ~~فاستقصر أعمار أمته وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم، ~~فأعطاه الله ليلة هي خير من ألف شهر لسائر الأمم. # وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يستحق اسم العابد حتى يعبد الله ألف شهر. # وذكر القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن قال: قلت للحسن بن علي رضي الله عنه: ~~يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعته. يعني معاوية فقال: إن ~~رسول # PageV06P537 # الله صلى الله عليه وسلم أري في منامه بني أمية يطؤن منبره واحدا بعد ~~واحد وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة، فشق ذلك عليه فأنزل الله ms4681 تعالى ~~إنا أنزلناه إلى قوله خير من ألف شهر يعني ملك بني أمية. قال القاسم: ~~فحسبنا ملك بني أمية فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص، # وزيف بأن أيامهم كانت مذمومة فكيف تذكر في مقام التعظيم؟ وأجيب بأنها ~~كانت أياما عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يمتنع أن يقول الله تعالى ~~أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك الأيام في بابها. السادسة ~~في الآية بشارة عظيمة للمطيعين وتهديد بليغ للعاصين. أما الأول فلأنه تعالى ~~ذكر أن هذه الليلة خير من ألف شهر ولم يبين قدر الخيرية وهذا # كقوله صلى الله عليه وسلم «مبارزة علي مع عمرو بن عبد ود أفضل من عمل ~~أمتي إلى يوم القيامة» # وكأنه قال: هذا لك بذلك والباقي علي أعطيتك به ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. فمن أحيا ليلة القدر فكأنه عبد الله نيفا ~~وثمانين سنة، ومن أحياها كل سنة فكأنه رزق أعمارا كثيرة، ومن أحيا ليالي ~~الشهر لينالها بيقين فكأنه أحيا ليلة القدر ثلاثين قدرا. # يروى أنه يجاء يوم القيامة بالإسرائيلي الذي عبد الله أربعمائة سنة، ~~ويجاء برجل من هذه الأمة وقد عبد الله أربعين سنة، فيكون ثوابه أكثر. فيقول ~~الإسرائيلي: أنت العدل وأرى ثوابه أكثر فيقول: لأنكم تخافون العقوبة ~~المعجلة فعبدتموني وأمة محمد صلى الله عليه وسلم كانوا آمنين لقوله وما كان ~~الله ليعذبهم وأنت فيهم [الأنفال: 33] ثم إنهم كانوا يعبدونني فلهذا السبب ~~كانت عباداتهم أفضل، # وأما التهديد فلأن الظالم لا يخلصه من المظلوم أحد وإن أحيا مائة ليلة من ~~القدر وكذا من عنده مظلمة لأحد وإن كانت بتطفيف حبة. السابعة أنه صح عن ~~رسول الله # قوله «أجرك على قدر نصبك» # ومن المعلوم أن الطاعة في ألف شهر أشق من الطاعة في ليلة واحدة فما ~~التوفيق بين الحديث والآية؟ والجواب أن الفعل الواحد قد يختلف حاله في ~~الحسن والقبح بسبب اختلاف الاعتبارات الشرعية أو العقلية. فصلاة الجماعة ~~أفضل من صلاة الفرد بكذا درجة لأجل شرف ms4682 الاجتماع. ولو قلت: لمن يرجم إنما ~~يرجم لأنه زان فهو قول حسن، ولو قلته للنصراني فقذف يوجب التعزير، ولو قلته ~~للمحصن فهو موجب للحد، ولو قلته في حق عائشة كان كفرا وبهتانا عظيما وذلك ~~لأنه طعن في حق عائشة التي كانت رجلا في العلم لقوله: «خذوا ثلثي دينكم من ~~هذه الحميراء» وطعن في صفوان وهو رجل بدري وطعن في كافة المؤمنين لأنها أم ~~المؤمنين وللولد حق المطالبة بقذف الأم وإن كافرا، بل طعن في النبي صلى ~~الله عليه وسلم الذي هو أشرف المخلوقات، بل طعن في حكمة الله إذ لا يجوز أن ~~يتركه حتى يتزوج بامرأة زانية، فتبين أن الأفعال تختلف آثارها في الثواب ~~والعقاب باختلاف الجهات وبحسب الأزمنة والأمكنة، وذلك من فضل الله وعنايته # PageV06P538 # بمخلوقاته على حسب مشيئته وإرادته، قول سبحانه تنزل الملائكة ظاهره يقتضي ~~نزول كل الملائكة إما إلى سماء الدنيا وإما إلى الأرض وهو قول الأكثرين ~~وعلى التقديرين فإن المكان لا يسعهم إلا على سبيل التناوب والنزول فوجا ~~فوجا كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة أفواجا. وعن كعب: إن سدرة ~~المنتهى على حد السماء السابعة وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي، فيها ~~ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، ومقام جبرائيل في وسطها ليس فيها ملك إلا ~~وقد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، ينزلون مع جبرائيل ليلة القدر فلا يبقى ~~بقعة في الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات، ~~وجبرائيل لا يدع أحدا من الناس إلا صافحهم، وعلامة ذلك أن يقشعر جلده ويرق ~~قلبه وتدمع عيناه، من قال فيها لا إله إلا الله ثلاث مرات غفر له بواحدة ~~ونجاه من النار بواحد وأدخله الجنة بواحدة، وأول من يصعد جبرائيل حتى يصير ~~أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك ~~الليلة ثم يدعو ملكا ملكا فيصعد الكل فيجتمع نور الملائكة ونور جناح ~~جبرائيل فيقيم جبرائيل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ~~ذلك مشتغلين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين، ولمن ms4683 صام رمضان احتسابا، ~~فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة حتى يقولوا: ما فعل فلان كيف ~~وجدتموه؟ فيقولون: # وجدناه عام أول مبتدعا وفي هذا العام متعبدا وفي بعضهم بالعكس، فيدعون ~~للأول دون الآخر. ووجدنا فلانا تاليا وفلانا راكعا وفلانا ساجدا، فهم كذلك ~~يومهم وليلتهم حتى يصعدوا إلى السماء الثانية، وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ~~ينتهوا إلى السدرة المنتهى، فتقول لهم السدرة: يا سكاني حدثوني عن الناس ~~فإن لي عليكم حقا وإني أحب من أحب الله. وتقول الجنة: عجلهم اللهم إلي، ~~والملائكة وأهل السدرة يقولون: آمين. وإنما نزول الملائكة على فضيلة هذه ~~الليلة لأن الجماعة كلما كانت أكثر كان نزول الرحمة أوفر والطاعة في حضور ~~الملائكة الذين هم العلماء بالله والعباد له تكون أدخل في الإخلاص وأجلب ~~لأسباب القبول. أما الروح فالأظهر أنه جبرائيل، خص بالذكر لزيادة شرفه. ~~وقيل: ملك يقوم صفا والملائكة كلهم صفا، وقيل: طائفة من الملائكة لا يراهم ~~غيرهم إلا في هذه الليلة. وقيل: خلق من خلق الله يأكلون ويلبسون ليسوا من ~~الملائكة ولا من الإنس ولعلهم خدم أهل الجنة. وقيل: عيسى عليه السلام ينزل ~~في جماعة من الملائكة ليطالع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: القرآن ~~وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] وقيل: # الرحمة. وقيل: هم كرام الكتابين. # يروى أنهم يطالعون اللوح فيرون فيه طاعة المكلفين مفصلة فإذا وصلوا إلى ~~معاصيهم أرخى الستر فلا يرونها فحينئذ يقولون: سبحان من أظهر # PageV06P539 # الجميل وستر القبيح، ويشتاقون إلى لقائهم فينزلون لذلك. # ومن فوائد نزولهم أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات ما لم يروها في ~~سكان السموات ويسمعون أنين العصاة الذي هو أحب إلى الله من زجل المسبحين ~~فيقولون: تعالوا نسمع صوتا هو أحب إلى ربنا من تسبيحنا. ولعل للطاعة في ~~الأرض خاصية في هذه الليلة، فالملائكة أيضا يطلبونها طمعا في مزيد الثواب ~~كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعاته هناك أكثر ثوابا. وفي قوله بإذن ~~ربهم إشارة إلى أنهم لا يفعلون شيئا إلا بإذن الله ms4684 لقوله وما نتنزل إلا ~~بأمر ربك [مريم: # 64] وفي قوله ربهم توبيخ للعصاة وتعظيم لشأن الملائكة كأنه قال: كانوا لي ~~فكنت لهم. # يروى أن داود عليه السلام في مرض الموت قال: إلهي كن لسلمان كما كنت لي ~~فنزل الوحي قل لسليمان: فليكن لي كما كنت لي. # وقوله من كل أمر إشارة عند الأكثرين إلى فائدة نزولهم أي من أجل كل أمر ~~قدر في تلك الليلة إلى قابل. ومعنى العدول من لام التعليل إلى «من» أن ~~السائل كأنه يقول: من أين جئتم؟ فيقولون: ما لكم وهذا السؤال ولكن قولوا ~~لأي أمر جئتم لأنه حظكم. وقيل: من كل أمر أي من أجل كل مهم فبعضهم للركوع ~~وبعضهم للسجود وبعضهم للتسليم. # يروى أنهم لا يتلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه. # عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يقدر المقدر في ليلة البراءة، فإذا ~~كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها.» # وقيل: يقدر ليلة البراءة للآجال والأرزاق وليلة القدر للخير والبركة. ~~وقيل: يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به صلاح معاش المكلف ومعاده، ويكتب في ~~ليلة البراءة أسماء من يموت فتسلم إلى ملك الموت. ومعنى سلام هي أن هذه ~~الليلة ما هي إلا سلامة وخير، فأما سائر الليالي فيكون فيها بلاء وسلامة أو ~~ما هي إلا سلام لكثرة سلام الملائكة على المؤمنين. وقال أبو مسلم: يعني أن ~~هذه الليلة ما هي إلا سلامة عن الرياح المزعجة والصواعق ونحوها، أو هي ~~سلامة عن تسلط الشيطان وجنسه، أو سالمة عن تفاوت العبادة في شيء من أجزائها ~~بخلاف سائر الليالي فإن الفرض فيها يستحب في الثلث الأول. والنفل في ~~الأوسط، والدعاء في السحر، والمطلع بالفتح المصدر بمعنى الطلوع، وبالكسر ~~اسم زمان أو مصدر عند بعضهم، ومنهم أبو علي. هذا ما تقرر عندنا وعند سائر ~~العلماء في تفسير هذه السورة الشريفة، وأقول أيضا في تأويله: يمكن أن يفهم ~~من ليلة القدر طرف الأزل من الامتداد الوهمي الزماني قدر فيه ما كان وما ~~سيكون إلى يوم الدين بل إلى ms4685 الأبد وإنما عبر عنه بالليلة لأن الأشياء كلها ~~إذ ذاك في حيز العدم أو الخفاء # «كنت كنزا مخفيا» # وإنما كانت خيرا من ألف شهر بل من ثلاثين ألف ليلة بل من ثلاثين ألف سنة ~~كما قال وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون [الحج: 47] وهي الدور الأعظم ~~دور الثواب لما # PageV06P540 # تقرر في المعقول والأصول أن العناية الأزلية هي الكفاية الأبدية، ولهذا ~~كانت الأمور بخواتيمها # «وكل ميسر لما خلق له» «1» # فلو لم يكن للشخص سعادة مقدرة في الأزل لم تفده الطاعة ثلاثين ألف سنة ~~وأكثر، فإنزال القرآن في هذه الليلة عبارة عن الإحصاء في اللوح المحفوظ ~~والإمام المبين، وهو في وقت صدور الروح الأعظم والملائكة المقربين بسبب كل ~~أمر هو كن من غير توسط مادة ومدة ولكنها سالمة عن شوائب الجسمانية والعلائق ~~الجرمانية إلى ظهور فجر عالم الأشباح الظاهرة للحواس المعرضة للتعهد والقوى ~~وإليه المصير والمآب. PageV06P541 ### | (سورة لم يكن) # (مدنية حروفها ثلاثمائة وستة وتسعون كلمها أربع وتسعون آياتها ثمان) ### | [سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ~~(1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة (4) # وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار ~~جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية (6) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية (7) جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (8) ### | القراآت # البريئة بالهمزة نافع وابن ذكوان. ### | الوقوف: # البينة لا مطهرة ه ك قيمة ه ك البينة ه ط القيمة ه ط فيها ط البرية ه ط ~~الصالحات ه لا البرية ه ط أبدا ط عنه ط ربه ه ### | التفسير: # استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية لأنه ms4686 تعالى لم يبين أنهم ~~منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد انفكاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر ~~البينة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن «حتى» لانتهاء الغاية، فالآية ~~تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله وما ~~تفرق الآية. والجواب على ما قال صاحب الكشاف، أن هذه حكاية كلام الكفار، ~~وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه ~~حتى يبعث النبي صلى الله عليه وسلم الموعود الذي هو مكتوب في التوراة ~~والإنجيل وهو محمد صلى الله عليه وسلم فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه. ~~ثم قال وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة ~~والإنفاق على الحق إذا جاءهم الرسول. ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم # PageV06P542 # على الكفر، إلا مجيء الرسول ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن ~~يعظه: لست بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، ~~فلما رزقه الغنى ازداد فسقا، فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر ~~وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله توبيخا وإلزاما ~~لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى. وقيل: إن «حتى» للمبالغة فيؤل المعنى إلى ~~قولك مثلا لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة. وقال ~~قوم: إنا لا نحمل قوله منفكين على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد ~~صلى الله عليه وسلم بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم تفرقوا وقال كل واحد فيه قولا آخر رديئا، فتكون الآية كقوله وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به [البقرة: 89] ~~ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد قولا حسنا وآمن به لأن ~~التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار ms4687 بعضهم ~~مؤمنا وبعضهم كافرا على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة. ولا يبعد أيضا أن ~~يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول ~~فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم. وفي قوله ~~منفكين إشارة إلى هذا لأن انفكاك الشيء هو انفصاله عنه بعد التحامه ~~والتئامه كالعظم إذا انفك عن مفصله، فالمعنى أن قلوبهم ما خلت عن تلك ~~العقائد وعن الجزم بصحتها إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله من ~~أهل الكتاب والمشركين بيان للذين كفروا، والمراد أن الكفار فريقان بعضهم ~~أهل الكتاب ومن يجري مجراهم كالمجوس، وبعضهم مشركون وقيل: المشركون هم أهل ~~الكتاب أيضا، وذلك أن النصارى هم أهل التثليث واليهود أهل التشبيه. وقد ~~يقول القائل: جاءني العقلاء والظرفاء وأراد قوما بأعيانهم. وفائدة الواو ~~أنهم جامعون بين الوصفين، ومما يؤيد هذا الوجه أنه لم يعد إلا ذكر أهل ~~الكتاب في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب والأولون اعتذروا عن ذلك بأنهم ~~إنما خصصوا بالذكر لفضلهم وبركة علمهم ولمزيد توبيخهم فإن العصيان والعناد ~~من العالم أقبح، ولعل هذا هو السبب في تقديم ذكرهم أولا. # والبينة الحجة الواضحة، وإطلاقها على الرسول كإطلاق النور والسراج عليه. ~~والصحف القراطيس التي يكتب فيها القرآن المطهر من النقائص ومس المحدث إياه، ~~ومعنى تلاوة الصحف إملاؤه إياها. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يقرأ من الكتاب وإن كان لا يكتب ولعل هذا من معجزاته. ~~والكتب المكتوبات. والقيمة المستقيمة أو المستقلة بالدلالة من قولهم «قام ~~فلان بأمر كذا» . وقال أبو مسلم: البينة مطلق الرسل وهم الملائكة أي رسل من ~~السماء يتلون عليهم صحفا كقوله يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من # PageV06P543 # السماء # [النساء: 153] وكقوله بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة [المدثر: ~~52] قال الجبائي: في قوله وما تفرقوا إلا من بعد كذا دلالة على أن الشقاوة ~~والسعادة لم يثبتا في الأزل ولا في أصلاب الآباء. وزيف بأن المراد ظهور ~~التفرق منهم ms4688 لا حصوله في علم الله وهو ظاهر. قوله وما أمروا أي وما أمروا ~~بما أمروا به في التوراة والإنجيل إلا لأجل أن يعبدوا الله على حالة ~~الإخلاص والميل عن الأديان الباطلة. فقوله حنفاء حال مترادفة أو متداخلة ~~وذلك دين القيمة موصوفها محذوف أي دين الملة القيمة. ويعلم من هذا الإخبار ~~أن الأمر المذكور ثابت في شرعنا أيضا كما في شرعهم، ويحتمل أن يراد وما ~~أمروا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل. استدل بالآية من قال: ~~إن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والعمل بيانه أن الله تعالى ذكر ~~العبادة المقرونة بالإخلاص وهو التوحيد، ثم عطف عليه إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة، ثم أشار إلى المجموع بقوله وذلك دين القيمة ورد بالمنع من أن ~~المشار إليه هو المجموع، ولم لا يجوز أن يكون إشارة إلى التوحيد فقط؟ سلمنا ~~لكن لم لا يجوز أن يراد بدين القيمة الدين الكامل المستقل بنفسه وهو أصل ~~الدين ونتائجه وثمراته؟ ثم ذكر وعيد الكفار ووعد الأبرار. وقدم في الوعيد ~~أهل الكتاب على المشركين، والسر فيه بعد ما مر أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يقدم حق الله على حق نفسه ولهذا حين كسروا رباعيته قال: اللهم اهد قومي ~~فإنهم لا يعلمون، وحيث فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: ملأ الله بطونهم ~~وقبورهم نارا فقال الله تعالى: كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضا أقدم حقك ~~على حقي، فمن ترك الصلاة طول عمره لم يكفر، ومن طعن فيك بوجه يكفر. ثم إن ~~أهل الكتاب طعنوا فيك فقدمتهم في الوعيد على المشركين الذين طعنوا في، ~~وأيضا المشركون رأوه صغيرا يتيما فيما بينهم. ثم إنه بعد النبوة سفه ~~أحلامهم وكسر أوثانهم وهذا أمر شاق يوجب العداوة الشديدة عند أهل الظاهر. ~~وأما أهل الكتاب فقد كانوا مقرين بنبي آخر الزمان وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثبتا لنبيهم وكتابهم فلم يوجب لهم ذلك عداوة شديدة، فطعنهم في محمد ~~صلى الله عليه وسلم طعن في غير موقعه فاستحقوا التقديم في ms4689 الوعيد لذلك ~~وكانوا شر البرية، وهذه جملة يطول تفصيلها شر من السراق لأنهم سرقوا من ~~كتاب الله صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا ~~على سفلتهم طريق الحق، وشر من الجهال لأن العناد أقبح أنواع الكفر، وفيه ~~دلائل على أن وعيد علماء السوء أفظع. قوله في هذه الآية خالدين فيها وفي ~~آية الوعد خالدين فيها أبدا إشارة إلى كمال كرمه وسعة رحمته كما قال «سبقت ~~رحمتي غضبي» «1» قال العلماء: هذه الآية مخصوصة في صورتين إحداهما ~~PageV06P544 # أن من تاب منهم وأسلم خرج من الوعيد، والثانية أن من مضى من الكفرة ويجوز ~~أن لا يدخل فيها لأن فرعون كان شرا منهم. قوله وعملوا الصالحات مقابلة ~~الجمع بالجمع فلا مكلف يأتي بجميع الصالحات بل لكل مكلف حظ. فحظ الغني ~~الإعطاء وحظ الفقير الأخذ. احتج بعضهم بقوله أولئك هم خير البرية على تفضيل ~~البشر على الملك قالوا: # روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أتعجبون من منزلة الملائكة ~~من الله والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ~~ذلك وقرأ هذه الآية» # أجاب المنكرون بأن الملك أيضا داخل في الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو ~~المراد بالبرية بنو آدم لأن اشتقاقها من البرء وهو التراب لا من برأ الله ~~الخلق، وتمام البحث في المسألة قد سبق في أول البقرة. قوله ذلك لمن خشي ربه ~~مع قوله إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] ظاهر في أن العلماء ~~بالله هم خير البرية اللهم اجعلنا منهم والله أعلم. # PageV06P545 ### | (سورة إذا زلزلت) # (مكية حروفها مائة وتسعة وأربعون كلمها خمس وثلاثون آياتها ثمان) ### | [سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان ما ~~لها (3) يومئذ تحدث أخبارها (4) # بأن ربك أوحى لها (5) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم (6) فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (8) ### | القراآت # يره ساكنة الهاء في الحرفين: الحلواني عن هشام. ### | الوقوف: ms4690 # زلزالها ه لا أثقالها لا ما لها ه لا لاحتمال حذف عامل «إذا» أي أذا كانت ~~هذه الأمور ترى ما ترى واحتمال أن يكون العامل تحدث ويومئذ بدلا من «إذا» ~~أخبارها ه لا لها ه ط أعمالهم ه ط يره ه ط يره ه. ### | التفسير: # لما ختم السورة المتقدمة بالوعيد والوعد أتبعه بذكر وقت الجزاء وعدد من ~~إماراته الزلزلة الشديدة التي تستأهلها الأرض وهي معنى إضافة الزلزال إلى ~~ضمير الأرض. # قال أهل المعاني: هو كقولك «أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته» يريد ~~ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. وقريب منه قول من قال: أراد بزلزالها كل ~~الزلزال وجميع ما هو ممكن منه أي يوجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل. ~~وقيل: زلزالها الموعود والمكتوب عليها لما أنها قدرت تقدير الحي. # يروى أنها تتزلزل من شدة صوت إسرافيل عليه السلام. # ومن امارات الساعة إخراج الأرض أثقالها أي ما في جوفها من الدفائن ~~والأموات قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ~~وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها وسمي الإنس والجن بالثقلين لذلك. # يروى أنها تخرج كنوزها فيملأ ظهر الأرض ذهبا ولا أحد يلتفت إليه، وكأن ~~الذهب يصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي؟ # ويمكن أن تكون الفائدة في إخراجها أن يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~الجباه والجنوب والظهور قالوا: إنها عند النفخة الأولى تتزلزل فتلفظ ~~بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية # PageV06P546 # ترجف فتخرج الأموات أحياء كالأم تلد حيا. وقيل: تلفظهم أمواتا ثم يحييهم ~~الله تعالى. # وقيل: أثقالها أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ولذلك قال يومئذ تحدث أخبارها ~~أي تشهد لك وعليك وقال الإنسان ما لها تعجبا من حالها. وقيل: والكافر لأنه ~~كان لا يؤمن بالبعث فيقول من بعثنا من مرقدنا [يس: 52] وأما المؤمن فيقول ~~هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون [يس: 52] والباء في قوله بأن ربك إما أن ~~تتعلق ب تحدث والإيحاء بمعنى الأمر أي تحدث بسبب أن ربك أمرها بالتحديث ~~ومفعول تحدث محذوف أي تحدث ms4691 الناس، أو متروك لأن المقصود تحديثها لا من ~~تحدثه. وقيل: تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها كما تقول «نصحتني كل ~~النصيحة بأن نصحتني في الدين» . وقيل: بدل من أخبارها لأنك تقول: حدثته كذا ~~وحدثته بكذا. وأوحى لها بمعنى أوحى إليها وهو مجاز عند صاحب الكشاف. وأبي ~~مسلم كأنها بلسان الحال تبين لكل أحد جزاء عمله، أو تحدث أن الدنيا قد ~~انقضت والآخرة قد أقبلت. والجمهور على أنه تعالى يجعل الأرض ذات فهم ونطق ~~ويعرفها جميع ما عمل عليها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى. # وكان علي رضي الله عنه إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: # اشهدي أني ملأتك بحق وفرغتك بحق. # وقيل: لفظ التحديث يفيد الاستئناس، فلعل الأرض تبث شكواها إلى أولياء ~~الله وملائكته، وقالت المعتزلة: إن الله تعالى يخلق في الأرض وهي جماد ~~أصواتا مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على هذا التقدير هو الله. قوله ~~يصدر الصدر ضد الورود فالوارد الجائي والصادر المنصرف، أشتاتا أي متفرقين ~~جمع شت أو شتيت أي يذهبون من مخارج قبورهم إلى الموقف. فبعضهم إثر بعض ~~راكبين مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وينادي مناد بين يديه هذا ولي الله، ~~وبعضهم مشاة عراة حفاة سود الوجوه مقيدين بالسلاسل والأغلال والمنادي ينادي ~~هذا عدو الله. # وقيل: أشتاتا أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع ~~النصراني وقيل: # من كل قطر من أقطار الأرض ليروا صحائف أعمالهم أو جزاء أعمالهم وهو الجنة ~~أو النار وما يناسب كلا منهما. والذرة أصغر النمل أو هي الهباءة، وعن ابن ~~عباس إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق بها من التراب ~~مثقال ذرة، فليس من عبد عمل خيرا أو شرا، قليلا كان أو كثيرا إلا أراه الله ~~تعالى إياه. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل ويطعمون ~~الطعام على حبه [الدهر: 8] كان أحدهما يأتيه السائل فيسأم أن يعطيه الثمرة ~~والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا بشيء وإنما مؤجر على ms4692 ما نعطي وكان أحدهما ~~يتهاون بالذنب الصغير ويقول: لا شيء علي من هذا فرغب الله تعالى # PageV06P547 # في القليل من الخير لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير فإنه يوشك ~~أن يعظم، فلهذا # قال النبي صلى الله عليه وسلم «اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد ~~فبكلمة طيبة» «1» # والتحقيق أن المقصود النية فإن كان العمل قليلا والنية خالصة حصل ~~المطلوب، وإن كان العمل كثيرا والنية فاسدة فالمقصود فائت، ولهذا قال كعب ~~الأحبار: لا تحقروا شيئا من المعروف فإن رجلا دخل الجنة بإعارة إبرة في ~~سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة. وعن ~~عائشة أنه كان بين يديها عنب قدمته إلى نسوة بحضرتها فجاء سائل فأمرت له ~~بحبة من ذلك، فضحك بعض من كان عندها فقالت: إن فيما ترون مثاقيل وتلت هذه ~~الآية. قال جار الله: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن مكفرة ~~باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء لمثاقيل الذر من الخير والشر؟ وأجاب على ~~مذهبه بأن المعنى فمن يعمل من فريق السعداء مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~من فريق الأشقياء مثقال ذرة شرا يره. وذلك أن الحكم جاء بعد قوله يصدر ~~الناس أشتاتا والأولى في جوابه ما روي عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر ~~عمل خيرا أو شرا إلا أراه الله تعالى إياه. فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ~~ويثاب بحسناته وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته. وقيل: إن حسنات ~~الكافر وإن كانت محبطة بكفره لكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت ~~من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر. وعن محمد بن كعب القرظي: معناه ~~فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه ~~أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير، ومن يعمل مثقال ذرة من ~~شر وهو مؤمن فإنه يرى عقوبة ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى ~~يلقى الآخرة وليس له فيها شر، وهذا ms4693 مروي عن ابن عباس أيضا ويؤيده ما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا ~~مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم ~~القيامة. # فإن قيل: إن كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟ # قلت: هذا هو الكرم لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف والكريم لا يحتمله، ~~والطاعة تعظيم وإن قلت فالكريم لا يضيعه. قال أهل العرفان: كأنه تعالى ~~يقول: ابن آدم أنك مع ضعفك وعجزك لم تضيع ذرة من مخلوقاتي بل نظرت فيها ~~واعتبرت بها واستدللت بوجودها على وجود الصانع، فأنا مع كمال قدرتي وكرمي ~~كيف أضيع ذرتك والله الكريم. PageV06P548 ### | (سورة العاديات) # (مدنية وقيل مكية حروفها مائة وثلاثة وستون كلمها أربعون آياتها إحدى ~~عشرة) ### | [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعاديات ضبحا (1) فالموريات قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به نقعا ~~(4) # فوسطن به جمعا (5) إن الإنسان لربه لكنود (6) وإنه على ذلك لشهيد (7) ~~وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) # وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11) ### | القراآت # والعاديات ضبحا بالإدغام: أبو عمر وغير عباس فالمغيرات صبحا أبو عمرو غير ~~عباس وخلاد عن حمزة. ### | الوقوف: # ضبحا ه لا قدحا ه لا صبحا ه لا نقعا ه لا جمعا ه لا لكنود ه ج لأن ما ~~بعده يصلح عطفا واستئنافا لشهيد ه لذلك لشديد ه ط القبور لا الصدور ه لا ~~لخبير ه ### | التفسير: # إنه سبحانه ذكر في هذه السورة رداءة ما عليه جبلة الإنسان من قلة الشكر ~~والصبر والحرص على المال بحيث يكاد يشغله عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن ~~المعاد الذي إليه مآل حال العباد، فأقسم على ذلك بالأمور والتي هي مركوزة ~~في خزانة خيالهم ولا تكاد تخلو في الأغلب عن الخطور ببالهم. وفي تفسيرها ~~قولان مرويان: الأول أن العاديات هي الإبل. # يروى عن ابن عباس أنه قال: بينا أنا جالس في الحجر إذ جاء رجل فسألني عن ~~العاديات ضبحا ms4694 ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي رضي الله عنه وهو بجنب سقاية ~~زمزم فسأله وذكر له ما قلت فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي ~~الناس بما لا علم لك به والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام يعني بدرا وما ~~كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد. # والعاديات ضبحا الإبل تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، ~~والضبح على هذا مستعار لأن أصل استعماله في الخيل وهو صوت أنفاسها إذا عدون ~~وهذا الصوت غير الصهيل وغير الحمحمة، وانتصابه على «يضبحن ضبحا» أو ~~بالعاديات لأن العدو # PageV06P549 # لا يخلو عن الضبح، أو على الحال. وهكذا القول في فالموريات قدحا لأن ~~الإبل قلما توري أخفافها. يقال: قدح فأورى وقدح فأصلد فالمغيرات أي ~~المسرعات يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى فأثرن من الإثارة أي هيجن ~~وهو حكاية الماضي أو هو نحو ونادى [الأعراف: 48] وسيق [الزمر: 72] به أي ~~بالعدو أو بذلك الوقت نقعا غبارا فوسطن أي توسطن به بذلك الوقت أو بالعدو ~~أو متلبسة بالنقع جمعا وهو المزدلفة لاجتماع الحاج بها. القول الثاني عن ~~مجاهد وقتادة والضحاك وأكثر المحققين أن العاديات الخيل، ويروى ذلك مرفوعا. # قال الكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى ناس من كنانة ~~فمكثت ما شاء الله أن تمكث لا يأتيه منهم خبر، فتخوف عليها فنزل جبرائيل ~~بخبر مسيرها. # وعلى هذا فاللام في العاديات للعهد. ويحتمل أن تكون للجنس ويدخل خيل ~~السرية فيها دخولا أوليا. وقوله فالمغيرات على هذا يكون من أغار على العدو ~~إذا شن عليهم الغارة والجمع جماعة الغزاة أو الكفرة. وقيل: الإيراء عبارة ~~عن شبيب نيران الحرب وإيقادها كقوله كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ~~[المائدة: 64] وقيل: # هي نيران الغزاة بالليل لحاجة طعامهم أو غيره. وعن عكرمة: هي الأسنة. ~~وقيل: هي المنجحات في الأمور فيحتمل أن تكون الخيل أو الإبل لأنه وجد بها ~~المقصود من الغزو والحج. ويحتمل أن يراد جماعة الغزاة أنفسهم. يقال للمنجح ~~في حاجته ورى زنده. وفي ms4695 إقسام الله تعالى بالإبل دلالة على عظم شأنهن وكثرة ~~منافعهن دينا ودنيا كما قال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 17] ~~وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون [يس: 72] وكذا في الإقسام بالخيل ~~وذلك مشاهد من عدوها وكرها وفرها بحسب مشيئة الراكب ولأمر ما # قال صلى الله عليه وسلم «الخيل معقود بنواصيها الخير» «1» # وقالت العقلاء: ظهرها حرز وبطنها كنز. قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق ~~والخير بهذا فسر ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة الكنود قالوا: ومنه ~~سمي الرجل المشهور بكندة لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي: الكنود بلسان ~~كندة العاصي، وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور، # وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الكنود الكفور الذي يمنع ~~رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده» # وفي تقديم الظرف مزيد تقريع يعني أنه لنعمة ربه خصوصا لشديد الكفران فكيف ~~نعمة غيره مثل الأبوين ونحوهما؟ وقال الحسن: الكنود اللوام لربه ~~PageV06P550 # يعد المحن والمصائب وينسى النعم والراحات، والأكثرون على أن الإنسان هو ~~الكافر لقوله بعد ذلك أفلا يعلم ويحتمل أن يراد أن جنس الإنس مفطور على ذلك ~~إلا من عصمه الله بلطفه وتوفيقه أفلا يعلم يجوز أن يكون توبيخا على أنه لا ~~يعمل بعلمه. والضمير في قوله وإنه على ذلك أما أن يعود إلى الرب وهو أقرب ~~فيكون كالوعيد من حيث إن الله يحصى عليه أعماله، وإما أن يعود إلى الإنسان ~~أي أنه على كنوده لشهيد لا يقدر أن يجحده لظهور أماراتها عليه، وقد يرجح ~~هذا الوجه بأن الضمير في قوله وإنه لحب الخير للإنسان فناسب أن يكون الأول ~~له أيضا لئلا ينخرم النسق. والخير المال كقوله إن ترك خيرا [البقرة: 180] ~~والشديد البخيل الممسك يريد إنه لأجل حب المال لبخيل وقيل: # الشديد القوي أي إنه لأجل إيثار الدنيا وطلب ما فيها مطيق قوي، ولأجل ~~عبادة ربه عاجز ضعيف. أو إنه لحب الخيرات الحقيقية غير ميسر منبسط ولكنه ~~شديد منقبض. وقال الفراء: إنه لحب الخير لشديد الحب أي أنه يحب المال ويحب ms4696 ~~كونه محبا له فاكتفى بالحب الأول من الثاني. وقال قطرب: اللام بمنزلة قولك ~~«إنه لزيد ضروب» . والتقدير إنه شديد حب الخير. ثم وبخه وخوفه بالعلم التام ~~الأزلي الأبدي الشامل لأحوال مبدأ الإنسان ومعاده وبعثر مثل بحثر كما مر في ~~«انفطرت» وإنما لم يقل من في القبور بل قال ما في القبور بحكم التغليب فإن ~~أكثر ما في الأرض ليسوا مكلفين، والذين هم مكلفون يجوز أن يكونوا حال ~~البعثرة أمواتا غير عقلاء ويصيروا أحياء بعد البعثرة، قال أبو عبيدة وحصل ~~ما في الصدور أي ميز ما فيها فلكل واحد من الواجب والمندوب والمباح ~~والمكروه والمحظور حكم خاص. وقيل: معناه جمع ما في الصدور في الصحف أي أظهر ~~محصلا مجموعا. # وقيل: يكشف ما في البواطن من الأخبار وما في الأستار من الأسرار ويندرج ~~فيه أعمال الجوارح تبعا. وإنما لم يقل ما في القلوب لأن القلب مطية الروح ~~وهو بالطبع محب لمعرفة الله تعالى إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ~~ومحلها ما يقرب من الصدر، وإنما جمع الضمير في قوله إن ربهم بهم حملا على ~~معنى الإنسان. ومعنى تقييد العلم بذلك الزمان حيث قال يومئذ وهو عالم ~~بأحوالهم أزلا وأبدا التوبيخ وكأنه تعالى قال: إن من لم يكن عالما في الأزل ~~فإنه يصير بعد الاختبار عالما، فالذي هو عالم في الأزل كيف لا يكون خبيرا ~~بهم في الأبد؟ ويجوز أن يكون سبب التقييد هو أن ذلك وقت المجازاة على حسب ~~العلم بالأعمال والأقوال والأحوال وإليه المصير والمآب # PageV06P551 ### | (سورة القارعة) # (وهي مكية حروفها مائة واثنان وخمسون كلمها ست وثلاثون آياتها إحدى عشرة) ### | [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11] # بسم الله الرحمن الرحيم # القارعة (1) ما القارعة (2) وما أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث (4) # وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة ~~راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) # وما أدراك ما هيه (10) نار حامية (11) ### | القراآت # ما هي بغير هاء السكت في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب. الآخرون: # بالهاء وإن كانت وصلا ms4697 اتباعا لخط المصحف. ### | الوقوف: # القارعة ه لا ما القارعة ه لا المبثوث ه ج للآية والعطف المنفوش ه ط ~~للابتداء بالشرط موازينه ه لا لأن ما بعده جواب فأما راضية ه ط موازينه ه ~~لا هاوية ه ط ما هيه ه ط حامية ه. ### | التفسير: # لما ختم السورة المتقدمة بأحوال المعاد ذكر في هذه السورة بعض أحوال ~~الآخرة، والقرع الاصطكاك بشدة واعتماد ثم سميت الحادثة الهائلة قارعة ~~والمراد هاهنا القيامة ولا أهول منها ولذلك قال في الإخبار عنها ما القارعة ~~لأنه يفيد زيادة التهويل ثم قال وما أدراك ما القارعة وانتصب يوم بفعل ~~محذوف دل عليه القارعة أي تقرع الناس يوم كذا، وهذا القرع عبارة عن الصيحة ~~التي يموت فيها الخلائق ثم يحييهم عند النفخة الثانية كما # روي أن الصور له ثقب على عدد الأموات لكل واحد ثقبة معلومة فيحيى الله ~~بتلك النفخة الواصلة إليه من تلك الثقبة المعينة. # وقيل: القرع هو اصطكاك الأجرام العلوية والسفلية حين التخريب والتبديل، ~~أو هو نفس انفطارها وانتثارها واندكاكها قاله الكلبي وقال مقاتل: إنها تقرع ~~أعداء الله بالعذاب، وأما أولياؤه فهم من القرع آمنون. والفراش اسم لهذه ~~الدواب التي تتهافت فتقع في النار سمي فراشا لتفرشه وانتشاره وأكد هذا ~~المعنى بقوله # PageV06P552 # المبثوث وشبه الناس يومئذ بها لكثرتهم وانتشارهم ذاهبين في كل أوب كما ~~شبههم بالجراد المنتشر في موضع آخر لذلك لا لصغر الجثة والنحول والضعف. ~~وجوز بعضهم أن يكونوا أولا أكبر جثة فشبههم وقتئذ بالجراد ثم يؤل حالهم إلى ~~الهزال والضعف لحر الشمس ولسائر أصناف المتاعب، فشبهوا للضعف بالفراش. ~~ويمكن أن يكون وجه التشبيه الذلة والضعف # كقوله صلى الله عليه وسلم «الناس اثنان: عالم ومتعلم وسائر الناس همج» ~~«1» # وشبه الجبال بالعهن لاختلاف أجزائها في الحمرة والبياض والسواد كما مر في ~~«المعارج» . وزاد هاهنا وصفه بالمنفوش لتفرق أجزائها وزوال تأليفها ثم قسم ~~الناس فيه إلى قسمين بحسب ثقل موازين أعمالهم وخفتها وقد مر تحقيقه في ~~«الأعراف» . وقوله راضية من الإسناد المجازي كما مر في «الحاقة» ms4698 . وأما ~~قوله فأمه هاوية ففيه وجوه أحدها: أن الأم هي المعروفة والهاوية والهالكة ~~وهذا من مستعملات العرب يقولون: هوت أمه أي هلكت وسقطت يعنون الدعاء عليه ~~بالويل والثبور والخزي والهوان. وقال الأخفش والكلبي وقتادة: فأم رأسه ~~هاوية في النار لأنهم يهوون في النار على رؤوسهم. وقيل: الأم الأصل ~~والهاوية من أسماء النار لأنها نار عتيقة والمعنى: منزله ومأواه الذي يأوي ~~إليه هو النار ويؤيد هذا الوجه قوله ما هيه أي ما الهاوية، هذا هو الظاهر. ~~والأولون قالوا: الضمير للداهية التي يدل عليها قوله فأمه هاوية وفي قوله ~~نار حامية إشارة إلى أن نيران الدنيا بالنسبة إلى نار الآخرة غير حامية ~~والله أعلم. PageV06P553 ### | (سورة التكاثر) # (مكية حروفها مائة واثنان وخمسون كلمها ست وثلاثون آياتها ثمان) ### | [سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف ~~تعلمون (4) # كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين ~~(7) ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم (8) ### | القراآت: # لترون بضم التاء من الإراءة مجهولا: ابن عامر وعلي. ### | الوقوف # التكاثر ه لا المقابر ه ك لأن كلا بمعنى حقا وقد يحمل على الردع عن ~~التكاثر سوف تعلمون ه لا سوف تعلمون ه اليقين ه ط لأن جواب «لو» محذوف ~~وقوله لترون جواب قسم الجحيم ه لا اليقين ه النعيم ه. ### | التفسير: # لما ذكر القارعة وأهوالها قال ألهاكم أي شغلكم التكاثر وهو المغالبة ~~بالكثرة أو تكلف الافتخار بها مالا وجاها عن التدبر في أمر المعاد فنسيتم ~~القبر حتى زرتموه. # ويروى أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا فكثرهم أي غلبهم ~~بالكثرة بنو عبد مناف فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا ~~بالأحياء والأموات أي عدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم ~~وأمواتكم ففعلوا فزاد بنو سهم فنزلت الآية. # وهذه الرواية شديدة الطباق لظاهر الآية لقوله زرتم بصيغة الماضي وفيه ~~تعجب من حالهم أنهم زاروا القبور في معرض المفاخرة والاستغراق في حب ما لا ms4699 ~~طائل تحته من التباهي بالكثرة والتباري فيها، مع أن زيارة القبور مظنة ~~ترقيق القلب وإزالة القساوة كما # قال صلى الله عليه وسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي فزوروها ~~فإن في زيارتها تذكرة» «1» # من هنا قال بعضهم: أراد أن الحرص على المال قد شغلكم عن الدين فلا ~~تلتفتون إليه إلا إذا زرتم المقابر فحينئذ ترق قلوبكم يعني أن حظكم من ~~دينكم ليس إلا هذا القدر ونظيره PageV06P554 # قوله قليلا ما تشكرون [الملك: 23] أي لا أقنع منكم بهذا القدر من الشكر. ~~وقيل: # معنى الآية ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم حتى أتاكم الموت ~~وأنتم على ذلك، ويندرج فيه من يمنع الحقوق المالية إلى حين الموت ثم يقول: ~~أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا، واستدلوا عليه بما # روى مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«يا ابن آدم تقول مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست ~~فأبليت أو تصدقت فأمضيت» «1» # ثم قرأ ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر أي حتى متم. وأورد عليه أن ~~الزائر هو الذي يجيء ساعة ثم ينصرف. والميت يبقى في قبره مدة مديدة. وأيضا ~~إن قوله زرتم صيغة الماضي فكيف يحمل على المستقبل؟ ويمكن أن يجاب عن الأول ~~بأن مدة اللبث في القبر بالنسبة إلى الأبد أقل من لحظة كما قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم [الكهف: 19] وعن الثاني بأن ~~المشرف على الموت كأنه على شفير القبر أو هو خبر عمن تقدمهم والخبر عنهم ~~كالخبر عن متأخريهم لأنهم كانوا على طريقتهم. وقال أبو مسلم: إنه تعالى ~~يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعييرا للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدمت ~~منهم زيارة القبور. والمقابر جمع المقبرة فتحا أو ضما، والتاء فيه غير ~~قياسي. # قالت العلماء: التكاثر مطلقا ليس بمذموم لأن التكاثر في العلم والطاعة ~~والأخلاق الحميدة ليس بمذموم إذا كان المراد أن يقتدى به غيره كما مر في ms4700 ~~قوله وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] وإنما المذموم ما يكون الباعث عليه ~~الاستكبار وحب الجاه والغلبة والفخر بما لا سعادة حقيقية فيه، وليست ~~السعادة الحقيقية إلا فيما يرجع إلى العلم والعمل أو إلى ما يعين عليهما من ~~الأمور الخارجية. عن الحسن رضي الله عنه: لا تغرنك كثرة من ترى حولك فإنك ~~تموت وحدك وتبعث وحدك وتحاسب وحدك، وتكرير الوعيد وهو سوف تعلمون للتأكيد. ~~وقيل: الأول عند الموت حين يقال له لا بشرى. والثاني في سؤال القبر إذ يقال ~~من ربك، وفيه دليل على عذاب القبر على ما روي عن علي عليه السلام: أو حين ~~ينادي المنادي فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا، أو حين يقال وامتازوا ~~اليوم [يس: # 59] وعن الضحاك: أراد سوف تعلمون أيها الكفار ثم كلا سوف تعلمون أيها ~~المؤمنون، فالأول وعيد، والثاني وعد. وقيل: إن كل واحد يعلم قبح الكذب ~~والظلم وحسن الصدق والعدل لكن لا يعرف مقدار آثارها ونتائجها فالله يقول ~~سوف تعلمون علما تفصيليا PageV06P555 # استدراجيا شيئا فشيئا عند الموت، ثم عند البعث، ثم في النار أو في الجنة، ~~قوله لو تعلمون علم اليقين اتفقوا على أن جواب «لو» محذوف لأن قوله ثم ~~لتسئلن أمر واقع قطعا فلو كان قوله لترون جوابا للشرط كانت الرؤية أمرا ~~مشكوكا فيه فيلزم المخالفة بين المعطوفات أو الشك فيما هو واقع قطعا ~~وكلاهما غير سديد، ثم في تقدير الجواب وجوه قال الأخفش: لو تعلمون علم ~~اليقين ما ألهاكم التكاثر. وقال أبو مسلم: لو علمتم ما يجب عليكم وما خلقتم ~~لأجله لاشتغلتم به. وقال أهل البيان: الأولى تقدير ما هو عام في كل شيء وهو ~~لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه كنهه ولكنكم ضلال جهلة. ومعنى علم اليقين علم ~~يقين فأضيف الموصوف إلى الصفة نحو ولدار الآخرة. ويحتمل أن يكون اليقين هو ~~الموت كقوله واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [الحجر: 99] إن الشك حينئذ يزول ~~والأحوال إلى اليقين تؤول، والإنسان إذا علم ما يلقاه حين الموت وبعده لم ~~يلهه التكاثر، وإضافة العلم ms4701 إلى بعض أنواعه جائزة كعلم الطب وعلم الحساب، ~~وفي الآية بعث للعلماء على أن يعملوا بعلمهم وإلا لم يكن بعد فوات إبان ~~العمل سوى الحسرة والندامة. # يروى أن ذا القرنين لما دخل الظلمات أمر لمن معه بأن يأخذوا من الخرز ~~الذي كانت عنده فأخذ بعضهم وترك بعضهم، فلما خرجوا من الظلمات وجدوا الخرز ~~جواهر وكان للآخذين فرحا وسرورا وللتاركين غما وحسرة. # أما تكرار رؤية الجحيم فقيل: إن الأول رؤيتها من بعيد كما قال إذا رأتهم ~~من مكان بعيد [الفرقان: 12] والثاني رؤيتها من قريب إذا وصلوا إلى شفيرها. ~~وقيل: الأولى عند الورود، والثانية بعد الدخول. وأورد قوله ثم لتسئلن فيها ~~فإن السؤال قبل الدخول. وقيل: التثنية للتكرير والمراد تتابع الرؤية ~~واتصالها فكأنه قيل لهم: إن كنتم اليوم شاكين فيها فسترونها رؤية دائمة ~~متصلة، فيجوز أن يكون قوله علم اليقين متعلقا بالرؤيتين جميعا، ويجوز أن ~~يكون متعلقا بالثانية لأن علمهم بها وبأحوالها وآلامها يزداد شيئا فشيئا ~~حتى يصير الخبر عينا. ومعنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قد مر في ~~آخر «الواقعة» . وفي السؤال عن النعيم وجهان: الأول أنه للكفار لما # روي أن أبا بكر لما نزلت الآية قال: يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك ~~في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر وماء عذب، أتكون من ~~النعيم الذي يسأل عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # إنما ذلك للكفار # ثم قرأ وهل نجازي إلا الكفور [سبأ: 17] ولأن الخطاب في أول السورة للذين ~~ألهاهم التكاثر عن المعاد فناسب أن يكون الخطاب في آخر السورة أيضا لهم. # ويكون الغرض من السؤال التقريع حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه سببا للسعادة ~~هو أعظم أسباب الشقاء لهم. الثاني العموم لوجوه منها # خبر أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أول ما يسأل # PageV06P556 # عنه العبد يوم القيامة النعيم فيقال له ألم نصحح لك جسمك ألم نروك من ~~الماء البارد» «1» . # ومنها # قول محمود بن لبيد: لما نزلت السورة قالوا: يا رسول الله إنما ms4702 هو الماء ~~والتمر وسيوفنا على عواتقنا والعدو حاضر فعن أي نعيم يسأل؟ فقال: أما إنه ~~سيكون # وعن أنس لما نزلت الآية قام محتاج فقال: هل علي من النعمة شيء؟ قال: الظل ~~والنعلان والماء البارد. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل ~~عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه ~~وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به» «2» # وعن الباقر رضي الله عنه أن النعيم العافية. # وعنه أن الله أكرم من أن يطعم عبدا ويسقيه ثم يسأله عنه، وإنما النعيم ~~الذي عنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سمعت قوله تعالى لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا [آل عمران: 164] # وقيل: هو الزائد على الكفاية. وقيل: خمس نعم: شبع البطون وبارد الشراب ~~ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق، وعن ابن مسعود: الأمن والصحة ~~والفراغ، وعن ابن عباس: ملاذ المأكول والمشروب. وقيل: # الانتفاع بالحواس السليمة. وعن الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير ~~القرآن. وقال ابن عمر: الماء البارد. والظاهر العموم لأجل لام الجنس إلا أن ~~سؤال الكافر للتوبيخ لأنه عصى وكفر، وسؤال المؤمن للتشريف فإنه أطاع وشكر. ~~والظاهر أن هذا السؤال في الموقف وهو متقدم على مشاهدة جهنم. ومعنى «ثم» ~~الترتيب في الإخبار أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة عن النعيم. وقيل: ~~هو في النار توبيخا لهم كقوله كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير [الملك: 8] وقوله ما سلككم [المدثر: 42] ونحوه PageV06P557 ### | (سورة العصر) # (وهي مكية وقال المعدل وقتادة مدنية حروفها ثمانية وستون كلمها أربع عشرة ~~آياتها ثلاث) ### | [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) ### | الوقوف # والعصر ه لا لفي خسر ه لا بالصبر ه ### | التفسير: # لما بين في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها ~~مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال ms4703 به من الإيمان والأعمال ~~الصالحات وهو حظ الآدمي من جهة الكمال ومن التواصي بالخيرات وكف النفس عن ~~المناهي، وهو حظه من حيث الإكمال وأكد ما أراد بقوله والعصر وللمفسرين فيه ~~أقوال: الأول أنه الدهر لوجوه منها ما جاء في القراءة الشاذة أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقرأ «والعصر ونوائب الدهر» وحمله العلماء إن صح على التفسير ~~لا على أنه من القرآن لهذا لا يجوز قراءته في الصلاة. # ومنها أن الدهر يشتمل على الأعاجيب الدالة على كمال قدرة خالقها من تغاير ~~الملل والدول وسائر الأحوال الكلية والجزئية، بل نفس الدهر من أعجب الأشياء ~~لأنه موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهي الساكن. # وأرى الزمان سفينة تجري بنا ... نحو المنون ولا ترى حركاته # ومنها أن عمر الإنسان كبعض منه قال: # إذا ما مر يوم مر بعضي ... ولا شيء أنفس من العمر # وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والنوائب إليه ~~ويحيل شقاءه وخسرانه عليه فإقسام الله تعالى به دليل على شرفه وأن الشقاء ~~والخسران إنما لزم # PageV06P558 # الإنسان لعيب فيه لا في الدهر ولذلك # قال صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر» «1» # القول الثاني وهو قول مقاتل وأبي مسلم إن العصر هو آخر النهار أقسم الله ~~به كما أقسم بالفجر والضحى لأن آخر النهار يشبه تخريب العالم وإماتة ~~الأحياء كما أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم، فعند ذلك إقامة ~~الأسواق ونصب الموازين ووضع المعاملات، وفيه إشارة إلى أن عمر الدنيا ما ~~بقي إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا ~~خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا يمكن تدارك ما فات. وقال قتادة: إنه ~~صلاة العصر لشرفها وفضلها ولهذا فسربها الصلاة الوسطى عند كثير وقد مر في ~~«البقرة» وقيل: أقسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم أو بزمانه الذي هو عصر ~~نهار الدنيا كما جاء في حديث طويل، وقد أقسم بمكانه في قوله لا أقسم بهذا ~~البلد [البلد: 1] وبحياته ms4704 في قوله لعمرك [الحجر: 72] وكل ذلك تشريف له ~~وتوبيخ لمن لم يوقره حق توقيره أما اللام في الإنسان فإما المعهود معين كما ~~روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة والعاص بن ~~وائل والأسود بن عبد المطلب. وعن مقاتل أنه أبو لهب. وفي خبر مرفوع أنه أبو ~~جهل كانوا يقولون: إن محمدا لفي خسار فأقسم الله تعالى إن الأمر بالضد مما ~~توهموه، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا. والأكثرون على أن اللام للجنس، ثم ~~إن كان المراد بالخسر أي الخسران كالكفر والكفران هو الهلاك كان المراد جنس ~~الإنسان على الإطلاق، وإن كان المعنى بالخسر الضلال والكفر كان المراد جنس ~~الكافر هكذا قال بعضهم، ولقائل أن يمنع لفرق. ولا يخفى ما في «إن» ولام ~~التأكيد وكلمة «في» وتنكير خسر من المبالغات فكأنه أثبت له جهات الخسر كلها ~~والأعظم حرمانه عن جناب ربه. قال بعضهم: # إن الإنسان لا ينفك من خسر لأن عمره رأس ماله، فإفناء العمر فيما يمكن أن ~~يكون خيرا منه عبارة عن الخسران. ووجهه أنه إن أفنى عمره في المعصية فخسره ~~وحسرته ظاهران، وإن كان مشغولا بالمباحات فكذلك لأنه يمكنه أن يعمل فيه ~~عملا يبقى أثره ولذته دائما، وإن كان مشغولا بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن ~~الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخضوع والعبادة غير متناهية كما أن ~~جلال الله وجماله ليس لهما نهاية. والتحقيق فيه أن الإنسان لا يكلف إلا ما ~~هو وسعه وطوقه لا بالنسبة إلى نوعه بل بالنسبة إلى شخصه، فإذا اجتنب ~~المعاصي بقدر الإمكان واستعمل المباح بمقدار الضرورة والحاجة وأتى بالطاعة ~~على حسب إمكانه لم يسم خاسرا ولكنه يكون أكمل الأشخاص البشرية فلهذا ~~استثناه الله تعالى بقوله إلا الذين آمنوا إلى آخره. وعن بعضهم أنه قال في ~~«التين» PageV06P559 # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين [التين: 4] ~~فابتدأ من الكمال إلى النقصان وقال هاهنا لفي خسر إلا الذين آمنوا فعكس ~~القضية لأن ذلك مذكور في أحوال البدن وهذا مذكور ms4705 في أحوال النفس. قلت: يمكن ~~أن يقال: إن كلتا الآيتين في شأن النفس إلا أنه أراد في «التين» ذكر ~~استعداده الفطري وهو كرأس المال، وهاهنا أراد حكاية معاملته بعد ما أعطى ~~رأس المال. ولا ريب أن أكثرهم منهمكون في طلب اللذات العاجلة المضيعة ~~للاستعداد الأصلي إلا الموفقين الموصوفين بالكمال والإكمال، وفي إجمال ~~الخسر وتسريحه إلى بقعة الإبهام، ثم في تفصيل الربح بأنه منوط بالإيمان ~~والعمل الصالح والتواصي بالحق وبالصبر دليل على غاية الستر والكرم وأن ~~رحمته سبقت غضبه، وفي لفظ التواصي دون الدعاء أو النصيحة تأكيد بليغ كأنه ~~أمر مهتم به كالوصية، وفيه أنهم من الذين ماتوا بالإرادة عن الشهوات ~~الفانية فيكون أمرهم ونصيحتهم بمنزلة قول من أشرف على الوفاة، والحق خلاف ~~الباطل، ويشتمل جميع الخيرات وما يحق فعله. وقوله وبالصبر يشتمل على جميع ~~المناهي فهم بالحقيقة آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، وفي لفظ المضي ~~إشارة إلى تحقيق وقوعه منهم والله أعلم وبالله التوفيق. # PageV06P560 ### | (سورة الهمزة) # (مكية حروفها مائة وثلاثة وثلاثون كلمها تسع وأربعون آياتها تسع) ### | [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9] # بسم الله الرحمن الرحيم # ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) ~~كلا لينبذن في الحطمة (4) # وما أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) ~~إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9) ### | القراآت # جمع بالتشديد: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف عمد بضمتين جمع عماد: حمزة ~~وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: بفتحتين جمعا أو واحدا في ~~معناه. ### | الوقوف: # لمزة ه لا بناء على أن الذي وصف ولو كان منصوبا على الذم أو مرفوعا على ~~الذم فالوقف وعدده ه لا أخلده ج ه إن وصل وقف على «كلا» الحطمة ه ز الحطمة ~~ه ط الموقدة # ه لا الأفئدة ه ج مؤصدة ه لا ممددة ه ### | التفسير: # لما ذكر حكم جنس الإنسان في خسرهم عقبه بمثال واحد. قال عطاء والكلبي: ~~نزلت في الأخنس بن شريق كان يكسر من أعراض الناس ويكثر الطعن فيهم. # والتركيب ms4706 يدل على الكسر ومنه الهمز ومثله اللمز وهو العيب قال تعالى ولا ~~تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] وقال ابن زيد: الهمز باليد واللمز باللسان. ~~وقال أبو العالية: # الهمز بالمواجهة واللمز بظهر الغيب وقد يكون كل ذلك سرا بالحاجب أو ~~العين. وقيل: # نزلت في الوليد بن المغيرة كانت عادته الغيبة والوقيعة. وبناء «فعلة» يدل ~~على أن ذلك كان من عادته، وأما «فعلة» بسكون العين فهي للمفعول. وقال محمد ~~بن إسحق: مازلنا نسمع أن السورة نزلت في أمية بن خلف. والمحققون على أن ~~خصوص السبب لا ينافي عموم اللفظ، ويحتمل أن يكون اللفظ عاما ويدخل فيه شخص ~~معين دخولا أوليا كما لو قال لك # PageV06P561 # إنسان: لا أزورك أبدا فتقول: كل من لا يزورني لا أزوره تعريضا به، ومثله ~~يسمى في أصول الفقه تخصيص العام بقرينة العرف. ولا يخفى أن الهمز واللمز من ~~أقبح السير خاصة في حق من هو أجل منصبا وأعلى قدرا من كل المخلوقات وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلا جرم أوعده بالويل وهو كلمة جامعة لكل شر ~~ومكروه أو هو واد في جهنم وقد تقدم مرارا. ثم وصفه بقوله الذي وكأنه سبب ~~الهمز واللمز لأن الغنى يورث الإعجاب والكبر والتشديد في جمع للتكثير في ~~المفعول ويؤيده تنكير مالا وكذا التشديد في عدده ولا يبعد أن يكون للتكثير ~~في الفعل، ولا ريب أن عد المال من غير ضرورة وضبطه أزيد من المعتاد يوجب ~~للنفس شغلا عن السعادات الباقية وحرصا على الزخارف الدنية وعلى التمتيع ~~بتلك الأسباب ولهذا قال يحسب أي طول المال أمله ومناه الأماني البعيدة حتى ~~أصبح لفرط غفلته يحسب أن ماله يتركه خالدا في الدنيا. وقيل: عدده أي أمسكه ~~وجعله عدة وذخيرة لحوادث الدهر. وقيل: أراد بقوله يحسب تشييد البنيان ~~وإحكامه بالجص والآجر غرس الأشجار وعمارة الأراضي عمل من يظن أن ماله أبقاه ~~حيا، أو هو تعريض بالعمل الصالح المخلد لصاحبه الأجر الجزيل والثناء ~~الجميل، وأما المال فبمعزل عن ذلك لأنه للحادث أو للوارث. وقيل: أحب المال ~~حبا شديدا ms4707 حتى اعتقد أنه إن انتقص مالي أموت فلذلك يحفظه عن النقصان ليبقى ~~حيا وهذا غير بعيد من اعتقاد البخيل كلا ردع له عن حسبانه أي ليس الأمر كما ~~يظن هو أن المال مخلد بل المخلد هو العلم والعمل كما # قال علي رضي الله عنه: مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي ~~الدهر. # عن الحسن أنه عاد موسرا فقال: # ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟ قال: ولكن ~~لماذا قال لنبوة الزمان وجفوة السلطان ونوائب الدهر ومخافة الفقر؟ قال: إذا ~~تدعه لمن لا يحمدك وترد على من لا يعذرك. قوله لينبذن جواب قسم محذوف أو ~~جواب حقا لأنه في معنى القسم. والنبذ الطرح وفيه إشعار بإهانته. وفي قوله ~~في الحطمة وهي النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر كل ما يلقى فيها إشارة ~~إلى غاية تعذيبه. ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة ووزنها «فعلة» كهمزة ولمزة ~~فكأنه قيل له: كنت همزة لمزة فقابلناك بالحطمة. وأيضا في الحطم معنى الكسر ~~والهماز اللماز يكسر الناس بالاغتياب والعيب أو يأكل لحمهم كما يأكل الرجل ~~الأكول. ثم كأن قائلا سأل كيف قوبل الوصفان بوصف واحد؟ فقيل: إنك لا تعرف ~~ذلك الواحد ما أدراك ما هذه الحطمة نار الله هي إضافة تعظيم كبيت الله ~~الموقدة التي تطلع على الأفئدة أي تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم ~~وتطلع على جنانها وخباياها. ولا شيء في الإنسان ألطف منه ولا أشد تألما. ~~ويجوز أن يكون في تخصيص # PageV06P562 # الأفئدة إشارة إلى زيادة تعذيب للقلب لأنه محل الكفر والعقائد الفاسدة. ~~وعند أهل ### | التأويل: # إذا كانت النار أمرا معنويا فلا ريب أنه لا يتألم بها إلا الفؤاد الذي هو ~~محل الإدراكات والعقائد. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن النار تأكل أهلها حتى إذا طلعت على ~~أفئدتهم- أي تعلوها وتغلبها- انتهت ثم إن الله تعالى يعيد لحمهم وعظمهم مرة ~~أخرى» # والمؤصدة المطبقة الأبواب اصدت الباب وأوصدته لغتان. يوصد عليهم الأبواب ~~ويمدد على الأبواب ms4708 العمد استيثاقا في استيثاق. وجوز أن يراد أن أبواب النار ~~عليهم مؤصدة حال كونهم موثقين في عمد مقطرة، والمقطرة خشبة فيها خروق يدخل ~~فيها أرجل المحبوسين اللهم أجرنا منها. قال المبرد: والعمد بفتحتين جمع ~~عمود على غير واحده وأما الجمع على واحده فالعمد بضمتين مثل زبور وزبر ~~ورسول ورسل. قال الفراء: العماد والعمد كالإهاب والأهب فالتأنيث لأنه اسم ~~جمع أو بتأويل الأسطوانة. # PageV06P563 ### | (سورة الفيل) # (مكية حروفها ستة وتسعون كلمها ثلاث وعشرون آيها خمس) ### | [سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل ~~عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) # فجعلهم كعصف مأكول (5) ### | الوقوف # الفيل ه ط تضليل ه لا أبابيل ه لا سجيل ه لا مأكول ه ### | التفسير: # روي أن أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بني كنيسة بصنعاء وأراد أن ~~يصرف إليها الحاج فخرج من كنانة فتغوط فيها ليلا فأغضبه ذلك. # وقيل: أججت رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن ~~الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيل له اسمه محمود وكان قويا عظيما. وقيل: كان معه ~~اثنا عشر فيلا غيره. وقيل: ألف فيل، فلما بلغ قريبا من مكة خرج إليه عبد ~~المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبى جيشه وقدم الفيل، فكانوا ~~كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من ~~الجهات هرول، فأرسل الله تعالى عليهم طيرا سودا أو خضرا أو بيضا أو بلقا ~~كالخطاطيف على اختلاف الأقاويل مع كل طير حجر في منقاره وحجران في رجليه ~~أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. قال ابن عباس: إني رأيت منها عند أم هانئ ~~نحو قفيز مخططة محمرة كالجزع الظفاري، وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج ~~من دبره وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومرض أبرهة ~~فتساقطت أنامله وآرابه وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه وانفلت وزيره أبو ~~يكسوم وطائر ms4709 يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع ~~عليه الحجر فخر ميتا بين يديه. وعن عائشة رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين ~~مقعدين يستطعمان. قال أهل التاريخ: كان أبرهة جد النجاشي الذي عاصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان بين عام الفيل وبين المبعث نيف وأربعون سنة، ~~وكان قد بقي بمكة جمع شاهدوا تلك الواقعة وقد بلغت حد التواتر حينئذ فما ~~ذاك إلا إرهاص للرسول صلى الله عليه وسلم. وزعمت المعتزلة أنها كانت معجزة ~~لنبي قبله كخالد بن سنان أو قس # PageV06P564 # ابن ساعدة. # ويروى أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه يطلبها وقيل ~~لأبرهة: # هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس ~~الجبال. وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما فعظم في عين أبرهة، فلما ذكر ~~حاجته قال: # سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم من ~~قديم الدهر فألهاك عنه ذود أخذ لك فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. ثم ~~رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: # لا هم أن المرء يم نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا ~~ومحالك # الحلال جمع حل وهو الموضع الذي يحل فيه الناس والمحال المماكرة كقوله وهو ~~شديد المحال [الرعد: 13] ثم قال: # إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك # وقال أيضا: # يا رب فامنع منهم حماكا ... يا رب لا أرجو لهم سواكا # فالتفت فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال: والله إنها لطير غريبة ما هي ~~بنجدية ولا تهامية، فأهلكتهم كما ذكرنا. ثم إن أهل مكة قد احتووا على ~~أموالهم وجمع عبد المطلب منها ما صار سبب يساره. وسئل أبو سعيد الخدري عن ~~الطير فقال: حمام مكة منها. وقيل: # جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى. وعن عكرمة: من أصابته أصابه جدري وهو أول جدري ~~ظهر في الأرض. ولنرجع إلى تفسير الألفاظ. وإنما لم يقل «ألم تعلم» إما لأن ~~الخطاب لكل راء، أو لأنه ms4710 صلى الله عليه وسلم كان يعلم علما كالمشاهد المرئي ~~لتواتره ولقرب عهده به. قال النحويون: # قوله كيف مفعول فعل لأن الاستفهام يقتضي صدر الكلام فيقدم على فعله ~~بالضرورة. ثم إن قوله ألم تر وقع على مجموع تلك الجملة. وقال في الكشاف كيف ~~في موضع نصب ب فعل ربك لا ب ألم تر لما في كيف من معنى الاستفهام. قلت: أما ~~قول صاحب الكشاف ففي غاية الإجمال لأن المنصوبات بالفعل أنواع شتى. وأما ~~قول غيره فقريب من الإجمال لأن المفاعيل خمسة، والقول المبين فيه أنه مفعول ~~مطلق والمعنى فعل أي فعل يعني فعلا ذا عبرة لأولي الأبصار. وتقدير الكلام: ~~ألم تر ربك أو إلى ربك كيف فعل بأصحاب الفيل فعلا كاملا في باب الاعتبار ~~لأنه خلق الطيور وجعل طبع الفيل على # PageV06P565 # خلاف ما كان عليه، واستجاب دعاء أهل الشرك تعظيما لبيته، وإن أريد بالفعل ~~المفعول لم يبعد أن يكون مفعولا به كقولك «يفعل ما يشاء» . وفي قوله ربك ~~إشارة إلى أني ربيتك وحفظت البيت لشرف قومك وهم كفرة فكيف أترك تربيتك بعد ~~ظهورك وإسلام أكثر قومك؟ # وفي القصة إشارة إلى أني حفظت البيت وهو موضع العلم للعالم أفلا أحفظ ~~العالم وهو من المسجد كالدر من الصدف؟ فمن أراد تخريب البيت وهدمه وكسره ~~دمرته فالذي همزه ولمزه في العالم وهو المقصود من البيت أفلا أدمره؟ وهاهنا ~~تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة المتقدمة وهذه القصة تجري مجرى مثال ~~آخر لخسران الإنسان. قال بعضهم: إنما قال بأصحاب الفيل ولم يقل أرباب الفيل ~~أو ملاك الفيل لأن الصاحب يكون من جنس القوم فكأنه أشار إلى أنهم من جنس ~~البهائم بل هم أضل لأن الفيل كان لا يقصد البيت ويقول بلسان الحال: لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق وأنهم لم يفهموا رمزه سؤال، أليس أن كفار مكة ملؤا ~~البيت من الأوثان؟ ألم يكن أفحش من تخريب الجدران؟ ثم إنه تعالى لم يسلط ~~عليهم الطير؟ الجواب قال بعضهم: وضع الأوثان في البيت إضاعة حق الله وتخريب ms4711 ~~الجدران تعد على الخلق وإنه تعالى يقدم حق العباد على حق نفسه ولهذا أمر ~~بقتل قاطع الطريق والقاتل وإن كانا مسلمين، ولا يأمر بقتل الشيخ الكبير ~~والأعمى وصاحب الصومعة والمرأة وإن كانوا كفارا لأنهم لا يتعدى ضررهم إلى ~~الخلق. وأقول: لا نسلم أنه تعالى لم يسلط على كفار مكة عذابه لأنه أمر نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم، ثم فصل الفعل المذكور ~~المتعجب منه بقوله ألم يجعل كيدهم في تضليل أي في تضييع وإبطال يقال: # ضلل كيده إذا جعله ضالا ضائعا ومنه قولهم لامرئ القيس «الملك الضليل» ~~لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه. كادوا البيت أولا ببناء الكنيسة وصرف وجوه ~~الحاج إليها فضلل الله كيدهم بأن أوقع الحريق فيه. وكادوه ثانيا بإرادة ~~هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم. ومعنى أبابيل طرائق أي جماعات متفرقة ~~الواحدة إبالة وفي أمثالهم «ضغت على إبالة» شبهت الطير في اجتماعها ~~بالإبالة وهي الحزمة الكبيرة، قال أبو عبيدة: وقيل أبابيل مثل عباديد لا ~~واحد لها، والعباديد الفرق الذاهبون في كل وجه قاله الأخفش والفراء. وقال ~~الكسائي: سمعت بعضهم يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل. والتنكير في طيرا ~~إما للتفخيم لأنها كانت طيرا أعاجيب أو للتحقير لأنها كانت صغار الجثة وهذا ~~أدل على كمال القدرة. وذكروا في وصفها عن ابن مسعود وعن ابن عباس أنها كانت ~~لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كاكف الكلاب. وفي سجيل أقوال أحدها: أن ~~اللام مبدلة من النون وأصله سجين وقد مر أنه علم لديوان الشر كأنه قيل: ~~بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون. وجوز في # PageV06P566 # الكشاف أن يكون اشتقاقه من الإسجال والإرسال لأن العذاب موصوف بذلك. وعن ~~ابن عباس أنه معرب سنك كل وقيل: هو طين مطبوخ والعصف ورق الزرع الذي يبقى ~~في الأرض بعد الحصاد تفتته الرياح وتأكله المواشي. وقال أبو مسلم: هو التبن ~~كقوله والحب ذو العصف والريحان [الرحمن: 12] وقال الفراء: هو أطراف الزرع. ~~وقيل: # هو الحب الذي أكل لبه وبقي قشره، والمأكول الذي وقع فيه الأكال أي ms4712 الدود ~~ونحوه أي الذي أكلته الدواب وراثته إلا أنه جاء على آداب القرآن كقوله كانا ~~يأكلان الطعام [المائدة: 75] قاله مقاتل وقتادة وعطاء عن ابن عباس. وقيل: ~~مأكول حبه كما مر. # وتشبيههم بورق الزرع المذكور إشارة إلى تدميرهم وتصييرهم أيادي سبا. ~~قالوا: إن الحجاج خرب البيت ولم يحدث شيء من ذلك. وأجيب بأن قصده لم يكن ~~تخريب الكعبة وإنما كان شيئا آخر. وأيضا كان إرسال الطير عليهم، إرهاصا ~~للنبي صلى الله عليه وآله وبعد تقرير نبوته لم يكن افتقار إلى الإرهاص ~~والله تعالى عالم بحقائق أحكامه وبه التوفيق وعليه التكلان. # PageV06P567 ### | (سورة الإيلاف) # (مكية حروفها ثلاثة وسبعون آياتها أربع) كلمها سبع عشرة ### | [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش (1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت ~~(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف (4) ### | القراآت: # لإيلاف بتخفيف الهمزة: يزيد إلافهم بطرح الياء: يزيد لألاف بطرح الياء ~~إيلافهم بإثباتها: ابن عامر. الباقون: بإثبات الياء فيهما وحمزة يقف بتليين ~~الهمزة وإلفهم بوزن العلم: ابن فليح الشتاء ممالة: قتيبة ونصير وهبيرة. ### | الوقف # قريش ه لا والصيف ه لا لاحتمال تعلق اللام بما قبلها وبما بعدها كما ~~يجيءبيت # ه لا من خوف ه ### | التفسير: # في هذه اللام ثلاثة أقوال: الأول أنها لا تتعلق بظاهر وإنما هي لام العجب ~~يقولون «لزيد وما صنعنا به» أي أعجبوا له عجب الله تعالى من عظيم حلمه ~~وكرمه بهم فأنهم كل يوم يزدادون جهلا وانغماسا في عبادة الأوثان والله ~~تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معاشهم، وهذا القول اختيار ~~الكسائي والأخفش والفراء. والثاني أنها متعلقة بما بعدها وهو قول الخليل ~~وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتهم ~~شكرا لهذه النعمة واعترافا بها. وفي الكلام معنى الشرط وفائدة الفاء وتقديم ~~الجار أن نعم الله تعالى لا تحصى فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه ~~فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، والقول الثالث أنها متعلقة ~~بالسورة المتقدمة أي جعلهم كعصف مأكول لأجل ms4713 إيلاف قريش، وهذا لا ينافي أن ~~يكونوا قد أهلكوا لأجل كفرهم أيضا. # ويجوز أن يكون الإهلاك لأجل الإيلاف فقط ويكون جزاء الكفر مؤخرا إلى يوم ~~القيامة، ويجوز أن تكون هذه اللام لام العاقبة، ويحتمل أن تتعلق اللام ~~بقوله فعل ربك كأنه قال: # كل ما فعلنا بهم من تضليل كيدهم وإرسال الطير عليهم حتى تلاشوا إنما كان ~~لأجل إيلاف # PageV06P568 # قريش. ولا يبعد أن تكون اللام بمعنى «إلى» أي فعلنا كل ما فعلنا مضمومة ~~إلى نعمة أخرى وهي إيلافهم الرحلتين تقول: نعمة إلى نعمة ونعمة لنعمة. قال ~~الفراء: ومما يؤيد هذا القول الثالث ما روي أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه ~~سورة واحدة بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب من غير ~~فصل بينهما بالبسملة. والمشهور المستفيض هو الفصل بينهما بالبسملة فإن لم ~~تكن اللام متعلقة بما قبلها فلا إشكال، وإن تعلقت بما قبلها من السورة ~~فالوجه فيه أن القرآن كله بمنزلة كلام واحد والفصل بين طائفة وطائفة منه لا ~~يوجب انقطاع إحدى الطائفتين عن الأخرى بالكلية. ثم إن هؤلاء قالوا: لا شك ~~أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع، وكان أشراف مكة يرتحلون للتجارة هاتين ~~الرحلتين ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، ~~وأن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وقطان حرمه ~~فلا يجترئ أحد عليهم، فلو تم لأهل الحبشة ما عزموا عليهم من هدم الكعبة ~~لزال منهم هذا العز فصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون ويغار عليهم ~~ولا يتيسر لهم تجارة ولا ربح، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في ~~نحورهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب واحترمهم الملوك فضل احترام وازدادت ~~تلك المنافع والمتاجر. قال علماء اللغة: ألفت الشيء وآلفته إلفا وإيلافا ~~بمعنى أي لزمته، وعلى هذا يكون قوله لإيلاف قريش من إضافة المصدر إلى ~~الفاعل وترك مفعوله الأول. ثم جعل مقيدا ثانيا في قوله إيلافهم رحلة إما ~~لأن المقيد بدل من ذلك المطلق تفخيما لأمر ms4714 الإيلاف وتذكيرا لعظيم المنة ~~فيه، وإما لأن الأول عام في كل مؤانسة وموافقة كانت بينهم فيدخل فيه مقامهم ~~وسفرهم وسائر أحوالهم. ثم خص إيلافهم الرحلة بالذكر كما في قوله جبريل ~~وميكال [البقرة: 98] لأنه قوام معاشهم. وفائدة ترك واو العطف التنبيه على ~~أنه كل النعمة. والإلزام ضربان: إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة ~~والمؤانسة، فإنه إذا أحب المرء شيئا لزمه لقوة الداعي إليه ومنه وألزمهم ~~كلمة التقوى [الفتح: 26] كما أن الالتجاء قد يكون لدفع الضرر كالهرب من ~~السبع، وقد يكون لجلب النفع العظيم كمن وجد كنزا، ولا مانع من أخذه لا عقلا ~~ولا شرعا ولا حسا فإنه يأخذه البتة كاللجأ. وقال الفراء وابن الأعرابي: ~~الإيلاف التجهيز والتهيئة والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا ~~تنقطعا. وعلى هذا القول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل أيضا. وقيل: ألف كذا ~~فلان لزمه وآلفه غيره إياه فيكون الإيلاف متعديا إلى اثنين، والإضافة في ~~إيلافهم إضافة المصدر إلى المفعول والمعنى إن هذه الألفة إنما حصلت في قريش ~~بتدبير الله ولطفه وذلك بانهزام أصحاب الفيل، واتفقوا على أن قريشا ولد ~~النضر بن كنانة. # PageV06P569 # عن معاوية أنه سأل ابن عباس بم سميت قريش؟ قال: بدابة البحر تأكل ولا ~~تؤكل تعلو ولا تعلى وهي التي تعبث بالسفن ولا تنطلق إلا بالنار وأنشد: # وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا # فالتصغير للتعظيم والدابة القرش. وقيل: القرش الكسب لأنهم كانوا أهل كسب ~~وتجارة فسموا بذلك. وقال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن ~~كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكنا فسموا قريشا لأن التقرش التجمع، وتقرش ~~القوم اجتمعوا ولذلك سمي قصي مجمعا، قال بعضهم: # أبوكم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر # وقيل: القرش التفتيش. قال ابن حلزة: # أيها الشامت المقرش عنا ... عند عمر ووهل لذاك بقاء. # وكانت قريش يتفحصون عن حال الفقراء ويسدون خلة المحاويج. والرحلة اسم من ~~الارتحال قال أكثر المفسرين: كانت لقريش رحلتان رحلة الشتاء إلى اليمن لأنه ~~أدنى، ورحلة الصيف إلى ms4715 الشام وكانت معايشهم قد استقرت على ذلك كما قررنا. ~~وقال آخرون: # الرحلتان رحلة الناس إلى أهل مكة. أما في رجب فللعمرة، وأما في ذي الحجة ~~فللحج، وكانت إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف وموسم منافع مكة يكون ~~بهما. فلو كان تم لأصحاب الفيل ما أرادوه لتعطلت هذه المنفعة والتقدير: ~~رحلتي الشتاء والصيف أو رحلة الشتاء ورحلة الصيف فاقتصر لعدم الإلباس. وفي ~~قوله ليعبدوا # وجهان أحدهما: أن العبادة مأمور بها شكرا لما فعل بأعدائهم ولما حصل لهم ~~من إيلافهم الذي صار سببا لطعامهم وأمنهم كما مر. وقوله من جوع كقولهم ~~«سقاه من العيمة» وهي من التعليلية أي الجوع صار سببا للإطعام. وقوله من ~~خوف هي للتعدية يقال «آمنه الله الخوف ومن الخوف» . الوجه الثاني: أن معناه ~~فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من ~~جوع ويؤمنهم من خوف. ولعل في تخصيص لفظ الرب إشارة إلى ما قالوه لأبرهة «إن ~~للبيت ربا سيحفظه» ولم يعولوا في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا ~~يعبدوا سواه كأنه يقول: لما عولتم في الحفظ علي فاصرفوا العبادة إلي. وفي ~~الإطعام وجوه أحدها: ما مر. والثاني: قول مقاتل: شق عليهم الذهاب إلى اليمن ~~والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة أن ~~حملوا الطعام إلى مكة حتى # PageV06P570 # خرجوا إليهم بالإبل والحمر واشتروا طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين، ~~وتتابع ذلك فكفاهم الله مؤنة الرحلتين. والثالث: # قال الكلبي: معنى الآية أنهم لما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم دعا ~~عليهم فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. فاشتد عليهم القحط وأصابهم ~~الجهد فقالوا: يا محمد ادع الله فإنا مؤمنون فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخصب أهل مكة فذلك قوله أطعمهم من جوع # ووجه المنة بالإطعام مع أنه ليس من أصول النعم في الظاهر أنه سبب الفراغ ~~للعبادة، وفيه أن البهيمة تطيع من يعلفها ولا يليق بالإنسان أن يكون دون ~~الأنعام، على أنه يندرج في الإطعام النعم السابقة ms4716 التي لا يحصل الغذاء إلا ~~بعد وجودها كالأفلاك والعناصر وغيرها، والنعم اللاحقة التي لا يتم الانتفاع ~~بالأكل إلا بها من القوى والآلات البدنية والخارجية. وفي قوله من جوع إشارة ~~إلى أن فائدة الطعام والغاية منه سد الجوعة لا الإشباع التام. وأما الأمن ~~فهو قصة أصحاب الفيل أو تعرض أهل النواحي لهم وكانوا بعد وقعة أصحاب الفيل ~~يعظمونهم ولا يتعرضون لهم. وقال الضحاك والربيع: آمنهم من خوف الجذام. ~~وقيل: من أن تكون الخلافة في غيرهم وفيه تكلف. وقيل: أطعمهم من جوع الجهل ~~بطعام الإسلام والوحي وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى. وقيل: إشارة إلى ~~ما دعا به إبراهيم عليه السلام في قوله رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات من آمن منهم [البقرة: 126] فأجاب الله تعالى بقوله ومن كفر ~~[البقرة: 126] والتنكير في جوع وخوف للتعظيم. وقد روي أنه أصابهم شدة حتى ~~أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وأما الخوف فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب ~~الفيل. ويحتمل أن يكون المراد التقليل أي أطعمهم من جوع دون جوع ليكون ~~الجوع الثاني والخوف الثاني مذكرا لما كانوا فيه أولا فيكونوا شاكرين تارة ~~وصابرين أخرى فيستحقوا ثواب الخصلتين. # PageV06P571 ### | (سورة الماعون) # (مكية وقيل مدنية حروفها مائة وخمسة عشر كلمها وعشرون آياتها سبع) ### | [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] # بسم الله الرحمن الرحيم # أرأيت الذي يكذب بالدين (1) فذلك الذي يدع اليتيم (2) ولا يحض على طعام ~~المسكين (3) فويل للمصلين (4) # الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يراؤن (6) ويمنعون الماعون (7) ### | الوقوف: # بالدين ه ط لأن قوله فذلك كالجزاء لشرط محذوف أي إن لم تعرفه فهو فلان ~~اليتيم ه لا المسكين ه ج للمصلين ه لا ساهون ه لا يراؤن ه لا الماعون ه ### | التفسير: # هذا مثال آخر لكون الإنسان في خسر. قال ابن جريج: نزلت في أبي سفيان كان ~~ينحر جزورين في كل أسبوع فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه. وقال مقاتل: ~~نزلت في العاص بن وائل السهمي وكان من صفته الجمع بين التكذيب بيوم القيامة ~~والإتيان بالأفعال القبيحة. ms4717 وعن السدي: نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل: في ~~أبي جهل. # حكى الماوردي أنه كان وصيا ليتيم فجاءه وهو عريان أن يسأله شيئا من مال ~~نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي فقال له أكابر قريش استهزاء: قل لمحمد ~~يشفع لك فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه الشفاعة، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب ~~به وبذل المال لليتيم فعيره قريش فقالوا: صبأت فقال: لا والله ما صبأت لكن ~~رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في. # وقال كثير من المفسرين: إنه عام لكل من كان مكذبا بيوم الدين والمعنى: هل ~~عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو فإن لم تعرفه فهو الذي يدع اليتيم، وذلك لأن ~~إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في ~~الثواب أو الرهبة من العقاب. فإذا كان منكرا للقيامة لم يترك شيئا من ~~المشتهيات واللذات، فإنكار المعاد كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي، ~~والغرض منه لتعجيب كقولك «أرأيت فلانا ماذا ارتكب» والخطاب لكل عاقل، أو ~~للرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل: # PageV06P572 # الدين هاهنا هو الإسلام لأنه عند الإطلاق يقع عليه وسائر الأديان كلادين، ~~أو يتناولها مع التقييد كقولك «دين النصارى أو اليهود» . والدع الدفع ~~بالعنف كما مر في الطور ذكر شيئين من قبائح أفعال المكذب بالجزاء على سبيل ~~التمثيل وسبب تخصيصهما أنهما منكران بحسب الشرع وبحسب العقل والمروءة أيضا. ~~وفي لفظ يدع بالتشديد رحمة من الله على عباده وإشارة إلى أنه إن صدر أدنى ~~استخدام له أو شيء مما يكرهه الطبع دون الاستخفاف التام والزجر العنيف كان ~~معفوا عند الله ولم يكتب في زمرة المكذبين بالدين، ولا سيما إذا كان بغير ~~اختيار والحض الحث وقد مر في «الفجر» . ولما كان إيذاء اليتيم والمنع من ~~الإطعام دليلا على النفاق فالصلاة لا مع الخشوع كانت أولى بأن تدل على ~~النفاق قال فويل للمصلين وجوز جار الله أن يكون ms4718 فذلك عطفا على الذي يكذب ~~إما عطف ذات على ذات، أو صفة على صفة، ويكون جواب أرأيت محذوفا لدلالة ما ~~بعده عليه كأنه قيل: أخبرني ما تقول فيمن يكذب بالجزاء وفيمن يؤذي اليتيم ~~ولا يطعم المسكين، أنعم ما يصنع أو أخبرني ما تقول في وصف هذين الشخصين ~~أمرضي ذلك؟ ثم قال فويل للمصلين أي إذا علم أنه مسيء فويل لهم، فوضع صفتهم ~~موضع ضميرهم. وجمع لأن المراد بالذي هو الجنس ووجه الاتصال أنهم كانوا مع ~~التكذيب وما أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين غير مزكين أموالهم. وفيه ~~أنهم كما قصروا في شأن المخلوق حيث زجروا اليتيم ولم يحضوا على إطعام ~~المسكين فقد قصروا في طاعة الخالق فما صلوا وما زكوا. والسهو عن الصلاة ~~تركها رأسا أو فعلها مع قلة مبالاة بها كقوله وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا ~~كسالى # [النساء: # 142] وهو قول سعد بن أبي وقاص ومسروق والحسن ومقاتل: وفائدة عن المفيدة ~~للبعد والمجاوزة هذه. وأما السهو في الصلاة فذلك أمر غير اختياري فلا يدخل ~~تحت التكليف، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم سها في الصلاة، وقد أثبت ~~الفقهاء لسجود السهو بابا في كتبهم. وعن أنس: الحمد لله الذي لم يقر «في ~~صلاتهم» ولعل في إضافة الصلاة إليهم إشارة إلى أن تلك الصلاة لا تليق إلا ~~بهم لأنها كلا صلاة من حيث إنهم تركوا شرائطها وأركانها فلم يكن هناك إلا ~~صورة صلاة صح باعتبارها إطلاق المصلين عليهم في الظاهر. ويجوز أن يطلق لفظ ~~المصلين على تاركي الصلاة بناء على أنهم من جملة المكلفين بالصلاة ومعنى ~~المفاعلة في المرآة أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه ~~والإعجاب به وقد مر في قوله رئاء الناس [النساء: 142] ويراؤن الناس # [البقرة: 264] ولا بأس بالإراءة إذا كان الغرض الاقتداء أو نفي التهمة ~~واجتناب الرياء صعب إلا على من راض نفسه وحملها على الإخلاص ومن هنا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء ~~في الليلة # PageV06P573 # المظلمة على المسح ms4719 الأسود» «1» # وفي الماعون أقوال: فأكثر المفسرين على أنه اسم جامع لما لا يمنع في ~~العادة ويسأله الفقير والغني في أغلب الأحوال ولا ينسب سائله إلى لؤم بل ~~ينسب مانعه إلى اللؤم والبخل كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال ~~والقدوم، ويدخل فيه الماء والملح والنار لما # روي «ثلاثة لا يحل منعها الماء والنار والملح» «2» # ومن ذلك أن يلتمس جارك الخبز في تنورك أو أن يضع متاعه عندك يوما أو نصف ~~يوم. قالوا: # هو «فاعول» من المعن وهو الشيء القليل ولا منه ماله سعنة ومعنة أي كثير ~~وقليل. وقد تسمى الزكاة ماعونا لأنه يؤخذ من المال ربع العشر وهو قليل من ~~كثير. قال العلماء: ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه ~~الجيران فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على قدر الضرورة، وقد يكون منع هذه الأشياء ~~محظورا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار. # وعن أبي بكر وعلي رضي الله عنهم وابن عباس وابن الحنيفة وابن عمرو الحسن ~~وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو الزكاة لأنه تعالى ذكرها عقيب ~~الصلاة. # وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء ولعله خص بالذكر ~~لأنه أعز مفقود وأرخص موجود وأول آلام أهل النار أفيضوا علينا من الماء ~~[الأعراف: 50] وأول لذات أهل الجنة وسقاهم ربهم شرابا [الدهر: 21] وقيل: هو ~~حسن الانقياد والطاعة. وفي الآيتين إشارة إلى أن الصلاة لي والماعون للخلق، ~~فالذي يحب أن يفعل لأجلي يرونه الناس والذي هو حق الخلق يمنعونه منهم فلا ~~يراعون جانب التعظيم لأمر الله ولا جانب الشفقة على خلق الله وهذه كمال ~~الشقاوة نعوذ بالله منها والله تعالى أعلم. PageV06P574 ### | (سورة الكوثر) # (مكية وعن قتادة مدنية حروفها اثنان وأربعون كلمها عشر آياتها ثلاث) ### | [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إنا أعطيناك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3) ### | القراآت # شانئك بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف. وقرأ قتيبة ونصير مهموزا ~~ممالة. ### | الوقوف # الكوثر ه ط وانحر ه ط الأبتر ه ### | التفسير: # هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، ms4720 لأن تلك مثال لكون الإنسان في ~~خسر، وهذه للمستثنين منهم بل لأشرفهم وأفضلهم وهو النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل له ولشانيه، فكأنها مثال للفريقين جميعا. هذا وجه إجمالي وأما الوجه ~~التفصيلي فقوله إنا أعطيناك الكوثر أي الخير الكثير وقع في مقابلة الدع ~~والمنع من الإطعام وقوله فصل أي دم على الصلاة وقع بإزاء قوله عن صلاتهم ~~ساهون [الماعون: 5] وقوله لربك مكان قوله يراؤن [الماعون: 6] وقوله وانحر ~~والمراد به التصدق بلحوم الأضاحي بحذاء قوله ويمنعون الماعون [الماعون: 7] ~~ثم ختم السورة بقوله إن شانئك هو الأبتر أي الذي تضاد طريقته طريقتك سيزول ~~عنه ما يفتخر به من المال والجاه والأحساب والأنساب ويبقى لك ولمتابعيك ~~الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى، بل يدوم لك النسب الصوري ~~بسبب أولادك الشرفاء والنسب المعنوي بواسطة أتباعك العلماء، ثم في الآية ~~أصناف من المبالغة منها: التصدير ب «إن» ومنها الجمع المفيد للتعظيم، ومنها ~~لفظ الإعطاء دون الإيتاء ففي الإعطاء دليل التمليك دون الإيتاء ولهذا حين ~~قال ولقد آتيناك سبعا من المثاني [الحجر: 7] كان أمته مشاركين له في ~~فوائدها ولم يكن له منعهم منها. ومنها صيغة المضي الدالة على التحقيق في ~~وعد الله تعالى كما هي عادة القرآن، ومنها لفظ الكوثر وهو مبالغة في الكثرة ~~بزيادة الواو كجدول فيشمل خيرات الدنيا والآخرة، إلا أن أكثر # PageV06P575 # المفسرين خصوه فحملوه على أنه اسم نهر في الجنة. # عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «رأيت نهرا في الجنة حافتاه قباب ~~اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر فقلت: # ما هذا؟ فقيل: هو الكوثر الذي أعطاك الله» # وفي رواية «ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور خضر لها ~~أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان» # قال أهل المعنى: ولعله إنما سمى كوثرا لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيرا، ~~أو لأن أنهار الجنة تتفجر منه كما # روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من ms4721 الكوثر نهر جار أو لكثرة شاربيه. # وقد يقال: إن الكوثر حوض في الجنة على ما ورد في الأخبار فلعل منبعه حوض ~~ومنه تسيل الأنهار، والقول الثالث أن الكوثر أولاده لأن هذه السورة نزلت ~~ردا على من زعم أنه الأبتر كما يجيء والمعنى أنه يعطيه بفاطمة نسلا يبقون ~~على مر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت ثم العالم مملوء منهم، ولم يبق ~~من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به، والعلماء الأكابر منهم لا حد ولا حصر ~~لهم. منهم الباقر والصادق والكاظم والرضي والتقي والنقي والزكي وغيرهم. ~~القول الرابع: الكوثر علماء أمته لأنهم كأنبياء بني إسرائيل واختلافهم في ~~فروع الشريعة رحمة كما كان اختلاف الأنبياء في الفروع رحمة مع اتفاقهم على ~~الأصول فالتوحيد والنبوة والمعاد كأصول الشجرة وأديان الأنبياء كشعبها ~~الكبار، والمذاهب كالأغصان المتفرعة عن الشعب. الخامس: الكوثر النبوة ولا ~~يخفى ما فيها من الخير الكثير لأنها ثانية رتبة الربوبية ولهذا كانت طاعة ~~الرسول طاعة الله ثم لرسولنا الحظ الأوفر من هذه الفضيلة لأنه المذكور قبل ~~سائر الأنبياء والمبعوث بعدهم، ثم هو مبعوث إلى الثقلين ولن يصير شرعه ~~منسوخا وله كل معجزة كانت لغيره من الأنبياء المشهورين، وكتاب آدم كان ~~كلمات كما قال فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة: 37] وكتاب ابراهيم وموسى ~~كان كلمات وصحفا وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [البقرة: 124] وصحف إبراهيم ~~وموسى [الأعلى: 19] وكتاب محمد صلى الله عليه وسلم مهيمن على الكل كما قال ~~ومهيمنا عليه [المائدة: # 48] وإن آدم عليه السلام تحدى بالكلمات والأسماء أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~[البقرة: 31] ومحمد صلى الله عليه وسلم إنما تحدى بالمنظوم قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن [الإسراء: 88] الآية. # وأما نوح عليه السلام فإن الله أكرمه بأن أمسك سفينته على الماء، وفي حق ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقف الحجر على الماء. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان على شط ماء ومعه عكرمة بن أبي جهل فقال: ~~إن كنت صادقا فادع ذلك الحجر الذي هو في الجانب فليسبح ولا يغرق، فأشار ~~الرسول صلى ms4722 الله عليه وسلم إليه فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين ~~يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وشهد له بالرسالة. فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يكفيك هذا؟ قال: حتى يرجع إلى مكانه. فأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرجع إلى مكانه. # PageV06P576 # وأكرم إبراهيم فجعل النار بردا وسلاما عليه. # وروى محمد بن حاطب قال: كنت طفلا فانصب القدر من على النار علي فاحترق ~~جلدي كله فحملتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: # هذا ابن حاطب احترق كما ترى، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جلدي ~~ومسح بيده على المحترق منه وقال صلى الله عليه وسلم: أذهب البأس رب الناس. ~~فصرت صحيحا لا بأس بي. # وأكرم موسى بفلق البحر في الأرض وأكرم محمدا صلى الله عليه وسلم ففلق له ~~القمر فوق السماء، وفجر له الماء من الحجر، وفجر لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~أصابعه عيونا، وأكرم موسى بتظليل الغمام في زمان نبوته، وأكرم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بذلك قبل ظهور نبوته، أكرم موسى عليه السلام باليد البيضاء ~~وأكرم محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن العظيم الذي هو نور من الله برهان. ~~وقلب الله عصى موسى ثعبانا. ولما أراد أبو جهل أن يرميه بالحجر رأى على ~~كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوبا. وسبحت الجبال مع داود عليه السلام وسبحت ~~الأحجار في يده ويد أصحابه. وكان داود عليه السلام إذا مسح الحديد لان، ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين مسح الشاة الجدباء درت. وأكرم داود ~~بالطير المحشورة ومحمد صلى الله عليه وسلم بالبراق، وأكرم عيسى بإحياء ~~الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وأكرمه صلى الله عليه وسلم بإحياء الشاة ~~المسمومة وبتكلمها أنها مسمومة. # وروي أن معاذ بن عفراء كانت له امرأة برصاء فشكت ذلك إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فمسح عليها بغصن فأذهب الله عنها البرص، وحين سقطت حدقة رجل يوم ~~أحد رفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها إلى مكانها. # وكان عيسى يخبر بما في بيوت ms4723 الناس والرسول صلى الله عليه وسلم عرف ما ~~أخفته أم الفضل فأسلم العباس لذلك، ورد الشمس لسليمان مرة # والرسول كان نائما ورأسه في حجر علي عليه السلام فانتبه وقد غربت الشمس ~~فردها حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها مرة أخرى لعلي عليه ~~السلام فصلى العصر لوقته. # وعلم سليمان منطق الطير وفعل ذلك في حق محمد صلى الله عليه وسلم، # روي أن طائرا فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فقال: أيكم فجع هذه ~~بولدها؟ فقال رجل: أنا فقال: أردد ولدها، وكلام الذئب والناقة معه مشهور. # وأكرم سليمان بمسير غدو شهر وأكرمه بالمسير إلى بيت المقدس في ساعة، # وكان له صلى الله عليه وسلم يعفور يرسله إلى من يريد فيجيء به. وأرسل ~~معاذا إلى بعض النواحي فلما وصل إلى المفازة فإذا أسد جاث فهاله ذلك ولم ~~يستجرئ أن يرجع فتقدم وقال: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبصبص، # وكما انقاد الجن لسليمان انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم. # وحين جاء الأعرابي بالضب تكلم الضب معترفا برسالته، وحين كفل الظبية حتى ~~أرسلها الأعرابي رجعت تعدو حتى أخرجته من الكفالة، وحين لسعت الحية عقب ~~الصديق في الغار قالت: كنت مشتاقة إليه. منذ كذا سنين فلم حجبتني عنه. ~~وأطعم الخلق الكثير من الطعام القليل. ومعجزاته صلى الله عليه وسلم أكثر من ~~أن تحصى خصوصا في هذا المقام فثبت صحة قوله إنا أعطيناك الكوثر قيل: هو ~~القرآن لأن فوائده عديد الحصى. وقيل: الإسلام أو الشفاعة أو # PageV06P577 # رفع الذكر أو العلم وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113] أو الخلق الحسن وإنك لعلى خلق عظيم [القلم: 4] وقد يقال: ~~إن هذه السورة مع قصرها معجزة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو ~~الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد ~~وقد وقع مطابقا، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من ~~القرآن. # قوله فصل لربك وانحر في الصلاة أقوال: فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك، ms4724 ~~وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي، وقيل: هي الدعاء ~~كأنه قال: قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط ~~واشفع تشفع وذلك أنه أبدا كان في هم أمته. والأقرب وعليه الأكثرون أنها ~~الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر ~~المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان ~~شاكرا قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعا لربه شاكرا لنعمه. أما الصلاة ~~فإنه إنما عرفها بالوحي، # يروى أنه حين أمر بالصلاة قال: كيف أصلي ولست على وضوء؟ فقال الله: إنا ~~أعطيناك الكوثر وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضا فقيل ~~له عند ذلك فصل # وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال: # أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات فصل وفي قوله لربك إشارة ~~إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان. وإنما لم يقل لنا سلوكا لطريقة ~~الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء «يرسم أمير المؤمنين كذا» ~~ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لوقال «لي» ~~انقطع النظم، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية، ثم الذين فسروا الصلاة ~~بما عرف في الشرع اختلفوا فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ، ~~وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك. وقال الآخرون: # إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله وانحر وكانوا يقدمون الأضحية على ~~الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها. والواو تفيد الترتيب استحسانا وأدبا وإن لم ~~تفده قطعا. وقال سعيد بن جبير: صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة ~~بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقرا بينهم للأصنام ~~فأمر صلى الله عليه وسلم بأن تكون صلاته وقربانه لله تعالى، وكان النحر ~~واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم. # قال صلى الله عليه وسلم «ثلاث كتبن علي ولم تكتب على أمتي. # الضحى والأضحى والوتر» . # وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر ms4725 ~~بنحرها وصرفها إلى طاعة الله ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق # PageV06P578 # النفسانية. # يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل ~~في أنفه برة من ذهب، فنحرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعيا صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أمر عليا بذلك وكانت النوق يزدحمن على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما أخذ علي عليه السلام السكين تباعدت منه عليه السلام، # قال عامة أهل التفسير كابن عباس ومقاتل والكلبي: إن العاص بن وائل وجمعا ~~من صناديد قريش يقولون: # إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا ~~منه، وكان قد مات ابنه عبد الله ابن خديجة فأنزل الله تعالى هذه السورة كما ~~مر في أول «المائدة» . # والشنء البغض والشانئ المبغض والبتر في اللغة استئصال القطع ومنه الأبتر ~~المقطوع الذنب، فاستعير للذي لا عقب له ولمن انقطع خبره وذكره، فبين الله ~~تعالى بهذه الصيغة المفيدة للحصر أن أولئك الكفرة هم الذين ينقطع نسلهم ~~وذكرهم، وأن نسل محمد صلى الله عليه وسلم ثابت باق الى يوم القيامة كما # أخبر بقوله «كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي» # وإن دين الإسلام لا يزال يعلو ويزيد والكفر يعلى ويقهر إلى أن يبلغ الدين ~~مشارق الأرض ومغاربها كما قال أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ~~[الرعد: 41] قال بعض أهل العلم: إن الكفار لما شتموه بأنه أبتر أجاب الله ~~عنه من غير واسطة فقال إن شانئك هو الأبتر وهكذا سنة الأحباب إذا سمعوا من ~~يشتم حبيبهم تولوا بأنفسهم جوابه، ونظيره في القرآن كثير قالوا هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم إلى قوله أم به جنة فقال سبحانه بل الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد [سبأ: 7، 8] وقالوا هو مجنون ~~فأقسم الله ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون [القلم: 1، 2] ~~وقالوا لست مرسلا فقال يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم # [يس: # 1، 3] ويقولون أإنا لتاركوا ms4726 آلهتنا لشاعر مجنون [الصافات: 36] فرد عليهم ~~بقوله بل جاء بالحق وصدق المرسلين [الصافات: 36] ثم ذكر وعيد خصمائه بقوله ~~إنكم لذائقوا العذاب الأليم [الصافات: 38] وحين قال حاكيا أم يقولون شاعر ~~[الطور: 30] قال وما علمناه الشعر [يس: 69] وقالوا إن هذا إلا إفك افتراه ~~وأعانه عليه قوم آخرون [الفرقان: 4] فأجابهم بقوله فقد جاؤ ظلما وزورا ~~[الفرقان: 4] وقالوا أساطير الأولين [الفرقان: 5، 6] فقال قل أنزله الذي ~~يعلم السر [الفرقان: 5، 6] وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق [الفرقان: 7] فأجابهم بقوله وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20] فما أجل هذه الكرامة! وقال ~~أهل التحقيق السالكون: بل الواصلون لهم ثلاث درجات أعلاها أن يكونوا ~~مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله وأشار إليها بقوله # PageV06P579 # إنا أعطيناك الكوثر فإن روحه القدسية متميزة في الكثرة عن سائر الأرواح ~~البشرية بالكم لأنها أكثر مقدمات، وبالكيف لأنها أسرع انتقالا من المقدمات ~~إلى النتائج. وأوسطها أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية وأشار ~~إليها بقوله فصل لربك وأدناها أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانتصاب إلى ~~اللذات العاجلة وهي قوله وانحر فإن منع النفس الشهوية جارية مجرى الذبح ~~والنحر. ومن البيان أن ترتيب السالك هو الأخذ من الأدون إلى الأعلى، وإنما ~~ورد القرآن بما ورد تنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم كان في نهاية ~~الوصول. وأن هذا الترتيب بالنسبة إليه ينعكس وذلك أنه جاء من الحق إلى ~~الخلق. ثم أشار بقوله إن شانئك هو الأبتر إلى أن دواعي النفس التي هي أعدى ~~الأعداء لا بقاء لها، وإنما هي لذات زائلة وتخيلات فانية والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [الكهف: 46] # PageV06P580 ### | (سورة الكافرون) # (مكية حروفها أربعة وتسعون كلمها ست وعشرون آياتها ست) ### | [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل يا أيها الكافرون (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~(3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) # ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي دين (6) ### | القراآت # عابدون وما بعده بالإمالة ms4727 قتيبة والحلواني عن هشام ولي الدين بالفتح: ~~نافع غير إسماعيل وحفص والمفضل وهشام وزمعة عن ابن كثير وديني بالإسكان في ~~الحالين: يعقوب وأفق سهل وعباس في الوصل. ### | الوقوف: # الكافرون ه لا ما تعبدون ه لا أعبد ه ج للتكرار مع العطف عبدتم ه لا أعبد ~~ه ط دين ه. ### | التفسير: # هذه السورة تسمى أيضا سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة. # وروي «من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن» «1» # فأولها العلماء بأن القرآن فيه مأمورات ومنهيات، وكل منهما إما أن يتعلق ~~بالقلب والجوارح، وإما أن يتعلق بالجوارح، وهذه السورة تتضمن القسم الثالث ~~أعني النهي المتعلق بالقلب فكانت ربعا لما يتعلق بالتكاليف من القرآن بل ~~ربعا للقرآن لأن المقصود الأصلي من المواعظ والقصص وغيرها هو التزام ~~التكاليف كما قال سبحانه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [الذاريات: 56] # يروى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية ~~بن خلف قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # تعال حتى نعبد إلهك مدة وتعبد إلهنا مدة فيحصل الصلح بيننا وبينك وتزول ~~العداوة من بيننا، فإن كان أمرك رشيدا أخذنا منه حظا، وإن كان أمرنا رشيدا ~~أخذت منه حظا فنزلت هذه السورة ونزل قوله قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون [الزمر: 64] # فتارة وصفهم بالجهل وتارة خاطبهم بالكفر، فالجهل كالشجرة والكفر كالثمرة، ~~ولكن الكفر أشنع من PageV06P581 # الجهل، فقد يكون الجهل غير ضار كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم قال في علم الأنساب «علم لا ينفع ولا يضر» # ولهذا خصت السورة بهذا الخطاب لأنها بأسرها فيهم. # وروي عن علي عليه السلام أن «يا» نداء النفس و «أي» نداء القلب و «ها» ~~نداء الروح. وبوجه آخر «يا» للغائب و «أي» للحاضر و «ها» للتنبيه. # كان الله تعالى يقول أدعوك ثلاثا ولا تجيبني مرة ما هذا إلا لجهلك بحقي. ~~ثم الخطاب مع جميع الكفار أو مع بعضهم، وعلى الأول يدخله التخصيص لا محالة ~~لأن فيهم من يعبد الله كأهل الكتاب فلا يجوز أن يقول لهم لا ms4728 أعبد ما تعبدون ~~وفيهم من آمن بعد ذلك فلا يجوز أن يخبر عنهم بقوله ولا أنتم عابدون ما أعبد ~~وعلى الثاني يكون خطابا لبعض الكفرة المعهودين الحاضرين وهو الذين قالوا ~~نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، ولا يلزم التخصيص فيكون أولى. أما ظاهر ~~التكرار الذي وقع في هذه السورة ففيه قولان: أحدهما أنه للتأكيد وأى موضع ~~أحوج إلى التأكيد من هذا المقام فإنهم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما طلبوا منه مرارا، وسكت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجواب فوقع في ~~قلوبهم أنه قد مال إلى دينهم بعض الميل. # وروي أنهم ذكروا قولهم تعبد إلهنا مدة ونعبد إلهك مدة مرتين، # فأجيبوا مكررا على وفق قولهم وهو نوع من التهكم فإن من كرر الكلمة ~~الواحدة لغرض فاسد قد يجاب عنه بنفيه مكررا للاستخفاف وحسم مادة الطمع. ~~القول الثاني: إن الأول للمستقبل وعلامته لا التي هي للاستقبال بدليل أن ~~«لن» نفي للاستقبال على سبيل التوكيد أو التأبيد. وزعم الخليل أن أصله «لا ~~أن» والثاني للحال والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة ~~آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي. ثم قال ~~ولا أنا عابد في الحال ما عبدتم ولا أنتم في الحال بعابدين لمعبودي. وعلى ~~هذا القول زعم بعضهم أن الأمر بالعكس إذ الترتيب أن ينفى الحال أولا ثم ~~الاستقبال، وللأولين أن يجيبوا بأنهم إنما دعوه إلى عبادة غير الله في ~~الاستقبال فكان الابتداء به أهم. وفائدة الإخبار عن الحال وكان معلوما أنه ~~ما كان يعبد الصنم والكفار كانوا يعبدون الله في بعض الأحوال هي أن لا ~~يتوهم أحد أنه يعبد غير الله سرا خوفا أو طمعا، وعبادة الكفار لم تكن معتدا ~~بها لأجل الشرك. ولأبي مسلم قول ثالث وهو أن ما في الأولين بمعنى الذي، ~~وأما في الآخرين فمصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم المبنية على الإشراك، ولا ~~أنتم عابدون عبادتي المبنية على اليقين. ووجه رابع وهو أن يحمل الأول ms4729 على ~~نفي الالتماس الصادر عنهم، والآخر على النفي المطلق العام المتناول لجميع ~~الجهات كمن يدعو غيره إلى الظلم لغرض التنعم فيقول: لا أظلم لغرض التنعم بل ~~لا أظلم رأسا لا لهذا الغرض ولا لسائر الأغراض. قوله ما تعبدون ليس فيه ~~إشكال إنما الإشكال فى قوله ما أعبد # PageV06P582 # فأجيب بعد تسليم أن «ما» ليست أعم بأن المراد به الصفة كأنه قيل: لا أعبد ~~الباطل ولكن أعبد الحق، أو هي «ما» المصدرية على نحو ما مر، أو هي للطباق ~~كقوله وجزاء سيئة سيئة [الشورى: 40] فإن قيل: لما كان المقام مقام التأكيد ~~والمبالغة ولهذا كرر ما كرر فلم لم يقل «لن أعبد» كما قال أصحاب الكهف لن ~~ندعو من دونه إلها [الكهف: 14] قلت: إن أصحاب الكهف كانوا متهمين بعبادة ~~الأصنام لأنه قد وجد منهم ذلك قبل أن أرشدهم الله، وإن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لم يكن متهما بذلك قط فلم يحتج إلى المبالغة ب «لن» . ثم أول السورة ~~لما اشتمل على التشديد البليغ وهو النداء بالكفر والتكرير فاشتمل آخرها على ~~اللطف من بعض الوجوه كأنه قال: قد بالغت في منعكم من هذا الأمر القبيح فإن ~~لم تقبلوا قولي فاتركوني سواء بسواء. قال ابن عباس: لكم كفركم بالله ولي ~~التوحيد والإخلاص. ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن السورة منسوخة بآية القتال. ~~والمحققون على أنه لا نسخ بل المراد التهديد كقوله اعملوا ما شئتم [فصلت: ~~40] وقيل: الدين الجزاء. وقيل: المضاف محذوف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ~~ديني. وقيل: الدين العبادة. # PageV06P583 ### | (سورة النصر) # (مدنية وقيل مكية حروفها تسعة وتسعون كلمها تسع وعشرون آياتها ثلاث) ### | [سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3] # بسم الله الرحمن الرحيم # إذا جاء نصر الله والفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (2) ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3) ### | الوقوف: # والفتح ه أفواجا ه لا واستغفره ط توابا ه. ### | التفسير: # السورة المتقدمة اشتملت على نصرة الله بقوله يا أيها الكافرون [الكافرون: ~~1] وعلى فتح مكة القلب بعسكر التوحيد، وعلى تسخير جميع القوى ms4730 البدنية في ~~طاعة خالقها بقوة البراءة عن الأديان الباطلة كلها فقال الله سبحانه: ~~نصرتني بلسانك فكان جزاؤه إذا جاء نصر الله فتح مكة في الظاهر وسخرت قواك ~~لطاعتي فجازيناك بدخول الناس في دين الله أفواجا. ثم إنه قابل هذه الخلع ~~الثلاث بحكم تهادوا تحابوا بثلاثة أنواع من العبودية إن نصرتك فسبح تنزيها ~~لفعلي عن مشابهة المحدثات وتنبيها على أن لا يستحق أحد علي شيء، وإذا فتحت ~~مكة فاحمد لأن النعمة يجب مقابلتها بالحمد، وإذا رأيت الناس قد أطاعوك ~~فاستغفر لذنبك وهو الاشتغال بما عسى أن يقع من لذة الجاه والقبول وللمؤمنين ~~والمؤمنات، لأنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر وكان احتياجهم إلى ~~الاستغفار أشد. وقوله إذا جاء نصر الله معناه لا تذهب إلى النصر بل النصر ~~يجيء إليك نظيره # «زويت لي الأرض» # يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، ولا ترحل إلا إلى مقام قاب ~~قوسين سبحان الذي أسرى بعبده ليلا [الإسراء: 1] بل أزيد على هذا فأفضل ~~فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا، فإذا ~~بقي الفقراء من غير مطية أسوق الجنة إليهم وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد ~~[ق: 31] وإنما قال في السورة المتقدمة ما أعبد [الكافرون: 3] وهاهنا قال ~~نصر الله إشارة إلى أنه يجب أن لا يذكر اسمي مع الأعداء حتى لا يهينوه ولكن ~~اذكر اسمي مع الأحباب حتى يكرموه. والفرق بين النصر والفتح أن النصر أي ~~الإعانة على تحصيل المطلوب هو الطريق، # PageV06P584 # والفتح هو المقصود، ولهذا قدم الأول على الثاني. وقيل: النصر كمال الدين ~~والفتح الإقبال الدنيوي له ولأمته كقوله أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي [المائدة: 3] وقيل: النصر هو الظفر على المنى في الدنيا والفتح في ~~الآخرة وفتحت أبوابها [الزمر: # 73] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا منصورا بالدلائل والمعجزات ~~إلا أن الغلبة على قريش بل على أكثر العرب لما حصلت في هذا التاريخ صح ~~التقييد به. ثم إن جمهور المفسرين ومنهم ابن عباس ذكروا أن الفتح هو فتح ~~مكة الذي ms4731 يقال له فتح الفتوح. يروى أن فتح مكة كان سنة ثمان ونزول السورة ~~سنة عشر ولم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلا سبعين يوما ~~ولذلك تسمى سورة التوديع، وقد اتفق أكثر الصحابة على أنها دلت على نعي ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمه بعض الصحابة منها، # وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها فقال: إن عبدا خيره الله ~~بين الدنيا وبين لقائه في الآخرة فاختار لقاء الله. # قالوا: ومما يدل عليه أنه ذكر مقرونا بالنصرة وقد كان يجد النصر دون ~~الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإنه فتح البلد لكن لم ~~يأخذ القوم. أما يوم فتح مكة فاجتمع له الأمران، وصار الخلق له كالأرقاء ~~حتى أعتقهم وذلك # أنه صلى الله عليه وسلم وقف على باب المسجد وقال: لا إله إلا الله وحده ~~صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني ~~فاعل بكم؟ فقالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. # فسموا بذلك. وقيل: فتح خيبر. وقيل: فتح الطائف. وعن أبي مسلم: النصر على ~~الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق. وقيل: # انشراح الصدر للخيرات والأعمال الفاضلة، والفتح انفتاح أبواب المعارف ~~والكشوف. أما الذين قالوا إن الفتح فتح مكة وكان نزول السورة قبله على ما ~~يدل عليه ظاهر صيغة إذا فالآية من جملة المعجزات لأنها إخبار بالغيب وقد ~~وقع. واللام في الفتح بدل من الإضافة كأنه قيل: وفتح الله. قوله ورأيت ~~ظاهره أنها رؤية القلب، وجوز أن تكون رؤية البصر فيكون يدخلون حالا. وظاهر ~~لفظ الناس يقتضي العموم فيجب أن يقدر غيرهم كالنسناس بدليل قوله أولئك ~~كالأنعام [الأعراف: 179] # وسئل الحسن بن علي فقال: نحن الناس وأشياعنا أشباه الناس وأعداؤنا ~~النسناس، فقبله علي بين عينيه وقال الله أعلم حيث يجعل رسالته [الأنعام: ~~124] # قيل: إنهم لما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير فكيف استحقوا ~~المدح بأنهم الناس؟ وأجيب بأنه إشارة إلى سعة رحمة الله ms4732 فإن العبد بعد أن ~~أتى بالكفر والمعصية سبعين سنة فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره قبل إيمانه ~~كأن الرب تعالى يقول: ربيته سبعين سنة فإن مات على كفره وقع في النار وضاع ~~إحساني إليه في سبعين سنة. # ويروى أن الملائكة تقول لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV06P585 # «لله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد والظمآن الواردة» «1» # ويجوز أن يكون المراد بالناس أهل اليمن على ما # روي عن أبي هريرة انه لما نزلت السورة قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~الله أكبر جاء نصر الله والفتح. # وجاء «أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم» # الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية» «2» # وقال «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن» «3» # قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلد صحيح لأنه تعالى ~~حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على نبيه. ثم إنا نعلم ~~قطعا أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدلائل ولا صفات الكمال ونعوت ~~الجلال، وكونه سبحانه متصفا بها منزها عن غيرها ولا ثبوت المعجز التام على ~~يد محمد صلى الله عليه وسلم ولا وجه دلالة المعجزة على النبوة. وعن الحسن: ~~لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: لا يدي لنا به فقد ~~ظفر بأهل مكة وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وكل من أرادهم بسوء ~~فأخذوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال. ولا شك أن هذا القدر مما ~~يفيد غلبة الظن فقط. والفوج الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها ~~بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين. # وروي أن جابر بن عبد الله بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون ~~منه أفواجا. # ثم إنه أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار فكأنه صلى الله عليه وسلم ~~ضاق قلبه عن تأخير النصر كما قال وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا ms4733 معه ~~متى نصر الله [البقرة: 214] فأمر بالتسبيح تنزيها لله عما لا يليق بكماله ~~وحكمته وعنايته بخلقه، وأمر أن يكون التسبيح مقرونا بالحمد لأن المقام ~~يستدعي تذكير النعمة وهي الفتح والنصر ودخول الناس في الدين من غير متاعب ~~الجهاد ومؤن القتال، ثم أمر بالاستغفار كفارة لما عسى أن يبدو ويدور في ~~الخلد من ملاحظة حاله بعين الكمال، وكما أن التسبيح المقرون بالحمد نظر من ~~الحق إلى الخلق فالاستغفار عكسه وهو التفات عن الخلق إلى الحق. وإنما قهمت ~~الصحابة من السورة نعي النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل كمال فإنه يدل على ~~زوال كما قيل: # إذا تم أمر يدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم # ويمكن أن يقال: إنه أمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا. ولا يخفى أن ~~الاشتغال بهذه الأعمال يمنع من الاشتغال بأعباء التبليغ وبأداء ما كان ~~يواظب عليه من رعاية مصالح PageV06P586 # الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر الرسالة قد تم وكمل بسبب الموت ~~والإلزام العزل. # روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة كان يكثر ~~أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك. # وفي رواية: كان يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر ~~لي. # وفي رواية أخرى كان نبي الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا ~~يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده. فقلت: يا رسول الله ~~إنك تكثر من قول «سبحان الله وبحمده» قال: إني أمرت بها وقرأ السورة. # وعن ابن مسعود أنه لما نزلت هذه السورة كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن ~~يقول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم. # وفي الآية تنبيه على أن العاقل إذا قرب أجله وأنذره الشيب أقبل على ~~التوبة والاستغفار وتدارك بعض ما فات في أوان الغفلة والاغترار وفي معنى ~~الباء في قوله بحمد ربك وجوه للمفسرين منها: أن المراد قل سبحان الله ~~والحمد لله تعجبا مما أراك من مقصودك. يقال: شربت ms4734 اللبن بالعسل أي خلطتهما ~~فشربت المخلوط. ومنها أن الباء للآلة أي سبحه بواسطة تحميده لأن الثناء ~~يتضمن التنزيه عن النقائص، والدليل عليه أنه صلى الله عليه وسلم عند فتح ~~مكة بدأ بالتحميد قائلا الحمد لله الذي نصر عبده. ومنها أن المراد فسبح ~~متلبسا بالحمدلة لأنك لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظا فاجمعهما نية. وقيل: ~~سبحه مقرونا بحمد الله على ما هداك إلى تسبيحه كما # روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: الحمد لله على الحمد لله. # وقيل: # الباء للبدل أي ائت بالتسبيح بدل الحمد الواجب عليك في مقابلة نعمة النصر ~~والفتح لأن الحمد لا حصر له وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [إبراهيم: 34] ~~وقيل: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لله أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن ~~الآخر لوجوب الإتيان بكل منهما على الفور كما لو ثبت له حق الشفعة وحق الرد ~~بالعيب وجب أن يقول اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع. وقيل: الباء صلة أي طهر ~~محامد ربك عن النقائص والرياء. وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن ~~التربية هي الموجبة للحمد، أما الاستغفار فإن كان لأجل الأمة فلا إشكال، ~~وإن كان لأجل نفسه فإما للاقتداء وإما لترك الأولى والأفضل، وإما بالنظر ~~إلى المرتبة المتجاوز عنها فإن السالك يلزمه عند الارتقاء في كل درجة يصل ~~إليها أن يستغفر عما يخلفها. وفي قوله توابا دون أن يقول «غفارا كما في ~~سورة نوح إشارة إلى أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم بل هذه الأمة امتثلوا ~~فاستغفروا وتابوا فوجب على فضل الله قبول توبتهم بخلاف قوم نوح. # PageV06P587 ### | (سورة تبت) # (مكية حروفها أحد وثمانون كلمها ثلاث وعشرون آياتها خمس) ### | [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات ~~لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) # في جيدها حبل من مسد (5) ### | القراآت: # أبي لهب بسكون الهاء: ابن كثير سيصلى بضم الياء: البرجمي حمالة بالنصب: ~~عاصم جيدها ممالة: نصير. ### | الوقوف: # وتب ه ms4735 كسب ه لهب ج ه لاحتمال كون وامرأته مبتدأ خبره حمالة الحطب أو في ~~جيدها إلى آخره واحتمال كونه عطفا على ضمير سيصلى والأوجه الوصل وامرأته ه ~~لمن قرأ حمالة بالنصب على الذم، ويجوز الوقف لمن قرأ بالرفع أيضا على تقدير ~~هي حمالة الحطب. ومن قرأ حمالة بالنصب فله أن يصل ذات لهب بما بعده ويقف ~~على مسد مسد ه. ### | التفسير: # لما أخبر عن فتح الولي وهو النبي صلى الله عليه وسلم نبه على مآل حال ~~العدو في الدارين. # قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتم أمره في أول المبعث ~~ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله وأنذر عشيرتك الأقربين ~~[الشعراء: 214] فصعد الصفا ونادى: يا آل غالب فخرجت إليه من المسجد. فقال ~~أبو لهب: هذه غالب قد أتتك فما عندك؟ ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من ~~لؤي فقال: هذه لؤي قد أتتك فما عندك؟ فقال يا آل- كلاب ثم قال بعده: يا آل ~~قصي فقال أبو لهب: هذه قصي قد أتتك فما عندك، ثم قال: إن الله قد أمرني أن ~~أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم الأقربون، إني لا أملك لكم من الدنيا حظا ولا ~~من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد لكم بها عند ربكم. ~~فقال أبو لهب عليه اللعنة: تبا لك ألهذا دعوتنا؟ فنزلت السورة. # وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أعمامه وقدم إليهم طعاما في ~~صحفة فاستحقروه وقالوا: إن أحدنا يأكل الشاة فقال: كلوا فأكلوا فشبعوا ولم ~~ينتقص من الطعام إلا قليل. ثم قالوا فما عندك؟ فدعاهم إلى الإسلام. فقال ~~أبو لهب ما # PageV06P588 # قال. وروي أنه قال أبو لهب: فما لي إن أسلمت؟ فقال: ما للمسلمين. فقال: ~~أفلا أفضل عليهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وبماذا تفضل؟ فقال: تبا ~~لهذا الدين الذي يستوي فيه أنا وغيري فنزلت تبت يدا أبي لهب # التباب الهلاك كقوله وما كيد فرعون إلا في تباب [غافر: ms4736 # 37] وقيل: الخسران المفضي إلى الهلاك. وقيل: الخيبة. وقال ابن عباس: لأنه ~~كان يدفع قائلا إنه ساحر فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان ~~له كالأب فكان لا يتهم، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة ~~الشديدة فصار متهما فلم يقبل قوله في الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ~~فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه. قالوا: ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده ~~على كتف الوافد عليه فيقول: انصرف راشدا فإنه مجنون. # ويروى أنه أخذ حجرا ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السوق ~~يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه ~~بالحجارة وقد آدمي عقبيه وقال: لا تطيعوه إنه كذاب. فقلت: من هذا؟ فقالوا: ~~محمد وعمه أبو لهب. # وقال أهل المعاني: أراد باليدين الجملة كقوله ذلك بما قدمت يداك [الحج: ~~10] لأن أكثر الأعمال إنما تعمل باليد، فاليمين كالسلاح واليسار كالجنة، ~~بالأولى يجر المنفعة وبالأخرى يدفع المضرة. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما دعاه نهارا فأبى ذهب إلى داره ليلا ~~مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا، فلما دخل عليه قال له: جئتني ~~معتذرا. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى ~~الإسلام وقال: إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت. فقال: لا أو ~~من بك أو يؤمن هذا الجدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجدي. من أنا؟ # فقال: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلق لسانه يثني عليه فاستولى ~~الحسد على أبي لهب وأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تبا لك أثر فيك السحر. فقال ~~الجدي: بل تبت يداك فنزلت السورة على وفق ذلك لتمزيقه يدي الحيوان الشاهد ~~بالحق الناطق بالصدق. # وفي ذكر أبي لهب بالكنية الدالة على التعظيم المنبئة عن شبهة الكذب إذ لم ~~يكن له ولد مسمى بلهب وجوه منها: أن الكنية قد تصير اسما بالغلبة فلا ms4737 تدل ~~على التعظيم، وإيهام الكذب منتف لأنهم يريدون بها التفاؤل فلا يلزم منه أن ~~يحصل له ولد يسمى بلهب. ومنها أن اسمه كان عبد العزي فكان الاحتراز عن ذكره ~~أولى. ومنها أنه إشارة إلى أنه من أهل النار كما يقال «أبو الخير» لمن ~~يلازمه. وكما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه «يا أبا تراب» لتراب لصق ~~بظهره. # وقيل: سمي بذلك لتلهب وجنتيه فسماه الله تعالى بذلك تهكما ورمزا إلى مآل ~~حاله وفي قوله سيصلى نارا ذات لهب قال أهل الخطابة: إنما لم يقل في أول هذه ~~السورة «قل تبت» كما قال قل يا أيها الكافرون [الكافرون: 1] لئلا يشافه عمه ~~بما يشتد غضبه رعاية # PageV06P589 # للحرمة وتحقيقا لقوله فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159] وأيضا ~~إن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله: يا محمد أجبهم عني قل يا ~~أيها الكافرون [الكافرون: 1] وفي هذه السورة طعنوا في حق محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقال الله تعالى اسكت أنت فإني أشتمهم تبت يدا أبي لهب وفيه ~~تنبيه على أن الذي لا يشافه السفيه كان الله ذابا عنه وناصرا له. يروى أن ~~أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتا فجعل الرسول يذبه عنه ويزجر ذلك المؤذي ~~فشرع أبو بكر في الجواب فسكت الرسول فقال أبو بكر: ما السبب في ذلك؟ # فقال: لأنك حين كنت ساكتا كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت في الجواب انصرف ~~الملك وجاء الشيطان. قال أبو الليث: اللهب واللهب لغتان كالنهر والنهر ولكن ~~الفتح أوجه، ولهذا قرأ به أكثر القراء. وأجمعوا في قوله ذات لهب على الفتح ~~رعاية للفاصلة. # وفي دفع التكرار عن قوله وتب وجوه منها: أن الأول دعاء والثاني إخبار ~~ويؤيده قراءة ابن مسعود و «قد تب» ، ومنها أن الأول إخبار عن هلاك عمله لأن ~~المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه باليد، والثاني إخبار عن هلاك نفسه وهو قول ~~أبي مسلم. وقيل: الأول إهلاك ما له فقد يقال للمال ذات اليد، والآخر ms4738 هلاك ~~نفسه وهو قول أبي مسلم. وقيل: الأول نفسه والثاني ولده عتبة على ما # روي أن عتبه ابن أبي لهب خرج إلى الشام مع ناس من قريش فلما هموا أن ~~يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا عني محمدا أني كفرت بالنجم إذا هوى. # وروي أنه قال ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفل في وجهه وكان ~~مبالغا في عداوته فقال: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك. فوقع الرعب في قلب ~~عتبة وكان يحترز دائما فسار ليلة من الليالي إلى قريب من الصبح فقال له ~~أصحابه: هلكت الركاب. فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب فأناح الإبل حوله ~~كالسرادق فسلط الله الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى ~~افترسه. # فقوله تبت قبل هذه الواقعة على عادة إخبار الله تعالى في جعل المستقبل ~~كالماضي المحقق. والفرق بين المال والكسب من وجوه أحدها: أن المال عني به ~~رأس المال والمكسوب هو الربح. وثانيها أراد الماشية والذي كسبه من نسلها ~~وكان صاحب النعم والنتاج. وثالثها أريد ماله الموروث والذي كسبه بنفسه. وعن ~~ابن عباس: المكسوب الولد # لقوله صلى الله عليه وسلم «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من ~~كسبه» «1» # روي أنه لما مات تركه أبناؤه ليلتين أو ثلاثا حتى أنتن في بيته لعلة كانت ~~به خافوا عدواها. # وقال الضحاك وقتادة: # ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة الرسول وسائر أعماله التي ~~ظن أنه منها PageV06P590 # على شيء كقوله وقدمنا إلى ما عملوا من عمل [الفرقان: 23] وفي قوله أغنى ~~بلفظ الماضي تأكيد وتحقيق على عادة إخبار الله تعالى وقد زاده تأكيدا بقوله ~~سيصلى نارا ذات لهب وطالما استدل به أهل السنة في وقوع تكليف ما لا يطاق ~~قائلين إنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ~~ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفا ~~بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو تكليف بالجمع بين النقيضين. ms4739 وأجيب بأنه كلف ~~بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فقط لا بتصديقه وعدم تصديقه حتى يجتمع ~~النقيضان، وغاية ذلك أنهم كلفوا بالإيمان بعد علمهم بأنهم لا يؤمنون وليس ~~فيه إلا انتفاء فائدة التكليف، لأن فائدة التكليف بما علم الله لا يكون هو ~~الابتلاء وإلزام الحجة وهذا لا يتصور بعد أن يعلم المكلف حاله من امتناع ~~صدور الفعل عنه، والتكليف من غير فائدة جائز عندكم لأن أفعاله تعالى غير ~~معللة بغرض وفائدة على معتقدكم. ثم إن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب أخت ~~أبي سفيان بن حرب عمة معاوية كانت في غاية العداوة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فمن المفسرين من قال: كانت تحمل الشوك والحطب وتلقيهما بالليل ~~في طريق النبي صلى الله عليه وسلم، فلعلها مع كونها من بيت العز كانت خسيسة ~~أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب لتلقيه في طريق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. ثم من هؤلاء من زعم أن الحبل اشتد في جيدها فماتت بسبب ~~الاختناق، فقوله في جيدها حبل من مسد يحتمل على هذا أن يكون دعاء عليها وقد ~~وقع كما أريد وكان معجزا. ومنهم من قال: عيرها بذلك تشبيها لها بالحطابات ~~وإيذاء لها ولزوجها. وعن قتادة أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالفقر فعيرها بأنها كانت تحتطب. والأكثرون على أن المراد بقوله حمالة ~~الحطب أنها كانت تمشي بالنميمة يقال للنمام المفسد بين الناس إنه يحمل ~~الحطب بينهم أي يوقد بينهم النائرة. ويقال للمكثار هو كحاطب ليل. وقال أبو ~~مسلم وسعيد بن جبير: أراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأنه كان كالحطب في مصيره إلى النار نظيره فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا [الأحزاب: 58] وليحملن أثقالهم [العنكبوت: 13] # يروى عن أسماء أنه لما نزلت السورة جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر ~~فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ومعه أبو بكر وهي تقول: ~~مذمما قلينا. ودينه أبينا. وحكمه عصينا فقال أبو بكر: ms4740 يا رسول الله قد ~~أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك. فقال صلى الله عليه وسلم: إنها لا تراني ~~وقرأ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا [الإسراء: 45] فقالت لأبي بكر: قد ذكر لي أن صاحبك هجاني فقال أبو ~~بكر: لا ورب الكعبة ما هجاك. # قالت العلماء: لعل أبا بكر عني بذلك أن الله تعالى قد هجاها ولم يهجها ~~الرسول، أو اعتقد أن # PageV06P591 # القرآن لا يسمى هجوا. ثم إن أم جميل ولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت ~~سيدها. # قال الواحدي: المسد في كلام العرب الفتل. يقال: مسد الحبل مسدا إذا أجاد ~~فتله. ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق. والمسد بالتحريك ما مسد أي فتل من ~~أي شيء كان كالليف والخوص وجلود الإبل والحديد. وقد عرفت معنى قوله في ~~جيدها حبل من مسد على رأي بعض أهل التفسير. وقال الآخرون: المعنى أن حالها ~~تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها في المعنى عند النميمة، أو في ~~الظاهر حين كانت تحمل الحزمة من الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب ~~النار من شجرة الزقوم وفي جيدها حبل من سلاسل النار. # PageV06P592 ### | (سورة الإخلاص) # (مكية حروفها سبعة وسبعون كلمها خمس عشرة آياتها أربع) ### | [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا ~~أحد (4) ### | القراآت: # كان أبو عمرو يستحب الوقف على قوله قل هو الله أحد وإذا وصل كان له وجهان ~~من القراءة: أحدهما التنوين وكسره، والثاني حذف التنوين كقراءة عزيز بن ~~الله لاجتماع الساكنين، وكل صواب وكفؤا بالسكون والهمزة: حمزة وخلف وعباس ~~والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب. وكان حمزة يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ~~ويجعلها شبه الواو اتباعا للمصحف. وقرأ حفص غير الخراز مثقلا غير مهموز. ~~الباقون: مثقلا مهموزا. ### | الوقوف: # أحد ه ج لاحتمال أن ما بعدها جملة أخرى أو خبران آخران الصمد ه ج لمثل ~~ذلك ولم يولد لا أحد ms4741 ه. ### | التفسير: # قد وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن ~~فاستنبط العلماء لذلك وجها مناسبا وهو أن القرآن مع غزارة فوائده اشتمل على ~~ثلاثة معان فقط: معرفة ذات الله تعالى وتقدس، ومعرفة صفاته وأسمائه، ومعرفة ~~أفعاله وسننه مع عباده. ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة ~~وهو التقديس، وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن. # وعن أنس أن رجلا كان يقرأ فى جميع صلاته «قل هو الله أحد» فسأله الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: حبك إياها ~~يدخلك الجنة. # أما سبب نزولها # فعن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك ~~فأنزل الله تعالى هذه السورة. # وعن عطاء عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك أزبر جد أم ~~ياقوت أم ذهب أم فضة. فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خلق الأشياء فنزلت قل ~~هو الله أحد فقالوا: # هو واحد وأنت واحد فقال ليس كمثله شيء [الشورى: 11] قالوا: زدنا من ~~الصفة. قال # PageV06P593 # الله الصمد فقالوا: وما الصمد؟ قال: الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج ~~فقالوا: زدنا فقال لم يلد كما ولدت مريم ولم يولد كما ولد عيسى ولم يكن له ~~كفوا أحد يريد نظيرا من خلقه. # ولشرف هذه السورة سميت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص لأنها تخلص العبد من ~~الشرك أو من النار. وقد يقال لها سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو ~~النجاة أو الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله أو المعرفة لما # روى جابر أن رجلا صلى فقرأ السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ~~عبد عرف ربه. # أو الجمال # لقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله جميل يحب الجمال» «1» # ومن كمالات الجميل كونه عديم النظير. أو الأساس لقوله صلى الله عليه وسلم ~~«أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» وهذا قول معقول ~~لأن القول بالتثليث يوجب خراب السموات ms4742 والأرض كما قال تكاد السماوات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا [مريم: 90] فوجب أن ~~يكون التوحيد سببا لعمارة العالم. وقد تسمى سورة النسبة لما مر أنها نزلت ~~عند قول المشركين «انسب لنا ربك» فكأنه قيل: نسبه الله هذا. والمانعة # لرواية ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه حين عرج به: أعطيتك سورة الإخلاص ~~وهي من ذخائر كنوز العرش، # وهي المانعة تمنع فتان القبر ونفحات النيران، والمحضرة لأن الملائكة تحضر ~~لاستماعها إذا قرئت، والمنفرة أي للشيطان، والراءة أي من الشرك، وسورة ~~النور # لقوله صلى الله عليه وسلم «إن لكل شيء نورا ونور القرآن قل هو الله أحد» # قلت: وذلك لأن الله تعالى نور الله نور السموات والأرض، وكما أن نور ~~الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة كذلك نور القرآن في أقصر السور سوى ~~«الكوثر» . ثم إن العلماء أجمعوا على أن الوحدانية مما يمكن معرفتها بطريق ~~السمع والعقل جميعا وليست كمعرفة ذات الصانع حيث لا يمكن معرفته إلا بطريق ~~العقل فقال أهل العرفان في بيانه: إن العقل يريد عالما كاملا أمينا تودع ~~عنده الحسنات، والشهوة تريد غنيا تطلب منه المستلذات بل العقل كالإنسان ~~الذي له همة عليه لا تنقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي يطلب غنيا ~~يتكدى منه بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له على النعم السابقة، والهوى ~~يطلبها ليستفيد منه النعم اللاحقة. فلما عرفاه كما أرادا تعلقا بذيل عنايته ~~فقال العقل: لا أشكر أحدا سواك. وقالت الشهوة: لا أسأل أحدا إلا إياك. ~~فجاءت الشبهة وقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا؟ ويا شهوة كيف ~~اقتصرت عليه ولعل هاهنا بابا آخر؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت PageV06P594 # عليه راحة المعرفة حين أراد أن يسافر في عالم الاستدلال لتحصيل ربح ~~التوحيد ويغوص في بحر الفكر ليعود بجوهرة النحر، فأدركته عناية المولى ~~فقال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري؟ فبعث إليه رسولا صادقا ~~وقال: لا تقله من عند نفسك فيوقعك الوهم في الشك ولكن اقبله من الصادق ms4743 ~~الأمين قل هو الله أحد والضمير للشأن أي الشأن والحديث الله أحد. هذا قول ~~جمهور النجاة وقريب منه قول الزجاج: إن المراد هذا الذي سألتم عنه الله ~~أحد. وقيل: هو كناية عن الله فيكون كقولك «زيد أخوك قائم» قال الأزهري: # لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد. ~~وقال غيره: # الفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة أوجه أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد ~~والأحد لا يدخل فيه. وثانيها أنك إذا قلت «فلان لا يقاومه واحد» جاز أن ~~يقال لكنه يقاومه اثنان. # وثالثها أن الواحد يستعمل في الإثبات كقولك «رأيت رجلا واحدا» والأحد ~~يستعمل في النفي نحو «ما رأيت أحدا» فيفيد العموم. قلت: ولعل وجه تخصيص ~~الله بالأحد هو هذا المعنى وذلك أنه أبسط الأشياء وكأنك قلت: إنه لا جزء له ~~أصلا بوجه من الوجوه ومن هنا قال بعضهم: إن الأحد يدل على جميع المعاني ~~السلبية ككونه ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز وغير ذلك كما أن اسم الله يدل ~~على مجامع الصفات الإضافية لأن الله اسم للمعبود بالحق واستحقاق العبادة لا ~~يتجه إلا إذا كان مبدأ لجميع ما سواه عالما قادرا إلى غير ذلك. # وأما لفظة هو فإنها تدل على نفس الذات فتبين أن قوله قل هو الله أحد يدل ~~على الذات والصفات جميعا. # وهاهنا لطيفة وهي أن قوله هو إشارة إلى مرتبة السابقين الذين لا يرون معه ~~شيئا آخر فيكفي الكناية بالنسبة إليهم، وأما اسم الله فإشارة إلى مرتبة ~~أصحاب اليمين وهم الذين عرفوه بالبرهان مستدلين على الوجوب بالإمكان فهم ~~ينظرون إلى الحق وإلى الخلق جميعا فيحتاجون في التمييز إلى اسمه العلم. ~~وأما «الأحد» فرمز إلى أدون المراتب الإنسانية وهم أصحاب الشمال الذين ~~يثبتون مع الله إلها آخر فوجب التنبيه على إبطال معتقدهم بأن الله أحد لا ~~شريك له أو لا جزء بوجه من الوجوه، وبعبارة أخرى هو للأخص والله للخواص ~~وأحد للعموم. وأما «الصمد» فقيل: إنه فعل بمعنى «مفعول» من صمده إذا ms4744 قصده ~~أي هو السيد المقصود إليه في الحوائج كما مر في الحديث الوارد في سبب ~~النزول. وقيل: هو الذي لا جوف له ومنه قولهم لسداد القارورة «صماد» وشيء ~~مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة. قال ابن قتيبة: يجوز على هذا التفسير أن تكون ~~الدال بدل التاء في «مصمت» . وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو ~~الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله # PageV06P595 # شيء ولا يخرج منه شيء. ولا يخفى أن هذين المعنيين من صفات الأجسام حقيقة ~~إلا أن مقدمة الآية وهي الله أحد تمنع من حملهما على حقيقتهما لأن كل جسم ~~مركب فوجب الحمل على المجاز وهو أنه لوجوب ذاته ممتنع التغير في وجوده ~~وبقائه وسائر صفاته، ومن هنا اختلفت عبارات المفسرين فعن بعضهم: الصمد هو ~~العالم بجميع المعلومات لأن كونه مبدأ مرجوعا إليه في قضاء الحاجات لا يتم ~~إلا بذلك. وعن ابن مسعود والضحاك: هو السيد الذي انتهى سودده. وقال الأصم: ~~هو الخلق للأشياء لأن السيد الحقيقي هو هو. # وقال السدي: هو المقصود في الرغائب المستغاث عند المصائب. وقال الحسن بن ~~الفضل: # هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال قتادة: لا يأكل ولا يشرب وهو ~~يطعم ولا يطعم. # وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه يغلب ولا يغلب. # وسائر عباراتهم كلها متقاربة تدور حول ما ذكرنا. # سؤال: لم جاء الخبر هاهنا معرفا وفي قوله الله أحد منكرا؟ الجواب لأنه ~~كان معلوما عندهم أنه غني على الإطلاق ومرجوع إليه في الحوائج وإذا مس ~~الإنسان ضر دعا ربه [الزمر: 8] أما التوحيد فلم يكن ثابتا في أوهامهم بل ~~ركز في أوهام العامة أن كل موجود فإنه محسوس وكل محسوس فهو منقسم فلا جرم ~~جاء لفظ أحد منكرا ولفظ الصمد معرفا. # آخر: لم مكرر ثانيا اسم الله ولم يقتصر على ضميره؟ الجواب لما قيل: # هو المسك ما كررته يتضوع ولأنه قد سبق ضمير الشأن ولأنه يلزم الاشتراك، ~~ولما مر أن الإشارة بلفظة «هو» مرتبة الصديقين والخطاب بقوله الله الصمد ms4745 ~~لعموم الخلائق والسابقون منهم قليل فاعتبار الأغلب أولى. # آخر: كون الشخص مولودا أقدم من كونه والدا فلم قدم قوله لم يلد على قوله ~~ولم يولد أجيب بأن النزاع إنما وقع في كونه والدا حين قالت النصارى المسيح ~~ابن الله، واليهود عزيز ابن الله، ومشركو العرب الملائكة بنات الله، بل ~~المتفلسفة الذين قالوا إنه يتولد عن واجب الوجود عقل، وعن العقل الأول عقل ~~آخر ونفس إلى آخر العقول العشرة والنفوس وهو العقل الفعال المدبر بزعمهم ~~لما دون فلك القمر، فكان نفي كونه والدا أهم. # ثم أشار إلى طريق الاستدلال بقوله ولم يولد كأنه قال: الدليل على امتناع ~~الوالد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره. وأنا أقول: كون الشخص مولودا ~~اعتبار لمعلوليته، وكونه والدا # PageV06P596 # اعتبار لعليته، ولا ريب أن اعتبار العلية مقدم على اعتبار المعلولية كما ~~أن العلة بالذات متقدمة على المعلول، فالسؤال مدفوع. قالوا: وإنما اقتصر ~~على لفظ الماضي لأن النزاع كان واقعا في المسيح وعزيز ونحوهما فوقع قوله لم ~~يلد جوابا عما ادعوه عليه. وأما قوله ولم يولد فلم يكن مفتقرا إلى هذا ~~التوجيه لأن كل موجود إذا لم يكن مولودا في مبدا تكونه فلن يكون مولودا بعد ~~ذلك. وأقول: لعل المراد بقوله لم يلد نفي أن يكون هو ممن شأنه الولادة وهذا ~~المعنى يشمل كل زمان، وبهذا التفسير لا يصح على العاقر أنه لا يلد ويصح أنه ~~يلد. واعلم أنه سبحانه بين كونه في ذاته وحقيقته منزها عن جميع أنحاء ~~التراكيب بقوله هو الله أحد ثم بين كونه ممتنع التغير عما هو عليه من صفات ~~الكمال ونعوت الجلال بقوله الله الصمد ثم أراد أن يشير إلى نفي من يماثله ~~وهو إما لا حق وأبطله بقوله لم يلد وإما سابق وأحاله بقوله ولم يولد وإما ~~مقارن في الوجود وزيفه بقوله ولم يكن له كفوا أحد ويجوز أن يكون الأولان ~~إشارة إلى نفي من يماثله بطريق التولد أو التوالد، والثالث تعميما بعد ~~التخصيص. ويحتمل أن يراد بالأخير نفي المصاحبة لأن ms4746 المصاهرة تستدعي الكفاءة ~~شرعا وعقلا فيكون ردا على من حكى الله عنهم في قوله وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا [الصافات: 158] قاله مجاهد. # سؤال: قد نص سيبويه في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب ~~«كان» ولكن متعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن ~~الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعا؟ أجاب النحويون عنه ~~بأن هذا الظرف وقع بيانا للمحذوف كأنه قال: ولم يكن أحد فقيل: لمن؟ فأجيب ~~بقوله «له» نظيره قوله وكانوا فيه من الزاهدين [يوسف: 20] وقوله فلما بلغ ~~معه السعي [الصافات: 102] . # PageV06P597 ### | (سورة الفلق) # (مكية وحروفها تسع وتسعون كلمها عشر آياتها خمس) ### | [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الفلق (1) من شر ما خلق (2) ومن شر غاسق إذا وقب (3) ومن شر ~~النفاثات في العقد (4) # ومن شر حاسد إذا حسد (5) ### | الوقوف: # الفلق ه لا خلق ه لا وقب ه لا العقد ه لا حاسد إذا حسد ه. ### | التفسير: # لما أمره بقراءة سورة الإخلاص تنزيها له عما لا يليق به في ذاته وصفاته ~~وكان ذلك من أشرف الطاعات، أمره أن يستعيذ به من شر من يصده عن ذلك ~~كالمشركين وكسائر شياطين الإنس والجن. # يروى أن جبرائيل أتاه وقال: إن عفريتا من الجن يكيدك فقل إذا أتيت على ~~فراشك: أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس. # وعن سعيد بن المسيب أن قريشا قالوا نتجوع فنعين محمدا ففعلوا ثم أتوه ~~وقالوا: ما أشد عضدك وأقوى ظهرك وأنضر وجهك! فأنزل الله المعوذتين. # وقال جمهور المفسرين: إن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إحدى عشرة عقدة في وتر ودسه في بئر ذي أروان، فمرض النبي صلى الله ~~عليه وسلم واشتد ذلك عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان، وأخبره جبرائيل بموضع ~~السحر فأرسل عليا بطلبه وجاء به وقال جبرائيل: اقرأ السورتين. فكان كلما ~~يقرأ آية تنحل عقدة فيجد بعض الراحة والخفة، حتى إذا أتمهما فكأنما أنشط من ~~عقال. # طعنت المعتزلة ms4747 في هذه الرواية بأنها توجب تسلط الكفار والأشرار على ~~الأنبياء. وأيضا لو صحت لصح قولهم إن تتبعون إلا رجلا مسحورا [الإسراء: 47] ~~والجواب أن التسليط الكلي بحيث يمنعه عن تبليغ الرسالة لا يجوز، ولكن لا ~~نسلم أن بعض الأضرار في بدنه لا يجوز لا سيما وقد تداركه الله تعالى بفضله ~~وخصوصا إذا كان فيه لطف لغيره من أمته حتى يفعلوا في مثل تلك الواقعة كما ~~فعل، ولهذا استدل أكثر العلماء على أنه يجوز الاستعانة بالرقى والعوذ ~~ويؤيده ما # روي أن رسول # PageV06P598 # الله صلى الله عليه وسلم قال «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله ~~يشفيك» «1» # وعن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضي ~~الله عنهما بقوله «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل ~~عين لامه» «2» # ويقول هكذا كان أبي إبراهيم يقول لابنيه إسماعيل وإسحق. # وعنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا من الحمى والأوجاع كلعا ~~«بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار» ~~«3» # وعن علي رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض قال ~~«أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت» «4» # وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فنزل منزلا يقول «يا أرض ربي ~~وربك الله أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما يخرج منك ومن شر ما يدب ~~عليك، وأعوذ بالله من شر أسد وأسود وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد ووالد ما ~~ولد» «5» # وعن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى شيئا من جسده قرأ قل ~~هو الله أحد والمعوذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي. # وروي أنه صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون فعوذه ب قل هو الله ~~أحد وبهاتين السورتين. ثم قال: تعوذ بهن فما تعوذت بخير منها. # وأما قول الكفار إنه مسحور فإنما أرادوا به الجنون ms4748 والسحر الذي أثر في ~~عقله ودام معه فلذلك وقع الإنكار عليهم. ومن الناس من لم يرحض في الرقى # لرواية جابر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقى وقال «إن لله عبادا ~~لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون» «6» # وأجيب بأن النهي وارد على الرقى المجهولة التي يفهم معناها. واختلف في ~~التعليق # فروى أنه صلى الله عليه وسلم قال «من علق شيئا وكل إليه» «7» PageV06P599 # وعن ابن مسعود أنه رأى على أم ولده تميمه مربوطة بعضدها فجذبها جذبا ~~عنيفا فقطعها. # ومنهم من جوزه # سئل الباقر رضي الله عنه عن التعويذ يعلق على الصبيان فرخص فيه. # واختلفوا في النفث أيضا # فروي عن عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه ~~إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه صلى الله عليه وسلم بالمعوذات التي كان ~~ينفث بها على نفسه. # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما ~~بالمعوذات ثم مسح جسده. # ومنهم من أنكر النفث عن عكرمة: # لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد. وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ~~النفث في الرقى. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع فقلت: ألا أعوذك يا ~~أبا محمد؟ قال: # بلى ولكن لا تنفث فعوذته بالمعوذتين. قال بعض العلماء: لعلهم كرهوا النفث ~~لأن الله تعالى جعل النفث مما يستعاذ منه فوجب أن يكون منهيا عنه. وقال ~~بعضهم: النفث في العقد المنهي عنه هو الذي يكون سحرا مضرا بالأرواح ~~والأبدان، وأما الذي يكون لإصلاح الأرواح والأبدان فيجب أن لا يكون حراما. # سؤال: كيف قال في افتتاح القراءة فاستعذ بالله [الأعراف: 200] وقال هاهنا ~~أعوذ برب دون أن يقول «بالله» ؟ وأجيب بأن المهم الأول أعظم من حفظ النفس ~~والبدن عن السحر والوسوسة فلا جرم ذكر هناك الاسم الأعظم. وأيضا الشيطان ~~يبالغ في منع الطاعة أكثر مما يبالغ في إيصال الضرر إلى النفس وأيضا كأن ~~العبد ms4749 يجعل تربيته السابقة وسيلة في التربية اللاحقة. وفي الفلق وجوه ~~فالأكثرون على أنه الصبح من قوله فالق الإصباح [الأنعام: 96] وخص هاهنا ~~بالذكر لأنه أنموذج من صبح يوم القيامة ولأنه وقت الصلاة والجماعة ~~والاستغفار إن قرآن الفجر كان مشهودا وفيه إشارة إلى أن القادر على إزالة ~~الظلمة عن وجه الأرض قادر على دفع ظلمة الشرور والآفات عن العبد بصلاح ~~النجاح. # روي أن يوسف عليه السلام حين ألقي في الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ~~ليلته ساهرا، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبرائيل عليه السلام يسليه ويأمره ~~بأن يدعو ربه فقال: يا جبرائيل ادع أنت وأؤمن أنا. فدعا جبرائيل فأمن يوسف ~~فكشف الله ما كان به من الضر، فلما حصل له الراحة قال: يا جبرائيل أنا أدعو ~~وتؤمن أنت فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت، ~~فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل. # وروي أن دعاءه في الجب: يا عدتي عند شدتي، ويا مؤنسي في وحشتي، ويا راحم ~~غربتي، ويا كاشف كربتي، ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحق ويعقوب، ارحم صغر سني، وضعف ركني، وقلة حيلتي، يا حي # PageV06P600 # يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. # وقيل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات إن الله فالق الحب والنوى ~~[الأنعام: 95] والجبال عن العيون وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ~~[البقرة: 74] والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والقبض عن البسط، ~~والشدة عن الفرج، والقلوب عن المعارف. وقيل: هو واد في جهنم إذا فتح صاح ~~جميع من في جهنم من شدة حره كأن العبد قال: يا صاحب العذاب الشديد أعوذ ~~برحمتك التي هي أعظم وأكمل وأسبق وأقدم من عذابك. وصاحب هذا القول زعم أن ~~المراد من شر ما خلق أي من شدائد ما خلق فيها. وعن ابن عباس: يريد إبليس ~~خاصة لأن الله تعالى لم يخلق خلقا هو شر منه. ويدخل فيه الاستعاذة من ~~السحرة لأنهم أعوانه وجنوده. وقيل: ms4750 أراد أصناف الحيوانات المؤذية من الهوام ~~والسباع. وقيل: الأسقام والآفات والمحن فإنها شرور إضافية وإن جاز أن تكون ~~خيرات باعتبارات أخر والكل بقدر كما مر في مقدمة الكتاب في تفسير ~~الاستعاذة. وذكر في الغاسق وجوه فعن الفراء وأبي عبيدة: هو الليل إذا جن ~~ظلامه ومنه غسقت العين أو الجراحة إذا امتلأت دمعا أو دما. وقال الزجاج: هو ~~البارد وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، فعلى هذا لعله أريد به ~~الزمهرير. وقال قوم: هو السائل من قولهم غسقت العين تغسق غسقا إذا سالت ~~بالماء، وسمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض. قلت: ولعل الاستعاذة ~~على هذا التفسير إنما تكون من الغساق في قوله تعالى إلا حميما وغساقا ~~[النبأ: 25] والوقوب الدخول في الشيء بحيث يغيب عن العين. هذا من حيث ~~اللغة. ثم أن الغاسق إذا فسر بالليل فوقوبه دخوله وهو ظاهر. ووجه التعوذ من ~~شره أن السباع فيه تخرج من آجامها والهوام من مكامنها، وأهل الشر والفتنة ~~من أماكنها، ويقل فيه الغوث ولهذا قالت الفقهاء: لو شهر أحد سلاحا على ~~إنسان ليلا فقتله المشهور عليه لم يلزمه قصاص ولو كان نهارا لزمه لوجود ~~الغوث. وقد يقال: إنه تنشر في الليل الأرواح المؤذية المسماة بالجن ~~والشياطين، وذلك لأن قوة الشمس وشعاعها كأنها تقهرهم، أما في الليل فيحصل ~~لهم نوع استيلاء. وعن ابن عباس: هو ظلمة الشهوة البهيمية إذا غلبت داعية ~~العقل. قال ابن قتيبة: الغاسق القمر لأنه يذهب ضوءه عند الخسوف، ووقوبه ~~دخوله في ذلك الاسوداد. # وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدها وقال لها: استعيذي ~~بالله من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب. # وعلى هذا التفسير يمكن تصحيح قول الحكيم إن القمر جرم كثيف مظلم في ذاته ~~لكنه يقبل الضوء عن الشمس ويختلف حاله في ذلك بحسب قربه منها وبعده عنها. ~~ووقوبه إما دخوله في دائرة الظلام في الخسوفات، وإما دخوله تحت شعاع الشمس ~~في آخر كل شهر، وحينئذ يكون منحوسا قليل القوة ولذلك تختار السحرة ذلك ms4751 # PageV06P601 # الوقت للتمريض والإضرار والتفريق ونحوها. وقيل: الغاسق الثريا إذا سقط في ~~المغرب. # قال ابن زيد: وكانت الأسقام تكثر حينئذ. وقال في الكشاف: يجوز أن يراد به ~~الأسود من الحيات ووقبه خربه ونقبه. وقيل: هو الشمس إذا غابت وسميت غاسقا ~~لسيلانها ودوام حركتها. وأما النفث فهو النفخ بريق. وقيل: النفخ فقط. ~~والعقد جمع عقدة. والسبب فيه أن الساحر إذا أخذ في قراءة الرقية أخذ خيطا ~~ولا يزال يعقد عليه عقدا بعد عقد وينفث في تلك العقد. ووجه التأنيث إما ~~الجماعة لأن اجتماع السحرة على عمل واحد أبلغ تأثيرا، وإما لأن هذه الصناعة ~~إنما تعرف بالنساء لأنهن يعقدن وينفثن وذلك أن الأصل الكلي في ذلك الفن هو ~~ربط القلب وتعليق الوهم بذلك الأمر وأنه في النساء أوفر لقلة علمهن وشدة ~~شهوتهن. وقال أبو عبيدة: إنهن بنات لبيد بن الأعصم اليهودي اللاتي سحرن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو مسلم: العقد عزائم الرجال والنفث حلها لأن من يريد حل عقدة ~~الحبل ينفث عليه بريق يقذفه عليه ليصير حله سهلا. والمعنى: إن النساء لكثرة ~~حيلهن يتصرفن في عزائم الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة، ~~فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن، وهذا القول مناسب لما جاء في مواضع أخر ~~من القرآن إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم # [التغابن: 14] إن كيدكن عظيم [يوسف: 28] والاستعاذة منهن الاستعاذة من ~~إثم عملهن، أو من فتنتهن الناس بسحرهن، أو من إطعامهن الأطعمة الردية ~~المورثة للجنون، أو الموت. والحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير ~~إليه حتى لو تمكن من ذلك بالحيل لفعل فلذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بالتعوذ منه. وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوفى ويتحرز منه دينا ~~ودنيا فلذلك لما نزلت فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بها لكونها مع ~~أختها جامعة في التعوذ من كل شيء بل قوله من شر ما خلق عام والبواقي تخصيص ~~بعد تعميم تنبيها على أنها أعظم الشرور، وأهم شيء يستعاذ ms4752 منه. وعرفت ~~النفاثات لأن كل نفاثة شريرة. ونكر غاسق وحاسد لأنه ليس كل غاسق بشر بل ~~الليل للغاسقين شر وليس كل حسد مذموما بل منه ما هو خير كما # قال صلى الله عليه وسلم «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فقام ~~به آناء الليل وآناء النهار ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل ~~وآناء النهار» «1» # وفائدة الظرف هو قوله إذا حسد أنه لا يستعاذ من الحاسد من جهات أخرى ولكن ~~من هذه الجهة، ولو جعل الحاسد بمعنى الغابط أو بمعنى أعم وقوله حسد بالمعنى ~~المذموم كان له وجه. PageV06P602 ### | (سورة الناس) # (مكية وقيل مدنية حروفها تسعة وسبعون كلمها عشرون آياتها ست) ### | [سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] # بسم الله الرحمن الرحيم # قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس ~~(4) # الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6) ### | القراآت: # الناس وما بعدها ممالة: قتيبة ونصير. والباقون: بالتفخيم. ### | الوقوف: # الناس ه لا الناس ه لا الناس ه لا الخناس ه لا بناء على أن الفصل بين ~~الصفة وموصوفها لا يصلح إلا للضرورة. ولو قيل إن محله النصب أو الرفع على ~~الذم حسن الوقف الناس ه لا والناس ه. ### | التفسير: # إنه تعالى رب جميع المحدثات ولكنه خص الناس هاهنا بالذكر للتشريف، ولأن ~~الاستعاذة لأجلهم فكأنه قيل: أعوذ من شر الوسواس إلى الناس بربهم الذي يملك ~~عليهم أمورهم وهوالهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا دهمهم أمر ~~بسيدهم ومخدومهم وولي أمرهم. وقوله ملك الناس إله الناس عطف ثان لأن الرب ~~قد لا يكون ملكا كما يقال «رب الدار» والملك قد لا يكون إلها. وفي هذا ~~الترتيب لطف آخر وذلك أنه قدم أوائل نعمه إلى أن تم ترتيبه وحصل فيه العقل ~~فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملك تفتقر كل الأشياء إليه وهو غني ~~عنهم، ثم علم بالدلائل العقلية والنقلية أن العبادة لازمة له وأن معبوده ~~يستحق العبادة. ويمكن أن يقال: أول ما يعرف العبد من ربه هو ms4753 كونه مربوبا له ~~منعما عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، ثم لا يزال ينتقل من معرفة هذه الصفة ~~إلى صفات جلاله ونعوت كبريائه فيعرف كونه ملكا قيوما، ثم إذا خاض في بحر ~~العرفان وغرق في تياره وله عقله وتاه لبه فيعرف أنه فوق وصف الواصفين ~~فيسميه إلها من وله إذا تحير. وتكرير لفظ «الناس» في السورة للتشريف كأنه ~~عرف ذاته في خاتمة كتابه الكريم بكونه ربا وملكا وإلها لهم، أو لأن عطف ~~البيان يحتاج إلى مزيد الكشف والتوضيح. ولو # PageV06P603 # قيل: إن الثاني بدل الكل من الأول فالأحسن أيضا وضع المظهر مقام المضمر ~~كيلا يكون المقصود مفتقرا إلى ما ليس بمقصود في الظاهر مع رعاية فواصل ~~الآي. وقيل: لا تكرار في السورة لأن المراد بالأول الأطفال ومعنى الربوبية ~~يدل عليه لشدة احتياجهم إلى التربية، وبالثاني الشبان ولفظ «الملك» المنبئ ~~عن السياسة يدل عليه لمزيد افتقارهم إلى الزجر لقوة دواعي الشهوة والغضب ~~فيهم مع أن العقل الصادق لم يقو بعد ولم يستحكم، وبالثالث الشيوخ ولفظة ~~«آله» المنبئ عن استحقاق العبادة له يدل عليه لفتور الدواعي المذكورة ~~وقتئذ، فتتوجه النفس إلى تحصيل ما يزلفه إلى الله بتدارك ما فات. والمراد ~~بالرابع الصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم. وبالخامس المفسدون ~~والأشرار لأنه بيان الموسوس فإن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون ~~من الناس كما قال شياطين الإنس والجن [الأنعام: 112] والخناس هو الذي من ~~شأنه أن يخنس أي يتأخر وقد مر في قوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس ~~[التكوير: 15] عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، ~~وإذا غفل وسوس إليه فكما أن شيطان الجن يوسوس تارة ويخنس أخرى فكذلك شيطان ~~الإنس يرى نفسه كالناصح المشفق، فإن زجره السامع انخنس وترك الوسوسة، وإن ~~تلقى كلامه بالقبول بالغ فيه حتى نال منه. وقال قوم: الناس الرابع يراد به ~~الجن والإنس جميعا وهو اسم للقدر المشترك بين النوعين كما # روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجن. ms4754 # وقد سماهم الله رجالا في قوله وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن [الجن: 6] والناس الخامس هو المخصوص بالبشر، ومعنى الآية على هذا ~~التقدير أن هذا الوسواس الخناس لا يقتصر على إضلال البشر ولكنه يوسوس ~~للنوعين فيكون قوله من الجنة والناس بيانا للناس. وفي هذا القول نوع ضعف ~~لأنه يعد تسليم أن لفظ «الناس» يطلق على القدر المشترك يستلزم الاشتراك ~~المخل بالفهم. وذكر صاحب الكشاف أنه إن جعل قوله من الجنة والناس بيانا ~~للناس فالأولى أن يقال: الناس محذوف اللام كقولك الداع والقاض. قال الله ~~تعالى أجيب دعوة الداع [البقرة: 186] وحينئذ يكون تقسيمه إلى الجن والإنس ~~صحيحا لأنهما النوعان اللذان ينسيان حق الله تعالى. وقيل من الجنة والناس ~~بدل من الوسواس كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم عمم فاستعاذ به ~~من جميع الجنة والناس. وقوله من شر الوسواس المضاف محذوف أي من شر ذي ~~الوسواس وهو اسم بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر ويحسن أن يقال ~~سمي الشيطان به لأنه كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وعمله الذي هو عاكف ~~عليه نظيره إنه عمل غير صالح [هود: 46] وإنما قال في صدور الناس ولم يقل ~~«في قلوبهم» لأن الشيطان لا تسلط له على قلب المؤمن الذي # PageV06P604 # هو بين أصبعين من أصابع الرحمن واعلم أن المستعاذ به مذكور في السورة ~~الأولى بصفة واحدة وهو أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: ~~الغاسق والنفاثات والحاسد. وأما في السورة الثانية فالمستعاذ به مذكور ~~بصفات ثلاث وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة. ~~وفيه إشارة إلى أن حفظ النفس والدين أهم من حفظ البدن بل الثاني مطلوب ~~بالعرض والأول مقصود بالذات. ### | التأويل: # أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور التكوين والإبداع من شر عالم ~~الخلق الممزوجة خيراتها بالآفات، ولا سيما عالم الكون والفساد الذي هو جماد ~~ونبات وحيوان والجمادات أبعدها عن الأنوار لخلوها عن جميع القوى الروحانية ~~وهو المراد بقوله ومن شر غاسق وفوقها النباتات ms4755 الناميات في الأقطار الثلاثة ~~الطول والعرض والعمق وهن العقد الثلاث فلذلك سميت قواها بالنفاثات فيها، ~~وفوقها القوى الحيوانية من الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب المانعة ~~للروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الأمر كالحاسد يمنع المرء عن كماله ~~ويغيره عن حاله. ثم أراد ذكر مراتب النفس الإنسانية التي هي أشرف درجات ~~الحيوان فقال برب الناس إشارة إلى العقل الهيولاني المفتقر إلى مزيد تربية ~~وترشيح حتى يخرج من معدنها ويظهر من حكمها. وقوله ملك الناس إشارة إلى ~~العقل بالملكة لأنه ملك العلوم البديهية وحصلت له ملكة الانتقال منها إلى ~~العلوم الكسبية لأن النفس في هذه الحالة أحوج إلى الزجر عن العقائد الباطلة ~~والأخلاق الفاسدة والتأديب في الصغر كالنقش على الحجر. وقوله إله الناس ~~إشارة إلى سائر مراتبها من العقل بالفعل والعقل المستفاد، فإن الإنسان إذ ~~ذاك كأنه صار عالما معقولا مضاهيا لما عليه الوجود، فعرف المعبود فتوجه إلى ~~عرفانه والعبادة له. وأيضا اتصف بصفاته وتخلق بأخلاقه كما حكي عن أرسطو أنه ~~قال: أفلاطون: إما إنسان تأله أو إله تأنس. ثم إن العقل والوهم قد يتساعدان ~~على تسليم بعض المقدمات، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة ساعد العقل عليها دون ~~الوهم فكان الوهم خنس أي رجع عن تسليم المقدمة فلهذا أمر الله سبحانه ~~بالاستعاذة من شره، وقد ورد مثله في الحديث. # وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يأتي الشيطان أحدكم ~~فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ ~~بالله ولينته» «1» # وهذا آخر درجات النفس الكاملة الإنسانية فلا جرم وقع ختم الكتاب الكريم ~~والفرقان العظيم PageV06P605 # عليه. ونحن أيضا نختم التفسير بهذا التحقيق والله ولي التوفيق والهادي في ~~العلم والعمل إلى سواء الحق والطريق. قال الضعيف مؤلف الكتاب، أحوج خلق ~~الله إلى رحمته ورضاه، الحسن بن محمد بن الحسين المشتهر بنظام النيسابوري ~~نظم الله أحواله في أولاده وأخراه: هذا أيها المعروف باعتلاء عرائك المجد، ~~المشغوف باقتناء سبائك الحمد، الكامل شوقه إلى فهم غرائب القرآن ms4756 والقرآن ~~كله غرائب، الباذل طوقه في درك رغائب الفرقان والفرقان بأسره رغائب، عقائل ~~مسائل جهزتها فطنة من مشايد الشدائد خامدة، وفرائد فوائد نظمتها قريحة من ~~صنوف الصروف جامده، وقد نطفت بها عين خرساء باد شحوبها وتحركت بها لأجلي ~~ولاء طالما عقر حوبها، على أنها مع سواد ما سقط من سنها بيضاء الخلال ومع ~~مرارة مذاق ما بين لحييها حلوة المباني مليحة المقال. والذي قد مج فوها ~~عفوصة ما فيها عذبة على العذبات سلسة على الأسلات يبكي ويضحك، ويملك ويهلك، ~~ويفقر ويثري، ويريش ويبري، ويمنع ويعطي، ولولا الله لذكرت أنه يميت ويحيى. ~~وفي رقتها دقة، ومع طلاوتها حلاوة، فإن شئت فيراعة فيها براعة، وأنبوب فيه ~~من الحكم أسلوب وأي أسلوب، وكيف لا وقد اشتملت على مطاوي ما رسمه على فحاوى ~~كتاب الله الكريم، واحتوت مباني ما رقمه على معاني الفرقان العظيم، الذي ~~أخرس شقاشق الفصحاء حين أرادوا معارضته لعجزهم لا للخلل في أدمغتهم، وأوقر ~~مسامع أولي العناد من العباد في البلاد بجهلهم لا لصمم في أصمختهم، صحيفة ~~يلوح عنها أثر الحق، ولطيمة يفوح منها عبق الصدق، بضاعة يحملها أهل النهي ~~في سفر الروح إلى مكانها، وتجارة أرباحها جنات النعيم، وإجارة أعواضها ~~الفوز بلقاء رب العرش العظيم. # وقد تضمن كتابي هذا حاصل التفسير الكبير الجامع لأكثر التفاسير جل كتاب ~~الكشاف الذي رزق له القبول من أساتذة الأطراف والأكناف، واحتوى مع ذلك على ~~النكت المستحسنة الغريبة، والتأويلات المحكمة العجيبة مما لم يوجد في سائر ~~تفاسير الأصحاب، أو وجدت متفرقة الأسباب أو مجموعة طويلة الذيول والأذناب. ~~أما الأحاديث فإما من الكتب المشهورة كجامع الأصول والمصابيح وغيرهما، وإما ~~من كتاب الكشاف والتفسير الكبير ونحوهما إلا الأحاديث الموردة في الكشاف في ~~فضائل السورة فإنا قد أسقطناها لأن النقاد زيفها إلا ما شذ منها. وأما ~~الوقوف فللإمام السجاوندي مع اختصار لبعض تعليلاتها وإثبات للآيات لتوقفها ~~على التوقيف. وأما أسباب النزول فمن كتاب «جامع الأصول والتفسيرين» أو من ~~«تفسير الواحدي» . وأما اللغة فمن «صحاح الجوهري» ومن «التفسيرين» كما ms4757 ~~نقلا. وأما المعاني والبيان وسائر المسائل الأدبية فمن التفسيرين والمفتاح ~~وسائر الكتب # PageV06P606 # العربية، وأما الأحكام الشرعية فمنهما ومن الكتب المعتبرة في الفقه ولا ~~سيما «شرح الوجيز» للإمام الرافعي. وأما التآويل فأكثرها للشيخ المحقق ~~المتقى المتقن نجم الملة والدين المعروف بداية قدس نفسه وروح رمسه. وطرف ~~منها مما دار في خلدي وسمحت به ذات يدي غير جازم بأنه المراد من الآية بل ~~خائف من أن يكون ذلك جرأة مني وخوضا فيما لا يعنيني. وإنما شجعني على ذلك ~~سائر الأمة الذين اشتهروا بالذوق والوجدان وجمعوا بين العرفان والإيمان ~~والإتقان في معنى القرآن الذي هو باب واسع يطمع في تصنيفه كل طامع، فإن ~~أصبت فبها وإن أخطأت فعلى الإمام ماسها والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهي ~~والله المستعان لنا ولهم في مظان الخلل والزلل، وعلى رحمته التكلان في محال ~~الخطأ والخطل، فعلى المرء أن يبذل وسعه لإدراك الحق ثم الله معين لإراءة ~~الصواب ومعين لإلهام الصدق. # وكذا الكلام في بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفي أنواع ~~التكريرات وأصناف المشتبهات فإن للخواطر والظنون فيها مجالا، وللناس ~~الأكياس في استنباط الوجوه والنسب هنالك مقالا، فعليك أيها المتأمل الفطن ~~والمنصف المتدين أن لا تبادر في أمثال هذه المقامات إلى الاعتراض والإنكار، ~~وتقر بأن للمؤلف في إعمال القريحة هنالك أجر الافتكار والابتكار، وتعمل ~~فكرتك الصائبة وفطنتك الثاقبة في إبداء وجه جميل لما قرع سمعك، وتتعب خاطرك ~~اليقظان وذهنك العجيب الشان في إبرار محمل لطيف لما ينافي الحال طبعك. ثم ~~إن استبان لك حسن ذلك الوجه فأنصف تفلح، وإن غلب على ظنك قبحه فأصلح أو ~~أسجع فإن لكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، وضيق البصر وطغيان القلم موضوعان، ~~والخطأ والنسيان عن هذه الأمة مرفوعان، وإني لم أمل في هذا الإملاء إلا إلى ~~مذهب أهل السنة والجماعة فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم بها وما ورد عليها ~~من الاعتراضات والأجوبة عنها. وأما في الفروع فذكرت استدلال كل طائفة ~~بالآية على مذهبه من غير تعصب ومراء وجدال وهراء، فاختلاف هذه الأمة ms4758 رحمة، ~~ونظر كل مجتهد على لطيفة وحكمة، جعل الله سعيهم وسعينا مشكورا، وعملهم ~~وعملنا مبرورا. ولقد وقفت لإتمام هذا الكتاب في مدة خلافة علي رضي الله عنه ~~وكنا نقدر إتمامه في مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ولو لم ~~يكن ما اتفق في أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة وعدم الأسفار ~~النافعة، ومن غموم لا يعد عديدها وهموم لا ينادي وليدها، لكان يمكن إتمامه ~~في مدة خلافة أبي بكر كما وقع لجار الله العلامة، وكما أنه رأى ذلك ببركة ~~جوار بيت الله الحرام فهذا الضعيف أيضا يرجو أن يرزقني الله تعالى ببركة ~~إتمام هذا الكتاب زيارة هذا المقام ويشرفني بوضع الخد على عتبة مزار نبيه ~~المصطفى محمد النبي الأمي العربي عليه وآله الصلاة والسلام فاسمع واستجب يا ~~قدير ويا علام. # PageV06P607 # واعلموا إخواني رحمنا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، أن لكل ~~مجتهد نصيبا قل أو أكثر، ولكل نفس عاملة قسطا نقص أو كمل، وأن الأعمال ~~بالنيات وبها تجلب البركات وترفع الدرجات، وأن المرء بأصغريه وكل عمل ابن ~~آدم سوى الخير كل عليه، والذي نفسي بيده وناصيتي بحكمه ومشيئته، عالم بسري ~~ومحيط بنيتي أني لم أقصد في تأليف هذا التفسير مجرد جلب نفع عاجل لأن هذا ~~الغرض عرض زائل ولا يفتخر عاقل بما ليس تحته طائل. # سحابة صيف ليس يرجي دوامها وهل يشرئب إلى الأمور الفانية أو يستلذ بها من ~~وهن من أعضائه عظامها، وكاد يفتر من قواه أكثرها بل تمامها؟ وإنما كان ~~المقصود جمع المتفرق، وضبط المنتشر، وتبيين بعض وجوه الإعجاز الحاصل في ~~كلام رب العالمين، وحل الألفاظ في كتب بعض المفسرين بقدر وسعي وحد علمي، ~~وعلى حسب ما وصل إليه استعدادي وفهمي، والقرآن أجل ما وقف عليه الذهن ~~والخاطر، وأشرف ما صرف إليه الفكر والناظر، وأعمق ما يغاض على دره ومرجانه، ~~وأعرق ما يكد في تحصيل لحينه. ولو لم تكن العلوم الأدبية بأنواعها، ~~والأصولية بفروعها، والحكمية بجملها وتفاصيلها وسيلة إلى فهم معاني كتاب ~~الله العزيز واستنباط نكتها من ms4759 معادنها واستخراج خباياها من مكامنها لكنت ~~متاسفا على ما أزجيت من العمر في بحث تلك القواليب، وأملت من الفكر في ~~تأليف ما ألفت في كل أسلوب من أولئك الأساليب، ولكن لكل حالة آلة، ولك أرب ~~سبب، وطالما أغليت المهور للعقائل وجنبت الوسائل للأصائل. قال الشاعر: # أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # وكان من معاصم المقاصد من إنشاء هذا التفسير أن يكون جليسي مدة حياتي، ~~وأنيسي في وقت مماتي حين لا أنيس للمرء إلا ما أسلف من بره، ولا ينفع ~~الإنسان إلا ما قدم من خيره. ولعمري إنه للمتبتل المنيب الأواه نعم العون ~~على تلاوة كتاب الله العزيز ومحضرة مع القراءة ووجهها إن اشتبه عليه شيء ~~منها، ومع الآي والوقوف إن ذهل عن أماكنها ومظانها. وكذا التفسير بتمامه إن ~~أراد البحث عن الحقائق أو عزب عنه شيء من تلك الدقائق، وكذا التأويل إن كان ~~مائلا إلى بطون الفرقان وسالكا سبيل الذوق والعرفان. وإني أرجو من فضل الله ~~العظيم وأتوسل إليه بوجهه الكريم، ثم بنبيه القرشي الأبطحي، ووليه # PageV06P608 # المعظم العلي وسائر أهله الغر الكرام وأصحابه الزهر العظام، وبكل من له ~~عنده مكان ولديه قبول وشان، أن يمتعني بتلاوة كتابه في كل حين وأوان من ~~تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان على الوجه الذي ذكرت، ولأجل هذا لقيت في ~~تأليفه من عرق الجبين وكد اليمين ما لقيت. وأن يعم النفع به لسائر إخواني ~~في الدين ورفقائي في طلب اليقين، ثم أن يجعله عدة في ليلة يرجع عن قبري ~~العشائر والأهلون، وذخيرة يوم لا ينفع مال ولا بنون والحمد لله رب ~~العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين ~~خصوصا على رسوله المصطفى الأمين محمد وآله وصحبه أجمعين. # تم بعونه تعالى تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين ~~النيسابوري # PageV06P609 ### | الفهرس # تتمة تفسير سورة الزمر الآيات: 32- 75 3 تفسير سورة غافر الآيات: 1- 22 ~~19 الآيات: 23- 50 31 الآيات: 51- 85 39 ms4760 تفسير سورة فصلت الآيات: 1- 24 46 ~~الآيات: 25- 54 55 تفسير سورة الشورى الآيات: 1- 23 65 الآيات: 24- 53 75 ~~تفسير سورة الزخرف الآيات: 1- 30 84 الآيات: 31- 56 90 الآيات: 57- 89 96 ~~تفسير سورة الدخان الآيات: 1- 59 100 تفسير سورة الجاثية الآيات: 1- 37 108 ~~تفسير سورة الأحقاف الآيات: 1- 20 115 الآيات: 21- 35 123 # PageV06P611 # تفسير سورة محمد الآيات: 1- 18 127 الآيات: 19- 38 134 تفسير سورة الفتح ~~الآيات: 1- 29 140 تفسير سورة الحجرات الآيات: 1- 18 155 تفسير سورة ق ~~الآيات: 1- 45 171 تفسير سورة الذاريات الآيات: 1- 60 182 تفسير سورة الطور ~~الآيات: 1- 49 191 تفسير سورة النجم الآيات: 1- 62 196 تفسير سورة القمر ~~الآيات: 1- 55 214 تفسير سورة الرحمن الآيات: 1- 78 325 تفسير سورة الواقعة ~~الآيات: 1- 96 236 تفسير سورة الحديد الآيات: 1- 29 248 تفسير سورة ~~المجادلة الآيات: 1- 22 264 تفسير سورة الحشر الآيات: 1- 24 279 تفسير سورة ~~الممتحنة الآيات: 1- 13 289 # PageV06P612 # تفسير سورة الصف الآيات: 1- 14 295 تفسير سورة الجمعة الآيات: 1- 11 299 ~~تفسير سورة المنافقون الآيات: 1- 11 303 تفسير سورة التغابن الآيات: 1- 17 ~~307 تفسير سورة الطلاق الآيات: 1- 12 311 تفسير سورة التحريم الآيات: 1- 12 ~~318 تفسير سورة الملك الآيات: 1- 30 323 تفسير سورة القلم الآيات: 1- 52 ~~332 تفسير سورة الحاقة الآيات: 1- 52 343 تفسير سورة المعارج الآيات: 1- 44 ~~354 تفسير سورة نوح الآيات: 1- 28 361 تفسير سورة الجن الآيات: 1- 28 367 ~~تفسير سورة المزمل الآيات: 1- 20 376 تفسير سورة المدثر الآيات: 1- 65 384 # PageV06P613 # تفسير سورة القيامة الآيات: 1- 40 398 تفسير سورة الإنسان الآيات: 1- 31 ~~408 تفسير سورة المرسلات الآيات: 1- 50 420 تفسير سورة النبأ الآيات: 1- 40 ~~428 تفسير سورة النازعات الآيات: 1- 46 437 تفسير سورة عبس الآيات: 1- 46 ~~445 تفسير سورة التكوير الآيات: 1- 29 451 تفسير سورة الانفطار الآيات: 1- ~~19 457 تفسير سورة المطففين الآيات: 1- 36 461 تفسير سورة الانشقاق الآيات: ~~1- 25 468 تفسير سورة البروج الآيات: 1- 22 473 تفسير سورة الطارق الآيات: ~~1- 17 479 تفسير سورة الأعلى الآيات: 1- 19 482 ms4761 تفسير سورة الغاشية الآيات: ~~1- 26 488 # PageV06P614 # تفسير سورة الفجر الآيات: 1- 30 493 تفسير سورة البلد الآيات: 1- 20 501 ~~تفسير سورة الشمس الآيات: 1- 15 506 تفسير سورة الليل الآيات: 1- 15 510 ~~تفسير سورة الضحى الآيات: 1- 11 514 تفسير سورة الانشراح الآيات: 1- 8 521 ~~تفسير سورة التين الآيات: 1- 8 524 تفسير سورة العلق الآيات: 1- 19 528 ~~تفسير سورة القدر الآيات: 1- 5 535 تفسير سورة البينة الآيات: 1- 8 542 ~~تفسير سورة الزلزلة الآيات: 1- 8 546 تفسير سورة العاديات الآيات: 1- 11 ~~549 تفسير سورة القارعة الآيات: 1- 11 552 تفسير سورة التكاثر الآيات: 1- 8 ~~554 # PageV06P615 # تفسير سورة العصر الآيات: 1- 3 558 تفسير سورة الهمزة الآيات: 1- 9 561 ~~تفسير سورة الفيل الآيات: 1- 5 564 تفسير سورة قريش الآيات: 1- 4 568 تفسير ~~سورة الماعون الآيات: 1- 7 572 تفسير سورة الكوثر الآيات: 1- 3 575 تفسير ~~سورة الكافرون الآيات: 1- 6 581 تفسير سورة النصر الآيات: 1- 3 584 تفسير ~~سورة المسد الآيات: 1- 5 588 تفسير سورة الإخلاص الآيات: 1- 4 593 تفسير ~~سورة الفلق الآيات: 1- 5 598 تفسير سورة الناس الآيات: 1- 6 603 خاتمة ~~الكتاب 606 PageV06P616 ms4762