######OpenITI# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # وما توفيقي إلا بالله # الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله بأعز سلطان. وجبلهم منه بمن وقف عند ~~أمر الله فلم يتجاوز في حكمه العدل وفي اقتداره الإحسان. وخولهم خير ملك ~~يكبره العيان. وبتنزه في منظره ويتمنع بمخبره كل إنسان، وأراد بهم خيرا ~~فولي عليهم خيارهم فقرن الاقتنان، من جميل خلقه وخلقته بالإفتان. وجعلهم ~~رعية لخير راع لم يزالوا من عنايته بأعز مكان. وعمهم بفيض إنعامه حتى غدي ~~المقل بسوابغها وهو ذو إمكان. نحمده على جزيل الامتنان. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن. ونشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله الذي محى الله بدين مبعثه سائر الأديان. صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه صلاة لا تزال حلية اللسان وسلم تسليما كثيرا. # وبعد، فإن سير الملوك الصيد نزهة من (...) وذكرى من اكر، وعبرة لمن ~~اعتبر، وأعوذ ..... مثاله، ودليل على سداد الملك في أقواله وأفعاله، وهو ~~عنوان سطور علاه، ودرج لا درج مودع ثمين حلاه، وشاهد بحزمه و موضخ قوة ~~عزمه، وسمير يونس بحديثه، وجليس يستفهم منه كنه قديم عز سلطانه وحديثه. لا ~~سيما إذا كان ملكا هماما، وسلطانا فضلت أيامه بالعدل والإحسان أياما ~~فأياما. وجوادا إن استمطر كفه كان غماما. وإن اعتبرت قلائد مننه اتسقت ~~نظاما. وأن ذكرت فروسيته كانت أعلا من عنتر وعبسيته، ومن البطال ~~PageV01P023 وفروسيته. وإن تلمحت آراؤه ألفي الصواب مكتنفا بجوانبها، ~~والسداد محيطا بمذاهبها. # كمولانا السلطان الملك المنصور، السيد، الأجل، العالم، العادل، المؤيد، ~~المظفر، سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين، قامع الخوارج ~~والمتمردين، محيي العدل في العالمين، أبي الفتح قلاوين الصالحي - خلد الله ~~ملكه - فإنه أتم الملوك خلقا وخلقا، وأحسنهم وجاهة و وجها طلقا، وأطوعهم ~~باعا، وأجلهم أوضاعا، وأكثرهم إقدامة، وأثبتهم أقدام، وأشرفهم آيامة، ~~وأوفرهم من العدلي والإحسان أقساما. وقد تدارك الله به الأمة، وأوضح به ~~سداد أحوالهم وقد كان أمرهم عليهم غمة. فكان نصر الله فجاء هو والفتح ~~المبين، وسببه إلا أنه السبب المتين. # ملك أغاث الله إذ وافا به ms001 %~% بعد ما كادت تزيغ فسلوب # وأتى ونيران الضغائن تضطلى %~% وبها قلوب المخلصين تذوب # فيه وقد أم الرعية أخمدت %~% ولقد لها لولا سطاه لهيب # وكنت قد باشرت خدمته كاتب إنشاء سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومعاني وصورا، ~~وآيات وسورا، وخبرا وخبرا، وتأثيرأ وأثرا. وكتبت عنه سرا وجهرا. وشهدت و ~~قائعه برا وبحرا. واطلعت على ما لم يطلع عليه غيري بمشافهته. وعلمت من ~~أحواله ما لم يعلمه إلا كاتب سره بوساطة مشاركته. وحضرت مهادنته و موادعته. ~~وكتبت بما استقر منها، وحررت نسخ الأيمان له و عليه. وأوضحت من شكوكها ~~مبهمه عند المثول بين يديه، فأوجب على ذلك أن أسطره محاسن أيامه الزاهرة، ~~وأن أثبتها لتغدو على ألسنة الأقلام على الدوام والاستمرار سائره، وأنا ~~أشرع وبالله التوفيق. PageV01P024 ### | ذكر ابتداء أمر مولانا السلطان # أجمع الناس قاطبة ممن عاصرته أنه لم يرد البلاد في جلبة من الجلبات أحسن ~~منه ولا أكمل، ولا أبهى ولا أجمل، ولا أتم خلقة ولا خلقا، ولا أصوب صمتا ~~ولا نطقا، ولهذا ازدحمت عليه عند وصوله وهو ابن أربعة عشر سنة أرباب ~~الرغبات، وبذلت فيه الألوف من الذهب وأجلته عن الماات. فكان الألفي قامة، ~~والألفي قيمة، وإنه لأعلى وأغلى، والبدري صورة، والبدري سعرا، وإن محله ~~لأجل وأعلا. # كان، خلد الله سلطانه، عظيم الوجه والجهه، مزهر اللون فدونه الزهرة ~~والحيهه، غليظ المنكبين، مخرزم العينين. تام القامة، لم يزل عليه للسلطنة ~~علامه، مهاب الشخص، لا يرى المتبع في تمام خلق الله فيه من نقص. أرتجعه ~~السلطات السعيد الشهيد الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك ~~الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن ~~أيوب، واختصه لنفسه، واختاره لعظيم جنسه، واذخره ليومه من أمسه، وخذس فيه ~~وراثة الملك فما خاب في حدسه، وكبر في دولة الملك الصالح المذكور على صغر ~~سنه، وظن فيه خبرا فكان عند حسن ظنه. # ولما توفي السلطان الملك الصالح إلى رحمة الله صارت خوجداشية له تبعا، ~~والتفوا عليه مقتدين به فلا يقفون إلا إن وقف ms002 ولا يسعون إلا إن سعي. # وقامت شجر الدر أم خليل بعد سيدها الملك الصالح وهو على حاله PageV01P025 # من التعظيم، واستولى الفارس أقطاي خوجداشه وهو عنده في غاية التبجيل ~~والتكريم. # وملك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني الجاشنكير الصالحي وهو عنده ~~بأعلا رتبه، وأسمى هضبه. وصار الملك لولده قاقان وهو بالمحل الأسني من ~~دولته، والمكانة العظمى من مملكته. # وإلى الملك المظفر سيف قطز المعزي وهو المشار إليه، والمغول في عقد ~~المشور وحله عليه. وما من خشداشيته إلا من اعتقل، وعن رتبته من التعظيم إلى ~~ما ينافيه نقل، إلا مولانا السلطان فإنه لم تمتد إليه يد انحطاط قدر في ~~دولة من هذه الدول. ولا تخلل عظم قدره خلل. بل لم يزل أميرا يستشار، وكبيرا ~~إليه يشار. # ثم جاءت دولة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي فأخذه بكلتي ~~يديه، واعتمد في استقرار ملكه عليه، وجعله رأس مشورة، وخير مبتدئه ومبتدأ ~~خبره. واعتمد معه ما لم يعتمده ملك مع أمير، ولا سلطان مع مشير. ### | ذكر الأمور التي اعتمدها الملك الظاهر معه # منها: إنه لم يقدم شيئا عند تمام ملكه على تكثير عدد إمرته، و أجناد ~~زتبته، وجودة أقطاعه، وتوفير جملة أرزاقه المناسبة لكثرة أتباعه، وقدمه ~~على المئين، واعتمد منه على القوي المكين. وأنزله منه منزلة الشقيق، ~~والصديق الشفيق. PageV01P026 # ومنها: إنه تولي أمر زواجه بنفسه، واختار له من يناسب علو جنسه. وكان من ~~أمراء دولة الملك الظاهر (الأمير) سيف الدين كرمون، وكان هذا المذكور من ~~مقدمي تمانات التتار في أيام هولاكو (لعنه الله) وأجلهم عنده قدرا، وأكبرهم ~~إمرة وأمرا. وألحقهم بعظمه، وأوسمهم بوسمه، فقصد المذكور دار الإسلام، ووفد ~~على الملك الظاهر بوجه وضاح وثغر بسام. فتلقاه بما يليق بمثله، وأجله بما ~~يناسب عظيم محله. وجعله من أكابر أمراء الطبلخانات وراي لعظم قدره وقدومه، ~~فوفر لديه حسان الحسنات، فرأى الملك الظاهر أن يناسب، فخطب لمولانا السلطان ~~إبنه المذكور مشافها بخطبة خطبتها، مواجها لأبيها من غير واسطة، موردا شريف ~~نسبته ونسبتها، فأجاب، ولدعاء رغبته استجاب. وقرر ms003 بنفسه معه مهرها، وحمله ~~من ماله عنه. ورأى أن ذلك تفضلا من مولانا السلطان لا منه. ثم أمر مولانا ~~السلطان بمنظرة الشرف الأعلى المعروفة بالكبش فهيئت، وبأحسن الزينة زينت، ~~وبفساقيها فملئت جلابا. وبنواحيها فشحنت شرابا. ووقدت قرم العود، وفتنت ~~أكبر العنبر فكان إلى السماء ما لدخانه من الصعود. ورش الناس بالماورد ~~المطيب بالمسك إلى أن ضمخت أردانهم، ودارت هنابات المخلوطات من العطريات ~~إلى أن شملت ولم يخص بها أعيانهم، ووقدت الشموع في كثرتها، وعبي السكريح ~~أهراما فراقت بهجتها. كل ذلك من مال مولانا السلطان (بمباشرة) غلمانه ~~وأستاداريته. وحضرته القضاة والقراء والوعاظ والمدرسون، وتم العقد على أحسن ~~الصور. # ومنها: إنه لما عزم مولانا السلطان على الدخول بهذه الزوجة أمر الملك ~~الظاهر بضرب دهليز تحت قلعة الجبل بسوق الخيل يوم العرس، ومد فيه سماط من PageV01P027 مال الملك الظاهر. وحضرت الأمراء على طبقاتهم، وجاءت التقادم ~~بأمر الملك الظاهر على قدر نفوسهم وهماتهم، لمولانا السلطان فقبلها، ~~وبالجبر أستقبلها. # ومنها: إصطفاء الملك الظاهر له بأن جعله نسبا وصهرا، واختيار جهته لولده ~~الملك السعيد بركة قان إذ كان به أدرب وأدري. ### | ذكر الصورة في زواج السلطان الملك السعيد بجهة مولانا السلطان # لما عهد الملك الظاهر لولده المذكور بالملك والسلطان، وعول عليه في كفالة ~~الرعية لما توسمه فيه من العدل والإحسان. وتمت بيعته، وسارت سمعته. وحلفت ~~له العساكر مصرا وشاما، وأعمل شياع البيعة فيه السنة وأقلاما. رأى الملك ~~الظاهر أن يحصنه بالزواج، ويحسنه بحسن الازدواج، واستخار الله له فخار، ~~ودله على من لا فوق فخاره فخار. وهي جهة مولانا السلطان فخطبها بأحسن خطاب، ~~ودعا صلتها بأتم عائد من سفرائه فأجاب، ولما حصلت الإجابه، وصادف الرأي ~~الإصابه. وهيأ الإيوان الكبير الذي بقلعة الجبل المجاور لجامعها كما ~~وصفناه، وعبيت فيه قصور الذهب والفضة والذهب المعزم في الأطباق للنثار، ~~وحضر الملك الظاهر والأمراء والقضاة كما وصف. # وكان كاتب الصداق الصاحب محيي الدين عبد الظاهر خالي. ونسخته من إنشائه، ~~رحمه الله، وكان من أجل الكتاب، وأبلغ ذوي الآداب، وأفصح أرباب الخطبة ms004 ~~والخطاب. ومن غشه درجت، ومن بين يديه تخرجت. وهو # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله موفق الآمال الأسعد حركه، ومصدق الفال لمن جعل عنده ~~PageV01P028أعظم بركه، ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه. ~~الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا نصيرا، وميز أقدارهم باصطفاء تأهيله حتى ~~جازوا نعيما وملكا كبيرا. وأفرد فخارهم بتقرب حتى أفاد شمس آمالهم ضياء ~~وزاد قمرها نورا، وشرف به وصلتهم حتى أصبح فضل الله بها عليهم عميما ~~وإفضاله كثيرا مهيئا أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل ربوع كل أملاك ~~من الأملاك بالنور من الشموس والبدور والأهلة آهلة. جامع أطراف الفخار لذوي ~~الآثار حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عندهم البركة الكاملة. # نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل بتأهلهم ~~الاستطلاع، وكمل لاختيارهم الأجناس من العز والأنواع، وأتى آمالهم بما لم ~~يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع . # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونصلي على سيدنا محمد الذي ~~أعلا الله به الأقدار، وشرف به الموالي والأصهار. وجعل كرمه دار النعم في ~~كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار، مشرق الأنوار، صلى ~~الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار. يانعة الثمار. # وبعد، فلو كان اتصال كل شيء بحسب المتصل به في تفصيله، لما استصلح البدر ~~شيئا من المنازل لمحلوله، ولا الغيث شيا من الرياض لهطوله، PageV01P029 ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله. لكن، ليتشرف بيت ~~يحل به القمر، ونبت يزوره المطر، ولسان ينعوذ بالآيات والسور. ولذلك تجملت ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم و أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابه بأنسابه، ~~وتزوج صلى الله عليه وسلم منهم وتمت لهم مزية الفخار، حتى رضوا عن الله ~~ورضي الله عنهم. والمرتب على هذه القاعدة إفاضة نور يشهده الوجود، وتقرير ~~أمر يقارن سعد الأخبية منه سعد السعود، وإظهار خطبة تقول الثريا لانتظام ~~عقودها: كيف، وإبرام وصلة بغبظ السيف المجوهر بها كل سيف. ونسج صهارة يتم ~~بها إن شاء الله كل رأي سديد، ويتفق بها كل ms005 توفيق تخلق الأيام وهو جديد، ~~ويختار لها (خير طالع وكيف لا يختار من الطوالع السعيد. وذلك بأن مراسيم من ~~هو مفترض الطاعة أرادت تخص أكبر الأولياء بالإحسان المبتكر، وتفرده ~~بالموهبة التي رهب بها منه الحد المنتضي ويعظم الجد المنتظر. وأن يرفع من ~~قدره بالصهارة مثلما رفعه النبي صلى الله عليه وسلم بالصهارة من قذر ماحبيه ~~وظهريه أبي بكر وعمر. فخطب إليه أسعد البرية، وأعز من تحميها السيوف ~~المشرفية، PageV01P030 وأجل من يسبل عليها ستور الجلالة الحفية، وتتجمل بنعوتها ~~العقود، وكيف لا وهي الدرة الألفية، فقال المخطوب إليه: هكذا ترفع الأقدار ~~تزان، وهكذا يكون قران السعد وسعد القران. وما أعظمها معجزة اتت الأولياء ~~من لدتها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا. وما أفخرها صهارة يقول ~~التوفيق لسرعة إبرامها: ليت، وما أشرفها عبودية كرمت سلمانها بأن جعلته من ~~أهل البيت. وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر المملوك، وخصصته بهذه المزية ~~التي تتقاصر عنها آمال أكابر الملوك. فالأمر لولي النعمة في رفع درجات ~~عبيده كيف يشا، والصدق بما يتفوه به هذا الإنشاء وهو # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب مبارك تحاسدته رماح الخط وأقلام الخط على تحريره، وتنافست مطالع ~~الأنواء ومشارق الأنوار على إبداء مسطوره، فأضاء نوره بالجلالة فأشرق، وهطل ~~نوه بالإحسان فأغدق. وتناسبت فيه أجناس تجنيس الفضل فقال الاعتراف: هذا ما ~~تصدق. وقال العرف: هذا ما أصدق. واحتفل بأمر هذا الكتاب أتم احتفال، واختير ~~له أتم طوالع اليمن والإقبال. وكانت الوزارة يومئذ PageV01P031 معدوقة بالصاحب الوزير بهاء الدين علي بن محمد، وكان ممن أعطى ~~المنصب حقه وزاد، وظهر من القعدد في صورة جرى فيها على المألوف من قعدد ~~الوزارة المعتاد. فقام بشروط هذا العقد أتم قيام، وأمر بحضور القضاة ~~والحكام، والأمراء ذوي النقض والإبرام، والقراء والوعاظ، وكاد لكثرة جمعهم ~~أن يضيق بهم ما للملك من سعة المقام. وكان قد وقع الاختيار على قراءته، ~~وتمام عقده عند صلاة الفجر على ما اقتضاه الطالع، فلم يتفق أن قريء إلا بعد ~~الإسفار، وتبلغ وجه النهار، وما كان ms006 إلا ما سر، وما ضر، ولا خولفت عادة ~~السعد بمخالفة الطالع، بلا حلا استحلا تلك القصور في ضوء الشمس وان دهب وقت ~~الاختبار ومر. # وكنت حامل هذا الكتاب إلا أني حطيته واسترحت بما نابني من عموم فضله، ~~ووصلني به الصدر محيي الدين من صلته، وما زلت منضويا إلى سابغ ظله. واقتفي ~~في التدريب في صنعة كناية الإنشا أن أجرب القريحة، وقد كانت من دأب الكذ إذ ~~لم أكن بعد تعلقت بخدمتهم مستريحة، أن أنشيء مثال ما أنشيء في هذا المعنى ~~فأنشأت: # الحمد لله الذي ألف بين الحلبات من القدم فأحسن التأليف، وعازف بينها بما ~~قدر من الأزل فلم يكن عن نكرة ذلك التعريف، منوه من أجتباه حسن الاختبار من ~~حيث لا يحتسب، ومخول من اصطفاه من غذا به يزداد شرفا به حين ينتسب. و معلي ~~مكانة من خوطب بما لم يكن في أمله من الصهارة حين خطب، ومريده بأهلية ~~التأهل تنويها إلى تنويهه، ومتم نعمة من أخفق على رأسه لواء الحمد تبيها ~~إلى تنبيهه. جاعل وسيلة النكاح إلى مزية القرب أتم وسيلة، وصلته بعاند علو ~~الذي ما زال يوضح سبيله. نحمده على حسن تأهيله، وتضافه مجده وتأثيله. ومزية ~~قربه و قرب مزيته، وصلاح تمامه وتمام صلاحيته وتهينة أسبابه وأسباب تهيئته. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من حكم له صحيح الاعتقاد ~~البادي من خلوص خطابه، وقضى له توحيده بجزيل ثوابه. الذي يجد نفعه إذا ندير ~~الفرذوس وثوى به. PageV01P032 # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بعثه الله بما بهر به الألباب، وهدي به ~~الأمة إلى شريفي السنة والكتاب. صلى الله عليه ما أذلهم ظلام وانجاب. وعلى ~~آله وصحبه السادة الأنجاب. وسلم تسليما كثيرا. # وبعد، فإن توخي المناسبة فيما يعزم عليه اللبيب أولى وأتم، وملاءمة ما ~~فيه مشاكلة عند ذوي حسن النظر من الأمر الأهم. ثم ولا شبهة ولا ريبة ان ~~الجنسية علة الضم. ومن رأي أرباب العقول التخير للنطف، وصرف الهمة إلى ~~الأليق وما كل من ms007 صرف صرف. ومن سداد ذوي النقد أن لا تجعل واسطة عقدها إلا ~~الدرة المتنافس في اقتنائها، والثمرة الزكية الأصل واجتنائها، وأن لا تودع ~~الدرة إلا عند حافظها الأمين، ولا يناول كتاب مجد مجدها إلا لمن تناوله ~~باليمين. ولا بؤهل لها إلا من ومن، ولا يعول في تلبسها إلا على من هو عند ~~حسن الظن. وكان من اللطف من اختاره الله لبلاده وعباده، وملكه أقصى طارق ~~الملك وتلاده، وحكمه في رقاب الأمم، وبسط لسان حكمه في العرب والعجم، وفتح ~~به ما استغلق من الحصون، وأباح بعزائمه من أرواح أعداء الله كل مصون. وسير ~~ذكر عظم سلطانه في الأرض مثلا، وأوضح برعب سطواته سبلا فسبلا. وأخمد به ~~ثائرة الطغيان، وأطفأ نائرة ذوي البغي والعدوان. وشاء الله فجعل بغزرة ~~الناس أمة واحدة، وحقق عندهم أن الدين عند الله الإسلام فغدت بعظمته ما بين ~~راكعة وساجده، مولانا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل، العالم، العادل، ~~المؤيد، المظفر، المنصور، ركن الدنيا والدين، خلد الله ملكه مدى الأيام، ~~وأسس قواعد ملكه على إحكام التشييد وتشييد الأحكام. ملك أنسى الله بزمانه ~~كل زمان، وأذل بعزائمه من لم بدن و من دان. وبسط يده فدهم الأعداء بما لهم ~~يكن لهم به يدان. وصوب رأيه في كلما يأتي ويذر، ولا شبهة في أن الملوك نقية ~~الأذهان. ولا كذهنه الخارق، وحدسه الصادق، وفكره الفائق الرائق. ولما كان ~~بهذه المثابة من حسن النظر، وهذه المكانة من شريف التأثير والأثر، أنعم ~~النظر لولده ولي عهده، والكافل الرعية الا أناط الله بعده من بعده، مولانا ~~السلطان الملك السعيد ناصر الدنيا والدين، أمتع الله من وكل منهما بالأسد ~~وشبله، والفرض ونقله، والسيد ونجله، في جهة يودعها ما تنتجه السلطنة من ~~مقدمات نسله PageV01P033 الطاهر، ونجله الزاهر، فعمد إلى أكبر أمراء دولته، وزعماء ~~مملكته، ورأس مشوره، وواسطة عقد درره، وأجلهم نوعا و جنسا، وأكثرهم بسلطنته ~~الشريفة أنسا، وأتمهم صورة ومعنى، وأعمرهم قلبا ومغنى. وأجلهم خلقا وخلقا، ~~وأشرفهم صداقة وصدقا، وأعلاهم من سلطنته محلا، وأمضاهم سيفا، وإذا كانت ms008 ~~السيوف عاطلة كان هو السيف المحلا، بجواهر اصطفائه، وأحسن السيوف ما كان ~~محلا، وهو فلان، فخطب إليه عقيلته التي دل شرف إبائها وأيائها، المتلمحان ~~بما لحسن النظر في ثخانة خبائها. في أحسن الصور، المحجبة حتى عن الشمس و ~~الشمس لا ينبغي لها أن تدرك القمر. وركن إليه فها وإن لم تتساوي الرتب، ~~وعول عليها وإن من سلطنته عن خطبة أمره من إليه خطب. وهل من أحصر كمن بث ~~حديث الفخار فأحسن نثا وبثا، ثم وليس الذكر - كما في محكم التنزيل - ~~كالأئثى إلا أن هذه قاربت وقارنت، وعينت وعاينت، وأذنت وأذنت، وأهلت وأهلت. ~~ولا شبهة في أن البيت بساكنه، والجوهر بحسن معادنه، والثوب بلابسه، والنوز ~~بقابسه. والجواد براكبه، والسيف بضاربه، والقلم بكاتبه. والمكتوب إليه ~~بمكاتبه، واللواء بعاقده، والدر بناقده، والعقد بثمينه، والذكر الحكيم ~~بمبينه، والقوس بباريها، والكتيبة بمباريها. # وقد اقتضى هذا التفصيل جملة هذا التفصيل، وهذا التفريع إجلال هذا ~~التأصيل، وهذا البكور إمتاع هذا الأصيل. وليس بأول مملوك رفع مالكه لا بل ~~ملكه من قدره، ولا بأول مأمور نوه أمره من ذكره. والأقدار على قدر معليها، ~~والقيمة بحسب مغليها، والهدايا على قدر المهداة إليه في هذا المحل ولا أقول ~~مهديها. وحين جرت الصدقات السلطانية على مألوف درر اقتنائه وإلفيها، ومعهود ~~عهاد سحب اندامه الدارة في كل دار ووليها. أن يتلي ما يقضي بنفي التحريم ~~بما للتحليل من إيجاب. وأن يجعل بسم الله الرحمن PageV01P034 الرحيم فاتحة هذا الكتاب، السعيد السعيدي، وما زالت فاتحة أم ~~الكتاب. ### | [مكاتبة صاحب قيسارية الروم للظاهر بيبرس] # ونعود إلى ما كنا فيه من أحوال مولانا السلطان فنقول: # واستمرت هذه الصهارة، وكانت على مال الملك إلى مولانا السلطان أتم ~~أمارة. # واتفق ما اتفق من دخول الملك الظاهر قيسارية الروم بمكاتبات إليه من معين ~~الدين سليمان البرواناه النائب بها و مراسلات و توسلات وتوصلات، وتحيلاته ~~وتنصلات، فإن البرواناه هذا أنف التتار، وأراد من جورهم الفرار، ولاذ بظل ~~الإسلام وبملكه أستجار. وأراد أن يكون من المهاجرين عندما توافيه الأنصار. ~~وترددت منه ms009 المكاتبات، ولانت منه بالمسكنة المخاطبات. فحملها الملك الظاهر ~~على أهوالها، وأقدم، ولم يفكر في عقبي تغريراته ولا سوء مآلها فعزم، وبما ~~ألزمه البرواناه من إنجاده التزم. # وقصد الشام بعساكر لو نزلت على الرمال لكثرتها، أو الجبال الكورتها. فإنه ~~- رحمه الله - كان حسن النظر في أمر عساكره ممدا له بالأنعام، مدرا أرزاقهم ~~إلا أنه الإدرار العام. # وكان مولانا السلطان أمام جيشه يقدمه بأنوار طلعته، ويهديه وكفى بالمطايا ~~في الإدلاج توقد أشعته. فحين وصلوا إلى الفرات شاهدوا من ذلك البر جمعا من ~~التتار، وشرذمة تكون عشرة آلاف من المغل الكفرة الفجار. فلم يلبث مولانا ~~السلطان أن رمى بنفسه مقحما إلى هؤلاء التتار، هول ذلك التيار. وتبعته ~~العساكر والملك الظاهر في الساقة، فوجدوا القوم قد استعدوا للنضال صمي ~~النصال، فحمل مولانا السلطان عليهم أولا وثانيا، وكر وما فر، فيكون لعنان ~~العنان PageV01P035 ثانيا. فجدلوا القوم عن آخرهم صرعى، وكانت النصرة ~~بمولانا السلطان بحق أؤليته عقلا و شرعا. # ثم جد الملك الظاهر في السير في خراب من البلاد، وعدم أقوات لا تثبت معها ~~القوات لعدم الطارف والتلاد، ولم يزل إلى أن دخل قيسارية الروم، وبلغ منها ~~المروم. وجلس على كرسي آل سلجوق، وخطب باسمه على منابرها من غير عائق بعوق، ~~وملكها ملك يمين، وتحكم فيها تحكم من لو شاء لقطع ممن بها الوتين إلا أنه ~~أبقى أهلها على ما هم عليه، وخرج منها وعينهم متطلعة إليه، وكل ذلك برأي ~~مولانا السلطان الذي ما خاب مستشيره، وقوة جأش جيشه الذي ما خذل به أميره. # وأما ابن البرواناه فإنه لم يف بقوله، ولا ثبت لورود العسكر المصري ~~وهوله، ورأى أن السلامة في ذهابه، وحسب حسابا فجاء حساب الزمان غير حسابه. ~~فخرج منها قبل ورود العساكر الإسلامية خائفا يترقب، وصار من المذبذبين لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بما أساء إلى كل وأذنب. ### | [وفاة السلطان الظاهر بيبرس] # وعاد الملك الظاهر إلى دمشق كما بدى، وسلك طريقه في استشارة مولانا ~~السلطان التي وجد عليها هدي. فحل بدمشق وقد حلت ms010 ميته، وخابت في البقاء ~~أمنيته. فمرض أياما قلائل، ودرج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى. PageV01P036 ### | [سلطنة الملك السعيد ولي العهد] # فقام مولانا السلطان بعده بحسن الخلف، وأخفى أمر وفاته حتى كاد أن يخفيها ~~عن نفسه، وأظهر عن الخروج عن عهد الملك السعيد غاية الصلف. ولم شمل العساكر ~~المنصورة، والخزائن المعمورة. وأحضر الجميع إلى الديار المصرية موهما أن ~~الملك الظاهر مريضا وفي محفة استصحبها، وأمور كتمانية رتبها، وأخلاق شرسة ~~من ذوي التفقر بهيبته هذبها. # ولما استقر شعار الملك بقلعة الجبل أخذ في تجديد اليمين للملك السعيد ~~فجددت، وفي تأكيد أسباب ولاية عهده فاكدت. وأحله منه محل الولد، ورعى فيه ~~وصية والده ناويا أن لا ينقضها طول الأبد، وهاب مولانا السلطان من في قلبه ~~مرض، وخافه من عرض له بعد وفاة الملك الظاهر غرض . # واستقر الملك السعيد سلطانا مطاعا، وملكا ماعى. ### | [خروج الملك السعيد إلى دمشق لمواجهة التتار] # وأخذت أخبار التتار تقوي، ووارداتها تزداد من ذوي السر في المكاتبات ~~والنجوى. وتحقق أن سائرهم إلى البلاد سائر، مكافأة وحنقا على خفية نكاية ~~PageV01P037 الظاهر. فأشار مولانا السلطان بمعاجلة القوم، وخروج الملك ~~السعيد في جيوش والده ليخلف أمسه في اليوم. فخرج وبرز على مسجد التبن، و به ~~خيم، وعلى قصد القوم حتم، فاوهمته مماليك أبيه وحسنت له مخالفته وتأبيه. ~~فعاد إلى القلعة، وما حمدت منه وقد رجع عن الصواب تلك الرجعة. وبلغ ذلك ~~العدو فازداد طمعهم في البلاد، وساق أبغا بن هولاكو - لعنهما الله تعالى - ~~إلى أن وصل إلى موضع المقتلة بمن حوله من السواد. وقربت الأخبار، وجاء من ~~النواب بالشام أنواع الإنذار والإعذار. فصمم مولانا السلطان على أن لا بد ~~من الخروج ضربة لازم، وعزم عليه عزم اللبيب الحازم. فلم يسع الملك السعيد ~~إلا الموافقة، وعزم، إلا أنها عزمة غير صادقة . # ولم يزل إلى أن وصل إلى دمشق، ومولانا السلطان يكنفه بحسن دفاعه، ويحيط ~~عنه الأذى بأوليائه من خوجداشيته وأشياعه. فاستقر بقلعة دمشق المحروسة، ~~وغدت به بعد وحشة أبيه مأنوسه. ومولانا السلطان يرفرف عليه بحفظ ms011 جناح ~~أبوته، وإن كانت بنوته هي المأمورة من الله بحفظه، ويترك حظه من الملك وإن ~~كان من استحقاقه أكبر حظه. # وأما العدو، فإنهم أحجموا، وفشلوا وما أقدموا، وخافوا وما حافوا، إلا أن ~~الملك السعيد وافق من حوله من ذوي اللهو، وأرباب الزهو، فانعكف وما اعتكفه، ~~واستمطر سحاب المكرم الأكرم وقد وكف. وما كف في تناوله ساعدا ولا كف، ~~واحتجب عن الرأي وصوابه، والقول وجوابه. # وصار مولانا السلطان والأمراء الصالحية يحضرون إلى الخدمة فلا يؤذن لهم ~~ولا يعتذرون، ويرجعون ولا تسل كيف يرجعون. # واستمر الحال على هذه الصورة، وصارت أوقات الملك السعيد على مثل ذلك ~~مقصورة، لا بل محصورة. ### | [غضب الأمراء من الملك السعيد لاستهتاره ولهوه] # واتفق أن مولانا السلطان وخوجداشيته الأمراء الصالحية، وهم كالأمير علم ~~PageV01P038 الدين سنجر الحلبي، والأمير بدر الدين بيسري الشمس، والأمير ~~شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير علاء الدين طبرس الوزيري، والأمير عز الدين ~~أيبك الأفرم، والأمير بدر الدين بيليك الأندمري، والأمير بدر الدين بكتاش ~~أمير سلاح، والأمير شمس الدين نفر المساح، والأمير سيف الدين بلبان ~~المستعربي، والأمير شجاع الدين طغريل الشبلي، كل هؤلاء كانوا أمراء صالحيين ~~جالسين بدركاه القصر الأبلق الظاهري بدمشق المحروسة قبل العصر وقت الخدمة ~~وهم ميمنة وميسرة، ومعهم من الأمراء الناصرية والظاهرية جملة كبيرة. ~~ومماليك الملك السعيد، بأعلا هذا القصر عنده في رقص ورهج يسمع من بعيد، ~~فكيف من قريب. # واتفق أن أحد مغاني العرب الشعراء الذين في الخدمة سكر وعربد، فأنزل، ~~وخرج من باب القصر وهو يتمايل، وكاد (أن) يتعلق بمولانا السلطان فما مكن، ~~وحصلت أنه من مثل ذلك وتغير ظهر علي مولانا السلطان وعلى أولئك. فقام ~~منصرفا من الخدمة بغير دستور، وتبعته الأمراء وتسايروا، وتساورو وتشاوروا، ~~وما تساوروا. # فلما بلغ الملك السعيد انصرافهم على هذه الصورة، وظهور نضيتهم التي كان ~~في الظن أنها مستورة. وأن سبب هذه القضية أحد شعرائهم والشعراء ينبئهم ~~الغاوون، فجرأته بغبية ذهنه على الأمراء لا بل هم الملوك الحاضرون. # فبادر الملك السعيد قاصدا القلعة، وشارع مستدركا فارط تلك ms012 الشناعة لا بل ~~الشنعة. وحضر مولانا السلطان هو والأمراء المذكورون ثاني هذا اليوم إلى قلة ~~قلعة PageV01P039 دمشق، وطلبوا إذنا فأذن لهم، فحين حلوا في منازلهم من ~~الملك السعيد، وتمكن مولانا السلطان من القول ولم يزل متمكنا من قريب ~~وبعيد. قال للملك السعيد: إنما أخرجناك ليشيع بين الأعداء قوة سلطانك، ~~وظهور برهانك. لا أن نتفرج في الشام، ولا أن يسير معنا ما يحط من قدر ~~الإسلام. وحيث قد حللنا بهذه الأرض فلا بد للحلولنا من تأثير، ولا مندوحة ~~أن يعتمد ما يحمد معه عاقبة هذا المسير . # فقال الملك السعيد: وما الرأي؟ # قال مولانا السلطان: الرأي أن نتوجه أنا والأمير بدر الدين - يعني بيسري ~~- بالعساكر المصرية والشامية، ونفتح قلعة الروم، ونغار على سيس. # فأمن الملك السعيد على قوله، ورجع إلى قوته في الرأي وحوله، وتقدم إلى ~~العساكر المنصورة بالتوجه صحبتهما، وشكر الله وللناس علو همتهما، ورسم ~~فكتبت مثالا مطلقا عن الملك السعيد. ### | [الكتاب بمسير العساكر إلى قلعة الروم وسيس] ومثاله # إنا قد تقدمنا المجلسان العاليان فلان وفلان بالعساكر المصرية والشامية ~~الفتح قلعة الروم والإغارة على بلاد سيس، فعند وقوف كل من النواب بالبلاد ~~الشامية يبادر إلى امتثال أوامرهما، رالمسير صحبتهما من الجبلية وغيرهم، ~~وإحضار ما يستدعيانه من آلات الحصار، والحذر من مخالفة ذلك. # وكتب إلى الملك المنصور صاحب حماه بالمسير صحبتهما بعسكره. وفارقا دمشق ~~متوجهين لهذه المصلحة بهممهم المستنصحة. PageV01P040 ### | [الخلاف بين أمراء الملك السعيد بدمشق] # واستقر الملك السعيد بدمشق، وعنده الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير، ~~والأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فإنهما كانا قد اعتقلا وأخرجا، وسافرا معه ~~بلا أقطاع، وهذا أكبر أدلة سوء التصرف. وتأخر عنده من مماليك والده جماعة، ~~كالأمير شمس الدين سنقر التكريتي، وحسام الدين لاجين الزيني، وعز الدين ~~أيدمر الدوادار الظاهري، والسقسيني، وجماعة من الظاهرية، أمراء و غير ~~أمراء. # وكان سيف الدين كوندك السعيدي نائب السلطنة إذ ذاك، فحصل بينه وبين ~~المذكورين تنافس، وانضم إلى كونذك جماعة من الأمراء السلاح دارية الظاهرية ~~التتار، وصاروا قبيلتين. مستعربة وتتار. وقامت ms013 بينهم الفتن، وتغايرت المحن. ~~وقصدت المستعربة منهم أن يبطش بكوندك، ووقفوا له في الدهاليز السلطانية، ~~وطلبوه على لسان الملك السعيد، فقام وتوجه إلى داره قاعة رضوان بقلعة دمشق، ~~فعظم ذلك عليهم. وترددت الرسل إليه وإليهم، فلم يوافق على الحضور إلى الملك ~~السعيد، ولا جاوبهم إلا من بعيد. فلما اشتد امتناعه عليهم، وأكبت عليه ~~السلاح دارية الظاهرية إكباب مستهون لا مستهول كلما بجزه ذلك إليهم، فعند ~~ذلك طلب الملك السعيد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسيره إليه منكرا ~~عليه، فأبدى إعذارا، وإنكار أحوال في مثلها لا يماري. وخرج من قلعة دمشق ~~إلى الشرف الأعلا منزل الأمير شمس الدين سنفر الأشقر بإشارته إلى أن يأمن ~~على نفسه، ويتوسط الأمير شمس الدين بينه وبين أبناء جنسه. فما كان إلا أن ~~استقر، ريثما غز، ثم فر، وساء وماسر، وأضرا وضر. وركب هو و عصبته وبات بين ~~البساتين. وأظهر أن ذلك خوف وهلع وهول وجزع. فعزم من عند الملك السعيد على ~~الركوب إليه وإلى من معه، فلم يره الأمير شمس الدين والأمير علم الدين ~~مصلحة، وأن استجلابهم بالحسنى قضية مترجحة. PageV01P041 ### | [مفارقة كوندك للسلطان] # ورسم، فكتبت كتابا عن الملك السعيد إلى سيف الدين كوندك مضمونه التأمين، ~~فما أخذه باليمين، ولا ألوى على مضمونه بحكم ما دله على هلاكه من الحدس ~~والتخمين. وداخله الشك إلا أنه أزال الشك باليقين. وما كان منه وبين القرار ~~إلا أن خرجت إليه أثقاله، وأنه بحصول خزانته في القبضة أمواله. # ثم سار يطوي الأرض بالطول والعرض، والسنة من نجاته وبمن معه والفرض، ~~قاصدا مولانا السلطان وقد كان راجعا بالعساكر المنصورة من وجهته، و آتيا من ~~فورته. ### | [مكاتبة الملك السعيد إلى قلاون بشأن كوندك] # ورسم فسرح الطائر حاملا بطائق كتبتها إلى مولانا السلطان، مضمونها: إن ~~الأمير سيف الدين كوندك كان قد حصل بينه وبين الصبيان خصومة أوجبت غضبه ~~وخروجه بجماعة من السلاح دارية، فإذا وصل بسكن خاطره، ويحضره في الأمان ~~والذعه. وأطلعت الطيور مسرعه، وعاد الجواب على أجنحتها بالسمع والطاعه، ~~وأنه يبذل في ms014 رضاه أو غضبه إن لم يرض جهد الاستطاعه. # فلما وصل سيف الدين كوندك قال وأطال، وبلغ غرضه من نجاة نفسه بالصحيح ~~والمحال. وجاء كتاب مولانا السلطان بأنه حاضر معه إلى الأبواب السعيدية، ~~إلا أنه بعد أن ملأ سمعيه، ونقل ما عزم الملك السعيد ومن حوله في حق مولانا ~~السلطان عليه. وهو - خلد الله سلطانه - يصدق ويكذب، وبصغر فكره ويصوب، إلى ~~أن وصل إلى القابون، وكاتب: هل يكون الدخول بتطليب أو ترتيب، أو لا ترتيب؟ ~~فأجيب وقد فهم عنه وهم أحدثه كوندك بأن لا تثريب، PageV01P042 وأن يكون ~~الدخول مطلبا، وبالترتيب الأول مرثبا. وأنه في باكر يخرج لملتقاه على ~~العادة، فلما كان من باكر ركب للملتقى، فلم يزل إلى أن فارق عمارة دمشق، ~~فأوقف وأشير عليه أن لا يتعدى، وخوف ممن يتعدى. رجع من الطريق، وكانت ساعة ~~قضت إلى الساعة بالتفريق. # وكان مولانا السلطان قد ركب في العساكر، وسار عن المنزلة، فلما بلغه رجوع ~~الملك السعيد كثر وهمه، وقوي على ما قاله كوندك عزمه. وعاد إلى المنزلة ~~التي فارقها فنزلها بالعساكر، وضرب مشوارا فيمن معه من أمراء الحل والعقد، ~~فما كان منهم إلا من هو لنصح كوندك شاكر. ### | ذكر ما ترتب على هذه الرجعة للملك السعيد من المفاسد # وأقام مولانا السلطان بالمنزلة التي رجع إليها لما رجع الملك السعيد عن ~~الملتقى، والعساكر المنصورة طائعة لأمره، منضوية إلى علو قدره. عالمة أن ~~المصلحة في موافقته، والسلامة مقرونة بمرافقته. هذا والرسل إليه مترددة، ~~والكتب بما يلين أعطافه مترددة، وهو يأبا إلا أن يخرج إليه الملك السعيد، ~~وأنه لا بد من تلقيه كعادة الملوك معه إذا قدم من قريب أو بعيد. # فلما طالت الإقامة، وحصلت السآمة، وسمجت الملامة، وظهرت للصدق على ما ~~قاله كوندك علامه وأي علامه، رحل مولانا السلطان بالعساكر المنصورة ونزل ~~بالكسوة، وحال بين الملك السعيد وبين مصر بما للأنفة من قسوة. فاختبط رأي ~~الملك السعيد، ورأى من حوله من مقيمي هذه الفتنة، وضعفت منهم المنة. هذا، ~~وكونك مع مولانا السلطان يغريه، ويجتهد ms015 فيما من الغرض يبديه. وكان قد رسم ~~له الملك السعيد قبل التحويل بأن يتوجه إلى حلب يكون بها أمير أربعين فارس. ~~PageV01P043 # وكتب منشوره في قطع الثلثين، وهي عادة صاحب المائة فارس. وسير إليه قرينه ~~الخلعة المزركشة، والشاش الكافوري، وهو تناقض بين، وتفاوت وجه الهلع فيه ~~متعين. نلبس التشريف ولم يقبل المنشور ولا رضي أن يتوجه بل لاذ بخذلانه من ~~الانتماء إلى مولانا السلطان بالمنصور. # واقتضى رأي الملك السعيد ومن حوله أن ينادي بالنفقة، وبين الدنانير ~~المألفة بالإيران بقلعة دمشق، فما كانت لمن نفر بالمؤلفة. ولم يحضر أحد الا ~~من لا يؤبه إليه، ولا يعول عليه. # فلما لم تتم هذه الحيلة، ولا أفادته جلب شرذمة كثيرة ولا قليلة، عقد ~~الرأي على أن يركب الملك السعيد ويتوجه من طريق الكرك ويسبق القوم ويحصل ~~بقلعة الجبل، وظنوا أن ذلك من أعظم الحيل، فركب ليلا، وركبنا معه، وأمامه ~~الخزانة على الهجن، فلم يجد سبيلا إلى الذهاب، وكاد يزك مولانا السلطان أن ~~يأخذ الخزانة لولا أسرعت في العود والإياب. # وعدنا من ليلتنا إلى دمشق، وأخذ مولانا السلطان في الرحيل قاصدا الديار ~~المصرية في سكون وهدوء وتوده، في رواح وغدو. ### | [توسط والدة الملك السعيد لدى قلاون] # ولما استمر ذلك من مولانا السلطان حصل الرأي على أن تخرج والدة الملك ~~السعيد إليه، وتدخل دخول الحريم عليه. فركبت في المحفة السلطانية وفي ~~خدمتها عدة من المماليك، فأدركت مولانا السلطان وهو سائر في الأمراء ~~الأكابر والعساكر، فحين أقبلت ترجل مولانا السلطان هو والأمراء الأكابر. ~~وقبلوا لها الأرض ومشوا مبمنة وميسرة، وكانوا قد قربوا من المنزلة، وضربت ~~على المحقة خيمة وجلسوا بين يديها، وغضوا الأبصار عن النظر وإن كانت محجبة ~~إليها. وأخذت في استعطافهم بكل طريق، وحدثتهم يما لعظمتهم يليق. ومما ~~قالته: إن كان لكم غرض في الملك فخذوه ودعوني وولدي ننضوي إلى جهة ~~تختارونها ولا تؤذوني فيه. # فحلف مولانا السلطان: إن هذا لم يكن من عرضنا، ولا من شفاء PageV01P044 ~~مرضنا، ولا لنا ميل إلى ملك ولدك، ولا أن نؤذيك ms016 في فلذة كبدك. وأخذ في ~~إقامة عذره، بما حصل في حقه و حق خوجداشيته في علو قدرهم وقدره. وأخبرها ~~بما ذكره كوندك من أخذ إقطاعاتهم، والعزم على اعتقالهم مع خلوص طاعاتهم. ~~وان رجوعه عن ملتقاهم أكد عندهم صحة ذلك، وسلك هو في سوء الظن مسالك وأي ~~مسالك. وإنا أقمنا هذه المدة على أن يستدرك الفارط بملتقانا فما استدرك. ثم ~~وسيرنا إليه هذا الأمير ركن الدين أباجي الحاجب بشروط يحلف عليها فما حلف ~~والشرط امللك. و بالجملة، فها نحن مقيمون بهذه المنزلة، إلى غد آخر النهار ~~لتعودي إليه بشروطنا، وهي: إن من كان أميرا من مماليك والده يخرج ويمشي مع ~~الأمراء، ومن كان مقدما بمشي مع المقدمين، ومن كان مفرديا يمشي مع ~~المفاردة، ونحن نتولا وظائف خدمته بنفوسنا وأولادنا. فالتزمت لهم ذلت ~~والتفتت إلى مولانا السلطان وقالت: يا بي لر كان الشهيد - تعني الملك ~~الظاهر رحمه الله - قد أوصاني بأنه إذا حصلتم في ضائقة تقولي لفلان - تعنيه ~~- بأمارة ما كنا داخلين الروم وأخرجت له من عبي جوجكنانه. وقلت له: هذه ~~مخبية لك في عبي منذ يومين فهو يساعدكم. # فقال لها مولانا السلطان: أمارة صحيحة إلا ما أساعدكم على نفسي، وقطع ~~خبزي وحبسي. # وعادت فأخبرت ولدها بشروطهم فوافق، إلا أن مماليك أبيه لم يوافقوا ~~وكادوا أن يقيموا فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وإليها تسابقوا. # وأما مولانا السلطان ومن معه فإنه وفى بشرط الإقامة إلى أن فات وقتها ~~ورحل، وعن تلك المنزلة إلى أخواتها انتقل. ### | ذكر ما اعتمد مما لم يتم # وفي غضون توجه مولانا السلطان قاصدا مصر بلغ الملك السعيد أن ~~PageV01P045الأمير الحاج علاء الدين طبرس الوزيري، وهو من أجل الأمراء ~~قدرا، وأنوههم ذكرا، وأوسعهم صدرا، وأعلاهم محلا، وأسدهم عقدا وحلا، ~~وأوفاهم عهدا، وأبذلهم في الوقوف عند الإيمان جهدا، بلغه أنه أبى عليهم ~~المرافقة، وأنف وفاء بعهد الظاهر والسعيد الموافقة. فاعتقدها الملك السعيد ~~فرصة تنتهز، وموعدة تنتجز، فرسم بكتاب إليه مضمونه: # إنه قد بلغنا حسن عهده، ووقوفه من الأيمان عند حده، وإنه لم ms017 يطع القوم، ~~ولا سام على مالنا من سوم، وقد شكر الله ونحن له هذا الوفا، واصطفيناه ~~لنفسنا وحق له الاصطفا، وانتدبناه لشفاء ما عرض من مرض غرض فكان مصطفى هذا ~~الشفا. وفوضنا إليه نيابة سلطنتنا، وعولنا عليه في تدبيرها، واعتمدنا على ~~علو همته وجميل تأثيرها. فالمجلس العالي بتلفى هذه الولاية بالقبول، وليجهد ~~في تبليغ الأمل والسول، وقد كتبنا إلى أمراء العشرات ومقدمي الحلقة ~~وأجنادها لكل كتابا بمفرده وأمرناهم أن يجيبوا داعيه، وأن لا تكون أذنه ~~لغير أمره ونهيه واعيه. فليعلم ذلك وليجهد في رد من خرج عن الوفاء، واقتفى ~~في مخالفة عهده سوء الاقتفاء. ونحن من ورائه جاهدون، ولمرادفته مجتهدون. ~~وقد أصدرناها ورجلنا في الركاب، وتلبية راعيه سابقة لمخاطبة هذا الخطاب في ~~العساكر الشامية ومن استجديناه من الأجناد. وما تم - نحمد الله - عاقة عن ~~إنجاده، ومتابعة اجتهاده. فيهتم بما ندبناه إليه، وما عولنا فيه عليه. ~~والله يجعل تبليغ المرام طوع يديه. # وكتبت الكتب كما شرح، وجاءت في عدة أخراج، وحملت على جملة من خيل البريد، ~~وأكد في إخفائها عن الجاهل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل. فلم يسع البريدية ~~المتوجهين بها مع سيء التدبير في كتابتها في غير مطلقات. وشهرة كثرتها ~~بالإخراج الموسيقات، إلا أن أحضروها إلى مولانا السلطان برمتها، ومثلوها ~~بين يديه بهيئتها، ففك ختم بعضها، ووقف على تنويهها وغضها. وأمر فغسلت عن ~~آخرها، ومحيت آيات الاستنصار من دفاترها. # واسترسل مولانا السلطان في سيره، وجد في النزول والرحيل آمنا من ضرر ~~الكيد وضيره. PageV01P046 # وأما الملك السعيد فإنه رحل بالعساكر الشامية ومن استخدمه وراء مولانا ~~السلطان منزلة بمنزلة، وتابع أولة من منازله بآخرة، وآخرة بأولة. ### | ذكر حسن تدبير مولانا السلطان في هذه الوجهة # لم يدع مولانا السلطان بمنزلة ينزلها فرس بريد، ولا طير بطاقة يبدأ بها ~~ولا يعيد، ولا مسافر يتوجه فيخبر بما هو فيه، ولا يستطلع منه عن ظاهر أمر ~~ولا خافيه. وما من منزلة إلا وبرد إلى الملك السعيد كتاب اسم مولانا ~~السلطان أوله، وتلوه أسماء الأمراء الذين في ms018 صحبته، مثبوتة في ثلاثة أوصال ~~مزدحمة تهويلا وإرعابا وإفهاما، أنه لم يبق معه أحد وإن عدر (...). وتلو ~~هذه الأسماء ما مثاله: # يقبلون الأرض، وينهون أن الهروب من قدام السلطان طاعه، وقد علم كبر سنهم ~~وعجزهم، وهم متوجهون إلى الانقطاع في بيوتهم، طائعين لمولانا السلطان ~~خائفين من هيبته، فلا يظن مولانا السلطان فيهم غير ذلك، إلا أنهم حين وصلوا ~~إلى القاهرة المحروسة وجدوا أبوابها قد سدت، ووطأت سد المسالك عليهم قد ~~استدت. # وكان نائب السلطنة بالديار المصرية إذ ذاك عن الملك السعيد الأمير علاء ~~الدين أقطوان الشامي المهمنداري الظاهري، ومقدم الجيش عز الدين أيبك الأفرم ~~الصالحي. فحين رأي مولانا السلطان هذا التضييق، وتوغر هذه الطريق، لم يقدم ~~شيئا على أخذ الخيول السلطانية من الإسطبلات، وترك المماليك الذين بالقلعة ~~رجالة لا يستطيعون الفرار ولا الثبات. وأغلقت قلعة الجبل فحوصرت، وإن لم ~~تحمل الحصار، وخذلت حتى من المهاجرين والأنصار. وبطق المماليك من القلعة ~~إلى الملك السعيد بطاقة بخط الصدر الفاضل الرئيس تاج الدين ابن الأثير ~~الحلبي، كاتب الإنشاء الشريف السلطاني، مضمونها: PageV01P047 # يا خوند أدركنا، فقد أخذت الخيول السلطانية، ونحن محصورون بالقلعة». # واستغاثوا و كرروا الاستغاثة. ووقعت هذه البطانة وهو على أم البارد فعزم ~~من هناك على التوجه إلى الكرك، وتأخر عنه عسكر الشام صحبة الأمير عز الدين ~~أيدمر الظاهري نائبه. # ورحل الملك السعيد فنزل غيئا وانتفض ذلك العزم، ورأي مشيروه أن طلوع قلعة ~~الجبل والحصول عليها غاية الحزم. # وكان يزك مولانا السلطان محيط بالقلعة، فحين وصل له هذا الخبر أمر ~~اليزكية أن تخلي له ليحصل في القلعة، فحصل فيها، وتراءى للجيش المحاصر ظنا ~~منه أنه متى لاحت لهم بارقة منه بادر كل منهم زلته بتلافيها، فما ألوى أحد ~~عليه، ولا مد حتى ولا طرف إليه. # وأخبرني الصدر تاج الدين ابن الأثير - رحمه الله تعالي -، وكان بالقلعة ~~محصورا معهم، أن الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري طلع إلى القلعة المحروسة، ~~واجتمع بالملك السعيد، وقال: قم وانزل معي لأرد عليك ملكك، وأنه قام فتعلق ~~المماليك السلطانية ms019 بأذياله باكين، ومنعوه ما ندبه إليه شاكين، وفي الخذلان ~~غير شاكين. وهي حيلة من الأمير علاء الدين على طلب الدستور المشروط في ~~أيمانه، المعدود من قوة إيمانه. # وحين نزل علاء الدين المذكور سأله مولانا السلطان أين كان؟ فأخبره ~~بالصورة غير متلثم، معربا غير معجم. PageV01P048 # واتفقت قضية خطرة سلم الله منها، وهي أني كنت مع الملك السعيد في هذه ~~الكرة، وكان له دواداران، أحدهما الأمير الإسفهسلار سيف الدين بلبان الرومي ~~الظاهري، والآخر دونه في الرتبة، وهو الأمير عز الدين أيدمر الدوادار. وكان ~~حظي من الأمير سيف الدين الحظ الأوفى الأوفر، ومحلي من تقدمته المحل الأعلى ~~الأكبر. فإنه هو الذي ندبني لخدمة السلطان، وعول علي في سر المكاتبات ~~وجهرها على صغر سني وكبر قدر وسن من في الديوان. وكان أيدمر لا يجسر علي، ~~ولا ينظر في مكاتبة إلي. فاتفق أن طلبني ونحن على منزلة رأس الماء، فأمرني ~~في خلوة أن أكتب إلى الأمير جمال الدين أقش الكنجي نائب مصياف بإنفاذ ~~أربعين من الفداوية الإسماعيلية ليسيرهم إلى مولانا السلطان ومن معه من ~~الأمراء، فامتنعت من الكنابة، فعز عليه امتناعي، وتغيرت أوضاعه، ولم تغير ~~أوضاعي. وقال: أنا أشاور عليك السلطان. ونهض، فخرج وراءه، ولم أترك معه ~~منزلة من بعدها. ولم أجتمع به وإلى اليوم على قرب المذة وبعدها. # ولما وصلنا طلبني مولانا السلطان وهو راكب تحت القلعة للحصار، وحوله أمرا ~~الحل والعقد، وهو منهم بمنزلة القطب من الدائرة، والقمر من الهالة الممتعة ~~به الأعين الناظرة. وقال بلسان الأمير بدر الدين بيسري: يا فلان، من كتب ~~لنائب مصياف بطلب الفداوية؟ # فقلت: ولا أحد. # فأخرج مولانا السلطان الكتاب من صولقه. فقلت: يا خوند، هذا خط أيدمر، ~~الدوادار، وحكيت له صورة امتناعي، فشكر هو والأمراء. ### | [خلع الملك السعيد من السلطنة] # وكان قاضي القضاة تقي الدين بن رزين جالس تحت القلعة لإثبات محضر نظم ~~بعدم أهلية الملك السعيد ووجوب خلعه. # ولما طال بالملك السعيد المطال، وضاق به المجال، وولت عنه ~~PageV01P049رجال الحرب وبا لها من رجال، واشتدت به الأوجال، ms020 وقال فلم يسمع ~~له مقال، استقال وحق له أن استقال، وسير إلى مولانا السلطان يطلب منه الكرك ~~وما فيها وهي جملة كبيرة. وكان والده الملك الظاهر قد ادخرها هنالك وهي ~~فريب الألف الف دينار، فأجابه معلما أنه لم يكن ثم رغبة في الملك، ولا ~~ضميرا مفسودا يقضي له بالهلك. بل دفعا لضرر حاشيته، وطلبا للسلامة من أذى ~~غاشيته، الذين استولوا على عقله، وحملوه على ما لا يليق في حق مثلهم من ~~مثله. # وكان الملك السعيد عندما حل بالقلعة قد كسر أقفال الخزائن وأخذ منها جملة ~~كبيرة، وفرقها على مماليكه ليحصل عليها عند الخروج، فلما أذن له في الخروج ~~جرد مولانا السلطان من قعد على باب القلعة، وتتبع الخارجين مملوكا مملوكا، ~~وأخذ من كل منهم ما كان معه من الذهب عارية وإن ظن أنه مملوكا. # وخرج الملك السعيد بعد أن أخذت علائمه بخطه إلى كل قلعة في درج أبيض، ~~ليكتب علي خطه بتسليمها # وخرج الملك السعيد إلى الكرك، وعلى يده كتب بتمكينه منها. ### | [سلطنة الملك العادل سلامش] # وطلع مولانا السلطان إلى القلعة بنية الوفاء، وتدارك مرض القلوب الوجلة ~~بالشفاء. ونزل بدار النيابة، وأعمل رأيه الذي ما زال مقرونا بالإصابة. فرأى ~~إقامة بدر الدين سلامش ولد الملك الظاهر عوض أخيه، وأن يقوم بشرط عهده فيه ~~وبوفيه. إذ وضح العذر في خلع أخيه المذكور، وقصوره عن الملك باستيلاء حفدته ~~على ما يتعلق به من سائر الأمور، فأقيم ولقب بالملك العادل PageV01P050 ~~وركب بشعار الخلافة. وكان عمره إذ ذاك أحد عشر سنة. فأنف الأمراء الكبار ~~النضال لصغر سنه، وأبوا إلا أن يكون مولانا السلطان لسد هذه الثلمة، إذ فن ~~الملك من أكبر فنه. فامتنع عليهم، ولم يمد يد مبايعته إليهم، وقال: أنا ~~أتولي أمر أتابكيته، وأكون كفيله في رعيته فقالوا: هذا أمر لا يغني عنا ~~غنا، ولا بد أن تكون وليس نرى كالآباء إبنا. والبركة مع الأكابر، والضغار ~~والذل في رأي الأصاغر. وما نأمن أن تقوى شوكة مماليك أبيه فيتعذر علينا ~~قطها، وتعلو رتبته بالتمكين ms021 فيصعب علينا حطها. فصمموا، وعن سماع العذر ~~تصامموا، وأبوا إلا أن يكون سلطانهم الذي له يدينون. وتألبوا وتوئبوا، ~~واجتمعوا وتجمعوا. ### | [سلطنة المنصور قلاوون] # فلما رأى عينها منهم، ورأي مشاهدة لا من روى عنهم، وافق حسما لمادة الفتن ~~التي أقبلت قطعها كقطع الليل، وجاءت كالسيل، وكادت أن تلحق الخيل بالخيل. ~~وشرط عليهم شروطا ودخلوا تحتها، وألزمهم آدابا نجزها معهم وبتها. # وفي أثناء ذلك طلبني - خلد الله سلطانه - وقد انتقل إلى دار الملك السعيد ~~التي بقلعة الجبل، وفتح في أبوابها شباكا صار يجلس فيه للأتابكية، ونجلس من ~~خارجه على مساطب نوقع بين يديه. فحضرت إليه في القاعة المذكورة خلوة، ~~وأمرني سرا أن أكتب أسماء ملوك متعددة، فابيت وقلت: كيف يمكن 12۷/ أن نكتب ~~أسماء ملوك بقلعة ملك مستقر الملك، وهذا لا يمكن. فعزت عليه - خلد الله ~~ملكه - مخالفتي لأوامره، وتغير، وأمرني بالخروج، فخرجت من بين يديه، وقد عز ~~عليه، ولحقني الأمير ركن الدين أباجي أمير حاجب واستوقفني، فقلت: ما يمكن ~~أن أكتب إلا بحضور أمراء الحل والعقد، فعاد وشاوره، فأحضروا، وحضرت وكتبت، ~~فأخذ القلم من يدي بعد التشاور، وعلم على المنصور، ثم انفصلت عنه، وكتمت ~~الأمر عن رفقتي إلى أن ظهر سلطانه، وقام بالدليل برهانه . # كه زنبى مهري حيدر زنبي روسيهم %~% ميز ندروزو شبان بر مرخود جامن سم ~~PageV01P051 ### | [مباشرة مهام السلطنة] # ولما كان سنة ثمان وسبعين وستماية جلس مولانا السلطان على منبر الملك ~~وسريره، وخورنقه وسديره. وأستدعينا فإذا هو قد ملا جوانبه بشخصه المنيف، ~~وأقر العيون بمشاهدة نظره الشريف. وأمراء الحل والعقد مبسوطون الأكف ~~لمبايعته، مجمعون على مشايعته. وأحضرت الختمات لتحليفهم فأخذنا في التحليف، ~~وسارعت الأمراء للأمان من غير تكليف. # وفي أثناء ذلك نادي مولانا السلطان كبيرنا الخال محيي الدين بن عبد ~~الظاهر، وناوله إضبارة ورق من يده، وقال: خذ ولديك واكتب على هذه العلائم ~~وهي العلائم التي كان الملك السعيد كتبها عند خروجه من القلعة، فقسمناها، ~~وكتبت كما في النفس وزيادة، وجهز بها المتسلمون. ### | [مكانية الملوك بالسلطنة] # ورسم - خلد الله ملكه - فكتبنا ms022 إلى اليمن، وإلى الغرب، وإلى بر سوداق، ~~وإلى العراق، وإلى ماردين، وإلى سائر الملوك الفرنجية، المهادنين، ~~والمرادعين، والمكاتبين، بما من الله به من ملك مولانا السلطان، مبشرين بما ~~وهب الله الأمة من شريفي الحسن والإحسان. واستبشار الرعية بنعمة الله فيه، ~~ووثوقهم بقمع أعداء الله واستدراك الفارط بحسن تلافيه، وجهزت الرسل إلى كل ~~جهة بكتابها، وأكد عليهم في أن يأتوا البيوت في الأدب من أبوابها. # واستقر الحال، وخلف الجيش بكماله لمولانا السلطان بأفصح مقال، وأؤكد ~~PageV01P052 # وأخذ مولانا السلطان في مكافأة خوجداشيته بزيادة إقطاعاتهم الامتاع، ~~بالملابس التي يحق لها الإمتاع. وألوف من الأموال من الورق والعين، وإعلاء ~~الرتب التي كادت أن تكون بمثابة العين من الحاجب والحاجب من العين. ودانت ~~له الرقاب، وأعمل إلى أبوابه الركاب. وجاءت إليه رسل الملوك بالهناء، ووفدت ~~عليه بالهدايا والتحف فانثنى كل عن أبوابه بأحسن الثناء. وسار ذكر ملكه في ~~العدو الأكبر التتار، وعلموا أنهم وإن كان لهم الثار، لا بد وأن يجدد لهم ~~ثارة وأي ثار. فاستعدوا واستجلدوا واستجدوا، واستجاشوا وجيشوا، وعلى من ~~يستنجدوا به فتشوا . ### | [الأوضاع والعلاقات الخارجية عند سلطنة قلاوون] # ملك مولانا السلطان والفرنج المخذولون بعكا، وصور، وعثليث، وصيدا، ~~وبيروت، وحصن المرقب، وطرابلس الشام، وقد انقضت مدة هدنهم المستقرة بينهم ~~وبين الملك الظاهر، فظهر كل منهم في صورة المنافر. وكادوا يشفوا صدورهم ~~وهيهات أن تشفى، وأن يخفوا نكاياتهم، وأبا تدقيق النظر في حركاتهم وسكناتهم ~~أن تخفي . # والملك السعيد بالكرك، ومماليكه تغار إلى باب غزه، وحماته حنقون إذ قد ~~بدلوا ذلة بعد عزه. # والأمير شمس الدين سنقر الأشقر قد شق العصا، وتسلطن بدمشق . # والتتار قد اختلفوا وتجمعوا، وعلى قصد البلاد أجمعوا. # والدنيا مختبطة، والآمال في العدوان منبسطة. فقابل مولانا السلطان كلا ~~PageV01P053 بما يجبه لمثله، وتوجه لأداء فرض حسم الداء ونفله. ولم يزل - ~~خلد الله سلطانه - حتى جمع الكلمة، ومحى بنور طلعته ليالي الفتن المظلمة. ~~وأرعب الأعداء، وسكن الدهماء، ويأتي ذكر ذلك مفصلا. ### | [خروج السلطان قلاوون لمواجهة التتار] # كان القوم قد داخلهم الطمع، وغرتهم الخدع، وبسط ms023 آمالهم ما بلغهم ما اتفق ~~للملك السعيد، وظنوا أنها فرصة تنتهز، وموعدة ننتجز، فاجتمعوا على قصد ~~البلاد وأجمعوا، وجاءت الأخبار بدخيلة أمرهم، وجلية مكرهم، وصورة ما عليه ~~صمموا، وما له يمموا، وما فيه تمموا، إلا أنهم ما تمموا، ولا سلموا حتي ~~ودعوا. ولا أقول ما ودعوا حتى سلموا لا بل ولا سلموا. # ولما تأكدت هذه الأخبار عند مولانا السلطان بكتب مكاتبيه، وقصاد أخباره ~~الذين لا يزالون لمشافهة أخبارهم مشافهيه. فإن مولانا السلطان ملك ~~والمكاتبون ببلاد التتار منبثون، ولغامض أخبارهم مكاتبون، كبغداد، وتوريز، ~~والعراق، وسائر بلاد العجم، وماردين، والموصل، والروم، والكرج، وما من هذه ~~البلاد وأكبارها، لا بل ونوابها، الأ يطالعون بالأخبار أول بأول. ولهم رسوم ~~جزيلة لا تنقطع عنهم، وأموال جمة تحمل إليهم. لا جرم أنهم كانوا بما كان من ~~العدو وما يكون منهم، فلم يكذب مولانا السلطان خبرا، ولا اتهم مخبرا. بل ~~مساعد وتقدم إلى العساكر المنصورة، فخرجت أول بأول، ولا شك فيما بلغه ولا ~~تأول. # وعندما تكمل خروج العسكر خرج في الساقة، وبذل في تكملة العدة والعديد ~~الجهد والطاقة. فحين وصل إلى غزة صحت عنده الأخبار أن القوم عندما طار ~~إليهم خبر عزم مولانا السلطان طارت أنفسهم شعاعا. ودخلوا مساكنهم جزعا ~~وهلعا، ولم يكشفوا بالخسارة قناعا، فآثر التخفيف عن البلاد الشامية من نقل ~~وطأت العساكر المنصورة التي ملأت الرحاب، وتسنمت حتى الهضاب، وغصت بها ~~البراري والقفار. وكادت أن تكاثر عدد أمواج البحار. PageV01P054 # فأقام بغزة شهرين احترازا من أن يعن للقوم رأي ثاني، أو حسن لهم من هو ~~لأعنتهم إلى قصد البلاد الشامية ثاني. ### | [كتب السلطان بالاحتراز من التتار] # ورسم - خلد الله سلطانه - فكتبنا إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير ~~آلى فضل بحفظ المعابر، من كل عابر، وصيانتها حتي من الطير الطائر. وإلى ~~الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي أمير آل مرا بأن لا بخرج في سنته إلى ~~الحجاز. وإلى نائب الشام بأن تكون العساكر مهيأة منجزة مجهزة. وكتبنا إلى ~~سائر المكاتبين والنصحاء بأقاصي البلاد التترية: # أن ms024 قد خرجنا بنية الغزاة والجهاد، واستفتحنا ملكنا بما يكون بمشيئة الله ~~تعالى من فتوح ادخر لأيامنا منه الطارف والتلاد. وخبا له ما استولت عليه يد ~~العدوان من البلاد. على أنه ما كان قط فتوح إلا ونحن عنوان كتابه، ومفهوم ~~خطابه، وإقليد بابه، والسابق إليه، والمتجاسر عليه، وقد علم ذلك كل من ~~واجهناه و جابهناه، وقابلناه وواجهناه، وإنما كان لمن سلف اللفظ ولنا ~~المعنى، والبعيد ولنا الأدنى. وقد علم الله ذلك والناس، وتحققه من الأعداء ~~سائر الأجناس. وما زال الملك من بين عينينا يتلمح، ومن صفحات وجهنا يتصفح، ~~وقد كنا والاسم لغيرنا، نذب عن الإسلام أي ذب، وندفع عن حوزته ما درج ودب، ~~فكيف وقد أناط الله بنا أمور البلاد والعباد، وروى إلى ملكنا حتى التهايم ~~والنجاد. وملكنا رقاب الأمم، وأنفذ سلطاننا في العرب والعجم. وقد علم الله ~~نيتنا وأعطانا على قدرها، واطلع على شكرنا لنعمته، نخولنا على قدر شكرها. ~~وكتابنا هذا ونحن مقيمون بالبلاد الشامية إلى أن ينفضي شناها، وترتفع ~~أنواها، وتحسم PageV01P055 أدواها. فإن حضر القوم فيها ونعمت، وإن لم ~~يحضروا فنحن على عزم غزوهم، في عقر دارهم. وكم عزيمة لنا - بحمد الله - ~~تمت. # %~%إن الشجاع إذا لم يستزر زارا # وسيرت هذه الكتب إلى من هي له بهذا النبأ العظيم، وطويت ضلوع طرسها على ~~فحوى هذا التفخيم، كل هذا بترتيب قريبي الصاحب فتح الدين صاحب ديوان نشانه، ~~فإنه - خلد الله سلطانه - ملك ديوان المكاتبات بيد داداريه غلف الألسنة لا ~~بحيرون جوابا، ولا يحسنون خطابا. فانتقاه من بين شيوخ على صغر سنه بالنسبة ~~إليهم، وقدمه حتى على والده وعليهم. فإنه كان يعلم ميل الملك الظاهر إليه، ~~وأن ما من غزوة له إلا وكان في جاليشها بين يديه. # ونرجع إلى ما كنا فيه. # ولم يخل مولانا السلطان إقامته بغزة من مصلحة تعود على اننظام شمل ~~الإسلام، وتقضي باجتماع الكلمة التي ظن تفرقتها من غلب عليه كاذب الأوهام. ~~وهو ما تقدم من حديث الملك السعيد ونجاسر من حوله، واعتقاد كل منهم أن ~~يفيده ms025 ويعيده من جرد فوته وحوله. ### | ذكر ما كتب به مولانا السلطان إلى الملك السعيد بالكرك # رسم - خلد الله سلطانه - فكتبت إلى المشار إليه ما مثاله، بعد ألقابه ~~وتفخيمها، و مراعات منزئته وتعظيمها. # إنه قد علم جنونا عليه وإشفاقنا، ومحسن نظرنا في حقه وحق مخلفي أبيه حتى ~~كدنا أن نخبئهم في أماقنا. ومراعات أبيه الشهيد فيهم، وتنفيذ وصيته في ~~PageV01P056 ترقيهم وتوقيهم، ومثابرتنا على مصلحته، ومبادرتنا إلى تشييد ~~ملكه ومملكته. واطلع الله على نتينا ونيته، وأضمرنا له وفا، وأضمر لنا ~~غدرا. فنهضت بينتنا بخاض دولته ونائبه، وما نهضت متمحلات بينته. ثم كابرنا ~~في ذلك مع وضوح الحق بعدم تلقينا، ووافقنا والدته الستر العصمى الخاتوني ~~ووفينا شرطها، وكان الأولى به أن يوفينا. ولما كاد أن يستحكم الفساد، وأن ~~تخلو من الأرواح والأجساد. لم نخفر ذمام البيت الظاهري بل أقمنا أخاه، ~~وبلغنا والدة الشهيد ما كان لنصحنا توخاه. وتولينا أمر تدبيره، وباشرنا ~~رعاية لصغره مصلحة كبير الأمر وصغيره. وكادته القضية التي خشيت منه أن تبدو ~~جذعة، والمخوفة ممن حوله من فضلة سيفنا أن تبدو وكاسات غدرها مترعة. وأن ~~يوتى على هذا العصابة الصالحية التي تعددت وقائع مناصرتها للإسلام، وطالت ~~مدة مدافعتها عنهم على تمادي الأيام. وإن تبدلوا بمن لا يغني عن الإسلام ~~عنا ولا يعني خمول ذكره بشهرة من أوسعة الإسلام وأهله ثنا. وجاء نبأ نصر ~~الله والفتح، ووفى الدهر ما كان في ذمته من ملكنا ولا تطيل الشرح. ولم نقدم ~~شيئا على الإحسان إليه، والحنو عليه، وحمايته ممن كان في قلبه من أبيه ومنه ~~مرض و أي مرض، ووقايته من عرض ربما عرض من ذي عرض. وتمكينه من الكرك و ~~أموالها الجمة، ونعمتها التي ما مثلها نعمة. وتمكين من اختاره من مماليك ~~أبيه من التوجه صحبته، وتوطينه ببقعة حفظت روحه ولا أقول صحته. وتوفير ~~خاطره مما للملك من دواعي الأوهام، وإراحة فكرته من مراعات حفظ البلاد ~~والعباد التي لا ينهض بها كل راعي. ولو لم يكن إلا قعقعة البريد، بمتجددات ~~الأعداء التي تتجدد ms026 في كل يوم جديد، فلم تجز عن ذلك كله إلا بدفائن لا تجدي ~~عليه نفعا، وطلب أوتار في ضعف لا تجلب إليه وترا من بلوغ غرض ولا شفعا. ~~ودسائس مكاتبات لا تزال تحمل إلينا، ويعرض فساد تخيل نحيلها علينا. ومن ~~فاته الكل كيف يطمع في البعض، ومن فارق الجني لا يغني عنه العض. وقد كان ~~الأمر بيدك فما أحسنت في حفظ رأس ماله، ولا فكرت في عاقبة ماله. وليس ~~للمولي صديق ولا للمخذول ناصر، فتدارك نفسلك قبل أن تقول في عدم مطاوعنا: ~~يا ليت، PageV01P057 وقصر ذيل غاراتك، واكفف عادية من يغرك بمجاراتك. # ونحن الآن قد خرجنا وفي صحبتنا من آلات الحصار ما لا يثبت معه سهل ولا ~~جبل. ولا تفيد معه نكايات و لا حيل. ومعنا من العساكر ما ملأ الفضاء جيشها ~~الكرار، وأرعب زائر أشودها وهل مع زار الأسد إلا الفرار. # فإن وقفت عند حدك المحدود. ودافعت من يوم الموعود. وإلا فأنت الظالم على ~~نفسك، والموآخذ في يومك بأمسك، والسلامه. # وجهز إليه هذا الكتاب، وانتظر منه الجواب، فعاد جوابه وقد صدر بقوله ~~تعالى: والذين قال لهم الناس إن الناس قد جموا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ~~واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم، وضمنه بعد ذلك أعذارا ملفقة، ~~وأحوالا غير محققة. وسير صحبته رسولا فأعيد بجواب أمر من الأول، وأنكى عند ~~من يتأول، وصدر بقوله تعالى: وإرجع إليهم فلتأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون. # وتقدمت أوامر مولانا السلطان بمضايقته وصار في أضيق من سم الخياط، وجرد ~~لذلك جندا حرموه بقبض أنفاسه الانبساط. ورحل - خلد الله سلطانه - قاصدا مفر ~~ملكه. ### | ذكر وفاة الملك السعيد وبما اعتمد مولانا السلطان فيها من الوفاء # واستمر الملك السعيد إلى أن وافاه زائر الحمام، وانقضت أيامه حتي من ~~الأجل ومن ذا الذي دامت له الأيام. فكانت وفاته في سنة ثمانين وستماية ~~بقلعة الكراء. PageV01P058 # فلما بلغ مولانا السلطان وفائه ms027 شق عليه أعظم مشقه، ودمعت عيناه لما جبل ~~عليه قلبه من رقه. وجلس بالإيوان الكبير لتلقي عزائه، واعتمد في ذلك اعتماد ~~من فقد أعز أعزائه. # ولما توجه مولانا السلطان إلى دمشق في هذه السنة بنية الغزاة والجهاد، ~~وهجر بتهجيره الرقاد، ووصل السهاد، وصل من جهة والدة الملك السعيد من سأل ~~مولانا السلطان في تمكينها، من إحضاره إلى دمشق ودفنه عند والده بتربته ~~فأجاب سؤالها، وتلفي بالقبول أقوالها. فلما حضر أمر مولانا السلطان أمراء ~~الدولة الكبير والصغير بالخروج بالشموع ليلا ومشيهم تحت تابوته. وخرج ~~مولانا السلطان من قلعة دمشق إلى التربة المذكورة، وجلس بمحرابها، وبادر ~~إلى هذه الحسنة واكتساب ثوابها. وحين رأى نعشه نهض له واقفا على قدميه، ~~وأخذ يكفكف حفظا لناموس الملك دمع عينيه. وأمر الأمير عز الدين أيبك الأفرم ~~الصالحي بأن يباشر مواراته بنفسه، فبادر إلى امتثال أوامره، وأنزل على ~~والده هذا والقرآن يتلى، والوعاظ تتكلم بأحسن ما يكتب ويملى. # وامر مولانا السلطان فانزلت والدته بدار الملك الزاهر تجاه المدرسة ~~العزيزية بخدمها وحشمها، وبالغ مولانا السلطان في رعاية ذممها، وأحسن لها ~~التسلية، وقابل نداءها بالتلبية، ورتب لها ما يليق بمثلها من الإقامات. ~~وأحضرها بالتعظيم والتبجيل أيام من مات. خلد الله ملكه ما أكثر خيره، وأجزل ~~بره، وأوسع صدره، وأوفي ندره، وأوضح بشره، هذه الصورة في أمر الملك السعيد. ### | ذكر حديث الأمير شمس الدين سنقر الأشقر # هذا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من أجل الأمراء الصالحين، وهو علاعي ~~PageV01P059 منسوب لعلاء الدين الساقي الصالحي، وهو الجامع بينه وبين ~~مولانا السلطان في الخوجداشية. وقد تقدم صورة حاله مع الملك السعيد، وأنه ~~سافر معه وعاد بغير إقطاع. # ولما أفضت الأتابكية إلى مولانا السلطان لم يقدم شيئا على مصلحته، ولا ~~أعلى رتبة أحد قبل إعلاء رتبته، وفوض إليه أمر النيابة بالشام المحروس، ~~وخوله نعمها الجسيمة، وأمتعه بغرر منتزهاتها الوسيمة. وأنفذ فيها أمره، ~~وأعلى بنيابتها ذكره. # ولما بلغه سلطنة مولانا السلطان حدثته نفسه بما لم يتم، وخسر لا بل حسر ~~الثام الحياء ذاهلا عما به ms028 يلم. واعتقد أن ملك الشام تم لغير ملك مصر ~~وسلطانها، وان الإنفراد به في إمكان قوتها وقوة إمكانها، فتسلطن ولقب نفسه ~~بالكامل. وكان اتفاقه مع من غزته العافية، وجرته القافية، بالمسطبة ~~الظاهرية بظاهر دمشق، فهناك حلف من حلف، وألف ظنا منه أنه الألفي وما كل من ~~ألف ألف. # ثم ركب وهجم قلعة دمشق في عصبنه وعصابته، وظن أنه قد ربح بجسارته لا بل ~~بخسارته. فلما ولى عن المسطبة المذكورة ظنا منه أنه قد تولي، وأن الأمر قد ~~تم له وأنه به الأولى. ساق أحد مماليك الأمير ركن الدين بيبرس الشالق ~~الجمدار الصالحي، وهو عز الدين أيبك الخاص، وكان من مماليك الخال محيي ~~الدين بن عبد الظاهر أبتاعه المذكور منه صغيرا فنبل حتى عظم قدره، وشاع ~~بالشجاعة ذكره. # وحضر إلى قلعة الجبل المحروسة عصر اليوم الثالث من ركوبه من دمشق ~~المحروسة، وأخبر الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحب ديوان المكاتبات بما ~~تم، وبما ألم من ألم. # وحكي لمولانا السلطان في الوقت وأخبره فخلع على أيبك المذكور خلعة ~~PageV01P060 نفيسة ووصله بمال جسيم. وشكر له حسن مناصحته بألفاظ أرق من ~~النسيم. وثبت مولانا السلطان لهذه الصدمة، وأظهر فيها حركة في سكون وهمة ~~وأي همة. ثم طلب الكتاب، فحضرنا بين يديه، وأمر على لسان كاتب سره الصاحب ~~فتح الدين بن عبد الظاهر باستدعاء ورق الطير، وكان معي معدا لمثل هذا ~~المهم، محصلا لوقوع مثل هذا الملم، فقلت: هو حاصل، فأملى على كاتب سره ~~المذكور نسخة إلى سائر أمراء الشام ومقدميها، ومفاردتها فأسرعت في تعليقها، ~~وأعجلت القلم في توريقها. # واتفق أن مولانا السلطان قال للصاحب فخر الدين ابن لقمان، وكان من أكابر ~~الكتاب، وأجل الأصحاب. وله هجرة صالحية، ومكاتبة صاحبية. إلا أنه كان قد ~~خمل ذكره في هذا الزمان، وتقدم عليه الصاحب فتح الدين بإصابة رأي السلطان، ~~قال له: يا فخر الدين اكتبوا لكل الأمراء، فانتهز فرصة المشاكلة، وظن أنه ~~ربما قامت عن الفرض النافلة، فقال للسلطان: لعل مرسوم مولانا يبرز بحضور ~~بعض كتاب ms029 الجيش ليعرفنا أسماء الأمراء ومنازلهم. فبدرته بإخراج دستوري ~~وسكته، لا بل بكته، لا بل بكيته. وفتحت الدستور وأوريته، ومولانا السلطان ~~ينظر أمراء مصر والشام ميمنتها و ميسرتها، فقال له مولانا السلطان: إذا لم ~~تعرف سل من يعرف. وشرعنا في الكتابة إلى كل بما يثاله ؛ بعد الألقاب: # إنا قد بلغنا ما أتفق من وقته وساعته، وتولت الملائكة الكرام الحفظة فضل ~~إزاعته وإشاعته، من حديث سنقر الأشقر وتقفزه، وتعاطيه وعدا لم يكن الله ~~بمنجزه، وتسنمه لذروة لا يستقر به قرارها، وتوثبه على مملكة طال ما أججت ~~ممن سواه نارها، وتحققنا الصورة كما وقعت، والحالة كما توقعت. وإن المجلس ~~كان فيها مكرها لا بطل، وأنه ما وسعه إلا الموافقة خوفا على نفسه وهو ~~معذور، و مداراة للوقت ودخولا تحت القدر المقدور، وتيقنا أنه معه صورة ~~ومعنا معنى، وأنه مصروف العنان إلى جهتنا تصريفا لا يثني. كيف وما زلنا ~~عليه بحسن المخالصة نثني ونثني، ونحن والله والله والله وتالله وتالله ~~وتالله وبالله وبالله وبالله لم نشك في وده، ولا نرتاب في صحة عقد عهده. ~~ولا غيرنا عليه مغير، ولا أثر في قلبنا غير ما بعهده مؤثر، فيشرح صدره، ~~ويروج سره، ويعلم أنه عما PageV01P061 قريب يترك المشار إليه، عما توثب ~~عليه. ويحصل الغرض بمشيئة الله تعالى وقدرته، ويجرينا على المألوف من ~~نصرته. فيعلم ذلك ويطيب نفسا، ويقر عينا. والسلام». # وجهزت الملطفات أول بأول في الخفية صحبة قصاد، ووصلت الأجوبة من كل ~~بالحلف أنما قاله مولانا السلطان من الغضبا صحيح، وأنه أول رأيه تبدو ~~لمولانا السلطان بادروا إليها، وكذا بالله كان. # وكتب إلى الأمير شمس الدين شنقر الأشقر كتاب مثاله: # خلد الله نعمة المقر الكريم الشمسي، ولا زال مماحيك عليه من الإنصاف يعرف ~~الحق على نفسه، وبما اشتمل عليه من أتباعه يستعيذ من تزيين الشيطان الخروج ~~عنه ومسه. وبما ألفه من اجتماع الشمل على الذب عن حوزة الإسلام لا يخرج إلى ~~وحشة تفريقه عن أنسه، وبما ينبغي لمثل علو قدره من اتباع وضوح منهج الحق لا ms030 ~~يركن إلى كيسه، أصدرناها إليه متضمنة ما لا يسع إلا التأمين عليه عاتبة بل ~~غائبة حاضرة، وفي النيابة عن إقامة الحجة عن الألسن الغائبة. راجع به عما ~~ارتكبه مما لا يدوم، مغلية عليه ما سامه من شطط كان الأليق بمثله ولمثله لا ~~يسوم. وهو ما ظهر فيه من الأدعاء ملك جهة لا نستقل بنفسها بل لمدعيها تستقل ~~ولا تنهض بالدفع عن حوزتها بمن حوته، وهيهات و كم جهد المقل، وهل هي إلا ~~ضميمة للمملكة المصرية وجندها، ودخيلة تحت ذيل مناصرتها، وكم لها من منة في ~~جيدها، ومنضوية إلى أبجادها، ومترامية إلى إسعافها وإسعادها. وما بالعهد من ~~قدم، وكم مرة أخذت بيدها عندما زلت بها القدم. وكم سامها ما سمته فأغلت ~~سومها. وكم رام ما رمته فما لبث أن جاء تحت الذلة وقد أسلم قومها. وإنك ~~لتعلم ما نريد ومن نريد، وتعرف حقيقة ما قلناه من قريب وبعيد. وما زدت على ~~أن فرقت كلمة الإسلام، وأطمعت الأعداء لا بل أشمتهم بتفريق ما كانوا عليه ~~من الإلتام، وجعلت لمن قبلك ذنوبا لم يجترحوها، وأوجبت عليهم مؤاخذات بأمور ~~لم يقترحوها. على أنهم بما تحققناه برءاء منه لا محاله، غير مؤاخذين به ~~بشهادة الله منا إذ كانوا مغصوبين على ما رمت مناله. ثم ولو حاسبت ~~PageV01P062 نفسك لما ارتكبت هذه الخطة، ولا حططت بها مروءتك هذه الخطة. ~~ولا قمت في وجه حقنا ببطالك، ولا جازيت إحسانا النقد بمماطلك. وأنت تعلم ~~كيف سافرت مع الملك السعيد وكيف عدت وكيف قربت من خمولك في أيامه وما بعدت، ~~وما أجدي رأيك عليه وعليك، وما ساقته مناصرتك إليه وإليك. وأنه كان أعلى ~~رتبتك الحرمان وأنجز الإحسان إليك وعد باللسان، فلم ألبث أن قلدتك الشام، ~~وقلدت عنقك بالأيادي الجسام، وأجزلت لك النائب، وفارقتك على أنك النائب، ~~فتطاولت إلي نقل اسمك، والخروج عن رسمك. وكأني بك تقول إنا قد افترقنا ~~نائبين وتقاسمنا المملكة وما وجه الأولوية، وإن كلا الذمتين بما انتقلت ~~إليه مليه. وهو تحبل لا شبهة في قساده، وتحيل لا ms031 نكر لعناده، وأين من وقع ~~عليه الإجماع مصرا وشاما، وخطبه له أولو الحل والعقد نقضا وإبراما. وعهد ~~إليه أمير المؤمنين ومد له كف مبايعته. وكل على دعوته أسرع مؤمنين، وأفاض ~~عليه شعاره العباسي فتبسم به ثغر كل مملكه، وأتاه كتابه فتلقاه باليمين. ~~سالكا في القبول مسلكه. وهو السابق كاللاحق بابنداعه، وهل المجمع عليه ~~كالذي قنع من نفسه لنفسه بإجماعه. ولو كان ما تلبس به لا بل لبس واستغني ~~به، وكأنه به وقد أفلس بولاية لولايتنا لكان أفضل للمتقدم قول ليس عن دعواه ~~ثاني، وحسبنا في إراقة دمه ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ~~إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني. # هذا، وهي الخلافة المعظمة، وإمرة المؤمنين المفخمة، فكيف بفروعها المنحطة ~~عن قدرها، المتدرجة تحت نهيها وأمرها. فخل عنك ما عللت به شره نفسك، وتدارك ~~بيوم رجوعك أمسك. واركب في سرجك، وأسلك أوضح نهجك، ودع الإسلام وشمله ~~الملتئم، والكلمة وتفردها الملتزم، واغمد سيف الفتنة من حيث سللت، وحل من ~~مكان النيابة حيث حللت. وامح دعوى الكمال، بتلقيك الكامل بيد تنصلك. واجلب ~~القلوب النافرة عنك، بما ألف من قديم حسن توصلك. ولا تظن بأن لمن حولك حول ~~ولا قوة لمناصرتك. ولا أن لهم نية في معاصرتك. وإنما معك الصورة ومعنا ~~المعنى، ولكن من البعيد الشخص ولنا من القريب الأدنى. وإن كابرت ~~PageV01P063 وبجمعك المفلول كاثرت، فسيأتيك بدعوانا الخبر اليقين، ولتعلمن ~~نبأه بعد حين. ولا تعتقد أنا لا نقيل عشرتك، ولا نغفر زلتك. فوالله متي ~~اعتذرت قبلنا عذرك، وعرفنا لك من الخوجداشية قدرك، وأقبلنا عليك، وأحسنا مع ~~الإساءة إليك. وأويناك حين تحب ونختار، وأريناك بالمرافقة على ما تحب أن ~~تتديره لصيانة نفسك المصونة منا إن رجعت لمن عقبى الدار. وهذا كتابنا ينطق ~~علينا بالحق، وقولنا شاهد علينا بما عودناه من صدق. وكفى بالله شهيدة. ~~والسلامه. # وسير إليه الكتاب، فما أجاب ولا أناب، ولا باشر التنصيل بنفسه ولا ~~استتاب. بل صمم على الخطا، ومد إلى المقارعة الخطا. فلما أيس من إذعانه، ~~ورجوعه عن ms032 عدوانه، جهزت إليه شرذمة من العساكر المنصورة، تقدمها الأمير علم ~~الدين سنجر الحلبي الكبير، وأكد عليه مولانا السلطان في أن لا يجرد سيفا ~~حتى يعذر إليه، ولا يراق دم حتى يعرض الرجوع عليه. # وكتب على يد الأمير علم الدين أمان من مولانا السلطان له، وسير معه خاتمه ~~ومنديله، ومن مضمون الأمان: # إنا لا نؤاخذه بما اعتمده، ولا ننقم عليه ولا نضمر له سوءا في اليوم ولا ~~في ما بعده. ولا نحلفه فيما التزمناه وعده، وإنه إن حضر إلينا كان بمنزلته ~~وأعلا، لا يخاف غيلة ولا خديعة ولا مكرا، وهو الأليق بنا في حقه والأولى. ~~وإن اختار قلعة يتدبرها أجبنا اختياره، وبلغناه أوطاره، هذا أماننا، ووالله ~~والله والله، وتاله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله إنا لموفون له إن ~~أجاب وان له عندنا لزلفئ و حسن مآب. # فأبا إلا السيف، وامتنع من قري ما لوفد عساكرنا من حق الضيف. وبرز وبارز، ~~وركب في جيش مستعار، وارتكب لمحاربة إخوانه المسلمين عارا وأي عار. فحين ~~طلع نجم صنجق مولانا السلطان الشريف كسفت شمسه، وخاب في اليوم امسه. وهرعت ~~الأمراء الشاميون إلى سنجقنا فدخلت تحت ظله الممدود، وانتهت إلى حد ~~التزامها المحدود. PageV01P064 # وأنا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر فإنه كان قد أعد قلعة صهيون لهروبه، ~~ورأى حده نفس مكتوبنا وما كان أسعده لو جري نحت مكتوبه. ففر منهزما، وأخل ~~بما كان به لمن تابعه من الشرط ملتزما. # ودخل الأمير علم الدين المشار إليه إلى دمشق فسد خللها، وأوضح سبلها ~~وأعاد حق مولانا السلطان منها إلى نصابه، وأعلن باسمه على منابرها وأنه ~~الأولى به. # واستقر سنقر الأشقر بصهيون، وصعب عليه بحصرها ما ظن أنه يهون. ### | ذكر ما اتفق للأمير شمس الدين سنقر الأشقر بعد ذلك # ولما خرج مولانا السلطان في السنة المذكورة للجهاد في أعداء الله التتار ~~الذين كان أطمعهم الأمير شمس الدين سنقر الأشفر بخلفه، وحملهم على الحضور ~~بعدم فكرته في عاقبة من تركه من خلفه، وحل بدمشق بالعساكر الإسلامية التي ~~أعدها، وتجاوزت في الكثرة ms033 حدها، وسلت سيوفا أمضت النصرة المضمونة من الله ~~حدها. جرد أمامه وقد قويت الأخبار أن القوم واصلون لا محاله، وتأكدت بصحة ~~مكاتبات النصحاء وأن ما منهم إقاله. ووصلت مكاتبات نائب الرحبة أنهم حوصروا ~~من القوم بجيش كبير، وأنهم في ضيق من القاصد أن يسير معهم عسير. فلم يلبث ~~مولانا السلطان عند سماع هذا الخبر المقلق إلا أن خرج للوقت طلقا لاعنة خيل ~~الله وحق له أن يطلق. وبدأ فجرد إلى الرحبة طائفة كبيرة من العساكر ~~المنصورة، وأمر فكتبت عنه - خلد الله ملكه - إلى الأمير شرف الدين عيسي بن ~~مهنا بالمسير والمصير إلى جهة الرحبة. وكتبنا إلى الملك المسعود خضر ولد ~~الملك الظاهر بإنفاذ من عنده بالكرك من العسكر الظاهري، وإلى عربها بني ~~عقبة في أن يحضروا وإلى الديار المصرية بإرسال من تأخر بها من العساكر، ~~وإستادارية الأمراء والعرب بأن يحضروا إلى سائر الجهات. ولم يتأخر ~~PageV01P065 أحد عن فرض الله الجهاد، وحشر الناس وقد نادي لسان التناصر من ~~كل واد بكل واد. # وأعمل مولانا السلطان السير وقد بلغه أن القوم انتخبوا من الألف مائة، و ~~من المائة عشرة، وأنهم شتوا بالأطاق - ومعنى هذه اللفظة الجبل الأبلق - وهو ~~خارج الدربندات وتشتيتهم فيه علامة على قصد البلاد. فلم يزل - خلد الله ~~ملكه - بحث السير بنية الغزاة الصادقة، ويطوي المراحل في كل غاربة وشارقة. ~~والأخبار من جهة النصحاء تتأكد، والقصاد منه وإليه تتردد إلى أن حل ركابه ~~حمص، فلما بلغ التتار المخذولون هذا الاهتمام، وتفويق هذه السهام، وإعلان ~~هذه الأعلام، وقدوم مولانا السلطان في أحسن هيئات الإقدام، علموا أنهم لا ~~قدرة لهم بمصادمة هذا الجيش الجرار، ولا لهم استعداد يقابل هذا العزم ~~الكرار. وحصل لهم من الرعب ما ثبط عزمهم، وثبج حزمهم، وكاد أن يبدد نظمهم. # وكان المقدم لهذا الجيش الحاضر به منكوتمر بن هولاكو، وسبب حضوره أن أخاه ~~أبغا ملك التتار الآن، والقائم بأسته، والمتولي أمر سياسته، وقد تقدم إليه، ~~وقد الخ عليه في طلب مملكة بأن يجمع الجيوش من أدنى بلادهم وأقصاها، ms034 فتتبع ~~العساكر من التتار والكرج والروم والأعجام واستقصاها. وأن تفتح البلاد ~~الشامية ويستملكها، وأن بستقطع كل أرض يسلكها. وما هو إلا أن غرته العافية، ~~وخيل له قرب الأجل موافاة ما غدت له منيته موافية. هذا وأحواله عندنا يوما ~~بيوم لا بل ساعة بساعة، والمكاتبون بإنفاذ القصاد باذلون في إعلامنا جهد ~~الاستطاعة. # وعند ما تحقق مولانا السلطان الخبر، بادر لاقتفاء الأثر، فبينا نحن كذلك ~~إذ ورد كتاب النائب بالرحبة، وبأخره ملطفة قد ألحقت بعد ختم كتابه، متضمنة ~~أن التتار قد أحاطوا بالقلعة كما تقدم. PageV01P066 ### | ذكر ما انعقد عليه الرأي في هذه المنزلة ثم تقض # كان مولانا السلطان قد عقد الرأي والمشور مع أمرائه في أن يرجع ويكون ~~القتال بمرج الزنبقية ظاهر دمشق، وأن في ذلك مصالح، منها: القرب من دمشق ~~وقلعتها لاحتمال عدم النصر - والعياذ بالله - ولا نكر، لأنه قد جاء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو فإنهم ينصرون كما تنصرون. ~~واختلفت آراء الأمراء، فمنهم من أمن على ذلك، ومنهم من قال: الرأي أن يقسم ~~الجيش قسمين، بتقدم قسم ويتأخر قسم، فإذا خذل الأول أردفه الثاني، فقال - ~~وهو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري -: ليس هذا برأي لأنا إذا أخذنا حزمة ~~نشاب و سللناها سهما سهما وكسرناه تكسر الجميع. وإذا أخذنا الجملة وأردنا ~~كسرها لم تنكسر، ولا نلتقي الكل إلا بالكل، هذا، والرأي على الرجوع مستمر. # وما أكمل مولانا السلطان كلامه مع قريبي الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر ~~صاحب ديوان الإنشاء الشريف بأن يكتب إلى النائب بدمشق بما وقع عليه الرأي، ~~وأن يخرج دهليزا وسوقية إلى مرج الزنبقية، حتى فرغت الكتاب كما أملاه ~~مولانا السلطان. وعندما التفت الصدر فتح الدين إلي بأن أكتب ناولته الكتاب ~~مفروغا، وعندما ناولته وقدمه لمولانا السلطان ليشمله خطه الشريف عجب من ~~سرعته، وأثنى على علو جمته، ولا أقول همتي تضاؤلا عن علو رتبته. وسلم ~~الكتاب بعد ختمه للبريد، وأكد مولانا السلطان على البريد في سرعة سيره، ~~وانفصل بعد تقبيل الأرض. فأشار إلى ms035 الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر بأن أعوق ~~البريدي، فامتنع علي، فرسمت عليه بعض مماليكنا. # وأمر مولانا السلطان بتفويض الذهليز. وركب مولانا السلطان بهذه النية، ~~ولم يزل إلى أن وصل إلى مفرق الطرق ما بين حمص ودمشق، فاجتمع ~~PageV01P067الأمراء والشيوخ من مقدمي الحلقة الصالحية ورجعوا به عن ذلك ~~الرأي في الرجوع، وصمموا على قصد حمص، للم ما حصل لتلك البلاد عند الجفلة ~~من الصدوع. # وأمر مولانا السلطان فكتب للأمير علم الدين سنجر الباشقردي الصالحي ما ~~مثاله: # يا علم الدين ما هو وقت دعوى الفروسية، وأن يغرك من معك من العسكر ~~الحلبي، فتحمل فيمن قبلك من التتار علي كثرتهم، فنفسد الحرمة من غير بلوغ ~~قصد، فيكون بينك وبين التنار مسافة يوم كامل، متأخرة إلينا إلى أن نجتمع ~~على أخذ هذا العدو المخذوله. # هذا نص كلام مولانا السلطان وكتبت إليه به عنه، وعاد جوابه بالسمع ~~والطاعة، وأنه لا خروج له عن الشنة والجماعة. ### | ذكر ما اعتمده مولانا السلطان في أيام إقامته بحمص # أقام مولانا السلطان بحمص خمسة عشر يوما، وفي كل يوم يركب هو ومشايخ ~~الصالحية وأمراء الحل والعقد، ويصعد هو وهم فوق تل هناك، وهو الذي بنيت ~~عليه قبة النصر، ويعقد الرأي هنالك. وفي كل يوم تركب العساكر المنصورة ~~بكمالها ملبسة، معتقلة رماحها، شاكية صلاحها، ويتكوزرون وهو ينظر إليهم ~~تدريبا و تمرينا، وتهذيبا وتأديبا. ### | ذكر ما رآه مولانا السلطان أيضا في هذه المنزلة وما انعقد عليه الرأي # قد تقدم أمر من زد إلى الرحبة المحروسة من العساكر والعربان. ولما صحت ~~الأخبار في كثرة هذا العدو وتنوع أعدائه، وقوة استعدائه، عقد المشور، ~~واقتضى الرأي مداواة الأخطر، وحفظ الأكثر من العدو الأكبر، بأن يحضر من جرد ~~إلى الرحبة إلى حمص، وأن يكتب إلى نائبها بأن يمسك خيله ريثما يلتقي ~~الجمعان، ويتناضف الصفان. فحضر من كان هنالك إلى هنا، وتكفل بحفظ من رحلوا ~~عنه إلا هنا، فحضروا وقويت شوكة الإسلام بحضورهم، واعتقد العدو أنها نجدة ~~فصاروا في أمورهم. PageV01P068 ### | ذكر احتفال المكاتبين بحقيقة أحوال القوم # قد ms036 تقدم حديث المكاتبين والمناصحين لله ولرسوله وللإسلام، ولما كان قبل ~~ملتقى القوم و مولانا السلطان نازل بحمص، حضر قاصد من ديار بكر من جهة، ~~كبير جليل سلك الجهة، على يده ملطف بعدد القوم وتفصيل جملتهم، وحصر عدتهم، ~~وأسماء مقدمي تماناتهم، وأجناس تجنيسهم، وتلبيس شعار هم لرعاع رعيتهم من ~~العوام، وهي عادة تلبيس إبليسهم. وأخبر هذا القاصد أنه خاض القوم ميمنة ~~وميسرة وقلبا وجناحين، وأخبر أنهم في غاية الكثرة وإنما ساقي منهم من عليه ~~جنى الحين. وتضمن الملطف المذكور أن القوم مائة وعشرون ألف فارس. وطابق هذا ~~الخبر في العدة ما كان أخبر به جلدر بهادر أمير أخور هولاكو الذي كان أمسك ~~بعين تاب. ### | ذكر الصورة في إمساك جلدر بهادر المذكور # كان منكوتمر أخو أبغا طاغية هذا الجيش عندما قرب من البلاد الشامية وجدها ~~خالية من العساكر والرعايا، ونجفيلهم استجرارا له، وإنهاكا لقوته، وبعدا ~~لمسافة عوده عنده كسرته، صار يركب وينفرد عن جيشه في شرذمة يسيرة للصيد، ~~وكم من رام أن يصطاد فاصطيد، وكانت أجناد عين تاب يركبون في كل يوم ~~وينخطفون منفرد القوم، ويتداولون ذلك اليوم بعد اليوم، فيظفرون ويغنمون ~~ويعودون، واتفق أنهم ركبوا يوما وأبعدوا عن الحصن، فصادفوا مشكوتمر المذكور ~~PageV01P069 في قليل من القوم، ومعه هذاجلدر بهادر. وكان أبغا قد سيره معه ~~ليستضيء برأيه فيما يأتي وبذر، ولا يخرج عن إشارته وردا وصدر. لأنه من كبار ~~قومه، وشيوخ فور لقاي هولاكو أبيه بزعمه، فحين رأي جلدر بهادر أجناد عين ~~تاب قال لمنكوتمر: أنج بنفسك ورح أنت ومنا ومنهم لأنك إن قابلتهم وقاتلتهم ~~وانتصرت عليهم فلا فخر، وإن خذلت كان عارةا، ففر منكونمر، ووقف جلدر بهادر ~~ومعه بعض من كان مع منكوتمر، وتجاملوا وتصادموا، فعين بعض أجناد عين تاب ~~على وتر قوس جلدر بهادر بسيفه فقطعه، و ضربه آخر بدبوس في رأسه فصرعه، وهرب ~~من كان حوله، واشتغل أجناد عين تاب بالأهم من إمساك هذا الخصم الألد بما ~~أبداه من صوله. وهم التتار لا حيلة لهم إلا النشاب، ولا نفوذ ms037 لهم إلا ما ~~يرسله ما لقسيهم من قاب. لا يدرون ما المطاعنة بالرماح، ولا كيف بستقي ~~بأشطانها ما للأجساد من أرواح. ولقد حمل بعضهم علي برمح ليس له سنان وطعنني ~~عدة طعنات بعد أن أثخنت بالجراح، فلم يؤثر في ذلك الطعان. # ثم إن النائب بعين تاب عندما اقتنص جلدر بهادر سرح الطائر الميمون ~~بالبطائق، بطليعة هذا النصر العزيز، وأماير هذا التأييد الذي أبرزه الله ~~أعظم دليلا عليه قبل التبريز. وللوقت كتبت جواب البطائق حسب الأوامر ~~الشريفة السلطانية بالاحتفاظ بالمذكور، وجهز تحتها الأمير عز الدين أبو ~~شامة الشهابي الحاجب على خيل البريد، وعلي بده مثال شريف بتسليمه له في ~~القيد إن كان فيما للحياة من قيد، وأن يجهز الجماعة الذين رموه إلى الأبواب ~~العالية. فسلم له، ووصل إلى دمشق المحروسة ومولانا السلطان بميدان القصر ~~الأبلق تطارد الكره، ولا أقول يلعب، ويتمرن على المدافعة وما زال في مثل ~~ذلك يذاب. وهو رجل تام الخلقة، ضخم الجثة، عريض الأكتاف، صغير الرأس. ~~فأستؤذن مولانا السلطان عليه وهو منجمل في المطاردة، فوقف واستوقف، وألقى ~~عصا جوكانه التي كانت لكرة مطاردته تتلقف. وأحضر جلدر بهادر المذكور متوكئا ~~على من أحضره من ثقل قيده، ورأسه معصوبة من الضربة التي صغرت خديه في ~~التراب، PageV01P070 وأرته من شدة وقعتها العجب العجاب، وأمر بتقبيل الأرض ~~فأبى من حمقه، ونهي فصمم إياسا مما بقي من رمقه. وكان كثير الضحك، فعمد ~~إليه الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار فألقي برأسه إلى الأرض، وأقامه من ~~سجوده لتقبيل يد مولانا السلطان ليحصل على السنة والفرض. فقبلها مرارا، ~~ورأى ما هاله من حسن هيئة مولانا السلطان وهيبته و جميل صورته. وعلم أن ذا ~~الحق لا يماري. # ثم أمر مولانا السلطان بانصرافه إلى قلعة دمشق المحروسة وإنزاله في برج ~~من أبراجها، وأن تحمل له الفرش والحكماء ويداوى، وأن يقرر له من الإقامة ~~كفايته وزيادة. وأحسن له - أحسن الله إليه - العادة في العيادة. # ولما حضر مولانا السلطان إلى القلعة من الميدان استحضره وأستخبره، فأخبر ~~بمثل ما تضمنه ms038 الملطف الواصل من ديار بكر من العدة والعدة. # وأملى علي قريبي الصدر فتح الدين صاحب ديوان الإنشاء الشريف مقدمي ~~القوم، حتى كان إملاؤه وملطف ديار بكر لم يختلفا في مده. # ولما عزم مولانا السلطان على التوجه للقاء القوم جهز المذكور إلى ديار ~~مصر. ولما عاد بعد نصره إلى مقر ملكه أحسن إليه، وأفاض بملابس النعماء ~~عليه، وأجرى رزقه، ووفاه من الصدق في الأخيار حقه. وأطلقه من الأسار، وصيره ~~بعد العبودية من الأحرار، إلى أن مات في خدمته، وأدركه ما فاته من الموت ~~عند صرعته. ### | ذكر الركوب للقاء العدو المخذول # ولما كانت ليلة الخميس المسفر صباحها عن اليوم المبارك الرابع عشر من شهر ~~رجب الفرد سنة ثمانين وستماية، بات مولانا السلطان والعساكر المنصورة على ~~ظهر قوضت الخيام، وتهيئات القسي لاعتقال عوامل السهام. وتلمظت السيوف في ~~الأغماد حنقا، وشكت الرماح ببعدها من اسنتها بطول ليل انتظارها أرقا. زررت ~~الجواشن أطواقها على اسم التحصين، وحمى الحديد فظن في ظلامها أنه ومضان برق ~~أو شعاع شمس بما أبداه صقالها من تحسين، وأسفر نجاب PageV01P071 صبحها وعلى ~~يده مخلق تملأ الدنيا بشائره، وأشرقت شمس يومها وقد جاء نصر الله والفتح ~~الميمون طائره، فترتبت الجيوش الإسلامية ميمنة وميسرة، وانضمت جناحين لا ~~تسال في الإقدام نظرة إلى ميسرة. ونشرت الأعلام المحمدية، وأظلت الراية ~~السوداء العباسية. وبايع مولانا السلطان الله ورسوله، ورفع يديه مبتهلا بأن ~~يبلغه من نصر الدين المحمدي سوله. ووقف وما في الموت شك لواقف، وأقدم من ~~مماليكه في جمع متكاثف، وارتفعت الأصوات بتلاوة القرآن، واجتمع حول جواد ~~مولانا السلطان من الفقراء والمشايخ الصلحاء الحاضرين من مصر وبغداد ~~والبطايح والعراقين والشام جمع كبير مشاة. وتقدمت الجاليشية، وأقبل القوم ~~فغص الفضاء بكثرة جمعهم، وضاق وسعا عن وسعهم وارتفع عجاجهم، ومال ثجاجهم، ~~وأمطرت غمامتهم السوداء مطر السوء من سهامهم. وخطت وما تخطت مرسلات نبل ~~أقلامهم. ودارت سواقي عجل النيل، إلا أنها قرنت بالخطاء من الخطأ لا ~~الصواب، وجاءت حور عين معاينتهم فدخلت على المستشهد بها من كل باب. وأخذ ms039 ~~مولانا السلطان في تثبيت عساكره، واستجرار القوم من غير رهج وثوقا بالله ~~ناصره. # ثم إن التتار المخذولين صاروا كرديسا واحدا بعد الترتيب، وحملوا على ~~الميسرة الإسلامية حملة رجل واحد فتراجعوا عنها كيما تخسر وثبتهم وتخيب. # وعندما بلغ مولانا السلطان خبر الميسرة وتأخرها، وتحيرها وتتابعها، وأن ~~التتار قد صاروا خلف صناجقه المنصورية أمر بلفها، وتبطيل الكوسات وكف كفها. # ثم لم يزل مولانا السلطان على من بقي من النوم إلى أن هزمهم بإذن الله ~~وقوته، وشتت شملهم بعظيم سطوته. PageV01P072 # واتفق لمنكوتمر مقدم هذا الجيش أمر عجيب. ### | ذكر ما اتفق لمنكوتمر في هذا اليوم # كان الملك المنصور صاحب حماة قد أهدى للمقر الحسامي طونطاي نائب السلطنة ~~المعظمة فرسا جيدا، قيل إن ثمنه خمسة عشر ألف درهم. وكان الأمير حسام الدين ~~قد توغل في المحاربة، نجرح فرسه، فطلب الفرس المهدى إليه، فلما أقبل ليركبه ~~ساب من يد أمير أخوره، ولم يزل إلى أن وقف قدام منكوتمر، فاستبشر به، ~~وانثني ليركبه. وكان منكوتمر هذا يعوج الرقبة، أصور خلقه، فحين انثنى ليركب ~~جاءته نشابة في عوجة عنقه. فأخذها وهرب على تلك الفرس. فكانت له نعشا أدناه ~~من مصرعه. ورجعت به ولكن لا تسل كيف مرجعه، وخذل القوم بخذلانه، ولم يمت ~~حتى أكل ما نقل لسانه، من شدة الألم بأسنانه. ### | ذكر ما اتفق عند مواجهة القوم # لما ركب مولانا السلطان للملتقى وقعت البطاقة من حصن الأكراد علي جناح ~~الطائر، مضمونها أنه قد وصل إليه الخبر من جوا طرابلس الشام أن التتار ~~المخذولين سيروا جمعا كبيرا منهم إلى طرابلس ليخرجوا منه ويكونوا من وراء ~~العساكر المنصورة عند مواجهتهم القوم باللقاء. ولما قرأها قريب المملوك ~~PageV01P073 الصدر فتح الدين المذكور على مولانا السلطان أحضر أمراء ~~المشور، وقرئت عليهم، فلم يلووا على ذلك، وقالوا: نحن إذا لقينا القوم ~~ودارت بنا رحى الحرب الزبون لم يبق يعرف لنا إقبال من إدبار. # وأمر مولانا السلطان بتسريح الطائر بجوابها، مضمونه أن تثبت ولا تخرج من ~~القلعة أنت والبحرية المجردون بها إن مروا به ويدعهم. ms040 غير أنه يسارع بتسريح ~~الطائر مخبرا بمرورهم عليه لا غير، ويدعنا ولطف الله وإياهم. فلم يكن بأسرع ~~من أن عادت الطير بأن جماعة خرجوا من الحصن بشعار التتار من السراقوجات ~~وغيرها. وأن الخبر الصحيح ورد عليه من مكاتبي طرابلس النصحاء أن الذين ~~خرجوا ليسو تتارا بل فرنجا أرادوا التشويش والإبهام والإيهام. وأنهم لم ~~يجسروا أن يبعدوا عن باب طرابلس. بل حيلوا وتحيلوا. # ففهم مولانا السلطان الصورة، وهو آخذ في شأنه من جهاد القوم، مكب على ~~حملاته التي لم ير في أنف وسالف ما لها من يوم. # ولما فر القوم لا يلوي أولهم على آخرهم، وانهزموا بين يديه كلمى قد أثرت ~~الجراحات في بواطنهم وظواهرهم، وعاد مولانا السلطان إلى منزلته وقد ظفر ~~بيوم نصره الموعود المنزل من السماء بمحكم آيته. فبينما هو كذلك إذ عاد من ~~كان من التتار قد ساق خلف الميسرة عندما خاتلتهم بالانحياز، واستجرتهم ~~التريهم صدق الكرة التي جعلها الله للمسلمين عليهم الحقيقة من المجاز. وكان ~~هؤلاء القوم من التتار عشرة آلاف فارس أو يزيدون. وللوقت ركب مولانا ~~السلطان في شرذمة يسيرة من مماليكه، ولم يكن عند ركوبه من هو من الأمراء ~~واقف بين يديه، إلا الأمير سابق الدين بوزبا الساقي الظاهري، وعلم الدين ~~زريق الجولاني. وللوقت أمر مولانا السلطان فدقت الكوسات، ونشرت الرايات، ~~وأتت العساكر عند سماعها مسرعين، وعند إعلان بوقاتها باستدعائهم لإتمام ~~إهلاك عدو الله سامعين مطيعين. PageV01P074 # وعندما اجتمعته العساكر تحت الصناجق المنصورة، وغدت التتار بين مولانا ~~السلطان وبين اعدام بقيتهم محصورة دهشوا لما نابهم من هذه الحيره، وعلموا ~~أنهم لا خلاص لهم وقد أحاط بهم مولانا السلطان ضرره وضيره، ولوا الأدبار، ~~وفروا ولكن لم ينفعهم الفرار، لأن مولانا السلطان - خلد الله ملكه - حد لهم ~~فجدلهم، وعاج لهم فعاجلهم، وساق لهم فما صاقلهم، وغسل بماء السيف خبثهم. ~~فطهر منهم العباد والبلاد، وساق أرواحهم الكافرة ولا غير الخزي واللعنة ~~زاد. # وكانت هذه الطائفة التي أخرها عمن قتل من قومها ما فرغ ربك منه من ساعة ~~ذلك الأجل، ms041 وأمهلها ولم يهملها إلا ريثما قضته في اكدر عيش من الخوف ~~والوجل، قد نزلوا السوق خلف الميسرة الإسلامية إلى المحل الذي عزمت الميسرة ~~على الكرة عليهم منها، واشتغلوا بكسب حمالة المسلمين واغتنام كسر سفرهم. ~~وحملتهم نهمة الجوع على سوء عاقبة سفرهم، إلى رجب من صفرهم. وأطمعهم ما ~~بلغهم من كثرة مال مولانا السلطان، وما صحبه من الخزائن التي ملئت بما يملا ~~العين من العين، وما الخير العبان. ### | ذكر غريبة اتفقت عند المصاففة # لم يشعر مولانا السلطان والقسي من الجهتين متراسلة برسل الموت من سهامها، ~~والسيوف حاسرة بتجردها من الأغماد مدار لثامها. والعوامل من القبيلتين على ~~الاندفاق في الصدور عامله، والصفوف حوامل وكم ولدت من عجيب حقود هي على طلب ~~التتار حامله، إلا وقد حضر بعض أجناد الحلقة، ومعه تشابه فيها بطاقة مربوطة ~~فحل رباطها، وشكر عن أداء تصحها جهادها ورباطها. # وحين فض مولانا السلطان ختامها، وحسر لثامها، تقدم الصدر فتح الدين صاحب ~~الديوان فقراها، وأحس بحس الأداء قراها، ومضمونها: # يا سلطان الإسلام، قد بلغ التتار، أن بين يديك خزانة يقال لها خزانة ~~دينار، على ماية بغل ماينا صندوقي، في كل صندوق خمسة آلاف دينار عينا، وقد ~~عينوا عليها، وعرفوا جهتها، فانصبوا إليها، فخذ حذرك، والسلام . # فشكر مولانا السلطان معار جناح هذا السهم المسرح، وأثنى على PageV01P075 ~~مرسله ثناء من كنا وصرح، ويودلو عرفه ليجزيه عن هذه الحسنة عشر أمثالها، ~~ويعامل نصيحته الإسلامية بما يقضي باحلالها أعلا محال إجلالها. # وتقدم أمر مولانا السلطان إلى خزانة دينار ففرغت، وأديرت أكياسها على ~~خواص الأمراء مماليكه ولا أقول أكواسها، وجزم مولانا السلطان فيما من هذا ~~الخبر عن، وجزم والجزم سوء الظن. وتقدم مرسومه الشريف فكتبنا أسماء من تسلم ~~هذا المال، وأحسن الله تعالي بسعادة مولانا السلطان فيه وفي من تسلمه ~~العقبى والمال. ### | ذكر من جهزه مولانا السلطان في أثر من لعله من التتار انهزم # ولما فرغ مولانا السلطان من قتالهم، وبلغ الغرض من إدبارهم باستقبالهم، ~~تقدم أمره إلى المجلس العالي الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري ms042 الصالحي بأن ~~يسوق في جماعة من العساكر المنصورة في أثر من لعله أنهزم منهم، وأن لا ~~ينفصل إلا بعد تطهير الأرض عنهم. # ولم يزل الأمير بدر الدين إلى أن وصل إلى مقصبة على نهر، فبلغه أنهم ~~أكمنوا في المقصبة مستقتلين، وأن كلا منهم فرغ تركاشه وجثا على ركبتيه ~~متقربين ومبعدين. # وكان من المجردين صحبة المذكور جماعة من المماليك السلطانية الزراقين. ~~فإن مولانا السلطان، خلد الله ملكه، كان قد علم جماعة من مماليكه إلى أن ~~أجادوا، فأمرهم الأمير بدر الدين برمي قوارير النفط فمنهم من احترف. ومنهم ~~من استجار من حر النار بما لبرد الماء من الغرق. وعاد الأمير بدر الدين. ~~وأقام مولانا السلطان بحمص مكان الوقعة إلى أن جهزت البشائر بكتبها، وسارت ~~أنباء هذه النصرة في شرق البلاد وغربها. # وبلغ مولانا السلطان أن أهل دمشق قد قلقوا عندما وصل إليهم بعض الأمراء ~~PageV01P076 الفارين بين يدي الميسرة المنحازة ريثما كرت فكانت لها الكرة، ~~وعادت فحمدت عاقبة العود بما نال عين أعيانها من القرة. فأكد مولانا ~~السلطان علي الصدر فتح الدين في سرعة تجهيز طير البطائق ولا أسرع من الطير، ~~وحث على أن يحث البريد تحتها السير، فأسرع الصدر فتح الدين إلى أن صار بسرح ~~الطير والبطائق مخلفة بالزعفران من غير كتابة، ويضمخ الطير فيأتي بأدل ~~دلائل النصر عند داعي طايره المقابل بالإجابة. # وكنت قد أنشأت قبل الركوب للمصاف ما بكتب به في هذه البشرى تفاؤلا منها، ~~وتبركا بحسن طتها. وهي ### || ما يكتب به بعد الألقاب # نوضح لعلمه أنا لما ركبنا على إسم الله بنية الغزو والجهاد، وفارقنا ~~الأهل والوطن لا نلوي على العود وتوقا لحسن الجزاء يوم المعاد. ولم نزل ~~نطوي المراحل مستنجزين ليوم النصر الموعود، مجدين لشهادة وقته المشهود. ~~ونحن واثقون من الله بالنصر والظفر. متحققون أن سيبلغ أدنى الرعية وأقصاها ~~من نصرنا خير خبر. وما من منزلة إلا ونجد مع ترادف أخبار القوم وقوتها في ~~نفوسها انبعاثا وانشراحا، ولا أدلجنا في مهمه إلا ورأينا مساءه بانبساط ~~خاطرنا صباحا، وعندما ms043 حللنا بحمص أخذنا في الأهية بالحزم، وحددنا ما لم يرث ~~من العزم. وأدنا في الناس بالجهاد فأتوا من كل فج عميق، وأعلنا بكلمة ~~التوحيد فتتابعت خيل الله يقفو منهم الفريق الفريق. وجاء نصر الله والفتح، ~~واقتدح زناد سيوف الله فأنار الوجود بذلك الاقتداح، بما لمشهور ما في ~~الأعداء من قدح. وبلغنا عن القوم وبلغهم عنا، وأقبلوا علينا صورة إلا أنا ~~أقبلنا عليهم صورة ومعني. # ولما كان يوم الخميس أقبل القوم وأقبلنا، إلا أنهم استدبروا من أمرهم ما ~~استقبلنا، وشاهدوا من تنوع قتالنا ما لم يكن لهم به يدان، ودانوا ودنا إلا ~~أنا نصرنا بأشرف من به يدان، ورأينا جمعهم الملفق فكانوا كالمثل المضروب ~~بالذباب الكثرة و التتان. ولم نلبث أن صدقناهم الحملة، فأتى كل مفرد من ~~PageV01P077 جيوشنا على الجملة منهم فالجملة. فأخذوا في المخاتلة، ونحن نجد ~~في المقاتلة. وعمدوا إلى المخادعة، ونحن لا نفتر في المقارعة، وجروا على ~~عادتهم في توليهم الإدبار، أي أنهم انكسروا، وظنوا أنه تجلب لهم ريح خديعة ~~خسروا. وكانت عدة القوم مائة ألفي أو يزيدون، وجاءوا في أجناس محبشة من ~~تتار و فرنج وأرمن وأعجام و كرج من كل حدب ينسلون. وحمي الوطيس، وتنوع فيهم ~~القتل ما بين جريح وكسير وفطيس. وجد النضال، وقرعت النصال النصال، وطلبت ~~الأوتار الأوتار، وغنت السيوف الإسلامية بعرس النصر ولا غير روس أعداء الله ~~التتار النثار. ولم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب، أو جلسة خطيب ومن السن ~~الخرصان على منابر العوامل أخطب. حتي محيت آثارهم، وهتكت عن أرواحهم من ~~الأجساد أستارهم. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وظلموا أنفسهم بالتجاسر على ~~بلاد الله ولسان النصر بتلو وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ولم يبق ~~العزم الإسلامي منهم فاتك، ولا من يقول لهمتنا المؤيدة فاتك. وكانوا قد ~~حملوا على الميسرة بجملتهم فما حمدوا عاقبة حملتهم، فكرت عليهم أينما كره، ~~وأخذتهم وقد وثقوا بانحياز المسلمين عنهم على غره. وكتابنا هذا وقد أيد ~~الله الإسلام ونصره، وأظفره بأعدائه وأقدره، وجنود الله قد شفوا ms044 صدور ~~السيوف من ظهور الملحدين، وعونه قد أيدهم فأصبحوا على عدوهم ظاهرين. فليأخذ ~~حظه من هذه البشرى بهذه النوبة التي ما سطر مثلها من النوب. وهذه النصرة ~~التي وهبها الله فله الحمد فيما منها وهب. وليتقدم بضرب البشائر، والتحدث ~~بنعمتها في كل مقيم و سائر، والله تعالى الموفق بكرمه. ### | [عودة السلطان المنصور إلى القاهرة] # وعاد مولانا السلطان إلى دمشق وقد زخرفت بالأمتعة الثمينة، وزينت فكان ~~PageV01P078 يوم دخوله إليها في الحقيقة يوم الزينة. وأقام بها ريثما ~~استجم، ورحل قاصدا كرسي مملكته القاهرة وقد قدر فقهر، ونهر فقدر. ودخلها ~~وقد هيئت بدخوله، وزينت أتم زينة سرورا بحلوله. وقد حليت أخطاطها من ثمين ~~الجواهر بأشرف الحلى، وملي من نفائس الأقمشة والأمتعة الملا. وحين حل بقلعة ~~الجبل أفاض ملابس الخلع على من كان في خدمته من الأمراء والكتاب، وأثاب كلا ~~أحسن ما يثاب. ### | [ظهور أمر التتار اعتبارا من سنة 615ه] # وانقضت هذه الغزوة على أحسن الصور، وتكفل الله تعالى أعانها بألطافه في ~~الورد والصدر. وهي غزوة ما اتفق مثلها في الإسلام، ولا جرت حنى ولا في ~~الأوهام. فإن هذا العدو كان ظهور أمره في سنة خمس عشرة وستماية، وقصد ~~العراق والعجم فأبادهم، وخرب ديارهم، وعفي آثارهم. وقصد بغداد وفيه جيش لا ~~يرد يد لامس بقتال، ولا يعرف ما للحرب من أوجال انقضاء الآجال. وهو اسم بلا ~~جسم، وداء بلا حسم. وجمع بلا كثرة، وكثرة بلا جمع، وقوم لا يعرفون لأوامر ~~الجهاد طاعة ولا سمع. ومما يسطع به عليهم أنه قيل لأحدهم: لم لا حملت على ~~خصمك؟ فقال: القنطارية بيدي اليمنى، والطارقة بيدي اليسرى، واللكازات في ~~رجلي كيف أعمل به أكضمه؟ # ولما قصدوا حلب ودمشق كان الملك الناصر بن العزيز مشغولا بملاذه ~~PageV01P079 عن الفكرة في طارقهم، منهمكا على مأكله ومشربه ومتنزهاته، ~~مشغولا بمجلس خواصه في الحسن ومطابقهم. على أن هولاكو كتب إليه مهولا عليه ~~فيما حكى لي الصدر تاج الدين أحمد بن سعيد المشهور بابن الأثير كاتب دزجه، ~~وكان رفيقي بديوان الإنشاء بمصر، أن هولاكو ms045 كتب إليه: وقد حضرنا إليك في ~~جيوش لو نزلت على الجبال لنسفتها، أو وردت البحار لنزفتها، وهذه القرينتان ~~فيهما من بلاغة الإبلاغ وإبلاغ البلاغة ما لا عليه مزبد. # ثم، والوقعة التي كانت على عين جالوت مع الملك المظفر قطز مملوك الملك ~~المعز مع أبغا نوين، كانوا تمانا واحدا. والتمان عشرة آلاف فارس. ### | [مقتل المظفر قطز] # وكان الملك المظفر قد خرج بالعسكر المصري والشام والجافل إليه، ~~والشهارزة، والأكراد، وسائر العربان والعشير. وياليته عندما بها نجح، ~~وعندما وازن نفسه معجبا بها جاء الحق لكنه نقص رما رجح، فإنه قتل بمنزله ~~قصير الصالحية سنة سبع وخمسين وستماية، عند عوده. PageV01P080 ### | [سلطنة الظاهر بيبرس] # وفيها تسلطن الملك الظاهر وتلقب بالملك القاهر، ثم رجع عنها إلى الملك ~~الظاهر. ### | [وقائع الظاهر بيبرس] # ووقعة الملك الظاهر على كينوك، وهي وقعة أبلستين، كانوا خمسة PageV01P081 ~~الاف فارس، وهي نوبة الروم، ودخول الملك الظاهر إليها، وتغرره بالتجاسر ~~عليها. # ولم يقدم أحد من الأمراء ولا الملك الظاهر على خوض الفرات إلى التتار إلا ~~مولانا السلطان وتابعه الناس اول فأول، وكان عليه في الاقتداء بالتجاسر ~~المعول. # هذه وقعات التتار مع المسلمين، وأين وأين، ولا أثر بعد عين. وأين العشرات ~~من المئين والألوف، وأين مواطن الأمن من الموطن المخوف. وأين الذرة من ~~القنطار، وأين ارتكاب الحذر من ارتكاب ذوي الأخطار، لم يسمع بمثل هذا الجيش ~~الذي عالجه مولانا السلطان وعاجله، وناجزه وما أجله. وكاثره وما كابره، ~~وساوره وما شاوره. ### | [التهنئة بنصرة السلطان] # وفي هذه المرة يقول الصدر فتح الدين بن عبد الظاهر مادحا لمولانا # السلطان ومهنئا له بهذه النصرة: # الله أعطاك لا زيد ولا غمرو %~% هذا العطاء وهذا الفتح والنصر # هذا المقام الذي لو لم تحل به %~% لم يسبق - والله - لا شام ولا مصر # من ذا الذي كان يلقى العدو كذا %~% أو يدرع لأمة ما لامها الصبر # يا أيها الملك المنصور قد كسرت %~% جنودك المغل كسرا ماله جبر # واستأصلوا شأفة الأعداء وانتصروا %~% لما ثبت وزال الخوف والذعر PageV01P082 # يا عزمة ما رأى الراؤن مشبهها %~% ووقعة ms046 سار في الدنيا لها ذكر # لما بغى جبش أبغا في تجاسره %~% ولم يمدك إلا القناجسر # وأجمع المغل والتكفور واتفقوا %~% مع الفرنج ومن أردى به الكفر # جاءت ثمانون ألفا من بعونهم %~% لأرض حمص فكان البعث والنشر # وافا الخميسان في يوم الخميس ضحئ %~% وامتدت الحرب حتى أن العصر # والسيف يركع والأعلام رافعة %~% والرؤس تسجد لا عجب ولا كبر # والخيل لا تغتدي إلا على جئث %~% والسهل من رؤس القتلي به وعر # والبيض تغمد في الأجفان من مهج %~% والسمر ناهيك با ما تفعل السمر # فجاء في رجب عيدان من عجب %~% للسيف والرمح هذا الفطر والنحر # فكان أسلمهم من أسلموه لأن %~% يقوده القيد أو يسري به الأسر # وراح فارسهم في إثر راجلهم %~% تنتابه الوحش أو ينبو به القفر # فما رعى منهم راع رعيته %~% إلا ارعوى لهم مسن روعة فكر # وكان يوم الخميس النصف من رجب %~% عام الثمانين هذا الفتح والنصر # وعاد سلطاننا المنصور منتصرا %~% والحمد لله تم الحمد والشكر # وقلت مادحا له ومهنئا بهذه النصرة إلا أنها صدرت عن قلب جريح بألم جسمي ~~الجريح: # نجحت مساعي سيفك البتار %~% بالحد في دم أرمن وتتار # وخطا إلى الخطاء الذين تجاسروا %~% فأصارهم في ذلة وصغار # رام الأعاجم رده بتناصر %~% فبدا بقتل النجدة الأنصار # عفيت إذ عفيت عن آمالهم %~% بالعزم مالهم من الآثار # وردوا فأوردهم حسامك %~% منهل الإضرام والإضراء والإضرار # وقصدتهم بعوامل من شأنها %~% بالقصف قصف مؤجل الأعمار # وأنت بحرا من حديد سلا %~% حك المردي العداة بقوة التيار PageV01P083 # ومن العجائب قدح نار زناده %~% أسمعتم ما يكون بنار # جاءوا لأخذ الثأر يا ملك الورى %~% فتلوت ثارا جاولوه بشار # هم يمموك بقضهم وقضيضهم %~% كيما ينالوا غاية الأوطار # فحببتهم آثار من أفقدته %~% فاستبدلوا الأوطار بالأوتار # قد جر أبغا للتلاف جيوشه %~% إذ قاسها بالعسكر الجرار # ما شك في إهلاكهم بتجارب %~% لسكنما الإضرار بالإصرار # ولكم إليه أعذرت عزماته %~% وإزالة الإعذار بالأعذار # وافوا ذمارك ضلة من رأيهم %~% فقرنت طيف غرورهم بدمار # وأتوا لحمص مقبلين بهمة %~% إقبالها في غاية الإدبار # ماهال إكثار لديك وقد أتوا %~% في ms047 صورة الإكبار والإكثار # أرشفتهم كأس المنون فأمعنوا %~% جهلا ولم يلووا على الإسار # خادعتهم بتخيز فستراسلوا %~% وأستأنسوا من بعد طول نفار # وحملت فيهم حملة علوية %~% لم تسبق في الآثار من ديار # أبغا تادب لا تلم بمثلها %~% وحسذار مما قد جنيت حذاير # واقنع ولا نطمع فلست بطامع %~% في زور ملك في بديل معار # يا هل ترى نجدى الفرار مخسرا %~% وأتى إليك بأسوأ الأخبار # وأظنه لم ينج إذ عم البلا %~% جمعا جمعتهم من الأمصار # أبقيت يا مخذول للمنصور ما %~% قد صار رجل مأثر الستار # أمت جيوشك والسهلال يقول: %~% يا أطلاب هولاكو بدار بدار # أوما قلاون المبيد جموعهم %~% بتواتر الإيراد والإصدار # من سالف أبدى الزمان وانف %~% بتعاضد من عزمه الكرار # كم وقعة بالرأي منه وحرمة %~% دارت دوئرها على الكفار # عزت مناقبك التي أوتيتها %~% عن أن توفيها ذوو الأشعار # وتضاءلت لعظيم قدر مديحها %~% نظامه يا عالي المقدار # تعس امروء وافى يحاول %~% عزمك الخطار بالخطار للأخطار PageV01P084 # لم يجر في طرس كما أثرته %~% قلم ولم يمرو على أفكار # كلا ولا سير الملوك تضمنت %~% مثلا لها في سالف الأعصار # ما جاء قبلك قط جيش مثله %~% ولقد سمى بالكثر عن أنظار # فليهننا الأمن المنيم بمحقهم %~% عن آخر بحسامك الجزار # لا زلت منصور اللواء مظفرا %~% في قوة أبدا وفي استظهار # انقضي خبر هذه الوقعة مفصلا ومفرعا ومؤصلا. وقد أفردت لها جزءا مستقلا ~~برسم الخزانة العالية المولوية السلطانية، عمرها الله تعالي بدوام ملكه. ### | ذكر ما انفصل عليه أمر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بعد انفصاله من وقعة حمص المذكورة # ولما قويت أخبار التتار وتأكدت، وتجمعت وتألبت، طمعا فيما بلغهم من أمر ~~الأمير شمس الدين سنقر المذكور. وبلغ مولانا السلطان أن حضورهم إنما كان ~~باستدعائه، وقصدهم البلاد كان استنصارا لهم لكشف بلائه. ورسمم فكتبنا إليه ~~ننكر عليه سوء هذه الخاتمة، ونوبخه بهذه الفعلة التي بلغت بما يجب لملتها ~~من اللائمة، التي هي لمن يدعي الإسلام غير ملائمة. وقلنا وقلنا وواجهنا ~~بالمراسيم الشريفة وما استقبلنا، فجاء كتابه وهو يحلف بالله إن هذا لم ms048 يتم ~~منه، ولا صدر عنه، ومعاذ الله أن يبيع آخرته بدنياه، وأن يمد لغير مبايعة ~~الإسلام يمناه. # وحين قريء علي مولانا السلطان كتابه، أمر فكتب جوابه. نه إن كان الأمر ~~كما زعم فليقدم خيرة الله ويحضر لتنتظم في سلك الحامدين، ويتحد جيش ~~الموحدين. وتبعد الظن عما قيل إن حقا وإن كذب، ونخيب آمال الملحدين بما ~~يتعين من اتفاق الكلمة ويجب. وجهز إليه فعاد جوابه بتلبية مناديه، وأنه ~~سيستدرك الأمر من مباديه. # وكان قد نفر إليه الأمير سيف الدين أيتمش السعدي الناصري. ### | ذكر سبب تقصير الأمير سيف الدين أيتمش المذكور # كان سيف الدين كوندك نائب السلطنة عن الملك السعيد قد التجى لمولانا ~~PageV01P085 السلطان عندما أراد من حول الملك السعيد قتله، وهرب إلى مولانا ~~السلطان كما تقدم شرحه، قد أحسن إليه مولانا السلطان وقر به. وعظم منزلته ~~في أيام ملكه وأدناه منه وما تجنبه. وأبت نفسه أن لا تخرج من الدنيا حتى ~~تسيء لمن أحسن إليها، وأن تجرى الحسنة بالسيئة ومن أسماء فعليها. # واتفق أن مولانا السلطان لما خرج إلى الشام في السنة المذكورة صار يبلغه ~~عن هذا المذكور ما يصم الأذان خبره، ويكاد أن يسري ضرره، و مولانا السلطان ~~يغضي، ويقيد حظ نفسه ولا يمضي. ولم يزل كذلك إلى أن خيم بالروحاء قريب عكا، ~~وهي منزلة لم نزل الفرنج تهرج إلى مساكن مصر عند نزولها، وتضرع له بالخضوع ~~والخشوع عند حلولها، وتنوع في هداياها، وتفنن في تحاياها خشية أن يمر ~~بواديها، أو يلم بناديها. # فأقام مولانا السلطان بهذه المنزلة خمسة عشر يوما ولا حس ولا خبر، ولا ~~عين ولا أثر، ولا زائرا برز من عكا حتى ولا في أقبح الصور. فحصل تعجب ~~مولانا السلطان من هذا الفتور، وعلم أن هذا الأمر سيكشف لطف الله منه ~~المستور. # وكان بعكا مكاتب يقال له جوان خندق فعندما وجد السبيل طالع بالسبب، وأزال ~~ما كان مولانا السلطان فيه من عجب. وحضر قاصده وعلى يده كتابه الشريف، فإذا ~~مضمونه: # يا سلطان الإسلام سير كونذك إلى المفدمين ms049 بعكا كتابا مضمونه أنكم لا ~~تسمعوا ولا تطيعوا لقلاون فإنا عازمون على قطعه وقتله، فتكونوا معنا ونحن ~~نرد لكم كل القلاع التي فتحت حتي بيت المقدس، وترد لكم صليب الصلبوت ~~والقمامة، فاحفظوا ما معكم وانتظروا نجح القصد. # فحين عرب هذا الكتاب رسم الصاحب فن الدين بن عبد الظاهر صاحب الديوان على ~~التراجمة، وهم: السابق، والاسبتاري كاتبة الإمبرطور، بحيث لم ينفس لهم في ~~الاجتماع بأحد من خلق الله تعالى، خيفة أن يشيع هذا الخبر. وقرأه علي ~~مولانا السلطان، واستقر ذلك في نفسه، واستدرك في يومه فائت أمسه. # ولما كان بعد ليال من ورود هذا الكتابه ركب كوندك وطلع إلى كوم عال ~~PageV01P086 بالمنزلة المذكورة ليلا ومعه جماعة من السلاح دارية الظاهرية ~~ملبسين مثقلين، ولأنواع الفتن مستقبلين. # ولما بلغ مولانا السلطان ذلك ثبت له أيما ثبوت، ولم يظهر عليه من الهلع ~~شيء وانتظر وقت الظفر الموقوت. وطلب في الوقت الأمير بدر الدين بيليك ~~الأيدمري وسيره إليه، مستفسرا عن الأمر الذي عزم عليه. فقال: بلغني أن ~~مولانا السلطان متغير الخاطر علي، ماد طرف الغضب إلي من غير ذنب ولا سبب. ~~وعاد الأمير بدر الدين المذكور بهذا القول. قللوقت رسم مولانا السلطان، ~~فكتبت له الأمان، متضمنا ما فيه خلاصه من الأيمان. وقرنه بالخاتم والمنديل ~~الشريف، فحين دخل على مولانا نهض له واقفا وأمر فأفيضت عليه ملابس التشريف. ~~وأخذ مولانا السلطان في تسكين هلعه، وتوطين جزعه. وخرج من بين يديه، فعاد ~~إلى ما نهي عنه من تسنم ذلك الكوم، وسام ما كان قد اشتط فيه من سوم. فأعاد ~~مولانا السلطان إليه الأمير بدر الدين المذكور فائلا له: ما هذا الاعتماد؟ ~~فقال: كان هؤلاء رفقتي يشكون من الأمير علم الدين الشجاعي مدبر المملكة ~~بمصر، ومده إلى أرزاقهم يد عدرانه، واحتجب عن شكاوي وكلائهم بالسفهاء من ~~أعوانه. # فحين عاد الأمير بدر الدين بهذه الشكاية أمر مولانا السلطان فكتبت إلى ~~مولانا السلطان الملك الصالح ونائب السلطنة الأمير زين الدين كتبغا بعزله ~~وكف يده، وأن لا تكون له قطيعة غير ms050 القعود بباب القلة، وأن يستبد الصاحب ~~برهان الدين السنجاري بالوزارة، والأمير زين الدين الصوابي بشد الدواوين. # واستقر الحال، وتمت المكيدة على الرجال، ولم يبق من هذه المنزلة إلا ~~الرحال. وقوض الدهليز المنصور. ورحل مولانا السلطان إلى المنزلة المعروفة ~~بعيون الأساور، ووجه دهليزه إلى عكا إذ هي أقرب. فحين رأى الفرنج ذلك وأبطأ ~~عليهم الخبر، ولم يجدوا لصحته من أثر، بادروا بتسيير الرسل بالهدايا ~~معنذرين، وبمصرع من خالف منهم و حالف معتبرين. فأهينت رسلهم، وضيقت سبلهم. ~~ثم استعطف مولانا السلطان عليهم فعطف، ولوطف فلطف. وقبل هذيتهم المحضرة، ~~وأمهلهم وما أهملهم وقوفا عند الهدنة المقررة. # وسار مولانا السلطان على اسم الله تعالى والنصر مكتنف بأطلابه، ضامنا نجح ~~طلابه. كل هذا وأيتمش السعدي عاقد رأيه و راياته، والمشير بنفيه وإثباته. ~~والحامل على فتنته بجهله، والماكر بسيء هذا الاعتماد ولا يحيق المكر السيء ~~إلا بأهله. PageV01P087 # ثم إن مولانا السلطان أعمل السير إلى أن نزل بحمراء بيسان، واستدعي ~~الأمراء فحضروا إلأ أينمش فإنه لم يحضر استشعارا من نفسه بما حملها عليه من ~~الغرر، وجلبه لها من صور الخيانة في أقبح الصور، وأخذ مولانا السلطان في ~~الحديث مع الأمرا فيما بلغه من ذلك. ثم التفت فأمر الأمير شمس الدين قرا ~~سنقر المنصوري بإمساك كوندك، فبادر إلى سيفه فأخذه، ثم ذهب به فقيده، وأمر ~~فأمسكت أعوانه، وهم خمسة وعشرون أميرا. وأقر بعض المماليك الصغار الظاهرية ~~على جمع كبير منهم فأحضروا وأمسكوا، وخابت آمالهم ممن كانوا به قد تمسكوا. # ورحل مولانا السلطان فنزل خربة اللصوص، ومنها هرب أيتمش السعدي إلى ~~صهيون، وتوجه مولانا السلطان قاصدا دمشق بعد أن أمر على أخباز المذكورين ~~بالمنزلة المعروفة بقرن الحرا، ودخلها وقد تبرجت له بزينتها من البنات، ~~وقبلت الأرض بين يديه باستنابة تساقط يانع الثمرات. وأسالت واديها وأرته ~~حميد العواقب من مباديها. فحل قلعتها، واستجلي طلعتها. وحل ذراها، وحل إذ ~~حل عراها. وآنس ما كان من الوحشة قد عراها، ومنها سار للقاء العدو. # وحين كتبنا إلى سنقر الأشقر من حمص كتبنا إلى ms051 أيتمش السعدي نؤمنه على ~~نفسه، وأن يحضر ولا يخشى مما كان منه، ولا مما بلغنا عنه. ويغتنم فرصة ~~الجهاد، وأن لا يخشى حقدا فالشدائد تذهب الأحقاد. وورد جوابه بالسمع ~~والطاعة الله تعالى ولرسوله ولمولانا السلطان، والتنصل مما نسب إليه مما ~~زعم أنه زور وبهتان، وقال ما نصه: # ومن هو كوندك القطعة التركماني حتى أكون أنا معه؟ والله با خوند ما أبيع ~~نشابة من تركاشك بألف كوندك. # وأخذ يمت بمناصرة مولانا السلطان و متابعته، ومبايعته. وأنه أول من أطاع ~~وما اعترف بأنه أول من عصى، ولا أنه الحامل على شق العصا. # وكانت الحوطة بالديار المصرية قد وقعت على موجوده من خيل وابل وأسلحة ~~وأثاث وذخائر من فضيات لها قيمة، حسب المراسيم السلطانية. فضمن PageV01P088 ~~كتابه العتب بسبب هذه الحوطة، وقال من جملة ما قال: وهذه عطايا من قبلك من ~~الملوك، فاستحيي مولانا السلطان من قوله، وأمر أن يكتب إليه بما يقيم العذر ~~في ذلك، وأمر فكتب إليه بما مثاله: # إنا لم نعتمد ذلك إلا لمصلحتك، وحفظا لمالك، فإن المجلس يعلم أن ولده ~~صغير السن، وليس له وصي ولا ولي بحفظ ماله، إلى أن يحسن الله ماله. فخشينا ~~أن تمتد إليه الأيدي، فكتبنا إلى ولدنا السلطان الملك الصالح عز نصره بأن ~~يتقدم إلى قاضي القضاة الى وكيل بيت المال بحفظ ماله بالاعتبار بحضور استاد ~~داره وكبار مماليكه وولده وإن صغر سنا، وأن يجعل المال والأثاث والذخائر في ~~صناديق بمفردها ويختم عليها باسمه، وأن يعتمد في الدواب ما ينبغي من الحزم ~~من بيع ما يتعين بيعه واقتناء ما يتعين اقتناؤه إشفاقا وحسن نظر منا. وجهز ~~له هذا الجواب، فكتبنا بهذه الصورة، وللوقت جهز البريد إلى مصر بأن تعتمد ~~في ماله ما ذكرناه فاعتمد ما ذكرناه. # ولما وقف أيتمش السعدي على العذر الشريف عاد جوابه بالدعاء وتصويب الرأي ~~فيه، وحضر صحبة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى حمص بنية الغزا والجهاد. ~~وأبلى في هذه الوقعة بلاء حسنا، وتوغل فيها توغلا استحق فيه حسن الثناء ~~وكان ms052 شهما، مقداما ليئا هماما. # ولما انقضت هذه النوبة عاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر إلى صهيون. ### | [وفاة ايتمش السعدي] # وحضر أيتمش السعدي إلى الديار المصرية، وبها مات معتقلا، لإحداث ذنب ~~اقتضاه سوء طبع استحال أن يكون عنده منتقلا. ### | [نص كتاب استقرار الأمير سنقر الأشقر بصهيون] # وأما شمس الدين سنقر الأشقر فإنه استقر بصهيون على ما أقره به ~~PageV01P089 مولانا السلطان بإقطاعه إياها، وإقطاع جهات متعددة بمنشور ~~كتبته له. # ونسخته: # الحمد لله جامع شمل القلوب بعد شتاتها، ومكفر سيئات هذه الأمة بحسناتها، ~~وموقظهم من غفلة الإعراض وسناتها. # نحمده حمدا عريق الانتساب، جزيل الاكتساب. # ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لها شهادة تشرق أنوارها، وتشرف ~~آثارها. # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المخصوص بالفصاحة المعجزة، والعبارة الموجزة، ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تملا الصحائف ثوابا، وتفتح للغفران ~~أبوابا. وسلم تسليما كثيرا. # وبعد، فإن في ائتلاف القلوب حكمة بالغة، ومصلحة ظلالها للأمة سابغة، ~~ورحمة تغدو الألسن لحلاوتها سائغة. وبه يشد الله للأمة أزرا، ويذيق الأعداء ~~باتفاقها بأسا طالما بأحوالهم أزرا. ويزيل به من قلوبهم بغضا، وتشيد بهم ~~أركان المناصرة إذ هم كما قال في كالبنيان يشد بعضهم بعضا. لا جرم أن الله ~~سبحانه لما علم أن المصلحة فيه متعينة، ووجوه السداد فيه متبينة. سهل من ~~انقياد القلوب كل جامح الرسن، وأجرى في ائتلافها على أحسن سنن. و أخمد من ~~الفتنة ما كان قد ثار، وأطفأ منها ما كان أضرم من نار. وأزال من نيتها ~~التنافر، ووفرها على النناصر والتضافر، وأعادها إلى المصافاة كما بدأها أول ~~مرة، وهيأ من أسبابها ما أنسى أيام الهجر المرة. # وكان المقر العالي، المولوي، الزعيمي، العالمي، العادلي، المؤيدي، ~~الغبائي، الذخري، الكافلي، الظهيري، النصيري، الشمسي، غياث الإسلام ~~والمسلمين، ناصر المجاهدين، معز جيوش الموحدين، عضد الدولة، نصير الملوك ~~والسلاطين، ولي أمير المؤمنين، شمس الدين سنقر الصالحي - خلد الله نعمته - ~~هو الشقيق في الإخاء، والرفيق في الشدة والرخاء. والقديم صحبة و مربا، ~~والخليل الذي لا يزيده البعد منا إلأ ms053 قريا. ومن غدا سند موالاته عاليا، ومن ~~تعد الألسن في صحبته سنينا لا تعد لياليا. إن اتسفت نجوم الأولياء فهو ~~PageV01P090 شمسها لمنيرة، وإن نضدت عقودها فضلها معني و صورة. وإن ذكرت ~~مآثرها فمآثره المأثورة، وجب أن نجدد من عهوده. ما كاد أن ينسى، وأن ننشيء ~~من وداده ما هو الحقيق بأن ينشي. وأن نريش جناحه، ونغفر جناحه. ونجيب إلى ~~ما أثره، ونعين بالإحسان تطوله ومآثره. # فلذلك خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي، لا ~~زالت يده بالعطاء مبسوطه، والأرزاق بمنعها وإعطائها منوطه. أن يجري في ~~ديوانه الكريم ما رسم به الآن لخاصه وخاص قلاعه التي تذكر، ولمن يستخدم ~~عليه من حلقة وجند، فليتسلم نوابه هذه النعمة التي لسنا عليها نقتصر، ولا ~~من تواليها نختصر. والحبل في الإحسان إليه على الجراره، والله تعالى يجزل ~~منا حظه وإيثاره. ### | [عودة الأمير سنقر الأشقر إلى طاعة السلطان] # ولم يزل الأمير شمس الدين المذكور يتناول هذا الإحسان الدار، ويمتاره علي ~~قلق وإن ظن به الاستقرار، إلى أن طالت المذة، وجفت من القلم المدة. وشرع ~~فيما لا يتم كما بدأ أول مرة، وتخلت عنه أعوانه إذ لم يستطيعوا له نصرة. ~~وبلغ مولانا السلطان ما أسر، واتصل به ما أضراء عليه لا بل أغراه به وطالما ~~كان في الإغراء ما ضر. وكتب إليه مولانا السلطان بأن يخلي عنه ما لا يجيء ~~منه شيء، وأن يحضر للاستكنان في فيء ظله الذي هو أسبغ فيء. ومن هذه النسبة. ~~وسير صحبة المقر الحسامي طرنطاي نائب السلطنة المعظمة في جملة من الجيش على ~~أنه إن وافق فلا كلام، وإن خالف فالكلام. فحين وصل إليه المقر الحسامي لم ~~يسعه إلا التسليم قبل التسليم، وتقديم رجل الطاعة وما أحقها بالتقديم. ونزل ~~طائعا مختارا، وأبقا بإحسان مولانا السلطان الذي طالما بلغ من الأمن ~~أوطارا. وحضر به الأمير حسام الدين، فحين وصل ركب مولانا السلطان التلقيه، ~~وحين تواجها نزلا وتكارشا، وقبل الأرض بين يديه، والألسنة تالية: قل اللهم ~~مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ms054 وتنزع الملك من تشاء. # وأحله مولانا السلطان من جلوس الإمرة محله، وكساه من حلل الخلع النفيسة ~~أثمن حلة. ولم يحصل له في أيام مولانا السلطان إلا ما أزال وحشته، ~~PageV01P091 وحفظ أخوته. وقام بشرط أيمانه وأمانه، ووفى بما نطق به لسانه، ~~والله تعالى من كل قائل عند لسانه. ### | ذكر ما اتفق لمولانا السلطان مما لم يتفق لملك غيره من ذلة التتار وسؤال ملكهم الصلح # لا خفاء بقوة شوكة هذا العدو وسهولة الرواح عليه والغدو وكثرة عدده وعظم ~~همته مع خساسة عدده، وإقدامه وثبت أقدامه، وصبره على الجلاد، وعدم تأثيره ~~حتى من مصادمة الجماد. وقنعه من الملبوس بما لا يستر عوره، ومن المأكول بما ~~لا يدفع صوره. ومن المشروب بما لا يبل غله، ومن المكروب بما لا له أربع ~~تقله. لا يردهم الصيف بحره، ولا البرد بقره، ولا العدو بكثره. استهم قتل ~~النفوس وخراب البلاد، وأيتام الأولاد، وطالما طغوا في البلاد فأكثروا فيها ~~الفساد، واستولوا على التهائم والنجاد، بما لهم من إبراق و إرعاد. واستمر ~~عدوانهم من حين خروجهم وهو سنة أربع عشرة وستماية فما تركوا بالعجم والعراق ~~بلدا حتى ملكوه، ولا مالا حتى استهلكوه، ولا سلطانا حتى أذلوه، ولا منطلقا ~~حتى أخذوه فغلوه، ولا حريمأ حتى انتهكوا حرمته، وأخلقوا جدته، وفلو حدته، ~~وحسموا مادته، وقصروا مدته، واستولوا حتي على مدينة السلام بغداد، وأزالوا ~~بسواد وجوههم ما للشعار العباسي من سواد. واستولوا على الشام إلى أن وصلوا ~~إلى عين جالوت، واستولى على عبدة الرحمن منهم عبده الطاغوت. إلى أن نهض ~~مولانا السلطان ونهض لها الملك المظفر قطز المعزي، وحمله على الخروج، وروج ~~أمره وقد كان يقرب عهده من السلطنة لا يروج. وكان مولانا السلطان مقدمة ~~جيشه، والمتلقي بثبوته ما لهذا العدو من تسرع طيشه، فولوا الأدبار لملكهم ~~هولاكو وقد جار و خار، وندم على حضوره إذ لم يكن المعبوده ولا معبود له ~~استخار. وجهل بتغريره وما علم أن مسامرة العسكر الإسلامي أخده دستجار. # فلم يزل مولانا السلطان في إثرهم إلى أن جلاهم ms055 عن البلاد، وأخرجهم على ~~وجوههم حفاة عراة مشاة ولا غير خشاش الأرض من زاد. واستمرت غزوات الملك ~~الظاهر ومولانا السلطان أبو عذرتها وابن بجدتها PageV01P092 واخو نجدتها. ~~هذا والتنار لا يذلون، لا بميلون ولا يملون، ولا ينتهون إلى غاية ولا ~~ينتهون، ولا يغيرون لأنفسهم بل يغيرون، ولا يقفون عندما به يضرون ويضيرون. ~~وكلما مادت شوكتهم قويت، وكلما قام ملك من عظمهم ظن أن الأرض له قد زويت. ~~يرون الصلح عارا وأي عار، ويظنون الاستكبار في الاستكثار، والجموع الملفقة ~~من القوة والاستظهار. وكلما ردوا بالعزائم الإسلامية عادوا، وكلما أرشدتهم ~~الوقائع الإيمانية إلى صواب المسالمة عادوا. ولا تميل لهم جارحة على أنها ~~بنكاية السهام الإسلامية مجروحة لا جارحة. لم يسمع منذ ظهروا أن ملكهم ذل ~~بإرسال رسله طالبا الصلح، ولا سائلا في المهادنة ظنا منه أن في المقابحة لا ~~للمصالحة غاية النجح. # إلى أن ملك الله مولانا السلطان، وعلم العدو من التتار والفرنج أن ~~الملائكة له من جملة الأعوان. وأنه كان فرعا لا يطاق فكيف وقد صار أصلا، ~~وتبعا لا يحمل وإن كان ممن تابعه أكبر نبلا. ورأوا أن الغنيمة الباردة في ~~إطفاء جمرة ثورته، وإخماد فورته. بالصلح الذي هو سيد الأحكام، وطلب ~~الموادعة التي نيمهم في الدعة مما لقسيه من سهام. ### || [إسلام أحمد بن هولاكو ومراسلته السلطان قلاوون] # وكان أصوبهم رأيا في ذلك، وأسلكهم لمنهج الصواب الذي كان قد غم على من ~~قبله ما لوضوع المصلحة من مسالك. وهو الملك أحمد بن مولاكو، فإنه لما أفضت ~~نوبة ملك التتار إليه، وانعقد إجماعهم عليه، وصار إليه أمرهم، و أفضي إليه ~~سرهم، قيض الله له من الموصل شيخا يقال له عبد الرحمن فهداه السبيل، وأورده ~~السلسبيل، وحسن له الإسلام، وندمه على ما مضي في كفره من الأيام. وأراه أن ~~المصلحة في مصالحة مولانا السلطان، وأن يسكن الحال من الجانبين، رفقا بمن ~~بقي عنده من جند القان، فبادر إلى رأيه مستصوبا وأذن في بلاده بكلمة ~~التوحيد فكان كل لأذانه مثوبا. وجهز رسله إلى أبواب PageV01P093 مولانا ms056 ~~السلطان، وهم الإمام قطب الدين قاضي قيسارية، والأمير شمس الدين ابن التيتي ~~الأمدي وعلى يدهم كتاب من التتار، من إنشاء جمال الدين ابن عيسى، وقد قعقع ~~فيه قعقعة الأعجام، وأراد أن يزينه بالإعراب فشانه بالإعجام # ونسخته # بقوة الله تعالى بإقبال قان فرمان أحمد. # أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى بسابق عنايته، ونور هدايته، قد كان ~~أرشدنا في عنفوان الصبا وريعان الحداثة إلى الإقرار بربوبيته، والاعتراف ~~بوحدانيته، والشهادة لمحمد عليه أفضل الصلاة بصدق نبوته، وحسن الاعتقاد في ~~أوليائه والصالحين من عباده في بريته، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام. فلم نزل نميل إلى إعلاء كلمة الدين، وإصلاح أمور الإسلام ~~والمسلمين. إلى أن أفضى بعد أبينا الجيد، وأخينا الكبير نوبة الملك إلينا، ~~فأفاض علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه، ما حقق به آمالنا في جزيل الائه و ~~عوارفه، وجلا هذي المملكة علينا، وأهدى عقيلتها إلينا. فأجتمع PageV01P094 ~~عندنا في قورلتاي المبارك، وهو المجمع الذي تتقدم فيه آراء جميع الإخوان ~~والأولاد والأمراء الكبار، ومقدمي العساكر، وزعماء البلاد. واتفقت كلمتهم ~~على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير، في إنفاذ الجم الغفير، من عساكرنا ~~التي ضاقت الأرض برحبها من كثرهم، وامتلأت القلوب رعبا العظيم صولتهم، ~~وشديد بطشتهم، إلى تلك الجهة بهمة بخضع لها شم الأطراد، وعزمة تلين لها ~~الصم الصلاد. ففكرنا فيما تمخضت زبدة عزائمهم عنه. واجتمعت أهواؤهم وآراؤهم ~~عليه. فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من إنشاء الخير العام، الذي هو ~~عبارة عن تقوية شعار الإسلام. وأن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلا ما ~~يوجب حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وتجري به في الأقطار رخاء نسائم الأمن ~~والإيمان، ويستريح به المسلمون في سائر الأمصار، في مهاد الشفقة والإحسان. ~~تعظيما لأمر الله، وشفقة على خلق الله. فألهمنا الله إطفاء تلك النائرة، ~~وتمكين الفتن الثائرة، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا الله ~~PageV01P095 إليه من تقديم ما يرجي به شفاء العالم من الأدواء. وتأخير ما ~~يجب أن يكون آخر الدواء، وأنا لا نحب المسارعة إلى ms057 هز النصال للنضال إلا ~~بعد إيضاح المحجة، ولا نأذن لها إلا بعد تبيين الحق وتركيب الحجة. وقوى ~~عزمنا على ما ذكرناه من دواعي الإصلاح، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه النجاح. ~~إذ كان شيخ الإسلام، قدوة العارفين، كمال الدين عبد الرحمن الذي هو نعم ~~العون لنا في أمور الدين، فأرصدناه رحمة من الله لمن وعاه، ونقمة على من ~~أعرض عنه و عصاه. وأنفذنا أقضي القضاة قطب الملة والدين، والأتابك بهاء ~~الدين، فما من ثقات هذه الدولة القاهرة ليعرفاهم طريقتنا ويتحقق عندهم من ~~ينطوي عليه لعموم المسلمين جميل نيتنا. وبينا لهم أنا من الله على بصيرة. ~~وأن الإسلام يجب ما قبله، وأنه تعالى ألقى في قلبنا أن نتبع الحق وأهله. ~~ويشاهدون عظيم نعمة الله تعالى على المكافأة بما دعانا إليه من تقديم أسباب ~~PageV01P096 الإحسان، ولا يحرموها بالنظر إلى سالف الأحوال فكل يوم هو في ~~شان. فإن تطلعت نفوسهم إلى دليل يستحكم بسببه دواعي الاعتماد، وحجة يثقون ~~بها من بلوغ المراد. فلينظر إلى ما ظهر من مآثرنا مما اشتهر خبره، وعم ~~أثره، فإنا ابتدأنا بتوفيق الله تعالي بإعلاء أعلام الدين وإظهاره، في ~~إيراد كل أمر وإصداره، تقديما لإقامة نواميس الشرع المحمدي على مقتضى قانون ~~العدل الأحمدي إجلالا وتعظيما. وأدخلنا السرور على قلوب الجمهور، وعفونا عن ~~كل من اجترح سيئة واقترفه، وقابلناه بالصفح وقلنا: عفا الله عما سلف. ~~وتقدمنا بإصلاح أوقاف المسلمين من المساجد والمشاهد والمدارس، و عمارة بقاع ~~البر والربط الدوارس، وإيصال حاصلها بموجب عوائدها القديمة إلى مستحقيها ~~بشرط واقفيها، ومنعنا أن يلتمس شيء مما استحدث عليها. وأن بغير أحد شيئا ~~مما قرر أولا فيها. وأمرنا بتعظيم أمر الحاج، وتجهيز وفدها وتأمين سبلها ~~وتيسير قوافلها. وأطلقنا سبيل التجار PageV01P097 المترددين إلى البلاد ~~ليسافروا بحسب اختيارهم على أحسن قواعدهم، وحرمنا على العساكر والقراغول ~~والشحاني في الأطراف التعرض لهم في مصادرهم ومواردهم. # وقد كان صادف قراغولنا جاسوسا في زي الفقراء كان سبيل مثله أن بهلك، فلم ~~نر إهراق دمه صيانة لحرمة ما بحرمه الله تعالى، ms058 وأنفذناه إليهم، ولا يخفى ~~عنهم ما كان في إنفاذ الجواسيس من الضرر العام للمسلمين. وإن عساكرنا طالما ~~رأوهم في زي الفقراء والنساك وأهل الصلاح فساءت ظنونهم في تلك الطوائف، ~~فقتلوا منهم من قتلوا، وفعلوا بهم ما فعلوا، وارتفعت الحاجة بحمد الله ~~تعالى إلى ذلك بما صدر إذننا به من فتح الطريق، وتردد التجار وغيرهم. فإذا ~~أمعنوا الفكر في هذه الأمور وأمثالها. ولا يخفى عنهم أنها أخلاق جبلية ~~طبيعية وعن شوائب التكليف والتصنع عرية. وإذا كانت الحال على ذلك فقد ~~ارتفعت دواعي النفرة التي كانت موجب PageV01P098 المخالفة، فإنها إن كانت ~~بطريق الدين والذب عن المسلمين، فقد ظهر بفضل الله ويمن دولتنا النور ~~المبين. وإن كانت لما سبق من الأسباب، فمن تحري الآن طريق الصواب، فإن له ~~عندنا لزلفي وحسن مآب وقد رفعنا الحجاب بفصل الخطاب، وعرفناهم ما عزمنا ~~عليه بنية خالصة لله تعالى:وأنبنا أسيافنا. وحرمنا على جميع عساكرنا العمل ~~بخلافها، ليرضي بها الله والرسوله، وتلوح على صفحاتها آثار الإقبال ~~والقبول. وتستريح من اختلاف الكلمة هذه الأمة، وينجلي بنور الائتلاف ظلمة ~~الإختلاف والغمة. فيسكن في سابغ ظلها البوادي والحواضر، وتقر القلوب التي ~~بلغت من الجهد إلى الحناجر. ويعفى عن سائر الهفوات والجرائر. # فإن وفق الله سلطانك لما فيه صلاح العالم، وانتظام أمر بني آدم. فقد وجب ~~عليه التمسك بالعروة الوثقا وسلوك الطريقة المثلى بفتح PageV01P099 أبواب ~~الطاعة والاتحاد، وبذل الإخلاص بحيث تنعمر تلك الممالك والبلاد، وتسكن ~~الفتن الثائرة. وتغمد السيوف الباترة، وتحل الكافة أرض الهوينا وروض ~~الهدون. ونخلص رقاب المسلمين من أغلال الذل والهون. وإن غلب سوء الظن بما ~~تفضل به واهب الرحمة، ومنع عن معرفة قدر هذه النعمة، فبه شكر الله مساعينا، ~~وأبلي عذرنا وما كنا معذبين حتى نبعث رشولا والله الموفق للسداد والرشاد، ~~وهو المهيمن على البلاد والعباد، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وكتب في أواسط جمادى الأول سنة إحدى وثمانين وستمائة بمقام الألطاق. و ~~صلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه. # هذه صورة كتابهم الوارد على يد رسلهم الذين اعتمد في ms059 أمرهم من الاحتراز ~~PageV01P100 في الصدور والورود ما لا عنه مزيد، ووعر بهم في حالتيه توعيرا ~~لا يعرف منه المقصد أقريب أو بعيد. ### || [استقبال السلطان لرسل ملك التتار] # ولما أراد مولانا السلطان - خلد الله ملكه - استحضارهم جلس على منبر ملكه ~~في أحسن الهيئات، وأحسن الصور الحسنات، وقد لبس من المجوهر ما يأخذ ~~بالأبصار، وأكثر من نور شموع ليله استحضارهم إلا أن نور وجهه بهر مالها من ~~الأنوار، في مماليكه الخاص، وخفدته ذوو الاختصاص، وقد بدوا كزهر الربيع ~~ألوانا، وكالرياض التي تشوق وتروق عيانا. وجوه مقمرة، وأغصان قدود بالجمال ~~مثمرة. في ملابس من الذهب الإبريز، يخال أن الشمس طلعت ليلا بتوقد أشعتها ~~الباهرة، متمنطقة بما يخيل أنها فلك البروج السيارة، وإن شئت فقل السائرة. ~~ودخلوا على مولانا السلطان وقد تأنق مجلسه العالي الرواق، وظهر في أحسن ~~الخلق وأشرف الأخلاق، ولسان حال كل منهم ينشد : # سامحاني إن اعتراني ذهول %~% واعذراني فذا مقام بهول # ما على الأرض مجلس مثل هذا %~% يرجع الطرف عنه وهو كليل # ولما واجهوا مولانا السلطان غضوا الأبصار هيبة وإجلالا، وطرأ عليهم من ~~الحصر ما لم يستطيعوا معه أقوالا. # ولما حصلوا في الحضرة، ومثلوا واقفين بين يديه مشاهدين ماهو للعيون قرة، ~~وللقلوب مسرة، طلب مولانا السلطان الصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر صاحبة ~~ديوان المكاتبات، فحين حضر انتصب له قائما وإن كان رب وظيفة لا يتكلف له ~~القيام، وأمر بجلوسه، فجلس ميمنة على عادة الكتاب من سالف الأيام. ثم أخذ ~~يسأل بالتركي: ما المقصود بسفير معرب بينه وبينهم، وما المراد الذي أوجب عن ~~وطنهم بينهم. # فقال قطب الدين الشيرازي: ثم مشافهة وكتاب. # فأمر مولانا السلطان أن يسلم الكتاب لصاحب ديوانه هذا، وأن نعاد عليه ~~المشافهة إذ هو أفهم للخطاب، فتوقف وقال: إنما أمرت أن أشافه مولانا ~~السلطان PageV01P101 لا من سواه. فكان الجواب: إنني ما أعرف ما تقول، وهذا ~~الذي يعرف فحواه، فلم يسعه إلا أن سلم له الكتاب المشروح نصه، المثبت فصه، ~~وأعاد عليه المشافهة، ولم تفده تلك المجابهة. # وفي صحبة ms060 هذه الليلة حضر بالديوان صاحبه المذكور، وتلى على شيوخه نص ~~كتابهم المسطور، وأمر كلا أن بنشيء نسخة جواب فأحجموا، وعلى مثل ذلك ما ~~أقدموا، إلأ والده فإنه أنشأ فأبدع، وقال فأسمع. إلا أنه لم يكتب به، إذ لم ~~يكن نص ما أنعقد عليه المشور. وكنت عمل نسخة صادفت فيها الرأي، وإن لم ~~أحضر ذلك المحضر. وكان صاحب الديوان المشار إليه قد أنشأ نسخة، فعمدنا إلى ~~نسخته، فكتبنا منها ما وقع الاتفاق عليه، وهي: # بسم الله الرحمن الرحيم # بقوة الله تعالى، كلام قلاوون، إلى السلطان أحمد. # أما بعد حمد الله الذي أوضح بنا ولنا للحق منهاجا، وجاء بنا فجاء نصر ~~الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا. # والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد الذي فضله على كل نبي، نجي به ~~أمته وكل نبي ناجي، وعلى آله وصحبه تنبر ما دجى، وتبير من داجي. والرضى على ~~الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، وسيد الخلفاء المهديين، وابن عم ~~سيد المرسلين، والخليفة الذي PageV01P102 يتمسك ببيعته أهل هذا الدين. إنه ~~ورد الكتاب الكريم، المتلقي بالتكريم، المشتمل على النبأ العظيم، من دخوله ~~في هذا الدين، وخروجه عن ما خالف من العشيرة والأقربين. # ولما فتح هذا الكتاب فاتح بهذا الخبر المعلم المغلم. والحديث الذي صحح ~~أهل الإسلام إسلامه وأصح الحديث ما روي عن مسلم. وتوجهت الوجوه بالدعاء إلى ~~الله سبحانه في أن يثبته على ذلك بالقول بالثابت. وأن بنبت حب حب هذا الدين ~~في قلبه كما أنبت احسن النبت من أحسن المنابت. # وحصل التأمل للفصل المبتدى بذكره من حديث إخلاصه النية في أول العمر، ~~وعنفوان الصبي في الإقرار بالوحدانية. ودخوله في الملة المحمدية بالقول ~~والعمل والنية. # فالحمد لله على أن شرح صدره للإسلام، وألهمه شريف هذا الإلهام، كحمدنا ~~الله على أن جعلنا من السابقين الأولين إلى هذا المقال PageV01P103والمقام. ~~وثبت أقدامنا في كل موقف اجتهاد و جهاد تزلزل دونه الأقدام. # وأما إفضاء النوبة في الملك و ميراثه بعد والده وأخيه الكبير إليه، ~~وإفاضة هذه المواهب العظيمة عليه. ms061 وتوقد الأسرة التي طهرها إيمانه، وأظهرها ~~سلطانه فقد أورثه الله من اصطفاه من عباده، وصدق المبشرات له من كرامة ~~أوليائه وعباده. # وأما حكاية اجتماع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار ومقدمي العساكر ~~وزعماء البلاد في مجمع قوريلتاي الذي ينقدح فيه زند الآراء، وأن كلمتهم ~~اتفقت على ما سبق به حكم أخيه الكبير من إنفاذ العساكر إلى هذا الجانب، ~~وأنه فكر فيما اجتمعت عليه تر اراؤهم، وانتهت إليه أهواؤهم. فوجده مخالفا ~~لما في ضميره إذا قصده الصلاح ورأيه الإصلاح، وأنه أطفأ تلك النائرة، و سكن ~~تلك الثائرة. فهذا فعل الملك المتقي، المشفق من قومه على من بقي، المفكر في ~~العواقب، بالرأي الثاقب، وإلا فلو تركوا وآراءهم حتى تحملهم الغرة لكانت ~~تكون هذه الكرة. لكن هو كمن خاف مقام ربه ونهي PageV01P104 النفس عن الهوى، ~~ولم يوافق قول من ضل ولا فعل من غري. # وأما القول منه بأنه لا تجب المسارعة إلى المقارعة إلا بعد إيضاح المحجة، ~~وتركيب الحجة، فاننظامه في سلك الإيمان صارت حجتنا وحجته المتركبة. على من ~~غدت طواغيته عن سلوك هذه المحجة متنكبة، فإن الله سبحانه وتعالى والناس ~~كافة قد علموا ان قيامنا إنما هو لنصرة هذه الملة، وجهادنا واجتهادنا إنما ~~هو الله. وحيث قد دخل معنا في الدين هذا الدخول، فقد ذهبت الأحقاد وزالت ~~الذحول، وبارتفاع المنافرة، تحصل المظافرة، فالإيمان كالبنيان يشد بعضه ~~ببعض ومن أقام مناره، فله أهل بأهل في كل مكان، وحيران بحيران بكل أرض. # وأما ترتيب هذه الفوائد الجمة على أذكار شيخ الإسلام قدوة العارفين كمال ~~الدين عبد الرحمن - أعاد الله من بركاته - فلم ير لولي قبله كرامة كهذه ~~الكرامة، والرجاء ببركته وبركة الصالحين أن تصبح كل دار PageV01P105 ~~للإسلام دار إقامة، حتى تتم شرائط الإيمان، ويعود شمل الإسلام مجتمعا كأحسن ~~ما كان. ولا ينكر لمن كرامته ابتداء هذا التمكن في الوجود، أن كل حق ببركته ~~إلى نصابه يعود. # وأما إنفاذ أقضى القضاة قطب الملة والدين، والأتابك بهاء الدين الموثوق ~~بنقلهما في إبلاغ هذه البلاغة. فقد حضرا وأعادا كل ms062 قول حسن حوالى أحواله، ~~وخطرات خاطره، ومنتظرات ناظره، من كل ما يشكر ويحمد، ويعنعن حديثهما فيه من ~~مسند أحمد. # وأما الإشارة إلى أن النفوس إن كانت تطلع إلى إقامة دليل، تستحكم بسنته ~~دواعي الود الجميل، فلينظر إلى ما ظهر من مآثره من موارد الأمر ومصادره، ~~ومن العدل والإحسان، بالقلب واللسان، والتقدم باصلاح الأوقاف.فهذه صفات من ~~يريد لملكه الدوام. فلما ملك عدل، ولم يلتفت إلى لؤم من غدي ولا لوم من ~~غذل. على أنها وإن كانت من الأفعال PageV01P106 الحسنة، والمثوبات التي ~~تستنطق بالدعاء الألسنة، فهي واجبات تؤدي، وهو أكبر من أنه بأجراء أجر غيره ~~يفتخر أو عليه تنتصر، أو له يذخر. # إنما يفتخر الملك العظيم بأن بعطي ممالك وأقاليم وحصون، وأن يبذل في ~~تشييد ملكه أعز مصون. # وأما تحريمه على العساكر والقراغولات والشحاني بالأطراف التعرض إلى أحد ~~بالأذى وإصفاء موارد الواردين والصادرين من شوائب القذي فمن حين تقدمه بذلك ~~تقدمنا أيضا بمثله إلى سائر النواب بالرحبة وحلب والبيرة وعين تاب. وتقدمنا ~~إلى مقدمي العساكر بأطراف PageV01P107 تلك الممالك، بمثل ذلك. وإذا اتحد ~~الإيمان، وانعقدت الأيمان، تحتم هذا الإحكام، وترتب عليه جميع الأحكام. # وأما الجاسوس الفقير الذي أمسك وأطلق، وأن بسبب من يتزيا من الجواسيس بزي ~~الفقراء قتلت جماعة من الفقراء الصالحين رجما بالظن فهذا باب من ذا الجانب ~~كان فتحه، وزند منه كان قدحه. وكم من متزي بفقير من ذلك الجانب سيروه، وإلى ~~الإطلاع على الأمور سوروه. و ظفر النواب منهم. بجماعة فرفعوا عنهم السيف، ~~ولم يكشف ما غطته حرمة الفقر بلم ولا كيف. وأما الإشارة إلى أن اتفاق ~~الكلمة يكون صلاح العالم. ويننظم شمل بني آدم، فلا راد لمن فتح باب ~~PageV01P108 الاتحاد. ومن جنح إلى السلم فما حاد ولا حاد. ومن ثني عنانه عن ~~المكافحة، كمن مد يد المصالحة للمصافحة. والصلح وإن كان سيد الأحكام فلا بد ~~من أمور تبنى عليها قواعده، ويعلم من مدلولها فوائده. فإن الأمور المسطورة ~~في كتابه هي كليات لازمة ينعمر بها كل مغني و معلم، إن ms063 تهيأ صلح أو لم. # وثم أمور لا بد وأن تحكم، وفي سلكها عقود العهود تنظم، قد تحملها لسان ~~المشافهة التي إذا أوردت أقبلت إن شاء الله عليها النفوس، وأحرزتها صدور ~~الرسل كأحسن ما تحرزه الطروس. # وأما الاستشهاد بقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فما على هذا ~~النسق من الود ينسج، ولا على هذا السبيل ينهج. PageV01P109 بل أفضل التقديم ~~في الدين حقوق وترعي، وإفادات تستدعى. # وعند الانتهاء إلى جواب ما لعله يجب عنه الجواب من فصول الكتاب، سمعنا ~~المشافهة التي على لسان أقضى القضاة قطب الدين فكان منها ما يناسب ما في ~~الكتاب. من دخوله في الدين، وانتظام عقده بسلك المؤمنين، وما بسطه من عدل ~~وإحسان، وسيرة مشكورة بكل لسان، فالمنة لله في ذلك، فلا يشبها منه بامتنان. ~~وقد أنزل الله تعالي على رسوله في حق من امتن بإسلامه: وقل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان. # ومن المشافهة أنه قد أعطاء الله من العظائم ما أغناه به عن امتداد الطرف ~~إلى ما في يد غيره من أرض وماء، فإن حصلت الرغبة في الاتفاق على ذلك فالأمر ~~حاصل. والجواب أن ثم أمورا متى حصلت عليها الموافقة، تمت PageV01P110 ~~المصاحبة والمصادقة. ورأى الله والناس كيف يكون تصافينا، وإذلال معادينا ~~وإعزاز مصافينا. فكم من صاحب أوجد حيث لا يوجد الأب والأخ والقرابة. وما تم ~~أمر الدين المحمدي واستحكم في صدر الإسلام إلا بمظافرة الصحابة. فإن كانت ~~له رغبة مصروفة إلى الاتحاد وحسن الوداد، وجميل الاعتضاد، وكبت الأعداء ~~والأضداد، والاستناد إلى من يشتد به الأزر عند الاستناد، فقد فهم المراد. # ومن المشافهة إذا كانت رغبتنا غير ممتدة إلى ما في يده من أرض وماء فلا ~~حاجة إلى إنفاذ المغيرين الذين يؤذون المسلمين بغير فائدة تعود. فالجواب ~~أنه لو كف كف العدوان من هنالك، وخلى لملوك المسلمين مالهم من ممالك. سكنت ~~الدهماء، وحقنت الدماء. وما أحقه بأن لا ينه PageV01P111 عن خلق ويأتي ~~مثله، ولا يأمر بشي وينسى فعله، وقنغرطاي الروم ms064 الآن، وهي بلاد في ايديكم، ~~وخراجها يجيء إليكم. فقد سفك فيها وفتك، وسبي وهتك. وباع الأحرار، وأبى إلا ~~التمادي على ذلك والإصرار. # ومن المشافهة أنه إن حصل التصميم على أن لا تبطل هذه الإغارات، ولا يفتر ~~عن هذه الإثارات. فيعين مكانا يكون فيه اللقاء، ويعطي الله النصر لمن يشاء. ~~فالجواب عن ذلك أن الأماكن التي اتفق فيها ملتقى الجمعين مرة ومرة ومرة قد ~~عاف مواردها من سلم من ذلك القوم، وخاف أن يعاودها فيعاوده مصرع ذلك اليوم. ~~ووقت اللقاء علمه عند الله لا يقدر، وما النصر إلا من عند الله لمن أقدر لا ~~لمن قدر. وما نحن ممن ينتظر فلته، ولا ممن له إلى غير ذلك لفته. وما أمر ~~ساعة النصر إلا كالساعة لا PageV01P112 يأتي إلا بغته. والله الموفق لما ~~فيه صلاح هذه الأمة، والقادر على إتمام كل خير ونعمه. إن شاء الله تعالي. # وكتب في مستهل رمضان المعظم سنة احد وثمانين وستماية. # انقضي مضمون جوابهم، ومفهوم خطابهم، وفحوى العرض الذي خطى بهم. # وتقدم أمر مولانا السلطان فأفيضت عليهم ملابس نعمه، وأجزلت لديهم مواهبه ~~كرمه، وخص كلا منهم بما يناسب قدره، ويشرح صدره، ويحسن له إلى وطنه الكره. ~~ثم جيزوا بجوابهم المشروح، فحين وصلوا إلى مرسلهم بالجواب، وأعادوا عليه ~~ماهالهم وأخبروه أن قلم هذا الجواب كان في الكتاب، ورجل سلطانه في الركاب. ~~علما منه بعادة التتار في الركوب خلف كتابهم، والوثوب عند انفصال خطابهم، ~~وقالوا وقالوا، وحدثوا ولا حرج عز سلطان جالت أفكارهم عندما بممالكه ~~المعظمة جالوا. # إلا أن الملك أحمد لم يرتكب عادة التتار، في العثو والنفار، ولا ركب رغبة ~~في الصلح الذي فيه عمارة الدار والجار. بل أقبل على قضية الصلح أيما إقبال، ~~وابتهج به رغبة في سلامة العقبى والمال. ورأى أنه خير وأبقى، وأبقى وأتقى. ~~وأخذ في تجهيز شيخه والهادي له إلى الإسلام كما زعم، والدال له على طريق ~~سلامة الصلح إن انتظم، وجهزه وصحبنه موكب من الأمراء والخدم، والبرك ~~والحشم، ورفع على رأسه الجتر وهو قبة ms065 من أدم، وحكمه في البلاد فأحكم إذ ~~PageV01P113 حكم. وتقدم إليه بالتوجه لباب مولانا سلطان، ومصافحته بالصلح ~~يوفي ماله من الضمان. # هذا والأخبار عند مولانا السلطان من مكاتبيه بحركة هذا الشيخ وسكونه ~~منزلة بمنزله، وأنباؤه مرحله بمرحله. وعدة من في صحبته، وصورة هيئته ~~وهيبته. فلما قرب من البلاد، ودنا المراد من المراد، برزت مراسم مولانا ~~السلطان بالكتابة إلى الأمير جمال الدين أقوش الفارسي أحد الأمراء الكبار ~~القديمي الهجرة، المعروفين بالشجاعة في كل أمر وامرة، بأن يركب لتلقيه من ~~البيرة، وأنه إذا عدى يمنعه من الركوب بالجتر ويقول له: قد صرت في بلاد ~~مولانا السلطان، ولا يركب فيها أحد بالجتر غيره. فحين عدى ما تعدى، وحط ~~مرفوعه عن رأسه، وعرف منذ حل أرض مولانا السلطان قدر نفسه. # ولما وصل إلى حلبة المحروسة وجد ما كان قد رسم به لنائبها الأمير شمس ~~الدين قرا سنفر المنصوري من إخلاء القاعات لنزوله، وبهيئة ما يليق به قبل ~~وصوله. فحين وصل وجد ما ينبغي لمثله، وأنزل من رحاب مولانا السلطان منزلا ~~مباركا لا ينكر قرط إنضاله وفضله، وأقيم له من يقوم بمصالح خيله، وأن لا ~~يمكن أحد ممن معه أن يخرج من المنزل الذي نزله، إحترازا من نحيل وإن لم يكن ~~في خيله. وسيرت مطالعة من النائب المذكور بحلب بعدة من معه، ومن أعجب ما ~~رأيت فيها أربع فقراء برسم الزمزمة والسماع. # هذا ما كان من الشيخ المذكور. ### || [دخول السلطان قلاوون دمشق] # وأما ما كان من مولانا السلطان فإن مشوره انعقد مع عقلاء أمرائه، وشيوخ ~~ارائه، على أن يكون الاجتماع بهذا الرسول بدمشق، ليعلم أن بلاده لم تخل ~~PageV01P114 منه، ولم يستغن في دفع خيله ركوب عز وبعد رسول عنه، فاستخار ~~الله سبحانه وتعالى وعزم والنصر يرفرف عليه، والتأييد ينظر بعين العناية ~~إليه. وقد راق منظره، وحقق خبره وخبره. والمنازل تهاداه، والألطاف الإلهية ~~متكفلة بحسن معاده ومبداه. # فلما حل مولانا السلطان بدمشق وقد تبرجت له بزهر أزهارها، و فرشت لوطيء ~~جواده فرش أنهارها. والأغصان قد تمايلت بسماع ms066 إدانة الأرض له طربا، والطيور ~~قد عادت باسمه الشريف من جملة الخطبا، والأكمام قد رفعت عن يانع ثمرها ~~لضيافة قدومه كمامها، والسماء قد امتدت لوقاية قمر وجهه أن تدركه الشمس ~~غمامها، فحل قلعتها حلول الزهرة في شرفها، والدرة في صدفها، وأهل الجنان في ~~غرفها، والآيات البينات في صحفها. # فحين استجم - خلد الله سلطانه - تقدم أمره العالي بحضور الشيخ المذكور مع ~~من معه من حلب، وطلبه فنجح بشرعة أمتثاله ذلك الطلب. وأمهل إلى أن استراح ~~ثلاثة أيام. ثم استدعي وقد جلس مولانا السلطان على كرسي سلطانه في صورة لا ~~شك أنها أحسن الصور، وهيئة تدهش ذوي النظر. وقد تجملت خواص مماليكه بأحسن ~~مدخرها من الملابس، وبرزت في هيئة إبريز لا شك أنها نار قابس. # ودخل هذا الشيخ في هيئة الفقراء معمما بفوطة مرخاه، لها عذبة بدلق، طوى ~~كميه وجمجم. وفي خدمته أتابك، وشمس الدين ابن التيتي. # وكان هذا الشيخ يميل إلى الشقرة، فلما شاهد وجه مولانا السلطان اعظم خلق ~~الله بتنزيهه وتقديسه، وتمتع من كل من مولانا السلطان وملبسه بنفيسه. فرأي ~~مولانا السلطان لح (...) وأمر بإجلاسيه، تنويها من PageV01P115 قدره، وأحضر ~~هذا الشيخ (...) المذكور صندوقا لطيفا مقفلا، فلم يشك مولانا السلطان أنه ~~جوهر مثمن، وفتحه حين وضعه بين يديه، فإذا فيه دواة من فولاذ مجوهر مربعة ~~(...) يكون طول شبر وفتر، يدور بها طران من ذهب، وداخل (...) فضة مسكوبة ~~مطلية بذهب، وحليتها فضة مطلية. قيل إنها صنعة هذا الشيخ. فحين اطلعها ~~مولانا السلطان أستحقر همتهم، واستنقص هديتهم، وأنعم بها في الوقت الحاضر ~~بحضرة الشيخ على صاحب ديوانه الصاحب فتح الدين المذكور. ### || [موت أحمد بن هولاكو] # ثم سمع مشافهته التي حملها، وأحاط علما بتفصيلها وجملتها، وأعاده إلى ~~منزله ليجهز، فلم يكن أسرع من أن جاء الخبر بموت أحمد مرسله، وأن الجمام ~~وافاه معجله. فسير مولانا السلطان إليه وأطلعه على ذلك فأسقط في يديه، ~~وأغمي عند سماع هذا الخبر عليه. ولم يقم الشيخ المذكور إلا أياما بعد ~~PageV01P116 هذا الخبر ثم قضى نحبه، بعد أن عالج ms067 من هذا الخبر صعبه. # وبرز أمر مولانا السلطان فأحسنت مواراته، وشكرت بلحاق تلميذه في الإسلام ~~مؤلفاته. ثم ألحق بأتابك فتوافيا في دار الفناء، واستراحا في مقاساة العود ~~من الغناء. # ونقل شمس الدين بن التيتي إلى الاعتقال بقلعة الجبل، ومكن رعاع من جاء ~~معه من العود، ولم يكن بأحمد، إذ غصصوا بما فانهم من ملكهم أحمد. ### || [الترتيبات السلطان قلاوون وهو بدمشق] # ثم أخذ مولانا السلطان في إرسال القصاد، ومكاتبة المكاتبين، والنصحاء ~~المجاهدين، باستطلاع ما استقر بعد وفاة الملك أحمد، ومن استقر، ومن خلفه في ~~الملك ومن ثبت بعد وفاته ومن قر. # وأقام مولانا السلطان بدمشق المحروسة حفظا لبلاده، وصيانة لعباده، ممن ~~يقوم، ومن يغزوه لقصدهم يسوم. # وبرزت المراسم الشريفة للنواب بالأطراف بالاحتراز من الغيرة، وحفظ مغرر ~~الرعية أن يلتقطه بعض السيارة. وأن يحترز على المخائض أيما احتراز، وأن لا ~~يفرط في جانب حقيقة الحزم بما لكاذب الأخبار من مجاز. # وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا أمير آل فضل بأن يحفظ ما عذق به ~~منها، وأن لا يغفل ولا دقيقة عنها. # وعاد مولانا السلطان إلى مقر ملكه كما بدا، وقد تحقق شغل القوم بأنفسهم ~~عن الاعتدا، ووردت كتب النصحاء بذلك وأن المستقر في الملك بعد وفاة أحمد. ### || [عودة السلطان إلى مصر] # واستقبل مولانا السلطان مصر مقر ملكه، وقد طفح بنيلها، وبرد بألري ~~غليلها. وصبح من مهاب نسيمها عليلها، وراقت بسط ربيعها الممتدة، وتهيأت ~~PageV01P117 خيراتها التي هي لقدومه معتدة. فتمتع بها وتمنعت، وسجدت ~~أغصانها برؤوس أكمام الثمار لله شكرا حين به كما يسر اجتمعت. وأنشد لسان ~~حالها : # إياب كما آب الحسام إلى الغمد %~% وغود كما عاد الندي شجر الورد # هذه صورة الحال في أمر رسول التتار أولا وثانيا. ### | ذكر حزم مولانا السلطان عند سفره من كرسي ملكه لمثل ذلك وغيره # كان مولانا السلطان عندما يبرز دهليه المنصور بظاهر القاهرة، ويعزم ~~منصوره وما زال الله ناصره، يتقدم أمره العالي إلى والي القاهرة ومصر ~~المحروستين بالاحتراز التام على الرعية ظاهرا وباطنا. وأن يخفرهم ms068 الولاة ~~بأنفسهم سكنا وساكنا. وأن يواصلوا بأوراق الصباح، وتعريف سعر الغلات وأوراق ~~زيادة النيل مع كل بريد. وأن لا يخلوا علمه الشريف من متجدد كل يوم جديد. ~~ويتقدم إلى ولده وولي عهده السلطان الملك الصالح بأن يلاحظ هذه الأمور، وأن ~~يحسن الخلافة على من استرعاه من الجمهور ويؤكد على أخيه السلطان الملك ~~الأشرف صلاح الدين خليل في أن لا يناهب أخاه نهيا ولا أمرا، وأن يلزم معه ~~الأدب سرا وجهرا. فإذا لم يبق إلا الركوب من قلعته، تقدم أمره بكتابة تذكرة ~~بتفصيل ما أجمله من وصيته، ويشملها بخطه الشريف، ويتقدم إليه بأن يجعلها ~~نصب عينيه، وأن يراجعها في كل أمر يعزم عليه. ### || ذكر نص بعض ما كتب له من التذاكر ### ||| فمن ذلك ما هو بخط الصاحب محيي الدين بن عبد الظاهر وهو # بسم الله الرحمن الرحيم # هذه تذكرة مباركة نافعة بما يتأمله المقام العالي، السلطاني، الملكي، ~~الصالحي، العلائي، أعز الله نصره، ملاحظا، ويكون راجعا إليه، ومسندا عنه، ~~ومتمسكا به، ومراقبا له، ومستكثرا منه. وبالله تعالى التوفيق. PageV01P118 # وقد علم الولد - نصره الله - ما أعطانا الله تعالى من هذا الملك العظيم، ~~والنعمة التامة، والسلطان المتمكن، وما نحن عليه من خوف من الله، وخضوع ~~العظمة الله، واتكال في أمورنا على الله، واستناد إلى قوة الله، واعتقاد أن ~~النصر إنما هو من عند الله، فيكون هذا اعتماد الولد في أموره كلها، وأحواله ~~جميعا. # والله حسنا ونعم الوكيل. ### |||| فصل # وللمملكة الشريفة قواعد وضوابط وقوانين لا يجب الإغفال عن مهم منها. # فمن ذلك ما يعتمد في غيبتنا أحسن الله عاقبتها، وجعلها مقرنة بالنصر ~~والتأييد، والظفر على ما عود برحمته وفضله. أنه يتقدم بملازمة المجردين ~~بالقلعة المحروسة، وتفقدهم وأخذهم بالملازمة، وأن أحدا منهم لا يخل بنوبته ~~على العادة في مراكز القلعة، وأبوابها وأسوارها ظاهرا وباطنا، وعلى ~~الاعتقالات والحبوس في الليل والنهار والصباح والمساء، وفي أوقات ركوب ~~الولد ونزوله. وتكون أبواب القلعة محفوظة بالأمراء والمقدمين والبحرية على ~~العادة، ولا يفسح الغريب ولا لمتنكر ولا لمحمول في طلوع القلعة. ms069 ويعتمد ~~العادة في تجريد جماعة من الجند حول القلعة في جهة الجبل، ومن جهة القرافة، ~~وعند دار العدل بحضرون في كل عشية، ويثبتون بخيولهم وغلمانهم طائفين ~~بالقلعة، وحافظين لجهة الثغر. ويتقدم بتجريد جماعة عند والي مصر وجماعة ~~بالقرافة يطوفون ويتقدم بتجريد جماعة بالقاهرة يفرقهم في المدينة وفي ~~الحسينية، وفي الأحكار وفي الشارع، ويطوفون بالنوبة، ومعهم جماعة من جهة ~~ولاية القاهرة، ويحترزون على الأبواب. # ونوصي المجلس السامي الأمير علم الدين والي القاهرة على الاعتقالات ~~وحفظها وحفظ من بها من المعتقلين والأسارى، ويؤكد عليه في حفظهم وضبط ~~أمرهم، والاحتراز على الحبوس وعلى الدروب والأبواب، ويؤكد عليه في منع ذوي ~~العدوان وذوي الذعارة من الاجتماع في مظان الفساد، وأماكن العيش. ~~PageV01P119 والإنكار على من يمشي في الليل بغير حاجة، أو يخرج لا لضرورة، ~~ويوقع الإنكار على ذوي الفساد، وشراب المنكرات، وإقامة حدود الله فيمن يوجد ~~سكرانا أو على حالة منكرة، ويعفي آثار المنكرات كلها، وإزالة ما تركنا لله ~~الحمل الكثيرة من ضمانه لأن يعطل ويبطل. ولا يظهر الولد في هذه الحسنة على ~~جميع الولاة، ويشدد ويغلظ وينكر ويحذر. ويشهر من بتجرأ أو يخالف أمر الله ~~تعالى والمراسم المطاعة، ويعتمد السياسة التامة في ذلك. ويعتمد الولد أمر ~~الله في كل سارق وقاتل وجارح، ويحمل الأمر في ذلك على موجب الشرع الشريف، ~~فالشرع يجمع كل شيء، ومن قتل يقتل، ومن سرق يقطع. كل ذلك بالحق والشرع ~~الشريف. وكذلك في جميع البلاد يأمر بذلك. # ويتقدم الولد إلى ولاة الأعمال بحراستها وحفظها من المفسدين، ويكتب ~~الحجج على مشايخ البلاد وخفرائها بحفظها في الليل والنهار، والمساء ~~والصباح، والغدو والرواح، وإخراج بيوت شعر ينزل بها الخفراء من القرية الى ~~القرية، لتأنيس الطرقات وحفظها، وإجابة المستصرخ، ولحاق المتعري، وإدراك ~~الهارب، وإمساك المفسد. # وتتقدم إلى الولاة بالمناداة بأن السفارة لا يسافرون إلا بالنهار، وأنهم ~~لا يغررون بنفوسهم ولا بأموالهم. ومن غرر كان إثمه في عنقه. ولا تجعل ~~الولاة ذلك حجة للخفرا، بل يلزمهم بكل ما يعدم. وكلما يؤخذ، وكلمن تعدي ~~عليه، ويعرفهم ms070 أن منع الفساد في الليل والنهار إنما هو من طريق الاحتراز، ~~وإلا كلما يؤخذ لهم يلزمون به. ### |||| فصل # يؤكد الولد - نصره الله - في تدريج الحمام الرسائلي لأجل البطايق والا ~~بسير إلا الطيور الجيدة، وأنها تكون مدرجة إلى غزة المحروسة، حتى أن الخبر ~~يصل إن شاء الله تعالى في يومه من غزة، لا بل من الشام، وكذلك حمام بطايق ~~الثغور وغيرها. ### |||| فصل # يتقدم الولد بالاحتراز على الجند والمتأخرين المجردين عن العسكر ~~PageV01P120 المنصور، وأي من حضر منهم ممن كان متأخرا بسبب مرض أو عاقة، أو ~~كان في إقطاعه، يعرض في ديوان الجيوش المنصورة، ويكتب له ورقة طريق تحليته ~~وحلية غلمانه، ويعلم الولد عليها، ويؤمر بسرعة لحاقه للعسكر المنصور، وأن ~~لا يتاجر بالجملة الكافية. ويجد في سيره. ### |||| فصل # ويؤكد الولد على الوالي بالشرقية وعلى والي العرب وعلى العربان في ترتيب ~~خيل البريد بعد توجه العسكر المنصور، وأن لا يحضر إلا خيل جيدة، ولا يحضرون ~~فرسا عجفاء ولا عاجزة. ويأمر بأن لا يفارق صاحب النوبة مكان نوبته حتى يحضر ~~صاحب النوبة الأخرى ويتسلمها. ومن ترك نوبته شاغرة بنكر عليه ويؤدب ويغرم. # ويتقدم الولد - نصره الله - بأن فرس بريد لا يتعدى بها أحد مكانا دون ~~مكانها، ولا منزلة إلى أخرى. ### |||| فصل # ويؤكد على والي الشرقية، وعلى والي الغرب في حفظ المحارض والمياه من جهة ~~البرية، الكرك وغزة من تلك الجهة. ويوصي مقدمي العائد وغيرهم على حفظ ~~نوبتهم، بحيث لا يفوتهم الطائر إذا طار إلى تلك الجهات بالجملة الكافية، و ~~يحفظ جهة السويس، وماء العنبج، والطريق البدرية، ومن وجد على غير الطريق ~~الجادة رائحا أو واصلا امسك، ويطالع به. ويوصي والي الشرقية في إنفاذ ~~الحمام إلى برج السويس صحبة من جرت العادة بتجريدهم فيه، ويزيد عدتهم في ~~هذا الوقت به. ويؤكد عليهم في الحفظ التام والاحتراز. ويؤكد على والي ~~الشرقية، وعلى والي الخيرية في إقامة الخفراء في الأماكن المعروفة بهم خلف ~~قلعة الجبل المحروسة، وخلف الجبل إلى جهة السويس، وإلى جهة إطفيح، ومن جهة ~~شرونة من ms071 الأعمال البهنسائية، بحيث أن هذه الجهات لا يسكنها PageV01P121 ~~أحد، وتكون محفوظة محروسة، محترزا عليها، محفوفة بالخفراء. ويدرك مقدموها ~~أمرها حتى إنه إن حصل خلل - والعياذ بالله - كان دركها لازما لهم وكانت ~~أرواحهم قبالة ذلك. ### |||| فصل # يستطلع الولد - أعزه الله تعالى - الأخبار من جهة الثغور، وما يتجدد بها ~~من جهة البحر من أمور. ويكون الولد عينه إلى ما يتجدد من خبرهم من جهة ~~الروم، أو جهة العرب، أو بلاد الفرنج، ويعرفنا بالمهم من ذلك في وقته ~~وساعته، ويعمل بحسب ما يتجدد من الاهتمام بالمداركة، وانتهاز الفرصة، ~~وتلافي الأمور من غير إهمال ولا إغفال، حسبما يقتضيه الحزم التام. # ويؤكد الولد على والي الإسكندرية في أخذ الرجال من الجند الذين بها، ~~والقبائل، وأهل الثغر بما جرت عادتهم به من لبس عددهم، والعرض بها، ~~والمرابطة على العادة. # ويؤكد عليه في حفظ فنادق الفرنج، وحفظ مفاتيحها في الليل، وفي وقت صلاة ~~الجمعة، وفي حفظ الأمكنة المجاورة لها، وفي حفظ المواني من جهة المير ومن ~~كل جهة. وأنه يكون مستظهرا في أموره كلها. # ويتقدم الولد إلى والي دمياط ووالي الغربية، وإلى نستروه. وإلى رشيد بحفظ ~~السواحل والبرور، وكل من جرت له عادة من العربان بحفظ مكان يرتب فيه ويلزم ~~بحفظه. وكذلك جهة الطينة، وتنيس، ويؤكد على والي دمياط، ووالي قطيا في ~~حفظها والاحتراز عليها وضبطها وحفظ من يدخل منها أو من يخرج. ويؤكد في ذلك. ~~ويوصي ولاة الثغرين في إطابة قلوب التجار واستمالة خواطرهم PageV01P122 ~~ومعاملتهم بالعدل والإحسان والرفق والإنصاف ليتوجهوا شاكرين حامدين، ~~مستجلبين خواطر من يحضر بعدهم من التجار، مع اعتماد مصلحة الديوان المعمور. ~~وتتقدم إلى والي البحيرة بحفظ الطرقات وحفظ المنازل من جهة برقا، وتلك ~~الجهات، وضبطها من متسلك، أو متسحب، أو نازح. # ويؤكد الولد على والي البحيرة في مباشرة خليج الإسكندرية، وإزالة ما مر ~~في طريق الماء من بلعات. وكذلك تتقدم إلى والي الإسكندرية بحفر ما يلزمه من ~~ذلك. ويؤكد على والي البحيرة في ملازمة البحر المنصوري المعروف بالطيرية، ~~والمطالعة بما يتجدد فيه من ms072 منفعة وبركة ونمو. # ويؤكد الولد - نصره الله تعالى - على والي البهنساية، وعلى والي الفيوم ~~في حفظ جهة ألواح من الجند المتسللين، أو الأكراد، أو الشهرزورية، ويخذر من ~~اجتماعهم في مكان واحد. # ويؤكد الولد على والي الجيزية في أنه لا يخلي أحد ممن ينكر مثل شهرزورية ~~وأكراد بطالين، أو من يكون من هذه النسبة أنهم يعدون بيوتهم وأولادهم ~~مجتمعين، ويوصيه بالاحتراز من هذا الأمر، وأنه يتيقظ لهذه المصلحة ~~ويلاحظها، ويكون على تحفظ من هذا الأمر. وكذلك يتقدم بالوصية على جهة ألواح ~~من جهة ولاية سيوط. ويتقدم إلى ولاة البلاد بأن لا يفسحوا للعربان في حمل ~~شيء من السيوف والرماح، وتؤخذ منهم وتسير إلى خزائن السلاح المنصورة على ~~العادة. ### |||| فصل # وقد علم مهمات الأمراء والجند، وأنهم في بيكار، ويحتاجون إلى الملاحظة في ~~غيبتهم، وحسن العناية بنوابهم. والشد منهم في خلاص حقوقهم من PageV01P123 ~~جهاتهم، ومن إقطاعاتهم، وإكرام مخلفيهم، مع المكاتبات إلى ولاة الأعمال ~~بقضاء أشغالهم، وتقوية أيدي نوابهم ومراعاة أسبابهم، والإعانة لهم في ~~التقدم بتلافي أمورهم جميعها لتكون أحوالهم ماشية في غيبتهم أكثر من ~~حضورهم، والاعتناء بهم أوفى، والملاحظة أكثر، وتقوية اليد أتم. ### |||| فصل # وإذا أتم الله نعمته، وأسبغ رحمته، بزيادة النيل المبارك وعموم رحمته، ~~وشموله بركته، ويلاحظ الولد أمور الجسور والتراع، ويكتب إلى الولاة بحفظها ~~وضبطها ومبيت الرجال عليها وتحصيل الأصناف بحيث لا يختل جسر إلا وتكون ~~الأصناف والآلات التي تدعوا الحاجة إليها حاصلة لإعاقة لها، خصوصا جسور ~~الخيرية فإن أمرها مهم لا ينبغي الغفلة عنه طرفة عين. ويرتب الحمام ~~الرسائلي عند مباشرتها لاحتمال أن يتجدد فيها خلل، فيستدرك سريعا بأمير ~~كبير يسيره للوقوف على ذلك وتلافيه وتداركه. ويجعل هذا الأمر نصب عينيه، ~~ويتقدم بأن لا يفتح جسر، ولا ينفس عنه، ولا تفتح قنطرة، ولا تكسر ترعة، إلا ~~عند استحقاقها وفي وقتها على حكم مصلحة الوفت ومقدار النيل وكثرته من ~~غيرها. والشهادة على الخولة والمهندسين بذلك. # ويحذر الولاة والنواب من أن أحدا من نائب أمير أو غيره يكسر جسرا بيده ~~لمصلحة إقطاع ms073 مخدومه، وتشريق ما عداها. ولا يكسر جسر إلا بأمر الوالي في ~~تلك الجهة، واتفاق منه بحضور أكابر البلاد ومشايخها وخولتها، والإشهاد ~~عليهم. ### |||| فصل # يتقدم الولد إلى الولاة بالاجتهاد في ري البلاد، ويحذرهم من أن يبور منها ~~قعر قصبة، أو أن تهمل أمور قوانين الري ونظمها، وإنفاذها. ويحذر الولاة من ~~أن يحضر أحد شاكيا منهم بسبب تشريق إقطاع مخدومه لإهمال أو تفريط، أو ~~محاباة PageV01P124 جهة دون جهة، أو تغلب قوي على ضعيف، أو أمير على جندي. ~~وتكون المساواة شاملة، والمعونة تامة. ### |||| فصل # وإذا عمت بركات الله تعالى، وشملت رحمته بتعليق الأراضي بالري، يصرف ~~الولد - نصره الله تعالى - عنايته ووالي مراسمه، مؤكدا فيها على الولاة ~~بإخراج التقاوي المرصدة لتخضير البلاد وتغليقها بالزراعة، بحيث لا يبور ~~منها الشبر الواحد بغير زراعة. ويدبر أحوال البلاد بكل ممكن، ولا يحتج ~~بحجة، ولا بحضور وكيل مقطع، ولا غيبته، ويتوعد الولاة، ويغلظ الإنكار عليهم ~~بهذا السبب، ويفهمهم أنه إن بار شيء كانوا مواخذين به. وأن ذلك لازمهم، ~~وتكون أرواحهم وأموالهم قبالة ذلك، ويؤكد في المكاتبات إليهم بذلك في جميع ~~الأوقات، ويأمرهم برد الفلاحين إلى أماكنهم ليحصر آثارهم. # هذه جمل وراها جمل، وفصول وراها فصول، وأصول وراهه أصول. # وفي الولد - أعز الله سلطانه. من الألمعية ما يفرع أصولها، ويوصل فروعها، ~~وينتزع من مطاوي مفهومها، ما يحسن إلى المصلحة نزوعها. فيتأمل ما تضمنته، ~~وينسج على منواله، وينتج منه مقدماته ما يناسب معنى تفصيله وإجماله. # والله تعالي يمتع ببقائه، ويؤكد أسباب عز سلطانه واستعلائه، بمنه وكرمه. ### ||| ومن ذلك تذكرة أخرى في سفرة أخرى من إنشاء صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين. # بسم الله الرحمن الرحيم # تذكرة شريفة ملوكية ينتهى إلى فصولها، ويستوعب جميع محصولها، المقام ~~العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، لا برحت له الذكرى ~~PageV01P125 نافعة والخلائق سامية، والملوك والممالك طائعة، والأمور إلى ~~أوامره الكريمة ونواهيه راجعة، ويطالعها مطالعة من إذا تلحظها تحفظها، وإذا ~~نقلها تعقلها. وإذا غاب عنه فهم أذكرته، وإذا خفي عليه حكم من أحكام الأمور ~~بينه له رأظهرته. ms074 وقد جعلناها بين يديه نورا يسعى. وكما يزعي. ### |||| فصل # الولد يعلم أن العدل رأس مال الملوك المربح، وفعلهم المنجح، فبالعدل ~~دامت الدول، وبالعدل العمري عمر الأقاليم، وبالعدل أمنت البلاد والعباد. # فليعدل في الرعية الأقربين والأبعدين، الحاضرين والغائبين. ويكشف ~~ظلاماتهم، ويسمع شكاياتهم. وينصب إلى إنهاآتهم. ولا يحكم للشاكي على ~~المشتكي إلا بحضور المتشاكين، فإن كانت القضية شرعية ردها إلى القضاة ~~والحكام الذين نصبناهم للفصل بين الحلال والحرام، وإن كانت شناينه تقتضي ~~التأديب، فهو ذو الفكر الصائب والعقل الأريب. فيفعل في ذلك مبلغ حكم ملكه ~~فعل من أقام الحق في مكانه، وأمر بالمعروف في زمانه وأهل زمانه. ### |||| فصل # وإذا تعين حكم على ذي جاه من ذوي الإمرة لضعيف قدره، أو قدرته. فلينصف ~~منه أتم إنصاف. فما جعل السلطان إلا لينصر الضعيف علي ظالمه. ويقوي يد ~~المسكين الذي لا قدرة له على تخاصمه، فينصف - أعز الله سلطانه - الضعيف من ~~القوي، ويفصل بحكمه بين السفيم والبريء. ### |||| فصل # ودار العدل يتقدم إلى نوابها بملازمتها في الأيام المعلومات، ويحضرها من ~~كانت عادته بالحضور فيها مدة الغيبة في البيكار، ليفصلوا بين شكايات ~~العالم، ويحسموا مادة الشكاوى، ويقطعوا المظالم. PageV01P126 ### |||| فصل # وأمور الأموال ومصالح البلاد والدواوين، وترتيب ما بها من الأموال ~~والقوانين هي أصل في التدبير، وباب كبير إلى نيله يسير. # والولد - أعزه الله تعالى ونصره - يستطلعه من المجلس العالي، الأميري، ~~الأجلي، الكبيري، العلمي، سنجر المنصوري مدبر الممالك الشريفة وهو راجعه ~~فيه. ويتحدث معه فيما يوفر الخير ويوفيه. # فليساعد اهتمامه بمراسمه النافذة، وينهض عزمه بأوامره، حتى إنه يقوي يده، ~~ويشد عضده، ويحصل ما هو مهيمن عليه، ومفوض أمره إليه، ويكون حديثه معه في ~~المصالح، وحديثه مع الناظرين والديوان، ومفاوضته له، ومفاوضته لهم في كل ~~مهم. ### |||| فصل # الأمراء المنصورية وغير المنصورية، والمماليك السلطانية، والبحرية، ~~والمجردون بالقلعة وغير القلعة، يلاحظ أمورهم، ويضاعف حسن السياسة والإقبال ~~عليهم، صغيرهم وكبيرهم، ويعاملهم بما يستميل به قلوبهم، ويوفر من الملاحظة ~~نصيبهم، ومن له خدمة ووظيفة يلازم خدمته ووظيفته ولا يفارقها إلى انقضاء ~~توبته. ومن بنوبته ms075 إن كان ممن يرد بالقول فبالقول، أو بالفعل فبالفعل. # وأيام العبور إلى الخدمة يدخل من جرت عادته بالدخول إلى الخدمة، ويقف كل ~~منهم بمكان وقوفه على عادته. وإذا انفضى السماط ووقت الخدمة يخرج الجميع، ~~ولا يتأخر أحد ممن ليست له عادة بملازمة وظائف الخدمة، وكذلك أوقات الجلوس ~~العام، والجلوس الخاص، لا يدخل أحد في غير وقت دخوله المعتاد، ولا سيما من ~~لا له عادة في خدمة بدخول ولا خروج. ولا يقدم أحد له قصة من يده. ولا يتحجب ~~من ليس له عادة بالحجوبية. ولا يتحدث أحد فيما لا يعنيه. ولا يقف أحد في ~~غير مكانه، ولا الذي لم تكن له عادة بالوقوف إلى جانبه. ولكل أحد ممن هو في ~~الخدمة منزلة ومكان يخدم فيه بحسبه، ولتكن عينه لذلك مراقبه، وفكره في هذه ~~المهمات صائبه. PageV01P127 ### |||| فصل # الباب الجواني، باب الرحبة، تلازمه صبيان قاعة الأعمدة بالنوبة، وباب ~~القلعة الجواني مثل باب القلعة البراني يلازمه أيضا منهم جماعة بالنوبة على ~~العادة في الليل والنهار. # وباب القلعة البراني تلازمة المقدمون ومضافوهم من المماليك السلطانية ~~بالنوبة. ولا يخل أحد بنوبته. ### |||| فصل # أبواب القلعة تغلق وقت العادة، وتفتح وقت العادة. ووالي القلعة يحضر ~~المفاتيح إلى والي القلة، ووالي القلة يدخل بالمفاتيح التي للقلعة والقلة، ~~وتسلم لمن كانت تسلم له على العادة، وأبواب السر لا تفتح أبدا إلا لمهم ~~كبير يقتضي ذلك. # هذا ملخص فضول هذه التذكرة، وهي كثيرة طويلة، وفيما ذكرناه مقنع. ### ||| ومنها تذكرة أخرى من إنشاء جامع هذه السيرة # وهي تذكرة شريفة، أماير اليمن بها مطيفة. # تقدمت المراسم الشريفة، العالية، المولوية، السلطانية، الملكية، ~~المنصورية، السيفية، خلد الله سلطانها، وأظهر برهانها. بترصيع فصولها، ~~وتفريع أصولها، وتنميق سطورها، وتوفيق صدورها على أعجازها، وأعجازها على ~~صدورها. وإيداعها ما ينطق بالصواب لسان قلمه، وينبي عن فصل الخطاب بتنوع ~~محكمه، يقف عليها المقام الشريف، العالي، الولدي، السلطاني، الملكي، ~~الصالحي، العلائي، ولي عهده، عند حدها المحدود، ويراجع فصولها القاضي بها ~~حسن إرشاد الولد للمولود. ويهتدي بأنوار هديها فيما يأتي ويذر، ويطالع ms076 ~~صورها البادية بعلمه في أحسن الصور، ويجعلها نصب عينيه نهى وأمر. ولا ~~PageV01P127 يخرج عنها في دقيق ولا جليل مدة الغيبة، ومن وصى بما اقتضته ~~حنو الأبوة كمن حضر. # على أنه - أعز الله سلطانه - سديد الآراء، بصير بعواقب الأمور، غني ~~بألمعيته، وإنما هي وإن بهرت أنوار سؤدده نور على نور. ### |||| فصل # إذا استقل ركابنا الشريف من قلعة الجبل المحروسة بنية هذه الغزاة التي ~~أخلصنا فيها النية، وطوينا عليها ما جبلنا عليه من إصلاح الطوية. وعاد ~~الولد بعد وداعه إليها، وأقبل بوجه حسن الخلف عليها، وجلس بكرسي ملكها، ~~وانتظم واسطة بجوهرة سلكها، يكون مهمة المقدم على كل مهم، واحتفاله بما من ~~المحذورات يلم. # التقدم بالاتراز علي من اعتقل بالقلعة المحروسة من الأمراء ذوي الفتن، ~~والمودعين بسجونها من ذوي الإحن، والتوكيد على مباشرتهم في الليل والنهار، ~~واقتفاء ما لهم وللمتردد إليهم من آثار. والتضييق عليهم إلا فيما هو مرتب ~~لهم من مأكول و مشروب، ومستدعي و مطلوب. وتفقد مريضهم المتحقق مرضه بحكماء ~~الخدمة، ومعالجتهم بتعجيل النسخ على ما تقتضيه الحكمة. ولا يؤخر عنهم طعام ~~عن وقتهم الجاري به العادة ولا كسوة، بل تفاض عليهم في أوانها على ما ~~قررناه، وإذا لم يكن زيادة على ما ذكرناه. ويتفقد الولد أحوالهم، وتبسط ~~بالوعد المؤثر له في نفوسهم المحبة أمالهم. ### |||| فصل # يتقدم الولد - أعزه الله تعالى - إلى من جردناه من مماليكنا بباب الرحبة، ~~وباب القلعة بالملازمة لهذه الوظيفة، والمواظبة لهذه المصلحة التي هي به ~~مطيفة. وأن يكونوا على بصيرة من أمرهم، واحتراز من ذوي المكر، ولا يحيق ~~بمشيئة الله تعالي بهم إلا سوء مكرهم. # وباب القلعة الذي إلى جهة القرافة لا بفتح مدة غيبتنا، ولا يزال مغلقا في ~~وجه ذوي التصرف إلى حين أوبتنا، ولوازم القلعة المذكورة محروسة من ~~PageV01P129 الولاة والجان دارية والكنانية، والبرتدارية والبوابين، ~~والطرادين. # يتقدم أمر الولد - أعزه الله تعالي - بأن لا يخلوا بما هو معذوق بهم، ~~ومنوط بسببهم. ### |||| فصل # يتقدم أمره العالي إلى كل من والي مصر والقاهرة بحراسة الأكناف، وصيانة ~~الأطراف من ms077 الأطراف، والاحتراز على المعتقلين من ذوي الجرائم والذنوب ~~العظام، والانتصاب على أبواب أدرهما لإغاثة الملهوف من قريب وبعيد. وأن ~~يكونا الداعي التظلم أسرع مجيب. وأن يكفا يد من حولها عن قطع المصانعات، ~~والإرجاف في المدينتين بما يذهل المرضعات. ويؤكد عليهما أن لا يناما هما ~~ومن هو مضاف إليهما من ظواهر المدينتين، كالقرافتين والسواحل والبرك عمن ~~يقصدها من المتحرمة، ويجوس خلالها في الليالي المقمرة فكيف المظلمة. وليكن ~~لهما في كل ناحية نائب يسرع إليهما من نائبة تنوب، وليحترز في احتراز من ~~عنهما ينوب. ولا يخلا بالركوب في الليل ومراعاة جانب الرعية، بحيث تكون ~~أحوالهم بالتطواف عليهم مزعية، ويحذر من الإهمال، ويؤكد عليهما في نعفية ~~رسوم المنكرات، وتأديب بنات الخطا وأهون بهم من بنات. وأن تغلق قاعات ~~العلاج، و تحسم مادة ما يتم بها مما يقتضيه القوة من الهياج. وبالحسينية ~~فاعات تسمى قاعات الفتوة يأوي إليها القطيعون من أبنائها ومن يظن من نفسه ~~القوة. فيتقدم أمره بالمبادرة إلى غلقها، وسد مستوعر طرقها، واستنزال ~~بدورها من أفقها. ومن ظفر به منهم فليمثل به غاية التمثيل، وليشعف به مالهم ~~من قبيل. PageV01P130 # والمنجمون فلا يمكن أحد منهم من الجلوس، وليؤخذ عريشهم وسرماطيهم ~~ومقرقلهم ومكشبهم بالردع الذي تطيب به النفوس، وينادي في البلدين وظواهرهما ~~بأمر الولد - أيده الله تعالى - أن لا يعتمد أحذ ذلك، ولا يسلك شيئا من هذه ~~المسالك. وليهذبهم بالصلب والضرب وما أشبه ذلك. ### |||| فصل # تتقدم إلى قضاة قضاة المسلمين بالانتصاب للأحكام، والتبتل للنقض ~~والإبرام. وأن لا يتخذوا حجابا ولا بوابين بمنعون الطارق، وأن يجلسوا ~~بأواوين المدارس طرفي كل نهار حتى أيام الجمع لفصل القضايا الشرعية بالعزم ~~الصادق. وأن يلازموا دار العدل، ولا يتأخر أحد منهم عنها إلا لعذر شرعي ~~يمنع منها. وأن يتركوا ما بينهم من التنافس، وأن يكونوا يدا واحدة كما ~~يقتضيه حسن التجالس. ### |||| فصل # لا تزال كتب الولد مترددة إلى الأعمال شرقيها وغربيها وقبليها وبحريها ~~بالتشديد على الولاة في العدل والإحسان، واعتماد ما يقتضي للبلاد بالعمران، ~~وللرعية بحسن الاستبطان، والرفق بالفلاحين، ms078 وتفقد أحوالهم في كل حين. وأن ~~لا يمكن منهم عسوف ظالم، ليتظافروا على عمارة البلاد إذ هم لهم كالمعالم لا ~~بل المعالم. وتفقد الجسور والتراع، والعدل في زي البلاد، بحيث تنحسم مادة ~~النزاع والاجتهاد، في تحصيل الأموال الديوانية عند استحقاقها من غير خيف، ~~وحملها إلى بيت المال المعمور الشتوية في الشتاء والصيفية في الصيف، ووكلاء ~~المقطعين من الأمراء والجند تقوي يدهم على تخليص الحقوق، وأن لا يهمل جانب ~~العناية بهم فإن ذلك مما لموكليهم عن القيام بالخدمة يعوق. ### |||| فصل # متى وصل البريد من جهتنا إلى الولد يبادر إلى الإطلاع على مضمونه، ~~والإحاطة على مكنونه. والتفهم لمعانيه، والوقوف عند أوامره ونواهيه، ~~PageV01P131 والمجاوبة عنه في وقته وساعته، وتجهيز برد النوبة به إلى ~~دهليزنا الشريف بنهاية الاحتفال وغايته، بحيث لا يحصل الخلل في الجواب ~~باهمال فصل، ولا إغفال فرع ولا أصل. ### |||| فصل # العسكر المقيم عنده من الأمراء والجند واستدارية من هو صحبة ركابنا و من ~~عنده، وممن لعله متأخر من مماليكهم ومماليكه ومماليكنا، تتقدم إليهم بأن ~~يكونوا على أهبة واستعداد مزاحين من كل ما يلزم الأمراء والأجناد، و من ~~بالبلاد من العرب وولاة الإقطاعات ونواب الأمراء، بحيث إن دعت الحاجة - ~~والعياذ بالله - إلى طلبهم أسرعوا في الحضور، وبادروا إلى ما دعوا إليه من ~~غير فتور. ### |||| فصل # يتقدم في كل وقت إلى مباشري الوزارة والمستوفين والنظار بتحصيل الأموال، ~~والاستكثار من الغلال، من غير إجحاف ولا طلب مالا يستحقه بيت المال، فالظلم ~~إن لم يتدارك بالتلافي كان مضنة التلاف. ### |||| فصل # الولد، أعزه الله تعالى، لا يكثر من الركوب، وليحترز - صانه الله - مما ~~لذوي القدر من الوثوب، ولا يقرب منه إلا من هو واثق بولائه، ولا يغلي إلى ~~رتبة التقرب منه إلا من هو حقيق باستعلائه. وليكن موكبه محفوفا بالسكينة ~~والوقار، مشحونا مما ألفناه منه من القوة والاستظهار. ولا يزيد على ركوب ~~العادة، ولا يوغل في التسيير بسلوك غير الجادة. وإذا رفعت إليه قصص في ~~ركوبه فليأخذ بيد رافعها بالعدل والإنصاف، وليكشف ظلامته بنفسه ولا يكله ms079 ~~على ذوي التسويف وهو أمر عن علمه غير خاف. ### |||| فصل # خيل البريد هي المقربة ما بين المسافتين، والطاوية لما طال من الشفتين. ~~والمحضرة غائب أخباره، والمبينة عن كنه أسرار الملك وأسراره. PageV01P132 # فليتقم أمره العالي بأن لا يخل المراكز منها ولا طرفة عين، وأن تكون من ~~الخيول المقصر سيرها بطول خطوته خطى البين. ### |||| فصل # الثغران: ثغر الإسكندرية وثغر دمياط هما المعتبران إن أعتني بأمرهما من ~~طارقي يطرقهما إلا بخير، الباسمان إن روعيت مصلحتهما في دفع كل ضرر وضير. ~~والمخشي عليهما منه إنما هو الفرنج وكرساليتهم المتلصصة، وحراميتهم ~~المفترسة المفترصة. # فليكن الولد - خلد الله سلطانه - منهما رائيا ومسمع، وليوكد علي ولايتهما ~~فيما أكذنا عليهما فيه من المراقبة بالقعود لهما في كل مرقب حتى لا يكون ~~ولا لرياحهم إن هبت مطمع. وأنه متى لاحت لهم بارقة، أو طرقهم - والعياذ ~~بالله - طارقة، بطقوا في الساعة الراهنة. والحذر كل الحذر أن يكون لما يظهر ~~من سفن كامنه. وليحترز عليهم حتي من سرقة الماء، والتحيل على أسار من لعله ~~يغرر معرضا على التعوذ بما لله تعالى من أسماء. وعلى هذين الثغرين وظيفة ~~موظفة، ولوازم كل منهما بها مكلفة، من أموال وأقمشة برسم الخزانة الشريفة، ~~فلا يهمل الولد أمرها في أوانها، وبروز مراسمه بطلبها في أحيانها. من غير ~~إزعاج الرعية، ولا مصادرة بطلب ما لا بجب وحسبنا ما فيه من المعية. # وليتقدم أمره العالي إلى واليي هذين الحصين بكف الكف، ومجانية ما ثقل ~~وإثيان ما خف. ومعاملة التجار الواردين من المعدلة بما يشيع خبره، ويحمد ~~أثره. وتتلى على روس الأشهاد سوره، فالعدل أجلب للبركات، وأجلب لثدي ~~المرضعات، وبه عمارة البلاد، وتثمير الأموال التي هي مادة الأجناد، ~~واستجلاب أدعية العبادة، بالنصرة على أهل العناد. ### |||| فصل # دار الطراز مي مادة الرياش، ومؤثرة ما يقضي حسن مراه PageV01P133 ~~الانتعاش، وهي المفاضة خلعة المحلي للأعطاف موشعها، المجملة الخزائن ~~تعابيها، المضيقة صدورها بما يشرح الصدور من مشرفها وكابيها. ولها مال يحمل ~~من جهات معينة، وحواصل هي في جرائد الاستقرار مبينة، ومتى أخل بها ms080 أخلت ~~الخزائن من تحفها النفيسة، وقبضت الأيدي عن إفاضة ملابسها التي بها بذار ~~زهرة ربيعها مغروسة. # فليتقدم الولد - عز سلطانه - في كل وقت بتفقد أحوالها، والمواصلة ~~بالأموال التي هي أحوى لها، والرفق بها إلى أن تضع حملها، وتؤدي فرضها ~~ونقلها، وتواصل من حللها بما هو المعلم، وتسطر بأقلام أخلتها، من ألقابنا ~~الشريفة كل محكم. ### |||| فصل # وخزائن السلاح هي الناب والظفر لمن لا ظفر له ولا ناب. وكم استنابها ~~فأغنت فيما دهم و ناب. # فليكن الولد ملاحظة لمجدداتها، غير واقف عند حد في الاستكثار من ~~مرهفاتها، بحيث خزائنها شاكية السلاح، دامية الجراح، دارية الاقتداح. ~~وإنما ملاكها توفير الأموال، ومجانبة الإقلال، ولها حمل في كل وقت فلطلب ~~عند حلوله، ليحث مباشروها على معقوله ومنقوله. ### |||| فصل # دار الضرب هي أحد ما للملك من علو الرتبة، وتسامي الهضبة، وهل شك في أنه ~~عبارة عن السكة والخطبة. # فليتقدم أمره العالي بأن لا يعطل قلم درهمها و دينارها، ولا يغب فيها ~~باسمنا الشريف الذي هو مادة أنوارها، وعنوان إيسارها، وأن تتجنب فيها إتيان ~~الزائف، وأن يكون دينارها موصوفة بعدل أيامه بأنه الحايف. ### |||| فصل # إذا ورد علبه تاجر من تجار المماليك فليحذر التجار من بيع ما يصلح ~~PageV01P134 للخاص الشريف لأحد من الأمراء كائنا من كان، وليذل في التحذير ~~من ذلك غاية الجهد والإمكان. وإذا صلح منهم شيء من الجنس الجيد فليتقدم ~~بالمعاقدة عليه وإنضاض ثمن من غير مطل فإن ذلك أجلب للنجار، وأدعي ببلوغ ~~الأوطار، وليكتب للتاجر توقيع بالمسامحة مما يتبضع به من ثمن بيعه لسفرة ~~واحدة، ويشرف من الخزانة بما جرت به عادة أمثاله ليكون ذلك أدعى لرجوعه، ~~وإذا ورد عليه تاجر مرسوما بثمن ما اشتريناه منه هنالك، فليسلك معه في ~~الوفا أحسن المسالك. ولا يؤخر عنه حقه ساعة واحدة، بل يوصل إليه مهينا ~~ميسرت فما خابت ذمة ناقده. # وثم أمور غير ما ذكرناه، وفصول غير ما أردناه، يتفرع عنها، ويتولد منها. ~~وكم أنتج القليل من كثير، واليسير من جم غفير. # وإذا أنعم الولد النظر فيما ms081 نصصناه، وتدبرنا ما أصلناه، نشأ له عن ذلك ~~أحوال فأحوال، وتفصيل وإجمال. ونحن واثقون منه بأنه سيكون عنده ما توسمناه، ~~وأنه غني عن ما رسمناه حين رسمناه. وإنما الله سبحانه وتعالى، يقول، وهو ~~أصدق القائلين: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. ### | ذكر ما آل إليه أمر الملك خضر بن الملك الظاهر وصورة نزوله من الكرك # كان مولانا السلطان - خلد الله ملكه - قد استقر بالملك خضر ابن الملك ~~الظاهر، وأخيه سلامش بالكرك، بعد موت أخيهما الملك السعيد، وأمكنهما من ~~ذخائرها وخزائنها، حفظة لعهد أبيهما وأخيهما، فلم يقف الملك خضر عند حده، ~~ولا أحسن المجاورة يتعدى من لم يغن عنه غنا من جنده. ووالوا أسباب التعدي ~~حتى يقطع الطريق، ومد اليد إلى أموال الفريق فالفريق فالفريق. ومولانا ~~السلطان يكتب إليه، ويهول ولا يهون عليه، ويشير عليه إشارة الوالد للولد، ~~ويأمره بكف كل يد، والحال لا ينتهي، والتصميم كلما أنهي عاد إلى ما عنه ~~نهي. # فجرد مولانا السلطان من أخذ عليه الأنفاس، وأذاقه بقطع المادة. ~~PageV01P135 عنه وإن كثر حاصله من الذهب مرارة الإفلاس. فاقتضت له هذه ~~الشدة فصر المدة، بتطاول منع هذه المادة، أن سير مستجيرا بحنو مولانا ~~السلطان، باذلا في التنصل غاية الإمكان. # وتكررت رسله سائلا الصلح وإن لم يبق له موضعا، مستعطفا خاطر مولانا ~~السلطان متضرعا. # فرجع مولانا السلطان إلى طبعه الشريف، وخلقه اللطيف، ووافق على الصفح ~~والإغضاء، وما أحق أوامره بالإمضاء. وحلف على ما اقترحوه، وأعرض جانبا عما ~~اجترحوه. ووادعه وأنامه بالرضى منه في الأمن والدعة، وتحررت هذه الموادعة، ~~بخطي و مولانا السلطان خلد الله ملكه بدمشق المحروسة، ومضمونها: # بسم الله الرحمن الرحيم # أقر مولانا السلطان، الملك، المنصور، السيد، الأجل، العالم، العادل، ~~المؤيد، المظفر، سيف الدنيا والدين، أبو الفتح قلاون الصالحي - خلد الله ~~ملكه - المقر العالي المسعودي خضر ولد السلطان السعيد الشهيد الملك الظاهر ~~ركن الدين بيبرس الصالحي، رحمه الله تعالى على ما كان بيد أخيه الملك ~~السعيد ناصر الدين بركة، رحمه الله تعالى من الكرك، وما هو متعلق بها ومضاف ms082 ~~إليها، إقرارا منه به في سربها، وأعذب له موارد شربها، وأمكنه من صهوتها، ~~ووطنه عالي ذروتها وصرفه فيها، وخصه من الدعة بوافيها، حفظا لعهد أبيه، ~~ومراعاة لنسابة أخيه، على أنه يلزم أدبه وما أولاه بلزومه، ويقف عند حد ~~بنوته التي بلغته من حنو الأبوة غاية مرومه. وعلى أنه لا يتعدى حده، ولا ~~يسمع ولا بسامح من فيه ممن حوله حده. وعلى أنه متى عن للاسلام ما يقتضي ~~إنفاذ من عنده من الجند، بادر إلى إنفاذه، وأمره بالملازمة إلى حين فراغ ~~الشغل من العدو باستنقاذه. وعلى أنه متى حضر أحد إليه مقفرا من مماليكنا أو ~~عسكرنا او مماليك أمراء دولتنا أعاده بشفاعة منه إن كان ذنبه مما يشفع في ~~PageV01P136 مثله، ومتى وصل إلينا أحد من جهته أعدناه إليه على هذا الحكم. # واستقر الحال على ذلك. # واتفق أمر عجيب بعد هذا الاستقرار في أمر الأمير علاء الدين الحزاني ~~نائبه. ### || ذكر ما انفق في أمر المذكور # كان هذا علاء الذين ينوب عن الملك خضر، وكان شرة إلبا على مجاوري الكرك ~~والمارين ما بينها وبين غزة، والمقوي بجأشه وجيشه، والموافق على قلقه ~~وطيشه. # وكان أمرنا مولانا السلطان فكتبنا إليه عدة ملطفات عن مولانا السلطان ~~حاوية من الملاطفة ما لا عنه مزيد، مستجلبة له بالوعود التي هي بما يريد ~~وفوق ما يريد. وما من ملطف إلأ ويعطف على ملطف أمان، وملطف منشور بإمرة ~~الماية، وهو لا يزاد إلا غلظة، ولا يقف عند وعظ وتخويف وترهيب وتهديد ولا ~~يسمع وعظه، و كلما سير له قاصدا أحضره بملطفاته وفاء منه بزعمه. # فلما كان بعد استقرار هذه الموادعة، ولزوم حنو هذه المطاوعة، و حضور ~~مولانا السلطان إلى ديار مصر، وردت بطاقة من الشوبك تتضمن أنه لما كان ~~بتاريخ كذا وكذا وصل الأمير علاء الدين الحراني مقفزا قاصدا الأبواب ~~العالية، ومعه مملوك واحد، والفقيه زكي الدين صاحب ديوان المكاتبات: بطق ~~إلى نائب الشوبك وحذره من أن تكون هذه حيلة على أخذ قلعة الشوبك بدخوله ~~إليها، وأكد عليه أن لا ms083 يمكنه من الدخول إليها، ويعجل بتجهيزه. فللوقت شرح ~~الطائر بهذا الرأي السعيد، وهذه الفكرة التي ما على صحتها مزيد. فلم يك ~~بأسرع من أن بطق بوصول المذكور إلى غزة، فزال التوهم، وحضر المذكور. فأقبل ~~مولانا السلطان عليه وشرفه وأمره، وجعله من جملة سلاح ناريته. # فلم يكن بأسرع من أن ورد كتاب الملك خضر بطلبه بمقتضى شرح الموادعة ~~PageV01P137 المشروحة، فحين قريء عليه، لم يلتفت إليه. وقال لصاحب ديوان ~~مكاتبانه المذكور: اكتب واعتذر إليه كما تعرف، واقطع حجته بخبرتك. فقال له: ~~يا خوند ماذا أقول؟ ومتى لم يسير المذكور انتفض الشرط. فقال مولانا ~~السلطان: ما أعرف، وهذا ما أشيره، ومتى حصل عن المذكور خروج عن الشرط كنت ~~أنت السبب. فخرج وهو حاير في فكره، لا يعرف له مخرجا من أمره. # وحكى لي ولوالده الصورة وما قاله مولانا السلطان. ورأيت عنده تألما. ~~فعاودت قراءة كتاب الملك خضر الوارد بطلب المذكور. فإذا حجة مولانا السلطان ~~به قائمة، وأعذاره في عدم تسييره لازمة، لا بل حازمة، لا بل جازمة. والصورة ~~التي ظفرت بها من كتابه هي # إن الأمير علاء الدين أيدغدي الحراني طلب من المملوك دستورا ليخرج إلى ~~بعض أغراضه، فخرج وقصد أبواب مولانا السلطان، والمملوك يسأل إنفاذه بمقتضى ~~شرط كتابه. # هذه صورة كتابه. # وللوقت كتبت جوابه بما مثاله: # إنا أحضرنا الأمير علاء الذين الحراني، وسألناه عن الغرض الذي طلب منه ~~الدستور بسببه. فقال: الغرض الذي طلبت لأجله الدستور هو الحضور إلى أبواب ~~مولانا السلطان. # ونقلت نسخة كتابه بنصه وسير إليه. فحين وقف عليه أسقط في يديه، وسكت عنه، ~~ووجد له بدا منه. # وحقيقة الأمر أن طلبه الدستور كان في الظاهر بسبب مطلب كان أنهي للملك ~~خضر أنه خارج الكرك وطال العمل فيه، والغرامة عليه. وشم علاء الدين ~~PageV01P138 ممن حول الملك خضر تغير نفس. فجعل طلب الدستور لأن يخرج ~~ويستنهض عمال هذا المطلب وسيلة إلى الحضور والخلاص. وما أمكن الملك خضر أن ~~يذكر ذلك، بل وقف عند قوله لغرض # هذه صورة أمره. # ولم يزل مولانا ms084 السلطان وافيا لهم بشرطه، واقفا عند قبض الكف الكف عنه ~~إلى أن قضى عدوانهم ببطه، وامتدت أطماعهم، وتجاسرت أتباعهم، ونقضوا ~~عهودهم، واستحقوا موعودهم. # وبلغ مولانا السلطان سوء حالهم، ونفاذ مالهم، وسوء مآلهم، وأنهم أصبحوا ~~على الأرض إلا أنها السودا، ووقعوا من الفاقة على ما دونه معضل الأدوا. # جرد مولانا السلطان نائبه المقر الحسامي طرنطاي في شرذمة إلى الكرك بكتاب ~~منه، مضمونه: أنه قد بلغنا ما أنتم فيه من ضائقة وضرورة هي على كل فاقة ~~فائقة، وأنه لم يبق عندكم درهم ولا دينار، وأن حالكم قد آلت إلى ما لا يطاق ~~معه القرار. وقد سيرنا نائبنا، فتحضر أنت وأخوك ومن حولك معه، فقد جعلنا ~~لكم من ضيق ما أنتم فيه من صدرنا ونعمتنا أعظم سعه، ولكم الأمان، والوفاء ~~بالأيمان على ما يقتضيه صدق الإيمان. # فحين وصل الأمير حسام الدين إلى الكرك سلموها، ونزلوا إليه، فحين حضروا ~~ركب مولانا السلطان لتلقيهم، وعاملهم من التعظيم والتبجيل بما يجب لرعاية ~~حق أبيهم. وأنزلهم بقلعة الجبل، وعاملهم بما الله عليه طبعه الجميل جبل. ~~PageV01P139 # هذه صورة أمرهم. ### | ذكر أمور الفرنج بالمرقب وطرابلس ومهادنتها # أما المرقب فهو للاسبتار، و حكمها راجع إلى مقدمهم بعكا وهو افرير كليام ~~جوان دمونفرت. # وكان الملك الظاهر - رحمه الله تعالى - قد هادنهم لمدة عشر سنين، ومات، ~~وقد انقضت. وبقيت من سنة ست وسبعين وإلى سنة ثمانين غير مهادنة، وحصل منهم ~~الطمع في البلاد والتمادي على الفساد. # وكان نائب السلطنة عن مولانا السلطان بحصن الأكراد مملوكه الأمير ~~الإسفهسلار سيف الدين بلبان الطباخي، فاقتضى له عدوانهم أن ركب هو و من ~~PageV01P140 عنده من البحرية، وقصدها بجهل، فخرج إليه الفرنج، وأكمنوا لهم، ~~وأخذوا جماعة من البحرية الصالحية في الأسر، وسلم هو وبعض من كانوا معه. ~~فلما بلغ مولانا السلطان سوء هذا الاعتماد من نائبه، أمر، فكتبت بصيغة ما ~~تلفظ به. وهو: # يا منخلف، متى سمعت أن أحدا طلب في ميمنة وميسرة، وحمل على قلعة حجر، ~~وأنكر عليه غاية الإنكار. وبقيت في نفس مولانا السلطان وهو ms085 مشغول بمعالجة ~~ما هو أهم منها، منهمك - غير غاغل - على مداواة الأخطر عنها. ### || [مهادنة عكا] # ولما رحل مولانا السلطان عن الروحاء ونزل بعيون الأساور في نوبة كوندك، ~~على ما تقدم شرحه، وحضرت رسل الفرنج من عكا لاستدراك الفارط، وملاقاة فعلهم ~~الساقط، كان من جملتهم رسول الإخوة الاسبتار. المسمى سير كليام حضر يسأل ~~المهادنة على المرقب، فوافق مولانا السلطان، ورسم بمهادنتهم، فكتبتها ~~بالمنزلة المذكورة. والنية الشريفة خلافها. وقيدت بشروط من أجل بشرط منها ~~كان فيه تلافها. # وما وسع في ذلك الوقت و خاطر مولانا السلطان مشغول بحديث كوندك وغضبته، ~~وفكره منصب إلى اتساع الحيلة في قضيته. # وقضي مولانا السلطان في تلك السفرة، وانتهز فرصة تلك النصرة، وعاد إلى ~~مقر ملكه وهر مترقب أمر المرقب، وما يعتمد ممن به من أمور تقضي بفسخ الهدنة ~~وهو إلى ذلك منصب، فاتفق أن زلت بهم القدم، واعتمدوا ما أوجب منهم خفض ~~الذمم. ### || [فتح حصن المرقب] # ولما كان في سنة أربع وثمانين قصدها مولانا السلطان فأقصدها، ووافاها، ~~PageV01P141 فنجز لها من وعد الهلاك ما به توعدها. وأخذ منهم الثأر، ورماهم ~~بقوارص الدمار، وأراهم الذل بغزوه إياهم في غقر الدار. ### || [وصف المرقب] # وللصاحب فتح الدين بن عبد الظاهر فصل من كتاب يصف منعتها، وهو: # وهذه القلعة لها بالنجم مناط، وبالسحاب ارتباط، وعلى الدهر اشتراط، ~~ولبروجها ببروج السماء اختلاء واختلاط، تكاد تسهو إليها السهى، ولولا ~~المغالاة - واستغفر الله - لقيل: تكاد تستظل بسدرة المنتهى، كأنما الرياح ~~لجيدها محنقة، والغيوم لخصرها منطقة. تجاور البحر، وقد كمل الله بها القلاع ~~العشر، فأمست لنحر الأعداء عيدا، فما هو إلا عبد النحر، مصونة السرح، وكأنه ~~ما تمناه فرعون على هامان من صرح. وقد أحسن الله بها للأمة المحمدية ~~الإدراك، وجعل الموهبة بها لمساعدة الملائكة حسن الاشتراك. وما كانت ~~الممالك لتفتخر فإن لها حصن أكراد إلا فتزاد من هذه حصن أتراك، وقد أمن ~~بأخذها من أهل حصون الذعوة النازح PageV01P142والمقيم، وما كان ليكون كهف ~~إلا ولها من هذه رقيم. كم عاند أهل هذا الكهف بها شيطان ms086 رجيم مريد، وكم ~~شاهدوا منه كلبا باسطا ذراعيه بالوصيد. كم سمح إخوة بيت الاسبتار في ~~عمارتها من الذهب والفضة. بما يوزن بالقنطار بعد القنطار. وكم كانوا إخوة ~~فما تحاسبوا في الإنفاق عليها حساب التجار. # وما سمي المرقب إلا لأن الأهلة منه ترقب. وما ثقب إلا لأنه جوهرة قد ~~قذفها البحر إلى ذلك الساحل، والجوهرة ما يضمها السلك حتي تثقب. ### || [وصف المؤلف للمرقب] # وللمملوك جامع هذه السيرة فصل في معناها، وهو: # وهي قلعة لا يدرك الطرف منتهاها على حدة تحديقه، ولا الطير أعلاها على ~~توغل تحليقه، وقد أمن تستمنها مرامات من رمى، ومداناة من نم نمى. وإنا وهي ~~كالشجرة الطيبة وإن خبثت وأصلها ثابت وفرعها في السماء. تحجب الشمس في ~~توسطها، وتقبض أنفاس الرياح تبسطها، يرجع الطرف عنها وهو كليل، ويظل المرسل ~~إليها فلا نجد إلى أداء ما حمله من سبيل، قد أمن صم جندلها عويل المعاول، ~~ومتدبر أعلاها ما يسوء من الخصم المقاوم المقاول، لا فرق في منعتها بين من ~~أقام أو رحل، أو منع أو نحل. ثم PageV01P143والمشافهة لها بالسنة السهام ~~كأنما يخاطب زحل. أقرب من السماء إلى الأرض، وإلى الطول من العرض، وإلى ~~النجوم من التخوم، وإلى التخوم من النجوم. قد تناسبت طرفاها في المنعة فهي ~~لا تؤتى من المصاعد ولا من القواعد، ولا ينال الغرض منها من الأقارب ولا من ~~الأباعد. يتلقى هبوب الرياح حجارة المجانيق المرسلة إليها بصدره، ويحجب ~~عنها سهم المرسل فتكفيه عاقبة مكره، وتكاد أن تناضل عنها رجوم النجوم بحق ~~الجوار، وترعى لها الدخول تحت أذيال السحاب أفقها فعل من أجار. قد اكتنف ~~بها التحصين من كل الجهات، واكتنفها التمتين فلا سبيل إلى ما يؤلم من ~~الملمات يصادمها الشهم من السهم فيرجع من فوق بلا فوق، والحجر الصلد فيعود ~~وقد وجد من جلادتها ما يعوق، من مسامته العيوق. وقد حمت منعتها عرض عرضها ~~من أن يثلم، وطول طولها على متديرها بحفظ الإيواء أن تتحكم في بنائها ~~المحكم. إلا أنا أيدنا من السماء فأسقطنا بداء المحاصرة ms087 الدفين قوتها، ~~وألنا نيوب السهام السود نبوتها إلى أن جعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس. ~~وأسكتن حس هبوب الرياح المارة بمنافسها فلم نبق لها من حس. وأخذناها ~~وواخذناها، وتبذناها ونابذناها، وزاولناها فأزلناها، وقابلناها، وعلى سوء ~~الأدب في عدم تقبيل الأرض عند مشاهدتنا فقابلناها. وسيبنا وسبينا، وسزينا و ~~سرينا. # وكتابنا هذا وقد أزعن جامحها، وكان سانحها و بارحها. وخرس من الكفرة ~~نابحها، ودنى إلى القبضة نازحها. وأطاع عاصيها، وأخذت - ولله الحمد - من ~~صياصيها. واستقر قرارها، وتوطن نفارها. وصارت - والحمد لله - دار إسلام، و ~~محل تحية وسلام. ومقر ملك سيستولي - بمشيئة الله تعالي - حتى على مدينة ~~السلام والسلام. انقضى أمرها وهي الآن بين الإسلام، يعلن فيها بعد الناقوس ~~بالأذان. ### || ذكر مهادنة طرابلس الشام # كان هذا الحصن أيضا مهادن مع الملك الظاهر، رحمه الله تعالى، وانقضت ~~هذنته، وتصرمت مدته، واستحالت مودته. PageV01P144 # فلما توجه مولانا السلطان إلى دمشق المحروسة سنة ثمانين وستماية على ما ~~تقدم حضر رسل طرابلس من جهة صاحبها الإبرنس بيمند ابن بيمند. ### || [دخول الظاهر بيبرس طرابلس متنكرا] # واتفق في تلقيبه بالإبرنس حكاية غريبة، وهي: # أن الملك الظاهر كان قد نازلها، وترددت الرسل بينه وبين صاحبها في طلب ~~الصلح. فلما حصل الاتفاق توجه الأمير فارس الدين أقطاي الأتابك، وصحبته ~~الصدر محيي الدين بن عبد الظاهر إلى طرابلس لإبرام الهدنة على ما تقرر. ~~واقتضى تغرير الملك الظاهر أن يتنكر، ودخل خلف الأتابك في صورة سلاح دار ~~ليرى الحصن المذكور ويكشفه، ويعلم كيف يؤكل كتفه. # فلما حضروا مجلس الإيرنس، وتقرر الحال، وشرع الصدر محيي الدين يكتب، فكتب ~~ما مثاله: # استقرت الهدنة بين السلطان الملك الظاهر وبين حضرة المقدم، فلما رآها ~~الإيونس قال: من هو المقدم. # قال: أنت. # قال: أنا إبرنس. # قال: لا، الإبرنس هو الملك الظاهر، لأن الإبرنس عبارة عن صاحب ~~PageV01P145 القدس وأسكندرونة وأنطاكية، وهؤلاء لمولانا السلطان الملك ~~الظاهر. # فامتعط لهذا الأمر وصعب عليه، وظهر عليه الغضب إلى أن كاد. وعدها الملك ~~الظاهر مما للكتاب من إنكاد، ولكزء ولكزة خفيه، إلا أنها بالغرض وفيه. ms088 # فالتفت الأتابك وقال: يا محيي الدين صدقت، وهذا الاسم هو لمولانا ~~السلطان، وقد وهبه لهذا كما وهبه حصنه وبلاده ورعيته. وأنا أضمن هذا الأمر ~~له، فحينئد كتب كه وبين الإبرنس. # ولما انفصلوا، ووصل الملك الظاهر إلى مقر دهليزه حكاها لأمراء دولته، ~~وتضاحكوا منها. وقال له: يا ابن عبد الظاهر: هذا كان وقته، لعن الله ~~الابرنس. # كذا حكى لي رحمه الله تعالي. # ونعود إلى أمر طرابلس ومهادنتها مع مولانا السلطان. ### || [لمحاججة رسول بوهموند صاحب طرابلس] # ولما حضرت زل الإبرس بين يدي مولانا السلطان، وحضر الصاحب فتح الدين وأنا ~~معه، أخذ السلطان يسأل الرسل فيما جاءوا، بالتركي، # فنهض الوزير غراب، وكان محجاجا داهية متمحلا، فكان جوابه عن سؤال مولانا ~~السلطان بما صورته: إن محب دولته والموالي في عز سلطانه بيمند يسأل عز ~~سلطانه في استمرار المودة التي كانت بينه وبين الملك الظاهر والنسج على ~~منوال هدنته. # فكان جواب مولانا السلطان: أين المال الذي جئتم به، وأي شيء تغطونني من ~~البلاد؟ # فأحسن هذا غراب السفارة إلى أن لين عريكة مولانا السلطان بحسن مداراته، ~~ولطيف عباراته. ولم يزل يذل إلى أن أتى بما أطاب به النفس، وأقر به العين، ~~PageV01P146 وحقق بائتلاف القلوب أنه غراب جمع لا غراب بين. وأجلس، وأخرج ~~هدنة الملك الظاهر المشمولة بخطه، وأحضرنا نحن نسختها المدخرة عندنا، وشوهد ~~منها ما يسمح به الملك الظاهر و ما فيه شح، وقوبل بها حرفا حرفا، وأوجبت ~~موافقتها أن يقال: قوبل فصح. إلا أنا لما وصلنا إلى مدينة عرقا، وهي من أجل ~~بلادهم وأعظمها نفعا قال له الصاحب فتح الدين صاحب الديوان: يا وزير، إلا ~~أن هذه عرقا لا ينسحب عليها حكم الهدنة. ### || ذكر السبب فيها # كان الملك الظاهر قد هادنهم على شرط أن يقوموا بآلاف من الذهب وآلاف من ~~الأسرى المسلمين، وتوجه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار لقبض الذهب ~~وتسليم الأسرى، فأقام عندهم ستة أشهر وهم يخاتلونه ويراوغونه ويدافعونه ~~انتظار للغرضيات، وهي عادتهم - لعنهم الله تعالى. فتحيل الأمير سيف الدين ~~إلى أن حضر ms089 إلى الملك الظاهر هاربا، فأوقع الملك الظاهر الحوطة على هذه ~~عرقا من أول الهدنة وإلى أن مات. # فلما قيل للوزير غراب: إن هذه عرقا لا تدخل في الهدنة، فهم الصورة، وأخذ ~~في المحاججة عنها، وأن التأخير إنما كان ليحصل المال وتحضر الأسرى من ~~البلاد. # فقال له صاحب الديوان: كنتم سيرتموهم في السنة الثانية أو الثالثة أو ~~الرابعة! # فلما لم يجد له مخرجا من أمره ولا مرضعا لعكره وافق على أن يؤدوا المال ~~والأسرى، وقال: نريد مرسومكم بأن نحاسب على ما قبضه الملك الظاهر من هذه ~~عرقا في مدة عشر سنين، علما منه بأنه يفضل لهم لا عليهم. PageV01P147 ~~فانزعج عليه صاحب الديوان المذكور. واستفهم مولانا السلطان الصورة، فجذب ~~عليه النمشاه وكاد أن يأخذ رأسه. # فقلت - وكان أكبر أمراء المشور وهو الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ~~يسمعني -: نحن في مجلس تحاكم وتناصف وتشارع، لا مجلس حرج. ولما قاله جواب. # فقال لي: وما جوابه؟ # فقلت: إذا رسم مولانا السلطان جاوبته وحاججته. فرسم لي. # فقلت له: يا غراب، إنما إحتاط الملك الظاهر على هذه عرقا نكاية لكم، لا ~~أن يرفق بكم، ويأخذ المال مقسطا، ثم إن العوامل بهذه البلدة والتقاوي ~~والفلاحين منه لا منكم، وبنوابه لا بثوابكم، وأرضها مملوكة له بالسيف، لا ~~بل والكل، لأن الهدنة قد فسدت بإخلافكم بالشرط، وإنما هو أبقى عليكم بأخذ ~~البعض، وقابلت فاسده بالصالح، وإن كان مقابلة الفاسد بالفاسد من وجوه ~~النظر. واندفعت عليه اندفاع السيل فبهت الذي كفر. فوافق، وما نافق. # واستقرت الهدنة على هذا الشرط. # وأمر مولانا السلطان الأمير سيف الدين بلبان الرومي الدوادار أن يتوجه ~~التحليفه الإبرنس وقبض المال، وأن أتوجه معه. فتنصلت لأمرين: # أحدهما: متابعة أمر قريبي صاحب الديوان في أن لا أفارقه. # والآخر: الفكرة في العقبي والمال. PageV01P148 ### || [فتح طرابلس الشام] # وانفقت وفاة هذا بيمند بن بيمتد إلى لعنة الله تعالى، وفسد نظامها، وتعدت ~~أقوامها، وساء مستقرها ومقامها، وتعدى ضررها، وتطاير شررها، وكثر غررها، ~~وطمع غررها، فلم يسع مولانا السلطان إلا معاجلتها ومفاجاتها ، فخرج إليها ms090 ~~بعساكره، فما لبث أن ملكها، ولا ونى أن استهلكها. ### || [التهنئة بفتح طرابلس الشام من إنشاء ابن الأثير] # وفي فتحها ما كتب الصدر، الفاضل، البليغ، البارع، تاج الدين أحمد بن سعيد ~~المعروف بابن الأثير، الكاتب الحلبي، وهو الكاتب الذي لا يباري قلمه، ~~PageV01P149 ولا يضاهي كلمه، ولا يكمل كاتب لإلاقة دوائه، ولا لمعارضة ~~أدوائه. كتب مهنيا بفتحها للملك المظفر شمس الدين صاحب اليمن كتابا، وهو: # أعز الله أنصار المقام العالي، المولوي، السلطاني، المظفري، الشمسي، ولا ~~زالت أولياه في نصرة الإسلام مشمرة الذيل، ملحقة الخيل بالخيل، مقبلة على ~~الجهاد إقبال السيل، مايلة إلى جهة النصر كل الميل، عاقدة سنابك جيادها ~~سماء نجومها الأسنة و عجاجها الليل. تنشد الإسلام ضوالة الشوارد، وتخلي من ~~أعدائه المعاقل وتحل منهم المعاقد، إلى أن تبلغ أقاصي المراد، وتملك نواصي ~~العباد، وتفترع صياصي البلاد، ويطيع من في الأرض عواصي البلاد والوهاد. # التهاني من عادتها أن تستدعي سرور القلوب، وتستخرج من الحمد خبايا ~~الألسنة إذا استخرج سواها خبايا الجيوب، وتسري في النفوس مسري الأرواح في ~~الأجسام، وتقبل على الآمال إقبال الأنوار على الظلام. لا سيما بنهنية دلت ~~على إدالة الحق على الباطل وإعادة الحلي إلى العاطل، وتقاضت الديون ~~المنسية، وأذكرت الإسلام وقائعه الأمسية، وأخذ ثاره PageV01P150 ممن أخفر ~~له الذمم، واستعادت من خده صعر أو في أنفه شمم، وإذا كانت بهذا الوصف كانت ~~في المرج أمرع، وإلى القلوب أسرع، ولمرعى القبول أمرع. ترتاح إليها الأسماع ~~والأبصار، وتود كل جارحة لو كانت فيها من المهاجرين والأنصار. ومن حقها أن ~~ترفع بها الحجب، وترقل بها المحامل أرقال النجب. لتستدعي من لطف الله بدينه ~~الذي ارتضاه، وتحمده على الإعانة لسيفه الذي جرده وانتضاه. # وهذه الخدمة تقص من أنباء البشرى كلما يسري ويسر، ويمري أخلاف النصر ~~ويمر. وتظهر منه عناية الله بهذه الأمة، التي خصها منه بالمقة، وخص عدوها ~~بالمقت، وأن حقوقها لاتضاع وإن اغتصبت في وقت. # وهو الهنا بما تسني من فتح طرابلس الشام، وانتقالها من بعد الكفر إلى ~~الإسلام. وهو فتح طال عهد ms091 الأسلام بمثله، وفتح فت عضد الشرك وأهله. لم يجل ~~أمره في خلد ولا فكر، ولا ترقت إليه نعمة عوان من النوب ولا بكر. طريدة فكر ~~ساقتها العزائم، وضالة أمل ما نشدنها الأماني إلا عادت عنها وقد جرت ذيول ~~الهزايم، ومرت عليها PageV01P151 الأيام والليالي، وعجز عنها من كان في ~~العصور الخوالي. # ولم تزل الملوك تتحاماها، وإذا أخطرتها الظنون في بال تخشي أن تحل حماها. ~~وكنا لما أفضى الله تعالى إلينا بأمر الملك، وأنقذ بنا من الهلك، عاهدناه ~~على أن نغزو أعداءه برا وبحرا، ونوسع به من كفر به قتلا وأسرى. ونجعل شعائر ~~الجهاد منصوبة، ونسترجع حقوق الإسلام المغصوبة. ونورد المشركين موارد الحرب ~~المفضية بهم إلى الحرب، ونجليهم عن البلاد كما أمر رسول الله بإجلاء طوائف ~~المشركين عن جزيرة العرب. # فلما أمكنت الفرصة، وأخذنا في أمرهم بالعزيمة دون الرخصة، جئناهم بمثل ~~السيل إذا طمى، والسحاب إذا همى، والبحر وأمواجه، والبر وفجاجه، والليل ~~ونجومه، والليث وهجومه، فزلزلنا أقدامهم، وأزلنا إقدامهم، وأذقناهم بأسنا ~~مرة ومرة، وعرفناهم أن ما كل بيضاء شحمه، ولا كل سوداء فحمه، ولا كل حمراء ~~جمرة، وبرزنا إليهم بشقائهم لشفاقهم، وسددنا PageV01P152 عليهم آفاق ~~نفاقهم. وأنهضنا إليهم همة الهم، وجعلنا عليهم ظلة من غيم الغم، وقصدناهم ~~في وقت تجمعت فيه أشتات الشتى، ولبت فيه ندا الأندى. في طرق خفية المدارج، ~~أبية المعارج، ملتبسة المسالك، ممتنعة على السالك. صيفها شتي، وصباحها مسا، ~~شايبة المفارق بالثلوج، منهلة المدامع من عيون الجبال على خدود المروج، ~~مزررة الجيوب على أكمام الغيوم التي ما لملابسها من فروج. ولم تزل أقران ~~الزحف في عذران الزعف ترميهم بالقوارص، ونأتيهم من الباس بما ترعد منه ~~الفرائص. وقلب لهم ظهر المجن، فتطرق أقبيتهم من الحرب بكل فن. وتقرب الأسوا ~~من الأسوار. وتمزج لهم الأدواء في الأدوار. وتبعث إليهم السهام برسل ~~المنايا، وتحذرهم أن يغتروا بما بسمعونه من حنين المنايا، وتجمع لهم من ~~جفوة الجفاتي، ورزيات الزيارات، وترميهم من قساوة القسي بما يشغلهم عن ~~مداراة نوب النوب المدارات، وتسلك بهم من المضايقة ms092 كل مسلك، وتجلو عليهم ~~صورة المنازلة فتخرجهم من مطلب وتدخلهم في مهلك، إلى PageV01P153أن وهي ~~سلكها، ودني هلكها. ورخص منها ما غلا، وسفل منها ما على، ففتحناها ~~وأبحناها، وخليناها، وقد أخليناها مقفرة المغاني، خالية الألفاظ من ~~المعاني، خاوية على عروشها، موحشة من أنيسها أنسة بوحوشها. قد أمست كالذي ~~يتخبطه الشيطان من المس، وأضحت حصيدا كأن لم تغن بالأمس. # وأما من بقي من العدو بالساحل فقد تركناهم مسلوبين المزايا، مشغولين ~~بالرزايا. أذلهم عدم النصير، وأصارهم الخوف شر مصير، ونبدلوا بليل الهم ~~الطويل عن يوم اللهو القصير. # وهذه المدينة لها ذكر في البلاد، ومنعة كانت قد ضربت دون العزم بالأساد، ~~فتحت في صدر الإسلام في زمن معاوية بن أبي سفيان، رحمه الله، وتنقلت في ~~أيدي الملوك وعظمت في زمن بني عمار، وبنوا بها دار العلم المشهورة في ~~التواريخ. PageV01P154 # ولما كان في آخر الماية الخامسة وظهرت طوائف الفرنج بالشام، واستولوا على ~~البلاد. وامننعت هذه المدينة عليهم، ثم ملكوها في سنة ثلاث وخمسي ماية. ~~واستمرت في أيديهم إلى الآن. # وكان الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما منهم إلا مشغول بنفسه، مكب على ~~مجلس أنسه، يصطبح في لهوه و بغتبق، ويجري في مضمار لعبه ويستبق. قد بلغ ~~أمله من الرتبة، ومنع من ملكه كما يقال بالسكة والخطبة. يري السلامة غنيمة، ~~وإذا عن له وصف الحرب يوما لم يسأل منها إلا عن طرق الهزيمة، أموال نهب، ~~ونفوس تذهب. وقد تجاوزت حد إسرافها، وبلاد تأتيها الأعداء فتنقصها من ~~أطرافها. لا يبالون بما سلبوا، فهم كما قيل فيهم وفي أمثالهم: # إن قاتلوا قتلوا %~% أو طاردوا طردوا # أو حاربوا جربوا %~% أو غالبو غلبوا # إلى أن أوجد الله من أوجده لنصر دينه، وإذلال الشرك وشياطينه، فأحيا ~~فريضة الجهاد بعد موتها، ورد ضالة العز بعد فوتها. وزجرا بقدرة الله ولطفه ~~أن تفترع ممالكهم ذروة ذروة، ونأتي إلى عقد قوانينهم فنحلها عروة عروة. ~~وتخلي ديارهم من ناسهم، وتطهر الأرض من أدناسهم. ونجدد PageV01P155 للأمة ~~قوة سلطانها، ونعيد كلمة الإسلام إلى أوطانها. إلى أن نلقي ms093 الله تعالي بيض ~~الوجوه، ونجد في مجازاته ما نرجوه. # والله تعالى يثبت في صحائف المولى أجر هذا السرور بهذه المتجددات التي ~~بها بعظم أجر الحامد والشاكر. ونجعل له أوفى نصيب من ثواب هذه الغزوات التي ~~أنجد فيها بهمته العالية والإنجاد بالهمم مثل الإنجاد بالعساكر. # إنتهى كلامه. ### || [كتاب تهنئة للمؤلف بفتح طرابلس الشام] # وللمملوك جامع هذه السيرة في المعني: # أعز الله انصار المقام العالي ولا زال يسره ما يجدده الله تعالى للإسلام ~~من فتوح، وينسره من نصرة ما زال طرف الأمل لها الطرف الطموح، ويرده عليه من ~~ضالة طال إنشادها ولا بارقة كما شاء الله لردها تلوح. # الملوك تخدم خدمة يتارج شذاها العطر الأنفاس، ويهدي إليه من ثنائه ما لا ~~ينضبط بقياس، ومن دعائه ما لم يزل كفه به مبسوطا، ومن ابتهاله ما غدا بسبب ~~الإخلاص منوطا. # وينهي أننا لما نتحققه من ولائه الأكيد، وخلوص وداده الذي جمع بين القلوب ~~من قريب بمواصلة إتحافاته ومن بعيد. لا تتجدد لنا نصرة إلا ونتحفه ~~بأنبائها، ونشافهه بما يتهيأ من أوائلها وأواخرها وأثنائها. ونحضره بكتبنا ~~المبسوطة وإن كان غائبا، ونشهده بنص قلمها الذي ما يزال خاطبا للود وبه ~~مخاطبا. سنن PageV01P156 جرت عليه عادة ذوي الموالاة، ومألف ألفه أهل ~~المغالاة في المصافاة. وقد علم الله أنا نميزه على غيره، وإن سار في ~~الترامي إلى موالاتنا كسيره، وتوثر جانبه، ونيسر مطالبه، كل ذلك أوجبه حسن ~~تاتيه، واقتضاه جميل تأنيه. وحكم به ما بين القلوب من الأسلاف، والخواطر ~~الواردة من المصافاة كل صاف. وعلى أثر ذلك فإنه قد علم أنا منذ أفضت نوبة ~~الملك إلينا، ونص بها أمير المؤمنين علينا، عاهدنا الله أن لا نفتر عن ~~الجهاد في سبيله طرفة عين، وأن نزال ندأب أو نستخلص من مغتصب الممالك كل ~~دين. فما مر وقت إلا عن نصر مجدد، وظفر عن بيض سيوفنا وحمرة نجيعها يتولد. ~~وعاص يطيع باول بارقة، ومشاقق مال إلى السلم بما دهمه من الأنباء الصادقة. ~~وعدو غزوناه في عقر داره، واستسليناه بزمام الظفر من ms094 بين أنصاره. وحصن ~~أخذناه من مأمنه، ومسكن منيف أخليناه من سكنه. # وكانت طرابلس الشام ضالة في يد الفرنج منذ زمان، ومغتصبة لم ينهض ~~باسترجاعها قوة ذي سلطان، ومرت عليها دهور فدهور. واستمرت في يد الكفر إلى ~~أن أخرجها الله تعالى بعزائمنا من الظلمات إلى النور. على أن هذا الحصن كان ~~منيعا وهو في يد بني عمار إلى الغاية والنهاية، وحاصره الفرنج مدة سنتين، ~~واقتضى طول المحاصرة أن بنى الفرنج أمامه حصنا اروا به من شدة المنازلة ~~الآية فالآية. واقتضي طول سني هذه المنازعة، أن خرج ابن عمار صاحبها منها ~~مستنصرا بملوك الإسلام، من طول سوء المقام بذلك المقام. PageV01P157 ~~واستناب بها أخاه وكان ممرورا فصعد إلى أعاليها، ونادى العدو وقد أضجره ~~لتسليمها، فبادر وتسلمها، وللوقت تسنمها. # واستمرت بيد الكفر إلى أن أتاحنا الله لارتجاعها، وأتى بنا فأثابنا ~~باستنقاذها من يد الكفر وانتزاعها، فرحلنا إليها من كرسي مملكتنا بعساكرنا ~~التي محت بياض النهار بكثرة سوادها، وسواد الليل بنهار بيض سيوفها الهاجرة ~~دون بلوغ العرض موطن أغمادها. وكاثرت الرمل في العدد. والشتاء قد زرر جيوب ~~الغيوم دون الشمس والقمر، وحجبها عن العيان بتكائفها فلا عين لها ولا أثر. ~~والثلوج قد أظلمت لبياضها المسالك، وقطعت الطرق دون المسالك. والأمطار ~~منسكبة كأفواه القرب، والجمال بثقل أحمالها بمرسل القطار قد حزها القتب. ~~والسيول متوافية من جبال تلك الأودية، متراسلة من تلك الأندية. منصبة على ~~الخيام التي لم تكن في دفعها مجدية. والرعود ترعد منها الفرائص، والبروف ~~تأتي في خطف الأبصار بالقوارص فالقوارص. لا الشمس تظهر فتصطلى جمرتها، ولا ~~النار نشب فترى مع ما تكنسه من بياض الثلوج حمرتها، وكل يد مضمومة، إلى ~~جناحها مكفوفة. لا تستطيع أن تروض عنان الفرس فتردها عن جماحها، وجنودنا ~~غير ضجرة من طول هذه الشقة، متلذذة بتضاعف الأجر كيف والأجر على قدر ~~المشقة. لا يستوقفهم عن ذلك أمر مهول، ولا يثني عنانهم دون بلوغ السول، ولا ~~يتثبتون في اقتحام مخاضه ومن اعتاد خوض المنايا فأهون ما تمر به الوحول. ~~ونحن في ms095 ساقتهم على عادتنا في اصطلاء حر المغزوات وبردها، لا نتحصص عنهم في ~~تجشم صابها ولا بلذيذ شهدها. نتلقا الواردات السمائية والأرضية PageV01P158 ~~بالرضى والتسليم، ويتساوى في عزمنا الصبح البهي والليل البهيم. لا يهولنا ~~البتار، فكيف القطار، ولا العساكر، فكيف الليل العاكر، ولا العدو الطروق، ~~فكيف لمعان البروق. ولا ترادف النصول، فكيف تهادي السيول. ولا تصويب ~~الرماح. فكيف هبوب الرياح. وهل ذاك عندنا إلا أهون ما يكون، وهل السكون إلا ~~ضد في موطن الحركة، ولا شبهة في أن الحركة ضد السكون. ولم تزل نقد أديم ~~الأرض سيرا حتى حللنا بساحتها فساء صباح المنذرينه. ونزلنا فقطعنا منهم ~~الوتين. وحين حفقت أعلام نصرنا خفقت قلوبهم رعبا، وعلموا أنا لا نثبت دون ~~أن نأخذهم وثبا. وسقط في أيديهم، وخرس من الرعب لسان معيدهم ومبديهم. ~~وأغلقوا دون أرواحهم من الأسوار أبوابا، وهالهم ما شاهدوه وقال: الكافر يا ~~ليتني كنت ترابا. وخارت قواهم، وعلموا أن نار اقتداح زند سيوف النصر ~~مأواهم. وللوقت أحطنا بهم البلا، وأسأنا لهم الابتلا. و صببنا عليهم عذاب ~~حجارة المجانيق صبا، وراسلناهم بالسهام مراسلة من غدى بصب دمائهم صبا. ~~وأريناهم بشدة عزائمنا كيف بكون اقتلاع القلاع، وبتدقيق حيلتنا كيف التوصل ~~إلى نزع الأرواح من الأجساد من غير نزاع. وتنوعنا في الفتك بهم، وبلغنا في ~~تهيئة أسباب هلكهم دون مطلبهم. فمن نقوب مترادفة، وجفاتي تتبع الرادفة منها ~~الرادفة، وصيحات منها قلوبهم يومئذ وأجفة، وأمطرنا عليهم من المجانيق مطر ~~السوء، وأثرنا عليهم منها أقبح نوال من النوء. وأصرنا عاليها سافلها، ~~وبازغها آفلها، وطولها عرضها، وسماها أرضها، PageV01P159 وأخذناها أخذ عزيز ~~مقتدر، وملكناها ملك حازم مبتدر. وتسلمناها عن يد وهم صاغرون، واستعدناها ~~بعد الكفر إلى الإيمان وهم راغمون. # وكان يومها و هو يوم الثلاثاء ........... من سنة 4 ربيع 2 ... يوما ~~مشهودا، ووقتا من أجل أوقات النصر معدودا، ولو شاهد الملك حسن صنعنا في ~~استئصالها، وقوة بأسنا في نضالها، وكيف قبلت أبراجها بين يدينا الثرى، وكيف ~~مسحنا من بها بالسيف حتى غدوا ولا أذن تسمع ولا عين ترى، ms096 وكيف غلت صفر ~~بيارقينا فوق أسوارها خلوقا بخلوها من بني الأصفر، وكيف أعلن بكلمة الأذان ~~عوض الناقوس بقول والله أكبر. وسره أن في أوليائه من يجاهد عن دين الله ~~بالمال والنفيس، و من يعيد إلى دين الإسلام في اليوم ما كان في الكفر ~~بالأمس، ولا مدهم بذخائره التي لا تغني عنه إن لم يمد بها أنصار الله شيا، ~~ولا يستظل بسيوف الله المجردة لكبت أعدائه فيا. على أنا رمينا عنه إذ حضرنا ~~وغاب سهاما فسهاما. وذكرناه في مواقفنا التي بلغت مراها من أعداء الله ~~فمراما. # وكتابنا هذا، وقد نظمت هذه القلعة في سلك فتوحنا المتعدد، وضمت إلى ~~مسترجعاتنا من يد الكفر التي بها نتنسك وتتعبد. وقد ملئت الدنيا ببشائر ~~محلق أعلامنا، واستبشرت الأمة بقرة أعترامنا، وسنعقب هذه الخدمة بأختها في ~~النصر والظفر، ونتلوها بسور النصر البادية له في أحسن الصور. # والله تعالى يعيننا على مبهجات نتقرب بها إلى الله تعالى وإليه، ونقص بها ~~أحسن القصص عليه. بمنه وكرمه. PageV01P159 ### || ذكر أمر مهادنة عكا # كانت هدنة عكا المذكورة أيضا قد انقضت، وعهود موادعتها قد انتقضت. وسنيها ~~قد تولت، وأيدي مجاوريها لكف عدوان أهلها قد تولت. فحصروا من غير حصار، ~~وسلم الله من غير مهاجرين إليها بأنصار. # ولما استحكم أمر مولانا السلطان واستفحل، وروي بماء سيفه ما كان من ~~المهابة السلطانية قد أمحل. وتحقق الفرنج بعكا أنهم لا قرار لهم إلا ~~بالمهادنة السلطانية، وأنه لا هدوء إلا بالموادعة التي تقارن معها العمل ~~النية، فبادر المقدمون بها وهم افرير كليام ديباجوك مقدم الديوية. وافرير ~~كليام جوان دمونفورت مقدم بيت الإسبتار، وافرير كليام الرن مقدم بيت اسبتار ~~الأمن، والكوند روجير نائب المملكة بها، إلى إنفاذ رسلهم إلى أبواب مولانا ~~السلطان بالتقادم النفيسة، على هممهم الخسيسة، وبذلوا من التضرع والسؤال، ~~ونفيس الأموال، ما لا عنه مزيد، وتضرعوا لسلطانه تضرع العبيد. # ورأي مولانا السلطان أن مهادننهم أولى، وأخذ رأي أمراء مشوره، فرأوا أن ~~PageV01P161 المصلحة في ذلك، وقال: لأن هذه عكا فندق. تتردد إليه تجارنا، ~~وتحضر منه ما ms097 يتسع معه إيثارنا. هذا مع ما أورده من وجوه النفع في الصلح ~~معهم مصلحة أم لا. فرأوا المصلحة فيما رآه. وأخمدوا وارد تضرعهم بتبليغ ~~أملهم عاقبة يسراه. # وحررت الهدنة معهم على نسق الهدنة الظاهرية بعد مجاذبة منا لهم، وموافقة ~~أيسوا مع السلامة بما منانا لهم، واستقر أمرها وعادت إليهم رسلهم ورسلنا ~~لتحليف مقدميهم المذكورين على ما استقر، فبادروا إلى الطاعة وأظهر كل منهم ~~الوفا وأظن أنه أسر. # هذه صورة الحال فيها. ### | ذكر سلطنة مولانا السلطان ولده الملك الصالح علاء الدين # ولما فرغ مولانا السلطان مما ذكرناه من المهم المقدم، وأمن غائلة ما كان ~~من الهم قد أظلم، وصفي له الوقت، وحل بمن تطاول إلى ما لا يستحقه المقت، ~~ولم يبق قدامه عدو منافس، ولا خصم يكون به وجه أمله المتبسم عابس، رأى أن ~~يشد عضده بعضده، وأن يورده في كفالة المسلمين على مورده، وأن يتكثر بإعانته ~~وإذا كان المرء كبير بأخيه فأجدر أن يكون كبيرا بولده. # وهو المقر العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الصالحي، العلائي، خلد ~~الله دولته ودولة أبيه خلود الأيام، وعضدهما على المعاضدة في مصلحة ~~الإسلام. PageV01P162 # ولما قوي ذلك في عزم مولانا السلطان، ورأى أنه من تمام الإحسان، عهد إليه ~~بما عهد إليه أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد من السلطنة ~~المنيفة، والمملكة التي بها أماير السعادة مطيفة. وفوض له كلما هو مفوض ~~إليه من حل وعقد، ومؤجل ونقد، وأوامر و نواهي وحكم وإحكام، ونقض وإبرام، ~~وتولية وعزل، وجد ولا هزل، فاقول وهزل. وجعل له أن يكتب الكتائب، وينجح ~~المطالب، ويعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويشرف المراسيم بقلمه، ويشنف الأسماع ~~بممتع كلمه. كل ذلك حسبما فوضه إليه أمير المؤمنين وجعل له تفويضه، وفرضه ~~له علما منه أنه يعم المولى في أداء كل سنة وفريضة، وقرن اسمه باسمه واسم ~~أمير المؤمنين على رؤوس المنابر، ونوه من قدره إذ جعله له أعظم موازر. # وجلس مولانا السلطان بالإيوان الكبير المجاور لجامع القلعة للتحليف ~~لولده، وجلست بين يديه للتحليف، فلم يبق من ms098 لا حلف. وظن مولانا السلطان أن ~~ولده هذا يكون له خلفا فكان هو لولده الخلف. ### || ذكر اخترام الأيام بمولانا السلطان الملك الصالح هذا # ولما استقر أمر سلطنته، ودانت أيام مملكته، وكان لوالده مولانا السلطان ~~PageV01P163 نعم العون، وأصبح وأمسى في حفدة حفظته في غاية الصون، ورأى فيه ~~من الكفاية ما أقر عينه، وقضى من الأمل دينه. فلم يكن بأسرع من أن جاءته ~~منيته، وخابت فيه أمنيته، فمرض حتى لا يرجونه، وأخذ من مأمنه وغوائل الأيام ~~لم تكن بالمأمونه. وحصل لمولانا السلطان عليه من القلق، ما أعدم النوم ~~وأوجد الأرق، وكانت مرضته دوزنطارية كبدية، واقتضى الطب أن يعالج بشراب ~~الياقوت الأحمر. فمن حذر مولانا السلطان عليه نزع من يده خاتما، وأمرهم ~~بأخذ فصه، وهو ياقوت بهرمان مسح المعدن. قيل إن قيمته عشرة آلاف دينار ~~عينا، فصخن للوقت، ولا والله ما أغني. # وإذا السمية أنشبت أظفارها %~% ألفيت كل تميمة لا تنفع # ولم يزل مولانا السلطان يفديه، بالمعوذات يرقيه، ويبدي عليه من الهلع ما ~~لا بستنكف أن يعيده ويبديه. فلما فرط فيه ما فرط، وكان له - رحمه الله - ~~نعم الفرط. سكن إلى الصبر والجلد، واحتسب في جنب الله تعالى ما رزئه في هذا ~~الولد. # وما أحقه بما قيل: # إنما أجزع مما أبقي %~% فإذا حل فمالي والجزع # وخرج مولانا السلطان من عنده مودعا، وغذى لذخيرته عند الله مودعا. ولم ~~يلم حتى ولا بذكره جهرا، ولا بفكره إلا بالدعاء له والترحم سرا. # والحزن للخود ليس الحزن للرجل # ولم يصل إلى قبره، ولا شبهة في أن الله بالصبر عنه جعل له مخرجا من أمره. ~~ودفن بخط مشهد السيدة نفيسة، واحتفلت نواب مولانا السلطان بإقامة عزائه، ~~وحصته من البر بوافر أجزائه. PageV01P164 # وقلت فيه مرثيا: # ما أقول فلن يرد مقالي %~% مما دهي واخسيبة الآمال # وأجود بالدمع المصون فيغتذي %~% بتواتر الهملان كسالسلسال # وأخمش الخدين لطما مؤلما %~% بيمين ندب مسمع وشمال # وأنوح بالإعلان وهو محرم %~% إلا على فقد العزيز الغالي # وأشق مما شق أثوابي وإن %~% ألفي بغير حلى التفجع حالي # أوما ms099 علاء الدين أضحي مودعا %~% لخدا رهين جنادل ورمال # مستوطنا دار الفناء برغمنا %~% متفردا عن صحبه والآل # يا قبره أصبحت سامي رتبة %~% أو ما أقام بك المقام العالي # وحويت منه فلذة الكبد الذي %~% ربي بدست تعزز ودلال # أعلي قد غادرتنا في مطلق %~% لماسكنت بموطن الأوحال # ما كان يخطر فقدك الموهي القوي %~% في خاطر منا ولا في بال # كلا، ولا أن يغتدي بك عامرا %~% بطن الضريح ودست ملكك خال # ومنابر أضحى بها اسمك باسم %~% والدك المفدى بالنفسائس تالي # وصواهل كانت إذا وافيتها %~% ازخت أعنتها من الإجلال # ودوابل كانت تقيك وحسبها %~% بعد الظلال تطاعن الضلال # وسيوف نصركم تجرد نصلها %~% لدفاعه عنكم بيوم نضال # وقسي نبل كم رمت أعداكم %~% أبدا الزمان بصائبات نبال # أعزر علينا أن تكون مرثيا %~% بعد السديح بصادق الأقوال # أو أن نفوه بذكر موتك إنه %~% ليسوء في التفصيل والإجمال # صبغت حدادا فيك أقلام غدت %~% تبكي بدمع مدادها الهطال # وبغم وسودت الدوي كآبة %~% أسفا لقوت العز والإقبال # لو تفتدى لفدتك حتى بالذي %~% ما أن يجود به ذوو الإجلال # ولكانت الأموال فيك حفيرة %~% هيهات ما الأرواح كالأموال # لو كان يدفع عنك جيش أسرعت %~% لعلاء قدرك شامخات عوال PageV01P165 # أبدى عليك تجلدا ملك الوري %~% ولتلك عادة جلة الأبطال # وغدا وقد وافاه نعيك ثابتا %~% ولكم بدا ثبتا على الأهوال # ملك الزمان ومن له شرف بما %~% أوتيه من نصر على الإقبال # المالك المنصور والملك الذي %~% وافا فحلا عاطل الأحوال # وعلا بسؤدده على من كان قد %~% حاز الممالك في الزمان الخالي # قد مهد الملك العقيم بهيبة %~% راعت وما راعت ذوي الإهمال # سارت مناقبه مسير الشمس أو %~% عادت بشهرتها من الأمثال # يعطي على الفور المؤمل رفده %~% حاشاه حاشاه من الإمهال # ويجود بالبدر النفيسة منعما %~% اسم يرض في الإعطاء بالإقلال # من دون ما أبداه عند مصابه %~% في ثبت قعدده أبو الأشبال # غفرا لقد يعلو ويغلو قيمة %~% عن أن يقاس ما سه بمثال # ولسوف يثمر أصله والأصل إن %~% يبقى أفاد الثمر منه توالي # لازال عالي الملك مرفوع اللوى %~% ما اشتاق نبت ms100 للحيا الهطال ### | ذكر ما أثره مولانا السلطان من المدرسة والبيمارستان بالقاهرة المحروسة # ولما حاز الله لمولانا السلطان ممالك البلاد، واستقر خاطره من جهة مناوأة ~~كل حاضر وباد. وأيده بنصره، وقاد إليه الأعداء بأزمة قهره. أبرز إلى الوجود ~~ما كان له من خير قد نوى، وأقبل بوجهه على ما كان في خاطره وما نكب عنه ولا ~~لوي. # وهو أنه كان قد نذر على نفسه بناء بيمارستان بالقاهرة المحروسة، وأن ~~PageV01P166 يبرزه في صورة من الحسن تضرب بها الأمثال، وتقل لها الأمثال. ~~فتقدم إلى مملوكه ومدبر دولته الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وكان ذا عزم ~~قوي، وحزم هو بكل مأمول ملي، وهيبة رائعة، ومخافة بين أرباب الدواوين ذائعة ~~شائعة. فعمد إلى دار تجري في أملاك بيت المال المعمور، تعرف بمسكن دار ~~القطبية، وقد خلت بموت من كان بها من ذرية الملوك. وهي دار كبيرة وسيعة، من ~~حقوق القصر البحري الذي اختطه القائد جوهر للمعز أبي تميم معد. PageV01P167 # فأنشاه بيمارستان حسن البناء، طيب الثواء، بهج المنظر، جميل المخبر، ذا ~~أواوين متسعة، وأفانين زخرفات متنوعة، ومياه متدفقة، وعماير متأنقة. # ورتب له من الأوقاف الجل بمصر والشام، ما لا يسامي ولا يسام. تقدير ألف ~~ألف درهم في السنة. # ولما فرغ نزل مولانا السلطان بنفسه إليه، وجلس بصدر إيوانه القبلي في ~~أمراء دولته، وحماة مملكته، وأحضر إليه من شرابه قذح فأمسكه بيده، وقال - ~~والقضاء الأربع حاضرون عند شربه - اشهدوا علي أنني وقفت هذا البيمارستان ~~على من هو مثلي إلى من دوني. وأفاض ملابس الخلع على مباشريه، ونهض إلى ~~المدرسة التي تليه. ### || ذكر أمر هذه المدرسة وما أتفق في بنائها # هذه المدرسة من زيادات الأمير علم الدين الشجاعي لم يكن مولانا السلطان ~~أمر بها، ولا أراد غير بيمارستان، واكتساب مثوبته والتعلق بسببها. # ولما خرج مولانا السلطان من البيمارستان كاد أن لا يدخلها إعراضا عنها و ~~فراغا منها، ثم دخلها بعد أن وأن، وما كل سر يحسن به العلن. وجلس بمحرابها، ~~وجلس مدرسها قاضي القضاة شهاب الدين ابن الخوي، ms101 وشرعوا في البحث. ~~PageV01P168 # واتفقت قضية غريبة، وهي أن الآية التي اتفق بحثهم في تفسيرها قوله تعالى: ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. فقال قاضي القضاة: اختلف ~~العلماء في الوقف في هذه الآية. فقال قوم: الوقف على الله. وقال قوم: لا ~~يجوز الوقف على الله. فقام مولانا السلطان وقال: ليش ما يجوز الوقف على ~~الله؟ كيف تخرجونا بلا أجر؟ # واعتقد بتركيته وغتميته أن البحث في معنى ما وقفه بهذه البقعة. فخرج إلى ~~القبة التي أعدها لمواراته. وشحنها بمحكم آياته. # ولسان الحال ينشد: # فهنيتها دارا %~% وبطن ضريحها خال # وفي إيوانها لك مجلس، وهي قبة قد علا رواقها، وتلألأ إشراقها. وحسن ~~رخامها، وكثر من القراء والذاكرين الله زحامها. وتوفر رزقها، وتعين حقها. ~~وتألق بالمثوبات أفقها. # والذي نفق في هذه العمارة الوف من الدنانير ما لا تحصره الأقلام، ولا ~~تكاد تتخطى إليه الأوهام. والي أنفق في عمارتها من السعادة السلطانية أن ~~الدار التي عمرت مدرسة هي من جملة أدر القصر المذكور، وكان يسكنها أمير ~~يقال له فراسنقر المعزي، وحمله الطمع على أن تزوج جارية من جوار شجر الدر ~~سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب، ولد السلطان الملك الكامل، تغمدهما الله ~~برحمته، وشكر عن سالفنا وأنفنا صدقة كل منهما وعوضهما خير جنته. # وكانت هذه الجارية خزان دارة شجر الدر. ولما قتلت ورميت من سور ~~PageV01P169 القلعة انفصلت هذه الجارية بجملة من مالها، وجابت جيدا من نوفر ~~حالها، فحاولها المعزي هذا فيما طمع فيه بزواجها، فأنكرته وأبدت العجب ~~العجيب من احتجاجها. فلما خافت أن يهاجمها فيأخذ مالها، ولا يحسن مآلها، ~~دفنت ما معها وماتت، ومات وانقضت دون ذلك سنوات فسنوات. # فلما شرع في هدم هذه الدار لبنائها مدرسة ظفر أحد الفعلة بحق أشنان مرصص، ~~فخبأه في عبه، وأخفاه عن صحبه. # ثم أخذوا في الحفر، فطلع لهم قمقم كبير مملوء من الذهب الإبريز، فلم يمكن ~~إخفاؤه لكبره. وسار الأمر إلى الأمير علم الدين الشجاعي، فأحضره وفك ختمه ~~وختم الحق الأشنان. فأما القمقم فهو مملوء ذهبا. وأما ms102 الحق الأشنان فإنه ~~مملوء جواهر. وللوقت أحضر الأمير علم الدين الجوهرية وقوم. فأخبرني من لفظه ~~أن قيمة ما وجد مقدار ما غرم على هذه العمارة من الميمارستان والقبة ~~المقدسة والمدرسة مرتين. وهذا إنما هو بسعادة مولانا السلطان، وحسن العوض ~~الذي هو لعوض الأخرة عنوان و اي عنوان. ### | ذكر مظلمة عظيمة أزالها مولانا السلطان # كان الناس في شدة شديدة من أمر ما لم يفرضه الله تعالى من زكاة يقال لها ~~زكاة الدولبة، أفقرت التجار، و عفت وما عفت الآثار، وخربت الديار. وهي زكاة ~~مقررة تؤخذ في كل سنة من غير وجوب، ولا متجر به التاجر يؤب. وبطل جماعة ~~التجارة من جورها، وهي منهم تجبى، والحريم بهروب أزواجهم تسبي. # فلما ملك مولانا السلطان أبطل رسمها، ومحى إسمها، وأزال وسمها، ~~PageV01P170 وكتب توقيعا بمسامحتها قرىء على المنابر، ومزق ما احتوته من ~~دفاتر، وادخر مولانا السلطان أجرها لليوم الآخر. ### | ذكر ما سامح به أيضا # كانت الأموال في تلك الفترة السعيدية قد انساقت بواقي، وبلاد تحصيلها ~~بعسف فلاحيها قد عادت شراقي، فسامح بجملتها وعمر البلاد، وأمن العباد برفع ~~ثقلتها، وسيرت التواقيع بما به من ذلك قد سمح، وترنم بها لسان الخطباء على ~~أعواد المنابر وصدح. ### | ذكر عفة مولانا السلطان عن سفك الدماء # كان مولانا السلطان لا يسفك دما، ولا ينقل فيه إلى التجري على الله قدما. ~~ولا يأمر فيه إلا بما أمرت به الشريعة المحمدية. وإذا عرض من ذلك شيء أحضر ~~العلماء باختلاف المذاهب واستفتاهم في تلك القضية. ### | ذكر شيء من قعدد مولانا السلطان وثبته و رياسته # ما زالت الملوك في أسفارهم إذا خرج الطلب من المنزلة ساقوا تحت الصناجق ~~مقدارا يسيرا، وخرجوا من تحتها في شرذمة يسيرة من خواصهم للصيد والقنص، ~~وأفلتوا من طلبهم كما يفلت الطائر من القفص، إلا مولانا السلطان فإنه لم ~~يرض بهذه الخفة، ولا طار في هذه الجهة. بل كان لا يفارق أعلامه من المنزلة ~~إلى المنزلة، ولا يرى أن تكون خلوا من أي جماله المنزلة. # وأقام في الملك ما أقام ms103 ولم يقصد الحمامات، ولا وصل إلى السكندرية، ولا ~~توغل بالدرك في تلك البرية. ورده عن ذلك ما له من التجربة وحنكتها، والذرية ~~وملكتها، ولا سافر إلى الشام عبثا، ولا خرج إلا لمهم عدو، ولا شكي مصاحب ~~لسفره معه وعفا، خلد الله سلطانه ما أهناه، وأكمل لفظه بمعناه، وأحسن سمته، ~~وأهون عليه وإن عز ما رمته منه وسمته. وأثبت جأشه، وأحسن رباشه. وليس الله ~~بمستنكر إيداعه في خلقه وخلقه. PageV01P171 ### | ذكر ما أثره مولانا السلطان مما عم نفعه # كانت بأعمال البحيرة بلاد لا يبلغها النيل، ولا يصل إليها على عموم ماله ~~من مسيل، وتمادى تشريقها وإلى أيامه. واستمر عدم ريها انتظارا لسائع لا بل ~~سائغ إنعامه. وفاتت يحد بها خزائن أموال، وشون تشرح الصدور إذا ضاقت صدورها ~~بالغلال. # فلما اطلع مولانا السلطان على تفويت مصلحتها وإهمال الملوك لتدبير ريها ~~لعدم رؤيتها، وإعمال الفكرة وما يتيحه صواب رؤيتها، وما هو إلا أن حبا الله ~~لمولانا السلطان بحسنتها، وادخرها لأن يستسن سنتها. وللوقت تقدم أمر مولانا ~~السلطان بالكتابة إلى والي الأعمال بأن يجمع الخولة وأرباب الخبرة من ~~المهندسين، وأن يركب بنفسه ويكشف من أين يسترق الماء لري هذه الأراضي من ~~أسافل العمل وأعاليه. وأن يدقق النظر فيه ليأخذ الماء من مجاريه، وللوقت ~~بادر هذا المتولي إلى امتثال المراسم، وخرج بمن عين ليتتبع ما هناك من ~~المقاسم. ووردت مطالعته متضمنة وقوع الاختيار على أن يحتفر فم من جهة يقال ~~لها الطيرية، وقرينه إشهاد على أرباب الخبرة بذلك. # فبادر مولانا السلطان بنفسه وجيشه، وأمراء دولته وخاصكية خدمته. وتوجه ~~إلى الأعمال وقد شحن البر والبحر بعساكره لانتهاز هذه الفرصة، وإساغة هذه ~~الغصة. # وكنت في خدمته كاتب درج، فرأيته منتصبا بنفسه من الشمس إلى الظل، وأمراء ~~دولته، وخاصكية مملكته، يعملون بالقفة في الطين والتراب، مشوهين تلك الصور ~~النهرية بالطين، وإن كانوا مخلوقين منه، فتبارك الله المبدي من حسن ~~مخلوقاته العجب العجاب. وحين رأيت تلك الأجسام PageV01P172 الخالصة قد سيبت ~~بتتريبها، ولاح نقاء بياضها من خلال مشيبها لا مشيبها. # وقلت: ms104 # ما ترب المحبوب جسما بدا %~% من فضة لما عرى من ثياب # إلا لتمل العين من حسنه %~% وليس يملى العين إلا التراب # ولم يزل مولانا السلطان إلى أن روى وما تروي وواسا إلى أن سؤى، وأجرى ~~الماء حتى في العود، وجاء إلى سعد أخبية الماء فأظفر منه بسعد بلغ ما له من ~~سعد السعود. وعاد إلى كرسي مملكته، وقد أثر ما يبقي له ذكره على توالي ~~الأيام، ويتعين شكر ماله من الإنعام حتى على الأنعام. ### | ذكر ما اتفق في أمر عكا بعد المهادنة # واستمرت الفونج الملعونون تحت ظل هذه الموادعة، إلى أن قضت خيانتهم ~~بتقليصه، واستقروا في هناء العيش إلى أن ختم سوء اعتمادهم بتنغيصه، ولم ~~يشعر مولانا السلطان إلا وقد بلغه أن الفرنج بعكا استطالوا على جماعة من ~~المسلمين بها من التجار وغيرهم فقتلوهم، وبالنسبة إلى كثرتهم اسنفلوهم. ~~وللوقت رسم مولانا السلطان فكتب إليهم، وأنكر عليهم، وأعلموا أن هذا ناقض ~~للعهد، مناف اللود. # فورد كتاب مقدميهم أنه إنما حصل بسبب أن الفرنج والمسلمين اجتمعوا في ~~مشربة، وحملهم السكر على العربدة، وأننا أمسكنا جماعة من الفرنج ممن كان في ~~المشربة، وشنقناهم، فأعيد إليهم الجواب بما صورته: صدقتم في أنكم شنقتم، ~~ولكن المسلمين. ونحن واصلون بمشيئة الله تعالى إليكم، فجهزوا الضيافة. ~~PageV01P173 # ثم إن مولانا السلطان استحضر أمراء مشوره، وأجرى الحديث معهم في غزو ~~القوم بسبب هذه الفتنة، وقصدهم بما كانوا يتسترون به من المهادنة من ~~المحنة، فاعترض الأمراء بحديث الهدنة وأنها ألزمت بأيمان، وتنزلت منزلة ~~الأمان، وتضمنت عهدا وحفظ العهد من الإيمان. # فأشار مولانا السلطان إلى صاحب ديوان مكاتباته فتح الدين بأن يتتبع ~~الهدنة، لعل أن نظفر منها بمستند في قصد القوم، وأن يتلمح منها ومن هذه ~~القضية الواقعة ما يبلغ منهم المروم بالحد لا تمليس الأشمام بالتهديد، وليس ~~الأشمام كالروم. # وكنت كتبت هدنتهم، وعندي نسختها، فاجتمعنا أنا ووالده الصدر محيي الدين، ~~وهو، وفرئت الهدنة من أولها إلى آخرها مرارا، فصمم الصدر محيي الدين أن لا ~~فسحة فيها، ولا موجب فسخ من ms105 باديها ولا خافيها. فالتفت إلي وقال: ما تقول ~~أنت؟ # فقلت: نحن مع غرض مولانا السلطان إن كان في فسخها ففيها فسحة تقتضي فسخه، ~~وإن لم يكن له غرض في فسخها ففي محكمها ما لم يقتض نسخه. # فقال: مولانا السلطان متحمل عليهم، يود لو أعير جناحي طائر ليطير إليهم. # فقلت: يتأمل مولانا هذا الفصل من الهدنة. وهو على أن تكون التجار والسفار ~~والمترددين، أمنين مخفرين من الجهتين في حال سفرهم وإقامتهم، وصدورهم ~~وورودهم، هذا نص الفصل الذي تضمنته الهدنة. # فقلت له: وهؤلاء الذين اعتمد فيهم ما اعتمد تجار. وقد خولف شرط الهدنة في ~~إهمال أمرهم إلا أن تقوم بينة ممن هو مرصد من نواب المسلمين الضابطين ~~للدعاوي. # فقال: قد وردت كتب النواب بأن الأمر لم يكن كما أنهوه، وأن المسلمين ~~الذين شنقوا. # فقلت: لقد انفسخت الهدنة بهذا الحكم. # فلما أفتي مولانا السلطان بفتحها عزم، إلا أن الأجل رده من الطريق. ~~وموافاة المنية قد حملت كل قلب من مكانه ما لا يطيق. PageV01P174 ### | [وفاة السلطان قلاوون] # وبرز مولانا السلطان لظاهر القاهرة المحروسة، وخيم بمسجد التبن في عساكره ~~التي ملأت الفجاج، فزادت على عدد ما للبحار من أمواج. فحصل له بهذه المنزلة ~~مرض رمي الدم، فأقام أياما وقضى بمخيمه، ووافاه المنون بمحتمه. # وشقت عليه الجلود لا الجيوب، وكادت الجبال تذوب لا القلوب، وانحنت السيوف ~~لا الظهور، واندقت الرماح لا الصدور. وساء الورود ذلك الصدور. وقدرت حمامه ~~بتلك المنزلة فحل بها حين حلها، ومنيته بتلك البقعة في تلك المدة وما كان ~~أكثر همومها واقلها. # ومن كتبت منيته بأرض %~% فليس بموت في أرض سواها # وجعل في تابوت، وطلع به إلى قلعته، وقدساءها سوء رجعته. ولم يزل بها إلى ~~أن اشتد أمر ولده السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وتم ~~سلطانه ولزم، وختم بأمر ملكه وحزم. ثم نقل إلى قبته المقدسة بالقاهرة ~~المحروسة ليلا، وقد أوسع الناس ويلا. # فرحم الله تلك الروح الزكية، وأنالها رتبة الرفيق الأعلا، فإنها أخر ما ~~كان يؤمله من الرتب العلية. ms106 PageV01P175 ### || [رثاء المؤلف للسلطان قلاوون] # وقلت فيه مرئية: # هي المبنية لا بالحيل والحيل %~% ترد سطوتها عن حائن الأجمل # كم جال ما جل منها بين ذي أمل %~% وبين ما كان يرجوه من الأمل # كم أئكلت أهل مفقود و كم تركت %~% دمعأا مصونا بمنهل ومنهمل # لم تبق من أحد حتى تجرعه %~% كاساتها بين أهل العل والنهل # يمسي المؤمل للدنيا وسرعتها %~% إلى التزود للأخرى على مهل # والموت يحتفل بالمرء يأخذه %~% وهو المغفل غر غير محتفل # لم يغض عن ملك يوما لعزته %~% ولو فدي بغرر الخيل والخول # ولا حمته جنودكم حمت ملكا %~% من غيره بحسام سابق العذل # تبيت من عزمه تخشي غوائله %~% ويتقى حذرا منه على وجل # لا فرق في اخذه الأرواح بين فتى %~% عالي المكانة محمي و مستفل # أين الأولى شيدوا الأملاك وافتتحوا %~% مغالق المدن من سهل ومن جبل # أين الذين بنوا الأهرام واحتفلوا %~% بصونها من دواهي الزيغ والزلل # أين الذين رأينا في الوجود لهم %~% عجائبا من ذوي الأديان والملل # أين المليك الذي بالأمس مصرعه %~% حدث بما شئت عن أوصافه وقل # قلاون سيف دين الله من شهدت %~% له المواقف في الأبكار والأصل # كم شاهد الناس منه في مواكبه %~% ملي المسامع والأفواه والمقل # معظم الملك عاليه ولا عجب %~% أعلى الممالك ما يبنى على الأسل # كان العليم بأدواء الزمان له %~% فضيلة العلم والإفضال بالعمل # يمشي إلى الحرب في الهيجاء منجملا %~% من لذة النصر مشي الشارب الثمل # تكفيه وقعة حمص والثبات بها %~% وقد ترغرغت الدنيا من الفشل # يكفيه فتح قلاع كم مضى ملك %~% لفتحها يده للعجز لم تطل # سقيا لدولته ما كان أحسنها %~% كأنها غرة في جبهة الدول PageV01P176 # كانت ولا مثل والأقدار تخدمها %~% حتى سرى ذكرها في الناس كالمثل # أغرر علي بأن أحيا إلى زمن %~% أراه فيه عن الدنيا بمنتفل # أبكي وأنكي لمن كانت مقالته %~% ونحن أغلظ أكبادا من الإبل # لهفي عليه لقد غمت مصيبته %~% وعمت الناس من حاف ومنتعل # وصيرت كل قلب بعد فرغته %~% من الشواغل بالأحزان في شغل # وأضرمت في الحشا نارا تأجج في %~% فيض ms107 المدامع مثل العارض الهطل # إن زال عن ملكه بالموت إن له %~% عند الإله لملكا عنه لم يزل # في جنة الخلد في أعلا القصور على %~% أعلا الأسرة يحبى أشرف الحلل # فهو السعيد إذا دنيا وآخرة %~% عن عهده السعد في الدارين لم يحل # مضى وخلف فينا من لسنته %~% أحيى ويسر ما للخير من سبل # وسد من بعده إذ حل سدته %~% بأهبة الملك ما للدهر من خلل # الأشرف الملك المغني بصولته %~% عن القواضب والعسالة الذبل # نص الشهيد عليه نص مختبر %~% من حاله الحال بالتفصيل والجمل # فالله يبقي عليه ملكه أبدا %~% لا يبتغي عنه طول الدهر من حول ### || [فتح عكا] # ولما قضي الله في مولانا السلطان بما قضى، وقابل ولده الملك الأشرف مصابه ~~بالتسليم والرضي، اقتضي بره أن لا يضيع سعي والده، وإن كان الله قد كتب ~~أجره ووفي بزه. ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ~~فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما. # ثم عزم مولانا السلطان الملك الأشرف وقصدها بجيوش والده الذين كانوا ~~أعذرا لاستئصالها، وتأهبوا لنضالها، فقصدها على ما رتبه والده من التهيئة ~~الحصارها، فوجد الأمور عند توجهه وقد جهزت، والمجانيق وقد تأهبت، فغزاها ~~صورة ووالده - رحمه الله - معني، و عني بوصية والده فيها فنفذها وما ~~PageV01P177 زال ببره أعني. فما وقفت بين بدي مجانيقه، ولا ثبتت إلا ريثما ~~دهمها يطروقه. واستأصل شأفتها، وفرق ألفتها، وأزال عن البلاد الإسلامية ~~كلفتها، وهدمها إلى الأرض، وقضى في سنة غزوتها له ولوالده السنة والفرض. ~~وجعلها حصيدا كأن لم تغن بالأمس، وغادر معاهدها صرعى كالذي يتخبطه الشيطان ~~من المس. وأباح خزائها للبوم، وجعلها عبرة للمار عليها من أعداء الله ~~الفرنج الذين اخر دمارهم تدبرهم الروم. ### || [تهنئة الأشرف خليل بفتح عكا من إنشاد محيي الدين بن عبد الظاهر] # وفي هذه الغزوة يقول الصدر الفاضل محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر ~~مهنئا للسلطان الملك الأشرف: # بعث النصر للبلاد بريدا %~% بتخطي تهايما ونجودا # بفتوح كنا نراه قريبا %~% ويراه دين الصليب بعيدا # قال: ms108 نشراكم سيوف الأعادي %~% تحدوها سلاسلا وقيودا # إن هذا خليلا الملك الأشرف %~% سلطانكم أغاث الوجودا # جاء عكا محاصرا فتداعت %~% ولأهل الإلحاد صارت لحودا # كيف تبفى أسوارها مع نقوب %~% صبحت أوجه المعاول سودا # كم إلى الكافرين والي وعيدا %~% منه أنساهم صياما وعيدا # ولكم قد أصاب كبدا وريدا %~% بسهام لم تخط منهم وريدا PageV01P178 # حبسهم في خزانة لبنود %~% قال: خافوا إذا رأيتم بنودا # إن تسموا بآخرة فلقد %~% صار مناهم بأن يسموا عبيدا # أيها السامعون فتح صلاح %~% الدين هذا فسنوحه قد أعيدا # أهل صور كذللك صيدا %~% قد تهيأت صيدا لهم موجودا # إن غدوا كلهم يكيدون كيدا %~% ليس يرضى لسيفه أن يكيدا # قد رعى في فتوحها لأبيه %~% ولكل من الأنام عهودا # أنجدته ملائك وملوك %~% كثرت عسكرا له وجنودا # فبجو السماء منها حشود %~% ملأته والأرض ملأى حشودا # غزوة كم لها على الأرض حق %~% عم بالأمن حاجرا وزرود # شكرت مكة لعكة فيه %~% حسن إنجازها لفتح وعدا # يا لها غزوة لها الحور قالت: %~% حبذا من يموت فيك شهيدا # كتب الله ذكرها في التواريخ %~% وأبقى لها هناك خلودا # عز منها الهدي وذل أهل %~% عكا وتمنوا لو يصبحون يهودا # ويودون جزية ويصيرون %~% أساري أو يمسخون قرودا # كم كنيس قالت إلي فإني %~% لست أرضى إلههم معبودا # يا اجل الملوك يا اشرف الخلق %~% ومن جوده أغاث الوجودا # شكر الله غزوة لك في الكفر %~% أرتنا مقامك المحمودا # كحنين فيها الملائك جاءت %~% مردفات تستصحب التأييدا # يجعل الكفر في النقوب دفينا %~% ويعيد الإيمان خلقا جديدا # كم بها منهم غلاظ شداد %~% تجعل الناس والحجار وقودا # ومجانيق لا نميل صدورا %~% ونقوب ما إن تمل ورودا PageV01P179 # كم لهم أرسلت وقالت فلينوا %~% أو فكونوا حجارة أو حديدا # كم مريد منها أصاب مريدا %~% أو كنود منها أجاب كنودا # تتجافي عن المضاجع الله %~% قياما كما تري وقعودا # لو يكن للصليب نطق لنادى: %~% أنت يا منجنيق أصلب عودا # أنت أولى بأخذ ثاري ممن %~% قال عني كذبا وزاد جحودا # كم أرتهم من الرجال طريحا %~% وأرتنا من الزحام طرودا # ولكم بالعقود أوفت ووافت %~% هادمات من ms109 البروج عقودا # كم مروج لها تعادي بروجا %~% وحقول منهن تبدي حقودا # كم بأسوارها اقامت شرورا %~% ولأحجارها أدامت شرودا # من آبته يقول: هذي هي %~% الموت فلا يستطيع عنه محيدا # من رآها يقول كونت الحسب %~% حجارا تبدي الهفيف رعودا # هاتمات الشغور من شرفات %~% مشرفات على الثغور صعودا # نبتت أغصنا عظاما فجاءت %~% ليس تحكي، كما يقال، القدودا # كل سهم منها إذا أوقفوه %~% فلق الصبح قد أقام عمودا # لو يكن يأمن الحمام من التغريد %~% وافا فاحسن التغريدا # كم بكفاتها يكف عدو %~% ويصد الأعداء صدودا # يا لها من حوامل مقاربات %~% وهي في وقتها تصير ولودا # كم بتل الفضول تلت سدودا %~% وبباب الثورين شلت أسودا # تقشعر الجلود منها إذا ما %~% أبصروها وهن تكسي جلودا # كل هذا بسعد أشرف ملك %~% زاده الله بسطة وسعودا # ملك فرغ الخزائن جودا %~% وملى الأرض عدة وعديدا # كم كنيس أخلي و كيس %~% وكل منهما أصبح الفقير الفقيدا # وبل عكا ووبل إخوة عكا %~% بدد الله شملهم تبديدا PageV01P180 # حتم الله قتلهم حتى أمسى %~% كل نقب في سورهم أخدودا # خربوا مسجد الصالح فيها %~% فأتاهم ما كان أردي ثمودا # وبه عاد هلك عاد إليهم %~% إذله المؤمنون أمسوا شهودا # عجبا يا خليل نارك برد %~% وهي تشوي من الفرنج الكنودا # أنجز الله وغده لك بالنصر %~% وللمؤمنين أنسي قصودا # فاشكر الله واغتنم للنصر %~% فاجيء صورا وصيدا مبيدا # أنت يا ابن المنصور منصور %~% جاءت لك بشرى أخرى تحت البريدا # دمت للناس ملجأ وعلى %~% الخلق سياجا وللوجود وصيدا ### || وقلت مهنئا أيضا بهذه الغزوة وكتبت بها إليه # حكمت برفع لوائك الأقدار %~% فاليك بالنصر العزيز يشار # فعلت مهابتك التي أعطيتها %~% بالرعب ما لا تفعل الأنصار # كما نزلت على الفرنج مطلبا %~% دهشوا لما قد شاهدوه وحاروا # سقطت قواهم إذا أتيت بعسكر %~% ملأ الفيافي والقفاز فخاروا # أقبلت والأتراك حولك أنجم %~% وتمام وجهك بدرها السيار # وعليك أبهة تلوح وهيبة %~% وجلالة وسكينة ووقار # راموا الفرار وقد رأوا ما هالهم %~% أنا يكون مع الهلاك فرار # سجدت لديك تقبل الأرض التي %~% شرفت وانطوت حولك الأسوار # صبحتهم وديارهم معمورة %~% فغدت ms110 خرابا لها آثار # وقراهم لما نزلت عليهم %~% أرواحهم جادت بها الأعمار PageV01P181 # غنت سيوفك في الرقاب فأرقصت %~% اجسادهم فلها الرؤوس نثار # أجريت من دمهم سيولا فجرت %~% في كل ناحية بها أنهار # ومحت ليالي الكفر بيض قد بدا %~% منها لعين الناظرين نهار # أضحت منازلهم خرابا كلها %~% قفرا ألم يوجد بها ديار # سألوا ملوكهم إعادة نجدة %~% أرأيت روحا للتلاف تعار؟ # فأتتهم من كل جيش عصبة %~% ملئت بروز منهم وبحار # وردوا بسيفك منهلا مستوبلا %~% لم يلف عنه لوارد إصدار # وغدوا وكاسات المنون عليهم %~% بالمشرفي الأشرفي تدار # لو سلموا سلموا ولكن كابروا %~% فأتت أمور لا تطاق كبار # هل أبصروا حصنا منيعا قبلها %~% خلاه لم يهتك حماة حصار؟ # لكن إذا نزل القضاء بساحة %~% عميت عن رشدها الأبصار # أمسى عظيم القدر من كبرائهم %~% شلوا حقيرا ماله مقدار # وعلت ملوكهم وقد حصروا بها %~% من بعد عز ذلة وصغار # خانوا العهود ومن يخن فجزاؤه %~% وبل وبيل أمره ودمار # نقضوا المهادنة التي كانوا بها %~% في راحة ماشانها إضرار # كان الشهيد نوى المصير إليهم %~% فقضي عليه الواحد القهار # فخلفته ولنعم أنت خليفية %~% في مسجده تستسحبر الأفكار # خبئت لفتحك فافتضضت بكارة %~% منها ولكم لك خبئت أبكار # أيام حصرهم لديك قصيرة %~% لم لا وأيام السرور قصار # دارت جيوشك حولها فكأنما %~% هي معصم وهم عليه سوار # وإذا تكلمها المجانيق اغتدت %~% من سورها تتجاوب الأحجار # قد دونت هذي الغزاة وسطرت %~% وتحدثت بحديثها السمار # لا عهد في ماضي السنين بمثلها %~% ولها بطول بقائه أقطار # بشراك هذا مبدأ النصر الذي %~% تعلوا به للمسلمين منار PageV01P182 # هذا فتح ما سمعنا بمثله %~% كلا، ولا جاءت به الأخبار # ما مئل عكا في الحصون لأنها %~% أم القرى يأتمها الكفار # كانت لهم كرسي مملكة إلى %~% تحصينها في المعضلات يصار # كم قد مضى ملك بغصة فتحها %~% وبقلبه منها تأجج نار # ماتوا بغيظهم وكم من دونها %~% عرضت موانع كلها أعذار # حتى أتاها الأشرف الملك الذي %~% خافت فرنج بأسه و تتار # فشفى صدور المؤمنين بفتحها %~% وليفتحن بغزوه الأمصار # وليرفعن بسيفه وسنائه %~% للمسلمين معاهد وديار # وليملكن الأرض ms111 طرا عاجلا %~% شرقا وغربا جيسيه المغوار # ملك عطاياه الجسام لمن يروم %~% على الدوام بقيضها مدرار # سحب العطايا من سماء يمينه %~% للمعنفين إذا تسح غزار # أغنى بأنعمه الفقير فبيته %~% بيت الغنى يهدى له ويزار # ولكم غدا بيمينه للمعد (... %~% .........) وهموه يسار # يعطي الألوف وفقيره بينهم %~% يبدوا عليه بمنحها استبشار # ماذا أقول ووصفه ومديحه %~% ما لا يحيط ببعضه الأشعار # فالله يبقي ملكه ما صفقت %~% أيدي الغصون وغنت الأطيار # الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم. ms112