######OpenITI# #META#Header#End# ### | [مقدمة] # بسم الله الرحمن الرحيم. # رب يسر يا كريم # الحمد لله الذي أحيا ذكر الملوك بأيامهم ~~الزاهرة، و سيرهم التي هي بتفاصيل أحوالهم ~~سائرة، وأشهد حلية أحوالهم التي هي بمناقبهم ~~حالية، وطرز حلل معاليهم بإثبات هممهم ~~العالية. نحمده على وافر نعمه، ونستزيده من ~~مواد كرمه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، شهادة شاهدة بإخلاص ما لها من ~~سر وعلانية. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~الذي شيد به الدين، وثبت مبانيه، صلى الله ~~عليه وعلى آله وصحبه، صلاة لا تزال الألسنة ~~بها ثانية، والأقوال مرسلة أعنتها غير ثانية. # وبعد: # فإن في إثبات سير الملوك ما يشهد الغايئب، ~~ويعيد الذاهب، ويوقف على أحوال المعاصر ~~وغير المعاصر، ويمتع بحسن المسامرة بما PageV01P053 ~~للوقائع من الموارد والمصادر. وكان السلطان ~~السعيد الشهيد، الملك الظاهر، ركن الدين ~~بيبرس الصالحي، قد ملك فأسجح، وسعى في ~~ذات الله فأنجح، وقام بأعباء السلطنة أيما قيام، ~~وسهر في إقامة منار الإسلام والناس نيام، ~~وأعمل الركاب في فظ شوكة عدو الله من ~~الفرنج والتتار، [و]اجتهد في الأخذ بالثأر ~~من قديم وحديث ممن ثار، وقضى المواد من كل ~~مراد، وبلغ المرام الجميل كل من راد، وجاء ~~والنصر فكأنما كانا على ميعاد، فلم يزل - رحمه ~~الله - يدأب في افتتاح الحصون المغلقة، ~~والكنائس المعلقة، وغير المعلقة، ومهاجمة ~~العدو في عقر الدار، واستئصال شأفة الفرنج ~~والأرمن والتتار، [و]لم يصطلى له بنار، ولا ~~كان لعدو معه قرار، ولا حمى من صدماته ~~مشيد من الأسوار، ولا وجد أحد منهم من PageV01P054 ~~عسر حصاره يسار، ولا ليمين انهزامه من ~~يسار، فدوخ البلاد، وسلب الطارف والتلاد، ~~وبدأ في غزو أعداء الله بنفسه وأعاد، وهاجم ~~وتجهم، وحكم وتحكم، وعلم وعلم، وهزم ~~الجيوش، وأوحش حتى الوحوش، واستغرق ~~مدة ملكه في بلاد يفتتحها، وغزوات يختمها ~~بالنصر ويفتتحها، ولم يزل أو أفنى العداة ~~بعزائمه الماضية، وهزائمه التي هي بالدمار على ~~الأعداء قاضية، ومعاركته التي ما برحت ~~لوعد الله في نصره عليهم متقاضية، أو جعل ~~الكنائس مساجد، والبيع لذكر الله معاهد، ~~وأعدم ms01 المغل من التتار، وأخلى منهم الدار ~~والجار، وأدب بسيفه من جار، وأعلى كلمة ~~الإيمان على رؤوس الأشهاد، وأنام الإسلام ~~وأهله في أومن مهاد. # وكان كاتب سره البليغ: محي الدين PageV01P055 ~~أبو الفضل، عبدالله ابن شيخ الإسلام رشيد ~~الدين عبدالظاهر، قد افتتح أيامه بنظم سيرة ~~رتل فيها سور محاسنه، صورة صورة، ~~وأرخ وقائعه التي هي في صحائف حسنات ~~مسطورة، فأطال وأطاب، وخطب بأمتع ~~خطاب، وأتى على مجموع أيامه يوما يوما، ~~وصرح بمناقبه وإلى إبداعها أوما، لكن اقتضى ~~الحال أن يثبت منها الغث والسمين، وأن يكرر ~~ما يشافه به سمع سلطانه من إطرا، وإن كان ~~فيه صادق لا يمين. # وكان - رحمه الله - قد تحدث معي في ~~اختصارها، فلم يتفق في حياته، ولم يقع تأدبا ~~معه، في إثبات نفيه، ونفي إثباته، وقد PageV01P056 ~~اختصرتها رغبة في الإيجاز، الذي هو عين ~~البلاغة، وعذوبة مياه الفصاحة المساغة، ~~وذكرت منها الأهم المقدم، لتلذ مطالعتها، ~~وتروق مراجعتها، وبالله التوفيق ### | ذكر ما ابتدأ به السيرة المدكورة # بدأ بالتعريف بجنسه، ولم يوغل فيه، ولا ~~بينه، بل قال: إنه تركي الجنس والظاهر أنه ~~كان البرلى، ونسبه إلى السلطان الملك الصالح ~~نجم الدين أيوب، وأنه كان من جمداريته، ~~ولم يذكر عمن انتقل إليه، إجلالا له. # وهذا السلطان المذكور انتقل إلى الأمير ~~علاء الدين البندقدار الصالحي، ثم ارتجع PageV01P057 ~~إلى السلطان الملك الصالح، عندما تغير على ~~علاء الدين المذكور، ولم يزل يعرف ~~بالبندقداري إلى أن ملك، وكان علاء الدين ~~البندقدار المذكور أميرا في دولته. ثم أخذ ~~- رحمه الله - ينسب إليه قتال الفرنج، بعد وفاة ~~السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ~~بالمنصورة، ليلة الاثنين منتصف شعبان سنة ~~سبع وأربعين وستمئة، وفيها أسر ~~ريدافرانس، واستولوا الفرنج على دمياط ~~وشنقت الامراء الكنانية، بسبب تسليمها لهم. ~~وقتل الملك المعظم، ولد الملك الصالح ~~المذكور، قتله مماليك والده البحرية، ومنهم ~~الملك الظاهر، لما ساءت سيرته، وقبحت ~~سريرته، وأضمر لهم غدرا، ونظر لهم بعين ~~التغير شزرا، وفيها سلم الفرنج دمياط ~~مفاداة للريدافرنس. PageV01P058 ### | ذكر ما وصفه به من الشجاعة ووفاء العهد ~~قال - رحمه ms02 الله - ذكر مولانا السلطان من ~~لفظه: إن العسكر لما انفصل من المنصورة، ~~واستقر بالقاهرة، بلغه أمر عربان الصعيد، ~~وعبثهم في البلاد، ونفاقهم، اتفق الرأي على ~~تجريد جماعة من العساكر، وهم مئتا فارس، ~~وأن العربان كان جمعهم عشرة الاف فارس، ~~أو يزيدون، وأن السلطان كان قد تقدم في جمع ~~قليل، فلما رأى كثرتهم التجأ إلى دهروط، ~~فآواه أهلها، ونصروه، وخدموه، إلى أن ~~تلاحق العسكر، وضربوا مع العرب رأسا، ~~وكان مقدم العرب إنسانا يقال له حاتم، وأن ~~السلطان هجم عليه، وأخذ رأسه، وكان ~~بمنيته حاتم، وأن السلطان لما أفضت نوبة ~~الملك إليه كافأ أهل دهروط أحسن مكافأة، ~~وسامحهم بأمور كبيرة. PageV01P059 ### | ذكر السبب في توجه السلطان إلى الشام # قال: لما جعل عز الدين أيبك ~~الجاشنكيري التركماني، أحد الأمراء ~~الصالحية، أتابكا لشجرة الدر - سرية ~~[الملك الصالح نجم الدين أيوب، طمع ~~بالملك، وتسمى بالملك المعز، وتسلطن، ثم ~~خاف، فتراجع عن ذلك، إلا ان اللقب بقي ~~له، وبدأ يرتب في صفوف الأمراء، وقتل ~~فارس الدين أقطاي، قائد فرقة البحرية، وعلى ~~أثر ذلك خرج بيبرس إلى الشام، وتشتت ~~معظم البحرية، وانضم بيبرس إلى الناصر، ~~صاحب دمشق وحلب، واجتمع عليه هناك ~~بعض البحرية، وحرض الناصر على أخذ ~~مصر، إلا أن الخليفة في بغداد توسط بين ~~الناصر وبين الملك المعز، فرأى بيبرس من PageV01P060 ~~الناصر جفاء، ففر إلى صاحب الكرك الملك ~~المغيث وبمساعدته هاجم مصر مرتين، دون ~~أن ينال كبير فائدة. # وكان إخفاقه في ذلك سببا في فساد الأمر بينه ~~وبين الملك المغيث، فبدأ بيبرس يغير ~~بخشداشيته لصالحه على الساحل والغوريات، ~~حتى وصل إلى قرب دمشق، فقاومه الناصر، ~~فهزم جيش الناصر، ووصل المنهزمون إلى] ~~دمشق، فحمله ذلك إلى أن خرج بعساكره، ~~ونزل بالمزيريب، ورحل منها إلى بركة زيزا ~~وأقام بها مضاجرا للسلطان، ومن معه، ~~وطالت مدة إقامته، ولم يظفر منه بطائل، فعدل ~~إلى استمالته بكل طريق، فلما استوثق السلطان ~~منه، حضر إليه، وتوجه معه إلى دمشق، في ~~أعز مكانة، وضاعف له الإحسان، وأما من PageV01P061 ~~كان معه من البحرية فإن الملك ms03 المغيث أوقع ~~عليهم الحوطه، وراسله الملك الناصر ~~فاصطلحا عليهما، وسيرهما إليه في القيد ~~والسلسلة. # ثم إن الأخبار تواترت بطمع التتار ~~المخذولين في البلاد عندما سمعوا هذا ~~الخذلان، وعزموا على الحضور بقضهم ~~وقضيضهم، والملك الناصر نازل بالمزه، ~~مشتغل بما لا يفيد من اللهو واللعب حتى إن ~~مماليكه عزموا على قتله، والسلطان يعرض عليه ~~نفسه، ويقول له: جرد معي جيشا، وأنا ~~أتوجه إلى التتار وهو لا يلوي. # فعند ذلك تركه السلطان، وعدل عنه، ~~قاصدا الديار المصرية، فلما وصل إلى غزة تبعته ~~جماعة كبيرة من ماليك الملك الناصر، ~~وخواصه، ووجد بها جماعة من ~~الشهرزوريه، قاصدين الغدر، ففتك بهم PageV01P062 ~~وقتل مقدمهم نور الدين حسن بن بدل، وكان ~~قطز، مملوك الملك المعز قد استبد بالملك بالديار ~~المصرية، لما أنس من ولد المعز عدم الفلاح، ~~فكاتبه بالسلطان، واستوثق منه، فكتب ~~إليه، وأمنه، ووعده بما اختاره، فحضر ~~السلطان إليه. # ووصل الملك الناصر إلى قطيا، في أثر الملك ~~الظاهر، ثم عاد، وقوي الخبر بقصد التتار ~~البلاد الشامية، فاتفق السلطان والملك المظفر ~~قطز، وخرجوا بالعساكر المصرية والشامية ~~والشهرزورية وغيرهم من المماليك ~~الناصرية، متوجهين إلى الشام، لمصاففة التتار ~~المخذولين، وكان التتار قد استولوا على البلاد، ~~وملكوها إلى عين جالوت، ولم يزل الملك ~~المظفر يحث السير، ويقدمه السلطان الملك ~~الظاهر جاليشا، ومعه جماعة من العساكر PageV01P063 ~~فكشف أحوال العدو، وأرهبهم بقوة عزمه. # ثم إن الملك المظفر وصل العساكر، ~~واتفقت الوقعة بين الجيشين في العشر الأوسط ~~من شعبان سنة ثمان وخمسين وستمئة، ونصر ~~الله الإسلام، وقتل كتبغا نوين، مقدم جيش ~~التتار، وولى العدو منهزما، والسلطان الملك ~~الظاهر في أثره، يقتل ويفتك، إلى أن وصل إلى ~~حارم، وكتب إلى الملك المظفر بما اعتمده من ~~قوة العزم، وشدة الحزم، في تطمين البلاد، ~~ودخل الملك المظفر دمشق، وفتك بنواب ~~التتار فيها. # وتمت هذه النصرة، وللسلطان الملك ~~الظاهر فيها اليد الطولى، وهو بنسبتها إليه ~~أجدر وأولى. ولقد حكي أن التتار لما تسنموا ~~الجبال هاربين، ترجل الملك الظاهر، وتسلق ~~خلفهم، ووصل سيفه بخطاه، وإن لم PageV01P064 ~~يقصر، وهكذا حال ms04 من لدين الله يؤيد وينصر. # وكانت شدة عزائم السلطان الملك الظاهر، ~~ومهابة شجاعته قد سكنت قلوب التتار ~~المخذولين: حكى الصاحب محي الدين شيئا ~~يؤيد ذلك، قال: حكى لي الافتخار، والي ~~بصرى، أن كتبغا نوين قال للملك الأشرف، ~~صاحب حمص، في محفل كبير: بأمر من حملت ~~حاصل شيزر لهلاون؟ قال: بأمره، قال ~~له. لا! لأن هلاون لم تجر له عادة بأن يسير إلا ~~إلي، ولا يطلب إلا مني، وهذا إنما فعلته منك ~~دهاء وشجاعة، فإن كنت كما تزعم، فتقدم ~~للبندقداري، فقد حضر جالشيا لعسكر ~~مصر. و في هذا ما لا يكاد يخفى من هيبة ~~الملك الظاهر في قلوبهم. # ولما رجع الملك المظفر من هذه الوقعة ~~قاصدا للديار المصرية، شمخت نفسه وتكبر ~~وتنكر على الملك الظاهر حاله، وفهم عنه أنه ~~يريد خموله، فلم يزل يداريه، إلى أن وصلوا PageV01P065 ~~إلى قصير الصالحية، وكان الملك المظفر ~~مغرى بالصيد، فلما دخل البرية قيل أن بعض ~~من اتفق معه الملك الظاهر خبأ له أرنبا إلى أن ~~توسط البرية، وأطلقه، فتوهم الملك المظفر أنه ~~سانح، وإن لم يبارح، فساق وراءه، واتبعه ~~الملك الظاهر، وقد تقرر مع أنص، سلاح ~~دار قطز، ضربه، فضربه ضربة خائف، ~~وعاد عليه الملك الظاهر، فأتم قتله، ودفن ~~بمكانه بثيابه، ولم يعرف قبره إلى الآن. # وعاد من كان توجه مع قطز إلى الدهليز، ~~والناس ينتظرون عوده، واتفق من سلطنة ~~الملك الظاهر ما يذكر. # وهذه الصورة لم يحكها الصاحب محي الدين ~~كذا لحسب الوقت، وعرض السلطان، بل PageV01P066 ~~مهد للملك الظاهر عذرا أوجب قتله، وعذرا ~~صيره مثله، وأن الملك الظاهر أمسك يد ~~قطز، وقتله من غير شريك في قتله. # ثم إن الأمراء دخلوا إلى الدهليز، وقد ~~بسطت الطراحه، فجلسوا حولها يشتورون ~~فيمن يقوم بالملك، وكان من جملة الأمراء جماعة ~~كانوا معتقلين، بثغر الاسكندرية، ممن ~~اعتقلهم المعز وأخرجهم الملك المظفر عند مهم ~~الجهاد: كالأمير سيف الدين بلبان الرشيدي ~~الصالحي وغيره، وكان الرشيدي أكبرهم قدرا، ~~وأعلاهم ذكرا، وحصل الاتفاق على ~~سلطنته، وكان فارس الدين أتابك مرسما ~~عليه في ms05 دهليز الدهليز، فهجم، وهم على هذا ~~الاتفاق، فقال: # يا أمراء، لو أن للملك المظفر ولدا كنت ~~أنا أول من يقاتل على إقامته، والآن فقد فات ~~فيه الفوت، وأسة الترك أن من قتل الملك PageV01P067 ~~كان هو الملك، وما غرر من قتل هذا الملك ~~بنفسه ليكون الملك لغيره، وقد علمتم أن هذا ~~الأمير ركن الدين هو الذي قتله. # ثم أخذ بيده، وأجلسه على الطراحه، ~~ولقب بالملك القاهر، ثم نقلت إلى الظاهر، ~~فرأى الملك الظاهر للأتابك هذا الأمر، وعظم ~~من قدره، وقاسمه الملك، وجعل تدبيرها إليه، ~~وأسر الوزير بأن يجلس بين يديه، وكتاب ~~الدرج على بابه، ورسل الملك لا يتعدونه، ~~والإشارة إليه، وأقطعه بمصر والشام ثلاثمئة ~~وخمسين طواشيا، وجعل له صماطا كصماطه، ~~وزاد إحسانه عليه حتى صار يمد القلاع بوافر ~~نعمه، بجملة كبيرة، من قمح وشعير وعين ~~وزيت وغيره، ما قيمته خمسمئة ألف درهم ~~وثمانية آلاف درهم. # ولما أراد الملك الظاهر تحليف الأمراء ~~الحاضرين له، قال له الأتابك: PageV01P068 ~~لا، مولانا السلطان يعلم أن هؤلاء الأمراء ~~الذين أخرجوا من الحبس بطالون، بلا ~~أرزاق، مولانا السلطان يحلف لهم بما تطيب به ~~نفوسهم من صلة الأرزاق، وتعظيم الشأن ~~والأمن. # فحلف لهم مولانا السلطان، فطابت ~~نفوسهم، وحلفوا له. ولم ينصه الصاحب محي ~~الدين على هذه الصورة، بل نقص منها ما فهم ~~أن السلطات لا يؤثره. # ثم إن السلطان ركب قاصدا قلعة الجبل، ~~فوجد الأمير عز الدين أيدمر الحلي، قد وطأ ~~له أمرها، وحلف النواب بها، لأنه كان تقدمه ~~لهذا السبب. ودخل السلطان، واستقر في ~~كرسي الملك يوم الاثنين تاسع عشر ذي الحجة ~~سنة ثمان وخمسين وستمئة. PageV01P069 # ولما استقر به، شرع في تحليف من بقي ~~من العساكر والأمراء ممن لم يحلف، وقرر ~~المصالح، ورتب أرباب الوظائف وأمر جماعة ~~من خشداشيته الصالحية، وأمر بالكتابة إلى ~~القريب والبعيد كاليمن والغرب وغير ذلك ~~بافضاء نوبة الملك إليه، ونشر راية العدل ~~والإحسان، وأصبحت الرعية به من الجور في ~~أمان. # ولما استقرت الأحوال ركب، في صفر سنة ~~تسع وخمسين وستمئة، بشعار السلطنة، على ms06 ~~العادة العباسية في السواد، وعم بالخلع، وشق ~~القاهرة المحروسة بهذا الشعار، ونثرت عليه ~~الدنانير والدراهم. PageV01P070 ### | ذكر ما ساقه في باب كرمه # ذكر الصاحب محي الدين أن السلطان ~~وصل الخليفة المستنصر، المعروف بالاسود، ~~عندما جهزه لفتح بغداد، والملوك المواصلة لما ~~جهزهم أيضا، بحملة كبيرة، قال: ذكر لي ~~مولانا السلطان، من لفظه، أن جملة ما وصل ~~إليهم منه ألف ألف، وستون ألف دينار. # والذي أقول أن هذه الحركة لم يترتب عليها ~~مصلحة، وعجبت من انعقاد الرأي على ~~مثلها، وذلك أن الخليفة المذكور أعمل السير، ~~ومعه شرذمة قليلة بالنسبة للتتار، وقصد بغداد ~~فقتل هو وأكثر من معه، ولم يحصل للمواصلة ~~عرض من ملك ولا غيره وعادوا، وقد ذهبت ~~الأموال ضياعا، وطارت نفوس أكثرهم ~~شعاعا، والصاحب محي الدين غمغم ههنا، ~~ولم يذكر شيئا منه. PageV01P071 ### | ذكر شيء من عدله # لما قصد التتار المخذولون البلاد الشامية، ~~ووصلوا إلى عين جالوت، في العدد الكثير ~~قرر على أهل القاهرة ومصر جباية الدينار ~~والتصقيع للأملاك والتقويم، وحصلت ~~بذلك مشقة عظمى، وانكشف حال الفقير، ~~وانتهكت الحرم، فحين استقر أمر السلطان ~~الملك الظاهر أبطل ذلك جميعه، ومحا رسومه، ~~وأزال وسومه ونفذ فيه مرسومه. ### | ذكر شيء من إيصاله الحق لمن هو له # لما استقر في الملك، وفهم عنه ميله إلى ~~الحق، وإيصاله لمن هو له، أنهى إليه ولدا ~~شهاب الدين بن شمس الملوك، أن بركة ~~الفيل، وبستان سيف الدولة، ملك جره ~~الارث إليهما، وأحضرا من يدهما كتبا تشهد PageV01P072 ~~بصحة دعواهما، وكان هذا الملك تحت حوطة ~~الديوان، فرسم بالافراج عنه، وابتياعه منهما ~~بمقتضى الشرع الشريف. والبركة المذكورة ~~الآن جارية في ملك أولاده، ومبلغ ما أبيع به ~~ذلك مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم. ~~وكان هذان البائعان في فقر، وضيق حال، إلى ~~الغاية، فأغنى فقرهما، وربح أجرهما. ### | ذكر كلف دولته من إقطاع النقدية ووجوه البر # مما سومح به في دولته، مما كان يستأدي ~~ظلما، ألف ألف دينار في السنة. # ما ينفق، فيمن استخدم، من النقدية في ~~السنة ستمائة ألف دينار وثلاثمائة ألف إردب ~~غلة. ms07 # نفقة البيوتات، كالخزانة وغيرها، خمسمائة ~~ألف دينار. # نفقة المماليك البحرية وغيرهم ثلاثمئة ألف PageV01P073 ~~دينار وثمانون ألف درهم. # صلة بيوت الملوك، الآوين إليه، أربعون ~~ألف دينار. # جامكيات الدواوين، ورفد الفقراء، مئة ~~ألف دينار وسبعون ألف درهم، وعشرون ~~ألف أردب. # المرتب من الغلة، برسم الجرايات ~~والعليق، مئة وعشرون ألف أردب. # المرتب لصدقة رمضان: أربعة الاف ~~قميص، وألف قنطار خبز، وطعمة خمسة آلاف ~~فقير كل ليلة، وعتق ثلاثين عبدا في سلخ ~~رمضان. # نفقة الشوانى، المعدة لغزو الفرنج ~~- لعنهم الله - مئة ألف دينار. PageV01P074 ### | دكر شيء من رفقه بالرعية # لما حضر الجفال من الشام، وهم ما بين ~~نساء وأطفال، وجدوا النيل بقصير الصالحية، ~~وقد عجزوا عن الخوض، وامتنعوا منه، سترا ~~لعوراتهم، فأمر السلطان العساكر لإردافهم ~~والخوض بهم، وأردف هو جماعة بعد جماعة ~~متنكرا - رحمه الله. ### | ذكر امتثاله بأوامر الشرع الشريف # كان قد فوض قضاء القضاة بالديار المصرية ~~للقاضي تاج الدين عبدالوهاب ابن خلف، ~~المعروف بابن بنت الأعز، وكان ذا هيبة ~~وتصميم، ويبس، فانصلحت به الأحوال، ~~التي كانت قد فسدت قبل ولايته، وصار يجلس ~~هو والأتابك بدار العدل الشريف، فاتفق أن ~~وقف لهما إنسان يقال له: جمال الدين محمود من PageV01P075 ~~أجناد الحلقة، وادعى أن له عند السلطان ~~حقا، وطلبه إلى الشرع، فطولع بأمره على أن ~~يوكل في سماع دعوى الرجل، فبادر إلى ~~الحضور بنفسه، واستوى مع غريمه، بين ~~يدي الشرع، بدار العدل، وكان دعوى ~~الرجل أنه أنشأ بئرا بالقرب من زاوية الشيخ ~~أبو السعود، وأن السلطان وضع يده عليها ~~الأن تعديا فسأل قاضي القضاة السلطان ~~ليجيب، فقال: هذه البئر كنت قد احتفرتها ~~عندما توفي لي مملوك، إلى أن وصلت إلى ~~الأبليز، وانبطت الماء، واتفق لي التوجه إلى ~~الشام، كما تقدم، فوضع هذا الرجل يده على ~~هذه البئر، وكمل بناءها، وصارت تمد الفقراء ~~بزاوية أبو السعود، ثم إنه منعها عنهم، فشكوا ~~لي، فتذكرت أنها بئري، فوضعت يدي PageV01P076 ~~عليها. فقال القاضي للخصم: قد سمعت ~~الجواب، فقال: يثبت ما ادعاه، فسأل ~~السلطان جماعة من خوجداشيته الشهادة له، ~~وما يعلمونه، ms08 فشهدوا بما ادعاه، وثبت عند ~~الحاكم، وأفتى العلماء الحاضرون بدار العدل ~~أنها له، فحكم بتسليمها، وخير الخصم بين ~~أن يزيل بناءه، أو يأخذ ثمنه، فاختار ~~الثمن، فحمل إليه بمقتضى القيمة العادلة. # ثم إن السلطان، لما انفصل من دار العدل، ~~فكر في أن المدعي ربما يخاف من جسارته، ~~والأتابك والحكام من طلبه، فسير إلى كل منهما ~~تشريفا، تأمينا له، وجزاء عن اقامة منار ~~الشرع حتى فيه، وخلع على الرسول الذي ~~حضر في طلبه إلى الشرع PageV01P077 ### | ذكر إحسانه للأمير بدر الدين الخزندار مملوكه # هذا الأمير بدر الدين، ملوكه قبل الملك، ~~رباه صغيرا، وصبر معه في الشدة والرخاء، ~~فأول ما بدأ به في الإحسان، وتقليد الامتنان، ~~أن استنابه عن الملك، وقدمه على الجيوش ونوه ~~من قدره بأن زوجه ببنت الملك الرحيم، ~~وأمهرها من ماله عنه، وكان عقده عليها بغزة ~~المحروسة، وجبره بأن حضر العقد بنفسه، ~~ولما حضر إلى القاهرة عمل عرسه من ماله ~~بالميدان تحت القلعة، ثم أمده بأن ملكه ~~الصبيبه وأعمالها، ومدينة بانياس وأعمالها، ~~بمكتوب شمله بخطه. PageV01P078 ### | ذكر وصول الإمام المستنصر من بغداد # وصل هذا المذكور إلى قلعة الجبل ~~المحروسة، يوم الخميس تاسع شهر رجب سنة ~~تسع وخمسين وستمئة، فتلقاه السلطان بنفسه ~~في أمرائه، وبياض دولته من القضاة والعلماء ~~وغيرهم من العوام، واستقر ببرج العافية، وقد ~~كان هيأ له، ورتب له ما يحتاج إليه من ~~الراتب، وجرد في خدمته جماعة. # ولما كان يوم الاثنين ثالث عشره حضرت ~~القضاة والعلماء والصوفية والتجار، وسائر ~~أخلاط الناس بقاعة العمد، وحضر مولانا ~~السلطان، وحضر الخليفة، وجلس على مرتبة ~~قد أعدت له، والسلطان بغير مرتبه. ومن جملة ~~من حضر شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز ~~ابن عبد السلام، وسئل من حضر معه من ~~العربان والطواشي مختار البغدادي عنه ~~فأخبروا أنه الإمام أحمد بن الطاهر بن الناصر، PageV01P079 ~~فعند ذلك شهد القاضي جمال الدين، ~~نائب الحكم بمصر، والفقيه علم الدين بن ~~رشيق المفتي، والقاضي صدر الدين موهوب ~~الجزري، ونجيب الدين الحراني، وسديد ~~الدين التزمنتي، نائب الحكم بالقاهرة، ~~بالاستفاضة أنه ms09 الإمام أحمد، وأدوها عند ~~قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، فعند ~~ذلك أسجل على نفسه بالثبوت، وانتصب ~~قائما، وأعلن بثبوته عنده، فعند ذلك لقب ~~بالمستنصر بالله، وبايعه السلطان على كتاب الله ~~تعالى، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل ~~الله، وأخذ أموال الله بحقها، وصرفها في ~~مستحقها. وبعد ذلك قلد الخليفة السلطان ~~أمور البلاد والعباد، وبايعه الناس واحدا ~~واحدا، وانفصل هذا المجلس. وكتب إلى ~~سائر الملوك والنواب بما استقر عليه الحال، ~~والأمر بأخذ البيعة له، وأن يخطب باسمه على ~~المنابر، وتنقش السكة باسمه PageV01P080 # ولما كان يوم الجمعة سابع عشره خطب ~~الخليفة المذكور بالناس، في جامع القلعة، ونثر ~~عليه الذهب والفضة، وجهز للسلطان الخلع ~~العباسية، والأمراء الخلع على العادة، ولما كان ~~رابع شعبان ضرب للسلطان خيمة بالبستان ~~الكبير، وحملت إليه الخلع، فلبس وخرج ~~وهي عمامة سوداء، مزركشة بالذهب ودراعة ~~بنفسجي، وطوق ذهب، وتقلد بسيف من ~~جملة سيوف بداوية، حملت إليه، وشيل على ~~رأسه لواءان، وسهمان كبيران، وترس، وركب ~~فرسا أشهب برقبته مشدة سوداء، وعليه ~~كنبوش أسود، ولبس الأمراء الخلع. وخلع ~~على القاضي تاج الدين، والصاحب بهاء ~~الدين، والصاحب فخر الدين لقمان، منشىء ~~التقليد، وقارئه على المنبر المجلل بالأطلس ~~الأصفر. وحضر سائر الناس على اختلاف ~~طبقاتهم. PageV01P081 ### || ونسخة التقرير: # الحمد لله الذي أضفى ملابس الشرف، ~~وأظهر بهجة درره، وكانت خافية بما استحكم ~~عليها من صدف من عن الحق صدف، ~~وشيد ما وهى من علائه حتى أنسى ذكر من ~~سلف، وقيض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم ~~من اختلف. # أحمده على نعمه التي رتعت الأعين منها في ~~الروض الأنف، وألطافه التي وقفت الشكر ~~عليها فليس عنها منصرف، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله، وحده لا شريك له، شهادة توجب من ~~المخاوف أمنا، وتسهل من الأمور ما كان ~~حزنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي ~~جبر من الدين وهنا، ورسوله الذي أظهر من ~~المكارم فنونا لا فنا، صلى الله عليه وعلى آله، ~~الذين أضحت مناقبهم باقية ms10 لا تفنى، PageV01P082 ~~أصحابه الذي أحسنوا في الدين، فاستحقوا ~~الزيادة من الحسنى # وبعد: # فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن ~~يصبح القلم راكعا وساجدا في تسطير مناقبه ~~وبره، من سعى فأصبح بسعيه الحميد ~~متقدما، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ~~ومتهما، وما بدت يد في المكرمات إلا كان لها ~~زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى ~~إلا أضرمه نارا، وأجراه دما. # ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام ~~العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، ~~الظاهري، الركني - شرفه الله، وأعلاه - ذكر ~~في الديوان العزيز، النبوي، الإمامي، ~~المستنصري، - أعز الله سلطانه - تنويها لشريف PageV01P083 ~~قدره، واعترافا بصنعه الذي تنفذ العبارة ~~المسهبة ولا تقوم بشكره، وكيف لا ! وقد أقام ~~الدولة العباسية، بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، ~~وأذهب ما كان لها من محاسن وإحسان، ~~وأعتب دهرها المنتمي لها وقد كان أوسعها ~~عتبا، وأرضى عنها زمنها، وقد كان صال عليها ~~صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان ~~لها حربا، وصرف إليها اهتمامه، فرجع كل ~~متضايق من أمورها واسعا رحبا، ومنح أمير ~~المؤمنين عند القدوم حنوا وعطفا، وأظهر من ~~الولاء رغبة في ثواب الله مالا يخفى، وأبدى من ~~الاهتمام بأمر البيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع ~~عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لا نقطع به، ~~قبل الوصول إليه، لكن الله ادخر هذه الحسنة ~~ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها حسابه، يوم PageV01P084 ~~القيامة، والسعيد من خفف من حسابه ~~فهذه منقبة أبا الله إلا أن يخلدها في صحيفة ~~صنعه، ومكرمة قضت لهذا البيت الشريف ~~بجمعه، بعد أن حصل الإياس من جمعه. # وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع، ~~ويعترف أنه لولا اهتمامك لاتسع الخرق على ~~الراقع، وقد قلدك الديار المصرية، والبلاد ~~الشامية، والديار بكرية، والحجازية ~~واليمنية، والفراتية، وما يتجدد من ~~الفتوحات، غورا ونجدا، وفوض أمر جندها ~~ورعاياها إليك، حين أصبحت بالمكارم ~~فردا، ولا جعل منها بلدا من البلاد، ولا ~~حصنا من الحصون مستثنى، ولا جهة من ~~الجهات تعد في الأعلى ولا في الأدنى. # فلاحظ أمور الأمة، فقد أصبحت لها PageV01P085 ~~حاملا، وخلص نفسك ms11 من التبعات اليوم، ~~ففي غد تكون مسؤولا لا سائلا، ودع الاغترار ~~بأمر الدنيا، فما نال أحد منها طائلا، وما رآها ~~أحد بعين الحق إلا رآها ظلا زائلا، فالسعيد ~~من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد ~~التقوى، فتقدمة غير التقوى مردودة لا ~~مقبولة، وأبسط يدك بالإحسان والعدل، فقد ~~أمرك بالعدل والإحسان في مواضع من ~~القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كانت كتبت ~~عليه ليالي وأياما وجعل يوما واحدا منه كعبادة ~~العابد ستين عاما، وما سلك أحد سبيل العدل ~~إلا واجنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمر بعد ~~تداعى أركانه، وهو مشتد الأركان، وتحصن ~~به من حوادث زمانه، والسعيد من تحصن من ~~حوادث الزمان، وكانت أيامه في الأيام أبهى من ~~الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه PageV01P086 ~~الجياد، وأجلى من العقود إذا حلي بها عطل ~~الأجياد. # وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب ~~وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف ~~والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك ~~فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه في تصرفاته ~~رقيبا، وسل عن أحواله، ففي يوم القيامة ~~تكون عنه مسؤولا، وبما اجترم مطلوبا، ولا ~~تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ~~ذنوبا، وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ~~ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن ~~يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم، ~~والوجه الطلق، وأن لا يعاملوا أحدا على ~~الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا ~~لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، وأن ~~يوسعوهم برا وإحسانا، وأن لا يستحلوا PageV01P087 ~~حرماتهم إذا استحل الزمان لهم حرمانا، ~~والمسلم أخو المسلم، ولو كان أميرا عليه ~~وسلطانا، فالسعيد من نسج ولاته في الخير على ~~منواله، واستسن بسنته في تصرفاته وأحواله، ~~وتحمل عنه ما تعجز قدرته حمل أثقاله. # ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من ~~سيئ السنن، وجدد من المظالم التي هي من ~~أعظم المحن، وأن يشتري بأبطالها المحامد، ~~فإن المحامد رخيصة بأغلى الثمن، ومهما جبي ~~منها من الأموال فانما هي باقية، في الذمم ~~حاصلة، وأجياد الخزائن، وإن أضحت به ~~حالية، فانها ms12 هي في الحقيقة منها عاطلة، وهل ~~أشقى ممن أحتقب إثما، واكتسب بالمساعي ~~الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة ~~خصما، وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من ~~أعماله، وقد خاب من حمل ظلما. وحقيق PageV01P088 ~~بالمقام الشريف، السلطاني، الملكي، ~~الظاهري، الركنى، وأن تكون ظلامات ~~الأيام مردودة بعدله، وعزائمه تخفف ثقلا لا ~~طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان ~~قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنع لغيره ~~ممن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا. # فالحمد لله على أن وصل إلى جنابك إمام ~~هدى، أوجب لك مزية التعظيم، ونبه ~~الخلائق على ما خصك به الله من هذا الفضل ~~العظيم، وهذه أمور يجب أن تلاحظ وترعى، ~~وأن يوالى عليها حمد الله، فإن الحمد عليها يجب ~~عقلا وشرعا، وقد تبين أنك صرت في الأمور ~~أصلا، وصار غيرك فرعا. # ومما يجب تقديم ذكره أيضا أمر الجهاد، ~~الذي أضحى على الأمة فرضا، وهو العمل PageV01P089 ~~الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضا، وقد ~~وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم ~~عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التي لا ~~لغو فيها ولا تأثيم. وقد تقدمت لك في ~~الجهاد يد بيضاء، أسرعت في سواد الحساد، ~~وعرفت منك عزمة هي أمضى مما تجنه ضمائر ~~الأغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال هي ~~أشهر وأشهى إليك في القلوب من الأعياد، ~~وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، ~~وبعظمتك وعزمك حفظ عن المسلمين نظام ~~هذه الدول، وسيفك أثر في قلوب الكافرين ~~قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر ~~الخلافة إلى ما كان عليه في الأيام الأول، فايقظ ~~لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا، ~~وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا، ~~وأيد كلمة التوحيد، فما تجد في تأييدها إلا ~~مطيعا سامعا PageV01P090 # ولا تخلى الثغور من اهتمام بأمرها، تبتسم ~~له الثغور، واحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها ~~بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدما، ~~وشيد منها كل ما غادره الغدر متهدما، فهذه ~~حصون يحصل بها الانتفاع، وهي على العدو ~~داعية افتراق إلا اجتماع، ms13 وأولاها بالاهتمام ما ~~كان البحر له مجاورا، والعدو له ملتفتا ~~ناظرا، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن ~~العدو وصل إليها رابحا، وراح خاسرا، ~~واستأصلهم الله فيها حتى ما أقال منهم عاثرا. # وكذلك الأسطول الذي ترى خيله ~~كالأهلة، وركائبه سائرة بغير سائق مستقلة، ~~وهو أخو الجيش السليماني، فان ذاك غدت ~~الرياح له حاملة، وهذا تكفلت له المياه ~~السائلة، وإذا لحظها الطرف جارية في البحر PageV01P091 ~~كانت كالأعلام، وإذا شبهها أحد قال: هذه ~~ليال تقلع بالأيام. # وقد سنى الله لك من السعادة كل طلب، ~~وأتاك من أصالة الرأي الذي يزيل من العتب ~~كل معتب، وبسط - بعد القبض - عنك ~~الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل ~~وهداك إلى مناهج الحق، وما زلت مهتديا ~~إليها، وألزمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه ~~عليها، والله يمدك بأسباب نصره، ويوزعك ~~شكر نعمه، فإن النعمة تستتم بشكره. # وركب السلطان، وشق المدينة، وقد ~~زينت، وحمل التقليد الأمير جمال الدين ~~النجيبي، والصاحب بهاء الدين، في بعض ~~الطريق. PageV01P092 ### | ذكر تجهيز الخليفة المذكور لفتح بغداد ~~لما انعقد رأي السلطان والأمراء على تجهيز ~~الخليفة المذكور، عملت له خيمتان بدهاليز، ~~ووسمت بنعوته، واستخدمت له الأجناد، ~~وأمرت له أمراء، وهم سابق الدين بوزبا، ~~أتابك العسكر، بألف فارس، والطواشى ~~بهاء الدين صندل الشرابي، بخمسمئة فارس، ~~والأمير فتح الدين سليمان، أمير جاندار، ~~بمئتي فارس، والأمير ناصر الدين بن صيرم، ~~الخزندار، بمئتي فارس، والشريف نجم ~~الدين، استاد الدار، بخمسمئة فارس، ~~والأمير سيف الدين بلبان الشمسي، بخمسمئة ~~فارس، وكذلك جماعة من العربان، وأنفقت ~~فيهم الأموال، وأمروا بالطبلخانات، PageV01P093 ~~واشترى برسم السلاح والبقج وغير ذلك مئة ~~مملوك، وأعطى كل ملوك ثلاثة أرؤس خيل ~~وجمل واحد لعدته، وجهز معه كتاب انشاء ~~وحكماء، ومؤذنين. # ولما كان يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان ~~سنة تسع وخمسين وستمئة، برز السلطان ~~والخليفة، وأقاما ظاهر البلد حتى عيدا، وأكلا ~~طعام العيد، كل في خيمته، وحضر الخليفة في ~~هذه المنزلة إلى خيمة السلطان، وألبسه ~~سراويل الفتوة، بحضور الفتيان، وهي عادة PageV01P094 ~~بني العباس. ورحلا يوم السبت السادس ~~شوال متوجهين إلى الشام ms14 فلما وصلا إلى دمشق ~~نزل السلطان بقلعتها، والخليفة بالتربة ~~الناصرية، بجبل الصالحية. وأنفق في عسكر ~~الخليفة نفقة ثانية، وجهز معه خزانة، وجهز ~~سيف الدين بلبان الرشيدي، وسنقر الرومي ~~وأمرهم بالمسير إلى الفرات، وأن يكونوا، ~~متأهبين لطلب الخليفة هم إلى العراق. # وودع السلطان الخليفة، فجد في المسير، ~~ووصلت كتبه بأنه أخذ عانه والحديثة، ~~وعاد السلطان إلى مصر. وتوجه الخليفة على ~~رسله، فجرد إليه التتار جماعة قتلوه، وهزموا ~~جيشه، ولم يصل منه إلى القليل. PageV01P095 # قال الصاحب محي الدين: قال لي ~~السلطان: الذي أنفقته على تجهيز الخليفة، ~~والملوك المواصلة، ألف ألف دينار وستون ألف ~~دينار. أقول: ما رأيت أعجب من هذا ~~الرأي، وأعجب منه موافقة ذو الرأي ~~والمشور عليه، وقوم قد استولوا على البلاد، ~~بكثرة عددهم، واستعداد عددهم، وقوة ~~جأشهم، وكثرة جيشهم، كيف يسير إليهم ~~هذه الشرذمة القليلة، المتحقق أنها لا تفي بألف ~~منهم! وإنما هي أموال ضيعت، وأرواح للحياة ~~ودعت، ولو توجه العسكر المصري بكماله، ~~والشامي بعربه ورجاله، لكان فيه أعظم ~~تغرير، وإنما هي المقادير والسلام. PageV01P096 ### | ذكر ما اتفق في سنة هذه السفرة وهي سنة تسع وخمسين وستمئة # منها قضية البرلي، وعصيانه بحلب، ~~واستنابة الأمير علاء الدين البندقدار بحلب ~~المذكورة، ووصوله إلى حماة، وعودة، وقصد ~~البرلي سنجار، وقتل التتار له. # ومنها وصول ملوك الموصل، وهم الملك ~~الصالح ركن الدين وأخوه، بعده، الملك ~~المجاهد. وإٕنفاذ السلطان الإ فراج عن الملك ~~المظفر الذي كان قد اعتقلته الأمراء العزيزية ~~وتجهيز هؤلاء الملوك بعد سلطنتهم، وإمدادهم ~~بالجنود والأموال، وعود الملك الصالح ~~والمجاهد، هاربين من التتار، ومحاصرة أخيهما ~~بالموصل. # ومنها حضور المنصور، صاحب حماة، ~~والأشرف، صاحب حمص، إلى السلطان ~~بدمشق، وسلطنتهما، وعودهما، وزيادة PageV01P097 ~~المنصور تل باشر، والأشرف بلاد ~~الإسماعيلية، على ما كان بأيديهما. # وفي هذه السفرة حصلت المهادنة بين ~~السلطان وبين الفرنج على القلاع، والمدن ~~الساحلية، كعكا، ويافا، وبيروت وغير ~~ذلك، وكتبت الهدن لهم على العادة في الأيام ~~الناصرية ابن العزيز. وكان قد تقرر تسليم ~~الأسارى، الذي في بلاد المسلمين. فجهزوا ~~إلى نابلس، إلى أن يحضر الفرنج ms15 ما تقرر ~~عليهم من الأموال، فطاولوا بها، ولم ~~يحضروها، فرسم السلطان بإعادة الأسرى إلى ~~دمشق، واستعمالهم في العمائر، وسير الفرنج ~~يطلبون زرعين، بحكم أنها لهم، ومن ~~بلادهم، فجاوبهم السلطان بأنكم قد تعوضتم ~~عنها في الأيام الناصرية من مرج عيون. PageV01P098 # ومنها النظر في أحوال العربان، والإحسان ~~إليهم، وإلزامهم بخفر البلاد الشامية. ~~واستنابة الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ~~بدمشق وما معها. # ساق الصاحب محي الدين هنا حكاية، ~~عزاها لتاريخ ابن الأثير عندما عدد من كان في ~~خدمة السلطان من الملوك وأولاد الملوك وهي: # قال: ذكر ابن الأثير أن صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب قصد الركوب يوما، فعضده ~~بعض بني السلجوقية، وأصلح ثيابه إنسان من ~~بيت أتابك. فقال: ما بقيت تبالي بالموت يا ابن ~~أيوب، سلجوقي يعضدك، وأتابكى يصلح ~~ثيابك. # ومنها تجهيز الأمير جمال الدين المحمدي ~~للإغارة على بلاد الفرنج الذين لم يهادنوا، ~~والإغارة على العرب الزبيديين عندما بلغه ~~عبثهم، وفسادهم، وإٕعانتهم للفرنج. PageV01P099 # ولما تقررت هذه الأحوال عاد السلطان إلى ~~الديار المصرية في تاسع ذي الحجة سنة تسع ~~وخمسين وستمئة. ### | ذكر أخذ الشوبك # كان السلطان قد جهز الأمير بدر الدين ~~بيليك الأيدمري، ومعه جماعة من العسكر، ~~وأخفى أمرها. وصلها الامير المذكور واجتهد، ~~فسلمت في صفر سنة ستين وستمئة. وتولى ~~النيابة بها سيف الدين المختصى، فحضر ~~عربانها إلى باب السلطان، وأحسن إليهم، ~~وأعادهم. ### | ذكر ما اتفق للسلطان مع صاحب الكرك الملك المغيث # لما كثرت الفتن من المذكور، والإستعانة ~~بالشهرزورية على الفساد، وكثر ذلك، PageV01P100 ~~سير السلطان للأمير شجاع الدين طغريل ~~الشبلى، وأردفه بالأمير جمال الدين المحمدي، ~~لكف ضرر الشهرزورية، ومضايقة الكرك، ~~فقلق المغيث، وراسل، وتشفع بالخليفة، ~~ودخل تحت الطاعة، فكف عنه السلطات، ~~وكان ولده الملك العزيز بمصر، قد أحضره ~~الملك المظفر قطز عندما وجده بدمشق ~~المحروسة، وقد حضر من هولاكو، فأطلقه ~~السلطان، وأخلع عليه، وسير لابيه شعار ~~الملك من الصنجق والتقليد بسلطنته. # وفي هذه السنة، وهي سنة ستين وستمئه، ~~سلطن الملك السعيد محمد بركه قان، ولده، ~~وخلف له العسكر بعد عرضه، وكتب بذلك ~~إلى البلاد. ms16 PageV01P101 # وفي نصف رجب منها وصل البغادده، ~~ومقدمهم شمس الدين سلار، فأحسن إليهم ~~وأمر مقدمهم المذكور، وأفرج عن سيف الدين ~~قليج البغدادي، الذي كان قد اعتقله، لما بلغه ~~عنه، وأعاده إلى الإمرة. # وفيها عاد سيف الدين كرزي، وأصيل ~~الدين، اللذان كانا جهزا إلى الانبرور ~~بهدية، منها: الزرافة، وجماعة من التتر ~~الأسرى، لينظر أشكالهم، فتعجب الإنبرور ~~من الزرافة غاية العجب، وكرر كتاب ~~السلطان غير ما مرة، وسير مع الرسل رسلا ~~بهدية تناسبه. # وفيها وصل الأمير شرف الدين الجاكي، ~~والشريف عماد الدين العباسي، اللذان كانا ~~جهزا إلى الروم، وصحبتهما رسل عز الدين ~~كيكاوس، صاحب الروم، وعلى يدهما نسخة ~~يمين حلف عليها السلطان، فأحسن إلى PageV01P102 ~~رسله، وسمع مشافهتهم وقرأ كتبهم المتضمنة ~~الدخول في الطاعة، وامتثال المراسم، وأن ~~نصف بلاد الروم للسلطان، فأقطع فيها ~~بمناشيره. # أقول: إنه لم يتم شيء من ذلك، بل هي ~~غرامات، من خلع ونفقات. # وفيها، ورد الأمير عياد الدين بن الملك ~~المظفر، صاحب صهيون، فأحسن إليه ~~وأقطعه بالشام ثلاثين طواشيا، وبالروم مئة ~~طواشيا. # وفيها، سير المنصور، صاحب حماه، ~~قصادا، وصلوا إليه من التتار بفرمان يستميلونه PageV01P103 ~~به، فاعتقلوا، ورأى له ذلك. # وفيها ورد كتاب الأمير عز الدين الأفرم، ~~الذي كان جهز إلى الصعيد، بسبب العربان، ~~وتعديهم في قتل سيف الدين الحواش، والي ~~قوص، يذكر فيه أنه استأصلهم، وبدد ~~شملهم، وغبب أموالهم. # وفيها عاد فارس الدين أقوش المسعودي، ~~الذي كان قد توجه إلى الأشكري، وصحبته ~~الرشيد الكحال البترك، حسبما سأله من إنفاذ ~~بترك، وعاد الرشيد المذكور بعد أن بارك فيه، ~~ورتب الأساقفه، وحين حضر البترك المذكور ~~حمل ما حصل له من الملك المذكور وغيره من ~~المصاغ والذهب والهدايا النفيسة، للسلطان، ~~فرده عليه، وقال: أنت أولى به. # قال: وحكى أقوش المذكور، أن الأشكري ~~كان قد فتح القسطنطينية عند وصوله، فأركبه PageV01P104 ~~معه، ليفرجه بها، فمر على مسجد جامع بها، ~~وقال الأشكري لفارس الدين: هذا المسجد ~~الجامع قد أبقيته للمسلمين، إكراما للسلطان، ~~واستبقاء لوده فأعجب السلطان ذلك، ~~واحتفل بتجهز الحصر العباداني، والقناديل ~~المذهبة، والسجادات، وأنواع الطيب، ms17 إلى ~~المسجد الجامع المذكور. # وذكر ابن حمدون في تذكرته أن الصلح في ~~سنة ست وتسعين للهجرة وقع على بناء هذا ~~المسجد. وقيل إن بانيه سليمان بن عبدالملك. ~~في أيام أخيه الوليد، وقيل غير ذلك. ### | ذكر الإغارة على أنطاكية # كان السلطان قد جرد جماعة من العساكر، ~~صحبة الأمير شمس الدين سنقر الرومي ~~إليها، فأغاروا ونهبوا وحرقوا وأسروا، ~~وحضروا إلى القاهرة يوم الخميس تاسع ~~وعشرين، شهر رمضان سنة ستين وستمئة، PageV01P105 ~~ومعهم الأسرى، وهم مئتان وخمسون أسيرا. ### | ذكر وصول البرلي إلى الديار المصرية # كان وصوله إليها طائعا في ذي الحجة سنة ~~ستين وستمئة، فأقبل عليه السلطان، وأمره ~~بستين فارسا، وكانت البيرة بيده، فنزل عنها ~~للسلطان، ثم تغير عليه، وأمسكه في رجب ~~سنة إحدى وستين وستمئة. ### | ذكر إمساك الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري # كان المذكور نائبا بالشام، وبلغ السلطان ~~عنه أمور اقتضت إمساكه، فأمسك خارج ~~دمشق، وأحضر رابع ذي القعدة سنة ستين، ~~واستنيب الأمير علاء الدين الحاج الركني. PageV01P106 ### | ذكر توجه الرسل إلى الملك بركه # هذا الملك بركه من وراء التتار، وهو ~~عدوهم، وكان السلطان يخطب وده، ويراسله ~~ويهاديه، ليكون معه على ذلك العدو، وكانت ~~جماعة من أصحابه قد أنجد هلاون بهم، ~~فقفزوا وحضروا إلى الديار المصرية، فأكرمهم ~~السلطان، وجهزهم صحبة رسله إلى بلادهم ~~بعد أن حضروا مبايعة الخليفة، وسمعوا ~~خطبته. وكان تجهيزهم في المحرم سنة إحدى ~~وستين وستمئة. ### | ذكر المبايعة للإمام بأمر الله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين رضي الله عنه # لما كان يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى ~~وستين وستمئة، اجتمع الناس بإيوان القلعة ~~الكبير مع السلطان، وحضر الخليفة المذكور ~~راكبا إلى باب الإيوان، وكان القاضي محي ~~الدين قد عمل له شجرة نسب، فقرأها، ثم PageV01P107 ~~بايعه السلطان والناس على الكتاب والسنة. ~~ولما كان يوم الجمعة ثانية خطب مولانا أمير ~~المؤمنين، بجامع القلعة، بحضرة السلطان ~~والأمراء ورسل بركة، خطبة من إنشاء القاضي ~~محي الدين المذكور، وهي: # الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركنا ~~وظهيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا ~~نحمده على السراء والضراء، ms18 وأستعينه على ~~شكر ما أسبغه من النعماء، وأستنصر على دفع ~~الأعداء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله ~~عليه وعلى آله، نجوم الاهتداء، وأئمة ~~الاقتداء، الأربعة الخلفاء، وعلى العباس ~~عمه، وكاشف غمه، أبى السادة الخلفاء ~~الراشدين، والأئمة المهديين، وعلى بقية ~~الصحابة والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. # أيها الناس: إعلموا أن الإمامة فرض من PageV01P108 ~~فروض الإسلام، والجهاد محتوم على جميع ~~الأنام، ولا يقوم علم الجهاد، إلا باجتماع كلمة ~~العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، ~~ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب المآثم، فلو ~~شاهدتم أعداء الإسلام، حين دخلوا مدينة ~~السلام، واستباحوا الدماء والأموال، وقتلوا ~~الرجال والأطفال، وهتكوا حرم الخلافة ~~والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب الأليم ~~فأرتفعت الأصوات بالبكاء والعويل، وعلت ~~الضجات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم ~~من شيخ خضبت شيبته بدمائه! وكم من طفل ~~بكى فلم يرحم لبكائه ! فشمروا عن ساق ~~الاجتهاد، في إحياء فروض الجهاد، واتقوا ~~الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا ~~خيرا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون، فلم يبق معذرة في القعود عن ~~أعداء الدين والمحاماة عن المسلمين. PageV01P109 # وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل ~~العالم العادل المجاهد المؤيد، ركن الدنيا ~~والدين، قد قام بنصر الإمامة، عند قلة ~~الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا ~~خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة ~~العقود، والدولة العباسية متكاثرة الجنود، ~~فبادروا، عباد الله إلى شكر هذه النعم، ~~واخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء ~~الشيطان تظفروا، ولا يروعنكم ما جرى ~~فالحرب سجال، والعاقبة للمتقين، والدهر ~~يومان، والأجر للمؤمنين. # جمع الله على التقوى أمركم، وأعز بالإيمان ~~نصركم، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر ~~المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور ~~الرحيم. PageV01P110 ### || الخطبة الثانية ~~الحمد لله حمدا يقوم بشكر نعمائه، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، عدة عند ~~لقائه. وأشهد أن محمدا سيد رسله وأنبيائه، ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه عدد ما خلق في ~~أرضه وسمائه. # أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله، إن أحسن ms19 ~~ما وعظ به الانسان كلام الملك الديان: يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول، وإن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا. # نفعنا الله واياكم بكتابه، وأجزل لنا ولكم ~~من ثوابه، وغفر لي ولكم وللمسلمين ~~أجمعين. # وفي ليلة الأربعاء ثالث شهر رمضان من PageV01P111 ~~السنة المذكورة لبس السلطان سراويل الفتوة ~~للخليفة، بحكم أن السلطان لبسها من ~~المستنصر كما تقدم، ولم يكن الخليفة لبسه ~~قبل ذلك، وباشر ذلك الأمير فارس الدين ~~اقطاي، الأتابك، بتوكيل السلطان له في ~~ذلك. # ونسبة هذه الفتوة أن السلطان ~~للمستنصر، والمستنصر لوالده الطاهر، ~~والطاهر لوالده الناصر، والناصر لعبد ~~الجبار، لعلي بن دغيم، لعبد الله بن القبر، لعمر ~~بن الرصاص، لدبي بكر ب الجحيش، ابن ~~الساربار، لبقاء بن الطباخ، لنفيس العلوي، ~~لأبي القاسم بن أبي حيان، لمعمر بن البز، ~~لأبي علي الصوفي، لمهنا العلوي، للقائد PageV01P112 ~~عيسى، للأمير وهران، لرزبه الفارسي، ~~للملكي أبي مكي خيار، لأبي الحسن النجار، ~~لفضل الفرقاشي للقائد شبل بن المكرم ~~لأبي الفضل القرشي، للأمير حسان، لجوشن ~~الفرازي، للأمير هلال النبهاني، لأبي مسلم ~~الخراساني لأبي العز المطيع النقيب، للعوف ~~القبائي، للحافظ الكندي، لأبي علي ~~النوا، لسلمان الفارسي، للإمام الطاهر ~~التقي علي بن أبي طالب. # هذا ملخص ما تضمنته السيره، وكان ~~الوإجب أن يذكر فيها شجرة نسب الخليفة. ~~وأقول: هو الإمام أبو العباس أحمد بن علي ~~الفتى. والصورة في حضوره أن التتار ~~المخذولين كانوا عزموا على أن يبنوا عليه حائطا PageV01P113 ~~ببغداد، وأحضروا البناء لذلك، وأن البناء ~~المذكور رحمه، وأخذه وأركبه مع العرب، ~~وحضر به هاربا إلى الديار المصرية. ولما بويع ~~على ما ذكر، قرب هذا البناء منه قربا زائدا، ~~وبجل به. # ومكن هذا الخليفة في أول أمره من ~~الركوب والنزول والدخول إليه، وصار له ~~كاتب درج، وهو الإمام شرف الدين ابن ~~المقدسي الدمشقي، وإمام، وصار يكتب عنه، ~~ثم تخيل منه السلطان، وخاف عاقبة أمره ~~فمنع من الدخول إليه والاجتماع، وصار على ~~بابه جانداريه مدة ms20 سنين. ولما ملك حسام ~~الدين لاجين، الملقب بالمنصور، مملوك ~~السلطان الملك المنصور سيف الذين قلاون ~~أنزله من القلعة، وأسكنه الكبش، وصار هو ~~وأولاده مبتذلين، يركبون في الأسواق ~~ويجتمعون بالعوام، وتهلهلت حرمتهم، PageV01P114 ~~ونزوج هذا الخليفة ببنت الملك الناصر داود، ~~صاحب الكرك، و تعرف بدار دينار، ~~وسكنت في عدة مواضع، من جملتها موضع ~~بشاطىء الخليج، يعرف بملك الأمير جمال ~~الدين أقوش المحمدي، وصار يركب إليها ~~ويشق العوام، ثم قدرت منيته فتوفي. # وأفضت نوبة الخلافة لولده الإمام ~~المستكفي بالله أبي الربيع سليمان بحكم عهده ~~له بها، ونقل هو وبنو أخيه، إبراهيم والخليل ~~إلى القلعة، ومنعوا من التصرف والاجتماع ~~بالناس، إقامة لحرمتهم، وإجلالا لهم. ### | ذكر ما اتفق في سفرته إلى الكرك # كانت هذه السفرة في شهر بيع الأول سنة ~~إحدى وستين وستمئة. فيها ألزم العايد وجرم PageV01P115 ~~وثعلبة بدرك البلاد، وقرر عليها البريد، ~~والعداد، واستخدم عليها ديوانا ومشدا. # وفيها حضرت أم الملك المغيث، صاحب ~~الكرك، إلى غزة، في أمر ولدها، واستعطافه ~~عليه. # وفيها وصل الملك الأشرف، صاحب ~~حمص، بعد إستئذانه، وحصل على الإقبال ~~التام، وعاد بعد الاحتفال به. # وفيها حضر الملك المغيث، صاحب ~~الكرك، وأمسك، وسير إلى القاهرة صحبة ~~جماعة من الأمراء الظاهرية. وتوجه الأمير بدر ~~الدين بيسرى، وعز الدين أيدمر الظاهري، ~~لتسليمها وترتيب عز الدين أيدمر نائبا بها. # وذكر أن سبب إمساك هذا الملك المغيث ما ~~وقع للسلطان من الكتب الواردة إليه من ~~التتار، تقتضي إطماعهم في البلاد، وطلب PageV01P116 ~~عسكرا ليأخذ الديار المصرية، ووعد هلاون له ~~بإقطاع الشام إلى غزة، وكانت الكتب المذكورة ~~أجوبة من هلاون. وأحضر السلطان ~~المفتيين من دمشق، واستفتاهم في إمساكه ~~بهذا المقتضى، فأفتوه، وكتب به مكتوب. # وأقول: قال لي الأمير سيف الدين بلبان ~~الرومي الدوادار الظاهري: لما حضر هذا ~~الملك المغيث، جعله السلطان في خركاه في ~~خيمة، وأنزل حاشيته حوله، ودخلت على ~~السلطان، فيما وقفت بين يديه وحدثته، تململ ~~وتأوه، ويتبرم من أمر هذا المغيث، وكون ~~يمينه له تمنعه من إمساكه، مع هذا الجرم ~~العظيم، فخرجت من بين يديه، ولم ms21 أشاوره، PageV01P117 ~~وطلبت طاش داريه، وخيطت عليه ~~الخركاه، ودخلت عليه الخركاه، وقيدته، ~~وقيدت وزيره، وعدت إلى مولانا السلطان ~~فأخبرته بذلك، فلم يجاوبني عنه بإنكار ولا ~~رضى. هذه صورة ما حكاه لي سيف الدين ~~رحمه الله. ### | ذكر ما أوجب فسخ الهدنة المستقرة مع القرنج # كان السلطان في ابتداء ملكه قد رأى ~~المصلحة في مهادنة الفرتج، حسب سؤالهم، ~~فهادنهم، فلم يقفوا عند شروط الهدنة، ~~واعتمدوا أمورا تقضي بفسخها، منها: # بنار[بناء] سور على ربض أرسوف ومن ~~الهدنة أن لا يجددوا بناء. PageV01P118 # ومنها: إمساك رسل السلطان المسيرين إلى ~~الروم بجزيرة قبرص. # ومنها: الأسارى المسلمين الذين من ~~شرط الهدنة إنفاذهم. # ومنها: منعهم الجلب والميرة عن العساكر ~~عند توجهها فاصدة للشام، وغير ذلك. # وأول ما اعتمده السلطان الإغارة على ~~عكا، في ليلة السبت رابع جمادى الآخرة، ولم ~~يزل حتى أشرف على عكا والعساكر ملبسة ~~مطلبة، وأخد في النهب والحريق والقتل ~~والسفك، وحملت الأمراء إلى باب عكا. ~~وكانت الفرنج قد حغروا حول تل الفضول ~~خنادق، فردمها العسكر في الوقت، وهو تل ~~مشرف على البلد، فصعد السلطان عليه، ~~وكان هناك برج فهدمه، وأخرج من به ~~بالأمان، وهدم كنسية الناصرة، وهي أكبر PageV01P119 ~~كنائسهم، وانفصل بعد أن أرعد وأبرق ~~وأخاف، وعاد إلى منزله في الطور، فأمر ~~عليها من رأى حسن اجتهاده، وتبيينه في تلك ~~الغارة. # ورحل إلى بيت المقدس، فزار وتصدق ~~ورسم بعمارة ما يحتاج إليه، ورحل إلى الكرك. # أقول: لم يتهيأ للملك الطاهر فتح هذه ~~عكا، وأخرجها ليفرغ عن فتح ما هو أهم ~~منها. ولما أفضت نوبة الملك للسلطان الملك ~~المنصور رشيد الدين قلاوون الصالحي في ~~سنة ثمان وسبعين وستمئة حضر رسل بيوت ~~عكا، وسألوا مهادنتهم على حكم هدنة الملك ~~الظاهر، فأجيبوا، وكتبت أنا هدنتها، ولم تزل ~~الهدنة مستمرة إلى سنة تسع وتسعين وستمئة. ~~ففسخت، وسبب ذلك أن إنسانا من المسلمين PageV01P120 ~~أفسد زوجة بعض أكابرهم، وشرب ~~عليها، فبلغ صاحبها وكبسهم، وقتل من ~~المسلمين جماعة خارج البلد وداخلها، وخاذ ~~المقدمون، فأخذوا جماعة من المسلمين، ~~وألبسوهم زي الفرنج، وشنقوهم، وكتبورا ~~للسلطان الملك ms22 المنصور بغير هذه الصورة ~~وقالوا إن جماعة من الغرب الفرنج فعلوا ذلك ~~وأنا شنقناهم للوقت، حفظا للهدنة، فلم ~~يصغ السلطان الملك المنصور لمحالهم، بل ~~تجهز، وخرج بنية خرابها، والأعمال بالنيات ~~مخيما بغلاهر القاهرة، فاتفق حضور منيته، ~~بمقر ملكه، قبل أن يغيب عنه، فتمرض أياما ~~بدوزنطاريه كبديه، ومات - رحمه الله - بهذه ~~المنزلة، ونقل إلى القلعة مصبرا، وخالف فيه ~~كل قلب أضحى عليه مصبرا. # وأفضت نوبة الملك لولده السلطان الملك ~~الأشرف خليل، فلم يقدم مهما على هذا PageV01P121 ~~الخطب الجليل، وأسرع لإتمام غرض والده من ~~أخذ الثأر من هؤلاء الكفار، وجد المسير إليها، ~~ونازلها، ولم يزل أو فتحها، وبدأ دولته ~~بمثوبتها، وافتتحها، وهدمها على رؤسهم في ~~جمادى سنة تسع وثمانين وستمئة. # وكتبت له أبياتا، أهنيه بفتحها، وهي: # حكمت - برفع لوائك الأقدار %~% فاليك بالنصر العزيز يشار # فعلت مهابتك التي أعطيتها %~% بالرعب ما لا تفعل الأنصار # لما نزلت على الفرنج مطلبا %~% دهشوا لما قد شاهدوه وحاروا # سقطت قواهم إذ أتيت بعسكر %~% ملأ الفيافي والقفار فحاروا # أقبلت والأتراك حولك أنجما %~% وتمام وجهك بدرها السيار PageV01P122 # وعليك أبهة تلوح وهيبة %~% وجلالة وسكينة ووقار # راموا الفرار وقد رأوا ماهالهم %~% أنى يكون مع الهلاك فرار # سجدت لديك تقبل الإوض التي %~% شرفت بوطي جوادك الأسوار # صحبتهم وديارهم معمورة %~% فغدت ولن يلقى لها آثار # وتراهم لما نزلت عليهم %~% أرواحهم جادت بها الأعمار # غنت سيوفك في الرقاب فأرقصت %~% أجسادهم فلها الرؤوس نثار # أجريت من دمهم سيولا فجرت %~% في كل ناحية بها أنهار # ومحت ليالي الكفر بيض قد بدا %~% منها لعين الناظرين نهار # أضحت منازلهم خرابا كلها %~% قفراء لم يوجد بها ديار PageV01P123 # سألوا ملوكهم إعارة نجدة %~% أرأيت روحا للتلاف تعار # فأتتهم من كل جنس عصبة %~% ملئت برور منهمو وبحار # وردوا لسيفك منهلا مستوبلا %~% لم يلف عنه لوارد إصدار # وغدوا وكاسات المنون عليهمو %~% بالمشرفي الأشرقي تدار # لو سلموا سلموا ولكن كابروا %~% فأتت أمور لا تطاق كبار # هل أبصروا حصنا منيعا قبلها %~% خلاه لم يهتك حماه حصار # لكن إذا نزل القضاء بساحة %~% عميت به عن رشدها ms23 الأبصار # أمسى عظيم القدر من كبرائهم %~% شلوا طريحا ماله مقدار # خانوا العهود ومن يخن فجزاؤه %~% ويل وبيل أمره ودمار PageV01P124 # ونقضوا المهادنة التي كانوا بها %~% في راحة ما شانها اضرار # كان الشهيد نوى المصير إليهم %~% فقضى عليه الواحد القهار # فخلفته ولنعم أنت خليفة %~% في مجده تتحيرالأفكار # خبيت لفتحك فافتضضت بكارة %~% منها وكم لك خبيت أبكار # أيام حصرهم لديك قصيرة %~% لم لا وأيام السرور قصار # دارت جيوشك حولها فكأنما %~% هي معصم وهم عليه سوار # وإذا تكلمها المجانيق اغتدت %~% من سورها تتجاوب الأحجار # قد دونت هذي الغزاة وسطرت %~% وتحدثت بحديثها السمار PageV01P125 # لا عهد في ماضي السنين بمثلها %~% ولا بطول بقائه أنظار # بشراك هذا مبدأ النصر الذي %~% يعلو به للمسلمين منار # هذا فتوح ما سمعنا مثله %~% كلا ولا جاءت به الأخبار # ما مثل عكا في الحصون لأنها %~% أم القرى يأتمها الكفار # كانت لهم كرسي مملكة إلى %~% تحصينها في المعضلات يصار # كم قد مضى ملك بغصة فتحها %~% وبقلبه منها تأجج نار # ماتوا بغيضهم وكم من دونها %~% عرضت موانع كلها أعذار # حتى أتاها الأشرف الملك الذي %~% خافت فرنج بأسه وتتار # فشفى صدور المسلمين بفتحها %~% ولتفتحن بغزوه الأمصار PageV01P126 # ولترجعن بسيفه وسنانه %~% للمسلمين معاهد وديار # وليملكن الأرض طرا عاجلا %~% شرقا وغربا جيشه المغوار # ملك عطاياه الجسام لمن يروم %~% على الدوام بفيضها مدرار # سحب العطايا من سماء يمينه %~% للمعتفين إذا تسح غزار # أغنى بأنعمه الفقير فبيته %~% بيت الغني يهدي له ويزار # يعطى الألوف وثغره متبسم %~% ييدو عليه بمنحها استبشار # ماذا أقول ووصفه - ومديحه %~% مالا تحيط ببعضه الأشعار # فالله يبقى ملكه ما صفقت %~% أيدي الغصون وغنت الأطيار PageV01P127 ### | ذكر تسليم الكرك من نواب الملك المغيث # كان وصول السلطان إلى الكرك يوم ~~الخميس ثالث وعشرين جماد الأخر وحين ~~وصلها أحضرت إليه مفاتيحها، ولم يحتج إلى ~~مضايقتها، وطلع إليها، وصلى بها الجمعة، ~~ونظر في أحوالها، ورتب بها ما يجب ترتيبه، ~~فاستناب بها مملوكه القديم عز الدين أيدمر، ~~وأنزل من بها من بيوت الملك المغيث، وولده ~~العزيز، ولم يتعرض إلى شيء من أموالهم، ~~وخلع ms24 على العزيز المذكور، ونظر في أمر ~~العرب، بني مهدي وبني عقبة، ورتب ~~عليهم العداد، وألزمهم بحفظ البلاد، ~~وأقطعهم بمناشير، وعاد إلى الديار المصرية، ~~فدخل القاهرة سابع عشر رجب، وقد زينت له ~~وهيئت، وحين استقر بالقلعة عم بالخلع ~~والإحسان PageV01P128 ### | ذكر من أمسكه من الأمراء بعد # الحضور من الكرك ~~الأمراء الممسوكون هم: سيف الذين بلبان ~~الرشيدي، وعز الدين أبيك الدمياطي ~~والبرلي. # أما البرلي فقد تقدم ما اتفق منه. # أما الرشيدي فإنه عندما وافق الملك المغيث ~~على النزول إلى السلطان، بعد حلفه، سير ~~الرشيدي يخوفه عاقبة ذلك، ويمنعه من ~~الحضور، ويقول له: أنا أحضر إليك، وأشد ~~منك، ونعصى على هذا الرجل. ووقع ~~للسلطان كتبه بذلك، إلا أن السلطان خادعه ~~بأن سير إليه قبل الفتح والتسليم مبشرا بأنها ~~سلمت، وفتحت، فأظهر فرحا من غير فرح ~~وخلع على المبشر، وفترت همته، وظن أن حيلته ~~فاتت، ثم قصد أن يغتال السلطان، فقصده PageV01P129 ~~وقت صلاة الصبح، هو والدمياطي والبرلي، ~~في جماعة كبيرة، فردتهم سعادته، ولم يحصلوا ~~على غرض. # وأما الدمياطي فإنه أراد أن يقيم في الجيش ~~فتنة، يبلغ بها غرضا، وذلك أن الملك العزيز ~~ابن المغيث، ومن معه من الحريم والاتباع، ~~أنزلوا، عند نزولهم من الكرك، بالمنظرة ~~بالوادي، قريب منزلة السلطان، ومعهم ~~أموا لهم، وما أنعم به عليهم السلطان، فأركب ~~الدمياطي جماعة من مماليكه متنكرين، ونهبوا ما ~~كان معهم، قصدا في التشويش، فلم يتفق ~~ما قصده، وأصبح السلطان، وتحيل في ~~الكشف عن هذا الأمر، فظهرت من ~~الدمياطي، وأحضر بعض القماش من عند ~~مماليكه، ولم يظهر السلطان في ذلك ما ينفر إلى ~~أن وصل إلى مصر، وأمسكهم، وأعتقلهم. ~~ثم شرع في تجهيز رسل كانوا وصلوا إليه من ~~الملك بركه، بكتاب يتضمن إسلامه، وإسلام PageV01P130 ~~إخوته الأربع ويوصي على عز الدين ملك ~~الروم، ويستجيش على هولاكو، وجهز معه ~~رسل، وهم: الشريف عماد الدين العباسي، ~~وفارس الدين المسعودي، بجواجهم، متضمنا ~~للتهنئة بالإسلام، وذكر ما تضمنه من ~~الأحاديث النبوية في فضله. # وجهزت له هدية، وختمة شريفة، ~~وكرسيها، وسجادات، وقناديل، وزرافة ~~وحمير وعبي ms25 لواتيه، وأكسيه، وسيوف، ~~وقسي، وأوتار حرير، وخيل ولجم، وجراوات ~~بندق، ومشاعل جفت، وجوار طباخات، ~~وخدام، وهجن، وعمره اعتمر له بها بمكة، ~~ودهن بلسان وأنطاع، ومخد، وكل مستطرف ~~مما هو مختص بالديار المصرية، من القماش ~~الشرب، والدبيقي، والدمياطي. ~~والسكندري، والخوذ، كل ذلك إعداء له على ~~التتار، والإستعانة به عليهم. PageV01P131 # وكان تجهيزهم في سابع عشر شهر رمضان ~~سنة إحدى وستين وستمئة. ### | ذكر توجه السلطان إلى الإسكندرية المحروسة # لما عزم السلطان على التوجه إلى هذا الثغر، ~~أمر الصاحب الوزير بهاء الدين علي بن محمد ~~بأن يتقدمه إليه بتقرير الأحوال، وكان من ~~الوزراء الكبراء الحازمين، المهابين الأمناء، ~~الحسني التدبير فتقدمه. # ولما كان مستهل ذي القعدة من سنة إحدى ~~وستين وستمئة، توجه السلطان، ووصل إلى ~~تروجه، ودخل البرية، فتصيد، ثم قصد ~~الثغر، ومر في طريقه على الليونة والبعل، وهي ~~جعة تروى من المطر، ولأهل الثغر بها أعظم ~~رفق، فأمر بالاجتهاد في أمرها، وإحضار أبقار ~~واستجلاب الفلاحين. ثم سار، ووصل فخيم PageV01P132 ~~بالجزيرة رفقا بأهل الثغر، ومنع الجند من ~~النزول به، ومضايقة أهله. # ثم ركب وقد زين له الثغر، واجتهد فيه، ~~واحتفل بأمره فشقه، ورجع إلى مخيمه. وكان ~~إنسانا يقال له زين الدين بن البوري، ~~مدرسا على مذهب الإمام الشافعي، وكان رجلا ~~شريرا مرافعا اسكندريا وحسبك! قد أنهي ~~إلى السلطان قبل سفره فصولا، تحققها بين ~~يديه، مما يعود نفعها على الإسلام وعليه، ولما ~~كان سادس ذي القعدة استحضره السلطان ~~بالمخيم، بحضور العلماء والدواوين، وألزمه ~~تحقيق ما أنهاه، فظهر أنها مظالم، فأمر ~~بإشهاره، بمتتضى ما أفتى به العلماء. # ثم صلى السلطان بالجامع، وكان خطيبه ~~بن أبي الفرج الحاكم، فأخذ يحذر السلطان في ~~خطبته للظالم، وينهاه، ويذكر ما وعد الله به ~~الملك الجائر، ويقرعه، والسلطان مطرق مصغ PageV01P133 ~~فلما انقضت الجمعة أحضر الصاحب بهاء ~~الدين الحاكم المذكور، وأنكر عليه كونه واجه ~~السلطان بمثل ذلك، واتفق عزله، وتولية ~~القاضي ناصر الدين بن المنير، فخطب في ~~الجمعة الثانية، وزهده للسلطان واطراه، فلما ~~انقضت الجمعة، قال السلطان: هذا الحاكم ~~مرائي، والذي كان قبله ms26 غير مرائي. وأمر ~~بإعادته. # وهذه الحكاية لم يذكرها الصاحب محي ~~الدين، وهي أحسن ما تطرز به سيرته. # ثم إن السلطان أفاض الخلع، وأنعم ~~بالدنانير على أمرائه، وجنده، وأكابر دولته، ~~ومن جملة ما أنعم به على الصاحب بهاء الدين ~~خمسمئة دينار عينا، وخلعة نفيسه، فقبلهما في ~~العاجل، ولما كان بعد أيام حضر الصاحب إلى ~~السلطان، وجلس بين يديه، وقال: قد تحصل ~~من جهة حل لمولانا السلطان خسمئة دينار PageV01P134 ~~وها هي فعلم السلطان أنها التي سيرها له، ~~فقال له: ياصاحب أنا أعلم ضرورتك، وكبر ~~نفسك، وأن أحدا لم يخسر عليك، وقد ~~سيرت إليك هذه تأخذ بها هدية لمن وراءك. ~~فقال: يا خوند والله ما يكفيني عليها ألف دينار ~~أخرى هدية، وفي ذهن مولانا السلطان أنها ~~باقية، ثم ضرع إليه، وسأله حتى حملت إلى ~~الخرانة. # وهذه الحكاية أيضا لم يذكرها الصاحب محي ~~الدين. # ثم إن السلطان تواضع لله وزار الشيخ ~~القباري، ومزارات الثغر، وجلس بدار ~~العدل، وكشف الظلامات، وعاد، فأكد في ~~أمر الليونة، وأمر العربان بالسباق، فسابقت ~~بين يديه. # وعاد إلى القلعة، بعد أن أحسن، كما PageV01P135 ~~شرح، وعندما استقر عزل ابن المنير بالقاضي ~~برهان الدين البوشي، لما رآه من المصلحة في ~~ذلك. # وكان الواجب على الصاحب محي الدين أن ~~لا يجعل سبب التوجه إلى هذا الثغر التنزه ~~- كما ذكر - بل كان الواجب أن يجعل سببهم ~~أن هذا الثغر ترده الفرنج، وتصد عنه، ~~وربما حدث العدو الفرنجي نفسه بقصده، ~~وبه قوم مجاهدون، وقبائل، وغيرهم، فرأى ~~السلطان أن يبلغ الفرنج عنايته به، وعدم ~~غفلته عنه، وان يشاع وصوله إليه وتنقطع ~~الأطماع، ويأمن أهله من العدو. كذا كان ~~ينبغي. ### | ذكر ما اتفق في أيامه مما يدل على عدله # حضرت جارية سوداء، وأنهت له أن عند ~~القاضي شمس الدين ابن خلكان صناديق مال PageV01P136 ~~كثير لشجر الدر، فسير وراءه، وسسأله، فذكر ~~أن المال للوجيه ابن سويد، وحضر ابن سويد. ~~وأعطى أمارات الصناديق، فلم يتعرض إليها. ### | ذكر شيء من تواضعه ورفقه # كان جماعة من أمرا كسيف الدين ~~قلاوون، وهو ms27 الملك المنصور، وحسام الدين ~~بن بركة خان، قد تشوشوا فنزل وعادهم ~~بالقاهرة. واتفقت وفاة حسام الدين في ذي ~~الحجة سنة اثنين وستين، فنزل السلطان إلى ~~داره بالحسينية، وجلس إلى أن جهز، ومشى في ~~جنازته، وصلى عليه، وحضر دفنه، واتفق أنه ~~وجد في بعض أزقة القاهرة حمارا عليه فخار، ~~بزقاق مضيق، فأمر من في خدمته أن يتسللوا ~~فارسا فارسا، حتى لا يؤذى الفخار. وهذا في ~~غاية الحسن. PageV01P137 # وعمل لحسام الدين بركة خان عزاء بالجامع ~~الصالحي، خارج بابي زويلة فنزل وحضرها، ~~ولم يزل حتى انقضت التلاوة والوعظ. # واتفق عند خروجه وركوبه من باب الجامع ~~حضور جماعة من التتار، وكانوا قد أنزلوا ~~بببوت هيئت لهم، في ميدان اللوق، وهم ~~كرمون وشبرك ونبتوا، وغيرهم من أكابر ~~المغل، وأمراء الثمانات، وحملت إليهم الخلع ~~والإنعامات، فلبسوا وقصدوا القلعة، لأداء ~~الخدمة بها، فصادفوه عند باب زويلة، كما ~~ذكر، وبأعلى الباب رؤوس من قتل بعين ~~جالوت من مقدمي التتار ككتبغا نويل ~~وغيرهم فنظم الصاحب محي الدين في هذا ~~المعنى: # يا مليكا له الحسام المبيد %~% وكريما له العطاء المفيد PageV01P138 # شاهد الناس منك يا ملك الأرض %~% أمورا لها يلين الحديد # شاهدوا منك إذ ركبت من الجامع %~% الصالحي نصرا به يموت الحسود # فرؤوس على الشرئف قتلى %~% ورؤس على التراب سجود # حين وافى التتار في خلع منك %~% وكل صنائع وعبيد # ورأوا منهم رؤسا على السور %~% بحكم الرياح أمست تميد # هذه قد عصت وهذي أطاعت %~% هكذا هكذا تكون السعود # دمت ترقى لك الحياة صعيدا %~% كل يوم لها إليه صعود # وقال رحمه الله، وقد أمر بختان هؤلاء التتار ~~الوافدين وختنوا # يا مالك الدنيا الذي %~% أضحى صلاحا للأمم PageV01P139 # يا من محا بالعدل ما %~% للظلم فينا من ظلم # يا من تساق له التتار %~% غنيمة مثل الغنم # فأتوا ببابك كلهم %~% يأتون منه إلى حرم # أمنوا به مما يخاف %~% من البلايا والنقم # جعلوا جنابك جنة %~% وثرى خيولك مستلم # بسطوا يمينا للهدا %~% ية طالما خضبت بدم # أعطيته ما للمؤلفةر %~% القلوب من القسم # لكن سعودك أقسمت %~% لابد توجدهم ألم # بورودهم ms28 نار الحد %~% يد كما تشاء من الضرم PageV01P140 # فجعلت لما أسلموا %~% تطهيرهم حل القسم # لا زلت يا ملك الزمان %~% لك الملوك من الخدم # وفي هذه السنة اتفق أن بهاء الدين، أمير ~~آخور، ضرب إنسانا، يقال له أمين الدين ~~أحد الدلالين، بسوق الخيل، فقضى عليه، ~~ووقف طالبوا دمه للسلطان، فتسحب أمير ~~آخور المذكور، واستجار بالملك المنصور ~~قلاوون، وهو إذ ذاك أكبر أمراء الدولة، فلم ~~يجره، وشدد في إحضاره، ليسلمه لأوليائه ~~فدخل الأتابك في القضية، وتحدث مع وراثه، ~~وأعطاهم ديته، فأبرؤوه، والسلطان يأبى إلا ~~السياسة فيه، ثم اجتمع الأمراء، وسألوا ~~حمله على الشرع بعد امتناع وتشديد، هذا ~~والمذكور غلامه القديم وتربيته ولزمه. PageV01P141 # وفي هذه السنة رسم السلطان لقاضي ~~القضاة تاج الدين بن بنت الأعز الشافعي بأن ~~يستنيب في غير مذهبه، فاستناب حنفيا ~~ومالكيا، ولم يستنب حنبليا حسب ما رسم به. # وفي مستهل سنة اثنين وستين وستمئة ~~استقبلها السلطان بالجلوس في دار العدل ~~السفلى، وهي تربة بنى المهتار من أمراء ~~المصريين. # واتفق في ذلك اليوم أمور منها: # وقوف خادم بورقة مختومة فيها أن الشيخ ~~شمس الدين الحنبلي باغض في الدولة، داع ~~بزوالها، عامل عليها، فسيرت القصة ~~لشمس الدين، فحلف أن هذا الأمر لم يكن له ~~صحة، وأن هذا الخادم كان يخدم عنده، ~~فسلك غير الصواب مع أحد أولاده فطرده، ~~فاعتمد ذلك، فضرب السلطان الخادم ضربا ~~مؤلما. PageV01P142 # ومنها أنه رسم بأن ينادي بأن لا تتعمم امرأة ~~ولا تتزيا بغير زي النساء. # وفي يوم عاشوراء، جلس أيضا في دار ~~العدل، وجرى على العادة في العدل ~~والإنصاف، وادعى رجل أن له عند السلطان ~~بقيه ثمن خيل، فتذكر ذلك، وأمر بإيصاله إليه ~~وزاده. # وادعى إنسان أن إنسانا قتل أخاه، وهو في ~~اعتقال مصر، فسأل السلطان متوليها، ققال: ~~هذا كان أخوه قد تخاصم هو وهذا المعتقل ~~فرفصه المعتقل، فاغمى عليه، ثم قام ~~وتصرف ثمانية عشر يوما، ثم مرض بعد ذلك، ~~ومات فقال له السلطان اثبت أن أخاك مات ~~من هذه الرفصة. فقال: لا أقدر على ذلك ~~فأطلق سراح العتقل. ms29 # وحضر للطعام، فأكل السلطان ~~والامراء، والتفت للامراء، وقال: نحن بدار PageV01P143 ~~عدل، وهذا الطعام الحاضر لكل فيه حق، وقد ~~انفردنا به، فما تقول في ذلك يا قاضي القضاة ~~تاج الدين؟ فقال: بك تستخلص الحقوق. ~~واستحسن من السلطان هذا الكيس، وهذه ~~المداعبة. # وفي هذه السنة خطب للسلطان بمكة ~~- شرفها الله - وسلم مفتاح البيت للصدر جمال ~~الدين بن الموصلي الموقع الذي كان جهز ليكون ~~نائبا بها. # وفيها فوضت التقدمة على الجيش بحماه ~~للطواشي شجاع الدين مرشد الحموي، وخلع ~~عليه، وكتب له تقليد لقدم هجرته، وشغل ~~الملك المنصور ولد استاذه بما هو فيه من ~~التمتع. ### | ذكر المدرسة التي أنشأها بالقاهرة المحروسة # كان من جملة قاعات القصر قاعة يقال ها ~~قاعة السدرة، ولما عزم السلطان على بناء PageV01P144 ~~المدرسة ابتاعها ممن كان موجودا من ذرية المعز ~~أبي تميم منشىء القاهرة، من صلب ماله ~~وعملت مدرسة حسنة الوضع. ولما كان يوم ~~الأحد الخامس من صفر جلس بها المدرسون ~~وهم الشيخ تقي الدين بن رزين الشافعي، ~~والصدر مجد الدين بن العديم الحنفي، ~~والشيخ كمال الدين المحلى مقريا، والشيخ ~~شرف الدين الدمياطي محدثا، ومد بها سماط ~~هائل، وأفيضت الخلع على المحرسين وأرباب ~~الوظائف، وأنشد الشعراء، وهم الأديب ~~سراج الدين عمر الوراق، والأديب جمال ~~الدين أبو الحسين الجزار، وجمال الدين يوسف ~~ابن الخشاب. # فمن أبيات الوراق: # مليك له في العلم حب وأهله %~% فلله حب ليس فيه ملام PageV01P145 # فشيدها للعلم مدرسة غدا %~% عراق إليها شيق وشآم. # ولا تذكرن يوما نظامية لها %~% فليس يضاهي ذا النظام نظام # ولا تذكرن ملكا وبيبرس مالكا %~% فكل مليك في يديه غلام # ولما تناهت زعزعت كل بيعة %~% متى لاح صبح فاستقر ظلام # ومذ برزت كالروض في الحسن %~% أنبأت بأن يديه في النوال غمام # ألم تري مرابا كأن أزاهرا %~% تفتح عنهن الغداة كمام # تذكرنا من جنة الخلد زخرفا %~% فيهرع مأموم له وإمام # ومن أبيات ابن الخشاب # قصد الملوك حماك والخلفاء %~% فأفخر فإن محلك الجوزراء PageV01P146 # أنت الذي أمراؤه بين الورى %~% مثل الملوك وجنده أمراء # ملك تزينت الممالك باسمه %~% وتجملت ms30 بمديحه الفصحاء # وترفعت لعلاه خير مدارس %~% حلت بها العلماء والفضلاء # تبقى كما يبقى الزمان وملكه %~% باق له وبحاسديه فناء # يجرى له في حلبة من أجرها %~% الخيل سابقة دعا وثناء # كم للفرنج وللتتار ببابه %~% رسل مناها العفو والإعفاء # وطريقه لبلادهم موطوءة %~% وطريقهم لبلاده عذراء PageV01P147 # دامت له الدنيا ودام مخلدا %~% ما أقبل الإصباح والإمساء # ومن أبيات الأديب أبو الحسين الجزار: # ألا هكذا يبنى المدارس من بنى %~% ومن يتغالى في الثواب وفي الثنا # لقد ظهرت للظاهر الملك نعمة %~% بها اليوم في الدارين قد بلغ المنى # تجمع فيها كل حسن مفرق %~% فراقت قلوبا للأنام وأعينا # ومذ جاورت قبر الشهيد فنفسه %~% النفيسة منها في سرور وفي هنا # وما هي الا جنة الخلد أزلفت %~% له في غد فاختار تعجيلها هنا # ولما بلغ السلطان أمر هؤلاء الشعراء ارسم %~% لهم بتشاريف فشرفوا. # وفي هذه السنة وصلت رسل ملك الغرب %~% بكتاب وهدية، فلما فض الكتاب وجد فيه PageV01P148 ~~تقصيرا في المخاطبة، فلم يقبل الهدية، ورد ~~الرسول وهديته وكتابه إلى الغرب. # وفيها توجه إلى الغربية ودمياط، وتصيد ~~في المنتزه، ونظر في أمر البلاد، وتسامح بما ~~على رزق الخطابات والمساجد من العشر. ~~وعزل ابن الهمام، وإلي الغربية، لكثرة ~~الشكاوى فيه، وشنق كاتب الناظر، بأمور ~~بدت منه، توجب ذلك. # وقيها جاء الخبر إلى الأمير عز الدين الحلي ~~الصالحي، نائبه، بموت ولده الأكبر نور ~~الدين، فركب إليه وعزاه مرارا، ولما حضر ~~الحلي لم يقدم شيئا على طلوع القرافة بقبر ولده. ~~وحضرت الشعراء، على اختلاف طبقاتهم ~~ورثوه، وكان من جملتهم إنسان يقال له الزين ~~كناكب، وكان في الشعر دون طبقة من حضر ~~فقام آخر القوم، وأنشد خببا PageV01P149 # سافرت وجئت على الأثر %~% فوجدت الدار بلا قمر # فلما سمعه الحلى صرخ، بكى بكاء ~~شديدا، وعدم الثبوت، ولم يتحرك لمن أنشد ~~قبله على علو قدرهم في الشعر، وخلع عليه ~~دونهم، هو ومن حضر من الأكابر، فاستغنى ~~بعد فقر مدقع. وخرج بقية الشعراء بلا شيء ~~وما ذلك إلا أنه نطق عن ما في نفسه، فمن جملة ~~هذا الخبب بيت ms31 نادر وهو: # فقدت النور وفقد النور يعز على البصر. # ولقب المتوق نور الدين. # وفيها وصل الخبر إلى السلطان، وهو على ~~منية زفتا، بوفاة الملك الأشرف، مظفر الدين ~~بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاها ~~شيركوه ابن الأمير بدر الدين محمد بن أسد ~~الدين شيركوه بن شادي - رحمهم الله- ولم يكن ~~له ولد، وكان حينئذ صاحب حمص، فكتب ~~السلطان إلى الأمير جمال الدين النجيبي PageV01P150 ~~بتسليمها، وحملت إليه الخلع والذخائر ~~والإنعامات. # وفيها فسح للفرنج في زراعة البلاد بغلالهم ~~وأبقارهم، وهودنوا على ذلك. # وفيها كتب لوزير بغداد، ووزير خلاط ~~تقليدان، حسبما سألوه، فسير تقليد وزير ~~بغداد إلى الرحبة، ووزير خلاط إلى ~~البيره. # وفي هذه السنة سنة اثتين وستين وستمئة ~~قصر النيل، وارتفع السعر، وبلغ الأردب مئة ~~درهم، وفرق السلطان الصعاليك على الأمراء ~~والجند، والوزير وولده، ورسم بأن يباع من ~~الأهر خمسمئة أردب، الويبتان فما دونهما. PageV01P151 ~~وأحسن في ذلك التدبير، وقد كان حصل في ~~الأيام المتقدمة غلاء، فأكل الناس فيه بعضهم ~~بعضا، في الأيام المستنصرية، أحد الخلفاء ~~الفاطميين بمصر، ومن أعجب ما حكي أن ~~وزيره نزل بباب دار الوزارة، وأن العوام ~~أخذوا بغلته، وأكلوها في الوقت، وأنهم ~~أمسكوا وشنقوا، فأكل من لم يشنق المشانيق. # وفيها ورد الخبر عليهم في دمشق أن حسام ~~الدين الجوكندار، أحد أمرائها، توفي، ~~وخلف بناتا، وذكر أنه كان قد أوصى لأحد ~~بناته بخمسمئة دينار، يعمل لها بها سورا، ~~فأفتى القاضي تاج الدين بن بنت الأعز ~~الشافعي أن لا وصية لوارث، وأفتى القاضي ~~صدر الدين الحنفي أن مذهبه تجوز الوصية ~~للوارث، فحمل الأمر السلطان على مذهب ~~الإمام أبي حنيفة، وأحسن إلى البنات PageV01P152 ~~المذكورين، ورفق بهم، وسامحهم بجملة ~~كبيرة. # وفيها خرج السلطان متصيدا، وراهن ~~جماعة من أمرائه، وافترقوا حزبين، فكان ~~السلطان في حزب، وسيف الدين قلاوون ~~الالفى، الملقب بالمنصور، مقدم حزب، فاتفق ~~أن صاد الملك المنصور أكثر، وأشرف على ~~الغلب، وقام برد عظيم أيس معه السلطان من ~~الصيد، ونزل، ووقدت النيران لشي ما صاده، ~~فلم يشعر إلا وقد أقبلت غزلان، فنهض إليها ~~وصادها، ms32 فغلب، والأقدار تقول إن الغلب ~~للملك المنصور، فإنه ملك البلاد بعد الملك ~~الظاهر، وتسلطن، ودامت أيامه، فالغلب إنما ~~كان له حقيقة، وللملك الظاهر مجازا. ولله رد ~~القائل: # ما شئتموه فقولوا ما الملك إلا للولو. PageV01P153 # وهي الاقدار طالما صير غالبا مغلوبا ~~وطالبا مطلوبا، ومتأخرا متقدما، ومحكوما ~~عليه متحكما # وفي هذه السنة قصد هيتوم بن قسطنطين، ~~ملك سيس، البلاد الحلبية بأمر هولاكو، له ~~ولركن الدين، صاحب الروم، وجماعة من ~~التتار، وصلوا إلى عين تاب. وكان السلطان ~~قد بلغه ذلك، فكتب بالاحتراز إلى النواب، ~~والتيقظ، فلما حل ملك سيس بهذه الجهة، ~~تخطفته الغياره، وقتلت من أصحابه، وأسرت ~~أميرا كبيرا من الأرمن بأصحابه، فذعر ~~صاحب سيس ومن معه، وعادوا منهزمين ~~وكان هولاكو قد سير قاضيه معهم، ليحضر ~~هذا المهم، فشاهد ما هاله. # وفيها جهز الأمير عز الدين الأفرم، أمير PageV01P154 ~~جاندار، بحفر خليج الاسكندرية، ورسم له ~~ببناء مسجد هناك، وأن يعمل على بابه رخامة ~~كبيرة، ويكتب عليها ألقاب السلطان، ~~واحتفاله بأمر هذا الخليج. # وفيها أيضا اجتهد في أمر جزيرة بني نصر ~~والتحيل على ريها. # وفيها جهز الأمير سيف الدين بلبان ~~الزيني، أمير علم، إلى الشام، لتفقد ~~الحصون، وسد خللها، والنفقة على من بها، ~~وخلع عليه. وكتب على يده تذكرة كبيرة، ~~وفصول يعتمدها، بخط الوزير محي الدين ~~المذكور. # وفيها وصلت الكتب من المكاتبين بالعراق ~~أن هولاكو - جهز جاسوسين بفرمانات، لإفساد ~~أمراء السلطان كأتابك وغيره، وأنهم توجهوا ~~إلى جهة سيس، فطالع بهما من عادته يطالع ~~بأخبار سيس، ووصلوا إلى عكا، فطالع ~~بأمرهم من بها من المكاتبين، وأنهم توجهوا إلى PageV01P155 ~~دمياط، فكتب السلطان إلى دمياط، فامسكا، ~~واحضرا، فاستكشف منهما الحال، فلم يسعهما ~~الإنكار، وشنقا. # وفيها وصل إيسان من دمشق، كان يقول ~~إنه صاحب خبر السلطان، ويرهب الناس ~~لقطع مصانعتهم، فقطع لسانه. # وفيها وصل كتاب ناظر دمياط يتقرب إليه ~~بسيئات، وهي أنه قال: إن دمياط الأولى ~~كانت قد أخربت، وأنها الآن مهجورة، وأن ~~هذه المستجدة بنيت على أرض تجرى في ملك ~~بيت المال، بطوب أسوار دمياط القديمة، ~~واستأذن في ms33 تحكير ذلك، وبيع ما يرغب في ~~ابتياعه، فأنكر عليه أتم إنكار، وكتب توقيع ~~بالمسامحة بذلك، وقرىء بجامعها، واحضر ~~الناظر المذكور وصودر، وعجل جزاؤه في الدنيا ~~فبل الآخرة. # وفيها بنى البرج الذي بقارا. PageV01P156 # وفيها بلغ السلطان عزم صاحب سيس على ~~قصد البلاد، وأنه جمع حشودا، وألبس جماعة ~~من أصحابه زي التتار، فكتب إلى سائر ~~عساكر الممالك الشامية، بتدارك أمره ~~ومصيره إلى حسام الدين العين تابى، فلما ~~صاروا إليه أغار بهم على أطراف سيس، ~~ونهب، وأسر، وحرمهم القرار، وأغار على ~~أنطاكية ورجع صاحب سيس عما كان عليه قد ~~عزم، وحصل له رعب شديد. # وتوالت الغارات في هذه السنة أيضا على ~~الفرنج الساحلية، وغيرهم، من سائر ~~الجهات. # وفيها سير السلطان إلى الأمير عز الدين ~~القيمرى المجرد بالساحل، مئتي ألف درهم ~~نقره، لتنفق فيمن معه من العسكر المجرد. # وفي يوم الثلاثاء مستهل رجب من السنة، ~~جلس السلطان بدار العدل، ونهيت إليه أمور PageV01P157 ~~تتعلق بالشرع، فأمر الحكام بأن يحكموا فيها، ~~فحكموا، ونفذ حكمهم، وهي عدة قضايا # منها تظلم الشريف حصن الدين بن ~~ثعلب، من أن الملك المظفر قطز غصبه ~~يستان للبعل. # ومنها تظلم ولد الظهير، قريب ~~السنجاري، من قريبه: برهان الدين، ~~واحضر للوقت، وأنصف منه # ومنها أنه أنهى إلى السلطان أن وكيل بيت ~~المال باع قطعة أرض بجوار مسجد، على باب ~~مشهد الإمام الحسين بالقاهرة، بستة آلاف ~~درهم، وانه ليس الحائز بينهما إلا زرب. فقال ~~لسلطان: تتطاول المدة، ويؤخذ المسجد. ~~وأمر برد المال، وأن تزاد هذه القطعة في ~~المسجد، فردت، وجعل الجميع مسجدا ~~وكتب عليها ألقاب السلطان. # ومنها أن السلطان استفتى الحكام في سبي PageV01P158 ~~عين جالوت وكسبه، وهل لذرية الملك المظفر ~~قطز فيه حق، أم لا، فأفتي في ذلك بالشرع، ~~وحمل عليه. # وفيها وصلت وفود شيراز من الأمراء ~~والجند، وجماعة من خفاجة، وعرب الكرك ~~وعيسى بن مهنا، وأحمد بن حجي، وشمل ~~الكل إنعامه على ما تقتضيه أحوالهم، من ~~أمرة وغير ذلك. # وفي شعبان من هذه (السنة) خرج السلطان ~~إلى الأهرام متنزها بخواصه وأمرائه ووقف تحت ms34 ~~الأهرام، ورمى بالنشاب، فتعداها وارتفاعها ~~أربعمئة ذراع، بذراع العمل، وطلع إلى ~~أعلاها فراش سيف الدين قشتمر العجمي، ~~ونصب بأعلاها خركاه بمفرده، وأنعم عليه ~~السلطان، واستحسن منه ذلك. # وفيها بلغ السلطان أن علم الدين قيصر PageV01P159 ~~والي سرمين، نافر الأمير نور الدين بن مجلي ~~نائب حلب، ورد مرسومه في أمر اقتضته ~~المصلحة، فسير وأنكر عليه، وعزله، وكان ~~نور الدين المذكور قد عفا عنه. # وفيها ألزم العساكر بتكملة العدة، ~~وتجديدها، والاستكثار منها، فاجتهدوا فيه ~~غاية الاجتهاد. # وفي رمضان منها رتب المطبخ للفقراء، ~~وفرقت الصدقات على الزوايا، واعتق - رحمه ~~الله - ثلاثين عبدا اشتريت مت مال بيت المال، ~~على عادة من تقدم من الملوك، واعتق جماعة ~~كبيرة من مماليكه. # وفيها أغار ناصر الدين القيمرى، المجرد ~~بالساحل على عثليت وقيسارية، وبلغ PageV01P160 ~~فيهم من الكناية في العرض. وكان الفرنج ~~قد تجمعوا في السر بيافا، وقصدوا الإغارة على ~~البلاد. فخافوا وتفرقوا، ووصل رسول من ~~عكا يستعفى بمن مثل ذلك. # وفيها تعدى الفرنج، وأسروا جعاعة من ~~المسلمين بمواشيهم وأموالهم، فسير ناصر ~~الدين القيمرى إليهم. لأن هذه أيام هدنة، ~~على ما سألتموه، وهذا الاعتماد ناقض لها، ~~وخوفهم، فسيروا إليه وزير فيسارية، دهاء ~~منهم، لتسكينه، فأمسك الوزير عنده، وقال: ~~ما ترجع إلا بما أخذ فأعيد الجميع. # وفيها وردت رسل ملك أشبيلية بالهدايا: ~~من السناقر، والاشكرلاط وغير ذلك، وعلى ~~يديهم الكتب تتضمن طلب المودة والمحبة ~~والوصية بتجاره، والمترددين من جهته، فقبلت ~~هديته وعوض عنها ورد جوابه بالملتمس. PageV01P161 ~~وفيها حضرت فلوس، وجدت مدفونة ~~بالصعيد، وعلى كل فلس منها ملك واقف، ~~وفي يده اليمنى ميزان، وفي الأخرى سيف، ~~وفي الوجه الآخر رأس بفرد أذن وعين واحدة ~~مفتوحة وبه أسطر باليوناني، وعربها من ~~يدريها، فوجد المكتوب ما صورته: أن ~~عليان، الملك، ميزان العدل والانصاف ~~بيميني، وبشمالي السيف لمن عصى وخرج ~~عنه. وفي الوجه الآخر هذه أذني مفتوحة ~~للمتظلم، وعيني لا تنام عن مصلحة هذا ~~معنى ما فسر. # وكان الأشكري قد أمسك رسل السلطان ~~المتوجهين إلى الملك بركه لما جرى عليه من ~~بركة، من الإغارة والأذى، ms35 وكان هذ ~~الأشكري قد حلف للسلطان على التوادع ~~والتصافي، وسير له بذلك نسخة باليوناني. ~~فأحضر السلطان البطاركة، والقسوس، PageV01P162 ~~واستفتاهم فيمن حلف مثل هذه الأيمان، ~~وخالف، فأفتوه بتحريمه، وخروجه من ~~ملته، فأخذ خطوطهم بذلك، وسيره إلى ~~الاشكري، وكتب إلى الملك بركة بالوصية ~~وكف الأذى عنه فأطلق الرسل، وأحسن ~~إليهم. ### | ذكر سلطنة الملك السعيد بركه قان رحمه الله # لما كان ثالث عشر شوال، سنة اثنين ~~وستين وستمئة، ركب السلطان الملك السعيد ~~بشعار الملك، وخلع على سائر الأمراء، ~~والمقدمين، وأكابر الدولة، وحمل والده ~~السلطان رحمه الله - بين يديه الغاشية. ~~مسافة قريبة، وتناقلتها الأمراء، أميرا أميرا، ولم PageV01P163 ~~يزل إلى باب النصر، من خارج البلد، ودخل ~~فشق القاهرة، وقد زينت أتم زينة، وفرشت ~~الأمراء تحت حوافر فرسه الثياب الأطلس، ~~وغير ذلك، وجعل الأمير عز الدين أيدمر الحلي ~~الصالحي، أتابكه، وكان راكبا إلى جانبه، ~~وكتب له تقليد بالسلطنه الوزير محي الدين، ~~جامع سيرة والده، وقرىء بالإيوان الكبير ~~المجاور للساعات والجامع، بحضرة أمراء ~~الحل والعقد، وحكام المسلمين. ونسخته: # الحمد لله منمى الغروس، ومبهج ~~النفوس، مزين سماء المملكة بأحسن الأهلة، ~~وأضواء البدور، وأشرق الشموس، الذي شد ~~أزر الإسلام بملوك يتعاقبون مصالح الأنام ~~ويتناوبون بتدبيرهم كتناوب العينين PageV01P164 ~~واليدين في مهمات الإجساد وملمات ~~الأجسام. # نحمده على نعمه التي أيقظت جفن الشكر ~~المتغافي، وأوردت منهل الحمد الصافي ~~وخولت الآلاء حتى تمسكت الآمال منها ~~بالوعد الوفي، وأخذت بالوزن الوافي. # ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك ~~له، شهادة عبد كثر الله عدده وعدده، وأحمد ~~أمسه ويومه، ونحمد - إن شاء الله- غده ~~ونصلي على سيدنا محمد، الذي أطلع الله به ~~نجم الهدى، وألبس المشركين به أردية الردى، ~~وأوضح به مناهج الدين، وكانت طرائق قددا ~~صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة لا ~~تنقضي أبدا. PageV01P165 # وبعد. # فإنا لما ألهمنا الله من مصالح الأمم، وخولنا ~~من الحرص على مهمات العباد، الذي قطع به ~~شافة الكفر، وحسم، وأتى بنا، والشرك قد ~~علم كل أحد اشتعال ناره، فكان علما بنار ~~مضرمه لا نارا على علمه، وقدره ms36 من دفع ~~الكفر من جميع الجوانب، وقمعه لهم من ~~كل جهة، حتى رميناهم بالحتف ~~الواصل، والعذاب الواصب، فأصبح ~~الشرك من الإبادة في شرك، والإسلام لا يخشى ~~من فتك، ولا يخاف من درك، فثغور الإسلام ~~عالية المبتنى، نامية المقتنى، جانية ثمار الادخار ~~من هنا ومن هنا، تزاحم بروجها في السماء ~~البروج، ويشاهدها الأعداء، وقد بنيت PageV01P166 ~~وزينت وما لها من فروج. وعساكر الله ~~المحمدية في كل طرف من أطراف الممالك ~~تحول، وفي كل واد تهيم، حتي تشعر ~~بالنصر، ولكنها تفعل ما تقول، قد دوخت ~~البلاد، فقتلت الأعداء، تارة بالإلمام ~~ونارة بالأوهام وسلت سيوفها، فراعتهم، ~~يقظة، بالقراع، ونوما، بالأحلام، ترى أنا قد ~~لذ لنا هذا الأمر التذاذ المستطيب وحسن لدينا ~~موقعه حتى عكفنا عليه عكوف المستجيد، ~~ولبيناه تلبية المستجيب، وشغلنا فيه جميع ~~الاوقات الحواس، وتقسمت مباشرته ~~وموافرته سائر الزمن، حتى غدا ذلك أكثر ~~ترددا إلى النفس من الأنفاس، واستنفدنا ~~الساعات في امتطاء الضمر الشوس، وادراع PageV01P167 ~~محكم الدلاص، التي كأنها ومضان برق، أو ~~شعاع شموس، وتجديد المرهفات التي قد ~~جفت لحاظها الأجفان، وجرت فكالمياه، ~~واضطرمت فكالنيران، وتفويق السهام التي ~~غدت قسيها من إتعابنا لها ئتن، واعتقال ~~السمهرية التي تقرع الأعداء سنها ندما كلما ~~قرعت هي السن إلى غير ذلك من كل غارة ~~شعواء، تسيء للكفار الصباح، وتصدم ~~كالجبال، وتسير كالرياح، ومنازلات كم ~~استلبت من موجود، وكم استنجدت من ~~نصر موعود، وكم مدينة أضحت لها مدنيه ~~ولكن أخرها الله إلى أجل معدود # وكانت شجرتنا المباركة قد امتد منها فرع PageV01P168 ~~تفرسنا فيه الزيادة والنمو، وتوسمنا منه ~~حسن الجني المرجو، رأينا أنه الهلال الذي ~~أخذ في ترقي منازل السعود إلى الإبدار، وأنه ~~سرنا الذي صادف مكان الاختيار له حسن ~~الإختيار، أردنا أن ننصبه في منصب أحلنا ~~الله فسيح غرفه، ونشرفه بما خولنا الله من ~~شرفه، وأن تكون يدنا ويده تقتطفان من ثمره، ~~وجندنا وجنده يتحليان بجوهره، وأنا نكون ~~للسلطنة الشريفة السمع والبصر، وللمملكة ~~المعظمة في التناوب بالاضاءة كالشمس ~~والقمر، وأن تصول الأمة منا ومنه بحدين، ~~ويبطشون من ms37 أمرنا وأمره بيدين، وأن نربيه ~~على حسن سياسة، تحمد الأمة - إن شاء الله - ~~عاقبتها عند الكبر، وأن تكون الأخلاق ~~الملوكية منتشئة معه، ومنتشبة به من الصغر، PageV01P169 ~~وأن يجعل سعي الأمة بتمني مثله حميدا، وأن ~~تجب لهم منه سلطانا نصيرا، وملكا سعيدا، ~~أن يقوي به عضد الدين، ويريش جناح ~~المملكة، وتتجح مطالب الأمة بإيالته، وكيف ~~لا ينجح مطلب يكون فيه بركه. # وخرج أمرنا، لا برح مسعدا ومسعفا، ولا ~~عدمت الأمة منه خلفا منيلا ونوءا مخلفا، بأن ~~يكتب هذا التقليد لولدنا الملك السعيد بركه ~~قان محمد - جعل الله مطلع سعده بالاشراق ~~محفوفا، وأرى الأمة من ميامنه ما يدفع ~~للدهر صرفا، ويحسن للتدبير تصريفا ~~بولاية العهد الشريف، على قرب البلاد ~~وبعدها، وغورها ونجدها، وعساكرها ~~وجندها، وقلاعها وثغورها، وبرورها ~~وبحورها، وولاياتها وأقطارها، ومدنها ~~وأمصارها، وسهلها وجبلها، ومعطلها PageV01P170 ~~ومعتملها، وما تحوى أقطاره الأقلام، وما ~~ينسب للدولة القاهرة من يمن وحجاز ومصر ~~وغرب وسواحل وشام بعد شام، وما يتداخل ~~ذلك من قفار، ومن بيد في سائر هذه الجهات ~~وما يتخللها من نيل وملح وعذب وفرات ~~وصن يسكنها من حقير وجليل، ومن بجبلها ~~من صاحب رغاء وثغاء، وصليل وصهيل، ~~وجعلنا يده فوق ذلك مبسوطة وطاعته ~~المشروطة، ونواميسه المضبوطة، فلا تدبير ملك ~~كلي ولا جزئي إلا بنا أو بولدنا يعمل، ولا ~~سيف ولا رزق إلا بأمرنا، هذا يسل وهذا ~~يسأل، ولا دست سلطنة إلا بأحدنا يتوضح منه ~~الإشراق، ولا غصن قلم في روض أمر ونهي ~~إلا ولدينا أو لديه تمتد له الأوراق، ولا منبر ~~خطيب إلا باسمينا يميس، ولا وجه درهم ولا ~~دينار إلا بنا يشرق، ويكاد تبرجا لا بهرجا يتطلع ~~من خلال الكيس PageV01P171 # فيتقلد الولد ما قلدناه من أمور العباد، ~~ويشركنا فيما يباشره من مصالح الثغور والقلاع ~~والبلاد، وسنتعاهد الولد من الوصايا بما سينشأ ~~معه توأما، ويمتزج بلحمه ودمه حتى يكون ~~ذلك إلهاما لا تعلما: وفي الولد، بحمد الله، من ~~نقاء الذهن، وصحة التصور ما تتشكل فيه ~~الوصايا أحسن التشكيل، وتظهر صورة إلا ~~بأنه في صفائه الصقيل، ms38 فلذلك استغنينا عن ~~شرحها ها هنا مسرودة، وفيه، وبحمد الله من ~~حسن الخليفة ما نتحقق أنها بشرف الإلهام ~~موجودة، والله لا يعدمنا منه إشفاقا وبرا ~~ويجعله للأمة أبدا سندا وذخرا. ### | ذكر الصورة في ختان ولده المذكور # قد تقدم أمر السلطان إلى سائر الأمراء ~~والعساكر بالاهتمام بالعدد النفيسه، ~~والاستكثار منها، فاهتموا بذلك غاية الاهتمام PageV01P172 ~~ولما أراد ختان ولده المذكور، دارت النقباء على ~~العساكر بأن يبكروا للعرض، وأن يكون ذلك ~~في يوم واحد حتى لا يستعير أحد من أحد ~~شيئا، وبكروا كما رسم. وجلس السلطان ~~بالمسطبة المجاورة لباب العدل، وشرع العسكر ~~في الركوب من باب القرافة والمرور على ~~السلطان، قاصدين الدهليز المضروب بميدان ~~العيد، في أحسن زي، وأبهى شعار، بالخيول ~~المسومة والجميع لابسين آلات الحرب من ~~الخوذ والجواشن. وانقضى النهار، ولم يتم ~~العرض لكثرة العساكر، مع تتابعهم في ~~السوق، وأصبح الناس على حالهم. # ثم أخذوا في لعب القبق ومن أصاب ~~أعطاه السلطان فرسا ذا قيمة خطيرة، وأحضر ~~السلطان لمشاهدة هذا اليوم العظيم من كان في PageV01P173 ~~خدمته من الرسل، كرسل الملك بركه، ووزير ~~يافا، فتعجبوا من ذلك، واستهولوا أمره. # ولما كان عاشر ذي القعدة مد السماط ~~بالإيوان الكبير المجاور لجامع القلعة ~~واستكثر فيه من المآكل المتنوعة والحلوى ~~والفواكه. وحضر السلطان وحضر الناس على ~~طبقاتهم، وأكل من أكل، وحمل من حمل. # ثم انتقل السلطان بالأمراء والجند وأولاد ~~الملوك إلى الرحبة، التي لقبة جلوسه، وقد ~~رينت بالفروش المذهبة، والستور المدبجة ~~والباش خانات، وحضر ولده السلطان الملك ~~السعيد، ومن رسم أن يختن معه، وهم. ولد ~~الأمير حسام الدين بن بركه خان، وولد الملك ~~المجاهد ابن صاحب الموصل، وولد الأمير ~~فخر الدين الحمصي، وولد الأمير شمس ~~الدين سنقر الرومي، وولد الامير سيف الدين ~~سكز، وجماعة من الأيتام، وكل كساه السلطان ~~على ما يليق به. وختنوا أولا فأول وكل من PageV01P174 ~~ختن نثر عليه السلطان من عرمة ذهب كان بين ~~يديه، # ولم يدع أحدا من الأمراء يتكلف شيئا، ~~ورتب لكل من المختونين إقامة من شراب ~~ودجاج ولوازم ذلك. إلى ms39 أن برئوا. هذه صورة ~~الحال في ختان ولده. # ولما انقضى هذا الختان شرع السلطان في ~~تدبير أحوال رسل بركه الواصلين صحبة رسله ~~بعد الإكرام والاحترام، وتفهم السلطان من ~~رسله عن أحوال بركه وبلاده ومسافتها ~~ورسومه، فأخبروه بمنزلة منزله، وأن له ~~خركاه تسع خسمئة فارس، ملبده، مرصع ~~داخلها باللؤلؤ والجواهر، ووصفوا له حليته ~~وملبوسه، ومضمون كتبه السلام والود ~~والمحبة، وقبول الصداقة، وأنه عون له على ~~هولاكو، كما التمسه السلطان منه. PageV01P175 ### | ذكر توجه السلطان إلى الاسكندرية مرة أخرى # ولما كان في أواخر سنة اثنين وستين ~~وستمئة، توجه السلطان من جهة تروجه، ~~متصيدا، وتوغل في البرية، ووجد بها ديرا به ~~رهبان، فحين رأٔوا السلطان بادروا بالنزول ~~إليه، وتقربوا بما أمكنهم، فجبرهم السلطان، ~~ووصى عليهم، وكانت شرذمة من العرب قر ~~تسحبت، وعصت بتلك البرية، فحضرو ~~طائعين بين يديه. # ووصل السلطان إلى الكرش متصيدا، ~~وعيد عيد الأضحي بالشمامية، وأحضر له منبر ~~من اسكندرية، وخطب عليه خطبة العيد. ثم ~~توجه إلى الاسكندرية، بعد أن كتب بأن لا ~~تكلف الرعية زينة، ووصلها وصلى بها ~~الجمعة، وزار الصالحين، وعاد وأمر سيف ~~الدين عطاء بن عزاز على عرب برقة، ودركه PageV01P176 ~~البلاد، وألزمه بأخذ الزكاة والعشر من هؤلاء ~~العرب، وحملها لبيت مال المسلمين. # وفيها كاتب من بقلعة خيبر السلطان، ~~وطلبوا من يحضر لتسليمها فجرد لها الأمير أمين ~~الدين موسى بن التركماني بجماعة، وكتب إلى ~~نائب الكرك بإمداده، وتوجه ففتحها، وخلع ~~على من بها وجعل بها ذخائر وغلال وغير ~~ذلك. # واستهلت سنة ثلاث وستين وستمئة، ~~فاستقبلها بالخير، ووقف، في صفر منها، ~~الخان، الذي بالقدس الشريف المعروف به ~~الآن، وأشهد عليه بإمضاء وقفه، ووقف ~~اصطبلين تحت القلعة على وجوه البر، وورد ~~كساب عز الدين، نائب الكرك، بترتيب ~~السماط، بمدينة الخليل، عليه السلام ~~والضيافة، وكانت عادة قد نسيت. PageV01P177 ### | ذكر أمر البيرة ومحاصرة التتار لها # هذه القلعة هي آخر بلاد الإسلام، وهي ~~قفل الشام، ومستطلع أخبار التتار، وكانت ~~الأخبار قد وردت إلى السلطان بأن اعداءه ~~الفرنج كتبو[ا] إلى التتار بأن ينتهزوا الفرصة في ~~قصد ms40 البلاد الإسلامية، بحكم أنها أيام ربيع، ~~وخيول الاسلام مربوطة عليه، والعسكر ~~متفرق في إقطاعاته، وحثوهم على ذلك. # وكان السلطان متصيدا بناحية قطيا، ~~فوردت الأخبار عليه بأن التتار قد نازلوا البيرة ~~في جمع كبير، ونصبوا عليه سبعة عشر منجنيقا، ~~وأن أهل البيره في شدة شديدة، وللوقت جرد ~~الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، ومعه جماعة ~~من العسكر، وأمره بأن يسوق بحيث يصل إلى ~~البيرة في مدة خمسة عشر يوما، وكتب إلى نائب ~~الشام الأمير جمال الدين النجيبي، وإلى PageV01P178 ~~صاحب حماه، بالمسير إلى القلعة المذكورة، وأن ~~يجد السير، وأخذ في تجريد العساكر أول ~~فأول، وسار هو في الساقة، فلما وصل إلى ~~بيسان ورد الخبر إليه بأن التتار لما رأوا العساكر ~~متواصلة، مستمرين لاقتحام الفرات إليهم ~~ولوا هاربين، لا يعقل أحد على أحد. # وكان السلطان، حين ورود هذا الخبر، ~~بحمام المخيم، فلم يهمل حتى يخرج، بل قرىء ~~عليه. وهو عريان، وأمر بالكتابة إلى سائر ~~الممالك بالبشارة. # وكان أثناء الطريق قد وصل إليه قسطلان ~~يافا، وسأل السلطان أن يكون واسطة من ~~الصلح بين السلطان وبين ملوك الفرنج، فقال ~~له: # ان كان هذا من عندك، أنا ما أقبله، وإن ~~كان من عند ملوك الفرنج فعرفني. PageV01P179 # فقال: # بل بسؤال ملوك الفرنج. # هؤلاء لهم عندي ذنوب كثيرة، منها: ~~كتابتهم إلى التتار بقصد بلادي، ومنها: ~~إغارتهم، وأسرهم المسلمين، ولي ولهم ~~حديث، وقد بلغني عنك أن أعدائي الفرنج ~~سيروا إليك مواشي كثيرة، وأنتم معي صلح، ~~وهؤلاء أعدائي. # فكشف رأسه، وقال: # هذه المواشي لأقاربي، بالله يا خوند لا ~~تخجلني معهم، فما سيروهم إلا يحتمون بي، ~~لعلمهم أني غلام السلطان. # فتركهم له. # ثم أمر السلطان من بالبيرة من المجردين ~~تنظيف خندقها. وكتب بتعويض كل ما ذهب ~~منها. وسير إلى أهلها الخلع والنفقات ~~والإنعامات، وخلع على الأمراء المجردين ~~وأحسن إليهم اتم إٕحسان. PageV01P180 ### | ذكر فتح قيسارية # لما تم أمر البيرة على الصورة المشروحة عرج ~~السلطان قاصدا غابة أرسوف بالتصيد، وأمر ~~الأمراء باتباعه، وتصيد هو وهم، وقصد ~~قيسارية، ونزل وضرب دهليزه، وضرب ~~أمامه خيمة كبرى، ms41 وأمر أن يعمل داخلها ~~خمسة مجانيق في السر، ففرغت في يومين وليلة، ~~بحيث لم يشعر أحد، وكتب إلى سائر البلاد ~~بإحضار المجانيق، وأمر العساكر بأن تلبس، ~~ولم يعلم أحد ما الغرض، وأصبح الصبح ~~فحملوا على قيسارية، وملكوها عنوة، وتحصن ~~أهلها بقلعتها المسماة بالخضراء، وهي قلعة ~~حصينة إلى الغاية، فنصب عليها السلطان ~~المجانيق، واجتهد فيها، فلما أيس من بها من ~~الحياة، ورأوا عين التلاف، وعلموا أن كل ~~محاصر مأخوذ، تركوها، وهربوا، فتبادر ~~الجيش إليها، ونهبوا ما بها، وتقسم الجيش ~~المدينة والقلعة، فهدمت إلى الأرض، بالطول ~~والعرض. PageV01P181 # وهذه القلعة كانت قد فتحت في زمن عمر ~~ابن الخطاب - رضيي الله عنه - في نوبة اليرموك، ~~سنة تسعة عشرة للهجرة. وكان النزول على ~~قيسارية يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ~~ثلاث وستين وستمئة. وكان فتح قلعتها في ~~سابع عشرة. # وفي غضون هدم هذه القلعة، سير ~~السلطان جماعة من أمرائه إلى جهة عثليت، ~~ففتحوا الملوحة وحيفا، وأخربوهما وأسروا من ~~ظفروا به من أهلها الهاربين إلى البحر، وسيروا ~~إلى السلطان البشارة بذلك، فخلع على ~~البشير، وعاد العسكر إليه، ومعهم الأسرى ~~والرؤوس، وذلك في جمادى الأولى منها. # وركب السلطان جريدة، وقصد عثليث ~~لكشف عوراتها والخلل الذي يمكن أن يتسلط ~~عليها منه، فوصل إليها، وضرب هناك ~~دهليزه الحربي الأحمر، وطاف بها، ووجد هناك PageV01P182 ~~جزيرة، فصلى بها، ثم أمر العسكر بهدم ما ~~حولها من العمائر، وفطع الأشجار والكروم ~~وكانت عامرة آهلة، فجعلها للوقت خرابا ~~يبابا. وعاد لتكملة خراب قيسارية، وأجل ~~لأخذها أجلا. ### | ذكر فتح أرسوف # لما فرغ السلطان من أمر قيسارية، على ما ~~شرح، وتم خرابها، توجه إلى أرسوف، ~~والناس لا يشعرون إلى أين، ونزل بها في ~~أواخر جمادى الأولى، فدهش الفرنج لنزوله، ~~واستعدوا لدفعه عنها، فنصب عليها المجانيق. ~~وأخذ في ردم الخندق، وحفر السرابات، ~~وصار الفرنج كلما عمل شيئا بالخندق ~~والسرابات أحرقوه، ومن جملة ما اتفق أن ~~العسكر اجتهد وردم الخندق أخشابا وأشجارا ~~وأحجارا، فلما شعروا بذلك نقبوا في الأسوار، PageV01P183 ~~ورموا بتاتى الزيت، وشحم الخنزير والخرق ~~المسقية، وركبوا بتلك ms42 النقوب المنافخ، ~~فالتهبت النيران، وتداركها العسكر بالطفي ~~فلم يقدروا، فلما أعيا أمر طفيها أخذ السلطان ~~في غير ذلك، وأمر العساكر بحفر سرابات مر ~~البحر إلى الخندق، ففتحت، وجعل فيها عدة ~~أبواب، وعمل الأمير كرمون أغا منجنيقا ~~مفترجا، يرمى بسبعة أسهم، وأثر تأثيرا ~~عظيما، وسير السلطان إلى دمشق لإحضار ~~مجانيق أخر، فوصلت إلى أرسوف في ستة أيام ~~وأقام الحصار على هذه القلعة أربعين يوما ليلا ~~ونهارا، بأنواع الحصار. والذي عمله ~~الحدادون في هذه المدة مئة قنطار، ولم يزل ~~الحال كذلك، والفرنج ينجدون من البحر ~~بالمال والرجال، إلى أن حان وقت فتوحها ~~فأول ما انشق منها الباشوره، ثم سقطت، ~~وزحف العسكر عليها يدا واحدة. ولما أعيا ~~الفرنج الأمر طلبوا الأمان، فلم يؤمنوا، PageV01P184 ~~وتسلقت إليهم الرجال، وأخذت، وأسر من ~~بها غير من قتل، ونقل جريحا إلى يافا ألف ~~أسير من الإخوة المعتبرين. # من أعجب ما حكي أن شيخا يقال له علي ~~المجنون، ركب وأتى إلى هذا الحصن، عندما ~~طال الشرح صرخ وأغمي عليه، وعاد عند ما ~~أفاق، وأن الباشورة انشقت ذلك الوقت. ~~وذكر للمذكور كرامات وكذلك للشيخ ~~علي بن العليم المدفون تحت هذا الحصن، لا ~~بنقتضي هذا المختصر ذكرها. # وفتح هذا الحصن يوم الخميس حادي عشر ~~رجب من سنة ثلاث وستين وستمئة، ~~المذكورة، وهدمت إلى الأرض، بالطول ~~والعرض. PageV01P185 # وللوزير محي الدين أبيات، تهنئة بفتحها، ~~وهي: # أرح جوادك أن النصر قد جنبا %~% وأن أجرك عند الله قد حسبا # وقد غلبت على الدنيا فدونكها %~% كما تسرك والدنيا لمن غلبا # وأكتب إلى الارض بالبشرى فربك %~% في السبع السموات بالبشرى بها كتبا # وثبت الدين لما ثبت مقتدرا %~% يا خير من ثاب أو يا خير من وثبا # طلبت ثأر الهدى والدين إذ قعدت %~% عنه الملوك وما استطاعوا لها طلبا # نصبت للشرك أشراكا تصيدهم %~% لم يقدروا رهبا أن يقدروا هربا # قلعتهم بقلاع ظلت تهدمها %~% أنت الذي تبتغي المسلوب لا السلبا PageV01P186 # إن أسرعوا نقلة عنها فإنهم %~% حلوا بها كل برج ظل منقلبا # تبت يد من غدا كفوا أبا لهب %~% وتب ms43 لم يغن مال عنه ما كسبا # إن الفتوحات لما رمت ملبسها %~% تبتز من بز قيسارية القشبا # في كل أرض جيوش قد بعثت بها %~% حتى لقد أصبحت أنباؤها عجبا # ففيي الحجاز لها وقع وفي حلب %~% نفع، وكم تركت في خلفها حلبا # لها السيوف التي كم أقفرت بلد %~% لما غدوت ومنها تقفر القربا # أكرم بها عصبة مثل النجوم سنى %~% كالرجوم إذا ما اضرموا اللهبا # أخلت من الكفر أوطانا وكم عمرت %~% من الجيوش بهم ما كان قد خرب # أمطيتها شزبا تزهى السروج بها %~% لا كل مستهجن مستهجن القتبا PageV01P187 # كم قد أذقت شياطين العدو بها %~% حتى لقد أبصروا من شهبها شهبا # شوس ضوامر مثل الريح سائرة %~% تكاد أثفارها أن تسبق اللببا # [وأمر السلطان بكشف بلاد قيسارية، ~~وعمل متحصلها، فعملت بذلك أوراق، ~~وطلب قاضي دمشق وعدوله ووكيل بيت المال ~~بها، وتقدم بأن يملك الأمراء المجاهدون من ~~البلاد التي فتحها الله عليه ما يأتي ذكره. وكتبت ~~تواقيع كل منهم من غير أن يطلعوا على ذلك، ~~فلما فرغت التواقيع فرقت على أربابها، وكتب ~~بذلك مكتوب جامع بالتمليك، ونسخته: # أما بعد أحمد الله على نصرته المتناسقه ~~العقود، وتمكينه الذي رفلت به الملة الإسلامية ~~في أصفى البرود، وفتحه الذي إذا شاهدت ~~العيون مواقع نفعه، وعظيم وقعه، علمت ~~لأمر ما يسود من يسود. PageV01P188 # والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي ~~جاهد الكفار بالسيف البتار، وأعلمهم لمن ~~عقبى الدار، وعلى آله وصحبه، صلاة تتواصل ~~بالعشي والإبكار، فإن خير النعمة نعمة وردت ~~بعد اليأس، وأقبلت على فترة من تخاذل الملوك ~~وتهاون الناس، فأكرم بها نعمة وصلت للأمة ~~المحمدية أسبابا، وفتحت للفتوحات ~~الإسلامية أبوابا، وهزمت من التتار والفرنج ~~العدوين، ورابطت من الملح الأجاج، ~~والعذب الفرات، بالبرين والبحرين ~~وجعلت عساكر الإسلام تذل الفرنج ~~بعزوهم في عقر الدار، وتجوس من حصونهم ~~المانعة خلال الديار والامصار، وتقود من فضل ~~عن شبع السيف المساغب إلى حلقات الأسار، ~~ففرقة منها تقتلع للفرنج قلاعا، وتهدم ~~حصونا، وفرغة تبنى ما هدم التتار بالمشرق، ~~وتعليه تحصينا، وفرقة تتسلم بالحجاز قلاعا ~~شاهقة، وتتسنم ms44 هضابا سامقة، فهي بحمد الله PageV01P189 ~~البانية الهادمة. والقاسم الراحمة. # كل ذلك بمن أقامه الله وجرده سيفا ففرى. ~~وحملت رياح النصرة ركابه تسخيرا، فسار إلى ~~مواطن الظفر وسرى، وكونته السعادة ملكا إذا ~~رأته في دستها قالت تعظيما له ما هذا بشر، وهو ~~السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين أبو ~~لفتح بيبرس، جعل الله سيوفه مفاتح للبلاد ~~وأعلامه أعلاما من الأسنة على رأسها نار بهادية ~~العباد، فانه آخذ البلاد ومعطيها، وواهبها بما ~~فيها وإذا عامله الله بلطفه شكر، وإذا قدر ~~عفا وأصلح فوافقه القدر، وإذا أهدت إليه ~~النصرة فتوحات قسمها في حاضريها لديه ~~متكرما، وقال الهدية لمن حضر، وإذا PageV01P190 ~~خوله الله تخويلا، وفتح على يديه قلاعا جعل ~~الهدم للأسوار، والدمار للبتار، والرقاب ~~للأسار، والبلاد المزروعة للأولياء والأنصار، ~~ولم يجعل لنفسه إلا ما تسطره الملائكة في ~~الصحائف لصفاحه من الأجور، وما تطوى ~~عليه طويات السير، التي غدت بيما فتحه الله من ~~الثغور باسمة الثغور. # فتى جعل اليلاد من العطايا %~% فأعطى المدن واحتقر الضياعا] # سمعنا بالكرام وقد أرانا %~% عيانا ضعف ما فعلوا سماعا # إذا فعل الكرام على قياس %~% فعالا كان ما فعل ابتداعا # ولما كان - خلد الله سلطانه - بهذه المثابة، ~~وقد فتح الفتوحات، التي أجزل الله بها أجره PageV01P191 ~~عظم ثوابه، وله أولياء كالنجوم إنارة ~~وضياء، وكالأقدار نفاذا ومضاءا، وكالعقود ~~تناسقا، وكالويل تلاحقا إلى الطاعة وتسابقا، ~~وكالنفس الواحدة عبودية له وتصادقا، رأى ~~- خلد الله ملكه وسلطانه - أن لا ينفرد عنهم ~~بنعمة، ولا يتخصص ولا يستأثر بمنحة غدت ~~بسيوفهم تستنفذ، وبعزائمهم تستخلص، وأن ~~يؤثرهم على نفسه، الولد ما يدوم إلى آخر ~~الدهر، ويبقى (إلى) الأبد، ويعيش الأبناء ~~نعمته كما عاش الآباء، وخير الإحسان ما ~~شمل، وأحسنه ما خلد. # وخرج الأمر العالي - لا يزال يشتمل ~~الأعقاب والذراري، وينير إنارة الأنجم PageV01P192 ~~الدرارى، أن يملك جماعة أمرائه وخواصه ~~الذين يذكرون، وفي هذا المكنون الشريف ~~يسطرون، مما يعين من البلاد والضياع، وهو ~~المولى الأتابك فارس الدين أقطاي الصالحي ~~عتيل بكمالها، الامير جمال الدين ايدغدي ~~العزيزي النصف من ريتا، الأمير بدر ms45 الدين ~~ببيسري الشمسي الصالحي نصف طور كرم ~~الأمير شمس الدين الدكن الكرخي ربع ريتا، ~~الأمير علاء الدين البندقي دار الصالحي ياقه ~~لشرقية بكمالها، الأمير عز الدين أيدمر الحلبي ~~الصالحي نصف قلنسوة، الأمير سيف الدين ~~قلاوون الألفي الصالحي نصف طيبة الاسم، ~~لأمير جمال الدين النجيبي، نائب السلطنة ~~بالشام أم الفحم بكمالها من قيسارية، للأمير ~~علاء الدين سنجر الحلبي نتان بكمالها للأمير ~~جمال الدين أقوش المحمدي الصالحي نصف PageV01P193 ~~نورين، الأمير فخر الدين الطونبا الحمصي ~~نصف نورين، عثمان بن الملك المغيث ثلث ~~حكمه، الأمير شمس الدين سلار البغدادي ~~نصف البرج الأحمر، الأمير صارم الدين صبرا ~~وثلث حكمه، الأمير ناصر الدين القيمري ~~نصف البرج الأحمر، الأمير سيف الدين ~~ايتشامش السعدي نصف بما الأمير شمس ~~الدين اقسنقر السلاح دار الظاهري نصف بما ~~الملك المجاهد صاحب الجزيرة نصف دنابه، ~~الملك المظفر صاحب بركه خان دير الفضول ~~بكمالها، الأمير عز الدين الأفرم الصالحي أمير ~~جاندار نصف الشويله، الأمير بدر الدين ~~الوزيري نصف طبرس، الأمير ركن الدين ~~منكورس المهمنداري نصف طبرس، الأمير ~~سيف الدين قشتمر العجمي علاء بكمالها، ~~الأمير علاء الدين خبز الدوادار نصف PageV01P194 ~~عرعر، الأمير سيف الدين دكحل البغدادي ~~نصف فرعون، الأسير علم الدين الازكشي ~~نصف فرعون، علم الدين طروج الآمدي ~~استاتا بكمالها، الأمير حسام الدين بن أطلس ~~خان سيدا بكمالها، الأمير علم الدين كندغدي ~~الظاهري نصف أرباح، الأمير شمس الدين ~~سنقر الألفي نصف أرباح، الأمير علاء ~~الدين طيبرس الظاهري نصف يافه الغربية ~~الأمير علاء الدين الظاهري نصف يافه، ~~غربيه، الأمير عز الدين ايبك الأتابكي ~~الفخري القصير بكمالها، الأمير سنجر ~~الصيرمي الظاهري أخصاص بكمالها، الأمير ~~ركن الدين بيبرس المعزي نصف قفين، الأمي ~~شجاع الدين طغريل الشبلي، أمير مهمندار ~~نصف كفر راعي، الأمير علاء الدين كندغدي ~~الحبيشي، مقدم الأمراء البحرية نصف كفر ~~راعي، الأمير شرف الدين بن أبي القاسم PageV01P195 ~~نصف كسفا، الأمير بهاء الدين يعقوب ~~لشهرزوري نصف كسفا، الأمير جمال الدين ~~موسى بن يغمور، استادار العاليه نصف ~~برمكه، الأمير علم الدين سنجر الحلبي ~~العزاوي نصف برمكه، الأمير علم ms46 الدين ~~سنجر أمير جاندار نصف حانونا أم ~~أرسوف، الأمير سيف الدين بليان الركني ~~فرديسيا بكمالها من قيسارية، الأمير عز الدين ~~ايدمر الظاهري، نائب الكرك ثلث حله من ~~آرسوف، الأمير شمس الدين سنقرجاه ~~الظاهري ثلث حله من أرسوف، الأمير جمال ~~الدين أقوش السلاح دار الرومي ثلث حله، ~~بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح ثلث ~~حلحولية، الأمير علاء الدين السعدي الشمس ~~الصالحي (ثلث) حلحولية، الأمير بدر الدين ~~كجكا الرومي ثلث كل حلحوليه. PageV01P196 # وأشهد مولانا السلطان - خلد الله ملكه، ~~عليه بذلك جماعة العدول، وكتب كتاب ~~التمليك الشرعي الجامع ذلك، وفرقت منه ~~النسخ ، لكل أمير نسخة بمكانه، وأحسن ~~مولانا السلطان إلى قاضي القضاة، وأخلع ~~عليه، وتوجه إلى دمشق، وكتب الله هذه ~~الحسنة في صحيفة مولانا السلطان قبل كتابتها ~~في سيرته المباركة، وتسلم الأمراء هذه ~~الصدفة، وتصرفوا فيها بعد ثبوتها على الحكام، ~~والأسجال بالحكم بها. # ورحل السلطان بعد أن أمر بنقل المجانيق ~~وآلات الحصار، إلى الأماكن القريبة كالكرك ~~وعجلون في ثالث وعشرين رجب سنة ثلاث ~~وستين وستمئة. وشق القاهرة في حادي عشر ~~شعبان منها، وقد رينت، وبين يديه أسرى ~~الفرنج وبيدهم أعلامهم منكسة، وفي رقابهم ~~الصلبان مكسرة، وما استقر بقلعته حتى ~~دخل بنفسه إلى الخزانة، ورتب خلع الأمراء. PageV01P197 ~~ومعدي الحلقة، والمفارده، والوزراء ~~والقضاء، وخلع على الجميع. # وكان النصارى قد اعتمدوا النكاية في ~~القاهرة ومصر، المحروستين، وصاروا يرمون ~~النار بالأسطحه، وكثر الحريق، وقلق الناس ~~من ذلك، فعزم السلطان على إحراقهم، ~~فاحضر اليهود والنصارى وكبارهم من ~~البطاركه، والرؤساء والربانيين، إلى القلعة، ~~وأحضر الحلفا والنار، وفار التنور، فلما رأوا ~~عنوان ما أعد لهم في الآخرة بذلوا في نفوسه ~~خمسمئة دينار عينا، والتزم بها أكابرهم، فأخر ~~عذابهم إلى أجل معدود، وحمل هذا المال أولا ~~فأٔول. ### | ذكر إمساك زامل بن علي أولا وآخرا # هذا زامل، هو أمير، وكان بينه وبين أمراء ~~العرب تنافس كعيسى ابن مهنا، أسير آل ~~فضل، وأحمد بن حجي، أمير آل مرا PageV01P198 ~~وغيرهم، واقتضى ذلك تعديه، وتجريه ~~كثرت الفتنة من جهته، وطلبه السلطان، ~~واعتقله مدة كسرا للفتنة، ms47 ثم أخرجه ~~وضاعف الأحسان له، وتلافاه. وأحضر ~~السلطان عيسى بن مهنا وأحمد ابن حجي وعبيه ~~وغيرهم ممن كان بينه وبينهم صورة، فأزالها ~~السلطان، وأصلح ذات بينهم، ودفن ~~الضغائن، وتحالفوا، وتعاهدوا، وتصافوا، ~~وشملهم بالخلع والإنعام، وتوجهوا من بين ~~يديه. # ولما وصل زامل إلى الرمل أوهم أن عيسى ~~ابن مهنا قد غا على بيوته، فساق، ولم يرد راس ~~فرسه، إلى بلاد التتار، واتصل بهولاكو، ~~وأداه النصيحة، وصار يعبث في البلاد شام ~~وحجازا، والسلطان يضيق عليه المسالك ~~ويغري عليه، ويقعد له بكل مسلك، فلما رأى ~~عينها، وأن حيلة الظاهر تمت في الباطن فيه ~~كتب للسلطان وتوسل وسأل، والسلطان لا PageV01P199 ~~يجيب سؤاله، وكرر ذلك، وتشفع بأكابر أمراء ~~دولته، فأجابه السلطان إلى العفو، وكتب له ~~الأمان بالحضور، ووقت له وقتا، فحضر دون ~~ذلك الوقت باثني وعشرين يوما، فوجد ~~السلطان الوسيلة في الانتقام منه، والخروج من ~~عهده (في) الأمان، فاعتقل بالقلعة، هو ~~وأخوه، واقتصر به على ذلك. وكان الأمثل أن ~~يمثل به. ### | ذكر السبب في قتل علم الدين رضوان # هذا الرجل كان من أرباب الفتن، والعمل ~~على الدول، وكان السلطان يعلم ذلك منه من ~~الأيام المظفرية قطز المعزي، فانه كان يسعى إلى ~~السلطان بها. أقول: وما أحسن ما قاله ~~الجاحظ في رسالة له: ومن نقل إليك، فقد نقل ~~عنك. ولما أفضت نوبة الملك إلى السلطان كابر ~~فيه، واعتقد أنه قد تغير عن ذلك الخلق، ~~لقول: وتأبا الطباع عن الناقل، فشرع في PageV01P200 ~~استصحاب تلك الأمور، وعمل على الدولة ~~الظاهرية في الباطن، فلم علم أن السلطان قد ~~شعر بأمره، ولى هاربا، ولحق بعرب برقا، ~~وكوتب على أن يحضر، وله الأمان، فأبى، ~~وأخذ يكاتب ويعمل على الدولة، وأخذ ~~السلطان يحذره عاقبة ذلك، وهو لا يزداد إلا ~~طغيان[ا]، وآخر ما سير يقول له: إن دمت ~~على هذا، سيرت من يأخذ رأسك، فدام، ~~وارتكب كل خلق ذام، فسير السلطان من أخذ ~~رأسه، قال عطا الله بن عزاز، أمير عرب برقة. ~~آخر كلمة سمعت منه: شاباش يا ملك ~~الظاهر، صدق قولك، أخذت ms48 رأسي ~~ومالي. ومات من ساعته PageV01P201 ### | ذكر جلوس السلطان بدار العدل من السنة وما اتفق في هذا اليوم # حضر تاج الدين بن القرطبي، وكان قد ~~أنهى السلطان غير ما مره أن عنده نصائح، فلما ~~حضر، قال له: # قل ما عندك. # فقال: # هذا القاضي تاج الدين، يعني ابن بنت ~~الأعز، قاضي القضاة الشافعي، كان قد أخذ ~~ضياعا، واستولى عليها في الأيام المعزية، ~~وتولى الوزارة، وله جماعة من الأهل يخدمون في ~~الدولة، وعليهم بواقي وتخريجات ديوانية، # قال السلطان للقاضي: # ما تقول. # فقال: # ما أخذت إلا ما آل إلى بوجه صحيح، وأما ~~أهلي فهم يخدمون من الأيام الكاملية، وإلى PageV01P202 ~~هلم، ما قدمت منهم متأخرا، ولا أخرت ~~مقدما. # فقال السلطان لابن القرطبي: # أيش غير هذا؟ # فقال: # الأمراء الذين توفوا، عليهم حقوق ~~استولت عليها ورثتهم. # فقال له السلطان: # أين كنت أنت والأمراء يتلقون الزيارات ~~بصدورهم، وحجارة المجانيق برؤوسهم ؟ ~~وأحضر زيارا، وأراه له وللناس # وقال له السلطان: # كم أنهرك ولا تنتهر، وأطردك وأنت إلي ~~قدام. # وأمر السلطان فأقيم، واعتقل. # ولما أراد السلطان القيام قال للقضاة PageV01P203 # أنتم تعلمون أن عساكرنا المنصورة أكثر ~~أوقاتها في الغزاة والحصارات، وتحتاج إلى من ~~يشهد عليهم عندما تحضر أحدهم الوفاة، ~~وأنتم لا تقبلون إلا شهودكم، فتضيع ~~المصلحة، ولا تبرأ ذمة، ولا بأس بأن كل أمير ~~وكل مقدم، يعين من أصحابه من هو من أه ~~الخير، ويزكى عندكم؟ # فأمن قاضي القضاة على ذلك، واعتمد. # وفي هذا اليوم حضر شيخ يقال له ابن ~~قرصة، وكان ولده قد قتل، فاشهد عليه بدار ~~العدل أنه أبرأ من اعتقل بسبب قتله، وهو ~~ثلاثة نفر. # فقال السلطان: # ما هذا شيء، أثبت أن هؤلاء الثلاثة ~~قتلوا ولده. PageV01P204 # فقال الحاكم # لا. # فقال السلطان: # هذه القضية أنا أعرفها، وهي أنه حصل ~~خصام بسبب جسر، وأختلف فيه جماعة ~~يقاربون الستين نفرا، وقتل هذا الولد بينهم ~~ولم يدر من قتله، وأتهمت هؤلاء الثلاثة به، ~~فقول هذا الوالد أبرأتهم من دمه يدل على أن ~~دمه في ذمتهم، ولو كبر أولاد هذا المقتول، ~~طالبوا هؤلاء الثلاثة ms49 بهذا الإقرار الموهم، بل ~~يشهد هذا الشيخ على نفسه أن هؤلاء الثلاثة لم ~~يقتلوا ولده. # فاستحسن من السلطان هذا الامر، وأشهد ~~الشيخ عليه بذلك. # ثم جلس السلطان جلوسا ثانيا بدار ~~العدل في الشهر المذكور، فرفعت إليه قصتان PageV01P205 ~~من معتقلين، وسألا الحضور إلى بين يديه ~~لنصيحة، فأحضرا، فأما الأول فقال: # أنا أعرف أموالا مهملة بحمص، فإذا أفرج ~~عني استظهرتها لبيت المال. # فقال له السلطان: # أنا أعرفك، وأنت إنما اعتقلت لأنك كنت ~~تكاتب التتار وتباطنهم. # ثم أمر بعوده إلى الحبس، وأما الآخر. ~~فقال: # ثم رجل حراني، معه فرمانات من التتار ~~وجملة أموال. فأحضر الرجل، وسئل. فقال: # هذا له مرار يتكلم في بهذا الكلام، والله ~~يظهر الحق. فقال السلطان لهذا المحبوس: # لأي شيء اعتقلت؟ # فقال: مظلوما. # فقال: خل عنك هذا، وقل في الصحيح. PageV01P206 # فقال: البرلي قال عني ما ليس له. ~~صحة. # فقال له السلطان: # قد عرفتك، أنت من حران، ووشيت ~~بأهلها للتتار، وآذيت المسلمين. # ثم أمر به فأعيد إلى الأعتقال. # وفي هذا الشهر، وهو شهر رمضان، حضر ~~عدة رسل كرسل مرشيليه وجنوه والكرج ~~واليمن والنوبة، وما منهم إلا من أحضر الهدايا ~~النفيسة، وترامى إلى المحبة، وأحسن السلطان ~~عوضهم وأعادهم. # وفي هذا الشهر الشريف من هذه السنة ~~فتحت قرقيسيا، باتفاق من أهلها، وهي قديمة ~~تعرف بالزبا، وفيها يقول ابن دريد. # فاستنزل الزباء قسرا وهي من ~~عقاب لوح الجو أعلى منتمى PageV01P207 # وصورة فتحها أن السلطان جهز إليها ~~عسكرا سار الليل كله، فوافاها صبحا، وقد ~~فتحت أبوابها، فهجموها وتسلموها، وقتل ~~من كان فيها من التتار، وأسرت المرتدة ~~الموجودون بها، وهم ثمانون نفرا. # وفي هذا الشهر أيضا، توجه السلطان ~~بنفسه، وبالعساكر لتدارك أمر بحر أشموم، ~~وغرق به المراكب الفرنجية، وباشر شيل ~~التراب للردم بنفسه، وخواص دولته، ولم يزل ~~حتي دبر أمره احسن تدبير. # وفيها بطل السلطان حراسة النهار، وكتب ~~بإبطالها توقيعا. # وفيها وصلت رسل هيتوم، متملك سيس، ~~من جهة دمياط، والسلطان على بحر أشموم، ~~فيي معنى الصلح، وأحضروا معهم الهدايا ~~النفيسة، فلم يتفق له صلح، لتعذر ما ms50 ~~التمسوه. واتفق أن شخصين من أصحاب PageV01P208 ~~هؤلاء الرسل تخاصما، فضرب أحدهما الآخر ~~بسكين فقتله، فأمر السلطان بشنقه، وسأل ~~الرسل فيه، فلم يرجع إليهم، فتشفعوا ~~بالأمراء، والتزموا أن يسلموه لمستحقي دمه ~~بالبلاد، فأجابهم إلى ذلك. # وفيها جهز شجاع الدين بن الداية ~~الحاجب، رسولا إلى الملك بركه، عندما وصل ~~روسل الأشكرى يذكر أن غارات بركه قد ~~أضرت ببلاده وسأل رده عنه. # وفيها وصل رسول أخي الأشكري في ~~موكب موسقة بضاعة، وعلى يده كتاب منه، ~~بترامى إلى الصداقة، ويقول: إن أخاه قد ~~ملكه الجزائر، وقد صار له حق الجوار. ويذكر ~~أنه وجد الحرامية من الفرنج قد استولوا على ~~مركب الإسلام، فاشتراها منهم محبة ~~للسلطان وأحضرها صحبته، فأقبل السلطان ~~على رسوله، وسامح بما يجب على بضائعه ~~وأحسن له العرض. PageV01P209 # وفي ذي الحجة منها أمسك السلطان شمس ~~(الدين) سنقر الرومي، لذنوب كثيرة سلفت ~~منه، كان السلطان قد تناساها، فحركها عنده ~~أن مملوكا من مماليك سنقر الرومي خاف منه. ~~فحضر إلى السلطان متشفعا به، فخلع عليه، ~~وسيره بشفاعة، فأظهر أنه قبلها، ثم ضرب ~~المملوك المذكور، وكواه بالنار على مقاعده، إلى ~~أن مات، فحنق السلطان عليه لذلاك # أقول إن الذنب الذي أوجب للمملوك ذلك ~~أنه كان عينا على استاذه المذكور للسلطان ~~يطالعه بأحواله، وقيل غير ذلك. # وفيها جعلت الحكام أربعة، باختلاف ~~المذاهب، وخوطب كل منهم بقاضي القضاة ~~بعد أن كانوا نوابا للقاضي الشافعي. # أقول: وسبب ذلك فرط عجب قاضي ~~القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، وتعقيده ~~وسلاطته وإيغاله في الأذى، وتوقفه في قبول ~~الشهادات، وتصميمه. حكي بعض PageV01P210 ~~العدول أخذ مروحة من بين يديه، ليروح بها ~~عليه، فنهره، وقال:هذا رشا. # وحكى لي كاتبه أنه طلب ماء للشرب، ولم ~~يكن عنده غيره، فأمر عبدين من عبيده، ~~فأمسكا طرفي فوطه، حالوا بها بينه وبينه ~~حتى شرب. وأسقط في يوم جماعة من ~~العدول، ووقفت أحوال الناس في مكاتبتهم، ~~واجتمع الأمراء، وسألوا السلطان فيي ترتيب ~~هؤلاء الحكام، فرتبهم، وكان الأمير جمال ~~الدين أيدغدي العزيزي ~~أبا عذرتها، والقائم ~~فيها أشد قيام ### | واستهلت سنة ms51 أربع وستين وستمئة # في سابع المحرم منها عقد السلطان الملك ~~المنصور قلاوون على بنت كرمون أغا، وكان ~~من أمرائه إذا ذاك، كان العقد بالكبش، ~~وحضرالسلطان بعد أن رتب وفرش من PageV01P211 ~~الخزائن السلطانية، وقرىء الكتاب بين يدي ~~السلطان الملك الظاهر، وكان الوكيل في قبول ~~العقد عز الدين الحلي. # وفي صفر منها اهتم السلطان بعرس المشار ~~إليه ورسم بضرب دهليز العيد بسوق ~~الخيل، ومد فيه سماط السلطانوقد تنوع ~~فيه، واستكثر، وحضره السلطان الملك ~~الظاهر، وأكل الناس وانتهبوا، وحضر كل من ~~الأمراء التقادم من القماش والخيول، على قدر ~~طبقاتهم، وأحضر السلطان الملك الظاهر أيضا ~~جملة من هذه النسبة. وحمل الجميع إلى بيت ~~الملك المنصور قلاوون. # سبحان الله كان ضرب هذا الدهليز للملك ~~المنصور دهليز ملك لا عرس، فإن نوبة الملك ~~أفضت إليه بعد أربعة عشر سنة، وهي الأيام ~~ما زالت دولا فدولا، والأقدار ما برحت تحط ~~أربابا وترفع خولا. PageV01P212 ### | ذكر شيء يدل على عظم همة هذا السلطان وقوة نفسه # إتفق أن وصلت رسل الإنبرور، الفنش، ~~ورسل اليمن، بسفائن مملوءة من الهدايا على ~~اسم الإسماعيلية، مصانعة لهم، ودفعا ~~لضررهم، وإغمادا لسكاكينهم المسمومة. ~~وكانت إذ ذاك لهم شوكة ومهابة، وقلاعهم ~~معمورة بهم، وملكهم يقال له راشد الدين ~~سنان بن سلييان البصري، وكانت فيه فضيلة ~~أدبية، ومادة في النظم والنثر، ورسائله ~~مشهورة، وبلسان الاستعظام مذكورة، فلم ~~وصلت هذه الهدايا أراد السلطان أهنة القوم، ~~وعدم المبالاة بهم، وأن يعرف كلا من رسل ~~هؤلاء الملوك، ورسل الإسماعيلية، أنهم عنده ~~رعية، وأنه لا يبالي بهم، ولا يصانعهم، فأمر ~~بأن تستأدى، مما حضر برسمهم، الحقوق ~~الديوانية عن آخرها كما تستأدى من أقل الناس ~~بعزة وأنفة. PageV01P213 ### | ذكر الكسرة المتفقة للأبرنس صاحب طرابلس، علي حمص # لما كان في صفر منها بلغ الأمير علم الدين ~~الباشقردي، النائب بحمص، أن الأبرنس ~~صاحب طرابلس قد استجاش، واستنصر ~~بالملوك الفرنجية وبيوتهم، وعزم على الإغارة ~~على الحمص، فاحترز منه، وجعل له عليه ~~عيونا، ولما خرج الإبرنس من طرابلس عرف ~~به، وسبقه إلى المخاضة، وملكها عليه، فلما ~~حضر ms52 بهت الذي كفر، وعاد منهزما، وعدى ~~علم الدين الباشقردي له بمن معه، ففر بين ~~يديه فلم يزل وراءه يقتل ويأسر، وعاد ~~العسكر الإسلامي منصورا، ووصل البريد ~~بهذه البشرى للسلطان، فشكر الله على ذلك. # وفي ربيع الأول منها رسم بمد جسر على ~~الفرات من الرحبة، وحصل للتتار من ذلك ~~وهم شديد. PageV01P214 # وفيه عملت مراكب بدمشق، وجهزت إلى ~~البيرة. # وفيه أهتم بعمل المجانيق بدمشق. ~~وفي جمادى الأولى من السنة وصل إلى مشق ~~جماعة كبرى من الأسرى المسلمين من النساء ~~والرجال كان فخر الدين بن جلبان مقدم ~~الشواني قد توجه لمشتراهم، من البلاد ~~الفرنجية، بالمال المتحصل من أوقات الأسرى ~~بدمشق. # وفي هذا الشهر رسم السلطان بعمل جسر ~~على قناطر على الشريعة، وجاءت أحسن ما ~~يكون، وارتفق به المسلمون. ~~وفيه نجزت عمارة القاعة الظاهرية، ~~المجاورة لباب سر قلعة الجبل المحروسة، ~~المتولى عمارتها الأمير عزالدين أيبك الفخري، ~~وهي قاعة عظيمة قد تفنن في عمارتها ~~وزخرفتها، وتوهي فيها إلى الغاية والنهاية، ولما PageV01P215 ~~نجزت جلس بها السلطان، ومد بها سماطا، ~~وخلع على عزالدين الفخري، مشدها، ودفع ~~له ألف دينار وأنشده الصاحب محي الدين ~~جامع سيرته فيها: # يا مالك الدنيا الذي %~% أمسى بعون الله غالب # يا من به الكفار قد %~% نهشوا بأنياب النوائب # لولا سيوفك لم يكن %~% بالثأر للإسلام طالب # كم جنة لك أزلفت %~% بعظيم كتبك والكتائب # ومنها: # دار يرق بها النعيم %~% وتلتقي فيها المآرب # قد صورت فيها الجنود %~% على الخخول لها القواظب PageV01P216 # لتكون دهرك كله %~% أبدا ترى ناسا تحارب # وتكون في الخلوات ليس %~% ترى بغير السيف ضارب # وترى جنودك حول تختك %~% ليس منهم غير واثب # في السلم حولك مثلما %~% في الحرب دونك في المواكب # لا مثلما قد صور ال %~% أملاك قبلك من غرائب # كل يصور نفسه %~% بين الأغاني في المشارب # فبقيت يا ملك الزمان %~% لك العطايا والمواهب # أبدا تمتع في النعيم %~% وما لملكك من مجاذب # وفيها توجه السلطان بنفسه لحفر خليج ~~الاسكندرية، وحصل له في الطريق توعك PageV01P217 ~~فلم يرده ذلك عن قصده، وباشره بنفسه [و] ~~أمرائه، ومماليكه ms53 وجنده، إلى أن حفر على ~~أحسن صورة، وعدى إلى بر أبيار، وأعمل به ~~جزيرة هائلة، وعاد إلى قلعته. # وفي رجب منها ورد كتاب الأمير جمال الدين ~~النجمي يتضمن أنه عمل تقدير يغرم على ~~جسر دامية المرسوم بعمله، فكان مئتي ألف ~~درهم نقرة، فعاد الجواب بصرف ذلك. # وفي رمضان منها وصل من أدعى أنه ولد ~~الخليفة المستعصم، المسمى بالمبارك، وكشف ~~عنه، وسئل عن نسبه منه، فلم يصح أمره، ~~وأبقي بدار الضيافة متحفظا به. # وفيها وصل أيضا شخص أسود، ومعه ~~زوجته، وأدعى أنه من أولاد الخلفاء، فلم ~~يتبين أمره، واحتفظ به. PageV01P218 ### | ذكر أمر سواكن وما تفق فيها # هذه سواكن جزيرة من جزائر بحر الملح، ~~وبها بجاة عرايا، وهي فوق من عيذاب ~~بخمسة، ستة أيام. وكان بلغ السلطان أن ~~صاحبها المسمى بأسبعانى، الملقب بعلم ~~الدين، قد صار يتخطف التجار، ويستولى ~~على مال من يموت منهم، وأظهر عصيانا، ~~فاهتم السلطان بأمره، وكتب إلى والي قوص ~~يأمره بأن يجهز لقصدها، وصنعت المراكب، ~~التي بلا مسامير، المجهزة في مراكب المسامير، ~~وهي مشحونة بالمقاتلة، وجهزت أيضا مراكب ~~من جهة القصير، مشحونة بالمقاتلة فأما ~~أسبعاني فإنه هرب هو وأصحابه، وترك ~~البلاد، فملكت عليه، وأقيم بها فخر الدين ~~ابن الكنز، نائبا، وعاد والي قوص بمن معه، ~~فخطر لصاحب سواكن أن يقصد ابن الكنز، ~~ومن رتب معه، فقصده، فخاب قصده، وعاد ~~مهزوما. ثم إن الحدربي، وهو الذي أجار هذا PageV01P219 ~~إسبعاني، أرسل السلطان وهاداه، وتدرك ~~عنه الدخول في مراضي السلطان، فأجيب، ~~واستقر أسبعاني بسواكن صورة نائب. # أقول: وهذا أسبعاني إلى الآن بسواكن ~~وقداس، والدولة تكاتبه. ### | ذكر ما اتفق للأمير عز الدين الحلبي في من وثب عليه بدار العدل في غيبة السلطان # كان هذا الأمير عزالدين يجلس بدار ~~العدل في غيبة السلطان، للنظر في أمور ~~الرعية، ومعه الوزير الصاحب بهاء الدين ~~والقضاة، فأتفق أن دخل إنسان، ومعه قصة ~~يرفعها، فحمل على الأمير عزالدين بسكين ~~جاءت في بلعومه، فأمسكها الأمير عزالدين من ~~يده، فجرحت يده وانقلب الرجل، فبقر بطن ~~صارم الدين المسعودي، متولى ms54 القاهرة، وأراد PageV01P220 ~~أن يلعب على الحاضرين بالسكين، فأمسكه ~~الأمير فخر الدين بن التركماني من كتفيه ورمى ~~به الأرض، وضرب بالسيوف فمات، وحمل ~~الحلي إلى داره، وقطب جرحه، واتصلت ~~القضية بالسلطان، فعز عليه، وكشف أمر هذا ~~الرجل، فوجد جاندار، وقيل إنه كان مختل ~~العقل مصطولا، ثم ورد الخبر للسلطان ~~بسلامته، فخلع عليه، ودفع له ألف دينار. # أقول: كان الواجب أن لا يعجل بقتله ~~وأن يستكشف أمره، وما جنسه. # وكانت هذه الواقعة في يوم الاثنين، ~~منتصف ذي الحجة، سنة أربع وستين ~~وستمئة. PageV01P221 # وفي شعبان وما يليه أهتم السلطان بنفسه ~~وعساكره، بالإغارة على البلاد الفرنجية ~~كحصن الأكراد وطرابلس وعكة وصور ~~وأحرق وملك بعض قلاع هذه النواحي ~~كحلبا وعرقا، وأسر ونهب، وقتل وأرعد ~~وأبرق، واستمرت إغارته، وإغارة عساكره إلى ~~شعر رمضان. ووقعت الغيارة بجماعة من ~~الفرنج قد خرجوا من صافيثا، قاصدين حصن ~~الأكراد، فقتلوهم عن آخرهم. ### | ذكر فتح صفد والاهتمام بها # أقول هذه القلعة كانت للمسلمين، ~~واقتضى الحال أن سلمها الملك للفرنج ~~عندما قويوا عليه، وداري بها عن غيرها ~~وحكى لي المولى شهاب الدين بن السلطان ~~الملك الناصر، صاحب الكرك، أن السلطان PageV01P222 ~~الملك الظاهر لما نزل هذه القلعة كان ولد ~~مسلمها الملك... حاضرا، وأن السلطان ~~التفت إليه، وقال له: هذه عمائل أبيك، ~~وعذق به من ماصرتها جانبا كبيرا. # ونرجع إلى ما نحن بصدده، ولما عزم ~~السلطان على محاصرة هذا الحصن كان نازلا ~~على عكا، مضايقا لها، غائرا عليها، فجرد في ~~غضون ذلك إليها وإلى الشقيف أميرين، وهما ~~قخر الدين الشهابي، أحد أمراء دمشق، فنزل ~~لشهابي على صفد، واستمال أهل البلاد ~~المجاورة لها، وكذلك الذي نزل على الشقيف. # وتوجه دهليز السلطان صحبة الامير بدر ~~الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، وضرب ~~على صفد، في ثامن رمضان المعظم من السنة، ~~وقصد الحصن المذكور، وقد حضرت المجانيق ~~المطلوبة من دمشق بتهويل عظيم، وأحتفال ~~كبير، ولم يكن بأسرع من أن نصبت، وقسمت PageV01P223 ~~على الأمراء، والأجناد، وحصل الحصار ~~والجد، الليل والنهار، وما من يوم إلا ويريهم ~~السلطان من آية إلا ms55 هي أكبر من أختها، ~~وبينها هو كذلك إذ ورد عليه رسول متملك ~~صور، يستعفى من جور الغيارة على بلاده ~~ونهبهم ومضايقتهم، ويقول: # إن بيني وبين مولانا السلطان عهد وذمة، ~~فحجه السلطان، وقال: # كيف يكون لمرسلك عهد وذمة وقد آوى ~~أعدائي من الفرنجية، وحماهم وحمى مواشيهم ~~علي، وأخلف ميعادي في المعاونة على محاصرة ~~عكا، وأخذها. # وأعاد الرسول بالخيية. # ورد عليه أيضا رسول الإسماعيلية، يطلبون ~~رضاه، فقرعهم، وقال: # أنتم كنتم تقولون: إن القطيعة التي ~~تؤدونها للفرنج إنما كنتم تؤدونها لبعد PageV01P224 ~~عساكري، وخشية سوء جوارهم، وها أنا الآن ~~قريب منكم، منازل لاعدائكم، ولم يصا ~~منكم ما يناسب قولكم من هدية ولا قطيعة، ~~نحن بها أحق منهم، ثم ولا بكم نفع ~~للمسلمين، إلا مجرد إيهامات، ولابد أن أجعل ~~حصونكم قبوركم. # وطرد الرسول. # فلما عاد إليهم. بهذه الأقوال خاروا ~~وجاروا، فحضر جمال الدين، نائب غزة، ~~بنفسه إلى باب السلطان، فلما أذن له في ~~الدخول شرع أمير جاندار في تفتيشه خشية أن ~~يكون معه حديد، فأنكر السلطان على مفتشه ~~وقال: # لا حاجة إلى ذلك، وأيش هو هذا، وأيش ~~هو حديده. # وأحضر هدية، فاستحقرها السلطان، ~~واستقلها بالنسبة والإضافة، وطرده بهديته PageV01P225 # ثم أقبل السلطان على ما هو بصدده من ~~ماصرة هذا الحصن، فجد، وصار يركب ~~وحده، ويطوف بنواحيه لاستنهاض العزائم، ~~فلما طال عذاب الحصار على الفرنج، وزهقت ~~نفوسهم، وتحققوا الهلاك، سألوا الأمان على ~~أنفسهم، ليسلموا بتسليمها، فشرط عليهم أن ~~لا يستصحبوا شيئا من سلاح، ولا ما يتمول به ~~من ذهب أو فضة، فأجابوا في الظاهر ~~وخالفوا في الباطن، فلما خرجوا اعتبرت ~~أحوالهم، فوجد معهم من اآلات السلاح ~~والأموال، وأسارى المسلمين ما تحيلوا في ~~إخفائه، ولكن لم يخف عن الظاهر، وما له من ~~تدقيق الحيل التي كمن كان معها القاهر، ~~فحين خرجوا عن الشرط، والشرط أملك ~~وسلكوا من المخالفة أوعر مسلك، أم ~~السلطان فرمي فيهم السيف، وقتلوا عن ~~أخرهم، إراحة من ذخيرتهم، ومعاقبة على PageV01P226 ~~سوء نقضهم، القاضي بسوء مصيرهم، ولم ~~يسلم منهم غير رجلين، أحدهما يقال له افرير ~~أيوب، ms56 والآخر أخ من الاسبتار، فأما أفرير ~~أيوب فإن السلطان كان وعده بالعفو عنه، ~~واسلم المذكور، وختن، وأستمر في الخدمة، ~~وأما أخ الإسبتار، فإن فارس الدين الأتابك ~~شفع فيه، ليذهب ويخبر بما أتفق عن يقين. # وتسلمها المسلمون، وعبى فيها زراد ~~خاناه، واستخدم فيها رجاله، وتقرر معلومهم. ~~في الشهر ثمانين ألف درهم، ورتب فيها وال ~~ونائب، واستقرت دار إسلام، وسطرت في ~~صحائف السلطان أجورها ذخيرة لدار ~~السلام، ورسم فبنى به جامعان بالقلعة ~~والربض. PageV01P227 ### | ذكر ما وقفه من بلاد صفد المذكورة # ما وقف على الشيغ خضر نصف قديثا، ما ~~وقف على الشيخ علي المعروف بالمجنون نصف ~~وربع الحقاب، ما وقف على الشيخ الياس ~~الربع من الحقاب المذكورة، ما وقف على قبر ~~السيد خالد - رضي الله عنه - قرية فرعم، ما ~~وقف على قبر شعيب النبي - عليه السلام - قرية ~~منها. # وكان رحيله عن صفد المذكورة في السابع ~~والعشرين من شوال، قاصدا دمشق ~~المحروسة، فدخلها بمفرده، وأمر العساكر أن ~~لا تدخل، فتقدم أمره إلى الملك المنصور ~~صاحب حماه - بالتوجه إلى سيس، وكتبت على ~~يده تذكرة بما يعتمده، وأفاض عليه الخلع ~~والتغالي والمال جملة متوفرة، وأمره باعتماد ما PageV01P228 ~~تضمنته التذكرة. # وكان في غضون ذلك وفاة الأمير كرمون ~~أغا، فأحسن مواراته، وقام بواجب حقه، ~~ورسم ببناء تربة عليه، وأفاض الخلع على ~~الأمراء، ومن عادته بها، مصر وشاما. # وتقدم أمره بأن لا يسكن أحد جامع ~~دمشق، وأن ترفع ويذكر فيها اسم الله، وأن لا ~~يترك بها أحد من المجاورين، وقوفا على ما ~~جاء في ذلك من الأحاديث النبوية، وتوجه إلى ~~الجامع المذكور بعد ذلك، وشاهده على أحسن ~~الصور، وصل، وعاد وتوجه بكرة يوم السبت ~~للصيد، فأوغل فيه، وقيض له من ساقه قصر ~~العمر من الوحوش مالا يقدر عدد أن يوفيه. # وللقاضي محي الدين في ذلك أبيات، وهي. # يا أيها الملك الذي %~% فيه العقول غدت تحار PageV01P229 # يا من إليه بفعل ما. %~% يرضي الأله غدا يشار # يامن غدا ويمينه %~% يمن كما اليسرى يسار # بالله قل لي هل دم %~% يجريه سيفك أم ms57 بحارا؟ # هل الخيول لها مسي %~% ر تحت سرج أم مطار؟ # إن السيوف تركتها %~% لا يستقر لها قرار # فلذا ترى ونصولها %~% قد أوحشت منها الديار # عودتها سفك الدماء %~% فما لها عنه اصطبار # فإذا تعللها بسفك %~% دم الوحوش فليس عار PageV01P230 # لم يبق في الدنيا فرن %~% ج، لا ولا بقيت تتار # فالوحش عن مهج العدا %~% لما تفانت تستعار # وأظنها بك سوف تقف %~% ر من سوانحها القفار # إن الدماء من العدا %~% والوحش أفناها الغرار # فدع السيوف بقدر ما %~% تبغي دما منها يثار # وأسلم ودم في نعمة %~% وبعز بابك يستجار ### | ذكر شيء من معدلته. # كان الأمير أحمد ويبن حجي، أمير آل مري، ~~ذا سلاطة، وقوة نفس، وكان يدعى أنه من ~~نسل البرامكة، وأن جدته أخت الرشيد ~~واتفق أن هذا أحمد خصى إنسانا، وقتل هو PageV01P231 ~~عرادة البدوي، وولده سليمان قتل آخر، ~~فأعرض السلطان عن الحديث في ذلك، ~~وجاوب من أطلعه عليه أن هؤلاء عرب، ولهم ~~اصطلاح، وهم في البراري، فلا ندخل بينهم ~~ولما بلغ ذلك أحمد عن السلطان وثق به، ~~وحضر هو وولده بالتقادم والخيول، فحين ~~صاروا في القبضة كتب إلى غرامائهما، فحضر ~~المخصي ووكيل ولد عراده، وتحاكما معه فتوجه ~~على الحق، فأمر بخصيه، ثم بعد ذلك ~~بشنقه، فصالحه المخصي على ألف دينار، ~~واشتراه السلطان من وكيل ابن عراده بألف ~~دينار، وسلك - رحمه الله تعالى - أحسن مسلك ~~السياسة والعدل بحكم الشرع الشريف. ### | ذكر ما جري في أمر المياه بدمشق المحروسة # كان السلطان منع المياه، ورسم بالمطالبة ~~بأثمانها، وحصل في ذلك أقوال وبحث، من PageV01P232 ~~الفقهاء بمجلسه، قال قوم نملك وقال قوم: ~~لا نملك، وأبقى مياه الخوانك والمدارس ~~والربط على حالها، ثم بذل أهل دمشق مالا ~~لبيت المال، واتفقوا فيما بينهم بإجابته إلى ذلك. # وفي هذه السنة رسم بإبطال ما اعتمده ~~النواب المتخلفون من ضمان الحشيش، وهو ~~أربعون ألف درهم في السنة، وأدب مضمنه ~~وضامنها، وضمن الله له الأجر عن ذلك. ### | ذكر ما سأله اسبتار من المهادنة # حضر رسول المذكورين وسأل هدنة ~~بالصلح على بلاده من جهة حماه ms58 وحمص وبلاد ~~الدعوة، فامتنع، إلا أن يبطلوا ما لهم على ~~الجهات المذكورة من القطيعة، وجملة ما كان ~~على هذه الجهات ما يذكر: أبو قبيس ؛ وغيرها ~~ثمانمئة دينار، قلاع الدعوة ألف ومائتي ~~دينار، وخسون ألف مد حنطة، وخمسون ~~ألف مد شعير وعلى حمص وحماة أربعة آلاف PageV01P233 ~~دينار، فأجابوا إلى إبطال جميع ذلك وكتبت ~~الهدنة، وجعل الإختيار للسلطان في فسخها ~~وعدمه. ### | ذكر ما اتفق لنواب السلطان من الإغارة والاستيلاء في سنة خمس وستين وستمئة # ورد كتاب الأمير جمال الدين النجيبي ~~نائب دمشق، بأنه حصلت الإغارة على جبيل. ~~والمحاصرة لمن بها من الفرنج، وأنهم تسحبوا ~~من باب س بها لم يشعر به المسلمون ~~وأخذت، وأغير على أقصاب عكا، ونهبت من ~~الأمراء المقيمين بصفد، وعادوا سالمين بعد ~~لغنيمة، وقتل العدة من الفرنج. # وفيها وصل الخبر للعساكر المجردة بصفد ~~والساحل أن الفرنج أغاروا على طبرية، فركب ~~العسكر الإسلامي للوقت، وقصد مرج عكا، ~~قصدا في أن يكونوا قدام العدو، فلما حضر ~~العدو، وهو في جمع يقارب ألفا ومئتي PageV01P234 ~~فارس، فحمل عليهم المسلمون، واستمر ~~القتال إلى المغرب، فنصر الله الإسلام، وقتل ~~العدو بأجمعه، ولم يفلت منهم إلا من لم يتتفع ~~بنفسه، وكان بعكا من العزاء بهذا السبب مالا ~~بعبر عنه، وتقدم مرسوم السلطان بالشكر ~~والثناء على همة العسكر المذكور والإنعام عليهم ~~وعوضوا عن الخيول التي قتلت تحتهم. # وفيها جهز لاستخراج العداد من ~~الجواشنه، عرب برقا، أربعون ديوانا، صحبة ~~جمال الدين الشقيري وابن عزاز، ~~فاستخرجت بعد ممانعة من القوم ومقاولات، ~~وأنهم لم تجر لهم بذلك عادة لا من الشرق ولا ~~من الغرب، وجملة ما استخرج من ذلك من ~~والغنم مئتا ألف رأس. PageV01P235 ### | ذكر حسنة من حسناته - رحمه الله تعالى # كان النواب بحلب قد أنهوا إليه خراب ~~المساجد والخنوانك والمدارس والربط بيد التتار ~~عندما استولوا عليها، وجفل أهلها عنها، وأنها ~~شاغرة من لوازمها، وأشاروا بأن يستخدم ~~بأوقافها عسكر يكون قبالة العدو. فحين وقف ~~على هذا الرأي استشاط، وأعاد الجواب ~~الإنكار التام، وأن هذه حسنة لا يجعلها ~~سيئة، وحذر من ms59 اعتماد ذلك والمعاودة فيه، ~~وأرعد وأبرق، ورسم بعمارة معاهد العلم ~~والذكر والصلوات بعمارة أوقافها. ### | ذكر غزاة سيس # قد تقدم أمر تجهيز الملك المنصور، صاحب ~~حماة لغزوة سيس، والتذكرة المكتوبة على ~~يده. ولما كان في ذي الحجة من السنة توجه PageV01P236 ~~المذكور وصحبته العساكر المصرية والشامية ~~أميرها ومأمورها، واقتحم البلاد نزولا ~~ورحيلا، ولما توسطها راسل ملك سيس بما ~~يعود نفعه عليه من الطاعة، والدخول تحت ~~المراحم السلطانية، فاعتقل الرسل، ~~وقيدهم، ولم يعط سمعا ولا طاعة، فأخذ ~~الملك المنصور - صاحب حماه - في التوغل ~~وخراب البلاد السيسية، بلدا بلدا، وقلعة ~~قلعة، وحصنا حصنا، ونهب الأموال، وأسر ~~العيال، إلى أن وصل إلى سيس، وحصل ~~الظفر بولد صاحب سيس ليفون وابن عمه ~~وقيد. وعاد الملك المنصور - صاحب حماه - كما ~~بدأ نصره واستظهارا. # وقد غنمت العساكر مالا يعبر عنه من ~~الجواهر والمواشي والأسرى، هذا والسلطان ~~يتصيد في البلاد الحلبية وغيرها. ولما وصل ~~صاحب حماه خرج السلطان لتلقيه، وتلقى من PageV01P237 ~~معه، وأجزل النعم لولد صاحب سيس من ~~نفائس الأموال، وعامله بما يجب له من ~~الإجلال. ثم بعد ذلك، ولزومه، وتمام ~~النعمة فيه، توجه السلطان إلى الكرك جريدة، ~~وهي السفرة التي تقنطر فيها قريب بركة ~~زيزا، وهي الوقعة التي أثرت في رجله، وكان ~~يخمع منها إلى أن مات لسوء تجبيرها. وأقام ~~قليلا ريثما سكن ألمه، وأفاض الخلع على من ~~الكرك من التائب وغيره، وبسط آمالهم. ~~ونقبل أعمالهم، ورحل عنها راكبا في المحفة إلى ~~غزه، ثم منها قاصدا مقر ملكه. وعندما قرب ~~من قلعته نزل ولده السلطان الملك السعيد ~~لتلقيه، وصعد قلعته، فلما استقر أفاض PageV01P238 ~~النعم، ووفر القسم، وحضر إليه رسل سيس ~~بالقراعة والسؤال، وطلب المراحم في حق ~~ليفون الماسور، فاحضره بحضرة الرسول، ~~ففك قيد إساره. # وأصبح قاصدا رمي البندق ببركة الجب، ~~منزلة الحجاج. وفي جمادى الآخر منها شرع ~~في بناء جامعه الظاهري بالحسينية بالميدان ~~المعروف بقراقوش، ملوك الملك الناصر صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب، فعمر بعضه جامعا ~~على أحسن الصور، كما تراه، وحكر البعض، ~~وجعل وقفا على الجامع، واحتفل ms60 به إحتفالا أثر ~~هذا التأثير المشاهد من حسنه، وتمام هيئته ~~وركب منه إلى مدرسة الظاهرية بخط بين ~~القصرين، وقد شحنت بالفقهاء في أواوينها ~~الأربع ومدرسيها، وأيتام سبيلها، فجلس ~~بإيوان الحنفية ثم بإيوان الشافعية، وشكر الله ~~على الهامه لتأثير هذه المثوبة المتصل بها PageV01P239 ~~بعد انقطاعه، وبسط آمال من بها، ووصى أن ~~لا يندقن بها، وأقول: كيف وتربته مقدرة ~~بدمشق بدار العقيقي من أول يوم محطوم بها ~~عن التقلب في البلاد ومساومته بمقابلة ~~الأعداء، ما بين حصار ومساومته بمقابلة ~~الأعداء، ما بين حصار ومواجهة، أشد سوم. # ومن كتبت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواها ### | ذكر الموجب لشنق الإنسان العجمي القزويني # هذا الرجل كان يتجسس للتتار، وله ~~قاعدة، يقال له جلال الدين بن الدوادار، ~~وكانت الأخبار ترد على السلطان باسم ~~المذكور بحليته ونسبه، فأمسك بالبيرة، ~~وأحضر إلى بين يديه، فسأله، فأنكر، وهدده، ~~وأرعد عليه وبرق وكرر، وهو لا يزداد إلا PageV01P240 ~~إنكارا، فلما رأى عينها أقر، فأمر بشنقه، ~~وإمساك ابن الدوادار. # وفيها حضر الملك المنصور - صاحب حماه - ~~لزيارة السلطان بعد الاستئذان في ذلك، فانزل ~~بمنظرة بستان الخشاب، وبودر في كرامته على ~~العادة وزيادة. واستأذن إلى ثغر الاسكندرية ~~ليراها، فأذن له، وكوتب النواب بها باعتماد ما ~~يجب لتعظيم سلطانه، وعاد ريثما استجم ~~وتوجه صحبة السلطان إلى غزة واستأذن منها ~~على التوجه إلى القدس والخليل، وتوجه وزار ~~وعاد منها إلى ملكته بحماه. ### | ذكر ذلة الإسماعيلية أرباب السكاكين بعز السلطان # قد علم أن هذه الطائفة لا يصطلى لها بنار، ~~وأنها تأخذ من نفسها لذوي الثأر بالثأر، وأن ~~مسلطهم يجدع مارن أنفه بكفه، ويقضي على ~~روحه بحدفه. وتقدم أمر ما اعتمده PageV01P241 ~~السلطان من أبطال القطيعة التي كانوا يؤدونها ~~لبيت الإسبتار عنهم، فرأوا لذلك، وخافوا من ~~قوة سلطانه، وأرسلوا رسولهم، وعلى يده ~~القطيعة، التي كانوا يحملونها للفرنج، لمولانا ~~السلطان، وطلبوا عفوه بأن يكونوا من جملة ~~صنائعه، فقبله، وما أهملهم بل أمهلهم، وما ~~فصلهم في الفتك بل أجملهم، فتلك بيوتهم ~~خاوية بيما ظلموا. # وأقول: لقد دوخ البلاد، ووطد التهايم ms61 ~~والنجاد، وألقى ماله في الذب عن دين الله ~~ماله قيل الوساد، فرحم الله تلك الروح، ~~وأحسن تلك العزائم، التي أنامت الرعية في ~~زاوية عافية بما من فتوح. PageV01P242 ### | ذكر طلب السلطان حق الله من الزكاة المقارن وجوبها للصلاة كما جاء في الكتاب والسنة # سير السلطان إلى أمير المدينة - على ساكنها ~~أفضل الصلاة والرحمة - رجلا من العرب يقال ~~له شكال، في طلب العداد، فأبى عليه ~~فاستنصر ببني خالد، فيما أمره السلطان. ~~فأذعن، وخشي العاقبة، وكتب إلى السلطان ~~يطلب من يستأديها، وجهز خيولا نفيسة ~~للتقدمة # ولمسير هذه السيرة - رحمه الله - # ملك، إذا ذكر اسمه %~% فالرعب يقذف في القلوب. # ويكاد يخرج من مها %~% بتها إليه من الجيوب PageV01P243 # لم يبق إلا من أطا %~% ع من البعيد أو القريب # قالله ينصره، فإ %~% ن بنصره كشف الكروب # وفي هذه السنة، وهي سنة خس وستين ~~وستمئة، أمر السلطان بإقامة الجمعة بالجامع ~~الأزهر بالقاهرة المحروسة، وهو الثامن من ~~شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمئة ~~بسؤال الأمير عزالدين أيدمر الحلي، جاره ~~فأقيمت به، وأعيدت إليه، وهو الآن عامر ~~الذكر، مشحون الزوايا بالذكر، وقراءة ~~القرآن والمواعيد. # وللأمير ناصر الدين بن النقيب الكناني ~~وهو من شعراء الزمان، والمخصوص في شعره ~~بفضيلتي البيان والتبيان، وجلة المجيدين فيه ~~والأعيان، وله ديوان شحيم لحيم، ولا ينكر إذا PageV01P244 ~~كان للأمير الكبير ديوان. ولم اثبتها لأنها نازلة ~~عن طبقته، مررذولة بالنسبة إلى شعره ~~نصاعته # وقد ذكر مؤلف السيرة ملخصه مالا غنى ~~عنه في أمر هذا الجامع وغيره مما يتعين أن ~~يستفاد (منه)، وأن يعاد بنصه على سماجة ~~المعاد. # وهذا الجامع هو جامع القاهرة، بنى عندما ~~بنيت في سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة، وأقيمت ~~الجمعة في هذا الجامع بعد بنائه، وذلك في شهر ~~رمضان المعظم سنة إحدى وستين وثلاثمئة، ~~وجدد فيه العزيز ابن المعز أبي تميم معد، والده ~~مختط القاهرة، أماكن، وعلي بناءه، وفيه طلسم ~~سنع من دخول العصافير إليه، وعليت منارة ~~هذا الجامع في زمن قاضي القضاة صدر الدين ~~بن درباس الهذباني، وكان فيه تنوران من PageV01P245 ~~فضة، ms62 وسبعة وعشرون قنديلا من فضة أيضا ### | أوقافه بمصر # جزو بدار الضرب، وجزو بقيسارية ~~الصوف، وجزو في دار الخرق الجديدة، ~~ومبلغ أجرة ذلك ألف دينار واحدة، وسبعة ~~وستون دينارا، ونصف دينار، وثمن دينار ~~برسم حصره العباداني، ووقوده وجامكية ~~خطيبه ومؤذنيه. # وذكر مؤلفها أنه رأى كتاب وقفه عند نجم ~~الدين بن الحلي، وانتقل إلى قاضي القصصاة تقي ~~الدين بن رزين، ولم يبق من هذه الأوقاف شيء ~~لما أحرقت مصر. ولم تزل الخطبة به إلى أن بنى ~~الحاكم أبو علي المنصور بن العزيز بن المعز ~~جامعه المسمى بجامع الأنور، خارج باب ~~الفتوح، كما يشهد بذلك ما هو مكتوب على ~~بابه ومنبره، وكان بناء هذا الجامع في سنة ثلاث PageV01P246 ~~وأربعمئة. # ونضمنت سيرة الحاكم أن أبا الفرج بن ~~كلس الوزير اختط بناء هذا الجامع، في يوم ~~الأحد العاشر من شهر رمضان المعظم سنة ~~تسع وسبعين وثلاثمئة. فانتقلت إليه الخطبة ~~من الجامع الأزهر، وكان الخليفة في شهر ~~رمضان يخطب في الحاكمي جمعة، وفي الأزهر ~~جمعة، وفي الطولوني جمعة، وفي جامع ~~مصر جمعة، وبنى باب الفتوح بعد بناء ~~هذا الجامع، وحازه في زمن المستنصر في وزارة ~~أمير الجيوش سنة ثمانين وأربعمئة. ### | ذكر سفر السلطان إلى صفد المحروسة لتشييد قواعدها وترتيب أمورها # كان توجهه إليها، في رجب سنة خمس ~~وستين وستمئة، بهذا السبب، فبينا هو في لم ~~شعثها، وتجديد بنائها، إذ ورد الخبر إليه أن PageV01P247 ~~السار المخذولين نازلوا الرحبة، وأحاطوا بها ~~فلم يلبث أن كتب إلى النائب بدمشق بتجهيز ~~الأمور، وركب فوصل دمشق في أحد عشر ~~يوما، وتواصل الجيش إلى دمشق، وعزم ~~وجزم، فورد الخبر برحيل التتر عنها عندما ~~بلغهم اهتمام السلطان ومبادرته، ولما تحقق ذلك ~~عاد إلى صفد لإتمام ما شرع فيه ومشاهدته. ### | ذكر شيء من مخاتلته # كانت رسل عكا قد وصلت إليه لتسأل ~~المهادنة والصلح خوفا منه ورهبة، وكان قد ~~بلغه أن الفرنج أغارت على الشقيف، فأنكر ~~على رسلهم ذلك، فتنصلوا، وحلفوا، ثم ~~أغفلهم، وسار في الليل هو وجيشه، بحيث لم ~~تشعر الرسل، وأهل عكا مطمئنين، ms63 وقصد ~~عكا فقتل من بمرجها وحولها وحرق PageV01P248 ~~أشجارها، وهدم بناء ظاهرها، وأنكى فيهم ~~النكاية التامة، مجازاة لإغارتهم على الشقيف. ### | ذكر مهادنة صور # ترددت رسل القومص صاحبها في هذا ~~لمعنى، وكان من نواب السلطان بتلك ~~الأطراف إنسان يقال له السابق شاهين، فاتفق ~~أن قتل بيد بعض الفرنج، وكان السلطان ~~يطالب بديته لأولاده، وتردد الرسل في ~~الصلح، وهو يأبى إلا بعد الدية، فأجابوا بعد ~~أن أشرفوا على التلاف، وتقررت ألف دينار ~~مصرية، عنها خمسة وعشرون ألف دينار ~~صورية، وحمل من ذلك سبعة عشر ألف ~~دينار، وجماعة من الأسارى المغازية، كما ~~استقر، وحصلت المهادنة، وتقررت بلوازمها ~~وفيها هودن الفرنج على صور والمرقب لمدة ~~عشر سنين. PageV01P249 ### | ذكر أمر مالك بن منيف وتوليته نصف الأمرة بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والرحمة # كانت أمرة المدينة النبوية شركة بين ~~الشريفين جماز ومنيف، ولما توفي منيف كان ~~ولده بدر الدين مالك صغيرا، فاستولى ~~عليها جماز، ولما كبر مالك لم يجبه جماز إلى ~~الشركة، فحضر إلى السلطان، وهو على خندق ~~صفد، وأحضر الخيول المسومة النجدية، ~~واستجار بالسلطان في إعادة حقه إليه من ~~ذلك، فأجاره، ورأى لقدومه، وراعى شرفه، ~~وللوقت أمكنه من نصف أوقاف المدينة النبوية ~~بالديار المصرية، وكتب إلى جماز بالصورة، ~~جزم أن لا بد من ذلك، فأجاب إليه، وتوجه ~~مالك بن منيف، واستقر في مشاركة الأمرة بها ~~ذلك سنة ستة وستين وستمئة. # وفيها وصل العداد المستخرج من المدينة كما ~~قدم من المال والجمال PageV01P250 ### | ذكر تجديد عمائر مدينة الخليل عليه السلام # كانت أماكن بحرم الخليل قد وهت لطول ~~المدة وتقادمها، فبادر السلطان إلى اكتساب ~~حسنة تجديد ما به من المقاصير، وغير ذلك. ~~فجددت على أحسن الصور بالجملة الكبيرة. # وفيها ورد [من] نواب القدس الشريف ~~ان الماء انقطع عنه، وظب بئره، وأن الحاكم ~~هنالك أنزل إلى البئر من يكتشف أمرها، وأن ~~الذين نزلوا وجدوا بالبئر سدا قديما متقنا من ~~زمن بخت نصر، الذي خرب البيت المقدس، ~~وأنه اجتهد في فتحه إلى أن بلغ الجبل، وأن الماء ~~تفجرت عليهم ينابيعه، ms64 فصعدوا في سلاليم ~~بأقصاه وكاد أن يغرقهم، وأن منبعه من تحت ~~الصخرة المطهرة. # وفيها احتفل السلطان بأمر جسور نيل ~~الديار المصرية، واستجد بها أبحرا كالنقيدى، PageV01P251 ~~ووسع خلجا كالسردوس، وفتح تراعا ~~طال سدها كالكافوري، واستجد قناطر على ~~بحر أبي الرجا، ومر على بحر أبي الرجا، ~~وعلى بحر أمواس، وعلى جسر دمياط، ستة ~~عشر قنطرة. ### | ذكر شيء من سعادة السلطان # لم تخف مشقة خفض ما للشريعة للمصعد ~~والمنحدر، سيما عند زيادته، سيما للعساكر ~~المنصورة، واقتضت همة السلطان العالية أن ~~يبنى عليه جسر أبدي، وكتب إلى النواب ~~بالشروع في ذلك، وورد جوابهم بأن ذلك لا ~~يستطاع، فأنكر عليهم، وغلظ، وتوعدهم ~~فحضروا بالآلات والأصناف، فرأوا الأمر ~~مهولا، والسلطان يكتب أن لا بد من ذلك، PageV01P252 ~~فبيناهم حول النهر يعملون الفكرة وإذا بالماء ~~قد انقطع، وجف موضع الغرض، فانتهزوا ~~الفرصة وحفروا الأساسات، وأرسوا القواعد، ~~واستمر قطع الماء من نصف الليل إلى الرابعة ~~من صباحه، فنهض العمل واستبد، ثم تخرق ~~الماء كالجبال، واستطلعوا الخبر في قطعه، فإذا ~~جبل قد انهار من جهة القدس، وانقطع الماء ~~بقدرة الله، إلى أن تمم الله بسعادة السلطان هذا ~~العمل، ثم رجع على ما كان. ### | ذكر طاعة الملك المظفر شمس الدين بن رسول صاحب اليمن # كان والد المذكوم أمير جاندار الملك ~~المسعود بن السلطان الملك الكامل ناصر ~~الدين بن الملك العادل بن أبي بكر بن أيوب بن ~~شادي عندما ملكه والده اليمن، وأتفق أن ~~الملك المسعود أراد الحضور إلى الديار المصرية ~~من جهة مكة - شرفها تعالى - فحضر، وقدرت PageV01P253 ~~وفاته بمكة، وتغلب المذكور على ملك اليمن. ~~وورثه ولده المذكور، ولما ملك السلطان وصل ~~رعبه إليه، فأخذ في التهادي والتهاني إلى ~~لصدقة، فأرسل رسله بنفيس الهدايا اليمنية ~~والخيول والفيلة، وكاتب يسأل الصداقة، ~~فأجيب، وقبلت هديته، وعوض عنها أحسن ~~عوض، وسير ما التمسه من الخلعة ~~والصنجق، وكان من جملة سؤاله طلب ~~قميص من ملابس السلطان، الملاصق ~~لجسده، الشريف، المنهوك في جهاد أعداء الله ~~الفرنج والتتر، فأجيب، وسير له مع جواشن ~~وخود وآلات سلاح، وكتب له: ms65 د سيرنا ~~إليك آلة السلم والحرب. # وعقيب وصول هذا الرسول وصل ابن ~~الماكساني التاجر، وصحبته هدية أخرى، ومن PageV01P254 ~~جملتها شيء له قيمة جزيلة من جهة أم ~~صاحب اليمن، وسألت صرف ثمنها في ~~المجاهدين والغزاة، فأجيبت، وأنفقت فيهم، ~~واشترى ببعضها أسرى من بلاد الفرنج. ### | ذكر الضيعة المستجدة بناحية الدير والعباسة المعروفة الآن بالظاهرية # كان طلب الصيد قد أدى بالسلطان إلى هذه ~~الجهة، فراقت له رقة نسيم فضلة الصبا المارة ~~عليها، فاختط بها ضيعة وجامعا وسوقا، ولم ~~تزل العباسة وتلك الخطة مستنزه الملوك، وبها ~~ولد العباس بن طولون، وبه سميت، والملك ~~الأجد تقي الدين عباس بن العادل وكان الملك ~~الكامل ظنينا بها، ويقول: # هذه قفل ديار مصر، إذا أقمت بها أصطاد ~~الطير من السماء، والسمك من الماء، PageV01P255 ~~والوحوش من الفضاء، ويصل الخبز من قلعتي ~~إلي بها وهو سخن. ### | ذكر فتح يافا والشقيف # أما يافا فإنها ضالة المسلمين، قيل إن عمر ~~بن عبدا لعزيز - فتحها، وقيل معاوية، ثم ~~تغلب الفرنج عليها، ونازلتها ملوك كالناصر ~~صلاح الدين والعادل أخيه وغيرهم، ولم ~~يتفق فتحها، وخبىء للسلطان. # وكان السلطان قد تجهز لما بلغه من حركة ~~التتار المخذولين، وجد السير، وكتب إلى نائب ~~دمشق بتجهيزالعساكر، قلما وصل إلى قريب ~~ينافا بلغه من النواب المجاورين سوء مجاورة يافا ~~تعديهم، وأمدادهم الأعداء، وتعديهم، وأن ~~صاحب يافا القمص هلك، وأقيم له ولد ~~صغير، فحمل السلطان ما بلغه من تعدي قوم PageV01P256 ~~على منازلتها، فسألوا الأمان، فأجيبوا، ~~ونزلوا كما اقتضاه أمانه، وشرع في هدمها، ~~فهدمت، وأراح الله البلاد من سلعتها. # وأما الشقيف فإن السلطان كان قد تقدم ~~إلى العسكر الشامي بقصدها، والنزول ~~عليها بالمجانيق، وأن لا يحدثوا أمرا غير ~~الحصر، فرحلوا إليها وأحاطوأ بها إلى أن وصل ~~السلطان إليهم، فلما حضر جرى على العادة في ~~مباشرة الأمور بنفسه، ورتب المجانيق، وأحاط ~~قلعتي الشقيف القديمة والمستجدة ~~العساكر، وشرع في القتال، وحصل ~~الاتجتهاد. # ولما أشرفت أحد القلعتين، وهي ~~المستجدة، خربوا بيوتهم بأيديهم، وحرقوا ~~حواصلهم، وسلموها، وهرب البعض وقتل ~~إلبعض. PageV01P257 # وأما القلعة الثانية، وهي القديمة، ms66 فإن ~~العمل المتفرق موفر عليها القتال، وألجئت إلى ~~أضيق الأحوال، وكان الديويه بعكا قد سيروا ~~كتبا على يد مسلم، يقال له أبو المجد، وفيها ~~أماير وإشارات فاقتضى اسلام المذكور. ~~وسعادة السلطان، أن حملت إليه وعربت، ~~وكتب بالعكس ثما تضمنته، وحملت إليهم ~~فتحيروا واعتمدوا عكس ما كانوا عليه. # ثم ان الفرنج سألوا على لسان الأمير بدر ~~الدين بيليك الخزندار، نائب السلطنة بأن ~~يعفوا من القتال تلك الليلة، وأنهم في غدها ~~يعتمدون ما يرضي السلطان، فلم يلوعلى ~~ذلك، وظن أنها مكيدة، أو تدارك ثلمة تهدمت ~~بعمارتها، وجد في القتال، وضاعف أسباب ~~النكاد، فلما تهدم صورهم أو كاد، وأحاط ~~يهم النكال بما له من إنكاد، سلموا بعد أن ~~وكادوا أن يسلموا انما إليه أسلموا، وسألوا PageV01P258 ~~الأمان فأجيبوا، وخرجوا منها، ونزحوا عنها ~~وتسلمها السلطان، وهدمها، ولم يبق لها ~~أثر. ### | ذكر الإغارة على طرابلس الشام # هذا الحصن كان للاسلام قديما، وآخر من ~~كان به بنو عمار، وحاصره بعض ملوك الفرنج ~~عدة سنين، وبنى أمامه حصنا لطول مدة ~~المحاصرة، فلما أعبى بنى عمار ذلك تركوا فيه ~~واحدا منهم، وذهبوا ليستنصروا ويستنجدوا، ~~وكان الذي تركوه منهم بها مختلا، فقام ~~أعلاها، ونادى الفرنج. أن ادخلوا ~~وتسلموا فتسلموها. وآخر من ملكها بيمند ~~ابن بيمند اي الإبرنس. # ولما أفضت نوبة الملك للسلطان الملك ~~الظاهر، صاحب هذه السيرة، وأيد الله به ~~الإسلام. وصار يبلغه عن بيمند هذا من PageV01P259 ~~سوء الجيرة، وكثرة التعدي، والتعرض إلى ~~من يقصد أبوابه، حتى أنه ظفر برسل أتوا ~~من الكرج، وقد انكسرت مركبهم ~~فأخذهم، وأخذ ما على يدهم من الكتب ~~الواردة إلى السلطان، وسيرهم وسيرها إلى ~~هولاكو ملك التتار، فأتى على نفوسهم ونفوس ~~مرسليهم، إلى غير ذلك من مجاهرة، فاقتضت ~~الغيرة الإسلامية، والحمية الإيمانية، أن تهيأ ~~لقصدها، وأسر في التهيئة خلاف ما ظهر منها، ~~وأقتحم إليها الجبال والأودية، وفرق العساكر ~~الإسلامية، فأحاطوا بها الهلاك، وأسروا ونهبوا ~~وأرعدوا وأبرقوا، واستولى على أكثر بلادها ~~وتركها بما اقتضاه الحزم وعاد. ### | ذكر قصد السلطان أنطاكية بعد التمويه بغيرها # قد تقدم ذكر ms67 الإغارة على طرابلس، وانهاك ~~قواها، ورحيله عنها، من غير أن يعرف إلى أين. PageV01P260 ~~موه السلطان بضرب عدة دهاليز، جعل باب ~~كل دهليز إلى ناحية، لتحيير الأفكار. ثم فرق ~~عساكره قاصدا أنطاكية، وهي في مملكة ~~الي الإبرنس صاحب طرابلس، فتوجهوا موغلين ~~في القتل، والأسر، وخراب الديار، وتعفية ~~الآثار. # وقصد السلطان أنطاكية بنفسه، فنزل بها ~~مستهل رمضان سنة ست وستين وستمئة، ~~وكان استاد داره الأمير شمس الدين أقسنقر ~~الفارقاني قد وجد في توجهه جماعة من فرسان ~~أنطاكية، فضرب معهم رأسا، فأهلكهم عن ~~آخرهم، وأسر كند اسطبل، نائبها. # واجتمعت العساكر على أنطاكية من كل ~~جانب وكان، وحصل الزحف، وملكت ~~الأسوار، وأخذت البلد، وقتل من بها من ~~الجمع الكبير الكثير، ثم حصرت القلعة، PageV01P261 ~~فأخذت بالأمان، واستقرت في قبضة الإسلام # وأمر السلطان بالكتابة إلى الإٕبرنس عزاء ~~بفتحها، وخسرانا له بربحها، من إنشاء مؤلفها رحمه الله - ما كان أدراه بمواقع الكتابة ~~وأظفره بمضان الإصابة ! وأنكاه بدسائس ~~كتبه! ودفائن تفتيشه عن مقاصد ملكه وتطلبه. ~~وعند الفرنج أنه لا يجعل إبرنس إلا صاحب ~~أنطاكي، فخاطبه مؤلفها بالقومص لخروج ~~انطاكية عنه. # ويعترض ذلك ما حكاه لي - رحمه الله - قال: ~~كان السلطان قد جهزني رسولا صحبة الأمير ~~فارس الدين أتابك إلى طرابلس، عند تقرير ~~هدنة طرابلس، وأن السلطان الملك الظاهر ~~دخل معهما متنكرا في صورة سلاح دار، ~~ليكشف حال البلدة، ويخبر جهاتها، ومظان ~~أخذها، وأنه لما أحضره الإبرنس للحديث فيما ~~وصلا فيه، واستقر الأمر، والسلطان والقف ~~ينظر على رأس الأتابك، ويسمع، إنه أخذ، PageV01P262 ~~فكتب: واستقرت الهدنة بين مولانا السلطان ~~وبين القومص. ولم يكتب الإبرنس، إن ~~صاحب طرابلس لمحها، واستشاط، وقال: ~~من هو القومص. فقلت له: أنت. قال: ~~لا. أنا إبرنس، قلت له: الإبرنس ~~السلطان الملك الظاهر، لأن الإبرنسية هي ~~لصاحب القدس وأنطاكية واسكندرونة، وهو ~~مولانا السلطان. فنظر إلى جيشه الواقف، ~~فارتج المجلس. قال: فغمز السلطان الأتابك ~~برجله، فقال الأتابك. يا محيي الدين. ~~صدقت وإنما مولانا السلطان قد أنعم على ~~هذا بلفظة الإبرنس، كما أنعم عليه بتوطينه في ~~مملكته. فقلت للأتابك ms68 إذا عملت هذا فلا ~~بأس. وكتبت عوض القومص الإبرنس. # قال مؤلفها: ولما انفصلنا، وحل مولانا ~~السلطان لمخيمه، أخذ مولانا السلطان يحكيها ~~لأمراء دولته، ويضحك، ويلتفت إلي، ~~ويقول: هذا كان وقته، لعن الله الإبرنس PageV01P263 ~~والقومص. إنقضت الحكاية. # ونعود إلى إثبات نسخة الكتاب وهي: # قد علم القومص فلان أكبر الطائفة ~~العيسوية، المنتقل إلى اللفظة القومصية، ألهمه ~~الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل ~~النصيحة محفوظة عنده، ما كان من قصدنا ~~طرابلس، وغزونا له في عقر الدار، وما شاهد ~~بعد رحيلنا من إخراب العمائر، وهدم الأعمار ~~وكيف كنست تلك الكنائس من على بساط ~~الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف ~~جعلت تلك الخسائرعلى جانب البحر من ~~الأجسام كالجزائر، وكيف قتلت الرجال، ~~واستخدمت الأولاد، وتملكت الحرار ~~كيف قطعت الأشجار، ولم يترك إلا ما يصلح ~~لأعواد المجانيق - إن شاء الله -، والستائر، PageV01P264 ~~وكيف نهبت الأموال والحريم والأولاد ~~والمواشي، وكيف استغنى الفقير، وتأهل ~~العازب، واستخدم الخديم، وركب الماشي، ~~هذا وأنت تنظر نظر المغشي عليه من الموت، ~~وإذا سمعت صوتا قلت فزعا علي هذا ~~السوط وكيف رحلنا عنك، لكن رحيل من ~~يعود، وأخرناك وما تأخيرك إلا لاجل ~~معدود، وكيف فارقنا بلادك وما بقيت فيها ~~ماشية إلا وهي بين أيدينا ماشية ولا جارية إلا ~~وهي في ملكنا جارية، ولا سارية إلا وهي ~~ين أيدي المعاول سارية، ولا زرع إلا وهو ~~محصود، ولا موجود لك إلا وهو منك مفقود، ~~وما منعت تلك المغائر التي هي في رؤوس تلك ~~الجبال الشاهقة، ولا تلك الأودية التي هي في ~~التخوم مخترقة، والعقول خارقة، وكيف سقنا PageV01P265 ~~عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خبر، ~~وكيف وصلنا إليها، وأنت (لا) تصدق أننا ~~نبعد عنك، وأن بعدنا فسنعود على الأثر، وها ~~نحن نعلمك بما تم، ونفهمك بالبلاء الذي ~~عم. # كان رحيلنا عنك من طرابلس في يوم ~~الأربعاء رابع عشرين شعبان، ونزولنا أنطاكية ~~في مستهل شهر رمضان المعظم، وفي حالة ~~النزول خرجت عساكرك للمبارزة فكسروا ~~وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينهم ~~كنداسطبل، فسأل في مراجعة أصحابك، ~~فدخل إلى المدينة، ms69 فخرج هو وجماعة من ~~رهبانك، وأعيان أعيانك، فتحدثوا معنا ~~فرأيناهم على رأيك من إتلاف النفوس ~~بالغرض الفاسد، وأنهم رأيهم في الخير. ~~مختلف، وقولهم في الشر واحد، فلما رأيناهم قد ~~بات فيهم الفوت، وأنهم قد قدر الله عليهم PageV01P266 ~~الموت، رددناهم، وقلنا نحن الساعة لكم ~~نحاصر، وهذا هو الأول في الأنذار والآخر # فرجعوا مشتبهين بفعلك، ومعتقدين أنك ~~تنجدهم بخيلك ورجلك، ففي بعض ساعة ~~مر شأن المرشان، وداخل الرهب الرهبان، ~~ولان للبلاء القصطلان، وجاءهم الموت من ~~كل مكان و فتحناها بالسيف في الساعة ~~الرابعة من يوم السبت، رابع شهر رمضان ~~المعظم، وقتلنا كل من اخترته لحفظها، ~~والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده ~~شيء من الدنيا، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء ~~منهم ومنها. فلو رأيت خيالتك وهم صرعى ~~تحت أرجل الخيول، وديارك والنهابة فيها ~~تصول، والكسابة فيها تجول، وأموالك وهي ~~توزن بالقنطار، وداماتك في كل أربع منها ~~تباع، فتشتري من مالك بدينار. PageV01P267 # ولو رأيت كنائسك وصلبانها وقد كسرت، ~~وصحفها من الأناجيل المزورة وفد نشرت، ~~وقبور البطارقة وقد بعثرت. ولو رأيت عدوك ~~المسلم وقد داس مكان القداس، والمذبح وقد ~~ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، ~~والبطارقة وقد دهموا بطارقة، وأبناء المملكة ~~وقد دخلوا في المملكة. ولو شاهدت النيران ~~وهي في قصورك تحترق، والقتلى منكم بنار ~~الدنيا قبل نار الآخرة تحترق، وقصورك ~~وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة ~~العصيان وقد نزلت كل منها وزالت، ~~كنت تقول: يا ليتني كنت ترابا، ويا ليتني لم ~~أوت بهذا الخبر كتابا. ولكانت نفسك ذابت ~~من حسرتك. ولكنت تطفي تلك النيران بماء ~~عبرتك. # ولو رأيت مغانيك، وقد أقفرت من ~~مغانيك، ومراكبك، وقد أخذت في السويدية PageV01P268 ~~بمراكبك، فصارت شوانيك من شوانيك ~~ولتيقنت أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك ~~استرجعها، والرب الذي أعطاك قلعتها منك ~~قلعها، ومن الأرض اقتلعها. ولتعلم أنا قد ~~أخذنا - بحمد الله - منك ما كنت أخذته من ~~حصون الإسلام، وهو در كوش، وشقيف ~~كفر دبين، وجميع ما كان لك في بلاد أنطاكية، ~~واستنزلنا أصحابك من الصياصي، وأخذناهم ms70 ~~بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم ~~يبق شيء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر ~~فلو استطاع لما تسمى بالعاصي، وقد أجرى ~~دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فها هو ~~أجراها بما سفكناه فيه دما. # وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك ~~الله من السلامة وطول العمر، بكونك لم يكن ~~لك في انطاكية في هذه المدة إقامة وكونك ما ~~كنت بها، فتكون إما قتيلا وإما أسيرا وإما PageV01P269 ~~جريحا وإما كسيرا، وسلامة النفس هي التي ~~يفرح بها الحي إذا شاهد الأموات ولعل الله ~~ما أخرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ~~ما فات. # ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبرناك ~~ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة ~~نقسك، وهلاك ما سواها بشرناك بهذه ~~المفاوضة وباشرناك، لتتحقق الأمر على ما ~~جرى، وبعد هذه المكاتبة لا ينبغي لك أن ~~تكذب لنا خبرا، كما أن بعد هذه المخاطبة يجب ~~أن لا تسأل غيرها مخبرا. # ولما وصل انقضى الكتاب بهده ورعده، ~~وبلوغ حد أحرفه، التي هي أنكى من حرف ~~السيف، إلى حده. فرحم الله كاتبه لقد جاد إلى ~~الغاية، وأرى المكتوب إليه الآية في تعزيته حتى PageV01P270 ~~في نفسه، فالآية، فوا أسفي لقد أخلى الديار ~~حقيقة لا مجازا، وأعدم البلاغة أطنابا وإيجازا، ~~فلا عين لكتابة ولا أثر، ولا خبر ولا خبر، وا ~~سور ولا صور، ولا ولا ولا، وأقول: فاسرده ~~على الولاء. # وأما طرابلس فاستمرت في هدنة الملك ~~الظاهر، ومات، وهي مهادنة، فانقض في ~~دولة مولانا السلطان الملك المنصور قلاوون ~~- رحمه الله - فحضر رسله إليه، وهو بدمشق، ~~وحم الوزير غراب وأتباعه من الغتم ~~فغيرهم. # وكنت كاتب إنشاء حينئذ في صحبته ~~فحضروا، وحضرت ثاني الصاحب فتح الدين ~~ابن عبد الظاهر، قريبي - وهو صاحب ديوان ~~الإنشاء، فاستخبر السلطان ما الغرض في ~~حضورهم، بالتركي ويعبر عنه بالعربي ~~فقال الوزير غراب: PageV01P271 # الغرض في الحضور سؤال مولانا السلطان ~~في أن يجري محب عز سلطانه بالمهادنة مجرى ~~أخيه الملك الظاهر. ~~فقال السلطان بالتركي: # أنا إلى الآن ما فتحت حصنا فما خرجت ~~إلا ms71 على نية فتح هذا الحصن. # فضرعوا وخضعوا وتشفعوا بأمراء الحل ~~والعقد الحاضرين في إجابته إلى أجل معدود ~~فأجاب، وأخرج الرسل هدنة الملك الظاهر ~~التي بيدهم طمعا أن يجروا على ما تضمنته من ~~الهدنة، فامتنع الصاحب فتح الدين، وقال: # نجيبكم عليها إلا عرقا، وإن تضمنتها ~~الهدنة. # وخبر هذه عرقا أن الهدنة الظاهرية كان قد ~~اشترط عليها عند المهادنة القيام بمال جم، ~~وجماعة من الأسرى المسلمين، وتوجه معهم ~~في ذلك الوقت الأمير سيف الدين بلبان ~~الرومي الدوادار - رحمه الله - للتحليف، وأخذ PageV01P272 ~~المال والأسرى، فأقام مدة أشهر، وهم يسوفون ~~وينتظرون العوارض على عادتهم، فتحيل ~~لأمير سيف الدين، وخرج هاربا، فاحتاط ~~الملك الظاهر على هذه عرقا، وهي أجل ~~بلادهم، ومادة طارفهم وتالدهم. ~~وكان جواب هذا الرسول عن هذا الفصل ~~لصاحب فتح الدين: # إن طول إقامة الأمير سيف الدين إنما كان ~~تحصيل الأسرى من اقصى البلاد الفرنجية. # فقال له. # لم لا سيرتوهم بعد ذلك، # فقال الوزير غراب: # نحن نقوم الآن بالمال والأسرى، وتبقى ~~لهدنة عندكم إلى أن أسير ذلك، لكن ~~تحاسبوننا على ما قبضتموه من هذه عرقا، في ~~طول هذه المدة، ومهما فضل سيرناه. # فانزعج الصاحب فتح الدين لهذا القول PageV01P273 ~~لأنه يفضل علينا، وأوحاه إلى السلطان، فنهر ~~الرسل، وسل عليهم السيف وطردهم فقاموا ~~ففرطت مني كلمة وهي: # ان هذا مجلس تناصف ومعدلة ومهادنة ~~وجواب. # ولم يسمعها مني إلا الأمير علاء الدين ~~طيبرس الوزيري، وكان رأس المشورة، ~~أكبره قدرا، وأفهمه، فناداني، فامتنعت من ~~التقدم، وأخذ يستفهمني عما قلت، وأنا ~~أجمجم، وخاطب السلطان في ذلك، وأمر بعود ~~الرسل، فعادوا، وناداني بلقبي، وقال: # جاوب هذا الرسول. # فامتثلت، وقلت: # يا وزير، ان طلبت المحاسبة على المال ~~المأخوذ من عرقا فقال: # نعم PageV01P274 # فقلت. # أنت تعلم أن الهدنة كانت بشرط، وهو المال ~~والأسرى، ولم تقوموا به، وكان الحال يقتضي ~~نقض المهادنة كلها، ثم والملك الظاهر لم ~~يحتازها إلا نكاية لا أن يحاسبكم بيما يستخرج ~~منها، ثم والتقاوي بأرضها إنما هو من مال ~~الملك الظاهر وعوامله ونوابه، والأرض فلسيفه ~~مقتضى الإخلال بالشرط. ms72 # فبهت الذي كفر، والتزم بالمال والأسرى ~~بكماله، وأعجب السلطان افحام هذا ~~الرسول، وشكر، فقبلت الأرض، ورسم لي ~~بالتوجه صحبة الأمير سيف الدين بلبان ~~الرومي الدوادار لتحليف الإبرنس، فقبلت ~~الأرض ثانيا. وكان لي عن التوجه بمساعدة ~~قريبي فيما عذق به ما عدا لي ثانيا. # ثم مات الإبرنس، وانحلت مهادنته للملك ~~المنصور، وخرج من بها عن شروط الهدنة PageV01P275 ~~وأساءوا الجوار، فقصدها السلطان الملك ~~المنصور، فحاصرها أتم حصار، واستعان ~~عليها بالمهاجرين المجاهدين معه والأنصار، ولم ~~بزل أو فتحها في سنة ثمان وثمانين، وهي الآن ~~دار إسلام - رحم الله مهادنها وفاتحها وملازمها ~~ومبارحها. # واعتمد السلطان في مغانمها، وتفرقتها على ~~الوجه الشرعي، وكان مكسبا عظيما من المتاع ~~والجواهر والورق والعين، وحلف وحلف أن ~~لا يخفى الناس شيئا. ثم بعد ذلك طلع إلى ~~لقلعة فأحرقها، وأحرق المدينة. # وفي هذه الغزوة عند الانفصال منها سأل ~~النواب في تسليم ديركوش، وشقيف كفردبين ~~وشقيف كفر تلميش، وهذه الثلاث جهات ~~كان صاحب طرابلس قد استولى عليها، ~~واغتصبها من يد الإسلام، فعندما استولى ~~التتار على حلب سنة سبع وخمسين وستمئة PageV01P276 ~~وكانت مادتها من أنطاكية، فعندما أخذت ~~أنطاكية، علموا أنهم ماخوذون لا محالة، وقلبوا ~~الماء على لحاهم، لما حلقت لحية جارهم، ~~علموا أنه لم يكن شك في دمارهم، وتسلمها ~~لسلطان بالأمان، ونظمت في سلك الممالك ~~الإسلامية. # وأما قصير أنطاكية فهي بلد البطرك، ~~ويزعمون أن بيدهم كتاب من أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - باستقرار ~~البطرك، فإنه خطب مودة السلطان ورحمته، ~~وسأل الانضمام إلى كنف عفوه، والتزم حمل ~~الغلال إلى الحصون الإسلامية، فأجيب ~~وهودن على نصف القصير في ذلك الوقت ولم ~~يكن بها الآن غير المسلمين. # وفيها الفرنج الديوية من بغراس خوفا ~~ورعبا لما سمعوه من أخذ أنطاكية وما حولها PageV01P277 ~~وتركوها عاملة آهلة، وحضر شاب فأعلم ~~السلطان بأمرها، فسير الأمير شمس الدين ~~اقسنقر استاددار فوجدها عامرة آهلة، ولم يكن ~~بها غير عجوز، وكان على أهل حلب من هذه ~~القلعة أعظم مضرة، وغزيت قديما وحديثا، ~~فلم يصطلى لاقتداح زند سهام مقاتليها بنار ms73 ~~إلى أن أتاحتها الأقدار وجاءت عفوا صفوا في ~~قيد الإسار. ### | ذكر مفاداة سنقر الأشقر بابن صاحب سيس # قد تقدم أمر أسار ليفون بن صاحب سيس ~~في إغارة الملك المنصور - صاحب حماه - واستمر ~~هذا ليفون في الخدمة الظاهرية، بغير إسار في ~~أمرة وإقبال وإنعام. وكان شمس الدين سنقر ~~الأشقر العلاي أحد مرتجعة السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل بن PageV01P278 ~~العادل بن أيوب قد أسره التتار نوبة حلب، ~~ودام إساره إلى الأيام الظاهرية وكان بين ~~هذا السلطان خوجد أشية أكيدة، وصحبة ~~من الأيام الصالحية. ولهذا الأمير شمس الدين ~~شهرة كبيرة، ومكانة خطيرة. وكان السلطان، ~~بعد خلو وجهه لما تقدم من فتوحات، قد عزم ~~على قصد سيس، وشاع ذلك وتهيأت أسبابه، ~~فكتب صاحب (سيس) يستعفيه من ذلك ~~ويسأل الصدقة عليه بولده، وبذل ما لا يسع ~~التعبير عنه من الأموال والتحف والهدايا، فرد ~~عليه السلطان سؤاله، وقال: # إن أردت ولدك فتوصل إلى فكاك أسر ~~سنقر الأشقر من التتار. # فاستمهل وتوجه إلى أردو التتار، ~~واستكشف أمره، فوجده في أسر سلطان جق. ~~فبذل أموالا كثيرة، وأجيب إليه، وفك إساره PageV01P279 ~~وحضر إلى سيس، وأخذ صاحب سيس يقترح ~~زيادة على المفاداة بولده، فغضب السلطان ~~لذلك، ولم يجبه، وقال: # إذا سمحت أنت بولدك الذي هو ثمرة ~~فؤداك، وقرة عينك، فأنا بأن أسمح بسنقر ~~الأشقر أولى، وأين الخوجداش من الولد. ~~وترددت الرسل ووافق وقال السلطان: # أنا لا بد لي من زيادة. # فأجاب، واستقرت الهدنة على تسليم قلعة ~~بهسني وقلعة الدربساك وقلعة مرزبان ~~قلعة وعيال، وقلعة الروب، وسح ~~الحديد، وجميع ما كان قد أخذه من قلاع ~~الإسلام، واتفق الحال، وسيرت الرهائن من ~~صاحب سيس، وتوجه ولده بعد الإنعام التام PageV01P280 ~~عليه، وسير الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ~~وتلقاه السلطان خفية، ثم ظهر معه، فبهت له ~~الناس، وأفاض عليه ما لا يعبر عنه من ~~الإتعام، وأدام عليه المواصلة بالنعم، وأمره ~~وأسكنه قلعة الجبل معه. ### | ذكر ما اتفق في أمر الجبلة # كان صافاج قد سأل الأمان على البلاد التي ~~يده، وهي ms74 صافيثا وغيرها، فامتنع السلطان ~~إلا بتسليم جبله، وهي للاسبتار فتوجه المذكور ~~إلى عكا، وسأل في ذلك الإسبتار فأجابوه، ~~وتسلمها نواب السلطان. وكان جماعة من رعية ~~السلطان قد أقاموا فتنة مع مجاوري جبلة، ~~فهجموا على المسلمين، وقتلوا هؤلائك. وكان ~~السلطان عندما فتح حصن خليفة أسر منها ~~جماعة، وأودعهم سجن حمص، فلما اعتمد ~~الفرنج ذلك كتب إلى ذائب حمص بإخراج PageV01P281 ~~هؤلاء الأسرى [و] ضرب رقابهم في قبالة ما ~~اعتمدوه. ### | ذكر لا ما اتفق في أمر عكا بعد المهادنة ومقدميها ونائبها # كانت هذه عكا حين المهادنة بلا ملك، ~~فملكت لشخص من فرنج قبرص، فلما وليها ~~هذا المذكور كتب إلى السلطان، متراميا إليه، ~~خاطبا مودته، سائلا استقرار الهدنة على ما ~~هي عليه، وسير هدية نفيسة مثمنة، فما كره ~~السلطان منه ذلك، وقبل تودده، وعوضه ~~بهدية، فسأل الملك المذكور أن تكون المهادنة ~~باسمه، ودخل في الطاعة والضراعة، فأجاب ~~السلطان، فحلف له على المهادنة، وسير ~~لتحليفه الصاحب محيي الدين، ومؤلفها، ~~وكمال بن شيث. # وحكى لي محي الدين المشار إليه قال: PageV01P282 # لما استحضرنا هذا الملك، وجدناه على ~~سرير مرتفع، وأراد أن يكون فوق ونحن ~~أسفل، فأبى لنا الإسلام ذلك، فرفعنا إليه، ~~وأخذنا معه في الحديث، فأخذ يمغلط، ~~ويدخل حديثا في حديث فأغلظت عليه، فنظر ~~لي بعين المغضب، فقال للترجمان: قل له ~~ينظر إلى من وراه. فنظرت، فإذا به قد صفف ~~جنده، وجملهم، وقال له: قل له أنظر إلى ~~هذه الكثرة. فنظرت، وأطرقت، فقال ~~للترجمان: قل له: إيش تقول فيما رأيت. ~~فقلت. قل له ولي الأمان؟ فقال له: نعم. ~~قلت: عرف الملك أن عندنا في خزانة البنود. ~~وهو حبس بمملكة السلطان بمصر، أسارى ~~من الفرنج أكثر من هؤلاء. فأغضب ~~وصلب على وجهه، وقال: وحق ديني ما ~~أسمع لهم رسالة في هذا اليوم. فانصرفنا، ثم ~~استحضرنا فحلفناه، واستقرت الهدنة إلى ~~الأيام السلطانية الملكية المنصورية القلاوونية PageV01P283 # وحضرت رسل عكا إليه، وسألوا ~~إجراهم على العادة الظاهرية، فأجيبوا بعد ~~اللتيا والتي، وكتبت الهدنة بخطي فاتفق في ~~أثنائها أن كتب الجواسيس بجها إلى ms75 السلطان ~~الملك المنصور أن جماعة من الفرنج قتلوا جماعة ~~من المسلمين، فكتب إليهم مستوضحا ~~للصورة، فوروا عنها بأن قالوا إن جماعة من ~~المسلمين شربوا مع جماعة من الفرنج الغرب ~~الواردين إلى الثغر، وأنهم أدبوا الغرب، ~~وشنقوا جماعة منهم، ولم يكن الأمر كذلك بل ~~ما حكاه لي إبن الريس موسى، فإنه إذ ذاك ~~كان بعكا: إن الصورة إنما هي أن أحد ~~المسلمين أفسد زوجة كبير من الفرنج له ~~صورة، وشرب عليها ببستان بمرج عكا، فبلغ ~~زوجها، فهجم عليه وعليها وقتلها وقتله، ~~وقتل جماعة من المسلمين، وإنما أخفوها فرارا ~~من العار، فجمعوا لعنهم الله من كفرهم بين PageV01P284 ~~العار والنار. ومات السلطان اللك المنصور ~~وولده الملك الأشرف مفتتحها. هذه الصورة ~~على جريتها. # واقتضى ذلك أن ضرب السلطان الملك ~~المنصور مشورا في قصدها، فتوقفوا على ~~مضمون الهدنة، فسئل صاحب ديوان الإنشاء ~~فتح الدين مؤلفها، قريبي: # هل في الهدنة فسحة. # فتلمحها فلم يجد فسحة، فأحضرني، ~~وأحضر مؤلفها والده، وحكى الصورة، وقرأ ~~الهدنة علينا، فقال والده. لا فسحة فيها ~~والحالة هذه ولم أتكلم، والتفت إلي فتح الدين ~~وقال: # ما تقول؟ # فقلت: # نحن مع السلطان إن آثر الفسخ فهي ~~مفسوخة وإن آثر الاستمرار فهي مستمرة. PageV01P285 # فقال لي ما هذه صيغته: # أما الأمراء فقد كبروا وكسلوا، وأما ~~السلطان فهو يؤثر فسخها. # فقلت له: # نحن مع السلطان. # وأشرت إلى فصل من الهدنة وهو: وعلي ~~أنه متى وصل غرب قصدهم أذى المسلمين ~~كان على المتقدمين والنائب دفع أذاهم بالطاقة ~~والإمكان، وإن عجزوا طالعوا ليستدرك ~~فارطهم. وقد اعترفوا أن هذه المضرة ~~للمسلمين قد حصلت من فرنج غرب. # فابتهج بذلك، وعرف بها السلطان، ~~تجهز للوقت، وأخرج دهليزه، وجيش ~~لقصدهم فأدركته الوفاة بمسجد التبن. # ومن كتبت منيته بأرض %~% فليس يموت في أرض سواه # ورثيته رحمه الله بأبيات، وهي: PageV01P286 # هي المنية لا بالحيل والحيل %~% ترد سطوتها عن حائن الأجل # كم حال ما حال منها بين ذي أمل %~% وبين ما كان يرجوه من الأمل # كم أثكلت أهل مفقود وكم تركت %~% معا مصونا بمنهل ومنهمل # لم ms76 يبق من أحد حتى تجرعه %~% كاساتها بين الهلك والنهل # يمشي المؤمل للدنيا وسرعتها %~% إلى التزود للأخرى على مهل # والموت محتفل بالمرء يأخذه %~% وهو المغفل غر غير محتفل # لم يغض عن ملك يوما لعزته %~% ولو فدى بعزيز الخيل والخول # ولا حمته جنودكم حمت ملكا %~% من غيره بحسام سابق العذل # يبيت من عزمه تخشى غوائله %~% ويبقى حذرا منه على وجل PageV01P287 # لا فرق في أخذه الأرواح بين فتى %~% عالي المكانة محمي وسستقل # أين الأولى شيدوا الأملاك وافتتحوا %~% مغالق المدن من سهل ومن جبل # أين الذين بنوا الأهرام واحتفلوا %~% بصونها من دواهي الزيغ والزلل # أين الذين رأينا في الوجود لهم %~% عجائبا من ذوي الأديان والملل # أين المليك الذي بالأمس مصرعه %~% حدث بما شئت عن أوصافه وقل # قلاون سيف دين الله من شهدت %~% له المواقف في الأبكار والأصل # كم شاهد الناس منه في مواكبه %~% ملء المسامع والأفواه والمقل # معظم الملك عاليه ولا عجب %~% أعلى الممالك ما يبنى على الأسل # كان العليم بأدواء الزمان له %~% فضيلة العلم والأفضال بالعمل PageV01P288 # يمشي إلى الحرب في الهيجاء منحملا %~% من لذة النصر مشي الشارب الثمل # تكفيه وقعة حمص والثبات بها %~% وقد تزعزعت الدنيا من الفشل # يكفيه فتح قلاع كم مضى ملك %~% لفتحها يد للعجر لم تطل # سقيا لدولته ما كان أحسنهار %~% كأنها غرة في جبهة الدول # كانت ولا مثل والأقدار تخدمها %~% حتى غدا ذكرها في الناس كالمثل # أعزز علي بأن أحيا إلى زمن %~% أراه فيه عن الدنيا بمنتقل # أبكي وأنكي لمن كانت مقالته %~% ونحن أغلظ أكبادا من الأبل # لهفي عليه لقد غمت مصيبته %~% وعمت الناس من حاف ومنتعل # وصيرت كل قلب بعد فرغته %~% من الشواغل بالأحزان في شغل PageV01P289 # وأضرمت في الحشا نارا توقد مع %~% فيض المدامع مثل العارض الهطل # إن زال عن ملكه بالموت إن له %~% عند الإله لملكا عنه لم يزل # في جنة الخلد في أعلى القصور على %~% أعلى الأسرة يجنى أشرف الحلل # فهو السعيد إذا دنيا وآخرة %~% عن عهده السعد في الدارين لم يحل # مضى وخلف فينا من ms77 لسنته %~% أحيا ويسر ما للخير من سبل # وسد من بعده إذ حل سدته %~% بأهبة الملك ما للدهر من خلل # الأشرف الملك المغنى بصولته %~% عن القواضب والعسالة الديل # نص الشهيد عليه نص مختبر %~% من حاله الحال بالتفصيل والجمل # فالله يبقى عليه ملكه أبدا %~% لا يبتغي عنه طول الدهر من حول PageV01P290 # ونعود إلى ما كنا عليه من اختصار سيرة ~~الملك الظاهر. # ثم استهلت سنة سبع وستين وستمئة، وقد ~~استقر بقلعة الجبل. ### | ذكر حضور السلطان إلى مصر مختفيا على البريد من دمشق # كان هذا السلطان خفيف الركاب، قادرا ~~على سرعة المجيء والذهاب، راغبا في أن ~~يدهم الناس من أحواله بالعجب العجاب. ~~وأن يوري رعيته [و] أمراء دولته أنه متى ~~دعي بلسان ضرورة أجاب. # وكان في هذه السنة بدمشق بالقرب من ~~العدو، والنظر في حال فتوحاته، فلما عزم على ~~الحضور إلى مصر أمر الأمراء والعساكر بالتقدم ~~إلى مصر، ونزل هو بخربة اللصوص، وادعى ~~المرض، واستخفى في دهليزه عمن بقي معه إلا PageV01P291 ~~الأتابك وحسام الدين الدوادار، وخرج، في ~~غضون ذلك مستخفيا، وعلى كتفه بساطا، ~~إلى حن واعده، وهم: الأمير بدر الدين بيليك ~~لأيدمري، وسيف الدين جبرك الناصري ~~وأقسنقر الساقي، ولم يكن أفهمهم عند ~~المواعدة المقصد إلى أين، وأخذ في السوق ~~لقصد ديار مصر، وأمامه علم الدين شقير، ~~مقدم الريدية، فلم يزل إلى أن وصل إلى ~~قلعة الجبل ليلا في صورة بريدية، وافتح لهم ~~باب الاسطبل على العادة فيهم، وجلسوا على ~~مسطبة أمير آخور، وهو لا يعرفهم، ثم عرفه ~~لسلطان بنفسه، فقبل الأرض، ثم قام إلى ~~باب السر، وكان قد قرر مع زمام الدور المبيت ~~خلفه عند سفره، وقرر معه أماير، وضرب ~~الباب، فكلمه الزمام، وأعطاه الأماير، فدخل ~~هو ومن معه إلى القاعة المجاورة لباب السر ~~وأقام بها من ليلة الثلاثاء إلى يوم الخميس PageV01P292 ~~فخرج فصادف ولده الملك السعيد لركوب ~~الموكب، فأخره ريثما ركب هو، فبهت الأمراء ~~له، فلما عرفوه قبلوا الأرض، وأخذ في التسيير ~~إلى ميدان العيد، وهرعت الأمة لمشاهدته ~~وعاد إلى القلعة، فجلس بالإيوان ms78 الكبير ~~لفصل القضايا، واستراح إلى يوم السبت، ~~فركب ولعب الكرة، ثم عاد كما بدأ على خيل ~~البريد متنكرا إلى دهليزه، وتحيل على ~~الدخول، فدخل مستخفيا، والناس لا ~~يشعرون إلا أنه محجوب لمرض، ثم ركب ~~مظهرا أنه عن نصول، فقبلت الأرض بين ~~يديه تهنئة بالعافية، ثم فشى الأمر، وأخذ ~~العجب مصرا وشاما - رحمه الله. ### | ذكر ما اتفق عند عودة السلطان إلى دمشق المحروسة # صادف وصول رسل أبغا بن هولاكو، ~~ورسل الأشكري، رسل منكوتمر بن بركة، فلما PageV01P293 ~~استقر بقلعة دمشق جلس بإيوانها الكبير، ~~فأحضر الرسل، وسمع مشافهاتهم، وقرأ ~~كتاب أبغا، وفهم منه تنفسا ومعيرة بقتل ~~الملك المظفر قطز، واعتذارا عما كان طلبه الملك ~~الظاهر منه من القفجاق وغيرهم، فأعاد ~~الجواب بأشد من الابتداء، وقال: # إنما قتلت قطز لملكي. فإن الملك لي ~~بالإجماع، وأما ما لوح به من قصد الإغارات ~~والمصاففة، ونحن ننتظر ذلك ساعة بساعة، ~~لارتجاع مغتصب البلاد، وأخذ الثأر، وما لنا ~~عاقه، جهز جيوشك، ثم وجههم الينا. # وجهز رسله ورسل التكفور ورسل ~~منكوتمر، القائم بعد بركة بالتكريم ~~والتعزيز. # وفي هذه السنة فوض لولده الملك السعيد ~~محمد بركة قان السلطنة حسبما له من ~~تفويضها، وحلف له الأمراء والعساكر على ~~ذلك، وركب بشعار السلطنة، واستقرت PageV01P294 ~~سلطنته، وكتب له تقليد فرىء على رؤوس ~~الأشهاد من إنشاء الصدر فخر الدين بن ~~لقمان. # وفيها أمر بالإدمان في رمي النشاب. ~~واللعب بالرمح، سائر الجيش، الأمير ~~والمأمور، وأمر ببناء مصطبة بميدان العيد ~~خارج باب النصر، وحصل الإحتفال بذلك ~~الى الغاية. # وفيها أعاد التكفور السؤال في صلح أبغا ~~وتوجه إلى أبغا في ذلك، وسير أبغا رسوله فيه ~~ولم يتفق. # وفيها هرب أربع مماليك إلى عكا، واشتد ~~لطلب من السلطان لهم، وترددت الرسل في ~~معنى المدافعة عن تسييرهم، وادعوا تنصرهم ~~عندما رأوا عينها. # وفيها تسلمت بلا طنس. PageV01P295 ### | ذكر فتح قلعة بلا طنس # كان مظفر الدين عثمان بن منكورس قد ~~استولى على هذه القلعة، من أيام استيلاء التتار ~~على البلاد، ولما أفضت نوبة الملك إلى الملك ~~الظاهر طالبه بتسليمها، فدافع وماطل، ms79 ودام ~~التردد إليه في طلبها، وهو لا يجيب، وطالت ~~المدة، فاقتضى أن كتب السلطان إلى التركمان ~~بالإغارة عليها، فغاروا، وأمعنوا، وأشرفوا ~~فحين رأى عينها سير ولده وقاضيه، وسأل أن ~~ينعم عليه بقرية على سبيل الصدقة، يعيش ~~فيها هو وأولاده، فعينت له الحما من شيزر، ~~وكتب له بها، وحلف السلطان عليها، فعند ~~ذلك سلمها، ونزح عنها. # وفيها سامح السلطان بالمطلوب من بواقي ~~دمشق، وهي جملة كبيرة من عين وغلال، وفيه ~~وردت الأخبار بحصول زلزلة عظيمة ~~بسيس، تساقطت لها الحصون. PageV01P296 # وفيها توقي عزالدين أيدمر الحلي الصالحي ~~بدمشق المحروسة [و] احتقل السلطان ~~بمرض المذكور ووفاته، وشهدها بنفسه. وهذا ~~المذكور من خوجداشية السلطان، وهو أكبر ~~أعوانه على السلطنة، بعد قتل قطز بقصير ~~الصالحية، وهو الذي ركب ليلا عند سلطنته ~~إلى عند قلعة الجبل، وتسلمها له، وكان ~~يستنيبه في أسفاره بالديار المصرية إلا هذه ~~السفره التي كانت تربته بدمشق فيها. # ولما توفي المشار إليه أمر ولده ناصر الدين ~~بطبلخاناه، واحتفظ على موجوده بمصر ~~والشام، وانتدب الأمراء الكبار كبدر الدين ~~بيسري وغيره بالحوطة على أمواله، ولم يمكن ~~أحدا من التعرض إليها من حاكم مع صغر ~~ولده، وجعلت ببرج قلعة الجبل وختم عليها ~~ولده، وجعلت مفاتيح حاصلها عند قاضي ~~القضاة سديد الدين التزمنتي، وكان من العلماء PageV01P297 ~~الأعلام - رحمه الله - وهي جملة كبيرة كثيرة وافية ~~وافرة، من عين ودراهم وأثاث فاخر وجواهر، ~~قيل إن الذهب المضروب كان عشرة قناطير، ~~والدراهم ثلاثمئة قنطار. # ومن النسبة أقول: إن الاحتراز كان من ~~تخريجات الصاحب بهاء الدين، وزيره، لأنها ~~كانت تستوعب أمثال أمثالها، إلا أن الصاحب ~~استولى عليها بما لا بد منه شرعا، وهو أخذ ~~الزكاة فأخذ منها جملة السنة بعد السنة إلى أن ~~نفد أكثرها. # وفيها أغار جماعة من فرسان البيرة، ورجالة ~~البلاد، على كركر وشميصات، وتلك النواحي ~~الشرقية، وحصلوا على الجملة الكبيرة من ~~لأغنام وغيرها، ورحلت طائفة كبيرة بالأمان ~~من تلك النواحي، وأمر بإنزالهم بنواحي ~~حمص وشيزر. PageV01P298 ### | ذكر حجه في هذه السنة وهي سنة سبع وستين وستمئة # جرى على عادته، ms80 أخفى مقاصده، ~~والتمويه بغيرها، ولم يعلم أحد إلى أين، وقصد ~~الكرك، وقد جهزت بها مواد الحج، ولم يبق ما ~~يحتاج إليه، فعزم فوصل إلى المدينة النبوية ~~صلوات الله وسلامه على ساكنها- فحج ~~واعتمر، وأعطى وأنعم، وتواضع لله تعالى سرا ~~وجهرا. وكان قد توجه من بغداد ركب من ~~المغل والتتار وغيرهم بمقاصد فاسدة، فلما ~~بلغهم حضور السلطان إلى مكة عادوا ~~هاربين. وعاد السلطان بعد حجة الإسلام، ~~وأستناب بمكة بسؤال أميريها أبي نمي وقتاده. # ولمؤلفها أبيات في معنى حجه: # ما كان في خلد الأئمة يهجس %~% أن الأعنة عن مداها تحبس # كلا ولا أرض الحجاز يوزورها %~% غيث إذا ضن الحيا يتبجس PageV01P299 # حتى انتحاها ظاهر، ملك إذا %~% شاء اختفى فأموره تتلبس # متأنس بالله ليس بغيره %~% في طرقه وطروقه يتأنس # بينا تراه بالحجاز إذا به %~% في الشام للحج الشريف يقدس # وتراه في حلب يدبر أمرها %~% وتراه في مصر يذب ويحرس # أعطى وأنعم في الحجاز فما به %~% من يوم حجته الشريفة مفلس # كم ألهب النيران حول خيامه %~% ذهبا بأبي قبيس يقبس # ويلوح في حج عليه عباءة %~% ويلوح في غزو عليه أطلس # غير السروج فما له من مجلس %~% ولكم له في دار عدل مجلس PageV01P300 # ومن العجائب كم له من ليلة %~% فيها الصباح من الظبا يتنفس # جنت به بيع الفرنج فكلها %~% أجراسها من خوفه تتوسوس # وبه بساط الأرض أقسم أنه %~% بسعوده عنه الكنائس تكنس # فلملحد كم راح وهو مصبح %~% ولمسجد كم جاء وهو مغلس # متعود سفك الدماء فكم له %~% بالحق في أرض دم يتبجس # في الشرق إن لم يقتنص كغرا يرى %~% في الغرب يقتنص الوحوش ويفرس # لا زال للدنيا يسوس أمورها %~% ويشيد الأخرى بها ويؤسس # وفيها أفرج عن الشريف شمس الدين ~~قاضي المدينة النبوية -صلوات الله وسلامه على ~~ساكنها - وهو خطيبها، ووزير أميرها، وكان ~~قد أحضر في رسالة من صاحبه، فعوق، ثم PageV01P301 ~~أفرج عنه، وكان قد أحضرت جمال كان أحمد ~~ابن حجي قد استعدى عليها لأقوام، فسلمها ~~السلطان لهذا القاضي، وأمره أن يوصلها ~~لمستحقيها، وكان العيد قد أقبل، فأمره ms81 ~~السلطان أن يخطب بالناس وبه، تحت القلعة ~~بالدهليز، مراعاة لشرفه، وقدم هجرته، وقدم ~~هجرة سلفه في الخطبة من ثلاثمئة سنة في ~~الخطابة على منبر رسل الله - صلى الله عليه وسلم، وأنعم ~~عليه، وسافر مع الحاج. # وقيها حضر ابن صاحب صهيون، وقوبل ~~بالإحسان. # وفيها هودنت صاحبة بيروت. ~~وفيها وصل صاحب بلا طنس، وأحسن ~~إليه. # وفيها وصل رسول الكياعيكوس، خليفة ~~الأرمن في طلب قلعة الروم، وكتب له بها ~~تقليدا حسب سؤاله، وتراميه للطاعة. PageV01P302 ### | ذكر جريه على عادته في إخفاء مقاصده ومداهمة كل مملكة بحضوره من غير إشعار # لما قضى حجته - رحمه الله - وعاد إلى ~~الكرك، خرج متسللا من غير أن يشعر به إلى ~~حلب، فأقام بها يومين، ولم يشعر به إلا وهو ~~بالكرك، فأقام بها يوما، ثم قصد البيت ~~المقدس، فقدس حجته، ثم زار الخليل، ~~وانفصل عنهما متسللا، وعسكره سائر متتابع، ~~فلم يشعر به إلا وهو بالغرالى -رحمه الله- ما ~~كان أخف ركابه! وأكثر تحيله وأصح تخيله، ~~وألم شخصه، لقد فات الطيف، وأتعب حتى ~~رحلة الشتاء والصيف. وأقول: كان نوابه في ~~حذر من مهاجمته، وخوف من درك مبادرته، ~~هكذا هكذا وإلا فلا. # وكان الملك السعيد ولده قد خيم بالصالحية ~~تلقيه، فتلقاه أحسن ملتقى، ووفاه من عظم PageV01P303 ~~الهيئة، والتطليب، في أعلى مرتقى، ثم حضر ~~إلى قلعة الجبل، فاستقرت به النوى. ### | ذكر توجهه للصيد ودخوله الاسكندرية # لما قضى نهمته من لحوم الصيد بسفك ~~دمائها، واقتنص منها ما يعجز اللسان عن تعدد ~~أسمائها، دخل ثغر الاسكندرية في صورة ~~دهشت لها الأبصار، واستقر بها، ولعب الكرة ~~ثاني يوم بظاهرها، وأحسن بها التأثير. وكان ~~وزيره الصاحب بهاء الدين علي بن محمد قد ~~سبقه إليها لتدبير الأحوال، وتحصيل الأموال، ~~واتفقت قضيتان لم يذكرها مؤلف السيرة في ~~هذا الفصل: # أحدهما أنه قصد زيارة الشيخ الصالح ~~القباري - رحمه الله- فلم يأذن له، وامتنع عليه ~~في تكرار السؤال، وهو -رحمه الله- متذلل لم PageV01P304 ~~تأخذه عزة الملك، وآخر ما رضي به أن ينظر ~~إليه من الأعلى، فنظر إليه، ودعا له، ووصاه ~~بالمسلمين خيرا، وانصرف متواضعا ms82 لله، ~~راضيا في الله متوكلا على الله، راغبا إلى الله ~~-رحمه الله -. # وأما الثانية فإنه صلى الجمعة بجامع الثغر، ~~وكان خطيبها عالم زاهد عابد ناصح ~~فيالله، فلم رأى السلطان تحت المنبربمرأى ~~ومسمع منه، أرعد وأبرق، وأورد من المحاذير ~~والتهويل ما هو به أليق، وحذر من الظلم أيما ~~تحذير، وأورد من الأحاديث فيما أعد للظالم من ~~جهنم وبئس المصير، وقال، وقال، وما ~~استقال. # ولما انقضت الجمعة أحضر الصاحب ~~الخطيب المذكور، وأنكر عليه ما اعتمده من ~~جسارة، وعجل له بالعزل ما ظن أنه خسارة. ~~وولى قاضي الثغر الإمام العالم ناصر الدين بن PageV01P305 ~~المنير الخطابة. وحضر السلطان الجمعة، فأخذ ~~ناصر الدين المذكور في الإطراء والمبالغة في ~~مدح السلطان وفي ضمنه ما فيه من الإغراء، ~~فلما انقضت الجمعة سأل السلطان عن الخطيب ~~الأول، فقيل له: عزل ذلك الخطيب بهذا ~~القاضي، واستبدل به ظنا أن السلطان لم يكن ~~بذلك النصح راضي، فقال السلطان يعاد ~~ذلك الخطيب، فانه صاحب حق، وناصح ~~صدق، وهذا الخطيب مرائى، وليس الرياء ~~من آرائي، فأعيد. # وانقضت هذه السفرة على خير وعاد إلى ~~قلعته. # وفيها قويت الأخبار من جهة القصاد ~~والمكاتبين، ونواب البلاد بحركة التتار، وأنهم ~~أغاروا على بعض الأطراف، فسار من قلعة ~~الجبل جريدة في خواصه، واستدراك أمره، ~~وأمر العساكر المصرية بالاستعداد، فلما أحس PageV01P306 ~~التتار بمسارعته فروا وما قروا ولعزائمه ~~أقروا، وقال للبريد: لو جئتني بثبوت التتار، ~~لكانت لك البشرى وما يجب لها، وأقام ~~بدمشق. # وفيها بلغه سوء طوية أهل عكا، وأنه وصل ~~إليها نجدة كبيرة من الغرب، وأن الفرنج ~~قويت نفوسهم، وزادت نحوسهم، وظنوا ~~ربحا فعاد خسرانا، صاروا يغارون ويمدون ~~رجلا ولا يؤخرون أخرى، وتحقق ذلك عند ~~السلطان، فأخذ في التمويه بالصيد من جهة ~~إلى جهة في جماعة يسيرة، ثم تقدم وتابعته ~~الجيوش، فأخذهم على غرة بإغارته، ~~وأبادهم، وقتل كبارهم، ونهب أموالهم، وعاد ~~منصورا. # وفي سنة ثمان وستين وستمئة خرج ~~السلطان من دمشق متوجها موهما أنه يعدى ~~الفرات، فصادف ثلوجا وأمطارا ورعودا، ~~فاقتضى أن أقام بحماه مدة أيام، وكان في ms83 قلبه PageV01P307 ~~حسيفة من أهل حصن الأكراد، وهي أنه لما ~~قصد أنطاكية، واجتاز على حصن الأكراد نزل ~~له منها فرنجي أعور من عند الإخوة بها، ~~قائلا: إن الأخوة يقتضي اشفاقهم أن يحذروك ~~من أن تتقرب إلى الحصن، وأن تمر بهذا ~~الطريق، فان ثم غرب يخشون عليك منهم. # ضحك منه السلطان، وقال. # من أين تريدون أن نمر؟ # فقال: # من الطريق التي جئتم منها. # وكان السلطان في عظمة جيشه الشامي ~~والمصري، فادخرها عنده إلى أن حل بحماه، ~~فخرج منها متصيدا، ولاحف الثغر، فصادف ~~فرسانا، وحمل فيهم في أربعين فارسا، من ~~غير سلاح من ملبوس، فأخذ رؤوسهم، ~~واستباح نفوسهم، وحاز خيولهم، وتم إلى ~~حصن الاكراد، فارتعبوا منه. فقال: PageV01P308 # أين الأعور وأين الغرب؟ # وعاد مؤيدا منصورا. # وفيها صحت الأخبار، واستفاضت أن ~~التتار قصدوا البيرة والرحبة، ولم يكن في ذلك ~~شك ولا ريب، فخرج بالعساكر المنصورة في ~~أقوى همة، وأمضى عزمة، وبينا هو يفكر أي ~~لجهتين يقصد، أم الرحبة أم البيرة، وتقسم ~~فكره، فلم يشعر إلا وقد وصل إليه الخبر ~~المحقق برحيل القوم عن الرحبة، فتوفر عزمه ~~على البيرة، فوصلها والتتار قد أشرفوا عليها من ~~ذلك البر، في جيش كبير، وأقاموا ستائر ~~يرامون من ووائها، فقصدهم السلطان ~~ورمى بالخيل في الفرات، فسبحت إليهم ~~ودهمتهم، ففروا، فأتبعهم السلطان، وقد ولوا ~~الأدبار، فقتل ونهب وأسر، واستولى أهل البيرة ~~على ما تركوه من أزواد وآلات ومجانيق، وعاد ~~السلطان بعد أن أنعم على أهل البيرة بالألوف PageV01P309 ~~من الدنانير، والخلع النفيسة. # ولناصر الدين بن النقيب الكناني أبيات ~~يهنيه بها، وهي: # نهضت لها ولم تبد اعتذارا %~% ولا خفت الثلوج ولا القطارا # ولا ريحا يكون بأرض حمص %~% ولا بردا يكون بأرض قارا # ومن هذه النسبة وهي مطولة، ويأبى ~~استيعابها الاختصار المشروط. # وفيها سلمت حصون الإسيماعيلية، وهي ~~الكهف والخوابي والمنيقة والقدموس من يدي ~~شمس الدين بن الصاحب. # وفيها أسر بليوس، أحد أمراء عرب ~~برقا، بعد اجتهاد وجهاد ومواقعة عدم فيها جمع ~~كبير. # وفيها أمر بالاحتراز على الثغور الإسلامية PageV01P310 ~~كالاسكندرية وغيرها من غوائر الفرنج، لما ms84 ~~بلغه ورود كتاب من والي الاسكندرية أنه ~~نصب عليها مئة منجتيق. # وفيها ورد كتاب والي قوص بأنه اقتحم بلاد ~~النوبة، ونهب، وأخذ، لما اعتمده داود، ~~متملكها، من العدوان والطغيان. # وفيها نجزت عمارة قبة الصخرة المقدسة على ~~ما رتبه. # وفيها خيم في الاهرام للصيد. # قال مؤلفها: # شاهدت السلطان، بنهر القناطر، وهو ~~يسبح، وعليه زردية، وفي رأسه حبل صفره ~~مملوة بسطا، وعليها أميران راكبان، وقطع بها ~~من البر إلى البر. PageV01P311 ### | واستهلت سنة اثنتين وسبعين وستمئة # في هذه السنة جهز السلطان إلى كينوك، ~~وهي الحدث الحمراء، التي ذكرها المتنبي في ~~أبياته، جماعة من عساكر الحلبية، لما زاد ~~عتوه وعتو الأرمن، وتزييهم بتزي التتار، ~~ونهبهم للتجار، فغزوها، وقاتلوا من بها، ~~وأسروا، وتوغلوا في بلاد الأرمن بالفتك ~~والنهب. ### | ذكرالشخص النحاس الموجود على باب البحر، وهو أحد أبواب القصر # وصورته أنه وجد بصندوق، كان جالس ~~على كرسي من نحاس ويدي الشخص ~~مشتالتان، وعليها صحيفة كبيرة من نحاس ~~في الصحيفة صور وأسطر مكتوبة القبطي ~~وغيره، وبها مكتوب بيبرس ملك الزمان، PageV01P312 ~~وعربت الأسطر فإذا هي عوذ ودعوات وحراسة ~~لمصر والقاهرة من عدو يطرقهما، وجعلت في ~~دخائر السلطان. # وفيها وصل شمس الدين بهادر، صاحب ~~شميصات، هاربا من يد التتار، وقد أمسكوه ~~لما بلغهم من أن المذكور يكاتب السلطان في ~~أخبارهم، ووصل، وأخبر أن له أياما لم ~~يستطعم بزاد، وأنه وأبوه كان من ميافارقين. ~~فأكرمه السلطان وخوله، فزاد وأمره، فتوطن ~~البلاد. # وفيها ظفر بملك الكرج، وقد حضر متنكرا ~~لزيارة القدس، وحج قمامة من جهة عكا، ~~وكان السلطان قد بلغه ذلك، فارسل له من ~~يعرفه بحليته، فأمسكه، وسير هو ومن معه من ~~خواصه إلى دمشق، وأحضر بين يديه، وطيب ~~قلوبهم، وأمر بالاحتفاظ عليه. PageV01P313 # وفيها رسم بعمارة الجسرين بالرملة، فعمرا ~~أحسن عماره. # وفي شوال منها احتفل بختان ولده الملك ~~نجم الدين خضر غاية الاحتفال، فختن هو ~~وجماعة من أولاد الأمراء أصحابين ~~الطبلخانات، بقبة الرحبة، بقلعة الجبل. ~~المحروسة، بعد لعب القبق أياما بسوق ~~الخيل، ونقط الطست بجملة من الأموال، ~~وفرقت على مباشرة الختان، ms85 وعمت الخلع ~~وسائر الناس. وقال مؤلفها: # يا مالك تلدنيا ومن %~% بعزمه الدين نصر # يا آخذا أعداءه %~% أخذ عزيز مقتدر # هنيت بالعيد وما %~% على الهنا اقتصر # بل إنها بشارة %~% لها الوجود مفتقر PageV01P314 # بفرحة قد جمعت %~% ما بين موسى والخضر # أقول لقد أحسن - رحمه الله - مؤلفها في هذا ~~البيت ما شاء. # وفيها أراد السلطان تدريب ولده السلطان ~~الملك السعيد وتمرينه، فأمره بالتوجه إلى الشام ~~بالعساكر المنصورة، فتوجه وعيد بدمشق. ~~وخلع وأنعم وعاد، فسر به والده وابتهج ~~- رحمهما الله-. # وفيها حصل لأهل ناحية يافا وخم عظيم ~~بسبب شربهم من آبار لهم هنالك، لا ماء لهم ~~غيرها، وأن نصرانيا أعلم واليها أنه حصل مثل ~~ذلك قديما، وأنه أخذ، من آبار بقرية يقال لها ~~ماء عابود بالجبل، ماء، وقلب في هذا الآبار ~~فانصلح حالها، فاعتمد الوالي ذلك، وطاب ~~ماؤها، وذلك على ما قيل إن الآبار الجبلية ~~تكون ذكورا والساحلية تكون أناثى. PageV01P315 ### | واستهلت سنة ثلاث وسبعين وستمئة # فيها خرج السلطان الملك السعيد مع والده ~~للصيد لرمي البندق، فصرع أوزة، وقطع ~~سبقه الطواشي مختار البغدادي الخليفتي، ~~وادعى لوالده، فقبله، وجاد له بما لا يسع ~~التعبير عنه. وفي ثاني يوم رمى أيضا أو زتين في ~~وجه، ورى سنجر دواداره وسنقر البدري ~~لخزنداري كل منهما أوزه، وأدعى للملك ~~السعيد. # وفيها هرب من كان أسر في الفرنج، ~~وحبسوه بقلعة عكا، وهم ريس الاسكندرية ~~والمغربي، وهما ستة نفر، وكان السلطان قد ~~بذل جملة في فكاكهم، فلم يسمح الفرنج ~~بهم، فأوسعوا الحيلة وهربوا، ووصلوا إلى PageV01P316 ~~باب السلطان، وكان المنة لله لا لهم. # وفيها وود كتاب صاحب اليمن الملك ~~المظفر ابن رسول، وطيه كتاب ملك الحبشة، ~~صاحب أمحرا، في طلب بترك، بكلام مجمجم، ~~لم يعرف الغرض منه، وأعيد عليه الجواب، ~~لأنهم لم يفهموا المراد. # وفي جماد الأول منها كانت وفاة الأمير ~~فارس الدين أقطاي المستعرب الصالحي ~~النجمي، الملقب بالأتابك، بقلعة الجبل، ~~وحضر السلطان إلى بابه، وجلس إلى أن جهز ~~ومشى أمامه، وأبعد، وصلى عليه، ووقف ~~واستوقف. وبكى واستبكى، وندب الدار ~~والجار. # أقول لما ms86 قتل الملك المظفر قطز بقصير ~~الصالحية، بأتمام سيف الملك الظاهر بعد بداة ~~ضربة سلاح داره قنص، حسبما تقرر معه PageV01P317 ~~ودفن مكان قتلته، وقد ساق للتصيد، وحضرت ~~الأمراء بالدهليز، وقد تهيأ به دست السلطنة، ~~فدخلوه، وعزموا على إقامة الأمير سيف الدين ~~بلبان الرشيدي الصالحي، وكان أجلهم، وكان ~~اللأتابك هذا قد عوق عن الدخول معهم ~~فهجم، وقد قرب جلوس الرشيدي، فالتفتوا ~~إليه، وهو هاجم، فقال لهم: # ما الذي عزمتم عليه؟ # قالوا: # على أن نسلطن هذا وأشاروا للرشيدي. # فقال لهم: # كيف هي أسة الترك؟ # قالو: # أن يكون الملك لمن قتل. # قال: # فمن قتل ؟ PageV01P318 # قالوا: # هذا يعنون الملك الظاهر، فأخذ بيده، ~~وأجلسه ملكا، فقال الملك الظاهر: # إنما أستقر باسم الله، أقعدوا احلفوا. ~~قال له الأتابك من طريق الدهاء: # لا، ما يحلفون لك، أنت الذي تحلف ~~لهم، بأنك لا تخونهم، ولا تتخصص عليهم، ~~وتعظم من أقدارهم، وتزيد في إمرتهم، ونفاذ ~~أمرهم، تكون واحدا منهم. # قال ذلك تسكينا لشورة الأمراء، إذ قد ~~خالف ما عزموا عليه، وحجبوه، عن ~~حضوره، فانبسطت نفوسهم واعتقدوا أنه لهم ~~لا عليهم وحلف وحلفوا. وساق الأميرعزالدين ~~أيدمر الحلي الصالحي بتسليم قلعة الجبل ~~وأركب الأتابك الملك الظاهر في الوقت ~~والساعة، وقصدوا القلعة، وكان قد لقب ~~بالقاهر، فغير إلى الظاهر. PageV01P319 # هذه صورة سلطنته، ولم يذكرها مؤلف ~~هذه السيرة خوفا ورهبا، كان الأولى أن تكون ~~مذكورة في أول السيرة، وأن هذا الأتابك، ~~فإن هذا الملك الظاهر قاسمه الملك، فجعل ~~له سماطا رنك سماطه، وجعل له عدة مئتي ~~فارس بالشام ومصر، وكانت الكتب تكتب ~~بإشارته، والكتاب على بابه، والوزير بين ~~يديه، ولما تطاولت المدة تقاصر الحال، وأنزل ~~عن رتبته الماضية في الحال إلا أنه مات على ~~أمرته. وكان حظنا منه وافر -رحمه الله -. # وفيها كثر فساد صاحب سيس، واستعانته ~~بالتتار، وقطع الطرقات، وزاد إلى (أن) ~~نقص، وامتد إلى أن رد على عاقبه هاربا ~~ونكص، فاعتد له السلطان، وخرج له في ~~جيش لا يسعه مكان، في غاية التمكن ~~والإمكان، فهجم وخرب، وأسر واسترق PageV01P320 ~~الأحرار، وخرب الديار، ووصلت ms87 جيوشه إلى ~~سيس، فنقضوا حتى مالها من قوة تأسيس. ~~وفيها يقول مؤلفها من أبيات: # نحن قلبنا سيس من فوقها %~% والناس قالوا سيس لا تنقلب # وفيها افتتح قصير الأنطاكية، لسوء ~~مجاورته، وكثرة تعديه، وخروجه عن لوازم ~~المهادنة والموادعة، ونقض العهود، ومخالفة ~~دعوى العبودية. وصورة افتتاحه على ما حكاه ~~لي علم الدين شقير مقدم البريدية. ~~قال: # نزل السلطان قريبا منها، وسيرني أنا ~~والأمير سيف الدين بلبان الدوادار الرومي ~~- رحمهما الله - في صورة مسلمين ومبشرين بقدوم ~~السلطان، فسر وابتهج، وسير من الإقامات ~~والهدايا جملا فجملا، وركب السلطان، وقرب ~~إلى القصير، وأومى بالسلام على كليام PageV01P321 ~~صاحبها، فخرج إلى باب القصير مقبلا ~~للارض، فاختطفه الأمير سيف الدين الدوادار ~~ومماليكه وشقير البريدي، واركبوه على فرس ~~سابق. # قال مؤلفه: # وكنت بباب الدهليز بخيمة الكتابة، ~~فرمى كليام الراهب عندي، فقال: يا مسلم ~~هلكت، وكشف عن قليطته، وهي قدر ~~البطيخة الهائلة، وقد انسلخت من السوق ~~فقلت له: استتر - لعنك الله -. # وأمر فكتب بالأمان إلى من بها، فسلمت، ~~ولكن بعد حصار شديد، وتضييق عظيم أكل ~~من (بها) حتى الميته، ومات كليام وأبوه بدمشق ~~-لعنه الله-. # وفيها هلك بيمند بن بيمند، الملقب ~~بالإبرنس، أقام ولده بيمند مقامه، وحصل بينه ~~وبين السلطان في أمر برج اللاذقية، فإن ~~السلطان أطلع بعد مهادنة أبيه أنه كان من PageV01P322 ~~حقوق بلاد الإسلام وانه كان بيد الإبرنس ~~اغتصابا عند تخبيط البلاد بالتتار في الأيام ~~الناصرية، ولم يثبت فيه مع ولده أمر، ~~واستقرت الهدنة إلى أيام الملك المنصور سيف ~~الدين قلاوون، وافتتحها في سنة ثيمان وثمانين ~~على ما اقتضاه الرأي ثانيا، كما اقتضاه الرأي في ~~مهادنتها أولا، من الملكين - رحمهما الله -. # وفيها نقلت ملكة بيروت منها، وخلت من ~~ملك وملكه، إلى قبرص، وكان زوج المذكورة ~~قد هلك، بعد أن وصى السلطان عليها، ~~فكتب إلى صاحب قبرص يسأل ما السبب في ~~نقلها، فاعتذر بأنها كانت مطلوبة على ديون ~~كثيرة كانت على زوجها، ونرددت الكتب في ~~هذا المعنى من الجهتين ابتداء وجوابا، ولم يتم ~~أمر إلى أن فتحها الله هي ms88 وغيرها على يد الملك ~~الأشرف خليل بن السلطان الملك المنصور ~~قلاوون. # وفيها رسم السلطان بتجديد ما تداعى من PageV01P323 ~~منارة الإسكندرية فجدد إبقاء لمعجز بنائها. # أقول: اتفقت زلزلة عظيمة في سنة ~~اثنينوسبعمئة في ذي الحجة، ارتجت الأرض ~~حقيقة لها لا مجازا، وكاد وعد الساعة أن يكون ~~انجازا، فلم يبقى مشيد حتى وهي، ولا واه ~~حتى آل إلى العدم وانتهى، وتداعت الأسوار ~~وتهتكت الأستار، واتبعت الراجفة منها ~~الرادفة، والماضية منها الآنفة، والغادية منها ~~الرائحة، والليلة من مقلقها البارحة، ~~وتساقطت المنائر، ودارت على الدور منها ~~الدوائر، وأوقعت بمنارة الاسكندرية أشد ~~وقع، وكادت أن تجعل عاليها سافلها بما ~~لتأثيرها من صدع. ### | واستهلت سنة أربع وسبعين وستمئة # فيها حاصر التتار المخذولون البيرة، ونصبوا ~~عليها ثمانية عشر منجنيقا وأدرك السلطان PageV01P324 ~~أمرها في جيشه العرمرم، وأنفق الأموال، ~~وأوغل في القتال، وأراهم ما هالهم، وقاضي ~~باياسهم منها بعض الظن كل الظن أنها لهم، ~~وطال عليهم المطال، وانقطعت عنهم المير ~~فولوا الأدبار، ورجعوا خائبين بما رأوا مما ليس ~~هم من جير أسد غاب الإسلام من قرار. # وفيما غزيت النوبة لفساد داوود ملكها. ~~وعتوه وغارته على بلاد عدن، ووصول ضرره ~~إلى أسوان، فاقتضى أن جرد السلطان ~~الأميرين عزالدين أيبك الأفرم الصالحي، ~~وشمس الدين اقسنقر الفارقاني، أستاد داره، ~~في جمع كثير من العساكر المنصورة، وقصدوا ~~النوبة من كل جهة، واقتحموا حتى الجنادل. # أقول ولم تزل بيض الصفائح في سود ~~صفحات وجوههم، حتى محت آية نهارها ليل ~~بهيم بهيميتهم المظلمة، ومحكم تحكمهم التي PageV01P325 ~~مازالت في أجل منهم حكمة محكمة. # ونعود. وكان نائب هذا داوود قد أسر ومعه ~~جماعة، فوسطوا تحت القلعة، ودخل ملكهم في ~~الذلة والمسكنة، وأطاع منهم من كان قد ~~عصى، وارتدع العبيد لعصى الرماح، والعبد ~~لا يردعه إلا العصا. # وفيها عقد للملك السعيد ولد السلطان على ~~ابنه السلطان الملك المنصور قلاوون - رحمهما ~~الله - وقرأ مؤلفها هذا الكتاب بنفسه في حضرة ~~السلطان والده بالإيوان المجاور للساعات، ~~وكان محفلا كبيرا، اجتمع فيه الأمراء والكبراء ~~والعلماء والوزراء، وزين من الفضيات ~~والأواني المذهبة، وغير ms89 ذلك بما لا يعبر عن ~~قيمته. وكنت حضرت لاقرأه ظنا أن السلطان ~~يخرج سحرا، لضعف عيني مؤلفه، فما خرج ~~حتى أسفر النهار بمقتضى الطالع، فقرأه ~~مؤلفه، ونسخته: # الحمد لله موفق الأمال لأسعد حركة PageV01P326 ~~ومصدق الفال لمن جعل عنده أعظم بركه، ~~ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه، ~~وصهره ملكه، الذي جعل للأولياء من لدنه ~~سلطانا نصيرا ومشيرا، قد آثرهم باصطفاء ~~تأهيله حتى حازوا نعيما وملكا كبيرا، وأفرد ~~فخاره بتقريبه حتى أفاد شمس آمالهم ضياء، ~~وزاد قمرها نورا، وشرف به وصلتهم حتى ~~أصبح فضل الله عليهم بها عظيما، وإفضاله ~~كبيرا، مهيىء أسباب التوفيق العاجلة ~~والآجلة، وجاعل ربوع كل أملاك من ~~الأملاك للشموس والبدور والأهلة آهلة ~~جامع أطرف الفخار لذوي الإيثار، حتى ~~حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عنده ~~البركة الكاملة. # نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة PageV01P327 ~~الاستيداع وأجمل لتأملهم الاستطلاع ~~وكمل لاختيارهم الأجناس من العز ~~والأنواع، التي أمالهم بما لم يكن في حساب ~~أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع. ~~وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ~~ونصلي على سيدنا محمد، الذي أعلى الله به ~~الأقدار، وشرف به الموالي والأصهار، وجعل ~~كرمه دارا لهم في كل دار، وفخره على من ~~استطلعه من المهاجرين والأنصار، مشرق ~~الأنولر، صلى الله عليه وعليهم، صلاة زاهية ~~الأزهار، يانعة الثمار. # وبعد: # فلو كان اتصال كل شيء بحسب المتصل به ~~في تفصيله، لم استصلح البدر شيئا من PageV01P328 ~~المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئا من الرياض ~~لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسنة ~~لتنزيله، ولا الجوهر الثمين شيئا من ~~التيجان لحلوله، لكن يتشرف بيت يحل به ~~القمر، وبيت يزوره المطر، ولسان يتعوذ ~~بالآيات والسور، ونضار يتجمل بالآلى ~~والدرر، ولذلك تجملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابهم ~~بأنسابه، وتزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم - منهم، وتمت ~~لهم مزية الفخار، حتى رضوا عن الله ورضي ~~عنهم. # والمرتب على هذه القاعدة إفاضة نور ~~يستمده الوجود، وتقرير أمر يقارن سعد ~~الأخبية منه سعد السعود، وإظهار خطبة تقول ms90 ~~الثريا بالانتظام عقودها كيف، وإبراز وصلة ~~بترصيع جوهرها متن السيف، الذي يغبطه PageV01P329 ~~على إبداع هذه الجوهرية كل سيف، وتنتج ~~صهارتهم بها -ان شاء الله - كل أمر سديد، ~~ويتفق بها كل توفيق تخلق الأنام وهو ~~جديد، ويختار له أبرك طالع، وكيف لا ~~تكون البركة في ذلك الطالع، وهو السعيد ~~وذلك بأن المراحم الشريفة السلطانية أرادت ~~أن تخص المجلس السامي الأمير فلانا ~~بالإحسان المبتكر، وتفرده بالمواهب التي يرهف ~~بها الحد المستضيء، ويعظم الجد المنتظم ~~وأن نرفع من قدره بالمصاهرة مثل ما رفعه ~~صلى الله عليه وسلم - من قدر صاحبيه أبي بكر وعمر، ~~فخطب إليه أسعد البرية، وأمنع من تحميه ~~السيوف المشرفية، وأعز من يسبل لها سبول ~~الصور الخفية، وتضرب دونها خدود الخلال ~~الرضية، وتتجمل بنعوتها العقود، وكيف لا ~~وهي الدرة الألفية، فقال والدها هكذا ترفع PageV01P330 ~~الأقدار وتزان، وهكذا يكون قران السعد ~~وسعد القران. # وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم ~~الشريفة السلطانية له خميلة ! وأشرف سيفا ~~غدت منطقة البروج سماؤها له حميله، وما ~~أعظمها معجزة أتت الأولياء من لدنها سلطانا، ~~وزادتهم مع إيمانهم إيمانا. وما أفخرها صهارة ~~يقول التوفيق لإبرامها ليت، وأشرفها عبودية ~~كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت. # وإذ قد حصلت الاستخارة في قدر رفع ~~الملوك، وخصصته بهذه المزية التي تقاصرت ~~عنها أمال أكابر الملوك، فالأمر لمليك البسيطة ~~في رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتصدق بما ~~يتفوه به هذا الإنشاء، وهو: PageV01P331 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخط، ~~وأقلام الخط، على تحريره، وتنافست مطالع ~~النوار، ومشارق الأنوار، على نظم سطوره ~~فأضاء توره. ### | واستهلت سنة خمس وسبعين وستمئة # فيها حضر بيجار، وهو من أكبر أمراء ~~الروم، وحريمه وأولاده، وصحبته اثنى ~~عشر أميرا إلى الأبواب العالية، ومستنجدا على ~~التتار وعدوانهم، وأحسن السلطان إليه وإليهم ~~بالأمرة والانعام، وقربهم ورتب لهم المرتبات PageV01P332 # وفيها كانت غزاة أبرستين مع التتار، ~~ونصر الله عليهم أتم نصره. # وفيها اهتم السلطان بدخول ولده الملك ~~السعيد بزوجته، فتقدم إلى العساكر المنصورة ~~بالعرض في أحسن زي من الجواشن والخود ms91 ~~المذهبة، والقنطاريات المذهبة، والخيول ~~الملبسة، والسيوف المحلاة، وكان العرض ~~لعب في صورة جد، وأقاموا أياما في مطاردة ~~ولعب قبق وكوزره، والرهجيات تخفق ~~بأنواع مطرباتها، والأسمطه تمد بصنوانها وغير ~~صنوانها، والقاعات بالقلعة معمورة ~~بالسمار، مشحونة بالملهيات التي تستفز ~~العقول إلى حلت سلمى بسليم. ### | ذكر دخول السلطان إلى الروم # أقول وهي الغزوة التي لم يؤرخ مثلها فيما PageV01P333 ~~أرخ المؤرخون، وأثبته في صحف التفاخر ~~المثبتون. كان معين الدين البرواناه، المقدم ~~ذكره، قد كاتب وندم وراسل، ثم علم أنه لا ~~نجاة له من التتار، فحكم بما علم، وأخذ يأخذ ~~ويعطي، ويسرع ويبطي، ويصيب ويخطي، ~~ثم أن السلطان صمم [على] جمع العساكر ~~مصرا وشاما، وقصد قيسارية الروم، فقطع ~~دونها منازل مقفرة من الزاد، خالية من الناس، ~~وبلاد خراب يباب، فتجشم مشاقها إلى أن ~~دخل إلى قيسارية، فوجدها عامرة آهلة، قائمة ~~الأسواق على ساق، قد شحنت بأنواع المآكل ~~فابتهلت رعيتها بالدعاء له، وحل دار ~~سلاطينها آل سلجوق، وجلس على كرسي ~~مملكتهم، والتاج على رأسه، وقام ووقف على ~~باب حريمهم، وسير إليهم السلام، وخاطبهم ~~لما يجب من السلام والتخيم جبرا منه، وصلى ~~الجمعة بجامعها، وخطب باسمه على منبره، PageV01P334 ~~هذا والتتار الحاكمون عليها لا يعلمون بشيء ~~من ذلك، وأما البرواناه فإنه هرب إلى التتار ~~فقتلوه، ووجد السلطان ولده فأسره، ونهب ~~داره، وخرج منها موهما أنه قاصد غيرها ~~من الروم، ولم يزال إلى أن دخل دمشق ~~المحروسة. ### | واستهلت سنة ست وسبعين وستمئة # فيها دخل السلطان إلى دمشق عند تمام هذه ~~الغزوة، فما استقر به الحال بها حتى توعك ~~مزاجه، ومرض مرضة الموت، وأن منه ~~الفوت، وكتم أمره، ومرض أياما، قيل أن ~~كانت دوزنطارية كبدية، قضيت بحينه، ~~وأدنت بينه، واتفقت وفاته بقلعة دمشق ~~المحروسة، يوم الخميس بعد الزوال، سابع ~~وعشرين المحرم من السنة، واشتريت له دار ~~العقيقى، وهيئت مدفنا ومدرسة، ونقل إليها PageV01P335 # في ليلة الرغائب من رجب # وقال مؤلفها راثيا له: # ما مثل هذا الرزء قلب يحمل %~% كلا ولا صبر جميل يجمل ~~كيف السبيل ولا سبيل لسلوة %~% في ذا المصاب ms92 ولا جفون [تقبل] # الله أكبر إنها لمصيبة %~% منها الرواسي خيفة تتزلزل # عز العزاء فليس رزء مثل ذا %~% ما كان في ذهن أمرىء يتشكل # ما للجياد كئيبة محزونة %~% أفذا الأنين حنينها إذ تصهل # ما للسيوف قد انحنت أترى درت %~% أن المنون لحدها ستفلل # ما للرياح تخولتها رعدة %~% ألتركها أن ليس تعقل تعقل PageV01P336 # الخطب أعظم أن يقال فجيعة %~% إن الفجائع ربما تتسهل # هذا هو الرزء الذي فدحت به %~% الدنيا فأحشاء الزمان تقلقل # هيهات يرجى للوجود إفاقة %~% من شرب كأس مهلها لا يمهل # لهفي على الملك الذي كانت به %~% لدنيا تطيب وكل قفر منزل # الظاهر السلطان من كانت [له] %~% منن على كل الورى وتطول # بيبرس ركن بللدين والسمح الذي %~% من جوده جرد السحائب تخجل # لهفي على آرائه تلك التي %~% مثل السهام إلى المصالح ترسل # لهفي على تلك الجيوش وكونها %~% من بعده قد أصبحت تتململ PageV01P337 # أسفي على تلك الجيوش وقولها %~% أين الذي كنا به لا نخذل # أسفي على السير التي ألفتها %~% كيف اغتدت بوفاته تتكمل # أسفي على الدرر التي نظمتها %~% كيف انثنت برثاي فيه تفصل # أسفي على الغرر التي بينتها %~% ثم لا بدت بحياته تتحجل # أين الذي أسر الملوك فأصبحوا %~% في أسره من بعض ما يتخول # أين الذي هزم الجيوش وماله %~% إلا الملائك نجدة تتنزل # أين الذي عمر القلاع فأصبحت %~% من دون رفعتها السماك الأعزل # وهي قصيدة مطولة، أقتضى الاختصار ~~اختصارها. PageV01P338 # وله فيه - رحمه الله - غير هذه ما هو مثبت في ~~سيرته، وبعذره، إذ كان - رحمه الله - شاملا له ~~بإحسانه، مبالغا في رفعة شأنه، رافعا من ~~مكانه، مجزلا مراد إمكانه، اطلعه على سره، ~~منوها بترادف الخلع والانعام من ذكره، مشيرا ~~إليه بسنح من مهماته، معتمدا عليه في محوه ~~واثباته، مجزيا له عن حسنه هذه السيرة ~~بأمثالها، مصغيا ببشاشة إستحسانه إلى أقوالها، ~~كان السلطان - رحمه الله - إذا كمل الجزء منها، ~~جلس وأجلسه لسماعه، وأحسن جزاه بالخلع ~~النفيسة، وما يتبعه مكافأة لامتاعه وإبداعه. ~~وبعذره لقد كان - رحمه الله - كاتبا مجيدا، وكافيا ~~مبدا ومعيدا، أن سطرت أنامله ms93 فالدر ~~النفيس، وإن نشت عبارته فبدائع الجناس ~~والتجنيس، وإن تطرت قريحته فحسان إبداعه ~~وذو رمة اختراعه. كانت له - رحمه الله - خبرة ~~لرتب المخاطبات، ودربة في اصطلاحات PageV01P339 ~~البداءات والإجابات - رحمه الله - ما أولاه بقول ~~القائل: # إن هز أقلامه يوما ليعملها %~% أنساك كل كمي هز عامله # وإن أقر على رق أنامله %~% أقر بالرق كتاب الأنام له # ونعود فنقول: ولما فات في السلطان ~~الفوت، وأصابته مصيبة سهام الموت، ترك في ~~قلعة دمشق مصبرا، والإسلام بابتعاث آماله ~~لحسن خلف ولده السعيد مصبرا، واجتمع ~~رأي أمراء الحل والعقد على إخفاء وفاته، وأن ~~يترك كل شيء من عزائه وندبه إلى أوقاته، وأن ~~بظهر أنه مريض في محفة، وجمعت الخزائن ~~والخيول السلطانية، وأجمعوا على الخروج في ~~هذه الصورة، فخرجوا فيها، والأمير بدر ~~الدين الخزندار، نائبه، يعاود المحفة ساعة ~~بساعة، إيهاما، ويوافيها، إلى أن حضروا إلى ~~الديار المصرية. PageV01P340 # إستقر بقلعة جبلها جسما بلا روح، ومساء ~~بلا صبوح، وعين بلا ناظر، وباطنا بلا ~~ظاهر، ومقيم ولكنه بغير قلعته المصرية ~~قاطن، فلما عوهد ولده، وإن لم يزل معاهدا، ~~وشوهد لمقر ملك والده مستقلا، ولم يزل ~~مشاهدا، أقيم العزاء، وأهينت للطم الخدود ~~الأعزاء، وأنبث في كل ناحية نائحة، ودام، ~~أيام ندبه، وكل من لياليه مشبه البارحة. # حلف الأمراء والعساكر لولده بالاستقلال، ~~وظهر أمر وفاته وأظهر الأحتفال، وعملت ~~الختوم بجوامع مصر والقاهرة ومدارسها ~~وعمر بالذكر معهد عامرها ودارسها، إلا أنه ~~بوافر الصدقات، وتلاوة الآيات، وجزيل ~~النفقات، بحضور أمراء الحل والعقد، ~~والصدور الأعيان، والوزراء وذوي علو ~~الشأن، والوعاظ متراسلة لسرد مناقبه على PageV01P341 ~~المنابر، والقراء مترنمة للتلاوة والدعاء في أول ~~كل تلاوة وآخر، إلى أن تكملت أربعة عشر ~~محفلا بالأطعمة والشموع والدعاء للذي ~~بمواطن الإجابة مرفوع، وخلع على الوعاظ ~~والقراء، واستقرت سلطنة ولده، وفلذة كبده، ~~إلى أن قضى الله ما قضى. # ولما حصلت وفاة الشهيد كتب إلى ولده ~~السلطان الملك السعيد كتابا عن الأمير بدر ~~الدين بيليك الخزندار، نائبه، وهو من إنشاء ~~هذا المختصر. #... وحمل عن قلبه، وهيهات أن يحمل ~~ما ألم من مصاب، ms94 وألهمه الصبر، وإنه فيبما دعي ~~لأمر من الصاب، وثبته عند صدمة ملمة ~~لإثبات مع ما ألم بها من آلام وأوصاب، PageV01P342 ~~وسكن جأشه وهيهات وقد عدم جيش الإسلام ~~من لم يزل بمناصبة أعدائه ذا انتصاب، هذه ~~المطالعة، لا بل الصادعة، لا بل الرائعة، لا ~~بل المنبئه عن واقعة، يا لها من واقعة، وحسبها ~~سواد وجه طرسها بنفسه، ولبسها الحداد، وقد ~~سلب من لم يكن يخيل فقده في حرز الدين ~~وحدسه، ولم تقف عند ذلك إلى أن شقت ~~الأقلام جيوبها، وتعثرت في أذيال مكتوبها، ~~وكادت أن لا تجري بجريان ما جرى من هذه ~~الداهية، وأن لا تمتد أعناقها بأرعاد قوائمه ~~الواهية، وهو وفاة مولانا السلطان، وما كان ~~أولاها بالخرس عن أن تفوه بلفظة وفاته، وأن ~~تدخر ليوم تسطير عزائه ومصيبة موافاته، ولقد ~~كان ألا يمتد، وأن عنق براءة برايته ألا يمتد، ~~ولقد عوتب محالكه في الدواة، فقال مكره ~~أخوك لا بطل، وشتان بين تحليتي بالأمس ~~ببشرى سلامته وبين ما اتصفت به الآن من ~~عطل. PageV01P343 # فيالها من مصيبة فتت في الأعضاد، وفجعت ~~في عضد كم أغنى في نصرة الإسلام من ~~إعضاد، وناصركم أرى في الكفر من خذلان، ~~وعون كم أرى الموت لذوي الشقاق من الكفر ~~عيان، وهدم من حصون، وبذل في نصرة دين ~~الله كل مصون، وأوثق من إسار، وهتك من ~~أستار، وأثخن من جراح، وراض بالالقاء على ~~الأرض كل ذي جماح، وساق كل ذي سلاطة ~~بعظيم سلطانه إلى السياق، وطارد في ميدان ~~التصافف، فسبقت جياده إلى اقتلاعهم، وما ~~كل من سابق يدري السباق، طالما نفخت ~~بوقاته في صور، فصعق من وراءه رعبا، ~~وخاطبت خرصان أسنته فأفصحت لكنما كان ~~خطابها خطبا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد ~~دهى الإسلام في مؤيده، وساعد النصر في ~~مهنده، وكرسي الملك في آيته، وعامله في ~~ترائي رايته، وقبة السلطنة في طائرها الميمون ~~والرعية في در دريه المكنون، كان، وليته لا ~~كان، في ليلة أسفر صباحها عما سود وجه PageV01P344 # أسفاره، وتبلج عن غربيب غراب بين ~~أسفاره، وهو اليوم ms95 الفلاني من الشهر الفلاني، ~~بمرض زار إلماما فأبقى آلاما، وعوض بجوهر ~~نقسه النفيسة، ولولا حسن خلف مولانا ~~لكانت كل الملوك له عرض، فارتج لفجعته ~~حتى السرير، وكاد القصر بمد مدد الدموع أن ~~لا تكون له بلقة بذهاب مبيضه، وكم أذهب ~~المبيض من بصر بصير. # وقد اقتضى الحزم أن يكتم أمر وفاته عن ~~المقيم والساير، وأن يخفى، وهيهات أن يخفى ~~الظاهر، أنا وقد ظهرت الكآبة على الوجود، ~~والوحشة على التهايم والنجود، وأعلنت ~~الحمائم على الأغصان بالنواح، وظهرت الكآبة ~~حتى على وجه الباح، وخرست الألسنة من ~~غير أعلام، فلا تسمع إلا همسا، وأظلمت ~~الدنيا في العيون حتى ظن أن الأفق قد عدم ~~شمسا، ونحن واصلون ولكن جسم بلا PageV01P345 ~~روح، ومساء بلا صبوح، وعين بلا إنسان، ~~وفم بلا لسان، وعامل بلا سنان، ونفاد ~~ولكن بلا سلطان بشعار السلطنة، وأنه في ~~محفته غير مشاهد، لكنه الشهيد، معلليت ~~الأنفس - إن شاء الله - بحسن الخلف عن ~~الشهيد من مولانا بالسعيد. # فيحيط علم مولانا الشريف بهذه النائبة، ~~ويتلمح اعطاف هذه التعزية، والتي هي ~~بالقاء دموع النفس في خدود الطرس عن ~~مشاهدة ما نحن عليه نائبه، وما أرشد مولانا ~~السلطان أن لا يعيد في ذلك ولا يبدي، وأن ~~يكتم سر هذه الفجيعة إلى أن يتم ما اجتمع ~~عليه الرأي مما - بمشيئة الله - يجدي، ويلتئم ~~بمشاهدة وجه مولانا السلطان ما بالقلوب من ~~جراح، ويغتفر ما للدهر من جناح، وتجتمع ~~كلمة السلطنة على وأرثها، والمملكة على من ~~يتدارك بحسن سلطنته ملم حادثها، وتصافحه PageV01P346 ~~الأيمان بالايمان، ويناط بتصريف يمينه ما ~~لاستقلال الملك من عنان، وتمسح بأذيال ~~حسن تعويضه ما ركد في الآماق من دموع، ~~ويلتئم ما بالجوارح من صدوع، وتأنس منه ~~المواكب الإسلامية بعد الوحشة، ويمتع ~~سلطانه بسكونه وسكناه سريره وعرشه، ~~ويأخذ في سنن مورثه بما للجهاد من فرض ~~وسنن، ويحذو حذوه في مخاتلة أعداء الله بالسر ~~والعلن، والإتيان على ما أبقاه لعزائمه من ~~فتكات، وإحياء مواته في قمع كل طاغية. # ومن خلف مثله - أعز الله سلطانه - ما ~~مات، كيف وعمله ms96 - قدس الله روحه - المتصل ~~بالثلاث، والدائم النصرة بيما لهيبته من انبثاث، ~~وما تم إلا أن يقتدى بآرائه وراياته، وأن يراجع ~~من وصيته محكم آياته، وقد اتسق النظام ~~وتداول في قهر أعداء الله الاهتضام، وأمن ~~الإسلام أن يضام، وتمثل - أعز الله أنصاره - ~~بمفتخر نفس عصام سودت عصام. وأمتع PageV01P347 ~~المسلمون بملكين راحل وثناؤه مقيم، ومقيم ~~ثناؤه يرحل، وقد سلك سراط أبيه المستقيم. # سطرها المملوك والدموع تكاد أن تغسل ~~سطورها، والبرد أن تشق صدورها، فتخفيها ~~إشفاقا أن تبدي ورودها وصدورها، والله تعالى ~~يمتع من مولانا السلطان بحسن الخلف بأنوار ~~غرته البهية ما اعترى الخدود الملطومة من كلفة ~~الكلف، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى. # وكتب إلى صاحب اليمن المظفر شمس ~~الدين تعزية بوفاته. # أعز الله نصرة المقام العالي المولوي ~~السلطاني الملكي المظفري الشمسي، ولا زال ~~ثبت الجنان عند كل وارد مقلقة وواردة، ~~حسن التعزي عند وافد كل مزعج ووافدة، ~~مسلما لقضاء الله في نازل كل مؤلمة تغدو بها ~~دمعة الحزن غير راقية، ونار الأسى غير ~~خامدة، صابرا عند الصدمة الأولى من خبر ~~أعزائه، وحق لها أن تكون واجدة، اذ لم تكن PageV01P348 ~~لمثل فقيدها واجدة، مجرية دمع خلوص الإخاء ~~حارة، وطالما كانت الدمعة الباردة. # المملوك يخدم خدمة لفح بعد بردها على ~~الكبد هجيرها، ونفع بعد ما نفخ من شذى ~~المسرات كيرها، وصدر عن سدر القلوب ~~خطابها، فلا غرو أن يتعثر بأذيال الحزن ~~مسيرها، ويصف من نوازل الدهر ما شق على ~~القلوب حمله، وشق الجلود قبل الاكباد نبله ~~وأوهى قوى الاصطبار، وعز أن يفدى ولو ~~بالأعمار، وسار نبؤه فعم وغم، وسرى حديثه ~~فأثكل كل أم حيث أم وأحزن حتى ~~الأعداء، وإن كان خلاف المعتاد، وأبكاهم ~~وإن طالما أنكاهم، أسفا على نفس الشجاعة ~~التى شهدوا منها ما أعلن بالإعجاز على رؤوس ~~الأشهاد، وأثر حتى في الجياد وصهيلها، ~~والسيوف وصليلها، والأقلام وصريرها ~~والسهام ومرورها، والرماح وهزها، والممالك ~~وحرزها، فصهيل الجياد عويل، وصليل PageV01P349 ~~السيوف غليل، وصرير الأقلام بكاء ونحيب، ~~ومرور السهام خفوق ووجيب، واهتزاز ~~الرماح تقصف لقاماتها وتكسر، ms97 وانحطاط ~~العوالى أسنتها عن أن ترد لصدر أو عنه ~~تصدر، وهي وفاة والدنا السعيد الشهيد، ~~سقى الله عهده صوب الرحمة - وأحسن فيه عزاء ~~هذه الأمة في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ~~بدمشق المحروسة، بقصرها الأبلق، الفرد ~~الذي هو الأحق به، بقول من لغيره عنى ~~والأولى من دون المغاني، وقد فاضت به روحه ~~الطاهرة بأن يغدو لقصور الجنان المنزهة عن ~~الغنا، بمرضة مرض لها الغائب والشاهد، ~~والطالع والمعاند، والواجد والفاقد، والولد ~~واسأل به خبيرا - والوالد، فإنها عاجلت وما ~~عالجت، وألمت إلماما ولكنها آلمت، وزارت ~~حماها غبا، إلا أنها ما ازدادت حبا، وأشهدت ~~مصرعه على فراشه، وإن كان مما لا يؤثره ~~غزته في عقر داره، إلا أنها ما أذلته بل أعزته، ~~إذ لم تمتد إليه الأيدي المخاتله فيما أنكته PageV01P350 # وكانت هذه النازلة عند عوده من غزوة ~~أبلستين، التي أباد من بها من التتار والمغول، ~~والطائفة الذين انتخبوا من جنسهم بيما ظنوا أنه ~~لا يهون بل يهول، ودخوله قيسارية الروم، ~~وجلوسه على كرسي آل سلجوقها، والإعلان ~~بكلمة سلطنته لدى طريقها وطروقها، وتصرفه ~~في بلادها وعبادها، وتسنم ذروتها، وأن رغم ~~أنف أهل عنادها. # وكانت غزوة مشقة، لتوعر المسالك بما ~~أخربه التتار، وعفوه من آثار، وأخلوه من رفق ~~الدار والجار، وهي منازل لا تثبت بها القوات، ~~لعدم الأقوات، ولا تستقر قوائم الخيول لمزالق ~~تلك الهضبات، إلا أن الوالد - رحمه الله- سهل ~~بعزائمه حزنها، وجاود بمكارمه مزنها، وأوجد ~~بها ما أغنى خزائنه، وأقنى، ولم يزل حتى دخلها ~~على حين غفلة من أهلها، وحلها فقام بفرض ~~الغزوة ونفلها، هذا وأبغا ملك التتار، معتقد ~~أن ملكه بغير الإذعان لا يزار، وملكه لا يؤخذ ~~بيد الغصب، ولا يستقر له بدار. PageV01P351 # ولما شفى الولد - رحمه الله - من تعجيز هذا ~~الملك نفسه عاد والعود أحمد، ورجع ولكن ~~بعد أن أسجل بقوة سلطانه، وأشهد، ولم يزل ~~يسوقه حسن التدبير إلى أن قضى بالوطن من ~~ملكه نحبه، ولقى بعد أجر ملاقاة قهر هذا ~~العدو ربه، وكانت هذه الغزوة خاتمة فتوحه ~~ومكنى ms98 صريحه، وسلم جنوحه، وعنان ~~جموحه، وأنيسه ضريحه، ودرج إلى عش ~~مرقده الخالي من الغش، بعد أن لم يدع وراءه ~~مملكة حتى افتتحها، ولا طائفة من أعداء ~~الإسلام حتى مساها بالويل وصبحها، ولا ~~قلعة مارق حتى اقتلعها، ولا مغصوب مملكة ~~من الممالك حتى استرجعها، ولا ضالة حتى ~~أنشدها، ولا ضالة رأى حتى أرشدها، ولا ~~أرض حتى مهدها، ولا معدومة خيانة حتى ~~أوجدها، ولا غزوة في التتار والفرنج والأرمن ~~حتى عددها. PageV01P352 # وكم موقف شهده وما في الموت شك ~~لواقف، وجيش قابله حتى قاتله بيما يعجز عنه ~~وصف الواصف، وأعمل العزائم برا وبحرا ~~وأشهد أعداء الله ما بين قتلى وأسرى، وأمن ~~الحريم في الأوطان، وأراح السيوف في ~~الأجفان، والعوالي وتوعل ما لها سنان، ~~والجياد بكف العنان، وأشهد ملوك الكفر من ~~الفرنج والتتار، الغزوة فالغزوة، والنبوة ~~فالنبوة، وعاجلت أنفتهم فأخذت من أنوفهم ~~العزة فالعزة، وأكفهم فكفتها وكفتها بما لسيوفه ~~من هزة، وما من غزوة إلا وعند المولى يكتب ~~تهانيها الخبر اليقين، ولا آية نصر إلا وقد خص ~~منها بالفضل المبين، لصداقته التي قدم أخاؤها، ~~وصح ولاؤها، وسارت أنباؤها. # وعلى أثر ذلك فإنا لا نخليه من بشرى رقينا ~~لكرسي سلطان أبينا الشهيد، ووفائنا، والوفاء ~~بعهده فينا، من قريب وبعيد، ومشافهتنا PageV01P353 ~~والمشافهة لنا بالطاعة من كل من ألقى السمع ~~وهو شهيد، وامتداد الأيمان لنا بالأيمان ~~وخضوع الرقاب لسلطاننا بنافذ وصيته ~~الصادرة عن قول الله: فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان. # وكتابنا هذا وقد دانت لنا الرقاب ~~وخضعت، وانتظمت الممالك في سلك ملكنا ~~بعد أبينا ورجعت، وأعلن باسمنا على المنابر ~~وإن كان لم تزل الألسنة به معلنة، وبذكره ~~سقى الله عهده مقرونة، وبالرغم منا أن افردت ~~بغوائل الدهر التي لم تزل موهنة، وقد استقبنا ~~ما استدبره بعد موته من معدلة، وجرينا على ~~سننه صلة لعمله المعدلة، وكتبنا بذلك إلى ~~البلاد غربها وشرقها، واستنطقنا به حتى ~~صامت حمامها وورقها، وانتصبنا للغزو في كل ~~مناصب، وأوعدنا للخارج عن خط الاستواء ~~كل عذاب واصب، وأخذنا برأيه في التيقظ PageV01P354 ~~لكل مهمة، والإلمام ms99 بكل ملمة، وأحيينا سنته ~~بمطالعة كتاب وصيته متمسكين منهما بالكتاب ~~والسنة، وجعلنا تقوى الله بيننا وبين النار ~~أعظم جنة، تحجب النار وتأذن للجنة ~~وعقدنا على العصمة النيات، ونوينا عند لقاء ~~العدو النيات، وإن أدى إلى الممات. # هذه صورة حالنا الحالية بعد العطلة، ~~وقضية أمرنا على التفصيل والجملة، وإنما ~~طارحناه بهذا الحديث، خطبة لا تباع وده ~~القديم بالحديث، وما أولاه - أعز الله سلطانه. ~~بآن يورث الولد من وده ما هو في ذمته للوالد، ~~وأن ينسج على ذلك النوال، لينسج له على مثله ~~في الصادر والوارد، لازال حسن الاستصحاب ~~بحال إخائه، صحيح الولاء لأوليائه، ومحلفي ~~أوليائه، بمنه وكرمه - إن شاء الله تعالى - حسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # نجزت المناقب السرية، المنتزعة من السيرة PageV01P355 ~~الظاهرية يوم الجمعة الثاني من جمادى الأولى ~~سنة ستة عشر وسبعمئة وصلى الله على محمد ~~وآله وسلم. PageV01P356 ms100