######OpenITI# #META# المؤلف: الشيخ العالم بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني المتوفى سنة 733ه #META# bkid: 34810 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ¶ المؤلف: الشيخ العالم بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني المتوفى سنة 733ه ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ مكتبة مشكاة الإسلامية ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: ابن جماعة، بدر الدين #META# Lng: أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين #META# max: 73 #META# bk: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم #META# authinf: ابن جماعة (639 - 733 ه = 1241 - 1333 م) ¶ محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي الشافعي، بدر الدين، أبو عبد الله: قاض، من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين.ولد في حماة. وولي الحكم والخطابة بالقدس، ثم القضاء بمصر، فقضاء الشام، ثم قضاء مصر إلى أن شاخ وعمي. كان من خيار القضاة. وتوفي بمصر. ¶ له تصانيف، منها «المنهل الروي في الحديث النبوي - خ» في طوبقبو (2: 6) و «كشف المعاني في المتشابه من المثاني - خ» و «غرة التبيان لمن لم يسم في القرآن - خ» و «تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم - ط» و «غرر البيان لمبهمات القرآن - خ» و «تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام - خ» و «مختصر في السيرة النبوية - خ» و «مستند الأجناد في آلات الجهاد» ¶ وأراجيز في «قضاة مصر - خ» و «قضاة دمشق - خ» و «الخلفاء - خ» ورسالة في «الإسطرلاب» و «الفوائد الغزيرة من حديث بريرة - خ» قطعة منه، في المكتبة العربية بدمشق. ¶ نقلا من الأعلام للزركلي #META# ndata: بسم الله763C5E7A- (1/72) #META# bkord: 8955 #META# archive: 24 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم #META# authno: 1132 #META# ad: 733 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 733 #META# cat: الرقاق والآداب والأذكار - مرقم آليا #META# iso: تذكره السامع والمتكلم في ادب العالم والمتعلم #META# digitization_comments: مكتبة مشكاة الإسلامية #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO مقدمة المصنف # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه توفيقي # الحمد لله البر الرحيم، الواسع العليم، ذي الفضل العظيم، وأفضل الصلاة ~~وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الكريم، المنزل عليه في الذكر الحكيم: ~~{وإنك لعلى خلق عظيم}، وعلى آله وأصحابه الكرام جواره في دار النعيم. # أما بعد، فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه ويدئب نفسه في تحصيله ~~واكتسابه حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة ~~على شكر أهله، وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة وأولاهم بحيازة هذه ~~المرتبة الجليلة أهل العلم الذين جلوا به ذروة المجد والسناء وأحرزوا به ~~قصبات السبق إلى وراثة الأنبياء لعلمهم بمكارم أخلاق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وآدابه وحسن سيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته وأصحابه وبما كان عليه ~~أئمة علماء السلف واقتدى بهديهم فيه مشايخ الخلف. # (1/3) # قال ابن سيرين: كانوا يتعلمون الهدى كما يتعلمون العلم. PageV01P004 # وقال الحسن: إن كان الرجل ليخرج في أدب نفسه السنتين ثم السنتين. # وقال سفيان بن عيينة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الميزان ~~الأكبر وعليه تعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه فما وافقها فهو الحق وما ~~خالفها فهو الباطل. # وقال حبيب بن الشهيد لابنه: يا بني اصحب الفقهاء والعلماء وتعلم منهم وخذ ~~من أدبهم؛ فإن ذلك أحب إلي من كثير من الحديث. # وقال بعضهم لابنه: يا بني لأن تتعلم بابا من الأدب أحب إلي من أن تتعلم ~~سبعين بابا من أبواب العلم. # وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى ~~كثير من الحديث. # وقيل للشافعي رضي الله عنه: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما ~~لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعا فتنعم به. قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب ~~المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. # ولما بلغت رتبة الأدب هذه المزية وكانت مدارك مفضلاته خفية دعاني ما ~~رأيته من احتياج الطلبة إليه وعسر تكرار توقفهم عليه، أما الحياء فيمنعهم ~~الحضور، أو الجفاء فيورثهم ms01 النفور، إلى جمع هذا المختصر مذكرا للعالم ما ~~جعل إليه ومنبها للطالب على ما يتعين عليه وما يشتركان فيه من الأدب وما ~~ينبغي سلوكه في مصاحبة الكتب، ثم أدب من سكن المدارس منتهيا أو طالبا لأنها ~~مساكن طلبة العلم في هذه الأزمنة غالبا. # وجمعت ذلك مما اتفق في المسموعات أو سمعته من المشايخ السادات أو مررت به ~~في المطالعات أو استفدته في المذاكرات وذكرته محذوف الأسانيد والأدلة كيلا ~~يطول على مطالعه أو يمله. # وقد جمعت فيه بحمد الله تعالى من تفاريق آداب هذه الأبواب ما لم أره ~~مجموعا في كتاب وقدمت على ذلك بابا مختصرا في فضل العلم والعلماء على وجه ~~التبرك والاقتداء. # وقد رتبته على خمسة أبواب تحيط بمقصود الكتاب: # الباب الأول: في فضل العلم وأهله (وشرف العالم ونسله). # (1/4) # الباب الثاني: في آداب العالم في نفسه ومع طلبته ودرسه. # الباب الثالث: في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه. # الباب الرابع: في مصاحبة الكتب وما يتعلق بها من الأدب. # الباب الخامس: في آداب سكنى المدارس وما يتعلق به (من النفائس). # وقد سميته "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم"، والله تعالى ~~يوفقنا للعلم والعمل ويبلغنا من رضوانه نهاية الأمل. PageV01P005 ### | AUTO الباب الأول في فضل العلم والعلماء # وفضل تعليمه وتعلمه # الباب الأول # في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه # قال الله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~} [المجادلة: 11] قال ابن عباس: العلماء فوق المؤمنين مائة درجة ما بين ~~الدرجتين مائة عام. # قال تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط } [آل عمران: 18] الآية. بدأ سبحانه بنفسه وثنى بملائكته وثلث بأهل ~~العلم وكفاهم ذلك شرفا وفضلا وجلالة ونبلا. # وقال تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } [الزمر: 9]، ~~وقال تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: 43]. وقال ~~تعالى: { وما يعقلها إلا العالمون } [العنكبوت: 43]، وقال تعالى: { بل هو ~~آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } [العنكبوت: 49]، وقال تعالى: ms02 { ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء } [فاطر: 28]، وقال تعالى: { أولئك هم خير ~~البرية } [البينة: 7] إلى قوله: { ذلك لمن خشي ربه } [البينة: 8]. # فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى وأن الذين يخشون ~~الله تعالى هم خير البرية فينتج أن العلماء هم خير البرية. # (1/5) PageV01P006 ~~وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين، وعنه - صلى الله عليه وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء وحسبك هذه ~~الدرجة مجدا وفخرا وبهذه الرتبة شرفا وذكرا فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة ~~فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة. # وعنه - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر عنده رجلان أحدهما عابد والآخر عالم ~~فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك به طريقا ~~من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه وإن ~~العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء. ~~وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن ~~العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ~~ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ واف. # واعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء ~~له وتضع له أجنحتها، وأنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه ~~فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها فقيل: التواضع له، ~~وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له، وقيل: معناه ~~تحمله عليها فتعينه على بلوغ مقصده. # وأما إلهام الحيوانات بالاستغفار لهم فقيل: لأنها خلقت لمصالح العباد ~~ومنافعهم والعلماء هم الذين يبينون ما يحل منه وما يحرم ويوصون بالإحسان ~~إليها ونفي الضرر عنها. # وعنه - صلى الله عليه وسلم - يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، ~~قال بعضهم: هذا مع أن أعلى ما للشهيد دمه وأدنى ما للعالم مداده. # وعنه - صلى الله عليه وسلم - ما عبد الله بشيء أفضل من ms03 فقه في دين ولفقيه ~~واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. # (1/6) PageV01P007 ~~وعنه - صلى الله عليه وسلم - يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. وفي حديث: يشفع يوم ~~القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء، وروى: العلماء يوم القيامة ~~على منابر من يوم. # ونقل القاضي حسين بن محمد رحمه الله في أول تعليقه أنه روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة ~~أيام حياته. # قال: وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: من أكرم عالما فكأنما أكرم سبعين ~~نبيا ومن أكرم متعلما فكأنما أكرم سبعين شهيدا، وأنه قال: من صلى خلف عالم ~~فكأنما صلى خلف نبي ومن صلى خلف نبي فقد غفر له. # ونقل الشرمساحي المالكي في أول كتابه نظم الدر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: من عظم العالم فكأنما يعظم الله تعالى ومن تهاون بالعالم ~~فإنما ذلك استخفاف بالله تعالى وبرسوله. # وقال علي رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به ~~إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه. وقال بعض السلف: ~~خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل. وقال أبو مسلم الخولاني: العلماء في ~~الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا بها وإذا خفيت عليهم ~~تحيروا. # وقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، ~~والعلماء حكام على الملوك. # وقال وهب: يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيا، والعز وإن كان ~~مهينا، والقرب وإن كان قصيا، والغنى وإن كان فقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا. # وعن معاذ رضي الله عنه: تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة وطلبه عبادة ~~ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وبذله قربة وتعليمه من لا يعلمه صدقة. # وقال الفضيل بن عياض: عالم معلم يدعى كثيرا في ملكوت السماء. # (1/7) PageV01P008 ~~وقال سفيان بن عيينة: أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين ms04 ~~عباده وهم الأنبياء والعلماء وقال أيضا: لم يعط في الدنيا شيئا أفضل من ~~النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه، فقيل: عمن هذا؟ قال: عن ~~الفقهاء كلهم. # وقال سهل: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء ~~فاعرفوا لهم ذلك. # وقال الشافعي رضي الله عنه: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس ~~لله ولي. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة. # وعن سفيان الثوري والشافعي رضي الله عنهما: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. # وعن الزهري رحمه الله: ما عبد الله بمثل الفقه. # وعن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحب ~~إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب من العلم نعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا ~~من مائة ركعة تطوعا. # وقد ظهر بما ذكرناه أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات ~~البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك؛ لأن نفع العلم يعم صاحبه ~~والناس والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها؛ ولأن العلم مصحح لغيره من ~~العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ~~ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم ~~واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل ~~تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة. # - - - ### || AUTO فصل # واعلم أن جميع ما ذكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء ~~العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في ~~جنات النعيم، لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية من جاه أو ~~مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب. # (1/8) PageV01P009 ~~فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من طلب العلم ليماري به السفهاء ~~أو يكاثر به العلماء أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار. أخرجه ~~الترمذي. # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: من ms05 تعلم علما لغير الله أو أراد به غير وجه ~~الله فليتبوأ مقعده من النار. رواه الترمذي. # وروي من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به ~~غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. أخرجه أبو داود. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أول ~~الناس يقضى عليه يوم القيامة, وذكر الثلاثة، وفيه رجل تعلم العلم وعلمه ~~وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها قال: تعلمت فيك ~~العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت؛ ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت ~~ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. أخرجه ~~مسلم والنسائي. # وعن حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به. # وعن بشر: أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا فيصدك بشك ~~عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي. # - - - ### | AUTO الباب الثاني في أدب العالم في نفسه # ومراعاة طالبه ودرسه # الباب الثاني # في أدب العالم في نفسه ومراعاة طالبه ودرسه # وفيه ثلاثة فصول ### || AUTO الفصل الأول في آدابه في نفسه # وهو اثنا عشر نوعا: # النوع الأول: # دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلن والمحافظة على خوفه في جميع ~~حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله فإنه أمين على ما أودع من العلوم وما منح ~~من الحواس والفهوم، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } [الأنفال:27]، وقال تعالى: { بما ~~استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون } ~~[المائدة: 44]. # (1/9) PageV01P010 ~~وقال الشافعي: ليس العلم ما حفظ, العلم ما نفع. ومن ذلك دوام السكينة، ~~والوقار والخشوع والتواضع لله والخضوع. # ومما كتب مالك إلى الرشيد: إذا علمت علما فلير عليك علمه وسكينته وسمته ~~ووقاره وحلمه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: العلماء ورثة الأنبياء. # وقال عمر رضي الله عنه: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار. # وعن السلف: حق على العالم أن ms06 يتواضع لله في سره وعلانيته ويحترس من نفسه ~~ويقف على ما أشهر عليه. # الثاني: # أن يصون العلم كما صانه علماء السلف ويقوم له بما جعله الله تعالى له من ~~العزة والشرف فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ~~ضرورة أو حاجة أو إلى من يتعلمه منه منهم وإن عظم شأنه وكبر قدره. # قال الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم، وأحاديث السلف ~~في هذا النوع كثيرة، وقد أحسن القائل أبو شجاع الجرجاني: # لأخدم من لاقيت لكن لأخدما # إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما # ولو عظموه في النفوس لعظما # ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي # أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة # ولو أن أهل العلم صانوه صانهم # فإن دعت حاجة إلى ذلك أو ضرورة أو اقتضته مصلحة دينية راجحة على مفسدة ~~بذله وحسنت فيه نية صالحة فلا بأس به إن شاء الله تعالى وعلى هذا يحمل ما ~~جاء عن بعض أئمة السلف من المشي إلى الملوك وولاة الأمر كالزهري والشافعي ~~وغيرهما لا على أنهم قصدوا بذلك فضول الأغراض الدنيوية وكذلك إذا كان ~~المأتي إليه من العلم والزهد في المنزلية العلية والمحل الرفيع فلا بأس ~~بالتردد إليه لإفادته فقد كان سفيان الثوري يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ~~ويفيده وكان أبو عبيد يمشي إلى علي بن المديني يسمعه غريب الحديث. # الثالث: # (1/10) PageV01P011 ~~أن يتخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو ~~بعياله فإن ما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يعد من ~~الدنيا وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا لأنه أعلم الناس بخستها ~~وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونصبها فهو أحق بعدم الالتفات إليها ~~والاشتغال بهمومها. # وعن الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى إلى أعقل الناس صرف إلى الزهاد فليت ~~شعري من أحق بالعلماء بزيادة العقل وكماله. # وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا تبرا يفنى والآخرة خزفا يبقى لكان ~~ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني ms07 فكيف والدنيا خزف فان ~~والآخر تبر باق. # الرابع: # أن ينزه علمه عن جعله سلما يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال ~~أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه. # قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن ~~لا ينسب إلي حرف منه، وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة ~~أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه، كان منصور لا يستعين بأحد ~~يختلف إليه في حاجة. # وقال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة من أبي ~~جعفر سلبته فنسأل الله تعالى المسامحة. # الخامس: # أن يتنزه عن دنى المكاسب ورذيلها طبعا، وعن مكروهها عادة وشرعا كالحجامة ~~والدباغة والصرف والصياغة، وكذلك يتجنب مواضع التهم وإن بعدت ولا يفعل شيئا ~~يتضمن نقص مروءة أو ما يستنكر ظاهرا وإن كان جائزا باطنا فإنه يعرض نفسه ~~للتهمة وعرضه للوقيعة ويوقع الناس في الظنون المكروهة وتأثيم الوقيعة فإن ~~اتفق وقوع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها أخبر من شاهده بحلمه وبعذره ومقصوده ~~كيلا يأثم بسببه أو ينفر عنه فلا ينتفع بعلمه وليستفيد ذلك الجاهل به. # (1/11) PageV01P012 ~~ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجلين لما رأياه يتحدث مع صفية ~~فوليا: "على رسلكما إنها صفية"، ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئا" أو قال: "فتهلكا". # السادس: # أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام كإقامة الصلاة في ~~المساجد للجماعات وإفشاء السلام للخواص والعوام والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك صادعا بالحق عند السلاطين باذلا نفسه لله ~~لا يخاف فيه لومة لائم ذاكرا قوله تعالى: { واصبر على ما أصابك إن ذلك من ~~عزم الأمور } [لقمان: 17]. وما كان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وغيره من الأنبياء عليه من الصبر على الأذى وما كانوا يتحملونه في الله ~~تعالى حتى كانت لهم العقبى وكذلك القيام بإظهار السنن وإخمال البدع ms08 والقيام ~~لله في أمور الدين وما فيه مصالح المسلمين على الطريق المشروع والمسلك ~~المطبوع. ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه ~~بأحسنها وأكملها فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام وهم حجة ~~الله تعالى على العوام وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون، ويقتدي بهديهم ~~من لا يعلمون. وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما ~~قال الشافعي رضي الله عنه: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، ولهذا عظمت زلة ~~العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به. # السابع: # أن يحافظ على المندوبات الشرعية القولية والفعلية فيلازم تلاوة القرآن، ~~وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء ~~الليل والنهار، ومن نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام ~~والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن محبته وإجلاله وتعظيمه واجب ~~والأدب عند سماع اسمه وذكر سنته مطلوب وسنة. # (1/12) PageV01P013 ~~كان مالك رضي الله تعالى عنه إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - يتغير ~~لونه وينحني، وكان جعفر بن محمد إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عنده ~~اصفر لونه، وكان ابن القاسم إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - يجف ~~لسانه في فيه هيبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وينبغي له إذا تلا القرآن أن يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه ووعده ~~ووعيده والوقوف عند حدوده وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد في الأخبار ~~النبوية ما يزجر عن ذلك. # والأولى أن يكون له منه في كل يوم ورد راتب لا يخل به فإن غلب عليه فيوم ~~ويوم فإن عجز ففي ليلتي الثلاثاء والجمعة لاعتياد بطالة الاشغال فيهما، ~~وقراءة القرآن في كل سبعة أيام ورد حسن وورد في الحديث وعمل به أحمد بن ~~حنبل، ويقال: من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه قط. # الثامن: # معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه، وإفشاء السلام وإطعام ~~الطعام، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس، واحتماله منهم ms09 والإيثار، وترك ~~الاستئثار، والإنصاف، وترك الاستنصاف، وشكر التفضل، وإيجاد الراحة، والسعي ~~في قضاء الحاجات، وبذل الجاه في الشفاعات، والتلطف بالفقراء، والتحبب إلى ~~الجيران والأقرباء، والرفق بالطلبة، وإعانتهم وبرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وإذا رأى من لا يقيم صلاته أو طهارته أو شيئا من الواجبات عليه إرشاده ~~بتلطف ورفق كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الأعرابي الذي بال ~~في المسجد، ومع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة. # التاسع: # (1/13) PageV01P014 ~~أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة ويعمره بالأخلاق المرضية فمن ~~الأخلاق الرديئة الغل والحسد والبغي والغضب لغير الله تعالى والغش والكبر ~~والرئاء والعجب والسمعة والبخل، والخبث والبطر والطمع والفخر والخيلاء ~~والتنافس في الدنيا والمباهاة بها والمداهنة والتزين للناس، وحب المدح بما ~~لم يفعل، والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية ~~والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغير الله، والغيبة والنميمة والبهتان ~~والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس، ولو كانوا دونه فالحذر الحذر من ~~هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرذيلة، فإنها باب كل شر، بل هي الشر كله. # وقد بلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات ~~إلا من عصم الله تعالى ولاسيما الحسد والعجب والرئاء واحتقار الناس وأدوية ~~هذه البلية مستوفى في كتب الرقائق فمن أراد تطهير نفسه منها فعليه بتلك ~~الكتب ومن أنفعها كتاب الرعاية للمحاسبي رحمه الله. # يقال: ومن أدوية الحسد الفكر بأنه اعتراض على الله سبحانه وتعالى في ~~حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة كما قال الشاعر العربي: # فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا # فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا # ومن أدوية العجب يذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من ~~النعم فضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها، وأن معطيه إياها ~~قادر على سلبها منه في طرفة عين كما سلب بلعام ما علمه في طرفة عين وما ذلك ~~على الله بعزيز { أفأمنوا مكر الله } [الأعراف: 99]. # (1/14) PageV01P015 ~~ومن أدوية الرئاء الفكر بأن الخلق كلهم لا ms10 يقدرون على نفعه بما يقضه الله ~~له ولا على ضيره بما لم يقدره الله تعالى عليه فلم يحبط عمله ويضير دينه ~~ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعا ولا ضرا مع أن الله ~~تعالى يطلعهم على نيته وقبح سريرته كما صح في الحديث: "من سمع سمع الله به ~~ومن راءى راءى الله به". # ومن أدوية احتقار الناس تدبر قوله تعالى: { لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم } الآية [الحجرات: 11]، { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [الحجرات: ~~13]، { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32]، وربما كان ~~المحتقر أطهر عند الله قلبا وأزكى عملا وأخلص نية كما قيل: إن الله تعالى ~~أخفى ثلاثة في ثلاثة؛ وليه في عباده، ورضاه في طاعاته، وغضبه في معاصيه. # ومن الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين، والتقوى، والصبر، ~~والرضا، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، وسلامة الباطن، وحسن الظن، ~~والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان، وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله ~~تعالى، والحياء من الله تعالى ومن الناس، ومحبة الله تعالى هي الخصلة ~~الجامعة لمحاسن الصفات كلها وإنما تتحقق بمتابعة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } ~~[آل عمران: 31]. # العاشر: # دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف ~~الأوراد من العبادة والاشتغال والإشغال قراءة وإقراء ومطالعة وفكرا وتعليقا ~~وحفظا وتصنيفا وبحثا. # (1/15) PageV01P016 ~~ولا يضيع شيئا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلا بقدر ~~الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل أو أداء حق زوجة أو زائر، أو ~~تحصيل قوت وغيره مما يحتاج إليه أو لألم أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال ~~فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له ومن استوى يوماه فهو مغبون وكان بعضهم لا ~~يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف بل كان يستشفى بالعلم ويشغل بقدر ~~الإمكان كما قيل: # ونترك الذكر إخلالا ms11 فننتكس # إذا مرضنا تداوينا بذكركم # وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، ولا تنال المعالي إلا بشق ~~الأنفس، وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال: لا يستطاع العلم براحة ~~الجسم،وفي الحديث: "حفت الجنة بالمكاره". # ولابد دون الشهد من إبر النحل # تريدين إدراك المعالي رخيصة # وكما قيل: # لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا # لا تحسب المجد تمرا أنت آكله # وقال الشافعي رضي الله عنه: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في ~~الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى في ~~إدراك علمه نصا واستنباطا والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه، وقال ~~الربيع: لم أر الشافعي رضي الله عنه آكلا بنهار ولا نائما بليل لاشتغاله ~~بالتصنيف. # ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها كيلا تسأم وتمل، فربما نفرت ~~نفرة لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصدا وكل إنسان أبصر بنفسه. # الحادي عشر: # أن لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصبا أو نسبا أو سنا، ~~بل يكون حريصا على الفائدة حيث كانت والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. # قال سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم فإذا ترك التعلم وظن أنه ~~قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون، وأنشد بعض العرب: # تمام العمى طول السكوت على الجهل # وليس العمى طول السؤال وإنما # (1/16) PageV01P017 ~~وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم، قال الحميدي وهو ~~تلميذ الشافعي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه المسائل وكان ~~يستفيد مني الحديث. # وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح ~~عندكم الحديث فقولوا لنا حتى آخذ به. # وصح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وأبلغ من ذلك كله قراءة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي، وقال: أمرني الله أن أقرأ عليك { لم ~~يكن الذين كفروا } [البينة: 1]، قالوا: من فوائده أن لا يمتنع الفاضل من ~~الأخذ ms12 عن المفضول. # الثاني عشر: # الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف، لكن مع تمام الفضيلة، وكمال الأهلية، ~~فإنه يطلع على حقائق الفنون ودقائق العلوم للاحتياج إلى كثرة التفتيش ~~والمطالعة والتنقيب والمراجعة وهو كما قال الخطيب البغدادي: يثبت الحفظ ~~ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر ويخلده ~~إلى آخر الدهر. # والأولى أن يعتني بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه وليكن اعتناؤه بما لم ~~يسبق إلى تصنيفه متحريا إيضاح العبارة في تأليفه معرضا عن التطويل الممل ~~والإيجاز المخلف مع إعطاء كل مصنف ما يليق به. # ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه، ومن الناس ~~من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته وعرفت معرفته، ~~ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار وإلا فمن إذا تصرف في ~~مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار وحكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر ~~عليه، فلم إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن. # أما من لم يتأهل لذلك فالإنكار عليه نتيجة لما يتضمنه من الجهل وتقرير من ~~يقف على ذلك التصنيف به ولكونه يضيع زمانه فيما لم يتقنه ويدع الإتقان الذي ~~هو أحرى به منه. # - - - ### || AUTO الفصل الثاني في آداب العالم في درسه # (1/17) # وفيه اثنا عشر نوعا: # الأول: PageV01P018 # إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الحدث والخبث وتنظف وتطيب ولبس من أحسن ~~ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة. # كان مالك رضي الله عنه إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل وتطيب ولبس ~~ثيابا جددا ووضع رداءه على رأسه ثم يجلس على منصة ولا يزال يبخر بالعود حتى ~~يفرغ، وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ثم يصلي ركعتي الاستخارة إن لم يكن وقت كراهة وينوي نشر العلم وتعليمه ~~وبث الفوائد الشرعية وتبليغ أحكام الله تعالى التي اؤتمن عليها وأمر ~~ببيانها والازدياد من العلم وإظهار الصواب والرجوع إلى الحق والاجتماع على ~~ذكر ms13 الله تعالى والسلام على إخوانه من المسلمين والدعاء للمسلمين وللسلف ~~الصالحين. # الثاني: # إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو ~~أجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك ثم يقول: بسم الله ~~وبالله، حسبي الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~اللهم اثبت جناني وأدر الحق على لساني. # ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس فإذا وصل إليه سلم على ~~من حضر وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة فإن كان مسجدا تأكدت الصلاة مطلقا، ~~ثم يدعو الله تعالى بالتوفيق والإعانة والعصمة. # ويجلس مستقبل القبلة إن أمكن بوقار وسكينة وتواضع وخشوع متربعا أو غير ~~ذلك مما لم يكره من الجلسات، ولا يجلس مقعيا ولا مستوفزا ولا رافعا إحدى ~~رجليه على الأخرى، ولا مادا رجليه أو إحداهما من غير عذر، ولا متكئا على ~~يده إلى جنبه وراء ظهره. # (1/18) # وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه ويديه عن العبث والتشبيك بها، ~~وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة، ويتقي المزاح وكثرة الضحك فإنه يقلل ~~الهيبة ويسقط الحشمة كما قيل: من مزح استخف به ومن أكثر من شيء عرف به. PageV01P019 # ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال ~~برده المؤلم وحره المزعج؛ فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن ~~مع ذلك من استيفاء النظر. # الثالث: # أن يجلس بارزا لجميع الحاضرين ويوقر أفاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف ~~ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة ويتلطف بالباقين ويكرمهم بحسن السلام ~~وطلاقة الوجه ومزيد الاحترام، ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل ~~الإكرام، وقد ورد في إكرام العلماء وإكرام طلبة العلم نصوص كثيرة. # ويلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة ويخص من يكلمه أو يسأله أو ~~يبحث معه على ms14 الوجه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه وإن كان صغيرا ~~أو وضيعا، فإن ترك ذلك من أفعال المتجبرين المتكبرين. # الرابع: # أن يقدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شيء من كتاب الله تعالى ~~تبركا وتيمنا وكما هو العادة فإن كان ذلك في مدرسة شرط فيها ذلك اتبع الشرط ~~ويدعو عقيب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين. # ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه، ويترضى عن أئمة المسلمين ~~ومشايخه، ويدعو لنفسه وللحاضرين ولوالديهم أجمعين وعن واقف مكانه إن كان ~~ذلك في مدرسة أو نحوها جزاء لحسن فعله وتحصيلا لقصده. # (1/19) # وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدبا وتواضعا، لكن ~~الدعاء لنفسه قربة وبه إليه حاجة والإيثار بالقرب وبما يحتاج إليه شرعا ~~خلاف المشروع ويؤيده قوله تعالى: { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } [التحريم: ~~6]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، وهذا ~~الحديث وإن ورد في الإنفاق فالمحققون يستعملونه في أمور الآخرة، وبالجملة ~~فالكل حسن وقد عمل بالأول قوم وبالثاني آخرون. # الخامس: PageV01P020 # إذا تعددت الدروس قدم الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم؛ فيقدم تفسير القرآن ثم ~~الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم المذهب ثم الخلاف أو النحو أو الجدل. # وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير ~~الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر. # فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدروس شرط اتبعه ولا يخل بما هو أهم ما ~~بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله. # ويصل في درسه ما ينبغي وصله ويقف في مواضع الوقف ومنقطع الكلام. # ولا يذكر شبهة في الدين في درس ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر بل يذكرهما ~~جميعا أو يدعهما جميعا، ولا يتقيد في ذلك لمصنف يلزم منه تأخير جواب الشبهة ~~عنها لما فيه من المسألة، لاسيما إذا كان الدرس يجمع الخواص والعوام. # وينبغي أن لا يطيل الدرس تطويلا يمل، ولا يقصره تقصيرا يخل، ms15 ويراعي في ~~ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة في التطويل، ولا يبحث في مقام أو يتكلم على ~~فائدة إلا في موضع ذلك فلا يقدمه عليه ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك ~~وترجحه. # السادس: # أن لا يرفع صوته زائدا على قدر الحاجة ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كمال ~~الفائدة. # روى الخطيب في الجامع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله يحب ~~الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع". # قال أبو عثمان محمد بن الشافعي: ما سمعت أبي يناظر إلى قط فرفع صوته، قال ~~البيهقي: أراد والله أعلم فوق عادته. # (1/20) # والأولى أن لا يجاوز صوته مجلسه ولا يقصر عن سماع الحاضرين فإن حضر فيهم ~~ثقيل السمع فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه، فقد روي في فضيلة ذلك حديث, ~~ولا يسرد الكلام سردا بل يرتله ويرتبه ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه. # وقد روي أن كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فصلا يفهمه من ~~سمعه، وأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا لتفهم عنه. PageV01P021 # وإذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه، لأنا سنذكر إن ~~شاء الله أنه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت ~~الفائدة. # السابع: # أن يصون مجلسه عن اللغط؛ فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع الأصوات واختلاف ~~جهات البحث. # قال الربيع: كان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة فعدا إلى غيرها يقول: ~~نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد. # ويتلطف في دفع ذلك من مباديه قبل انتشاره وثوران النفوس ويذكر الحاضرين ~~بما جاء في كراهية المماراة لاسيما بعد ظهور الحق، وأن مقصود الاجتماع ظهور ~~الحق وصفاء القلوب وطلب الفائدة وأنه لا يليق بأهل العلم تعاطي المنافسة ~~والشحناء؛ لأنها سبب العداوة والبغضاء بل يجب أن يكون الاجتماع ومقصوده ~~خالصا لله تعالى ليميز الفائدة في الدنيا والسعادة في الآخرة، ويتذكر قوله: ~~{ ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } [الأنفال:8]، فإن ذلك مفهم أن ~~إرادة إبطال ms16 الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام، فليحذر منه. # الثامن: # أن يزجر من تعدى في بحثه أو ظهر منه لدد في بحثه أو سوء أدب أو ترك ~~الإنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساء أدبه على غيره ~~من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام أو ~~تحدث مع غيره، أو ضحك أو استهزأ بأحد من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب ~~الطالب في الحلقة. وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، هذا كله بشرط أن لا ~~يترتب على ذلك مفسدة تربو عليه. # (1/21) # وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس، درب يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على ~~قدر منازلهم ويوقظ النائم ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله أو فعل ما ينبغي ~~تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها. # التاسع: # أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه ويسمع السؤال من مورده على وجهه وإن كان ~~صغيرا ولا يترفع على سماعه فيحرم الفائدة. PageV01P022 # وإذا عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور ~~ووقع على المعنى عبر عن مراده وبين وجه إيراده ورد على من عليه ثم يجيب بما ~~عنده أو يطلب ذلك من غيره ويتروى فيما يجيب به رده. # وإذا سئل عن ما لم يعلمه قال لا أعلمه، أو لا أدري؛ فمن العلم أن يقول لا ~~أعلم، وعن بعضهم: لا أدري نصف العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا ~~أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقالته وقيل: ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا ~~أدري لكثرة ما يقولها. قال محمد بن عبد الحكم: سألت الشافعي رضي الله عنه ~~عن المتعة أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ فقال: والله ما ندري. # واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل ~~يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه وكمال ~~معرفته وحسن تثبته. وقد روينا معنى ذلك ms17 عن جماعة من السلف وإنما يأنف من ~~قول لا أدري من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين ~~الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فر منه ~~ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر ~~عليهما السلام، حين لم يرد موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى ~~لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك. # العاشر: # أن يتودد لغريب حضر عنده وينبسط له ليشرح صدره؛ فإن للقادم دهشة، ولا ~~يكثر الالتفات والنظر إليه استغرابا له فإن ذلك مخجله. # (1/22) # وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة أمسك عنها حتى يجلس وإذا جاء وهو ~~يبحث في مسألة أعادها له أو مقصودها. # وإذا أقبل فقيه وقد بقي لفراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه إلى ~~المجلس، فليؤخر تلك البقية ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه ثم ~~يعيدها أو يتم تلك البقية كيلا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. PageV01P023 # وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه ~~فيه ضرورة، ولا مزيد كلفة، وأفتى بعض أكابر العلماء أن المدرس إذا ذكر ~~الدرس في مدرسة قبل طلوع الشمس أو أخره إلى بعض الظهر لم يستحق معلوم ~~التدريس إلا أن يقتضيه شرط الواقف لمخالفة العرف المعتاد في ذلك. # الحادي عشر: # جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، وكذلك يكتب ~~المفتي بعد كتابة الجواب؛ لكن الأولى أن يقال قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس ~~كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك ليكون ~~قوله: والله أعلم خالصا لذكر الله تعالى، ولقصد معناه، ولهذا ينبغي أن ~~يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم ليكون ذاكرا لله تعالى في بدايته ~~وخاتمته. # والأولى للمدرس أن يمكث قليلا بعد قيام الجماعة فإن فيه فوائد وآدابا وله ~~ولهم، منها عدم مزاحمتهم، ومنها إن كان في نفس أحد بقايا سؤال سأله، ms18 ومنها ~~عدم ركوبه بينهم إن كان يركب وغير ذلك. ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد به ~~الحديث سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. # الثاني عشر: # أن لا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلا له ولا يذكر الدرس من علم لا يعرفه، ~~سواء أشرطه الواقف أو لم يشرطه فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. # وعن الشبلي: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه. # (1/23) PageV01P024 ~~وعن أبي حنيفة: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي، واللبيب ~~من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصا وبتعاطيه ظالما وبإصراره عليه ~~فاسقا فإنه متى لم يكن أهلا لما شرطه الواقف في وقفه أو لما يقتضيه عرف ~~مثله كان بإصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقا، فإن كان في الوقف أن يكون ~~المدرس عاميا أو جاهلا لم يصح شرطه، وإن شرط جعل ناقص مخصوص مدرسا سقط اسم ~~الفسق وحظر الإثم، ويبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله، ولا يرضى ذلك ~~لنفسه أريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب، ولا يظهر من واقف شرط قصد ذلك ~~قصد الانتفاع ولا يؤول أمر وقفه إلا إلى ضياع، وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين ~~يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف لأن رب الصدر لا يعرف ~~المصيب فينصره أو المخطئ فيزجره. # وقيل لأبي حنيفة رحمه الله: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه, فقال: ألهم ~~رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدا، ولبعضهم في تدريس من لا يصلح: # جهول يسمى بالفقيه المدرس # ببيت قديم شاع في كل مجلس # كلاها وحتى سامها كل مفلس # تصدر للتدريس كل مهوس # فحق لأهل العلم أن يتمثلوا # لقد هزلت حتى بدا من هزالها # - - - ### || AUTO الفصل الثالث في أدب العالم مع طلبته مطلقا في حلقته # وهو أربعة عشر نوعا: # الأول: # أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى ونشر العلم وإحياء الشرع ms19 ودوام ~~ظهور الحق وخمول الباطل ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم ~~وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعضهم وبركة دعائهم له وترحمهم عليه ~~ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبينهم وعداده ~~في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه؛ فإن تعليم العلم من أهم أمور الدين ~~وأعلى درجات المؤمنين. # (1/24) PageV01P025 ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تعالى وملائكته وأهل ~~السماوات والأرض حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير، لعمرك ما ~~هذا إلا منصب جسيم وإن نيله لفوز عظيم نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته ~~وموجبات حرمانه وفواته. # الثاني: # أن لا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته، فإن حسن النية مرجو له ~~ببركة العلم، قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، ~~قيل: معناه فكان عاقبته أن صار لله، ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم ~~المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لأدى ذلك إلى تفويت العلم كثيرا من ~~الناس لكن الشيخ يحرض المبتدى على حسن النية بتدريج قولا وفعلا ويعلمه بعد ~~أنسه به أنه ببركة حسن النية ينال الرتبة العلية من العلم والعمل وفيض ~~اللطائف وأنواع الحكم وتنوير القلب وانشراح الصدر وتوفيق العزم وإصابة الحق ~~وحسن الحال والتسديد في المقال وعلو الدرجات يوم القيامة. # الثالث: # أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله تعالى للعلماء ~~من منازل الكرامات وأنهم ورثة الأنبياء وعلى منابر من نور يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء أو نحو ذلك مما ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات والآثار ~~والأخبار والأشعار. # ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور ~~وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها وغلبة ~~الفكر وتفريق الهم بسببها فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا ~~والإكثار منها والتأسف على فائتها أجمع لقلبه وأروح لبدنه وأشرف لنفسه ~~وأعلى لمكانته وأقل لحساده وأجدر لحفظ العلم وازدياده، ولذلك قل من ms20 نال من ~~العلم نصيبا وافرا إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر ~~والقناعة والإعراض عن طلب الدنيا وعرضها الفاني، وسيأتي في هذا النوع أكثر ~~من هذا في أدب المتعلم إن شاء الله تعالى. # الرابع: # (1/25) PageV01P026 ~~أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه كما جاء في الحديث، ويكره له ما يكره لنفسه، ~~قال ابن عباس: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إلي لو استطعت ~~أن لا يقع الذباب عليه لفعلت, وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني. # وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب ويعامله بما يعامل به أعز أولاده من الحنو ~~والشفقة عليه والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه نقص لا يكاد ~~يخلو الإنسان عنه وسوء أدب في بعض الأحيان، ويبسط عذره بحسب الإمكان ويوقفه ~~مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف قاصدا بذلك حسن تربيته ~~وتحسين خلقه وإصلاح شأنه، فإن عرف ذلك لذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح ~~العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى بها، وراعى التدريج في التلطف ~~ويؤدبه بالآداب السنية ويحرضه على الأخلاق المرضية ويوصيه بالأمور العرفية ~~على الأوضاع الشرعية. # الخامس: # أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه لاسيما إذا ~~كان أهلا لذلك لحسن أدبه وجودة طلبه ويحرضه على طلب الفوائد وحفظ النوادر ~~الفرائد ولا يدخر عنه من أنواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له لأن ذلك ~~ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة. # وكذلك لا يلقي إليه ما لم يتأهل له لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه فإن ~~سأله الطالب شيئا من ذلك لم يجبه، ويعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه ~~إياه منه لشفقة عليه ولطف به لا بخلا عليه، ثم يرغبه عند ذلك في الاجتهاد ~~والتحصيل ليتأهل لذلك وغيره، وقد روي في تفسير الرباني أنه الذي يربي الناس ~~بصغار العلم قبل كباره. # السادس: # أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده وتقريب المعنى له من غير إكثار لا ms21 ~~يحتمله ذهنه أو بسط لا يضبطه حفظه ويوضح لمتوقف الذهن العبارة ويحتسب إعادة ~~الشرح له وتكراره. # (1/26) PageV01P027 ~~ويبدأ بتصوير المسائل ثم يوضحها بالأمثلة وذكر الدلائل، ويقتصر على تصوير ~~المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها، ويذكر الأدلة والمأخذ ~~لمحتملها، ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها وما يتعلق بتلك المسألة من ~~فرع وأصل ومن وهم فيها في حكم أو تخريج أو نقل بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن ~~تنقيص أحد من العلماء، ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول ~~الصحيحة، ويذكر ما يشابه تلك المسألة ويناسبها وما يفارقها ويقاربها ويبين ~~مأخذ الحكمين والفرق بين المسألتين. # ولا يمتنع من ذكر لفظة يستحي من ذكرها عادة إذا احتيج إليها ولم يتم ~~التوضيح إلا بذكرها، فإن كانت الكناية تفيد معناها وتحصل منتهاها تحصيلا ~~بينا لم يصرح بذكرها بل يكتفي بالكناية عنها، وكذلك إذا كان في المجلس من ~~لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه فيكنى عن تلك اللفظة بغيرها، ولهذه ~~المعاني واختلاف الحال والله تعالى أعلم. ورد في حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - التصريح تارة والكناية أخرى. # السابع: # إذا فرغ الشيخ من شرح درس فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة يمتحن ~~بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم، فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في ~~جوابه شكره، ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له، والمعنى بطرح المسائل أن ~~الطالب ربما استحيا من قوله لم أفهم إما لرفع كل الإعادة على الشيخ أو لضيق ~~الوقت أو حياء من الحاضرين أو كيلا تتأخر قراءتهم بسببه. # ولذلك قيل: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب هل فهمت إلا إذا أمن من قوله ~~نعم قبل أن يفهم، فإن لم يأمن من كذبه لحياء أو غيره فلا يسأله عن فهمه ~~لأنه ربما وقع في الكذب بقوله نعم لما قدمناه من الأسباب، بل يطرح عليه ~~مسائل كما ذكرناه، فإن سأله الشيخ عن فهمه فقال نعم فلا يطرح عليه المسائل ~~بعد ذلك إلا أن يستدعي الطالب ذلك لاحتمال ms22 خجله بظهور خلاف ما أجاب به. # (1/27) PageV01P028 ~~وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى، وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم ويرسخ في ~~أفهامهم ولأنه يحثهم على استعمال الفكر ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق. # الثامن: # أن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات ويمتحن ضبطهم لما قدم ~~لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة ويختبرهم بمسائل تبنى على أصل قرره ~~أو دليل ذكره. # فمن رآه مصيبا في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره وأثنى عليه بين ~~أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد، ومن رآه مقصرا ولم يخف ~~نفوره عنفه على قصوره وحرضه على علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم ~~لاسيما إن كان ممن يزيده التعنيف نشاطا والشكر انبساطا ويعيد ما يقتضي ~~الحال إعادته ليفهمه الطالب فهما راسخا. # التاسع: # إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته وخاف الشيخ ~~ضجره أوصاه بالرفق بنفسه وذكره بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة ~~والاقتصاد في الاجتهاد، وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر ومبادى ذلك ~~أمره بالراحة، وتخفيف الاشتغال، ولا يشير على الطالب بتعليم ما لا يحتمله ~~فهمه أو سنه ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه. # فإن استشار الشيخ من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب ~~لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله، فإن لم يحتمل الحال التأخير ~~أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب، فإن رأى ذهنه قابلا وفهمه جيدا نقله ~~إلى كتاب يليق بذهنه وإلا تركه، وذلك لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه ~~على جودة ذهنه يزيد انبساطه، وإلى ما يدل على قصوره يقلل نشاطه. # ولا يمكن الطالب من الاشتغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطها بل يقدم ~~الأهم فالأهم كما سنذكر إن شاء الله تعالى. # (1/28) PageV01P029 ~~وإذا علم أو غلب ms23 على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى ~~غيره مما يرجى فيه فلاحه. # العاشر: # أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم إما مطلقا كتقديم المباشرة على ~~السبب في الضمان، أو غالبا كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في ~~القسامة، والمسائل المستثناة من القواعد كقوله العمل بالجديد من كل قولين ~~قديم وجديد إلا في أربع عشرة مسألة، ويذكرها وكل يمين على نفي فعل للغير ~~فهي على نفي العلم إلا من ادعى عليه أن عبده جني فيحلف على البت على الأصح، ~~وكل عبادة يخرج منها بفعل منها فيها ومبطلها إلا الحج والعمرة، وكل وضوء ~~يجب فيه الترتيب إلا وضوءا تحمله غسل الجنابة وأشباه ذلك. ويبين مأخذ ذلك ~~كله وكذلك كل أصل وما يبنى عليه من كل فن يحتاج إليه من علمي التفسير ~~والحديث وأبواب أصول الدين والفقه والنحو والتصريف واللغة ونحو ذلك إما ~~بقراءة كتاب في الفن أو بتدريج على الطول. # وهذا كله إذا كان الشيخ عارفا بتلك الفنون وإلا فلا يتعرض لها بل يقتصر ~~على ما يتقنه منها، ومن ذلك نوادر ما يقع من المسائل الغريبة والفتاوى ~~العجيبة والمعاني (القحتة) ونوادر الفروق والمعاياة. # ومن ذلك ما لا يسع الفاضل جهله كأسماء المشهورين من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم من أئمة المسلمين وكبار الزهاد والصالحين كالخلفاء الأربعة وبقية ~~العشرة المبشرة، والنقباء الاثنى عشر والبدريين والمكثرين، والعبادلة، ~~والفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة فيضبط أسماءهم وكناهم وأعمارهم ووفياتهم ~~وما يستفاد من محاسن آدابهم ونوادر أحوالهم فيحصل له مع الطول فوائد كثيرة ~~النفع ونفائس عزيزة الجمع. # وليحذر كل الحذر من مناقشة بعضهم لكثرة تحصيله أو زيادة فضائله لأن ثواب ~~فضائلهم عائد إليهم، وحسن ترتيبهم محسوب عليه. وله من جهتهم في الدنيا ~~الدعاء والثناء والذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل. # الحادي عشر: # (1/29) PageV01P030 ~~أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم ~~في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل أو ديانة فإن ذلك ms24 ربما يوحش منه الصدر ~~وينفر القلب، فإن كان بعضهم أكثر تحصيلا وأشد اجتهدا أو أبلغ اجتهادا أو ~~أحسن أدبا فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب فلا بأس ~~بذلك؛ لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات. # وكذلك لا يقدم أحدا في نوبة غيره أو يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك ~~مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة، فإن سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا ~~بأس، وسنذكر ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى. # وينبغي أن يتودد لحاضرهم ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء وينبغي أن يستعلم ~~أسماءهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم ويكثر الدعاء لهم بالصلاح. # الثاني عشر: # أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم باطنا وظاهرا، فمن صدر ~~منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ~~ترك اشتغال أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره أو كثرة كلام بغير توجيه ولا ~~فائدة أو حرص على كثرة الكلام أو معاشرة من لا تليق عشرته أو غير ذلك مما ~~سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في آداب المتعلم، عرض الشيخ بالنهي عن ذلك ~~بحضور من صدر منه غير معرض به ولا معين له، فإن لم ينته نهاه عن ذلك سرا، ~~ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهرا ويغلظ ~~القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره ويتأدب به كل سامع، فإن لم ~~ينته فلا بأس حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولاسيما إذا خاف على ~~بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته. # وكذلك يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في ~~الكلام والتحابب والتعاون على البر والتقوى وعلى ما هم بصدده، وبالجملة ~~فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى يعلمهم مصالح دنياهم لمعاملة ~~الناس لتكمل لهم فضيلة الحالتين. # (1/30) PageV01P031 ~~الثالث عشر: # أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ~~ومال عند قدرته على ذلك وسلامة ms25 دينه وعدم ضرورته فإن الله تعالى في عون ~~العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في ~~حاجته، ومن يسر على معسر يسر الله عليه حسابه يوم القيامة ولاسيما إذا كان ~~ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات. # وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدا عن العادة سأل عنه وعن ~~أحواله وعن من يتعلق به، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله ~~بنفسه وهو أفضل. # فإن كان مريضا عاده وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان مسافرا تفقد أهله ~~ومن يتعلق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما ~~يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد عليه ودعا له. # واعلم أن الطالب الصالح أعود على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز ~~الناس عليه وأقرب أهله إليه. # ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ~~ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ~~ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى، ~~فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر كما ~~جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا مات العبد انقطع ~~عمله إلا من ثلاثة؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. # (1/31) PageV01P032 ~~وأنا أقول: إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم؛ أما الصدقة ~~فاقراؤه إياه العلم وإفادته إياه، ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في المصلي وحده: من يتصدق على هذا، أي بالصلاة معه لتحصل له فضيلة الجماعة، ~~ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة وينال ~~بها شرف الدنيا والآخرة، وأما العلم المنتفع به فظاهر لأنه كان سببا لإيصال ~~ذلك العلم إلى كل من انتفع به. # وأما الدعاء الصالح ms26 له فالمعتاد المستقرأ على السنة أهل العلم والحديث ~~قاطبة من الدعاء لمشايخهم وأئمتهم وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه ~~شيء من العلم وربما يقرأ بعضهم الحديث بسنده فيدعو لجميع رجال السند فسبحان ~~من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه. # الرابع عشر: # أن يتواضع مع الطالب وكل مسترشد سائل إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله ~~تعالى وحقوقه، ويخفض له جناحه ويلين له جانبه، قال الله تعالى لنبيه: { ~~واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [الشعراء:215]، وصح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا وما تواضع أحد لله إلا ~~رفعه الله، وهذا لمطلق الناس فكيف بمن له حق الصحبة وحرمة التردد وصدق ~~التودد وشرف الطلب، وفي الحديث: لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه، وعن ~~الفضيل: من تواضع لله ورثه الله الحكمة. # (1/32) PageV01P033 ~~وينبغي أن يخاطب كلا منهم لاسيما الفاضل المتميز بكنية ونحوها من أحب ~~الأسماء إليه وما فيه تعظيم له وتوقير، فعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يكني أصحابه إكراما لهم. وكذلك ينبغي أن يترحب ~~بالطلبة إذا لقيهم وعند إقبالهم عليه ويكرمهم إذا جلسوا إليه ويؤنسهم ~~بسؤاله عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم، وليعاملهم بطلاقة ~~الوجه وظهور البشر وحسن المودة وإعلام المحبة وإضمار الشفقة؛ لأن ذلك أشرح ~~لصدره وأطلق لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك لمن يرجى فلاحه ويظهر صلاحه، ~~وبالجملة فهم وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه، عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الناس لكم تبع ~~وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون على الدين فإذا أتوكم فاستوصوا ~~بهم خيرا. # وكان البويطي يدني القراء ويقربهم إذا طلبوا العلم ويعرفهم فضل الشافعي ~~رضي الله عنه وفضل كتبه ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك ويقول: اصبر للغرباء ~~وغيرهم من التلاميذ. وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما ~~لأصحابه. # - - - ### | AUTO الباب ms27 الثالث في أدب المتعلم في نفسه # ومع شيخه ورفقته ودرسه # الباب الثالث # (في أدب المتعلم في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه)(1) # وفيه ثلاثة فصول في آداب المتعلم: ### || AUTO الفصل الأول في آدابه في نفسه # وفي عشرة أنواع: # الأول: # أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق؛ ليصلح بذلك لقبول ~~العلم وحفظه، والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإن العلم كما قال ~~بعضهم صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن، وكما لا تصلح الصلاة التي هي ~~عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح ~~العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ~~ورديئها. PageV01P034 # وإذا طيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما، كالأرض إذا طيبت للزرع نما زرعها ~~وزكا، وفي الحديث: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~كله ألا وهي القلب"، وقال سهل: "حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما ~~يكره الله عز وجل". # الثاني: # حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى والعمل به وإحياء ~~الشريعة، وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة ~~والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله. # قال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي". ولا يقصد به الأغراض ~~الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران، وتعظيم الناس ~~له، وتصديره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير. # قال أبو يوسف رحمه الله : يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس ~~مجلسا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسا قط ~~أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. # والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب فإن خلصت فيه النية قبل وزكى ~~ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله تعالى حبط وضاع، وخسرت صفقته وبما ~~تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه. # الثالث: # أن يبادر شبابه وأوقات عمره ms28 إلى التحصيل ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل؛ ~~فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويقطع ما يقدر عليه من ~~العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد ~~في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد ~~عن الوطن؛ لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق وما جعل ~~الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. # (1/34) PageV01P035 ~~ونقل الخطيب البغدادي في الجامع عن بعضهم قال: لا ينال هذا العلم إلا من ~~عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته، ~~وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة فالمقصود به أنه لابد فيه من جمع القلب ~~واجتماع الفكر. # وقيل: أمر بعض المشايخ طالبا له بنحو ما رواه الخطيب فكان آخر ما أمره به ~~أن قال: اصبغ ثوبك كيلا يشغلك فكر غسله. ومما يقال عن الشافعي أنه قال: لو ~~كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة. # الرابع: # أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن ~~كان خلقا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب عن ~~مفترقات الآمال فتتفجر فيه ينابيع الحكم. # قال الشافعي رحمه الله: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ~~ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. وقال: لا يصلح طلب ~~العلم إلا لمفلس، قيل: ولا الغني المكفي، قال: ولا الغني المكفي. # وقال مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على ~~كل شيء. # وقال أبو حنيفة: يستعان على الفقه بجمع الهم، ويستعان على حذف العلائق ~~بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد. # فهذه أقوال هذه الأئمة الذين لهم فيه القدح المعلي غير مدافع، وكانت هذه ~~أحوالهم رضي الله عنهم. # قال الخطيب: ويستحب للطالب أن يكون عزبا ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال ~~بحقوق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب، وقال ms29 سفيان الثوري: من تزوج ~~فقد ركب البحر فإن ولد له ولد فقد كسر به، وبالجملة فترك التزويج لغير ~~المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى لاسيما للطالب الذي رأس ماله جمع ~~الخاطر وإجمام القلب واشتغال الفكر. # الخامس: # أن يقسم أوقات ليله ونهار ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له. # وأجود الأوقات للحفظ الأسحار وللبحث الإبكار وللكتاب وسط النهار ~~وللمطالعة والمذاكرة الليل. # (1/35) PageV01P036 ~~وقال الخطيب: أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة. قال: وحفظ ~~الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. # قال: وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات. قال: وليس ~~بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطريق وضجيج الأصوات ~~لأنها تمنع من خلو القلب غالبا. # السادس: # من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملال أكل القدر ~~اليسير من الحلال. # قال الشافعي رضي الله عنه: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وسبب ذلك أن كثرة ~~الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور ~~الحواس وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر ~~الأسقام البدنية. # كما قيل: # يكون من الطعام أو الشراب # فإن الداء أكثر ما تراه # ولم ير أحد من الأولياء والأئمة العلماء يصف أو يوصف بكثرة الأكل ولا حمد ~~به، وإنما يحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل بل هي مرصدة للعمل، ~~والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ~~ما قد علم، ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة ~~دخول الخلاء لكان ينبغي للعاقل الللبيب أن يصون نفسه عنه، ومن رام الفلاح ~~في العلم وتحصيله البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم فقد رام مستحيلا ~~في العادة. # والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات ~~يقمن ms30 صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" رواه ~~الترمذي. # فإن زاد على ذلك فالزيادة إسراف خارج عن السنة وقد قال الله تعالى: { ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } [الأعراف: 31]، قال بعض العلماء: جمع الله بهذه ~~الكلمات الطب كله. # السابع: # (1/36) PageV01P037 ~~أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ~~ومسكنه وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم ~~ونوره والنفع به، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما أمكنه التورع ولم ~~تلجئه حاجة أو يجعل حظه الجواز بل يطلب الرتبة العالية. # ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون ~~بجوازه، وأحق من اقتدى به في ذلك سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة مع بعد ~~كونها منها، ولأن أهل العلم يقتدى بهم ويؤخذ عنهم فإذا لم يستعملوا الورع ~~فمن يستعلمه. # وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ~~ليقتدي بهم فيه، "فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه". # الثامن: # أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف الحواس كالتفاح ~~الحامض والباقلا وشرب الخل، وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبلد للذهن ~~المثقل للبدن ككثرة الألبان والسمك وأشباه ذلك. # وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سببا لجودة الذهن كمضغ اللبان ~~والمصطكى على حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة والجلاب ونحو ذلك مما ليس هذا ~~موضع شرحه. # وينبغي أن يجتنب ما يورث النسيان بالخاصة كأكل سور الفار, وقراءة ألواح ~~القبور والدخول بين جملين مقطورين، وإلقاء القمل ونحو ذلك من المجربات فيه. # التاسع: # أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم ~~والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل. # ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كل شيء من ذلك أو ms31 ضعف بتنزه ~~وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه. # ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب ~~فضول الأخلاط وينشط البدن. # (1/37) PageV01P038 ~~ولا بأس بالوطى الحلال إذا احتاج إليه، فقد قال الأطباء بأنه يجفف الفضول ~~وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة باعتدال، ويحذر كثرته حذر العدو فإنه ~~كما قيل: (ماء الحياة يصب في الأرحام) يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة ~~والهضم وغير ذلك من الأمراض الرديئة. # والمحققون من الأطباء يرون أن تركه أولى إلا لضرورة أو استشفاء وبالجملة ~~فلا بأس أن يريح نفسه إذا خاف مللا. # وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام ~~السنة ويتمازحون بما لا ضرر عليهم في دين ولا عرض. # العاشر: # أن يترك العشرة فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم ولاسيما لغير ~~الجنس وخصوصا لمن كثر لعبه وقلت فكرته؛ فإن الطباع سراقة، وآفة العشرة ضياع ~~العمر بغير فائدة وذهاب المال والعرض إن كان لغير أهل، وذهاب الدين إن كانت ~~لغير أهله. # والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه بما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اغد عالما أو متعلما ولا تكن الثالث ~~فتهلك". # فإن شرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا ~~يعينه على ما هو بصدده فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها فإن ~~الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها، ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدفع أسهل ~~من الرفع. # فإن احتاج إلى أن يصحبه فليكن صاحبا صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا كثير ~~الخير قليل الشر حسن المداراة قليل المماراة إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن ~~احتاج واساه وإن ضجر صبره. # ومما يروى عن علي رضي الله عنه: # وإياك وإياه # حليما حين واخاه # إذا ما هو ماشاه # فلا تصحب أخا الجهل # فكم من جاهل أردى # يقاس المرء بالمرء # ولبعضهم: # ومن يضر نفسه لينفعك # شتت شمل ms32 نفسك ليجمعك # إن أخاك الصدق من كان معك # ومن إذا ريب زمان صدعك # - - - ### || AUTO الفصل الثاني في آدابه مع شيخه وقدوته # وما يجب عليه من عظيم حرمته # وهو ثلاثة عشر نوعا: # (1/38) # الأول: PageV01P039 # أنه ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب ~~حسن الأخلاق والآداب منه وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته وظهرت ~~مروءته وعرفت عفته واشتهرت صيانته وكان أحسن تعليما وأجود تفهيما ولا يرغب ~~الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل. # فعن بعض السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. # وليحذر من التقييد بالمشهورين وترك الأخذ عن الخاملين فقد عد الغزالي ~~وغيره ذلك من الكبر على العلم وجعله عين الحماقة؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن ~~يلتقطها حيث وجدها ويغتنمها حيث ظفر بها، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه فإنه ~~يهرب من مخافة الجهل كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة ~~من يدله على الخلاص كائنا من كان. # فإذا كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم، ~~وإذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالبا والفلاح يدرك طالبا ~~إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر. # وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى الأزهد أوفر ~~والفلاح بالاشتغال به أكثر. # وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام الإطلاع، وله ~~مع من يوثق به من مشايخ عصره كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ عن بطون ~~الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق. قال الشافعي رضي الله عنه: من تفقه ~~من بطون الكتب ضيع الأحكام. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تشيخ الصحيفة. ~~أي الذين تعلموا من الصحف. # الثاني: # أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض ~~مع الطبيب الماهر، فيشاروه فيما يقصده ويتحرى رضاه فيما يعتمده، ويبالغ في ~~حرمته يتقرب إلى الله ms33 تعالى بخدمته، ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، ~~وتواضعه له رفعة. # ويقال إن الشافعي رضي الله عنه عوتب على تواضعه للعلماء، فقال: # (1/39) PageV01P040 ~~ولن تكرم النفس التي لا تهينها # أهين لهم نفسي فهم يكرمونها # وأخذ ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته ومرتبته بركاب زيد بن ثابت ~~الأنصاري وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. # وقال أحمد بن حنبل لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع ~~لمن نتعلم منه. # وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، قال: ومهما أشار ~~عليه شيخه بطريق في التعليم فليقلده وليدع رأيه فخطأ مرشده أنفع له من ~~صوابه في نفسه، وقد نبه الله تعالى على ذلك في قصة موسى والخضر عليهما ~~السلام بقوله: { إنك لن تستطيع معي صبرا } [الكهف: 67]، هذا مع علو قدر ~~موسى الكليم في الرسالة والعلم حتى شرط عليه السكوت فقال: { فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } [الكهف: 70]. # الثالث: # أن ينظره بعين الإجلال ويعتقد فيه درجة الكمال فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، ~~وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني ~~ولا تذهب بركة علمه مني. # وقال الشافعي رضي الله عنه: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رفيقا ~~هيبة له لئلا يسمع وقعها. # وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. # وحضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند شريك فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث ~~فلم يلتفت إليه شريك، ثم عاد فعاد شريك بمثل ذلك، قال: تستخف بأولاد ~~الخلفاء؟! قال: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه، ويروى العلم أزين ~~عند أهله من أن يضيعوه. وينبغي أن لا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه، ولا ~~يناديه من بعد بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي. # وقال الخطيب: يقول: أيها العالم، وأيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في ~~كذا وما رأيكم في كذا وشبه ذلك، ولا يسميه في غيبته أيضا باسمه إلا مقرونا ms34 ~~بما يشعر بتعظيمه كقوله قال الشيخ أو الأستاذ كذا، وقال شيخنا أو قال حجة ~~الإسلام أو نحو ذلك. # (1/40) PageV01P041 ~~الرابع: # أن يعرف له حقه ولا ينسى له فضله، قال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل ~~الحديث كنت له عبدا ما يحيا، وقال: ما سمعت من أحد شيئا إلا واختلفت إليه ~~أكثر مما سمعت منه. # ومن ذلك أن يعظم حرمته ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ~~ذلك المجلس. # وينبغي أن يدعو له مدة حياته ويرعى ذريته وأقاربه وأوداءه بعد وفاته، ~~ويتعمد زيارة قبره والاستغفار له والصدقة عنه ويسلك في السمت والهدى مسلكه، ~~ويراعي في العلم والدين عادته ويقتدي بحركاته وسكناته، في عاداته وعباداته، ~~ويتأدب بآدابه ولا يدع الاقتداء به. # الخامس: # أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن ~~عقيدته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ ~~هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب ~~إليه ويجعل العتب عليه فإن ذلك أبقى لمودة شيخه واحفظ لقلبه وأنفع للطالب ~~في دنياه وآخرته. # وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ~~ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. # ولبعضهم: # واصبر لجهلك إن جفوت معلما # اصبر لدائك إن جفوت طبيبه # وعن ابن عباس: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. وقال قبله: # لا ينصحان إذا هما لم يكرما # إن المعلم والطبيب كليهما # وقال معافى بن عمران: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين ~~الجامع. # وقال الشافعي رضي الله عنه: قيل لسفيان بن عيينة: إن قوما يأتونك من ~~أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: هم حمقى ~~إذا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي. # وقال أبو يوسف رحمه الله: خمسة يجب على الإنسان مداراتهم، وعد منهم ~~العالم ليقتبس من علمه. # السادس: # (1/41) PageV01P042 ~~أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ms35 ما فيه نقيصة، ~~أو على كسل يعتريه، أو قصور يعاينه أو غير ذلك مما في إيقافه عليه وتوبيخه ~~إرشاده وصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ~~ونظره إليه، فإن ذلك أمثل إلى قلب الشيخ وأبعث على الاعتناء بمصالحه. # وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه وكان يعرفه من قبل ~~فلا يظهر أنه كان عارفا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك ~~واعتنائه بأمره، فإن كان له في ذلك عذر وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس ~~به وإلا تركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به. # السابع: # أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان سواء كان الشيخ ~~وحده أو كان معه غيره، فإن استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف ولا ~~يكرر الاستئذان، وإن شك في علم الشيخ به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث ~~مرات أو ثلاث طرقات بالباب أو الحلقة، وليكن طرق الباب خفيا بأدب بأظفار ~~الأصابع، ثم بالأصابع، ثم بالحلقة قليلا قليلا، فإن كان الموضع بعيدا عن ~~الباب والحلقة فلا بأس برفع ذلك بقدر ما يسمع لا غير، وإذا أذن وكانوا ~~جماعة يقدم أفضلهم وأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم سلم عليه الأفضل ~~فالأفضل. # وينبغي أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة متطهر البدن والثياب نظيفهما بعدما ~~يحتاج إليه من أخذ ظفر وشعر وقطع رائحة كريهة لاسيما إن كان يقصد مجلس ~~العلم فإنه مجلس ذكر واجتماع في عبادة. # ومتى دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكتوا عن ~~الحديث أو دخل والشيخ وحده يصلي أو يذكر أو يكتب أو يطالع فترك ذلك أو سكت ~~ولم يبدأه بكلام أو بسط حديث فليسلم ويخرج سريعا إلا أن يحثه الشيخ على ~~المكث، وإذا مكث فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك. # (1/42) PageV01P043 ~~وينبغي أن يدخل على الشيخ أو يجلس عنده وقلبه فارغ من الشواغل له وذهنه صاف ~~لا ms36 في حال نعاس أو غضب أو جوع شديد أو عطش أو نحو ذلك؛ لينشرح صدره لما ~~يقال ويعي ما يسمعه. # وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده جالسا انتظره كيلا يفوت على نفسه درسه؛ فإن ~~كل درس يفوت لا عوض له ولا يطرق عليه ليخرج إليه، وإن كان نائما صبر حتى ~~يستيقظ أو ينصرف ثم يعود والصبر خير له، فقد روي عن ابن عباس كان يجلس في ~~طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: ~~لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس، وكذلك كان السلف يفعلون. # ولا يطلب من الشيخ إقراءه في وقت يشق عليه فيه أو لم تجر عادته بالإقراء ~~فيه ولا يخترع عليه وقتا خاصا به دون غيره وإن كان رئيسا كبيرا لما فيه من ~~الترفع والحمق على الشيخ والطلبة والعلم، وربما استحيا الشيخ منه فترك ~~لأجله ما أهم عنده في ذلك الوقت فلا يفلح الطالب، فإن بدأه الشيخ بوقت معين ~~أو خاص بعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة أو لمصلحة رآها الشيخ فلا بأس بذلك. # الثامن: # أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب كما يجلس الصبي بين يدي المقري أو ~~متربعا بتواضع وخضوع وسكون وخشوع ويصغي إلى الشيخ ناظرا إليه ويقبل بكليته ~~عليه متعقلا لقوله بحيث لا يحوجه إلى إعادة الكلام مرة ثانية، ولا يلتفت من ~~غير ضرورة، ولا ينظر إلى يمينه أو شماله أو فوقه أو قدامه بغير حاجة ~~ولاسيما عند بحثه له أو عند كلامه معه. # فلا ينبغي أن ينظر إلا إليه ولا يضطرب لضجة يسمعها أو يلتفت إليها ~~ولاسيما عند بحث له ولا ينفض كميه ولا يحسر عن ذراعيه ولا يعبث بيديه أو ~~رجليه أو غيرهما من أعضائه ولا يضع يده على لحيته أو فمه أو يعبث بها في ~~أنفه أو يستخرج منها شيئا ولا يفتح فاه، ولا يقرع سنه، ولا يضرب الأرض ~~براحته أو يخط عليها بأصابعه، ولا يشبك بيديه أو يعبث بأزراره. # (1/43) PageV01P044 ~~ولا يسند بحضرة ms37 الشيخ إلى حائط أو مخدة أو درابزين، أو يجعل يده عليها، ولا ~~يعطي الشيخ جنبه أو ظهره، ولا يعتمد على يده إلى ورائه أو جنبه، ولا يكثر ~~كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما فيه بذاءة أو يتضمن سوء ~~مخاطبة أو سوء أدب، ولا يضحك لغير عجب، ولا يعجب دون الشيخ، فإن غلبه تبسم ~~تبسما بغير صوت البتة. # ولا يكثر التنحنح من غير حاجة ولا يبصق ولا يتنخع ما أمكنه، ولا يلفظ ~~النخامة من فيه بل يأخذها من فيه بمنديل أو خرقة أو طرف ثوبه ويتعاهد تغطية ~~أقدامه وإرخاء ثيابه وسكون يديه عند بحثه أو مذاكرته، وإذا عطس خفض صوته ~~جهده وستر وجهه بمنديل أو نحوه، وإذا تثاءب ستر فاه بعد رده جهده. # وعن علي رضي الله عنه قال: من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة ~~وتخصه بالتحية وأن تجلس أمامه ولا تشيرن عنده بيديك ولا تغمز بعينيك غيره، ~~ولا تقولن: قال فلان خلاف قوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته وإن ~~زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم ~~إلى خدمته ولا تسار في مجلسه ولا تأخذ بثوبه ولا تلح عليه إذا كسل، ولا ~~تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء، ولقد ~~جمع رضي الله عنه في هذه الوصية ما فيه كفاية. # قال بعضهم: ومن تعظيم الشيخ أن لا يجلس إلى جانبه ولا على مصلاه أو ~~وسادته، وإن أمره الشيخ بذلك فلا يفعله إلا إذا جزم عليه جزما يشق عليه ~~مخالفته فلا بأس بامتثال أمره في تلك الحال ثم يعود إلى ما يقتضيه الأدب، ~~وقد تكلم الناس في أي الأمرين أولى أن يعتمد: امتثال الأمر أو سلوك الأدب، ~~والذي يترجح ما قدمته من التفصيل فإن جزم الشيخ بما أمره به بحيث يشق عليه ~~مخالفته فامتثال الأمر أولى وإلا فسلوك الأدب أولى، لجواز أن يقصد الشيخ ~~خيره وإظهار احترامه والاعتناء به ms38 فيقابل هو ذلك بما يجب من تعظيم الشيخ ~~والأدب معه. # التاسع: # (1/44) PageV01P045 ~~أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ولا يقول له لم، ولا لا نسلم، ولا من ~~نقل هذا، ولا أين موضعه وشبه ذلك فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ~~ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الإفادة. # عن بعض السلف: من قال لشيخه لم، لم يفلح أبدا، وإذا ذكر الشيخ شيئا فلا ~~يقل: هكذا قلت أو خطر لي أو سمعت أو هكذا قال فلان، إلا أن يعلم إيثار ~~الشيخ ذلك، وهكذا لا يقول: قال فلان خلاف هذا، وروى فلان خلافه، أو هذا غير ~~صحيح ونحو ذلك. # (1/45) PageV01P046 ~~وإذا أصر الشيخ على قول أو دليل ولم يظهر له أو على خلاف صواب سهوا فلا ~~يغير وجهه أو عينيه أو يشير إلى غيره كالمنكر لما قاله بل يأخذه ببشر ظاهر، ~~وإن لم يكن الشيخ مصيبا لغفلة أو سهو أو قصور نظر في تلك الحال فإن العصمة ~~في البشر للأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وليتحفظ من مخاطبة الشيخ بما ~~يعتاده بعض الناس في كلامه، ولا يليق خطابه به مثل: إيش بك، وفهمت، وسمعت، ~~وتدري، ويا إنسان، ونحو ذلك، وكذلك لا يحكي له ما خوطب به غيره مما لا يليق ~~خطاب الشيخ به، وإن كان حاكيا مثل: قال فلان لفلان: أنت قليل البر، أو ما ~~عندك خير وشبه ذلك، بل يقول إذا أراد الحكاية ما جرت العادة بالكناية به ~~مثل: قال فلان لفلان الأبعد قليل البر, وما عند البعيد خير وشبه ذلك. ~~وليتحفظ من مفاجأة الشيخ بصورة رد عليه فإنه يقع ممن لا يحسن الأدب من ~~الناس كثيرا مثل أن يقول له الشيخ: أنت قلت كذا وكذا، فيقول: ما قلت كذا، ~~ويقول له الشيخ: مرادك في سؤالك كذا، أو خطر لك كذا, فيقول: لا أو ما هذا ~~مرادي، أو ما خطر لي هذا وشبه ذلك، بل طريقه أن يتلطف بالمعاسرة عن الرد ~~على الشيخ، وكذلك إذا استفهم الشيخ استفهام ms39 تقرير وجزم كقوله: ألم تقل كذا، ~~وأليس مرادك كذا، فلا يبادر بالرد عليه بقوله لا أو ما هو مرادي، بل يسكت ~~أو يوري عن ذلك بكلام لطيف يفهم الشيخ قصده منه، فإن لم يكن بد من تحرير ~~قصده وقوله، فليقل: فأنا الآن أقول كذا، وأعود إلى قصد كذا، ويعيد كلامه ~~ولا يقل الذي قلته أو الذي قصدته ليضمنه الرد عليه. # وكذلك ينبغي أن يقول في موضع لم ولا نسلم فإن قيل لنا كذا أو فإن منعنا ~~ذلك، أو فإن سئلنا عن كذا أو فإن أورد كذا وشبه ذلك ليكون مستفهما للجواب ~~سائلا له بحسن أدب ولطف عبارة. # العاشر: # إذا سمع الشيخ يذكر حكما في مسألة أو فائدة مستغربة أو يحكي حكاية أو ~~ينشد شعرا وهو يحفظ ذلك أصغى إليه إصغاء مستفيد له في الحال متعطش إليه فرح ~~به كأنه لم يسمعه قط. PageV01P047 # (1/46) # قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني ~~لا أحسن منه شيئا. وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه ~~ولقد سمعته قبل أن يولد. # فإن سأله الشيخ عند الشروع في ذلك عن حفظه له فلا يجيب بنعم لما فيه من ~~الاستغناء عن الشيخ فيه ولا يقل لا لما فيه من الكذب بل يقول أحب أن أسمعه ~~من الشيخ، أو أن أستفيده منه، أو بعد عهدي أو هو من جهتكم أصح، فإن علم من ~~حال الشيخ أنه يؤثر العلم بحفظه له مسرة به أو أشار إليه بإتمامه امتحانا ~~لضبطه وحفظه أو لإظهار تحصيله فلا بأس باتباع غرض الشيخ ابتغاء مرضاته ~~وازدياد الرغبة فيه، ولا ينبغي للطالب أن يكرر سؤال ما يعلمه ولا استفهام ~~ما يفهمه؛ فإنه يضيع الزمان وربما أضجر الشيخ، قال الزهري: إعادة الحديث ~~أشد من نقل الصخر، وينبغي أن لا يقصر في الإصغاء والتفهم أو يشتغل ذهنه ~~بفكر أو حديث ثم يستعيد الشيخ ما قاله لأن ذلك إساءة أدب بل يكون مصغيا ~~لكلامه حاضر الذهن ms40 لما يسمعه من أول مرة. # وكان بعض المشايخ لا يعيد لمثل هذا إذا استعاده ويزيده عقوبة له، وإذا لم ~~يسمع كلام الشيخ لبعده أو لم يفهمه من الإصغاء إليه والإقبال عليه، فله أن ~~يسأل الشيخ إعادته وتفهيمه بعد بيان عذره بسؤال لطيف. # الحادي عشر: # أن لا يسبق الشيخ إلى شرح مسالة أو جواب سؤال منه أو من غيره ولا يساوقه ~~فيه ولا يظهر معرفته به أو إدراكه له قبل الشيخ، فإن عرض الشيخ عليه ذلك ~~ابتداء والتمسه منه فلا بأس. # وينبغي أن لا يقطع على الشيخ كلامه؛ أي كلام كان، ولا يسابقه فيه ولا ~~يساوقه بل يصبر حتى يفرغ الشيخ كلامه ثم يتكلم، ولا يتحدث مع غيره والشيخ ~~يتحدث معه أو مع جماعة المجلس. # وليكن ذهنه حاضرا في كل وقت بحيث إذا أمره بشيء أو سأله عن شيء أو أشار ~~إليه لم يحوجه إلى إعادته ثانيا بل يبادر إليه مسرعا ولم يعاوده فيه أو ~~يعترض عليه بقوله فإن لم يكن الأمر كذا. # الثاني عشر: # (1/47) PageV01P048 ~~إذا ناوله الشيخ شيئا تناوله باليمين وإن ناوله شيئا ناوله باليمين، فإن ~~كان ورقة يقرؤها كفتيا أو قصة أو مكتوب شرعي ونحو ذلك نشرها ثم دفعها إليه ~~ولا يدفعها إليه مطوية إلا إذا علم أو ظن إيثار الشيخ لذلك، وإذا أخذ من ~~الشيخ ورقة بادر إلى أخذها منشورة قبل أن يطويها أو يتربها. # وإذا ناول الشيخ كتابا ناوله إياه مهيئا لفتحه والقراءة فيه من غير ~~احتياج إلى إدارته فإن كان النظر في موضع معين فليكن مفتوحا كذلك، ويعين له ~~المكان، ولا يحذف إليه الشيء حذفا من كتاب أو ورقة أو غير ذلك. ولا يمد ~~يديه إليه إذا كان بعيدا ولا يحوج الشيخ إلى مد يده أيضا لأخذ منه أو عطاء ~~بل يقوم إليه قائما ولا يزحف إليه زحفا، وإذا جلس بين يديه لذلك فلا يقرب ~~منه قربا كثيرا ينسب فيه إلى سوء أدب. # ولا يضع رجله أو يده أو شيئا من بدنه أو ثيابه على ms41 ثياب الشيخ أو وسادته ~~أو سجادته، ولا يشير إليه بيده أو يقربها من وجهه أو صدره أو يمس بها شيئا ~~من بدنه أو ثيابه. # وإذا ناوله قلما ليمد به فليمده قبل إعطائه إياه، وإن وضع بين يديه دواة ~~فلتكن مفتوحة الأغطية مهيأة لكتابة منها، وإن ناوله سكينا فلا يصوب إليه ~~شفرتها ولا نصابها ويده قابضة على الشفرة، بل يكون عرضا وحد شفرتها إلى ~~جهته قابضا على طرف النصاب مما يلي النصل جاعلا نصابها على يمين الآخذ. # وإن ناوله سجادة ليصلي عليها نشرها أولا والأدب أن يفرشها هو عند قصد ~~ذلك، وإذا فرشها ثنى مؤخر طرفها الأيسر كعادة الصوفية فإن كانت مثنية جعل ~~طرفيها إلى يسار المصلي وإن كانت فيه صورة محراب تحرى به جهة القبلة إن أمكن. # ولا يجلس بحضرة الشيخ على سجادة ولا يصلي عليها إذا كان المكان طاهرا. # وإذا قام الشيخ بادر القوم إلى أخذ السجادة وإلى الأخذ بيده أو عضده إن ~~احتاج، وإلى تقديم نعله إن لم يشق ذلك على الشيخ؛ ويقصد بذلك كله التقرب ~~إلى الله وإلى قلب الشيخ. # (1/48) PageV01P049 ~~وقيل: أربعة لا يأنف الشريف منهن وإن كان أميرا؛ قيامه من مجلسه لأبيه، ~~وخدمته للعالم يتعلم منه، والسؤال عن ما لا يعلم، وخدمته للضيف. # الثالث عشر: # إذا مشى مع الشيخ فليكن أمامه بالليل وخلفه بالنهار إلا أن يقتضي الحال ~~خلاف ذلك لزحمة أو غيرها ويتقدم عليه في المواطئ المجهولة الحال كوحل أو ~~حوض، أو المواطئ الخطرة ويحترز من ترشيش ثياب الشيخ، وإذا كان في زحمة صانه ~~عنها بيديه إما من قدامه أو من ورائه. # وإذا مشى أمامه التفت إليه بعد كل قليل، فإن كان وحده والشيخ يكلمه حالة ~~المشي وهما في ظل فليكن في يمينه وقيل: عن يساره، متقدما عليه قليلا ملتفتا ~~إليه ويعرف الشيخ بمن قرب منه أو قصده من الأعيان إن لم يعلم الشيخ به. # ولا يمشي لجانب الشيخ إلا لحاجة أو إشارة منه، ويحترز من مزاحمته بكتفه ~~أو بركابه إن كانا راكبين وملاصقة ms42 ثيابه، ويؤثره بجهة الظل في الصيف وبجهة ~~الشمس في الشتاء وبجهة الجدار في الرصفانات ونحوها، وبالجهة التي لا تقرع ~~الشمس فيها وجهه إذا التفت إليه، ولا يمشي بين الشيخ وبين من يحدثه ويتأخر ~~عنهما إذا تحدثا أو يتقدم، ولا يقرب ولا يستمع ولا يلتفت فإن أدخله في ~~الحديث فليأت من جانب آخر ولا يشق بينهما، وإذا مشى مع الشيخ اثنان ~~فاكتنفاه فقد رجح بعضهم أن يكون أكبرهما عن يمينه وإن لم يكتنفاه تقدم ~~أكبرهما وتأخر أصغرهما. # وإذا صادف الشيخ في طريقه بدأه بالسلام، ويقصده بالسلام إن كان بعيدا ولا ~~يناديه ولا يسلم عليه من بعيد ولا من ورائه، بل يقرب منه ويتقدم عليه ثم ~~يسلم، ولا يشير عليه ابتداء بالأخذ في طريق حتى يستشيره ويتأدب فيما ~~يستشيره الشيخ بالرد إلى رأيه. # ولا يقول لما رآه الشيخ وكان خطأ هذا خطأ ولا هذا ليس برأي، بل يحسن ~~خطابه في الرد إلى الصواب كقوله: يظهر أن المصلحة في كذا، ولا يقول الرأي ~~عندي كذا وشبه ذلك. # - - - ### || AUTO الفصل الثالث في آدابه في دروسه وقراءته في الحلقة # (1/49) PageV01P050 ~~وما يعتمده فيها مع الشيخ والرفقة # وهو ثلاثة عشر نوعا: # النوع الأول: # أن يبتدئ أولا بكتاب الله العزيز فيتقنه حفظا ويجتهد على إتقان تفسيره ~~وسائر علومه، فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها. # ثم يحفظ من كل فن مختصرا يجمع فيه بين طرفيه من الحديث وعلومه، والأصولين ~~والنحو والتصريف، ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن وتعهده وملازمة ورده ~~منه في كل يوم أو أيام أو جمعة كما تقدم، وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ~~ورد فيه أحاديث تزجر عنه. # ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ وليحذر من الاعتماد في ذلك على ~~الكتب أبدا، بل يعتمد في كل فن من هو أحسن تعليما له وأكثر تحقيقا فيه ~~وتحصيلا منه وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه وذلك بعد مراعاة الصفات المقدمة من ~~الدين والصلاح والشفقة وغيرها. # فإن كان شيخه لا يجد من قراءته وشرحه على غيره معه فلا بأس بذلك، ms43 وإلا ~~راعى قلب شيخه إن كان أرجاهم نفعا لأن ذلك أنفع له وأجمع لقلبه عليه، ~~وليأخذ من الحفظ والشرح ما يمكنه ويطيقه حاله من غير إكثار يمل ولا تقصير ~~يخل بجودة التحصيل. # الثاني: # أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين ~~الناس مطلقا في العقليات والسمعيات؛ فإنه يحير الذهن ويدهش العقل، بل يتقن ~~أولا كتابا واحدا في فن واحد، أو كتبا في فنون إن كان يحتمل ذلك على طريقة ~~واحدة يرتضيها له شيخه، فإن كانت طريقة شيخه نقل المذاهب والاختلاف ولم يكن ~~له رأي واحد، قال الغزالي: فليحذر منه فإن ضرره أكثر من النفع به. # وكذلك يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات فإنه يضيع ~~زمانه ويفرق ذهنه بل يعطى الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يأخذه كليته حتى ~~يتقنه، وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب فإنه علامة ~~الضجر وعدم الإفلاح. # (1/50) PageV01P051 ~~أما إذا تحقق أهليته وتأكدت معرفته فالأولى أن لا يدع فنا من العلوم ~~الشرعية إلا نظر فيه، فإن ساعده القدر وطول العمر على التبحر فيه فذاك وإلا ~~فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم، ويعتني من كل علم ~~بالأهم فالأهم، ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم. # الثالث: # أن يصحح ما يقرؤه قبل حفظه تصحيحا متقنا إما على الشيخ أو على غيره مما ~~يعينه، ثم يحفظه بعد ذلك حفظا محكما ثم يكرر عليه بعد حفظه تكرارا جيدا، ثم ~~يتعاهده في أوقات يقررها لتكرار مواضيه، ولا يحفظ شيئا قبل تصحيحه لأنه يقع ~~في التحريف والتصحيف، وقد تقدم أن العلم لا يؤخذ من الكتب فإنه من أضر ~~المفاسد. # وينبغي أن يحضر معه الدواة والقلم والسكين للتصحيح ولضبط ما يصححه لغة ~~وإعرابا. # وإذا رد الشيخ عليه لفظه وظن أن رده خلاف الصواب أو علمه كرر اللفظة مع ~~ما قبلها لينتبه لها الشيخ أو يأتي بلفظ الصواب على سبيل الاستفهام فربما ~~وقع ذلك سهوا أو ms44 سبق لسان لغفلة، ولا يقل بل هي كذا بل يتلطف في تنبيه ~~الشيخ لها فإن لم ينتبه قال فهل يجوز فيها كذا، فإن رجع الشيخ إلى الصواب ~~فلا كلام وإلا ترك تحقيقها إلى مجلس آخر بتلطف لاحتمال أن يكون الصواب مع ~~الشيخ. وكذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة لا يفوت تحقيقه ولا يعسر ~~تداركه فإن كان كذلك كالكتابة في رقاع الاستفتاء وكون السائل غريبا أو بعيد ~~الدار أو مشنعا تعين تنبيه الشيخ على ذلك في الحال بإشارة أو تصريح، فإن ~~ترك ذلك خيانة للشيخ فيجب نصحه بتلفظه لذلك بما أمكن من تلطف أو غيره. # وإذا وقف على مكان كتب قبالته بلغ العرض والتصحيح. # الرابع: # أن يبكر بسماع الحديث ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه والنظر في إسناده ~~ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه. # (1/51) PageV01P052 ~~ويعتني أولا بصحيحي البخاري ومسلم، ثم ببقية الكتب الأعلام والأصول ~~المعتمدة في هذا الشأن كموطأ مالك وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وجامع ~~الترمذي ومسند الشافعي، ولا ينبغي أن يقتصر على أقل من ذلك. # ونعم المعين للفقيه كتاب السنن الكبير لأبي بكر البيهقي، ومن ذلك ~~المسانيد كمسند أحمد بن حنبل وابن حميد والبزار. # ويعتني بمعرفة صحيح الحديث وحسنه وضعيفه ومسنده ومرسله وسائر أنواعه فإنه ~~أحد جناحي العالم بالشريعة المبين لكثير من الجناح الآخر وهو القرآن. # ولا يقنع بمجرد السماع كغالب محدثي هذا الزمان بل يعتني بالدراية أشد من ~~اعتنائه بالرواية، قال الشافعي رضي الله عنه: من نظر في الحديث قويت حجته ~~لأن الدراية هي المقصود بنقل الحديث وتبليغه. # الخامس: # إذا شرح محفوظاته المختصرات وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات ~~انتقل إلى بحث المبسوطات مع المطالعة الدائمة وتعليق ما يمر به أو يسمعه من ~~الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة والفروع الغريبة وحل المشكلات والفروق ~~بين أحكام المتشابهات من جميع أنواع العلوم، ولا يستقل بفائدة يسمعها أو ~~يتهاون بقاعدة يضبطها بل يبادر إلى تعليقها وحفظها ولتكن همته في طلب العلم ~~عالية فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكان ms45 كثيره ولا يقنع من إرث الأنبياء ~~صلوات الله عليهم بيسيره ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكن منها أو يشغله الأمل ~~والتسويف عنها فإن للتأخير آفات، ولأنه إذا حصلها في الزمن الحاضر حصل في ~~الزمن الثاني غيرها. # (1/52) PageV01P053 ~~ويغتنم وقت فراغه ونشاطه وزمن عافيته وشرخ شبابه ونباهة خاطره وقلة شواغله ~~قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة، قال عمر رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن ~~تسودوا. وقال الشافعي رضي الله عنه: تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل ~~إلى التفقه. وليحذر من نظر نفسه بعين الجمال والاستغناء عن المشايخ فإن ذلك ~~عين الجهل وقلة المعرفة وما يفوته أكثر مما حصله وقد تقدم قول سعيد بن ~~جبير: لا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى ~~أسوأ جهل ما يكون. # وإذا كملت أهليته وظهرت فضيلته ومر على أكثر كتب الفن أو المشهورة منها ~~بحثا ومراجعة ومطالعة اشتغل بالتصنيف، وبالنظر في مذاهب العلماء، سالكا ~~طريق الإنصاف فيما يقع له من الخلاف كما تقدم في أدب العالم. # السادس: # أن يلزم حلقة شيخه في التدريس والإقراء بل وجميع مجالسه إذا أمكن فإنه لا ~~يزيده إلا خيرا وتحصيلا وأدبا وتفضيلا، كما قال علي رضي الله عنه في حديثه ~~المتقدم. ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها ~~شيء، ويجتهد على مواظبته في خدمته والمسارعة إليها فإن ذلك يكسبه شرفا ~~وتبجيلا. # ولا يقتصر في الحلقة على سماع درسه فقط إذا أمكنه فإن ذلك علامة قصور ~~الهمة وعدم الفلاح وبطء التنبه بل يعتني بسائر الدروس المشروحة ضبطا ~~وتعليقا ونقلا، وإن احتمل ذهنه ذلك ويشارك أصحابها حتى كأن كل درس منها له ~~ولعمري أن الأمر كذلك للحريص فإن عجز عن ضبط جمعها اعتنى بالأهم فالأهم منها. # وينبغي أن يتذاكر مواظبو مجلس الشيخ ما وقع فيه من الفوائد والضوابط ~~والقواعد وغير ذلك، وأن يعيدوا كلام الشيخ فيما بينهم فإن في المذاكرة نفعا ~~عظيما، وينبغي المذاكرة في ذلك عند القيام من مجلسه قبل ms46 تفرق أذهانهم وتشتت ~~خواطرهم وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم ثم يتذاكرونه في بعض الأوقات. # (1/53) PageV01P054 ~~قال الخطيب: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يبدؤون في ~~المذاكرة من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح. # فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه ~~على قلبه ليعلق ذلك على خاطره فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على ~~اللسان سواء بسواء، وقل أن يفلح من يقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ ~~خاصة ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده. # السابع: # إذا حضر مجلس الشيخ سلم على الحاضرين بصوت يسمع جميعه ويخص الشيخ بزيادة ~~تحية وإكرام، وكذلك يسلم إذا انصرف. # وعد بعضهم حلق العلم في حال أخذهم فيه من المواضع التي لا يسلم فيها وهذا ~~خلاف ما عليه العرف والعمل لكن يتجه ذلك في شخص واحد مشتغل بحفظ درسه ~~وتكراره، وإذا سلم فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ من لم يكن منزلته ~~كذلك، بل يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث، فإن صرح له الشيخ ~~والحاضرون بالتقدم أو كانت منزلته أو كان يعلم إيثار الشيخ والجماعة لذلك ~~فلا بأس. # ولا يقيم أحدا من مجلسه أو يزاحمه قصدا، فإن آثره الغير بمجلسه لم يقبله ~~إلا أن تكون في ذلك مصلحة يعرفها القوم وينتفعون بها من بحثه مع الشيخ ~~لقربه منه أو لكونه كبير السن أو كثير الفضيلة والصلاح. # ولا ينبغي لأحد أن يؤثر بقربه من الشيخ إلا لمن هو أولى بذلك لسنه أو ~~علمه أو صلاحه بل يحرص على القرب من الشيخ إذا لم يرتفع في المجلس على من ~~هو أفضل منه. # وإن كان الشيخ في صدر مكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ويساره وإن ~~كان على طرف صفة أو نحوها فالمبجلون مع الحائط أو مع طرفها قبالته. # وقد جرت العادة في مجالس التدريس بجلوس المتميز قبالة وجه المدرس أو ~~المبجلين من معيد أو زائر عن يمينه أو يساره، وينبغي للرفقاء في ms47 درس واحد ~~أو دروس أن يجتمعوا في جهة واحدة ليكون نظر الشيخ إليهم جميعا عند الشرح ~~ولا يخص بعضهم في ذلك دون بعض. # الثامن: # (1/54) PageV01P055 ~~أن يتأدب مع حاضري مجلس الشيخ فإنه أدب معه واحترام لمجلسه وهم رفقاؤه ~~فيوقر أصحابه ويحترم كبراءه وأقرانه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا قدام أحد إلا ~~لضرورة كما في مجالس التحديث ولا يفرق بين رفيقين ولا بين متصاحبين إلا ~~بإذنهما معا ولا فوق من هو أولى منه. # وينبغي للحاضرين إذا جاء القادم أن يرحبوا به ويوسعوا له ويتوسعوا لأجله، ~~ويكرموه بما يكرم به مثله، وإذا فسح له في المجلس وكان حرجا ضم نفسه. # ولا يتوسع ولا يعطي أحدا منهم جنبه ولا ظهره، ويتحفظ من ذلك ويتعهده عند ~~بحث الشيخ له، ولا يجنح على جاره أو يجعل مرفقه قائما في جنبه أو يخرج عن ~~نسق الحلقة بتقدم أو تأخر. # ولا يتكلم في أثناء درس غيره أو درسه بما لا يتعلق به أو بما يقطع عليه ~~بحثه، وإذا شرع بعضهم في درس فلا يتكلم بكلام يتعلق بدرس فرغ ولا بغيره مما ~~لا تفوت فائدة إلا بإذن من الشيخ وصاحب الدرس. # وإن أساء بعض الطلبة أدبا على غيره لم ينهره غير الشيخ إلا بإشارته أو ~~سرا بينهما على سبيل النصيحة، وإن أساء أحد أدبه على الشيخ تعين على ~~الجماعة انتهاره ورده والانتصار للشيخ بقدر الإمكان وفاء لحقه، ولا يشارك ~~أحد من الجماعة أحدا في حديثه ولا سيما الشيخ. قال بعض الحكماء: من الأدب ~~أن لا يشارك الرجل في حديثه وإن كان أعلم به منه، وأنشد الخطيب في هذا ~~المكان: # وإن عرفت فرعه وأصله # ولا تشارك في الحديث أهله # فإن علم إيثار الشيخ ذلك أو المتكلم فلا بأس، وقد تقدم ذلك مفصلا في ~~الفصل قبله. # التاسع: # (1/55) PageV01P056 ~~أن لا يستحيي من سؤال ما أشكل عليه وتفهم ما لم يتعقد بتلطف وحسن خطاب وأدب ~~وسؤال. قال عمر رضي الله عنه: من رق وجهه رق علمه، وقد قيل: من رق وجهه ms48 عند ~~السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال، وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيي ولا ~~مستكبر. وقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله نساء الأنصار لم يكن الحياء ~~يمنعهن أن يتفقهن في الدين. وقالت أم سليم رضي الله عنها لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن الله لا يستحيي من الحق، هل على امرأة من الغسل إذا ~~احتلمت؟ # ولبعض العرب: # تمام العمى طول السكوت على الجهل # وليس العمى طول السؤال وإنما # ولا يسأل عن شيء في غير موضعه إلا لحاجة أو علم بإيثار الشيخ ذلك، وإذا ~~سكت الشيخ عن الجواب لم يلح عليه، وإن أخطأ في الجواب فلا يرد في الحال ~~عليه وقد تقدم، وكما لا ينبغي للطالب أن يستحيي من السؤال فكذلك لا يستحيي ~~من قوله لم أفهم إذا سأله الشيخ لأن ذلك يفوت عليه مصلحته العاجلة والآجلة، ~~أما العاجلة فحفظ المسألة ومعرفتها واعتقاد الشيخ فيه الصدق والورع ~~والرغبة، والآجلة سلامته من الكذب والنفاق واعتياده التحقيق. # قال الخليل: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة، وقد تقدم في أدب العالم أنه ~~لا يسأل المستحيي هل فهمت، بل يتوصل إلى العلم بفهمه بطرح المسائل فإن سأله ~~فلا يقول نعم، حتى يتضح له المعنى اتضاحا جليا كيلا يفوته الفهم ويدركه ~~بكذبه الإثم. # العاشر: # مراعاة نوبته فلا يتقدم عليه بغير رضا من هي له، روي أن أنصاريا جاء إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله وجاء رجل من ثقيف، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: يا أخا ثقيف إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة فاجلس كيما ~~نبدأ بحاجة الأنصاري قبل حاجتك. # قال الخطيب: يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريبا لتأكد حرمته ~~ووجوب ذمته، وروي في ذلك حديثان عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. # (1/56) PageV01P057 ~~وكذلك إذا كان للمتأخر حاجة ضرورية وعلمها المتقدم أو أشار الشيخ بتقدمه ~~فيستحب إيثاره، فإن لم يكن شيء من ذلك ونحوه فقد كره قوم الإيثار بالنوبة ~~لأن قراءة العلم والمسارعة إليه قربة والإيثار بالقرب مكروه، ويحصل تقدم ms49 ~~النوبة بتقدم الحضور في مجلس الشيخ أو إلى مكانه، ولا يسقط حقه بذهابه إلى ~~ما يضطر إليه من قضاء حاجة وتجدد وضوء إذا عاد بعده. # وإذا تساوق اثنان وتنازعا أقرع بينهما أو يقدم الشيخ أحدهما إن كان ~~متبرعا، وإن كان عليه إقراؤهما فالقرعة ومعيد المدرسة إذا شرط عليه إقراء ~~أهلها فيها في وقت فلا يقدم عليهم الغرباء فيه بغير إذنهم. # الحادي عشر: # أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله وهيأته في أدبه مع شيخه ~~ويحضر كتابه الذي يقرأ منه معه ويحمله بنفسه ولا يضعه حال القراءة على ~~الأرض مفتوحا بل يحمله بيديه ويقرأ منه، ولا يقرأ حتى يستأذن الشيخ، ذكره ~~الخطيب عن جماعة من السلف، وقال: يجب أن لا يقرأ حتى يأذن له الشيخ. # ولا يقرأ عند شغل قلب الشيخ أو ملله أو غمه أو غضبه أو جوعه أو عطشه أو ~~نعاسه أو استيفازه أو تعبه. # وإذا رأى الشيخ قد آثر الوقوف اقتصر ولا يحوجه إلى قوله اقتصر، وإن لم ~~يظهر له ذلك فأمره بالاقتصار اقتصر حيث أمره ولا يستزيده، وإذا عين له قدرا ~~فلا يتعداه، ولا يقول طالب لغيره اقتصر، إلا بإذن الشيخ أو ظهور إيثاره ذلك. # الثاني عشر: # إذا حضرت نوبته استأذن الشيخ كما ذكرناه فإذا أذن له استعاذ بالله من ~~الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويحمده، ويصلي على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلى آله وصحبه، ثم يدعو للشيخ ولوالديه ولمشايخه ولنفسه ~~ولسائر المسلمين، وكذلك يفعل كلما شرع في قراءة درس أو تكراره أو مطالعته ~~أو مقابلته في حضور الشيخ أو في غيبته إلا أن يخص الشيخ بذكره في الدعاء ~~عند قراءته عليه. # (1/57) PageV01P058 ~~ويترحم على مصنف الكتاب عند قراءته، وإذا دعا الطالب للشيخ قال: ورضي الله ~~عنكم أو عن شيخنا وإمامنا ونحو ذلك، ويقصد به الشيخ، وإذا فرغ من الدرس دعا ~~للشيخ أيضا، ويدعو الشيخ أيضا للطالب كلما دعا له، فإن ترك الطالب ~~الاستفتاح بما ذكرناه جهلا أو نسيانا نبهه عليه وعلمه ms50 إياه وذكره به، فإنه ~~من أهم الآداب، وقد ورد الحديث في ابتداء الأمور المهمة بحمد الله تعالى، ~~وهذا منها. # الثالث عشر: # أن يرغب بقية الطلبة في التحصيل ويدلهم على مظانه ويصرف عنهم الهموم ~~المشغلة عنه ويهون عليهم مؤنته ويذاكرهم بما حصله من الفوائد والقواعد ~~والغرائب وينصحهم بالدين، فبذلك يستنير قلبه ويزكو عمله ومن بخل عليهم لم ~~يثبت علمه، وإن ثبت لم يثمر، وقد جرب ذلك جماعة من السلف، ولا يفخر عليهم ~~أو يعجب بجودة ذهنه بل يحمد الله تعالى على ذلك ويستزيده منه بدوام شكره. # - - - ### | AUTO الباب الرابع في الآداب مع الكتب # وما يتعلق بها # الباب الرابع # في الآداب مع الكتب التي هي آلة العلم، وما يتعلق بتصحيها وضبطها وحملها ~~ووضعها وشرائها وعاريتها ونسخها وغير ذلك # وفيه أحد عشر نوعا: # الأول: # ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه شراء ~~وإلا فإجارة أو عارية لأنها آلة التحصيل ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظه من ~~العلم وجمعها نصيبه من الفهم كما يفعله كثير من المنتحلين للفقه والحديث ~~وقد أحسن القائل: # فجمعك للكتب لا ينفع # إذا لم تكن حافظا واعيا # وإذا أمكن تحصيلها شراء لم يشتغل بنسخها، ولا ينبغي أن يشتغل بدوام النسخ ~~إلا فيما يتعذر عليه تحصيله لعدم ثمنه أو أجرة استنساخه، ولا يهتم المشتغل ~~بالمبالغة في تحسين الخط وإنما يهتم بصحيحه، وتصحيحه، ولا يستعير كتابا مع ~~إمكان شرائه أو إجارته. # الثاني: # (1/58) PageV01P059 ~~يستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها، وكره قوم ~~عاريتها، والأول أولى لما فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية ~~من الفضل والأجر، قال رجل لأبي العتاهية: أعرني كتابك. فقال: إني أكره ذلك. ~~فقال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره، فأعاره. وكتب الشافعي إلى محمد ~~بن الحسن: # العلم يأبى أهله أن يمنعوه أهله # يا ذا الذي لم تر عين من رآه مثله # وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا. # ولا يطيل مقامه عنده من غير حاجة ms51 بل يرده إذا قضى حاجته ولا يحبسه إذا ~~طلبه المالك أو استغنى عنه، ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه. ولا يحشيه ~~ولا يكتب شيئا في بياض فواتحه أو خواتمه إلا إذا علم رضا صاحبه، وهو كما ~~يكتبه المحدث على جزء سمعه أو كتبه ولا يسوده ولا يعيره غيره ولا يودعه ~~لغير ضرورة حيث يجوز شرعا ولا ينسخ منه بغير إذن صاحبه. # فإن كان الكتاب وقفا على من ينتفع به غير معين فلا بأس بالنسخ منه مع ~~الاحتياط ولا بإصلاحه ممن هو أهل لذلك وحسن أن يستأذن الناظر فيه وإذا نسخ ~~منه بإذن صاحبه أو ناظره فلا يكتب منه والقرطاس في بطنه أو على كتابته ولا ~~يضع المحبرة عليه ولا يمر بالقلم الممدود فوق كتابته، وأنشد بعضهم: # ارض لي فيه ما لنفسك ترضى # أيها المستعير مني كتابا # وأنشدوا في إعارة الكتب ومنعها قطعا كثيرة لا يحتملها هذا المختصر. # الثالث: # إذا نسخ من الكتاب أو طالعه فلا يضعه على الأرض مفروشا منشورا بل يجعله ~~بين كتابين أو شيئين أو كرسي الكتب المعروفة كيلا يسرع تقطيع حبله، وإذا ~~وضعها في مكان مصفوفة فلتكن على كرسي أو تحت خشب أو نحوه، والأولى أن يكون ~~بينه وبين الأرض خلو، ولا يضعها على الأرض كيلا تتندى أو تبلى. # وإذا وضعها على خشب ونحوه جعل فوقها أو تحتها ما يمنع تأكل جلودها به ~~وكذلك يجعل بينها وبين ما يصادفها أو يسندها من حائط أو غيره. # (1/59) PageV01P060 ~~ويراعي الأدب في وضع الكتب باعتبار علومها وشرفها ومصنفها وجلالتهم فيضع ~~الأشرف أعلى الكل ثم يراعي التدريج فإن كان فيها المصحف الكريم جعله أعلى ~~الكل، والأولى أن يكون في خريطة ذات عروة في مسمار أو وتد في حائط طاهر ~~نظيف في صدر المجلس، ثم كتب الحديث الصرف كصحيح مسلم ثم تفسير القرآن ثم ~~تفسير الحديث ثم أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الفقه ثم النحو والتصريف ثم ~~أشعار العرب ثم العروض. # فإن استوى كتابان في فن أعلي أكثرها قرآنا أو ms52 حديثا، فإن استويا فبجلالة ~~المصنف، فإن استويا فأقدمهما كتابة وأكثرهما وقوعا في أيدي العلماء ~~والصالحين، فإن استويا فأصحهما. # وينبغي أن يكتب اسم الكتاب عليه في جانب آخر الصفحات من أسفل ويجعل رؤوس ~~حروف هذه الترجمة إلى الغاشية التي من جانب البسملة وفائدة هذه الترجمة ~~معرفة الكتاب وتيسر إخراجه من بين الكتب، وإذا وضع الكتاب على أرض أو تحت ~~فلتكن الغاشية التي من جهة البسملة وأول الكتاب إلى فوق، ولا يكثر وضع ~~الردة في أثنائه كيلا يسرع تكسيرها، ولا يضع ذوات القطع الكبير فوق ذوات ~~الصغير كيلا يكثر تساقطها. # ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها ولا مخدة ولا مروحة ولا مكبسا ~~ولا مسندا ولا متكأ ولا مقتلة للبق وغيره، ولاسيما في الورق فهو على الورق أشد. # ولا يطوي حاشية الورقة أو زاويتها ولا يعلم بعود أو شيء جاف بل بورقة أو ~~نحوها وإذا ظفر فلا يكبس ظفره قويا. # الرابع: # إذا استعار كتابا فينبغي له أن يتفقده عند إرادة أخذه ورده، وإذا اشترى ~~كتابا تعهد أوله وآخره ووسطه وترتيب أبوابه وكراريسه ويصفح أوراقه واعتبر ~~صحته ومما يغلب على الظن صحته إذا ضاق الزمان عن تفتيشه ما قاله الشافعي ~~رضي الله عنه قال: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة وقال ~~بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم يريد إصلاحه. # الخامس: # (1/60) PageV01P061 ~~إذا نسخ شيئا من كتب العلوم الشرعية فينبغي أن يكون على طهارة مستقبل ~~القبلة طاهر البدن والثياب بحبر طاهر ويبتدئ كل كتاب بكتابة: بسم الله ~~الرحمن الرحيم فإن كان الكتاب مبدوءا فيه بخطبة تتضمن حمد الله تعالى ~~والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وسلم - كتبها بعد البسملة وإلا كتب هو ~~ذلك بعدها. ثم كتب ما في الكتاب وكذلك يفعل في ختم الكتاب أو آخر كل جزء ~~منه بعد ما يكتب آخر الجزء الأول أو الثاني مثلا، ويتلوه كذا وكذا إن لم ~~يكن تم الكتاب ويكتب إذا كمل: تم الكتاب الفلاني، ففي ذلك فوائد كثيرة. # وكلما كتب اسم الله تعالى ms53 اتبعه بالتعظيم مثل تعالى أو سبحانه أو عز وجل ~~أو تقدس ونحو ذلك. # وكلما كتب اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بعده الصلاة عليه ~~والسلام عليه، ويصلي هو عليه بلسانه أيضا. # وجرت عادة السلف والخلف بكتابة - صلى الله عليه وسلم - ولعل ذلك لقصد ~~موافقة الأمر في الكتاب العزيز في قوله: { صلوا عليه وسلموا تسليما } ~~[الأحزاب: 56]، وفيه بحث يطول هاهنا. # ولا تختصر الصلاة في الكتاب ولو وقعت في السطر مرارا كما يفعل بعض ~~المحررين المتخلفين فيكتب: صلع، أو صلم، أو صلعم، وكل ذلك غير ليق بحقه - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقد ورد في كتابة الصلاة بكمالها وترك اختصارها آثار كثيرة. # وإذا مر بذكر الصحابي لاسيما الأكابر منهم كتب رضي الله عنه، ولا يكتب ~~الصلاة والسلام لأحد غير الأنبياء والملائكة إلا تبعا لهم. وكلما مر بذكر ~~أحد من السلف فعل ذلك أو كتب رحمه الله ولاسيما الأئمة الأعلام وهداة ~~الإسلام. # السادس: # (1/61) PageV01P062 ~~ينبغي أن يجتنب الكتابة الدقيقة في النسخ فإن الخط علامة فأبينه أحسنه، ~~وكان بعض السلف إذا رأى خطأ دقيقا قال: هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله ~~تعالى، وقال بعضهم: اكتب ما ينفعك وقت حاجتك إليه، ولا تكتب ما لا تنتفع به ~~وقت الحاجة. والمراد وقت الكبر وضعف البصر، وقد يقصد بعض السفارة بالكتابة ~~الدقيقة خفة المحمل فهذا وإن كان قصدا صحيحا إلا أن المصلحة الفائتة به في ~~آخر الأمر أعظم من المصلحة الحاصلة بخفة الحمل. # والكتابة بالحبر أولى من المداد لأنه أثبت. # قالوا: ولا يكون القلم صلبا جدا فيمنع سرعة الجري ولا رخوا فيسرع إليه الجفا. # وقال بعضهم: إذا أردت أن يجود خطك فأطل جلفتك واسمنها وحرف قطتك وايمنها. # ولتكن السكين حادة جدا لبراية الأقلام وكشط الورق خاصة، ولا تستعمل في ~~غير ذلك وليكن ما يقط عليه القلم صلبا جدا وهم يحمدون القصب الفارسي اليابس ~~جدا والآبنوس الصلب الصقل. # السابع: # إذا صحح الكتاب بالمقابلة على أصله الصحيح أو على شيخ فينبغي له أن يشكل ~~المشكل ويعجم المستعجم ms54 ويضبط الملتبس ويتفقد مواضع التصحيح إذا احتاج ضبطه ~~ما في متن الكتاب إلى ضبطه في الحاشية وبيانه فعل وكتب عليه بيانا وكذا إن ~~احتاج إلى ضبطه مبسوطا في الحاشية وبيان تفصيله مثل أن يكون في المتن اسم ~~حريز فيقول في الحاشية هو بالحاء المهملة وراء بعدها وبالياء الخاتمة بعدها ~~زاي أو هو بالجيم والياء الخاتمة بين رائين مهملتين وشبه ذلك. # وقد جرت العادة في الكتابة بضبط الحروف المعجمة بالنقط وأما المهملة ~~فمنهم من يجعل الإهمال علامة، ومنهم من ضبطه بعلامات تذكر عليها من قلب ~~النقط أو حكاية المثل أو بشكلة صغيرة كالهلال وغير ذلك. # (1/62) PageV01P063 ~~وينبغي أن يكتب على ما صححه وضبطه في الكتاب وهو في محل شك عند مطالعته أو ~~تطرق احتمال ح صغيرة ويكتب فوق ما وقع في التصنيف أو في النسخ وهو خطأ، ~~كذا، صغيرة، ويكتب في الحاشية صوابه كذا إن كان يتحققه وإلا فيعلم عليه ضبة ~~وهي صورة رأس صاد تكتب فوق الكتابة غير متصلة بها فإذا تحققه بعد ذلك وكان ~~المكتوبة صوابا زاد تلك الصاد حاء فتصير صح وإلا كتب الصواب في الحاشية كما تقدم. # وإذا وقع في النسخة زيادة فإن كانت كلمة واحدة فله أن يكتب عليها لا وأن ~~يضرب عليها، وإن كانت أكثر من ذلك ككلمات أو سطر أو أسطر فإن شاء كتب فوق ~~أولها من أو كتب لا وعلى آخرها إلى ومعناه من هنا ساقط إلى هنا، وإن شاء ~~ضرب على الجميع بأن يخط عليه خطا دقيقا يحصل به المقصود ولا يسود الورق ~~ومنهم من يجعل مكان الخط نقطا متتالية. # وإذا تكررت الكلمة سهوا من الكاتب ضرب على الثانية لوقوع الأولى صوابا في ~~موضعها إلا إذا كانت الأولى آخر سطر فإن الضرب عليها أولى صيانة لأول السطر ~~إلا إذا كانت مضافا إليها فالضرب على الثانية أولى لاتصال الأولى بالمضاف. # الثامن: # إذا أراد تخريج شيء في الحاشية ويسمى اللحق بفتح الحاء، علم له في موضعه ~~بخط منعطف قليلا إلى جهة التخريج وجهة اليمين ms55 أولى إن أمكن ثم يكتب التخريج ~~من محاذاة العلامة صاعدا إلى أعلى الورقة لا نازلا إلى أسفلها لاحتمال ~~تخريج آخر بعده ويجعل رؤوس الحروف إلى جهة اليمين سواء كان في جهة يمين ~~الكتابة أم يسارها. # وينبغي أن يحسن الساقط وما يجيء منه من الأسطر قبل أن يكتبها فإن كان ~~سطرين أو أكثر جعل آخر سطر منها يلي الكتابة إن كان التخريج عن يمينها وإن ~~كان التخريج عن يسارها جعل أول الأسطر مما يليها. # ولا يوصل الكتابة والأسطر بحاشية الورقة بل يدع مقدارا يحتمل الحك عند ~~حاجته مرات ثم يكتب في آخر التخريج صح، وبعضهم يكتب بعد صح الكلمة التي تلي ~~آخر الكلام في متن الكتاب علامة على اتصال الكلام. PageV01P064 # (1/63) # التاسع: # لا بأس بكتابة الحواشي والفوائد والتنبيهات المهمة على حواشي كتاب يملكه ~~ولا يكتب في آخره صح فرقا بينه وبين التخريج، وبعضهم يكتب عليه حاشية أو ~~فائدة، وبعضهم يكتبه في آخرها، ولا يكتب إلا الفوائد المهمة المتعلقة بذلك ~~الكتاب مثل تنبيه على إشكال أو احتراز أو رمز أو خطأ ونحو ذلك. # ولا يسوده بنقل المسائل والفروع الغريبة ولا يكثر الحواشي كثرة تظلم ~~الكتاب أو يضيع مواضعها على طالبها. # ولا ينبغي الكتابة بين الأسطر وقد فعله بعضهم بين الأسطر المفرقة بالحمرة ~~وغيرها وترك ذلك أولى مطلقا. # العاشر: # لا بأس بكتابة الأبواب والتراجم والفصول بالحمرة فإنه أظهر في البيان وفي ~~فواصل الكلام، وكذلك لا بأس به على أسماء ومذاهب أو أقوال أو طرق أو أنواع ~~أو لغات أو أعداد ونحو ذلك, ومتى فعل ذلك بين اصطلاحه في فاتحة الكتاب ~~ليفهم الخائض فيه معانيها وقد رمز بالأحمر جماعة من المحدثين والفقهاء ~~والأصوليين وغيرهم لقصد الاختصار. # فإن لم يكن ما ذكرناه من الأبواب والفصول والتراجم بالحمرة أتى بما يميزه ~~عن غيره من تغليظ القلم وطول المشق واتحاده في السطر ونحو ذلك ليسهل الوقوف ~~عليه عند قصده. # وينبغي أن يفصل بين كل كلامين بدائرة أو ترجمة أو قلم غليظ ولا يوصل ~~الكتابة كلها على طريق ms56 واحدة لما فيه من عسر استخراج المقصود يضيع الزمان ~~فيه ولا يفعل ذلك إلا غبي جدا. # الحادي عشر: # قالوا الضرب أولى من الحك، لاسيما في كتب الحديث لأن فيه تهمة وجهالة ~~فيما كان أو كتب، ولأن زمانه أكثر فيضيع وفعله أخطر فربما ثقب الورقة وأفسد ~~ما ينفذ إليه فأضعفها، فإن كان إزالة نقطة أو شكلة ونحو ذلك فالحك أولى. # (1/64) PageV01P065 ~~وإذا صحح الكتاب على الشيخ أو في المقابلة علم على وضع وقوفه بلغ أو بلغت ~~أو بلغ العرض أو غير ذلك مما يفيد معناه، فإن كان ذلك في سماع الحديث كتب ~~بلغ في الميعاد الأول أو الثاني إلى آخرها فيعين عدده، قال الخطيب: فيما ~~إذا أصلح شيئا ينشر المصلح بنحاتة الساج أو غيره من الخشب وينفي الشريب. # - - - ### | AUTO الباب الخامس في آداب سكنى المدارس # للمنتهي والطالب # الباب الخامس # في آداب سكنى المدارس للمنتهي والطالب # لأنها مساكنهم في الغالب # وهو أحد عشر نوعا: # الأول: # أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع ~~وأبعد عن البدع، بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة ووقفها من جهة حلال وأن ~~معلومها إن تناوله من طيب المال لأن الحاجة إلى الاحتياط في المسكن كالحاجة ~~إليه في المأكل والملبس وغيره. # ومهما أمكن التنزه عما أنشأه الملوك الذين لم يعلم حالهم في بنائها ~~ووقفها فهو أولى وأما من علم حاله فالإنسان على بينة من أمره مع أنه قل أن ~~يخلو جميع أعوانهم عن ظلم وعسف. # الثاني: # أن يكون المدرس بها ذا رياسة وفضل وديانة وعقل ومهابة وجلالة وناموس ~~وعدالة ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء يقرب المحصلين ويرغب المشتغلين ~~ويبعد اللغائين وينصف البحاثين حريصا على النفع مواظبا على الإفادة، وقد ~~تقدم سائر آدابه. # فإن كان له معيد فليكن من صلحاء الفضلاء وفضلاء الصلحاء صبورا على أخلاق ~~الطلبة حريصا على فائدتهم وانتفاعهم به قائما على وظيفة أشغالهم. # وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة أن لا يكثر البروز والخروج من غير حاجة؛ ~~فإن كثرة ذلك يسقط حرمته ms57 من العيون، ويواظب على الصلاة في الجماعة فيها ~~ليقتدي به أهلها ويتعودوا ذلك. # (1/65) PageV01P066 ~~وينبغي أن يجلس كل يوم في وقت معين ليقابل معه الجماعة الذين يطالعون دروسه ~~من كتبهم ويصححونها ويضبطون مشكلها ولغاتها واختلاف النسخ في بعض المواضع ~~(وأولاها بالصحة ليكونوا في مطالعتها على يقين فلا يضيع فكرهم ويتعب) بالشك ~~فيها سرهم. # وينبغي للمعيد بالمدرسة أن يقدم أشغال أهلها على غيرهم في الوقت المعتاد ~~أو المشروط إن كان يتناول معلوم الإعادة لأنه معين عليه ما دام معيدا، أو ~~أشغال غيرهم نفل أو فرض كفاية وأن يعلم المدرس (أو الناظر بمن يرجى فلاحه ~~ليزاد ما يستعين به ويشرح صدره وأن يطالبهم بعرض محفوظاتهم إن لم يعين لذلك ~~غيره) ويعيد لهم ما توقف فهمه عليهم من دروس المدرس ولهذا يسمى معيدا. # وإذا شرط الواقف استعراض المحفوظ كل شهر أو كل فصل على الجميع خفف قدر ~~العرض على من له أهلية البحث والفكر والمطالعة والمناظرة لأن الحمود على ~~النفس المسطور يشغل عن الفكر الذي هو أم التحصيل والتفقه. # وأما المبتدئون والمنتهون فيطالب كل منهم على ما يليق بحاله وذهنه وقد ~~تقدم سائر آداب العالم مع الطلبة. # الثالث: # أن يتعرف بشروطها ليقوم بحقوقها ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو ~~أولى لاسيما في المدارس التي ضيق في شروطها وشدد في وظائفها كما قد بلي ~~أكثر فقهاء الزمان به، نسأل الله تعالى القناعة بمنه وكرمه في خير وعافية، ~~فإن كان تحصيله البلغة يضيع زمانه ويعطله عن تمام الأشغال أو لم يكن له ~~حرفة أخرى. تحصل بلغته وبلغة عياله فلا بأس بالاستعانة بذلك بنية التفرغ ~~لأخذ العلم ونفع الناس به ولكن يتحرى القيام بجميع شروطها. # ويحاسب نفسه على ذلك ولا يحل في نفسه إذا طلب منه أو وبخ عليه بل يعد ذلك ~~نعمة من الله تعالى ويشكره عليه إذ وفق له من يكلفه القيام بما يخلصه من ~~ربقة الحرام والإثم واللبيب من كان ذا همة عالية ونفس سامية. # الرابع: # إذا حصر الواقف سكنى المدرسة على ms58 المرتبين بها دون غيرهم لم يسكن فيها غيرهم. # (1/66) PageV01P067 ~~فإن فعل كان عاصيا ظالما بذلك، وإن لم يحصر الواقف ذلك فلا بأس إذا كان ~~الساكن أهلا لها. # وإذا سكن في المدرسة غير مرتب بها فليكرم أهلها ويقدمهم على نفسه فيما ~~يحتاجون إليه منها، ويحضر درسها لأنه أعظم الشعائر المقصودة ببنائها ووقفها ~~لما فيه من القراءة والدعاء للواقف والاجتماع على مجلس الذكر وتذاكر العلم، ~~فإذا ترك الساكن فيها ذلك فقد ترك المقصود ببناء مسكنه الذي هو فيه وذلك ~~يخالف مقصود الواقف ظاهرا. # فإن لم يحضر غاب عنها وقت الدرس لأن عدم مجالستهم مع حضوره من غير عذر ~~إساءة أدب وترفع عليهم واستغناء عن فوائدهم واستهتار بجماعتهم. # وإن حضر فيها فلا يخرج في حال اجتماعهم من بيته إلا لضرورة ولا يتردد ~~إليه مع حضورهم ولا يدعو إليه أحدا أو يخرج منه أحدا ولا يتمشى في المدرسة ~~أو يرفع صوته بقراءة أو تكرار أو بحث رفعا منكرا أو يغلق بابه أو يفتحه ~~بصوت ونحو ذلك لما في ذلك كله من إساءة الأدب على الحاضرين والحمق عليهم. # ورأيت بعض العلماء القضاة لأعيان الصلحاء يشدد النكير على إنسان فقيه مر ~~في المدرسة وقت الدرس مع أنه كان قيما بمريض في المدرسة قريب للمدرس وكان ~~في حاجة له. # الخامس: # أن لا يشتغل فيها بالمعاشرة والصحبة ويرضى من سكنها بالسكة والخطبة بل ~~يقبل على شأنه وتحصيله وما بنيت المدرسة له يقطع العشرة فيها جملة لأنها ~~تفسد الحال وتضيع المآل كما تقدم. # واللبيب المحصل يجعل المدرسة منزلا يقضي وطره منه ثم يرتحل عنه فإن صاحب ~~من يعينه على تحصيل مقاصده ويساعده على تكميل فوائده وينشطه على زيادة ~~الطلب ويخفض عنه ما يجد من الضجر والنصب ممن يوثق بدينه وأمانته ومكارم ~~أخلاقه في مصاحبته فلا بأس بذلك بل هو حسن إذا كان ناصحا له في الله غير ~~لاعب ولا لاه. # (1/67) PageV01P068 ~~وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام في المدارس ومصاحبة ~~الفضلاء من أهلها وتكرر سماع ms59 الدروس فيها وتقدم غيره عليه بكثرة التحصيل ~~وليطالب نفسه كل يوم باستفادة علم جديد ويحاسبها على ما حصله فيها ليأكل ~~مقرره فيها حلالا. # فإن المدارس وأوقافها لم تجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد التعبد ~~بالصلاة والصيام كالخوانك، بل لتكون معينة على تحصيل العلم والتفرغ له ~~والتجرد عن الشواغل في أوطان الأهل والأقارب، والعاقل يعلم أن أبرك الأيام ~~عليه يوم يزداد فيه فضيلة وعلما ويكسب عدوه من الجن والإنس كربا وغما. # السادس: # أن يلزم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، ~~ويرعى لهم حق الجيرة والصحبة والأخوة في الدين والحرفة لأنهم أهل العلم ~~وحملته وطلابه. # ويتغافل عن تقصيرهم ويغفر زللهم ويستر عوراتهم ويشكر محسنهم ويتجاوز عن ~~مسيئهم. # فإن لم يستقر خاطره لسوء جيرتهم وخبث صفاتهم أو لغير ذلك فليرتحل عنها ~~ساعيا في جمع قلبه واستقرار خاطره، وإذا اجتمع قلبه فلا ينتقل من غير حاجة ~~فإن ذلك مكروه للمبتدئين جدا، وأشد منه كراهية تنقلهم من كتاب إلى كتاب كما ~~تقدم، فإنه علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح. # السابع: # أن يختار لجواره إن أمكن أصلحهم حالا وأكثرهم اشتغالا وأجودهم طبعا ~~وأصونهم عرضا؛ ليكون معينا له على ما هو بصدده، ومن الأمثال الجار قبل ~~الدار، والرفيق قبل الطريق، والطباع سراقة، ومن دأب الجنس التشبه بجنسه. # والمساكن العالية لمن لا يضعف عن الصعود إليها أولى بالمشتغل وأجمع ~~لخاطره إذا كان الجيران صالحين، وقد تقدم قول الخطيب: إن الغرف أولى ~~بالحفظ. # وأما الضعيف والمتهم ومن يقصد الفتيا والاشتغال عليه فالمساكن السفلية ~~أولى بهم. # والمراقي التي تقرب من الباب أو من الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي ~~الداخلية التي يحتاج فيها إلى المرور بأرض المدرسة أولى بالمجهولين ~~والمتهمين. # (1/68) PageV01P069 ~~والأولى أن لا يسكن المدرسة وسيم الوجه أو صبي ليس له فيها ولي فطن، وأن لا ~~يسكنها نساء في أمكنة تمر الرجال على أبوابها، أو لها كوى تشرف على ساحة ~~المدرسة. # وينبغي للفقيه أن لا يدخل إلى بيت من فيه ريبة أو شر أو قلة دين، ولا ms60 ~~يدخل إليه من يكرهه أهلها أو من ينقل سيئات سكانها أو ينم عليهم أو يوقع ~~بينهم أو يشغلهم عن تحصيلهم ولا يعاشر فيها غير أهلها. # الثامن: # إذا كان مسكنه في مسجد المدرسة أو في مكان الاجتماع ومروره على حصيره ~~وفرشه فليتحفظ عند صعوده إليه من سقوط شيء من نعليه ولا يقابل بأسفلهما ~~القبلة ولا وجوه الناس ولا ثيابه بل يجعل أسفل أحدهما إلى أسفل الأخرى بعد ~~نفضهما، ولا يلقيهما إلى الأرض بعنف، ولا يتركهما في مظنة مجالس الناس ~~والواردين إليها غالبا كطرفي الصفة بل يتركهما إذا تركهما في أسفل الوسط ~~ونحوه ولا يضعهما تحت الحصير في المسجد بحيث تنكسر. # وإذا سكن في البيوت العليا خفف المشي والاستلقاء عليها ووضع ما يثقل كيلا ~~يؤذي من تحته. # وإذا اجتمع اثنان من سكان العلو أو غيرهم في أعلى الدرجة بدأ أصغرهما ~~بالنزول قبل الكبير، والأدب للمتأخر أن يلبث ولا يسرع في النزول إلى أن ~~ينتهي المتقدم إلى آخر الدرجة من أسفل ثم ينزل، فإن كان كبيرا تأكد ذلك، ~~وإن اجتمعا في أسفل الدرجة للطلوع تأخر أصغرهما ليصعد أكبرهما قبله. # التاسع: # أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسا بل لا يجلس إذا أمكن إلا لحاجة أو في ندرة ~~لقبض أو ضيق صدر، ولا في دهليزها المهتوك إلى الطريق، فقد نهي عن الجلوس في ~~الطرقات وهذا منها، أو في معناها، لاسيما إن كان ممن يستحيا منه أو ممن هو ~~في محل تهمة أو لعب، ولأنها في مظنة دخول فقيه بطعامه وحاجته فربما استحيا ~~من الجالس أو يكلف سلامه عليهم، وفي مظنة دخول نساء من يتعلق بالمدرسة ويشق ~~عليه ذلك ويؤذيه ولأن في ذلك بطالة وتبذلا. # (1/69) PageV01P070 ~~ولا يكثر التمشي في ساحة المدرسة بطالا من غير حاجة إلى راحة أو رياضة أو ~~انتظار أحد، ويقلل الدخول والخروج ما أمكنه، ويسلم على من بالباب إذا مر به. # ولا يدخل ميضأتها العامة عند الزحام من العامة إلا لضرورة لما فيه من ~~التبذل، ويتأنى عنده، ويطرق الباب إن كان مردودا ms61 طرقا خفيفا ثلاثا ثم يفتحه ~~بتأن ولا يستجمر بالحائط فينجسه ولا يمسح يده المتنجسة بالحائط أيضا. # العاشر: # أن لا ينظر في بيت أحد في مروره من شقوق الباب ونحوه، ولا يلتفت إليه إذا ~~كان مفتوحا، وإن سلم سلم وهو مار من غير التفات، ولا يكثر الإشارة إلى ~~الطاقات لاسيما إن كان فيهن نساء. # ولا يرفع صوته جدا في تكرار أو نداء أحد أو بحث كيلا يشوش على غيره بل ~~يخفضه ما أمكنه مطلقا لاسيما بحضور المصلين أو حضور أهل الدرس، ويتحفظ من ~~شدة وقع القبقاب والعنف في إغلاق الباب، وإزعاج المشي في الدخول والخروج ~~والصعود والنزول وطرق باب المدرسة بشدة لا يحتاج إليها ونداء من بأعلى ~~المدرسة من أسفلها إلا أن يكون بصوت معتدل عند الحاجة. # وإذا كانت المدرسة مكشوفة إلى الطريق السالك من باب أو شباك تحفظ فيها عن ~~التجرد عن الثياب وكشف الرأس الطويل من غير حاجة. ويتجنب ما يعاب كالأكل ~~ماشيا وكلام الهزل غالبا، والبسط بالنعل، وفرط التمطي، والتمايل على الجنب ~~والقفا، والضحك الفاحش بالقهقهة، ولا يصعد إلى سطحها المشرف من غير حاجة أو ضرورة. # الحادي عشر: # أن يتقدم على المدرس في حضور موضع الدرس، ولا يتأخر إلى بعد جلوسه وجلوس ~~الجماعة فيكلفهم المعتاد من القيام ورد السلام وربما فيهم معذور فيجد في ~~نفسه منه ولا يعرف عذره. # (1/70) PageV01P071 ~~وقد قال السلف: من الأدب مع المدرس أن ينتظره الفقهاء ولا ينتظرهم، وينبغي ~~أن يتأدب في حضور الدرس بأن يحضره على أحسن الهيئات وأكمل الطهارات، وكان ~~الشيخ أبو عمرو يقطع من يحضر من الفقهاء الدرس محففا بغير عمامة، أو مفكك ~~إزاره الفرجية ويحسن جلوسه واستماعه وإيراده وجوابه وكلامه وخطابه. # (ولا يستفتح القراءة والتعوذ قبل المدرس)، وإذا دعا المدرس في أول الدرس ~~للحاضرين على العادة أجابه الحاضرون بالدعاء له أيضا، وكان بعض أكابر ~~مشايخي الزهاد الأعلام يزجر تارك ذلك ويغلظ عليه. # ويتحفظ من النوم والنعاس والحديث (والضحك وغير ذلك مما تقدم في أدب ~~المتعلم)، ولا يتكلم بين الدرسين إذا ms62 ختم المدرس الأول بقوله: والله أعلم، ~~إلا بإذن منه. # ولا يتكلم في مسألة أخذ المدرس الكلام في غيرها، ولا يتكلم بشيء حتى ينظر ~~فيه فائدة وموضعا، ويحذر المماراة في البحث والمغالبة فيه فإن ثارت نفسه ~~ألجمها بلجام الصمت والصبر والانقياد؛ لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - ~~من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة، فإن ذلك أقطع ~~لانتشار الغضب وأبعد عن منافرة القلوب، ويجتهد كل من الحاضرين على طهارة ~~القلب لصاحبه وخلوه عن الحقد وأن لا يقوم وفي نفسه منه شيء، وإذا قام من ~~الدرس فليقل ما جاء في الحديث: "سبحانك الله وبحمدك، ولا إله إلا أنت، ~~أستغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". # تم كتاب الآداب بحمد الله تعالى ومنه. # والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # - - - ms63